######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002697Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشوكاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فتح القدير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 5 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002697Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2697_فتح-القدير-الشوكاني-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير تأليف محمد ~~بن علي بن محمد الشوكاني وفاته بصنعاء 1250 ه‍ الجزء الأول عالم الكتب ~~PageV01P001 # ترجمة الإمام الشوكاني مأخوذة من كتابه البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن ~~السابع، ومن ترجمة تلميذه العلامة حسين بن محسن السبعي الأنصاري اليماني ~~PageV01P003 # نسبه ومولده هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني، ~~الإمام العلامة الرباني، والسهيل الطالع من القطر اليماني، إمام الأئمة ~~ومفتي الأمة، بحر العلوم وشمس الفهوم، سند المجتهدين الحفاظ، فارس المعاني ~~والألفاظ، فريد العصر، نادرة الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علامة ~~الزمان، ترجمان الحديث والقرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، ~~آخر المجتهدين، رأس الموحدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يسبق ~~إلى مثلها، قاضي قضاة أهل السنة والجماعة، شيخ الرواية والسماعة، عالي ~~الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد، على الأكابر الأمجاد، المطلع على حقائق ~~الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها. # ولد حسبما وجد بخطه في وسط نهار الاثنين الثامن والعشرين من شهر ذي ~~القعدة سنة 1173 هجرية في بلده هجرة شوكان. وتوفى رحمه الله ليلة الأربعاء ~~السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة 1250 ه‍. # قال صاحب الترجمة في كتابه " البدر الطالع " عند ذكر نسب والده: وعرف (أي ~~والده) في صنعاء بالشوكاني، نسبة إلى شوكان، وهي قرية من قرى السحامية إحدى ~~قبائل خولان، بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم، وهو أحد المواضع التي يطلق ~~عليها شوكان. قال في القاموس: وشوكان موضع بالبحرين وحصن باليمن، وبلدة بين ~~سرخس وأبيورد: منه عتيق بن محمد بن عنبس وأخوه أبو العلاء عنبس بن محمد ~~الشوكاني اه‍ ونسبة صاحب الترجمة إلى شوكان ليست حقيقية، لأن وطنه وطن سلفه ~~وقرابته بمكان عدني شوكان، بينه وبينها جبل كبير مستطيل، يقال له هجرة ~~شوكان، فمن هذه الحيثية كان انتساب أهله إلى شوكان، والله أعلم. # نشأته وطلبه العلم نشأ رحمه الله تعالى بصنعاء، وتربى في حجر أبيه على ~~العفاف والطهارة، وأخذ في طلب العلم وسماع العلماء الأعلام، وفرغ ms0001 نفسه ~~للطلب وجد واجتهد، فقرأ القرآن على جماعة من المعلمين، وختمه على الفقيه ~~حسن ابن عبد الله الهبل، وجوده على جماعة من مشايخ القرآن (بصنعاء). ثم حفظ ~~الأزهار للإمام مهدي في الفقه، ومختصر الفرائض للعصيفري، والملحة للحريري، ~~والكافية والشافية لابن الحاجب، والتهذيب للعلامة التفتازاني، والتلخيص في ~~علوم البلاغة للقزويني، والغاية لابن الإمام، وبعض مختصر المنتهى لابن ~~الحاجب في أصول الفقه، ومنظومة الجزري في القراءات، ومنظومة الجزار في ~~العروض، وآداب البحث، والمناظرة للإمام العضد، ورسالة الوضع له أيضا. وكان ~~حفظه لبعض هذه المختصرات قبل شروعه في الطلب، وبعضها بعد ذلك. وقبل شروعه ~~في الطلب كان كثير الاشتغال بمطالعة كتب التاريخ ومجاميع الأدب من أيام ~~كونه في المكتب، فطالع كتبا عدة ومجاميع كثيرة، ثم شرع في الطلب والسماع ~~والتلقي من أفواه الرجال، إلى أن صار إماما يشار إليه، ورأسا يرحل إليه، ~~ولم يزل مكبا على العلم قراءة وتدريسا، إلى أن فارقه أجله ولقي ربه، رحمه ~~الله تعالى ورضى عنه. PageV01P004 # مشايخه الذين أخذ عنهم العلم سماعا وقراءة قرأ رحمه الله على والده شرح ~~الأزهار، وشرح الناظري لمختصر العصيفري. وقرأ شرح الأزهار أيضا؟ # على السيد العلامة عبد الرحمن بن قاسم المداني، والعلامة أحمد بن عامر ~~الحدائي، والعلامة أحمد بن محمد الحرازي وبه انتفع في الفقه وعليه تخرج، ~~وطالت ملازمته له نحو ثلاث عشرة سنة، وكرر عليه قراءة شرح الأزهار وحواشيه. ~~وقرأ عليه بيان ابن مظفر، وشرح الناظري وحواشيه. وفى أيام قراءته في الفروع ~~شرع في قراءة النحو، فقرأ الملحة وشرحها على السيد العلامة إسماعيل بن ~~الحسن بن أحمد بن الحسن ابن الإمام القاسم ابن محمد. وقواعد الإعراب وشرحها ~~للأزهري والحواشي جميعا على العلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي، وشرح ~~السيد المفتى على الكافية على العلامة القاسم بن يحيى الخولاني والعلامة ~~عبد الله بن إسماعيل النهمي، وأكمله من أوله إلى آخره على كل واحد منهما. ~~وقرأ شرح الخبيصي على الكافية وحواشيه على العلامة عبد الله بن إسماعيل ~~النهمي من أوله إلى آخره، وكذلك قرأه من ms0002 أوله إلى آخره على شيخه العلامة ~~القاسم بن يحيى الخولاني. وقرأ شرح الجامي على الكافية مع ما يحتاج إليه من ~~حواشيه على السيد العلامة عبد الله بن الحسين بن علي ابن الإمام المتوكل ~~على الله إسماعيل من أوله إلى آخره. وقرأ شرح الرضى على الكافية على ~~العلامة القاسم بن يحيى الخولاني وبقى منه بقية يسيرة. وقرأ شرح الشافية ~~للطف الله الغياث جميعا على العلامة القاسم بن يحيى الخولاني. وقرأ شرح ~~إيساغوجي للقاضي زكريا على العلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي جميعا، وشرح ~~التهذيب للشيرازي ولليزدي على شيخه العلامة القاسم بن يحيى الخولاني من ~~أولهما إلى آخرهما، وشرح الشمسية للقطب وحاشيته للشريف على شيخه العلامة ~~الحسن بن إسماعيل المغربي، واقتصر على البعض من ذلك، وشرح التلخيص المختصر ~~للسعد وحاشيته للطف الله الغياث على العلامة القاسم بن يحيى الخولاني ~~جميعا، ما عدا بعض المقدمة فعلى العلامة علي بن هادي عرهب، والشرح المطول ~~للسعد التفتازاني أيضا وحاشيته للجلبي وللشريف، أما المطول فجميعه وكذلك ~~حاشية الجلبي، وأما حاشية الشريف فما تدعو إليه الحاجة، وقرأ الكافل وشرحه ~~لابن لقمان على العلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي جميعا، وشرح الغاية على ~~العلامة القاسم بن يحيى الخولاني وحاشيته لسيلان، وشرح العضد على المختصر ~~وحاشيته للسعد، وما تدعو إليه الحاجة من سائر الحواشي، وكمل ذلك على ~~العلامة الحسن بن إسماعيل المغربي، وشرح جمع الجوامع للمحلي وحاشيته لابن ~~أبي شريف على شيخه السيد الإمام عبد القادر بن أحمد. وكذلك شرح القلائد ~~للنجري، وشرح المواقف العضدية للشريف، واقتصر على البعض من ذلك. وقرأ شرح ~~الجزرية على العلامة هادي بن حسين القارني. وقرأ جميع شفاء الأمير الحسين ~~على العلامة عبد الله بن إسماعيل النهمي، وسمع أوائله على العلامة عبد ~~الرحمن بن حسن الأكوع. وقرأ في البحر الزخار وحاشيته وتخريجه وضوء النهار ~~على شرح الأزهار على الشيخ السيد العلامة عبد القادر بن أحمد ولم يكملا. ~~وقرأ الكشاف وحاشيته للسعد. وبعد انقطاعها حاشيته للسراج مع مراجعة غير ذلك ~~من الحواشي على شيخه العلامة ms0003 الحسن بن إسماعيل المغربي. وتم ذلك إلا فوتا ~~يسيرا في آخر الثلث الأوسط. وسمع البخاري من أوله إلى آخره على السيد ~~العلامة علي بن إبراهيم بن أحمد بن عامر. وسمع صحيح مسلم جميعه، وسنن ~~الترمذي جميعا، وبعض موطأ مالك. وبعض شفاء القاضي عياض على السيد العلامة ~~عبد القادر بن أحمد، وكذلك سمع منه PageV01P005 # بعض جامع الأصول وبعض سنن النسائي، وبعض سنن ابن ماجة وسمع جميع سنن أبي ~~داود وتخريجها للمنذري وبعض المعالم للخطابي، وبعض شرح ابن رسلان على ~~العلامة الحسن بن إسماعيل المغربي، وكذلك بعض المنتقى لابن تيمية على السيد ~~العلامة عبد القادر بن أحمد. وكذلك سمع شرح بلوغ المرام على العلامة الحسن ~~بن إسماعيل المغربي وفاته بعض من أوله. وكذلك سمع على العلامة عبد القادر ~~بن أحمد بعض فتح الباري، وعلى الحسن ابن إسماعيل بعض شرح مسلم للنووي، وبعض ~~شرح العمدة على العلامة القاسم بن يحيى الخولاني، والتنقيح في علوم الحديث ~~على العلامة الحسن بن إسماعيل المغربي، والنخبة وشرحها على العلامة القاسم ~~بن يحيى، وبعض ألفية الزين العراقي وشرحها له على السيد العلامة عبد القادر ~~بن أحمد، وجميع منظومة الجزار وجميع شرحها له في العروض على شيخنا المذكور، ~~وشرح آداب البحث وحواشيه على العلامة القاسم بن يحيى الخولاني، والخالدي في ~~الفرائض والضرب والوصايا والمساحة، وطريقة ابن الهائم في المناسخة على ~~السيد العارف يحيى بن محمد الحوثي، وبعض صحاح الجوهري وبعض القاموس على ~~السيد العلامة عبد القادر بن أحمد مع مؤلفه الذي سماه فلك القاموس. هذا ما ~~أمكن سرده من مسموعات صاحب الترجمة ومقروءاته وله غير ذلك من المسموعات. # بعض تلاميذه الذين أخذوا عنه العلم أخذ عنه العلم ابنه العلامة علي بن ~~محمد الشوكاني وكان صالحا عالما مبرزا في جميع العلوم وكان نادرة زمانه على ~~صغر سنه، والعلامة المتحلي بفرائض البيان والمعاني حسين بن محسن السبعي ~~الأنصاري اليماني، والعلامة الأديب محمد بن حسن الشجني الذماري، والعلامة ~~الشيخ عبد الحق بن فضل الهندي، والشريف الإمام محمد بن ناصر الحازمي وغير ~~هؤلاء، ms0004 وكلهم جهابذة محققون ونبلاء مدققون، أولو أفهام خارقة وفضائل فائقة، ~~ولبعضهم تآليف رحم الله الجميع. # مذهبه وعقيدته تفقه على مذهب الإمام زيد وبرع فيه، وألف وأفتى حتى صار ~~قدوة فيه، وطلب الحديث وفاق فيه أهل زمانه حتى خلع ربقة التقليد وتحلى ~~بمنصب الاجتهاد، فألف كتاب " السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار " وقد ~~تكلم فيه على عيون من المسائل وصحيح ما هو مقيد بالدلائل، وزيف ما لم يكن ~~عليه دليل، فقام عليه أهل عصره وغالبهم من المقلدة الجامدين على التعصب في ~~الأصول والفروع، ولم تزل المجادلة والمصاولة بينه وبينهم دائرة، ولم يزالوا ~~ينددون عليه في المباحث من غير حجة، فجعل كلامه في شرح الأزهار الذي هو في ~~فقه آل البيت المختار موجها إليهم في التنفير عن التقليد المذموم، وإيقاظهم ~~إلى النظر في الدليل، لأنه كان يرى تحريم التقليد، وقد ألف في ذلك رسالة ~~سماها " القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد " (1) وعند ما ألف هذه ~~الرسالة تحامل عليه جماعة من علماء الوقت، وأرسل إليه أهل جهته سهام اللوم ~~والمقت، (1) # PageV01P006 # وثارت من أجل ذلك فتنة في صنعاء اليمن بين من هو مقلد، ومن مقتد بالدليل، ~~توهما من المقلدين أنه ما أراد إلا هدم مذهب آل البيت. # قال بعض من ترجمه: وحاشاه من التعصب على من أوجب الله محبتهم، وجعل أجر ~~نبينا صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة مودتهم، لأن له الولاء التام ~~لهم. وقد نشر محاسنهم في مؤلفه در السحابة، بما لا يخالج بعده ريبة لمرتاب، ~~على أن كلامه مع الجميع من أهل المذاهب سواء بسواء، لأن المأخذ واحد، والرد ~~واحد والخطب يسير، والخلاف في المسائل العلمية الظنية سهل، وعقيدته عقيدة ~~مذهب السلف من حمل صفات الباري تعالى، الواردة في القرآن الحكيم والسنة ~~النبوية الصحيحة على ظاهره من غير تأويل ولا تحريف. وقد ألف رسالة في ذلك ~~سماها [التحف بمذهب السلف]. # ذكر مؤلفاته له مؤلفات مفيدة في فنون عديدة: منها، كتاب نيل الأوطار شرح ~~منتقى الأخبار في الحديث الشريف (1) وأدب الطلب ومنتهى ms0005 الأرب، وتحفة ~~الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين (2)، وإرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على ~~التوحيد والمعاد والنبوات: ردا على الخبيث موسى بن ميمون الأندلسي اليهودي ~~في ظاهر المستند والزنديق في باطن المعتقد، والطود المنيف في الانتصاف ~~للسعد من الشريف: في المسألة المشهورة التي تنازعا فيها بين يدي تيمور لنك، ~~وشفاء العلل في حكم الزيادة في الثمن لمجرد الأجل، وشرح الصدور في تحريم ~~رفع القبور، وطيب النشر في المسائل العشر: جواب عن سؤال القاضي العلامة عبد ~~الرحمن بن أحمد البهكلي، ورسالة أجاب بها الشريف إبراهيم بن أحمد بن إسحاق، ~~ومنها الصوارم الهندية المسلولة على الرياض الندية: # لإبطال قول من أوجب غسل الفرجين قبل الوضوء وجعله من أركانه كما هو مذهب ~~الزيدية، ورسالة في اختلاف العلماء في تقدير مدة النفاس، ورسالة في الرد ~~على القائل بوجوب التحية، والقول الصادق في حكم الإمام الفاسق، ورسالة في ~~حد السفر الذي يجب معه قصر الصلاة، وله تشنيف السمع بابطال أدلة الجمع: # يعنى جمع الصلاتين في الحضر ردا على القائلين بجوازه من الزيدية، ~~والرسالة المكملة في أدلة البسملة، واطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة ~~الجلال في الهلال من الاختلال، ورسالة في حكم الطلاق البدعي هل يقع أم لا، ~~ورسالة في أن الطلاق لا يتبع الطلاق، ورسالة في حكم رضاع الكبير هل يقتضى ~~التحريم أم لا، ورسالة تنبيه ذوي الحجا على حكم بيع الرجا، ورسالة القول ~~المحرر في حكم لبس المعصفر وسائر أنواع الأحمر، وعقود الزبرجد في جيد مسائل ~~علامة ضمد، ورسالة في إبطال دعوى الإجماع على تحريم السماع، ورسالة زهر ~~النسرين في حديث المعمرين، وإتحاف المهرة في الكلام على حديث: لا عدوى ولا ~~طيرة، وعقود الجمان في بيان حدود البلدان، وأخرى سماها إرشاد الأعيان إلى ~~تصحيح ما في عقود الجمان ردا على السيد العلامة حسين ابن يحيى الديلمي، ~~ورسالة حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال، وأخرى ردا على ~~مناقضها # PageV01P007 # السيد العلامة عبد الله بن عيسى بن محمد الكوكباني، التي سماها إرسال ~~المقال على إزالة ms0006 حل الإشكال، فرد شيخ الإسلام المترجم له على تعقبه بتفويق ~~النبال إلى إرشاد المقال، ورسالة البغية في مسألة الرؤية: يعنى رؤية الله ~~في الآخرة بين فيها مذهب أهل السنة، وزيف مقال أهل البدعة، والتشكيك على ~~التفكيك، وإرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي، ورسالة رفع الجناح ~~عن نافى المباح هل هو مأمور به أم لا، والقول المقبول في رد خبر المجهول من ~~غير صحابة الرسول، وجواب السائل عن قول الله تعالى - والقمر قدرناه منازل ~~-، وأمنية المتشوق إلى معرفة حكم علم المنطق، وإرشاد المستفيد إلى دفع كلام ~~ابن دقيق العيد في الإطلاق والتقييد، ورسالة وبل الغمامة في قوله تعالى - ~~وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة -، ورسالة في قول ~~المحدثين رجال إسناده ثقات، ورسالة البحث الملم المتعلق بقوله تعالى - لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم -، والبحث المسفر عن تحريم كل ~~مسكر ومفتر، ورسالة الدواء العاجل لدفع العدو الصائل، ورسالة عجيبة في رفع ~~المظالم والمآثم، والدر النضيد، في إخلاص كلمة التوحيد، ورسالة في وجوب ~~توحيد الله عز وجل، ورسالة المقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع على إثبات ~~الدار الآخرة، ونزهة الأحداق في علم الاشتقاق، ورفع الريبة فيما يجوز ومالا ~~يجوز من الغيبة، وتحرير الدلائل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من ~~الارتفاع والانخفاض والبعد والحائل، وكشف الأستار عن حكم الشفعة بالجوار، ~~والوشى المرقوم في تحريم التحلي بالذهب للرجال على العموم، وكشف الأستار في ~~إبطال القول بفناء النار، ورسالة في الإرشاد إلى مذهب السلف سماها: التحف ~~في الإرشاد إلى مذهب السلف: جواب سؤال ورد عليه من علماء مكة المشرفة في ~~إجراء الصفات الإلهية على ظاهرها من غير تأويل، ورسالة الصوارم الحداد ~~القاطعة لعلائق مقال أهل الإلحاد، ورسالة على حديث: الدنيا ملعونة ملعون ما ~~فيها إلا ذكر الله وما والاه، ورسالة إشراق النيرين في بيان الحكم إذا تخلف ~~عن الوعد أحد الخصمين، ورسالة في حكم التسعير، ورسالة نثر الجوهر في شرح ~~حديث أبي ذر، ورسالة منحة ms0007 المنان في أجرة القاضي والسجان، ورسالة في مسائل ~~العول، ورسالة تنبيه الأمثال على جواز الاستعانة من خالص المال: يعنى طلب ~~ولاة الجور من الأغنياء ظلما من المال يسمونه معونة، وقطر الولي في معرفة ~~الولي، والتوضيح في تواتر ما جاء في المهدى المنتظر والدجال والمسيح، ~~ورسالة في حكم الاتصال بالسلاطين، ورسالة جيد النقد في عبارة الكشاف ~~والسعد، ورسالة بغية المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل ~~التقليد، والروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع، ~~ورسالة فتح الخلاق في جواب مسائل عبد الرزاق مشتملة على جواب مائة وخمسين ~~سؤالا في علم المنطق، إلى غير ذلك من التصانيف التي لم يتسع المقام لبسطها ~~وذكرها. وأما الأبحاث التي اشتملت عليها فتاواه المسماة بالفتح الرباني ~~فكثيرة جدا، والله أعلم. PageV01P008 # مراجعه ا - النحاس: هو أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس أبو جعفر من أهل ~~مصر، رحل إلى بغداد فأخذ عن المبرد والأخفش علي بن سليمان ونفطويه والزجاج ~~وغيرهم، ثم عاد إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في سنة سبع وثلاثين ~~وثلاثمائة. # ب - ابن عطية: هو عبد الله بن عطية بن عبد الله بن حبيب أبو محمد المقرى ~~المفسر، مات سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، قيل إنه كان يحفظ خمسين ألف بيت ~~من الشعر للاستشهاد بها على معاني القرآن وغيره وكان ثقة. # ج - ابن عطية أيضا: هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي، عالم بالتفسير ~~والأحكام والحديث والفقه والنحو والأدب واللغة، حسن التقييد، له نظم ونثر. ~~ولى قضاء " المرية " من بلاد المغرب سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ألف كتابه ~~الوجيز في التفسير، فأحسن فيه وأبدع، وطار لحسن نيته كل مطار، كذا قال في ~~الإحاطة من مؤلفات المغاربة، ومولده سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفى سنة ~~ست وأربعين وخمسمائة في بلاد المغرب. # د - القرطبي: قال الذهبي في النبلاء في ترجمته ما لفظه: القرطبي الإمام ~~العلامة المفسر صاحب التصانيف أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج ~~الأنصاري القرطبي المالكي، نزيل منية ms0008 ابن خصيب من الديار المصرية، عمل ~~التفسير الكبير وتعب عليه وحشاه بكل فريدة، وألف كتاب الأسنى في الأسماء ~~الحسنى، وكتاب التذكرة في أمور الآخرة، وغير ذلك. وكان من أوعية العلم، ثم ~~قال: وسمع من ابن دواح وابن الحميري وأبى العباس بن المزني وعدة، روى عنه ~~بالإجازة ولده شهاب الدين أبو العباس بالمنية، ثم قال: ومات سنة نيف وسبعين ~~وستمائة في أوائل سنة إحدى بالمنية انتهى. # وقال في تاريخ الإسلام العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن ~~بكير بن فرج: الإمام القرطبي إمام متقن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة ~~تدل على كثرة اطلاعه ووفور فضله. ثم ذكر موته. # وقال بعده،: وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وله الأسنى في شرح ~~الأسماء الحسنى، والتذكرة، وأنها تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه ~~انتهى. # وقال الكتبي في تاريخه: كان شيخا فاضلا، وله تصانيف مفيدة على كثرة ~~اطلاعه ووفور علمه، منها تفسير القرآن مليح إلى الغاية في ستة عشر مجلدا ~~انتهى. PageV01P009 # تنبيه جرى المفسر رحمه الله في ضبط ألفاظ القرآن في تفسيره هذا على رواية ~~نافع مع تعرضه للقراءات السبع وأثبتنا القرآن طبق رسم المصحف العثماني ~~PageV01P010 # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (قرآن كريم) بسم الله الرحمن ~~الرحيم يروي المفتقر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى محمد بن محمد بن يحيى ~~زبارة الحسنى اليمني غفر الله له وللمؤمنين. # للقاضي الحافظ الشهير محمد بن علي بن محمد الشوكاني الصنعاني، المتوفى ~~سنة 1250 هجرية، عن المولى الجهبذ الكبير سيف الإسلام أحمد بن قاسم بن عبد ~~الله حميد الدين أبقاه الله تعالى، عن السيد الحافظ عبد الكريم بن عبد الله ~~أبي طالب الحسن اليمني، المتوفى سنة 1309، عن القاضي الحافظ أحمد بن محمد ~~بن علي الشوكاني، المتوفى سنة 1281، عن أبيه المؤلف. قال رحمه الله تعالى: # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل كتابه المبين كافلا ببيان ~~الأحكام، شاملا لما شرعه لعباده من الحلال والحرام، مرجعا للأعلام عند ~~تفاوت الأفهام وتباين الأقدام وتخالف الكلام، قاطعا ms0009 للخصام شافيا للسقام ~~مرهما للأوهام. فهو العروة الوثقى التي من تمسك بها فاز بدرك الحق القويم، ~~والجادة الواضحة التي من سلكها فقد هدى إلى الصراط المستقيم. # فأي عبارة تبلغ أدنى ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم، وأي لفظ يقوم ~~ببعض ما يليق به من التكريم والتفخيم. # كلا والله إن بلاغات البلغاء المصاقع، وفصاحات الفصحاء البواقع، وإن طالت ~~ذيولها، وسالت سيولها، واستنت بميادينها خيولها. تتقاصر عن الوفاء بأوصافه، ~~وتتصاغر عن التشبث بأدنى أطرافه، فيعود جيدها عنه عاطلا، وصفات ضوء الشمس ~~تذهب باطلا، فهو كلام من لا تحيط به العقول علما، ولا تدرك كنهه الطباع ~~البشرية فهما، فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه من الأوصاف العظام ~~أولى بالمقام، وأوفق بما تقتضيه الحال من الإجلال والإعظام. والصلاة ~~والسلام على من نزل إليه الروح الأمين، بكلام رب العالمين، محمد سيد ~~المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله المطهرين، وصحبه المكرمين. # وبعد: فإن أشرف العلوم على الإطلاق، وأولاها بالتفضيل على الاستحقاق، ~~وأرفعها قدرا بالاتفاق، هو PageV01P011 # علم التفسير لكلام القوي القدير، إذا كان على الوجه المعتبر في الورود ~~والصدر، غير مشوب بشئ من التفسير بالرأي الذي هو من أعظم الخطر، وهذه ~~الأشرفية لهذا العلم غنية عن البرهان، قريبة إلى الأفهام والأذهان، يعرفها ~~من يعرف الفرق بين كلام الخلق والحق، ويدري بها من يميز بين كلام البشر، ~~وكلام خالق القوى والقدر، فمن فهم هذا استغنى عن التطويل، ومن لم يفهمه ~~فليس بمتأهل للتحصيل، ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول ~~فيما أخرجه عنه الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ~~". # ولما كان هذا العلم بهذه المنزلة الشامخة الأركان، العالية البنيان، ~~المرتفعة المكان، رغبت إلى الدخول من أبوابه، ونشطت إلى القعود في محرابه، ~~والكون من أحزابه، ووطنت النفس على سلوك طريقة، هي بالقبول عند الفحول ~~حقيقة، وها أنا أوضح لك منارها، وأبين لك إيرادها وإصدارها فأقول: # إن غالب ms0010 المفسرين تفرقوا فريقين، وسلكوا طريقين: الفريق الأول اقتصروا في ~~تفاسيرهم على مجرد الرواية، وقنعوا برفع هذه الراية. والفريق الآخر جردوا ~~أنظارهم إلى ما تقتضيه اللغة العربية، وما تفيده العلوم الآلية، ولم يرفعوا ~~إلى الرواية رأسا، وإن جاءوا بها لم يصححوا لها أساسا، وكلا الفريقين قد ~~أصاب، وأطال وأطاب، وإن رفع عماد بيت تصنيفه على بعض الأطناب، وترك منها ما ~~لا يتم بدونه كمال الانتصاب، فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وإن كان المصير إليه متعينا، وتقديمه متحتما، غير أن ~~الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن، ولا ~~يختلف في مثل ذلك من أئمة هذا الشأن اثنان. وأما ما كان منها ثابتا عن ~~الصحابة رضي الله عنهم، فإن كان من الألفاظ التي قد نقلها الشرع إلى معنى ~~مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ ~~التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم. فإذا خالف ~~المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة ~~العرب. # فبالأولى تفاسير من بعدهم من التابعين وتابعيهم وسائر الأئمة. وأيضا ~~كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم ~~القرآني باعتبار المعنى اللغوي. ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر ~~المعاني التي تفيدها اللغة العربية، ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي ~~تتبين بها دقائق العربية وأسرارها كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك ~~هو تفسير باللغة، لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه. وقد أخرج سعيد بن منصور ~~في سننه. وابن المنذر والبيهقي في كتاب الرؤية عن سفيان قال: ليس في تفسير ~~القرآن اختلاف، إنما هو كلام جامع يراد منه هذا وهذا. وأخرج ابن سعد في ~~الطبقات وأبو نعيم في الحلية عن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء: لا تفقه ~~كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها. وأخرج ابن سعد أن عليا قال لابن عباس: اذهب ms0011 ~~إليهم - يعني الخوارج - ولا تخاصمهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم ~~بالسنة، فقال له: أنا أعلم بكتاب الله منهم. فقال: صدقت. ولكن القرآن حمال ~~ذو وجوه. وأيضا لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن ~~السلف. بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن، ولا اعتبار بما لم يصح كالتفسير ~~المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه. ~~وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين. وعدم الاقتصار على مسلك أحد ~~الفريقين. وهذا هو المقصد الذي وطنت نفسي عليه. والمسلك الذي عزمت على ~~سلوكه إن شاء الله مع تعرضي للترجيح بين التفاسير PageV01P012 # المتعارضة مهما أمكن واتضح لي وجهه، وأخذي من بيان المعنى العربي ~~والإعرابي والبياني بأوفر نصيب، والحرص على إيراد ما ثبت من التفسير عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو الصحابة أو التابعين أو تابعيهم، أو ~~الأئمة المعتبرين. وقد أذكر ما في إسناده ضعف، إما لكون في المقام ما ~~يقويه، أو لموافقته للمعنى العربي، وقد أذكر الحديث معزوا إلى راويه من غير ~~بيان حال الإسناد، لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها كذلك كما يقع في ~~تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والسيوطي وغيرهم، ويبعد كل البعد أن ~~يعلموا في الحديث ضعفا ولا يبينونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم قد ~~علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا ~~هو الذي يغلب به الظن، لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ~~ذلك، كما يقع منهم كثيرا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي ~~يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها فلينظر في أسانيدها موفقا إن شاء ~~الله. # واعلم أن تفسير السيوطي المسمى " بالدر المنثور " قد اشتمل على غالب ما ~~في تفاسير السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وتفاسير الصحابة ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر. وقد اشتمل هذا ~~التفسير على ms0012 جميع ما تدعو إليه الحاجة منه مما يتعلق بالتفسير، مع اختصار ~~لما تكرر لفظا واتحد معنى بقولي ومثله أو نحوه وضممت إلى ذلك فوائد لم ~~يشتمل عليها وجدتها في غيره من تفاسير علماء الرواية، أو من الفوائد التي ~~لاحت لي من تصحيح أو تحسين أو تضعيف، أو تعقب أو جمع أو ترجيح. # فهذا التفسير وإن كبر حجمه، فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه، وأصاب ~~غرض الحق سهمه، واشتمل على ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد ~~فوائد وقواعد شوارد، فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر ~~البسيطة، انظر تفاسير المعتمدين على الرواية، ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين ~~على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذي ~~عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب، وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب، ~~ونهاية مأرب الألباب. وقد شميته: # فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير مستمدا من ~~الله سبحانه بلوغ الغاية، والوصول بعد هذه البداية إلى النهاية، راجيا منه ~~جل جلاله أن يديم به الانتفاع ويجعله من الذخائر التي ليس لها انقطاع. # واعلم أن الأحاديث في فضائل القرآن كثيرة جدا، ولا يتم لصاحب القرآن ما ~~يطلبه من الأجر الموعود به في الأحاديث الصحيحة حتى يفهم معانيه. فإن ذلك ~~هو الثمرة من قراءته. # قال القرطبي: ينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما ~~فرض عليه، فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فما أقبح بحامل القرآن يتلو ~~فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم معنى ما يتلوه، فكيف يعمل بما لا ~~يفهم معناه، وما أقبح به أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من ~~هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا. # وينبغي له أن يعرف المكي من المدني، ليفرق بين ما خاطب الله به عباده في ~~أول الإسلام، وما ندبهم إليه في آخر الإسلام، وما فرض في أول الإسلام وما ~~زاد عليهم من الفرائض ms0013 في آخره، فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن. ~~PageV01P013 # وقال أيضا: قال علماؤنا: وأما ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة ~~والتابعين. فمن ذلك أن علي بن أبي طالب ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، ~~فقال له رجل: جعلت فداك، تصف جابرا بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف ~~تفسير قوله تعالى (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد). وقال مجاهد: ~~أحب الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل الله. وقال الحسن: والله ما أنزل الله ~~آية إلا أحب أن يعلم فيمن نزلت وما يعني بها. وقال الشعبي: # رحل مسروق في تفسير آية إلى البصرة، فقيل له إن الذي يفسرها رحل إلى ~~الشام، فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها. وقال عكرمة في قوله عز وجل ~~(ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة ~~سنة حتى وجدته. قال ابن عبد البر: هو ضميرة بن حبيب. وقال ابن عباس: مكثت ~~سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما يمنعني إلا مهابته، فسألته فقال: هي حفصة وعائشة. وقال ~~إياس بن معاوية: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم ~~جاءهم كتاب من عند مليكهم ليلا وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ~~ما في الكتاب. ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في ~~الكتاب. وذكر ابن أبي الحواري أن فضيل بن عياض قال لقوم قصدوه ليأخذوا عنه ~~العلم: لو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون، فقالوا: قد تعلمنا ~~القرآن، فقال: إن في تعلمكم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم، فقالوا: ~~كيف يا أبا علي؟ قال: لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه ومحكمه ومتشابهه ~~وناسخه من منسوخه فإذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة. وللسلف ~~رحمهم الله من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر. # سورة الفاتحة معنى الفاتحة في الأصل أول ما من شأنه أن يفتتح به، ms0014 ثم ~~أطلقت على أول كل شئ كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فسميت ~~هذه السورة " فاتحة الكتاب " لكونه افتتح بها، إذ هي أول ما يكتبه الكاتب ~~من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل ~~من القرآن. وقد اشتهرت هذه السورة الشريفة بهذا الاسم في أيام النبوة. قيل ~~هي مكية، وقيل مدنية. # وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول، والثعلبي في تفسيره عن علي رضي الله ~~عنه قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش. وأخرج ابن أبي شيبة في ~~المصنف، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة، والثعلبي والواحدي من ~~حديث عمرو بن شرحبيل " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما شكا إلى ~~خديجة ما يجده عند أوائل الوحي، فذهبت به إلى ورقة فأخبره فقال له: إذا ~~خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض، ~~فقال: لا تفعل، إذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبر، فلما خلا ~~ناداه يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم، حتى بلغ ولا الضالين " الحديث. ~~وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن رجل من بني سلمة قال: لما أسلمت فتيان بني ~~سلمة وأسلم ولد عمرو بن الجموح قالت امرأة عمرو له: هل لك أن تسمع من أبيك ~~ما روى عنه؟ فسأله فقرأ عليه: الحمد لله رب العالمين، وكان ذلك قبل الهجرة. ~~وأخرج أبو بكر بن الأنباري في المصاحف عن عبادة قال: فاتحة الكتاب نزلت ~~بمكة. فهذا جملة ما استدل به من قال إنها نزلت بمكة. # واستدل من قال إنها نزلت بالمدينة بما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ~~وأبو سعيد بن الأعرابي في معجمه، PageV01P014 # والطبراني في الأوسط من طريق مجاهد عن أبي هريرة " رن إبليس حين أنزلت ~~فاتحة الكتاب " وأنزلت بالمدينة. # وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو نعيم في ~~الحلية وغيرهم من طرق عن مجاهد قال: نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة، ms0015 وقيل إنها ~~نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة جمعا بين هذه الروايات. # وتسمى " أم الكتاب " قال البخاري في أول التفسير: وسميت أم الكتاب لأنه ~~يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وأخرج ابن الضريس في ~~فضائل القرآن عن أيوب عن محمد بن سيرين كان يكره أن يقول أم الكتاب ويقول: ~~قال الله تعالى " وعنده أم الكتاب " ولكن يقول فاتحة الكتاب. ويقال لها ~~الفاتحة لأنها يفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف ~~الإمام. قال ابن كثير في تفسيره: وصح تسميتها بالسبع المثاني، قالوا: لأنها ~~تثني في الصلاة فتقرأ في كل ركعة. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " لأم القرآن: هي أم القرآن، وهي السبع ~~المثاني، وهي القرآن العظيم ". وأخرج ابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة أيضا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " هي أم القرآن، وهي فاتحة ~~الكتاب، وهي السبع المثاني ". وأخرج نحوه ابن مردويه في تفسيره والدارقطني ~~من حديثه، وقال كلهم ثقات. وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم ~~فسروا قوله تعالى (سبعا من المثاني) بالفاتحة. # ومن جملة أسمائها كما حكاه في الكشاف سورة الكنز، والوافية، وسورة الحمد، ~~وسورة الصلاة. وقد أخرج الثعلبي أن سفيان بن عيينة كان يسمي فاتحة الكتاب ~~الواقية. وأخرج الثعلبي أيضا عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير أنه سأله ~~سائل عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، فقال عن الكافية تسأل؟ قال السائل: وما ~~الكافية؟ قال: الفاتحة، أما علمت أنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها. ~~وأخرج أيضا عن الشعبي أن رجلا اشتكى إليه وجع الخاصرة، فقال: عليك بأساس ~~القرآن، قال: وما أساس القرآن؟ قال: فاتحة الكتاب. وأخرج البيهقي في الشعب ~~عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله أعطاني فيما من به ~~علي فاتحة الكتاب، وقال هي من كنوز عرشي " وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده ~~عن علي نحوه مرفوعا. وقد ذكر القرطبي في ms0016 تفسيره للفاتحة اثني عشر اسما وهي ~~سبع آيات بلا خلاف كما حكاه ابن كثير في تفسيره. وقال القرطبي: أجمعت الأمة ~~على أن فاتحة الكتاب سبع آيات إلا ما روى عن حسين الجعفي أنها ست وهو شاذ. ~~وإلا ما روى عن عمرو بن عبيد أنه جعل إياك نعبد آية، فهي عنده ثمان، وهو ~~شاذ انتهى. وإنما اختلفوا في البسملة كما سيأتي إن شاء الله. وقد أخرج عبد ~~بن حميد، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن الأنباري في المصاحف عن محمد ~~بن سيرين أن أبي بن كعب وعثمان بن عفان كانا يكتبان فاتحة الكتاب ~~والمعوذتين، ولم يكتب ابن مسعود شيئا منهن. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ~~قال: كان عبد الله بن مسعود لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف، وقال: لو ~~كتبتها لكتبت في أول كل شئ. # وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري وأحمد وأبو ~~داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال له " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال: ~~فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك ~~أعظم سورة في القرآن؟ قال نعم - الحمد لله رب العالمين - هي السبع المثاني ~~والقرآن العظيم الذي أوتيته ". وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي بن ~~كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له " أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل ~~في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ ثم أخبره ~~أنها الفاتحة ". وأخرجه النسائي وأخرج أحمد في المسند PageV01P015 # من حديث عبد الله بن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " ألا ~~أخبرك بأخير سورة في القرآن؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمد لله رب ~~العالمين حتى تختمها " وفي إسناده ابن عقيل، وقد احتج به كبار الأئمة، ~~وبقية رجاله ثقات. وعبد الله بن جابر هذا هو العبدي كما ms0017 قال ابن الجوزي، ~~وقيل الأنصاري البياضي كما قال ابن عساكر. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ~~أبي سعيد " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أخبروه بأن رجلا رقى سليما ~~بفاتحة الكتاب: وما كان يدريه أنها رقية " الحديث. وأخرج مسلم في صحيحه، ~~والنسائي في سننه من حديث ابن عباس قال " بينا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء ~~فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: ~~فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته " وأخرج ~~مسلم والنسائي والترمذي، وصححه من حديث أبي هريرة " من صلى صلاة لم يقرأ ~~فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا، غير تامة ". وأخرج البزار في مسنده بسند ~~ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا وضعت جنبك ~~على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شئ إلا ~~الموت " وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن أبي زيد وكان له صحبة قال " ~~كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض فجاج المدينة، فسمع رجلا ~~يتهجد ويقرأ بأم القرآن، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستمع حتى ~~ختمها ثم قال ما في القرآن مثلها ". وأخرج سعيد بن منصور في سننه، والبيهقي ~~في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم ". وأخرج أبو الشيخ نحوه من حديثه، ~~وحديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرج الدارمي، والبيهقي في شعب الإيمان بسند ~~رجاله ثقات عن عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في فاتحة الكتاب " شفاء من كل داء ". وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي ~~وابن السني في عمل اليوم والليلة، وابن جرير والحاكم، وصححه عن ms0018 خارجة بن ~~الصلت التميمي عن عمه " أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل ~~راجعا من عنده، فمر على قوم وعندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: # أعندك ما تداوي به هذا؟ فإن صاحبكم قد جاء بخير، قال: فقرأت عليه فاتحة ~~الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية، أجمع بزاقي ثم أتفل فبرأ، ~~فأعطاني مائة شاة، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: ~~كل، فمن أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق ". وأخرج الفريابي في تفسيره عن ~~ابن عباس قال " فاتحة الكتاب ثلث القرآن ". وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ~~ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ أم ~~القرآن وقل هو الله أحد، فكأنما قرأ ثلث القرآن ". وأخرج عبد بن حميد في ~~مسنده بسند ضعيف عن ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ~~فاتحة الكتاب تعدل بثلثي القرآن ". وأخرج الحاكم وصححه وأبو ذر الهروي في ~~فضائله، والبيهقي في الشعب عن أنس قال " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في مسير له، فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: ألا أخبرك بأفضل القرآن، فتلا عليه الحمد لله رب ~~العالمين ". وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " فاتحة الكتاب تجزي ما لا يجزي شئ من القرآن، ولو ~~أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان، وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت ~~فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات ". وأخرج أو عبيد في فضائله عن الحسن ~~مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ فاتحة الكتاب ~~فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ". PageV01P016 # بسم الله الرحمن الرحيم اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة ~~كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة، أو هي كذلك في الفاتحة ms0019 فقط ~~دون غيرها، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل؟ والأقوال ~~وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك. وقد اتفقوا على أنها بعض آية في ~~سورة النمل. وقد جزم قراء مكة والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة. ~~وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من ~~غيرها من السور، قالوا: وإنما كتبت للفصل والتبرك. وقد أخرج أبو داود ~~بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يعرف ~~فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرجه الحاكم في ~~المستدرك. # وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية " وفي إسناده عمرو ~~بن هارون البلخي وفيه ضعف، وروى نحوه الدارقطني مرفوعا عن أبي هريرة. # وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة. وقد أخرج ~~النسائي في سننه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك ~~عن أبي هريرة " أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني ~~لأشبهكم صلاة برسول صلى الله عليه وآله وسلم " وصححه الدارقطني والخطيب ~~والبيهقي وغيرهم. # وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم " قال الترمذي: وليس إسناده ~~بذاك. وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ " كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ثم قال صحيح. وأخرج ~~البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: كانت قراءته مدا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ~~ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن ~~خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت " كان رسول الله ~~صلى الله عليه ms0020 وآله وسلم يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب ~~العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين " وقال الدارقطني: إسناده صحيح. # واحتج من قال بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة ~~قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، ~~والقراءة بالحمد لله رب العالمين ". وفي الصحيحين عن أنس قال " صليت خلف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون ~~بالحمد لله رب العالمين ". ولمسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في ~~أول قراءة ولا في آخرها ". وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل. # وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة. وأحاديث الترك وإن كانت ~~أصح ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجا من مخرج صحيح، فالأخذ به أولى ولا ~~سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي، أعني كونها قرآنا، ~~والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة. ~~ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالا وردا وتعقبا ودفعا، ورواية ~~ودراية موضع غير هذا. ومتعلق الباء محذوف وهو أقرأ أو أتلو لأنه المناسب ~~لما جعلت البسملة مبدأ له، فمن قدره متقدما كان غرضه الدلالة بتقديمه على ~~الاهتمام بشأن الفعل. # ومن قدره متأخرا كان غرضه الدلالة بتأخيره على الاختصاص مع ما يحصل في ~~ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم والإشارة إلى أن البداية به أهم لكون التبرك ~~حصل به، وبهذا يظهر رجحان تقدير الفعل متأخرا في مثل هذا المقام، ~~PageV01P017 # ولا يعارضه قوله تعالى - اقرأ باسم ربك الذي خلق - لأن ذلك المقام مقام ~~القراءة، فكان الأمر بها أهم، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر ~~اسما أو فعلا فلا يتعلق بذلك كثير فائدة. والباء للاستعانة أو للمصاحبة، ~~ورجح الثاني الزمخشري. واسم أصله سمو حذفت لامه، ولما كان من الأسماء التي ~~بنوا أوائلها على السكون زادوا في أوله الهمزة إذا نطقوا به لئلا يقع ~~الابتداء بالساكن، وهو اللفظ الدال على المسمى، ومن ms0021 زعم أن الاسم هو المسمى ~~كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن فورك، وحكاه الرازي عن الحشوية ~~والكرامية والأشعرية فقد غلط غلطا بينا، وجاء بما لا يعقل، مع عدم ورود ما ~~يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب، بل العلم ~~الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي ~~هو مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة " وقال الله عز وجل - ~~ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها - وقال تعالى - قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى -. والله علم لذات الواجب الوجود لم ~~يطلق على غيره، وأصله إله حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة التعريف فلزمت. وكان ~~قبل الحذف من أسماء الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على ~~المعبود بحق كالنجم والصعق، فهو قبل الحذف من الأعلام الغالبة، وبعده من ~~الأعلام المختصة. والرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة على طريقة ~~المبالغة. ورحمن أشد مبالغة من رحيم. وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية ~~الاتفاق على هذا، ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا. وقد تقرر ~~أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقال ابن الأنباري والزجاج: إن ~~الرحمن عبراني والرحيم عربي وخالفهما غيرهما. والرحمن من الصفات الغالبة لم ~~يستعمل في غير الله عز وجل. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمن اليمامة. ~~فقال في الكشاف: إنه باب من تعنتهم في كفرهم، قال أبو علي الفارسي: الرحمن ~~اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو في جهة ~~المؤمنين، قال الله تعالى - وكان بالمؤمنين رحيما - وقد ورد في فضلها ~~أحاديث. منها ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه وابن خزيمة في كتاب البسملة ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن. بسم ~~الله الرحمن الرحيم. وأخرج نحوه أبو عبيد وابن مردويه ms0022 والبيهقي في شعب ~~الإيمان عنه أيضا. وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقى علي بسم ~~الله الرحمن الرحيم. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره والحاكم في المستدرك، ~~وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس " أن عثمان بن عفان سأل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال: هو اسم من أسماء ~~الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من ~~القرب ". وأخرج ابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبو نعيم في ~~الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق، والثعلبي بسند ضعيف جدا عن أبي سعيد ~~الخدري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه ~~إلى الكتاب لتعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له ~~عيسى: وما بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال المعلم: لا أدري، فقال له عيسى: ~~الباء بهاء الله، والسين سناه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن ~~رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة " وفي إسناده إسماعيل بن يحيى ~~وهو كذاب، وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات. وأخرج ابن مردويه ~~والثعلبي عن جابر قال: لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى ~~المشرق، وسكنت الريح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين ~~من السماء. وحلف الله بعزته وجلاله أن لا تسمى على شئ إلا بارك فيه. وأخرج ~~PageV01P018 # أبو نعيم والديلمي عن عائشة قالت: لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم ضجت ~~الجبال حتى سمع أهل مكة دويها، فقالوا: # سحر محمد الجبال، فبعث الله دخانا حتى أظل على أهل مكة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم موقنا سبحت معه ~~الجبال إلا أنه لا يسمع ذلك منها ". وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ بسم ms0023 الله الرحمن الرحيم ~~كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة. ورفع له ~~أربعة آلاف درجة ". وأخرج الخطيب في الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل ~~كتاب ". وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام عليها بما يتبين ~~بعد البحث إن شاء الله. وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع ~~منها عند الوضوء. وعند الذبيحة، وعند الأكل، وعند الجماع وغير ذلك. # (الحمد لله) الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، وبقيد ~~الاختيار فارق المدح، فإنه يكون على الجميل وإن لم يكن الممدوح مختارا كمدح ~~الرجل على جماله وقوته وشجاعته. وقال صاحب الكشاف: إنهما أخوان، والحمد أخص ~~من الشكر موردا وأعم منه متعلقا. فمورد الحمد اللسان فقط، ومتعلقه النعمة ~~وغيرها. ومورد الشكر اللسان والجنان والأركان ومتعلقه النعمة. وقيل إن مورد ~~الحمد كمورد الشكر لأن كل ثناء باللسان لا يكون من صميم القلب مع موافقة ~~الجوارح ليس بحمد بل سخرية واستهزاء. وأجيب بأن اعتبار موافقة القلب ~~والجوارح في الحمد لا يستلزم أن يكون موردا له بل شرطا - وفرق بين الشرط ~~والشطر وتعريفه لاستغراق أفراد الحمد وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى أن ~~حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل: أو على أن حمده هو ~~الفرد الكامل فيكون الحصر ادعائيا. ورجح صاحب الكشاف أن التعريف هنا هو ~~تعريف الجنس لا الاستغراق، والصواب ما ذكرناه. وقد جاء في الحديث " اللهم ~~لك الحمد كله " وهو مرتفع بالابتداء وخبره الظرف وهو لله. # وأصله النصب على المصدرية بإضمار فعله كسائر المصادر التي تنصبها العرب، ~~فعدل عنه إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبات المستفاد من الجمل ~~الاسمية دون الحدوث والتجديد اللذين تفيدهما الجمل الفعلية واللام الداخلة ~~على الاسم الشريف هي لأم الاختصاص. قال ابن جرير: الحمد ثناء أثنى به على ~~نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: " قولوا الحمد ms0024 لله، ثم ~~رجح اتحاد الحمد والشكر مستدلا على ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة ~~بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر. قال ابن كثير وفيه نظر ~~لأنه اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على ~~المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية. # ويكون بالجنان واللسان والأركان انتهى. ولا يخفى أن المرجع في هذا إلى ~~معنى الحمد في لغة العرب لا إلى ما قاله جماعة من العلماء المتأخرين، فإن ~~ذلك لا يرد على ابن جرير، ولا تقوم به الحجة، هذا إذا لم يثبت للحمد حقيقة ~~PageV01P019 # شرعية، فإن ثبتت وجب تقديمها، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~قال عمر: قد علمنا سبحان الله ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي: ~~كلمة رضيها لنفسه. وروى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس أنه قال: # الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد الحمد لله قال شكرني عبدي. وروى هو ~~وابن جرير عن ابن عباس أيضا أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله والاستحذاء له ~~والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك. وروى ابن جرير عن الحكم بن ~~عمير، وكانت له صحبة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إذا قلت ~~الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك ". وأخرج عبد الرزاق في المصنف ~~والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابي في الغريب والبيهقي في الأدب ~~والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله ابن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال " الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده ~~". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال " الصلاة ~~شكر والصيام، وكل خير تفعله شكر وأفضل الشكر الحمد ". وأخرج الطبراني في ~~الأوسط بسند ضعيف عن النواس بن سمعان قال " سرقت ناقة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: لئن ردها الله علي لأشكرن ربي فرجعت، فلما رآها قال: ~~الحمد لله، فانتظروا هل يحدث رسول الله ms0025 صلى الله عليه وآله وسلم صوما أو ~~صلاة، فظنوا أنه نسي فقالوا: يا رسول الله قد كنت قلت: لئن ردها الله على ~~لأشكرن ربي، قال: ألم أقل الحمد لله؟ ". # وقد ورد في فضل الحمد أحاديث. منها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ~~وصححه، والبخاري في الأدب المفرد عن الأسود بن سريع قال: " قلت يا رسول ~~الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال: أما إن ربك يحب ~~الحمد ". وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن ~~جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أفضل الذكر لا إله إلا ~~الله، وأفضل الدعاء الحمد لله ". وأخرج ابن ماجة والبيهقي بسند حسن عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما أنعم الله على عبد نعمة ~~فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ ". وأخرج الحكيم الترمذي في ~~نوادر الأصول والقرطبي في تفسيره عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله، ~~لكان الحمد أفضل من ذلك " قال القرطبي: معناه لكان إلهامه الحمد أكبر نعمة ~~عليه من نعم الدنيا، لأن ثواب الحمد لا يفنى. # ونعيم الدنيا لا يبقى. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان ~~الحمد أفضل منها ". وأخرج عبد الرزاق في المصنف نحوه عن الحسن مرفوعا. ~~وأخرج مسلم والنسائي وأحمد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان " ~~الحديث. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه عن رجل من ~~بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " سبحان الله نصف ~~الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، ~~والطهور نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر ". وأخرج الحكيم الترمذي عن ms0026 عبد ~~الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " التسبيح نصف ~~الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى ~~تخلص إليه ". وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما شئ أكثر معاذير من الله، ~~وما شئ أحب إلى الله من الحمد " وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي عن أبان ~~بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " التوحيد PageV01P020 # ثمن الجنة، والحمد ثمن كل نعمة، ويتقاسمون الجنة بأعمالهم ". وأخرج أهل ~~السنن وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ". وأخرج ابن ~~ماجة في سننه عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثهم أن ~~عبدا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ~~فلم يدر الملكان كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء فقال: يا ربنا إن عبدا قد ~~قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال ~~عبدي؟ قالا يا رب إنه قال: لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. ~~فقال الله لهما: أكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني وأجزيه بها ". وأخرج مسلم ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله ليرضى عن ~~العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ". # (رب العالمين) قال في الصحاح: الرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في ~~غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في الكشاف: الرب ~~المالك. ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن ~~يربني رجل من هوازن، ثم ذكر نحو كلام الصحاح. قال القرطبي في تفسيره: " ~~والرب السيد، ومنه قوله تعالى - اذكرني عند ربك - وفي الحديث ms0027 " أن تلد ~~الأمة ربها "، والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم قال: والرب المعبود. ~~ومنه قوله الشاعر: # أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد حديث هان من بالت عليه الثعالب والعالمين: ~~جمع العالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، قاله قتادة. وقيل أهل كل زمان ~~عالم، قاله الحسين بن الفضل. وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس. وقال ~~الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم: # الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين. ولا يقال للبهائم عالم، لأن هذا ~~الجمع إنما هو جمع ما يعقل. حكى هذه الأقوال القرطبي في تفسيره وذكر أدلتها ~~وقال: إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق وموجود، دليله ~~قوله تعالى - قال فرعون وما رب العالمين؟ قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما - وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده، كذا قال الزجاج، ~~وقال: العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة انتهى. وعلى هذا يكون جمعه ~~على هذه الصيغة المختصة بالعقلاء تغليبا للعقلاء على غيرهم. وقال في ~~الكشاف: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم. وقد أخرج ~~ما تقدم من قول ابن عباس عنه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. ~~وأخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير. وأخرج ابن جبير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله تعالى - رب العالمين - قال: إله الخلق كله السماوات كلهن ومن ~~فيهن. والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم. # (الرحمن الرحيم) قد تقدم تفسيرهما. قال القرطبي: وصف نفسه تعالى بعد رب ~~العالمين بأنه الرحمن الرحيم، لأنه لما كان في اتصافه برب العالمين ترهيب ~~قرنه بالرحمن الرحيم لما تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه ~~والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال تعالى - نبئ عبادي أني ~~أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم - وقال - غافر الذنب وقابل ~~التوب شديد العقاب -. وفي صحيح مسلم عن ms0028 أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في ~~جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد " ~~انتهى. وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله - الحمد لله رب العالمين - ~~قال: ما وصف من خلقه، وفي قوله الرحمن الرحيم، قال: مدح نفسه. PageV01P021 # ثم ذكر بقية الفاتحة (مالك يوم الدين) قرئ ملك ومالك وملك بسكون اللام ~~وملك بصيغة الفعل. وقد اختلف العلماء أيما أبلغ ملك أو مالك؟ فقيل إن ملك ~~أعم وأبلغ من مالك، إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولأن أمر الملك ~~نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيد ~~والمبرد ورجحه الزمخشري. # وقيل مالك أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم. ~~وقال أبو حاتم: إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من ملك. وملك أبلغ في مدح ~~المخلوقين من مالك، لأن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان ~~الله تعالى مالكا كان ملكا. واختار هذا القاضي أبو بكر بن العربي. والحق أن ~~لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا ~~يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، ~~والملك يقدر على مالا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير ~~الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، ~~والملك أقوى من المالك في بعض الأمور. والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب ~~سبحانه أن الملك صفة لذاته، والمالك صفة لفعله. ويوم الدين: يوم الجزاء من ~~الرب سبحانه لعباده كما قال - وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله - وهذه الإضافة إلى ~~الظرف على طريق الاتساع كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار، ويوم الدين وإن ~~كان متأخرا فقد يضاف ms0029 اسم الفاعل وما في معناه إلى المستقبل كقولك: هذا ضارب ~~زيدا غدا. وقد أخرج الترمذي عن أم سلمة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يقرأ ملك بغير ألف. وأخرج نحوه ابن الأنباري عن أنس. وأخرج أحمد ~~والترمذي عن أنس أيضا " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر ~~وعثمان كانوا يقرءون مالك بالألف ". وأخرج نحوه سعيد ابن منصور عن ابن عمر ~~مرفوعا. وأخرج نحوه أيضا وكيع في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داود عن الزهري ~~يرفعه مرسلا، وأخرجه أيضا عبد الرزاق في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داود عن ~~ابن المسيب مرفوعا مرسلا. وقد روى هذا من طرق كثيرة، فهو أرجح من الأول. ~~وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يقرأ مالك يوم الدين " وكذا رواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود ~~مرفوعا. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم ~~فسروا يوم الدين بيوم الحساب. وكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: يوم الدين ~~يوم يدين الله العباد بأعمالهم. # (إياك نعبد وإياك نستعين) قراءة السبعة وغيرهم بتشديد الياء، وقرأ عمرو ~~بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وقرأ الفضل والرقاشي بفتح الهمزة، وقرأ أبو ~~السوار الغنوي " هياك " في الموضعين وهي لغة مشهورة. والضمير المنفصل هو " ~~إيا " وما يلحقه من الكاف والهاء والياء هي حروف لبيان الخطاب والغيبة ~~والتكلم، ولا محل لها من الإعراب كما ذهب إليه الجمهور، وتقديمه على الفعل ~~لقصد الاختصاص، وقيل للاهتمام، والصواب أنه لهما ولا تزاحم بين المقتضيات. ~~والمعنى: نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ~~والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل. قال ابن كثير: وفي الشرع عبارة عما ~~يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، وعدل عن الغيبة إلى الخطاب لقصد ~~الالتفات، لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى آخر كان أحسن تطرية لنشاط ~~السامع وأكثر إيقاظا له ms0030 كما تقرر في علم المعاني. والمجئ بالنون في الفعلين ~~لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد، وقيل إن المقام لما ~~كان عظيما لم يستقل به الواحد استقصارا لنفسه واستصغارا لها، فالمجئ بالنون ~~لقصد PageV01P022 # التواضع لا لتعظيم النفس، وقدمت العبادة على الاستعانة لكون الأولى وسيلة ~~إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد ~~التعميم. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله إياك نعبد: ~~يعني إياك نوحد ونخاف يا ربنا لا غيرك، وإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا ~~كلها. وحكى ابن كثير عن قتادة أنه قال في إياك نعبد وإياك نستعين: يأمركم ~~أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم. وفي صحيح مسلم من حديث ~~المعلى بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ~~ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال: ~~حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم ~~الدين قال: مجدني عبدي، فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني ~~وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". ~~وأخرج أبو القاسم البغوي والباوردي معا في معرفة الصحابة والطبراني في ~~الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال " كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة فلقى العدو فسمعته يقول: يا مالك يوم ~~الدين إياك نعبد وإياك نستعين. قال: فلقد رأيت الرجال تصرع فتضربها ~~الملائكة من بين يديها ومن خلفها ". # (اهدنا الصراط المستقيم) قرأه الجمهور بالصاد، وقرأ السراط بالسين، ~~والزراط بالزاي، والهداية قد يتعذر فعلها بنفسه كما هنا، وكقوله - وهديناه ~~النجدين - وقد يتعدى بإلى كقوله - اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم - - ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم - وإنك ms0031 لتهدي إلى صراط مستقيم - وقد يتعدى باللام ~~كقوله - الحمد لله الذي هدانا لهذا - إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم - ~~قال الزمخشري: أصله أن يتعدى باللام أو بإلى انتهى. وهي الإرشاد أو التوفيق ~~أو الإلهام أو الدلالة. وفرق كثير من المتأخرين بين معنى المتعدي بنفسه ~~وغير المتعدي فقالوا: معنى الأول الدلالة، والثاني الإيصال. وطلب الهداية ~~من المهتدي معناه طلب الزيادة كقوله تعالى - والذين اهتدوا زادهم هدى - ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا - والصراط: الطريق، قال ابن جرير: أجمعت ~~الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم: هو الطريق الواضح الذي ~~لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب. قال: ثم تستعير العرب الصراط ~~فتستعمله فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه. وقد أخرج الحاكم وصححه ~~وتعقبه الذهبي عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ ~~اهدنا الصراط المستقيم بالصاد ". وأخرج سعيد ابن منصور وعبد بن حميد ~~والبخاري في تاريخه عن ابن عباس " أنه قرأ الصراط بالسين "، وأخرج ابن ~~الأنباري عن ابن كثير أنه كان يقرأ السراط بالسين. وأخرج أيضا عن حمزة أنه ~~كان يقرأ الزراط بالزاي. قال الفراء: هي لغة لعذرة وكلب وبني القين. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال " اهدنا الصراط المستقيم يقول: ألهمنا ~~دينك الحق ". وأخرج ابن جرير عنه وابن المنذر نحوه. وأخرج وكيع وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله أنه قال " ~~هو دين الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض ". وأخرج نحوه ابن جرير عن ~~ابن عباس، وأخرج نحوه أيضا عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرج أحمد ~~والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه، ~~وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي ~~PageV01P023 # الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة. وعلى باب ~~الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا ms0032 الصراط جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو ~~من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك ~~لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه " فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، ~~والأبواب المفتحة: # محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق: ~~واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم. قال ابن كثير بعد إخراجه: وهو إسناد حسن ~~صحيح. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو بكر الأنباري والحاكم ~~وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود أنه قال " هو كتاب الله ". ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وابن ~~عساكر عن أبي العالية قال: هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحباه ~~من بعده. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي العالية عن ابن عباس مثله. وروى ~~القرطبي عن الفضيل بن عياض أنه قال: الصراط المستقيم طريق الحج. قال: وهذا ~~خاص والعموم أولى انتهى. وجميع ما روى في تفسير هذه الآية ما عدا هذا ~~المروي عن الفضيل يصدق بعضه على بعض، فإن من اتبع الإسلام أو القرآن أو ~~النبي فقد اتبع الحق. وقد ذكر ابن جرير نحو هذا فقال: والذي هو أولى بتأويل ~~هذه الآية عندي معنيا به، وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت ~~عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق إليه ممن ~~أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام ~~وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به والانزجار عما ~~زجره عنه، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنهاج الخلفاء ~~الأربعة وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم انتهى. # (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) انتصب صراط على ~~أنه بدل من الأول، وفائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، ويجوز أن ~~يكون عطف بيان، وفائدته الإيضاح. والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في ~~سورة النساء حيث قال - ومن يطع الله ورسوله ms0033 فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ذلك ~~الفضل من الله وكفى بالله عليما - وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام، وغير ~~المغضوب عليهم بدل من الذين أنعمت عليهم على معنى أن المنعم عليهم هم الذين ~~سلموا من غضب الله والضلال، أو صفة له على معنى أنهم جمعوا بين النعمتين ~~نعمة الإيمان والسلامة من ذلك، وصح جعله صفة للمعرفة مع كون غير لا تتعرف ~~بالإضافة إلى المعارف لما فيها من الإبهام، لأنها هنا غير مبهمة لاشتهار ~~المغايرة بين الجنسين. والغضب في اللغة قال القرطبي: الشدة، ورجل غضوب: أي ~~شديد الخلق، والغضوب: الحية الخبيثة لشدتها. قال: ومعنى الغضب في صفة الله: ~~إرادة العقوبة فهو صفة ذاته. أو نفس العقوبة، ومنه الحديث " إن الصدقة ~~لتطفئ غضب الرب " فهو صفة فعله. قال في الكشاف: هو إرادة الانتقام من ~~العصاة وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من ~~تحت يده، والفرق بين عليهم الأولى وعليهم الثانية، أن الأولى في محل نصب ~~على المفعولية، والثانية في محل رفع على النيابة عن الفاعل. و " لا " في ~~قوله ولا الضالين تأكيد للنفي المفهوم من غير، والضلال في لسان العرب قال ~~القرطبي: هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق، ومنه ضل اللبن في الماء: أي ~~غاب، ومنه - أئذا ضللنا في الأرض - أي غبنا بالموت وصرنا ترابا. وأخرج وكيع ~~وأبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه ~~كان يقرأ - صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين - وأخرج ~~أبو عبيد وعبد بن حميد أن عبد الله بن الزبير قرأ كذلك. وأخرج PageV01P024 # الأنباري، عن الحسن أنه كان يقرأ " عليهمى " بكسر الهاء والميم وإثبات ~~الياء. وأخرج ابن الأنباري عن الأعرج أنه كان يقرأ " عليهمو " بضم الهاء ~~والميم وإلحاق الواو. وأخرج أيضا عن ابن كثير أنه كان يقرأ " عليهمو " بكسر ~~الهاء وضم الميم مع إلحاق الواو. وأخرج أيضا عن أبي إسحاق أنه قرأ " عليهم ms0034 ~~" بضم الهاء والميم من غير إلحاق واو. # وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة والأسود أنهما كانا يقرآن كقراءة عمر ~~السابقة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (صراط الذين ~~أنعمت عليهم) يقول: طريق من أنعمت عليهم من الملائكة والنبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين الذين أطاعوك وعبدوك. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنهم ~~المؤمنون، وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله (صراط الذين أنعمت ~~عليهم) قال النبيون (غير المغضوب عليهم) قال اليهود (ولا الضالين) قال ~~النصارى، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج أيضا عن سعيد بن جبير ~~مثله. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير والبغوي ~~وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله ابن شقيق قال " أخبرني من سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بوادي القرى على فرس له، وسأله رجل من ~~بني القين فقال: من المغضوب عليهم يا رسول الله؟ قال اليهود، قال: فمن ~~الضالون؟ قال النصارى "، وأخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر ~~قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. # وأخرجه وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شقيق قال " كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يحاصر أهل وادي القرى فقال له رجل " إلى ~~آخره. ولم يذكر فيه أخبرني من سمع النبي كالأول. وأخرجه البيهقي في الشعب ~~عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بني القين عن ابن عم له أنه قال " أتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " فذكره. وأخرجه سفيان بن عيينة في تفسيره ~~وسعيد بن منصور عن إسماعيل بن أبي خالد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " المغضوب عليهم: اليهود، والضالون: النصارى ". وأخرجه أحمد وعبد بن ~~حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في ~~صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن ms0035 ~~المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين النصارى ". وأخرج أحمد وأبو داود ~~وابن حبان والحاكم وصححه والطبراني عن الشريد قال " مر بي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت ~~على ألية يدي فقال: أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟ " قال ابن كثير بعد ذكره ~~لحديث عدي بن حاتم: وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ~~ذكرها انتهى. # والمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين، وهو الذي أطبق عليه أئمة التفسير ~~من السلف. قال ابن أبي حاتم: لا أعلم خلافا بين المفسرين في تفسير المغضوب ~~عليهم باليهود، والضالين بالنصارى. ويشهد لهذا التفسير النبوي آيات من ~~القرآن، قال الله تعالى في خطابه لبني إسرائيل في سورة البقرة - بئسما ~~اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على ~~من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين -. وقال في ~~المائدة - قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ~~وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل - وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من ~~أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف قال اليهود: إنك لن تستطيع الدخول ~~معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له ~~النصارى: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله، فقال لا ~~أستطيعه، فاستمر على فطرته وجانب عبادة الأوثان. # [فائدة في مشروعية التأمين بعد قراءة الفاتحة] اعلم أن السنة الصحيحة ~~الصريحة الثابتة تواترا، قد دلت على PageV01P025 # ذلك، فمن ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال " ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~فقال آمين مد بها صوته " ولأبي داود " رفع بها صوته " وقد حسنه الترمذي. ~~وأخرجه أيضا النسائي وابن أبي شيبة وابن ماجة ms0036 والحاكم وصححه. وفي لفظ من ~~حديثه أنه صلى الله عليه وآله وسلم " قال رب اغفر لي آمين " أخرجه الطبراني ~~والبيهقي. وفي لفظ أنه قال " آمين ثلاث مرات " أخرجه الطبراني. وأخرج وكيع ~~وابن أبي شيبة عن أبي ميسرة قال " لما أقرأ جبريل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فاتحة الكتاب فبلغ ولا الضالين قال: قل آمين، فقال آمين ". وأخرج ~~ابن ماجة عن علي قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قال ولا ~~الضالين قال آمين ". وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي موسى ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا قرأ " يعني الإمام " غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يحبكم الله ". وأخرج البخاري ومسلم ~~وأهل السنن وأحمد وابن أبي شيبة وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين ~~الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي بسند قال ~~السيوطي: صحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما حسدتكم ~~اليهود على شئ ما حسدتكم على السلام والتأمين ". وأخرج ابن عدي من حديث أبي ~~هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن اليهود قوم حسد. حسدوكم على ~~ثلاثة: إفشاء السلام، وإقامة الصف، وآمين ". وأخرج الطبراني في الأوسط من ~~حديث معاذ مثله. وأخرج ابن ماجة بسند ضعيف عن ابن عباس قال " ما حسدتكم ~~اليهود على شئ ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين " ووجه ضعفه أن في ~~إسناده طلحة بن عمرو وهو ضعيف. وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ فاتحة ~~الكتاب ثم قال آمين لم يبق ملك في السماء مقرب إلا استغفر له ". وأخرج أبو ~~داود عن بلال أنه قال " يا رسول الله لا تسبقني بآمين " ومعنى آمين: استجب. ~~قال القرطبي في تفسيره: ms0037 معنى آمين عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب لنا، ~~وضع موضع الدعاء. وقال في الصحاح معنى آمين كذلك فليكن. # وأخرج جويبر في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس قال " قلت يا رسول الله: ما ~~معنى آمين؟ قال: رب افعل ". # وأخرج الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة في ~~المصنف عن هلال بن يساف ومجاهد قالا: آمين اسم من أسماء الله. وأخرج ابن ~~أبي شيبة عن حكيم بن جبير مثله. وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. وفيه ~~لغتان، المد على وزن فاعيل كياسين. والقصر على وزن يمين، قال الشاعر في ~~المد: # يا رب لا تسلبني حبها أبدا * ويرحم الله عبدا قال آمينا وقال آخر: # آمين آمين لا أرضى بواحدة * حتى أبلغها ألفين آمينا قال الجوهري: وتشديد ~~الميم خطأ. وروى عن الحسن وجعفر الصادق والحسين بن فضل التشديد، من أم إذا ~~قصد: أي نحن قاصدون نحوك، حكى ذلك القرطبي. قال الجوهري: وهو مبني على ~~الفتح مثل أين وكيف لاجتماع الساكنين، وتقول منه: أمن فلان تأمينا. وقد ~~اختلف أهل العلم في الجهر بها، وفي أن الإمام يقولها أم لا؟ وذلك مبين في ~~مواطنه. PageV01P026 # سورة البقرة قال القرطبي في تفسير سورة البقرة: مدنية نزلت في مدد شتى. ~~وقيل هي أول سورة نزلت بالمدينة إلا قوله تعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله) فإنها آخر آية نزلت من السماء، ونزلت يوم النحر في حجة الوداع ~~بمنى، وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن انتهى. وأخرج أبو الضريس ~~في فضائله وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ وابن مردويه والبيهقي في ~~دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة. # وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله. وأخرج أبو داود في الناسخ ~~والمنسوخ عن عكرمة قال: أول سورة أنزلت بالمدينة سورة البقرة. # وقد ورد في فضلها أحاديث منها ما أخرجه مسلم والترمذي وأحمد والبخاري في ~~تاريخه ومحمد بن نصر عن النواس بن سمعان قال: ms0038 سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول " يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا ~~تقدمهم سورة البقرة وآل عمران " قال: وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال " كأنهما غمامتان أو كأنهما ~~غيابتان أو كأنهما ظلتان سوداوان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن ~~صاحبهما ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي ومحمد بن نصر والحاكم وصححه ~~عن بريدة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تعلموا سورة البقرة فإن أخذها ~~بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة، ثم سكت ساعة ثم قال: تعلموا سورة ~~البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما ~~غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف ". قال ابن كثير: وإسناده حسن على ~~شرط مسلم. وأخرج نحوه أبو عبيد وأحمد وحميد بن زنجويه ومسلم وابن حبان ~~والطبراني والحاكم والبيهقي من حديث أبي أمامة مرفوعا. # وأخرج نحوه أيضا الطبراني وأبو ذر الهروي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا. ~~وأخرج نحوه أيضا البزار في سننه بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرج مسلم ~~والترمذي وأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة ~~البقرة ". وأخرج أبو عبيد عن أنس نحوه مرفوعا. وأخرج ابن عدي في الكامل ~~وابن عساكر في تاريخه عن أبي الدرداء مرفوعا نحوه. وأخرج الطبراني بسند ~~ضعيف عن عبد الله بن مغفل مرفوعا نحوه. وأخرج النسائي والطبراني والبيهقي ~~عن ابن مسعود مرفوعا نحوه، وسنده ضعيف. وأخرجه الدارمي والبيهقي والحاكم ~~وصححه من حديثه بنحوه. وأخرج أبو يعلى وابن حبان والطبراني والبيهقي عن سهل ~~بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن لكل شئ ~~سناما، وسنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ~~ثلاثة أيام، ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال ". وأخرج ~~أحمد ومحمد ms0039 بن نصر والطبراني بسند صحيح عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ~~ثمانون ملكا واستخرجت - لا إله إلا هو الحي القيوم - من تحت العرش فوصلت ~~بها ". وأخرج البغوي في معجم الصحابة وابن عساكر في تاريخه عن ربيعة الجرسي ~~قال " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي القرآن أفضل؟ قال: السورة ~~التي يذكر فيها البقرة، قيل فأي البقرة أفضل؟ قال: آية الكرسي وخواتيم سورة ~~البقرة نزلت من تحت العرش ". وأخرج أبو عبيد وأحمد والبخاري في صحيحه ~~تعليقا ومسلم والنسائي عن أسيد بن حضير قال " بينما هو يقرأ من الليل سورة ~~البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس ~~فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس PageV01P027 # فسكت فسكنت فانصرف إلى ابنه يحيى وكان قريبا منها فأشفق أن تصيبه، فلما ~~أخذه رفع رأسه إلى السماء فإذا هو بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى ~~السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتدري ما ذاك؟ قال لا يا ~~رسول الله، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت تنظر إليها الناس ~~لا تتوارى منهم " ولهذا الحديث ألفاظ. وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ~~ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال " بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعثا فاستقرأ كل رجل منهم " يعني ما معه من القرآن " فأتى ~~على رجل من أحدثهم سنا فقال: ما معك يا فلان؟ # قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة، قال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال ~~اذهب فأنت أميرهم ". وأخرج البيهقي في الدلائل عن عثمان بن أبي العاص قال: ~~استعملني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أصغر القوم الذين وفدوا ~~عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة. وأخرج البيهقي في الشعب بسند ~~صحيح عن الصلصال بن ms0040 الديهمس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~اقرأوا سورة البقرة في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا " قال " ومن قرأ سورة ~~البقرة في ليلة توج بتاج في الجنة ". وأخرج أبو عبيد عن عباد بن عباد عن ~~جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قيل له: ألم تر إلى ثابت بن قيس بن شماس لم تزل ~~داره البارحة تزهر مصابيح، قال: فلعله قرأ سورة البقرة، قال: فسئل ثابت ~~فقال: قرأت سورة البقرة. قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهاما ~~ثم هو مرسل. # وقد روى أئمة الحديث في فضائلها أحاديث كثيرة وآثارا عن الصحابة واسعة، ~~ومن فضائلها ما هو خاص بآية الكرسي، وما هو خاص بخواتم هذه السورة، وقد سبق ~~بعض ذلك، وما هو في فضلها وفضل آل عمران، وقد سبق أيضا بعض من ذلك وما هو ~~في فضل السبع الطوال، كما أخرج أبو عبيد عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " أعطيت السبع مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان ~~الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل " وفي إسناده سعيد بن ~~بشير وفيه لين، وقد رواه بسند آخر عن سعيد بن أبي هلال. # وأخرج أيضا عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من أخذ ~~السبع فهو خير ". وقد رواه عنها أحمد في المسند باللفظ أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " من أخذ السبع الأول من القرآن فهو خير ". وأخرج ~~أبو عبيد عن سعيد بن جبير في قوله تعالى - ولقد آتيناك سبعا من المثاني - ~~قال: هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ~~ويونس، وبذلك قال مجاهد ومكحول وعطية بن قيس وأبو محمد القاري شداد بن عبد ~~الله ويحيى بن الحارث الذماري. # وقد ورد ما يدل على كراهة أن يقول القائل سورة البقرة ولا سورة آل عمران ~~ولا سورة النساء وكذا القرآن كله. ms0041 فأخرج ابن الضريس والطبراني في الأوسط ~~وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند ضعيف عن أنس قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة ~~آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله، ولكن قولوا السورة التي تذكر ~~فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله " قال ابن ~~كثير: هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وفي إسناده يحيى بن ميمون الخواص وهو ~~ضعيف الرواية لا يحتج به. # وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح عن ابن عمر قال " لا تقولوا سورة ~~البقرة، ولكن قولوا السورة التي تذكر فيها البقرة ". وقد روى عن جماعة من ~~الصحابة خلاف هذا. فثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن ~~الوادي، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت ~~عليه سورة البقرة. وأخرج PageV01P028 # ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأهل السنن والحاكم وصححه عن حذيفة قال " صليت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة من رمضان فافتتح البقرة، فقلت ~~يصلي بها في ركعة، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها ~~مترسلا " الحديث. وأخرج أحمد وابن الضريس والبيهقي عن عائشة قالت " كنت ~~أقوم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليل فيقرأ بالبقرة وآل ~~عمران والنساء ". وأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي والبيهقي عن ~~عوف بن مالك الأشجعي قال " قمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة، ~~فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف " الحديث. # بسم الله الرحمن الرحيم: ألم " 1 " (ألم) قال القرطبي في تفسيره: اختلف ~~أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور فقال الشعبي وسفيان الثوري ~~وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر، ~~فهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه ولا نحب أن نتكلم فيها ولكن نؤمن ~~بها، وتمد كما جاءت. وروى هذا القول عن أبي بكر الصديق وعلي ms0042 ابن أبي طالب. ~~قال: وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: ~~الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر. وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف في ~~القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل. قال: وقال جمع ~~من العلماء كثير: بل نحب أن نتكلم فيها ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني ~~التي تتخرج عليها. واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروى عن ابن عباس وعلي ~~أيضا أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه ~~منها. وقال قطرب والفراء وغيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها ~~العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي بناء كلامهم عليها ~~ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب: كان ~~ينفرون عند استماع القرآن، فلما نزل ألم والمص استنكروا هذا اللفظ، فلما ~~أنصتوا له صلى الله عليه وآله وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في ~~أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم. وقال قوم: روى أن المشركين لما أعرضوا ~~عن القرآن بمكة - وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه - فأنزلها ~~استغربوها وسلم فيفتحون أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة. ~~وقال جماعة: هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها، كقول ابن عباس ~~وغيره الألف من الله واللام من جبريل والميم من محمد. # وذهب إلى هذا الزجاج فقال: أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى. وقد ~~تكلمت العرب بالحروف المقطعة كقوله: فقلت لها قفي، فقالت قاف: أي وقفت. وفي ~~الحديث " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة " قال شقيق: هو أن يقول في اقتل ~~اق كما قال صلى الله عليه وآله وسلم " كفى بالسيف شا " أي شافيا، وفي نسخة ~~شاهدا. وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور. وقال الكلبي: هي أقسام أقسم الله ~~بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه. # ومن أدق ما أبرزه المتكلمون في معاني هذه الحروف ما ذكره الزمخشري في ~~الكشاف ms0043 فإنه قال: واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح ~~من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء: وهي الألف ~~واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين ~~والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم. ثم إذا نظرت ~~في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف. بيان ذلك أن ~~فيها من المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة ~~نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن ~~الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء PageV01P029 # والقاف، ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين ~~والسين والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء، ومن ~~المنفتحة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين ~~والحاء والقاف والياء والنون، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء، ~~ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والتاء ~~والعين والسين والحاء والنون، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء. ثم إذا ~~استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس ~~المعدودة مكنوزة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شئ حكمته، وقد علمت ~~أن معظم الشئ وجله ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، ~~فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة ~~إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم، وما يدل على أنه تعمد ~~بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب الكلم، أن الألف واللام لما ~~تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين، وهي فواتح سورة ~~البقرة وآل عمران والروم والعنكبوت ولقمان والسجدة والأعراف والرعد ويونس ~~وإبراهيم وهود ويوسف والحجر انتهى. # وأقول: هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتد بها، وبيانه أنه إذا كان المراد ~~منه إلزام الحجة والتبكيت كما قال، فهذا متيسر بأن يقال لهم: هذا القرآن هو ~~من الحروف التي تتكلمون بها ليس هو من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتا ~~وإلزاما يفهمه كل ms0044 سامع منهم من دون إلغاز وتعمية وتفريق لهذه الحروف في ~~فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه ~~سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتح، هو أيضا مما لا يفهمه أحد من السامعين ~~ولا يتعقل شيئا منه فضلا عن أن يكون تبكيتا له وإلزاما للحجة أيا كان، فإن ~~ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه ولم يفهم السامع هذا، ولا ذكر أهل العلم ~~عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن أنه بلغ فهمه إلى ~~بعض هذا فضلا عن كله. ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف ~~التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتمل على أنصاف تلك الأنواع من ~~الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا يتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي ~~ولا مقر ولا منكر ولا مسلم ولا معارض، ولا يصح أن يكون مقصدا من مقاصد الرب ~~سبحانه، الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه والهداية به. وهب أن هذه صناعة ~~عجيبة ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة ولا بلاغة حتى يكون مفيدا أنه ~~كلام بليغ أو فصيح. وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتح ليست من جنس ~~كلام العرب حتى يتصف بهذين الوصفين. وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم ~~ولا مدخل لذلك فيما ذكر. وأيضا لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شئ قبلها ~~أو بعدها لم يصح وصفها بذلك، لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي ~~من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز والتعمية، وليس ذلك ~~من الفصاحة والبلاغة في ورد ولا صدر بل من عكسهما وضد رسمهما - وإذا عرفت ~~هذا فاعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازما بأن ذلك هو ما أراده ~~الله عز وجل، فقد غلط أقبح الغلط وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن ~~كان تفسيره لها بما فسرها به راجعا إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن ~~العرب لم يتكلموا بشئ ms0045 من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدودا عنده من ~~الرطانة، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على أحرف أو حروف من الكلمة التي ~~يريدون النطق بها، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه ويفيد ~~معناه، بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره. ومن هذا القبيل ما يقع ~~منهم من الترخيم، وأين هذه الفواتح الواقعة في أوائل السور من هذا؟ وإذا ~~تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادعوه من لغة العرب وعلومها لم يبق حينئذ ~~إلا أحد أمرين: الأول التفسير بمحض الرأي الذي ورد PageV01P030 # النهي عنه والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه والصد عنه والتنكب ~~عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبة لهم ~~يتلاعبون به ويضعون حماقات أنظارهم وخزعبلات أفكارهم عليه. الثاني التفسير ~~بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو المهيع الواضح والسبيل القويم. بل الجادة ~~التي ما سواها مردوم، والطريقة العامرة التي ما عداها معدوم، فمن وجد شيئا ~~من هذا فغير ملوم أن يقول بملء فيه ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه ~~شئ من ذلك فليقل لا أدري، أو الله أعلم بمراده. فقد ثبت النهي عن طلب فهم ~~المتشابه ومحاولة الوقوف على علمه مع كونه ألفاظا عربية وتراكيب مفهومة، ~~وقد جعل الله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده؟ فإنه ~~ينبغي أن يقال فيه إنه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلا، ~~ولكلام العرب فيه مدخلا، فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير. وانظر كيف فهم ~~اليهود عند سماع ألم فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة العرب فهموا أن ~~الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي يجعلونه لها، كما ~~أخرج ابن إسحاق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن ~~جابر بن عبد الله قال " مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms0046 وهو يتلو فاتحة سورة البقرة (ألم ذلك الكتاب لا ~~ريب) فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت ~~محمدا يتلو فيما أنزل عليه ألم ذلك الكتاب، فقال: أنت سمعته؟ فقال نعم، ~~فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا ~~محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك (ألم ذلك الكتاب) قال بلى، قالوا: ~~أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال نعم. قالوا: لقد بعث الله قبلك الأنبياء ~~ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقال حيي بن أخطب: ~~وأقبل على من كان معه الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى ~~وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ # ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا ~~غيره؟ قال نعم. قال: وما ذاك؟ قال المص، قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة ~~واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل ~~مع هذا يا محمد غيره؟ قال نعم، قال: وما ذاك؟ قال - الر - قال: هذه أثقل ~~وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون سنة ~~ومائتان، فهل مع هذا غيره؟ قال نعم - المر - قال: فهذه أثقل وأطول الألف ~~واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ~~ومائتان، ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري قليلا أعطيت أم ~~كثيرا ثم قاموا، فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار: ما يدريكم ~~لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ~~ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا: ~~لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم - هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات - فانظر ما بلغت ~~إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم ms0047 من عدد الحروف مع كونه ليس من لغة ~~العرب في شئ، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع (ألم ~~ذلك الكتاب) من ذلك العدد موجبا للتثبيط؟؟؟ # والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى يعقل ومدلول يفهم، لدفع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما ظنوه بادئ بدء حتى لا يتأثر عنه ما جاءوا به من ~~التشكيك على من معهم؟؟؟؟ # فإن قلت: هل ثبت عن رسول الله في هذه الفواتح شئ يصلح للتمسك به؟ قلت لا ~~أعلم أن رسول الله PageV01P031 # صلى الله عليه وآله وسلم تكلم في شئ من معانيها، بل غاية ما ثبت عنه هو ~~مجرد عدد حروفها، فأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وصححه والحاكم وصححه عن ~~ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ حرفا من ~~كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف ~~حرف ولام حرف وميم حرف " وله طرق عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي شيبة والبزار ~~بسند ضعيف عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه مرفوعا. فإن قلت: هل روى عن الصحابة ~~شئ من ذلك بإسناد متصل بقائله أم ليس إلا ما تقدم من حكاية القرطبي عن ابن ~~عباس وعلي؟ قلت: قد روى ابن جرير والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن ابن ~~مسعود أنه قال ألم حرف اشتقت من حروف اسم الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ألم وحم ون قال: اسم مقطع. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في كتاب الأسماء عن ~~ابن عباس أيضا في قوله، ألم، والمص، والر، والمر، وكهعيص، وطه، وطسم، وطس ~~ويس، وص، وحم، وق، ون، قال: هو قسم أقسمه الله وهو من أسماء الله. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن مسعود في قوله ألم قال: هي اسم الله الأعظم. ms0048 وأخرج عبد بن ~~حميد عن الربيع بن أنس في قوله ألم قال: ألف مفتاح اسمه الله ولام مفتاح ~~اسمه لطيف وميم مفتاح اسمه مجيد. وقد روى نحو هذه التفاسير عن جماعة من ~~التابعين فيهم عكرمة والشعبي والسدي وقتادة ومجاهد والحسن. فإن قلت: هل ~~يجوز الاقتداء بأحد من الصحابة؟ قال في تفسير شئ من هذه الفواتح قولا صح ~~إسناده إليه. قلت: لا لما قدمنا، إلا أن يعلم أنه قال ذلك عن علم أخذه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإن قلت: هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه ~~ولا مدخل للغة العرب فلم لا يكون له حكم الرفع؟ قلت: تنزيل هذا منزلة ~~المرفوع، وإن قال به طائفة من أهل الأصول وغيرهم، فليس مما ينشرح له صدور ~~المنصفين، ولا سيما إذا كان في مثل هذا المقام وهو التفسير لكلام الله ~~سبحانه، فإنه دخول في أعظم الخطر بما لا برهان عليه صحيح إلا مجرد قولهم ~~إنه يبعد من الصحابي كل البعد أن يقول بمحض رأيه فيما لا مجال فيه ~~للاجتهاد، وليس مجرد هذا الاستبعاد مسوغا للوقوع في خطر الوعيد الشديد. على ~~أنه يمكن أن يذهب بعض الصحابة إلى تفسير بعض المتشابه كما تجده كثيرا في ~~تفاسيرهم المنقولة عنهم ويجعل هذه الفواتح من جملة المتشابه، ثم ها هنا ~~مانع آخر، وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض، فإن عملنا بما ~~قاله أحدهم دون الآخر كان تحكما لا وجه له، وإن عملنا بالجميع كان عملا بما ~~هو مختلف متناقض ولا يجوز، ثم ها هنا مانع غير هذا المانع، وهو أنه لو كان ~~شئ لما قالوه مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاتفقوا عليه ولم ~~يختلفوا كسائر ما هو مأخوذ عنه، فلما اختلفوا في هذا علمنا أنه لم يكن ~~مأخوذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لو كان عندهم شئ عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في هذا لما تركوا حكايته عنه ورفعه إليه، لا سيما عند ~~اختلافهم ms0049 واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام الذي لا مجال للغة العرب فيه ~~ولا مدخل لها. والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة واقتدى بسلف الأمة أن ~~لا يتكلم بشئ من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله عز وجل لا ~~تبلغها عقولنا ولا تهتدي إليها أفهامنا، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك ~~فلا تجاوزه، وسيأتي لنا عند تفسير قوله تعالى - منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات - كلام طويل الذيول، وتحقيق تقبله صحيحات الأفهام ~~وسليمات العقول. PageV01P032 # الإشارة بقوله ذلك إلى الكتاب المذكور بعده. قال ابن جرير: قال ابن عباس ~~(ذلك الكتاب) هذا الكتاب وبه قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل ~~وزيد بن أسلم وابن جريج، وحكاه البخاري عن أبي عبيدة والعرب قد تستعمل ~~الإشارة إلى البعيد الغائب مكان الإشارة إلى القريب الحاضر كما قال خفاف: # أقول له والرمح يأطر متنه * تأمل خفافا أنني أنا ذلكا أي أنا هذا، ومنه ~~قوله تعالى - عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم - وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم - تلك آيات الله نتلوها عليك - ذلكم حكم الله يحكم بينكم - وقيل إن ~~الإشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: # هو الكتاب الذي كتب على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق (لا ريب ~~فيه) أي لا مبدل له، وقيل ذلك الكتاب الذي كتبه الله على نفسه في الأزل أن ~~رحمته سبقت غضبه. كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع ~~عنده: إن رحمتي تغلب غضبي ". وفي رواية " سبقت ". وقيل الإشارة إلى ما قد ~~نزل بمكة، وقيل إلى ما في التوراة والإنجيل، وقيل إشارة إلى قوله قبله ألم، ~~ورجحه الزمخشري، وقد وقع الاختلاف في ذلك إلى تمام عشرة أقوال حسبما حكاه ~~القرطبي وأرجحها ما صدرناه، واسم الإشارة مبتدأ، والكتاب صفته، والخبر لا ~~ريب فيه، ومن جوز الابتداء بالم جعل ذلك مبتدأ ثانيا، وخبره الكتاب أو هو ~~صفته، والخبر لا ms0050 ريب فيه، والجملة خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون المبتدأ ~~مقدرا وخبره ألم وما بعده. والريب مصدر، وهو قلق النفس واضطرابها، وقيل إن ~~الريب: # الشك. قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافا. وقد يستعمل الريب في ~~التهمة والحاجة، حكى ذلك القرطبي. # ومعنى هذا النفي العام أن الكتاب ليس بمظنة للريب لوضوح دلالته وضوحا ~~يقوم مقام البرهان المقتضي لكونه لا ينبغي الارتياب فيه بوجه من الوجوه، ~~والوقف على " فيه " هو المشهور. وقد روى عن نافع وعاصم الوقف على لا ريب ". ~~قال في الكشاف: ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا ونظيره قوله تعالى - لا ضير ~~- وقول العرب: # لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير: لا ريب فيه فيه هدى. ~~والهدى مصدر. قال الزمخشري: # وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابلته انتهى. ~~ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف المذكور قبله على ما سبق. قال ~~القرطبي: الهدى هديان: هدى دلالة وهو الذي يقدر عليه الرسل وأتباعهم، قال ~~الله تعالى - ولكل قوم هاد - وقال - وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم - فأثبت ~~لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد سبحانه بالهدى الذي ~~معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم - إنك لا تهدى ~~من أحببت - فالهدى على هذا يجئ بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله ~~تعالى - أولئك على هدى من ربهم - وقوله - ولكن الله يهدي من يشاء - انتهى. ~~والمتقين من ثبتت لهم التقوى. قال ابن فارس: وأصلها في اللغة قلة الكلام. # وقال في الكشاف: المتقي في اللغة: اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، ~~والوقاية: الصيانة، ومنه: فرس واق، وهذه الدابة تقي من وجارها: إذا أصابها ~~ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شئ يؤلمه. وهو ~~في الشريعة: الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك انتهى. ~~وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن الكتاب: القرآن، لا ريب فيه: ~~لا شك فيه. وأخرج ابن إسحاق وابن ms0051 جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله " ~~لا ريب فيه " قال: لا شك فيه. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي ~~الدرداء قال: الريب الشك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله، وكذا ابن جرير ~~عن مجاهد. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله - هدى للمتقين - قال: نور ~~للمتقين وهم المؤمنون. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير PageV01P033 # وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله - هدى للمتقين - أي الذين يحذرون من ~~الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق مما جاء ~~منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل أنه قيل له: من المتقون؟ # فقال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا عن أبي هريرة أن رجلا قال له: ما التقوى؟ قال: هل وجدت طريقا ذا ~~شوك؟ قال نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو ~~قصرت عنه، قال: ذاك التقوى. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: تمام ~~التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة حين يترك بعض ما يرى أنه ~~حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام. وقد روي نحو ما قاله ~~أبو الدرداء عن جماعة من التابعين. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في ~~تاريخه والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الشعب عن عطية السعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا ~~يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس " ~~فالمصير إلى ما أفاده هذا الحديث واجب، ويكون هذا معنى شرعيا للمتقي أخص من ~~المعنى الذي قدمنا عن صاحب الكشاف زاعما أنه المعنى الشرعي. # الذين يؤمنون بالغيب هو وصف للمتقين كاشف. والإيمان في اللغة: التصديق، ~~وفي الشرع ما سيأتي. والغيب في كلام العرب: # كل ما غاب عنك. قال القرطبي: واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، ms0052 فقالت ~~فرقة: الغيب في هذه الآية هو الله سبحانه، وضعفه ابن العربي. وقال آخرون: ~~القضاء والقدر. وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب. # وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهتدي إليه العقول من ~~أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. ~~قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها، قال: وهذا ~~هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل حين قال للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم " فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت " انتهى. وهذا الحديث هو ~~ثابت في الصحيح بلفظ " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره ~~وشره ". # وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم كلاهما في معرفة ~~الصحابة عن تويلة بنت أسلم قالت " صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، ~~فاستقبلنا مسجد إيليا فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قد استقبل البيت، فتحول الرجال مكان النساء والنساء ~~مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فبلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أولئك قوم آمنوا بالغيب ". وأخرج ~~البزار وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال " كنت جالسا مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا؟ فقالوا: ~~يا رسول الله الملائكة، قال: هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله ~~المنزلة التي أنزلهم بها، قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله ~~برسالته والنبوة. # قال: هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم ~~بها، قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء، قال: هم ~~كذلك، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة، قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: # أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ويصدقوني ولم ~~يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء ms0053 أفضل أهل الإيمان ~~إيمانا " وفي إسناده محمد بن أبي حميد وفيه ضعف. وأخرج الحسن بن ~~PageV01P034 # عرفة في حزبه المشهور والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر نحو الحديث الأول، ~~وفي إسناده المغيرة بن قيس البصري وهو منكر الحديث. وأخرج نحوه الطبراني عن ~~ابن عباس مرفوعا، والإسماعيلي عن أبي هريرة مرفوعا أيضا، والبزار عن أنس ~~مرفوعا. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " يا ليتني قد لقيت إخواني. قالوا: يا رسول الله ~~ألسنا إخوانك؟ قال: بلى، ولكن قوم يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم ~~ويصدقوني تصديقكم وينصروني نصركم، فيا ليتني قد لقيت إخواني " وأخرج نحوه ~~ابن عساكر في الأربعين السباعية من حديث أنس، وفي إسناده أبو هدبة وهو ~~كذاب، وزاد فيه " ثم قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة) الآية ". وأخرج أحمد والدارمي والبارودي وابن قانع ~~معا في معجم الصحابة والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي جمعة ~~الأنصاري قال " قلت: يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرا آمنا بك ~~واتبعناك؟ قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من ~~السماء، بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون بي ~~ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجرا ". وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والحاكم ~~عن أبي عبد الرحمن الجهني قال " بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذ طلع راكبان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كنديان ~~أو مذحجيان حتى أتيا، فإذا رجلان من مذحج، فدنا أحدهما ليبايعه، فلما أخذ ~~بيده قال: يا رسول الله أرأيت من جاءك فآمن بك واتبعك وصدقك فماذا له؟ قال: ~~طوبى له فمسح على زنده وانصرف، ثم جاء الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال: يا ~~رسول الله أرأيت من آمن بك وصدقك واتبعك ms0054 ولم يرك؟ قال: طوبى له ثم طوبى له، ~~ثم مسح على زنده وانصرف ". # وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي أمامة ~~الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " طوبى لمن رآني وآمن ~~بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات ". وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي ~~سعيد " أن رجلا قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك؟ قال: طوبى لمن ~~رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ". وأخرج ~~الطيالسي وعبد بن حميد عن ابن عمر نحوه. وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني من ~~حديث أنس نحو حديث أبي أمامة الباهلي المتقدم. وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد ~~بن منصور وأحمد ابن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم وابن الضباري والحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود أنه قال: والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان ~~بغيب، ثم قرأ - ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه - إلى قوله - المفلحون - ~~وللتابعين أقوال، والراجح ما تقدم من أن الإيمان الشرعي يصدق على جميع ما ~~ذكر هنا. قال ابن جرير: والأولى أن تكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا ~~واعتقادا وعملا. قال: وتدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق ~~القول بالعمل. والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق ~~الإقرار بالفعل. وقال ابن كثير: إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا ~~اعتقادا وقولا وعملا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة. بل قد حكاه الشافعي وأحمد ~~بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. وقد ~~ورد فيه آيات كثيرة انتهى. # ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) هو معطوف على " يؤمنون " ~~والإقامة في الأصل: الدوام والثبات. يقال قام الشئ: أي دام وثبت. وليس من ~~القيام على الرجل، وإنما هو من قولك قام الحق: أي ظهر وثبت، قال الشاعر * ~~وقامت الحرب بنا على ساق * وقال آخر: وإذا يقال أقيموا لم تبرحوا * حتى ~~تقيم الخيل سوق طعان PageV01P035 # وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها ms0055 في أوقاتها. والصلاة ~~أصلها في اللغة: الدعاء من صلى يصلي إذا دعا. وقد ذكر هذا الجوهري وغيره. ~~وقال قوم: هي مأخوذة من الصلا، وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب. ~~ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوي السابق، ~~فاشتقت منه الصلاة لأنها ثانية للإيمان فشبهت بالمصلى من الخيل. وإما لأن ~~الراكع يثني صلويه، والصلا مغرز الذنب من الفرس والاثنان صلوان، والمصلى ~~تالي السابق لأن رأسه عند صلوه. ذكر هذا القرطبي في تفسيره. وقد ذكر المعنى ~~الثاني في الكشاف هذا المعنى اللغوي. وأما المعنى الشرعي فهو هذه الصلاة ~~التي هي ذات الأركان والأذكار. # وقد اختلف أهل العلم هل هي مبقاة على أصلها اللغوي أو موضوعة وضعا شرعيا ~~ابتدائيا. فقيل بالأول، وإنما جاء الشرع بزيادات هي الشروط والفروض الثابتة ~~فيها. وقال قوم بالثاني. والرزق عند الجمهور ما صلح للانتفاع به حلالا كان ~~أو حراما خلافا للمعتزلة. فقالوا: إن الحرام ليس برزق، وللبحث في هذه ~~المسألة موضع غير هذا. والإنفاق: إخراج المال من اليد، وفي المجئ بمن ~~التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك الإسراف. وقد أخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله (يقيمون الصلاة) قال: # الصلوات الخمس (ومما رزقناهم ينفقون) قال: زكاة أموالهم. وأخرج عبد بن ~~حميد عن قتادة أن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها ~~وسجودها - ومما رزقناهم ينفقون - قال: أنفقوا في فرائض الله التي افترض ~~عليهم في طاعته وسبيله. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن مسعود في قوله - ومما رزقناهم ينفقون - قال: هي نفقة الرجل على ~~أهله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى ~~الله عز وجل على قدر ميسورهم وجهدهم حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة براءة ~~هن الناسخات المبينات. واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، ~~وهو الحق من غير فرق بين النفقة على الأقارب وغيرهم وصدقة الفرض والنفل، ms0056 ~~وعدم التصريح بنوع من الأنواع التي يصدق عليها مسمى الإنفاق يشعر أتم إشعار ~~بالتعميم. # قيل هم مؤمنو أهل الكتاب، فإنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل الله على ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزله على من قبله وفيهم نزلت. وقد رجح ~~هذا ابن جرير، ونقله السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من ~~الصحابة، واستشهد له ابن جرير بقوله تعالى - وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم - وبقوله تعالى - الذين آتيناهم ~~الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنا إنا كنا من قبله مسلمين. أولئك يؤتون أجرهم مرتين - الآية. والآية ~~الأولى نزلت في مؤمني العرب. وقيل الآيتان جميعا في المؤمنين على العموم. ~~وعلى هذا فهذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى صفة للمتقين بعد صفة، ويجوز ~~أن تكون مرفوعة على الاستئناف، ويجوز أن تكون معطوفة على المتقين فيكون ~~التقدير: هدى للمتقين وللذين يؤمنون بما أنزل إليك. والمراد بما أنزل إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو القرآن، وما أنزل من قبله: هو الكتب ~~السالفة. والإيقان: إيقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه، قاله في الكشاف. ~~والمراد أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر أمور الآخرة من دون شك. والآخرة ~~تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهي صفة الدار كما في قوله تعالى - تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا - وفي تقديم ~~الظرف مع بناء PageV01P036 # الفعل على الضمير المذكور إشعار بالحصر، وأن ما عدا هذا الأمر الذي هو ~~أساس الإيمان ورأسه ليس بمستأهل للإيقان به والقطع بوقوعه. وإنما عبر ~~بالماضي مع أنه لم ينزل إذ ذاك إلا البعض لا الكل تغليبا للموجود على ما لم ~~يوجد، أو تنبيها على تحقق الوقوع كأنه بمنزلة النازل قبل نزوله. وقد أخرج ~~ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى (والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) أي يصدقونك ms0057 بما جئت به من الله وما ~~جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ~~ربهم (وبالآخرة هم يوقنون) إيمانا بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب ~~والميزان: أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما ~~جاء من ربك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. # والحق أن هذه الآية في المؤمنين كالتي قبلها، وليس مجرد ذكر الإيمان بما ~~أنزل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما أنزل إلى من قبله بمقتض لجعل ~~ذلك وصفا لمؤمني أهل الكتاب، ولم يأت ما يوجب المخالفة لهذا ولا في النظم ~~القرآني ما يقتضي ذلك. وقد ثبت الثناء على من جمع بين الأمرين من المؤمنين ~~في غير آية. فمن ذلك قوله تعالى - يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل - وكقوله - وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم - وقوله - آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~- وقال - والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم - هذا كلام ~~مستأنف استئنافا بيانيا، كأنه قيل: كيف حال هؤلاء الجامعين بين التقوى ~~والإيمان بالغيب والإتيان بالفرائض والإيمان بما أنزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعلى من قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقيل ~~(أولئك على هدى) ويمكن أن يكون هذا خبرا عن الذين يؤمنون بالغيب الخ فيكون ~~متصلا بما قبله. # قال في الكشاف: ومعنى الاستعلاء في قوله (على هدى) مثل لتمكنهم من الهدى ~~واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشئ وركبه، ونحوه: ~~هو على الحق وعلى الباطل. وقد صرحوا بذلك في قوله: # جعل الغواية مركبا وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى انتهى. وقد أطال ~~المحققون الكلام على هذا بما لا يتسع له المقام، واشتهر الخلاف في ذلك بين ~~المحقق السعد والمحقق الشريف. واختلف من بعدهم في ترجيح الراجح من القولين، ~~وقد ms0058 جمعت في ذلك رسالة سميتها [الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد على ما ~~قاله الشريف] فليرجع إليها من أراد أن يتضح له المقام ويجمع بين أطراف ~~الكلام على التمام. قال ابن جرير: إن معنى (أولئك على هدى من ربهم) على نور ~~من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم، و ~~(المفلحون) أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم ~~بالله وكتبه ورسله. هذا معنى كلامه. والفلاح أصله في اللغة: الشق والقطع، ~~قاله أبو عبيد: ويقال الذي شقت شفته أفلح، ومنه سمى الأكار فلاحا لأنه شق ~~الأرض بالحرث، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. قال القرطبي: ~~وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضا في اللغة، فمعنى (أولئك هم ~~المفلحون) الفائزون بالجنة والباقون. وقال في الكشاف: المفلح الفائز ~~بالبغية، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه انتهى. وقد ~~استعمل الفلاح في السحور، ومنه الحديث الذي أخرجه أبو داود " حتى كاد ~~يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ". قلت: وما الفلاح؟ ~~قال: السحور. # فكأن معنى الحديث: أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سمي فلاحا. وفي تكرير ~~اسم الإشارة دلالة على أن كلا من PageV01P037 # الهدى والفلاح مستقل بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدهما لكفى ~~تميزا على حياله. وفائدة ضمير الفصل الدلالة على اختصاص المسند إليه ~~بالمسند دون غيره. وقد روى السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن ~~مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة أن الذين يؤمنون بالغيب: ~~هم المؤمنون من العرب، الذين يؤمنون بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وما أنزل إلى من قبله: هم، والمؤمنون من أهل الكتاب ثم جمع ~~الفريقين فقال (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) وقد قدمنا ~~الإشارة إلى هذا وإلى ما هو أرجح منه كما هو منقول عن مجاهد وأبي العالية ~~والربيع بن أنس وقتادة. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث عبد الله ms0059 ابن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " قيل ذلك يا رسول الله إنا نقرأ من ~~القرآن فنرجو ونقرأ فنكاد أن نيأس أو كما قال: فقال ألا أخبركم عن أهل ~~الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال (ألم ذلك الكتاب لا ريب ~~فيه هدى للمتقين) إلى قوله (المفلحون) هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن ~~نكون هؤلاء، ثم قال (إن الذين كفروا سواء عليهم) إلى قوله (عظيم) هؤلاء أهل ~~النار، قالوا: ألسنا هم يا رسول الله؟ قال: أجل " وقد ورد في فضل هذه ~~الآيات الشريفة أحاديث. منها ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ~~والحاكم والبيهقي عن أبي بن كعب قال " كنت عند النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فجاء أعرابي فقال: يا نبي الله إن لي أخا وبه وجع فقال وما وجعه؟ ~~قال: به لمم، قال: فائتني به فوضعه بين يديه فعوذه النبي بفاتحة الكتاب ~~وأربع آيات من أول سورة البقرة، وهاتين الآيتين - وإلهكم إله واحد - وآية ~~الكرسي وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران - شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو -، وآية من الأعراف - إن ربكم الله -، وآخر سورة المؤمنين - ~~فتعالى الله الملك الحق - وآية من سورة الجن - وأنه تعالى جد ربنا -، وعشر ~~آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وقل هو الله أحد ~~والمعوذتين، فقام الرجل كأنه لم يشتك قط ". وأخرج نحوه ابن السني في عمل ~~اليوم والليلة من طريق عبد الرحمن بن أبي يعلى عن رجل عن أبي مثله.. وأخرج ~~الدارمي وابن الضريس عن ابن مسعود قال: من قرأ أربع آيات من أول سورة ~~البقرة وآية الكرسي وآيتين بعد آية الكرسي وثلاثا من آخر سورة البقرة لم ~~يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شئ يكرهه في أهله ولا ماله، ولا تقرأ على ~~مجنون إلا أفاق. # وأخرج الدارمي وابن المنذر والطبراني عنه قال: " من قرأ عشر آيات من سورة ~~البقرة في ليلة لم يدخل ذلك ms0060 البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح: أربع من ~~أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث خواتمها أولها - لله ما في ~~السماوات ". وأخرج سعيد بن منصور والدارمي والبيهقي عن المغيرة بن سبيع، ~~وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود بنحوه. وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا مات أحدكم فلا ~~تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وعند رجليه ~~بخاتمة سورة البقرة " وقد ورد في ذلك غير هذا. # ذكر سبحانه فريق الشر بعد الفراغ من ذكر فريق الخير قاطعا لهذا الكلام عن ~~الكلام الأول، معنونا له بما يفيد أن شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار ~~لهم، وأنه لا يترتب عليهم ما هو المطلوب منهم من الإيمان، وأن وجود ذلك ~~كعدمه. و " سواء " اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر، والهمزة ~~وأم مجردتان لمعنى PageV01P038 # الاستواء غير مراد بهما ما هو أصلهما من الاستفهام، وصح الابتداء بالفعل ~~والإخبار / عنه بقوله: سواء، هجرا لجانب اللفظ إلى جانب المعنى، كأنه قال: ~~الإنذار وعدمه سواء، كقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: أي سماعك. وأصل ~~الكفر في اللغة: الستر والتغطية، قال الشاعر. في ليلة كفر النجوم غمامها أي ~~سترها، ومنه سمى الكافر كافرا لأنه يغطي بكفره ما يجب أن يكون عليه من ~~الإيمان. والإنذار: الإبلاغ والإعلام. # قال القرطبي: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل: هي عامة ومعناها ~~الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. ~~أراد الله تعالى أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أجدا. وقال ~~ابن عباس والكلبي: نزلت في رؤساء اليهود حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ~~ونظرائهما. وقال الربيع بن أنس: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، ~~والأول أصح، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر ~~انتهى. وقوله (لا يؤمنون) خبر مبتدأ محذوف: أي هم لا يؤمنون، وهي جملة ~~مستأنفة لأنها جواب ms0061 سؤال مقدر كأنه قيل: هؤلاء الذين استوى حالهم مع ~~الإنذار وعدمه ماذا يكون منهم؟ فقيل لا يؤمنون: أي هم لا يؤمنون. وقال في ~~الكشاف: إنها جملة مؤكدة للجملة الأولى، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض ~~انتهى. والأولى ما ذكرناه، لأن المقصود الإخبار عن عدم الاعتداد بإنذارهم، ~~وأنه لا يجدي شيئا بل بمنزلة العدم، فهذه الجملة هي التي وقعت خبرا لأن، ~~وما بعدها من عدم الإيمان متسبب عنها لا أنه المقصود. وقد قال بمثل قول ~~الزمخشري القرطبي. وقال ابن كيسان: إن خبر إن سواء، وما بعده يقوم مقام ~~الصلة. وقال محمد ابن يزيد المبرد: سواء رفع بالابتداء، وخبره أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم، والجملة خبر إن. والختم: مصدر ختمت الشئ، ومعناه: التغطية على ~~الشئ والاستيثاق منه حتى لا يدخله شئ، ومنه ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك ~~حتى لا يوصل إلى ما فيه ولا يوضع فيه غيره. والغشاوة: الغطاء، ومنه غاشية ~~السرج، والمراد بالختم والغشاوة هنا هما المعنويان لا الحسيان: أي لما كانت ~~قلوبهم غير واعية لما وصل إليها، والأسماع غير مؤدية لما يطرقها من الآيات ~~البينات إلى العقل على وجه مفهوم، والأبصار غير مهدية للنظر في مخلوقاته ~~وعجائب مصنوعاته جعلت بمنزلة الأشياء المختوم عليها ختما حسيا، والمستوثق ~~منها استيثاقا حقيقيا، والمغطاة بغطاء مدرك استعارة أو تمثيلا، وإسناد ~~الختم إلى الله قد احتج به أهل السنة على المعتزلة، وحاولوا دفع هذه الحجة ~~بمثل ما ذكره صاحب الكشاف، والكلام على مثل هذا متقرر في مواطنه. # وقد اختلف في قوله تعالى (وعلى سمعهم) هل هو داخل في حكم الختم فيكون ~~معطوفا على القلوب أو في حكم التغشية، فقيل: إن الوقف على قوله (وعلى ~~سمعهم) تام، وما بعده كلام مستقل، فيكون الطبع على القلوب والأسماع، ~~والغشاوة على الأبصار كما قاله جماعة، وقد قرئ (غشاوة) بالنصب. قال ابن ~~جرير: يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل ~~أن يكون نصبها على الإتباع على محل وعلى سمعهم، كقوله تعالى - وحور عين - ~~وقول الشاعر: * علفتها ms0062 تبنا وماء باردا * وإنما وحد السمع مع جمع القلوب ~~والأبصار، لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. والعذاب: هو ما يؤلم، وهو ~~مأخوذ من الحبس والمنع، يقال في اللغة أعذبه عن كذا: حبسه ومنعه، ومنه ~~عذوبة الماء لأنها حبست في الإناء حتى صفت. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم والطبراني في الكبير وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في قوله (سواء ~~عليهم أأنذرتهم) قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه ~~على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في ~~الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول. وأخرج ~~PageV01P039 # ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا في تفسير الآية: ~~أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فكيف ~~يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك (ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (إن الذين كفروا) قال: نزلت هاتان الآيتان ~~في قادة الأحزاب، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية - ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمت الله كفرا - قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر، ولم يدخل القادة في ~~الإسلام إلا رجلان: # أبو سفيان، والحكم بن العاص. وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله ~~(أأنذرتهم أم لم تنذرهم) قال: أو عظتهم أم لم تعظهم. وأخرج عبد بن حميد عن ~~قتادة في هذه الآية قال: أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم، فخيم الله عليه ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا ~~يفقهون ولا يعقلون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: الختم ~~على قلوبهم وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ~~قال: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم فلا يعقلون ولا يسمعون، وجعل على ~~أبصارهم: # يعني ms0063 أعينهم غشاوة فهم لا يبصرون. وروى ذلك السدي عن جماعة من الصحابة. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على ~~البصر، قال الله تعالى - فإن يشأ الله يختم على قلبك - وقال - وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة -. قال ابن جرير في معنى الختم: والحق عندي ~~في ذلك ما صح نظيره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر إسنادا ~~متصلا بأبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن المؤمن ~~إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن ~~زاد زادت حتى تغلق قلبه " فذلك الران الذي قال الله - كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون - ". وقد رواه من هذا الوجه الترمذي وصححه ~~والنسائي. ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من ~~قبل الله سبحانه والطبع فلا يكون إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو ~~الختم الذي أذكره الله في قوله (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) نظير ~~الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما ~~فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله ~~أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فض خاتمه، وحل رباطه عنها. # ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص، ثم ذكر بعدهم الكفرة ~~الخلص، ثم ذكر ثالثا المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين، بل ~~صاروا فرقة ثالثة لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى وفي الباطن ~~الطائفة الثانية، ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار. وأصل ناس أناس ~~حذفت همزته تخفيفا، وهو من النوس وهو الحركة، يقال: ناس ينوس: أي تحرك، وهو ~~من أسماء الجموع جمع إنسان وإنسانة على غير لفظه، واللام الداخلة عليه ~~للجنس، ومن تبعيضية: أي بعض الناس، ومن موصوفة: أي ms0064 ومن الناس ناس يقول. # والمراد باليوم الآخر: الوقت الذي لا ينقطع، بل هو دائم أبدا. والخداع في ~~أصل اللغة: الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، وأنشد: PageV01P040 # أبيض اللون رقيق طعمه * طيب الريق إذا الريق خدع وقيل: أصله الإخفاء، ~~ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشئ، حكاه ابن فارس وغيره. والمراد من ~~مخادعتهم لله أنهم صنعوا معه صنع المخادعين، وإن كان العالم الذي لا يخفى ~~عليه شئ لا يخدع. وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل الفعل، فكونهم يخادعون ~~الله والذين آمنوا يفيد أن الله سبحانه والذين آمنوا يخادعونهم. والمراد ~~بالمخادعة من الله: # أنه لما أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شئ، فكأنه خادعهم ~~بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطال الكفر مشاكلة لما وقع منهم بما وقع ~~منه. والمراد بمخادعة المؤمنين لهم: هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله به ~~من أحكام الإسلام ظاهرا وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم، كما أن المنافقين ~~خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر. والمراد بقوله تعالى (وما يخدعون إلا ~~أنفسهم) الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن ~~الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن. وأما من عرف البواطن فمن دخل معه ~~في الخداع فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك، ومن هذا قول من قال: من خادعته ~~فانخدع لك فقد خدعك. وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " يخادعون " في ~~الموضعين، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي وابن عامر في الثاني " يخدعون ". ~~والمراد بمخادعتهم أنفسهم. أنه يمنونها الأماني الباطلة وهي كذلك تمنيهم. ~~قال أهل اللغة: شعرت بالشيء فطنت. قال في الكشاف: والشعور علم الشئ علم حس، ~~من الشعار - ومشاعر الإنسان: حواسه. والمعنى: أن لحوق ضرر ذلك لهم ~~كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. والمراد بالأنفس هنا ذواتهم ~~لا سائر المعاني التي تدخل في مسمى النفس كالروح والدم والقلب. وقد أخرج ~~ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم المنافقون من الأوس ~~والخزرج ومن كان على أمرهم. وأخرج ابن ms0065 جرير عن ابن مسعود أنه قال: والمراد ~~بهذه الآية المنافقون. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ~~ابن المنذر عن ابن سيرين قال: لم يكن عندهم شئ أخوف من هذه الآية (ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين). وأخرج ابن سعد عن ~~حذيفة أنه قيل له: ما النفاق؟ قال: أن يتكلم بالإسلام ولا يعمل به. وأخرج ~~أحمد بن منيع في مسنده بسند ضعيف عن رجل من الصحابة " أن قائلا من المسلمين ~~قال: يا رسول الله ما النجاة غدا؟ قال: لا تخادع الله قال: وكيف نخادع ~~الله؟ قال: أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره، فاتقوا الرياء فإنه ~~الشرك بالله، فإن المرائي ينادى يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة ~~أسماء: يا كافر يا فاجر يا خاسر يا غادر، ضل عملك وبطل أجرك فلا خلاق لك ~~اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من ~~القرآن - فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا - الآية، و - إن ~~المنافقين يخادعون الله - الآية ". وأخرج ابن جرير عن ابن وهب قال: # سألت ابن زيد عن قوله (يخادعون الله والذين آمنوا) قال: هؤلاء المنافقون ~~يخادعون الله ورسوله، والذين آمنوا أنهم مؤمنون بما أظهروه. وعن قوله (وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) أنهم ضروا أنفسهم بما أضمروا من الكفر ~~والنفاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله (يخادعون الله) قال: ~~يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم وفي أنفسهم ~~غير ذلك. # المرض: كل ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في ~~أمر، قاله ابن فارس. # وقيل: هو الألم، فيكون على هذا مستعارا للفساد الذي في عقائدهم إما شكا ~~ونفاقا، أو جحدا وتكذيبا، وتقديم PageV01P041 # الخبر للإشعار بأن المرض مختص بها مبالغة في تعلق هذا الداء بتلك القلوب ~~لما كانوا عليه من شدة الحسد وفرط العداوة. والمراد بقوله (فزادهم الله ~~مرضا) الإخبار بأنهم كذلك ms0066 بما يتجدد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~النعم، ويتكرر له من منن الله الدنيوية والدينية. ويحتمل أن يكون دعاء ~~عليهم بزيادة الشك وترادف الحسرة وفرط النفاق. والأليم المؤلم: أي الموجع، ~~و " ما " في قوله (بما كانوا يكذبون) مصدرية: أي بتكذيبهم وهو قولهم (آمنا ~~بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) والقراء مجمعون على فتح الراء من قوله ~~مرض، إلا ما رواه الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأ بإسكان الراء، وقرأ حمزة ~~وعاصم والكسائي (يكذبون) بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وقد أخرج ابن إسحاق ~~وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى (في قلوبهم مرض) قال: ~~شك (فزادهم الله مرضا) قال شكا. وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله ~~(في قلوبهم مرض) قال النفاق (ولهم عذاب أليم) قال: نكال موجع (كانوا ~~يكذبون) قال: يبدلون ويحرفون. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثل ما قاله ابن ~~عباس أولا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شئ في القرآن أليم فهو ~~الموجع. وأخرج أيضا عن أبي العالية مثله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله ~~أيضا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة (في قلوبهم مرض) أي ريبة وشك ~~في أمر الله (فزادهم الله مرضا) ريبة وشكا (ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون) قال: إياكم والكذب فإنه باب النفاق. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ~~قال: هذا مرض في الدين وليس مرضا في الأجساد وهم المنافقون. والمرض: الشك ~~الذي دخل في الإسلام. وروى عن عكرمة وطاوس أن المرض: الرياء. # (إذا) في موضع نصب على الظرف والعامل فيه قالوا المذكور بعده. وفيه معنى ~~الشرط. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها. فسد الشئ ~~يفسد فسادا وفسودا فهو فاسد وفسيد. والمراد في الآية: لا تفسدوا في الأرض ~~بالنفاق وموالاة الكفرة وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم والقرآن، فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك الأبدان وخراب ~~الديار وبطلان الزرائع، كما ms0067 هو مشاهد عند ثوران الفتن والتنازع. و " إنما " ~~من أدوات القصر كما هو مبين في علم المعاني. والصلاح ضد الفساد. لما نهاهم ~~الله عن الفساد الذي هو دأبهم أجابوا بهذه الدعوى العريضة، ونقلوا أنفسهم ~~من الاتصاف بما هي عليه حقيقة وهو الفساد، إلى الاتصاف بما هو ضد لذلك وهو ~~الصلاح، ولم يقفوا عند هذا الكذب البحت والزور المحض حتى جعلوا صفة الصلاح ~~مختصة بهم خالصة لهم، فرد الله عليهم ذلك أبلغ رد لما يفيده حرف التنبيه من ~~تحقق ما بعده، ولما في إن من التأكيد، وما في تعريف الخبر مع توسيط ضمير ~~الفصل من الحصر المبالغ فيه بالجمع بين أمرين من الأمور المفيدة له، وردهم ~~إلى صفة الفساد التي هم متصفون بها في الحقيقة ردا مؤكدا مبالغا فيه بزيادة ~~على ما تضمنته دعواهم الكاذبة من مجرد الحصر المستفاد من إنما. وأما نفي ~~الشعور عنهم فيحتمل أنهم لما كانوا يظهرون الصلاح مع علمهم أنهم على الفساد ~~الخاص، ظنوا أن ذلك ينفق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وينكتم عنه ~~بطلان ما أضمروه، ولم يشعروا بأنه عالم به، وأن الخبر يأتيه بذلك من ~~السماء، فكان نفي الشعور عنهم من هذه PageV01P042 # الحيثية لا من جهة أنهم لا يشعرون بأنهم على الفساد. ويحتمل أن فسادهم ~~كان عندهم صلاحا لما استقر في عقولهم من محبة الكفر وعداوة الإسلام. وقد ~~أخرج ابن جرير عن ابن مسعود أنه قال: الفساد هنا هو الكفر والعمل بالمعصية. ~~وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إنما نحن ~~مصلحون) أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. وأخرج ~~ابن جرير عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: إذا ركبوا معصية فقيل لهم لا ~~تفعلوا كذا قالوا إنما نحن على الهدى. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن سلمان أنه قرأ هذه الآية فقال: لم يجئ أهل هذه الآية بعد. قال ابن ~~جرير: يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون ms0068 بهذه الصفة أعظم فسادا من ~~الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا أنه عني أنه لم يمض ~~ممن تلك صفته أحد انتهى. ويحتمل أن سلمان يرى أن هذه الآية ليست في ~~المنافقين، بل يحملها على مثل أهل الفتن التي يدين أهلها بوضع السيف في ~~المسلمين، كالخوارج وسائر من يعتقد في فساده أنه صلاح لما يطرأ عليه من ~~الشبه الباطلة. # أي وإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~من المهاجرين والأنصار أجابوا بأحمق جواب وأبعده عن الحق والصواب، فنسبوا ~~إلى المؤمنين السفه استهزاء واستخفافا، فنسبوا إلى المؤمنين السفه استهزاء ~~واستخفافا فتسببوا بذلك إلى تسجيل الله عليهم بالسفه بأبلغ عبارة وآكد قول. ~~وحصر السفاهة وهي رقة الحلوم وفساد البصائر وسخافة العقول فيهم مع كونهم لا ~~يعلمون أنهم كذلك إما حقيقة أو مجازا، تنزيلا لإصرارهم على السفه منزلة عدم ~~العلم بكونهم عليه وأنهم متصفون به، ولما ذكر الله هنا السفه ناسبه نفي ~~العلم عنهم لأنه لا يتسافه إلا جاهل. والكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر ~~محذوف: أي إيمانا كإيمان الناس. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) أي صدقوا كما صدق أصحاب محمد أنه نبي ~~ورسول، وأن ما أنزل عليه حق، (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) يعنون أصحاب ~~محمد (ألا إنهم هم السفهاء) يقول: الجهال (ولكن لا يعلمون) يقول: لا ~~يعقلون. وروى عن ابن عساكر في تاريخه بسند واه أنه قال: آمنوا كما آمن ~~الناس أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله (كما ~~آمن السفهاء) قال: يعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عن ~~الربيع وابن زيد مثله. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في ~~شأن اليهود: أي إذا قيل لهم: يعني اليهود (آمنوا كما آمن الناس) عبد الله ~~بن سلام وأصحابه (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء). # (لقوا) أصله لقيوا، ms0069 نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. ~~ومعنى لقيته ولاقيته: استقبلته قريبا. وقرأ محمد بن السميفع اليماني وأبو ~~حنيفة لاقوا، وأصله لاقيوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ~~PageV01P043 # ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. وخلوت بفلان وإليه: إذا انفردت به. ~~وإنما عدى بإلى وهو يتعدى بالباء فيقال: خلوت به لا خلوت إليه، لتضمنه معنى ~~ذهبوا وانصرفوا. والشياطين جمع شيطان على التكسير. وقد اختلف كلام سيبويه ~~في نون الشيطان فجعلها في موضع من كتابه أصلية وفي آخر زائدة، فعلى الأول ~~هو من شطن أي بعد عن الحق، وعلى الثاني من شط: أي بعد أو شاط: أي بطل، ~~وشاط: أي احترق، وأشاط: إذا هلك قال: * وقد يشيط على أرماحنا البطل * أي ~~يهلك. وقال آخر: # وأبيض ذي تاج أشاطت رماحنا * لمعترك بين الفوارس أقتما أي أهلكت. وحكي ~~سيبويه أن العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل أفعال الشياطين. ولو كان من شاط ~~لقالوا: تشيط، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: # أيما شاطن عصاه عكا * ورماه في السجن والأغلال وقوله (إنا معكم) معناه ~~مصاحبوكم في دينكم وموافقوكم عليه. والهزؤ: السخرية واللعب. قال الراجز: # قد هزئت مني أم طيسله * قالت أراه معدما لا مال له قال في الكشاف: وأصل ~~الباب الخفة من الهزء وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ: مات على المكان. عن بعض ~~العرب مشيت فلغبت فظننت لأهزأن يكون على مكاني، وناقته تهزأ به: أي تسرع ~~وتخف انتهى. وقيل أصله الانتقام، قال الشاعر: قد استهزءوا منهم بألفي مدجج ~~* سراتهم وسط الصحاصح جثم فأفاد قولهم (إنا معكم) أنهم ثابتون على الكفر، ~~وأفاد قولهم (إنما نحن مستهزءون) ردهم للإسلام ورفعهم للحق، وكأنه جواب ~~سؤال مقدر ناشئ من قولهم إنا معكم: أي إذا كنتم معنا فما بالكم إذا لقيتم ~~المسلمين وافقتموهم؟ فقالوا: إنما نحن مستهزءون بهم في تلك الموافقة، ولم ~~تكن بواطننا موافقة لهم ولا مائلة إليهم، فرد الله ذلك عليهم بقوله (الله ~~يستهزئ بهم) أي ينزل بهم الهوان والحقارة وينتقم منهم ويستخف بهم انتصافا ~~منهم لعباده المؤمنين، ms0070 وإنما جعل سبحانه ما وقع منه استهزاء مع كونه عقوبة ~~ومكافأة مشاكلة. وقد كانت العرب إذا وضعت لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ~~ذكرته بمثل ذلك اللفظ وإن كان مخالفا له في معناه. وورد ذلك في القرآن ~~كثيرا، ومنه - وجزاء سيئة سيئة مثلها - فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم - والجزاء لا يكون سيئة. # والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق، ومنه - ومكروا ومكر الله - و - إنهم ~~يكيدون كيدا وأكيد كيدا - يخادعون الله والذين آمنوا - يخادعون الله وهو ~~خادعهم - تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك -. وهو في السنة كثير كقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله لا يمل حتى تملوا " وإنما قال (الله ~~يستهزئ بهم) لأنه يفيد التجدد وقتا بعد وقت، وهو أشد عليهم وأنكأ لقلوبهم ~~وأوجع لهم من الاستهزاء الدائم الثابت المستفاد من الجملة الاسمية، لما هو ~~محسوس من أن العقوبة الحادثة وقتا بعد وقت، والمتجددة حينا بعد حين، أشد ~~على من وقعت عليه من العذاب الدائم المستمر لأنه يألفه ويوطن نفسه عليه. ~~والمد: الزيادة. قال يونس بن حبيب: يقال مد في الشر وأمد في الخير، ومنه - ~~وأمددناكم بأموال وبنين - وأمددناهم بفاكهة ولحم -. وقال الأخفش: مددت له ~~إذا تركته، وأمددته: إذا أعطيته. وقال الفراء واللحياني: مددت فيما كانت ~~زيادته من مثله، يقال: مد النهر، ومنه - والبحر يمده من بعده سبعة أبحر - ~~وأمددت فيما كانت زيادته من غيره، ومنه - يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة - والطغيان مجاوزة الحد والغلو في الكفر ومنه - إنا لما طغى الماء ~~- أي تجاوز المقدار الذي قدرته الخزان. وقوله في فرعون - إنه طغى - أي أسرف ~~في الدعوى حيث قال - أنا ربكم الأعلى -. والعمه والعامة: الحائر المتردد، ~~PageV01P044 # وذهبت إبله لعمهى: إذا لم يدر أين ذهبت، والعمه في القلب كالعمى في ~~العين. قال في الكشاف: العمة مثل العمى، إلا أن العمى في البصر والرأي، ~~والعمه في الرأي خاصة انتهى. والمراد أن الله سبحانه يطيل لهم المدة ~~ويمهلهم كما قال - إنما نملي لهم ليزدادوا ms0071 إثما -. قال ابن جرير (في ~~طغيانهم يعمهون) في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم يترددون حيارى ضلالا لا ~~يجدون إلى المخرج منه سبيلا، لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى ~~أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا. وقد أخرج ~~الواحدي والثعلبي بسند واه، لأن فيه محمد بن مروان وهو متروك، عن ابن عباس ~~قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذكر قصة وقعت لهم مع أبي ~~بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: كان ~~رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعضهم ~~قالوا: إنا على دينكم (وإذا خلوا إلى شياطينهم) وهم إخوانهم قالوا (إنا ~~معكم) على مثل ما أنتم عليه (إنما نحن مستهزءون) بأصحاب محمد (الله يستهزئ ~~بهم) قال: يسخر بهم للنقمة منهم (ويمدهم في طغيانهم) قال: في كفرهم ~~(يعمهون) قال: يترددون. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه بمعناه وأطول ~~منه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه بنحو الأول. # وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله (وإذا خلوا إلى شياطينهم) قال: ~~رؤسائهم في الكفر. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال (وإذا خلوا) أي ~~مضوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحو ما قاله ابن مسعود، وأخرج ~~ابن جرير عن ابن مسعود في قوله (ويمدهم) قال: يملي لهم (في طغيانهم يعمهون) ~~قال: في كفرهم يتمادون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس نحو ما قاله ابن مسعود في تفسير يعمهون. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد (يمدهم) يزيدهم (في طغيانهم ~~يعمهون) قال يلعبون ويترددون في الضلالة. وأخرج أحمد في المسند عن أبي ذر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعوذ بالله من شياطين الإنس ~~والجن، فقلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: نعم قال سيبويه: صحت الواو ~~في ms0072 (اشتروا) فرقا بينها وبين الواو الأصلية في نحو - وأن لو استقاموا -. ~~وقال الزجاج: حركت بالضم كما يفعل في نحن. وقرأ يحيى بن يعمر بكسر الواو ~~على أصل التقاء الساكنين. وقرأ أبو السماك العدوي بفتحها لخفة الفتحة. ~~وأجاز الكسائي همز الواو. والشراء هنا مستعار للاستبدال: أي استبدلوا ~~الضلالة بالهدى كقوله تعالى - فاستحبوا العمى على الهدى - فأما أن يكون ~~معنى الشراء المعاوضة كما هو أصله حقيقة فلا، لأن المنافقين لم يكونوا ~~مؤمنين فيبيعوا إيمانهم، والعرب قد تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشئ. # قال أبو ذؤيب * فإن تزعميني كنت أجهل فيكمو * فإني شريت الحلم بعدك ~~بالجهل وأصل الضلالة الحيرة والجور عن القصد وفقد الاهتداء، وتطلق على ~~النسيان، ومنه قوله تعالى - قال فعلتها إذا وأنا من الضالين -، وعلى الهلاك ~~كقوله - وقالوا أإذا ضللنا في الأرض - وأصل الربح الفضل. والتجارة: # صناعة التاجر، وأسند الربح إليها على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك ~~وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي، وهو إسناد الفعل إلى ملابس للفاعل ~~كما هو مقرر في علم المعاني. والمراد: ربحوا وخسروا. والاهتداء قد سبق ~~تحقيقه: أي وما كانوا مهتدين في شرائهم الضلالة، وقيل في سابق علم الله. ~~وقد أخرج ابن إسحاق وابن PageV01P045 # جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (اشتروا الضلالة بالهدى) أي الكفر ~~بالإيمان. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: # آمنوا ثم كفروا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن قتادة قال: استحبوا الضلالة على الهدى، قد والله رأيتموهم خرجوا من ~~الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن ~~السنة إلى البدعة. # (مثلهم) مرتفع بالابتداء، وخبره إما الكاف في قوله (كمثل) لأنها اسم: أي ~~مثل مثل كما في قول الأعشي: # أتنتهون ولن تنهي ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وقول امرئ ~~القيس: # ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا * تصوب فيه العين طورا وترتقى ms0073 أراد مثل ~~الطعن وبمثل ابن الماء، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا: أي مثلهم مستنير كمثل، ~~فالكاف على هذا حرف. والمثل: الشبه، والمثلان: المتشابهان (والذي) موضوع ~~موضع الذين: أي كمثل الذين استوقدوا، وذلك موجود في كلام العرب كقول ~~الشاعر: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد ومنه وخضتم ~~كالذي خاضوا - ومنه - والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المنقون -. ووقود ~~النار: # سطوعها وارتفاع لهيبها، (واستوقد) بمعنى أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب، ~~فالسين والتاء زائدتان، قاله الأخفش. ومنه قول الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي يجبه. ~~والإضاءة فرط الإنارة، وفعلها يكون لازما ومتعديا. و (ما حوله) قيل ما ~~زائدة، وقيل هي موصولة في محل نصب على أنها مفعول أضات وحوله منصوب على ~~الظرفية، و (ذهب) من الذهاب، وهو زوال الشئ. و (تركهم) أي أبقاهم (في ~~ظلمات) جمع ظلمة. وقرأ الأعمش بإسكان اللام على الأصل. وقرأ أشهب العقيلي ~~بفتح اللام. وهي عدم النور. و (صم) وما بعده خبر مبتدأ محذوف: أي هم. وقرأ ~~ابن مسعود صما بكما عميا بالنصب على الذم، ويجوز أن ينتصب بقوله تركهم. ~~والصمم: الانسداد، يقال قناة صماء: إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة: إذا ~~سددتها، وفلان أصم: إذا انسدت خروق مسامعه، والأبكم: الذي لا ينطق ولا ~~يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل الأخرس والأبكم واحد. والعمى: ذهاب البصر. ~~والمراد بقوله (فهم لا يرجعون) أي إلى الحق، وجواب لما في قوله فلما أضاءت، ~~قيل هو (ذهب الله بنورهم) وقيل محذوف تقديره: طفئت فبقوا حائرين. وعلى ~~الثاني فيكون قوله (ذهب الله بنورهم) كلاما مستأنفا أو بدلا من المقدر. # ضرب الله هذا المثل للمنافقين لبيان أن ما يظهرونه من الإيمان مع ما ~~يبطنونه من النفاق لا يثبت لهم به أحكام PageV01P046 # الإسلام، كمثل المستوقد الذي أضاءت ناره ثم طفئت، فإنه يعود إلى الظلمة ~~ولا تنفعه تلك الإضاءة اليسيرة، فكان بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء ~~المنافق في حيرته وتردده. ms0074 وإنما وصفت هذه النار بالإضاءة مع كونها نار باطل ~~لأن الباطل كذلك تسطع ذوائب لهب ناره لحظة ثم تخفت. ومنه قولهم " للباطل ~~صولة ثم يضمحل " وقد تقرر عند علماء البلاغة أن لضرب الأمثال شأنا عظيما في ~~إبراز خفيات المعاني ورفع أستار محجبات الدقائق ولهذا استكثر الله من ذلك ~~في كتابه العزيز، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من ذلك في ~~مخاطباته ومواعظه. قال ابن جرير: إن هؤلاء المضروب لهم المثل ها هنا لم ~~يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى - ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين -. وقال ابن كثير: إن الصواب أن هذا ~~إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفى أنه كان حصل لهم إيمان قبل ~~ذلك، ثم سلبوه وطبع على قلوبهم كما يفيده قوله تعالى - بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون -. قال ابن جرير: وصح ضرب مثل الجماعة ~~بالواحد كما قال - رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من ~~الموت - أي كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى - مثل الذين ~~حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفار - اه‍. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى ~~(مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) قال هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانوا ~~يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفئ، فلما ماتوا ~~سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوءه (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) ~~يقول: في عذاب (صم بكم عمي) فهم لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله (مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا) قالوا: إن ناسا دخلوا في الإسلام عند مقدم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم المدينة ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد ~~نارا فأضاءت ما حوله من قذى وأذى فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينما هو كذلك ~~إذ طفئت ms0075 ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى. فكذلك المنافق كان في ظلمة ~~الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام والخير من الشر، فبينما هو كذلك إذ كفر ~~فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر، فهم صم بكم هم الخرس، ~~فهم لا يرجعون إلى الإسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (كمثل الذي ~~استوقد نارا) قال: ضربه الله مثلا للمنافق، وقوله (ذهب الله بنورهم) قال: ~~أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمة فهو ضلالهم. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن ~~مجاهد نحوه. وأخرجا أيضا عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ~~والحسن والسدي والربيع بن أنس نحو ما تقدم. # عطف هذا المثل على المثل الأول بحرف الشك لقصد التخيير بين المثلين: أي ~~مثلوهم بهذا أو هذا، وهي وإن PageV01P047 # كانت في الأصل للشك فقد توسع فيها حتى صارت لمجرد التساوي من غير شك - ~~وقيل إنها بمعنى الواو، قاله الفراء وغيره، وأنشد: # وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها وقال آخر: نال ~~الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر والمراد بالصيب: ~~المطر، واشتقاقه من صاب يصوب: إذا نزل. قال: علقمة: # فلا تعدلي بيني وبين معمر * سقتك روايا الموت حيث تصوب وأصله صيوب، ~~اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما ~~فعلوا في ميت وسيد. والسماء في الأصل: كل ما علاك فأظلك. ومنه قيل لسقف ~~البيت سماء. والسماء أيضا: المطر سمى بها لنزوله منها، وفائدة ذكر نزوله من ~~السماء مع كونه لا يكون إلا منها أنه لا يختص نزوله بجانب منها دون جانب، ~~وإطلاق السماء على المطر واقع كثيرا في كلام العرب، فمنه قول حسان: # ديار من بني الحسحاس قفر * تعفيها الدوامس والسماء وقال آخر: إذا نزل ~~السماء بأرض قوم * والظلمات قد تقدم تفسيرها، وإنما جمعها إشارة إلى أنه ~~انضم إلى ظلمة الليل ظلمة ms0076 الغيم. والرعد: اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب. ~~وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال " سألت اليهود النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الرعد ما هو؟ قال ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار يسوق ~~بها السحاب حيث شاء الله، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ # قال: زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر. قالت: صدقت " الحديث ~~بطوله، وفي إسناده مقال. # قال القرطبي: وعلى هذا التفسير أكثر العلماء - وقيل: هو اضطراب أجرام ~~السحاب عند نزول المطر منها، وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعا للفلاسفة ~~وجهلة المتكلمين وقيل غير ذلك، والبرق: مخراق حديد بيد الملك الذي يسوق ~~السحاب، وإليه ذهب كثير من الصحابة وجمهور علماء الشريعة للحديث السابق. ~~وقال بعض المفسرين تبعا للفلاسفة: إن البرق ما ينقدح من اصطكاك أجرام ~~السحاب المتراكمة من الأبخرة المتصعدة المشتملة على جزء ناري يتلهب عند ~~الاصطكاك. وقوله (يجعلون أصابعهم في آذانهم) جملة مستأنفة لا محل لها كأن ~~قائلا قال: فكيف حالهم عند ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم في آذانهم. ~~وإطلاق الأصبع على بعضها مجاز مشهور، والعلاقة الجزئية والكلية لأن الذي ~~يجعل في الأذن إنما هو رأس الأصبع لا كلها. والصواعق ويقال الصواقع: هي ~~قطعة نار تنفصل من مخراق الملك الذي يزجر السحاب عند غضبه وشدة ضربه لها، ~~ويدل على ذلك ما في حديث ابن عباس الذي ذكرنا بعضه قريبا وبه قال كثير من ~~علماء الشريعة. ومنهم من قال: إنها نار تخرج من فم الملك. وقال الخليل: هي ~~الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت ~~عليه. وقال أبو زيد الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد. وقال بعض ~~المفسرين تبعا للفلاسفة ومن قال بقولهم: إنها نار لطيفة تنقدح من السحاب ~~إذا اصطكت أجرامها. وسيأتي في سورة الرعد إن شاء الله في تفسير الرعد ~~والبرق والصواعق ما له مزيد فائدة وإيضاح. ونصب (حذر الموت) على أنه مفعول ~~لأجله. وقال الفراء: منصوب على التمييز. # والموت: ضد ms0077 الحياة. والإحاطة، الأخذ من جميع الجهات حتى لا تفوت المحاط ~~به بوجه من الوجوه. وقوله (يكاد البرق يخطف أبصارهم) جملة مستأنفة كأنه ~~قيل: فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ ويكاد: يقارب. والخطف: # الأخذ بسرعة، ومنه سمى الطبر خطافا لسرعته. وقرأ مجاهد (يخطف) بكسر الطاء ~~والفتح أفصح. وقوله (كلما PageV01P048 # أضاء لهم مشوا فيه) كلام مستأنف كأنه قيل كيف تصنعون في تارتي خفوق البرق ~~وسكونه، وهو تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أهل الصيب (ولو شاء ~~الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) بالزيادة في الرعد والبرق (إن الله على كل شئ ~~قدير) وهذا من جملة مقدوراته سبحانه. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال (أو كصيب) هو المطر ضرب مثله في القرآن (فيه ~~ظلمات) يقول ابتلاء (ورعد وبرق) تخويف (يكاد البرق يخطف أبصارهم) يقول: ~~يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين (كلما أضاء لهم مشوا فيه) يقول: # كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزا اطمأنوا، فإن أصاب الإسلام نكبة ~~قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله - ومن الناس من يعبد الله على حرف - الآية. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: كان رجلان من ~~المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد وصواعق وبرق، ~~فجعلا كلما أصابهما الصواعق يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل ~~الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه وإذا لم يلمع ~~لم يبصرا قاما مكانهما لا يمشيان فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتي ~~محمدا فنضع أيدينا في يده، فأصبحا فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يده وحسن ~~إسلامهما فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين ~~بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~ينزل فيهم شئ أو يذكروا بشئ فيقتلوا، كما كان ذلك المنافقان الخارجان ms0078 ~~يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه: أي فإذا كثرت أموالهم ~~وأولادهم وأصابوا غنيمة وفتحا مشوا فيه وقالوا: إن دين محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم حينئذ صدق واستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا ~~أضاء لهم البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا فكانوا إذا هلكت أموالهم وأولادهم ~~وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وارتدوا كفرا كما قام المنافقان حين أظلم البرق عليهما. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس قال (أو كصيب) قال: هو المطر وهو مثل للمنافق في ضوئه يتكلم بما ~~معه من كتاب الله مرآة الناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره فهو في ظلمة ما أقام ~~على ذلك. وأما الظلمات: فالضلالات. وأما البرق: فالإيمان، وهم أهل الكتاب. ~~وإذا أظلم عليهم: فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه. وأخرج ابن ~~إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا نحو ما سلف. وقد روى ~~تفسيره بنحو ذلك عن جماعة من التابعين. # واعلم أن المنافقين أصناف. فمنهم من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ومنهم من ~~قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الصحيحين وغيرهما " ثلاث ~~من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من ~~النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف. وإذا أؤتمن خان " وورد ~~بلفظ أربع وزاد " وإذا خاصم فجر ". وورد بلفظ " وإذا عاهد غدر ". وقد ذكر ~~ابن جرير ومن تبعه من المفسرين أن هذين المثلين لصنف واحد من المنافقين. ~~PageV01P049 # لما فرغ سبحانه من ذكر المؤمنين والكافرين والمنافقين أقبل عليهم بالخطاب ~~التفاتا للنكتة السابقة في الفاتحة. # ويا حرف نداء، والمنادى أي وهو اسم مفرد مبني على الضم، وها حرف تنبيه ~~مقحم بين المنادى وصفته. قال سيبويه: كأنك كررت " يا " مرتين، وصار الاسم ~~بينهما كما قالوا: ها هو ذا. وقد تقدم الكلام في تفسير الناس والعبادة، ~~وإنما خص نعمة الخلق وامتن بها عليهم. لأن جميع النعم ms0079 مترتبة عليها، وهي ~~أصلها الذي لا يوجد شئ منها بدونها، وأيضا فالكفار مقرون بأن الله هو ~~الخالق - ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله - فامتن عليهم بما يعترفون به ~~ولا ينكرونه. وفي أصل معنى الخلق وجهان: أحدهما التقدير، يقال: خلفت الأديم ~~للسقاء: إذا قدرته قبل القطع. قال زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفري الثاني: الإنشاء ~~والاختراع والإبداع. ولعل أصلها الترجي والطمع والتوقع والإشتفاق، وذلك ~~مستحيل على الله سبحانه، ولكنه لما كانت المخاطبة منه سبحانه للبشر كان ~~بمنزلة قوله لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع وبهذا قال جماعة من ~~أئمة العربية منهم سيبويه. وقيل: إن العرب استعملت لعل مجردة من الشك بمعنى ~~لام كي. # والمعنى هنا: لتتقوا، وكذلك ما وقع هذا الموقع، ومنه قول الشاعر: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا * نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب ~~كانت عهودكم * كشبه سراب في الملا متألق أي كفوا عن الحرب لنكف، ولو كانت ~~لعل للشك لم يوثقوا لهم كل موثق، وبهذا قال جماعة منهم قطرب. وقيل إنها ~~بمعنى التعرض للشيء كأنه قال: متعرضين للتقوى. وجعل هنا بمعنى صير لتعديه ~~إلى المفعولين، ومنه قول الشاعر: # وقد جعلت أرى الاثنين أربعة * والأربع اثنين لما هدني الكبر و (فراشا) ما ~~أي وطاء يستقرون عليها. لما قدم نعمة خلقهم أتبعه بنعمة خلق الأرض فراشا ~~لهم، لما كانت الأرض التي هي مسكنهم ومحل استقرارهم من أعظم ما تدعو إليه ~~حاجتهم، ثم أتبع ذلك بنعمة جعل السماء كالقبة المضروبة عليهم، والسقف للبيت ~~الذي يسكنونه كما قال - وجعلنا السماء سقفا محفوظا -. وأصل البناء: وضع ~~لبنة على أخرى، ثم أمتن عليهم بإنزال الماء من السماء. وأصل ماء موه، قلبت ~~الواو لتحركها وانفتاح ما قبلها ألفا فصار ماه، فاجتمع حرفان خفيفان فقلبت ~~الهاء همزة. والثمرات جمع ثمرة. والمعنى: أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات ~~وأنواعا من النبات ليكون ذلك متاعا لكم إلى حين. والأنداد جمع ند، وهو ~~المثل والنظير. وقوله (وأنتم تعلمون) جملة حالية والخطاب للكفار ~~والمنافقين. ms0080 فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك حيث قال - ولكن ~~لا يعلمون. ولكن لا يشعرون. وما كانوا مهتدين. صم بكم عمي -. فيقال: إن ~~المراد أن جهلهم وعدم شعورهم لا يتناول هذا: أي كونهم يعلمون أنه المنعم ~~دون غيره من الأنداد، فإنهم كانوا يعلمون هذا ولا ينكرونه كما حكاه الله ~~عنهم في غير آية. وقد يقال: المراد وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان ~~لو تدبرتم ونظرتم. وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد. قال ابن ~~فورك: المراد وتجعلون لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله ~~واحد انتهى. وحذف مفعول تعلمون للدلالة على عدم اختصاص ما هم عليه من العلم ~~بنوع واحد من الأنواع الموجبة للتوحيد. وقد أخرج البزار والحاكم وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: ما كان PageV01P050 # - يا أيها الذين آمنوا - فهو أنزل بالمدينة، وما كان - يا أيها الناس - ~~فهو أنزل بمكة. وروى نحو ذلك عن ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد والطبراني في ~~الأوسط والحاكم وصححه. وروى نحوه أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~المنذر من قول علقمة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه وابن ~~المنذر عن الضحاك مثله. وكذا أخرج أبو عبيد عن ميمون بن مهران. وأخرج نحوه ~~أيضا ابن أبي شيبة وابن مردويه عن عروة وعكرمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (يا أيها الناس) قال: هي للفريقين جميعا من ~~الكفار والمؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (لعلكم) يعني ~~كي. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عون بن عبد الله بن عتبة قال لعل من ~~الله واجب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة في ~~قوله (الذي جعل لكم الأرض فراشا) أي تمشون عليها وهي المهاد والقرار ~~(والسماء بناء) قال كهيئة القبة وهي سقف الأرض وأخرج أبو الشيخ في العظمة ~~عن الحسن أنه سئل: المطر من السماء أم من ms0081 السحاب؟ قال: من السماء. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ~~ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض والبذر. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال: المطر ماء يخرج من تحت العرش فينزل ~~من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا، فيجتمع في موضع يقال له ~~الأبزم، فتجئ السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها الله ~~حيث يشاء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: ينزل الماء من ~~السماء السابعة، فتقع القطرة منه على السحاب مثل البعير. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن يزيد قال: المطر منه من السماء، ومنه ما يستقيه ~~الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر ~~عن ابن عباس قال: إذا جاء القطر من السماء تفتحت له الأصداف فكان لؤلؤا. ~~وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وأبو الشيخ في العظمة ~~عن المطلب بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ما من ساعة من ~~ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء ". وأخرج ابن أبي ~~الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما نزل مطر من السماء إلا ومعه البذر، ~~أما لو أنكم بسطتم نطعا لرأيتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس قال: المطر مزاجة من الجنة، فإذا كثر المزاج عظمت البركة وإن قل ~~المطر، وإذا قل المزاج قلت البركة وإن كثر المطر. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن ~~قال: ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء، وينزل مع المطر كذا ~~وكذا من الملائكة يكتبون حيث يقع ذلك المطر ومن يرزقه ومن يخرج منه مع كل ~~قطرة. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فلا ~~تجعلوا لله أندادا) أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ms0082 ولا تنفع ~~(وأنتم تعلمون) أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن عباس (أندادا) قال: أشباها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود (أندادا) قال: # أكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ~~(أندادا) قال شركاء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد ~~والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال " قال رجل للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: جعلتني لله ندا ما شاء ~~الله وحده ". وأخرج ابن سعد عن قتيلة بنت صيفي قالت " جاء حبر من الأحبار ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم ~~تشركون، قال: وكيف؟ قال: يقول أحدكم لا والكعبة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # من حلف فليحلف برب الكعبة. فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم ~~تجعلون لله ندا، قال: وكيف ذلك؟ # قال: يقول أحدكم ما شاء الله وشئت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فمن قال منكم ما شاء الله قال ثم شئت " PageV01P051 # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ~~حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقولوا ~~ما شاء الله وشاء فلان، قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان " وأخرج أحمد وابن ~~ماجة والبيهقي وابن مردويه عن طفيل بن سخبرة " أنه رأى فيما يرى النائم ~~كأنه مر برهط من اليهود فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ~~ابن الله، فقالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء ~~محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ~~ابن الله، قالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ~~فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخطب فقال إن طفيلا رأى رؤيا ~~وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم ms0083 فلا تقولوها، ولكن قولوا ما شاء ~~الله وحده لا شريك له " وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأنداد هو ~~الشرك أخفى من دبيب النمل على صفا سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله ~~وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا القط في ~~الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله ~~وفلان، هذا كله شرك. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال " قلت: يا رسول ~~الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " الحديث. # (في ريب) أي شك مما نزلنا على عبدنا: أي القرآن أنزله على محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل. والتنزيل التدريج ~~والتنجيم. وقوله (فأتوا) الفاء جواب الشرط وهو أمر معناه التعجيز. # لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الشرك عقبه بما هو الحجة على ~~إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما يدفع الشبهة في كون القرآن ~~معجزة، فتحداهم بأن يأتوا بسورة من سوره. والسورة الطائفة من القرآن ~~المسماة باسم خاص، سميت بذلك لأنها مشتملة على كلماتها كاشتمال سور البلد ~~عليها. و " من " في قوله (من مثله) زائدة لقوله فأتوا بسورة مثله. والضمير ~~في مثله عائد على القرآن عند جمهور أهل العلم. وقيل عائد على التوراة ~~والإنجيل، لأن المعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه. وقيل ~~يعود على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى من بشر مثل محمد: أي لا ~~يكتب ولا يقرأ. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو ~~المعاون، والمراد هنا الآلهة. ومعنى (دون): أدنى مكان من الشئ واتسع فيه ~~حتى استعمل في تخطي الشئ إلى شئ آخر، ومنه ما في هذه الآية، وكذلك قوله ~~تعالى - لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - وله معان أخر، ~~منها التقصير عن الغاية والحقارة، يقال هذا الشئ دون: أي حقير، ومنه: # إذا ما علا المرء رام العلا * ويقنع بالدون من ms0084 كان دونا والقرب يقال هذا ~~دون ذاك: أي أقرب منه ويكون إغراء، تقول: دونك زيدا: أي خذه من أدنى مكان ~~(من دون الله) متعلق بادعوا: أي ادعوا الذين يشهدون لكم من دون الله إن ~~كنتم صادقين فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة، وهذا تعجيز لهم وبيان ~~لانقطاعهم. والصدق خلاف الكذب، وهو مطابقة الخبر للواقع أو للاعتقاد أو ~~لهما على الخلاف المعروف في علم المعاني (فإن لم تفعلوا) يعني فيما مضى ~~(ولن تفعلوا) أي تطيقوا ذلك فيما يأتي PageV01P052 # وتبين لكم عجزكم عن المعارضة (فاتقوا النار) بالإيمان بالله وكتبه ورسله ~~والقيام بفرائضه واجتناب مناهيه وعبر عن الإتيان بالفعل لأن الإتيان فعل من ~~الأفعال لقصد الاختصار، وجملة لن تفعلوا لا محل لها من الإعراب لأنها ~~اعتراضية، ولن للنفي المؤكد لما دخلت عليه، وهذا من الغيوب التي أخبر بها ~~القرآن قبل وقوعها، لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوة ~~وفيما بعدها وإلى الآن. والوقود بالفتح: الحطب، وبالضم: التوقيد أي المصدر، ~~وقد جاء فيه الفتح. والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها لأنهم ~~قرنوا أنفسهم بها في الدنيا فجعلت وقودا للنار معهم. ويدل على هذا قوله ~~تعالى - إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - أي حطب جهنم. وقيل المراد ~~بها حجارة الكبريت، وفي هذا من التهويل ما لا يقدر قدره من كون هذه النار ~~تتقد بالناس والحجارة، فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها، والمراد بقوله ~~(أعدت) جعلت عدة لعذابهم وهيئت لذلك. # وقد كرر الله سبحانه تحدي الكفار بهذا في مواضع في القرآن، منها هذا، ~~ومنها قوله تعالى في سورة القصص - قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما أتبعه إن كنتم صادقين - وقال في سورة سبحان - قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا - وقال في سورة هود - أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين - وقال في ms0085 سورة يونس ~~- وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة ~~مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين -. # وقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل وجه الإعجاز في القرآن هو كونه في ~~الرتبة العلية من البلاغة الخارجة عن طوق البشر، أو كان العجز عن المعارضة ~~للصرفة من الله سبحانه لهم عن أن يعارضوه، والحق الأول، والكلام في هذا ~~مبسوط في مواطنه. وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في ~~الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما من ~~نبي من الأنبياء إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته ~~وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " وقد أخرج ~~ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (وإن كنتم في ريب) قال: هذا قول الله لمن شك ~~من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وإن كنتم في ريب) ~~قال: في شك (مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) قال: من مثل القرآن ~~حقا وصدقا لا باطل فيه ولا كذب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~(فأتوا بسورة من مثله) قال: مثل القرآن (وادعوا شهداءكم قال: ناس يشهدون ~~لكم إذا أتيتم بها أنها مثله. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (شهداءكم) قال: # أعوانكم على ما أنتم عليه (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) فقد بين لكم الحق. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) يقول: لن ~~تقدروا على ذلك ولن تطيقوه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه كان يقرأ كل شئ ~~في القرآن وقودها برفع الواو الأولى، إلا التي في السماء ذات البروج ms0086 - ذات ~~الوقود - بنصب الواو. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه عن ابن ~~مسعود قال: إن الحجارة التي ذكرها الله في القرآن في قوله (وقودها الناس ~~والحجارة) حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس مثله. وأخرج ابن جرير أيضا عن عمرو بن ميمون مثله أيضا. وأخرج ابن ~~مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال " تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم هذه الآية (وقودها الناس والحجارة) قال: أوقد عليها ألف عام حتى ~~احمرت، PageV01P053 # وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها ~~". وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا ~~مثله. وأخرج أحمد ومالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار ~~جهنم، قالوا: # يا رسول الله إن كانت لكافية؟ قال فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ~~كلهن مثل حرها ". وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد مرفوعا نحوه. وأخرج ابن ~~ماجة والحاكم وصححه عن أنس مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج مالك في الموطأ ~~والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي ~~توقدون، إنها لأشد سوادا من القار. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (أعدت للكافرين) قال: # أي لمن كان مثل ما أنتم عليه من الكفر. # لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب ~~والترهيب والوعد والوعيد كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك ~~من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه. # والتبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي الجلدة الظاهرة، من ~~البشر والسرور. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: من بشرني ~~من عبيدي فهو حر فبشره واحد ms0087 من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني ~~واختلفوا إذا قال: من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر، فقال أصحاب الشافعي: ~~يعم لأن كل واحد منهم مخبر، وقال علماؤنا: لا، لأن المكلف إنما قصد خبرا ~~يكون بشارة، وذلك مختص بالأول انتهى. # والحق أنه إن أراد مدلول الخبر عتقوا جميعا، وإن أراد الخبر المقيد بكونه ~~بشارة عتق الأول، فالخلاف لفظي. # والمأمور بالتبشير قيل هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل هو كل أحد ~~كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم " بشر المشائين " وهذه الجمل وإن كانت ~~مصدرة بالإنشاء فلا يقدح ذلك في عطفها على ما قبلها، لأن المراد عطف جملة ~~وصف ثواب المطيعين على جملة وصف عقاب العاصين من دون نظر إلى ما اشتمل عليه ~~الوصفان من الأفراد المتخالفة خبرا وإنشاء. وقيل: إن قوله (وبشر) معطوف على ~~قوله (فاتقوا النار)، وليس هذا بجيد. و (الصالحات) الأعمال المستقيمة. ~~والمراد هنا: الأعمال المطلوبة منهم المفترضة عليهم - وفيه رد على من يقول ~~إن الإيمان بمجرده يكفي، فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح. والجنات: ~~البساتين، وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها: أي تستره بشجرها، وهو اسم ~~لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة. والأنهار جمع نهر، وهو المجرى ~~الواسع فوق الجدول ودون البحر، والمراد: الماء الذي يجري فيها، وأنشد الجري ~~إليها مجازا، والجاري حقيقة هو الماء كما في قوله تعالى - واسأل القرية - ~~أي أهلها وكما قال الشاعر: # ونبئت أن النار بعدك أوقدت * واستب بعدك يا كليب المجلس والضمير في قوله ~~(من تحتها) عائد إلى الجنات لاشتمالها على الأشجار: أي من تحت أشجارها. ~~وقوله (كلما رزقوا) وصف آخر للجنات، أو هو جملة مستأنفة كأن سائلا قال: كيف ~~ثمارها. و (من ثمرة) في معنى من أي PageV01P054 # ثمرة: أي نوع من أنواع الثمرات. والمراد بقوله (هذا الذي رزقنا من قبل) ~~أنه شبيهه ونظيره، لا أنه هو، لأن ذات الحاضر لا تكون عين ذات الغائب ~~لاختلافهما، وذلك أن اللون يشبه اللون وإن كان الحجم والطعم ms0088 والرائحة ~~والماوية متخالفة. والضمير في به عائد إلى الرزق، وقيل: المراد أنهم أتوا ~~بما يرزقونه في الجنة متشابها فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم ~~في آخره، فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعما غير طعم ~~الأول. و (متشابها) منصوب على الحال. والمراد بتطهير الأزواج أنه لا يصيبهن ~~ما يصيب النساء من قذر الحيض والنفاس وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها ~~بنساء الدنيا. والخلود: البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وقد يستعمل مجازا ~~فيما يطول، والمراد هنا الأول. وقد أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة ~~الجنة والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي وابن مردويه عن أسامة بن ~~زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألا هل مشمر للجنة فإن ~~الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ~~ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في ~~دار سليمة، وفاكهة خضراء " الحديث. والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جدا ثابتة ~~في الصحيحين وغيرهما. وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وابن ~~مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " أنهار الجنة تفجر من تحت جبال مسك ". وأخرج ابن أبي شيبة وأبو ~~حاتم وأبو الشيخ وابن حبان والبيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود نحوه ~~موقوفا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (تجري من تحتها الأنهار) ~~قال: يعني المساكن تجري أسفلها أنهارها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس ~~من الصحابة في قوله (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا) قال: أتوا بالثمرة في ~~الجنة فنظروا إليها (قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) في الدنيا (وأتوا به ~~متشابها) في اللون والمرأى وليس يشبه الطعم. وأخرج عبد بن حميد عن علي بن ~~زيد وقتادة نحوه. وأخرج مسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال: ليس في الدنيا مما ms0089 في الجنة شئ إلا الأسماء. وأخرج عبد بن ~~حميد عن عكرمة قال: قولهم (من قبل) معناه: هذا مثل الذي كان بالأمس. وأخرج ~~ابن جرير عن يحيى بن أبي كثير نحوه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير عن مجاهد قال (متشابها) في اللون مختلفا في الطعم. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن الحسن في قوله (متشابها) قال: خيار كله يشبه بعضه بعضا لا رذل ~~فيه، ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن قتادة مثله. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (ولهم فيها أزواج مطهرة) قال: من الحيض ~~والغائط والبزاق والنخامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال: من القذر والأذى وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: لا يحضن ~~ولا يحدثن ولا يتنخمن. وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفات أهل الجنة في الصحيحين وغيرهما من ~~طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون. ~~وثبت أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث كثيرة في الصحيحين ~~وغيرهما من صفات نساء أهل الجنة مالا يتسع المقام لبسطه، فلينظر في دواوين ~~الإسلام وغيرها. وأخرج ابن جرير وابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (وهم فيها خالدون) أي خالدون أبدا، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر ~~مقيم على أهله أبدا لانقطاع له. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في ~~قوله (وهم فيها خالدون) يعني لا يموتون. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل ~~النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت PageV01P055 # ويا أهل الجنة لا موت، كل هو خالد فيما هو فيه ". وأخرج البخاري من حديث ~~أبي هريرة ms0090 نحوه. وأخرج الطبراني والحاكم وصححه من حديث معاذ نحوه. وأخرج ~~الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة ~~في الدنيا لفرحوا بها ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا، ~~ولكن جعل لهم الأبد ". # أنزل الله هذه الآية ردا على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من ~~الأمثال كقوله - مثلهم كمثل الذي استوقد نارا - وقوله - أو كصيب من السماء ~~- فقالوا الله أجل وأعلا من أن يضرب الأمثال. وقال الرازي: إنه تعالى لما ~~بين بالدليل كون القرآن معجزا أورد ها هنا شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك ~~وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والعنكبوت والنمل، ~~وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في ~~فصاحته فضلا عن كونه معجزا. وأجاب الله عنها بأن صغر هذه الأشياء لا تقدح ~~في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكمة بالغة انتهى. ولا يخفاك أن تقرير ~~هذه الشبهة على هذا الوجه وإرجاع الإنكار إلى مجرد الفصاحة لا مستند له ولا ~~دليل عليه، وقد تقدمه إلى شئ من هذا صاحب الكشاف، والظاهر ما ذكرناه أولا ~~لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها، ولا يستلزم ~~استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المحقرة أن يكون ذلك لكونه قادحا في ~~الفصاحة والإعجاز. والحياء: تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ~~ويذم: كذا في الكشاف، وتبعه الرازي في مفاتيح الغيب. وقال القرطبي: أصل ~~الاستحياء الانقباض عن الشئ والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح، وهذا ~~محال على الله انتهى، وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياء ~~فقيل: ساغ ذلك لكونه واقعا في الكلام المحكي عن الكفار، وقيل: هو من باب ~~المشاكلة كما تقدم، وقيل هو جار على سبيل التمثيل. قال في الكشاف: مثل تركه ~~تخييب العبد وأنه لا يرد يديه صفرا من عطائه لكرمه ms0091 بترك من يترك رد المحتاج ~~إليه حياء منه انتهى. وقد قرأ ابن محيصن وابن كثير في رواية عنه " يستحي " ~~بياء واحدة وهي لغة تميم وبكر بن وائل، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى ~~الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما لالتقاء ~~الساكنين. وضرب المثل: اعتماده وصنعه. و " ما " في قوله (ما بعوضة) إبهامية ~~أي موجبة لإبهام ما دخلت عليه حتى يصير أعم مما كان عليه وأكثر شيوعا في ~~أفراده، وهي في موضع نصب على البدل من قوله (مثلا) و (بعوضة) نعت لها ~~لإبهامها، قاله الفراء والزجاج وثعلب، وقيل: إنها زائدة، وبعوضة بدل من ~~مثل. ونصب بعوضة في هذين الوجهين ظاهر، وقيل: إنها منصوبة بنزع الخافض، ~~والتقدير: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فحذف لفظ بين. وقد روى هذا عن ~~الكسائي، وقيل: إن يضرب بمعنى يجعل فتكون PageV01P056 # بعوضة المفعول الثاني. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤية بن العجاج ~~" بعوضة " بالرفع وهي لغة تميم. قال أبو الفتح: وجه ذلك أن " ما " اسم ~~بمنزلة الذي، وبعوضة رفع على إضمار المبتدأ، ويحتمل أن تكون " ما " ~~استفهامية كأنه قال تعالى (ما بعوضة فما فوقها) حتى لا يضرب المثل به، بل ~~يدان لمثل بما هو أقل من ذلك بكثير، والبعوضة فعولة من بعض: إذا قطع، يقال: ~~بعض وبضع بمعنى، والبعوض: البق، الواحدة بعوضة، سميت بذلك لصغرها قاله ~~الجوهري وغيره. وقوله (فما فوقها) قال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: فما ~~فوقها والله أعلم ما دونها: أي أنها فوقها في الصغر كجناحها. قال الكسائي ~~وهذا كقولك في الكلام أتراه قصيرا فيقول القائل أو فوق ذلك أي أقصر مما ~~ترى. ويمكن أن يراد فما زاد عليها في الكبر. وقد قال بذلك جماعة. قوله ~~(فأما الذين آمنوا) أما حرف فيه معنى الشرط، وقدره سيبويه بمهما يكن من شئ ~~فكذا. وذكر صاحب الكشاف أن فائدته في الكلام أنه يعطيه فضل توكيد وجعل ~~تقدير سيبويه دليلا على ذلك. والضمير في (أنه) راجع إلى المثل. و (الحق) ~~الثابت، وهو المقابل ms0092 للباطل والحق واحد الحقوق، والمراد هنا الأول. وقد ~~اختلف النحاة في (ماذا) فقيل: هي بمنزلة اسم واحد بمعنى: أي شئ أراد الله، ~~فتكون في موضع نصب بأراد. قال ابن كيسان: وهو الجيد. وقيل " ما " اسم تام ~~في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " بمعنى الذي، وهو خبر المبتدأ مع صلته، ~~وجوابه يكون على الأول منصوبا وعلى الثاني مرفوعا. والإرادة نقيض الكراهة، ~~وقد اتفق المسلمون على أنه يجوز إطلاق هذا اللفظ على الله سبحانه، و (مثلا) ~~قال ثعلب: منصوب على القطع، والتقدير: أراد مثلا. وقال ابن كيسان: هو منصوب ~~على التمييز الذي وقع موقع الحال، وهذا أقوى من الأول. وقوله (يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا) هو كالتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بأما، فهو خبر ~~من الله سبحانه. وقيل: هو حكاية لقول الكافرين كأنهم قالوا: ما مراد الله ~~بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى؟ وليس هذا بصحيح، فإن ~~الكافرين لا يقرون بأن في القرآن شيئا من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم ~~بشئ من الضلالة. قال القرطبي: ولا خلاف أن قوله (وما يضل به إلا الفاسقين) ~~من كلام الله سبحانه. وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور ~~هنا وفي نسبته إلى الله سبحانه. وقد نقح البحث الرازي في تفسيره مفاتيح ~~الغيب في هذا الموضع تنقيحا نفيسا، وجوده وطوله وأوضح فروعه وأصوله، فليرجع ~~إليه فإنه مفيد جدا. وأما صاحب الكشاف فقد اعتمد ها هنا على عصاه التي ~~يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه بكونه سببا، ~~فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي. # وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله (يضل) يخذل. ~~والفسق: الخروج عن الشئ، يقال فسقت الرطبة: إذا خرجت عن قشرها. والفأرة من ~~جحرها ذكر معنى هذا الفراء. وقد استشهد أبو بكر بن الأنباري في كتاب الزاهر ~~له على معنى الفسق بقول رؤبة بن العجاج: # يهوين في نجد وغورا غائرا * فواسقا عن قصدها جوائر قد زعم ابن الأعرابي ~~أنه لم يسمع ms0093 قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق، وهذا مردود عليه، فقد ~~حكى ذلك عن العرب وأنه من كلامهم جماعة من أئمة اللغة كابن فارس والجوهري ~~وابن الأنباري وغيرهم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال " خمس فواسق " الحديث. وقال في الكشاف: الفسق الخروج عن القصد، ثم ~~ذكر عجز بيت رؤبة المذكور، ثم قال: والفاسق في الشريعة: الخارج عن أمر الله ~~بارتكاب الكبيرة انتهى. وقال القرطبي: والفسق في عرف الاستعمال الشرعي: ~~الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان ~~انتهى. وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على PageV01P057 # بعض الخارجين دون بعض. قال الرازي في تفسيره: واختلف أهل القبلة هل هو ~~مؤمن أو كافر؟ فعند أصحابنا أنه مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند ~~المعتزلة لا مؤمن ولا كافر، واحتج المخالف بقوله تعالى - بئس الاسم الفسوق ~~بعد الإيمان - وقوله (إن المنافقين هم الفاسقون) وقوله - حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان - وهذه المسألة طويلة ~~مذكورة في علم الكلام انتهى. وقوله (الذين ينقضون) في محل نصب وصفا ~~للفاسقين. والنقض: إفساد ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد، والنقاضة: ما نقض ~~من حبل الشعر. # والعهد: قيل هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره، وقيل: ~~هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ونهيه إياهم عما ~~نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله، ونقضهم ذلك: ترك العمل به، ~~وقيل: بل هو نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر مخلوقاته، ~~ونقضه: ترك النظر فيه، وقيل: هو ما عهده إلى الذين أوتوا الكتاب ليبيننه ~~للناس. والميثاق: العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة وهي الشدة في ~~العقد والربط. والجمع المواثيق والمياثيق، وأنشد ابن الأعرابي: # حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا * ولا نسأل الأقوام عهد المياثق واستعمال ~~النقض في إبطال العهد على سبيل الاستعارة. والقطع معروف، والمصدر في ms0094 الرحم ~~القطيعة، وقطعت الحبل قطعا، وقطعت النهر قطعا. " وما " في قوله (ما أمر ~~الله به) في موضع نصب بيقطعون و (أن يوصل) في محل نصب بأمر. ويحتمل أن يكون ~~بدلا من ما، أو من الهاء في به. واختلفوا ما هو الشئ الذي أمر الله بوصله ~~فقيل: الأرحام، وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، وقيل: أمر أن يوصل التصديق ~~بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب البعض الآخر، وقيل: المراد به ~~حفظ شرائعه وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة وعلى ألسن رسله بالمحافظة عليا ~~فهي عامة، وبه قال الجمهور وهو الحق. والمراد بالفساد في الأرض الأفعال ~~والأقوال المخالفة لما أمر الله به، كعبادة غيره والإضرار بعباده وتغيير ما ~~أمر بحفظه، وبالجملة فكل ما خالف الصلاح شرعا أو عقلا فهو فساد. والخسران: ~~النقصان، والخاسر، هو الذي نقص نفسه من الفلاح والفوز، وهؤلاء لما استبدلوا ~~النقض بالوفاء والقطع بالوصل كان عملهم فسادا لما نقصوا أنفسهم من الفلاح ~~والربح. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة ~~قال: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله (مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا) وقوله - أو كصيب من السماء - قال المنافقون: الله أعلا وأجل من أن ~~يضرب هذه الأمثال فأنزل الله (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا) الآية. وأخرج ~~الواحدي في تفسيره عن ابن عباس قال: إن الله ذكر آلهة المشركين فقال - وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا - وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت ~~حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد أي شئ كان ~~يصنع بهذا؟ فأنزل الله (إن الله لا يستحي) وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحو قول ابن عباس. # وأخرج ابن أبي خاتم عن الحسن قال: لما نزلت - أيها الناس ضرب مثل - قال ~~المشركون: ما هذا من الأمثال فيضرب؟ فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى (فأما الذين ms0095 آمنوا فيعلمون أنه ~~الحق من ربهم) قال: يؤمن به المؤمن، ويعلمون أنه الحق من ربهم ويهديهم الله ~~به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من ~~الصحابة في قوله (يضل به كثيرا) يعني المنافقين (ويهدى به كثيرا) يعني ~~المؤمنين (وما يضل به إلا الفاسقين) قال هم المنافقون. وفي قوله (ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه) قال: هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم ~~كفروا فنقضوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس PageV01P058 # في قوله (وما يضل به إلا الفاسقين) يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به. ~~وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: # فسقوا فأضلهم الله بفسقهم. وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن سعد بن أبي وقاص قال: # الحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ما ~~نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق، فمن أعطى عهد الله ~~وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به الله. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في أحاديث ثابتة في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة النهي ~~عن نقض العهد والوعيد الشديد عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ~~في قوله (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) قال: الرحم والقرابة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن السدي في قوله (ويفسدون في الأرض) قال: يعملون فيها بالمعصية. ~~وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله (أولئك هم الخاسرون) يقول: هم أهل ~~النار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شئ نسبه الله إلى ~~غير أهل الإسلام مثل خاسر ومسرف وظالم ومجرم وفاسق فإنما يعني به الكفر، ~~وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذم. # كيف مبنية على الفتح لخفته وهي في موضع نصب بتكفرون، ويسأل بها عن الحال، ~~وهذا الاستفهام هو للإنكار عليهم والتعجيب من حالهم ms0096 وهي متضمنة لهمزة ~~الاستفهام، والواو في (وكنتم) للحال وقد مقدرة كما قال الزجاج والفراء، ~~وإنما صح جعل هذا الماضي حالا لأن الحال ليس هو مجرد قوله (كنتم أمواتا) بل ~~هو وما بعده إلى قوله (ترجعون) كما جزم به صاحب الكشاف كأنه قال: كيف ~~تكفرون؟ وقصتكم هذه: أي وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها. والأموات ~~جمع ميت، واختلف المفسرون في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين - فقيل إن ~~المراد (كنتم أمواتا) قبل أن تخلقوا: أي معدومين، لأنه يجوز إطلاق اسم ~~الموت على المعدوم لاجتماعهما في عدم الإحساس (فأحياكم) أي خلقكم (ثم ~~يميتكم) عند انقضاء آجالكم (ثم يحييكم) يوم القيامة. وقد ذهب إلى هذا جماعة ~~من الصحابة فمن بعدهم. قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو ~~الذي لا محبذ للكفار عنه، وإذا أذعنت نفوس الكفار بكونهم كانوا معدومين ثم ~~أحياء في الدنيا ثم أمواتا فيها لزمهم الإقرار بالحياة الأخرى. # قال غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة ~~الدنيا. وقيل: إن المراد كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر، ~~ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم. وقيل (كنتم أمواتا) أي نطفا في أصلاب ~~الرجال (ثم يحييكم) حياة الدنيا. (ثم يميتكم) بعد هذه الحياة (ثم يحييكم) ~~في القبور (ثم يميتكم) في القبر (ثم يحييكم) الحياة التي ليس بعدها موت. ~~قال القرطبي: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث إحياءات وكونهم موتى في ~~ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال، ~~فعلى هذا يجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله أوجدهم قبل خلق ~~آدم كالبهائم وأمهاتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات، وموتة سادسة ~~للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في الحديث " ولكن ناس ~~أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن في ~~الشفاعة فجئ بهم، إلى أن قال: فينبتون نبات الحبة في حميل السيل " وهو في ~~الصحيح من حديث أبي سعيد. ms0097 وقوله (ثم إليه ترجعون) أي إلى الله سبحانه ~~فيجازيكم PageV01P059 # بأعمالكم. وقد قرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وسلام ويعقوب بفتح ~~حرف المضارعة، وقرأ الجماعة بضمه. قال في الكشاف: عطف الأول بالفاء وما ~~بعده بثم، لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد ~~تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور ~~تراخيا ظاهرا، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع ~~إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور انتهى. ولا يخفاك أنه إن أراد بقوله أن ~~الأحياء الأول قد تعقب الموت أنه وقع على ما هو متصف بالموت، فالموت الآخر ~~وقع على ما هو متصف بالحياة، وإن أراد أنه وقع الإحياء الأول عند أول ~~اتصافه بالموت بخلاف الثاني فغير مسلم، فإنه وقع عند آخر أوقات موته كما ~~وقع الثاني عند آخر أوقات حياته، فتأمل هذا. وقد أخرج ابن جرير عن ابن ~~مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى (وكنتم أمواتا) الآية، قال: لم تكونوا ~~شيئا فخلقكم (ثم يميتكم ثم يحييكم) يوم القيامة. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: ~~يميتكم ثم يحييكم في القبر ثم يميتكم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في ~~قوله (وكنتم أمواتا) قال: حين لم تكونوا شيئا، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم ~~القيامة، ثم يرجعون إليه بعد الحياة. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم قال: خلقهم من ظهر آدم فأخذ عليهم الميثاق ثم أماتهم، ثم خلقهم في ~~الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة. والصحيح الأول. # قال ابن كيسان (خلق لكم) أي من أجلكم، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء ~~المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين ~~الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله (جميعا) أقوى ~~دلالة على ms0098 هذا. وقد استدل بهذه الآية على تحريم أكل الطين لأنه تعالى خلق ~~لنا ما في الأرض دون نفس الأرض. وقال الرازي في تفسيره: إن لقائل أن يقول: ~~إن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جامعا للوصفين، ولا شك ~~أن المعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى البعض لها ولأن ~~تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه انتهى. وقد ذكر صاحب ~~الكشاف ما هو أوضح من هذا فقال: فإن قلت: هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم ~~الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء ~~كما تذكر السماء ويراد الجهات العلوية جاز ذلك، فإن الغبراء وما فيها واقعة ~~في الجهات السفلية انتهى. وأما التراب فقد ورد في السنة تحريمه، وهو أيضا ~~ضار فليس مما ينتفع به أكلا، ولكنه ينتفع به في منافع أخرى، وليس المراد ~~منفعة خاصة كمنفعة الأكل، بل كل ما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه، ~~وجميعا منصوب على الحال. والاستواء في اللغة: الاعتدال والاستقامة، قاله في ~~الكشاف، ويطلق على الارتفاع والعلو على الشئ، قال تعالى - فإذا استويت أنت ~~ومن معك على الفك - وقال - لتستووا - على ظهوره - وهذا المعنى هو المناسب ~~لهذه الآية. وقد قيل: إن هذه الآية من المشكلات. وقد ذهب كثير من الأئمة ~~إلى الإيمان بها وترك التعرض لتفسيرها، وخالفهم آخرون. والضمير في قوله ~~(فسواهن) مبهم يفسره ما بعده كقولهم: زيد رجلا، وقيل: إنه راجع إلى السماء ~~لأنها في معنى الجنس، والمعنى: أنه عدل خلقهن فلا اعوجاج فيه. وقد استدل ~~بقوله (ثم استوى) على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء. وكذلك الآية التي ~~في حم السجدة. وقال في النازعات PageV01P060 # - أنتم أشد خلقا أم السماء بناها - فوصف خلقها ثم قال - بعد ذلك دحاها - ~~فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وكذلك قوله تعالى - الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض - وقد قيل: إن خلق جرم الأرض متقدم على السماء ودحوها ms0099 ~~متأخر. وقد ذكر نحو هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد لابد من المصير ~~إليه، ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد الدحو، والآية المذكورة هنا ~~دلت على أنه خلق ما في الأرض قبل خلق السماء، وهذا يقتضي بقاء الإشكال وعدم ~~التخلص عنه بمثل هذا الجمع. وقوله (سبع سماوات) فيه التصريح بأن السماوات ~~سبع، وأما الأرض فلم يأت في ذكر عددها إلا قوله تعالى - ومن الأرض مثلهن - ~~فقيل: أي في العدد، وقيل: أي في غلظهن وما بينهن. وقال الداودي: إن الأرض ~~سبع، ولكن لم يفتق بعضها من بعض. # والصحيح أنها سبع كالسماوات. وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه الله من سبع أرضين " وهو ثابت من ~~حديث عائشة وسعيد بن زيد. ومعنى قوله تعالى (سواهن) سوى سطوحهن بالإملاس، ~~وقيل: جعلهن سواء. قال الرازي في تفسيره: فإن قيل فهل يدل التنصيص على سبع ~~سماوات: أي فقط؟ قلنا: الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد ~~والله أعلم انتهى. وفي هذا إشارة إلى ما ذكره الحكماء من الزيادة على ~~السبع. ونحن نقول: إنه لم يأتنا عن الله ولا عن رسوله إلا السبع فنقتصر على ~~ذلك ولا نعمل بالزيادة إلا إذا جاءت من طريق الشرع ولم يأت شئ من ذلك، ~~وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شئ عليم، لأنه يجب أن يكون عالما بجميع ما ~~ثبت أنه خالقه. وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى (هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) قال: سخر لكم ما في الأرض جميعا كرامة من ~~الله ونعمة لابن آدم وبلغة ومنفعة إلى أجل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله (هو الذي ~~خلق لكم ما في الأرض جميعا) قال: سخر لكم ما في الأرض جميعا (ثم استوى إلى ~~السماء) قال: خلق الأرض قبل السماء، ms0100 فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك ~~قوله (ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) يقول: خلق سبع سماوات بعضهن ~~فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن فوق بعض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ~~في قوله (هو الذي خلق لكم ما في الأرض) الآية، قالوا: إن الله كان عرشه على ~~الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء ~~دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم انبس الماء فجعله أرضا ~~واحدة ثم فتقها سبع أرضين في يومين الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت وهو ~~الذي ذكره في قوله - ن والقلم - والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، ~~والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ~~ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض، ~~فأرسى عليها الجبال فقرت، فذلك قوله تعالى - وألقى في الأرض رواسي أن تميد ~~بكم - وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها، وسخرها وما ينبغي لها في يومين في ~~الثلاثاء والأربعاء وذلك قوله - أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض - إلى قوله ~~وبارك فيها - يقول: أنبت شجرها - وقد فيها أقواتها - يقول: أقوات أهلها - ~~في أربعة أيام سواء للسائلين - يقول: # من سأل فهكذا الأمر، - ثم استوى إلى السماء وهي دخان - وكان ذلك الدخان ~~من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في ~~يومين في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات ~~والأرض - وأوحى في كل سماء أمرها - قال: خلق في كل أسماء خلقها من الملائكة ~~والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومالا يعلم، ثم زين السماء الدنيا ~~بالكواكب فجعلها زينة وحفظا من الشياطين، فلما فرغ PageV01P061 # من خلق ما أحب استوى على العرش. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن ~~عباس في قوله (ثم استوى إلى السماء) يعني صعد أمره إلى السماء فسواهن: يعني ms0101 ~~خلق سبع سماوات، قال: أجرى النار على الماء فبخر البحر فصعد في الهواء فجعل ~~السماوات منه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي هريرة ~~في الصحيح قال " أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فقال: خلق الله ~~التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، ~~وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم ~~الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر ". وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من طرق عند أهل السنن وغيرهم عن جماعة من الصحابة أحاديث في وصف ~~السماوات، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء ~~خمسمائة عام، وأنها سبع سماوات، وأن الأرض سبع أرضين وكذلك ثبت في وصف ~~السماء آثار عن جماعة من الصحابة. وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور بعض ذلك ~~في تفسير هذه الآية، وإنما تركنا ذكره ها هنا لكونه غير متعلق بهذه الآية ~~على الخصوص، بل هو متعلق بما هو أعم منها. # " إذ " من الظروف الموضوعة للتوقيت وهي للمستقبل، وإذا للماضي، وقد توضع ~~إحداهما موضع الأخرى. # وقال المبرد: هي مع المستقبل للمضي ومع الماضي للاستقبال. وقال أبو ~~عبيدة: إنها هنا زائدة. وحكاه الزجاج وابن النحاس وقالا: هي ظرف زمان ليست ~~مما يزاد، وهي هنا في موضع نصب بتقدير أذكر أو بقالوا، وقيل هو متعلق بخلق ~~لكم، وليس بظاهر والملائكة جمع ملك بوزن فعل، قاله ابن كيسان، وقيل، جمع ~~ملأك بوزن مفعل قاله أبو عبيدة، من لأك: إذا أرسل، والألوكة: الرسالة. قال ~~لبيد: # وغلام أرسلته أمه * بألوك فبذلنا ما سأل وقال عدي بن زيد: أبلغ النعمان ~~عني مألكا * أنه وقال قد حبسي وانتظار ويقال ألكني: أي أرسلني. وقال النضر ~~بن شميل: لا اشتقاق لملك عند العرب، والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث ~~الجمع، ومثله الصلادمة، والصلادم: الخيل الشداد واحدها صلدم - وقيل: هي ~~المبالغة كعلامة ونسابة و (جاعل) هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين. وذكر ms0102 ~~المطرزي أنه بمعنى خالق، وذلك يقتضي أنه متعد إلى مفعول واحد، والأرض هنا: ~~هي هذه الغبراء، ولا يختص ذلك بمكان دون مكان - وقيل إنها مكة. والخليفة ~~هنا معناه الخالف لمن كان قبله من الملائكة، ويجوز أن يكون معنى المخلوف: ~~أي يخلفه غيره، قيل هو آدم، وقيل كل من له خلافة في الأرض، ويقوي الأول قول ~~خليفة دون خلائف، واستغني بآدم عن ذكر من بعده قيل: خاطب الله الملائكة ~~بهذا الخطاب لا للمشورة ولكن لاستخراج ما عندهم، وقيل خاطبهم بذلك لأجل أن ~~يصدر منهم ذلك السؤال فيجابون بذلك الجواب، وقيل لأجل تعليم عباده مشروعية ~~المشاورة لهم. وأما قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) فظاهره أنهم استنكروا ~~استخلاف بني آدم في الأرض لكونهم مظنة للإفساد في الأرض، وإنما قالوا هذه ~~المقالة قبل أن يتقدم لهم معرفة ببني آدم، بل قبل وجود آدم فضلا عن ذريته، ~~لعلم قد علموه من PageV01P062 # الله سبحانه بوجه من الوجوه لأنهم لا يعلمون الغيب، قال بهذا جماعة من ~~المفسرين. وقال بعض المفسرين: إن في الكلام حذفا، والتقدير: إني جاعل في ~~الأرض خليفة يفعل كذا وكذا، فقالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها) وقوله (يفسد) ~~قائم مقام المفعول الثاني. والفساد: ضد الصلاح وسفك الدم: صبه، قاله ابن ~~فارس والجوهري: # ولا يستعمل السفك إلا في الدم، وواحد الدماء دم، وأصله دمي حذف لامه، ~~وجملة ونحن نسبح بحمدك حالية والتسبيح في كلام العرب: التنزيه والتبعيد من ~~السوء على وجه التعظيم. قال الأعشى: # أقول لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر و (بحمدك) في موضع الحال: ~~أي حامدين لك، وقد تقدم معنى الحمد. والتقديس: التطهير، أي ونطهرك عما لا ~~يليق بك مما نسبه إليك الملحدون وافتراه الجاحدون. وذكر في الكشاف أن معنى ~~التسبيح والتقديس واحد وهو تبعيد الله من السوء، وأنهما من سبح في الأرض ~~والماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. وفي القاموس وغيره من كتب اللغة ~~ما يرشد إلى ما ذكرناه والتأسيس خير من التأكيد خصوصا في كلام الله سبحانه. ms0103 ~~ولما كان سؤالهم واقعا على صفة تستلزم إثبات شئ من العلم لأنفسهم. أجاب ~~الله سبحانه عليهم بقوله (إني أعلم ما لا تعلمون) وفي هذا الإجمال ما يغني ~~عن التفصيل، لأن من علم مالا يعلم المخاطب له كان حقيقا بأن يسلم له ما ~~يصدر عنه، وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما ~~يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة والحكمة البالغة. ولم يذكر متعلق قوله ~~(تعلمون) ليفيد التعميم، ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر ~~بالقصور، وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: ~~إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه ثم قرأ (إني جاعل في الأرض خليفة) ~~وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضا نحوه وزاد. وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي ~~عام الجن بنو الجان، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض ~~بعث الله عليهم جنودا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما ~~قال الله (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء) كما فعل أولئك الجان فقال الله (إني أعلم مالا تعلمون) وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عمرو مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أطول منه. وأخرج ~~ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: لما فرغ الله من ~~خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من ~~قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان ~~إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره كبر وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية ~~لي فاطلع الله على ذلك منه فقال للملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة) قالوا: ~~ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ~~ويقتل بعضهم بعضا قالوا ربنا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون) وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ms0104 عن ابن عباس نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: قد علمت الملائكة وعلم ~~الله أنه لا شئ أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس قال: # إياكم والرأي، فإن الله رد الرأي على الملائكة وذلك أن الله قال (إني ~~جاعل في الأرض خليفة) قالت الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها) قال (إني ~~أعلم مالا تعلمون). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي سابط ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " دحيت به الأرض من مكة وكانت ~~الملائكة تطوف بالبيت " فهي أول من طاف به وهي الأرض التي قال الله (إني ~~جاعل في الأرض خليفة) قال ابن كثير: وهذا مرسل في سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو ~~أن المراد بالأرض مكة، والظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك انتهى. وأخرج ~~PageV01P063 # عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: التسبيح والتقديس ~~المذكور في الآية هو الصلاة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن أول من لبي الملائكة قال ~~الله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء) قال: فرادوه فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك ~~اعتذارا إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك) وثبت في الصحيح من حديث أبي ~~ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه ~~لملائكته سبحان ربي وبحمده ". وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة ~~في قوله (وتقدس لك) قال: # نصلي لك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التقديس: التطهير. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (ونقدس لك) قال: نعظمك ونكبرك. ~~وأخرجا عن أبي صالح قال: نعظمك ونمجدك. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (أعلم مالا تعلمون) ms0105 قال: علم من ~~إبليس المعصية وخلقه لها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في تفسيرها ~~قال: كان في علم الله أنه سيكون من الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون ~~وساكنوا الجنة. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان في صحيحه والبيهقي في ~~الشعب عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ~~" إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب (أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء) الآية، قالوا ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال ~~الله لملائكته: هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبطا إلى الأرض فننظر كيف ~~يعملان؟ فقالوا: ربنا هاروت وماروت، قال: فاهبطا إلى الأرض، فتمثلت لهما ~~الزهرة امرأة من أحسن البشر وذكر القصة. وقد ثبت في كتب الحديث المعتبرة ~~أحاديث من طريق جماعة من الصحابة في صفة خلقه سبحانه لآدم وهي موجودة فلا ~~نطول بذكرها. # (آدم) أصله أأدم هذا بهمزتين إلا أنهم لينوا الثانية وإذا حركت قلبت واو، ~~كما قالوا في الجمع أوادم، قاله الأخفش. واختلف في اشتقاقه، فقيل من أديم ~~الأرض وهو وجهها - وقيل من الأدمة وهي السمرة. قال في الكشاف: وما آدم إلا ~~اسم عجمي، وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر وعازر وعابر وشالخ وفالغ ~~وأشباه ذلك، و (الأسماء) هي العبارات والمراد: أسماء المسميات، قال بذلك ~~أكثر بذلك العلماء، وهو المعنى الحقيقي للاسم. والتأكيد بقوله (كلها) يفيد ~~أنه علمه جميع الأسماء ولم يخرج عن هذا شئ منها كائنا ما كان. وقال ابن ~~جرير: إنها أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، ثم رجع هذا وهو غير راجح. وقال ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: # أسماء الذرية. وقال الربيع بن خيثم: أسماء الملائكة. واختلف أهل العلم هل ~~عرض على الملائكة المسميات أو الأسماء، والظاهر الأول لأن عرض نفس الأسماء ~~غير واضح. وعرض الشئ إظهاره، ومنه عرض الشئ للبيع. وإنما PageV01P064 # ذكر ضمير المعروضين تغليبا للعقلاء على غيرهم. وقرأ ابن مسعود " عرضهن " ~~وقرأ أبي " عرضها " وإنما رجع ضمير ms0106 عرضهم إلى مسميات مع عدم تقدم ذكرها، ~~لأنه قد تقدم ما يدل عليها وهو أسماؤها. قال ابن عطية: # والذي يظهر أن الله علم آدم الأسماء وعرض عليه مع ذلك الأجناس أشخاصا، ثم ~~عرض تلك على الملائكة وسألهم عن أسماء مسمياتها التي قد تعلمها آدم، فقال ~~لهم آدم: هذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا. قال الماوردي: فكان الأصح توجه العرض ~~إلى المسمين. ثم في زمن عرضهم قولان: أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم. ~~الثاني أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم. وأما أمره سبحانه للملائكة ~~بقوله (أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) فهذا منه تعالى لقصد التبكيت ~~لهم مع علمه بأنهم يعجزون عن ذلك. والمراد (إن كنتم صادقين) أن بني آدم ~~يفسدون في الأرض فأنبؤني، كذا قال المبرد،. وقال أبو عبيد وابن جرير: إن ~~بعض المفسرين قال: معنى (إن كنتم صادقين) إذ كنتم، قالا: وهذا خطأ. ومعنى ~~(أنبؤني) أخبروني. فلما قال لهم ذلك اعترفوا بالعجز والقصور (فقالوا سبحانك ~~لا علم لنا إلا ما علمتنا) وسبحان: منصوب على المصدرية عند الخليل وسيبويه ~~وقال الكسائي: # هو منصوب على أنه منادى مضاف وهذا ضعيف جدا. والعليم: للمبالغة والدلالة ~~على كثرة المعلومات. والحكيم صيغة مبالغة في إثبات الحكمة له. ثم أمر الله ~~سبحانه آدم أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة فعجزوا واعترفوا ~~بالقصور، ولهذا قال سبحانه (ألم أقل لكم) الآية. قال فيما تقدم - أعلم مالا ~~تعلمون - ثم قال هنا (أعلم غيب السماوات والأرض) تدرجا من المجمل إلى ما هو ~~مبين بعض بيان، ومبسوط بعض بسط. وفي اختصاصه بعلم غيب السماوات والأرض رد ~~لما يتكلفه كثير من العباد من الاطلاع على شئ من علم الغيب كالمنجمين ~~والكهان وأهل الرمل والسحر والشعوذة. والمراد بما يبدون وما يكتمون: ما ~~يظهرون ويسرون كما يفيده معنى ذلك عند العرب، ومن فسره بشئ خاص فلا يقبل ~~منه ذلك إلا بدليل. وقد أخرج الفريابي وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إنما سمي آدم لأنه ms0107 خلق من أديم الأرض. ~~وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وعلم آدم الأسماء كلها) قال: ~~علمه اسم الصحفة والقدر وكل شئ. وأخرج ابن جرير عنه نحوه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عنه في تفسير الآية قال: عرض عليه أسماء ولده إنسانا ~~إنسانا والدواب، فقيل هذا الجمل هذا الحمل هذا الفرس. وأخرج الحاكم في ~~تاريخه وابن عساكر والديلمي عن عطية بن بشر مرفوعا في قوله (واعلم آدم ~~الأسماء كلها) قال: علم الله آدم في تلك الأسماء ألف حرفة من الحرف وقال ~~له: قل لأولادك ولذريتك إن لم تصبروا عن الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا ~~تطلبوها بالدين، فإن الدين لي وحدي خالصا، ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل ~~له. وأخرج الديلمي عن أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" مثلت لي أمتي في الماء والطين وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء ~~كلها " وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في تفسير الآية قال: أسماء ذريته أجمعين ~~(ثم عرضهم) قال: أخذهم من ظهره. وأخرج عن الربيع بن أنس قال: أسماء ~~الملائكة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هي هذه الأسماء التي ~~يتعارف بها الناس (ثم عرضهم) يعني عرض أسماء جميع الأشياء التي علمها آدم ~~من أصناف الخلق. (فقال أنبؤني) يقول أخبروني (بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) ~~إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة (قالوا سبحانك) تنزيها لله من ~~أن يكون يعلم الغيب أحد غيره تبنا إليك (لا علم لنا) تبرءوا منهم من علم ~~الغيب (لا ما علمتنا) كما علمت آدم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: # عرض أصحاب الأسماء على الملائكة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~(إنك أنت العليم الحكيم) قال: PageV01P065 # العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن مسعود وناس من ms0108 الصحابة في قوله (إن كنتم صادقين) أن بني آدم ~~يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء (وأعلم ما تبدون) قال: قولهم (أتجعل فيها ~~من يفسد فيها - وما كنتم تكتمون) يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال (ما تبدون) ما تظهرون (وما كنتم تكتمون) ~~يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية. # (إذ) متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قلنا. وقال أبو عبيدة: إذ زائدة وهو ~~ضعيف. وقد تقدم الكلام في الملائكة وآدم. السجود معناه في كلام العرب: ~~التذلل والخضوع. وغايته وضع الوجه على الأرض. # قال ابن فارس: سجد إذا تطامن، وكل ما سجد فقد ذل، والإسجاد: إدامة النظر. ~~وقال أبو عمر: وسجد إذا طأطأ رأسه، وفي هذه الآية فضيلة لآدم عليه السلام ~~عظيمة حيث أسجد الله له ملائكته. وقيل: إن السجود كان لله ولم يكن لآدم، ~~وإنما كانوا مستقبلين له عند السجود، ولا ملجئ لهذا فإن السجود للبشر قد ~~يكون جائزا في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح. وقد دلت هذه الآية على ~~أن السجود لآدم وكذلك الآية الأخرى أعني قوله - فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين - وقال تعالى - ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا - ~~فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يكون كذلك في سائر الشرائع. ومعنى السجود هنا: هو وضع الجبهة على الأرض، ~~وإليه ذهب الجمهور. وقال قوم: هو مجرد التذلل والانقياد. وقد وقع الخلاف هل ~~كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الأسماء أم بعده؟ وقد أطال البحث ~~في ذلك البقاعي في تفسيره. وظاهر السياق أنه وقع التعليم وتعقبه الأمر ~~بالسجود وتعقبه إسكانه الجنة ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض وقوله (إلا ~~إبليس) استثناء متصل لأنه كان من الملائكة على ما قاله الجمهور. وقال شهر ~~بن حوشب وبعض الأصوليين (كان من الجن) الذين كانوا في الأرض. فيكون ~~الاستثناء على هذا منقطعا. واستدلوا على هذا بقوله تعالى - لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما ms0109 يؤمرون - وبقوله تعالى - إلا إبليس كان من الجن - ~~والجن غير الملائكة، وأجاب الأولون بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس عن جملة ~~الملائكة، لما سبق في علم الله من شقائه عدلا منه - لا يسئل عما يفعل - ~~وليس في خلقه من نار ولا تركيب الشهوة فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه من ~~الملائكة وأيضا على تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون الاستثناء متصلا تغليبا ~~للملائكة الذين هم ألوف مؤلفة على إبليس الذي هو فرد واحد بين أظهرهم. ~~ومعنى (أبى) امتنع من فعل ما أمر به. والاستكبار: الاستعظام للنفس، وقد ثبت ~~في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم " أن الكبر بطر الحق وغمط الناس " ~~وفي رواية " غمص " بالصاد المهملة (وكان من الكافرين) أي من جنسهم. قيل إن ~~" كان " هنا بمعنى صار. وقال ابن فورك: إنه خطأ ترده الأصول. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت السجدة لآدم والطاعة لله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: سجدوا كرامة من الله أكرم بها آدم. وأخرج ~~ابن عساكر عن إبراهيم المزني قال: إن الله جعل آدم كالكعبة وأخرج ابن أبي ~~الدنيا وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه ~~عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد. وروى ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال إنما سمي إبليس لأن الله أبلسه ~~من الخير كله: أي آيسه منه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن الأنباري عنه ~~PageV01P066 # قال: كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من ~~سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك دعاه إلى ~~الكبر، وكان من حي يسمون جنا. وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عنه قال: ~~كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر أمر سماء الدنيا. وأخرج محمد بن نصر عن ~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله أمر آدم بالسجود ~~فسجد، فقال: لك الجنة ولمن سجد ms0110 من ولدك، وأمر إبليس بالسجود فأبي أن يسجد، ~~فقال: لك النار ولمن أبي من ولدك أن يسجد ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ~~في قوله (وكان من الكافرين) قال: جعله الله كافرا لا يستطيع أن يؤمن. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر ~~والضلالة وعمل بعمل الملائكة فصيره إلى ما ابتدئ إليه خلقه من الكفر. قال ~~الله (وكان من الكافرين). # (أسكن) أي اتخذ الجنة مسكنا وهو محل السكون، وأما ما قاله بعض المفسرين ~~من أن في قوله " أسكن " تنبيها على الخروج لأن السكنى لا تكون ملكا وأخذ ~~ذلك من قول جماعة من العلماء أن من أسكن رجلا منزلا له فإنه لا يملكه بذلك، ~~وإن له أن يخرجه منه، فهو معنى عرفي، والواجب الأخذ بالمعنى العربي إذا لم ~~تثبت في اللفظ حقيقة شرعية. و (أنت) تأكيد للضمير المستكن في الفعل ليصح ~~العطف عليه كما تقرر في علم النحو أنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع ~~المستكن إلا بعد تأكيده بمنفصل. وقد يجئ العطف نادرا بغير تأكيد كقول ~~الشاعر: # قلت إذا أقبلت وزهر تهادى * كنعاج الملا تعسفن رملا وقوله (وزوجك) أي ~~حواء وهذه هي اللغة الفصيحة زوج بغير هاء، وقد جاء بها قليلا كما في صحيح ~~مسلم من حديث أنس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مع إحدى نسائه، ~~فمر به رجل فدعاه وقال: يا فلان هذه زوجتي فلانة " الحديث، ومنه قول ~~الشاعر: # وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي * كساع إلى أسد الشرى يستميلها و (رغدا) بفتح ~~المعجمة، وقرأ النخعي وابن وثاب بسكونها، والرغد: العيش الهنئ الذي لا عناء ~~فيه، وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف. و (حيث) مبنية على الضم وفيها لغات ~~كثيرة مذكورة في كتب العربية. # والقرب: الدنو. قال في الصحاح: قرب الشئ بالضم يقرب قربا: أي دنا، وقربته ~~بالكسر أقربه قربانا: # أي دنوت منه، وقربت أقرب قرابة مثل كتبت أكتب كتابة: إذا سرت إلى الماء ~~وبينك وبينة ليلة، والاسم ms0111 القرب PageV01P067 # قال الأصمعي: قلت لأعرابي ما القرب؟ قال: سير الليل لورود الغد. والنهي ~~عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة، ولهذا جاء به عوضا عن الأكل، ولا ~~يخفى أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل، لأنه قد يأكل من ثمر ~~الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل ~~مستفاد من المقام. والشجر: # ما كان له ساق من نبات الأرض وواحده شجرة وقرئ بكسر الشين وبالياء ~~المثناة من تحت مكان الجيم. وقرأ ابن محيصن " هذي " بالياء بدل الهاء وهو ~~الأصل. واختلف أهل العلم في تفسير هذه الشجرة، فقيل: هي الكرم وقيل ~~السنبلة، وقيل التين، وقيل الحنطة، وسيأتي ما روى عن الصحابة فمن بعدهم في ~~تعيينها. وقوله (فتكونا) معطوف على (تقربا) في الكشاف، أو نصب في جواب ~~النهي وهو الأظهر. والظلم أصله: وضع الشئ في غير موضعه. والأرض المظلومة: ~~التي لم تحفر قط ثم حفرت، ورجل ظليم: شديد الظلم. والمراد هنا (فتكونا من ~~الظالمين) لأنفسهم بالمعصية، وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء واختلاف ~~مذاهبهم في ذلك مدون في مواطنه، وقد أطال البحث في ذلك الرازي في تفسيره في ~~هذا الموضع فليرجع إليه فإنه مفيد. وأزلهما من الزلة وهي الخطيئة أي ~~استزلهما وأوقعهما فيها، وقرأ حمزة " فأزالهما " بإثبات الألف من الإزالة ~~وهي التنحية: أي نحاهما - وقرأ الباقون بحذف الألف. قال ابن كيسان: هو من ~~الزوال: أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية. قال القرطبي: وعلى ~~هذا تكون القراءتان بمعنى، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى، يقال منه: ~~أزللته فزل و (عنها) متعلق بقوله أزلهما على تضمينه معنى أصدر: أي أصدر ~~الشيطان زلتهما عنها أي بسببها، يعني الشجرة. وقيل الضمير للجنة، وعلى هذا ~~فالفعل مضمن معنى أبعدهما: أي أبعدهما عن الجنة. وقوله (فأخرجهما) تأكيد ~~لمضمون الجملة الأولى: أي أزلهما إن كان معناه زال عن المكان، وإن لم يكن ~~معناه كذلك فهو تأسيس، لأن الإخراج فيه زيادة على مجرد الصرف والإبعاد ~~ونحوهما، لأن الصرف ms0112 عن الشجرة والإبعاد عنها قد يكون مع البقاء في الجنة ~~بخلاف الإخراج لهما عما كانا فيه من النعيم والكرامة أو من الجنة - وإنما ~~نسب ذلك إلى الشيطان لأنه الذي تولى إغواء آدم حتى أكل من الشجرة. وقد ~~اختلف أهل العلم في الكيفية التي فعلها الشيطان في إزلالهما، فقيل إنه كان ~~ذلك بمشافهة منه لهما، وإليه ذهب الجمهور واستدلوا على ذلك بقوله تعالى - ~~وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين - والمقاسمة ظاهرها المشافهة: وقيل لم يصدر ~~منه إلا مجرد الوسوسة، وقيل غير ذلك مما سيأتي في المروي عن السلف. وقوله ~~(اهبطوا) خطاب لآدم وحواء، وخوطبا بما يخاطب به الجمع لأن الاثنين أقل ~~الجمع عند البعض من أئمة العربية، وقيل إنه خطاب لهما ولذريتهما، لأنهما ~~لما كانا أصل هذا النوع الإنساني جعلا بمنزلته، ويدل على ذلك قوله (بعضكم ~~لبعض عدو) فإن هذه الجملة الواقعة حالا مبينا للهيئة الثابتة للمأمورين ~~بالهبوط تفيد ذلك. والعدو خلاف الصديق، وهو من عدا إذا ظلم، ويقال ذئب ~~عدوان: أي يعدو على الناس، والعدوان: الظلم الصراح وقيل: إنه مأخوذ من ~~المجاوزة، يقال عداه: إذا جاوزه، والمعنيان متقاربان، فإن من ظلم فقد ~~تجاوز. وإنما أخبر عن قوله (بعضكم) بقوله (عدو) مع كونه مفردا، لأن لفظ بعض ~~وإن كان معناه محتملا للتعدد فهو مفرد فروعي جانب اللفظ وأخبر عنه بالمفرد، ~~وقد يراعى المعنى فيخبر عنه بالمتعدد. وقد يجاب بأن (عدو) وإن كان مفردا ~~فقد يقع موقع المتعدد كقوله تعالى - وهم لكم عدو - وقوله - يحسبون كل صيحة ~~عليهم هم العدو - قال ابن فارس العدو اسم جامع للواحد والاثنين والثلاثة. ~~والمراد بالمستقر: موضع الاستقرار، ومنه - أصحاب الجنة يومئذ خير مستقر - ~~وقد يكون بمعنى الاستقرار، ومنه - إلى ربك يومئذ المستقر - فالآية محتملة ~~للمعنيين، ومثلها قوله - جعل لكم الأرض قرارا - والمتاع: ما يستمتع به من ~~المأكول والمشروب والملبوس ونحوها. واختلف المفسرون في قوله PageV01P068 # (إلى حين) فقيل إلى الموت، وقيل إلى قيام الساعة. وأصل معنى الحين في ~~اللغة: الوقت البعيد، ومنه - هل أتى على الإنسان حين من ms0113 الدهر - والحين ~~الساعة، ومنه - أو نقول حين ترى العذاب - والقطعة من الدهر، ومنه - فذرهم ~~في غمرتهم حتى حين - أي حتى تفنى آجالهم، ويطلق على السنة، وقيل على ستة ~~أشهر، ومنه - تؤتي أكلها كل حين - ويطلق على المساء والصباح، ومنه - وحين ~~تمسون وحين تصبحون - وقال الفراء: الحين حينان: حين لا يوقف على حده، ثم ~~ذكر الحين الآخر واختلافه بحسب اختلاف المقامات كما ذكرنا. وقال ابن ~~العربي: الحين المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم سنة. ومعنى تلقي ~~آدم للكلمات: أخذه لها وقبوله لما فيها وعمله بها، وقيل فهمه لها وفطانته ~~لما تضمنته. وأصل معنى التلقي الاستقبال: أي استقبل الكلمات الموحاة إليه ~~ومن قرأ بنصب " آدم " جعل معناه استقبلته الكلمات. وقيل إن معنى تلقي تلقن، ~~ولا وجه له في العربية. واختلف السلف في تعيين هذه الكلمات وسيأتي. ~~والتوبة: الرجوع يقال تاب العبد: إذا رجع إلى طاعة مولاه، وعبد تواب: كثير ~~الرجوع فمعنى تاب عليه: رجع عليه بالرحمة فقبل توبته أو وفقه للتوبة. ~~واقتصر على ذكر التوبة على آدم دون حواء مع اشتراكهما في الذنب، لأن الكلام ~~من أول القصة معه فاستمر على ذلك واستغنى بالتوبة عليه عن ذكر التوبة عليها ~~لكونها تابعة له، كما استغنى بنسبة الذنب إليه عن نسبته إليها في قوله - ~~وعصى الذي آدم ربه فغوى -. وأما قوله (قلنا اهبطوا) بعد قوله (قلنا ~~اهبطوا)، فكرره للتوكيد والتغليظ. وقيل: إنه لما تعلق به حكم غير الحكم ~~الأول كرره ولا تزاحم بين المقتضيات. فقد يكون التكرير للأمرين معا. وجواب ~~الشرط في قوله (فإما يأتينكم مني هدى) هو الشرط الثاني مع جوابه قاله ~~سيبويه. وقال الكسائي: إن جواب الشرط الأول والثاني قوله (فلا خوف) ~~واختلفوا في معنى الهدى المذكور فقيل: هو كتاب الله، وقيل التوفيق للهداية. ~~والخوف: هو الذعر، ولا يكون إلا في المستقبل. وقرأ الزهري والحسن وعيسى بن ~~عمار وابن أبي إسحاق ويعقوب " فلا خوف " بفتح الفاء والحزن ضد السرور. قال ~~اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم. وقد قرئ بهما. وصحبة ms0114 أهل النار ~~لها بمعنى الاقتران والملازمة. وقد تقدم ذكر تفسير الخلود. وقد أخرج أبو ~~الشيخ وابن مردويه عن أبي ذر قال " قلت يا رسول الله أرأيت آدم نبيا كان؟ ~~قال: نعم كان نبيا رسولا كلمه الله قال له - يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة " ~~وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أبي ذر قال " قلت يا رسول الله من أول ~~الأنبياء؟ قال: آدم قلت: نبي؟ # قال: نعم. قلت: ثم من؟ قال: نوح وبينهما عشرة آباء ". وأخرج أحمد ~~والبخاري في تاريخه والبيهقي في الشعب نحوه من حديث أبي ذر مرفوعا وزاد " ~~كم كان المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا ". وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة الباهلي، أن رجلا ~~قال: " يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم، قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: ~~عشرة قرون قال: كم بين نوح وبين إبراهيم؟ قال: عشرة قرون، قال: يا رسول ~~الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قال: يا رسول الله كم ~~كانت الرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا ". وأخرج أحمد وابن ~~المنذر والطبراني وابن مردويه من حديث أبي أمامة نحوه، وصرح بأن السائل أبو ~~ذر. وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: # ما سكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عنه قال " ما غابت الشمس من ذلك ~~اليوم حتى أهبط من الجنة ". وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد ~~وابن المنذر عن الحسن قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة مائة ~~وثلاثون سنة من أيام الدنيا. وقد روى تقدير الليث في الجنة عن سعيد بن جبير ~~بمثل ما تقدم عن ابن عباس كما رواه أحمد في الزهد. وأخرج PageV01P069 # ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس وابن مسعود وناس ~~من الصحابة قالوا: لما سكن آدم الجنة كان يمشي فيها ms0115 وحشا ليس له زوج يسكن ~~إليها، فنام نومة فاستيقظ وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه. ~~وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شئ من ~~الضلع رأسه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته تركته وفيه عوج " وروى أبو ~~الشيخ وابن عساكر عن ابن عباس قال: إنما سميت حواء لأنها أم كل حي. وأخرج ~~ابن عدي وابن عساكر عن النخعي قال: لما خلق الله آدم وخلق له زوجه بعث إليه ~~ملكا وأمره بالجماع ففعل، فلما فرغ قالت له حواء: يا آدم هذا طيب زدنا منه. ~~وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: الرغد الهنئ. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الرغد سعة المعيشة. وأخرجا ~~عنه في قوله (وكلا منها رغدا حيث شئتما) قال: لا حساب عليكم. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر من طرق عن ابن عباس ~~قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم السنبلة وفي لفظ: البر. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: هي الكرم. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن مسعود مثله. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: هي اللوز. وأخرج ابن ~~جرير عن بعض الصحابة قال: # هي التينة. وروى مثله أبو الشيخ عن مجاهد وابن أبي حاتم عن قتادة. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب ابن منبه قال: هي البر. وأخرج أبو الشيخ عن ~~أبي مالك قال: هي النخلة. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط ~~قال: هي الأترج. وأخرج أحمد في الزهد عن شعيب الجبائي قال: هي تشبه البر ~~وتسمى الدعة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (فأزلهما) قال: فأغواهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم بن بهدلة قال: ~~(فأزلهما) فنحاهما. وأخرج أبو داود في ms0116 المصاحف عن الأعمش قال: قراءتنا في ~~البقرة مكان فأزلهما فوسوس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~وناس من الصحابة قالوا: أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعته الخزنة، ~~فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير وهي كأحسن الدواب، فكلمها ~~أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرت الحية على ~~الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر، فكلمه من فمها فلم يبال ~~بكلامه، فخرج إليه فقال: يا آدم - هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى - ~~وحلف لهما بالله - إني لكما لمن الناصحين - فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت ~~حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كل، فإني قد أكلت فلم يضرني، فلما أكلا - بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة -. وقد أخرج قصة الحية ~~ودخول إبليس معها عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس. وأخرج ابن سعد وأحمد ~~في الزهد وعبد ابن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ~~أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن آدم كان رجلا طوالا ~~كأنه نخلة سحوق طوله ستون ذراعا كثير شعر الرأس، فلما ركب الخطيئة بدت له ~~عورته " الحديث. وأخرج ابن منيع وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي ~~في الشعب عن ابن عباس. # قال: قال الله لآدم: ما حملك على أن أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ ~~قال: يا رب زينته لي حواء، قال: # فإني عاقبتها بأن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها، وأدميتها في كل شهر ~~مرتين. وأخرج البخاري والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها ~~". وقد ثبتت أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما في ~~محاجة آدم وموسى، وحج PageV01P070 # آدم موسى بقوله: أتلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ms0117 أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (قلنا ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو) قال: آدم وحواء وإبليس والحية (ولكم في الأرض ~~مستقر) قال: القبور (ومتاع إلى حين) قال: الحياة. وروى نحو ذلك عن مجاهد ~~وأبي صالح وقتادة كما أخرجه عن الأول والثاني أبو الشيخ وعن الثالث عبد بن ~~حميد. وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله (ولكم في الأرض مستقر) قال: ~~القبور (ومتاع إلى حين) قال: إلى يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عمر قال: أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس قال " أول ما أهبط الله آدم إلى أرض الهند " وفي ~~لفظ " بدجنى أرض الهند ". وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه أهبط إلى أرض بين مكة ~~والطائف. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عنه قال: قال علي بن أبي ~~طالب: # أطيب ريح الأرض الهند، هبط بها آدم فعلق شجرها من ريح الجنة. وأخرج ابن ~~سعد وابن عساكر عن ابن عباس قال: أهبط آدم بالهند وحواء بجدة، فجاء في ~~طلبها حتى أتى جمعا، فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت المزدلفة، واجتمعا ~~بجمع. وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " أنزل آدم عليه السلام بالهند فاستوحش، فنزل ~~جبريل فنادى بالأذان، فلما سمع ذكر محمد قال له: ومن محمد هذا؟ قال: هذا ~~آخر ولدك من الأنبياء ". وقد روى عن جماعة من الصحابة أن آدم أهبط إلى أرض ~~الهند، منهم جابر أخرجه ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن عساكر، ومنهم ابن ~~عمر أخرجه الطبراني. # وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن ~~الله لما خلق الدنيا لم يخلق فيها ذهبا ولا فضة، فلما أهبط آدم وحواء أنزل ~~معهما ذهبا وفضة، فسلكه ينابيع في الأرض منفعة لأولادهما من بعدهما وجعل ~~ذلك صداق لحواء، فلا ينبغي لأحد أن يتزوج إلا بصداق ". وأخرج ابن عساكر ~~بسند ضعيف عن أنس ms0118 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هبط آدم ~~وحواء عريانين جميعا عليهم ورق الجنة قعد يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني ~~الحر، فجاءه جبريل بقطن وأمرها أن تغزل وعلمها، وأمر آدم بالحياكة وعلمه ". ~~وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعا " أول من حاك آدم عليه السلام ~~". وقد روى عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم حكايات في صفة هبوط ~~آدم من الجنة وما أهبط معه وما صنع عند وصوله إلى الأرض، ولا حاجة لنا ببسط ~~جميع ذلك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(فتلقى آدم من ربه كلمات) قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي ~~رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسبق إلي رحمتك قبل ~~غضبك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: أي رب أرأيت إن ~~تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن ~~عساكر بسند ضعيف عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لما أهبط ~~الله آدم إلى الأرض قام وجاه الكعبة فصلى ركعتين " الحديث. وقد روى نحوه ~~بإسناد لا بأس به أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة، والطبراني في الأوسط ~~والبيهقي في الدعوات وابن عساكر من حديث بريدة مرفوعا. وأخرج الثعلبي عن ~~ابن عباس في قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات) قال: قوله - ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين -. وأخرج ابن المنذر من طريق ~~ابن جرير عنه مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن محمد بن كعب القرظي في قوله (فتلقى آدم من ربه ~~كلمات) مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن PageV01P071 # مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والضحاك مثله. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن ms0119 المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قيل له: ما الكلمات التي تلقى آدم ~~من ربه؟ قال علم شأن الحج فهي الكلمات. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن ~~زيد في قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات) قال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ~~عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي، فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، لا ~~إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم. وأخرج نحوه البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن أنس. ~~وأخرج نحوه هنا وفي الزهد عن سعيد بن جبير. وأخرج نحوه ابن عساكر من طريق ~~جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. وأخرج نحوه الديلمي في مسند الفردوس بسند ~~ضعيف عن علي مرفوعا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ~~(فإما يأتينكم مني هدى) قال الهدى: الأنبياء والرسل والبيان. وأخرج ابن ~~الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم (فمن تبع هدي) بتثقيل الياء وفتحها. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ~~جبير في قوله (فلا خوف عليهم) يعني في الآخرة (ولا هم يحزنون) يعني لا ~~يحزنون للموت. # اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا ~~سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم ~~في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، ~~وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا ~~الترتيب الموجود في المصاحف فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ~~ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك ~~بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره ومن ~~تقدمه حسبما ذكر في خطبته، وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا ~~القرآن ما زال ينزل مفرقا على ms0120 حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن قبضه الله عز وجل إليه، وكل ~~عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة ~~باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا، وتحليل أمر كان ~~حراما، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون ~~الكلام مع المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضي، وتارة مع من حضر، ~~وحينا في عبادة، وحينا في معاملة، ووقتا في ترغيب، ووقتا في ترهيب، وآونة ~~في بشارة، وآونة في نذارة، وطورا في أمر دنيا، وطورا في أمر آخرة، ومرة في ~~تكاليف آتية. ومرة في أقاصيص ماضية، وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا ~~الاختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن ~~النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة ~~بين الضب كل والنون والماء والنار والملاح والحادي، وهل هذا إلا من ~~PageV01P072 # فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد ~~الجهل والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي ~~القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف، تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأنه لا ~~يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضى للمناسبة، وتبين الأمر ~~الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون ~~في ذلك، فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية ~~وسلامة، هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبا على هذا الترتيب الكائن في ~~المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علما ~~يقينا أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم ~~رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث ~~النبوة، فإنه ينثلج صدره، ويزول عنه الريب، بالنظر في سورة من السور ms0121 ~~المتوسطة، فضلا عن المطولة لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في ~~حوادث مختلفة، وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في ~~الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل - اقرأ باسم ربك الذي خلق - ~~وبعده - يا أيها المدثر - يا أيها المزمل - وينظر أين موضع هذه الآيات ~~والسور في ترتيب المصحف؟ وإذا كان الأمر هكذا، فأي معنى لطلب المناسبة بين ~~آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخرا، وتأخر ~~ما أنزله الله متقدما، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ~~ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا ~~وأنزر ثمرته، وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من ~~تضييع الأوقات وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ولا على من ~~يقف عليه من الناس، وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ~~ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته، أو إلى ما قاله شاعر من ~~الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا وأخرى هجاء، وحينا نسيبا وحينا ~~رثاء، وغير ذلك من الأنواع المتخالفة، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع ~~فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في ~~الجهاد والخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك، ~~وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ~~ذلك، لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله متلاعبا بأوقاته عابثا بعمره ~~الذي هو رأس ماله، وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة، وهو ركوب الأحموقة في ~~كلام البشر، فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء ~~العرب، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان. وقد علم كل مقصر وكامل أن الله ~~سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في ~~الكلام، وجرى ms0122 به مجاريهم في الخطاب. وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام ~~الواحد فيأتي بفنون متحالفة، وطرائق متباينة فضلا عن المقامين، فضلا عن ~~المقامات، فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا، وكذلك شاعرهم. ولنكتف بهذا ~~التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين، وإنما ~~ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد ~~أن كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السلام، فإذا قال متكلف: كيف ناسب هذا ~~ما قبله؟ قلنا: لا كيف: # فدع عنك نهبا صيح في حجراته * وهات حديثا ما حديث الرواحل قوله (يا بني ~~إسرائيل) اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم ~~السلام ومعناه PageV01P073 # عبد الله، لأن إسر في لغتهم هو العبد وإيل هو الله، قيل إن له اسمين، ~~وقيل إسرائيل لقب له، وهو اسم عجمي غير منصرف، وفيه سبغ لغات: إسرائيل بزنة ~~إبراهيم، وإسرائل بمدة مهموزة مختلسة رواها ابن شنبوذ عن ورش، وإسرائيل ~~بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر، وقرأ الحسن من ~~غير همز ولا مد وإسرائل بهمزة مكسورة. وإسراءل بهمزة مفتوحة، وتميم يقولون ~~إسرائين. والذكر هو ضد الإنصات وجعله بعض أهل اللغة مشتركا بين ذكر القلب ~~واللسان. وقال الكسائي: ما كان بالقلب فهو مضموم الذال، وما كان باللسان ~~فهو مكسور الذال. قال ابن الأنباري: والمعنى في الآية: اذكروا شكر نعمتي، ~~فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة، وهي اسم جنس، ومن جملتها أنه جعل منهم ~~أنبياء وأنزل عليهم الكتب والمن والسلوى، وأخرج لهم الماء من الحجر، ونجاهم ~~من آل فرعون وغير ذلك. والعهد قد تقدم تفسيره. واختلف أهل العلم في العهد ~~المذكور في هذه الآية ما هو؟ فقيل هو المذكور في قوله تعالى - خذوا ما ~~آتيناكم بقوة - وقيل هو ما في قوله - ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ~~وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا - وقيل هو قوله - وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب -. وقال الزجاج: هو ما ms0123 أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل هو أداء الفرائض، ولا مانع من حمله على جميع ~~ذلك. ومعنى قوله (أوف بعهدكم) أي بما ضمنت لكم من الجزاء. والرهب والرهبة: ~~الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد، وتقديم معمول الفعل يفيد الاختصاص ~~كما تقدم في - إياك نعبد - وإذا كان التقديم على طريقة الإضمار والتفسير ~~مثل زيدا ضربته (وإياي فارهبون) كان أوكد في إفادة الإختصاص، ولهذا قال ~~صاحب الكشاف: وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد، وسقطت الياء من ~~قوله (فارهبون) لأنها رأس آية (ومصدقا) حال من " ما " في قوله - ما أنزلت - ~~أو من ضميرها المقدر بعد الفعل أي أنزلته. وقوله (أول كافر به) إنما جاء به ~~مفردا، ولم يقل كافرين حتى يطابق ما قبله لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد ~~اللفظ، متعدد المعنى نحو فريق أو فوج. وقال الأخفش والفراء: إنه محمول على ~~معنى الفعل، لأن المعنى أول من كفر. وقد يكون من باب قولهم هو أظرف الفتيان ~~وأجمله كما حكى ذلك سيبويه، فيكون هذا المفرد قائما مقام الجمع، وإنما قال ~~أول مع أنه قد تقدمهم إلى الكفر به كفار قريش، لأن المراد أول كافر به من ~~أهل الكتاب، لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما يلزم من التصديق، ~~والضمير في به عائد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي لا تكونوا أول ~~كافر بهذا النبي مع كونكم قد وجدتموه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، ~~مبشرا به في الكتب المنزلة عليكم. وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الموضع ~~ما وقف عليه من البشارات برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب ~~السالفة، وقيل إنه عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله (بما أنزلت) وقيل ~~عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله (لما معكم) وقوله (ولا تشتروا ~~بآياتي) أي بأوامري ونواهي (ثمنا قليلا) أي عيشا نزرا ورئاسة لا خطر لها. ~~جعل ما اعتاضوه ثمنا، وأوقع الاشتراء عليه وإن كان الثمن هو المشتري به، ~~لأن الاشتراء هنا مستعار ms0124 للاستبدال: أي لا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا، ~~وكثيرا ما يقع مثل هذا في كلامهم. وقد قدمنا الكلام عليه في تفسير قوله ~~تعالى - اشتروا الضلالة بالهدى -، ومن إطلاق اسم الثمن على نيل عرض من ~~أعراض الدنيا قول الشاعر: # إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها * فما أصبت بترك الحج من ثمن وهذه الآية ~~وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى ~~الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو ~~إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم PageV01P074 # ما علمه الله وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به، فقد اشترى بآيات ~~الله ثمنا قليلا. وقوله (وإياي فاتقون) الكلام فيه كالكلام في قوله تعالى - ~~وإياي فارهبون - وقد تقدم قريبا. واللبس: الخلط، يقال لبست عليه الأمر ~~ألبسه: إذا خلطت حقه بباطله وواضحه بمشكله، قال الله تعالى - وللبسنا عليهم ~~ما يلبسون - قالت الخنساء ترى الجليس يقول الحق تحسبه * رشدا وهيهات فانظر ~~ما به التبسا صدق مقالته واحذر عداوته * والبس عليه أمورا مثل ما لبسا وقال ~~العجاج: لما لبست الحق بالتجني * عتبن فاستبدلن زيدا مني ومنه قول عنترة: ~~وكتيبة لبستها بكتيبة * حتى إذا التبست نفضت لها يدي وقيل: هو مأخوذ من ~~التغطية: أي لا تغطوا الحق بالباطل، ومنه قول الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى جيدها * تثنت عليه وكانت لباسا وقول الأخطل: وقد لبست ~~لهذا الأمر أعصره * حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا والأول أولى. والباطل في ~~كلام العرب: الزائل، ومنه قول لبيد * ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وبطل ~~الشئ يبطل بطولا وبطلانا، وأبطله غيره ويقال ذهب دمه بطلا: أي هدرا، ~~والباطل: الشيطان، وسمي الشجاع بطلا لأنه يبطل شجاعة صاحبه، والمراد به هنا ~~خلاف الحق. والباء في قوله بالباطل يحتمل أن تكون صله وأن تكون للاستعانة ~~ذكر معناه في الكشاف، ورجح الرازي في تفسيره الثاني. وقوله (وتكتموا) يجوز ~~أن يكون داخلا تحت حكم النهي، أو منصوبا بإضمار أن، وعلى الأول يكون كل ~~واحد ms0125 من اللبس والكتم منهيا عنه، وعلى الثاني يكون المنهي عنه هو الجمع بين ~~الأمرين، ومن هذا يلوح رجحان دخوله تحت حكم النهي وأن كل واحد منهما لا ~~يجوز فعله على انفراده، والمراد النهى عن كتم حجج الله التي أوجب عليهم ~~تبليغها وأخذ عليهم بيانها، ومن فسر اللبس أو الكتمان بشئ معين، ومعنى خاص ~~فلم يصب إن أراد أن ذلك هو المراد دون غيره، لا إن أراد أنه مما يصدق عليه. ~~وقوله (وأنتم تعلمون) جملة حالية، وفيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك ~~أغلظ للذنب وأوجب للعقوبة، وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع ~~الجهل، لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شئ حتى يعلم بحكمه خصوصا في ~~أمور الدين، فإن التكلم فيها والتصدي للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن ~~الله به لمن كان رأسا في العلم فردا في الفهم، وما للجهال والدخول فيما ليس ~~من شأنهم والقعود في غير مقاعدهم. وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (يا بني إسرائيل) قال للأحبار من اليهود (اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم) أي بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من ~~فرعون وقومه (وأوفوا بعهدي) الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا جاءكم (أوف بعهدكم) أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه بوضع ~~ما كان عليكم من الإصر والأغلال (وإياي فارهبون) أن أنزل بكم ما أنزلت بمن ~~كان قبلكم من آبائكم من النقمات (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به) وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم (وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون) أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاءكم به ~~وأنتم تجدونه عندكم فيما يعلمون من الكتب التي بأيديكم، وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عنه في قوله (أوفوا بعهدي) يقول: ما أمرتكم به من طاعتي ~~ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره (أوف ~~بعهدكم) ms0126 يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ~~مثله. وأخرج ابن المنذر عن PageV01P075 # مجاهد في قوله (أوفوا بعهدي) قال: هو الميثاق الذي أخذه عليهم في سورة ~~المائدة - لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل - الآية. وأخرج عبد بن حميد عن ~~قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: أوفوا لي بما افترضت عليكم ~~أوف لكم بما وعدتكم. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك نحوه. وأخرج ~~ابن جرير عن أبي العالية في قوله (إياي فارهبون) قال: فاخشون. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جريج عن مجاهد في قوله (وآمنوا بما أنزلت) قال القرآن (مصدقا لما ~~معكم) قال التوراة والإنجيل. وأخرج ابن جريج عن ابن جرير في قوله (أول كافر ~~به) قال: بالقرآن. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال: يقول يا ~~معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقا لما معكم، لأنهم يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل (ولا تكونوا أول كافر به) أي أول من كفر ~~بمحمد (ولا تشتروا بآياتي) يقول: لا تأخذوا عليه أجرا، قال: وهو مكتوب ~~عندهم في الكتاب الأول: يا بن آدم علم مجانا كما علمت مجانا. وأخرج أبو ~~الشيخ عنه قال: لا تأخذ على ما علمت أجرا، إنما أجر العلماء والحكماء ~~والحلماء على الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل) قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب (وتكتموا الحق) قال: لا تكتموا الحق ~~وأنتم قد علمتم أن محمدا رسول الله. # وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله (ولا تلبسوا) الآية، قال: لا تلبسوا ~~اليهودية والنصرانية بالإسلام (وتكتموا الحق) قال: كتموا محمدا وهم يعلمون ~~أنه رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن جرير عن ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: الحق التوراة، والباطل الذي كتبوه بأيديهم. # قد تقدم الكلام في تفسير إقامة الصلاة واشتقاقها، والمراد هنا الصلاة ~~المعهودة، وهي صلاة المسلمين على أن التعريف للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، ~~ومثلها الزكاة. ms0127 والإيتاء: الإعطاء يقال آتيته: أي أعطيته. والزكاة مأخوذة ~~من الزكاء، وهو النماء، زكا الشئ: إذا نما وزاد، ورجل زكي: أي زائد الخير، ~~وسمى إخراج جزء من المال زكاة: أي زيادة مع أنه نقص منه، لأنها تكثر بركته ~~بذلك، أو تكثر أجر صاحبه، وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا ~~فلان: أي طهر. # والظاهر أن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها قد نقلها الشرع إلى معان ~~شرعية هي المرادة بما هو مذكور في الكتاب والسنة منها. وقد تكلم أهل العلم ~~على ذلك بما لا يتسع المقام لبسطه. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالزكاة ~~هنا، فقيل المراد المفروضة لاقترانها بالصلاة، وقيل صدقة الفطر، والظاهر أن ~~المراد ما هو أعم من ذلك. والركوع في اللغة: الانحناء، وكل منحن راكع، قال ~~لبيد: # أخبر أخبار القرون التي مضت * أدب كأني كلما قمت راكع وقيل الانحناء يعم ~~الركوع والسجود، ويستعار أيضا للانحطاط في المنزلة، قال الشاعر: ~~PageV01P076 # لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه وإنما خص الركوع ~~بالذكر هنا، لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم، وقيل لكونه كان ثقيلا على أهل ~~الجاهلية وقيل إنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة. والركوع الشرعي: هو أن ~~ينحني الرجل ويمد ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن ~~راكعا ذاكرا بالذكر المشروع. وقوله (مع الراكعين) فيه الإرشاد إلى شهود ~~الجماعة والخروج إلى المساجد. وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة ~~في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف. وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على ~~خلاف بينهم في كون ذلك عينا أو كفاية، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب ~~فيها وليس بواجب، وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة، ~~من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة أو بسبع وعشرين درجة. ~~وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم الذي يصلي مع الإمام أفضل من ~~الذي يصلي وحده ثم ينام. والبحث طويل الذيول، كثير النقول، والهمزة في قوله ~~(أتأمرون ms0128 الناس بالبر) للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد ~~توبيخهم على نفس الأمر بالبر فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل بسبب ترك فعل ~~البر المستفاد من قوله (وتنسون أنفسكم) مع التطهر بتزكية النفس والقيام في ~~مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاما للناس وتلبيسا عليهم كما قال أبو ~~العتاهية: # وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى * وريح الخطايا من ثيابك يسطع والبر: الطاعة ~~والعمل الصالح، والبر: سعة الخير والمعروف، والبر: الصدق، والبر: ولد ~~الثعلب، والبر: سوق الغنم، ومن إطلاقه على الطاعة قول الشاعر: # لأهم رب أن يكونوا دونكا * يبرك الناس ويفجرونكا أي يطيعونك ويعصونك. ~~والنسيان بكسر النون هو هنا بمعنى الترك: أي وتتركون أنفسكم، وفي الأصل ~~خلاف الذكر والحفظ: أي زوال الصورة التي كانت محفوظة عن المدركة والحافظة. ~~والنفس: الروح، ومنه قوله تعالى - الله يتوفى الأنفس حين موتها - يريد ~~الأرواح. وقال أبو خراش * نجا سالم والنفس منه بشدقه * والنفس أيضا الدم * ~~ومنه قولهم: سالت نفسه، قال الشاعر: # تسيل على حد السيوف نفوسنا * وليس على غير الظبات تسيل والنفس الجسد، ~~ومنه: # نبئت أن بني سحيم أدخلوا * أبياتهم تأمور نفس المنذر والتأمور البدن. ~~وقوله (وأنتم تتلون الكتاب) جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ ~~وأبلغ تبكيت: # أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أهل العلم العارفين ~~بقبح هذا الفعل وشدة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه والآيات ~~التي تقرءونها من التوراة. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا وأصلها ~~الاتباع، يقال تلونه: إذا تبعته، وسمى القارئ تاليا والقراءة تلاوة لأنه ~~يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه. وقوله (أفلا تعقلون) استفهام ~~للإنكار عليهم والتقريع لهم، وهو أشد من الأول وأشد، وأشد ما قرع الله في ~~هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين ~~بالعلم، فاستنكر عليهم أولا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم في ذلك ~~الأمر الذي قاموا به في المجامع وتأدوا به في المجالس إيهاما للناس بأنهم ~~PageV01P077 # مبلغون عن الله ما تحملوه من ms0129 حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه، ~~وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه، وهم أترك الناس لذلك وأبعدهم ~~من نفعه وأزهدهم فيه، ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى جعلها مبينة لحالهم ~~وكاشفة لعوارهم وهاتكة لأستارهم، وهي أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة ~~والخصلة الفظيعة على علم منهم ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عليهم وملازمة ~~لتلاوته، وهم في ذلك كما قال المعرى: # وإنما حمل التوراة قارئها * كسب الفوائد لا حب التلاوات ثم انتقل معهم من ~~تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ فقال: إنكم لو لم تكونوا من أهل ~~العلم وحملة الحجة وأهل الدراسة لكتب الله لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلا ~~بينكم وبين ذلك ذائدا لكم عنه زاجرا لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل ~~بعد إهمالكم لما يوجبه العلم. والعقل في أصل اللغة: المنع، ومنه عقال ~~البعير، لأنه يمنعه عن الحركة، ومنه العقل في الدية لأنه يمنع ولي المقتول ~~عن قتل الجاني. والعقل نقيض الجهل، ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو أصل ~~معنى العقل عند أهل اللغة: أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال ~~المزرية ويصح أن يكون معنى الآية: أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم الله ~~إياها حيث لم تنتفعوا بما لديكم من العلم. وقوله (واستعينوا بالصبر) الصبر ~~في اللغة: الحبس، وصبرت نفسي على الشئ: حبستها. ومنه قول عنترة. # فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع والمراد هنا: استعينوا ~~بحبس أنفسكم عن الشهوات وقصرها على الطاعات على دفع ما يرد عليكم من ~~المكروهات وقيل الصبر هنا هو خاص بالصبر على تكاليف الصلاة. واستدل هذا ~~القائل بقوله تعالى - وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها - وليس في هذا الصبر ~~الخاص بهذه الآية ما ينفي ما تفيده الألف واللام الداخلة على الصبر من ~~الشمول كما أن المراد بالصلاة هنا جميع ما تصدق عليه الصلاة الشرعية من غير ~~فرق بين فريضة ونافلة. واختلف المفسرون في رجوع الضمير في قوله - وإنها ~~لكبيرة - فقيل إنه راجع إلى الصلاة وإن كان المتقدم هو الصبر ms0130 والصلاة فقد. # يجوز إرجاع الضمير إلى أحد الأمرين المتقدم ذكرهما. كما قال تعالى - ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه - إذا كان أحدهما داخلا تحت الآخر بوجه من ~~الوجوه، ومنه قول الشاعر: # إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاض كان جنونا ولم يقل ما لم يعاضا ~~بل جعل الضمير راجعا إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه، وقيل إنه عائد ~~إلى الصلاة من دون اعتبار دخول الصبر تحتها لأن الصبر هو عليها، كما قيل ~~سابقا، وقيل إن الضمير راجع إلى الصلاة وإن كان الصبر مرادا معها، لكن لما ~~كانت آكد وأعم تكليفا وأكثر ثوابا كانت الكناية بالضمير عنها، ومنه قوله - ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله - كذا قيل، وقيل إن ~~الضمير راجع إلى الأشياء المكنوزة، ومثل ذلك قوله تعالى - وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها - فأرجع الضمير هنا إلى الفضة والتجارة لما كانت ~~الفضة أعم نفعا وأكثر وجودا، والتجارة هي الحاملة على الانفضاض، والفرق بين ~~هذا الوجه وبين الوجه الأول أن الصبر هناك جعل داخلا تحت الصلاة، وهنا لم ~~يكن داخلا وإن كان مرادا، وقيل إن المراد الصبر والصلاة، ولكن أرجع الضمير ~~إلى أحدهما استغناء به عن الآخر، ومنه قوله تعالى - وجعلنا ابن مريم وأمه ~~آية - أي ابن مريم آية وأمه آية. ومنه قول الشاعر: # ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب PageV01P078 # وقال آخر: لكل هم من الهموم سعة * والصبح والمساء لا فلاح معه وقيل رجع ~~الضمير إليهما بعد تأويلهما بالعبادة، وقيل رجع إلى المصدر المفهوم من قوله ~~(واستعينوا) وهو الاستعانة، وقيل رجع إلى جميع الأمور التي نهى عنها بنو ~~إسرائيل. والكبيرة التي يكبر أمرها ويتعاظم شأنها على حاملها لما يجده عند ~~تحملها والقيام بها من المشقة، ومنه - كبر على المشركين ما تدعوهم إليه -. ~~والخاشع: هو المتواضع، والخشوع: التواضع. قال في الكشاف والخشوع: الإخبات ~~والتطامن، ومنه الخشعة للرملة المتطامنة وأما الخضوع: فاللين والانقياد، ~~ومنه خضعت بقولها: إذا لينته انتهى. وقال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر ms0131 الذل ~~والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الأقوى، ومكان خاشع: لا يهتدي إليه، وخشعت ~~الأصوات: أي سكنت، وخشع ببصره: إذا غضه، والخشعة: قطعة من الأرض رخوة. وقال ~~سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الخشوع فقال: يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما ~~للناس ولا تعرف الخشوع؟ ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطئ الرأس، ~~لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنئ في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض ~~عليك انتهى. وما أحسن ما قاله بعض المحققين في بيان ماهيته: إنه هيئة في ~~النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع، واستثنى سبحانه الخاشعين مع كونهم ~~باعتبار استعمال جوارحهم في الصلاة، وملازمتهم لوظائف الخشوع الذي هو روح ~~الصلاة، وإتعابهم لأنفسهم إتعابا عظيما في الأسباب الموجبة للحضور والخضوع ~~لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر وتوفر الجزاء والظفر بما وعد الله به من ~~عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من المصاعب، ~~بل يصير ذلك لذة لهم خالصة وراحة عندهم محضة، ولأمر ما هان على قوم ما ~~يلاقونه من حر السيوف عند تصادم الصفوف، وكانت الأمنية عندهم طعم المنية ~~حتى قال قائلهم: # ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي والظن هنا عند ~~الجمهور بمعنى اليقين، ومنه قوله تعالى - إني ظننت أني ملاق حسابيه - وقوله ~~- وظنوا أنهم مواقعوها - ومنه قول دريد بن الصمة: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم بالفارسي المسود وقيل إن الظن في ~~الآية على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم توقعوا لقاءه مذنبين، ~~ذكره المهدوي والماوردي، والأول أولى. وأصل الظن: الشك مع الميل إلى أحد ~~الطرفين، وقد يقع موقع اليقين في مواضع، منها هذه الآية. ومعنى قوله ~~(ملاقوهم ربهم) ملاقوا جزائه، والمفاعلة هنا ليست على بابها، ولا أرى في ~~حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأسا. وفي هذا مع ما بعده من قوله ~~(وأنهم إليه راجعون) إقرار بالبعث وما وعد الله به في اليوم الآخر. وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في ms0132 قوله (واركعوا) قال: صلوا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم أيضا عن مقاتل في قوله (واركعوا مع الراكعين) قال: أمرهم أن يركعوا مع ~~أمة محمد يقول: كونوا منهم ومعهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ~~تعالى (أتأمرون الناس بالبر) الآية، قال: أولئك أهل الكتاب كانوا يأمرون ~~الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب ولا ينتفعون بما فيه. وأخرج ~~الثعلبي والواحدي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، ~~كان الرجل منهم يقول لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: ~~أثبت على الدين الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل، يعنون محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه. ~~وأخرج ابن جرير عنه PageV01P079 # في قوله (أتأمرون الناس بالبر) قال: بالدخول في دين محمد. وأخرج ابن ~~إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: تنهون الناس عن الكفر بما ~~عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم ~~في تصديق رسلي؟ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي عن أبي ~~الدرداء في الآية قال: # لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه ~~فيكون لها أشد مقتا. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حبان وابن مردويه والبيهقي ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " رأيت ليلة أسري بي ~~رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ ~~قال: هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم ~~يتلون الكتاب أفلا يعقلون ". وثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " يجاء بالرجل يوم القيامة ~~فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيطيف ~~به أهل النار فيقولون: يا فلان ms0133 مالك ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف ~~وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر ~~وآتيه " وفي الباب أحاديث منها عن جابر مرفوعا عند الخطيب وابن النجار، وعن ~~الوليد بن عقبة مرفوعا عند الطبراني والخطيب بسند ضعيف وعند عبد الله بن ~~أحمد في زوائد الزهد عند موقوفا، ومعناها جميعا: أنه يطلع قوم من أهل الجنة ~~على قوم من أهل النار فيقولون لهم: بما دخلتم النار وإنما دخلنا الجنة ~~بتعليمكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم ولا نفعل. وأخرج الطبراني والخطيب في ~~الاقتضاء والأصبهاني في الترغيب بسند جيد عن جندب بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا ~~يعمل به كمثل السراج يضئ للناس ويحرق نفسه ". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله ~~بن أحمد في زوائد الزهد عنه نحوه. وأخرج الطبراني والخطيب في الاقتضاء عن ~~أبي برزة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن قانع في معجمه والخطيب في الاقتضاء عن ~~سليك مرفوعا نحوه. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي ~~الدرداء قال " ويل للذي لا يعلم مرة ولو شاء الله لعلمه، وويل للذي يعلم ~~ولا يعمل سبع مرات ". وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن مسعود مثله، وما ~~أحسن ما أخرجه ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس ~~أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، ~~قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في ~~كتاب الله فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله عز وجل (أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم) أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال: فالحرف الثاني، قال: قوله ~~تعالى - لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون - ~~أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال: فالحرف الثالث، قال: قول العبد الصالح شعيب ~~- أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه - أحكمت هذه الآية؟ قال ms0134 لا، قال: ~~فابدأ بنفسك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى (واستعينوا بالصبر ~~والصلاة) قال: إنهما معونتان من الله فاستعينوا بهما. وقد أخرج ابن أبي ~~الدنيا في كتاب الصبر وأبو الشيخ في الثواب والديلمي في مسند الفردوس عن ~~علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الصبر ثلاثة: # فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية ". وقد وردت أحاديث ~~كثيرة في مدح الصبر والترغيب فيه والجزاء للصابرين، ولم نذكرها هنا لأنها ~~ليست بخاصة بهذه الآية، بل هي واردة في مطلق الصبر، وقد ذكر السيوطي في ~~الدر المنثور ها هنا منها شطرا صالحا، وفي الكتاب العزيز من الثناء على ذلك ~~والترغيب فيه الكثير الطيب. وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال: ~~كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه PageV01P080 # أمر فزع إلى الصلاة " وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " كانوا: يعني الأنبياء، يفزعون إذا فزعوا إلى ~~الصلاة ". وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن أبي الدرداء مرفوعا نحو حديث ~~حذيفة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان ~~عن ابن عباس أنه كان في مسير له، فنعى إليه ابن له، فنزل فصلى ركعتين ثم ~~استرجع فقال: فعلنا كما أمرنا الله فقال (واستعينوا بالصبر والصلاة). وقد ~~روى عنه نحو ذلك سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي لما نعى ~~إليه أخوه قثم. وقد روى نحو ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. وأخرج ابن ~~جرير عن الضحاك في قوله (وإنها لكبيرة) قال: لثقيلة. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إلا على الخاشعين) قال: المؤمنين حقا. # وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله (إلا على الخاشعين) قال: ~~الخائفين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كل ظن ~~في القرآن فهو يقين، ولا يتم هذا في مثل قوله - إنه الظن لا يغني من الحق ms0135 ~~شيئا - وقوله - إن بعض الظن إثم - ولعله يريد الظن المتعلق بأمور الآخرة ~~كما رواه ابن جرير عن قتادة قال: # ما كان من ظن الآخرة فهو علم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ~~(وأنهم إليه راجعون) قال: يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة. # قوله (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) قد تقدم تفسيره، ~~وإنما كرر ذلك سبحانه توكيدا للحجة عليهم وتحذيرا لهم من ترك اتباع محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قرنه بالوعيد وهو قوله (واتقوا يوما) وقوله ~~(وأنى فضلتكم) معطوف على مفعول اذكروا: أي اذكروا نعمتي وتفضيلي لكم على ~~العالمين، قيل المراد بالعالمين عالم زمانهم - وقيل على جميع العالمين بما ~~جعل فيهم من الأنبياء. وقال في الكشاف: على الجم الغفير من الناس كقوله - ~~فيها للعالمين - يقال رأيت عالما من الناس: يراد الكثرة انتهى. قال الرازي ~~في تفسيره: وهذا ضعيف. لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل، وكل ما ~~كان دليلا على الله كان علما وكان من العالم. وهذا تحقيق قول المتكلمين: ~~العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض ~~المحدثات انتهى. وأقول هذا الاعتراض ساقط، أما أولا فدعوى اشتقاقه من العلم ~~لا برهان عليه، وأما ثانيا فلو سلمنا صحة هذا الاشتقاق كان المعنى موجودا ~~بما يتحصل معه مفهوم الدليل على الله الذي يصح إطلاق اسم العلم عليه، وهو ~~كائن في كل فرد من أفراد المخلوقات التي يستدل بها على الخالق، وغايته أن ~~جمع العالم يستلزم أن يكونوا مفضلين على أفراد كثيرة من المحدثات، وأما ~~أنهم مفضلون على كل المحدثات في كل زمان فليس في اللفظ ما يفيد هذا، ولا في ~~اشتقاقه ما يدل عليه، وأما من جعل العالم أهل العصر، فغايته أن يكونوا ~~مفضلين على أهل عصور لا على PageV01P081 # أهل كل عصر، فلا يستلزم ذلك تفضيلهم على أهل العصر الذين فيهم نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولا على ما بعده من العصور، ومثل هذا الكلام ينبغي ~~استحضاره عند ms0136 تفسيره قوله تعالى - إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ~~ما لم يؤت أحدا من العالمين - وعند قوله تعالى - ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين - وعند قوله تعالى - إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين - فإن قيل: إن التعريف في العالمين يدل على شموله لكل ~~عالم. قلت: لو كان الأمر هكذا لم يكن ذلك مستلزما ما لكونهم أفضل من أمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى - خير أمة أخرجت للناس - فإن هذه ~~الآية ونحوها تكون مخصصة لتلك الآيات. وقوله (واتقوا يوما) أمر معناه ~~الوعيد، وقد تقدم معنى التقوى. والمراد باليوم يوم القيامة: أي عذابه. ~~وقوله (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) في محل نصب صفة ليوم، والعائد محذوف. قال ~~البصريون في هذا وأمثاله تقديره فيه. وقال الكسائي هذا خطأ، بل التقدير لا ~~تجزيه. لأن حذف الظرف لا يجوز، ويجوز حذف الضمير وحده. وقد روى عن سيبويه ~~والأخفش والزجاج جواز الأمرين. ومعنى لا تجزي لا تكفي وتقضي، يقال جزا عني ~~هذا الأمر يجزي: أي قضى، واجتزأت بالشيء أجتزي: أي اكتفيت، ومنه قول ~~الشاعر: # فإن الغدر في الأقوام عار * وإن الحر يجزي بالكراع والمراد أن هذا اليوم ~~لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تكفي عنها، ومعنى التنكير التحقير: أي شيئا ~~يسيرا حقيرا، وهو منصوب على المفعولية أو على أنه صفة مصدر محذوف: أي جزاء ~~حقيرا والشفاعة مأخوذة من الشفع وهو الاثنان، تقول استشفعته: أي سألته أن ~~يشفع لي: أي يضم جاهه إلى جاهك عند المشفوع إليه ليصل النفع إلى المشفوع ~~له، وسميت الشفعة شفعة لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك. وقد قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو تقبل بالمثناة الفوقية لأن الشفاعة مؤنثة: وقرأ الباقون بالياء ~~التحتية لأنها بمعنى الشفيع. قال الأخفش: الأحسن التذكير. # وضمير منها يرجع إلى النفس المذكورة ثانيا: أي إن جاءت بشفاعة شفيع، ~~ويجوز أن يرجع إلى النفس المذكورة أولا: أي إذا شفعت لم يقبل منها. والعدل ~~بفتح العين: الفداء وبكسرها: المثل. يقال ms0137 عدل وعديل للذي ماثل في الوزن ~~والقدر. وحكى ابن جرير أن في العرب من يكسر العين في معنى الفدية. والنصر: ~~العون، والأنصار: # الأعوان، وانتصر الرجل: انتقم، والضمير أي هم يرجع إلى النفوس المدلول ~~عليها بالنكرة في سياق النفي، والنفس تذكر وتؤنث. وقوله (إذ نجيناكم) متعلق ~~بقوله (اذكروا) والنجاة: النجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها، ثم سمى كل ~~فائز ناجيا. وآل فرعون: قومه، وأصل آل أهل بدليل تصغيره على أهيل، وقيل غير ~~ذلك، وهو يضاف إلى ذوي الخطر. قال الأخفش: إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو ~~آل محمد. ولا يضاف إلى البلدان فلا يقال من آل المدينة. وقال الأخفش: قد ~~سمعناه في البلدان قالوا آل المدينة. واختلفوا هل يضاف إلى المضمر أم لا، ~~فمنعه قوم وسوغه آخرون وهو الحق، ومنه قول عبد المطلب: # وانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك وفرعون: قيل هو اسم ذلك الملك ~~بعينه - وقيل إنه اسم لكل ملك من ملوك العمالقة كما يسمى من ملك الفرس ~~كسرى، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الحبشة النجاشي. واسم فرعون موسى ~~المذكور هنا: قابوس في قول أهل الكتاب. وقال وهب: اسمه الوليد بن مصعب بن ~~الريان. قال المسعودي: لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. وقال الجوهري: إن كل ~~عات يقال له فرعون، وقد تفرعن وهو ذو فرعنة: أي دهاء ومكر. وقال في ~~PageV01P082 # الكشاف: تفرعن فلان: إذا عتا وتجبر. ومعنى قوله (يسومونكم) يولونكم، قاله ~~أبو عبيدة، وقيل يذيقونكم ويلزمونكم إياه، وأصل السوم الدوام، ومنه سائمة ~~الغنم لمداومتها الرعي، ويقال سامه خطة خسف: إذا أولاه إياها. وقال في ~~الكشاف: أصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ~~ويريدونكم عليه انتهى. وسوء العذاب: أشده، وهو صفة مصدر محذوف: أي يسومونكم ~~سوما سوء العذاب، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، وهذه الجملة في محل رفع على ~~أنها خبر لمبتدأ مقدر، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال: أي سائمين لكم. ~~وقوله (يذبحون) وما بعده بدل من قوله (يسومونكم) وقال الفراء: إنه ms0138 تفسير ~~لما قبله وقرأه الجماعة بالتشديد، وقرأ ابن محيصن بالتخفيف. والذبح في ~~الأصل: الشق، وهو فرى أوداج المذبوح والمراد بقوله تعالى (ويستحيون نساءكم) ~~يتركونهن أحياء ليستخدموهن ويمتهنوهن، وإنما أمر بذبح الأبناء واستحياء ~~البنات لأن الكهنة أخبروه بأنه يولد مولود يكون هلاكه على يده، وعبر عن ~~البنات باسم النساء لأنه جنس يصدق على البنات. وقالت طائفة: أنه أمر بذبح ~~الرجال واستدلوا بقوله (نساءكم) والأول أصح بشهادة السبب، ولا يخفي ما في ~~قتل الأبناء واستحياء البنات للخدمة ونحوها من إنزال الذل بهم وإلصاق ~~الإهانة الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار. والإشارة بقوله (وفي ذلكم) ~~إلى جملة الأمر. والبلاء يطلق تارة على الخبر، وتارة على الشر، فإن أريد به ~~هنا الشر كانت الإشارة بقوله (وفي ذلكم بلاء) إلى ما حل بهم من النقمة ~~بالذبح ونحوه، وإن أريد به الخير كانت الإشارة إلى النعمة التي أنعم الله ~~عليهم بالإنجاء وما هو مذكور قبله من تفضيلهم على العالمين. وقد اختلف ~~السلف ومن بعدهم في مرجع الإشارة، فرجح الجمهور الأول، ورجح الآخرون الآخر. # قال ابن جرير: وأكثر ما يقال في الشر بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبلية ~~إبلاء وبلاء، قال زهير: # جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو قال: ~~فجمع بين اللغتين لأنه أراد فأنعم عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده. ~~وقوله (وإذ فرقنا) متعلق بما تقدم من قوله (اذكروا) وفرقنا: فلقنا، وأصل ~~الفرق الفصل، ومنه فرق الشعر، وقرأ الزهري " فرقنا " بالتشديد، والباء في ~~قوله (بكم) قيل هي بمعنى اللام: أي لكم، وقيل هي الباء السببية: أي فرقناه ~~بسببكم، وقيل إن الجار والمجرور في محل الحال: أي فرقناه متلبسا بكم، ~~والمراد ها هنا أن فرق البحر كان بهم: أي بسبب دخولهم فيه: أي لما صاروا ~~بين الماءين صار الفرق بهم. وأصل البحر في اللغة: الاتساع، أطلق على البحر ~~الذي هو مقابل البر لما فيه من الاتساع بالنسبة إلى النهر والخليج، ويطلق ~~على الماء المالح، ومنه أبحر الماء: إذا ملح، قال ms0139 نصيب: # وقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني * إلى مرضي أن أبحر المشرب العذب وقوله ~~(فأنجيناكم) أي أخرجناكم منه (وأغرقنا آل فرعون) فيه. وقوله (وأنتم تنظرون) ~~في محل نصب على الحال: أي حال كونكم ناظرين إليهم بأبصاركم، وقيل معناه: ~~وأنتم تنظرون: أي ينظر بعضكم إلى البعض الآخر من السالكين في البحر، وقيل ~~نظروا إلى أنفسهم ينجون وإلى آل فرعون يغرقون. والمراد بآل فرعون هنا هو ~~وقومه وأتباعه. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه ~~كان إذا تلا (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) قال: مضى القوم، وإنما يعني ~~به أنتم. وأخرج ابن جرير عن سفيان بن عيينة قال في قومه (اذكروا نعمتي) هي ~~أيادي الله وأيامه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: نعمة الله التي أنعم ~~بها على بني PageV01P083 # إسرائيل فيما سمى وفيما سوى ذلك، فجر لهم الحجر وأنزل عليهم المن والسلوى ~~وأنجاهم من عبودية آل فرعون. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله (وأنى فضلتكم على ~~العالمين) قال: فضلوا على العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم. وأخرج ~~عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن أبي العالية ~~في قوله (فضلتكم على العالمين) قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على ~~من كان في ذلك الزمان فإن لكل زمان عالما. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في ~~قوله (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) قال: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من ~~المنفعة شيئا. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل من بني أمية ~~من أهل الشام أحسن الثناء عليه قال " قيل يا رسول الله ما العدل؟ قال: ~~العدل الفدية ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. قال ابن أبي ~~حاتم وروى عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك ~~وأخرج عبد الرزاق عن علي في تفسير الصرف والعدل قال: التطوع والفريضة. قال ~~ابن كثير: وهذا ms0140 القول غريب ههنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالت الكهنة لفرعون إنه يولد في هذا العام ~~مولود يذهب بملكه، فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة ~~عشرة، وعلى كل عشر رجلا، فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت ~~حملها فإن كان ذكرا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلوا عنها، وذلك قوله (يذبحون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم) وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ~~(يسومونكم سوء العذاب) قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة. فقالت له الكهنة: ~~إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فبعث في أهل مصر نساء ~~قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله، ويستحي الجواري. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بلاء من ربكم عظيم) يقول: ~~نقمة. وأخرج وكيع عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله (وإذ ~~فرقنا بكم البحر) فقال: إي والله لفرق البحر بينهم حتى صار طريقا يبسا ~~يمشون فيه، فأنجاهم الله وأغرق آل فرعون عدوهم. وقد ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث ابن عباس قال " قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال: ما هذا اليوم؟ قالوا: هذا ~~يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصومه ". وقد ~~أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير أن هرقل كتب إلى معاوية ~~يسأله عن أمور، منها عن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة، فكتب معاوية ~~إلى ابن عباس فأجابه عن تلك الأمور وقال: وأما البقعة التي لم تصبها الشمس ~~إلا ساعة من نهار: فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل. ولعله سيأتي إن شاء ~~الله تعالى زيادة على ما هنا عند تفسير قوله تعالى - أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود ms0141 العظيم -. PageV01P084 # قرأ أبو عمرو (وعدنا) بغير ألف، ورجحه أبو عبيدة وأنكر " واعدنا " قال: ~~لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما من الله فإنما هو التفرد بالوعد على ~~هذا وجدنا القرآن كقوله - وعدكم وعد الحق - وقوله - وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين - ومثله، قال أبو حاتم ومكي: وإنما قالوا هكذا نظرا إلى أصل ~~المفاعلة أنها تفيد الاشتراك في أصل الفعل وتكون من كل واحد من المتواعدين ~~ونحوهما، ولكنها قد تأتي للواحد في كلام العرب كما في قولهم: # داويت العليل، وعاقبت اللص، وطارقت النعل، وذلك كثير في كلامهم. وقرأه ~~الجمهور " واعدنا " قال النحاس: وهي أجود وأحسن وليس قوله - وعد الله الذين ~~آمنوا - من هذا في شئ، لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة، وليس هو ~~من الوعد والوعيد في شئ، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع ~~كذا، والفصيح في هذا أن يقال واعدته. قال الزجاج: واعدنا بالألف هاهنا جيد، ~~لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فمن الله سبحانه وعد ومن موسى قبول. ~~قوله (أربعين ليلة) قال الزجاج: التقدير تمام أربعين ليلة، وهي عند أكثر ~~المفسرين ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وإنما خص الليالي بالذكر دون الأيام ~~لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة. ومعنى قوله (ثم اتخذتم ~~العجل) أي جعلتم العجل إلها من بعده: أي من بعد مضي موسى إلى الطور. وقد ~~ذكر بعض المفسرين أنهم عدوا عشرين يوما وعشرين ليلة. وقالوا: قد اختلف ~~موعده فاتخذوا العجل، وهذا غير بعيد منهم، فقد كانوا يسلكون طرائق من ~~التعنت خارجة عن قوانين العقل مخالفة لما يخاطبون به بل ويشاهدونه ~~بأبصارهم، فلا يقال كيف تعدون الأيام والليالي على تلك الصفة، وقد صرح لهم ~~في الوعد بأنها أربعون ليلة، وإنما سماهم ظالمين لأنهم أشركوا بالله ~~وخالفوا موعد نبيهم عليه السلام، والجملة في موضع نصب على الحال. وقوله (من ~~بعد ذلك) أي من بعد عبادتكم العجل، وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته كذا ~~قيل، وليس بشئ لأن العرب تطلق هذا الاسم على ms0142 ولد البقر. وقد كان جعله لهم ~~السامري على صورة العجل. وقوله (لعلكم تشكرون) أي لكي تشكروا ما أنعم الله ~~به عليكم من العفو عن ذنبكم العظيم الذي وقعتم فيه. وأصل الشكر في اللغة: ~~الظهور من قولهم دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطي من العلف. ~~قال الجوهري الشكر: الثناء على المحسن بما أولاك من المعروف، يقال شكرته ~~وشكرت له، وباللام أفصح، وقد تقدم معناه، والكشران خلاف الكفران. والكتاب: ~~التوراة بالإجماع من المفسرين. واختلفوا في الفرقان، وقال الفراء وقطرب: ~~المعنى آتينا موسى التوراة ومحمدا الفرقان. وقد قيل إن هذا غلط أوقعهما فيه ~~أن الفرقان مختص بالقرآن وليس كذلك، فقد قال تعالى - ولقد آتينا موسى ~~وهارون الفرقان - وقال الزجاج: إن الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره تأكيدا. ~~وحكى نحوه عن الفراء، ومنه قول عنترة: # حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم وقيل إن الواو صلة، ~~والمعنى: آتينا موسى الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في النعوت كقول ~~الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وقيل المعنى: أن ~~ذلك المنزل جامع بين كونه كتابا وفارقا بين الحق والباطل، وهو كقوله - ثم ~~آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ - وقيل الفرقان: ~~الفرق بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء وأغرق هؤلاء. وقال ابن زيد: ~~الفرقان: انفراق البحر، وقيل الفرقان: الفرج من الكرب، وقيل: إنه الحجة ~~والبيان بالآيات التي أعطاه الله من العصا واليد وغيرهما، وهذا أولى وأرجح ~~ويكون العطف على بابه كأنه قال: PageV01P085 # آتينا موسى التوراة والآيات التي أرسلناه بها معجزة له. قوله (يا قوم) ~~القوم يطلق تارة على الرجال دون النساء، ومنه قول زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء ومنه قوله تعالى - لا ~~يسخر قوم من قوم -، ثم قال - ولا نساء من نساء - ومنه - ولوطا إذ قال لقومه ~~- أراد الرجال، وقد يطلق على الجميع كقوله تعالى - إنا أرسلنا نوحا إلى ~~قومه - والمراد هنا بالقوم عبدة العجل. والبارئ الخالق، وقيل ms0143 إن البارئ هو ~~المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال، وفي ذكر البارئ ~~هنا إشارة إلى عظيم جرمهم: أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره. ~~والفاء في قوله " فتوبوا " للسببية: أي لتسبب التوبة عن الظلم، وفي قوله " ~~فاقتلوا " للتعقيب: أي اجعلوا القتل متعقبا للتوبة. قال القرطبي: وأجمعوا ~~على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده، قيل قاموا صفين ~~وقتل بعضهم بعضا، وقيل: # وقف الذين عبدوا العجل ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. ~~وقوله (فتاب عليكم) قيل في الكلام حذف: أي فقتلتم أنفسكم فتاب عليكم: أي ~~على الباقين منكم. وقيل هو جواب شرط محذوف كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب ~~عليكم. وأما ما قاله صاحب الكشاف من أنه يجوز أن يكون خطابا من الله لهم ~~على طريقة الالتفات فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم ~~بارئكم، فهو بعيد جدا كما لا يخفى. وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في ~~قوله (أربعين ليلة) قال: ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وقد أخرج ابن جرير ~~عنه في قوله (من بعد ذلك) قال: من بعد ما اتخذتم العجل. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن مجاهد في قوله (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان) قال: الكتاب ~~هو الفرقان، فرق بين الحق والباطل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ~~قال: الفرقان جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والقرآن. وأخرج ابن جرير ~~عنه قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، واختبأ الذين عكفوا ~~على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم ~~وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة عنهم عن سبعين ~~ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن علي قال: قالوا لموسى ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا، ~~فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه لا يبالي من قتل ms0144 حتى قتل ~~منهم سبعون ألفا، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، وقد غفر لمن ~~قتل وتيب على من بقي. وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة، وأخرج أحمد في الزهد ~~وابن جرير عن الزهري نحوا مما سبق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في ~~قوله (إلى بارئكم) قال: خالقكم. # قوله (وإذ قلتم) هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، وظاهر السياق أن ~~القائلين هذه المقالة هم قوم موسى - PageV01P086 # وقيل هم السبعون الذين اختارهم، وذلك أنهم لما اسمعوا كلام الله قالوا له ~~بعد ذلك هذه المقالة فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم دعا موسى ربه ~~فأحياهم كما قال تعالى هنا (ثم بعثناكم من بعد موتكم) وسيأتي ذلك في ~~الأعراف إن شاء الله. والجهرة: المعاينة، وأصلها الظهور، ومنه الجهر ~~بالقراءة والمجاهرة بالمعاصي، ورأيت الأمر جهرة وجهارا: أي غير مستتر بشئ، ~~وهي مصدر واقع موقع الحال. وقرأ ابن عباس " جهرة " بفتح الهاء وهي لغتان ~~مثل زهرة وزهرة، ويحتمل أن يكون على هذه القراءة جمع جاهر. والصاعقة قد ~~تقدم تفسيرها، وقرأ عمر وعثمان وعلي " الصعقة " وهي قراءة ابن محيصن، ~~والمراد بأخذ الصاعقة إصابتها إياهم (وأنتم تنظرون) في محل نصب على الحال، ~~والمراد من هذا النظر الكائن منهم أنهم نظروا أوائل الصاعقة النازلة بهم ~~الواقعة عليهم لا آخرها الذي ماتوا عنده، وقيل المراد بالصاعقة الموت، ~~واستدل عليه بقوله (ثم بعثناكم من بعد موتكم) ولا موجب للمصير إلى هذا ~~التفسير، لأن المصعوق قد يموت كما في هذه الآية، وقد يغشى عليه ثم يفيق كما ~~في قوله تعالى - وخر موسى صعقا فلما أفاق - ومما يوجب بعد ذلك قوله (وأنتم ~~تنظرون) فإنها لو كانت الصاعقة عبارة عن الموت لم يكن لهذه الجملة كبير ~~معنى، بل قد يقال إنه لا يصح أن ينظروا الموت النازل بهم إلا أن يكون ~~المراد نظر الأسباب المؤثرة للموت. والمراد بقوله (ثم بعثناكم) الإحياء لهم ~~لوقوعه بعد الموت، وأصل البعث الإثارة للشيء من محله، يقال: # بعثت الناقة: أي أثرتها، ومنه قول امرئ القيس. ms0145 # وإخوان صدق قد بعثت بسحرة * فقاموا جميعا بين غاث ونشوان وقول عنترة: ~~وصحابة شم الأنوف بعثتهم * ليلا وقد مال الكرى بطلاها وإنما عوقبوا بأخذ ~~الصاعقة لهم لأنهم طلبوا ما لم يأذن الله به من رؤيته في الدنيا. وقد ذهبت ~~المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا والآخرة، وذهب من عداهم ~~إلى جوازها في الدنيا والآخرة ووقوعها في الآخرة. وقد تواترت الأحاديث ~~الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة، وهي قطعية الدلالة لا ينبغي لمنصف ~~أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة، ~~وزعموا أن العقل قد حكم بها دعوى مبنية على شفا جرف هار، وقواعد لا يغتر ~~بها إلا من لم يحظ من العلم النافع بنصيب، وسيأتيك إن شاء الله بيان ما ~~تمسكوا به من الأدلة القرآنية، وكلها خارج عن محل النزاع بعيد من موضع ~~الحجة، وليس هذا موضع المقال في هذه المسألة. # قوله (وظللنا عليكم الغمام) أي: فعلناه كالظلة. والغمام جمع غمامة كسحابة ~~وسحاب، قاله الأخفش. قال الفراء ويجوز غمائم. وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى ~~في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين. # والمن: قيل هو الترنجبين. قال النحاس: هو بتشديد الراء وإسكان النون، ~~ويقال: الطرنجبين بالطاء، وعلى هذا أكثر المفسرين، وهو طل ينزل من السماء ~~على شجر أو حجر ويحلو وينعقد عسلا ويجف جفاف الصمغ، ذكر معناه في القاموس، ~~وقيل إن المن العسل، وقيل شراب حلو، وقيل خبز الرقاق، وقيل إنه مصدر يعم ~~جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع، ومنه ما ثبت في صحيح ~~البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ~~أن الكمأة من المن الذي أنزل على موسى ". وقد ثبت مثله من حديث أبي هريرة ~~عند أحمد والترمذي، ومن حديث جابر وأبي سعيد وابن عباس عند النسائي. ~~والسلوى: قيل هو السماني، كحباري طائر يذبحونه فيأكلونه. قال ابن عطية: ~~السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط ms0146 الهذلي فقال: # وقاسمهما بالله جهدا لأنتما * ألذ من السلوى إذا ما أشورها PageV01P087 # ظن أن السلوى العسل. قال القرطبي: ما ادعاه من الإجماع لا يصح. وقد قال ~~المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير: إنه العسل. واستدل ببيت الهذلي، وذكر أنه ~~كذلك بلغة كنانة، وأنشد: # لو شربت السلوى ما سلوت * ما بي غنا عنك وإن غنيت وقال الجوهري: والسلوى ~~العسل. قال الأخفش: السلوى لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر، وهو يشبه ~~أن يكون واحده سلوى. وقال الخليل: واحده سلواة، وأنشد وإني لتعروني لذكراك ~~سلوة * كما انتفض السلواة من سلكه القطر وقال الكسائي: السلوى واحدة وجمعه ~~سلاوي. وقوله - كلوا) أي قلنا لهم كلوا، وفي الكلام حذف، والتقدير: قلنا ~~كلوا فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر فظلموا أنفسهم وما ظلمونا، فحذف هذا ~~لدلالة (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) عليه، وتقديم الأنفس هنا يفيد الاختصاص. ~~وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (حتى نرى ~~الله جهرة) قال: علانية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: هم ~~السبعون الذين اختارهم موسى (فأخذتكم الصاعقة) قال: ماتوا (ثم بعثناكم من ~~بعد موتكم) قال: # فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~قتادة في قوله (ثم بعثناكم) نحوه. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وظللنا عليكم الغمام) قال: غمام ~~أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه ~~الملائكة يوم بدر وكان معهم في التيه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (وظللنا عليكم الغمام) قال: كان هذا الغمام في البرية ظلل ~~عليهم الغمام من الشمس، وأطعمهم المن والسلوى حين برزوا إلى البرية، فكان ~~المن يسقط عليهم في محلتهم سقوط الثلج أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، ~~يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ~~ذلك: # فإن تعدى ذلك فسد ما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم ms0147 سادسه يوم جمعته أخذ ما ~~يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فبقي عنده، لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر ~~المعيشة ولا لطلبة شئ، وهذا كله في البرية. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم عن عكرمة قال: المن شئ أنزل الله عليهم مثل الطل، والسلوى طير أكبر من ~~العصفور. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ~~المن صمغة، والسلوى طائر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: ~~قالوا يا موسى كيف لنا بما ها هنا أين الطعام، فأنزل الله عليهم المن فكان ~~يسقط على الشجرة الترنجبين. وأخرجوا عن وهب أنه سئل ما المن؟ قال: خبز ~~الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن ~~أنس قال: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المن ينزل عليهم ~~بالليل على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا - والسلوى طائر يشبه ~~السماني كانوا يأكلون منه ما شاءوا. وأخرج ابن جرير عنه نحوه. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في السلوى مثله. وقد روى نحو ذلك عن ~~جماعة من التابعين ومن بعدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وما ~~ظلمونا) قال نحن أعز من أن نظلم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) قال: يضرون. PageV01P088 # قال جمهور المفسرين: القرية هي بيت المقدس، وقيل إنها أريحاء قرية من قرى ~~بيت المقدس، وقيل من قرى الشام. وقوله (كلوا) أمر إباحة - و (رغدا) ثم ~~كثيرا واسعا، وهو نعت لمصدر محذوف: أي أكلا رغدا، ويجوز أن يكون في موضع ~~الحال، وقد تقدم تفسيره. والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس ~~يعرف اليوم بباب حطة، وقيل هو باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو ~~إسرائيل. والسجود قد تقدم تفسيره وقيل هو هنا ms0148 الانحناء، وقيل التواضع ~~والخضوع، واستدلوا على ذلك بأنه لو كان المراد السجود الحقيقي الذي هو وضع ~~الجبهة على الأرض لامتنع الدخول المأمور به، لأنه لا يمكن الدخول حال ~~السجود الحقيقي، وقال في الكشاف: إنهم أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى ~~الباب شكرا لله وتواضعا. واعترضه أبو حيان في النهر الماد فقال: لم يؤمروا ~~بالسجود، بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية، ~~والأوامر نسب إسنادية انتهى. ويجاب عنه بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن ~~قال أخرج مسرعا فهو آمر رسول بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان ~~عند أهل اللسان مخالفا للأمر. ولا ينافي هذا كون الأحوال نسبا تقييدية، فإن ~~اتصافها بكونها قيودا مأمورا بها هو شئ زائد على مجرد التقييد. وقوله (حطة) ~~بالرفع في قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ، قال الأخفش: وقرئت " حطة " نصبا ~~على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة، وقيل معناها الاستغفار ومنه قول الشاعر: # فاز بالحطة التي أمر الله بها ذنب عبده مغفورا وقال ابن فارس في المجمل ~~(حطة) كلمة أمروا بها ولو قالوها لحطت أوزارهم. قال الرازي في تفسيره: # أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، وذلك لأن التوبة صفة القلب فلا يطلع ~~الغير عليها، وإذا اشتهر وأخذ بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن ~~شاهد منه الذنب، لأن التوبة لا تتم إلا به انتهى، وكون التوبة لا تتم إلا ~~بذلك لا دليل عليه، بل مجرد عقد القلب عليها يكفي سواء اطلع الناس على ذنبه ~~أم لا، وربما كان التكتم بالتوبة على وجه لا يطلع عليها إلا الله عز وجل ~~أحب إلى الله وأقرب إلى مغفرته. وأما رفع ما عند الناس من اعتقادهم بقاءه ~~على المعصية فذلك باب آخر. وقوله (يغفر لكم) قرأه نافع بالياء التحتية ~~المضمومة، وقرأه ابن عامر بالتاء الفوقية المضمومة وقرأه الباقون بالنون ~~وهي أولى. والخطايا جمع خطيئة بالهمز، وقد تكلم علماء العربية في ذلك بما ~~هو معروف في كتب الصرف. وقوله (وسنزيد المحسنين) أي نزيدهم ms0149 إحسانا على ~~إحسانهم المتقدم، وهو اسم فاعل من أحسن. # وقد ثبت في الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن ~~الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وقوله ~~(فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) قيل إنهم قالوا حنطة، وقيل غير ~~ذلك. والصواب أنهم قالوا: حبة في شعرة كما سيأتي مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وقوله (فأنزلنا على الذين ظلموا) هو من وضع الظاهر موضع ~~المضمر لنكتة كما تقرر في علم البيان، وهي هنا تعظيم الأمر عليهم وتقبيح ~~فعلهم، ومنه قول عدي بن زيد: PageV01P089 # لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فكرر الموت في ~~البيت ثلاثا تهويلا لأمره وتعظيما لشأنه. وقوله (رجزا) بكسر الراء في قراءة ~~الجميع إلا ابن محيصن فإنه قرأ بضم الراء. والرجز: العذاب: والفسق قد تقدم ~~تفسيره. وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(ادخلوا هذه القرية) قال: بيت المقدس. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: # هي أريحاء قرية من بيت المقدس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (ادخلوا الباب) قال: باب ~~ضيق (سجدا) قال: ركعا. وقوله (حطة) قال: مغفرة، فدخلوا من قبل أستاههم ~~وقالوا حنطة استهزاء، قال: فذلك قوله تعالى (فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم) وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الباب هو أحد أبواب بيت ~~المقدس، وهو يدعى باب حطة. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في ~~الكبير وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال قيل لهم (ادخلوا الباب سجدا) فدخلوا ~~مقنعي رؤوسهم وقالوا حنطة: حبة حمراء فيها شعيرة. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (وادخلوا الباب سجدا) قال: طأطئوا ~~رءوسكم (وقالوا حطة) قال قولوا لا إله إلا الله. وأخرج البيهقي في الأسماء ms0150 ~~والصفات عن ابن عباس في قوله (قولوا حطة) قال: لا إله إلا الله. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كان الباب قبل القبلة. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " قيل ~~لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على ~~أستاههم وقالوا حبة في شعرة ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ~~وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " دخلوا الباب ~~الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في ~~شعيرة، والأول أرجح لكونه في الصحيحين. وقد أخرجه معهما من أخرج هذا الحديث ~~الآخر: أعني ابن جرير وابن المنذر. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: إنما ~~مثلنا في هذه الأمة كسفينة نوح وكباب كان حطة في بني إسرائيل. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شئ في كتاب الله من الرجز يعني: # العذاب. وأخرج مسلم وغيره من حديث أسامة بن زيد وسعد بن مالك وخزيمة بن ~~ثابت قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وإن هذا الطاعون رجز ~~وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا ~~منها، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها ". PageV01P090 # الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس المطر. ومعناه في اللغة: طلب ~~السقيا. وفي الشرع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفته من ~~الصلاة والدعاء. والحجر يحتمل أن يكون حجرا معينا فتكون اللام للعهد، ~~ويحتمل أن لا يكون معينا فتكون للجنس، وهو أظهر في المعجزة وأقوى للحجة. ~~وقوله (فانفجرت) الفاء مترتبة على محذوف تقديره فضرب فانفجرت، والانفجار: ~~الانشقاق، وانفجر الماء انفجارا تفتح، والفجرة: موضع تفتح الماء. قال ابن ~~عطية: ولا خلاف أنه كان حجرا مربعا يخرج من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى ~~سالت العيون، وإذا استغنوا عن الماء جفت. والمشرب: موضع الشرب، وقيل هو ~~المشروب نفسه. وفيه دليل ms0151 على أنه يشرب من كل عين قوم منهم لا يشاركهم ~~غيرهم. قيل كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها إلى غيرها، والأسباط ~~ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب. وقوله (كلوا) أي قلنا لهم كلوا المن ~~والسلوى واشربوا الماء المتفجر من الحجر. وعثا يعثي عثيا، وعثا يعثو عثوا، ~~وعاث يعيث عيثا، لغات: بمعنى أفسد. وقوله (مفسدين) حال مؤكدة. قال في ~~القاموس: عثى كرمى، وسعى ورضي، عثيا وعثيا وعثيانا، وعثا يعثو عثوا: أفسد: ~~وقال في الكشاف: العثي أشد الفساد. فقيل لهم: لا تمادوا في الفساد في حال ~~فسادكم، لأنهم كانوا متمادين فيه انتهى. قوله (لن نصبر على طعام واحد) تضجر ~~منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب والعيش المستلذ، ونزوع إلى ما ~~ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش: # إن الشقي بالشقاء مولع * لا يملك الرد له إذا أتى ويحتمل أن لا يكون هذا ~~منهم تشوقا إلى ما كانوا فيه، ونظرا لما صاروا إليه من العيشة الرافهة، بل ~~هو باب من تعنتهم، وشعبة من شعب تعجرفهم كما هو دأبهم وهجيراهم في غالب ما ~~قص علينا من أخبارهم. وقال الحسن البصري: إنهم كانوا أهل كراث وأبصال ~~وأعداس فنزعوا إلى عكرهم: أي أصلهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت ~~عليه عادتهم فقالوا (لن نصبر على طعام واحد) والمراد بالطعام الواحد هو ~~المن والسلوى، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر ~~جعلوهما طعاما واحد: وقيل لتكررهما في كل يوم وعدم وجود غيرهما معهما ولا ~~تبدلة بهما. ومن في قوله (مما تنبت) تخرج. قال الأخفش زائدة، وخالفه سيبويه ~~لكونها لا تزاد في الكلام الموجب. قال النحاس: وإنما دعا الأخفش إلى هذا ~~لأنه لم يجد مفعولا ليخرج فأراد أن يجعل ما مفعولا، والأولى أن يكون ~~المفعول محذوفا دل عليه سياق الكلام: أي تخرج لنا مأكولا. وقوله (من بقلها) ~~بدل من ما بإعادة الحرف، والبقل: كل نبات ليس له ساق، والشجر: ماله ساق. ~~قال في الكشاف: البقل ما أنبتته الأرض من الخضر، ms0152 والمراد به أطايب البقول ~~التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها انتهى. والقثاء بكسر ~~القاف وفتحها. والأولى قراءة الجمهور. والثانية قراءة يحيى بن وثاب وطلحة ~~بن مصرف وهو معروف. والفوم: قيل هو الثوم، وقد قرأه ابن مسعود بالثاء. وروى ~~نحو ذلك عن ابن عباس، وقيل: # الفوم الحنطة، وإليه ذهب أكثر المفسرين، كما قال القرطبي. وقد رجح هذا ~~ابن النحاس. وقال الجوهري: # الفوم الحنطة، وممن قال بهذا الزجاج والأخفش، وأنشد: # قد كنت أحسبني كأغنى واحد * ترك المدينة عن زراعة فوم وقال بالقول الأول ~~الكسائي والنضر بن شميل، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: # كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة * فيها الفراديس والفومات والبصل PageV01P091 # أي الثوم، وقال حسان: # وأنتم أناس لئام الأصول * طعامكم الفوم والحوقل يعنى الثوم والبصل، وقيل ~~الفوم: السنبلة، وقيل الحمص، وقيل الفوم كل حب يخبز. والعدس والبصل ~~معروفان. والاستبدال: وضع الشئ موضع الآخر (وأدنى) قال الزجاج: إنه مأخوذ ~~من الدنو: أي القرب والمراد: أتضعون هذه الأشياء التي هي دون موضع المن ~~والسلوى اللذين هما خير منها من جهة الاستلذاذ والوصول من عند الله بغير ~~واسطة أحد من خلقه، والحل الذي لا تطرقه الشبهة وعدم الكلفة بالسعي له ~~والتعب في تحصيله، وقوله (اهبطوا مصرا) أي أنزلوا، وقد تقدم معنى الهبوط. ~~وظاهر هذا أن الله أذن لهم بدخول مصر، وقيل إن الأمر للتعجيز لأنهم كانوا ~~في التيه، فهو مثل قوله تعالى - كونوا حجارة أو حديدا - وصرف مصر هنا مع ~~اجتماع العلمية والتأنيث لأنه ثلاثي ساكن الوسط، وهو يجوز صرفه مع حصول ~~السببين، وبه قال الأخفش والكسائي. وقال الخليل وسيبويه: إن ذلك لا يجوز ~~وقالا: إنه لا علمية هنا لأنه أراد مصرا من الأمصار ولم يرد المدينة ~~المعروفة، وهو خلاف الظاهر. وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة بن مصرف بترك ~~التنوين، وهو كذلك في مصحف أبي وابن مسعود. ومعنى ضرب الذلة والمسكنة ~~إلزامهم بذلك والقضاء به عليهم قضاء مستمرا لا يفارقهم ولا ينفصل عنهم، مع ~~دلالته على أن ذلك مشتمل عليهم اشتمال القباب ms0153 على من فيها، ومنه قول ~~الفرزدق يهجو جريرا: # ضربت عليك العنكبوت بوزنها * وقضى عليك به الكتاب المنزل وهو ضرب من ~~الهجاء بليغ، كما أنه إذا استعمل في المديح كان في منزلة رفيعة، ومنه قول ~~الشاعر: # إن المروءة والشجاعة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج وهذا الخبر ~~الذي أخبرنا الله به هو معلوم في جميع الأزمنة، فإن اليهود أقماهم الله أزل ~~الفرق وأشدهم مسكنة وأكثرهم تصاغرا، لم ينتظم لهم جمع ولا خفقت على رؤوسهم ~~راية. ولا ثبتت لهم ولاية، بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن، وطروقة كل ~~فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ، ~~فهو متظاهر بالفقر مترد بأثواب المسكنة ليدفع عن نفسه أطماع الطامعين في ~~ماله، إما بحق كتوفير ما عليه من الجزية، أو بباطل كما يفعله كثير من ~~الظلمة من التجرئ على الله بظلم من لا يستطيع الدفع عن نفسه. ومعنى (باءوا) ~~رجعوا، يقال باء بكذا: أي رجع به، وباء إلى المباءة: أي رجع إلى المنزل ~~والبواء: الرجوع. ويقال هم في هذا الأمر بواء، أي سواء: يرجعون فيها إلى ~~معنى واحد، وباء فلان بفلان إذا: كان حقيقا بأن يقبل به لمساواته له ومنه ~~قول الشاعر * ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي * محاربنا حديث لا يبوا عند الدم ~~بالدم والمراد في الآية أنهم رجعوا بغضب من الله أو صاروا أحقاء بغضبه. وقد ~~تقدم تفسير الغضب. والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من حديث الذلة وما ~~بعده بسبب كفرهم بالله وقتلهم لأنبيائه بغير حق يحق عليهم اتباعه والعمل ~~به، ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في ~~حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه، وأنه ~~ظلم بحت في نفس الأمر. ويمكن أن يقال أنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل، لأن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لم يعارضوهم في مال ولا جاه، بل أرشدوهم ~~إلى مصالح الدين PageV01P092 # والدنيا كما كان ms0154 من شعيا وزكريا ويحيى، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون ~~أنهم ظالمون " وتكرير الإشارة لقصد التأكيد وتعظيم الأمر عليهم وتهويله، ~~ومجموع ما بعد الإشارة الأولى والإشارة الثانية هو السبب لضرب الذلة وما ~~بعده. وقيل يجوز أن تكون الإشارة الثانية إلى الكفر والقتل فيكون ما بعدها ~~سببا للسبب وهو بعيد جدا. # والاعتداء تجاوز الحد في كل شئ. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وإذا استسقى موسى لقومه) قال ذلك ~~في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيها اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط ~~منهم عين يشربون منها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ومجاهد وابن أبي حاتم عن ~~جويبر نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~تعثوا في الأرض) قال: لا تسعوا في الأرض فسادا. وأخرج ابن جرير عن أبي ~~العالية مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك: قال يعني ولا تمشوا ~~بالمعاصي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: لا تسيروا في الأرض ~~مفسدين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (لن نصبر على طعام ~~واحد) قال: # المن والسلوى استبدلوا به البقل وما حكى معه. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وقومها) قال: الخبز، ~~وفي لفظ: البر، وفي لفظ: الحنطة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: # الفوم الثوم. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس مثله. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ " وثومها " وروى ابن أبي الدنيا عن ابن ~~عباس أنه قال: قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفا من قراءة ابن ~~مسعود هذا أحدها " من بقلها وقثائها وثومها ". وأخرج ابن جرير عن مجاهد في ~~قوله (الذي هو أدنى) قال: أردأ. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ~~(اهبطوا مصرا) قال مصرا من الأمصار. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية: أنه ~~مصر فرعون. وأخرج نحوه ابن أبي ms0155 داود وابن الأنباري عن الأعمش. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وضربت عليهم الذلة) قال: هم أصحاب الجزية. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن قال: ضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة: أي يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وأخرج ابن جرير عن أبي ~~العالية قال: المسكنة الفاقة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله (وباءوا ~~بغضب من الله) قال: استحقوا الغضب من الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في ~~قوله (وباءوا) قال: انقلبوا. وأخرج أبو داود الطيالسي وابن أبي حاتم عن ابن ~~مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ثم يقيمون سوق ~~بقلهم في آخر النهار. # قيل: إن المراد بالذين آمنوا المنافقون، بدلالة جعلهم مقترنين باليهود ~~والنصارى والصابئين: أي آمنوا في الظاهر. # والأولى أن يقال إن المراد الذين صدقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وصاروا من جملة أتباعه، وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة ~~الإسلامية وحال من قبلها من سائر الملل يرجع إلى شئ واحد، وهو أن من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا استحق ما ذكره الله من الأجر، ومن فاته ~~ذلك فاته الخير كله والأجر دقه وجله. والمراد بالإيمان ها هنا هو ما بينه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله لما سأله جبريل عن الإيمان ~~PageV01P093 # فقال " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " ولا يتصف ~~بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن بمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولا بالقرآن فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار مسلما مؤمنا ولم ~~يبق يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا. وقوله (هادوا) معناه صاروا يهودا، قيل ~~هو نسبة لهم إلى يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة فقلبتها العرب دالا مهملة، ~~وقيل معنى هادوا: تابوا لتوبتهم عن عبادة العجل، ومنه قوله تعالى - إنا ~~هدنا إليك - أي تبنا - وقيل إن معناه السكون والموادعة. وقال في الكشاف: إن ~~معناه دخل في اليهودية والنصارى قال سيبويه: مفرده ms0156 نصران ونصرانة كندمان ~~وندمانة، وأنشد شاهدا على ذلك قول الشاعر: # تراه إذا زار العشا متخففا * ويضحى لديه وهو نصران شامس وقال الآخر: ~~فكلتاهما خرت وأسجد رأسها * كما سجدت نصرانة لم تحنف قال: ولكن لا يستعمل ~~إلا بياء النسب فيقال: رجل نصراني وامرأة نصرانية. وقال الخليل: واحد ~~النصارى نصرى. وقال الجوهري: ونصران قرية بالشام تنسب إليها النصارى، ويقال ~~ناصرة، وعلى هذا فالياء للنسب. # وقال في الكشاف: إن الياء للمبالغة كالتي في أحمرى، سموا بذلك لأنهم ~~نصروا المسيح. والصابئين جمع صابي - وقيل صاب. وقد اختلف فيه القراء فهمزوه ~~جميعا إلا نافعا، فمن همزه جعله من صبأت النجوم: إذا طلعت، وصبأت ثنية ~~الغلام: إذا خرجت. ومن لم يهمزه جعله من صبا يصبو: إذا مال، والصابئ في ~~اللغة: من خرج ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد ~~صبأ، وسموا هذه الفرقة صابئة، لأنها خرجت من دين اليهود والنصارى وعبدوا ~~الملائكة. وقوله (من آمن بالله) في موضع نصب بدلا من الذين آمنوا وما بعده ~~وقد تقدم معنى الإيمان، ويكون خبر إن قوله (فلهم أجرهم) ويجوز أن يكون قوله ~~" من آمن بالله " في محل رفع على أنه مبتدأ خبره قوله " فلهم أجرهم " وهما ~~جميعا خبر إن، والعائد مقدر في الجملة الأولى: أي من آمن منهم ودخلت الفاء ~~في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقد تقدم تفسير قوله تعالى (فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون) وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سلمان قال: سألت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت ~~(إن الذين آمنوا والذين هادوا) الآية. وأخرج الواحدي عن مجاهد نحو ذلك. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في ذكر السبب بنحو ما سبق، وحكى ~~قصة طويلة. وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (إن الذين آمنوا والذين هادوا) قال: # فأنزل الله بعد هذا - ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ms0157 منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين -. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال: إنما سميت ~~اليهود لأنهم قالوا - إنا هدنا إليك -. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~قال: نحن أعلم من أين سميت اليهود باليهودية من كلمة موسى عليه السلام - ~~إنا هدنا إليك - ولم تسمت النصارى بالنصرانية؟ من كلمة عيسى عليه السلام - ~~كونوا أنصار الله - وأخرج أبو الشيخ نحوه عنه. وأخرج ابن جرير عن قتادة: ~~إنما تسموا نصارى بقرية يقال لها ناصرة. وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن جرير ~~عن ابن عباس قال: # إنما سميت النصارى لأن قرية عيسى كانت تسمى ناصرة. وأخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال الصابئون فرقة بين اليهود ~~والنصارى والمجوس ليس لهم دين. وأخرج عبد الرزاق عنه قال: قال ابن عباس ~~فذكر نحوه. وقد روى في تفسير الصابئين غير هذا. PageV01P094 # قوله (وإذ أخذنا) هو في محل نصب بعامل مقدر هو اذكروا كما تقدم غير مرة. ~~وقد تقدم تفسير الميثاق، والمراد أنه أخذ سبحانه عليهم الميثاق بأن يعملوا ~~بما شرعه لهم في التوراة وبما هو أعم من ذلك أو أخص. والطور اسم جبل الذي ~~كلم الله عليه موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة فيه، وقيل هو اسم لكل ~~جبل بالسريانية. وقد ذكر كثير من المفسرين أن موسى لما جاء بني إسرائيل من ~~عند الله بالألواح قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا لا إلا أن يكلمنا الله ~~بها كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا لا، ~~فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله وكذلك ~~كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأتوا ببحر من خلفهم ونار من قبل ~~وجوههم، وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق أن لا تضيعوها وإلا سقط عليكم ~~الجبل، فسجدوا توبة لله وأخذوا التوراة بالميثاق. قال ابن جرير عن بعض ~~العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق. قال ابن عطية: والذي لا ~~يصح سواه أن الله سبحانه ms0158 اخترع وقت سجودهم الإيمان، لا أنهم آمنوا كرها ~~وقلوبهم غير مطمئنة انتهى. وهذا تكلف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قد ~~ارتسم لديه من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره، وكل عاقل يعلم أنه لا ~~سبب من أسباب الإكراه أقوى من هذا أو أشد منه. ونحن نقول: أكرههم الله على ~~الإيمان فآمنوا مكرهين، ورفع عنهم العذاب بهذا الإيمان. وهو نظير ما ثبت في ~~شرعنا من رفع السيف عن من تكلم بكلمة الإسلام والسيف مصلت قد هزه حامله على ~~رأسه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن قتل من ~~تكلم بكلمة الإسلام معتذرا عن قتله بأنه قالها تقية ولم تكن عن قصد صحيح " ~~أأنت فتشت عن قلبه " وقال " لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس " وقوله (خذوا) ~~أي وقلنا لكم خذو (ما آتيناكم بقوة) والقوة: الجد والاجتهاد. والمراد بذكر ~~ما فيه أن يكون محفوظا عندهم ليعملوا به. قوله (ثم توليتم) أصل التولي ~~الإدبار عن الشئ والإعراض بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان ~~والمعتقدات اتساعا ومجازا، والمراد هنا: إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم، ~~وقوله (من بعد ذلك) أي من بعد البرهان لهم والترهيب بأشد ما يكون وأعظم ما ~~تجوزه العقول وتقدره الأفهام، وهو رفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة عليهم. ~~وقوله (فلولا فضل الله عليكم) بأن تدارككم بلطفه ورحمته حتى أظهرتم التوبة ~~لخسرتم. والفضل: الزيادة. قال ابن فارس في المجمل: الفضل الزيادة والخير، ~~والإفضال: الإحسان انتهى. والخسران: النقصان، وقد تقدم تفسيره. # والسبت في أصل اللغة: القطع، لأن الأشياء تمت فيه وانقطع العمل، وقيل هو ~~مأخوذ من السبوت، وهو الراحة والدعة. وقال في الكشاف: السبت مصدر سبتت ~~اليهود: إذا عظمت يوم السبت انتهى. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن اليهود ~~افترقت فرقتين: ففرقة اعتدت في السبت: أي جاوزت ما أمرها الله به من العمل ~~فيه فصادوا السمك الذي نهاهم الله عن صيده فيه: والفرقة الأخرى انقسمت إلى ~~فرقتين: ففرقة جاهرت بالنهي واعتزلت وفرقة لم ms0159 توافق المعتدين ولا صادوا ~~معهم لكنهم جالسوهم ولم يجاهروهم بالنهي ولا اعتزلوا عنهم فمسخهم الله ~~جميعا ولم تنج إلا الفرقة الأولى فقط " وهذه من جملة المحن التي امتحن الله ~~بها هؤلاء الذين بالغوا في العجرفة وعاندوا PageV01P095 # أنبياءهم، وما زالوا في كل موطن يظهرون من حماقاتهم وسخف عقولهم وتعنتهم ~~نوعا من أنواع التعسف، وشعبة من شعب التكلف، فإن الحيتان كانت يوم السبت ~~كما وصف الله سبحانه بقوله - إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم - فاحتالوا لصيدها، وحفروا الحفائر وشقوا ~~الجداول، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصيدونها يوم الأحد، فلم ينتفعوا ~~بهذه الحيلة الباطلة. والخاسئ: المبعد، يقال: # خسأته فخسأ وخسئ وانخسأ: أبعدته فبعد. ومنه قوله تعالى - ينقلب إليك ~~البصر خاسئا - أي مبعدا. وقوله - اخسئوا فيها - أي تباعدوا تباعد سخط، ~~ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر. والمراد هنا. كونوا بين المصير إلى أشكال ~~القردة مع كونهم مطرودين صاغرين، فقردة خبر الكون. وخاسئين خبر آخر، وقيل ~~إنه صفة لقردة والأول أظهر. واختلف في مرجع الضمير في قوله (فجعلناها) وفي ~~قوله (لما بين يديها وما خلفها) فقيل العقوبة، وقيل الأمة، وقيل القرية، ~~وقيل القردة، وقيل الحيتان، والأول أظهر. والنكال: الزجر والعقاب، والنكل: ~~القيد لأنه يمنع صاحبه، ويقال للجام الدابة نكل لأنه يمنعها، والموعظة ~~مأخوذة من الاتعاظ والانزجار، والوعظ: # التخويف. وقال الخليل: الوعظ التذكير بالخير. وقد أخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال: الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وكان بنو إسرائيل أسفل ~~منه. وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت ~~فليس بطور. # وأخرج ابن جرير عنه في قوله (خذوا ما آتيناكم بقوة) قال: أيجد. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (واذكروا ما فيه) قال: اقرءوا ~~ما في التوراة واعملوا به. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن أبي عباس في قوله ~~(لعلكم تتقون) قال: لعلكم ms0160 تنزعون عما أنتم عليه. وأخرج ابن جرير عنه قال ~~(ولقد علمتم) أي عرفتم) واعتدوا) يقول: اجترءوا في السبت بصيد السمك، ~~فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يعش مسيخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم ~~يشرب ولم ينسل. وأخرج ابن المنذر عنه قال: القردة والخنازير من نسل الذين ~~مسخوا، وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: انقطع ذلك النسل. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ~~ضربه الله لهم كقوله - كمثل الحمار يحمل أسفارا - وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن قتادة في الآية قال. أحلت لهم الحيتان وحرمت عليهم يوم السبت ليعلم ~~من يطيعه ممن يعصيه فكان فيهم ثلاثة أصناف، وذكر نحو ما قدمناه عن ~~المفسرين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صار شباب القوم قردة، ~~والمشيخة صاروا خنازير. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (خاسئين) ~~قال: ذليلين. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (خاسئين) قال: صاغرين. وأخرج ~~ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(فجعلناها نكالا لما بين يديها) من القرى (وما خلفها) من القرى (وموعظة ~~للمتقين) الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عنه (فجعلناها) ~~يعني الحيتان (نكالا لما بين يديها وما خلفها) من الذنوب التي عملوا قبل ~~وبعد. وأخرج ابن جرير عنه (فجعلناها) قال: # جعلنا تلك العقوبة وهي المسخة (نكالا) عقوبة (لما بين يديها) يقول: ليحذر ~~من بعدهم عقوبتي (وما خلفها) يقول: للذين كانوا معهم (وموعظة) قال: تذكرة ~~وعبرة للمتقين. PageV01P096 # قيل: إن قصة ذبح البقرة المذكورة هنا مقدم في التلاوة ومؤخر في المعنى ~~على قوله تعالى - وإذ قتلتم نفسا - ويجوز أن يكون قوله: قتلتم مقدما في ~~النزول، ويكون الأمر بالذبح مؤخرا، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب ~~تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر ~~القتل فأمروا أن يضربوه ببعضها هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب، ms0161 وقد ~~تقرر في علم العربية أنها لمجرد الجمع من دون ترتيب ولا معية، وسيأتي في ~~قصة القتل تمام الكلام، والبقرة اسم للأنثى، ويقال للذكر ثور، وقيل إنها ~~تطلق عليهما، وأصله من البقر وهو الشق لأنها تشق الأرض بالحرث، قال ~~الأزهري: البقر اسم جنس، وجمعه باقر. وقد قرأ عكرمة ويحيى ابن يعمر (إن ~~الباقر تشابه علينا) وقوله (هزوا) الهزو هنا: اللعب والسخرية، وقد تقدم ~~تفسيره. وإنما يفعل ذلك أهل الجهل لأنه نوع من العبث الذي لا يفعله ~~العقلاء، ولهذا أجابهم موسى بالاستعاذة بالله سبحانه من الجهل. وقوله ~~(قالوا ادع لنا ربك) هذا نوع من أنواع تعنتهم المألوفة، فقد كانوا يسلكون ~~هذه المسالك في غالب ما أمرهم الله به ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة ~~لأجزأهم ذبح بقرة من عرض البقر، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم كما سيأتي ~~بيانه. والفارض: المسنة، ومعناه في اللغة الواسع. قال في الكشاف: وكأنها ~~سميت فارضا لأنها فرضت سنها: أي قطعتها وبلغت آخرها انتهى. ويقال للشيء ~~القديم فارض، ومنه قول الراجز: # يا رب ذي ضغن علي فارض * له قرو كقرو الحائض أي قديم، وقيل الفارض: التي ~~قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها. والبكر: الصغيرة التي لم تحمل، وتطلق في ~~إناث البهائم وبني آدم على ما لم يفتحله الفحل، وتطلق أيضا على الأول من ~~الأولاد، ومنه قول الراجز: # يا بكر بكرين ويا صلب الكبد * أصبحت مني كذراع من عضد والعوان: المتوسطة ~~بين سني الفارض والبكر، وهي التي قد ولدت بطنا أو بطنين، ويقال هي التي قد ~~ولدت مرة بعد مرة، والإشارة بقوله (بين ذلك) إلى الفارض والبكر، وهما وإن ~~كانتا مؤنثتين فقد أشير إليهما بما هو للمذكر على تأويل المذكور، كأنه قال: ~~بين ذلك المذكور، وجاز دخول بين المقتضية لشيئين لأن المذكور متعدد. وقوله ~~(فافعلوا) تجديد للأمر، وتأكيد له، وزجر لهم عن التعنت، فلم ينفعهم ذلك ولا ~~نجع فيهم، بل رجعوا إلى طبيعتهم، وعادوا إلى مكرهم واستمروا على عادتهم ~~المألوفة، ف‍ (قالوا فادع لنا ربك). واللون: واحد PageV01P097 # الألوان، وجمهور ms0162 المفسرين على أنها كانت جميعها صفراء. قال بعضهم: حتى ~~قرنها وظلفها. وقال الحسن وسعيد ابن جبير: إنها كانت صفراء القرن والظلف ~~فقط، وهو خلاف الظاهر. والمراد بالصفرة هنا الصفرة المعروفة. # وروى عن الحسن أن صفراء معناه سوداء، وهذا من بدع التفاسير ومنكراتها، ~~وليت شعري كيف يصدق على اللون الأسود الذي هو أقبح الألوان أنه يسر ~~الناظرين، وكيف يصح وصفه بالفقوع الذي يعلم كل من يعرف لغة العرب أنه لا ~~يجزي على الأسود بوجه من الوجوه، فإنهم يقولون في وصف الأسود: حالك وحلكوك ~~ودجوجي وغربيب. قال الكسائي: يقال فقع لونها يفقع فقوعا: إذا خلصت صفرته. ~~وقال في الكشاف: الفقوع إذا أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه. ومعنى (تسر ~~الناظرين) تدخل عليهم السرور إذا نظروا إليها إعجابا بها واستحسانا للونها. ~~قال وهب: كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها، ثم لم ينزعوا عن غوايتهم ولا ~~ارعووا من سفههم وجهلهم، بل عادوا إلى تعنتهم فقال (ادع لنا ربك يبين لنا ~~ما هي إن البقر تشابه علينا) أي أن جنس البقر يتشابه عليهم لكثرة ما يتصف ~~منها بالعوان الصفراء الفاقعة، ووعدوا من أنفسهم بالاهتداء إلى ما دلهم ~~عليه، والامتثال لما أمروا به. والذلول: التي لم يذللها العمل: أي هي غير ~~مذللة بالعمل ولا ريضة به. وقوله (تثير) في موضع رفع على الصفة لبقرة: أي ~~هي بقرة لا ذلول مثيرة، وكذلك قوله (ولا تسقي الحرث) في محل رفع لأنه وصف ~~لها: أي ليست من النواضح التي يسنى عليها لسقي الزروع، وحرف النفي الآخر ~~توكيد للأول: أي هي بقرة غير مذللة بالحرث ولا بالنضح، ولهذا قال الحسن: ~~كانت البقرة وحشية. وقال قوم: إن قوله " تثير " فعل مستأنف. # والمعنى: إيجاب الحرث لها والنضح بها. والأول أرجح، لأنها لو كانت مثيرة ~~ساقية لكانت مذللة ريضة، وقد نفى الله ذلك عنها. وقوله (مسلمة) مرتفع على ~~أنه من أوصاف البقرة، ويجوز أن يكون مرتفعا على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي ~~هي مسلمة. والجملة في محل رفع على أنها صفة، والمسلمة: ms0163 هي التي لا عيب ~~فيها، وقيل مسلمة من العمل، وهو ضعيف لأن الله سبحانه قد نفى ذلك عنها، ~~والتأسيس خير من التأكيد، والإفادة أولى من الإعادة. # والشية أصلها وشية حذفت الواو كما حذفت من يشي، وأصله يوشي، ونظيره الزنة ~~والعدة والصلة، وهي مأخوذة من وشى الثوب: إذا نسج على لونين مختلفين، وثور ~~موشى في وجهه وقوائمه سواد. والمراد أن هذه البقرة خالصة الصفرة ليس في ~~جسمها لمعة من لون آخر. فلما سمعوا هذه الأوصاف التي لا يبقى بعدها ريب ولا ~~يخالج سامعها شك، ولا تحتمل الشركة بوجه من الوجوه، أقصروا من غوايتهم، ~~وانتبهوا من رقدتهم وعرفوا بمقدار ما أوقعهم فيه تعنتهم من التضييق عليهم ~~(قالوا الآن جئت بالحق) أي أوضحت لنا الوصف، وبينت لنا الحقيقة التي يجب ~~الوقوف عندها، فحصلوا تلك البقرة الموصوفة بتلك الصفات (فذبحوها) وامتثلوا ~~الأمر الذي كان يسرا فعسروه، وكان واسعا فضيقوه (وما كادوا يفعلون) ما ~~أمروا به لما وقع منهم من التثبط والتعنت وعدم المبادرة، فكان ذلك مظنة ~~للاستبعاد، ومحلا للمجئ بعبارة مشعرة بالتثبط الكائن منهم، وقيل إنهم ما ~~كادوا يفعلون لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه الأوصاف، وقيل لارتفاع ثمنها، ~~وقيل لخوف انكشاف أمر المقتول، والأول أرجح. وقد استدل جماعة من المفسرين ~~والأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل إمكان الفعل. # وليس ذلك عندي بصحيح لوجهين: الأول: أن هذه الأوصاف المزيدة بسبب تكرر ~~السؤال هي من باب التقييد للمأمور به لا من باب النسخ، وبين البابين بون ~~بعيد كما هو مقرر في علم الأصول. الثاني: أنا لو سلمنا أن هذا من باب النسخ ~~لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما قالوه، فإنه قد كان يمكنهم بعد ~~الأمر الأول أن يعمدوا PageV01P098 # إلى بقرة من عرض البقر فيذبحوها، ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين ~~الوصف بالعوان والصفراء، ولا دليل يدل على أن هذه المحاورة بينهم وبين موسى ~~عليه السلام واقعة في لحظة واحدة، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا ~~يتواطؤون عليها، ويديرون الرأي ms0164 بينهم في أمرها ثم يوردونها، وأقل الأحوال ~~الاحتمال القادح في الاستدلال. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~سننه عن عبيدة السلماني قال: # كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له وكان له مال كثير، وكان ابن ~~أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه ~~عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذو الرأي منهم: علام يقتل بعضكم ~~بعضا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى فذكروا ذلك له، فقال (إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة) الآية، قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ~~ولكنهم شددوا فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها ~~عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، ~~فأخذوها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها فضربوه ببعضها، فقام فقالوا من قتلك؟ ~~فقال هذا، لابن أخيه ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، ولم يورث قاتل ~~بعده. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت " عن ابن عباس أن ~~القتيل وجد بين قريتين، وأن البقرة كانت لرجل كان يبر أباه فاشتروها بوزنها ~~ذهبا. وأخرج ابن جرير عنه نحوا من ذلك، ولم يذكر ما تقدم في البقرة. وقد ~~روى في هذا قصص مختلفة لا يتعلق بها كثير فائدة. وأخرج البزار عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة ~~لأجزأهم أو لأجزأت عنهم " وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لولا أن بني إسرائيل قالوا ~~(وإنا إن شاء الله لمهتدون) ما أعطوا أبدا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر ~~فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم " وأخرج نحوه الفريابي ~~وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأخرجه ابن جرير عن ابن جريج يرفعه. وأخرجه ابن ms0165 جرير عن قتادة يرفعه ~~أيضا، وهذه الثلاثة مرسلة. وأخرج نحوه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: الفارض ~~الهرمة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف. وأخرج نحوه عن مجاهد. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (عوان بين ذلك) قال: بين الصغيرة ~~والكبيرة، وهي أقوى ما يكون وأحسنه. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله (صفراء فاقع لونها) قال: # شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في ~~قوله (صفراء) قال صفراء الظلف (فاقع لونها) قال صافي. وأخرج عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال (فاقع لونها) أي صاف (تسر الناظرين) ~~أي تعجب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله ~~(صفراء فاقع لونها) قال: سوداء شديدة السواد. وأخرج ابن جرير عن أبي ~~العالية في قوله (لا ذلول) أي لم يذلها العمل (تثير الأرض) يعني ليست بذلول ~~فتثير الأرض (ولا تسقي الحرث) يقول: ولا تعمل في الحرث (مسلمة) قال: # من العيوب. وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. وقال (لا شية ~~فيها) لا بياض فيها ولا سواد. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (مسلمة) لا عوار فيها. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن قتادة (قالوا الآن جئت بالحق) قالوا: الآن بينت لنا (فذبحوها ~~وما كادوا يفعلون) وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله (وما كادوا ~~يفعلون) لغلاء ثمنها. PageV01P099 # قد تقدم ما ذكرناه في قصة ذبح البقرة، فيكون تقدير الكلام (وإذ قتلتم ~~نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون) فقال موسى لقومه (إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة) إلى آخر القصة، وبعدها (فقلنا اضربوه ببعضها) ~~الآية. وقال الرازي في تفسيره: أعلم أن وقوع القتل لا بد أن يكون متقدما ~~لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل، وعن أنه لا ms0166 بد أن ~~يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدما على الإخبار عن قصة ~~البقرة، فقول من يقول هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى ~~خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، ~~فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يقدم ذكر السبب على ذكر الحكم، ~~وأخرى على العكس من ذلك، فكأنهم لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم الله بذبح ~~البقرة، فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفسا من قبل، ونسب القتل إليهم بكون ~~القاتل منهم، وأصل ادارأتم تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال، ولما كان ~~الابتداء بالمدغم الساكن لا يجوز زادوا ألف الوصل، ومعنى ادارأتم: اختلفتم ~~وتنازعتم، لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضا: أي يدفعه، ومعنى (مخرج) مظهر: ~~أي ما كتمتم بينكم من أمر القتل فالله مظهره لعباده ومبينه لهم، وهذه ~~الجملة معترضة بين أجزاء الكلام: أي فادارأتم فيها فقلنا. واختلف في تعيين ~~البعض الذي أمروا بأن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من ~~القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: # أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأي بعض ضربوا به فقد فعلوا ما أمروا به، ~~وما زاد على هذا فهو من فضول العلم إذا لم يرد به برهان. قوله (كذلك يحيي ~~الله الموتى) في الكلام حذف، والتقدير (فقلنا اضربوه ببعضها) فأحياه الله ~~(كذلك يحيي الله الموتى) أي إحياء كمثل هذا الإحياء. (ويروكم آياته) أي ~~علاماته ودلائله الدالة على كمال قدرته، وهذا يحتمل أن يكون خطابا لمن حضر ~~القصة، ويحتمل أن يكون خطابا للموجودين عند نزول القرآن. والقسوة: # الصلابة واليبس، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله مع ~~وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل وتكلمه وتعيينه لقاتله، ~~والإشارة بقوله (من بعد ذلك) إلى ما تقدم من الآيات الموجبة للين القلوب ~~ورقتها. قيل " أو " في قوله (أو أشد قسوة) بمعنى الواو كما في قوله تعالى - ~~آثما أو كفورا - وقيل هي بمعنى بل، وعلى ms0167 أن " أو " على أصلها أو بمعنى ~~الواو، فالعطف على قوله (كالحجارة) لم أي هذه القلوب هي كالحجارة أو هي أشد ~~قسوة منها، فشبهوها بأي الأمرين شئتم فإنكم مصيبون في هذا التشبيه. وقد ~~أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع " أو " ههنا مع كونها للترديد: أي لا يليق ~~لعلام الغيوب بثمانية أوجه، وإنما توصل إلى أفعل التفضيل بأشد مع كونه يصح ~~أن يقال وأقسى من الحجارة، لكونه أبين وأدل على فرط القسوة، كما قاله في ~~PageV01P100 # الكشاف. وقرأ الأعمش " أو أشد " بنصب الدال، وكأنه عطفه على الحجارة ~~فيكون أشد مجرورا بالفتحة. وقوله (وإن من الحجارة) إلى آخره، قال في الكشاف ~~إنه بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة وتقرير لقوله (أو أشد ~~قسوة) انتهى. وفيه أن مجئ البيان بالواو غير معروف ولا مألوف، والأولى جعل ~~ما بعد الواو تذييلا أو حالا. التفجر: التفتح، وقد سبق تفسيره. وأصل (يشقق) ~~يتشقق أدغمت التاء في الشين، وقد قرأ الأعمش " يتشقق " على الأصل. وقرأ ابن ~~مصرف ينشق بالنون، والشق واحد الشقوق، وهو يكون بالطول أو بالعرض، بخلاف ~~الانفجار فهو الانفتاح من موضع واحد مع اتساع الخرق. والمراد: أن الماء ~~يخرج من الحجارة من مواضع الانفجار والانشقاق، ومن الحجارة ما يهبط: أي ~~ينحط من المكان الذي هو فيه إلى أسفل منه من الخشية لله التي تداخله وتحل ~~به، وقيل إن الهبوط مجاز عن الخشوع منها، والتواضع الكائن فيها انقيادا لله ~~عز وجل، فهو مثل قوله تعالى - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله - وقد حكى ابن جرير عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة ~~كما استعيرت الإرادة للجدار، وكما قال الشاعر: # لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور قوله المدينة والجبال الخشع وذكر الجاحظ ~~أن الضمير في قوله (وإن منها) راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة، وهو فاسد، ~~فإن الغرض من سياق هذا الكلام هو التصريح بأن قلوب هؤلاء بلغت في القسوة ~~وفرط اليبس الموجبين لعدم قبول الحق والتأثر للمواعظ إلى مكان لم تبلغ ms0168 إليه ~~الحجارة، التي هي أشد الأجسام صلابة وأعظمها صلادة، فإنها ترجع إلى نوع من ~~اللين، وهي تفجرها بالماء وتشققها عنه وقبولها لما توجبه الخشية لله من ~~الخشوع والانقياد بخلاف تلك القلوب. # وفي قوله (وما الله بغافل عما تعملون) من التهديد وتشديد الوعيد مالا ~~يخفى، فإن الله عز وجل إذا كان عالما بما يعملونه مطلعا عليه غير غافل عنه ~~كان لمجازاتهم بالمرصاد. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (وإذ قتلتم نفسا ~~فادارأتم فيها) قال: اختلفتم فيها (والله مخرج ما كنتم تكتمون) قال: ما ~~تغيبون. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن المسيب بن رافع قال ~~" ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في ~~سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كتاب الله (والله مخرج ما كنتم ~~تكتمون) " وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " لو أن رجلا عمل عملا في صخرة صماء لا باب لها ولا ~~كوة خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان " وأخرج البيهقي من حديث عثمان قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من كانت له سريرة صالحة أو سيئة ~~أظهر الله عليها منها رداء يعرف به " ورواه البيهقي أيضا بنحوه من قول ~~عثمان قال: والموقوف أصح. # وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن أنس مرفوعا حديثا طويلا في هذا المعنى، ~~ومعناه: أن الله يلبس كل عامل عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون، ولو عمله ~~في جوف بيت إلى سبعين بيتا على كل بيت باب من حديد، وفي إسناده ضعف. وأخرج ~~ابن عدي من حديث أنس أيضا مرفوعا " إن الله مرد كل امرئ رداء عمله ". ~~ولجماعة من الصحابة والتابعين كلمات تفيد هذا المعنى. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فقلنا اضربوه ببعضها) قال: ~~ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنهم ضربوه ms0169 ~~بفخذها. وأخرج مثله ابن جرير عن عكرمة. وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير ~~عن مجاهد. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ضرب بالبضعة التي بين الكتفين. ~~وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن PageV01P101 # وهب بن منبه قصة طويلة في ذكر البقرة وصاحبها لا حاجة إلى التطويل ~~بذكرها، وقد استوفاها في الدر المنثور. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (ثم قست قلوبكم من بعد ~~ذلك) قال: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى ومن بعد ما أراهم من أمر ~~القتيل (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) ثم عذر الله الحجارة ولم يعذر شقي بني ~~آدم فقال (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار) إلى آخر الآية. وأخرج ابن ~~إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أي من الحجارة لألين من ~~قلوبكم عما تدعون إليه من الحق. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال " إن الحجر ليقع على الأرض ولو اجتمع عليه فئام من ~~الناس ما استطاعوه، وأنه ليهبط من خشية الله ". # قوله (أفتطمعون) هذا الاستفهام فيه معنى الإنكار، كأنه آيسهم من إيمان ~~هذه الفرقة من اليهود. والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوله ~~ولهم. و (يؤمنوا لكم) أي لأجلكم، أو على تضمين آمن معنى استجاب: أي أتطمعون ~~أن يستجيبوا لكم. والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه. و (كلام الله) أي ~~التوراة، وقيل إنهم سمعوا خطاب الله لموسى حين كلمه، وعلى هذا فيكون الفريق ~~هم السبعون الذين اختارهم موسى، وقرأ الأعمش " كلم الله ". والمراد من ~~التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة، فجعلوا حلاله حراما أو نحو ~~ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم كتحريفهم صفة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو سمعوا كلام الله لموسى فزادوا فيه ~~ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر وإنكار على من طمع في إيمانهم ~~وحالهم هذه الحال: أي ولهم سلف ms0170 حرفوا كلام الله وغيروا شرائعه وهم مقتدون ~~بهم متبعون سبيلهم. ومعنى قوله (من بعد ما عقلوه) أي من بعد ما فهموه ~~بعقولهم مع كونهم يعلمون أن ذلك الذي فعلوه تحريف مخالف لما أمرهم الله به ~~من تبليغ شرائعه كما هي، فهم وقعوا في المعصية عالمين بها، وذلك أشد ~~لعقوبتهم وأبين لضلالهم. # (وإذا لقوا الذين آمنوا) يعني أن المنافقين إذا لقوا الذين آمنوا (قالوا ~~آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض) أي إذا خلا الذين لم ينافقوا بالمنافقين ~~قالوا لهم عاتبين عليهم (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) أي حكم عليكم من ~~العذاب، وذلك أن ناسا من اليهود أسلموا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين ~~من العرب بما عذب به آباؤهم، وقيل إن المراد ما فتح الله عليهم في التوراة ~~من صفة محمد، وقد تقدم معنى خلا. والفتح عند العرب: القضاء والحكم، ~~والفتاح: # القاضي بلغة اليمن، والفتح: النصر، ومن ذلك قوله تعالى - يستفتحون على ~~الذين كفروا - وقوله - إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح - ومن الأول - ثم يفتح ~~بيننا بالحق وهو خير الفاتحين - أي الحاكمين، ويكون الفتح بمعنى الفرق بين ~~الشيئين، والمحاجة: إبراز الحجة، أي لا تخبروهم بما حكم الله به عليكم من ~~العذاب فيكون ذلك حجة لهم عليكم فيقولون: نحن أكرم على الله منكم وأحق ~~بالخير منه. والحجة، الكلام المستقيم، وحاججت فلانا فحججته أي غلبته ~~بالحجة. (أفلا تعقلون) ما فيه الضرر عليكم من هذا التحدث الواقع منكم لهم. ~~ثم وبخهم الله سبحانه PageV01P102 # (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) من جميع أنواع الإسرار ~~وأنواع الإعلان، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ثم قال الله لنبيه ~~ومن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلام الله) وليس قوله يسمعون التوراة كلهم قد سمعها ولكنهم ~~الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن قتادة في قوله (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) ms0171 الآية: قال: هم اليهود ~~كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما سمعوه ووعوه. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) ~~الآية، قال: الذين يحرفونه والذين يكتبونه هم العلماء منهم، والذين نبذوا ~~كتاب الله وراء ظهورهم هؤلاء كلهم يهود. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ~~(يسمعون كلام الله) قال: هي التوراة حرفوها. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ~~ابن عباس في قوله (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) أي بصاحبكم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه إليكم خاصة (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) قالوا ~~لا تحدثوا العرب بهذا فقد كنتم تستفتحون به عليهم، وكان منهم - ليحاجوكم به ~~عند ربكم - أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم الميثاق باتباعه ~~وهو يخبرهم أنه النبي الذي كان ينتظر ونجد في كتابنا أجحدوه ولا تقروا به. ~~وأخرج ابن جرير عنه أن هذه الآية في المنافقين من اليهود وقوله (بما فتح ~~الله عليكم) يعني بما أكرمكم به. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ~~قال: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون ~~المؤمنين من العرب بما عذبوا به فقالوا بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم من العذاب لتقولوا نحن أحب إلى الله منكم وأكرم على الله منكم. وقد ~~أخرج ابن جرير عن ابن زيد أن سبب نزول الآية: أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن، فكان اليهود يظهرون ~~الإيمان فيدخلون ويرجعون إلى قومهم بالأخبار، وكان المؤمنون يقولون لهم: ~~أليس قد قال الله في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون نعم، فإذا رجعوا إلى قومهم ~~(قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) الآية " وروى عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أن سبب نزول الآية: " أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قام لقوم قريظة تحت حصونهم فقال: يا إخوان القردة ~~والخنازير ويا عبدة الطاغوت، ms0172 فقالوا: من أخبر هذا الأمر محمدا؟ ما خرج هذا ~~الأمر إلا منكم (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) " أي بما حكم الله ليكون ~~لهم حجة عليكم. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة أن السبب في نزول الآية: " أن ~~امرأة من اليهود أصابت فاحشة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عالمهم وهو ابن صوريا فقال له: احكم، قال: فجبوه، والتجبية: يحملونه على ~~حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أبحكم الله حكمت؟ قال: لا، ولكن نساءنا كن حسانا فأسرع فيهن رجالنا ~~فغيرنا الحكم، وفيه نزل (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) الآية " وأخرج عبد بن ~~حميد عن قتادة في قوله (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) قال: هم اليهود ~~وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم (وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض) نهى بعضهم بعضا أن يحدثوا بما فتح الله عليهم وبين لهم ~~في كتابه من أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونعته ونبوته وقالوا: إنكم ~~إذا فعلتم ذلك احتجوا بذلك عليكم عند ربكم (أفلا تعقلون. أولا يعلمون أن ~~الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) قال: ما يعلنون من أمرهم وكلامهم إذا لقوا ~~الذين PageV01P103 # آمنوا، وما يسرون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوبا عندهم. وأخرج ابن جرير عن أبي ~~العالية في قوله (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) يعني من ~~كفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكذبهم، وما يعلنون حين قالوا ~~للمؤمنين آمنا، وقد قال بمثل هذا جماعة من السلف. # قوله (ومنهم) أي من اليهود. والأمي منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على ~~أصل ولادتها من أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا تحسن القراءة للمكتوب، ومنه ~~حديث " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وقال أبو عبيدة: إنما قيل لهم ~~أميون لنزول ms0173 الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال: ومنهم أهل ~~الكتاب، وقيل: هم نصارى العرب، وقيل: هم قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم ~~لذنوب ارتكبوها، وقيل: هم المجوس، وقيل غير ذلك والراجح الأول. ومعنى (لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني) أنه لا علم لهم به إلا ما هم عليه من الأماني ~~التي يتمنونها ويعللون بها أنفسهم. والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه ~~الإنسان لنفسه، فهؤلاء لا علم لهم بالكتاب الذي هو التوراة لما هم عليه من ~~كونهم لا يكتبون ولا يقرءون المكتوب، والاستثناء منقطع: أي لكن الأماني ~~ثابتة لهم من كونهم مغفورا لهم بما يدعونه لأنفسهم من الأعمال الصالحة، أو ~~بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم، وقيل الأماني الأكاذيب كما سيأتي عن ~~ابن عباس. ومنه قول عثمان بن عفان: ما تمنيت منذ أسلمت: أي ما كذبت، حكاه ~~عنه القرطبي في تفسيره، وقيل الأماني: التلاوة، ومنه قوله تعالى - إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته - أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، أي لا ~~علم لهم إلا مجرد التلاوة من دون تفهم وتدبر، ومنه قول كعب بن مالك: # تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب ~~الله آخر ليلة * تمنى داود الزبور على رسل وقيل الأماني: التقدير. قال ~~الجوهري: يقال منى له: أي قدر، ومنه قول الشاعر: # لا تأمنن وإن أمسيت في حرم * حتى تلاقي ما يمنى لك الماني أي يقدر لك ~~المقدر. قال في الكشاف: والاشتقاق من منى إذا قدر، لأن المتمني يقدر في ~~نفسه ويجوز ما يتمناه PageV01P104 # وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا انتهى. " وإن " في قوله ~~(وإن هم إلا يظنون) نافية: أي ما هم. # والظن هو التردد الراجح بين طرفي الإعتقاد الغير الجازم كذا في القاموس، ~~أي ما هم إلا يترددون بغير جزم ولا يقين، وقيل الظن هنا بمعنى الكذب، وقيل ~~هو مجرد الحدس. لما ذكر الله سبحانه أهل العلم منهم بأنهم غير عاملين بل ~~يحرفون كلام الله من ms0174 بعد ما عقلوه وهم يعلمون، ذكر أهل الجهل منهم بأنهم ~~يتكلمون على الأماني ويعتمدون على الظن الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره ~~ولا يظفرون بسواه. والويل: الهلاك. وقال الفراء: الأصل في الويل وي: أي حزن ~~كما تقول وي لفلان: أي حزن له، فوصلته العرب باللام، قال الخليل: ولم نسمع ~~على بنائه إلا ويح، وويس، وويه، وويك، وويب، وكله متقارب في المعنى، وقد ~~فرق بينها قوم وهي مصادر لم ينطق العرب بأفعالها، وجاز الابتداء به وإن كان ~~نكرة لأن فيه معنى الدعاء. والكتابة معروفة، والمراد: أنهم يكتبون الكتاب ~~المحرف ولا يبينون ولا ينكرونه على فاعله. وقوله (بأيديهم) تأكيد لأن ~~الكتابة لا تكون إلا باليد فهو مثل قوله - ولا طائر يطير بجناحيه - وقوله - ~~يقولون بأفواههم - وقال ابن السراج: هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ~~ينزل عليهم. وفيه أنه قد دل على أنه من تلقائهم قوله (يكتبون الكتاب) ~~فإسناد الكتابة إليهم يفيد ذلك. والاشتراء: الاستبدال، وقد تقدم الكلام ~~عليه، ووصفه بالقلة لكونه فانيا لا ثواب فيه، أو لكونه حراما لا تحل به ~~البركة، فهؤلاء الكتبة لم يكتفوا بالتحريف ولا بالكتابة لذلك المحرف حتى ~~نادوا في المحافل بأنه من عند الله، لينالوا بهذه المعاصي المتكررة هذا ~~الغرض النزير والعوض الحقير. وقوله (مما يكسبون) قيل من الرشا ونحوها، وقيل ~~من المعاصي، وكرر الويل تغليظا عليهم وتعظيما لفعلهم وهتكا لأستارهم ~~(وقالوا) أي اليهود (لن تمسنا النار) الآية. وقد اختلف في سبب نزول الآية ~~كما سيأتي بيانه. والمراد بقوله (قل أتخذتم عند الله عهدا) الإنكار عليهم ~~لما صدر منهم من هذه الدعوى الباطلة أنها لن تمسهم النار إلا أياما معدودة: ~~أي لم يتقدم لكم مع الله عهدا بهذا، ولا أسلفتم من الأعمال الصالحة ما يصدق ~~هذه الدعوى حتى يتعين الوفاء بذلك وعدم إخلاف العهد: # أي إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا ~~تعلمون. قال في الكشاف، و " أم " إما أن تكون معادلة بمعنى أي الأمرين كائن ~~على ms0175 سبيل التقرير لأن العلم واقع بكون أحدهما، ويجوز أن تكون منقطعة انتهى، ~~وهذا توبيخ لهم شديد. قال الرازي في تفسيره: العهد في هذا الموضع يجري مجرى ~~الوعد، وإنما سمى خبره سبحانه عهدا لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة. وقوله ~~(بلى) إثبات بعد النفي: أي بلى تمسكم لا على الوجه الذي ذكرتم من كونه ~~أياما معدودة. والسيئة المراد بها الجنس هنا، ومثله قوله تعالى - وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها - من يعمل سوءا يجز به - ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب ~~السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لا بد أن تكون سيئة محيطة به، قيل هي ~~الشرك وقيل الكبيرة. وتفسيرها بالشرك أولى لما ثبت في السنة تواترا من خروج ~~عصاة الموحدين من النار، ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود وإن كان الاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # وقد قرأ نافع " خطيئاته " بالجمع، وقرأ الباقون بالإفراد، وقد تقدم تفسير ~~الخلود. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله (ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب) قال لا يدرون ما فيه (وإن هم إلا يظنون) قال: وهم يجحدون ~~نبوتك بالظن. وأخرج ابن جرير عنه قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله ~~الله، ولا كتابا أنزله الله فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال ~~هذا من عند الله، وقد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم ~~كتب الله ورسله. وأخرج ابن جرير عن النخعي قال: PageV01P105 # منهم من لا يحسن أن يكتب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (إلا أماني) قال: الأحاديث. وأخرج ابن جرير عنه أنها ~~الكذب. وكذا روى مثله عبد بن حميد عن مجاهد، وزاد (وإن هم إلا يظنون) قال: ~~إلا يكذبون. وأخرج النسائي وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فويل للذين ~~يكتبون الكتاب) قال: نزلت في أهل الكتاب. وأخرج أحمد والترمذي وابن حبان في ~~صحيحه والحاكم في مستدركه، وصححه عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " ويل ms0176 واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ ~~قعره " وأخرج ابن جرير من حديث عثمان مرفوعا قال: الويل جبل في النار " ~~وأخرج البزار وابن مردويه من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا أنه حجر في ~~النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فويل للذين يكتبون الكتاب) ~~قال هم أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكتوبة في ~~التوراة أكحل أعين ربعة جعد الشعر حسن الوجه، فلما وجدوه في التوراة محوه ~~حسدا وبغيا، فأتاهم نفر من قريش فقالوا: # تجدون في التوراة نبيا أميا؟ فقالوا: نعم نجده طويلا أزرق سبط الشعر، ~~فأنكرت قريش وقالوا: ليس هذا منا وأخرج ابن جرير عنه في قوله (ثمنا قليلا) ~~قال: عرضا من عرض الدنيا (فويل لهم) قال: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا ~~بأيديهم من ذلك الكذب (وويل لهم مما يكسبون) يقول: مما يأكلون به الناس ~~السفلة وغيرهم. وقد ذكر صاحب الدر المنثور آثارا عن جماعة من السلف أنهم ~~كرهوا بيع المصاحف مستدلين بهذه الآية، ولا دلالة فيها على ذلك، ثم ذكر ~~آثارا عن جماعة منهم أنهم جوزوا ذلك ولم يكرهوه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والواحدي عن ابن عباس: أن اليهود ~~كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة من أيام ~~الدنيا يوما واحدا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، ثم ينقطع العذاب، ~~فأنزل الله في ذلك (وقالوا لن تمسنا النار) الآية. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: وجد أهل الكتاب مسيرة ما بين طرفي جهنم ~~مسيرة أربعين فقالوا: لن تعذب أهل النار إلا قدر أربعين، فإذا كان يوم ~~القيامة ألجموا في النار فساروا فيها حتى انتهوا إلى سقر، وفيها شجرة ~~الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة، فقال لهم خزنة النار: يا أعداء ~~الله زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياما معدودة، فقد انقضى العدد ~~وبقي الأبد، فيؤخذون في الصعود ms0177 يرهقون على وجوههم. وأخرج ابن جرير عنه أن ~~اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة مدة عبادة العجل. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: اجتمعت يهود ~~يوما فخاصموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات أربعين يوما. ثم يخلفنا فيها ناس وأشاروا إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورد يديه ~~على رأسه: " كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء الله ~~أبدا ففيهم نزلت هذه الآية (وقالوا لن تمسنا النار) وأخرج ابن جرير عن زيد ~~بن أسلم مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد والبخاري والدارمي والنسائي من حديث أبي ~~هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل اليهود في خيبر: من أهل ~~النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا ". # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (قل أتخذتم عند الله عهدا) ~~أي موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه فسر ~~العهد هنا بأنهم قالوا لا إله إلا الله، لم يشركوا به ولم يكفروا وأخرج عبد ~~بن حميد عن قتادة في قوله (أم تقولون على الله ما لا تعلمون) قال: قال ~~القوم: الكذب والباطل، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بلى من كسب ~~سيئة) قال: الشرك. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد PageV01P106 # وعكرمة وقتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله (وأحاطت به ~~خطيآته) قال: أحاط به شركه وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم في قوله (بلى من كسب سيئة) أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بمثل ما كفرتم ~~حتى يحيط كفره بماله من حسنة (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) أي من آمن ms0178 بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه ~~فلهم الجنة خالدين فيها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله (وأحاطت به ~~خطيآته) قال: هي الكبيرة الموجبة لأهلها النار. وأخرج وكيع وابن جرير عن ~~الحسن أنه قال: كل ما وعد الله عليه النار فهو الخطيئة. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير عن الربيع ابن خيثم قال: هو الذي يموت على خطيئته ~~قبل أن يتوب وأخرج مثله ابن جرير عن الأعمش. # قد تقدم تفسير الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل. وقال مكي: إن الميثاق ~~الذي أخذه الله عليهم هنا هو ما أخذه الله عليهم في حياتهم على ألسن ~~أنبيائهم، وهو قوله (لا تعبدون إلا الله) وعبادة الله إثبات توحيده وتصديق ~~رسله والعمل بما أنزل في كتبه. قال سيبويه: إن قوله (لا تعبدون إلا الله) ~~هو جواب قسم، والمعنى، استحلفناهم والله لا تعبدون إلا الله، وقيل هو إخبار ~~في معنى الأمر، ويدل عليه قراءة أبي وابن مسعود " لا تعبدوا " على النهي ~~ويدل عليه أيضا ما عطف عليه من قوله: (وقولوا - وأقيموا - وآتوا) وقال قطرب ~~والمبرد: إن قوله (لا تعبدون) جملة حالية: أي أخذنا ميثاقهم موحدين أو غير ~~معاندين. قال القرطبي: وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي " ~~يعبدون " بالياء التحتية. وقال الفراء والزجاج وجماعة: إن معناه أخذنا ~~ميثاقكم بأن لا تعبدوا إلا الله وبأن تحسنوا بالوالدين، وبأن لا تسفكوا ~~الدماء: ثم حذف أن فارتفع الفعل لزوالها. قال المبرد: هذا خطأ، لأن كل ما ~~أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا. وقال القرطبي: ليس بخطأ بل هما وجهان ~~صحيحان وعليهما أنشد PageV01P107 # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي بالنصب ~~لقوله أحضر وبالرفع. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف والتواضع ~~لهما وامتثال أمرهما، وسائر ما أوجبه الله على الولد لوالديه من الحقوق. ~~والقربى: مصدر كالرجعي والعقبى، هم القرابة - والإحسان بهم: صلتهم والقيام ~~بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة وبقدر ما تبلغ إليه القدرة. واليتامى جمع ~~يتيم، واليتيم في ms0179 بني آدم من فقد أبوه. وفي سائر الحيوانات: من فقدت أمه. ~~وأصله الانفراد - يقال: صبي يتيم: أي منفرد من أبيه والمساكين جمع مسكين، ~~وهو من أسكنته الحاجة وذللته، وهو أشد فقرا من الفقير عند أكثر أهل اللغة ~~وكثير من أهل الفقه. وروى عن الشافعي أن الفقير أسوأ حالا من المسكين. وقد ~~ذكر أهل العلم لهذا البحث أدلة مستوفاة في مواطنها. ومعنى قوله (وقولوا ~~للناس حسنى) أي قولوا لهم قولا حسنا فهو صفة مصدر محذوف، وهو مصدر كبشرى. ~~وقرأ حمزة والكسائي " حسنا " بفتح الحاء والسين. وكذلك قرأ زيد بن ثابت ~~وابن مسعود. قال الأخفش هما بمعنى واحد، مثل البخل والبخل، والرشد والرشد ~~وحكى الأخفش أيضا " حسنى " بغير تنوين على فعلى، قال النحاس: وهذا لا يجوز ~~في العربية، لا يقال من هذا شئ إلا بالألف واللام نحو الفضلي والكبرى ~~والحسنى وهذا قول سيبويه. وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بضمتين: والظاهر أن ~~هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين، بل كل ما صدق عليه أنه ~~حسن شرعا كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر. وقد قيل إن ذلك هو كلمة ~~التوحيد، وقيل الصدق، وقيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيل غير ذلك. ~~وقوله (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) قد تقدم تفسيره، وهو خطاب لبني ~~إسرائيل، فالمراد الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا يخرجونها. ~~قال ابن عطية: وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يقبل، ولا ~~تنزل على مالا يقبل. وقوله (ثم توليتم) قيل الخطاب للحاضرين منهم في عصر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم مثل سلفهم في ذلك، وفيه التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب. وقوله (إلا قليلا) منصوب على الاستثناء، ومنهم عبد الله ~~بن سلام وأصحابه. وقوله (وأنتم معرضون) في موضع النصب على الحال، والإعراض ~~والتولي بمعنى واحد، وقيل: # التولي بالجسم، والإعراض بالقلب. وقوله (لا تسفكون) الكلام فيه كالكلام ~~في لا تعبدون وقد سبق. وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء، وهي ~~لغة. ms0180 وقرأ أبو نهيك بضم الياء وتشديد الفاء وفتح السين والسفك: الصب، وقد ~~تقدم، والمراد أنه لا يفعل ذلك بعضهم ببعض. والدار: المنزل الذي فيه أبنية ~~المقام، بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل: كل موضع حله قوم فهو دار لهم ~~وإن لم يكن فيه أبنية، وقيل سميت دارا لدورها على سكانها، كما يسمى الحائط ~~حائطا لإحاطته على ما يحويه. وقوله (ثم أقررتم) من الإقرار: أي حصل منكم ~~الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم في حال شهادتكم على أنفسكم بذلك، قيل ~~الشهادة هنا بالقلوب وقيل هي بمعنى الحضور: أي أنكم الآن تشهدون على ~~أسلافكم بذلك، وكان الله سبحانه قد أخذ في التوراة على بني إسرائيل أن لا ~~يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه. وقوله (ثم أنتم هؤلاء) أي أنتم ~~هؤلاء المشاهدون الحاضرون تخالفون ما أخذه الله عليكم في التوراة فتقتلون ~~أنفسكم إلى آخر الآية، وقيل إن هؤلاء منصوب بإضمار أعني، ويمكن أن يقال ~~منصوب بالذم أو الاختصاص: أي أذم أو أخص. وقال القتيبي: إن التقدير يا ~~هؤلاء قال النحاس: هذا خطأ على قول سيبويه لا يجوز. وقال الزجاج هؤلاء ~~بمعنى الذين أي ثم أنتم الذين تقتلون. وقيل هؤلاء مبتدأ وأنتم خبر مقدم ~~وقرأ الزهري " تقتلون " مشددا، فمن جعل قوله (أنتم هؤلاء) مبتدأ وخبرا جعل ~~قوله (تقتلون) بيانا لأن معنى قوله (أنتم هؤلاء) أنهم على حالة كحالة ~~أسلافهم من نقض الميثاق. ومن جعل PageV01P108 # هؤلاء منادى أو منصوبا بما ذكرنا جعل الخبر تقتلون وما بعده. وقوله ~~(تظاهرون) بالتشديد، وأصله تتظاهرون أدغمت التاء في الظاء لقربها منها في ~~المخرج، وهي قراءة أهل مكة. وقرأ أهل الكوفة " تظاهرون " مخففا بحذف التاء ~~الثانية، لدلالة الأولى عليها. وأصل المظاهرة المعاونة، مشتقة من الظهر لأن ~~بعضهم يقوى بعضا فيكون له كالظهر، ومنه قول الشاعر: # تظاهرتم من كل أوب ووجهة * على واحد لا زلتم قرن واحد ومنه قوله تعالى - ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا - وقوله - والملائكة بعد ذلك ظهير -. وأسارى ~~حال. قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول: ما صار في ms0181 أيديهم فهو أسارى، وما ~~جاء مستأسرا فهو الأسرى. ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو. وإنما هذا ~~كما تقول سكارى وسكرى. وقد قرأ حمزة " أسرى ". وقرأ الباقون " أسارى " ~~والأسرى جمع أسير كالقتلى جمع قتيل والجرحى جمع جريح. قال أبو حاتم: ولا ~~يجوز أسارى. وقال الزجاج: # يقال أسارى كما يقال سكارى. وقال ابن فارس: يقال في جمع أسير أسرى وأسارى ~~انتهى. فالعجب من أبي حاتم حيث ينكر ما ثبت في التنزيل. وقرأ به الجمهور، ~~والأسير مشتق من السير، وهو القيد الذي يشد به المحمل، فسمى أسيرا لأنه يشد ~~وثاقه، والعرب تقول: قد أسرقته: أي شده، ثم سمى كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤخذ. # وقوله (تفادوهم) جواب الشرط، وهي قراءة حمزة ونافع والكسائي، وقرأ ~~الباقون " تفدوهم ". والفداء: هو ما يوجد من الأسير ليفك به أسره، يقال ~~فداه وفاداه: إذا أعطاه فداءه. قال الشاعر: # قفي فادي أسيرك إن قومي * وقومك ما أرى لهم اجتماعا وقوله (وهو محرم ~~عليكم إخراجهم) الضمير للشأن وقيل مبهم تفسره الجملة التي بعده، وزعم ~~الفراء أن هذا الضمير عماد، واعترض عليه بأن العماد لا يكون في أول الكلام. ~~و (إخراجهم) مرتفع بقوله (محرم) ساد مسد الخبر، وقيل بل مرتفع بالابتداء ~~ومحرم خبره. قال المفسرون: كان الله سبحانه قد أخذ على بني إسرائيل أربعة ~~عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن ~~كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك. بقوله (أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض). والخزي: الهوان. قال الجوهري: والخزي بالكسر يخزي ~~خزيا: إذا ذل وهان، وقد وقع هذا الجزاء الذي وعد الله به الملاعين اليهود ~~موفرا، فصاروا في خزي عظيم بما ألصق بهم من الذل والمهانة بالقتل والأسر ~~وضرب الجزية والجلاء، وإنما ردهم الله يوم القيامة إلى أشد العذاب لأنهم ~~جاءوا بذنب شديد ومعصية فظيعة. وقد قرأ الجمهور يردون بالياء التحتية. وقرأ ~~الحسن بالفوقية على الخطاب. وقد تقدم تفسير قوله (وما الله بغافل عما ~~يعملون) وكذلك تفسير (أولئك الذين اشتروا) وقوله (فلا ms0182 يخفف) إخبار من الله ~~سبحانه بأن اليهود لا يزالون في عذاب موفر لازم لهم بالجزية والصغار والذلة ~~والمهانة، فلا يخفف عنهم ذلك أبدا ما داموا، ولا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم، ~~ولا يثبت لهم نصر في أنفسهم على عدوهم. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإذ ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل) قال يؤنبهم أي ميثاقكم. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في قوله (وقولوا للناس حسنى) قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ~~وروى البيهقي في الشعب عن علي في قوله (وقولوا للناس حسنى) قال: يعني الناس ~~كلهم، ومثله روى عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس PageV01P109 # في قوله (ثم توليتم) قال: أي تركتم ذلك كله. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: ~~معناه أعرضتم عن طاعتي إلا قليلا منكم وهم الذين اخترتهم لطاعتي. وأخرج ابن ~~جرير عن أبي العالية في قوله (لا تسفكون دماءكم) لا يقتل بعضكم بعضا (ولا ~~تخرجون أنفسكم من دياركم) لا يخرج بعضكم بعضا من الديار (ثم أقررتم) بهذا ~~الميثاق (وأنتم تشهدون) وأنتم شهود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (ثم أقررتم) أن هذا حق من ميثاقي عليكم (ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم) أي أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم (وتخرجون فريقا منكم من ~~ديارهم) قال: تخرجونهم من ديارهم معهم (تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) ~~فكانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت معهم بنو قينقاع مع الخزرج ~~والنضير وقريظة مع الأوس وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى ~~يسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقا لما في ~~التوراة (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم) وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم (وهو ~~محرم عليكم) في كتابكم لإخراجهم (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) ~~أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفرا بذلك. وأخرج ابن جرير عن قتادة في ~~قوله (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) قال: استحبوا ms0183 قليل الدنيا ~~على كثير الآخرة. # الكتاب: التوراة، والتقفية: الإتباع والإرداف، مأخوذة من القفا وهو مؤخر ~~العنق، تقول: استقفيته: # إذا جئت من خلفه، ومنه سميت قافية الشعر لأنها تتلو سائر الكلام. والمراد ~~أن الله سبحانه أرسل على أثره رسلا جعلهم تابعين له وهم أنبياء بني إسرائيل ~~المبعوثون من بعده. و (البينات) الأدلة التي ذكرها الله في آل عمران ~~والمائدة. والتأييد: التقوية. وقرأ مجاهد وابن محيصن (آيدناه) بالمد وهما ~~لغتان. وروح القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة: أي الروح المقدسة. والقدس: ~~الطهارة، والمقدس: المطهر - وقيل هو جبريل أيد الله به عيسى، ومنه قول ~~حسان: # وجبريل أمين الله فينا * وروح القدس ليس به خفاء قال النحاس: وسمى جبريل ~~روحا وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة - وقيل القدس ~~هو الله عز وجل، وروحه جبريل وقيل المراد بروح القدس: الاسم الذي كان عيسى ~~يحيى به الموتى، وقيل المراد به الإنجيل، وقيل المراد به الروح المنفوخ ~~فيه، أيده الله به لما فيه من القوة. وقوله (بمالا تهوى أنفسكم) أي بما لا ~~يوافقها ويلائمها، وأصل الهوى: الميل إلى الشئ. قال الجوهري: وسمى الهوى ~~هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وبخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون ~~بهمزة التوبيخ فقال (أفكلما جاءكم رسول) منكم (بمالا) يوافق ما تهوونه ~~استكبرتم عن إجابته احتقارا للرسل واستبعادا للرسالة، والفاء في قوله " ~~أفكلما " للعطف على مقدر أي آتيناكم يا بني إسرائيل من الأنبياء ما آتيناكم ~~أفكلما جاءكم رسول. وفريقا منصوب بالفعل الذي بعده والفاء PageV01P110 # للتفصيل، ومن الفريق المكذبين عيسى ومحمد، ومن الفريق المقتولين يحيى ~~وزكريا. والغلف جمع أغلف، المراد به هنا: الذي عليه غشاوة تمنع من وصول ~~الكلام إليه، ومنه غلفت السيف: أي جعلت له غلافا. قال في الكشاف: هو مستعار ~~من الأغلف الذي لم يختن كقوله - قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه - وقيل إن ~~الغلف جمع غلاف مثل حمار وحمر: أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم ~~عنك، وقد وعينا علما كثيرا، فرد الله عليهم ما ms0184 قالوه فقال (بل لعنهم الله ~~بكفرهم) وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد، ومنه قول الشماخ: # ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين أي كالرجل المطرود. ~~والمعنى: أبعدهم الله من رحمته، و (قليلا) نعت لمصدر محذوف: أي إيمانا ~~قليلا (ما يؤمنون) و " ما " زائدة، وصف إيمانهم بالقلة لأنهم الذين قص الله ~~علينا من عنادهم وعجرفتهم وشدة لجاجهم، وبعدهم عن إجابة الرسل ما قصه، ومن ~~جملة ذلك أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. وقال معمر: المعنى لا ~~يؤمنون إلا قليلا مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، وعلى هذا يكون قليلا ~~منصوبا بنزع الخافض. وقال الواقدي معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا. قال ~~الكسائي: تقول العرب مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل أي لا تنبت شيئا. # وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس في قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني ~~به التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة (وقفينا من بعده بالرسل) يعني رسولا ~~يدعى أشمويل بن بابل، ورسولا يدعى منشابيل، ورسولا يدعى شعياء، ورسولا يدعى ~~حزقيل، ورسولا يدعى أرمياء وهو الخضر، ورسولا يدعى داود وهو أبو سليمان ~~ورسولا يدعى المسيح عيسى بن مريم، فهؤلاء الرسل ابتعثهم الله وانتخبهم من ~~الأمة بعد موسى فأخذنا عليهم ميثاقا غليظا أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وصفة أمته. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (وآتينا عيسى ابن مريم البينات) قال: هي الآيات التي وضع على ~~يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير، وإبراء الأسقام. والخبر ~~بكثير من الغيوب، وما ورد عليهم من التوراة والإنجيل الذي أحدث الله إليه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (وأيدناه) قال: قويناه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: روح من القدس الاسم الذي كان عيسى يحيي ~~بن الموتى. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القدس: # الله تعالى. وأخرج عن الربيع بن أنس مثله. وأخرج عن ابن عباس قال: القدس ~~الطهر. وأخرج عن ms0185 السدي قال: القدس البركة. وأخرج عن إسماعيل بن أبي خالد أن ~~روح القدس جبريل. وأخرج عن ابن مسعود مثله وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ~~جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: روح القدس جبريل. وقد ثبت في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " اللهم أيد حسان بروح القدس ~~" وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير في قوله (فريقا) قال: طائفة. وأخرج ~~عن ابن عباس قال: إنما سمي القلب لتقلبه. وأخرج الطبراني في الأوسط عنه أنه ~~كان يقرأ (قلوبنا غلف) مثقلة: أي كيف نتعلم وقلوبنا غلف للحكمة: أي أوعية ~~للحكمة. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (وقالوا قلوبنا غلف) مملوءة ~~علما لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله (قلوبنا غلف) قال: في غطاء. وروى ابن إسحاق وابن جرير عنه ~~أنه قال: في أكنة. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: هي القلوب المطبوع عليها. ~~وأخرج وكيع عن عكرمة وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~عن قتادة قال: هي التي لا تفقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ~~كتاب الإخلاص وابن جرير عن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلف فذلك ~~PageV01P111 # قلب الكافر، وقلب مصفح فذلك قلب المنافق وقلب أجرد فيه مثل السراج فذلك ~~قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ~~ومثل المنافق كمثل قرحة يمدها القيح والدم. وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي ~~سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " القلوب أربعة: قلب أجرد ~~فيه مثل السراج يزهى، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. ~~فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب ~~الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح ~~فقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ~~ومثل النفاق فيه ms0186 كمثل القرحة يمدها القيح، فأي المادتين غلبت على الأخرى ~~غلبت عليه ". وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي مثله سواء موقوفا. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله (فقيلا ما يؤمنون) قال: لا يؤمن ~~منهم إلا قليل. # (ولما جاءهم) يعني اليهود (كتاب) يعني القرآن، و (مصدق) وصف له، وهو في ~~مصحف أبي منصور ونصبه على الحال وإن كان صاحبها نكرة فقد تخصصت بوصفها ~~بقوله (من عند الله) وتصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل أنه يخبرهم بما ~~فيهما ويصدقه ولا يخالفه. والاستفتاح الاستنصار: أي كانوا من قبل يطلبون من ~~الله النصر على أعدائهم بالنبي المنعوت في آخر الزمان الذي يجدون صفته ~~عندهم في التوراة، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح: أي يخبرونهم بأنه سيبعث ~~ويعرفونهم بذلك، وجواب " لما " في قوله (ولما جاءهم كتاب) قيل هو قوله ~~(فلما جاءهم ما عرفوا) وما بعده، وقيل هو محذوف: أي كذبوا أو نحوه، كذا قال ~~الأخفش والزجاج. وقال المبرد: إن جواب " لما " الأولى هو قوله (كفروا) ~~وأعيدت " لما " الثانية لطول الكلام، واللام في الكافرين للجنس. ويجوز أن ~~تكون للعهد ويكون هذا من وضع الظاهر موضع المضمر، والأول أظهرو " ما " في ~~قوله (بئسما) موصولة أو موصوفة: أي الشئ أو شيئا (اشتروا به أنفسهم) قاله ~~سيبويه. وقال الأخفش " ما " في موضع نصب على التمييز كقولك: بئس رجلا زيد. ~~وقال الفراء: بئسما بجملته شئ واحد ركب كحبذا. # وقال الكسائي " ما " و " اشتروا " بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير: ~~بئس اشتراؤهم أن يكفروا. وقوله (أن يكفروا) في موضع رفع على الابتداء عند ~~سيبويه وخبره ما قبله. وقال الفراء والكسائي: إن شئت كان PageV01P112 # في موضع خفض بدلا من الهاء في به: أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا. وقال في ~~الكشاف: إن " ما " نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، بمعنى شيئا اشتروا به ~~أنفسهم، والمخصوص بالذم أن يكفروا، واشتروا بمعنى باعوا. وقوله (بغيا) أي ~~حسدا. قال الأصمعي: البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح: إذا فسد، وقيل أصله ~~الطلب ولذلك سميت الزانية ms0187 بغيا. وهو علة لقوله (اشتروا) وقوله (أن ينزل) ~~علة لقوله (بغيا) أي لأن ينزل. والمعنى: أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن ~~البخس حسدا ومنافسة (أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده) وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن " أن ينزل " بالتخفيف. (فباءوا) أي رجعوا ~~وصاروا أحقاء (بغضب على غضب) وقد تقدم معنى باءوا ومعنى الغضب، قيل الغضب، ~~الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد، وقيل كفرهم بعيسى ثم كفرهم ~~بمحمد، وقيل كفرهم بمحمد ثم البغي عليه، وقيل غير ذلك. والمهين مأخوذ من ~~الهوان، قيل وهو ما اقتضى الخلود في النار. وقوله (بما أنزل الله) هو ~~القرآن، وقيل كل كتاب: أي صدقوا بالقرآن أو صدقوا بما أنزل الله من الكتب ~~(قالوا نؤمن) أي نصدق (بما أنزل علينا) أي التوراة. وقوله (ويكفرون بما ~~وراءه) قال الفراء: بما سواه. وقال أبو عبيدة: بما بعده. قال الجوهري: # وراء بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى قدام وهي من الأضداد. ومنه قوله تعالى - ~~وكان وراءهم ملك - أي قدامهم، وهذه الجملة أعني ويكفرون في محل النصب على ~~الحال: أي قالوا نؤمن بما أنزل علينا حال كونهم كافرين بما وراءه مع كون ~~هذا الذي هو وراء ما يؤمنون به هو الحق. وقوله (مصدقا) حال مؤكدة وهذه ~~أحوال متداخلة أعني قوله (ويكفرون) وقوله (وهو الحق) وقوله (مصدقا) ثم ~~اعترض الله سبحانه عليهم لما قالوا نؤمن بما أنزل علينا بهذه الجملة ~~المشتملة على الاستفهام المفيد للتوبيخ: أي إن كنتم تؤمنون بما أنزل عليكم ~~فكيف تقتلون الأنبياء وقد نهيتم عن قتلهم فيما أنزل عليكم؟ وهذا الخطاب وإن ~~كان مع الحاضرين من اليهود فالمراد به أسلافهم، ولكنهم لما كانوا يرضون ~~بأفعال سلفهم كانوا مثلهم. واللام في قوله (ولقد) جواب لقسم مقدر. والبينات ~~يجوز أن يراد بها التوراة أو التسع الآيات المشار إليها بقوله تعالى (ولقد ~~آتينا موسى تسع آيات بينات) ويجوز أن يراد الجميع ثم عبدتم العجل بعد النظر ~~في تلك البينات حال كونكم ظالمين بهذه العبادة الصادرة منكم عنادا بعد ms0188 قيام ~~الحجة عليكم. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (ولما جاءهم كتاب من ~~عند الله مصدق) قال: هو القرآن (مصدق لما معهم) من التوراة والإنجيل. وأخرج ~~ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من ~~طريق عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري قال: حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن ~~أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا، لأن معنا ~~يهود وكانوا أهل كتاب وكنا أصحاب وثن، وكانوا إذا بلغهم منا ما يكرهون ~~قالوا: إن نبيا ليبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، ~~فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتبعناه وكفروا به ففينا والله ~~وفيهم أنزل الله (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) وأخرج البيهقي ~~في الدلائل عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: كانت العرب تمر ~~باليهود فيؤذونهم وكانوا يجدون محمدا في التوراة فيسألون الله أن يبعثه ~~نبيا فيقاتلون معه العرب، فلما جاء محمد كفروا به حين لم يكن من بني ~~إسرائيل. وقد روى نحو هذا عن ابن عباس من غير وجه بألفاظ مختلفة ومعانيها ~~متقاربة. وروى عن غيره من السلف نحو ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~قتادة في قوله (بئسما PageV01P113 # اشتروا به أنفسهم) قال: هم اليهود كفروا بما أنزل الله وبمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم بغيا وحسدا للعرب (فباءوا بغضب على غضب) قال: غضب الله ~~عليهم مرتين بكفرهم بالإنجيل وبعيسى وبكفرهم بالقرآن وبمحمد. # وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بغيا أن ~~ينزل الله) أي ان الله جعله من غيرهم (فباءوا بغضب) بكفرهم بهذا النبي (على ~~غضب) كان عليهم بما صنعوه من التوراة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة نحوه. وأخرج ~~أيضا عن مجاهد معناه. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله (ويكفرون بما ~~وراءه) قال: بما بعده. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: بما ms0189 وراءه: أي القرآن. # قد تقدم تفسير أخذ الميثاق ورفع الطور. والأمر بالسماع معناه الطاعة ~~والقبول، وليس المراد مجرد الإدراك بحاسة السمع، ومنه قولهم " سمع الله لمن ~~حمده " أي قبل وأجاب، ومنه قول الشاعر: # دعوت الله حتى خفت أن لا * يكون الله يسمع ما أقول أي يقبل، وقولهم في ~~الجواب (سمعنا) هو علي بابه وفي معناه: أي سمعنا قولك بحاسة السمع وعصيناك: ~~أي لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن يكونوا أرادوا بقولهم " سمعنا " ما هو ~~معهود من تلاعبهم أبي واستعمالهم المغالطة في مخاطبة أنبيائهم وذلك بأن ~~يحملوا قوله تعالى (اسمعوا) على معناه الحقيقي أي السماع بالحاسة. ثم ~~أجابوا بقولهم (سمعنا) أي أدركنا ذلك بأسماعنا عملا بموجب ما تأمر به، ~~ولكنهم لما كانوا يعلمون أن هذا غير مراد الله عز وجل بل مراده بالأمر ~~بالسماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ~~ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا (وعصينا)، وفي قوله (وأشربوا) تشبيه بليغ: ~~أي جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، ومثله قول زهير: فصحوت ~~عنها بعد حب داخل * والحب يشربه فؤادك دائما وإنما عبر عن حب العجل بالشرب ~~دون الأكل، لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها والطعام ~~يجاوزها ولا يتغلغل فيها، والباء في قوله (بكفرهم) سببية: أي كان ذلك بسبب ~~كفرهم عقوبة لهم وخذلانا. وقوله (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) أي إيمانكم ~~الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بما وراءه فإن هذا الصنع ~~وهو قولكم (سمعنا وعصينا) في جواب ما أمرتم به في كتابكم وأخذ عليكم ~~الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاف ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من ~~عبادة العجل ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل ~~PageV01P114 # على أنكم كاذبون في قولكم (نؤمن بما أنزل علينا) لا صادقون، فإن زعمتم أن ~~كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا فبئسما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي ~~هذا من التهكم بهم ما لا يخفى. وقوله (قل ms0190 إن كانت لكم الدار الآخرة) هو رد ~~عليهم لما ادعوا أنهم يدخلون الجنة ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام ~~لهم بما يتبين به أنهم كاذبون في تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن ~~برهان، و (خالصة) منصوب على الحال ويكون خبر كان هو عند الله أو يكون خبر ~~كان هو خالصة، ومعنى الخلوص أنه لا يشاركهم فيها غيرهم إذا كانت اللام في ~~قوله (من دون الناس) للجنس أو لا يشاركهم فيها المسلمون إن كانت اللام ~~للعهد. وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى) وإنما أمرهم بتمني الموت لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان ~~الموت أحب إليه من الحياة، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا، ولهذا قال ~~سبحانه (ولن يتمنوه أبدا) و " ما " في قوله (بما قدمت أيديهم) موصولة ~~والعائد محذوف: أي بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب ~~بل غير طامع في دخول الجنة، فضلا عن كونه قاطعا بها فضلا عن كونها خالصة له ~~مختصة به - وقيل إن الله سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم. والمراد بالتمني هنا: هو التلفظ بما يدل عليه، لا ~~مجرد خطوره بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة ~~ومواطن الخصومة ومواقف التحدي، وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف والتجرئ ~~على الله وعلى أنبيائه بالدعاوي الباطلة في غير موطن ما قد حكاه عنهم ~~التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ~~ذلك التمني نزل بهم الموت، إما لأمر قد علموه، أو للصرفة من الله عز وجل. ~~وقد يقال: ثبت النهي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني الموت فكيف ~~أمره الله أن يأمرهم بما هو منهي عنه في شريعته. ويجاب بأن المراد هنا ~~إلزامهم الحجة، وإقامة البرهان ms0191 على بطلان دعواهم. # وقوله (والله عليم بالظالمين) تهديد لهم وتسجيل عليهم بأنهم كذلك. واللام ~~في قوله (ولتجدنهم) جواب قسم محذوف، وتنكير حياة للتحقير: أي أنهم أحرص ~~الناس على أحقر حياة وأقل لبث في الدنيا، فكيف بحياة كثيرة ولبث متطاول؟ ~~وقال في الكشاف: إنه أراد بالتنكير حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ~~وتبعه في ذلك الرازي في تفسيره. وقوله (ومن الذين أشركوا) قيل هو كلام ~~مستأنف، والتقدير: ومن الذين أشركوا ناس (يود أحدهم) وقيل إنه معطوف على ~~الناس: أي أحرص الناس وأحرص من الذين أشركوا، وعلى هذا يكون قوله " يود ~~أحدهم " راجعا إلى اليهود بيانا لزيادة حرصهم على الحياة، ووجه ذكر الذين ~~أشركوا بعد ذكر الناس مع كونهم داخلين فيهم الدلالة على مزيد حرص المشركين ~~من العرب ومن شابههم من غيرهم. فمن كان أحرص منهم وهم اليهود كان بالغا في ~~الحرص إلى غاية لا يقادر قدرها. وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل ~~على حرص المشركين، لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة، بخلاف ~~المشركين من العرب ونحوهم فإنهم لا يقرون بذلك، وكان حرصهم على الحياة دون ~~حرص اليهود. والأول وإن كان فيه خروج من الكلام في اليهود إلى غيرهم من ~~مشركي العرب لكنه أرجح لعدم استلزامه للتكليف، ولا ضير في استطراد ذكر حرص ~~المشركين بعد ذكر حرص اليهود. وقال الرازي: إن الثاني أرجح ليكون ذلك أبلغ ~~في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا ~~انتهى ويجاب عنه بأن هذا الذي جعله مرجحا قد أفاده قوله تعالى (ولتجدنهم ~~أحرص الناس) ولا يستلزم استئناف الكلام في المشركين أن لا يكونوا من جملة ~~الناس، وخص الألف بالذكر لأن العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة. وأصل ~~سنة سنهة وقيل سنوة. واختلف في الضمير في قوله (وما PageV01P115 # هو بمزحزحه) فقيل هو راجع إلى أحدهم، والتقدير: وما أحدهم بمزحزحه من ~~العذاب أن يعمر، وعلى هذا يكون قوله (أن يعمر) فاعلا لمزحزحه، وقيل هو لما ~~دل عليه يعمر ms0192 من مصدره: أي وما التعمير بمزحزحه، ويكون قوله " أن يعمر " ~~بدلا منه. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: هو عماد، وقيل هو ضمير الشأن، ~~وقيل " ما " هي الحجازية والضمير اسمها وما بعده خبرها والأول أرجح، وكذلك ~~الثاني والثالث ضعيف جدا لأن العماد لا يكون إلا بين شيئين، ولهذا يسمونه ~~ضمير الفصل، والرابع فيه أن ضمير الشأن يفسر بجملة سالمة عن حرف جر كما ~~حكاه ابن عطية عن النحاة. والزحزحة: التنحية، يقال زحزحته فتزحزح: أي نحيته ~~فتنحى وتباعد، ومنه قول ذي الرمة: # يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا * وغافر الذنب زحزحني عن النار والبصير: ~~العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم: فلان بصير بكذا: أي خبير به، ومنه ~~قول الشاعر: # فإن تسألوني بالنساء فإنني * بصير بأدواء النساء طبيب وقد أخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله (وأشربوا في قلوبهم العجل) قال: أشربوا ~~حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية أن اليهود لما ~~قالوا (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) الآية، نزل قوله تعالى (قل ~~إن كانت لكم الدار الآخرة) الآية. وأخرج ابن جرير مثله عن قتادة. # وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن قوله (خالصة من دون الناس) يعني ~~المؤمنين (فتمنوا الموت) فقال لهم رسول الله: " إن كنتم في مقالتكم صادقين ~~فقولوا: اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه ~~فمات مكانه ". وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (فتمنوا الموت) أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو ~~تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن المنذر وأبو نعيم عنه قال: " لو تمنى اليهود الموت لماتوا. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج البخاري وغيره من حديثه مرفوعا: " ~~لو أن اليهود تمنوا لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار ". وأخرج ابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عنه في قوله ms0193 (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) قال: # اليهود (ومن الذين أشركوا) قال: وذلك أن المشركين لا يرجون بعثا بعد ~~الموت فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله من الخزي بما ضيع ما ~~عنده من العلم (وما هو بمزحزحه) قال: بمنحيه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم عنه في قوله (يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة) قال: هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم " ذه هزار سال " يعني عش ألف سنة. # هذه الآية قد أجمع المفسرون على أنها نزلت في اليهود. قال ابن جرير ~~الطبري: وأجمع أهل التأويل جميعا أن هذه الآية نزلت جوابا على اليهود إذ ~~زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم. ثم اختلفوا ما كان سبب قولهم ~~ذلك؟ فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه PageV01P116 # وآله وسلم من أمر نبوته، ثم ذكر روايات في ذلك ستأتي آخر البحث إن شاء ~~الله. والضمير في قوله (فإنه) يحتمل وجهين: الأول أن يكون لله ويكون الضمير ~~في قوله (نزله) لجبريل: أي فإن الله سبحانه نزل جبريل على قلبك، وفيه ضعف ~~كما يفيده قوله (مصدقا لما بين يديه). الثاني أنه لجبريل، والضمير في " ~~نزله " للقرآن: أي فإن جبريل نزل القرآن على قلبك، وخص القلب بالذكر لأنه ~~موضع العقل والعلم. وقوله (بإذن الله) أي بعلمه وإرادته وتيسيره وتسهيله، و ~~(ما بين يديه) هو التوراة كما سلف أو جميع الكتب المنزلة وفي هذا دليل على ~~شرف جبريل وارتفاع منزلته، وأنه لا وجد لمعاداة اليهود له حيث كان منه ما ~~ذكر من تنزيل الكتاب على قلبك، أو من تنزيل الله له على قلبك، وهذا هو وجه ~~الربط بين الشرط والجواب، أي من كان معاديا لجبريل منهم فلا وجه لمعاداته ~~له، فإنه لم يصدر منه إلا ما يوجب المحبة دون العداوة، أو من كان معاديا ~~له، فإن سبب معاداته أنه وقع منه ما يكرهونه من التنزيل، وليس ms0194 ذلك بذنب له ~~وإن نزهوه، فإن هذه الكراهة منهم له بهذا السبب ظلم وعدوان، لأن هذا الكتاب ~~الذي نزل به هو مصدق لكتابهم وهدى وبشرى للمؤمنين، ثم أتبع سبحانه هذا ~~الكلام بجملة مشتملة على شرط وجزاء يتضمن الذم لمن عادى جبريل بذلك السبب ~~والوعيد الشديد له فقال (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل ~~فإن الله عدو للكافرين) والعداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله والبغض ~~لأوليائه، والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه ~~والمغفرة له - خص جبريل وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف ~~لهما والدلالة على فضلهما، وأنهما وإن كانا من الملائكة فقد صارا باعتبار ~~ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة تنزيلا للتغاير ~~الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف وقرره علماء البيان. وفي ~~جبريل عشر لغات ذكرها ابن جرير الطبري وغيره، وقد قدمنا الإشارة إلى ذلك، ~~وفي ميكائيل ست لغات، وهما اسمان عجميان، والعرب إذا نطقت بالعجمي تساهلت ~~فيه. وحكى الزمخشري عن ابن جني أنه قال: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. ~~وقوله (للكافرين) من وضع الظاهر موضع المضمر: أي فإن الله عدو لهم لقصد ~~الدلالة على أن هذه العداوة موجبة لكفر من وقعت منه. وقد أخرج أحمد وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس ~~قال: # " حضرت عصابة من اليهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا أبا ~~القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، قال: سلوني عما شئتم، ~~فسألوه وأجابهم، ثم قالوا: فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو ~~نفارقك، فقال: وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه، قالوا: ~~فعندها نفارقك لو كان وليك سواه من الملائكة لاتبعناك وصدقناك، قال: فما ~~يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: هذا عدونا، فعند ذلك أنزل الله الآية ". وأخرج ~~نحو ذلك ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي عن عمر ms0195 ~~بن الخطاب في قصة جرت له معهم وإسنادها صحيح ولكن الشعبي لم يدرك عمر، وقد ~~رواها عكرمة وقتادة والسدي وعبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عمر. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وغيرهم عن أنس قال " سمع عبد ~~الله بن سلام بمقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أرض يخترف، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ~~ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو ~~إلى أمه؟ فقال: أخبرني بهن جبريل آنفا، فقال جبريل؟ قال نعم، قال: ذاك عدو ~~اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية (من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك) قال: أما أول أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى ~~المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما ما ينزع الولد ~~إلى أبيه PageV01P117 # أو أمه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد، وإذا سبق ماء ~~المرأة ماء الرجل نزع إليها، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ~~" وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فإنه نزله على قلبك ~~بإذن الله) يقول: فإن جبريل نزل القرآن بأمر الله يشدد به فؤادك ويربط به ~~على قلبك (مصدقا لما بين يديه) يقول لما قبله من الكتب التي أنزلها والآيات ~~والرسل الذين بعثهم الله. وقد ذكر السيوطي في هذا الموضع من تفسيره " الدر ~~المنثور " أحاديث كثيرة واردة في جبريل وميكائيل وليست مما يتعلق بالتفسير ~~حتى نذكرها. # الضمير في قوله (إليك) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي أنزلنا إليك ~~علامات واضحات دالة على نبوتك. # وقوله (إلا الفاسقون) قد تقدم تفسيره، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين، ~~ويحتمل أن يراد اليهود لأن الكلام معهم، والواو في قوله (أو كلما) للعطف ~~دخلت عليها همزة الاستفهام كما تدخل على الفاء، ومن ذلك قوله تعالى - أفحكم ~~الجاهلية يبغون - أفأنت تسمع ms0196 الصم - أفتتخذونه وذريته - وكما تدخل على ثم، ~~ومن ذلك قوله تعالى - أثم إذا ما وقع - وهذا قول سيبويه. وقال الأخفش: " ~~الواو زائدة. وقال الكسائي: إنها أو حركت الواو تسهيلا. قال ابن عطية: وهذا ~~كله متكلف، والصحيح قول سيبويه والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: أكفروا ~~بالآيات البينات وكلما عاهدوا. قوله (نبذ فريق) قال ابن جرير: أصل النبذ ~~الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذا، ومنه سمي النبيذ وهو التمر ~~والزبيب إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود: # نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا وقال آخر: # إن الذين أمرتهم أن يعدلوا * نبذوا كتابك واستحل المحرم PageV01P118 # وقوله (وراء ظهورهم) أي خلف ظهورهم، وهو مثل يضرب لمن يستخف بالشيء فلا ~~يعمل به تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك ودبر أذنك وتحت قدمك: أي اتركه ~~وأعرض عنه، ومنه ما أنشده الفراء: # تميم بن زيد لا تكونن حاجتي * بظهر فلا يعبي علي جوابها وقوله (كتاب ~~الله) أي التوراة لأنهم لما كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما ~~أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به وتصديقه واتباعه ~~وبين لهم صفته، كان ذلك منهم نبذا للتوراة ونقضا لها ورفضا لما فيها، ويجوز ~~أن يراد بالكتاب هنا القرآن: أي لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ~~من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، وهذا أظهر من الوجه ~~الأول. وقوله (كأنهم لا يعلمون) تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئا مع كونهم ~~يعلمون علما يقينا من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي ولكنهم، ~~لما لم يعملوا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ~~ظهورهم كانوا بمنزلة من لا يعلم. قوله (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) معطوف ~~على قوله: " نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر ونحوه، ~~قال الطبري: اتبعوا بمعنى فعلوا. ومعنى " تتلوا " تتقوله وتقرءوه أحمد و ~~(على ملك سليمان) على عهد ملك سليمان، قاله الزجاج، وقيل المعنى في ملك ~~سليمان: يعني ms0197 في قصصه وصفاته وأخباره. قال الفراء: تصلح " على " وفي " في " ~~هذا الموضع، والأول أظهر. وقد كانوا يظنون أن هذا هو علم سليمان وأنه ~~يستجيزه ويقول به، فرد الله ذلك عليهم وقال (وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا) ولم يتقدم أن أحدا نسب سليمان إلى الكفر، ولكن لما نسبته اليهود إلى ~~السحر صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر لأن السحر يوجب ذلك، ولهذا أثبت الله ~~سبحانه كفر الشياطين فقال (ولكن الشياطين كفروا) أي بتعليمهم. وقوله ~~(يعلمون الناس السحر) في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على ~~أنه خبر بعد خبر. وقرأ ابن عامر والكوفيون سوى عاصم " ولكن الشياطين " ~~بتخفيف لكن ورفع الشياطين، والباقون بالتشديد والنصب. والسحر: هو ما يفعله ~~الساحر من الحيل والتخييلات التي تحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر ~~الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة ~~أو الدابة من أن الجبال تسير، وهو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته، وقيل أصله ~~الخفاء، فإن الساحر يفعله خفية، وقيل أصله الصرف لأن السحر مصروف عن جهته، ~~وقيل أصله الاستمالة لأن من سحرك فقد استمالك. وقال الجوهري: السحر الأخذة، ~~وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر. وقد سحره يسحره سحرا، والساحر: العالم، ~~وسحره أيضا بمعنى خدعه. وقد اختلف هل له حقيقة أم لا؟ فذهبت المعتزلة وأبو ~~حنيفة إلى أنه خدع لا أصل له ولا حقيقة. وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة ~~مؤثرة. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحر، سحره لبيد ابن الأعصم ~~اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشئ ولم يكن قد أتاه ثم شفاه الله ~~سبحانه، والكلام في ذلك يطول. وقوله (وما أنزل على الملكين) أي ويعلمون ~~الناس ما أنزل على الملكين فهو معطوف على السحر، وقيل هو معطوف على قوله " ~~ما تتلو الشياطين " أي واتبعوا ما أنزل على الملكين، وقيل إن " ما " في ~~قوله (وما أنزل على الملكين) نافية، والواو عاطفة على قوله " وما ms0198 كفر ~~سليمان " وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على ~~الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فهاروت ~~وماروت بدل من الشياطين في قوله " ولكن الشياطين كفروا " ذكر هذا ابن جرير ~~وقال: فإن قال لنا قائل: # وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين ~~على ملك سليمان وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيا PageV01P119 # بالملكين جبريل وميكائيل، لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله ~~أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك ~~وأخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ ~~سليمان مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم ~~الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان أحدهما هاروت والآخر ماروت ~~فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس وردا عليهم انتهى. وقال ~~القرطبي في تفسيره بعد أن حكى معنى هذا الكلام ورجح أن هاروت وماروت بدل من ~~الشياطين ما لفظه: هذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت ~~إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم، وأكثر ~~ما يتعاظاه من الإنس النساء وخاصة في حالة طمثهن، قال الله - ومن شر ~~النفاثات في العقد - ثم قال: إن قيل كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل ~~إنما يكون على حد المبدل؟ ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما ~~الجمع، أو أنهما خصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن ~~عباس والضحاك والحسن " الملكين " بكسر اللام، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل ~~مع بعده وظهور تكلفه تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى أرضه فتنة لعباده ~~على ألسن ملائكته. وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو الظاهر، ~~فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا ms0199 يقول ~~الملكان (إنما نحن فتنة) قال ابن جرير: وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ~~ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان وبابل قيل ~~هي العراق، وقيل نهاوند، وقيل نصيبين، وقيل المغرب. وهاروت وماروت اسمان ~~أعجميان لا ينصرفان. وقوله (وما يعلمان من أحد حتى يقولا) قال الزجاج: ~~تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه، قال: وهو الذي عليه أكثر أهل ~~اللغة والنظر، ومعناه: أنهما يعلمان على النهي فيقولان لهم لا تفعلوا كذا، ~~و " من " في قوله " من أحد " زائدة للتوكيد، وقد قيل إن قوله " يعلمان " من ~~الإعلام لا من التعلم، وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم كما حكاه ابن ~~الأنباري وابن الأعرابي، وهو كثير في أشعارهم كقول كعب بن مالك: # تعلم رسول الله أنك مدركي * وأن وعيدا منك كالأخذ باليد * وقال القطامي: # تعلم أن بعد الغي رشدا * وأن لذلك الغي انقشاعا وقوله (إنما نحن فتنة) هو ~~على ظاهره: أي إنما نحن ابتلاء واختبار من الله لعباده، وقيل إنه استهزاء ~~منهما لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله وفي قولهما (فلا تكفر) أبلغ ~~إنذار وأعظم تحذير: أي أن هذا ذنب يكون من فعله كافرا فلا تكفر، وفيه دليل ~~على أن تعلم السحر كفر وظاهره عدم الفرق بين المعتقد وغير المعتقد، وبين من ~~تعلمه ليكون ساحرا ومن تعلمه ليقدر على دفعه. وقوله (فيتعلمون) فيه ضمير ~~يرجع إلى قوله " من أحد " قال سيبويه: التقدير فهم يتعلمون، قال: ومثله - ~~كن فيكون - وقيل هو معطوف على موضع ما يعلمان، لأنه وإن كان منفيا فهو ~~يتضمن الإيجاب. وقال: الفراء: هي مردودة على قوله " يعلمون الناس السحر " ~~أي يعلمون الناس فيتعلمون وقوله (ما يفرقون به بين المرء وزوجه) في إسناد ~~التفريق إلى السحرة وجعل السحر سببا لذلك دليل على أن للسحر تأثيرا في ~~القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد. وقد ذهبت طائفة من ~~العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة، لأن ms0200 ~~الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر وبين ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان ~~يقدر على أكثر من ذلك لذكره. وقالت طائفة أخرى: إن ذلك خرج مخرج الأغلب، ~~وأن الساحر يقدر PageV01P120 # على غير ذلك المنصوص عليه، وقيل ليس للسحر تأثير في نفسه أصلا لقوله ~~تعالى (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) والحق أنه لا تنافى بين ~~قوله (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وبين قوله (وما هم ~~بضارين به من أحد (إلا بإذن الله) فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر ~~تأثيرا في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضررا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه. وقد ~~أجمع أهل العلم على أن له تأثيرا في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك ~~إلا المعتزلة وأبو حنيفة كما تقدم، وقوله (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) ~~فيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة بل هو ~~ضر محض وخسران بحت، واللام في قوله (ولقد) جواب قسم محذوف، وفي قوله (لمن ~~اشتراه) للتأكيد و " من " موصولة وهي في محل رفع على الابتداء، والخبر قوله ~~(ماله في الآخرة من خلاق) وقال الفراء إنها شرطية للمجازاة. وقال الزجاج: ~~ليس هذا بموضع شرط، ورجح أنها موصولة كما ذكرنا. والمراد بالشراء هنا ~~الاستبدال آي من استبدل ما تتلوا الشياطين على كتاب الله. والخلاق: النصيب ~~عند أهل اللغة، كذا قال الزجاج. والمراد بقوله (ما شروا به أنفسهم) أي ~~باعوها. وقد أثبت لهم العلم في قوله (ولقد علموا) ونفاه عنهم في قوله (لو ~~كانوا يعلمون) واختلفوا في توجيه ذلك فقال قطرب والأخفش: إن المراد بقوله ~~(ولقد علموا) الشياطين، والمراد بقوله (لو كانوا يعلمون) الإنس. وقال ~~الزجاج: إن الأول للملكين وإن كان بصيغة الجمع فهو مثل قولهم: # الزيدان قاموا. والثاني المراد به علماء اليهود، وإنما قال (لو كانوا ~~يعلمون) لأنهم تركوا العمل بعلمهم، وقوله (ولو أنهم آمنوا) أي بالنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وما جاء به من القرآن (واتقوا) ما ms0201 وقعوا فيه من السحر ~~والكفر، واللام في قوله (لمثوبة) جواب لو، والمثوبة: الثواب. وقال الأخفش: ~~إن الجواب محذوف والتقدير ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، فحذف لدلالة قوله ~~" لمثوبة " عليه وقوله (لو كانوا يعلمون) هو إما للدلالة على أنه لا علم ~~لهم، أو لتنزيل علمهم مع عدم العمل منزلة العدم. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس " قال ابن صوريا ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا محمد ما جئتنا بشئ يعرف، وما أنزل الله ~~عليك من آية بينة، فأنزل الله تعالى في ذلك (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ~~وما يكفر بها إلا الفاسقون) وقال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد إليهم في محمد: ~~والله ما عهد إلينا في محمد ولا أخذ علينا شيئا، فأنزل الله (أو كلما ~~عاهدوا) الآية. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (آيات بينات) يقول: فأنت تتلوه ~~عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ الكتاب، ~~وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، ففي ذلك عبرة لهم وحجة عليهم (لو ~~كانوا يعلمون). وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله (نبذه) قال: نقضه. وأخرج ~~أيضا عن السدي في قوله (مصدق لما معهم) قال: لما جاءهم محمد عارضوه ~~بالتوراة، واتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر ~~هاروت وماروت، كأنهم لا يعلمون بما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وتصديقه. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إن الشياطين كانوا يسترقون ~~السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب معها ألف كذبة، فأشربتها ~~قلوب الناس واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك سليمان بن داود، فأخذها ~~فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على ~~كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا: نعم، ms0202 فأخرجوه فإذا هو ~~سحر، فتناسختها الأمم. وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر فقال ~~PageV01P121 # (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) الآية. وأخرج النسائي وابن ~~أبي حاتم عنه قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب ~~كل شئ بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، ~~فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها، ~~فأكفره جهال الناس وسبوه ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل ~~الله على محمد (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) الآية وأخرج ابن جرير عنه قال: ~~كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من شأنه أعطى الجرادة وهي ~~امرأته خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى ~~الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، ~~فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس، فجاء سليمان فقال: # هاتي خاتمي، فقالت: كذبت لست سليمان، فعرف أنه بلاء ابتلي به، فانطلقت ~~الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي ~~سليمان، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس ~~بهذه الكتب، فبرئ الناس من سليمان وأكفروه حتى بعث الله محمدا وأنزل عليه ~~(وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) وأخرج ابن جرير عنه في قوله (وما ~~تتلوا) قال: ما تتبع. وأخرج أيضا عن عطاء في قوله (ما تتلوا) قال: نراه ما ~~تحدث. وأخرج أيضا عن ابن جريج في قوله (على ملك سليمان) يقول: في ملك ~~سليمان. وأخرج أيضا عن السدي في قوله (وما أنزل على الملكين) قال: هذا سحر ~~آخر خاصموه به، فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس فصنع وعمل به ~~كان سحرا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وما أنزل على الملكين) قال: لم ينزل الله السحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~علي قال: هما ملكان من ملائكة السماء. وأخرج نحوه ms0203 ابن مردويه من وجه آخر ~~عنه مرفوعا. وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس (وما أنزل ~~على الملكين) يعني جبريل وميكائيل (ببابل هاروت وماروت) يعلمان الناس ~~السحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن البزي أنه كان يقرؤها وما أنزل ~~على الملكين داود وسليمان. # وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: هما علجان من أهل بابل. وأخرج البيهقي ~~في شعب الإيمان من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " أشرفت الملائكة على الدنيا، فرأت بني آدم يعصون، فقالت يا رب ما ~~أجهل هؤلاء، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك، فقال الله: لو كنتم في محلاتهم ~~لعصيتموني، قالوا: # كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: فاختاروا منكم ملكين، ~~فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات بني آدم، ~~ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية، فقال الله: # اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما لصاحبه قال ما تقول؟ ~~قال: أقول إن عذاب الدنيا ينقطع وإن عذاب الآخرة لا ينقطع، فاختارا عذاب ~~الدنيا، فهما اللذان ذكر الله في كتابه (وما أنزل على الملكين) " الآية. # وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر أنه كان يقول: أطلعت الحمراء بعد فإذا ~~رآها قال لا مرحبا، ثم قال: إن ملكين من الملائكة هاروت وماروت سألا الله ~~أن يهبطهما إلى الأرض، فأهبطا إلى الأرض فكانا يقضيان بين الناس، فإذا ~~أمسيا تكلما بكلمات فعرجا بها إلى السماء، فقيض لهما امرأة من أحسن النساء ~~وألقيت عليهما الشهوة فجعلا يؤخرانها وألقيت في أنفسهما، فلم يزالا يفعلان ~~حتى وعدتهما ميعادا، فأتتهما للميعاد فقالت: علماني الكلمة التي تعرجان ~~بها، فعلماها الكلمة فتكلمت بها فعرجت إلى السماء فمسخت فجعلت كما ترون، ~~فلما أمسيا تكلما بالكلمة فلم يعرجا، فبعث إليهما: إن شئتما فعذاب الآخرة ~~وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة على أن PageV01P122 # تلقيا الله، فإن شاء عذبكما وإن شاء رحمكما، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: ~~بل نختار عذاب الدنيا ألف ms0204 ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة. وقد رويت ~~هذه القصة عن ابن عمر بألفاظ، وفي بعضها أنه يروي ذلك ابن عمر عن كعب ~~الأحبار، كما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب من طريق الثوري عن موسى بن عقبة عن ~~سالم عن ابن عمر عن كعب قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من ~~الذنوب، فقيل لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل ما يأتون، فاختاروا منكم اثنين، ~~فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلا فليس بيني ~~وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر، قال كعب: ~~فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استعملا جميع ما نهيا عنه. ~~قال ابن كثير: وهذا أصح، يعني من الإسنادين اللذين ذكرهما قبله. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب ~~قال: إن هذه الزهرة تسميها العرب الزهرة، والعجم أناهيد، وذكر نحو الرواية ~~السابقة عن ابن عمر عند الحاكم. قال ابن كثير: وهذا الإسناد رجاله ثقات وهو ~~غريب جدا. وقد أخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت ~~الزهرة امرأة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عنه: أن المرأة التي فتن بها ~~الملكان مسخت، فهي هذه الكوكبة الحمراء، يعني الزهرة. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه ~~فذكر قصة طويلة، وفيها التصريح بأن الملكين شربا الخمر وزنيا بالمرأة ~~وقتلاها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس هذه القصة وقالا: إنها ~~أنزلت إليهما الزهرة في صورة امرأة وأنهما وقعا في الخطيئة. وقد روى في هذا ~~الباب قصص طويلة وروايات مختلفة استوفاها السيوطي في الدر المنثور، وذكر ~~ابن كثير في تفسيره بعضها ثم قال: وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من ~~التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع ~~بن أنس ms0205 ومقاتل بن حيان وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين ~~والمتأخرين. وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها ~~حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن ~~الهوى وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن ~~بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال ~~انتهى. وقال القرطبي بعد سياق بعض ذلك: قلنا هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن ~~عمرو غيره لا يصح منه شئ، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم ~~أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون، ثم ذكر ما معناه: أن العقل يجوز وقوع ذلك منهم، لكن وقوع هذا ~~الجائز لا يدرى إلا بالسمع ولم يصح انتهى. وأقول هذا مجرد استبعاد. وقد ورد ~~الكتاب العزيز في هذا الموضع بما تراه، ولا وجه لإخراجه عن ظاهره بهذه ~~التكلفات، وما ذكره من أن الأصول تدفع ذلك، فعلى فرض وجود هذه الأصول فهي ~~مخصصة بما وقع في هذه القصة ولا وجه لمنع التخصيص، وقد كان إبليس يملك ~~المنزلة العظيمة وصار أشر البرية وأكفر العالمين. وأخرج ابن جرير عن قتادة ~~في قوله (إنما نحن فتنة) قال: بلاء. وأخرج البزار بإسناد صحيح والحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود قال: " من أتى كاهنا أو ساحرا وصدقه بما يقول فقد كفر ~~بما أنزل على محمد ". وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر ~~أو سحر له، ومن عقد عقدة، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل ~~على محمد ". وأخرج عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم PageV01P123 # " من تعلم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا كان آخر عهده من الله ". وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس في قوله (من خلاق) ms0206 قال: قوام. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~قال (من خلاق) من نصيب، وكذا روى ابن جري عن مجاهد. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن (ما له في الآخرة من خلاق) قال: ليس ~~له دين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (ولبئس ما شروا به) ~~قال: باعوا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله (لمثوبة) قال: ~~ثواب. # قوله (راعنا) أي راقبنا واحفظنا وصيغة المفاعلة تدل على أن معنى (راعنا) ~~أرعنا ونرعاك واحفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك، ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك: ~~أي فرغه لكلامنا، وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبا، قيل ~~إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت، وقيل غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم راعنا طلبا منه أن يراعيهم من ~~المراعاة اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو ~~معنى هذا اللفظ في لغتهم وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة ~~للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم سدا للذريعة ~~ودفعا للوسيلة وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه، ثم أمرهم الله بأن ~~يخاطبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما لا يحتمل النقص ولا يصلح ~~للتعريض فقال (وقولوا انظرنا) أي أقبل علينا وانظر إلينا، فهو من باب الحذف ~~والإيصال، كما قال الشاعر: # ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن * كما ينظر الأراك الظباء أي إلى الأراك، ~~وقيل معناه انتظرنا وتأن بنا، ومنه قول الشاعر: # فإنكما إن تنظراني ساعة * من الدهر تنفعني لدى أم جندب وقرأ الأعمش ~~(أنظرنا) بقطع الهمزة وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك، ومنه ~~قول الشاعر: # أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبرك اليقينا وقرأ الحسن (راعنا) ~~بالتنوين، وقال: الراعن من القول السخري منه انتهى. وأمرهم بعد هذا النهي ~~والأمر بأمر آخر وهو قوله (واسمعوا) أي اسمعوا ما أمرتم به ونهيتم ms0207 عنه، ~~ومعناه: أطيعوا الله في ترك خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك اللفظ ~~وخاطبوه بما أمرتم به، ويحتمل أن يكون معناه: اسمعوا ما يخاطبكم به الرسول ~~من الشرع حتى يحصل لكم المطلوب بدون طلب للمراعاة، ثم توعد اليهود بقوله ~~(وللكافرين عذاب أليم) ويحتمل أن يكون وعيدا شاملا لجنس الكفرة. قال ابن ~~جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم (راعنا) لأنها كلمة كرهها الله أن يقولوها لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: " لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة، ولا PageV01P124 # تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي " وما أشبه ذلك. وقوله (ما يود الذين كفروا ~~من أهل الكتاب) الآية، فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودون ~~إنزال الخير عليهم من الله سبحانه، ثم رد الله سبحانه ذلك عليهم فقال ~~(والله يختص برحمته من يشاء) الآية. وقوله (أن ينزل) ثم في محل نصب على ~~المفعولية، و " من " في قوله (من خير) زائدة، قاله النحاس، وفي الكشاف أن " ~~من " في قوله (من أهل الكتاب) بيانية، وفي قوله (من خير) مزيدة لاستغراق ~~الخير، وفي قوله (من ربكم) لابتداء الغاية، وقد قيل بأن الخير الوحي، وقيل ~~غير ذلك والظاهر أنهم لا يودون أن ينزل على المسلمين أي خير كان، فهو لا ~~يختص بنوع معين كما يفيده وقوع هذه النكرة في سياق النفي وتأكيد العموم ~~بدخول " من " المزيدة عليها، وإن كان بعض أنواع الخير أعظم من بعض فذلك لا ~~يوجب التخصيص. والرحمة قيل هي القرآن، وقيل النبوة، وقيل جنس الرحمة من غير ~~تعيين كما يفيد ذلك الإضافة إلى ضميره تعالى (والله ذو الفضل العظيم) أي ~~صاحب الفضل العظيم فكيف لا تودون أن يختص برحمته من يشاء من عباده. # وقد أخرج سعيد بن منصور في سننه وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو نعيم ~~في الحلية والبيهقي في الشعب عن ابن ms0208 مسعود: أن رجلا أتاه فقال: أعهد إلي ~~فقال: إذا سمعت الله يقول (يا أيها الذين آمنوا) فأوعها سمعك، فإنه خير ~~يأمر به أو شر ينهى عنه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال ~~(راعنا) بلسان اليهود: السب القبيح، وكان اليهود يقولون ذلك لرسول الله ~~سرا، فلما سمعوا أصحابه يقولون ذلك أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون ~~فيما بينهم، فأنزل الله الآية. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عنه أنه قال ~~المؤمنون بعد هذه الآية من سمعتموه يقولها فاضربوا عنقه، فانتهت اليهود بعد ~~ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال: كان رجلان من اليهود: مالك ~~بن الصيف ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالا له ~~وهما يكلمانه راعنا سمعك واسمع غير مسمع، فظن المسلمون أن هذا شئ كان أهل ~~الكتاب يعظمون به أنبيائهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: فأنزل ~~الله الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين ~~فقالوا: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله أن يقال له ذلك، وأمرهم أن يقولوا ~~(انظرنا) ليعززوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويوقروه. وأخرج عبد ~~ابن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن قتادة: أن اليهود كانت تقول ذلك استهزاء، ~~فكره الله للمؤمنين أن يقولوا كقولهم وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ~~الرحمة القرآن والإسلام. # النسخ في كلام العرب على وجهين: أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر، وعلى هذا ~~يكون القرآن كله منسوخا: أعني من اللوح المحفوظ، فلا مدخل لهذا المعنى في ~~هذه الآية، ومنه - إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون - أي نأمر بنسخه. الوجه ~~الثاني الإبطال والإزالة، وهو المقصود هنا. وهذا الوجه الثاني ينقسم إلى ~~قسمين عند أهل PageV01P125 # اللغة: أحدهما إبطال الشئ وزواله وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل ~~إذا أذهبته وحلت محله، وهو معنى قوله (ما ننسخ من آية) وفي ms0209 صحيح مسلم " لم ~~تكن نبوة قط إلا تناسخت " أي تحولت من حال إلى حال. والثاني إزالة الشئ دون ~~أن يقوم مقامه آخر كقولهم: نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى - فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان - أي يزيله. وروى عن أبي عبيد أن هذا قد كان يقع في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت تنزل عليه السورة فترفع فلا تتلى ~~ولا تكتب. ومنه ما روى عن أبي وعائشة أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة ~~البقرة في الطول. قال ابن فارس: النسخ نسخ الكتاب، والنسخ أن تزيل أمرا كان ~~من قبل يعمل به ثم تنسخه بحادث غيره، كالآية تنزل بأمر ثم تنسخ بأخرى، وكل ~~شئ خلف شيئا فقد انتسخه: يقال نسخت الشمس الظل، والشيب الشباب، وتناسخ ~~الورثة أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم، وكذا تناسخ الأزمنة ~~والقرون. # وقال ابن جرير (ما ننسخ) ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، ~~وذلك أن نحول الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور ~~مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة ~~فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو ~~نقله من نسخة أخرى، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى ~~غيره، وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتي حالتيها منسوخة انتهى. وقد ~~جعل علماء الأصول مباحث النسخ من جلمة مقاصد ذلك الفن فلا نطول بذكره، بل ~~نحيل من أراد الاستشفاء عليه. وقد اتفق أهل الإسلام على ثبوته سلفا وخلفا، ~~ولم يخالف في ذلك أحد إلا من لا يعتد بخلافه ولا يؤبه لقوله. وقد اشتهر عن ~~اليهود، أقماهم الله، إنكاره، وهم محجوجون بما في التوراة أن الله قال لنوح ~~عليه السلام عند خروجه من السفينة: إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، ~~وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه، ثم قد حرم على موسى ~~وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان. وثبت في ms0210 التوراة أن آدم كان يزوج الأخ ~~من الأخت. وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره. وثبت فيها أن ~~إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ابنه، ثم قال الله له لا تذبحه، وبأن موسى ~~أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم، ~~ونحو هذا كثير في التوراة الموجودة بأيديهم. وقوله (أو ننسها) قرأ أبو عمرو ~~وابن كثير بفتح النون والسين والهمز، وبه قرأ عمر وابن عباس وعطاء ومجاهد ~~وأبي بن كعب وعبيد بن عمير والنخعي وابن محيصن ومعنى هذه القراءة نؤخرها عن ~~النسخ من قولهم: نسأت هذا الأمر إذا أخرته. قال ابن فارس: ويقولون نسأ الله ~~في أجلك وأنسأ الله أجلك. وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا، ونسأتهم ~~أنا أخرتهم، وقيل معناه نؤخر نسخ لفظها: أي نتركه في أم الكتاب فلا يكون. ~~وقيل نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر. وقرأ الباقون (ننسها) بضم النون من ~~النسيان الذي بمعنى الترك: أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها، ومنه قوله ~~تعالى - نسوا الله فنسيهم - أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب. واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى الأزهري أن معناه نأمر بتركها يقال ~~أنسيته الشئ: أي أمرته بتركه، ونسيته تركته، ومنه قول الشاعر: # إن علي عقبة أقضيها * لست بناسيها ولا منسيها أي ولا آمر بتركها. وقال ~~الزجاج: إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك، لا يقال أنسى ~~بمعنى ترك، قال: أو ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (أو ننسها) قال: ~~نتركها لا نبدلها فلا يصح، والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى (أو ~~ننسها) نبح لكم تركها من نسي إذا ترك ثم تعديه. ومعنى (نأت بخير منها أو ~~مثلها) PageV01P126 # نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل، أو في أحدهما، أو بما هو ~~مماثل لها من غير زيادة، ومرجع ذلك إلى إعمال النظر في المنسوخ والناسخ، ~~فقد يكون الناسخ أخف فيكون أنفع لهم في العاجل، وقد يكون ms0211 أثقل وثوابه أكثر ~~فيكون أنفع لهم في الآجل، وقد يستويان فتحصل المماثلة. وقوله (ألم تعلم أن ~~الله على كل شئ قدير) يفيد أن النسخ من مقدوراته، وأن إنكاره إنكار للقدرة ~~الإلهية، وهكذا قوله (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) أي له ~~التصرف في السماوات والأرض بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر في جميع ~~مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم ~~بها وشرعها لهم. وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأشخاص وهذا صنع ~~من لا ولي لهم غيره ولا نصير سواه. فعليهم أن يتلقوه بالقبول والامتثال ~~والتعظيم والإجلال. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس ~~قال: كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوحي بالليل وينساه ~~بالنهار، فأنزل الله (ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها) ~~وفي إسناده الحجاج الجزري ينظر فيه. وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال " قرأ ~~رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانا ~~يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا ~~غاديين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنها مما نسخ أو نسي ~~فالهوا عنها " وفي إسناده سليمان ابن أرقم وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (ما ~~ننسخ من آية أو ننسأها) يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها (نأت ~~بخير منها أو مثلها) يقول: # خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال (ننسأها) ~~نؤخرها. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله (ما ننسخ من آية) قال: نثبت خطها ~~ونبدل حكمها (أو ننسأها) قال: نؤخرها. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ~~ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله (نأت بخير ms0212 منها أو مثلها) يقول فيها ~~تخفيف فيها رخصة فيها أمر فيها نهي. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر ~~وابن الأنباري في المصاحف وأبو ذر الهروي في فضائله عن أبي أمامة بن سهل بن ~~حنيف " أن رجلا كانت معه سورة، فقام من الليل فقام بها فلم يقدر عليها، ~~وقام آخر يقرأ بها فلم يقدر عليها، وقام آخر فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاجتمعوا عنده فأخبروه، فقال: إنها نسخت ~~البارحة " وقد روى نحوه عنه من وجه آخر. وقد ثبت في البخاري وغيره عن أنس ~~أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة " أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ~~ربنا فرضي عنا وأرضانا " ثم نسخ، وهكذا ثبت في مسلم وغيره عن أبي موسى قال: ~~كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني حفظت منها ~~" لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوفه إلا ~~التراب " وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات، أولها - سبح لله ما في ~~السماوات - فأنسيناها، غير أني حفظت منها " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ~~ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألوا عنها يوم القيامة " وقد روى ~~مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة، ومنه آية الرجم كما رواه عبد الرزاق ~~وأحمد وابن حبان عن عمر. PageV01P127 # (أم) هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل: أي بل تريدون، وفي هذا توبيخ ~~وتقريع، والكاف في قوله (كما سئل) في موضع نصب نعت لمصدر محذوف: أي سؤالا ~~مثل ما سئل موسى من قبل حيث سألوه أن يريهم الله جهرة، وسألوا محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يأتي بالله والملائكة قبيلا. وقوله (سواء) هو الوسط ~~من كل شئ قاله أبو عبيدة، ومنه قوله تعالى - في سواء الجحيم - ومنه قول ~~حسان يرثي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # يا ويح أصحاب النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد وقال الفراء: ~~السواء القصد: أي ذهب عن قصد الطريق وسمته: ms0213 أي طريق طاعة الله. وقوله تعالى ~~(ود كثير من أهل الكتاب) فيه إخبار المسلمين بحرص اليهود على فتنتهم وردهم ~~عن الإسلام والتشكيك عليهم في دينهم. # وقوله (لو يردونكم) في محل نصب على أنه مفعول للفعل المذكور. وقوله (من ~~عند أنفسهم) يحتمل أن يتعلق بقوله " ود " أي ودوا ذلك من عند أنفسهم، ~~ويحتمل أن يتعلق بقوله (حسدا) أي حسدا ناشئا من عند أنفسهم، وهو علة لقوله ~~" ود ". والعفو: ترك المؤاخذة بالذنب. والصفح: إزالة أثره من النفس، صفحت ~~عن فلان: # إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا: إذا أعرضت عنه، وفيه الترغيب في ~~ذلك والإرشاد إليه - وقد نسخ ذلك بالأمر بالقتال، قاله أبو عبيدة. وقوله ~~(حتى يأتي الله بأمره) هو غاية ما أمر الله سبحانه به من العفو والصفح: أي ~~افعلوا ذلك إلى أن يأتي إليكم الأمر من الله سبحانه في شأنهم بما يختاره ~~ويشاؤه، وما قد قضى به في سابق علمه، وهو قتل من قتل منهم، وإجلاء من أجلى، ~~وضرب الجزية على من ضربت عليه، وإسلام من أسلم. وقوله (وأقيموا الصلاة) حث ~~من الله سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بالمصلحة، من ~~إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن الله ~~لهم وينصرهم على المخالفين لهم. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: قال ~~رافع بن حريملة ووهب ابن زيد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا محمد ~~ائتنا بكتاب ينزل علينا من السماء نقرؤه أو فجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك، ~~فأنزل الله في ذلك (أم تريدون أن تسألوا رسولكم - إلى قوله - سواء السبيل) ~~وكان حيي بن أخطب من أشد اليهود حسدا للعرب إذ خصهم الله برسوله، وكانا ~~جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما (ود كثير من ~~أهل الكتاب) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ~~قال: سألت العرب محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم بالله ms0214 فيروه ~~جهرة. فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: ~~قال رجل: لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: " ما أعطاكم الله خير، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة ~~وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزايا في الدنيا، وإن ~~لم يكفرها كانت له خزايا في الآخرة. وقد أعطاكم الله خيرا من ذلك قال - ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه - الآية، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ~~كفارات لما بينهن، فأنزل الله PageV01P128 # (أم تريدون أن تسألوا رسولكم) الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألت قريش محمدا صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن ~~كفرتم، فأبوا ورجعوا، فأنزل الله (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى ~~من قبل) أن يريهم الله جهرة. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله (ومن ~~يتبدل الكفر بالإيمان) قال: يتبدل الشدة بالرخاء. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (فقد ضل سواء السبيل) قال: عدل عن ~~السبيل. وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ~~كعب بن مالك قال: كان اليهود والمشركون من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله بالصبر على ذلك والعفو ~~عنهم، وأنزل الله (ود كثير من أهل الكتاب) وفي الصحيحين وغيرهما عن أسامة ~~بن زيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يعفون عن ~~المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى - ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا - وقال ~~- ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل ~~الله به من قتل ms0215 من صناديد قريش. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله ~~(من عند أنفسهم) قال: من قبل أنفسهم (من بعد ما تبين لهم الحق) يقول: إن ~~محمدا رسول الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله ~~(فاعفوا واصفحوا) وقوله - وأعرض عن المشركين - ونحو هذا في العفو عن ~~المشركين قال: نسخ ذلك كله بقوله - قالوا الذين لا يؤمنون بالله - الآية، ~~وقوله - اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم -. وأخرج ابن جرير عن السدي نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (وما تقدموا لأنفسكم من خير) ~~يعني من الأعمال من الخير في الدنيا. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (تجدوه عند الله) ~~قال: تجدوا ثوابه. # قوله (هودا) قال الفراء: يجوز أن يكون هودا بمعنى يهوديا، وأن يكون جمع ~~هائد. وقال الأخفش: إن الضمير المفرد في كان هو باعتبار لظ ما من، والجمع ~~في قوله " هودا " باعتبار معنى من، قيل في هذا الكلام حذف، وأصله: وقالت ~~اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا ~~من كان نصرانيا. هكذا قال كثير من المفسرين، وسبقهم إلى ذلك بعض السلف. ~~وظاهر النظم القرآني أن طائفتي اليهود والنصارى وقع منهم هذا القول وأنهم ~~يختصون بذلك دون غيرهم، ووجه القول بأن في الكلام حذفا ما هو PageV01P129 # معلوم من أن كل طائفة من هاتين الطائفتين تضلل الأخرى وتنفي عنها أنها ~~على شئ من الدين فضلا عن دخول الجنة كما في هذا الموضع، فإنه قد حكى الله ~~عن اليهود أنها قالت: ليست النصارى على شئ، وقالت النصارى ليست اليهود على ~~شئ والأماني قد تقدم تفسيرها، والإشارة بقوله تلك إلى ما تقدم لهم من ~~الأماني التي آخرها أنه لا يدخل الجنة غيرهم. وقيل إن الإشارة إلى هذه ~~الأمنية الآخرة، والتقدير أمثال تلك الأمنية أمانيهم على حذف المضاف ليطابق ~~أمانيهم، قوله ms0216 (هاتوا) أصله هاتيوا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء ~~لالتقاء الساكنين، ويقال للمفرد المذكر هات وللمؤنث هاتي، وهو صوت بمعنى ~~أحضر. والبرهان: الدليل الذي يحصل عنده اليقين. # قال ابن جرير: طلب الدليل هنا يقتضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه. ~~وقوله (إن كنتم صادقين) أي في تلك الأماني المجردة والدعاوى الباطلة، ثم رد ~~عليهم فقال (بلى من أسلم) وهو إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة: # أي ليس كما يقولون بل يدخلها من أسلم وجهه لله. ومعنى أسلم: استسلم، وقيل ~~أخلص. وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ولأنه موضع الحواس ~~الظاهرة، وفيه يظهر العز والذل، وقيل إن العرب تخبر بالوجه عن جملة الشئ، ~~وأن المعنى هنا الوجه وغيره، وقيل المراد بالوجه هنا المقصد: أي من أخلص ~~مقصده وقوله (وهو محسن) في محل نصب على الحال، والضمير في قوله (وجهه) ~~(وله) باعتبار لفظ من، وفي قوله (عليهم) باعتبار معناها. وقوله (من) إن ~~كانت الموصولة فهي فاعل لفعل محذوف أي بلى يدخلها من أسلم. وقوله (فله) ~~معطوف على " من أسلم " وإن كانت من شرطية فقوله " فله " هو الجزاء، ومجموع ~~الشرط والجزاء رد على أهل الكتاب وإبطال لتلك الدعوى. وقوله (وقالت اليهود) ~~وما بعده فيه أن كل طائفة تنفي الخير عن الأخرى ويتضمن ذلك إثباته لنفسها ~~تحجرا لرحمة الله سبحانه. قال في الكشاف: إن الشئ هو الذي يصح ويعتد به، ~~قال وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشئ، وإذا نفى ~~إطلاق اسم الشئ عليه فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهكذا ~~قولهم أقل من لا شئ. وقوله (وهم يتلون الكتاب) أي التوراة والإنجيل والجملة ~~حالية، وقيل المراد جنس الكتاب، وفي هذا أعظم توبيخ وأشد تقريع، لأن الوقوع ~~في الدعاوي الباطلة والتكلم بما ليس عليه برهان هو وإن كان قبيحا على ~~الإطلاق لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحا وأفظع جرما وأعظم ~~ذنبا. وقوله (كذلك قال الذين لا يعلمون) المراد بهم كفار ms0217 العرب الذين لا ~~كتاب لهم قالوا مثل مقالة اليهود اقتداء بهم لأنهم جهلة لا يقدرون على غير ~~التقليد لمن يعتقدون أنه من أهل العلم، وقيل المراد بهم طائفة من اليهود ~~والنصارى وهم الذين لا علم عندهم، ثم أخبرنا سبحانه بأنه المتولي لفصل هذه ~~الخصومة التي وقع فيها الخلاف عند الرجوع إليه فيعذب من يستحق التعذيب ~~وينجي من يستحق النجاة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (وقالوا لن يدخل الجنة) ~~الآية، قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى ~~لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا (تلك أمانيهم) قال: أماني يتمنونها على ~~الله بغير حق (قل هاتوا برهانكم) قال: حجتكم (إن كنتم صادقين) بما تقولونه ~~أنه كما تقولون (بلى من أسلم وجهه لله) يقول: أخلص لله. وأخرج ابن جرير عن ~~مجاهد في قوله (قل هاتوا برهانكم) قال: حجتكم وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير في قوله (بلى من أسلم وجهه) قال: أخلص دينه. وأخرج ابن إسحاق وابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما قدم وفد نجران من النصارى على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شئ ~~PageV01P130 # وكفر بعيسى والإنجيل، فقال له رجل من أهل نجران: ما أنتم على شئ، وجحد ~~نبوة موسى وكفر بالتوراة، قال: # فأنزل الله في ذلك (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب) أي كل يتلو في كتابه تصديق من كفره به. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من هؤلاء الذي لا يعلمون؟ قال: ~~هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: هم العرب ~~قالوا ليس محمد عل شئ. # هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم متناه وأنه بمنزلة لا ~~ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم: أي لا ms0218 أحد أظلم ممن منع مساجد الله، واسم ~~الاستفهام في محل رفع على الابتداء وأظلم خبره. وقوله (أن يذكر فيها اسمه) ~~قيل هو بدل من مساجد - وقيل إنه مفعول له بتقدير كراهية أن يذكر، وقيل إن ~~التقدير من أن يذكر، ثم حذف حرف الجر لطول الكلام، وقيل إنه مفعول ثان ~~لقوله (منع) والمراد بمنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله منع من يأتي إليها ~~للصلاة والتلاوة والذكر وتعليمه. والمراد بالسعي في خرابها: هو السعي في ~~هدمها ورفع بنيانها ويجوز أن يراد بالخراب تعطيلها عن الطاعات التي وضعت ~~لها فيكون أعم من قوله (أن يذكر فيها اسمه) فيشمل جميع ما يمنع من الأمور ~~التي بنيت لها المساجد كتعلم العلم وتعليمه، والقعود للاعتكاف، وانتظار ~~الصلاة، ويجوز أن يراد ما هو أعم من الأمرين من باب عموم المجاز كما قيل في ~~قوله تعالى - إنما يعمر مساجد الله -. وقوله (ما كان لهم أن يدخلوها إلا ~~خائفين) أي ما كان ينبغي لهم دخولها إلا حال خوفهم، وفيه إرشاد للعباد من ~~الله عز وجل أنه ينبغي لهم أن يمنعوا مساجد الله من أهل الكفر من غير فرق ~~بين مسجد ومسجد، وبين كافر وكافر، كما يفيده عموم اللفظ، ولا ينافيه خصوص ~~السبب، وأن يجعلوهم بحالة إذا أرادوا الدخول كانوا على وجل وخوف من أن يفطن ~~لهم أحد من المسلمين فينزلون بهم ما يوجب الإهانة والإذلال، وليس فيه الإذن ~~لنا بتمكينهم من ذلك حال خوفهم، بل هو كناية عن المنع لهم منا عن دخول ~~مساجدنا. والخزي: قيل هو ضرب الجزية عليهم وإذلالهم، وقيل غير ذلك، وقد ~~تقدم تفسيره. والمشرق: موضع الشروق. والمغرب: موضع الغروب: أي هما ملك لله ~~وما بينهما من الجهات والمخلوقات فيشمل الأرض كلها. وقوله (فأينما تولوا) ~~أي أي جهة تستقبلونها فهناك وجه الله: أي المكان الذي يرتضي لكم استقباله، ~~وذلك يكون عند التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها بقوله سبحانه - ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره - قال في ~~الكشاف: والمعنى ms0219 أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام: أي في بيت ~~المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا، فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها، ~~وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان لا تختص أماكنها في ~~مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان انتهى. وهذا التخصيص لا وجه له فإن ~~اللفظ أوسع منه. وإن كان المقصود به بيان السبب فلا بأس. وقوله (إن الله ~~واسع عليم) فيه إرشاد إلى سعة رحمته. وأنه يوسع على عباده في دينهم ولا ~~يكلفهم ما ليس PageV01P131 # في وسعهم، وقيل واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شئ كما قال - وسع كل شئ علما ~~- وقال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شئ. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن قريشا منعوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام فأنزل الله (ومن ~~أظلم ممن منع مساجد الله). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: هم ~~النصارى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير عن ~~السدي قال: هم الروم كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس. وفي قوله ~~(أولئك ما كان لهم يدخلوها إلا خائفين) قال: فليس في الأرض رومي يدخله ~~اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، وقد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها. # وفي قوله (لهم في الدنيا خزي) قال: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام ~~المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم فذلك الخزي. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~عن قتادة أنهم الروم. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب: أنهم النصارى لما أظهروا ~~على بيت المقدس حرقوه. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: ~~هم المشركون حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البيت يوم ~~الحديبية. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: ليس للمشركين أن يدخلوا ~~المسجد إلا خائفين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله (لهم في ~~الدنيا ms0220 خزي) قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من ~~القرآن فيما ذكر لنا والله أعلم شأن القبلة، قال الله تعالى (ولله المشرق ~~والمغرب) الآية، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى نحو بيت ~~المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى البيت العتيق ونسخها فقال - ~~ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام -. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ~~ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على راحلته تطوعا ~~أينما توجهت به، ثم قرأ ابن عمر هذه الآية (أينما تولوا فثم وجه الله) وقال ~~في هذا أنزلت هذه الآية. وأخرج نحوه عنه ابن جرير والدارقطني والحاكم ~~وصححه. # وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه كان يصلي على راحلته قبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل ~~واستقبل القبلة وصلى. وروى نحوه من حديث أنس مرفوعا أخرجه ابن أبي شيبة ~~وأبو داود. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وضعفه وابن ماجة وابن جرير وغيرهم ~~عن عامر ابن ربيعة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة ~~سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا فيصلي فيه، ~~فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد ~~صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله (والله المشرق والمغرب) الآية، ~~فقال: مضت صلاتكم. وأخرج الدارقطني وابن مردويه والبيهقي عن جابر مرفوعا ~~نحوه إلا أنه ذكر أنهم خطوا خطوطا. وأخرج نحوه ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن ~~عباس مرفوعا. وأخرج نحوه أيضا سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء يرفعه وهو ~~مرسل. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (فثم وجه الله) قال: قبلة لله أينما ~~توجهت شرقا ms0221 أو غربا. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما بين المشرق والمغرب قبلة ~~". وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن أبي ~~شيبة والبيهقي عن عمر نحوه. PageV01P132 # قوله (وقالوا) هم اليهود والنصارى - وقيل اليهود: أي قالوا - عزيز ابن ~~لله - وقيل النصارى: أي - قالوا المسيح ابن الله - وقيل: هم كفار العرب: أي ~~قالوا الملائكة بنات الله. وقوله (سبحانه) قد تقدم تفسيره، والمراد هنا ~~تبرؤ الله تعالى عما نسبوه إليه من اتخاذ الولد. وقوله (بل له ما في ~~السماوات والأرض) رد على القائلين بأنه اتخذ ولدا: أي بل هو مالك لما في ~~السماوات والأرض، وهؤلاء القائلون داخلون تحت ملكه، والولد من جنسهم لا من ~~جنسه، ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد. والقانت: المطيع الخاضع: أي كل من ~~في السماوات والأرض مطيعون له خاضعون لعظمته خاشعون لجلاله، والقنوت في أصل ~~اللغة أصله القيام. قال الزجاج: فالخلق قانتون أي قائمون بالعبودية إما ~~إقرارا وإما أن يكونوا على خلاف ذلك، فأثر الصنعة بين عليهم، وقيل أصله ~~الطاعة، ومنه - والقانتين والقانتات - وقيل السكون، ومنه قوله - وقوموا لله ~~قانتين - ولهذا قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت - وقوموا ~~لله قانتين - فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وقيل القنوت: الصلاة، ومنه ~~قول الشاعر: # قانتا لله يتلو كتبه * وعلى عمد من الناس اعتزل والأولى أن القنوت لفظ ~~مشترك بين معان كثيرة، قيل هي ثلاثة عشر معنى، وهي مبينة. وقد نظمها بعض ~~أهل العلم كما أوضحت ذلك في شرحي على المنتقى. وبديع: فعيل للمبالغة وهو ~~خبر مبتدأ، محذوف: أي هو بديع سماواته وأرضه، أبدع الشئ: أنشأه لا عن مثال، ~~وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع. وقوله (وإذا قضى أمرا) أي أحكمه ~~وأتقنه. قال الأزهري: قضى في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشئ ~~وتمامه، قيل هو مشترك بين معان، يقال قضى بمعنى خلق، ومنه - فقضاهن سبع ms0222 ~~سماوات - وبمعنى أعلم، ومنه - وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب - وبمعنى ~~أمر، ومنه - وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه - وبمعنى ألزم، ومنه: قضى عليه ~~القاضي، وبمعنى أوفاه، ومنه - فلما قضى موسى الأجل - وبمعنى أراد ومنه - ~~فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون -. والأمر واحد الأمور. وقد ورد في ~~القرآن على أربعة عشر معنى: الأول الدين، ومنه - حتى جاء الحق وظهر أمر ~~الله -. الثاني بمعنى القول، ومنه - فإذا جاء أمرنا -. الثالث العذاب، ومنه ~~- لما قضى الأمر - الرابع عيسى، ومنه - فإذا قضى أمرا - أي أوجد عيسى عليه ~~السلام. الخامس القتل، ومنه - فإذا جاء أمر الله السادس فتح مكة، ومنه ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره -. السابع قتل بني قريظة وإجلاء النضير، ومنه ~~- فاعفوا وأصفحوا حتى يأتي الله بأمره -. الثامن القيامة، ومنه - أتى أمر ~~الله -. التاسع القضاء، ومنه - يدبر الأمر -. # العاشر الوحي، ومنه - يتنزل الأمر بينهن -. الحادي عشر أمر الخلائق، ومنه ~~- ألا إلى الله تصير الأمور -. # الثاني عشر النصر، ومنه - هل لنا من الأمر من شئ -. والثالث عشر الذنب، ~~ومنه - فذاقت وبال أمرها - PageV01P133 # الرابع عشر الشأن، ومنه - وما أمر فرعون برشيد - هكذا أورد هذه المعاني ~~بأطول من هذا بعض المفسرين وليس تحت ذلك كثير فائدة، وإطلاقه على الأمور ~~المختلفة لصدق اسم الأمر عليها. وقوله (فإنما يقول له كن فيكون) الظاهر في ~~هذا المعنى الحقيقي، وأنه يقول سبحانه هذا اللفظ، وليس في ذلك مانع ولا جاء ~~ما يوجب تأويله، ومنه قوله تعالى - إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون - وقال تعالى - إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون - ~~وقال - وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر - ومنه قول الشاعر: # إذا ما أراد الله أمرا فإنما * يقول له كن قوله فيكون وقد قيل إن ذلك ~~مجاز، وأنه لا قول وإنما هو قضاء يقضيه، فعبر عنه بالقول، ومنه قول الشاعر، ~~وهو عمر ابن حممة الدوسي: # فأصبحت مثل النسر طار فراخه * إذا رام تطيارا يقال له قع وقال آخر: قالت ~~جناحاه ms0223 لساقيه الحقا * ونجيا لحكمكما أن يمزقا والمراد بقوله (وقال الذين ~~لا يعلمون) اليهود، وقيل النصارى، ورجحه ابن جرير لأنهم المذكورون في ~~الآية، وقيل مشركو العرب، و (لولا) حرف تحضيض: أي هلا (يكلمنا الله) بنبوة ~~محمد فنعلم أنه نبي (أو تأتينا) بذلك علامة على نبوته. والمراد بقوله (قال ~~الذين من قبلهم) قيل هم اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون ~~كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول من جعل الذين لا يعلمون اليهود ~~والنصارى، أو اليهود في قول من جعل الذي لا يعلمون النصارى (تشابهت) أي في ~~التعنت والاقتراح، وقال الفراء (تشابهت) في اتفاقهم على الكفر (قد بينا ~~الآيات لقوم يوقنون) أي يعترفون بالحق وينصفون في القول ويذعنون لأوامر ~~الله سبحانه لكونهم مصدقين له سبحانه مؤمنين بآياته متبعين لما شرعه لهم. # وقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: قال الله تعالى " كذبني ابن آدم وشتمني، فأما تكذيبه إياي فيزعم أني ~~لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ ~~صاحبة أو ولدا ". وأخرج نحوه أيضا من حديث أبي هريرة، وفي الباب أحاديث. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (سبحان الله) قال: ~~تنزيه الله نفسه عن السوء. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه سئل عن التسبيح أن يقول الإنسان: سبحان الله، قال: برأه ~~الله من السوء. وأخرجه الحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي من طريق طلحة بن ~~يحيى بن طلحة عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن تفسير سبحان الله، فقال: هو تنزيه الله من كل سوء. ~~وأخرجه ابن مردويه عنه من طريق أخرى مرفوعا. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو ~~يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ms0224 حبان والطبراني في الأوسط ~~وأبو نعيم في الحلية والصياء في المختارة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة ". ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (كل له قانتون) قال ~~مطيعون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (بديع ~~السماوات والأرض يقول: ابتدع خلقهما ولم يشركه في خلقهما أحد. وأخرج ابن ~~إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا محمد إن كنت رسولا من الله كما تقول فقل ~~لله PageV01P134 # فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك (وقال الذين لا يعلمون) ~~الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنهم كفار العرب. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: هم النصارى والذين من قبلهم يهود. # قوله (بشيرا ونذيرا) يحتمل أن يكون منصوبا على الحال، ويحتمل أن يكون ~~مفعولا له: أي أرسلناك لأجل التبشير والإنذار. وقوله (ولا تسئل) قرأه ~~الجمهور بالرفع مبنيا للمجهول: أي حال كونك غير مسؤول، وقرئ بالرفع مبنيا ~~للمعلوم. قال الأخفش: ويكون في موضع الحال عطفا على (بشيرا ونذيرا) أي حال ~~كونك غير سائل عنهم، لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم، ~~وقرأ نافع (ولا تسئل) بالجزم: أي لا يصدر منك السؤال عن هؤلاء أو لا يصدر ~~منك السؤال عمن مات منهم على كفره ومعصيته تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه: أي ~~أن هذا أمر فظيع وخطب شنيع، يتعاظم المتكلم أن يجريه على لسانه أو يتعاظم ~~السامع أن يسمعه. قوله (ولن ترضى عنك اليهود) الآية: أي ليس غرضهم ومبلغ ~~الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات ويوردونه من التعنتات، فإنك لو ~~جئتهم بكل ما يقترحون وأوجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك، ثم أخبره بأنهم لن ~~يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم. والملة: اسم لما شرعه الله ~~لعباده ms0225 في كتبه على ألسن أنبيائه وهكذا الشريعة، ثم رد عليهم سبحانه فأمره ~~بأن يقول لهم (إن هدى الله هو الهدى) الحقيقي، لا ما أنتم عليه من الشريعة ~~المنسوخة والكتب المحرفة ثم أتبع ذلك بوعيد شديد لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم، ~~ويحتمل أن يكون تعريضا لأمته وتحذيرا لهم أن يواقعوا شيئا من ذلك، أو ~~يدخلوا في أهوية أهل الملل ويطلبوا رضا أهل البدع. وفي هذه الآية من الوعيد ~~الشديد الذي ترجف له القلوب وتتصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم ~~الحاملين لحجج الله سبحانه والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدهان لأهل البدع ~~المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض ~~الرأي عليهما، فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولا وأبان من أخلاقه لينا لا ~~يرضيه إلا اتباع بدعته والدخول في مداخله والوقوع في حبائله، فإن فعل ~~العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في ~~كتابه وسنة رسوله، لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة ~~بينة ورأي منهار، وتقليد على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ماله من الله من ولي ~~ولا نصير ومن كان كذلك فهو مخذول لا محالة وهالك بلا شك ولا شبهة. وقوله ~~(الذين آتيناهم الكتاب) قيل: هم المسلمون والكتاب هو القرآن، وقيل من أسلم ~~من أهل الكتاب، والمراد بقوله (يتلونه) أنهم يعملون بما فيه فيحللون حلاله ~~PageV01P135 # ويحرمون حرامه، فيكون من تلاه يتلوه إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى - والقمر ~~إذا تلاها - أي اتبعها كذا قيل، ويحتمل أن يكون من التلاوة: أي يقرءونه حق ~~قراءته لا يحرفونه ولا يبدلونه. وقوله (الذين آتيناهم الكتاب) مبتدأ وخبره ~~(يتلونه) أو الخبر قوله (أولئك) مع ما بعده. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب ~~القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ليت شعري ما فعل ~~أبواي ms0226 " فنزل (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) ~~فما ذكرهما حتى توفاه الله. قال السيوطي: هذا مرسل ضعيف الإسناد. ثم رواه ~~من طريق ابن جرير عن داود بن أبي عاصم مرفوعا وقال: هو معضل الإسناد ضعيف ~~لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال ~~(الجحيم) ما عظم من النار. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس قال: إن يهود المدينة ~~ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم وأيسوا منه أن ~~يوافقهم على دينهم. فأنزل الله (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى) الآية. # وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله (الذين آتيناهم الكتاب) قال: هم ~~اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~عن ابن عباس في قوله (يتلونه حق تلاوته) قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ~~ولا يحرفونه عن مواضعه. وأخرجوا عنه أيضا قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرءوا ~~- والقمر إذا تلاها - يقول اتبعها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب ~~قال في قوله (يتلونه حق تلاوته) إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر ~~بذكر النار تعوذ بالله من النار. وأخرج الخطيب في كتاب الرواة بسند فيه ~~مجاهيل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (يتلونه حق ~~تلاوته) قال: يتبعونه حق اتباعه، وكذا قال القرطبي في تفسيره أن في إسناده ~~مجاهيل، قال: لكن معناه صحيح. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طرق عن ابن ~~مسعود في تفسيره هذه الآية مثل ما سبق عن ابن عباس في قوله (يحلون حلاله) ~~إلى آخره. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: يتكلمون به كما أنزل ولا ~~يكتمونه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في هذه الآية قال: هم أصحاب ~~محمد، ثم حكى نحو ذلك عن عمر بن الخطاب. وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن ms0227 في ~~قوله (يتلو حق تلاوته) قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما ~~أشكل عليهم إلى عالمه. # قوله (يا بني إسرائيل - إلى قوله - ولا هم ينصرون) قد سبق مثل هذا في صدر ~~السورة، وتقدم تفسيره، ووجه التكرار الحث على اتباع الرسول النبي الأمي، ~~ذكر معناه ابن كثير في تفسيره. وقال البقاعي في تفسيره: إنه لما طال المدى ~~في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك أستارهم، وختم ذلك ~~بالترهيب لتضييع PageV01P136 # أديانهم بأعمالهم وأحوالهم وأقوالهم، أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير ~~بالنعم، والتحذير من حلول النقم يوم تجمع الأمم، ويدوم فيه الندم لمن زلت ~~به القدم، ليعلم أن ذلك فذلكة القصة، والمقصود بالذات الحث على انتهاز ~~الفرصة انتهى. وأقول: ليس هذا بشئ، فإنه لو كان سبب التكرار ما ذكره من طول ~~المدى وأنه أعاد ما صدر به قصتهم لذلك لكان الأولى بالتكرار، والأحق بإعادة ~~الذكر هو قوله سبحانه - يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون - فإن هذه الآية مع كونها أول ~~الكلام معهم والخطاب لهم في هذه السورة هي أيضا أول بأن تعاد وتكرر لما ~~فيها من الأمر بذكر النعم والوفاء بالعهد والرهبة لله سبحانه، وبهذا تعرف ~~صحة ما قدمناه لك عند أن شرع الله سبحانه في خطاب بني إسرائيل من هذه ~~السورة فراجعه ثم حكى البقاعي بعد كلامه السابق عن الحوالي أنه قال: كرره ~~تعالى إظهارا لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله، وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم ~~أصلا لما يمكن بأن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كان الخطاب إذا انتهى ~~إلى غاية خاتمه يجب أن يلحظ القلب بذاته تلك الغاية فيتلوها ليكون في ~~تلاوته جامعا لطرفي الثناء، وفي تفهيمه جامعا لمعاني طرفي المعنى انتهى. ~~وأقول: لو كان هذا هو سبب التكرار لكان الأولى به ما عرفناك. وأما قوله ~~وليتخذ ذلك أصلا لما يرد من التكرار في سائر القرآن فمعلوم أن حصول هذا ~~الأمر في الأذهان وتقرره في الأفهام لا يختص بتكرير آية ms0228 معينة يكون افتتاح ~~هذا المقصد بها، فلم تتم حينئذ النكتة في تكرير هاتين الآيتين بخصوصهما، ~~ولله الحكمة البالغة التي لا تبلغها الأفهام ولا تدركها العقول، فليس في ~~تكليف هذه المناسبات المتعسفة إلا ما عرفناك به هنالك فتذكر. قوله (وإذ ~~ابتلى) الابتلاء: الامتحان والاختبار: أي ابتلاه بما أمره به، و (إبراهيم) ~~معناه في السريانية أب رحيم، كذا قال الماوردي. قال ابن عطية: ومعناه في ~~العربية ذلك. قال السهيلي: وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي. ~~وقد أورد صاحب الكشاف هنا سؤالا في رجوع الضمير إلى إبراهيم مع كون رتبته ~~التأخير، وأجاب عنه بأنه قد تقدم لفظا فرجع إليه، والأمر في هذا أوضح من أن ~~يشتغل بذكره، أو ترد في مثله الأسئلة أو يسود وجه القرطاس بايضاحه. وقوله ~~(بكلمات) قد اختلف العلماء في تعيينها، فقيل هي شرائع الإسلام، وقيل ذبح ~~ابنه، وقيل أداء الرسالة، وقيل هي خصال الفطرة، وقيل هي قوله - إني جاعلك ~~للناس إماما - وقيل بالطهارة كما سيأتي بيانه. قال الزجاج: وهذه الأقوال ~~ليست بمتناقضة، لأن هذا كله مما ابتلى به إبراهيم انتهى. وظاهر النظم ~~القرآني أن الكلمات هي قوله (قال إني جاعلك) وما بعده، ويكون ذلك بيانا ~~للكلمات، وسيأتي عن بعض السلف ما يوافق ذلك، وعن آخرين ما يخالفه. وعلى هذا ~~فيكون قوله (قال إني جاعلك) مستأنفا كأنه ماذا قال له. وقال ابن جرير ما ~~حاصله إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ذلك، وجائز أن يكون بعض ذلك، ~~ولا يجوز الجزم بشئ منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع، ولم ~~يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له، ثم قال: ~~فلو قال قائل إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب: ~~يعني أن الكلمات هي قوله (إني جاعلك للناس إماما) وقوله (وعهدنا إلى ~~إبراهيم) وما بعده. ورجح ابن كثير أنها تشمل جميع ما ذكر، وسيأتي التصريح ~~بما هو الحق بعد إيراد ما ورد عن السلف الصالح. وقوله (فأتمهن) أي ms0229 قام بهن ~~أتم قيام، وامتثل أكمل امتثال. والإمام: هو ما يؤتم به، ومنه قيل للطريق ~~إمام وللبناء إمام، لأنه يؤتم بذلك: أي يهتدي به السالك، والإمام لما كان ~~هو القدوة للناس لكونهم يأتمون به ويهتدون بهديه أطلق عليه هذا اللفظ. ~~وقوله (ومن ذريتي) يحتمل أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم، أي واجعل من ذريتي ~~أئمة، ويحتمل أن يكون هذا من إبراهيم بقصد الاستفهام وإن لم يكن بصيغته: أي ~~ومن PageV01P137 # ذريتي ماذا يكون يا رب؟ فأخبره أن فيهم عصاة وظلمة، وأنهم لا يصلحون لذلك ~~ولا يقومون به ولا ينالهم عهد الله سبحانه. والذرية مأخوذة من الذر، لأن ~~الله أخرج الخلق من ظهر آدم حين أشهدهم على أنفسهم كالذر، وقيل مأخوذة من ~~ذرأ الله الخلق يذرؤهم إذا خلقهم. وفي الكتاب العزيز - فأصبح هشيما تذروه ~~الرياح - قال في الصحاح: ذرت الريح السحاب وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا: ~~أي نسفته، وقال الخليل: إنما سموا ذرية لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ~~ذرأ الزارع البذر. واختلف في المراد بالعهد فقيل الإمامة، وقيل النبوة، ~~وقيل عهد الله أمره، وقيل الأمان من عذاب الآخرة، ورجحه الزجاج والأول أظهر ~~كما يفيده السياق. وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام ~~لابد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد، لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ~~ظالما. ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما تفيده الإضافة من ~~العموم فيشمل جميع ذلك اعتبارا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى ~~السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل من تعلق بالأمور ~~الدينية. وقد اختار ابن جرير أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ~~ينال عهد الله بالإمامة ظالما، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل أنه ~~سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه انتهى. ولا يخفاك أنه لا جدوى لكلامه هذا. ~~فالأولى أن يقال إن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولوا أمور ms0230 الشرع ~~ظالما، وإنما قلنا إنه في معنى الأمر لأن أخباره تعالى لا يجوز أن تتخلف. ~~وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة وغيرها كثيرا من الظالمين. قوله ~~(وإذا جعلنا البيت) هو الكعبة غلب عليه كما غلب النجم على الثريا، و ~~(مثابة) مصدر من ثاب يثوب مثابا ومثابة، أي مرجعا يرجع الحجاج إليه بعد ~~تفرقهم عنه، ومنه قول ورقة بن نوفل في الكعبة: مثاب لأقفاء القبائل كلها * ~~تخب إليها اليعملات الذوابل وقرأ الأعمش " مثابات " وقيل المثابة من ~~الثواب: أي يثابون هنالك. وقال مجاهد: المراد أنهم لا يقضون منه أوطارهم، ~~قال الشاعر: # جعل البيت مثابات لهم * ليس منه الدهر يقضون الوطر قال الأخفش: ودخلت ~~الهاء لكثرة من يثوب إليه فهي كعلامة ونسابة. وقال غيره: هي للتأنيث وليست ~~للمبالغة. وقوله (وأمنا) هو اسم مكان: أي موضع أمن. وقد استدل بذلك جماعة ~~من أهل العلم على أنه لا يقام الحد على من لجأ إليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى ~~- ومن دخله كان آمنا - وقيل إن ذلك منسوخ. وقوله (واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى) قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على أنه فعل ماض: أي جعلنا البيت ~~مثابة للناس وأمنا واتخذوه مصلى. وقرأ الباقون على صيغة الأمر عطفا على ~~اذكروا المذكور أول الآيات، أو على اذكروا المقدر عاملا في قوله (وإذ) ~~ويجوز أن يكون على تقدير القول: أي وقلنا اتخذوا. والمقام في اللغة: موضع ~~القيام. قال النحاس، وهو من قام يقوم، يكون مصدرا واسما للموضع، ومقام من ~~أقام، وليس من هذا قول الشاعر: # وفيهم مقامات حسان وجوهها * وأندية ينتابها القول والفعل لأن معناه أهل ~~مقامات. واختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي يعرفه ~~الناس ويصلون عنده ركعتي الطواف، وقيل المقام الحج كله، روى ذلك عن عطاء ~~ومجاهد، وقيل عرفة والمزدلفة، روى عن عطاء أيضا. وقال الشعبي: الحرم كله ~~مقام إبراهيم. وروى عن مجاهد. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه والبيهقي PageV01P138 # في سننه ms0231 عن ابن عباس في قوله (وإذا ابتلى إبراهيم ربه) قال: ابتلاه الله ~~بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب، والمضمضة، ~~والإستنشاق والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، ~~والختان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن المنذر عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عنه قال: ما ابتلى أحد بهذا الدين ~~فقام به كله إلا إبراهيم. وقرأ هذه الآية فقيل له: ما الكلمات؟ قال: سهام ~~الإسلام ثلاثون سهما: عشرة في براءة - التائبون العابدون - إلى آخر الآية، ~~وعشرة في أول سورة قد أفلح - وسأل سائل - والذين يصدقون بيوم الدين - ~~الآيات، وعشرة في الأحزاب - إن المسلمين - إلى آخر الآية، (فأتمهن) كلهن ~~فكتب له براءة قال تعالى - وإبراهيم الذي وفى -. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم عنه قال: منهن مناسك الحج. وأخرج ابن ~~جرير عنه قال: الكلمات (إني جاعلك للناس إماما - وإذ يرفع إبراهيم القواعد) ~~والآيات في شأن المناسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو ~~البيت وبعث محمد في ذريتهما. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في ~~قوله (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) قال: ابتلى بالآيات التي بعدها. ~~وأخرجا أيضا عن الشعبي مثله. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر ~~بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر ~~الذي فيه خلاقهم، وصبره على قذفهم إياه في النار ليحرقوه في الله، والهجرة ~~بعد ذلك من وطنه وبلاده حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة ~~والصبر عليها، وما ابتلى به من ذبح ولده، فلما مضى على ذلك كله (قال) الله ~~(له أسلم قال أسلمت لرب العالمين). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن الحسن قال: ابتلاه بالكوكب فرضي ms0232 عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، ~~وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي ~~عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فأتمهن) ~~قال: فأداهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " من فطرة إبراهيم السواك " قلت: وهذا على تقدير أن إسناده إلى ~~عطاء صحيح فهو مرسل لا تقوم به الحجة، ولا يحل الاعتماد على مثله في تفسيره ~~كلام الله سبحانه، وهكذا لا يحل الاعتماد على مثل ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ~~مجاهد قال: من فطرة إبراهيم غسل الذكر والبراجم، ومثل ما أخرجه ابن أبي ~~شيبة في مصنفه عنه قال: ست من فطرة إبراهيم: قص الشارب، والسواك، والفرق، ~~وقص الأظفار، والاستنجاء، وحلق العانة. قال: ثلاثة في الرأس - وثلاثة في ~~الجسد. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح وغيره من ~~طريق جماعة من الصحابة مشروعية تلك العشر لهذه الأمة، ولم يصح عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنها الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم. وأحسن ما روى ~~عنه ما أخرجه الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقص أو يأخذ من شاربه. قال: وكان خليل الرحمن إبراهيم يفعله. ولا ~~يخفاك أن فعل الخليل له لا يستلزم أنه من الكلمات التي ابتلى بها، وإذا لم ~~يصح شئ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا جاءنا من طريق تقوم بها ~~الحجة تعيين لمك الكلمات لم يبق لنا إلا أن نقول: إنها ما ذكره الله سبحانه ~~في كتابه بقوله (قال إني جاعلك) إلى آخر الآيات، ويكون ذلك بيانا للكلمات ~~أو السكوت وإحالة العلم في ذلك على الله سبحانه. وأما روي عن ابن عباس ~~ونحوه من الصحابة ومن بعدهم PageV01P139 # في تعيينها، فهو أولا أقوال الصحابة لا تقوم بها الحجة فضلا عن أقوال من ~~بعدهم، وعلى تقدير أنه لا مجال للاجتهاد في ذلك، وأن له حكم الرفع ms0233 فقد ~~اختلفوا في التعيين اختلافا يمتنع معه العمل ببعض ما روى عنهم دون البعض ~~الآخر بل اختلفت الروايات عن الواحد منهم كما قدمنا عن ابن عباس، فكيف يجوز ~~العمل بذلك - وبهذا تعرف ضعف قول من قال: إنه يصار إلى العموم ويقال تلك ~~الكلمات هي جميع ما ذكر هنا، فإن هذا يستلزم تفسير كلام الله بالضعيف ~~والمتناقض وما لا تقوم به الحجة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس (قال إني ~~جاعلك للناس إماما) يقتدى بدينك وهديك وسنتك (قال ومن ذريتي) إماما لغير ~~ذريتي (قال لا ينال عهدي الظالمين) أن يقتدي بدينهم وهديهم وسنتهم. وأخرج ~~الفريابي وابن أبي حاتم عنه قال: قال الله لإبراهيم (إني جاعلك للناس إماما ~~قال ومن ذريتي) فأبى أن يفعل، ثم قال (لا ينال عهدي الظالمين). وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هذا عند الله يوم القيامة لا ~~ينال عهده ظالما، فأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين ~~وغازوهم وناكحوهم، فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على ~~أوليائه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية أنه قال: لا ~~أجعل إماما ظالما يقتدى به. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في الآية قال: يخبره أنه إن كان في ذريته ظالم لا ينال عهده ولا ~~ينبغي له أن يوليه شيئا من أمره. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال: ليس لظالم عليك ~~عهد في معصية الله. وقد أخرج وكيع وابن مردويه من حديث علي عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (لا ينال عهدي الظالمين) قال: لا طاعة إلا في ~~المعروف، وإسناده عند ابن مردويه هكذا: قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن ~~حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله ابن سعد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد ~~الدامغاني، حدثنا وكيع عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي ~~عن علي عن النبي صلى ms0234 الله عليه وآله وسلم فذكره. وأخرج عبد بن حميد من حديث ~~عمران بن حصين سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول " لا طاعة لمخلوق ~~في معصية الله " وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: ليس ~~للظالم عهد وإن عاهدته فانقضه. قال ابن كثير: وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل ~~وابن حبان نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (مثابة للناس وأمنا) قال: # يثوبون إليه ثم يرجعون. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: لا يقضون منه وطرا ~~يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (وأمنا) قال: أمنا للناس. وأخرج البخاري وغيره من حديث ~~أنس عن عمر بن الخطاب قال: وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث، قلت: يا ~~رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى) وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن ~~يحتجبن، فنزلت آية الحجاب - واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نساؤه في الغيرة. # فقلت لهن - عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن - فنزلت كذلك. ~~وأخرجه مسلم وغيره مختصرا من حديث ابن عمر عنه. وأخرج مسلم وغيره من حديث ~~جابر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا، حتى ~~إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ (واتخذ من مقام ~~إبراهيم مصلى) ". # وفي مقام إبراهيم عليه السلام أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها، ~~والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم ~~عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار، أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه، كما في ~~البخاري من حديث ابن عباس، وهو الذي كان ملصقا بجدار الكعبة. وأول من نقله ~~عمر بن الخطاب كما PageV01P140 # أخرجه ms0235 عبد الرزاق والبيهقي بإسناد صحيح وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق ~~مختلفة. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: لما طاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له عمر: # هذا مقام إبراهيم قال: نعم. وأخرج نحوه ابن مردويه. # قوله (عهدنا) معناه هنا: أمرنا أو أوجبنا. وقوله (أن طهرا) في موضع نصب ~~بنزع الخافض: أي بأن طهرا قاله الكوفيون، وقال سيبويه: هو بتقدير أي ~~المفسرة: أي أن طهرا فلا موضع لها من الإعراب، والمراد بالتطهير قيل من ~~الأوثان، وقيل من الآفات والريب، وقيل من الكفار، وقيل من النجاسات وطواف ~~الجنب والحائض وكل خبيث. والظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع، وأن كل ~~ما يصدق عليه مسمى التطهير فهو يتناوله إما تناولا شموليا أو بدليا، ~~والإضافة في قوله (بيتي) للتشريف والتكريم، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأهل ~~المدينة وهشام وحفص " بيتي " بفتح الياء، وقرأ الآخرون بإسكانها. والطائف: ~~الذي يطوف به، وقيل الغريب الطارئ على مكة. والعاكف: المقيم: وأصل العكوف ~~في اللغة: اللزوم والإقبال على الشئ، وقيل هو المجاور دون المقيم من أهلها. ~~والمراد بقوله (الركع السجود) المصلون، وخص هذين الركنين بالذكر لأنهما ~~أشرف أركان الصلاة. وقوله (وإذ قال إبراهيم) ستأتي الأحاديث الدالة على أن ~~إبراهيم هو الذي حرم مكة، والأحاديث الدالة على أن الله حرمها يوم خلق ~~السماوات والأرض والجمع بين هذه الأحاديث في هذا البحث. # وقوله (بلدا آمنا) أي مكة، والمراد: الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم كقوله ~~- عيشة راضية - أي راض صاحبها. # وقوله (من آمن) بدل من قول أهله: أي ارزق من آمن من أهله دون من كفر. ~~وقوله (ومن كفر) الظاهر أن هذا من كلام الله سبحانه ردا على إبراهيم حيث ~~طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم: أي وأرزق من كفر فأمتعه بالرزق قليلا ثم ~~أضطره إلى عذاب النار، ويحتمل أن يكون كلاما مستقلا بيانا لحال من كفر، ~~ويكون في حكم الإخبار عن حال الكافرين بهذه الجملة الشرطية: ms0236 أي من كفر فإني ~~أمتعه في هذه الدنيا بما يحتاجه من الرزق (ثم أضطره) كما بعد هذا التمتيع ~~(إلى عذاب النار) فأخبر سبحانه أنه لا ينال الكفرة من الخير إلا تمتيعهم في ~~هذه الدنيا، وليس لهم بعد ذلك إلا ما هو شر محض وهو عذاب النار، وأما على ~~قراءة من قرأ (فأمتعه) بصيغة الأمر وكذلك قوله (ثم أضطره) بصيغة الأمر فهي ~~مبنية على أن ذلك من جملة كلام إبراهيم، وأنه لما فرغ من الدعاء للمؤمنين ~~دعا للكافرين بالإمتاع قليلا، ثم دعا عليهم بأن يضطرهم إلى عذاب النار. ~~ومعنى (أضطره) ألزمه حتى صيره PageV01P141 # مضطرا لذلك لا يجد عنه مخلصا، ولا منه متحولا. قوله (وإذ يرفع) هو حكاية ~~لحال ماضية استحضارا لصورتها العجيبة. والقواعد: الأساس، قاله أبو عبيدة ~~والفراء. وقال الكسائي: هي الجدر. والمراد برفعها رفع ما هو مبني فوقها لا ~~رفعها في نفسها فإنها لم ترتفع، لكنها لما كانت متصلة بالبناء المرتفع ~~فوقها صارت كأنها مرتفعة بارتفاعه، كما يقال ارتفع البناء، ولا يقال ارتفع ~~أعالي البناء ولا أسافله. قوله (ربنا تقبل منا) في محل الحال بتقدير القول: ~~أي قائلين ربنا. وقرأ أبي وابن مسعود " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا ". وقوله (واجعلنا مسلمين لك) أي اجعلنا ~~ثابتين عليه أو زدنا منه - قيل المراد بالإسلام هنا مجموع الإيمان ~~والأعمال. وقوله (ومن ذريتنا) أي واجعل من ذريتنا، و " من " للتبعيض أو ~~للتبيين. وقال ابن جرير: # إنه أراد بالذرية العرب خاصة، وكذا قال السهيلي. قال ابن عطية: وهذا ضعيف ~~لأن دعوته ظهرت في العرب وغيرهم من الذين آمنوا به. والأمة: الجماعة في هذا ~~الموضع، وقد تطلق على الواحد، ومنه قوله تعالى - إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله - وتطلق على الدين ومنه - إنا وجدنا آباءنا على أمة - وتطلق على ~~الزمان، ومنه - وادكر بعد أمة -. وقوله - (وأرنا مناسكنا) هي من الرؤية ~~البصرية. وقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وابن كثير وابن محيصن وغيرهم " ~~أرنا " بسكون الراء، ومنه قول الشاعر: # أرنا إداوة ms0237 عبد الله يملؤها * من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا والمناسك ~~جمع نسك، وأصله في اللغة: الغسل، يقال نسك ثوبه: إذا غسله. وهو في الشرع ~~اسم للعبادة، والمراد هنا مناسك الحج، وقيل مواضع الذبح، وقيل جميع ~~المتعبدات. وقوله (وتب علينا) ثيل المراد بطلبهما للتوبة التثبيت، لأنهما ~~معصومان لا ذنب لهما، وقيل المراد تب على الظلمة منا. # وقد أخرج ابن جرير عن عطاء (قال (وعهدنا إلى إبراهيم) أي أمرناه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أن طهرا بيتي) قال: من الأوثان. وأخرج ~~أيضا عن مجاهد وسعيد بن جبير مثله، وزادوا الريب وقول الزور والرجس. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~إذا كان قائما فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان ~~مصليا فهو من الركع السجود. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن ~~الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد فقال: هم العاكفون. وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت ~~المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها " كما أخرجه أحمد ~~ومسلم والنسائي وغيرهم من حديث جابر. وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم من طريق جماعة من الصحابة، منهم رافع بن خديج عند مسلم ~~وغيره، ومنهم أبو قتادة عند أحمد، ومنهم أنس عن الشيخين، ومنهم أبو هريرة ~~عند مسلم، ومنهم علي بن أبي طالب عند الطبراني في الأوسط، ومنهم أسامة بن ~~زيد عن أحمد والبخاري، ومنهم عائشة عند البخاري. # وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " إن الله حرم مكة يوم ~~خلق السماوات والأرض وهي حرام إلى يوم القيامة " أخرجه البخاري تعليقا، ~~وابن ماجة من حديث صفية بنت شيبة، وأخرجه الشيخان وغيرهما من حديث ابن ~~عباس. وأخرجه الشيخان وأهل السنن من حديث أبي هريرة، وفي الباب أحاديث غير ~~ما ذكرنا، ms0238 ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فإن إبراهيم عليه السلام لما بلغ ~~الناس أن الله حرمها وأنها لم تزل حرما آمنا نسب إليه أنه حرمها: أي أظهر ~~للناس حكم الله فيها، وإلى هذا الجمع ذهب ابن عطية وابن كثير. وقال ابن ~~جرير: PageV01P142 # إنها كانت حراما ولم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها ~~وتعبدهم بذلك انتهى. وكلا الجمعين حسن. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي قال: بلغني أنه ~~لما دعا إبراهيم للحرم فقال (وارزق أهله من الثمرات) نقل الله الطائف من ~~فلسطين. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم والأزرقي عن الزهري. وأخرج نحوه أيضا ~~الأزرقي عن بعض ولد نافع بن جبير بن مطعم. وقد أخرج الأزرقي نحوها مرفوعا ~~من طريق محمد بن المنكدر. وأخرج أيضا عن محمد بن كعب القرظي قال: دعا ~~إبراهيم للمؤمنين وترك الكفار ولم يدع لهم بشئ، قال الله (ومن كفر فأمتعه) ~~الآية. وأخرج نحوه سفيان بن عيينة عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (من آمن منهم بالله) قال: كأن إبراهيم ~~احتجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله (ومن كفر) أيضا فأنا أرزقهم ~~كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقا لا أرزقهم أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب ~~النار، ثم قرأ ابن عباس - كلا نمد هؤلاء وهؤلاء - الآية. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: قال أبي بن كعب في قوله (ومن كفر) أن ~~هذا من قول الرب. وقال ابن عباس: هذا من قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر ~~فأمتعه قليلا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: القواعد أساس البيت. ~~وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وغيرهم عن سعيد بن جبير قصة ~~مطولة وآخرها في بناء البيت، قال: # فعند ذلك رفع إبراهيم القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ~~وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه ~~وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما ms0239 يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم). وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (وإذ يرفع إبراهيم القواعد) قال: القواعد التي كانت قواعد ~~البيت قبل ذلك. وقد أكثر المفسرون في تفسير هذه الآية من نقل أقوال السلف ~~في كيفية بناء البيت، ومن أي أحجار الأرض بنى، وفي أي زمان عرف، ومن حجه؟ ~~وما ورد فيه من الأدلة الدالة على فضله أو فضل بعضه كالحجر الأسود. وفي ~~الدر المنثور من ذلك ما لم يكن في غيره فليرجع إليه، وفي تفسير ابن كثير ~~بعض من ذلك، ولما لم يكن ما ذكروه متعلقا بالتفسير لم نذكره. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية (ربنا واجعلنا مسلمين لك) قال: كانا ~~مسلمين ولكن سألاه الثبات. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم، قال: مخلصين. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (ومن ذريتنا) قال: يعنيان ~~العرب. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال إبراهيم رب ~~أرنا مناسكنا، فأتاه جبريل فأتى به البيت فقال: ارفع القواعد، فرفع القواعد ~~وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به نحو مني، فلما كان عند العقبة ~~فإذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه، فكبر ورماه، فذهب إبليس حتى ~~أتى الجمرة الوسطى ففعل به إبراهيم كما فعل في الأولى، ثم كذلك في الجمرة ~~الثالثة، ثم أخذ جبريل بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام فقال: هذا ~~المشعر الحرام، ثم ذهب حتى أتى به عرفات، قال: # وقد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاثا، قال: نعم، قال: فأذن في الناس بالحج، ~~قال: وكيف أؤذن؟ قال: قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم ثلاث مرات، فأجاب ~~العباد: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاج. وأخرج ~~ابن جرير من طريق ابن المسيب عن علي قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ~~قال: قد فعلت أي رب فأرنا مناسكنا: أبرزها لنا علمناها، ms0240 فبعث الله جبريل ~~فحج به. وفي الباب آثار كثيرة عن السلف من الصحابة ومن بعدهم تتضمن أن ~~جبريل أرى إبراهيم المناسك، وفي أكثرها أن الشيطان تعرض له كما تقدم عن ~~PageV01P143 # مجاهد. وقد أخرج ابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ~~ابن عباس نحو ذلك، وكذلك أخرج عنه أحمد وابن أبي حاتم والبيهقي. # الضمير في قوله (وابعث فيهم) راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقا. ~~وقرأ أبي " وابعث في آخرهم " ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى الذرية. وقد ~~أجاب الله لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث في ذريته (رسولا منهم) ~~وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أخبر عن نفسه بأنه دعوة إبراهيم كما ~~سيأتي تخريج ذلك إن شاء الله، ومراده هذه الدعوة. والرسول هو المرسل. قال ~~ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال ورسلة إذا كانت سهلة السير ~~ماضية أمام النوق. ويقال جاء القوم أرسالا: أي بعضهم في أثر بعض، والمراد ~~بالكتاب: القرآن. والمراد بالحكمة: المعرفة بالدين والفقه في التأويل ~~والفهم للشريعة. وقوله (يزكيهم) أي يطهرهم من الشرك وسائر المعاصي. وقيل إن ~~المراد بالآيات ظاهر الألفاظ، والكتاب معانيها، والحكمة الحكم، وهو مراد ~~الله بالخطاب، والعزيز الذي لا يعجزه شئ قاله ابن كيسان. وقال الكسائي ~~(العزيز) الغالب (ومن يرغب) في موضع رفع على الابتداء، والاستفهام للإنكار. ~~وقوله (إلا من سفه نفسه) في موضع الخبر، وقيل هو بدل من فاعل يرغب، ~~والتقدير: وما يرغب عن ملة إبراهيم أحد إلا من سفه نفسه. قال الزجاج: سفه ~~بمعنى جهل: أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها. وقال أبو عبيدة: المعنى أهلك ~~نفسه. وحكى ثعلب والمبرد أن سفه بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء مشددة. ~~قال الأخفش (سفه نفسه) أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها، وقيل إن نفسه ~~منتصب بنزع الخافض، وقيل هو تمييز، وهذان ضعيفان جدا، وأما سفه بضم الفاء ~~فلا يتعدى قاله المبرد وثعلب. والاصطفاء: الاختيار، أي اخترناه في الدنيا ~~وجعلناه في الآخرة من الصالحين، فكيف يرغب ms0241 عن ملته راغب. وقوله (إذ قال له) ~~يحتمل أن يكون متعلقا بقوله (اصطفيناه) أي اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام، ~~ويحتمل أن يتعلق بمحذوف هو أذكر. قال في الكشاف: كأنه قيل أذكر ذلك الوقت ~~ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، والضمير في قوله ~~(وأوصى بها) راجع إلى الملة أو إلى الكلمة: أي أسلمت لرب العالمين. قال ~~القرطبي: وهو أصوب لأنه أقرب مذكور: أي قولوا أسلمنا انتهى. والأول أرجح ~~لأن المطلوب ممن بعده هو اتباع ملته لا مجرد التكلم بكلمة الإسلام، ~~فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم وأولى بهم. ووصى وأوصى بمعنى، وقرئ بهما، وفي ~~مصحف عثمان (وأوصى) وهي قراءة أهل الشام والمدينة، وفي مصحف عبد الله بن ~~مسعود (ووصى) وهي قراءة الباقين (ويعقوب) معطوف على إبراهيم: أي وأوصى ~~يعقوب بنيه كما PageV01P144 # أوصى إبراهيم بنيه. وقرأ عمر بن فايد الأسواري وإسماعيل بن عبد الله ~~المكي بنصب يعقوب، فيكون داخلا فيمن أوصاه إبراهيم، قال القشيري: وهو بعيد ~~لأن يعقوب لم يدرك جده إبراهيم وإنما ولد بعد موته. وقوله (يا بني) هو ~~بتقدير أن. وقد قرأ أبي وابن مسعود والضحاك بإثباتها. قال: الفراء: ألغيت ~~أن لأن التوصية كالقول، وكل كلام رجع إلى القول جاز فيه دخول أن وجاز فيه ~~إلغاؤها، وقيل إنه على تقدير القول: أي قائلا يا بني. روى ذلك عن البصريين. ~~وقوله (اصطفى لكم الدين) أي اختاره لكم، والمراد ملته التي لا يرغب عنها ~~إلا من سفه نفسه، وهي الملة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقوله (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فيه إيجاز بليغ. والمراد الزموا ~~الإسلام ولا تفارقوه حتى تموتوا. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) ~~قال: رغبت اليهود والنصارى عن ملته، واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست ~~من الله، تركوا ملة إبراهيم الإسلام، وبذلك بعث الله نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم بملة إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله. وأخرج ابن ~~أبي حاتم ms0242 عن أبي مالك في قوله (ولقد اصطفيناه) قال: اخترناه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ووصى بها إبراهيم بنيه) قال: ~~وصاهم بالإسلام، ووصى يعقوب بنيه بمثل ذلك. وأخرج الثعلبي عن فضيل بن عياض ~~في قوله (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) أي محسنون بربكم الظن. PageV01P145 # قوله (أم كنتم شهداء) أم هذه قيل هي المنقطعة، وقيل هي المتصلة، وفي ~~الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ، والخطاب لليهود والنصارى الذين ~~ينسبون إلى إبراهيم وإلى بنيه أنهم على اليهودية والنصرانية، فرد الله ذلك ~~عليهم وقال لهم: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى به بنيه فتدعون ذلك عن علم، ~~أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون. والشهداء جمع شاهد، ولم ينصرف لأن فيه ألف ~~التأنيث التي لتأنيث الجماعة، والعامل في " إذ " الأولى معنى الشهادة، وإذ ~~الثانية بدل من الأولى، والمراد بحضور الموت حضور مقدماته، وإنما جاء بما ~~دون من في قوله (ما تعبدون) لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات ~~كالأوثان والنار والشمس والكواكب. ومعنى (من بعدي) أي من بعد موتى. وقوله ~~(إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) عطف بيان لقوله (آبائك) وإسماعيل وإن كان عما ~~ليعقوب لأن العرب تسمى العم أبا وقوله (إلها) بدل من إلهك وإن كان نكرة ~~فذلك جائز ولا سيما بعد تخصيصه بالصفة التي هي قوله (واحدا) فإنه قد حصل ~~المطلوب من الإبدال بهذه الصفة. وقيل إن إلها منصوب على الاختصاص، وقيل إنه ~~حال. قال ابن عطية: وهو قول حسن، لأن الغرض الإثبات حال الوحدانية. وقرأ ~~الحسن ويحيى بن يعمر وأبو رجاء العطاردي " وإله أبيك " فقيل أراد إبراهيم ~~وحده. ويكون قوله (وإسماعيل) عطفا على أبيك وكذلك (إسحاق) وإن كان هو أباه ~~حقيقة وإبراهيم جده، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل إن قوله " أبيك " جمع ~~كما روى عن سيبويه أن أبين جمع سلامة ومثله أبون، ومنه قول الشاعر: # فلما تبين أصواتنا * بكين وقد بننا بالأبينا وقوله (ونحن له مسلمون) جملة ~~حالية: أي نعبده حال إسلامنا له، وجوز الزمخشري أن تكون اعتراضية على ما ~~يذهب ms0243 إليه من جوز وقوع الجمل الاعتراضية آخر الكلام. والإشارة بقوله (تلك) ~~إلى إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه و (أمة) بدل منه وخبره (قد خلت) أو أمة ~~خبره، وقد خلت نعت لأمة، وقوله (لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون) بيان لحال تلك الأمة وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين ~~كسبه، لا ينفعه كسب غيره ولا يناله منه شئ ولا يضره ذنب غيره، وفيه الرد ~~على من يتكل على عمل سلفه ويروح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في ~~الحديث " من بطأ به عمله لم يسرع نسبه " والمراد: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ~~ولا تؤاخذون بسيئاتهم ولا تسألون عن أعمالهم كما لا يسألون عن أعمالكم، ~~ومثله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى -. ولما ادعت ~~اليهود والنصارى أن الهداية بيدها والخير مقصور عليها رد الله ذلك عليهم ~~بقوله (بل ملة إبراهيم) أي قل يا محمد هذه المقالة، ونصب ملة بفعل مقدر: أي ~~نتبع، وقيل التقدير: نكون ملة إبراهيم: # أي أهل ملته، وقيل بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف الجر صار منصوبا. ~~وقرأ الأعراج وابن أبي عبلة " ملة " بالرفع: أي بل الهدى ملة إبراهيم. ~~والحنيف: المسائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو في أصل اللغة: الذي ~~تميل قدماه كل واحدة إلى أختها. قال الزجاج وهو منصوب على الحال: أي نتبع ~~ملة إبراهيم حال كونه حنيفا. وقال علي بن سليمان: هو منصوب بتقدير أعني ~~والحال خطأ كما لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة. # وقال في الكشاف: هو حال من المضاف إليه كقولك: رأيت وجه هند قائمة، وقال ~~قوم: الحنف الاستقامة، PageV01P146 # فسمى دينا إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمى معوج الرجلين أحنف تفاؤلا ~~بالاستقامة، كما قيل للديغ سليم، وللمهلكة مفازة. وقد استدل من قال بأن ~~الحنيف في اللغة المائل لا المستقيم بقول الشاعر: # إذا حول الظل العشي رأيته * حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر أي أن الحرباء ~~تستقبل القبلة بالعشي، وتستقبل المشرق بالغداة، وهي قبلة النصارى، ومنه قول ~~الشاعر: ms0244 # والله لولا حنف في رجله * ما كان في رجالكم من مثله وقوله (وما كان من ~~المشركين) فيه تعريض باليهود لقولهم - عزير ابن الله - وبالنصارى لقولهم - ~~المسيح ابن الله - أي أن إبراهيم ما كان على هذه الحالة التي أنتم عليها من ~~الشرك بالله فكيف تدعون عليه أنه كان على اليهودية أو النصرانية. وقوله ~~(قولوا آمنا بالله) خطاب للمسلمين وأمر لهم بأن يقولوا هذه المقالة، وقيل ~~إنه خطاب للكفار بأن يقولوا ذلك حتى يكونوا على الحق، والأول أظهر. ~~والأسباط: أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ولدا، ولكل واحد منهم من الأولاد ~~جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من ~~السبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون، وقيل أصله من السبط بالتحريك وهو ~~الشجر: أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، وقيل الأسباط حفدة يعقوب: أي أولاد ~~أولاده لا أولاده، لأن الكثرة إنما كانت فيهم دون أولاد يعقوب في نفسه، فهم ~~أفراد لا أسباط. وقوله (لا نفرق بين أحد منهم) قال الفراء: معناه لا نؤمن ~~ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى. قال في الكشاف: وأحد في ~~معنى الجماعة، ولذلك صح دخول بين عليه. وقوله (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) ~~هذا الخطاب للمسلمين أيضا: أي فإن آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به ~~من جميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم فقد اهتدوا، وعلى هذا فمثل ~~زائدة كقوله - ليس كمثله شئ - وقول الشاعر: * فصيروا هذه مثل كعصف مأكول * ~~وقيل إن المماثلة وقعت بين الإيمانين: أي فإن آمنوا بمثل إيمانكم. وقال في ~~الكشاف: إنه من باب التبكيت لأن دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام، ~~قال: أي فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم مساويا له في الصحة والسداد فقد ~~اهتدوا، وقيل إن الباء زائدة مؤكدة، وقيل إنها للاستعانة. والشقاق أصله من ~~الشق وهو الجانب، كأن كل واحد من الفريقين في جانب غير الجانب الذي فيه ~~الآخر، وقيل إنه مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب، فكل واحد من ms0245 الفريقين يحرص على ~~فعل ما يشق على صاحبه، ويصح حمل الآية على كل واحد من المعنيين، وكذلك قول ~~الشاعر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق وقول الآخر: إلى كم تقبل ~~العلماء قسرا * وتفخر بالشقاق وبالنفاق وقوله (فسيكفيهم الله) وعد من الله ~~تعالى لنبيه أنه سيكفيه من عانده وخالفه من المتولين، وقد أنجز له وعده بما ~~أنزله من بأسه بقريظة والنضير وبني قينقاع. وقوله (صبغة الله) قال الأخفش ~~وغيره: أي دين الله، قال: # وهي منتصبة على البدل من ملة. وقال الكسائي: هي منصوبة على تقدير اتبعوا، ~~أو على الإغراء: أي الزموا، ورجح الزجاج الانتصاب على البدل من ملة، كما ~~قاله الفراء. وقال في الكشاف: إنها مصدر مؤكد منتصب عن قوله (آمنا بالله) ~~كما انتصب - وعد الله - عما تقدمه، وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي ~~الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله لأن الإيمان تطهير النفوس ~~انتهى، وبه قال سيبويه: أي كونه مصدرا PageV01P147 # مؤكدا. وقد ذكر المفسرون أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ~~الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية ويجعلون ذلك تطهيرا لهم، فإذا فعلوا ذلك ~~قالوا الآن صار نصرانيا حقا، فرد الله عليهم بقوله (صبغة الله) أي الإسلام، ~~وسماه صبغة استعارة، ومنه قول بعض شعراء همدان: # وكل أناس لهم صبغة * وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أولادنا * ~~فأكرم بصبغتنا في الصبغ وقيل إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في ~~الإسلام بدلا من معمودية النصارى، ذكره الماوردي. وقال الجوهري: صبغة الله ~~دينه وهو يؤيد ما تقدم عن الفراء، وقيل الصبغة الختان. وقوله (قل أتحاجوننا ~~في الله) أي أتجادلوننا في الله: أي في دينه والقرب منه والحظوة عنده، وذلك ~~كقولهم - نحن أبناء الله وأحباؤه - وقرأ ابن محيصن " أتحاجونا " بالإدغام ~~لاجتماع المثلين. وقوله (وهو ربنا وربكم) أي نشترك نحن وأنتم في ربوبيته ~~لنا وعبوديتنا له، فكيف تدعون أنكم أولى به منا وتحاجوننا في ذلك. وقوله ~~(لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي لنا أعمال ولكم أعمال فلستم ms0246 بأولى بالله ~~منا، وهو مثل قوله تعالى - فقل لي عملي ولكم علمكم أنتم بريئون مما أعمل ~~وأنا برئ مما تعملون -. وقوله (ونحن له مخلصون) أي نحن أهل الإخلاص للعبادة ~~دونكم، وهو المعيار الذي يكون به التفاضل والخصلة التي يكون صاحبها أولى ~~بالله سبحانه من غيره، فكيف تدعون لأنفسكم ما نحن أولى به منكم وأحق؟ وفيه ~~توبيخ لهم وقطع لما جاءوا به من المجادلة والمناظرة. وقوله (أم يقولون) قرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " تقولون " بالتاء الفوقية، وعلى هذه ~~القراء تكون أم ها هنا معادلة للهمزة في قوله (أتحاجوننا) أي أتحاجوننا في ~~الله أم تقولون إن هؤلاء الأنبياء على دينكم، وعلى قراءة الياء التحتية ~~تكون أم منقطعة: أي بل يقولون. وقوله (قل أنتم أعلم أم الله) فيه تقريع ~~وتوبيخ: أي أن الله أخبرنا بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى وأنتم تدعون ~~أنهم كانوا هودا أو نصارى فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه. وقوله (ومن أظلم) ~~استفهام: أي لا أحد أظلم (ممن كتم شهادة عنده من الله) يحتمل أن يريد بذلك ~~الذم لأهل الكتاب بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هودا ولا نصارى، ~~بل كانوا على الملة الإسلامية، فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة بل ~~بادعائهم لما هو مخالف لها، وهو أشد في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم ~~الذي لا أحد أظلم منه، ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة ~~لم يكن أحد أظلم منهم، ويكون المراد بذلك التعريض بأهل الكتاب، وقيل المراد ~~هنا ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وفي قوله (وما الله ~~بغافل عما تعملون) وعيد شديد، وتهديد ليس عليه مزيد، وإعلام بأن الله ~~سبحانه لا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح والذنب الفظيع، وكرر قوله ~~سبحانه (تلك أمة قد خلت) إلى آخر الآية لتضمنها معنى التهديد والتخويف الذي ~~هو المقصود في هذا المقام. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (أم كنتم شهداء) يعني أهل ~~الكتاب. وأخرج أيضا ms0247 عن الحسن في قوله (أم كنتم شهداء) قال: يقول لم يشهد ~~اليهود ولا النصارى ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه الميثاق إذ ~~حضره الموت أن لا تعبدوا إلا الله، فأقروا بذلك وشهد عليهم أن قد أقروا ~~بعبادتهم أنهم مسلمون. # وأخرج عن ابن عباس أنه كان يقول: الجد أب ويتلو الآية. وأخرج أيضا عن أبي ~~العالية في الآية قال: سمى العم أبا. وأخرج أيضا نحوه عن محمد بن كعب. ~~وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال ~~عبد الله بن صوريا الأعور للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما الهدى إلا ما ~~نحن عليه فاتبعنا PageV01P148 # يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم (وقالوا كونوا ~~هودا) الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (حنيفا) قال: ~~متبعا. وأخرجا أيضا عن ابن عباس في قوله (حنيفا) قال: حاجا. # وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: الحنيف المستقيم. وأخرج أيضا عن ~~خصيف قال: الخنيف المخلص. وأخرج أيضا عن أبي قلابة قال: الحنيف الذي يؤمن ~~بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " بعثت بالحنيفية السمحة ". وأخرج أحمد أيضا ~~والبخاري في الأدب المفرد وابن المنذر عن ابن عباس قال " قيل يا رسول الله ~~أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: # الحنيفية السمحة ". وأخرج الحاكم في تاريخه وابن عساكر من حديث أسعد بن ~~عبد الله بن مالك الخزاعي مرفوعا مثله. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود ~~والنسائي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في ~~ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة (قولوا آمنا بالله) كلها ~~وفي الآخرة - آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون -. وأخرج البخاري من حديث أبي ~~هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية ~~لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تصدقوا ms0248 أهل ~~الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله " الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~قال: الأسباط بنو يعقوب كانوا اثنى عشر رجلا كل واحد منهم ولد أمة من ~~الناس. وروى نحوه ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي، وحكاه ابن كثير في ~~تفسيره عن أبي العالية والربيع وقتادة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: # لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله لا مثل له، ولكن قولوا ~~فإن آمنوا بالذي آمنتم به وأخرج ابن أبي داود في المصاحف والخطيب في تاريخه ~~عن أبي جمرة قال: كان ابن عباس يقرأ (فإن آمنوا بالذي آمنتم به) وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (فإنما هم في شقاق) قال فراق. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (صبغة الله) قال: دين الله. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: فطرة الله التي فطر الناس عليها. ~~وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا ~~الله، فناداه ربه: يا موسى سألوك هل يصبغ ربك فقل نعم أنا أصبغ الألوان ~~الأحمر والأبيض والأسود والألوان كلها في صبغتي " وأنزل الله على نبيه ~~(صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة). وأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ~~العظمة عن ابن عباس موقوفا. وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهودا، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى وإن ~~صبغة الله الإسلام ولا صبغة أحسن من صبغة الإسلام ولا أطهر وهو دين الله ~~الذي بعث به نوحا ومن كان بعده من الأنبياء. وأخرج ابن النجار في تاريخ ~~بغداد عن ابن عباس في قوله (صبغة الله) قال: البياض. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أتحاجوننا) قال: أتخاصموننا. ~~وأخرج ابن جرير عنه قال: # أتجادلوننا. وأخرج ms0249 عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (ومن أظلم ممن ~~كتم شهادة) الآية قال أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين ~~الله، واتخذوا اليهودية والنصرانية، وكتموا محمدا وهم يعلمون أنه رسول ~~الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير عن الحسن ~~نحوه. وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله (تلك أمة قد خلت) قال يعني ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط PageV01P149 # قوله (سيقول) هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~وللمؤمنين بأن السفهاء من اليهود والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن ~~تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقيل إن (سيقول) بمعنى قال: # وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته واستمرار عليه ~~وقيل إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وأن فائدة ذلك أن ~~الاخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوينا لصدمته وتخفيفا لروعته ~~وكسرا لسورته. والسفهاء جمع سفيه، وهو الكذاب البهات المعتمد خلاف ما يعلم، ~~كذا قال بعض أهل اللغة. وقال في الكشاف: هم خفاف الأحلام، ومثله في ~~القاموس. وقد تقدم في تفسير قوله (إلا من سفه نفسه) ما ينبغي الرجوع إليه، ~~ومعنى (ما ولاهم) ما صرفهم (عن قبلتهم التي كانوا عليها) وهي بيت المقدس، ~~فرد الله عليهم بقوله (قل لله المشرق والمغرب) فله أن يأمر بالتوجه إلى أي ~~جهة شاء. وفي قوله (يهدى من يشاء) إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من ~~الهداية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأهل ملته إلى الصراط المستقيم. ~~وقوله (وكذلك جعلناكم) أي مثل ذلك الجعل جعلناكم، قيل معناه: وكما أن ~~الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا. والوسط الخيار أو العدل، والآية ~~محتملة للأمرين، ومما يحتملهما قول زهير: # هم وسط ترضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم ومثله قول ~~الآخر: أنتم أوسط حي علموا * بصغير الأمر أو إحدى الكبر وقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم تفسير الوسط هنا بالعدل ms0250 كما سيأتي، فوجب الرجوع ~~إلى ذلك ومنه قول الراجز: # لا تذهبن في الأمور مفرطا * لا تسألن إن سألت شططا * وكن من الناس جميعا ~~وسطا ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا: أي هذه الأمة لم ~~تغل غلو النصارى في عيسى ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، ويقال فلان ~~أوسط قومه وواسطتهم: أي خيارهم. وقوله (لتكونوا شهداء على الناس) أي يوم ~~القيامة تشهدون للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوهم ما أمرهم الله بتبليغه ~~إليهم، ويكون الرسول شهيدا على أمته بأنهم قد فعلوا ما أمر بتبليغه إليهم، ~~ومثله قوله تعالى - فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا -، قيل إن قوله (عليكم) يعني لكم: أي يشهد لهم بالإيمان، وقيل معناه: ~~يشهد عليكم بالتبليغ لكم. قال في الكشاف: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن ~~على المشهود له جئ بكلمة الاستعلاء، ومنه قوله تعالى - والله على كل شئ ~~شهيد - كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد - انتهى. وقالت طائفة: ~~معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، وقيل المراد لتكونوا شهداء على ~~الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول، PageV01P150 # وسيأتي من المرفوع ما يبين معنى الآية إن شاء الله، وإنما أخر لفظ " على ~~" في شهادة الأمة على الناس، وقدمها في شهادة الرسول عليهم، لأن الغرض كما ~~قال صاحب الكشاف في الأول: إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم ~~بكون الرسول شهيدا عليهم. وقوله (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) قيل ~~المراد بهذه القبلة هي بيت المقدس: أي ما جعلناها إلا لنعلم المتبع ~~والمنقلب، ويؤيد هذا قوله (كنت عليها) إذا كان نزول هذه الآية بعد صرف ~~القبلة إلى الكعبة، وقيل المراد الكعبة: أي ما جعلنا القبلة التي أنت عليها ~~الآن بعد أن كانت إلى بيت المقدس إلا لذلك الغرض، ويكون (كنت) بمعنى الحال، ~~وقيل المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس فإنه كان ~~يستقبل في مكة الكعبة، ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس ms0251 تألفا لليهود ثم ~~صرف إلى الكعبة. وقوله (إلا لنعلم) قيل المراد بالعلم هنا الرؤية، وقيل ~~المراد إلا لتعلموا أنا نعلم بأن المنافقين كانوا في شك، وقيل ليعلم النبي، ~~وقيل المراد لنعلم ذلك موجودا حاصلا، وهكذا ما ورد معللا بعلم الله سبحانه ~~لا بد أن يؤول بمثل هذا كقوله - وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ~~-. وقوله (وإن كانت لكبيرة) أي ما كانت إلا كبيرة، كما قاله الفراء في أن ~~وإن أنهما بمعنى ما وإلا. وقال البصريون: هي الثقيلة خففت، والضمير في كانت ~~راجع إلى ما يدل عليه قوله (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) من التحويلة ~~أو التولية أو الجعلة أو الردة، ذكر معنى ذلك الأخفش ولا مانع من أن يرجع ~~الضمير إلى القبلة المذكورة: أي وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت عليها ~~لكبيرة إلا على الذين هداهم الله للإيمان، فانشرحت صدورهم لتصديقك، وقبلت ~~ما جئت به عقولهم، وهذا الاستثناء مفرغ لأن ما قبله في قوة النفي: أي أنها ~~لا تخف ولا تسهل إلا على الذين هدى الله. وقوله (وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم) قال القرطبي: اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى ~~بيت المقدس، ثم قال: فسمى الصلاة إيمانا لاجتماعها على نية وقول وعمل، وقيل ~~المراد ثبات المؤمنين على الإيمان عند تحويل القبلة، وعدم ارتيابهم كما ~~ارتاب غيرهم. والأول يتعين القول به، والمصير إليه لما سيأتي من تفسيره صلى ~~الله عليه وآله وسلم للآية بذلك. والرؤوف كثير الرأفة، وهي أشد من الرحمة. ~~قال أبو عمرو بن العلاء: الرأفة أكبر من الرحمة والمعنى متقارب. وقرأ أبو ~~جعفر بن يزيد بن القعقاع " لروف " بغير همز، وهي لغة بني أسد، ومنه قول ~~الوليد بن عتبة: # وشر الغالبين فلا تكنه * يقاتل عمه الروف الرحيم وقد أخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن البراء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أول ما نزل ~~المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو ~~سبعة عشر شهرا، وكان ms0252 يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأن أول صلاة صلاها ~~العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم ~~راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل ~~الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل ~~بيت المقدس وأهل الكتاب فلما ولي وجهه قبل البيت أنكروا ذلك وكان الذي مات ~~على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال، وقتلوا فلم ندر ما يقول فيهم، ~~فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم) وله ~~طرق أخر وألفاظ متقاربة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي عن ابن عباس قال إن أول ما نسخ في القرآن القبلة. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأبو داود في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعد ما ~~تحول إلى المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرفه الله إلى الكعبة. وفي الباب أحاديث ~~كثيرة بمضمون ما تقدم، وكذلك وردت أحاديث في الوقت الذي نزل فيه استقبال ~~القبلة، وفي كيفية استدارة المصلين لما بلغهم PageV01P151 # ذلك، وقد كانوا في الصلاة فلا نطول بذكرها. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد ~~والنسائي والترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والإسماعيلي في ~~صحيحه والحاكم وصححه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ~~(وكذلك جعلناكم أمة وسطا) قال: عدلا. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ~~أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ # فيقول نعم، فيدعي قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، ~~وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: # من يشهد لك؟ فيقول: ms0253 محمد وأمته " فذلك قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ~~قال: والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم. وأخرج سعيد بن ~~منصور وأحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد نحوه. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " أن وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما ~~من الناس أحد إلا ود أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ ~~رسالة ربه ". وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد في قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس) بأن الرسل قد بلغوا (ويكون الرسول عليكم شهيدا) ~~بما عملتم، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال مروا بجنازة فأثنى ~~عليها خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " وجبت وجبت وجبت، ومروا ~~بجنازة فأثنى عليها شرا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " وجبت وجبت ~~وجبت فسأله عمر فقال: من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه ~~شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، ~~أنتم شهداء الله في الأرض " زاد الحكيم الترمذي ثم تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الآية وفي الباب أحاديث منها عن ~~جابر مرفوعا عند ابن المنذر والحاكم وصححه، ومنها عن عمر مرفوعا عند ابن ~~أبي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي، ومنها عن أبي زهير الثقفي ~~مرفوعا عند أحمد وابن ماجة والطبراني والدارقطني في الإفراد والحاكم في ~~المستدرك والبيهقي في السنن، ومنها عن أبي هريرة مرفوعا عند ابن جرير وابن ~~أبي حاتم، ومنها عن سلمة بن الأكوع مرفوعا عند ابن أبي شيبة وابن جرير ~~والطبراني. وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله تعالى (وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها) قال: يعني بيت المقدس (إلا لنعلم) قال نبتليهم لنعلم من يسلم ~~لأمره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله (إلا لنعلم) ms0254 قال لنميز أهل اليقين من أهل الشك (وإن كانت ~~لكبيرة) يعني تحويلها على أهل الشرك والريب. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ~~قال: بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا. وأخرج ~~أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والطبراني ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى القبلة، قالوا: يا رسول الله فيكف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت ~~المقدس فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم). وقد تقدم حديث البراء. ~~وفي الباب أحاديث كثيرة، وآثار عن السلف. PageV01P152 # قوله (قد نرى تقلب وجهك) قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء: هذه الآية ~~مقدمة في النزول على قوله (سيقول السفهاء)، ومعنى (قد) تكثير الرؤية، كما ~~قاله صاحب الكشاف، ومعنى (تقلب وجهك) تحول وجهك إلى السماء، قاله قطرب. ~~وقال الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وقوله ~~(فلنولينك) هو إما من الولاية: أي فلنعطيك ذلك. أو من التولي: أي فلنجعلنك ~~متوليا إلى جهتها، وهذا أولى لقوله (فول وجهك شطر المسجد الحرام). والمراد ~~بالشطر هنا: الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية ومنه قول الشاعر: # أقول لأم زنباع أقيمي * صدور العيس شطر بني تميم ومنه أيضا قول الآخر: # ألا من مبلغ عمرا رسولا * وما تغني الرسالة شطر عمرو وقد يراد بالشطر ~~النصف، ومنه " الوضوء شطر الإيمان "، ومنه قول عنترة: # إني امرؤ من خير عبس منصبا * شطري وأحمي سائري بالمنصل قال ذلك لأن أباه ~~من سادات عبس وأمه أمة، ويرد بمعنى البعض مطلقا. ولا خلاف أن المراد بشطر ~~المسجد هنا الكعبة. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض ~~على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية، ويستدل على ذلك بما ~~يمكنه الاستدلال به، والضمير في قوله (أنه الحق) راجع إلى ما يدل عليه ~~الكلام من التحول إلى جهة الكعبة، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم ~~عن أنبيائهم أو وجدوا في كتب الله المنزلة ms0255 عليهم أن هذا النبي يستقبل ~~الكعبة، أو لكونهم قد علموا من كتبهم أو أنبيائهم أن النسخ سيكون في هذه ~~الشريعة فيكون ذلك موجبا عليهم الدخول في الإسلام ومتابعة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قوله (وما الله بغافل عما يعملون) قد تقدم معناه. وقرأ ابن ~~عامر وحمزة والكسائي تعملون بالمثناة الفوقية على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقرأ الباقون بالياء التحتية. وقوله (ولئن ~~أتيت) هذه اللام هي موطئة للقسم، والتقدير: والله لئن أتيت. وقوله (ما ~~تبعوا) جواب القسم المقدر قال الأخفش والفراء: أجيب لئن بجواب لو لأن ~~المعنى: ولو أتيت، ومثله قوله تعالى - ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا ~~- أي ولو أرسلنا، وإنما قالا هكذا لأن لئن هي ضد لو، وذلك أن الأولى تطلب ~~في جوابها المضي والوقوع ولئن تطلب في جوابها الاستقبال. # وقال سيبويه: إن معنى لئن يخالف معنى لو فلا تدخل إحداهما على الأخرى، ~~فالمعنى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. قال ~~سيبويه: ومعنى - أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا - ليظللن انتهى. وفي هذه الآية ~~مبالغة عظيمة وهي متضمنة للتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وترويح خاطرة لأن هؤلاء لا تؤثر فيهم كل آية، ولا يرجعون إلى الحق وإن ~~جاءهم بكل برهان فضلا عن برهان واحد وذلك أنهم لم يتركوا اتباع الحق ~~PageV01P153 # لدليل عندهم أو لشبهة طرأت عليهم، حتى يوازنوا بين ما عندهم وما جاء به ~~الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقلعوا عن غوايتهم عند وضوح الحق، بل ~~كان تركهم للحق تمردا وعنادا مع علمهم بأنهم ليسوا على شئ، ومن كان هكذا ~~فهو لا ينتفع بالبرهان أبدا. وقوله (وما أنت بتابع قبلتهم) هذا الإخبار ~~ممكن أن يكون بمعنى النهى من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أي لا تتبع يا محمد قبلتهم ويمكن أن يكون على ظاهره دفعا لأطماع أهل ~~الكتاب، وقطعا لما يرجونه من رجوعه صلى الله عليه وآله وسلم إلى القبلة ~~التي ms0256 كان عليها. وقوله (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) فيه إخبار بأن اليهود ~~والنصارى مع حرصهم على مبايعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما عندهم ~~مختلفون في دينهم حتى في هذا الحكم الخاص الذي قصة الله سبحانه على رسوله، ~~فإن بعضهم لا يتابع الآخر في استقبال قبلته. قال في الكشاف: وذلك أن اليهود ~~تستقبل بيت المقدس والنصارى تستقبل مطلع الشمس انتهى. وقوله (ولئن اتبعت ~~أهواءهم) إلى آخر الآية، فيه من التهديد العظيم والزجر البليغ ما تقشعر له ~~الجلود وترجف منه الأفئدة، وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه ~~الشريعة الغراء والملة الشريفة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي ~~هو سيد ولد آدم يوجب عليه أن يكون وحاشاه من الظالمين، فما ظنك بغيره من ~~أمته، وقد صان الله هذه الفرقة الإسلامية بعد ثبوت قدم الإسلام وارتفاع ~~مناره عن أن يميلوا إلى شئ من هوى أهل الكتاب، ولم تبق إلا دسيسة شيطانية ~~ووسيلة طاغوتية، وهي ميل بعض من تحمل حجج الله إلى هوى بعض طوائف المبتدعة، ~~لما يرجوه من الحطام العاجل من أيديهم أو الجاه لديهم إن كان لهم في الناس ~~دولة، أو كانوا من ذوي الصولة، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل، بل اتباع ~~أهوية المبتدعة تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب، كما يشبه الماء الماء، ~~والبيضة البيضة، والتمرة التمرة، وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد ~~على هذه الملة من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى ~~الإسلام، ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ~~ذلك والضد لما هنالك، فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى ~~بدعة ويدفعونه من شنعة إلى شنعة، حتى يسلخوه من الدين ويخرجوه منه، وهو يظن ~~أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم، هذا إن ~~كان في عداد المقصرين، ومن جملة الجاهلين، وإن كان من أهل العلم والفهم ~~المميزين بين الحق والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على ms0257 علم ~~وختم على قلبه، وصار نقمة على عباد الله ومصيبة صبها الله على المقصرين، ~~لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى الحق، ولا يتبع إلا ~~الصواب، فيضلون بضلاله، فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة، ~~نسأل الله اللطف والسلامة والهداية وقوله (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه) ~~قيل الضمير لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: أي يعرفون نبوته. روى ذلك عن ~~مجاهد وقتادة وطائفة من أهل العلم، وقيل يعرفون تحويل القبلة عن بيت المقدس ~~إلى الكعبة بالطريق التي قدمنا ذكرها، وبه قال جماعة من المفسرين، ورجح ~~صاحب الكشاف الأول. وعندي أن الراجح الآخر كما يدل عليه السياق الذي سيقت ~~له هذه الآيات. وقوله (ليكتمون الحق) هو عند أهل القول الأول نبوة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وعند أهل القول الثاني استقبال الكعبة. وقوله (الحق ~~من ربك) يحتمل أن يكون المراد به الحق الأول، ويحتمل أن يراد به جنس الحق ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره قوله " من ربك " أي الحق هو الذي ~~من ربك لا من غيره. وقرأ علي بن أبي طالب الحق بالنصب على أنه بدل من الأول ~~أو منصوب على الإغراء أي الزم الحق. وقوله (فلا تكونن من الممترين) خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P154 # والامتراء: الشك، نهاه الله سبحانه عن الشك في كونه الحق من ربه، أو في ~~كون كتمانهم الحق مع علمهم، وعلى الأول هو تعريض للأمة: أي لا يكن أحد عن ~~أمته من الممترين، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يشك في كون ذلك هو الحق ~~من الله سبحانه. # وقد أخرج ابن ماجة عن البراء قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله ~~إلى المدينة بشهرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى إلى ~~بيت المقدس أكثر تقليب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى ~~الكعبة ms0258 فصعد جبريل فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبعه بصره وهو ~~يصعد بين السماء والأرض ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء) الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبريل كيف ~~حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم). ~~وأخرجه الطبراني من حديث معاذ مختصرا لكنه قال: # سبعة عشر شهرا. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو في ~~قوله تعالى (فلنولينك قبلة ترضاها) قال: قبلة إبراهيم نحو الميزاب. # وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء ~~في قوله (فول وجهك شطر المسجد الحرام) قال: قبله. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي ~~مثله. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال (شطره) ~~نحوه. وأخرج البيهقي عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير عن أبي العالية قال (شطر المسجد الحرام) تلقاءه وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال: البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب. وأخرج البيهقي في سننه عنه ~~مرفوعا قال: البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة ~~لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ~~(وإن الذين أوتوا الكتاب) قال: أنزل ذلك في اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (ليعلمون أنه الحق) قال: يعني بذلك [القبلة. وأخرج أبو ~~داود في ناسخه وابن جرير عن أبي العالية نحوه. وأخرج ابن جرير عن السدي في ~~قوله (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى، ولا ~~النصارى بتابعي قبلة اليهود. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (الذين آتيناهم الكتاب) قال: ms0259 اليهود ~~والنصارى (يعرفونه) قال: يعرفون رسول الله في كتابهم (كما يعرفون أبناءهم). ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه في قوله (يعرفونه) أي يعرفون أن البيت ~~الحرام هو القبلة. وأخرج ابن جرير عن الربيع مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن مجاهد في قوله (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) قال: ~~يكتمون محمدا وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. وأخرج أبو داود ~~في ناسخه وابن جرير عن أبي العالية قال: قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) يقول: لا تكونن في شك يا محمد أن ~~الكعبة هي قبلتك، وكانت قبلة الأنبياء من قبلك. PageV01P155 # قوله (ولكل) بحذف المضاف إليه لدلالة التنوين عليه: أي لكل أهل دين وجهة، ~~والوجهة فعلة من المواجهة وفي معناها الجهة والوجه، والمراد القبلة: أي ~~أنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم (ولكل وجهة) إما بحق وإما بباطل، ~~والضمير في قوله (هو موليها) راجع إلى لفظ كل. والهاء في قوله (موليها) هي ~~المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف: أي موليها وجهه. والمعنى: أن لكل ~~صاحب ملة قبلة صاحب القبلة موليها وجهه، أو لكل منكم يا أمة محمد قبلة يصلي ~~إليها من شرق أو غرب أو جنوب أو شمال إذا كان الخطاب للمسلمين - ويحتمل أن ~~يكون الضمير لله سبحانه وإن لم يجز له ذكر، إذ هو معلوم أن الله فاعل ذلك، ~~والمعنى: أن لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه. وحكى الطبري أن قوما ~~قرءوا " ولكل وجهة " بالإضافة، ونسب هذه القراءة أبو عمرو الداني إلى ابن ~~عباس. قال في الكشاف: والمعنى وكل وجهة الله موليها فزيدت اللام لتقدم ~~المفعول كقولك لزيد ضربت ولزيد أبوه ضاربه انتهى. وقرأ ابن عباس وابن عامر ~~" مولاها " على ما لم يسم فاعله. قال الزجاج: # والضمير على هذه القراءة لواحد: أي ولكل واحد من الناس قبلة الواحد ~~مولاها: أي مصروف إليها. وقوله (فاستبقوا الخيرات) أي إلى الخيرات على ~~الحذف والإيصال: أي بادروا إلى ما ms0260 أمركم الله من استقبال البيت الحرام كما ~~يفيده السياق وإن كان ظاهره الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خير ~~كما يفيده العموم المستفاد من تعريف الخيرات، والمراد من الاستباق إلا ~~الاستقبال: الاستباق إلى الصلاة في أول وقتها. ومعنى قوله (أينما تكونوا ~~يأت بكم الله) أي في أي جهة من الجهات المختلفة تكونوا يأت بكم الله للجزاء ~~يوم القيامة أو يجمعكم جميعا، ويجعل صلاتكم في الجهات المختلفة كأنها إلى ~~جهة واحدة، وقوله (ومن حيث خرجت) كرر سبحانه هذا لتأكيد الأمر باستقبال ~~الكعبة، وللاهتمام به، لأن موقع التحويل كان معتنى به في نفوسهم، وقيل وجه ~~التكرير أن النسخ من مظان الفتنة ومواطن الشبهة، فإذا سمعوه مرة بعد أخرى ~~ثبتوا واندفع ما يختلج في صدورهم، وقيل إنه كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه ~~سبحانه ذكر للتحويل ثلاث علل: الأولى ابتغاء مرضاته، والثانية جرى العادة ~~الإلهية أن يولي كل أهل ملة وصاحب دعوة جهة يستقل بها والثالثة دفع حجج ~~المخالفين فقرن بكل علة معلولها، وقيل أراد بالأول: ول وجهك شطر الكعبة إذا ~~صليت تلقاءها، ثم قال: وحيثما كنتم معاشر المسلمين في سائر المساجد ~~بالمدينة وغيرها فولوا وجوهكم شطره، ثم قال (ومن حيث خرجت) يعني وجوب ~~الاستقبال في الأسفار فكان هذا أمر بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواطن من ~~نواحي الأرض. وقوله (لئلا يكون للناس عليكم حجة) قيل معناه: لئلا يكون ~~لليهود عليكم حجة إلا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة ~~إلا ميلا إلى دين قومه PageV01P156 # فعلى هذا المراد بالذين ظلموا: المعاندون من أهل الكتاب، وقيل هم مشركو ~~العرب، وحجتهم قولهم: راجعت قبلتنا، وقيل معناه: لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~لئلا يقولوا لكم قد أمرتم باستقبال الكعبة ولستم ترونها. وقال أبو عبيدة: ~~إن إلا هاهنا بمعنى الواو: أي والذين ظلموا فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه ~~قول الشاعر: # ما بالمدينة دار غير واحدة * دار الخليفة إلا دار مروانا كأنه قال: إلا ~~دار الخليفة ودار مروان، وأبطل الزجاج هذا القول وقال: إنه استثناء ms0261 منقطع: ~~أي لكن الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجون، ومعناه: إلا من ظلم باحتجاجه فيما ~~قد وضح له كما تقول مالك علي حجة إلا أن تظلمني: أي مالك علي حجة البتة ~~ولكنك تظلمني، وسمى ظلمه حجة لأن المحتج بها سماه حجة وإن كانت داحضة. # وقال قطرب: يجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على ~~الذين ظلموا، فالذين بدل من الكاف والميم في عليكم. ورجح ان جرير الطبري أن ~~الاستثناء متصل، وقال: نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى: لا حجة لأحد عليكم إلا ~~الحجة الداحضة حيث قالوا ما ولاهم، وقالوا: إن محمدا تحير في دينه، وما ~~توجه إلى قبلتنا إلا أنا أهدى منه. وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا ~~من عابد وثن أو من يهودي أو منافق. قال: والحجة بمعنى المحاجة التي هي ~~المخاصمة والمجادلة، وسماها تعالى حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظالم. ورجح ~~ابن عطية أن الاستثناء منقطع كما قال الزجاج: قال القرطبي: وهذا على أن ~~يكون المراد بالناس اليهود ثم استثنى كفار العرب كأنه قال: لكن الذين ظلموا ~~في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله. وقوله (فلا تخشوهم) ~~يريد الناس: أي لا تخافوا مطاعنهم فإنها داحضة باطلة لا تضركم. وقوله ~~(ولأتم نعمتي عليكم) معطوف على (لئلا يكون) أي ولأن أتم قاله الأخفش، وقيل ~~هو مقطوع عما قبله في موضع رفع بالابتداء، والخبر مضمر، والتقدير: ولأتم ~~نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي قاله الزجاج، وقيل معطوف على علة مقدرة كأنه قيل: ~~واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، ~~وقيل دخول الجنة. وقوله (كما أرسلنا) الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر ~~محذوف. والمعنى: ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا قاله الفراء، ~~ورجحه ابن عطية. وقيل الكاف في موضع نصب على الحال، والمعنى: ولأتم نعمتي ~~عليكم في هذه الحال، والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في ~~الرسالة. ms0262 وقيل معنى الكلام على التقديم والتأخير: أي فاذكروني كما أرسلنا ~~قاله الزجاج. # وقوله (فاذكروني أذكركم) أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة. قال سعيد بن ~~جبير: ومعنى الآية اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة حكاه عنه ~~القرطبي في تفسيره، وأخرجه عنه عبد بن حميد وابن جرير، وقد روى نحوه مرفوعا ~~كما سيأتي. وقوله (واشكروا لي) قال الفراء: شكر لك وشكرت لك. والشكر: معرفة ~~الإحسان والتحدث به، وأصله في اللغة: الطهور. وقد تقدم الكلام فيه. وقوله ~~(ولا تكفرون) نهي ولذلك حذفت نون الجماعة، وهذه الموجودة في الفعل هي نون ~~المتكلم، وحذفت الياء لأنها رأس آية، وإثباتها حسن في غير القرآن. والكفر ~~هنا: ستر النعمة لا التكذيب، وقد تقدم الكلام فيه. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولكل وجهة هو ~~موليها) قال: يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أنه قال في تفسير هذه الآية: صلوا نحو بيت المقدس مرة، ونحو ~~الكعبة مرة أخرى. وأخرج أبو داود في ناسخه عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير ~~عن PageV01P157 # قتادة في قوله (فاستبقوا الخيرات) يقول: لا تغلبن على قبلتكم. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن زيد في قوله (فاستبقوا الخيرات) قال: الأعمال الصالحة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (فاستبقوا الخيرات) يقول فسارعوا في ~~الخيرات (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا) قال: يوم القيامة. وأخرج ابن ~~جرير من طريق السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال: لما صرف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال ~~المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنكم ~~أهدى منه سبيلا ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله (لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~عن قتادة في قوله (لئلا يكون للناس عليكم حجة) قال: # يعني بذلك أهل الكتاب حين صرف نبي الله ms0263 إلى الكعبة قالوا: اشتاق الرجل ~~إلى بيت أبيه ودين قومه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: حجتهم ~~قولهم قد أحب قبلتنا وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن ~~قتادة ومجاهد في قوله (إلا الذين ظلموا منهم) قال: الذين ظلموا منهم مشركو ~~قريش أنهم سيحتجون بذلك عليكم، واحتجوا على نبي الله بانصرافه إلى البيت ~~الحرام وقالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله في ذلك كله ~~(يا أيها الذي آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين). وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم) يعني ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~عن مجاهد في قوله (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم) يقول: كما فعلت فاذكروني. ~~وأخرج أبو الشيخ والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فاذكروني أذكركم) يقول: اذكروني يا ~~معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي. وأخرج الديلمي وابن عساكر مثله مرفوعا ~~من حديث أبي هند الداري وزاد: فمن ذكرني وهو مطيع فحق علي أن أذكره ~~بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاص فحق علي أن أذكره بمقت. وأخرج عبد بن حميد ~~عن ابن عباس: يقول الله: ذكري لكم خير من ذكركم لي. وقد ورد في فضل ذكر ~~الله على الإطلاق وفضل الشكر أحاديث كثيرة. # لما فرغ سبحانه من إرشاد عباده إلى ذكره وشكره، عقب ذلك بإرشادهم إلى ~~الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن من جمع بين ذكر الله وشكره، واستعان بالصبر ~~والصلاة على تأدية ما أمر الله به، ودفع ما يرد عليه من المحن فقد هدى إلى ~~الصواب ووفق إلى الخير، وإن هذه المعية التي أوضحها الله بقوله (إن الله مع ~~الصابرين) فيها أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من ~~الخطوب، فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال وإن كانت PageV01P158 # كالجبال. وأموات وأحياء مرتفعان على أنهما ms0264 خبران لمحذوفين: أي لا تقولوا ~~لمن يقتل في سبيل الله هم أموات بل هم أحياء، ولكن لا تشعرون بهذه الحياة ~~عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم، لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر ~~الأمر بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ ~~الطائر في منقاره من ماء لبحر، وليسوا كذلك في الواقع بل هم أحياء في ~~البرزخ. وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ~~ذلك، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة ودلت عليه الآيات القرآنية، ومثل هذه ~~الآية قوله تعالى - ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون -. والبلاء أصله المحنة، ومعنى نبلوكم: نمتحنكم لنختبركم ~~هل تصبرون على القضاء أم لا؟ وتنكير شئ للتقليل: أي بشئ قليل من هذه ~~الأمور. وقرأ الضحاك بأشياء. والمراد بالخوف: ما يحصل لمن يخشى من نزول ضرر ~~به من عدو أو غيره. وبالجوع: # المجاعة التي تحصل عند الجدب والقحط. وبنقص الأموال: ما يحدث فيها بسبب ~~الجوائح وما أوجبه الله فيها من لزكاة ونحوها. وبنقص الأنفس: الموت والقتل ~~في الجهاد. وبنقص الثمرات: ما يصيبها من الآفات وهو من عطف الخاص على العام ~~لشمول الأموال للثمرات وغيرها - وقيل المراد بنقص الثمرات: موت الأولاد. ~~وقوله (وبشر الصابرين) أمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من ~~يقدر على التبشير. وقد تقدم معنى البشارة. والصبر أصله الحبس، ووصفهم بأنهم ~~المسترجعون عند المصيبة، لأن ذلك تسليم ورضا. والمصيبة واحدة المصائب: وهي ~~النكبة التي يتأذى بها الإنسان وإن صغرت. وقوله (إنا لله وإنا إليه راجعون) ~~فيه بيان أن هذه الكلمات ملجأ للمصابين وعصمة للممتحنين، فإنها جامعة بين ~~الإقرار بالعبودية لله، والاعتراف بالبعث والنشور. ومعنى الصلوات هنا: ~~المغفرة والثناء الحسن قاله الزجاج. وعلى هذا فذكر الرحمة لقصد التأكيد. # وقال في الكشاف: الصلاة الرحمة والتعطف، فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها ~~وبين الرحمة كقوله: رأفة ورحمة - رؤوف رحيم - والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة ~~ورحمة بعد رحمة انتهى. وقيل ms0265 المراد بالرحمة: كشف الكربة وقضاء الحاجة. و ~~(المهتدون) قد تقدم معناه، وإنما وصفوا هنا بذلك لكونهم فعلوا ما فيه ~~الوصول إلى طريق الصواب من الاسترجاع والتسليم. # وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: ~~غشى على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية ظنوا أنه قد فاضت نفسه فيها، حتى ~~قاموا من عنده وجللوه ثوبا، وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد ~~تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة، فلبثوا ساعة وهو في غشيته ثم أفاق. ~~وأخرج ابن منده في المعرفة عن ابن عباس قال: قتل تميم بن الحمام ببدر، وفيه ~~وفي غيره نزلت (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) الآية. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال (في سبيل الله) في طاعة الله في قتال ~~المشركين. وقد وردت أحاديث أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل من ~~ثمار الجنة. فمنها عن كعب بن مالك مرفوعا عند أحمد والترمذي وصححه والنسائي ~~وابن ماجة. وروى أن أرواح الشهداء تكون على صور طيور بيض، كما أخرجه عبد ~~الرزاق عن قتادة قال: بلغنا، فذكر ذلك. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عنه ~~أيضا بنحوه، وروى أنها على صور طيور خضر، كما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي ~~في شعب الإيمان عن أبي العالية. وأخرجه ابن أبي شيبة في البعث والنشور عن ~~كعب. وأخرجه هناد بن السري عن هذيل. وأخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف عن ~~عبد الله بن كعب بن مالك مرفوعا، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء في ~~قوله (ولنبلونكم PageV01P159 # بشئ من الخوف والجوع) قال هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~ابن عباس في قوله (ولنبلوكم) الآية، قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار ~~بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشرهم فقال (وبشر الصابرين) وأخبر ~~أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند ms0266 المصيبة كتب الله له ثلاث ~~خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتخفيف سبيل الهدى. وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، ~~وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله (ونقص من الثمرات) قال: ~~يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة. وأخرج الطبراني وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أعطيت أمتي ~~شيئا لم يعطه أحد من الأمم أن يقولوا عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون " وقد ورد في فضل الاسترجاع عند المصيبة أحاديث كثيرة. # (أصل) الصفا في اللغة: الحجر الأملس، وهو هنا علم لجبل من جبال مكة ~~معروف، وكذلك (المروة) علم لجبل بمكة معروف، وأصلها في اللغة: واحدة ~~المروى، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين. وقيل التي فيها صلابة، وقيل تعم ~~الجميع. قال: أبو ذؤيب: # حتى كأني للحوادث مروة * بصفا المشقر كل يوم تقرع وقيل إنها الحجارة ~~البيض البراقة: وقيل إنها الحجارة السود. والشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة: ~~أي من أعلام مناسكه. والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها الله إعلاما ~~للناس من الموقف والسعي والمنحر، ومنه إشعار الهدى: أي إعلامه بغرز حديدة ~~في سنامه، ومنه قول الكميت: # نقتلهم جيلا فجيلا تراهم * شعائر قربان بهم يتقرب وحج البيت في اللغة: ~~قصده، ومنه قول الشاعر: # وأشهد من عوف حئولا كثيرة * يحجون سب الزبرقان المزعفرا والسب: العمامة: ~~وفي الشرع: الإتيان بمناسك الحج التي شرعها الله سبحانه. والعمرة في اللغة: ~~الزيارة. # وفي الشرع: الإتيان بالنسك المعروف على الصفة الثابتة. والجناح أصله من ~~الجنوح، وهو الميل، ومنه الجوانح لاعوجاجها. وقوله (يطوف) أصله يتطوف فأدغم ~~وقرئ " أن يطوف "، ورفع الجناح يدل على عدم الوجوب، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه والثوري. وحكى الزمخشري في الكشاف عن أبي حنيفة أنه يقول: إنه واجب ~~وليس بركن وعلى تاركه دم. وقد ذهب إلى عدم الوجوب ms0267 ابن عباس وابن الزبير ~~وأنس بن مالك وابن سيرين. ومما يقوى دلالة هذه الآية على عدم الوجوب قوله ~~تعالى في آخر الآية (ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم) وذهب الجمهور إلى ~~أن السعي واجب ونسك من جملة المناسك، واستدلوا بما أخرجه الشيخان وغيرهما ~~عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول الله (إن الصفا والمروة من شعائر الله ~~فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف PageV01P160 # بهما) فما أرى على أحد جناحا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت ~~يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف ~~بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة ~~الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا ~~والمروة في الجاهلية، فأنزل الله (إن الصفا والمروة من شعائر الله) الآية، ~~قالت عائشة: ثم قد بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطواف بهما، ~~فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. وأخرج مسلم وغيره عنها أنها قالت: لعمري ما ~~أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته، لأن الله قال (إن ~~الصفا والمروة من شعائر الله). وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: # سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال " إن الله كتب عليكم السعي ~~فاسعوا ". وأخرج أحمد في مسنده والشافعي وابن سعد وابن المنذر وابن قانع ~~والبيهقي عن حبيبة بنت أبي تجرأة قالت: " رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى أرى ~~ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله عز وجل كتب ~~عليكم السعي " وهو في مسند أحمد من طريق شيخه عبد الله بن المؤمل عن عطاء ~~بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عنها، ورواه من طريق أخرى عن عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن ms0268 صفية بنت شيبة أن ~~امرأة أخبرتها فذكرته. ويؤيد ذلك حديث " خذوا عني مناسككم " اه‍. # قوله (إن الذين يكتمون) إلى آخر الآية، فيه الإخبار بأن الذي يكتم ذلك ~~ملعون - واختلفوا من المراد بذلك؟ # فقيل أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل كل من كتم الحق وترك بيان ما أوجب الله بيانه، وهو الراجح لأن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، فعلى فرض أن سبب ~~النزول ما وقع من اليهود والنصارى من الكتم فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية ~~كل من كتم الحق. # وفي هذه الآية من الوعيد الشديد ما لا يقادر قدره، فإن من لعنه الله ~~ولعنه كل من يتأتى منه اللعن من عباده قد بلغ من الشقاوة والخسران إلى ~~الغاية التي لا تلحق ولا يدرك كنهها. وفي قوله (من البينات والهدى) دليل ~~على أنه يجوز كتم غير ذلك كما قال أبو هريرة: " حفظت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وعاءين: أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا ~~البلعوم " أخرجه البخاري. والضمير في قوله (من بعد ما بيناه) راجع إلى ما ~~أنزلنا. # والكتاب اسم جنس، وتعريفه يفيد شموله لجميع الكتب، وقيل المراد به ~~التوراة. واللعن: الإبعاد والطرد. # والمراد بقوله (اللاعنون) الملائكة والمؤمنون قاله الزجاج وغيره، ورجحه ~~ابن عطية، وقيل كل من يتأتى منه PageV01P161 # اللعن فيدخل في ذلك الجن، وقيل هم الحشرات والبهائم. وقوله (إلا الذين ~~تابوا) إلخ، فيه استثناء التائبين والمصلحين لما فسد من أعمالهم، والمبينين ~~للناس ما بينه الله في كتبه وعلى ألسن رسله. قوله (وماتوا وهم كفار) هذه ~~الجملة حالية، وقد استدل بذلك على أنه لا يجوز لعن كافر معين، لأن حاله عند ~~الوفاة لا يعلم، ولا ينافي ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من لعنه ~~لقوم من الكفار بأعيانهم، لأنه يعلم بالوحي مالا نعلم، وقيل يجوز لعنه عملا ~~بظاهر الحال كما يجوز قتاله. قوله (أولئك عليهم لعنة الله) الخ، استدل به ms0269 ~~على جواز لعن الكفار على العموم. قال القرطبي: ولا خلاف في ذلك. قال: وليس ~~لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر، بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره ~~سواء كان الكافر عاقلا أو مجنونا. وقال قوم من السلف: لا فائدة في لعن من ~~جن أو مات منهم لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر. قال: ويدل على هذا القول ~~أن الآية دالة على الإخبار عن الله والملائكة والناس بلعنهم لا على الأمر ~~به. قال ابن العربي: إن لعن العاصي المعين لا يجوز باتفاق، لما روى " أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضر: لعنه ~~الله ما أكثر ما يشربه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا تكونوا ~~عونا للشيطان على أخيكم " والحديث في الصحيحين. وقوله (والناس أجمعين) قيل ~~هذا يوم القيامة، وأما في الدنيا ففي الناس المسلم والكافر، ومن يعلم ~~بالعاصي ومعصيته ومن لا يعلم، فلا يتأتى اللعن له من جميع الناس، وقيل في ~~الدنيا، والمراد أنه يلعنه غالب الناس أو كل من علم بمعصيته منهم. وقوله ~~(خالدين فيها) أي في النار، وقيل في اللعنة. والإنظار: الإمهال، وقيل معنى ~~لا ينظرون: # لا ينظر الله إليهم فهو من النظر، وقيل هو من الانتظار: أي لا ينتظرون ~~ليعتذروا، وقد تقدم تفسير (الرحمن الرحيم). وقوله (وإلهكم إله واحد) فيه ~~الإرشاد إلى التوحيد وقطع علائق الشرك، والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ~~ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل وخارجه بن ~~زيد أخو بني الحارث بن الخزرج نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، ~~فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم (إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا) الآية. # وقد روى عن جماعة من السلف أن الآية نزلت في أهل الكتاب لكتمهم نبوة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم ms0270 وآله. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن البراء بن عازب قال: كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقال: إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه فتسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه ~~كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى (ويلعنهم اللاعنون) يعني دواب ~~الأرض. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: الجن والإنس وكل دابة. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: إذا أجدبت البهائم دعت على فجار بني ~~آدم. # وأخرج عنه عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب ~~الإيمان قال في تفسير الآية: إن دواب الأرض والعقارب والخنافس يقولون: إنما ~~منعنا القطر بذنوبهم فيلعنونهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي جعفر قال: يلعنهم كل شئ حتى الخنفساء. وقد ~~وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتم العلم والوعيد لفاعله. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (إلا الذين تابوا وأصلحوا) قال: أصلحوا ما ~~بينهم وبين الله، وبينوا الذين جاءهم من الله ولم يكتموه ولم يجحدوه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (أتوب عليهم) يعني أتجاوز عنهم. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن PageV01P162 # أبي العالية قال: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه ~~الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون. وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن قتادة ~~قال: يعني بالناس أجمعين المؤمنين. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ~~(خالدين فيها) يقول: خالدين في جهنم في اللعنة. وقال في قوله (ولا هم ~~ينظرون) يقول: لا ينظرون فيعتذرون. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا هم ينظرون) قال: لا يؤخرون. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة عن ~~أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " ~~اسم سنة الله الأعظم في هاتين الآيتين - وإلهكم إله ms0271 واحد لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم - والم الله لا إله إلا هو الحي القيوم - ". وأخرج الديلمي ~~عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ليس شئ أشد على مردة الجن ~~من هؤلاء الآيات التي في سورة البقرة (وإلهكم إله واحد) الآيتين ". # لما ذكر سبحانه التوحيد بقوله (وإلهكم إله واحد) عقب ذلك بالدليل الدال ~~عليه، وهو هذه الأمور التي هي من أعظم صنعة الصانع الحكيم، مع علم كل عاقل ~~بأنه لا يتهيأ من أحد من الآلهة التي أثبتها الكفار أن يأتي بشئ منها، أو ~~يقتدر عليه أو على بعضه، وهي خلق السماوات، وخلق الأرض، وتعاقب الليل ~~والنهار، وجرى الفلك في البحر، وإنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض به، ~~وبث الدواب منها بسببه، وتصريف الرياح، فإن من أمعن نظره وأعمل فكره في ~~واحد منها انبهر له، وضاق ذهنه عن تصور حقيقته. وتحتم عليه التصديق بأن ~~صانعه هو الله سبحانه، وإنما جمع السماوات لأنها أجناس مختلفة، كل سماء من ~~جنس غير جنس الأخرى، ووحد الأرض لأنها كلها من جنس واحد وهو التراب. ~~والمراد باختلاف الليل والنهار تعاقبهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر، ~~وإضاءة أحدهما وإظلام الآخر. والنهار: ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ~~وقال النضر بن شميل: أول النهار طلوع الشمس، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. ~~وكذا قال ثعلب، واستشهد بقول أمية بن أبي الصلت: # والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد وكذا قال الزجاج. وقسم ~~ابن الأنباري الزمان إلى ثلاثة أقسام: قسما جعله ليلا محضا، وهو من غروب ~~الشمس إلى طلوع الفجر. وقسما جعله نهارا محضا، وهو من طلوع الشمس إلى ~~غروبها. وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل، وهو ما بين طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس لبقايا ظلمة الليل ومبادئ ضوء النهار. هذا باعتبار مصطلح أهل ~~اللغة. وأما في الشرع فالكلام في ذلك معروف. والفلك: السفن، وإفراده وجمعه ~~بلفظ واحد، وهو هذا ويذكر ويؤنث. قال الله تعالى - في الفلك المشحون - ~~والفلك التي تجري في البحر ms0272 - وقال - حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم - ~~وقيل واحده فلك بالتحريك، مثل أسد وأسد. وقوله (بما ينفع الناس) يحتمل أن ~~تكون ما موصولة PageV01P163 # أي بالذي ينفعهم، أو مصدرية: أي بنفعهم، والمراد بما أنزل من السماء ~~المطر الذي به حياة العالم وإخراج النبات والأرزاق. والبث: النشر، والظاهر ~~أن قوله (بث) معطوف على قوله (فأحيا) لأنهما أمران متسببان عن إنزال المطر. ~~وقال في الكشاف: إن الظاهر عطفه على أنزل. والمراد بتصريف الرياح: إرسالها ~~عقيما، وملقحة وصرا ونصرا، وهلاكا وحارة وباردة، ولينة وعاصفة، وقيل ~~تصريفها: إرسالها جنوبا وشمالا ودبورا، وصبا ونكبا وهي التي تأتي بين مهبي ~~ريحين، وقيل تصريفها: أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها والصغار كذلك، ~~ولا مانع من حمل التصريف على جميع ما ذكر. والسحاب سمى سحابا لانسحابه في ~~الهواء، وسحبت ذيلي سحبا وتسحب فلان على فلان: اجترأ. والمسخر: المذلل، ~~وسخره: بعثه من مكان إلى آخر، وقيل تسخيره: ثبوته بين السماء والأرض من غير ~~عمد ولا علائق. والأول أظهر. والآيات الدلالات على وحدانيته سبحانه لمن ~~ينظر ببصره ويتفكر بعقله. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: # ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا نتقوى به على عدونا، فأوحى الله إليه: ~~إني معطيهم فأجعل لهم الصفا ذهبا، ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين، فقال: رب دعني وقومي فأدعوهم يوما بيوم، فأنزل ~~الله هذه الآية. وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير. وأخرج ~~وكيع والفريابي وآدم ابن أبي إياس وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الضحى ~~قال: لما نزلت (وإلهكم إله واحد) عجب المشركون وقالوا: إن محمدا يقول ~~(وإلهكم إله واحد) فليأتنا بآية إن كان من الصادقين، فأنزل الله (إن في خلق ~~السماوات والأرض) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ ms0273 عن عطاء نحوه. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: # الليل موكل به ملك يقال له شراهيل، فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء ~~فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة عين، ~~وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة، فإذا غربت جاء الليل، فلا تزال ~~الخرزة معلقة حتى يجئ ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل ~~المطلع، فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته، وترى الشمس الخرزة البيضاء، ~~فتطلع، وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها، فإذا طلعت جاء النهار. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (والفلك) قال: السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن السدي قال (بث) خلق، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (وتصريف الرياح) قال: # إذا شاء جعلها رحمة لواقح للسحاب، وبشرا بين يدي رحمته، وإذا شاء جعلها ~~عذابا ريحا عقيما لا تلقح. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: كل شئ في ~~القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شئ في القرآن من الريح فهي عذاب. وقد ورد ~~في النهي عن سب الريح وأوصافها أحاديث كثيرة لا تعلق لها بالآية. ~~PageV01P164 # لما فرغ سبحانه من الدليل على وحدانيته، أخبر أن مع هذا الدليل الظاهر ~~المفيد لعظيم سلطانه، وجليل قدرته وتفرده بالخلق، وقد وجد في الناس من يتخذ ~~معه سبحانه ندا يعبده من الأصنام. وقد تقدم تفسير الأنداد، مع أن هؤلاء ~~الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حبا عظيما وأفرطوا في ~~ذلك إفراطا بالغا، حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكنا في صدورهم ~~كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه، فالمصدر في قوله (كحب الله) مضاف إلى ~~المفعول، والفاعل محذوف وهو المؤمنون. ويجوز أن يكون المراد كحبهم لله: # أي عبدة الأوثان قاله ابن كيسان والزجاج. ويجوز أن يكون هذا المصدر من ~~المبني للمجهول: أي كما يحب الله. والأول أولى لقوله (والذين آمنوا أشد حبا ~~لله) فإنه ms0274 استدراك لما يفيده التشبيه من التساوي: أي أن حب المؤمنين لله ~~أشد من حب الكفار للأنداد، لأن المؤمنين يخصون الله سبحانه بالعبادة ~~والدعاء، والكفار لا يخصون أصنامهم بذلك، بل يشركون الله معهم، ويعترفون ~~بأنهم إنما يعبدون أصنامهم ليقربوهم إلى الله، ويمكن أن يجعل هذا: أعني ~~قوله (والذين آمنوا أشد حبا لله) دليلا على الثاني، لأن المؤمنين إذا كانوا ~~أشد حبا لله لم يكن حب الكفار للأنداد كحب المؤمنين لله، وقيل المراد ~~بالأنداد هنا الرؤساء: أي يطيعونهم في معاصي الله، ويقوى هذا الضمير في ~~قولهم (يحبونهم) فإنه لمن يعقل، ويقويه أيضا قوله سبحانه عقب ذلك (إذ تبرأ ~~الذين اتبعوا) الآية. # قوله (ولو ترى الذين ظلموا) قراءة أهل مكة والكوفة وأبو عمرو بالياء ~~التحتية، وهو اختيار أبي عبيد. وقراءة أهل المدينة وأهل الشام بالفوقية، ~~والمعنى على القراءة الأولى: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة ~~لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا قاله أبو عبيد. قال النحاس: وهذا ~~القول هو الذي عليه أهل التفسير انتهى. وعلى هذا فالرؤية هي البصرية لا ~~القلبية. وروى عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به ~~أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة، لأنه يقدر: ولو يرى الذين ظلموا ~~العذاب، فكأنه يجعله مشكوكا فيه. وقد أوجبه الله تعالى، ولكن التقدير وهو ~~الأحسن: ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله - ويرى بمعنى يعلم: أي لو يعلمون ~~حقيقة قوة الله وشدة عذابه. قال: وجواب لو محذوف: أي لتبينوا ضرر اتخاذهم ~~الآلهة كما حذف في قوله - ولو ترى إذ وقفوا على النار - ولو ترى إذ وقفوا ~~على ربهم - ومن قرأ بالفوقية فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال ~~رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا. وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم علم ذلك ولكن خوطب بهذا الخطاب، والمراد به أمته، وقيل ~~(أم) في موضع نصب مفعول لأجله: أي لأن القوة لله، كما قال الشاعر: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره * وأعرض ms0275 عن شتم اللئيم تكرما أي لادخاره، ~~والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب، لأن القوة لله ~~لعلمت مبلغهم من النكال، ودخلت (إذ) وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات ~~تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه. وقرأ ابن عامر (إذ يرون) بضم الياء، والباقون ~~بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وأبو جعفر " إن القوة، وإن الله " بكسر الهمزة ~~فيهما على الاستئناف، وعلى تقدير القول. قوله (إذ تبر الذين اتبعوا) بدل من ~~قوله (إذ يرون العذاب) ومعناه: PageV01P165 # أن السادة والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر. وقوله (ورأوا العذاب) ~~في محل نصب على الحال: يعني التابعين والمتبوعين، قيل عند المعاينة في ~~الدنيا، وقيل عند العرض والمساءلة في الآخرة. ويمكن أن يقال فيهما جميعا إذ ~~لا مانع من ذلك. قوله (وتقطعت بهم الأسباب) هي جمع سبب، وأصله في اللغة: ~~الحبل الذي يشد به الشئ ويجذب به، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا، والمراد بها: ~~الوصل التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحم وغيره، وقيل هي الأعمال. ~~والكرة: الرجعة والعودة إلى حال قد كانت، ولو هنا في معنى التمني كأنه قيل: ~~ليت لنا كرة، ولهذا وقعت الفاء في الجواب. والمعنى: أن الأتباع قالوا: لو ~~رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم كما تبرءوا منا. والكاف في ~~قوله (كما تبرءوا منا) في محل نصب على النعت لمصدر محذوف، وقيل في محل نصب ~~على الحال، ولا أراه صحيحا. وقوله (كذلك يريهم الله) في موضع رفع: أي الأمر ~~كذلك: # أي كما أراهم الله العذاب يريهم أعمالهم، وهذه الرؤية إن كانت البصرية ~~فقوله (حسرات) منتصب على الحال، وإن كانت القلبية فهو المفعول الثالث، ~~والمعنى: أن أعمالهم الفاسدة يريهم الله إياها فتكون عليهم حسرات، أو يريهم ~~الأعمال الصالحة التي أوجبها عليهم فتركوها فيكون ذلك حسرة عليهم. وقوله ~~(وما هم بخارجين من النار) فيه دليل على خلود الكفار في النار، وظاهر هذا ~~التركيب يفيد الاختصاص، وجعله الزمخشري للتقوية لغرض له يرجع إلى المذهب، ~~والبحث في هذا يطول. # وقد ms0276 أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا) قال: # مباهاة ومضاررة للحق بالأنداد (والذين آمنوا أشد حبا لله) قال: من الكفار ~~لآلهتهم. وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في هذه الآية قال: هؤلاء المشركون ~~أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله ~~(والذين آمنوا أشد حبا لله) من حبهم لآلهتهم. وأخرج ابن جرير عن السدي في ~~الآية قال: الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمروهم أطاعوهم ~~وعصوا الله. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة نحو ما قال ابن زيد. # وأخرج ابن جرير عن الزبيري في قوله (ولو ترى الذين ظلموا) قال: ولو ترى ~~يا محمد الذين ظلموا أنفسهم فاتخذوا من دوني أندادا يحبونهم كحبكم إياي حين ~~يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوة كلها لي دون ~~الأنداد، والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئا ولا تدفع عنهم عذابا أحللت بهم، ~~وأيقنتهم أني شديد عذابي لمن كفر بي وادعى معي إلها غيري. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (إذ تبرأ الذين اتبعوا) قال: هم الجبابرة ~~والقادة والرءوس في الشرك (من الذين اتبعوا) قال: هم الشياطين تبرءوا من ~~الإنس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه عن ابن عباس في قوله (فتقطعت بهم الأسباب) قال: المودة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عنه قال: هي المنازل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه ~~قال: # هي الأرحام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد ~~قال: هي الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا والمودة. وأخرج عبد بن حميد عن ~~أبي صالح قال: هي الأعمال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: هي ~~المنازل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (لو أن لنا كرة) ~~قال: # رجعة إلى الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ms0277 (حسرات) ~~قال: صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عكرمة في قوله (وما هم بخارجين من النار) قال: أولئك أهلها الذين هم أهلها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج ~~منها حتى نزلت (وما هم بخارجين من النار). PageV01P166 # قوله (يا أيها الناس) قيل إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه ~~على أنفسهم من الأنعام. حكاه القرطبي في تفسيره، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ ~~لا بخصوص السبب. وقوله (حلالا) مفعول أو حال، وسمي الحلال حلالا لانحلال ~~عقدة الحظر عنه. والطيب هنا هو المستلذ كما قاله الشافعي وغيره. وقال مالك ~~وغيره: هو الحلال فيكون تأكيدا لقوله (حلالا). ومن في قوله (مما في الأرض) ~~للتبعيض للقطع بأن في الأرض ما هو حرام (وخطوات) جمع خطوة بالفتح والضم، ~~وهي بالفتح للمرة، وبالضم لما بين القدمين. وقرأ القراء خطؤات بفتح الخاء، ~~وقرأ أبو سماك بفتح الخاء والطاء، وقرأ علي وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون ~~والأعمش " خطؤات " بضم الخاء والطاء والهمز على الواو. قال الأخفش: وذهبوا ~~بهذه القراءة إلى أنها جمع خطية من الخطأ لا من الخطو. # قال الجوهري: والخطوة بالفتح: المرة الواحدة، والجمع خطوات وخطا انتهى. ~~والمعنى على قراءة الجمهور: # لا تقفوا أثر الشيطان وعمله، وكل ما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى ~~الشيطان، وقيل هي النذور والمعاصي، والأولى التعميم، وعدم التخصيص بفرد أو ~~نوع. وقوله (إنه لكم عدو مبين) أي ظاهر العداوة، ومثله قوله تعالى - إنه ~~عدو مضل مبين - وقوله - إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا -. وقوله (بالسوء) ~~سمي السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عاقبته، وهو مصدر ساءه يسوؤه سوءا ~~ومساءة إذا أحزنه. (والفحشاء) أصله سوء المنظر، ومنه قول الشاعر: * وجيد ~~كجيد الرئم ليس بفاحش * ثم استعمل فيما يقبح من المعاني، وقيل السوء: ~~القبيح، والفحشاء: التجاوز للحد في القبح، وقيل السوء: مالا حد فيه، ~~والفحشاء: ما فيه الحد، وقيل الفحشاء: الزنا، وقيل إن كل ما نهت عنه ~~الشريعة ms0278 فهو من الفحشاء. وقوله (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) قال ابن ~~جرير الطبري: يريد ما حرموه من البحيرة والسائبة ونحوهما مما جعلوه شرعا، ~~وقيل هو قولهم هذا حلال وهذا حرام بغير علم. والظاهر أنه يصدق على كل ما ~~قيل في الشرع بغير علم. وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ~~ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه، ~~وأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى - هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض -. والضمير في قوله (وإذا قيل لهم) راجع إلى الناس، لأن الكفار منهم ~~وهم المقصودون هنا، وقيل كفار العرب خاصة، و (ألفينا) معناه وجدنا، والألف ~~في قوله (أولو كان آباؤهم) للاستفهام، وفتحت الواو لأنها واو العطف. وفي ~~هذه الآية من الذم للمقلدين والنداء بجهلهم الفاحش واعتقادهم الفاسد مالا ~~يقادر قدره، ومثل هذه الآية قوله تعالى - وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا - الآية، وفي ذلك دليل ~~على قبح التقليد، والمنع منه، والبحث في ذلك يطول. وقد أفردته بمؤلف مستقل ~~سميته [القول المفيد: في حكم التقليد] واستوفيت PageV01P167 # الكلام فيه في [أدب الطلب ومنتهى الأرب]. وقوله (ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق) فيه تشبيه واعظ الكافرين، وداعيهم وهو محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا يسمع إلا دعاء ونداء ولا يفهم ~~ما يقول، هذا فسره الزجاج والفراء وسيبويه، وبه قال جماعة من السلف. قال ~~سيبويه: لم يشبهوا بالناعق، إنما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى: مثلك يا محمد ~~ومثل الذين كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم فحذف ~~لدلالة المعنى عليه. وقال قطرب: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم مالا ~~يفهم: # يعني الأصنام، كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي. وبه قال ~~ابن جرير الطبري. وقال ابن زيد: # المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح ms0279 في جوف ~~الليل فيجيبه الصدى فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه مالا حقيقة فيه. والنعيق: ~~زجر الغنم والصياح بها، يقال نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقانا: ~~أي صاح بها وزجرها، والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون: أجهل ~~من راعي ضأن. # وقوله (صم) وما بعده أخبار لمبتدأ محذوف: أي هم صم بكم عمى. وقد تقدم ~~تفسير ذلك. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال " تليت هذه الآية عند النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يعني (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) ~~فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب ~~الدعوة، فقال: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن ~~الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه فما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد ~~نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) قال: عمله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أنه قال " ما خالف القرآن فهو من خطوات الشيطان " وأخرج عبد بن حميد وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: خطاه. # وأخرجا أيضا عن عكرمة قال: هي نزغات الشيطان. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن ~~جبير قال: هي تزيين الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ~~كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما ~~كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين. ~~وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه أتى بضرع وملح فجعل يأكل، فاعتزل رجل من ~~القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم: فقال: # لا أريد، فقال: أصائم أنت؟ قال لا. قال: فما شأنك؟ قال: حرمت على نفسي أن ~~آكل ضرعا، فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطعم وكفر عن يمينك. ~~وأخرج عبد بن ms0280 حميد عن عثمان بن غياث قال: # سألت جابر بن زيد عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب، فقال: هي من ~~خطوات الشيطان ولا يزال عاصيا لله فليكفر عن يمينه. وأخرج عبد بن حميد عن ~~الحسن أنه جعل يمين من حلف أن يحج حبوا من خطوات الشيطان. وأخرج عبد بن ~~حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز قال: هي النذور في المعاصي. وأخرج ابن جرير عن ~~السدي في قوله (إنما يأمركم بالسوء) قال: المعصية (والفحشاء) قال: الزنا. ~~وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم اليهود إلى الإسلام ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله ~~ونقمته، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا ~~عليه آباءنا فهم كانوا أعلم وخيرا منا، فأنزل الله في ذلك (وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) وأخرج ابن جرير ~~عن الربيع وقتادة في قوله (ألفينا) قالا: وجدنا. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن PageV01P168 # عباس في قوله (ومثل الذين كفروا) الآية، قال: كمثل البقر والحمار والشاة ~~إن قلت لبعضهم كلاما لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن ~~أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه أنه يسمع ~~صوتك. وروى نحو ذلك عن مجاهد أخرجه عبد بن حميد، وعن عكرمة أخرجه وكيع. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود ~~الذين أنزل الله فيهم (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) إلى قوله ~~(فما أصبرهم على النار). # قوله (كلوا من طيبات ما رزقناكم) هذا تأكيد للأمر الأول: أعني قوله (يا ~~أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) وإنما خص المؤمنين هنا لكونهم ~~أفضل أنواع الناس، قيل والمراد بالأكل الانتفاع، وقيل المراد به الأكل ~~المعتاد، وهو الظاهر. قوله (واشكروا لله) قد تقدم ms0281 أنه يقال شكره وشكر له ~~يتعدى بنفسه وبالحرف. # وقوله (إن كنتم إياه تعبدون) أي تخصونه بالعبادة كما يفيده تقدم المفعول. ~~قوله (إنما حرم عليكم الميتة) قرأ أبو جعفر (حرم) على البناء للمفعول و ~~(إنما) كلمة موضوعة للحصر تثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه. # وقد حصرت ها هنا التحريم في الأمور المذكورة بعدها. قوله (الميتة) قرأ ~~ابن أبي عبلة بالرفع، ووجه ذلك أنه يجعل " ما " في " إنما " موصولة منفصلة ~~في الخط، والميتة وما بعدها خبر الموصول، وقراءة الجميع بالنصب. وقرأ أبو ~~جعفر بن القعقاع الميتة بتشديد الياء، وقد ذكر أهل اللغة أنه يجوز في ميت ~~التخفيف والتشديد. والميتة ما فارقها الروح من غير ذكاة. وقد خصص هذا ~~العموم بمثل حديث " أحل لنا ميتتان ودمان " أخرجه أحمد وابن ماجة ~~والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا، ومثل حديث جابر في ~~العنبر الثابت في الصحيحين مع قوله تعالى - أحل لكم صيد البحر - فالمراد ~~بالميتة هنا ميتة البر لا ميتة البر. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أكل ~~جميع حيوانات البحر حيها وميتها. وقال بعض أهل العلم: إنه يحرم من حيوانات ~~البحر ما يحرم شبهه في البر، وتوقف ابن حبيب في خنزير الماء. وقال ابن ~~القاسم: وأنا أتقيه ولا أراه حراما. قوله (والدم) قد اتفق العلماء على أن ~~الدم حرام، وفي الآية الأخرى - أو دما مسفوحا - فيحمل المطلق على المقيد ~~لأن ما خلط باللحم غير محرم، قال القرطبي: بالإجماع. وقد روت عائشة أنها ~~كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة على البرمة من الدم، فيأكل ذلك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولا ينكره. قوله (ولحم الخنزير) ظاهر هذه الآية والآية ~~الأخرى أعني قوله تعالى - قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير - أن المحرم إنما هو اللحم ~~فقط. وقد أجمعت الأمة على تحريم شحمه كما حكاه القرطبي في تفسيره. وقد ذكر ~~جماعة من أهل العلم أن اللحم يدخل تحته الشحم. ms0282 وحكى القرطبي الإجماع أيضا ~~على أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه تجوز الخرازة به. # قوله (وما أهل به لغير الله) الإهلال: رفع الصوت، يقال أهل بكذا: أي رفع ~~صوته. قال: الشاعر يصف فلاة: PageV01P169 # تهل بالفرقد ركبانها * كما يهل الراكب المعتمر * وقال النابغة: أو درة ~~صدفية غواصها * بهج متى يرها يهل ويسجد ومنه إهلال الصبي، واستهلاله: وهو ~~صياحه عند ولادته. والمراد هنا: ما ذكر عليه اسم غير الله كاللات والعزى ~~إذا كان الذابح وثنيا، والنار إذا كان الذابح مجوسيا. ولا خلاف في تحريم ~~هذا وأمثاله، ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه ~~مما أهل به لغير الله، ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن. قوله (فمن اضطر) قرئ ~~بضم النون للاتباع وبكسرها على الأصل في التقاء الساكنين، وفيه إضمار: أي ~~فمن اضطر إلى شئ من هذه المحرمات. وقرأ ابن محيصن بإدغام الضاد في الطاء. ~~وقرأ أبو السماك بكسر الطاء. والمراد من صيره الجوع والعدم إلى الاضطرار ~~إلى الميتة. قوله (غير باغ) نصب على الحال. قيل المراد بالباغي: من يأكل ~~فوق حاجته، والعادي: من يأكل هذه المحرمات وهو يجد عنها مندوحة، وقيل غير ~~باغ على المسلمين وعاد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج ~~على السلطان وقاطع الرحم ونحوهم، وقيل المراد غير باغ على مضطر آخر ولا عاد ~~سدا الجوعة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم) قال: من الحلال. # وأخرج ابن سعد عن عمر بن عبد العزيز أن المراد بما في الآية: طيب الكسب ~~لا طيب الطعام. وأخرج ابن جرير عن الضحاك: أنها حلال الرزق. وأخرج أحمد ~~ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر ~~المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال - يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم - وقال - يا أيها ms0283 الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم - ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى ~~السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، ~~فأنى يستجاب له ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وما أهل) قال: # ذبح. وأخرج ابن جرير عنه قال (ما أهل به) للطواغيت. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال: ما ذبح لغير الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية. قال: ~~ما ذكر عليه اسم غير الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (غير ~~باغ ولا عاد) يقول: من أكل شيئا من هذه وهو مضطر فلا حرج، ومن أكله وهو غير ~~مضطر فقد بغى واعتدى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (غير ~~باغ) قال: في الميتة (ولا عاد) قال: # في الأكل. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (غير باغ ولا عاد) قال: غير باغ على ~~المسلمين ولا معتد عليهم، فمن خرج يقطع الرحم أو يقطع السبيل أو يفسد في ~~الأرض أو مفارقا للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله فاضطر إلى الميتة ~~لم تحل له. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: العادي ~~الذي يقطع الطريق. وقوله (فلا إثم عليه) يعني في أكله (إن الله غفور رحيم) ~~لمن أكل من الحرام رحيم به إذ أحل له الحرام في الاضطرار. وأخرج عبد بن ~~حميد عن قتادة (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) غير باغ في أكله، ولا عاد يتعدى ~~الحلال إلى الحرام وهو يجد عنه بلغة ومندوحة. PageV01P170 # قوله (إن الذين يكتمون) قيل المراد بهذه الآية علماء اليهود، لأنهم كتموا ~~ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والاشتراء ~~هنا: الاستبدال، وقد تقدم تحقيقه، وسماه قليلا لانقطاع مدته وسوء عاقبته، ~~وهذا السبب وإن كان خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ، وهو يشمل كل من ms0284 كتم ما ~~شرعه الله، وأخذ عليه الرشا، وذكر البطون دلالة وتأكيدا أن هذا الأكل ~~حقيقة، إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضى ونحوه، وقال في الكشاف: إن ~~معنى (في بطونهم) ملء بطونهم قال: يقول أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه ~~انتهى. وقوله (إلا النار) أي أنه يوجب عليهم عذاب النار، فسمى ما أكلوه ~~نارا لأنه يؤول بهم إليها، هكذا قال أكثر المفسرين - وقيل إنهم يعاقبون على ~~كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة، ومثله قوله سبحانه - إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا - وقوله (ولا يكلمهم الله) ~~فيه كناية عن حلول غضب الله عليهم وعدم الرضا عنهم، يقال فلان لا يكلم ~~فلانا إذا غضب عليه. وقال ابن جرير الطبري: المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه ~~لا بما يكرهونه. كقوله تعالى - اخسئوا فيها ولا تكلمون -. وقوله (ولا ~~يزكيهم) معناه: لا يثني عليهم خيرا. قاله الزجاج، وقيل معناه: لا يصلح ~~أعمالهم الخبيثة فيطهرهم. وقوله (اشتروا الضلالة بالهدى) قد تقدم تحقيق ~~معناه. وقوله (فما أصبرهم على النار) ذهب جمهور ومنهم الحسن ومجاهد إلى أن ~~معناه التعجب. والمراد تعجيب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب ~~الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في ~~نار جهنم. وحكى الزجاج أن المعنى: ما أبقاهم على النار، من قولهم: ما أصبر ~~فلانا على الحبس: أي ما أبقاه فيه، وقيل المعنى: ما أقل جزعهم من النار، ~~فجعل قلة الجزع صبرا. وقال الكسائي وقطرب: أي ما أدومهم على عمل أهل النار، ~~وقيل " ما " استفهامية، ومعناه التوبيخ: أي أي شئ أصبرهم على عمل النار. ~~قاله ابن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة. (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق) ~~الإشارة باسم الإشارة إلى الأمر: أي ذلك الأمر وهو العذاب. قاله الزجاج. ~~وقال الأخفش: إن خبر اسم الإشارة محذوف والتقدير: # ذلك معلوم. والمراد بالكتاب هنا القرآن (بالحق) أي بالصدق، وقيل بالحجة. ~~وقوله (وإن الذين اختلفوا في الكتاب) قيل المراد بالكتاب هنا التوراة، ~~فادعى النصارى ms0285 أن فيها صفة عيسى وأنكرهم اليهود، وقيل خالفوا ما في التوراة ~~من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واختلفوا فيها، وقيل المراد القرآن، ~~والذين اختلفوا كفار قريش، يقول بعضهم هو سحر، وبعضهم يقول هو أساطير ~~الأولين، وبعضهم يقول غير ذلك. (لفي شقاق) أي خلاف (بعيد) عن الحق، وقد ~~تقدم معنى الشقاق. # وقد أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله (إن الذين يكتمون ما أنزل الله) قال: ~~نزلت في يهود. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأخذوا عليه طمعا قليلا. وأخرج ابن جرير أيضا عن أبي العالية ~~نحوه. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس بسندين ضعيفين أنها نزلت في اليهود. وأخرج ~~PageV01P171 # ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى) قال: اختاروا الضلالة على الهدى والعذاب على المغفرة (فما أصبرهم ~~على النار) قال: ما أجرأهم على عمل النار. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (فما أصبرهم على النار) قال: ~~ما أعملهم بأعمال أهل النار. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر في ~~قوله (فما أصبرهم على النار) قال: والله ما لهم عليها من صبر ولكن يقول ما ~~أجرأهم على النار. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير أيضا عن ~~السدي في الآية قال: هذا على وجه الاستفهام يقول. ما الذي أصبرهم على ~~النار؟ وقوله (وإن الذين اختلفوا في الكتاب) قال: هم اليهود والنصارى (لفي ~~شقاق بعيد) قال: في عداوة بعيدة. # قوله (ليس البر) قرأ حمزة وحفص بالنصب على أنه خبر ليس والاسم (أم تولوا) ~~وقرأ الباقون بالرفع على أنه الاسم قيل إن هذه الآية نزلت للرد على اليهود ~~والنصارى، لما أكثروا الكلام في شأن القبلة عند تحويل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى الكعبة، وقيل إن سبب نزولها أنه سأل رسول الله سائل، ~~وسيأتي ذلك آخر البحث إن شاء الله. وقوله (قبل المشرق والمغرب) قيل ms0286 أشار ~~سبحانه بذكر المشرق إلى قبلة النصارى لأنهم يستقبلون مطلع الشمس، وأشار ~~بذكر المغرب إلى قبلة اليهود، لأنهم يستقبلون بيت المقدس وهو في جهة الغرب ~~منهم إذ ذاك. وقوله (ولكن البر) هو اسم جامع للخير، وخبره محذوف تقديره بر ~~من آمن. قاله الفراء وقطرب والزجاج، وقيل إن التقدير: ولكن ذو البر من آمن، ~~ووجه هذا التقدير: الفرار عن الإخبار باسم العين عن اسم المعنى، ويجوز أن ~~يكون البر بمعنى البار، وهو يطلق المصدر على اسم الفاعل كثيرا، ومنه في ~~التنزيل - إن أصبح ماؤكم غورا - أي غائرا وهذا اختيار أبي عبيدة. والمراد ~~بالكتاب هنا الجنس أو القرآن، والضمير في قوله (على حبه) راجع إلى المال، ~~وقيل راجع إلى الإيتاء المدلول عليه بقوله (وآتى المال) وقيل إنه راجع إلى ~~الله سبحانه: # أي على حب الله، والمعنى على الأول: أنه أعطى المال وهو يحبه ويشح به، ~~ومنه قوله تعالى - لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون - والمعنى على ~~الثاني أنه يحب إيتاء المال وتطيب به نفسه، والمعنى على الثالث: أنه أعطى ~~من تضمنته الآية في حب الله عز وجل لا لغرض آخر، وهو مثل قوله - الطعام على ~~حبه ومثله قوله زهير إن الكريم على علاته هرم. وقدم ذوي القربى لكون دفع ~~المال إليهم صدقة وصلة إذا كانوا فقراء، وهكذا اليتامى الفقراء أولى ~~بالصدقة من الفقراء الذين ليسوا بيتامى، لعدم قدرتهم على الكسب. والمسكين: ~~الساكن إلي ما في أيدي الناس لكونه لا يجد شيئا. (وابن السبيل) المسافر ~~المنقطع وجعل ابنا للسبيل لملازمته له. وقوله PageV01P172 # (وفي الرقاب) أي في معاونة الأرقاء الذين كاتبهم المالكون لهم، وقيل ~~المراد شراء الرقاب وإعتاقها، وقيل المراد فك الأسارى. وقوله (وآتى الزكاة) ~~فيه دليل على أن الإيتاء المتقدم هو صدقة التطوع، لا صدقة الفريضة. وقوله ~~(والموفون) قيل هو معطوف على " من آمن "، كأنه قيل: ولكن البر المؤمنون ~~والموفون. قاله الفراء والأخفش، وقيل هو مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف، ~~وقيل هو خبر لمبتدأ محذوف: أي هم الموفون، وقيل إنه معطوف على ms0287 الضمير في ~~آمن، وأنكره أبو علي وقال: ليس المعنى عليه. وقوله (والصابرين) منصوب على ~~المدح كقوله تعالى - والمقيمين الصلاة -، ومنه ما أنشده أبو عبيدة: # لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معركة * ~~والطيبين معاقد الأزر وقال الكسائي: هو معطوف على ذوي القربى كأنه قال: ~~وآتى الصابرين. وقال النحاس: إنه خطأ. قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله ~~(والموفين والصابرين). قال النحاس: يكونان على هذه القراءة منسوقين على ذوي ~~القربى أو على المدح. وقرأ يعقوب والأعمش (والموفون والصابرون) بالرفع ~~فيهما. (والبأساء) الشدة والفقر. # (والضراء) المرض والزمانة (وحين البأس) قيل المراد وقت الحرب، والبأساء ~~والضراء اسمان بنيا على فعلاء ولا فعل لهما لأنهما اسمان وليسا بنعت. وقوله ~~(صدقوا) وصفهم بالصدق والتقوى في أمورهم والوفاء بها وأنهم كانوا جادين، ~~وقيل المراد صدقوهم القتال، والأول أولى. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن الإيمان فتلا (ليس البر أن تولوا وجوهكم) حتى فرغ منها، ثم ~~سأله أيضا فتلاها، ثم سأله فتلاها. قال: وإذا عملت بحسنة أحبها قلبك، وإذا ~~عملت بسيئة أبغضها قلبك. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد ~~الرحمن قال: # جاء رجل إلى أبي ذر فقال: ما الإيمان؟ فتلا عليه هذه الآية، ثم ذكر له ~~نحو الحديث السابق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية ~~قال: يقول ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، هذا حين تحول من مكة إلى المدينة ~~وأنزلت الفرائض. وأخرج عنه ابن جرير أنه قال: هذه الآية نزلت بالمدينة، ~~يقول: ليس البر أن تصلوا، ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن البر، فأنزل الله (ليس البر) الآية. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب، ~~والنصارى قبل المشرق، ms0288 فنزلت (ليس البر) الآية. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية مثله. وأخرج عبد الرزاق ~~وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن ~~مسعود في قوله (وآتى المال على حبه) قال: يعطي وهو صحيح شحيح يأمل العيش ~~ويخاف الفقر. وأخرج عنه مرفوعا مثله. وأخرج البيهقي في الشعب عن المطلب " ~~أنه قيل: يا رسول ما آتي المال على حبه فكلنا نحبه. قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: تؤتيه حين تؤتيه ونفسك تحدثك بطول العمر والفقر ". وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (وآتى المال على حبه) يعني على حب ~~المال. وأخرج عنه أيضا في قوله (ذوي القربى) يعني قرابته. وقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ~~ثنتان صدقة وصلة " أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ~~ماجة والحاكم والبيهقي في سننه PageV01P173 # من حديث سلمان بن عامر الضبي، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث زينب امرأة ~~ابن مسعود " أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل تجزي عنها من ~~الصدقة النفقة على زوجها وأيتام في حجرها؟ فقال: لك أجران: أجر الصدقة، ~~وأجر القرابة " وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من حديث أم ~~كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " أفضل ~~الصدقة على ذي الرحم الكاشح). وأخرج أحمد والدارمي والطبراني من حديث حكيم ~~بن حزام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن جرير عن ~~مجاهد قال: هو الذي يمر بك وهو مسافر. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ~~(والسائلين) قال: السائل الذي يسألك. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~في قوله (وفي الرقاب) قال: يعني فك ms0289 الرقاب. وأخرج أيضا عنه في قوله (وأقام ~~الصلاة) يعني وأتم الصلاة المكتوبة (وآتى الزكاة) يعني الزكاة المفروضة. ~~وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي ~~والدارقطني وابن مردويه عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " في المال حق سوى الزكاة ثم قرأ (ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم) الآية ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ~~(والموفون بعهدهم) قال: فمن أعطى عهد الله ثم نقضه فالله ينتقم منه، ومن ~~أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم غدر بها فالنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم خصمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (والموفون ~~بعهدهم إذا عاهدوا) يعني فيما بينهم وبين الناس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن مسعود ~~في الآية قال (البأساء) الفقر (والضراء) السقم (وحين البأس) حين القتال. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (أولئك الذين صدقوا) قال: ~~فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية. # وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله (أولئك الذين صدقوا) قال: تكلموا بكلام ~~الإيمان، فكانت حقيقة العمل صدقوا الله. قال: وكان الحسن يقول هذا كلام ~~الإيمان وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عمل فلا شئ. # قوله (كتب) معناه فرض وأثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جر الذيول وهذا إخبار من الله ~~سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك - وقيل إن (كتب) هنا إشارة إلى ما جرى به ~~القلم في اللوح المحفوظ. و (القصاص) أصله قص الأثر: أي أتباعه، ومنه القاص ~~لأنه يتتبع الآثار، وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل يسلك طريقا من ~~القتل، يقص أثره فيها، ومنه قوله تعالى - فارتدا على آثارهما قصصا - وقيل ~~إن PageV01P174 # القصاص مأخوذ من القص وهو القطع، يقال قصصت ms0290 ما بينهما: أي قطعته. وقد ~~استدل بهذه الآية القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد وهم الجمهور. وذهب أبو ~~حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به. قال القرطبي: ~~وروى ذلك عن علي وابن مسعود. وبه قال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ~~وقتادة والحكم بن عتيبة، واستدلوا بقوله تعالى - وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس - وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله تعالى (الحر بالحر ~~والعبد بالعبد) مفسر لقوله تعالى - النفس بالنفس - وقالوا أيضا: إن قوله - ~~وكتبنا عليهم فيها - يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل في ~~التوراة. ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~المسلمون تتكافأ دماؤهم " ويجاب عنه بأنه مجمل والآية مبينة، ولكنه يقال إن ~~قوله تعالى (الحر بالحر والعبد بالعبد) إنما أفاد بمنطوقه أن الحر يقتل ~~بالحر، والعبد يقتل بالعبد، وليس فيه ما يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد ~~إلا باعتبار المفهوم، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا، ومن لم ~~يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا، والبحث في هذا محرر في علم ~~الأصول. وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر وهم ~~الكوفيون والثوري، لأن الحر يتناول الكافر كما يتناول المسلم، وكذا العبد ~~والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان المسلم، واستدلوا أيضا بقوله تعالى - ~~إن النفس بالنفس - لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس ~~المسلمة. وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل المسلم بالكافر، واستدلوا بما ورد ~~من السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يقتل مسلم بكافر، وهو ~~مبين لما يراد في الآيتين، والبحث في هذا يطول. واستدل بهذه الآية القائلون ~~بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقرروا الدلالة على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا ~~سلم أولياء المرأة الزيادة على ديتها من دية الرجل. وبه قال مالك والشافعي ~~وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ~~ولا زيادة، وهو الحق. وقد ms0291 بسطنا البحث في شرح المنتقى فليرجع إليه. قوله ~~(فمن عفي له من أخيه شئ) " من " هنا عبارة عن القاتل. والمراد بالأخ ~~المقتول أو الولي والشيء عبارة عن الدم، والمعنى: أن القاتل أو الجاني إذا ~~عفي له من جهة المجني عليه أو الولي دم أصابه منه على أن يأخذ منه شيئا من ~~الدية أو الأرش، فليتبع المجني عليه الولي من عليه الدم فيما يأخذه منه من ~~ذلك اتباعا بالمعروف، وليؤد الجاني ما لزمه من الدية أو الأرش إلى المجني ~~عليه، أو إلى الولي أداء بإحسان، وقيل إن " من " عبارة عن الولي والأخ يراد ~~به القاتل، والشيء: الدية، والمعنى أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص ~~إلى مقابل الدية، فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه للقصاص كما ~~روى عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ذلك، وذهب من عداه إلى أنه لا يخير، ~~بل إذا رضى الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل يلزمه تسليمها، وقيل معنى " ~~عفي " بذل: أي من بذل له شئ من الدية، فليقبل وليتبع بالمعروف، وقيل إن ~~المراد بذلك أن من فضل له من الطائفتين على الأخرى شئ من الديات، فيكون عفي ~~بمعنى فضل، وعلى جميع التقادير فتنكير شئ للتقليل، فيتناول العفو عن الشئ ~~اليسير من الدية، والعفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة. وقوله (فاتباع) ~~مرتفع بفعل محذوف، أي فليكن منه اتباع، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي ~~فالأمر اتباع، وكذا قوله (وأداء إليه بإحسان). وقوله (ذلك تخفيف) إشارة إلى ~~العفو والدية: أي أن الله شرع لهذه الأمة العفو من غير عوض أو بعوض، ولم ~~يضيق عليهم كما ضيق على اليهود، فإنه أوجب عليهم القصاص، ولا عفو، وكما ضيق ~~على النصارى فإنه أوجب عليهم العفو ولا دية. قوله (فمن اعتدى بعد ذلك) أي ~~بعد التخفيف، نحو أن يأخذ الدية ثم يقتل القاتل، أو يعفو ثم يستقص. وقد ~~اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد PageV01P175 # أخذ الدية. فقال جماعة منهم مالك والشافعي: إنه كمن ms0292 قتل ابتداء، إن شاء ~~الولي قتله وإن شاء عفا عنه. وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم، عذابه أن ~~يقتل ألبتة، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو. وقال الحسن: عذابه أن يرد ~~الدية فقط، ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة. وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى ~~الإمام يصنع فيه ما رأى. # قوله (ولكم في القصاص حياة) أي لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم ~~حياة، لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصا إذا قتل آخر كف عن القتل وانزجر عن ~~التسرع إليه والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية. وهذا ~~نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنه جعل القصاص الذي هو موت ~~حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضا، إبقاء على ~~أنفسهم واستدامة لحياتهم، وجعل هذا الخطاب موجها إلى أولي الألباب. لأنهم ~~هم الذين ينظرون في العواقب ويتحامون ما فيه الضرر الآجل، وأما من كان ~~مصابا بالحمق والطيش والخفة فإنه لا ينظر عند سورة عضبه وغليان مراجل طيشه ~~إلى عاقبة ولا يفكر في أمر مستقبل، كما قال بعض فتاكهم: # سأغسل عني العار بالسيف جالبا * علي قضاء الله مما كان جالبا ثم علل ~~سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله (لعلكم تتقون) أي تتحامون القتل ~~بالمحافظة على القصاص، فيكون ذلك سببا للتقوى. وقرأ أبو الجوزاء (ولكم في ~~القصص حياة) قيل أراد بالقصص القرآن: أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه ~~القصاص حياة: أي نجاة، وقيل أراد حياة القلوب، وقيل هو مصدر بمعنى القصاص، ~~والكل ضعيف، والقراءة به منكرة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن حيين من العرب اقتتلوا في ~~الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد ~~والنساء، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على ~~الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر ~~منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد ms0293 وابن ~~جرير عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي ~~في سننه عن ابن عباس قال: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون ~~الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله - النفس بالنفس - فجعل الأحرار ~~في القصاص سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساءهم في النفس وفيما دون ~~النفس، وجعل العبيد مستوين في العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ~~ونساءهم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي مالك قال: كان بين حيين من ~~الأنصار قتال كان لأحدهما على الآخر الطول فكأنهم طلبوا الفضل، فجاء النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية (الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى) قال ابن عباس: فنسختها - النفس بالنفس - وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس (فمن عفي ~~له) قال: هو العمد رضي أهله بالعفو. (فاتباع بالمعروف) أمر به الطالب ~~(وأداء إليه بإحسان) من القابل، قال: يؤدي المطلوب بإحسان. (ذلك تخفيف من ~~ربكم ورحمة) مما كان على بني إسرائيل. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عنه من وجه ~~آخر. وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم ~~تكن الدية فيهم، فقال الله لهذه الأمة (كتب عليكم القصاص في القتلى) إلى ~~قوله (فمن عفي له من أخيه شئ) فالعفو أن تقبل الدية في العمد (فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك PageV01P176 # تخفيف من ربكم ورحمة) مما كتب على من كان قبلكم (فمن اعتدى بعد ذلك) قيل ~~بعد قبول الدية (فله عذاب أليم) وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان أهل ~~التوراة إنما هو القصاص أو العفو ليس بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو ~~العفو أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة القتل والعفو والدية إن شاءوا أحلها ~~لهم ولم تكن لأمة قبلهم. # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي ~~شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من أصيب بقتل أو خبل ms0294 ~~فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن ~~أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها ~~أبدا ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه إذا قتل بعد أخذ الدية ~~فله عذاب عظيم، قال: فعليه القتل لا تقبل منه الدية. قال وذكر لنا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية " ~~وأخرج سمويه في فوائده عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فذكر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه قال: يقتل. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله (ولكم في القصاص حياة) قال: ~~جعل الله في القصاص حياة ونكالا وعظة إذا ذكره الظالم المعتدى كف عن القتل. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله (لعلكم تتقون) قال: # لعلك تتقي أن تقتله فتقتل به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في ~~قوله (يا أولي الألباب) قال: من كان له لب يذكر القصاص فيحجزه خوف القصاص ~~عن القتل (لعلكم تتقون) قال: لكي تتقوا الدماء مخافة القصاص. # قد تقدم معنى (كتب) قريبا، وحضور الموت: حضور أسبابه وظهور علاماته، ومنه ~~قول عنترة: # وإن الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهنداوني وقال جرير: أنا الموت ~~الذي حدثت عنه * فليس لهارب مني نجاة وإنما لم يؤنث الفعل المسند إلى ~~الوصية، وهو (كتب) لوجود الفاصل بينهما - وقيل لأنها بمعنى الإيصاء، وقد ~~روى جواز إسناد ما لا تأنيث فيه إلى المؤنث مع عدم الفصل. وقد حكى سيبويه: ~~قام امرأة، وهو خلاف ما أطبق عليه أئمة العربية، وشرط سبحانه ما كتبه من ~~الوصية بأن يترك الموصي خيرا. واختلف في جواب هذا الشرط ما هو؟ فروى عن ~~الأخفش وجهان: # أحدهما أن التقدير: إن ترك خيرا فالوصية، ثم حذفت الفاء كما قال الشاعر: # من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان والثاني: أن ~~جوابه مقدر قبله: ms0295 أي كتب الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا. واختلف ~~أهل العلم في مقدار الخير، فقيل ما زاد على سبعمائة دينار، وقيل ألف دينار، ~~وقيل ما زاد على خمسمائة دينار. والوصية PageV01P177 # في الأصل: عبارة عن الأمر بالشيء والعهد به في الحياة وبعد الموت، وهي ~~هنا: عبارة عن الأمر بالشيء لبعد الموت. وقد اتفق أهل العلم على وجوب ~~الوصية على من عليه دين أو عنده وديعة أو نحوها. وأما من لم يكن كذلك فذهب ~~أكثرهم إلى أنها غير واجبة عليه سواء كان فقيرا أو غنيا، وقالت طائفة: إنها ~~واجبة. ولم يبين الله سبحانه ها هنا القدر الذي كتب الوصية به للوالدين ~~والأقربين، فقيل الخمس، وقيل الربع، وقيل الثلث. وقد اختلف أهل العلم في ~~هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب جماعة إلى أنها محكمة، قالوا: وهي ~~وإن كانت عامة فمعناها الخصوص. والمراد بها من الوالدين من لا يرث كالأبوين ~~الكافرين ومن هو في الرق، ومن الأقربين من عدا الورثة منهم. قال ابن ~~المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين الذين لا ~~يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة. وقال كثير من أهل العلم: إنها ~~منسوخة بآية المواريث مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا وصية لوارث " ~~وهو حديث صححه بعض أهل الحديث، وروى من غير وجه. وقال بعض أهل العلم: # إنه نسخ الوجوب ونفى الندب، وروى عن الشعبي والنخعي ومالك. قوله ~~(بالمعروف) أي العدل لا وكس فيه ولا شطط. وقد أذن الله للميت بالثلث دون ما ~~زاد عليه. وقوله (حقا) مصدر معناه الثبوت والوجوب. قوله (فمن بدله) هذا ~~الضمير عائد إلا الإيصاء المفهوم من الوصية، وكذلك الضمير في قوله (سمعه) ~~والتبديل: التغيير، والضمير في قوله (فإنما إثمه) راجع إلى التبديل المفهوم ~~من قوله (بدله) وهذا وعيد لمن غير الوصية المطابقة للحق التي لا جنف فيها ~~ولا مضارة، وأنه يبوء بالإثم، وليس على الموصي من ذلك شئ، فقد تخلص مما كان ~~عليه بالوصية به. قال القرطبي: ms0296 ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن ~~يوصي بخمر أو خنزير أو شئ من المعاصي أنه يجوز تبديله، ولا يجوز إمضاؤه كما ~~لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث. قاله أبو عمر انتهى. والجنف: المجاوزة، من ~~جنف يجنف: إذا جاوز، قاله النحاس، وقيل الجنف: الميل، ومنه قول الأعشى: # تجانف عن حجر اليمامة يا فتى * وما قصدت من أهلها لسوائكا قال في الصحاح: ~~الجنف الميل، وكذا في الكشاف. وقال لبيد: # إني امرؤ منعت أرومة عامر * ضيمي وقد جنفت علي خصومي وقوله (فأصلح بينهم) ~~أي أصلح ما وقع بين الورثة من الشقاق والاضطراب بسبب الوصية بإبطال ما فيه ~~ضرار ومخالفة لما شرعه الله، وإثبات ما هو حق كالوصية في قربة لغير وارث، ~~والضمير في قوله (بينهم) راجع إلى الورثة، وإن لم يتقدم لهم ذكر، لأنه قد ~~عرف أنهم المرادون من السياق، وقيل راجع إلى الموصى لهم، وهم الأبوان ~~والقرابة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن ~~ترك خيرا) قال: مالا. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن ~~ابن عباس قال: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا. # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم والبيهقي في سننه عن عروة، أن علي بن أبي طالب دخل على مولى لهم في ~~الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال: ألا أوصي؟ قال لا؟ # إنما قال الله (إن ترك خيرا) وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن عائشة، أن رجلا قال ~~لها: أريد أن أوصي قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: ~~أربعة، قالت: قال الله (إن ترك خيرا) وإن هذا شئ يسير فاتركه لعيالك فهو ~~أفضل. PageV01P178 # وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال: إذا ترك ~~الميت سبعمائة درهم فلا يوصي. # وأخرج عبد الرزاق ms0297 وعبد بن حميد عن الزهري. قال: جعل الله الوصية حقا مما ~~قل منه و مما كثر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر حديثا وفيه " انظر قرابتك الذين يحتاجون ~~ولا يرثون، فأوص لهم من مالك بالمعروف " وأخرجا أيضا عن طاوس قال: من أوصى ~~لقوم وسماهم وترك ذوي قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت على قرابته. وأخرج ~~سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود في الناسخ وابن جرير وابن ~~المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن محمد بن بشير عن ابن عباس قال: ~~نسخت هذه الآية. وأخرج عنه من وجه آخر أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم أن هذه الآية نسخها قوله تعالى - للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون - الآية. وأخرج عنه من وجه آخر ابن جرير وابن أبي حاتم أنها ~~منسوخة بآية الميراث. وأخرج عنه أبو داود في سننه والبيهقي مثله. وأخرج ابن ~~جرير عنه أنه قال: في الآية نسخ من يرث، ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن ~~عمر أنه قال: هذه الآية نسختها آية الميراث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فمن بدله) الآية، قال: وقد وقع أجر ~~الموصى على الله وبرئ من إثمه، وقال في قوله (جنفا) يعني إثما (فأصلح ~~بينهم) قال: إذا أخطأ الميت في وصيته أو حاف فيها فليس على الأولياء حرج أن ~~يردوا خطأه إلى الصواب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه لكنه فسر ~~الجنف بالميل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (جنفا أو ~~إثما) قال: خطأ أو عمدا. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه عنه قال: ~~الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر. # قد تقدم معنى (كتب) ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن صوم رمضان فريضة ~~افترضها الله سبحانه ms0298 على هذه الأمة. والصيام أصله في اللغة: الإمساك وترك ~~التنقل من حال إلى حال، ويقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام، ومنه - إني ~~نذرت للرحمن صوما - أي إمساكا عن الكلام، ومنه قول النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وخيل تعلك اللجما أي خيل ممسكة عن ~~الجري والحركة. وهو في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من ~~طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقوله (كما كتب) أي صوما كما كتب على أن الكاف ~~في موضع نصب على النعت، أو كتب عليكم الصيام مشبها ما كتب على أنه في محل ~~نصب على الحال. وقال بعض النحاة: إن الكاف في موضع رفع نعتا للصيام، وهو ~~ضعيف لأن الصيام معرف باللام، والضمير المستتر في قوله (كما كتب) راجع إلى ~~ما. واختلف المفسرون في وجه التشبيه ما هو، فقيل هو قدر الصوم ووقته، فإن ~~الله كتب على اليهود والنصارى صوم رمضان فغيروا، PageV01P179 # وقيل هو الوجوب، فإن الله أوجب على الأمم الصيام، وقيل هو الصفة: أي ترك ~~الأكل والشرب ونحوهما في وقت، فعلى الأول معناه: أن الله كتب على هذه الأمة ~~صوم رمضان كما كتبه على الذين من قبلهم، وعلى الثاني: # أن الله أوجب على هذه الأمة الصيام كما أوجبه على الذين من قبلهم، وعلى ~~الثالث: أن الله سبحانه أوجب على هذه الأمة الإمساك عن المفطرات كما أوجبه ~~على الذين من قبلهم. وقوله تعالى (لعلكم تتقون) بالمحافظة عليها، وقيل ~~تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة، لأنها تكسر الشهوة وتضعف دواعي المعاصي، ~~كما ورد في الحديث أنه جنة وأنه وجاء. وقوله (أياما) منتصب على أنه مفعول ~~ثان لقوله (كتب) قاله الفراء: وقيل إنه منتصب على أنه ظرف: أي كتب عليكم ~~الصيام في أيام. وقوله (معدودات) أي معينات بعدد معلوم، ويحتمل أن يكون في ~~هذا الجمع لكونه من جموع القلة إشارة إلى تقليل الأيام. وقوله (فمن كان ~~منكم مريضا) قيل للمريض حالتان: # إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة ms0299 ~~كان رخصة، وبهذا قال الجمهور وقوله (على سفر) اختلف أهل العلم في السفر ~~المبيح للإفطار، فقيل مسافة قصر الصلاة، والخلاف في قدرها معروف، وبه قال ~~الجمهور، وقال غيرهم بمقادير لا دليل عليها. والحق أن ما صدق عليه مسمى ~~السفر فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض فهو الذي ~~يباح عنده الفطر. وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة. واختلفوا في ~~الأسفار المباحة، والحق أن الرخصة ثابتة فيه، وكذا اختلفوا في سفر المعصية. ~~وقوله (فعدة) أي فعليه عدة، أو فالحكم عدة، أو فالواجب عدة، والعدة فعلة من ~~العدد، وهو بمعنى المعدود. # وقوله (من أيام أخر) قال سيبويه: ولم ينصرف لأنه معدول به عن الآخر، لأن ~~سبيل هذا الباب أن يأتي بالألف واللام. وقال الكسائي: هو معدول به عن آخر، ~~وقيل إنه جمع أخرى، وليس في الآية ما يدل على وجوب التتابع في القضاء. قوله ~~(وعلى الذين يطيقونه) قراءة الجمهور بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله يطوقونه ~~نقلت الكسرة إلى الطاء، وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقرأ حميد على ~~الأصل من غير إعلال. وقرأ ابن عباس بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو: أي ~~يكلفونه. وروى ابن الأنباري عن ابن عباس " يطيقونه " بفتح الياء وتشديد ~~الطاء والياء مفتوحتين بمعنى يطيقونه. وروى عن عائشة وابن عباس وعمرو بن ~~دينار وطاوس أنهم قرءوا " يطيقونه " بفتح الياء وتشديد الطاء مفتوحة. وقرأ ~~أهل المدينة والشام (فدية طعام) مضافا. وقرءوا أيضا (مساكين) وقرأ ابن عباس ~~(طعام مسكين) وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. وقد اختلف أهل ~~العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة، فقيل إنها منسوخة، وإنما كانت ~~رخصة عند ابتداء فرض الصيام لأنه شق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك ~~الصوم وهو يطيقه، ثم نسخ ذلك، وهذا قول الجمهور. وروى عن بعض أهل العلم ~~أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ والعجائز خاصة إذا كانوا لا يطيقون الصيام ~~إلا بمشقة، وهذا يناسب قراءة التشديد: أي يكلفونه كما مر. والناسخ ms0300 لهذه ~~الآية عند الجمهور قوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). وقد اختلفوا في ~~مقدار الفدية، فقيل كل يوم صاع من غير البر، ونصف صاع منه، وقيل مد فقط. ~~وقوله (فمن تطوع خيرا فهو خير له). قال ابن شهاب: معناه من أراد الإطعام مع ~~الصوم. وقال مجاهد معناه: من زاد في الإطعام على المد، وقيل من أطعم مع ~~السكين مسكينا آخر. وقرأ عيسى بن عمرو ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي " يطوع ~~" مشددا مع جزم الفعل على معنى يتطوع، وقرأ الباقون بتخفيف الطاء على أنه ~~فعل ماض. وقوله (وأن تصوموا خير لكم) معناه: أن الصيام خير لهم من الإفطار ~~مع الفدية، وكان هذا قبل النسخ، وقيل معناه: وأن تصوموا في السفر والمرض ~~غير الشاق. PageV01P180 # وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه ~~والبيهقي في سننه عن معاذ ابن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل ~~الصيام ثلاثة أحوال، فذكر أحوال الصلاة ثم قال: وأما أحوال الصيام، فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة ~~أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله سبحانه فرض عليه الصيام وأنزل عليه (يا ~~أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) إلى قوله (وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين) فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه، ثم إن ~~الله أنزل الآية الأخرى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فأثبت الله صيامه على ~~الصحيح المقيم، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا ~~يستطيع الصيام، ثم ذكر تمام الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (كما كتب على الذين من قبلكم) قال: يعني بذلك أهل الكتاب. وأخرج ~~البخاري في تاريخه والطبراني عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم فقالوا: لئن شفاه ~~الله لنزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فوه فقال: لئن شفاه الله ~~ليزيدن سبعة، ms0301 ثم كان عليهم ملك آخر فقال: ما ندع من هذه الثلاثة الأيام ~~شيئا أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل فصارت خمسين يوما ". وأخرج ابن ~~جرير عن السدي في قوله (لعلكم تتقون) قال: تتقون من الطعام والشراب والنساء ~~مثل ما اتقوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحو ما سبق عن ~~معاذ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم ". وأخرج البخاري ومسلم ~~عن عائشة قالت: كان عاشوراء صياما، فلما أنزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء ~~أفطر. وأخرج عبد بن حميد أن ابن عباس قال: إن قوله تعالى (وعلى الذين ~~يطيقونه) قد نسخت. # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه نحو ذلك، وزاد أن الناسخ لها قوله ~~تعالى (فمن شهد منكم الشهر) الآية. # وأخرج نحو ذلك عنه أبو داود في ناسخه. وأخرج نحوه عنه أيضا سعد بن منصور ~~وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وغيرهم. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما من حديث سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية (وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من شاء صام، ومن شاء أن يفطر ويفتدي فعل، حتى ~~نزلت هذه الآية بعدها فنسختها (فمن شهد منك الشهر). وأخرج البخاري عن ابن ~~أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد، فذكر نحوه. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي ~~طالب في قوله (وعلى الذين يطيقونه) قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم ~~فيفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~والدارقطني والبيهقي، أن أنس بن مالك ضعف عن الصوم عاما قبل موته، فصنع ~~جفنة من ثريد ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~والدارقطني وصححه عن ابن عباس أنه قال لأم ولد له حامل أو مرضعة: أنت ~~بمنزلة الذين لا يطيقون الصيام، عليك الطعام لا قضاء عليك. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم ms0302 والدارقطني عن ابن عمر أن إحدى بناته أرسلت تسأله عن ~~صوم رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينا، وقد روى نحو هذا عن ~~جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله (فمن تطوع خيرا) ~~قال: أطعم مسكينين. وأخرج عبد بن حميد عن طاوس في قوله (فمن تطوع خيرا) ~~قال: إطعام مساكين. وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب في قوله (أن تصوموا خير ~~لكم) أي أن الصوم خير لكم من الفدية. وقد ورد في فضل الصوم أحاديث كثيرة ~~جدا. PageV01P181 # (رمضان) مأخوذ من رمض الصائم يرمض: إذا احترق جوفه من شدة العطش، ~~والرمضاء ممدود: شدة الحر، ومنه الحديث الثابت في الصحيح " صلاة الأوابين ~~إذا رمضت الفصال " أي أحرقت الرمضاء أجوافها. # قال الجوهري: وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء - يقال إنهم لما نقلوا ~~أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا ~~الشهر أيام الحر فسمي بذلك وقيل إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب: أي ~~يحرقها بالأعمال الصالحة. وقال الماوردي: إن اسمه في الجاهلية ناتق، وأنشد ~~المفضل: # وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغا * وولت على الأدبار فرسان خثعما وإنما سموه ~~بذلك لأنه كان ينتقهم لشدته عليهم، وشهر مرتفع في قراءة الجماعة على أنه ~~مبتدأ خبره (الذي أنزل فيه القرآن) أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي ~~المفروض عليكم صومه شهر رمضان، ويجوز أن يكون بدلا من الصيام المذكور في ~~قوله تعالى (كتب عليكم الصيام). وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب بنصب الشهر، ~~ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو وهو منتصب بتقدير الزموا أو صوموا. قال: ~~الكسائي والفراء: إنه منصوب بتقدير فعل " كتب عليكم الصيام وأن تصوموا " ~~وأنكر ذلك النحاس وقال: إنه منصوب على الإغراء. وقال الأخفش: # إنه نصب على الظرف، ومنع الصرف للألف والنون الزائدتين. قوله (أنزل فيه ~~القرآن) قيل أنزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم كان جبريل ينزل به ~~نجما نجما. وقيل أنزل فيه أوله، وقيل أنزل في شأنه القرآن، وهذه الآية أعم ms0303 ~~من قوله تعالى - إنا أنزلناه في ليلة القدر -. وقوله - إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة - يعني ليلة القدر. # والقرآن اسم لكلام الله تعالى، وهو بمعنى المقروء كالمشروب سمى شرابا، ~~والمكتوب سمى كتابا، وقيل هو مصدر قرأ يقرأ، ومنه قول الشاعر: # ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة، ومنه ~~قوله تعالى - وقرآن الفجر - أي قراءة الفجر. وقوله (هدى للناس) منتصب على ~~الحال: أي هاديا لهم. وقوله (وبينات من الهدى) من عطف الخاص على العام ~~إظهارا لشرف المعطوف بإفراده بالذكر، لأن القرآن يشمل محكمه ومتشابهه، ~~والبينات تختص بالمحكم منه. والفرقان: ما فرق بين الحق والباطل: أي فصل. ~~قوله (فمن شهد منكم الشهر) أي حضر ولم يكن في سفر بل كان مقيما، والشهر ~~منتصب على أنه ظرف، ولا يصح أن يكون مفعولا به. قال جماعة من السلف والخلف: ~~إن من أدركه شهر رمضان مقيما غير مسافر لزمه صيامه، سافر بعد ذلك أو قام ~~استدلالا بهذه الآية. وقال الجمهور: إنه إذا سافر أفطر، لأن معنى الآية: إن ~~حضر الشهر من أوله إلى آخره لا إذا حضر بعضه وسافر فإنه لا يتحتم عليه إلا ~~صوم ما حضره، وهذا هو الحق، وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة. وقد كان ~~يخرج صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان فيفطر. وقوله (فمن كان منكم مريضا ~~PageV01P182 # أو على سفر فعدة من أيام أخر) قد تقدم تفسيره. وقوله (يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر) فيه أن هذا مقصد من مقاصد الرب سبحانه، ومراد من ~~مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى - وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج - وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يرشد إلى ~~التيسير وينهى عن التعسير كقوله صلى الله عليه وآله وسلم " يسروا ولا ~~تعسروا وبشروا ولا تنفروا " وهو في الصحيح. واليسر السهل الذي لا عسر فيه. ~~وقوله (ولتكملوا العدة) الظاهر أنه معطوف على قوله (يريد الله بكم اليسر) ~~أي يريد بكم اليسر، ويريد ms0304 إكمالكم للعدة وتكبيركم، وقيل إنه متعلق بمحذوف ~~تقديره: رخص لكم هذه الرخصة لتكملوا العدة، وشرع لكم الصوم لمن شهد الشهر ~~لتكملوا العدة. وقد ذهب إلى الأول البصريون قالوا: والتقدير يريد لأن ~~تكملوا العدة، ومثله قول كثير بن صخر: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلا بكل سبيل وذهب الكوفيون إلى ~~الثاني، وقيل الواو مقحمة، وقيل إن هذه اللام لام الأمر، والواو لعطف ~~الجملة التي بعدها على الجملة التي قبلها. وقال في الكشاف: إن قوله ~~(لتكلموا العدة) علة للأمر بمراعاة العدة (ولتكبروا) علة ما علم من كيفية ~~القضاء والخروج عن عهدة الفطر (ولعلكم تشكرون) علة الترخيص والتيسير، ~~والمراد بالتكبير هنا: هو قول القائل الله أكبر. قال الجمهور ومعناه الحض ~~على التكبير في آخر رمضان. وقد وقع الخلاف في وقته، فروى عن بعض السلف أنهم ~~كانوا يكبرون ليلة الفطر وقيل إذا رأو هلال شوال كبروا إلى انقضاء الخطبة ~~وقيل إلى خروج الإمام، وقيل هو التكبير يوم الفطر. قال مالك: هو من حين ~~يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يكبر ~~في الأضحى ولا يكبر في الفطر. وقوله (ولعلكم تشكرون) وقد تقدم تفسيره. # وقد أخرج أبو حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي في سننه عن أبي هريرة ~~مرفوعا وموقوفا " لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ~~ولكن قولوا شهر رمضان ". وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ~~" من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " وثبت عنه أنه قال ~~" من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " وثبت عنه أنه قال ~~" شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة " وقال " إذا دخل رمضان فتحت أبواب ~~الجنة " وهذا كله في الصحيح. وثبت عنه في أحاديث كثيرة غير هذه أنه كان ~~يقول رمضان بدون ذكر الشهر. وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما سمي رمضان لأن رمضان ms0305 يرمض ~~الذنوب " وأخرجا أيضا عن عائشة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ~~ابن عمر نحوه. وقد ورد في فضل رمضان أحاديث كثيرة وأخرج أحمد وابن جرير ~~ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب عن واثلة بن ~~الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أنزلت صحف إبراهيم في ~~أول ليلة من رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله ~~القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان ". وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر ~~مثله، لكنه قال " وأنزل الزبور الاثني عشر " وزاد " وأنزل التوراة لست خلون ~~من رمضان، وأنزل الإنجيل لثماني عشرة خلت من رمضان " وأخرج محمد بن نصر عن ~~عائشة نحو قول جابر، إلا أنها لم تذكر نزول القرآن. وأخرج ابن جرير ومحمد ~~بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات ~~عن مقسم قال: سأل عطية بن الأسود ابن عباس فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك ~~في قوله الله (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن). وقوله - إنا أنزلناه ~~PageV01P183 # في ليلة القدر - وقوله - إنا أنزلناه في ليلة مباركة - فقال ابن عباس إنه ~~أنزل في ليلة القدر وفي رمضان وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك ~~على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام. وأخرج محمد بن نصر والطبراني ~~وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: ~~نزل القرآن جملة لأربعة وعشرين من رمضان، فوضع في بيت العزة في السماء ~~الدنيا، فجعل جبريل ينزله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترتيلا. ~~وأخرج ابن جرير عنه أنه قال " ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في رمضان ~~أنزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور ". وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن جريج في قوله (هدى للناس) قال: # يهتدون به (وبينات من الهدى) قال: فيه الحلال والحرام والحدود. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال: ms0306 ~~هو إهلاله بالدار. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال: ~~من أدرك رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم لأن الله يقول (فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه). وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (يريد الله بكم اليسر) قال: ~~اليسر الافطار في السفر، والعسر: الصوم في السفر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الربيع في قوله (ولتكملوا العدة) قال: عدة شهر رمضان. وأخرج ابن جرير عن ~~الضحاك: أنه قال: عدة ما أفطر المريض في السفر. وقد صح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم ~~فأكملوا العدة ثلاثين يوما ". وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: حق على ~~الصائمين إذا نظروا إلى شهر شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن ~~الله يقول (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم). وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يكبر: الله أكبر الله أكبر، لا ~~إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وأخرج ابن أبي شيبة ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه كان يكبر: # الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا الله أكبر ولله الحمد وأجل، الله أكبر ~~على ما هدانا. # قوله (وإذا سألك عبادي عني) يحتمل أن السؤال عن القرب والبعد كما يدل ~~عليه قوله (فإني قريب) ويحتمل أن السؤال عن إجابة الدعاء كما يدل على ذلك ~~قوله (أجيب دعوة الداع) ويحتمل أن السؤال عما هو أعم من ذلك، وهذا هو ~~الظاهر مع قطع النظر عن السبب الذي سيأتي بيانه. وقوله (فإني قريب) قيل ~~بالإجابة، وقيل بالعلم، وقيل بالإنعام. وقال في الكشاف: إنه تمثيل لحاله في ~~سهولة إجابته لمن دعاه، وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بمن قرب مكانه، فإذا دعي ~~أسرعت تلبيته. ومعنى الإجابة هو معنى ما في قوله تعالى - ادعوني أستجب لكم ~~وقيل معناه: أقبل ms0307 عبادة من عبدني بالدعاء لما ثبت عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم من أن الدعاء هو العبادة، كما أخرجه أبو داود وغيره من حديث النعمان ~~بن بشير، والظاهر أن الإجابة هنا هي باقية على معناها اللغوي، وكون الدعاء ~~من العبادة لا يستلزم أن الإجابة هي القبول للدعاء: أي جعله عبادة متقبلة، ~~فالإجابة أمر آخر غير قبول هذه العبادة. والمراد أنه سبحانه يجيب بما شاء ~~وكيف شاء، فقد يحصل المطلوب قريبا وقد يحصل بعيدا، وقد يدفع عن الداعي من ~~البلاء ما لا يعلمه بسبب دعائه، وهذا مقيد بعدم اعتداء الداعي في دعائه، ~~كما في قوله سبحانه PageV01P184 # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين - ومن الاعتداء أن يطلب ما ~~لا يستحقه ولا يصلح له، كمن يطلب منزلة في الجنة مساوية لمنزلة الأنبياء أو ~~فوقها. وقوله (فليستجيبوا لي) أي كما أجبتهم إذا دعوني فليستجيبوا لي فيما ~~دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات، وقيل معناه: أنهم يطلبون إجابة الله ~~سبحانه لدعائهم باستجابتهم له: # أي القيام بما أمرهم به والترك لما نهاهم عنه. والرشد خلاف الغي، رشد ~~يرشد رشدا. ورشدا. قال الهروي: الرشد والرشد والرشاد: الهدى والاستقامة. ~~قال: ومنه هذه الآية. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق الصلت ~~بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ ~~فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن جرير عن الحسن قال: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أين ~~ربنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن أنس أنه سأل أعرابي النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أين ربنا؟ فنزلت. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ~~علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تعجزوا عن الدعاء، ~~فإن الله أنزل علي - أستجب لكم فقال رجل: يا رسول الله ms0308 ربنا يسمع الدعاء أم ~~كيف ذلك فأنزل الله هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن عطاء أنه بلغه لما نزلت - ادعوني أستجب لكم - قالوا: لو ~~نعلم أي ساعة ندعو فنزلت. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا ~~قطيعة رحمه الله إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، ~~وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها ". وثبت في ~~الصحيح أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يستجب لي ". # وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله (فليستجيبوا لي) قال: ليدعوني ~~(وليؤمنوا بي) أي أنهم إذا دعوني استجبت لهم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال ~~(فليستجيبوا لي) أي فليطيعوني. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~الربيع بن أنس في قوله (لعلهم يرشدون) قال: يهتدون. # قوله (أحل لكم) فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراما عليهم، ~~وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية وسيأتي. والرفث: كناية عن الجماع. ~~قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وكذا قال ~~الأزهري، ومنه قول الشاعر: PageV01P185 # ويرين من أنس الحديث زوانيا * وبهن عن رفث الرجال نفار وقيل الرفث: أصله ~~قول الفحش، رفث وأرفث: إذا تكلم بالقبيح، وليس هو المراد هنا، وعدي الرفث ~~بإلى لتضمينه معنى الإمضاء، وجعل النساء لباسا للرجال، والرجال لباسا لهن ~~لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ~~ولابسه، قال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة لباس وفراش وإزار. # وقيل إنما جل كل واحد منهما لباسا للآخر لأنه يستره عند الجماع عن أعين ~~الناس. وقوله (تختانون أنفسكم) أي تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم، يقال ~~خان وأختان بمعنى، وهما من الخيانة. قال ms0309 القتيبي: أصل الخيانة أن يؤتمن ~~الرجل على شئ فلا يؤدي الأمانة فيه انتهى. وإنما سماهم خائنين لأنفسهم لأن ~~ضرر ذلك عائد عليهم وقوله (فتاب عليكم) يحتمل معنيين: أحدهما قبول التوبة ~~من خيانتهم لأنفسهم. والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله - علم أن ~~لن تحصوه فتاب عليكم - يعني خفف عنكم، وكقوله - فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين توبة من الله - يعني تخفيفا، وهكذا قوله (وعفا عنكم) يحتمل العفو ~~من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل. # وقوله (وابتغوا) قيل هو الولد: أي ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم ~~المقصود من النكاح وهو حصول النسل، وقيل المراد ابتغوا القرآن بما أبيح لكم ~~فيه قاله الزجاج وغيره، وقيل ابتغوا الرخصة والتوسعة، وقيل ابتغوا ما كتب ~~لكم من الإماء والزوجات، وقيل غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني، ولا دل ~~عليه دليل آخر، وقرأ الحسن البصري " واتبعوا " بالعين المهملة من الإتباع، ~~وقوله (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هو تشبيه ~~بليغ، والمراد هنا بالخيط الأبيض: هو المعترض في الأفق، لا الذي هو كذنب ~~السرحان، فإنه الفجر الكذاب الذي لا يحل شيئا ولا يحرمه. والمراد بالخيط ~~الأسود: سواد الليل، والتبين: أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا ~~عند دخول وقت الفجر. وقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) فيه التصريح بأن ~~للصوم غاية هي الليل، فعند إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من المغرب ~~يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب وغيرهما. وقوله (ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد) قيل المراد بالمباشرة هنا الجماع، وقيل تشمل التقبيل ~~واللمس إذا كانا لشهوة لا إذا كانا لغير شهوة، فهما جائزان كما قاله عطاء ~~والشافعي وابن المنذر وغيرهم، وعلى هذا يحتمل ما حكاه ابن عبد البر من ~~الإجماع على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل، فتكون هذه الحكاية للإجماع ~~مقيدة بأن يكونا لشهوة، والاعتكاف في اللغة: الملازمة، يقال عكف على الشئ: ~~إذا لازمه، ومنه قول الشاعر وظل بنات الليل حولي عكفا * عكوف البواكي حولهن ~~صريع ولما كان ms0310 المعتكف يلازم المسجد قيل له عاكف في المسجد ومعتكف فيه، ~~لأنه يحبس نفسه لهذه العبادة في المسجد والاعتكاف في الشرع: ملازمة طاعة ~~مخصوصة على شرط مخصوص. وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب وعلى أنه لا يكون ~~إلا في مسجد، وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه وشروح الحديث. وقوله ~~(تلك حدود الله) أي هذه الأحكام حدود الله. وأصل الحد المنع، ومنه سمى ~~البواب والسجان حدادا، وسميت الأوامر والنواهي حدود الله، لأنها تمنع أن ~~يدخل فيها ما ليس منها، وأن يخرج عنها ما هو منها، ومن ذلك سميت الحدود ~~حدودا لأنها تمنع أصحابها من العود. ومعنى النهي عن قربانها النهي عن ~~تعديها بالمخالفة لها، وقيل إن حدود الله هي محارمه فقط، ومنها المباشرة من ~~المعتكف والإفطار في رمضان لغير عذر وغير ذلك مما سبق النهي عنه، ومعنى ~~النهي عن قربانها على هذا واضح. وقوله (كذلك يبين الله آياته) أي كما بين ~~لكم هذه الحدود يبين لكم العلامات PageV01P186 # الهادية إلى الحق وقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن البراء ~~بن عازب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان الرجل ~~صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن ~~قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، فكان يومه ذلك يعمل في أرضه، فلما حضر ~~الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، ~~فغلبته عينه فنام وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما ~~انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه ~~الآية (أحل لكم ليلة الصيام) إلى قوله (من الفجر) ففرحوا بها فرحا شديدا. ~~وأخرج البخاري أيضا من حديثه قال: لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون ~~النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله (علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم) الآية. وقد روى في بيان سبب نزول هذه الآية أحاديث عن ~~جماعة من الصحابة نحو ما ms0311 قاله البراء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى ~~طعم من الطعام، ثم قال: وإن عمر بن الخطاب أتى امرأته، ثم أتى رسول الله ~~فقال: يا رسول إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي، وذكر ما وقع منه، فنزل ~~قوله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه ~~قال: إن المسلمين كانوا في شهر رمضان، إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء ~~والطعام والشراب إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا ~~النساء والطعام في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله (أحل لكم ليلة الصيام) ~~الآية. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن ~~عباس قال: الرفث الجماع. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر مثله. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: # الدخول والتغشي والإفضاء والمباشرة والرفث واللمس والمس هذا الجماع، غير ~~أن الله حيي كريم يكني بما شاء عما شاء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) قال: هن ~~سكن لكم وأنتم سكن لهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (تحتاجون ~~أنفسكم) قال: # تظلمون أنفسكم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فالآن باشروهن) قال: ~~انكحوهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (وابتغوا ما كتب الله ~~لكم) قال: الولد. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وقتادة والضحاك مثله. وأخرج ~~ابن جري وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى (وابتغوا ما ~~كتب الله لكم) قال: ليلة القدر. وأخرج البخاري في تاريخه عن أنس مثله. ~~وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: (وابتغوا) الرخصة التي كتب الله لكم. وأخرج ~~البخاري ومسلم ms0312 وغيرهما عن سهل بن سعد. قال: أنزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل (من الفجر) فكان رجال إذا ~~أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود. فلا يزال ~~يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله (من الفجر) فعلموا أنه يعني ~~الليل والنهار. وفي الصحيحين وغيرهما عن عدي بن حاتم، أنه جعل تحت وساده ~~خيطين أبيض وأسود، وجعل ينظر إليهما فلا يتبين له الأبيض من الأسود، فغدا ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال: إن وسادك إذا لعريض، ~~إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل. وفي رواية في البخاري وغيره. إنه قال ~~له: إنك لعريض القفا. وفي رواية عند ابن جرير وابن أبي حاتم: أنه ضحك منه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال: كانوا يجامعون ~~وهم معتكفون حتى نزلت (ولا تباشروهن PageV01P187 # وأنتم عاكفون في المساجد). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن الربيع نحوه.. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال " إذا ~~جامع المعتكف بطل اعتكافه ويستأنف ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (تلك حدود الله) قال: يعني طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ~~قال (حدود الله) معصية الله: يعني المباشرة في الاعتكاف. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن مقاتل أنها الجماع. وأخرج أيضا عن سعيد بن جبير في قوله (كذلك) ~~يعني هكذا يبين الله. # هذا يعم جميع الأمة وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ما ورد دليل الشرع ~~بأنه يجوز أخذه، فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن ~~كان صاحبه كارها كقضاء الدين إذا امتنع منه من هو عليه، وتسليم ما أوجبه ~~الله من الزكاة ونحوها، ونفقة من أوجب الشرع نفقته. والحاصل أن ما لم يبح ~~الشرع أخذه من مالكه، فهو مأكول بالباطل وإن ms0313 طابت به نفس مالكه: كمهر ~~البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر. والباطل في اللغة: الذاهب الزائل. وقوله ~~(وتدلوا) مجزوم عطفا على تأكلوا فهو من جملة المنهي عنه، يقال أدلى الرجل ~~بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر، ~~يقال أدلى دلوه: أرسلها، والمعنى أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل ~~وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة، وفي هذه الآية دليل أن حكم ~~الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج، ~~فمن حكم له القاضي بشئ مستندا في حكمه إلى شهادة زور أو يمين فجور فلا يحل ~~له أكله، فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهكذا إذا أرشى الحاكم فحكم ~~له بغير الحق فإنه من أكل أموال الناس بالباطل. ولا خلاف بين أهل العلم أن ~~حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال. وقد روى عن أبي حنيفة ما يخالف ~~ذلك، وهو مردود لكتاب الله تعالى ولسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كما في حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما ~~أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " ~~وهو في الصحيحين وغيرهما. وقوله (فريقا) أي قطعة أو جزءا أو طائفة، فعبر ~~بالفريق عن ذلك، وأصل الفريق: القطة من الغنم تشذ عن معظمها. وقيل في ~~الكلام تقديم وتأخير والتقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم، وسمى ~~الظلم والعدوان إنما باعتبار تعلقه بفاعله. وقوله (وأنتم تعلمون) أي حال ~~كونكم عالمين أن ذلك باطل ليس من الحق في شئ، وهذا أشد لعقابهم وأعظم ~~لجرمهم وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(ولا تأكلوا أموالكم) الآية، قال: # هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة، فيجحد المال ويخاصم إلى ~~الحكام وهو يعرف أن الحق ms0314 عليه. # وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: معناها لا تخاصم وأنت ~~تعلم أنك ظالم. وأخرج ابن المنذر عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير أن امرأة القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي اختصما في ~~أرض، وأراد امرؤ القيس أن يحلف، فنزلت (ولا تأكلوا أموالكم) الآية. ~~PageV01P188 # قوله (يسألونك) سيأتي بيان من هم السائلون له صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والأهلة جمع هلال، وجمعها باعتبار هلال كل شهر، أو كل ليلة، تنزيلا لاختلاف ~~الأوقات منزلة اختلاف الذوات، والهلال: اسم لما يبدو في أول الشهر وفي ~~آخره. قال الأصمعي: هو هلال حتى يستدير - وقيل هو هلال حتى ينير بضوئه ~~السماء وذلك ليلة السابع. وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم ~~بالإخبار عنه عند رؤيته، ومنه استهل الصبي: إذا صاح، واستهل وجهه وتهلل: ~~إذا ظهر فيه السرور. قوله (هي مواقيت للناس والحج) فيه بيان وجه الحكمة في ~~زيادة الهلال ونقصانه، وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس ~~عباداتهم ومعاملاتهم بها كالصوم والفطر والحج ومدة الحمل والعدة والإجارات ~~والأيمان وغير ذلك، ومثله قوله تعالى - لتعلموا عدد السنين والحساب - ~~والمواقيت جمع الميقات، وهو الوقت. وقراءة الجمهور " والحج " بفتح الحاء. ~~وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرها في جميع القرآن. قال سيبويه: الحج بالفتح كالرد ~~والشد، وبالكسر كالذكر مصدران بمعنى، وقيل بالفتح مصدر، وبالكسر الاسم. ~~وإنما أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، ولا ~~يجوز فيه النسئ عن وقته، ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو ~~أخطأ وقتها أو وقت بعضها. وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب، أعني قوله ~~(قل هي مواقيت) من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب، تنبيها ~~على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار ~~زيادتها ونقصانها، فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها ~~لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل، وأحق بأن يتطلع لعلمه. قوله (وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ms0315 ظهورها) وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة والجواب بأنها ~~مواقيت للناس والحج أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ~~إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه، لأنهم يعتقدون أن المحرم ~~لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل، وكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم. وقال ~~أبو عبيدة: # إن هذا من ضرب المثل، والمعنى: ليس البر أن تسألوا الجهال، ولكن البر ~~التقوى واسألوا العلماء كما تقول: # أتيت هذا الأمر من بابه، وقيل هو مثل في جماع النساء، وأنهم أمروا ~~بإتيانهن في القبل لا في الدبر، وقيل غير ذلك. والبيوت جمع بيت، وقرئ بضم ~~الباء وكسرها. وقد تقدم تفسير التقوى والفلاح، وسبق أيضا أن التقدير في مثل ~~قوله (ولكن البر من اتقى) ولكن البر بر من اتقى. # وقد أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله تعالى (يسألونك عن ~~الأهلة) قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عثمة. وهما رجلان من الأنصار ~~قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى ~~يعظم ويستوي، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ ~~فنزلت (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) في حل دينهم ولصومهم ولفطرهم ~~وعدد نسائهم والشروط التي إلى أجل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ~~قال: سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأهلة لم جعلت؟ فأنزل الله ~~(يسألونك عن الأهلة) الآية، فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم ولمناسكهم ~~وحجهم وعدد نسائهم ومحل دينهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه. ~~وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس نحوه. وقد PageV01P189 # روى عن ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج الحاكم وصححه ~~والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " جعل الله الأهلة مواقيت للناس ~~فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ". وأخرج ~~أحمد والطبراني وابن عدي والدارقطني ms0316 بسند ضعيف عن طلق بن علي قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر نحو حديث ابن عمر. وأخرج البخاري وغيره ~~عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها فنزلت ~~(وليس البر) الآية. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جابر قال: كانت ~~قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار ~~وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في بستان إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، ~~فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج معك من الباب، ~~فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت، فقال: إني ~~رجل أحمسي، قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس نحوه. # وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من الصحابة والتابعين. # لا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعا قبل الهجرة لقوله تعالى - ~~فاعف عنهم واصفح - وقوله - واهجرهم هجرا جميلا - وقوله - لست عليهم بمسيطر ~~- وقوله - ادفع بالتي هي أحسن - ونحو ذلك مما نزل بمكة، فلما هاجر إلى ~~المدينة أمره الله سبحانه بالقتال، ونزلت هذه الآية، وقيل إن أول ما نزل ~~قوله تعالى - أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا - فلما نزلت الآية كان صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى - ~~اقتلوا المشركين - وقوله تعالى - وقاتلوا المشركين كافة -. وقال جماعة من ~~السلف: إن المراد بقوله (الذين يقاتلونكم) من عدا النساء والصبيان والرهبان ~~ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير منسوخة، والمراد بالاعتداء عند أهل ~~القول الأول هو مقاتلة من يقاتل من الطوائف الكفرية. والمراد به على القول ~~الثاني مجاوزة قتل من يستحق القتل إلى قتل من لا يستحقه ممن تقدم ذكره. ~~قوله (حيث ثقفتموهم) يقال ثقف يثقف ثقفا، ورجل ثقيف: # إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. قال في ms0317 الكشاف: والثقف وجود على ~~وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف: سريع الأخذ لأقرانه انتهى. ومنه قول ~~حسان: # فإما يثقفن بني لؤي * جذيمة إن قتلهم دواء قوله (وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم) أي مكة. قال ابن جرير: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار ~~PageV01P190 # قريش انتهى. وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ربه، فأخرج ~~من مكة من لم يسلم عند أن فتحها الله عليه. قوله (والفتنة أشد من القتل) أي ~~الفتنة التي أرادوا أن يفتنوكم، وهي رجوعكم إلى الكفر أشد من القتل، وقيل ~~المراد بالفتنة: المحنة التي تنزل بالإنسان في نفسه أو أهله أو ماله أو ~~عرضه، وقيل إن المراد بالفتنة الشرك الذي عليه المشركون، لأنهم كانوا ~~يستعظمون القتل في الحرم، فأخبرهم الله أن الشرك الذي هم عليه أشد مما ~~يستعظمونه، وقيل المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم ~~إياهم في الحرم أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم. والظاهر أن المراد الفتنة في ~~الدين بأي سبب كان، وعلى أي صورة اتفقت، فإنها أشد من القتل. # قوله (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام) الآية، اختلف أهل العلم في ذلك، ~~فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن ~~يتعدى بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له، وهذا هو الحق. وقالت ~~طائفة: # إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - ~~ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن ببناء العام على الخاص، فيقتل ~~المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~إنها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار " وهو في الصحيح. وقد ~~احتج القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وآله وسلم لابن خطل، وهو متعلق ~~بأستار الكعبة: ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحل الله لرسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قوله (فإن انتهوا) أي عن قتالكم ودخلوا في الإسلام. ~~قوله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غاية هي ms0318 ~~أن لا تكون فتنة وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام، والخروج عن ~~سائر الأديان المخالفة له، فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل ~~قتاله، قيل المراد بالفتنة هنا الشرك، والظاهر أنها الفتنة في الدين على ~~عمومها كما سلف. قوله (فلا عدوان إلا على الظالمين) أي لا تعتدوا إلا على ~~من ظلم وهو من لم ينته عن الفتنة، ولم يدخل في الإسلام، وإنما سمي جزاء ~~الظالمين عدوانا مشاكلة كقوله تعالى - وجزاء سيئة سيئة مثلها -. وقوله (فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى (وقاتلوا في سبيل ~~الله) الآية أنها أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول ~~الله يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت سورة براءة. وأخرج عبد بن ~~حميد عن مجاهد في هذه الآية قال: إن أصحاب محمد أمروا بقتال الكفار. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا تعتدوا) يقول ~~لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى السلم وكف يده، فإن ~~فعلتم فقد اعتديتم. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إن ~~هذه الآية في النساء والذرية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ~~(والفتنة أشد من القتل) يقول: الشرك أشد من القتل. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: ارتداد المؤمن إلى ~~الوثن أشد عليه من أن يقتل محقا. # وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله (ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) قال: حتى يبدءوا بالقتال، ثم ~~نسخ بعد ذلك فقال (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة). وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وأبو داود في ناسخه عن قتادة أن قوله (ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام) وقوله - يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير - فكان ~~كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعا ms0319 في براءة قوله - فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم - وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة -. وأخرج ابن جرير عن ~~مجاهد في قوله (فإن انتهوا) قال: فإن تابوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس PageV01P191 # في قوله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) يقول: شرك بالله (ويكون الدين) ~~ويخلص التوحيد لله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية، قال: ~~الشرك. وقوله (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) قال: لا تقاتلوا إلا ~~من قاتلكم. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله (ويكون الدين لله) يقول: حتى ~~لا تعبدوا إلا الله. وأخرج أيضا عن عكرمة في قوله (فلا عدوان إلا على ~~الظالمين) قال: هم من أبى أن يقول لا إله إلا الله. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. # قوله (الشهر الحرام بالشهر الحرام) أي إذا قاتلوكم في الشهر الحرام ~~وهتكوا حرمته قاتلتموهم في الشهر الحرام مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم. ~~(والحرمات) جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة، وإنما جمع الحرمات لأنه أراد ~~الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والحرمة: ما منع الشرع من ~~انتهاكه. والقصاص: المساواة، والمعنى: # أن كل حرمة يجري فيها القصاص، فمن هتك حرمة عليكم فلكم أن تهتكوا حرمة ~~عليه قصاصا، قيل وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال، وقيل إنه ثابت ~~بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم ينسخ، ويجوز لمن تعدى عليه في مال ~~أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدى عليه، وبهذا قال الشافعي وغيره. وقال آخرون: ~~إن أمور القصاص مقصورة على الحكام، وهكذا الأموال لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " أخرجه الدارقطني ~~وغيره، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني، والقول الأول ~~أرجح، وبه قال ابن المنذر واختاره ابن العربي والقرطبي، وحكاه الداودي عن ~~مالك، ويؤيده إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ~~ماله ما يكفيها ms0320 وولدها وهو في الصحيح، ولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه ~~الآية (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم) وهذه الجملة في ~~حكم التأكيد للجملة الأولى، أعني قوله (والحرمات قصاص) وإنما سمي المكافأة ~~اعتداء مشاكلة كما تقدم. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول ~~إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام قاضاهم ~~على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين ~~وأقصه الله منهم نزلت في ذلك هذه الآية (الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمات قصاص). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه أيضا. وأخرجا أيضا عن قتادة نحوه. # وأخرج ابن جرير عن ابن جريج نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (فمن ~~اعتدى عليكم) الآية، وقوله - وجزاء سيئة - الآية، وقوله - ولمن انتصر بعد ~~ظلمه - الآية، وقوله - وإن عاقبتم - الآية قال: هذا ونحوه نزل بمكة ~~والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين، فكان المشركون ~~يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى ~~بمثل ما أوتي إليه أو يصبروا ويعفوا، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه، أمر PageV01P192 # الله المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدوا بعضهم على ~~بعض كأهل الجاهلية، فقال - ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا - الآية، ~~يقول: ينصره السلطان حتى ينصفه على من ظلمه، ومن انتصر لنفسه دون السلطان ~~فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله تعالى انتهى. وأقول: ~~هذه الآية التي جعلها ابن عباس رضي الله عنه ناسخة مؤيدة لما تدل عليه ~~الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له، فإن ms0321 الظاهر من قوله - فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا - أنه جعل السلطان له: أي جعل له تسلطا يتسلط به على القاتل، ولهذا ~~قال - فلا يسرف في القتل - ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك ~~مخصصا للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخا لها، فإنه لم ينص في هذه ~~الآية إلا على القتل وحده، وتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من لغة ~~العرب التي هي المرجع في تفسير كلام الله سبحانه. # في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، وهو الجهاد، واللفظ يتناول ~~غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله والباء في قوله (بأيديكم) زائدة، ~~والتقدير: ولا تلقوا أيديكم، ومثله - ألم يعلم بأن الله يرى - وقال المبرد ~~(بأيديكم) أي بأنفسكم تعبيرا بالبعض عن الكل، كقوله - بما كسبت أيديكم - ~~وقيل هذا مثل مضروب، يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا: إذا استسلم، لأن ~~المستسلم في القتال يلقى سلاحه بيديه، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان ~~وقال قوم: التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم. والتهلكة: مصدر من هلك يهلك ~~هلاكا وهلكا وتهلكة: أي لا تأخذوا فيما يهلككم. وللسلف في معنى الآية أقوال ~~سيأتي بيانها، وبيان سبب نزول الآية. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في ~~هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل ~~في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع ~~المجاهدين، ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رأوا ~~السبب، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها، وهو ظن تدفعه لغة العرب. وقوله ~~(وأحسنوا) أي في الإنفاق في الطاعة، أو أحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم. # وقد أخرج عبد بن حميد والبخاري والبيهقي في سننه عن حذيفة في قوله ~~(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قال: نزلت في ~~النفقة. وأخرج سعيد بن منصور ms0322 وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في الآية قال: هو ترك النفقة في سبيل الله مخافة العيلة. وأخرج ~~عبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~عكرمة نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه. وأخرج عبد بن حميد ~~والبيهقي في الشعب عنه قال: هو البخل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد ~~بن أسلم في الآية قال: كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بغير نفقة، فإما يقطع لهم، وإما كانوا عيالا، فأمرهم الله ~~أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة. والتهلكة: أن ~~تهلك رجال من PageV01P193 # الجوع والعطش ومن المشي. وقال لمن بيده فضل (وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين). وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير والبغوي في معجمه وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن ماتع والطبراني عن الضحاك ابن أبي ~~جبير: أن الأنصار كانوا ينفقون في سبيل الله ويتصدقون، فأصابتهم سنة فساء ~~ظنهم وأمسكوا عن ذلك، فأنزل الله الآية. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود ~~والترمذي وصححه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أسلم بن عمران قال: كنا ~~بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، ~~فخرج صف عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى ~~دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيده إلى التهلكة؟ فقام أبو ~~أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أيها الناس إنكم ~~تؤولون الآية هذا التأويل. وإنما أنزلت فينا هذه الآية معشر الأنصار، إنا ~~لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إن أموال الناس قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ~~ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع ms0323 منها؟ فأنزل الله على نبيه ~~يرد علينا (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فكانت ~~التهلكة: الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه والبيهقي عن البراء بن عازب قال في ~~تفسير الآية: هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول: # لا يغفر الله لي ابدا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه ~~والطبراني والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير قال في تفسير الآية: إنه القنوط. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التهلكة عذاب الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق فأسرع رجل إلى العدو ~~وحده، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفع حديثه إلى عمرو بن العاص فأرسل إليه ~~فرده، وقال: قال الله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). وأخرج ابن جرير عن ~~رجل من الصحابة في قوله (وأحسنوا) قال: أدوا الفرائض. وأخرج عبد بن حميد عن ~~أبي إسحاق مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: أحسنوا الظن ~~بالله. # قوله (وأتموا الحج) اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة ~~لله، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما من دون أن يشوبهما شئ مما هو محظور، ولا ~~يخل بشرط ولا فرض لقوله تعالى - فأتمهن - وقوله - ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل - وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج لهما لا لغيرهما، وقيل ~~إتمامهما أن تفرد كل واحد منهما من PageV01P194 # غير تمتع ولا قران، وبه قال ابن حبيب. وقال مقاتل: إتمامها أن لا يستحلوا ~~فيهما مالا ينبغي لهم، وقيل إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل أن ~~ينفق في سفرهما الحلال الطيب، وسيأتي بيان سبب نزول الآية وما هو مروي عن ~~السلف في معنى إتمامهما. وقد استدل بهذه الآية على وجوب العمرة لأن الأمر ~~بإتمامهما أمر بها، وبذلك قال علي وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد ~~والحسن وابن ms0324 سيرين والشعبي وسعيد بن جبير ومسروق وعبد الله بن شداد ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكية. وقال مالك ~~والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم: أنها سنة. وحكي عن أبي ~~حنيفة أنه يقول بالوجوب. ومن القائلين بأنها سنة ابن مسعود وجابر بن عبد ~~الله. ومن جملة ما استدل به الأولون ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الصحيح أنه قال لأصحابه " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة ". وثبت عنه أيضا ~~في الصحيح أنه قال " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". وأخرج ~~الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت ". واستدل ~~الآخرون بما أخرجه الشافعي في الآية وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~الحج جهاد والعمرة تطوع ". وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله مرفوعا ~~مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد والترمذي وصححه عن جابر " أن رجلا ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ # قال: لا وأن تعتمروا خير لكم " وأجابوا عن الآية وعن الأحاديث المصرحة ~~بأنها فريضة بحمل ذلك على أنه قد وقع الدخول فيها، وهي بعد الشروع فيها ~~واجبة بلا خلاف، وهذا وإن كان فيه بعد، لكنه يجب المصير إليه جمعا بين ~~الأدلة ولا سيما بعد تصريحه صلى الله عليه وآله وسلم بما تقدم في حديث جابر ~~من عدم الوجوب، وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها، كما أخرجه ~~الشافعي في الأم أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لعمرو بن حزم " إن العمرة هي الحج الأصغر ". وكحديث ابن عمر عند البيهقي في ~~الشعب قال " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أوصني، فقال: ~~تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، ms0325 وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، ~~وتحج وتعتمر، وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية، وإياك والسر " وهكذا ينبغي حمل ~~ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل ~~الأعمال، وأنهما كفارة لما بينهما، وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك. ~~قوله (فإن أحصرتم) الحصر: الحبس. قال أبو عبيدة والكسائي والخليل: إنه يقال ~~أحصر بالمرض، وحصر بالعدو. وفي المجمل لابن فارس العكس يقال: أحصر بالعدو، ~~وحصر بالمرض. ورجح الأول ابن العربي وقال: هو رأي أكثر أهل اللغة. وقال ~~الزجاج: إنه كذلك عند جميع أهل اللغة. وقال الفراء: هما بمعنى واحد في ~~المرض والعدو. ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني فقال: # حصرني الشئ وأحصرني: أي حبسني. وبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف ~~أئمة الفقه في معنى الآية، فقالت الحنفية: المحصر من يصير ممنوعا من مكة ~~بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غيره. وقالت الشافعية وأهل المدينة المراد ~~بالآية حصر العدو. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر ~~وينحر هديه إن كان ثم هدى ويحلق رأسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم هو وأصحابه في الحديبية. وقوله (فما استيسر من الهدى) " ما " في موضع ~~رفع على الابتداء أو الخبر: أي فالواجب أو فعليكم، ويحتمل أن يكون في موضع ~~نصب، أي فانحروا أو فاهدوا ما استيسر: أي ما تيسر، يقال يسر الأمر واستيسر، ~~كما يقال صعب واستصعب، PageV01P195 # والهدى والهدي لغتان، وهما جمع هدية، وهي ما يهدي إلى البيت من بدنة أو ~~غيرها. قال الفراء: أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدى، وتميم وسفلى قيس ~~يثقلون. قال الشاعر: # حلفت برب كعبة والمصلى * وأعناق الهدي مقلدات قال: وواحد الهدى هدية، ~~ويقال في جمع الهدى أهد. واختلف أهل العلم في المراد بقوله (ما استيسر) ~~فذهب الجمهور إلى أنه شاة. وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة. ~~وقال الحسن: أعلا الهدى بدنة، وأوسطه بقرة، وأدناه شاة، وقوله (ولا تحلقوا ~~رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) هو خطاب لجميع الأمة ms0326 من غير فرق بين محصر وغير ~~محصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم - وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمحصرين ~~خاصة: # أي لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدى الذي بعثتموه إلى الحرم قد ~~بلغ محله، وهو الموضع الذي يحل فيه ذبحه. واختلفوا في تعيينه، فقال مالك ~~والشافعي: هو موضع الحصر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث ~~أحصر في عام الحديبية. وقال أبو حنيفة: هو الحرم لقوله تعالى - ثم محلها ~~إلى البيت العتيق - وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه ~~الوصول إلى البيت. وأجاب الحنفية عن نحره صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم، ورد بأن المكان ~~الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم. قوله (فمن كان منكم مريضا) الآية، ~~المراد بالمرض هنا ما يصدق عليه مسمى المرض لغة. والمراد بالأذى من الرأس: ~~ما فيه من قمل أو جراح ونحو ذلك، ومعنى الآية: أن من كان مريضا أو به أذى ~~من رأسه فحلق فعليه فدية. وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة ~~والنسك، فثبت في الصحيح " أن رسول الله رأى كعب بن عجرة وهو محرم وقمله ~~يتساقط على وجهه، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم، فأمره أن يحلق ويطعم ~~ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام ". وقد ذكر ابن عبد البر أنه ~~لا خلاف بين العلماء أن النسك هنا هو شاة. وحكى عن الجمهور أن الصوم ~~المذكور في الآية ثلاثة أيام، والإطعام لستة مساكين. # وروى عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، ~~والإطعام عشرة مساكين. # والحديث الصحيح المتقدم يرد عليهم ويبطل قولهم. وقد ذهب مالك والشافعي ~~وأبو حنيفة وأصحابهم وداود إلى أن الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أي لكل مسكين وقال الثوري نصف صاع من بر أو صاع من غيره. ~~وروى ذلك عن أبي حنيفة. قال ابن المنذر: ms0327 وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة ~~مساكين. واختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل، فروى عنه مثل قول مالك والشافعي، ~~وروى عنه أنه إن أطعم برا فمد لكل مسكين، وإن أطعم تمرا فنصف صاع. واختلفوا ~~في مكان هذه الفدية فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام أو ~~صيام فحيث شاء. وبه قال أصحاب الرأي. وقال طاوس والشافعي: الإطعام والدم لا ~~يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء. وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع، ~~وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان. قوله (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج فما استيسر من الهدى) أي برأتم من المرض - وقيل من خوفكم من العدو ~~على الخلاف السابق، ولكن الأمن من العدو أظهر من استعمال أمنتم في ذهاب ~~المرض، فيكون مقويا لقول من قال إن قوله (فإن أحصرتم) المراد به الإحصار من ~~العدو، كما أن قوله (فمن كان منكم مريضا) يقوي قول من قال بذلك لإفراد عذر ~~المرض بالذكر. وقد وقع الخلاف هل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة أم جميع ~~الأمة على حسب ما سلف، والمراد بالتمتع المذكور في الآية أن يحرم الرجل ~~بعمرة ثم يقيم حلالا بمكة إلى أن يحرم بالحج، فقد استباح بذلك PageV01P196 # مالا يحل للمحرم استباحته، وهو معنى تمتع به واستمتع. ولا خلاف بين أهل ~~العلم في جواز التمتع، بل هو عندي أفضل أنواع الحج كما حررته في شرحي على ~~المنتقى. وقد تقدم الخلاف في معنى قوله (فما استيسر من الهدى). # قوله (فمن لم يجد) الآية، أي فمن لم يجد الهدى، إما لعدم المال أو لعدم ~~الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحج: أي في أيام الحج، وهي من عند شروعه في ~~الإحرام إلى يوم النحر، وقيل يصوم قبل يوم التروية يوما ويوم التروية ويوم ~~عرفة، وقيل ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة، وقيل يصومهن من أول عشر ذي ~~الحجة، ms0328 وقيل ما دام بمكة، وقيل إنه يجوز أن يصوم الثلاث قبل أن يحرم. وقد ~~جوز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدى، ومنعه آخرون. قوله ~~(وسبعة إذا رجعتم) قرأه الجمهور بخفض سبعة، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة ~~بالنصب على أنه معمول بفعل مقدر: أي وصوموا سبعة، وقيل على أنه معطوف على ~~ثلاثة، لأنها وإن كانت مجرورة لفظا فهي في محل نصب كأنه قيل فصيام ثلاثة. ~~والمراد بالرجوع هنا الرجوع إلى الأوطان. قال أحمد وإسحاق: يجزيه الصوم في ~~الطريق، ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة ~~والربيع ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم. وقال مالك: إذا رجع من منى فلا ~~بأس أن يصوم، والأول أرجح. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم " فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع ~~إلى أهله " فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجوع المذكور في الآية هو ~~الرجوع إلى الأهل. وثبت أيضا في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ " وسبعة إذا ~~رجعتم إلى أمصاركم " وإنما قال سبحانه (تلك عشرة كاملة) مع أن كل أحد يعلم ~~أن الثلاثة والسبعة عشرة، لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام ~~في الحج والسبعة إذا رجع. قاله الزجاج. وقال المبرد: ذكر ذلك ليدل على ~~انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شئ بعد ذكر السبعة، وقيل هو ~~توكيد كما تقول كتبت بيدي. وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه الفذلكة فيما دون ~~هذا العدد، كقول الشاعر: # ثلاث واثنتان فهن خمس * وسادسة تميل إلى سهامي وكذا قول الآخر: ثلاث ~~بالعداد وذاك حسبي * وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ري * وشرب ~~المرء فوق الري داء وقوله (كاملة) توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية ~~بصيامها، وأن لا ينقص من عددها. وقوله (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام) الإشارة بقوله (ذلك) قيل هي راجعة إلى التمتع، فتدل ms0329 على أنه لا ~~متعة لحاضري المسجد الحرام كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، قالوا: ومن تمتع ~~منهم كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه، وقيل إنها راجعة إلى الحكم، ~~وهو وجوب الهدى والصيام، فلا يجب ذلك على من كان من حاضري المسجد الحرام، ~~كما يقوله الشافعي ومن وافقه. والمراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام: من لم يكن ساكنا في الحرم، أو من لم يكن ساكنا في المواقيت فما ~~دونها على الخلاف في ذلك بين الأئمة. وقوله (واتقوا الله) أي فيما فرضه ~~عليكم في هذه الأحكام، وقيل هو أمر بالتقوى على العموم وتحذير من شدة عقاب ~~الله سبحانه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل وابن عبد البر في التمهيد عن ~~يعلى بن أمية قال " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله أن ~~PageV01P197 # أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أين السائل عن العمرة؟ فقال: ها أنذا، قال: اخلع ~~الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك ". ~~وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه، ولكن فيهما أنه نزل عليه صلى ~~الله عليه وآله وسلم الوحي بعد السؤال ولم يذكر ما هو الذي أنزل عليه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن علي في قوله (وأتموا الحج والعمرة لله) قال: أن تحرم ~~من دويرة أهلك. وأخرج ابن عدي والبيهقي مثله من حديث أبي هريرة مرفوعا. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: من تمامهما أن يفرد كل ~~واحد منهما عن الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحج. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس قال: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار ~~البيت فقد حل، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل. وقد ~~ورد في فضل الحج والعمرة أحاديث كثيرة ms0330 ليس هذا موطن ذكرها. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فإن أحصرتم) يقول: من أحرم بحج أو عمرة ~~ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدى ~~شاة فما فوقها، وإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت بعد حجة ~~الفريضة فلا قضاء عليه وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله (فإن أحصرتم) يقول: الرجل إذا أهل بالحج ~~فأحصر بعث بما استيسر من الهدى، فإن كان عجل قبل أن يبلغ الهدى محله فحلق ~~رأسه، أو مس طيبا، أو تداوي بدواء، كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك - ~~فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، ~~والنسك شاة (فإذا أمنتم) يقول: فإذا برئ فمضى من وجهه ذلك إلى البيت أحل من ~~حجته بعمرة، وكان عليه الحج من قابل، فإن هو رجع ولم يتم من وجهه ذلك إلى ~~البيت كان عليه حجة وعمرة، فان هو رجع متمتعا في أشهر الحج كان عليه ما ~~استيسر من الهدى شاة، فإن هو لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجع. قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس ~~في هذا الحديث كله. وأخرج مالك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي في قوله (فما ~~استيسر من الهدى) قال: شاة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس مثله. ~~وأخرج الشافعي في الأم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير والبيهقي (فما استيسر من الهدى) قال: # بقرة أو جزور، قيل أو ما يكفيه شاة؟ قال: لا. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد عن ابن عباس قال في تفسير ms0331 (ما استيسر) ما يجد. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: إن كان موسرا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، ~~وإلا فمن الغنم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم من طريق القاسم عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من ~~الهدى إلا من الإبل والبقر. وكان ابن عباس يقول: ما استيسر من الهدى شاة. ~~وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من ~~أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شئ، إنما قال الله (فإذا أمنتم) فلا ~~يكون الأمن إلا من الخوف. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا إحصار إلا ~~من عدو. وأخرج أيضا عن الزهري نحوه. وأخرج أيضا عن عطاء قال: لا إحصار إلا ~~من مرض أو عدو أو أمر حادث. وأخرج أيضا عن عروة قال: كل شئ حبس المحرم فهو ~~إحصار. وأخرج البخاري عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحر ~~قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك. وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس ~~PageV01P198 # في قوله (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) ثم استثنى فقال (فمن ~~كان منكم مريضا) الآية. وأخرج الترمذي وابن جرير عن كعب عن عجرة قال: لفي ~~نزلت وإياي عني بها (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه). وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (فمن كان منكم مريضا) يعني من اشتد مرضه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن المنذر عنه. قال: يعني بالمرض أن يكون برأسه أذى أو قروح، أو به ~~أذى من رأسه - قال: # الأذى: هو القمل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: النسك المذكور في ~~الآية شاة. وروى أيضا عن علي مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) يقول: ms0332 # من أحرم بالعمرة في أشهر الحج. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك نحوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم أن ابن الزبير كان يقول: إنما المتعة ~~لمن أحصر، وليست لمن خلى سبيله. وقال ابن عباس: هي لمن أحصر ومن خلى سبيله. ~~وأخرج ابن جرير عن علي في قوله (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) ~~قال: فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحج فعليه الهدى. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن علي بن ~~أبي طالب في قوله (فصيام ثلاثة أيام) قال: قبل التروية يوم، ويوم التروية، ~~ويوم عرفة فإن فاتته صامهن أيام التشريق. وأخرج هؤلاء إلا ابن أبي حاتم ~~والبيهقي عن ابن عمر مثله إلا أنه قال: وإذا فاته صام أيام منى فإنهن من ~~الحج. وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر نحوه مرفوعا. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن علقمة ومجاهد وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في الآية قال: إذا لم يجد المتمتع بالعمرة هديا فعليه صيام ثلاثة ~~أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه، وسبعة ~~إذا رجع إلى أهله. # وأخرج الدارقطني عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ~~من لم يكن معه هدى فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر، ومن لم يكن صام تلك ~~الثلاثة الأيام فليصم أيام التشريق " وأخرج أيضا عن عبد الله بن حذافة " أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة ~~الوداع، فينادوا: إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، فلا نصوم فيهن إلا صوما ~~في هدى ". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء في قوله تعالى (ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) قال: ست قريات: عرفة، وعرنة، والرجيع ms0333 ~~والنخلتان، ومر الظهران، وضجنان. وقال مجاهد: هم أهل الحرم. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن ابن عباس. قال: هم أهل الحرم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر ~~مثله. PageV01P199 # قوله (الحج أشهر) فيه حذف، والتقدير: وقت الحج أشهر، أي وقت عمل الحج، ~~وقيل التقدير: الحج في أشهر، وفيه أنه يلزم النصب مع حذف حرف الجر لا ~~الرفع. قال الفراء: الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات، وقيل ~~التقدير: الحج حج أشهر معلومات. وقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن ~~مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: هي شوال وذو القعدة وذو ~~الحجة كله، وبه قال مالك. وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال ~~وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. ~~وقد روى أيضا عن مالك. ويظهر فائدة الخلاف في ما وقع من أعمال الحج بعد يوم ~~النحر، فمن قال إن ذا الحجة كله من الوقت لم يلزمه دم التأخير، ومن قال ليس ~~إلا العشر منه قال يلزم دم التأخير. وقد استدل بهذه الآية من قال إنه لا ~~يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو عطاء وطاوس ومجاهد والأوزاعي ~~والشافعي وأبو ثور قالوا: فمن أحرم بالحج قبلها أحل بعمرة، ولا يجزيه عن ~~إحرام الحج كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنها لا تجزيه. # وقال أحمد وأبو حنيفة: إنه مكروه فقط. وروى نحوه عن مالك، والمشهور عنه ~~جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة. وروى مثله عن أبي حنيفة. ~~وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في ~~الآية. وقد قيل إن النص عليها لزيادة فضلها. وقد روى القول بجواز الإحرام ~~في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، ~~واحتج لهم بقوله تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فجعل ~~الأهلة كلها مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن هذه الآية ~~عامة، وتلك خاصة، والخاص مقدم على العام. ومن جملة ما ms0334 احتجوا به القياس ~~للحج على العمرة، فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة، كذلك يجوز للحج، ~~ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنص القرآني فهو باطل، فالحق ما ذهب إليه ~~الأولون إن كانت الأشهر المذكورة في قوله (الحج أشهر) مختصة بالثلاثة ~~المذكورة بنص أو إجماع، فإن لم يكن كذلك فالأشهر جمع شهر، وهو من جموع ~~القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة، والثلاثة هي المتيقنة فيجب الوقوف ~~عندها، ومعنى قوله (معلومات) أن الحج في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات ~~من شهورها ليس كالعمرة، أو المراد معلومات ببيان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، أو معلومات عند المخاطبين لا يجوز التقدم عليها ولا التأخر عنها. ~~قوله (فمن فرض فيهن الحج) أصل الفرض في اللغة: الحز والقطع، ومنه فرضة ~~القوس والنهر والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقوس، وقيل ~~معنى فرض: أبان، وهو أيضا يرجع إلى القطع، لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن ~~غيره. والمعنى في الآية: فمن ألزم نفسه فيهن الحج بالشروع فيه بالنية قصدا ~~باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا. وقال أبو حنيفة: إن ~~إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدى وسوقه. وقال الشافعي: تكفي ~~النية في الإحرام بالحج. والرفث قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة ~~والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك: هو الجماع. وقال ابن عمر وطاوس وعطاء ~~وغيرهم: الرفث: # الإفحاش بالكلام. قال أبو عبيدة: الرفث: اللغاء من الكلام، وأنشد: # ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم يقال رفث يرفث بكسر الفاء ~~وضمها، والفسوق: الخروج عن حدود الشرع، وقيل: هو الذبح للأصنام، وقيل ~~التنابز بالألقاب، وقيل السباب. والظاهر أنه لا يختص بمعصية معينة، وإنما ~~خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق على ذلك الفرد اسم الفسوق، كما ~~قال سبحانه في الذبح للأصنام - أو فسقا أهل لغير الله به -. PageV01P200 # وقال في التنابز - بئس الاسم الفسوق -. وقال صلى الله عليه وآله وسلم في ~~السباب " سباب المسلم فسوق ". ولا يخفى على عارف أن إطلاق ms0335 اسم الفسوق على ~~فرد من أفراد المعاصي لا يوجب اختصاصه به، والجدال مشتق من الجدل وهو ~~القتل، والمراد به هنا المماراة، وقيل السباب، وقيل الفخر بالآباء. والظاهر ~~الأول. وقد قرئ بنصب الثلاثة ورفعها، ورفع الأولين، ونصب الثالث، وعكس ذلك، ~~ومعنى النفي لهذه الأمور النهي عنها وقوله (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) ~~حث على الخير بعد ذكر الشر، وعلى الطاعة بعد ذكر المعصية، وفيه أن كل ما ~~يفعلونه من ذلك فهو معلوم عند الله لا يفوت منه شئ. وقوله (وتزودوا) فيه ~~الأمر باتخاذ الزاد، لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحج بيت ربنا ولا ~~يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد ويقولون: نحن متوكلون على الله سبحانه، وقيل ~~المعنى: تزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة (فإن خير الزاد التقوى) والأول ~~أرجح كما يدل على ذلك سبب نزول الآية، وسيأتي. وقوله (فإن خير الزاد ~~التقوى) إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال: اتقوا الله في ~~إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خير الزاد التقوى، وقيل المعنى: ~~فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف. ~~وقوله (واتقون يا أولي الألباب) فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حث ~~جميع العباد على التقوى، لأن أرباب الألباب هم القابلون لأوامر الله ~~الناهضون بها، ولب كل شئ خالصه. قوله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم) فيه الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شئ ~~من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى - فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله - أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا فضلا من ربكم، مع ~~سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج قوله (فإذا أفضتم) أي دفعتم، يقال ~~فاض الإناء: إذا امتلأ ماء حتى ينصب من نواحيه، ورجل فياض: أي متدفقة يداه ~~بالعطاء، ومعناه: أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم دفعوا ~~من موضع كذا وعرفات: # اسم لتلك البقعة: أي موضع الوقوف، وقرأه الجماعة بالتنوين، وليس التنوين ms0336 ~~هنا للفرق بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين. ~~قال النحاس: هذا الجيد. وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات قال: ~~لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين. وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء تشبيها ~~بتاء فاطمة، وأنشدوا: تنورتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر ~~عالي وقال في الكشاف: فإن قلت هلا منعت الصرف، وفيها السببان التعريف ~~والتأنيث، قلت: لا يخلو التأنيث، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما ~~بتاء مقدرة كما في سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث وإنما هي مع الألف ~~التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها لأن هذه التاء ~~لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت ~~لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت ~~تقديرها انتهى، وسميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيها، وقيل إن آدم التقى هو ~~وحواء فيها فتعارفا، وقيل غير ذلك. قال ابن عطية: والظاهر أنه اسم مرتجل ~~كسائر أسماء البقاع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة، لأن الإفاضة لا ~~تكون إلا بعده، والمراد بذكر الله عند المشعر الحرام دعاؤه، ومنه التلبية ~~والتكبير، وسمى المشعر مشعرا من الشعار، وهو العلامة، والدعاء عنده من ~~شعائر الحج، ووصف بالحرام لحرمته، وقيل المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء ~~بالمزدلفة جمعا. وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما ~~فيها. والمشعر: هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام، وقيل هو ما بين جبلي ~~المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر قوله (واذكروه PageV01P201 # كما هداكم) الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية أو كافة أي اذكروه ذكرا ~~حسنا، كما هداكم هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر تأكيدا - وقيل الأول أمر ~~بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني في أمر بالذكر على حكم الإخلاص - وقيل ~~المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم، و " إن " في قوله (وإن كنتم من قبله) ~~مخففة كما يفيده دخول اللام في الخبر - وقيل هي بمعنى قد: أي قد كنتم، ~~والضمير في ms0337 قوله (من قبله) عائد إلى الهدى، وقيل إلى القرآن. # وقد أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى (الحج أشهر معلومات) شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة. وأخرج الطبراني في الأوسط أيضا عن ابن عمر مرفوعا مثله. ~~وأخرج الخطيب عن ابن عباس مرفوعا مثله أيضا. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~المنذر عن عمر بن الخطاب موقوفا مثله. وأخرج الشافعي في الأم وسعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عمر موقوفا مثله. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وعطاء والضحاك مثله. # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عمر في قوله (الحج أشهر ~~معلومات) قال شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة. وأخرجوا إلا الحاكم ~~عن ابن مسعود مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني ~~والبيهقي عن ابن عباس من طرق مثله. وأخرج ابن المنذر والدارقطني والطبراني ~~والبيهقي عن عبد الله بن الزبير مثله أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن ~~ومحمد وإبراهيم مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي ~~عن ابن عمر في قوله (فمن فرض فيهن الحج) قال: من أهل فيهن بحج. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال الفرض: الإحرام. وأخرج ابن ~~أبي شيبة عن ابن الزبير قال: الإهلال. وأخرج عنه ابن المنذر والدارقطني ~~والبيهقي قال: فرض الحج الإحرام. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الفرض ~~الإهلال. وروى نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج الشافعي في الأم وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في ~~أشهر الحج من أجل قول الله تعالى (الحج أشهر معلومات). وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عنه ms0338 نحوه. وأخرج الشافعي في الأم وابن ~~أبي شيبة وابن مردويه والبيهقي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج ". وأخرج الطبراني عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله " فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج " قال: الرفث: # التعريض للنساء بالجماع، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال: جدال الرجل ~~صاحبه ". وأخرج ابن مردويه والإصبهاني في الترغيب عن أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فلا رفث: لا جماع، ولا فسوق: المعاصي ~~والكذب ". وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن ~~جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس في الآية قال: ~~الرفث الجماع، والفسوق: المعاصي، والجدال: # المراء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة ~~والطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: # الرفث: غشيان النساء، والفسوق: السباب، والجدال: المراء. وأخرج سعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عنه ~~نحوه. وروى نحو ما تقدم عن جماعة من التابعين بعبارات مختلفة وأخرج عبد بن ~~حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن ~~يحجون ولا PageV01P202 # يتزودون ويقولون نحن متوكلون ثم يقدمون فيسألون الناس، فأنزل الله ~~(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: كان ~~ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ ~~فنزلت الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ~~ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادا آخر، فأنزل الله (وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى) فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق. ~~وأخرج الطبراني عن ابن الزبير قال: كان الناس يتوكل بعضهم على بعض في الزاد ~~فأمرهم الله أن يتزودوا. وقد روى عن جماعة من التابعين مثل ما تقدم عن ~~الصحابة. ms0339 وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ~~جرير عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج ~~ويقولون أيام ذكر الله، فنزلت (ليس عليكم جناح) الآية. وقد أخرج نحوه عنه ~~البخاري وغيره. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~والبيهقي عن أبي أمامة التميمي قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكرى فهل لنا ~~من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وبين الصفا والمروة، وتأتون المعرف، ~~وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قلت بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه حتى نزل عليه ~~جبريل بهذه الآية (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فدعاه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقرأ عليه الآية وقال: أنتم حجاج، وأخرج البخاري وغيره ~~عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) في ~~مواسم الحج وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن الزبير أنه قرأها كما قرأها ابن عباس. وأخرج ابن أبي داود في ~~المصاحف أن ابن مسعود قرأها كذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ~~قال: إنما سمي عرفات لأن جبريل كان يقول لإبراهيم عليه السلام حين رأى ~~المناسك عرفت. وأخرج مثله ابن أبي حاتم عن ابن عمر. وأخرج مثله عبد الرزاق ~~وابن جرير عن علي. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عمر أنه سئل عن المشعر الحرام فسكت، حتى إذا ~~هبطت أيدي الرواحل بالمزدلفة قال: هذا المشعر الحرام. وأخرج عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه أنه قال: المشعر ~~الحرام: المزدلفة كلها. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~والبيهقي في سننه عنه قال: هو ms0340 الجبل وما حوله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه قال: ما بين الجبلين ~~الذي بجمع مشعر. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ابن الزبير في قوله ~~(واذكروه كما هداكم) قال: ليس هذا بعام، هذا لأهل البلد كانوا يفيضون من ~~جمع ويفيض سائر الناس من عرفات، فأبى الله لهم ذلك، فأنزل (ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس). وأخرج عبد بن حميد عن سفيان في قوله (وإن كنتم من قبله) ~~قال: من قبل القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وإن كنتم من ~~قبله لمن الضالين) قال لمن الجاهلين. PageV01P203 # قيل الخطاب في قوله (ثم أفيضوا) للحمس من قريش لأنهم كانوا لا يقفون مع ~~الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، فأمروا بذلك - وعلى ~~هذا تكون ثم لعطف جملة على جملة لا للترتيب - وقيل الخطاب لجميع الأمة، ~~والمراد بالناس إبراهيم: أي ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، فيحتمل أن يكون ~~أمرا لهم بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى وهي التي من ~~المزدلفة، وعلى هذا تكون ثم على بابها أي للترتيب. وقد رجح هذا الاحتمال ~~الأخير ابن جرير الطبري، وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط الرحمة، ~~ومواطن القبول، ومظنات الإجابة - وقيل إن المعنى استغفروا للذي كان مخالفا ~~لسنة إبراهيم، وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة. والمراد بالمناسك أعمال ~~الحج، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " خذوا عني مناسككم " أي فإذا ~~فرغتم من أعمال الحج فاذكروا الله، وقيل المراد بالمناسك الذبائح، وإنما ~~قال سبحانه (كذكركم آبائكم) لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند ~~الجمرة فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم، فأمرهم الله بذكره مكان ذلك ~~الذكر، ويجعلونه ذكرا مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد من ذكرهم لآبائهم. قال ~~الزجاج: إن قوله (أو أشد) في موضع خفض عطفا على ذكركم، والمعنى أو كأشد ~~ذكرا، ويجوز أن يكون في موضع نصب: # أي اذكروه أشد ذكرا. وقال في الكشاف: إنه عطف على ms0341 ما أضيف إليه الذكر في ~~قوله (كذكركم) كما تقول كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا. قوله (فمن ~~الناس من يقول) الآية، لما أرشد سبحانه عباده إلى ذكره، وكان الدعاء نوعا ~~من أنواع الذكر جعل من يدعوه منقسما إلى قسمين: أحدهما يطلب حظ الدنيا ولا ~~يلتفت إلى حظ الآخرة، والقسم الآخر يطلب الأمرين جميعا، ومفعول الفعل، أعني ~~قوله (آتنا) محذوف: أي ما نريد أو ما نطلب، والواو في قوله (وماله) واو ~~الحال، والجملة بعدها حالية. والخلاق: النصيب: أي وما لهذا الداعي في ~~الآخرة من نصيب، لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها ولا يطلب سواها. ~~وفي هذا الخبر معنى النهى عن الاقتصار على طلب الدنيا والذم لمن جعلها غاية ~~رغبته ومعظم مقصوده. وقد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية، ~~فقيل هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية ومالا بد منه من الرزق، ~~وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا، وقيل المراد بحسنة الدنيا: ~~الزوجة الحسناء، وحسنة الآخرة: الحور العين، وقيل حسنة الدنيا: العلم ~~والعبادة، وقيل غير ذلك. قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد ~~بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة. قال: وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ يقتضي هذا ~~كله، فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على ~~البدل، وحسنة الآخرة: الجنة بإجماع انتهى. قوله (وقنا) أصله أوقنا حذفت ~~الواو كما حذفت في يقي لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد، هذا قول البصريين، ~~وقال الكوفيون: حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي. وقوله (أولئك) إشارة إلى ~~الفريق الثاني (لهم نصيب من) جنس (ما كسبوا) من PageV01P204 # الأعمال: أي من ثوابها، ومن جملة أعمالهم الدعاء، فما أعطاهم الله بسببه ~~من الخير فهو مما كسبوا، وقيل إن معنى قوله (مما كسبوا) التعليل: أي من أجل ~~ما كسبوا، وهو بعيد، وقيل إن قوله (أولئك) إشارة إلى الفريقين جميعا: أي ~~للأولين نصيب من الدنيا ولا نصيب لهم في الآخرة، وللآخرين نصيب مما كسبوا ~~في الدنيا وفي الآخرة، وسريع ms0342 من سرع يسرع كعظم يعظم سرعا وسرعة، والحساب ~~مصدر كالمحاسبة، وأصله العدد، يقال: حسب يحسب حسابا، وحسابة وحسبانا وحسبا. ~~والمراد هنا المحسوب، سمي حسابا تسمية للمفعول بالمصدر، والمعنى: # أن حسابه لعباده في يوم القيامة سريع مجيئه، فبادروا ذلك بأعمال الخير، ~~أو أنه وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وأنه لا يشغله شأن عن ~~شأن فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال تعالى (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة). قوله (في أيام معدودات) قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن ~~الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وأيام التشريق، وهي أيام رمي ~~الجمار. وقال الثعلبي: قال إبراهيم: الأيام المعدودات أيام العشر، والأيام ~~المعلومات أيام النحر. وكذا روى عن مكي والمهدوي. قال القرطبي: ولا يصح لما ~~ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمر بن عبد البر وغيره. وروى الطحاوي عن ~~أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر، قال: لقوله تعالى - ويذكروا الله ~~في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام - وحكى الكرخي عن محمد بن ~~الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة. يوم الأضحى، ويومان بعده. ~~قال الكيا الطبري: # فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات، لأن المعدودات ~~المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف. وروى عن مالك أن الأيام ~~المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة أيام ~~بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم ~~الرابع معدود لا معلوم، وهو مروي عن ابن عمر. وقال ابن زيد: الأيام ~~المعلومات: عشر ذي الحجة، وأيام التشريق. والمخاطب بهذا الخطاب المذكور في ~~الآية، أغني قوله تعالى (واذكروا الله في أيام معدودات) هو الحاج وغيره كما ~~ذهب إليه الجمهور، وقيل هو خاص بالحاج. وقد اختلف أهل العلم في وقته، فقيل ~~من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقيل من غداة عرفة ~~إلى صلاة العصر من آخر النحر، وبه قال أبو حنيفة، وقيل من صلاة الظهر يوم ~~النحر إلى ms0343 صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك والشافعي. قوله ~~(فمن تعجل) الآية، اليومان هما يوم ثاني النحر ويوم ثالثه. وقال ابن عباس ~~والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي: من رمي في اليوم الثاني من الأيام ~~المعدودات فلا حرج، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج، فمعنى الآية كل ذلك مباح، ~~وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا، لأن من العرب من كان يذم التعجل، ~~ومنهم من كان يذم التأخر، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك، وقال علي ~~وابن مسعود: معنى الآية: من تعجل فقد غفر له، ومن تأخر فقد غفر له، والآية ~~قد دلت على أن التعجل والتأخر مباحان. وقوله (لمن اتقى) معناه أن التخيير ~~ورفع الإثم ثابت لمن اتقى، لأن صاحب التقوى يتحرز عن كل ما يريبه، فكان أحق ~~بتخصيصه بهذا الحكم. قال الأخفش: # التقدير ذلك لمن اتقى، وقيل: لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع ~~المعاصي، وقيل: لمن اتقى قتل الصيد، وقيل معناه: السلامة لمن اتقى، وقيل هو ~~متعلق بالذكر: أي الذكر لمن اتقى. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت " كانت قريش ومن دان ~~بدينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون ~~بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ~~PageV01P205 # ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) ". وأخرجا ~~أيضا عنها موقوفا نحوه. وقد ورد في هذا المعنى روايات عن الصحابة ~~والتابعين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى ~~سماء الدنيا في الملائكة، فيقول لهم: عبادي آمنوا بوعدي، وصدقوا برسلي ما ~~جزاؤهم؟ فيقال أن تغفر لهم، فذلك قوله (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم). وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة لأهل ~~عرفة، ونزول الرحمة عليهم، وإجابة دعائهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في ~~قوله تعالى (فإذا قضيتم مناسككم قال: حجكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~مجاهد في قوله (فإذا ms0344 قضيتم مناسككم) قال: إهراق الدماء (فاذكروا الله ~~كذكركم آباءكم) قال: تفاخر العرب بينها بفعال آبائها يوم النحر حين يفرغون، ~~فأمروا بذكر الله مكان ذلك. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان ~~المشركون يجلسون في الحج فيذكرون أيام آبائهم وما يعدون من أنسابهم يومهم ~~أجمع، فأنزل الله على رسوله (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا). ~~وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير وعكرمة نحوه ~~أيضا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (كذكركم آباءكم) يقول: كما يذكر ~~الأبناء الآباء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا أنه قيل ~~له في قوله (كذكركم آباءكم) إن الرجل ليأتي عليه اليوم وما يذكر أباه، ~~فقال: إنه ليس بذاك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك إذا ذكر ~~والدك بسوء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب ~~يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، ~~لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا، فأنزل الله فيهم (فمن الناس من يقول ربنا ~~آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) ويجئ بعدهم آخرون من المؤمنين ~~فيقولون (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) فأنزل ~~الله فيهم (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب). وأخرج الطبراني ~~عن عبد الله بن الزبير قال: كان الناس في الجاهلية إذا وقفوا عند المشعر ~~الحرام دعوا فقال أحدهم: اللهم ارزقني إبلا، وقال الآخر: # اللهم ارزقني غنما، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير عن أنس أنهم كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة فيدعون: اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدونا الظفر، ~~وردنا صالحين إلى صالحين، فنزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قول ~~(أولئك لهم نصيب مما كسبوا) قال: مما عملوا من الخير. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن مجاهد في قوله ms0345 (سريع الحساب) قال: سريع الإحصاء. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن علي قال: # الأيام المعدودات ثلاثة أيام: يوم الأضحى، ويومان بعده، اذبح في أيها ~~شئت، وأفضلها أولها. وأخرج الفريابي وابن أبي الدنيا وابن المنذر عن ابن ~~عمر أنها أيام التشريق الثلاثة. وفي لفظ: هذه الأيام الثلاثة بعد يوم ~~النحر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~الشعب والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات أيام العشر، ~~والأيام المعدودات أيام التشريق. وأخرج الطبراني عن ابن الزبير قال في قوله ~~(واذكروا الله في أيام معدودات) قال: هن أيام التشريق، يذكر فيهن بتسبيح ~~وتهليل وتكبير وتحميد وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأيام ~~المعدودات أربعة أيام: يوم النحر، والثلاثة أيام بعده. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عمر أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى ويقول التكبير واجب، ويتأول هذه ~~الآية (واذكروا الله في أيام معدودات). وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس أنه كان يكبر يوم النحر ويتلو هذه الآية. PageV01P206 # وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (واذكروا الله في أيام معدودات) ~~قال: التكبير أيام التشريق، يقول في دبر كل صلاة: الله أكبر الله أكبر الله ~~أكبر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يكبر ثلاثا ثلاثا وراء الصلوات ~~ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ ~~قدير. وأخرج المروزي عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يكبر أيام التشريق كلها. وأخرج مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن ~~الخطاب خرج الغد من يوم النحر بمنى حين ارتفع النهار شيئا، فكبر وكبر الناس ~~بتكبيره - ثم خرج الثانية في يومه ذلك بعد ارتفاع النهار، فكبر وكبر الناس ~~بتكبيره حتى بلغ تكبيرهم البيت، ثم خرج الثالثة من يومه ذلك حين زاغت ~~الشمس، فكبر وكبر الناس بتكبيره. وقد ثبت في الصحيح من ms0346 حديث ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرمي الجمار ويكبر مع كل حصاة. وقد روى ~~نحو ذلك من حديث عائشة عند الحاكم وصححه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فمن تعجل في يومين فلا إثم ~~عليه) قال: في تعجيله (ومن تأخر فلا إثم عليه) قال: في تأخيره. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عمر قال: النفر في يومين لمن اتقى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عنه قال: من غابت له الشمس في اليوم الذي قال الله فيه ~~(فمن تعجل في يومين) وهو بمنى فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لمن اتقى) قال: لمن اتقى الصيد ~~وهو محرم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأهل السنن والحاكم وصححه عن عبد ~~الرحمن بن يعمر الديلي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وهو ~~واقف بعرفة، وأتاه الناس من أهل مكة فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: ~~الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك أيام مني ثلاثة ~~أيام (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) قال: # مغفورا له (ومن تأخر فلا إثم عليه) قال مغفورا له. وأخرج ابن جرير عن ~~قتادة في قوله (لمن اتقى) قال: لمن اتقى في حجه. قال قتادة وذكر لنا أن ابن ~~مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن أبي العالية في قوله (فلا إثم عليه لمن اتقى) قال: ذهب إثمه ~~كله إن اتقى فيما بقي من عمره. # لما ذكر سبحانه طائفتي المسلمين بقوله (فمن الناس من يقول) عقب ذلك بذكر ~~طائفة المنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. وسبب النزول ~~الأخنس بن شريق كما يأتي بيانه. قال ابن عطية: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم - ~~وقيل إنها نزلت في ms0347 قوم من المنافقين، وقيل إنها نزلت في كل من أضمر كفرا أو ~~نفاقا أو كذبا، وأظهر بلسانه خلافه. ومعنى قوله (يعجبك) واضح. ومعنى قوله ~~(ويشهد الله على ما في قلبه) أنه يحلف على ذلك فيقول: يشهد الله على ما في ~~قلبي من محبتك أو من الإسلام، أو يقول: الله يعلم أني أقول حقا، وأني صادق ~~PageV01P207 # في قولي لك. وقرأ ابن محيصن (ويشهد الله) بفتح حرف المضارعة ورفع الاسم ~~الشريف على أنه فاعل، والمعنى: # ويعلم الله منه خلاف ما قال، ومثله قوله تعالى - يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون - وقراءة الجماعة أبلغ في الذم. # وقرأ ابن عباس (والله يشهد على ما في قلبه) وقرأ أبي وابن مسعود " ~~ويستشهد الله على ما في قلبه ". وقوله (في الحياة الدنيا) متعلق بالقول، أو ~~بيعجبك، فعلى الأول القول صادر في الحياة، وعلى الثاني الإعجاب صادر فيها. ~~والألد: الشديد الخصومة. يقال رجل ألد، وامرأة لداء، ولددته ألده: إذا ~~جادلته فغلبته، ومنه قول الشاعر: # وألد ذي جنف علي كأنما * تغلى عداوة صدره في مرجل والخصام مصدر خاصم، ~~قاله الخليل، وقيل جمع خصم، قاله الزجاج ككلب وكلاب، وصعب وصعاب وضخم ~~وضخام. والمعنى: أنه أشد المخاصمين خصومة، لكثرة جداله وقوة مراجعته، ~~وإضافة الألد إلى الخصام بمعنى في: أي ألد في الخصام، أو جعل الخصام ألد ~~على المبالغة. وقوله (وإذا تولى) أي أدبر وذهب عنك يا محمد، وقيل إنه بمعنى ~~ضل وغضب، وقيل إنه بمعنى الولاية: أي إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة ~~السوء من الفساد في الأرض. والسعي المذكور يحتمل أن يكون المراد به السعي ~~بالقدمين إلى ما هو فساد في الأرض، كقطع الطريق وحرب المسلمين، ويحتمل أن ~~يكون المراد به العمل في الفساد، وإن لم يكن فيه سعي بالقدمين، كالتدبير ~~على المسلمين بما يضرهم، وأعمال الحيل عليهم، وكل عمل يعمله الإنسان ~~بجوارحه أو حواسه يقال له سعي، وهذا هو الظاهر من هذه الآية. وقوله (ويهلك) ~~عطف على قوله (ليفسد) وفي قراءة أبي " وليهلك ". وقرأه قتادة بالرفع. وروى ~~عن ابن ms0348 كثير (ويهلك) بفتح الياء وضم الكاف ورفع الحرث والنسل، وهي قراءة ~~الحسن وابن محيصن. والمراد بالحرث: الزرع والنسل: الأولاد، وقيل الحرث: ~~النساء. قال الزجاج: وذلك لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع، القتال، ~~وفيه هلاك الخلق، وقيل معناه: أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر ~~فيهلك الحرث والنسل. وأصل الحرث في اللغة: الشق، ومنه المحراث لما يشق به ~~الأرض، والحرث: كسب المال وجمعه. وأصل النسل في اللغة: الخروج والسقوط ومنه ~~نسل الشعر، ومنه أيضا - إلى ربهم ينسلون - وهم من كل حدب ينسلون - ويقال ~~لما خرج من كل أنثى نسل لخروجه منها. وقوله (والله لا يحب الفساد) يشمل كل ~~نوع من أنواعه من غير فرق بين ما فيه فساد الدين، وما فيه فساد الدنيا. ~~والعزة: القوة والغلبة، من عزه يعزه: # إذا غلبه، ومنه - وعزني في الخطاب -، وقيل العزة هنا: الحمية، ومنه قول ~~الشاعر: # أخذته عزة من جهله * فتولى مغضبا فعل الضجر وقيل العزة هنا: المنعة وشدة ~~النفس. ومعنى (أخذته العزة بالإثم) حملته العزة على الإثم، من قولك أخذته ~~بكذا: # إذا حملته عليه وألزمته إياه، وقيل أخذته العزة بما يؤثمه: أي ارتكب ~~الكفر للعزة، ومنه - بل الذين كفروا في عزة وشقاق - وقيل الباء في قوله ~~(بالإثم) بمعنى اللام: أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في ~~قلبه، وهو النفاق، وقيل الباء بمعنى مع: أي أخذته العزة مع الإثم. وقوله ~~(فحسبه جهنم) أي كافية معاقبة وجزاء، كما تقول للرجل: كفاك ما حل بك، وأنت ~~تستعظم عليه ما حل به. والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه ~~مهد الصبي، وسميت جهنم مهادا، لأنها مستقر الكفار، وقيل المعنى: أنها بدل ~~لهم من المهاد كقوله - فبشرهم بعذاب أليم - وقول الشاعر: * تحية بينهم ضرب ~~وجيع * ويشري بمعنى يبيع: أي يبيع نفسه في PageV01P208 # مرضاة الله كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومثله قوله تعالى ~~- وشروه بثمن بخس - وأصله الاستبدال ومنه قوله - إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة -، ومنه قول الشاعر: ms0349 # وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه ومنه قول الآخر: يعطي بها ثمنا ~~فيمنعها * ويقول صاحبه ألا تشري والمرضاة: الرضا، تقول: رضى يرضى، رضا ~~ومرضاة. ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم ~~عليه، فكان ذلك رأفة بهم ولطفا لهم. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: لما أصيبت السرية التي فيها عاصم ومرثد قال رجال من المنافقين: يا ويح ~~هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لأهم قعدوا في أهلهم، ولا هم أدوا رسالة ~~صاحبهم؟ فأنزل الله (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) أي ما يظهر ~~من الإسلام بلسانه (ويشهد الله على ما في قلبه) أنه مخالف لما يقوله بلسانه ~~(وهو ألد الخصام) أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك (وإذا تولى) خرج من عندك (سعى ~~في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) أي لا يحب ~~عمله ولا يرضى به (ومن الناس من يشري نفسه) الذين يشرون أنفسهم من الله ~~بالجهاد في سبيله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك: يعني هذه السرية. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (ومن الناس من يعجبك) ~~الآية، قال: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة أقبل إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وقال جئت أريد الإسلام ويعلم الله أني ~~لصادق، فأعجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك منه، فذلك قوله (ويشهد ~~الله على ما في قلبه). ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمر ~~بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع، وعقر الحمر، فأنزل الله (وإذا ~~تولى سعى في الأرض) الآية. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وهو ألد الخصام) قال هو شديد ~~الخصومة. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله (وإذا تولى سعى في الأرض) قال ~~عمل في الأرض (ويهلك الحرث) قال نبات الأرض (والنسل) نسل كل شئ من ms0350 الحيوان ~~الناس والدواب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أيضا أنه سئل عن ~~قوله (وإذا تولى سعى في الأرض) قال: يلي في الأرض فيعمل فيها بالعدوان ~~والظلم، فيحبس الله بذلك القطر من السماء، فتهلك بحبس القطر الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد. ثم قرأ مجاهد - ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس - الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله (ويهلك الحرث والنسل) قال: الحرث الزرع، ~~والنسل: نسل كل دابة. وأخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن ~~مسعود قال " إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، ~~فيقول عليك بنفسك أنت تأمرني ". وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ~~سفيان قال: قال رجل لمالك بن مغول: # اتق الله، فسقط فوضع خده على الأرض تواضعا لله. وأخرج ابن أبي حاتم وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله (ولبئس المهاد) قال: بئس المنزل. وأخرجا عن ~~مجاهد قال: بئس ما شهدوا لأنفسهم. وأخرج ابن مردويه عن صهيب قال: لما أردت ~~الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت لي قريش: يا صهيب ~~قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك، والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت ~~لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ # قالوا نعم، فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وآله PageV01P209 # وسلم فقال: ربح البيع صهيب مرتين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~نعيم في الحلية وابن عساكر عن سعيد بن المسيب نحوه. وأخرج الطبراني والحاكم ~~والبيهقي في الدلائل عن صهيب نحوه. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن أنس ~~قال: نزلت في خروج صهيب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير ~~عن قتادة قال هم المهاجرون والأنصار. # لما ذكر الله سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف: مؤمنين، وكافرين، ~~ومنافقين، أمرهم بعد ذلك بالكون ms0351 على ملة واحدة. وإنما أطلق على الثلاث ~~الطوائف لفظ الإيمان لأن أهل الكتاب مؤمنون بنبيهم وكتابهم، والمنافق مؤمن ~~بلسانه وإن كان غير مؤمن بقلبه. والسلم بفتح السين وكسرها قال الكسائي: ~~ومعناهما واحد، وكذا عند البصريين، وهما جميعا يقعان للإسلام والمسالمة. ~~وقال أبو عمرو بن العلاء: إنه بالفتح للمسالمة، وبالكسر للإسلام. وأنكر ~~المبرد هذه التفرقة. وقال الجوهري: السلم بفتح السين: الصلح، وتكسير ويذكر ~~ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد. ورجح الطبري أنه هنا بمعنى الإسلام، ~~ومنه قول الشاعر الكندي: # دعوت عشيرتي للسلم لما * رأيتهم تولوا مدبرين أي إلى الإسلام. وقرأ ~~الأعمش " السلم " بفتح السين واللام. وقد حكى البصريون في سلم وسلم أنها ~~بمعنى واحد " وكافة " حال من السلم أو من ضمير المؤمنين، فمعناه على الأول: ~~لا يخرج منكم أحد، وعلى الثاني: لا يخرج من أنواع السلم شئ بل ادخلوا فيها ~~جميعا: أي في خصال الإسلام، وهو مشتق من قولهم كففت: أي منعت، أي لا يمتنع ~~منكم أحد من الدخول في الإسلام، والكف: المنع، والمراد به هنا الجميع ~~(ادخلوا في السلم كافة) أي جميعا. وقوله (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي لا ~~تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان، وقد تقدم الكلام على خطوات. قوله ~~(زللتم) أي تنحيتم عن طريق الاستقامة، وأصل الزلل في القدم، ثم استعمل في ~~الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال زل يزل زلا وزللا وزلولا: أي دحضت قدمه. ~~وقرئ (زللتم) بكسر اللام وهما لغتان، والمعنى: فإن ضللتم وعرجتم عن الحق ~~(من بعد ما جاءتكم البينات) أي الحجج الواضحة والبراهين الصحيحة، أن الدخول ~~في الإسلام هو الحق (فاعلموا أن الله عزيز) غالب لا يعجزه الانتقام منكم ~~(حكيم) لا ينتقم إلا بحق. قوله (هل ينظرون) أي ينتظرون، يقال نظرته ~~وانتظرته بمعنى، والمراد هل ينتظر التاركون للدخول في السلم، والظلل جمع ~~ظلة وهي ما يظلك، وقرأ قتادة ويزيد بن القعقاع " في ظلال " وقرأ يزيد أيضا ~~(والملائكة) بالجر عطفا على الغمام أو على ظلل. قال الأخفش (والملائكة) ~~بالخفض بمعنى: وفي الملائكة قال: والرفع أجود. وقال الزجاج: ms0352 التقدير في ظلل ~~من الغمام ومن الملائكة. والمعنى: هل ينتظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم ~~من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة. قال الأخفش: وقد يحتمل أن ~~يكون معنى الإتيان PageV01P210 # راجعا إلى الجزاء، فسمى الجزاء إتيانا كما سمي التخويف والتعذيب في قصة ~~ثمود إتيانا، فقال - فأتى الله بنيانهم من القواعد - وقال في قصة النضير - ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا - وإنما احتمل الإتيان هذا، لأن أصله عند ~~أهل اللغة القصد إلى الشئ، فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يظهر الله فعلا ~~من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى محاربتهم وقيل إن المعنى: يأتيهم أمر ~~الله وحكمه، وقيل إن قوله (في ظلل) بمعنى بظلل، وقيل المعنى: يأتيهم ببأسه ~~في ظلل. والغمام: السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم: أي يستر. ووجه ~~إتيان العذاب في الغمام على تقدير أن ذلك هو المراد ما في مجئ الخوف من محل ~~الأمن من الفظاعة وعظم الموقع، لأن الغمام مظنة الرحمة لا مظنة العذاب. ~~وقوله (وقضى الأمر) عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى ~~صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملة مستأنفة جئ بها للدلالة ~~على أن مضمونها واقع لا محالة: أي وفرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم. وقرأ ~~معاذ بن جبل " وقضاء الأمر " بالمصدر عطفا على الملائكة. وقرأ يحيى بن يعمر ~~" وقضى الأمور " بالجمع. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي (ترجع الأمور) على ~~بناء الفعل للفاعل، وقرأ الباقون على البناء للمفعول. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ~~ادخلوا في السلم كافة) قال: يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان ~~بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، يقول: ادخلوا ~~في شرائع دين محمد ولا تدعوا منها شيئا، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها. ~~وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أن هذه الآية نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام ~~وابن يامين وأسد وأسيد ابني كعب وسعيد بن عمرو ms0353 وقيس بن زيد كلهم من يهود ~~قالوا: يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وإن ~~التوراة كتاب الله فلنقم بها الليل، فنزلت (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في ~~السلم كافة). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلم الطاعة لله، وكافة ~~يقول: جميعا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: السلم: الإسلام، ~~والزلل: ترك الإسلام. وأخرج ابن جرير عن السدي قال (فإن زللتم من بعد ما ~~جاءتكم البينات) قال: فإن ظللتم من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة أبصارهم إلى ~~السماء ينتظرون فصل القضاء وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى ~~الكرسي ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ~~عن ابن عمر في هذه الآية قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف ~~حجاب، منها النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له ~~القلوب. وأخرج أبو يعلى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في هذه الآية قال: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطعت ~~طاقات. # وأخرج ابن أبي جرير والديلمي عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفات بالملائكة " وذلك قوله (هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام). وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن عكرمة (في ظلل من الغمام) قال: طاقات والملائكة حوله. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم ~~الملائكة عند الموت. وأخرج عن عكرمة في قوله (وقضى الأمر) يقول: قامت ~~PageV01P211 # المأمور بالسؤال لبني إسرائيل هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويجوز ~~أن يكون هو كل فرد من السائلين، وهو سؤال تقريع وتوبيخ. و (كم) ms0354 في محل نصب ~~بالفعل المذكور بعدها على أنها مفعول بآتي، ويجوز أن ينتصب بفعل مقدر دل ~~عليه المذكور: أي كم آتينا آتيناهم، وقدر متأخرا لأن لها صدر الكلام، وهي ~~إما استفهامية للتقرير أو خبرية للتكثير. و (من آية) في موضع نصب على ~~التمييز، وهي البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم - وقيل المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى، وهي التسع. ~~والمراد بالنعمة هنا ما جاءهم من الآيات. وقال ابن جرير الطبري: النعمة هنا ~~الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنا من ~~كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها - ولا ينافي ذلك كون السياق ~~في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، وفي قوله (فإن الله شديد العقاب) من الترهيب ~~والتخويف ما لا يقادر قدره. قوله (زين) مبني للمجهول، والمزين: هو الشيطان ~~أو الأنفس المجبولة على حب العاجلة. والمراد بالذين كفروا رؤساء قريش أو كل ~~كافر. وقرأ مجاهد وحميد بن قيس " زين " على البناء للمعلوم. قال النحاس: ~~وهي قراءة شاذة لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبي عبلة " زينت " ~~وإنما خص الذين كفروا بالذكر مع كون الدنيا مزينة للمسلم والكافر كما وصف ~~سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، لأن ~~الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة، والمسلم لم يفتتن به، بل أقبل ~~على الآخرة. قوله (ويسخرون من الذين آمنوا) هذه الجملة في محل نصب على ~~الحال: أي والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لاحظ ~~لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر وأساطين الضلال، وذلك لأن عرض الدنيا عندهم ~~هو الأمر الذي يكون من ناله سعيدا رابحا، ومن حرمه شقيا خاسرا. وقد كان ~~غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة، وعدم التفاتهم ~~إلى الدنيا وزينتها. وحكى الأخفش أنه يقال: سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه ms0355 ~~وضحكت به، وهزأت منه وهزأت به، والاسم السخرية والسخري. ولما وقع من الكفار ~~ما وقع من السخرية بالمؤمنين رد الله عليهم بقوله (والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة) والمراد بالفوقية هنا: العلو في الدرجة، لأنهم في الجنة والكفار ~~في النار - ويحتمل أن يراد بالفوق المكان، PageV01P212 # لأن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، أو أن المؤمنين هم الغالبون ~~في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط الكفر وقتل أهله، وأسرهم ~~وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا ~~التقييد بكونه في يوم القيامة. قوله (والله يرزق من يشاء بغير حساب) يحتمل ~~أن يكون فيه إشارة إلى أن الله سبحانه سيرزق المستضعفين من المؤمنين ويوسع ~~عليهم، ويجعل ما يعطيهم من الرزق بغير حساب: أي بغير تقدير، ويحتمل أن ~~المعنى: أن الله يوسع على بعض عباده في الرزق كما وسع على أولئك الرؤساء من ~~الكفار استدراجا لهم، وليس في التوسعة دليل على أن من وسع عليه فقد رضي ~~عنه، ويحتمل أن يراد بغير حساب من المرزوقين كما قال سبحانه - ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب -. قوله (كان الناس أمة واحدة) أي كانوا على دين واحد ~~فاختلفوا (فبعث الله النبيين) ويدل على هذا المحذوف: أعني قوله فاختلفوا ~~قراءة ابن مسعود فإنه قرأ _ كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله ~~النبيين -. واختلف في الناس المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل هم بنو آدم ~~حين أخرجهم الله نسما من ظهر آدم، وقيل آدم وحده، وسمى ناسا لأنه أصل ~~النسل، وقيل آدم وحواء، وقيل المراد القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح، ~~وقيل المراد نوح ومن في سفينته، وقيل معنى الآية كان الناس أمة واحدة كلهم ~~كفار فبعث الله النبيين، وقيل المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله ~~أنهم كانوا أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق، لولا أن الله ~~من عليهم بإرسال الرسل. والأمة مأخوذة من قولهم أممت الشئ: أي قصدته أي ~~مقصدهم واحد غير مختلف. قوله ms0356 (فبعث الله النبيين) قيل جملتهم مائة ألف ~~وأربعة وعشرون ألفا. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. وقوله (مبشرين ~~ومنذرين) بالنصب على الحال. قوله (وأنزل معهم الكتاب) أي الجنس. وقال ابن ~~جرير الطبري: إن الألف واللام للعهد والمراد التوراة. وقوله (ليحكم) مسند ~~إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو مجاز مثل قوله تعالى - هذا كتابنا ينطق ~~عليكم بالحق - وقيل إن المعنى ليحكم كل نبي بكتابه، وقيل ليحكم الله، ~~والضمير في قوله (فيه) الأولى راجع إلى ما في قوله (فيما اختلفوا فيه) ~~والضمير في قوله (وما اختلف فيه) يحتمل أن يعود إلى الكتاب، ويحتمل أن يعود ~~إلى المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قاله الزجاج، ويحتمل أن ~~يعود إلى الحق. وقوله (إلا الذين أوتوه) أي أوتوا الكتاب، أو أوتوا الحق أو ~~أوتوا النبي: أي أعطوا علمه. وقوله (بغيا بينهم) منتصب على أنه مفعول به: # أي لم يختلفوا إلا للبغي: أي الحسد والحرص على الدنيا، وفي هذا تنبيه على ~~السفه في فعلهم، والقبيح الذي وقعوا فيه، لأنهم جعلوا نزول الكتاب سببا في ~~شدة الخلاف. وقوله (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق) أي ~~فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحق، وذلك بما بينه لهم ~~في القرآن من اختلاف من كان قبلهم وقيل معناه فهدى الله أمة محمد للتصديق، ~~بجميع الكتب بخلاف من قبلهم، فإن بعضهم كذب كتاب بعض، وقيل إن الله هداهم ~~إلى الحق من القبلة، وقيل هداهم ليوم الجمعة، وقيل هداهم لاعتقاد الحق في ~~عيسى بعد أن كذبته اليهود وجعلته النصارى ربا، وقيل المراد بالحق الإسلام. ~~وقال الفراء: إن في الآية قلبا، وتقديره: فهدى الله الذين آمنوا بالحق لما ~~اختلفوا فيه. واختاره ابن جرير وضعفه ابن عطية. وقوله (بإذنه). قال الزجاج: # معناه بعلمه. قال النحاس: وهذا غلط، والمعنى بأمره. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (سل بني إسرائيل) قال: ~~هم اليهود (كم آتيناهم من آية بينه) ما ذكر الله في ms0357 القرآن وما لم يذكر ~~(ومن يبدل نعمة الله) قال: يكفرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن PageV01P213 # أبي العالية قال: آتاهم الله آيات بينات: عصى موسى، ويده، وأقطعهم البحر، ~~وأغرق عدوهم وهم ينظرون، وظلل من الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى (ومن ~~يبدل نعمة الله) يقول من يكفر بنعمة الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن جريج في قوله (زين للذين كفروا الحياة الدنيا) قال: الكفار ~~يبتغون الدنيا ويطلبونها (ويسخرون من الذين آمنوا) في طلبهم الآخرة. قال ~~ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة. قال: # قالوا لو كان محمد نبيا لاتبعه ساداتنا وأشرافنا، والله ما اتبعه إلا أهل ~~الحاجة مثل ابن مسعود وأصحابه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(ويسخرون من الذين آمنوا) يقولون: ما هؤلاء على شئ استهزاء وسخريا (والذين ~~اتقوا فوقهم يوم القيامة) هنا كم التفاضل. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: ~~فوقهم في الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال سألت ابن عباس عن هذه ~~الآية (والله يرزق من يشاء بغير حساب) قال: تفسيرها ليس على الله رقيب ولا ~~من يحاسبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لا يحاسب الرب. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: ~~كان الناس أمة واحدة قال على الإسلام كلهم. # وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عنه قال: كان بين آدم ونوح ~~عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين. قال: وكذلك ~~في قراءة عبد الله - كان الناس أمة واحدة فاختلفوا - وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم ~~الله على الإسلام وأقروا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين، ثم ~~اختلفوا من بعد آدم. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد كان الناس أمة واحدة قال: آدم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي ~~أنه ms0358 كان يقرؤها (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين) وإن الله ~~إنما بعث الرسل وأنزل الكتب بعد الاختلاف وما اختلف الذين أوتوه: يعني بني ~~إسرائيل أوتوا الكتاب والعلم بغيا بينهم، يقول: بغيا على الدنيا وطلب ملكها ~~وزخرفها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (كان الناس أمة واحدة) قال كفارا. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله (فهدى الله الذين ~~آمنوا) قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " نحن الآخرون الأولون يوم ~~القيامة، وأول الناس دخولا يبدأ بهم، أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من ~~بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه ~~فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى " وهو ~~في الصحيح بدون ذكر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ~~(فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق) قال: اختلفوا في يوم ~~الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ~~ليوم الجمعة - واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت ~~المقدس، وهدى أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا ~~يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو ~~يمشي فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم ~~النهار، ومنهم من يصوم من بعد الطعام فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، ~~واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا ~~وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في ~~عيسى، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانا عظيما، وجعلته النصارى إلها ~~وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. ~~PageV01P214 # " أم " هنا منقطعة بمعنى بل. وحكى بعض اللغويين أنها قد تجئ بمثابة همزة ~~الاستفهام يبتدأ بها الكلام، فعلى هذا ms0359 معنى الاستفهام هنا التقرير ~~والإنكار: أي أحسبتم دخولكم الجنة واقعا، ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من ~~كان قبلكم، فتصبروا كما صبروا، ذكر الله سبحانه هذه التسلية بعد أن ذكر ~~اختلاف الأمم على أنبيائهم، تثبيتا للمؤمنين وتقوية لقلوبهم، ومثل هذه ~~الآية قوله تعالى - أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم - وقوله تعالى - ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون -. وقوله (مستهم) بيان لقوله (مثل الذين خلوا). و (البأساء والضراء) ~~قد تقدم تفسيرهما، والزلزلة: شدة التحريك يكون في الأشخاص وفي الأحوال، ~~يقال: زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا بالكسر، فتزلزلت: إذا تحركت واضطربت، ~~فمعنى زلزلوا: خوفوا وأزعجوا إزعاجا شديدا. وقال الزجاج: أصل الزلزلة: نقل ~~الشئ من مكانه، فإذا قلت: # زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. وقوله (حتى يقول) أي استمر ذلك إلى ~~غاية هي قول الرسول ومن معه (متى نصر الله) والرسول هنا قيل هو محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقيل هو شعياء، وقيل هو كل رسول بعث إلى أمته. وقرأ ~~مجاهد والأعرج ونافع وابن محيصن بالرفع في قوله (حتى يقول) وقرأ غيرهم ~~بالنصب فالرفع على أنه حكاية لحال ماضية، والنصب بإضمار أن على أنه غاية ~~لما قبله. وقرأ الأعمش (وزلزلوا ويقول الرسول) بالواو بدل حتى، ومعنى ذلك ~~أن الرسول ومن معه بلغ بهم الضجر إلى أن قالوا هذه المقالة المقتضية لطلب ~~النصر واستبطاء حصوله واستطالة تأخيره، فبشرهم الله سبحانه بقوله (ألا إن ~~نصر الله قريب). وقالت طائفة في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول ~~الذين آمنوا متى نصر الله، ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ألا إن ~~نصر الله قريب، ولا ملجئ لهذا التكلف، لأن قول الرسول ومن معه (متى نصر ~~الله) ليس فيه إلا استعجال النصر من الله سبحانه، وليس فيه ما زعموه من ~~الشك والارتياب حتى يحتاج إلى ذلك التأويل المتعسف. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة أن هذه الآية نزلت ~~في يوم الأحزاب، أصاب ms0360 النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ وأصحابه بلاء ~~وحصر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: # أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه ~~هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم فقال (مستهم البأساء والضراء) ~~فالبأساء: الفتن، والضراء: السقم، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا) قال: أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم - ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا - ولعله يعني بقوله حتى قال قائلهم: يعني قائل المنافقين كما ~~يفيد ذلك قوله تعالى - إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا -. PageV01P215 # السائلون هنا: هم المؤمنون سألوا عن الشئ الذي ينفقونه ما هو؟ فأجيبوا ~~ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيها على أنه الأولى بالقصد، لأن الشئ لا ~~يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه، وقيل إنه قد تضمن قوله (ما ~~أنفقتم من خير) بيان وهو ما ينفقونه وهو كل خير، وقيل إنهم إنما سألوا عن ~~وجوه البر التي ينفقون فيها، وهو خلاف الظاهر. وقد تقدم الكلام في الأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل. وقوله (كتب) أي فرض، وقد تقدم بيان معناه. ~~بين سبحانه أن هذا: أي فرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به. والمراد ~~بالقتال قتال الكفار. والكره بالضم: المشقة، وبالفتح: ما أكرهت عليه، ويجوز ~~الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، يقال: كرهت الشئ كرها وكرها وكراهة ~~وكراهية وأكرهته عليه إكراها، وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال، ~~ومفارقة الأهل والوطن، والتعرض لذهاب النفس، وفي التعبير بالمصدر وهو قوله ~~(كره) مبالغة، ويحتمل أن يكون بمعنى المكروه كما في قولهم الدرهم ضرب ~~الأمير. وقوله (وعسى أن تكرهوا شيئا) قيل عسى هنا بمعنى قد، وروى ذلك عن ~~الأصم. وقال أبو عبيدة: عسى ms0361 من الله إيجاب، والمعنى: عسى أن تكرهوا الجهاد ~~لما فيه من المشقة وهو خير لكم، فربما تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن ~~مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم، فربما يتقوى ~~عليكم العدو فيغلبكم، ويقصدكم إلى عقر دياركم فيحل بكم أشد مما تخافونه من ~~الجهاد الذي كرهتم مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة والآجلة (والله ~~يعلم) ما فيه صلاحكم وفلاحكم (وأنتم لا تعلمون). # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى في قوله (يسألونك ماذا ينفقون) ~~قال: يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله، ~~والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ~~قال: سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أين يضعون أموالهم؟ ~~فنزلت (يسألونك ماذا ينفقون) الآية، فذلك النفقة في التطوع والزكاة سواء ~~ذلك كله. وأخرج ابن المنذر أن عمرو بن الجموح سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير في قوله (كتب عليكم القتال) قال: إن الله أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم والمؤمنين بمكة بالتوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن ~~يكفوا أيديهم عن القتال، فلما هاجر إلى المدينة نزلت سائر الفرائض وأذن لهم ~~في القتال، فنزلت (كتب عليكم القتال) يعنى فرض عليكم وأذن لهم بعد ما نهاهم ~~عنه (وهو كره لكم) يعنى القتال وهو مشقة عليكم (وعسى أن تكرهوا شيئا) يعنى ~~الجهاد قتال المشركين وهو خير لكم، ويجعل الله عاقبته فتحا وغنيمة وشهادة ~~(وعسى أن تحبوا شيئا) يعنى القعود عن الجهاد (وهو شر لكم) فيجعل الله ~~عاقبته شرا، فلا تصيبوا ظفرا ولا غنيمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن جريج قال: PageV01P216 # قلت لعطاء ما يقول في قوله (كتب عليكم القتال) أوجب الغزو على الناس من ~~أجلها؟ قال لا، كتب على أولئك حينئذ. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ms0362 حاتم عن ~~ابن شهاب في الآية قال: الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد إن ~~استعين به أعان، وإن استغيث به أغاث، وإن استنفر نفر، وإن استغنى عنه قعد، ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (وهو كره لكم) قال: ~~نسختها هذه الآية - وقالوا سمعنا وأطعنا -. وأخرجه ابن جرير موصولا عن ~~عكرمة عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق علي قال: ~~عسى من الله واجب. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~السدى نحوه أيضا. وقد ورد في فضل الجهاد ووجوبه أحاديث كثيرة لا يتسع ~~المقام لبسطها. # قوله (قتال فيه) هو بدل اشتمال، قاله سيبويه. ووجهه أن السؤال عن الشهر ~~لم يكن إلا باعتبار ما وقع فيه من القتال. قال الزجاج: المعنى يسئلونك عن ~~القتال في الشهر الحرام، وأنشد سيبويه قول الشاعر: # فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما فقوله هلكه بدل ~~اشتمال من قيس، وقال الفراء: هو مخفوض يعني قوله (قتال فيه) على نية عن ~~وقال أبو عبيدة: # هو مخفوض على الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يعرب الشئ على الجوار في ~~كتاب الله ولا في شئ من الكلام، وإنما وقع في شئ شاذ، وهو قولهم: هذا جحر ~~ضب خرب. وتابع النحاس ابن عطية في تخطئة أبي عبيدة. # قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن، والقول فيه أنه بدل. وقرأ ابن مسعود ~~وعكرمة " يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه ". وقرأ الأعرج " قتال فيه ~~" بالرفع. قال النحاس: وهو غامض في العربية، والمعنى: يسألونك عن الشهر ~~الحرام جائز قتال فيه. وقوله (قل قتال فيه كبير) مبتدأ وخبر: أي القتال فيه ~~أمر كبير مستنكر، والشهر الحرام: المراد به الجنس. وقد كانت العرب لا تسفك ~~فيه دما ولا تغير على عدو، والأشهر الحرم هي: # ذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد. وقوله (وصد عن ~~سبيل الله) مبتدأ. وقوله (وكفر به) معطوف على صد. وقوله ms0363 (والمسجد الحرام) ~~عطف على سبيل الله. وقوله (وإخراج أهله منه) معطوف أيضا على صد. وقوله ~~(أكبر عند الله) خبر صد وما عطف عليه: أي الصد عن سبيل الله، والكفر به ~~والصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهل الحرم منه (أكبر عند الله) أي أعظم ~~إثما وأشد ذنبا من القتال في PageV01P217 # الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره، والضمير في قوله (وكفر به) يعود إلى ~~الله - وقيل يعود إلى الحج. وقال الفراء: إن قوله (وصد) عطف على كبير، ~~والمسجد عطف على الضمير في قوله (وكفر به) فيكون الكلام منتسقا متصلا غير ~~منفصل. قال ابن عطية: وذلك خطأ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله (وكفر به) أي ~~بالله عطف أيضا على كبير، ويجئ من ذلك أن إخراج أهل المسجد من أكبر من ~~الكفر بالله، وهذا بين فساده. ومعنى الآية على القول الأول الذي ذهب إليه ~~الجمهور: أنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما ~~تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن الكفر بالله، ومن ~~الصد عن المسجد الحرام، ومن إخراج أهل الحرم منه أكبر جرما عند الله. ~~والسبب يشهد لهذا المعنى، ويفيد أنه المراد كما سيأتي بيانه، فإن السؤال ~~منهم المذكور في هذه الآية هو سؤال إنكار لما وقع من السرية التي بعثها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # والمراد بالفتنة هنا الكفر: أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية ~~التي بعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل المراد بالفتنة: الإخراج ~~لأهل الحرم منه، وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا: أي ~~فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها. وهذا أرجح ~~من الوجهين الأولين، لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وأنهما مع الصد أكبر ~~عند الله من القتال في الشهر الحرام. وقوله (ولا يزالون) ابتداء كلام يتضمن ~~الإخبار من الله عز وجل للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا يزالون مستمرين على ~~قتالكم وعداوتكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا ms0364 ذلك وتهيأ ~~لهم منكم، والتقييد بهذا الشرط مشعر باستبعاد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه، ~~ثم حذر الله سبحانه المؤمنين من الاغترار بالكفار والدخول فيما يريدونه من ~~ردهم عن دينهم الذي هو الغاية لما يريدونه من المقاتلة للمؤمنين فقال (ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) إلى آخر الآية ~~والردة: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر، والتقييد بقوله (فيمت وهو كافر) يفيد ~~أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر. وحيط: معناه بطل وفسد، ومنه ~~الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ ~~أجوافها، وربما تموت من ذلك، وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين ~~الإسلام. ومعنى قوله (في الدنيا والآخرة) أنه لا يبقى له حكم المسلمين في ~~الدنيا، فلا يأخذ شيئا مما يستحقه المسلمون، ولا يظفر بحظ من حظوظ الإسلام، ~~ولا ينال شيئا من ثواب الآخرة الذي يوجبه الإسلام ويستحقه أهله. وقد اختلف ~~أهل العلم في الردة هل تحبط العمل بمجردها أم لا تحبط إلا بالموت على ~~الكفر، والواجب حمل ما أطلقته الآيات في غير هذا الموضع على ما في هذه ~~الآية من التقييد. وقد تقدم الكلام في معنى الخلود. قوله (وهاجروا) الهجرة ~~معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وترك الأول لإيثار الثاني، والهجر ضد ~~الوصل، والتهاجر: التقاطع والمراد بها هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار ~~الإسلام. والمجاهدة: استخراج الجهد، جهد مجاهدة وجهادا، والجهاد والتجاهد: ~~بذل الوسع. وقوله (يرجون) معناه يطمعون، وإنما قال: يرجون بعد تلك الأوصاف ~~المادحة التي وصفهم بها، لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى ~~الجنة، ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ. والرجاء الأمل، يقال: رجوت فلانا ~~أرجو رجاء ورجاؤه. وقد يكون الرجاء بمعنى الخوف كما في قوله تعالى - مالكم ~~لا ترجون لله وقارا - أي لا تخافون عظمة الله. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه ~~بسند صحيح عن جندب بن عبد الله عن النبي صلى ms0365 الله عليه وآله وسلم أنه بعث ~~رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب لينطلق ~~بكى شوقا وصبابة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجلس فبعث مكانه عبد ~~الله بن جحش PageV01P218 # وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال: لا ~~تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعا ~~وطاعة الله ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان ومضى ~~بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، ~~فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله (يسألونك عن ~~الشهر الحرام) الآية، فقال بعضهم: # إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله (إن الذين آمنوا ~~والذين هاجروا) إلى آخر الآية وأخرج البزار عن ابن عباس أن سبب نزول الآية ~~هو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: إن المشركين صدوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله ~~على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم القتال في شهر حرام. فقال الله (قل قتال فيه كبير وصد ~~عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله) من ~~القتال فيه، وأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية، فلقوا عمرو بن ~~الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإن ~~أصحاب محمد كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا ~~فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، ~~فنزلت الآية. وأخرج ابن إسحاق عنه: أن سبب نزول الآية مصاب عمرو بن ~~الحضرمي. وقد ورد من طرق كثيرة في تعيين السبب مثل ما تقدم. وأخرج ابن أبي ~~داود عن عطاء بن ميسرة قال: أحل القتال في الشهر الحرام في ms0366 براءة في قوله - ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة -. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سفيان الثوري أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا شئ منسوخ، ولا بأس بالقتال في ~~الشهر الحرام. وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بآية ~~السيف في براءة - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم -. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عمر (والفتنة أكبر من القتل) قال: الشرك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~عن مجاهد (ولا يزالون يقاتلونكم) قال: كفار قريش وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الربيع بن أنس في قوله (أولئك يرجون رحمة الله) قال: هؤلاء خيار هذه الأمة ~~جعلهم الله أهل رجاء، إنه من رجا طلب، ومن خاف هرب. وأخرج عبد بن حميد عن ~~قتادة نحوه. # السائلون في قوله (يسألونك عن الخمر) هم المؤمنون كما سيأتي بيانه عند ~~ذكر سبب نزول الآية، والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة، وكل ~~شئ غطى شيئا قد خمره، ومنه " خمروا آنيتكم " وسمي خمرا PageV01P219 # لأنه يخمر العقل: أي يغطيه ويستره، ومن ذلك الشجر الملتف يقال له الخمر ~~بفتح الميم، لأنه يغطي ما تحته ويستره، يقال منه أخمرت الأرض: كثر خمرها. ~~قال الشاعر: # ألا يا زيد والضحاك سيرا * فقد جاوزتما خمر الطريق أي جاوزتما الوهد، ~~وقيل إنما سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى أدركت، كما يقال قد اختمر ~~العجين: أي بلغ إدراكه، وخمر الرأي: أي ترك حتى تبين فيه الوجه، وقيل إنما ~~سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل من المخامرة وهي المخالطة. وهذه المعاني ~~الثلاثة متقاربة موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت ثم خالطت العقل ~~فخمرته: أي سترته، والخمر: ماء العنب الذي غلا واشتد وقذف بالزبد، وما خامر ~~العقل من غيره فهو في حكمه كما ذهب إليه الجمهور. وقال أبو حنيفة والثوري ~~وابن أبي ليلى وابن عكرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير ~~خمر العنب فهو حلال: أي ما دون المسكر فيه. وذهب أبو حنيفة إلى حل ما ذهب ~~ثلثاه بالطبخ، ms0367 والخلاف في ذلك مشهور. وقد أطلت الكلام على الخمر في شرحي ~~للمنتقى فليرجع إليه. والميسر مأخوذ من اليسر، وهو وجوب الشئ لصاحبه، يقال ~~يسر لي كذا: إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا، والياسر اللاعب بالقداح. وقد ~~يسر ييسر. قال الشاعر: # فأعنهم وأيسر كما يسروا به * وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل وقال الأزهري: ~~الميسر: الجزور التي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا، لأنه يجزأ أجزاء، ~~فكأنه موضع التجزئة، وكل شئ جزأته فقد يسرته، والياسر: الجازر. قال: وهذا ~~الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: ~~ياسرون، لأنهم جازرون، إذ كانوا سببا لذلك. وقال في الصحاح: ويسر القوم ~~الجزور: إذا اجتزروها واقتسموا أعضاءها، ثم قال: ويقال يسر القوم: إذا ~~قامروا، ورجل ميسر وياسر بمعنى، والجمع أيسار. قال النابغة: # إني أتمم أيساري وأمنحهم * مشي الأيادي وأكسوا الحفنة الأدما والمراد ~~بالميسر في الآية قمار العرب بالأزلام. قال جماعة من السلف من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم كل شئ فيه قمار من نرد أو شطرنج أو غيرهما فهو الميسر، ~~حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في ~~إفراز الحقوق. وقال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ~~ميسر اللهو: النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس ~~عليه، وكل ما قومر به فهو ميسر، وسيأتي البحث مطولا في هذا في سورة المائدة ~~عند قوله - إنما الخمر والميسر -. قوله (قل فيهما إثم كبير) يعني الخمر ~~والميسر، فإثم الخمر: أي إثم تعاطيها ينشأ من فساد عقل مستعملها فيصدر عنه ~~ما يصدر عن فاسد العقل من المخاصمة والمشاتمة. وقول الفحش والزور، وتعطيل ~~الصلوات، وسائر ما يجب عليه. وأما إثم الميسر: أي إثم تعاطيه، فما ينشأ عن ~~ذلك من الفقر وذهاب المال في غير طائل، والعداوة وإيحاش الصدور. وأما منافع ~~الخمر فربح التجارة فيها، وقيل ما يصدر عنها من الطرب والنشاط وقوة القلب ~~وثبات الجنان وإصلاح المعدة وقوة الباءة وقد أشار شعراء العرب إلى شئ من ~~ذلك قال: # وإذا شربت فإنني ms0368 * رب الخورنق والسدير PageV01P220 # وإذا صحوت فإنني * رب الشويهة والبعير وقال آخر: ونشربها فتتركنا ملوكا * ~~وأسدا ما ينهنهنا اللقاء وقال من أشار إلى ما فيها من المفاسد والمصالح: # رأيت الخمر صالحة وفيها * خصال تفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها ~~صحيحا * ولا أشفي بها أبدا سقيما ولا أعطي بها ثمنا حياتي * ولا أدعو لها ~~أبدا نديما ومنافع الميسر: مصير الشئ إلى الإنسان بغير تعب ولا كد، وما ~~يحصل من السرور والأريحية الله عند أن يصير له منها سهم صالح. وسهام الميسر ~~أحد عشر، منها سبعة لها فروض على عدد ما فيها من الحظوظ. الأول الفذ بفتح ~~الفاء بعدها معجمة، وفيه علامة واحدة وله نصيب وعليه نصيب. الثاني التوأم ~~بفتح المثناة الفوقية وسكون الواو وفتح الهمزة، وفيه علامتان، وله وعليه ~~نصيبان. الثالث الرقيب، وفيه ثلاث علامات، وله وعليه ثلاثة أنصباء الرابع ~~الحلس بمهملتين، الأولى مكسورة واللام ساكنة، وفيه أربع علامات، وله وعليه ~~أربعة أنصباء. # الخامس النافر بالنون والفاء والمهملة، ويقال: النافس بالسين المهملة ~~مكان الراء، وفيه خمس علامات، وله وعليه خمسة أنصباء. السادس المسبل بضم ~~الميم وسكون المهملة وفتح الباء الموحدة وفيه ست علامات، وله وعليه ستة ~~أنصباء. السابع المعلى بضم الميم وفتح المهملة وتشديد اللام المفتوحة وفيه ~~سبع علامات، وله وعليه سبعة أنصباء وهو أكثر السهام حظا، وأعلاها قدرا، ~~فجملة ذلك ثمانية وعشرون فردا. والجزور تجعل ثمانية وعشرين جزاء، هكذا قال ~~الأصمعي، وبقي من السهام أربعة أغفالا لا فروض لها، وهي: المنيح بفتح الميم ~~وكسر النون وسكون الياء التحتية وبعدها مهملة، والسفيح بفتح المهملة وكسر ~~الفاء وسكون الياء التحتية بعدها مهملة، والوغد فتح الواو وسكون المعجمة ~~بعدها مهملة والضعف بالمعجمة بعدها مهملة ثم فاء، وإنما أدخلوا هذه الأربعة ~~التي لا فروض لها بين ذوات الفروض لتكثر السهام على الذي يجيلها ويضرب بها ~~فلا يجد إلى الميل مع أحد سبيلا. وقد كان المجيل للسهام يلتحف بثوب ويحثو ~~على ركبتيه ويخرج رأسه من الثوب، ثم يدخل يده في الربابة بكسر المهملة ~~وبعدها باء موحدة ms0369 وبعد الألف باء موحدة أيضا، وهي الخريطة التي يجعل فيها ~~السهام، فيخرج منها باسم كل رجل سهما، فمن خرج له سهم له فرض أخذ فرضه، ومن ~~خرج له سهم لا فرض له لم يأخذ شيئا وغرم قيمة الجزور، وكانوا يدفعون تلك ~~الأنصباء إلى الفقراء. وقد قال ابن عطية: إن الأصمعي أخطأ في قوله إن ~~الجزور تقسم على ثمانية وعشرين جزءا، وقال: إنما تقسم على عشرة أجزاء. قوله ~~تعالى (وإثمهما أكبر من نفعهما) أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان ~~فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع، لأنه لا خير ~~يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر، فإنه ينشأ عنه من الشرور مالا يأتي عليه ~~الحصر، وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض ~~للفقر، واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم. وقرأ حمزة ~~والكسائي " كثير " بالمثلثة. وقرأ الباقون بالباء الموحدة. وقرأ أبي " ~~وإثمهما أقرب من نفعهما ". قوله (قل العفو) قرأه الجمهور بالنصب. وقرأ أبو ~~عمرو وحده بالرفع. واختلف فيه عن ابن كثير، وبالرفع قرأه الحسن وقتادة قال ~~النحاس: إن جعلت ذا بمعنى الذي كان الاختيار الرفع على معنى الذي ينفقون هو ~~العفو، وإن جعلت ما وذا PageV01P221 # شيئا واحدا كان الاختيار النصب على معنى: قل ينفقون العفو، والعفو: ما ~~سهل وتيسر ولم يشق على القلب، والمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم ~~تجهدوا فيه أنفسكم، وقيل: هو ما فضل عن نفقة العيال. وقال جمهور العلماء: ~~هو نفقات التطوع، وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة المفروضة، وقيل هي ~~محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة. قوله (كذلك يبين الله لكم الآيات) أي في ~~أمر النفقة. وقوله (في الدنيا والآخرة) متعلق بقوله (تتفكرون) أي تتفكرون ~~في أمرهما، فتحبسون من أموالكم ما تصلحون به معايش دنياكم، وتنفقون الباقي ~~في الوجوه المقربة إلى الآخرة، وقيل في الكلام تقديم وتأخير: أي كذلك يبين ~~الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفي ~~الآخرة وبقائها، فترغبون عن العاجلة ms0370 إلى الآجلة، وقيل يجوز أن يكون إشارة ~~إلى قوله (وإثمها أكبر من نفعهما) أي لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة، وليس ~~هذا بجيد. قوله (ويسألونك عن اليتامى هذه الآية نزلت بعد نزول قوله تعالى - ~~ولا تقربوا مال اليتيم - وقوله - إن الذين يأكلون أموال اليتامى - وقد كان ~~ضاق على الأولياء الأمر كما سيأتي بيانه إن شاء الله، فنزلت هذه الآية. ~~والمراد بالإصلاح هنا مخالطتهم على وجه الإصلاح لأموالهم، فإن ذلك أصلح من ~~مجانبتهم. وفي ذلك دليل على جواز التصرف في أموال الأيتام من الأولياء ~~والأوصياء بالبيع والمضاربة والإجارة ونحو ذلك. قوله (وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم) اختلف في تفسير المخالطة لهم، فقال أبو عبيدة، مخالطة اليتامى أن ~~يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه ~~بعياله، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة ~~أهله، وهذا قد تقع فيه الزيادة والنقصان، فدلت هذه الآية على الرخصة، وهي ~~ناسخة لما قبلها، وقيل المراد بالمخالطة: المعاشرة للأيتام، وقيل المراد ~~بها: المصاهرة لهم. والأولى عدم قصر المخالطة على نوع خاص بل تشمل كل ~~مخالطة كما يستفاد من الجملة الشرطية. وقوله (فإخوانكم) خبر لمبتدأ محذوف: ~~أي فهم إخوانكم في الدين. وفي قوله (والله يعلم المفسد من المصلح) تحذير ~~للأولياء: أي لا يخفى على الله من ذلك شئ فهو يجازي كل أحد بعمله من أصلح ~~فلنفسه، ومن أفسد فعلى نفسه. وقوله (لأعنتكم) أي ولو شاء لجعل ذلك شاقا ~~عليكم ومتعبا لكم وأوقعكم فيما فيه الحرج والمشقة، وقيل العنت هنا: معناه ~~الهلاك. قاله أبو عبيدة، وأصل العنت المشقة. وقال ابن الأنباري: أصل العنت ~~التشديد ثم نقل إلى معنى الهلاك. وقوله (عزيز) أي لا يمتنع عليه شئ، لأنه ~~غالب لا يغالب (حكيم) يتصرف في ملكه بما تقتضيه مشيئته وحكمته، وليس لكم أن ~~تختاروا لأنفسكم. # وقد أخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والضياء في ~~المختارة ms0371 عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب ~~بالمال والعقل، فنزلت (يسألونك عن الخمر والميسر) يعني هذه الآية، فدعى عمر ~~فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت التي في سورة ~~النساء - يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - فكان ينادي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة أن لا يقربن الصلاة ~~سكران، فدعى عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ~~فنزلت الآية التي في المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه، فلما بلغ - فهل أنتم ~~منتهون - قال عمر: انتهينا انتهينا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: كنا ~~نشرب الخمر فأنزلت (يسألونك عن الخمر والميسر) الآية، فقلنا نشرب منها ما ~~ينفعنا، فنزلت في المائدة - إنما الخمر والميسر - الآية فقالوا: اللهم ~~انتهينا. وأخرج أبو عبيد والبخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال الميسر PageV01P222 # القمار. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس مثله قال: كان الرجل في الجاهلية يخاطر ~~عن أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله. وقوله (قل فيهما إثم ~~كبير) يعني ما ينقص من الدين عند شربها (ومنافع للناس) يقول: فيما يصيبون ~~من لذتها وفرحها إذا شربوا (وإثمهما أكبر من نفعهما) يقول: ما يذهب من ~~الدين فالإثم فيه أكبر مما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها، فأنزل الله ~~بعد ذلك - لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - الآية، فكانوا لا يشربونها عند ~~الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها، ثم إن ناسا من المسلمين شربوها فقاتل ~~بعضهم بعضا، وتكلموا بما لم يرض الله من القول فأنزل الله - إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب - الآية فحرم الخمر ونهى عنها. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه قال: # منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعد ما حرمهما. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي ~~حاتم عنه أن نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة ms0372 في سبيل الله أتوا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها ~~في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) ~~وكان قبل ذلك ينفق ماله حتى ما يجد ما يتصدق به، ولا ما يأكل حتى يتصدق ~~عليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: العفو هو ما لا ~~يتبين في أموالكم، وكان هذا قبل أن تفرض الصدقة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب ~~عنه في الآية قال (العفو) ما يفضل عن أهلك وفي لفظ قال: الفضل عن العيال. ~~وأخرج ابن جرير عنه في قوله (قل العفو) قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة ثم ~~قال - العفو وأمر بالمعروف - ثم نزلت في الفرائض بعد ذلك مسماة. وقد ثبت في ~~الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول ". # وثبت نحوه في الصحيح مرفوعا من حديث حكيم بن حزام. وفي الباب أحاديث ~~كثيرة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة) قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها ~~وإقبال الآخرة وبقائها. وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عنه قال: لما ~~أنزل الله - ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن - وإن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى - الآية، انطلق من كان عنده يتيم يعزل طعامه عن طعامه، ~~وشرابه عن شرابه، فجعل يفصل له الشئ من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد ~~فيرمى به فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فأنزل الله (ويسألونك عن اليتامى) الآية. فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم ~~بشرابهم. وقد روى نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~أبي حاتم ms0373 عن ابن عباس في قوله (وإن تخالطوهم) قال: # المخالطة أن يشرب من لبنك وتشرب من لبنه، ويأكل من قصعتك وتأكل من قصعته، ~~ويأكل من ثمرتك وتأكل من ثمرته (والله يعلم المفسد من المصلح) قال: يعلم من ~~يتعمد أكل مال اليتيم، ومن يتحرج منه ولا يألو عن إصلاحه (ولو شاء الله ~~لأعنتكم) يقول: لو شاء ما أحل لكم ما أعنتكم مما لا تتعمدون. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (لأعنتكم) يقول: لأحرجكم وضيق ~~عليكم، ولكنه وسع ويسر. وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله (ولو شاء الله لأعنتكم) قال، ولو شاء لجعل ما أصبتم من ~~أموال اليتامى موبقا. PageV01P223 # قوله (ولا تنكحوا) قرأه الجمهور بفتح التاء، وقرئ في الشواذ بضمها، قيل ~~والمعنى كان المتزوج لها أنكحها من نفسها. وفي هذه الآية النهي عن نكاح ~~المشركات، فقيل المراد بالمشركات الوثنيات، وقيل إنها تعم الكتابيات لأن ~~أهل الكتاب مشركون - وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله. وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، فقالت طائفة: إن الله حرم نكاح ~~المشركات فيها والكتابيات من الجملة، ثم جاءت آية المائدة فخصصت الكتابيات ~~من هذا العموم. وهذا محكي عن ابن عباس ومالك وسفيان بن سعيد وعبد الرحمن بن ~~عمر والأوزاعي. وذهب طائفة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة، وأنه يحرم ~~نكاح الكتابيات والمشركات، وهذا أحد قولي الشافعي، وبه قال جماعة من أهل ~~العلم. ويجاب عن قولهم أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة بأن سورة البقرة من ~~أول ما نزل وسورة المائدة من آخر ما نزل. والقول الأول هو الراجح. وقد قال ~~به مع من تقدم عثمان بن عفان وطلحة وجابر وحذيفة وسعيد بن المسبب وسعيد بن ~~جبير والحسن وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك كما حكاه النحاس والقرطبي. وقد ~~حكاه ابن المنذر عن المذكورين، وزاد عمر بن الخطاب وقال: لا يصح عن أحد من ~~الأوائل أنه حرم ذلك. وقال بعض أهل العلم: إن ms0374 لفظ المشرك لا يتناول أهل ~~الكتاب لقوله تعالى - ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ~~ينزل عليكم من خير ربكم -. وقال - لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين - وعلى فرض أن لفظ المشركين يعم، فهذا العموم مخصوص بآية المائدة ~~كما قدمنا. قوله (ولأمة مؤمنة) أي ولرقيقة مؤمنة، وقيل المراد بالأمة: ~~الحرة لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه والأول أولى لما سيأتي لأنه الظاهر ~~من اللفظ ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرة المشركة ~~يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى. وقوله (ولو ~~أعجبتكم) أي ولو أعجبتكم المشركة من جهة كونها ذات جمال أو مال أو شرف، ~~وهذه الجملة حالية. قوله (ولا تنكحوا المشركين) أي لا تزوجوهم بالمؤمنات ~~(حتى يؤمنوا) قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه ~~لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، وأجمع القراء على ضم التاء من تنكحوا. ~~وقوله (ولعبد) الكلام فيه كالكلام في قوله (ولأمة) والترجيح كالترجيح. # قوله (أولئك) إشارة إلى المشركين والمشركات (يدعون إلى النار) أي إلى ~~الأعمال الموجبة للنار، فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر ~~العظيم مالا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه (والله يدعو إلى ~~الجنة) أي إلى الأعمال الموجبة للجنة، وقيل المراد أن أولياء الله هم ~~المؤمنون يدعون إلى الجنة. وقوله (بإذنه) أي بأمره، قاله الزجاج، وقيل ~~بتيسيره وتوفيقه، قاله صاحب الكشاف. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: نزلت هذه الآية ~~في أبي مرثد الغنوي استأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عناق أن ~~يتزوجها، وكانت ذات حظ من جمال وهي مشركة وأبو مرثد يومئذ مسلم، فقال: يا ~~رسول الله إنها تعجبني، فأنزل الله (ولا تنكحوا المشركات). وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر PageV01P224 # وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (ولا تنكحوا ~~المشركات) قال: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب، فقال - والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب -. وقد روى ms0375 هذا المعنى عنه من طرق. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير في قوله (ولا تنكحوا المشركات) ~~يعني أهل الأوثان. # وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد نحوه، وكذلك أخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد عن قتادة نحوه أيضا وأخرج عبد بن حميد عن النخعي نحوه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب، وتأول ~~(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن). وأخرج البخاري عنه قال: حرم الله نكاح ~~المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ~~ربها عيسى أو عبد من عباد الله. وأخرج الواحدي وابن عساكر من طريق السدى عن ~~أبي مالك عن ابن عباس في قوله تعالى (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) قال نزلت ~~في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه ~~فزع فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره خبرها، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم له: ما هي يا عبد الله؟ قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، ~~وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة، ~~فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل فطعن عليه ناس ~~من المسلمين وقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، ~~وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله فيهم (ولأمة مؤمنة خير من مشركة). ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله (ولأمة مؤمنة) قال: بلغنا أنها كانت أمة ~~لحذيفة سوداء، فأعتقها وتزوجها حذيفة. وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر محمد بن ~~علي قال النكاح يولي في كتاب الله، ثم قرأ (ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا). # قوله (المحيض) هو الحيض، وهو مصدر، يقال حاضت المرأة حيضا ومحيضا فهي ~~حائض وحائضة، كذا قال الفراء وأنشد * كحائضة تزني بها غير طاهرة * ونساء ~~حيض وحوائض، والحيضة بالكسر: ms0376 المرة الواحدة وقيل الاسم، وقيل المحيض عبارة ~~عن الزمان والمكان، وهو مجاز فيهما. وقال ابن جرير الطبري: المحيض اسم ~~الحيض، ومثله قول رؤبة: * إليك أشكو شدة المعيش * أي العيش، وأصل هذه ~~الكلمة من السيلان والانفجار يقال حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة: أي سالت ~~رطوبتها، ومنه الحيض: أي الحوض لأن الماء يحوض إليه: أي يسيل. وقوله (قل هو ~~أذى) أي قل هو شئ يتأذى به: أي برائحته، والأذى كناية عن القذر ويطلق على ~~القول المكروه ومنه قوله تعالى - لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى -. ومنه ~~قوله تعالى - ودع أذاهم - وقوله (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي فاجتنبوهن ~~في زمان الحيض إن حمل المحيض على المصدر أو في محل الحيض إن حمل على الاسم. ~~والمراد من هذا الاعتزال ترك المجامعة لا ترك المجالسة أو الملامسة فإن ذلك ~~جائز، بل يجوز PageV01P225 # الاستمتاع منها بما عدا الفرج أو بما دون الإزار على خلاف في ذلك، وأما ~~ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش ~~زوجته إذا حاضت فليس ذلك بشئ، ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض ~~وهو معلوم من ضرورة الدين. قوله (ولا تقربوهن حتى يطهرن) قرأ نافع وأبو ~~عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بسكون الطاء وضم الهاء. ~~وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر " يطهرن " بتشديد الطاء وفتحها ~~وفتح الهاء وتشديدها. وفي مصحف أبي وابن مسعود " ويتطهرن " والطهر انقطاع ~~الحيض، والتطهر: الاغتسال. وبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم، فذهب ~~الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء. وقال محمد بن ~~كعب القرظي ويحيى بن بكير: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها ~~وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة: إن انقطاع الدم يحلها لزوجها، ولكن تتوضأ ~~وقال أبو حنفية وأبو يوسف ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له ~~أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشر لم يجز حتى تغتسل أو يدخل ms0377 ~~عليها وقت الصلاة. وقد رجح ابن جرير الطبري قراءة التشديد. # والأولى أن يقال: إن الله سبحانه جعل للحل غايتين كما تقتضيه القراءتان: ~~إحداهما انقطاع الدم، والأخرى التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة ~~على الغاية الأولى، فيجب المصير إليها. وقد دل أن الغاية الأخرى هي ~~المعتبرة. قوله تعالى بعد ذلك (فإذا تطهرن) فإن ذلك يفيد أن المعتبر ~~التطهر، لا مجرد انقطاع الدم. وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين، فكما ~~أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة بالعمل بتلك ~~الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين. قوله (فأتوهن من حيث أمركم الله) ~~أي فجامعوهن، وكنى عنه بالإتيان. والمراد أنهم يجامعونهن في المأتى الذي ~~أباحه الله، وهو القبل قيل و (من حيث) بمعنى في حيث، كما في قوله تعالى - ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة - أي في يوم الجمعة، وقوله - ماذا خلقوا من ~~الأرض - أي في الأرض، وقيل إن المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه: أي ~~من غير صوم وإحرام واعتكاف، وقيل إن المعنى ومن قبل الطهر، لا من قبل ~~الحيض، وقيل من قبل الحلال، لا من قبل الزنا. قوله (إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين) قيل المراد التوابون من الذنوب، والمتطهرون من الجنابة ~~والأحداث، وقيل التوابون من إتيان النساء في أدبارهن، وقيل من إتيانهن في ~~الحيض، والأول أظهر. قوله (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أني شئتم) لفظ الحرث ~~يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة، إذ هو مزدرع ~~الذرية، كما أن الحرث مزدرع النبات. فقد شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف ~~التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل ~~واحد منهما مادة لما يحصل منه، وهذه الجملة بيان للجملة الأولى، أعني قوله ~~(فأتوهن من حيث أمركم الله). وقوله (أني شئتم) أي من أي جهة شئتم من خلف ~~وقدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، إذا كان في موضع الحرث، وأنشد ثعلب: # إنما الأرحام أرضون * لنا محترثات فعلينا الزرع ms0378 فيها * وعلى الله النبات ~~وإنما عبر سبحانه بقوله (أني) لكونها أعم في اللغة من كيف وأين ومتى. وأما ~~سيبويه ففسرها هنا بكيف، وقد ذهب السلف والخلف من الصحابة والتابعين ~~والأئمة إلى ما ذكرناه من تفسير الآية، وأن إتيان الزوجة في دبرها حرام. ~~وروى عن سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن ~~الماجشون أنه يجوز ذلك، حكاه عنهم القرطبي في تفسيره قال: وحكى ذلك عن مالك ~~في كتاب له يسمى " كتاب السر " وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك ~~الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر، ووقع هذا PageV01P226 # القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز ذلك إلى زمرة ~~كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب " جماع ~~النسوان وأحكام القرآن " وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن ~~القاسم قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني شك في أنه حلال: يعني وطء ~~المرأة في دبرها ثم قرأ (نساؤكم حرث لكم) ثم قال: فأي شئ أبين من هذا. وقد ~~روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن مالك من طرق ما يقتضي إباحة ~~ذلك. وفي أسانيدها ضعف. وقد روى الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ~~أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحليله ~~ولا تحريمه شئ، والقياس أنه حلال. وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب. قال ابن ~~الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد كذب ابن عبد الحكم ~~على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه. قوله ~~(وقدموا لأنفسكم) أي خيرا كما في قوله تعالى - وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله - وقيل ابتغاء الولد، وقيل التزويج بالعفائف، وقيل غير ذلك. ~~وقوله (واتقوا الله) فيه تحذير عن الوقوع في شئ من المحرمات. وفي قوله ~~(واعلموا أنكم ملاقوه) مبالغة في التحذير. وفي قوله (وبشر المؤمنين) تأنيس ~~لمن ms0379 يفعل الخير ويجتنب الشر. # وقد أخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أنس " أن اليهود كانوا إذ حاضت ~~المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في ~~البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فأنزل الله ~~(ويسألونك عن المحيض) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شئ إلا النكاح ". وأخرج النسائي والبزاز عن ~~جابر قال: إن اليهود قالوا: من أتي المرأة في دبرها كان ولده أحول فجاءوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه عن ذلك وعن إتيان الحائض، ~~فنزلت. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال الأذى: الدم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (فاعتزلوا ~~النساء) يقول: اعتزلوا نكاح فروجهن. وفي قوله (ولا تقربوهن حتى يطهرن) قال: ~~من الدم. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: حتى ~~ينقطع الدم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن ~~عباس في قوله (فإذا تطهرن) قال: بالماء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ~~مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير عن عكرمة نحوه أيضا. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ~~وعطاء أنهما قالا إذا رأت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء ويأتيها قبل أن ~~تغتسل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فأتوهن من حيث أمركم الله) ~~قال: يعني أن يأتيها طاهرا غير حائض. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فأتوهن من حيث أمركم ~~الله) قال من حيث أمركم أن تعزلوهن. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة مثله. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال: # من حيث نهاكم أن تأتوهن وهن حيض: يعني من قبل الفرج. وأخرج ابن أبي شيبة ~~عن ابن الحنفية قال: (فأتوهن من حيث أمركم الله) من قبل التزويج. وأخرج عبد ~~بن حميد ms0380 وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله (يحب التوابين) قال: من الذنوب ~~(ويحب المتطهرين) قال: بالماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال: التوبة ~~من الذنوب والتطهير من الشرك. وأخرج البخاري وأهل السنن وغيرهم عن جابر ~~قال: كانت اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد ~~أحول، فنزلت (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أتي شئتم) إن شاء محتبية وإن شاء ~~غير محتبية غير أن ذلك في صمام واحد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير عن مرة الهمذاني PageV01P227 # نحوه. وقد روى هذا عن جماعة من السلف وصرحوا أنه السبب، ومن الراوين لذلك ~~عبد الله بن عمر عند ابن عساكر، وأم سلمة عند عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~والبيهقي في الشعب. وأخرجه أيضا عنها ابن أبي شيبة وأحمد والدرامي وعبد بن ~~حميد والترمذي وحسنه " أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض ~~نساء الأنصار عن التحبية، فتلا عليها الآية وقال: صماما واحدا " والصمام: ~~السبيل. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي والضياء في ~~المختارة وغيرهم عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: # يا رسول الله هلكت قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي الليلة فلم يرد عليه ~~شيئا. فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية (نساؤكم حرث لكم) يقول: أقبل وأدبر ~~واتق الدبر والحيضة.. وأخرج أحمد عن ابن عباس مرفوعا أن هذه الآية نزلت في ~~أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه فقال: ائتها ~~على كل حال إذا كان في الفرج. وأخرج الدارمي وأبو داود وابن جرير وابن ~~المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عنه قال ابن عمر: والله ~~يغفر له أوهم، وإنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من ~~اليهود وهم أهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون ~~بكثير من فعلهم، فكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على ms0381 حرف، وذلك ~~أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بفعلهم، وكان هذا ~~الحي من قريش يشرحون النساء شرحا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات ~~فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يفعل بها ~~ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك والا فاجتنبني، ~~فسرى أمرهما، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله الآية ~~(نساؤكم حرث لكم) يقول مقبلات ومدبرات بعد أن يكون في الفرج وإن كان من قبل ~~دبرها في قبلها زاد الطبراني: # قال ابن عباس، قال ابن عمر: في دبرها فأوهم، والله يغفر له، وإنما كان ~~هذا الحديث على هذا. وأخرج سعيد ابن منصور وعبد بن حميد والدرامي والبيهقي ~~عن ابن مسعود أنه قال: محاش النساء عليكم حرام. وأخرج الشافعي في الأم وابن ~~أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق ~~خزيمة بن ثابت " أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إتيان ~~النساء في أدبارهن، فقال: حلال أولا بأس، فلما ولى دعاه فقال: كيف قلت؟ أمن ~~دبرها في قبلها فنعم، أم من دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحيي من الحق ~~لا تأتوا النساء في أدبارهن ". وأخرج ابن عدي والدارقطني عن جابر بن عبد ~~الله نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان عن ابن ~~عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا ينظر الله إلى رجل ~~أتى امرأة في الدبر ". وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن ابن عمرو: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية ~~الصغرى ". وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " ملعون من أتى امرأته في دبرها ". وأخرج عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي والبيهقي عنه قال: إتيان ~~الرجال والنساء في أدبارهن كفر. وقد رواه ابن عدي ms0382 عن أبي هريرة مرفوعا قال ~~ابن كثير: والموقوف أصح. وقد ورد النهي عن ذلك من طرق منها عند البزار عن ~~عمر مرفوعا وعند النسائي عنه موقوفا وهو أصح. وعند ابن عدي في الكامل عن ~~ابن مسعود مرفوعا وعند ابن عدي أيضا عن عقبة بن عامر مرفوعا، وعند أحمد عن ~~طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق مرفوعا، وعند ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي ~~وحسنه عن علي بن طلق مرفوعا وقد ثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين ~~مرفوعا وموقوفا وأخرج البخاري وغيره عن نافع قال: قرأت ذات يوم (نساؤكم حرث ~~لكم) فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت PageV01P228 # لا، قال نزلت في إتيان النساء من أدبارهن. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه ~~قال (فأتوا حرثكم أني شئتم) قال في الدبر. وقد روى هذا عن ابن عمر من طرق ~~كثيرة. وفي رواية عند الدارقطني أنه قال له نافع: من دبرها في قبلها؟ فقال ~~لا: إلا في دبرها. وأخرج بن راهويه وأبو يعلى وابن جرير والطحاوي وابن ~~مردويه بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا أصاب امرأته في دبرها، ~~فأنكر الناس عليه ذلك، فنزلت الآية. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن علي ~~قال: كتب عند محمد بن كعب القرظي فجاءه رجل فقال: ما تقول في إتيان المرأة ~~في دبرها؟ فقال: هذا شيخ من قريش فسله، يعني عبد الله بن علي بن السائب: ~~فقال: قذر ولو كان حلالا. وقد روى القول بحل ذلك عن محمد بن المنكدر عند ~~ابن جرير وعن بن أبي مليكة عند ابن جرير أيضا، وعن مالك ابن نس عند ابن ~~جرير والخطيب وغيرهما، وعن الشافعي عند الطحاوي والحاكم والخطيب. وقد قدمنا ~~مثل هذا، وليس في أقوال هؤلاء حجة ألبتة: ولا يجوز لأحد أن يعمل على ~~أقوالهم، فإنهم لم يأتوا بدليل يدل على الجواز، فمن زعم منهم أنه فهم ذلك ~~من الآية فقد أخطأ في فهمه. وقد فسرها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله ms0383 ~~وسلم وأكابر أصحابه بخلاف ما قاله هذا المخطئ في فهمه كائنا من كان ومن زعم ~~منهم أن سبب نزول الآية أن رجلا أتى امرأته في دبرها، فليس في هذا ما يدل ~~على أن الآية أحلت ذلك، ومن زعم ذلك فقد أخطأ، بل الذي تدل عليه الآية أن ~~ذلك حرام، فكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية نازلة في تحليله، فإن ~~الآيات النازلة على أسباب تأتي تارة بتحليل هذا، وتارة بتحريمه. وقد روى عن ~~ابن عباس أنه فسر هذه الآية بغير ما تقدم، فقال معناها إن شئتم فاعزلوا وان ~~شئتم فلا تعزلوا. روى ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والضياء في المختارة. وروى نحو ذلك عن ابن عمر. أخرجه ابن أبي شيبة ~~وعن سعيد بن المسيب، أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير. # العرضة: النصبة، قاله الجوهري، يقال جعلت فلانا عرضة لكذا: أي نصبة: وقيل ~~العرضة من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة عرضة للنكاح: إذا صلحت له وقويت ~~عليه، ولفلان عرضة: أي قوة، ومنه قول كعب بن زهير: # من كل نضاخة الدفري إذا عرقت * عرضتها طامس الأعلام مجهول ومثله قول أوس ~~بن حجر: # وأدماء مثل العجل يوما عرضتها * لرحلي وفيها هزة وتقاذف ويطلق العرضة على ~~الهمة، ومنه قول الشاعر: * هم الأنصار عرضتها اللقاء * أي همتها، ويقال ~~فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه - فعلى المعنى الذي ذكره الجوهري أن ~~العرضة النصبة كالقبضة والغرفة يكون ذلك اسما لما تعرضه دون الشئ: أي تجعله ~~حاجزا له ومانعا منه: أي لا تجعلوا الله حاجزا ومانعا لما حلفتم عليه. وذلك ~~لأن الرجل كان يحلف على بعض الخير من صلة رحم أو إحسان إلى الغير أو إصلاح ~~PageV01P229 # بين الناس بأن لا يفعل ذلك، ثم يمتنع من فعله معللا لذلك الامتناع بأنه ~~قد حلف أن لا يفعله، وهذا المعنى هو الذي ذكره الجمهور في تفسير الآية، ~~ينهاهم الله أن يجعلوه عرضة لأيمانهم: أي حاجزا لما حلفوا عليه ومانعا منه، ~~وسمى ms0384 المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين، وعلى هذا يكونه قوله (أن تبروا) ~~عطف بيان لأيمانكم: أي لا تجعلوا الله مانعا للأيمان التي هي بركم وتقواكم ~~وإصلاحكم بين الناس، ويتعلق قوله (لأيمانكم) بقوله (لا تجعلوا) أي لا ~~تجعلوا الله لأيمانكم مانعا وحاجزا، ويجوز أن يتعلق بعرضة: أي لا تجعلوه ~~شيئا معترضا بينكم وبين البر وما بعده وعلى المعنى الثاني، وهو أن العرضة: ~~الشدة والقوة يكون معنى الآية: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة ~~في الامتناع من الخير، ولا يصح تفسير الآية على المعنى الثالث، وهو تفسير ~~العرضة بالهمة - وأما على المعنى الرابع، وهو من قولهم فلان لا يزال عرضة ~~للناس: أي يقعون فيه، فيكون معنى الآية عليه: ولا تجعلوا الله معرضا ~~لأيمانكم، فتبتذلونه بكثرة الحلف به، ومنه - واحفظوا أيمانكم - وقد ذم الله ~~المكثرين للحلف فقال - ولا تطع كل حلاف مهين -. وقد كانت العرب تتمادح بقلة ~~الأيمان حتى قال قائلهم: # قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن ندرت منه الألية برت وعلى هذا فيكون قوله ~~(أن تبروا) علة للنهي أي لا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم إرادة أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا لأن من يكثر الحلف بالله يجترئ على الحنث ويفجر في يمينه. ~~وقد قيل في تفسير الآية أقوال هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها، فمن ~~ذلك قول الزجاج معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه الفعل الذي فيه خير ~~اعتل بالله: فقال على يمين وهو لم يحلف، وقيل معناها: لا تحلفوا بالله ~~كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والاصلاح، وقيل معناها إذا حلفتم على أن لا ~~تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا ~~عن اليمين. وقد قيل إن قوله (أن تبروا) مبتدأ خبره محذوف أي البر والتقوى، ~~والإصلاح أولى. قاله الزجاج وقيل إنه منصوب: أي لا تمنعكم اليمين بالله ~~البر والتقوى والإصلاح وروى ذلك عن الزجاج أيضا، وقيل معناه أن لا تبروا، ~~فحذف لا، كقوله - يبين الله لكم إن تضلوا - أي لا تضلوا. قاله ابن جرير ~~الطبري، وقيل ms0385 هو في موضع جر على قول الخليل والكسائي، والتقدير في (أن ~~تبروا). وقوله (سميع) أي لأقوال العباد (عليم) بما يصدر منهم. واللغو: مصدر ~~لغا يلغو لغوا، ولغى يلغى لغيا: إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام أو ~~بما لا خير فيه وهو الساقط الذي لا يعتد به، فاللغو من اليمين: هو الساقط ~~الذي لا يعتد به، ومنه اللغو في الدية، وهو الساقط الذي لا يعتد به من ~~أولاد الإبل، قال جرير: # ويذهب بينها المري لغوا كما * ألغيت في الدية الحوارا وقال آخر: ورب ~~أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم أي لا يتكلمن بالساقط والرفث، ومعنى ~~الآية: لا يعاقبكم الله بالساقط من أيمانكم، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم: ~~أي اقترفته بالقصد إليه: وهي اليمين المعقودة، ومثله قوله تعالى - ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان - ومثله قول الشاعر: # ولست بمأخوذ بلغو يقوله * إذا لم تعمد عاقدات العزائم وقد اختلف أهل ~~العلم في تفسير اللغو، فذهب ابن عباس وعائشة وجمهور العلماء أيضا: أنه قول ~~الرجل لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين، ولا مريد ~~لها. قال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي PageV01P230 # اتفق عليه عامة العلماء. وقال أبو هريرة وجماعة من السلف: هو أن يحلف ~~الرجل على الشئ لا يظن إلا أنه إياه فإذا ليس هو ما ظنه، وإلى هذا ذهبت ~~الحنفية والزيدية، وبه قال مالك في الموطأ. وروى عن ابن عباس أنه قال لغو ~~اليمين أن تحلف وأنت غضبان، وبه قال طاوس ومكحول. وروى عن مالك، وقيل إن ~~اللغو هو يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد ~~الله بن الزبير وأخوه عروة كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم، وقيل ~~لغو اليمين: هو دعاء الرجل على نفسه كأن يقول: أعمى الله بصره، أذهب الله ~~ماله، هو يهودي، هو مشرك. قاله زيد بن أسلم: وقال مجاهد: لغو اليمين أن ~~يتبايع الرجلان فيقول أحدهما والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله لا ~~أشتريه بكذا. وقال ms0386 الضحاك: لغو اليمين هي المكفرة: أي إذا كفرت سقطت وصارت ~~لغوا. والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي، ولدلالة الأدلة عليه ~~كما سيأتي. # وقوله (والله غفور حليم) أي حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون ~~عمد وقصد. وآخذكم بما تعمدته قلوبكم وتكلمت به ألسنتكم، وتلك هي اليمين ~~المعقودة المقصودة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) يقول: لا تجعلني عرضة ليمينك ~~أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير. وأخرج عبد ابن حميد وابن ~~جرير عنه: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته أو لا يتصدق ويكون بين رجلين ~~مغاضبة فيحلف لا يصلح بينهما ويقول قد حلفت، قال: يكفر عن يمينه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن عطاء قال: جاء رجل إلى عائشة فقال: إني نذرت إن كلمت فلانا فإن ~~كل مملوك لي عتيق، وكل مال لي ستر للبيت، فقالت: لا تجعل مملوكيك عتقاء ولا ~~تجعل مالك سترا للبيت فإن الله يقول (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) فكفر ~~عن يمينك وقد ورد أن هذه الآية نزلت في أبي بكر في شأن مسطح. رواه ابن جرير ~~عن ابن جريج، والقصة مشهورة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين ~~وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ". وثبت أيضا في ~~الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " والله إن شاء ~~الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن ~~يميني ". وأخرج ابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فبره أن يحنث فيها ~~ويرجع عن يمينه ". وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عمرو ابن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال: قال رسول الله ms0387 صلى الله عليه وآله وسلم " لا نذر ولا يمين ~~فيما لا يملك ابن آدم ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم ". وأخرج أبو ~~داود والحاكم وصححه عن عمر مرفوعا مثله. وأخرج النسائي وابن ماجة عن مالك ~~الجشمي قال: قلت يا رسول الله يأتيني ابن عمي فأحلف أن لا أعطيه ولا أصله، ~~فقال: كفر عن يمينك. وأخرج مالك في الموطأ وعبد الرزاق وعبد بن حميد ~~والبخاري وغيرهم عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية (لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم) في قول الرجل لا والله وبلى والله وكلا والله. وأخرج أبو داود ~~وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح أنه ~~سئل عن اللغو في اليمين فقال: قالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله " وأخرج عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عائشة أنها قالت في تفسيره الآية: ~~إن اللغو هو القوم يتدارون في الأمر يقول هذا لا والله ويقول هذا كلا ~~والله، يتدارون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن عائشة أنها قالت: هو اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل لا ~~والله وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، PageV01P231 # وإنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله. وأخرج ابن جرير ~~عن الحسن: قال " مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم ينتضلون ومع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم، فقال ~~أصبت والله وأخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حنث ~~الرجل يا رسول الله، فقال: # كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة. وقد روى أبو الشيخ عن ~~عائشة وابن عباس وابن عمر وابن عمرو أن اللغو لا والله وبلى والله. أخرجه ~~سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد ms0388 بن حميد عن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وأخرج ~~ابن جرير عن أبي هريرة قال لغو اليمين حلف الإنسان على الشئ يظن أنه الذي ~~حلف عليه فإذا هو غير ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن عائشة نحوه. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنها أن ~~يحلف الرجل على تحريم ما أحل الله له. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير قال: هو الرجل يحلف على المعصية وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد عن النخعي: هو أن يحلف الرجل على الشئ ثم ينسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير في قوله (والله غفور) يعني إذ تجاوز عن اليمين التي حلف عليها ~~(حليم) إذ لم يجعل فيها الكفارة. # قوله (يؤلون) أي يحلفون: والمصدر إيلا وألية وألوة، وقرأ ابن عباس " ~~الذين آلوا " يقال آلى يؤالي إيلا ويأتلي بالتاء ائتلاء: أي حلف، ومنه - ~~ولا يأتل أولوا الفضل منكم -، ومنه: # * قليل الألايا حافظ ليمينه * البيت. وقد اختلف أهل العلم في الإيلاء، ~~فقال الجمهور: إن الإيلاء هو أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، ~~فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليا وكانت عندهم يمينا محضا، ~~وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور. وقال الثوري والكوفيون: الإيلاء ~~أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وهو قول عطاء. وروى عن ابن عباس أنه لا ~~يكون موليا حتى يحلف أن لا يمسها أبدا. وقالت طائفة: إذا حلف أن لا يقرب ~~امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء. وبه ~~قال ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة ~~وإسحاق. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. قوله (من ~~نسائهم) يشمل الحرائر والإماء إذا كن زوجات، وكذلك يدخل تحت قوله (للذين ~~يؤلون) العبد إذا حلف من زوجته، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور ms0389 قالوا ~~وإيلاؤه كالحر. وقال مالك والزهري وعطاء وأبو حنيفة وإسحاق: إن أجله شهران. ~~وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة: # والتربص: التأني والتأخر، قال الشاعر: تربض بها ريب المنون لعلها * تطلق ~~يوما أو بموت حليلها وقت الله سبحانه بهذه المدة دفعا للضرار عن الزوجة. ~~وقد كان أهل الجاهلية يؤلون السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك ضرار ~~النساء. وقد قيل إن الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها ~~زيادة عليها. قوله (فان فاءوا) أي رجعوا ومنه - حتى تفئ إلى أمر الله - أي ~~ترجع، ومنه قيل للظل بعد الزوال فئ لأنه رجع عن جانب المشرق إلى جانب ~~المغرب، يقال فاء يفئ فئة وفيوءا، وإنه لسريع الفيئة: أي الرجعة، ومنه قول ~~الشاعر: PageV01P232 # ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له * ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا قال ابن ~~المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن الفئ الجماع لمن لا عذر له، فإن ~~كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته، فإذا زال العذر فأبى الوطء فرق بينهما ~~إن كانت المدة قد انقضت، قاله مالك، وقالت طائفة إذا أشهد على فيئه بقلبه ~~في حال العذر أجزأه. وبه قال الحسن وعكرمة والنخعي والأوزاعي وأحمد بن ~~حنبل. وقد أوجب الجمهور على المولى إذا فاء بجماع امرأته الكفارة. وقال ~~الحسن والنخعي: لا كفارة عليه. قوله (وإن عزموا الطلاق) العزم: العقد على ~~الشئ، ويقال عزم يعزم عزما وعزيمة وعزمانا، واعتزم اعتزاما، فمعنى عزموا ~~الطلاق: عقدوا عليه قلوبهم. والطلاق من طلقت المرأة تطلق كنصر ينصر طلاقا ~~فهي طالق وطالقة أيضا ويجوز طلقت بضم اللام، مثل عظم يعظم، وأنكره الأخفش. ~~والطلاق حل عقد النكاح، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر كما ~~قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال (سميع)، وسميع ~~يقتضي مسموعا بعد المضي. وقال أبو حنيفة (سميع) لإيلائه (عليم) بعزمه الذي ~~دل عليه مضي أربعة أشهر. واعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما ms0390 ~~يطابق مذهبهم وتكلفوا بما لم يدل عليه اللفظ، ولا دليل آخر، ومعناها ظاهر ~~واضح، وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي: أي يحلف من امرأته أربعة أشهر. ثم ~~قال مخبر العبادة بحكم هذا المولى بعد هذه المدة (فإن فاءوا) رجعوا إلى ~~بقاء الزوجية واستدامة النكاح (فإن الله غفور رحيم) أي لا يؤاخذهم بتلك ~~اليمين بل يغفر لهم ويرحمهم (وإن عزموا الطلاق) أي وقع العزم منهم عليه ~~والقصد له (فإن الله سميع) لذلك منهم (عليم) به، فهذا معنى الآية الذي لا ~~شك فيه ولا شبهة، فمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يقيد بمدة أو قيد بزيادة ~~على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر، فإذا مضت فهو بالخيار إما رجع ~~إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها، أو ~~طلقها وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء، وأما إذا وقت بدون أربعة أشهر ~~فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة كما ~~فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين آلى من نسائه شهرا فإنه اعتزلهن ~~حتى مضى الشهر، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون ~~أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة، وكان ممتثلا لما صح عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم من قوله " من حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو ~~خير منه وليكفر عن يمينه ". # وقد أخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه ~~عن ابن عباس قال: الإيلاء أن يحلف أنه لا يجامعها أبدا. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه في قوله (للذين يؤلون من ~~نسائهم) قال: هو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها فتتربص أربعة أشهر فإن ~~هو نكحها كفر عن يمينه، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها خيره السلطان إما ~~أن يفئ وإما أن يعزم فيطلق كما قال الله سبحانه. # وأخرج سعيد بن منصور وعبد ms0391 بن حميد والطبراني والبيهقي عنه قال: كان إيلاء ~~الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة أشهر فإن كان ~~إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. وأخرج عبد بن حميد عن علي قال: ~~الإيلاء إيلاءان: إيلاء في الغضب، وإيلاء في الرضا - فأما الإيلاء في ~~الغضب: فإذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه، وأما ما كان في الرضا فلا يؤاخذ ~~به. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لا إيلاء إلا بغضب. # وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ " فإن فاءوا ~~فيهن فإن الله غفور رحيم ". وأخرج عبد بن حميد عن علي قال: الفئ: الجماع. ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر PageV01P233 # وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن المنذر عن علي قال: الفئ الرضا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن مسعود مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، قال: # الفئ الإشهاد وأخرج عبد الرزاق عنه قال: الفئ الجماع، فإن كان له عذر ~~أجزأه أن يفئ بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إذا حال بينه ~~وبينها مرض أو سفر أو حبس أو شئ يعذر به فإشهاده فئ. وللسلف في الفئ أقوال ~~مختلفة، فينبغي الرجوع إلى معنى الفئ لغة، وقد بيناه. وأخرج ابن جرير عن ~~عمر بن الخطاب أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر لا شئ عليه حتى يوقف ~~فيطلق أو يمسك. وأخرج الشافعي وابن جرير والبيهقي عن عثمان بن عفان نحوه. ~~وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن علي نحوه. وأخرج ~~البخاري وعبد بن حميد عن ابن عمر نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ~~عائشة نحوه. وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي من طريق سهيل بن أبي صالح ~~عن أبيه قال: سألت اثنى عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن الرجل يولي من ms0392 امرأته فكلهم يقول: ليس عليه شئ حتى تمضي الأربعة الأشهر ~~فتوقف فإن فاء وإلا طلق. وأخرج البيهقي عن ثابت بن عبيدة مولى زيد بن ثابت ~~عن اثنى عشر رجلا من الصحابة نحوه، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والبيهقي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عمر وابن ~~عباس قالوا: الإيلاء تطليقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر، قبل أن يفئ فهي أملك ~~بنفسها، وللصحابة والتابعين في هذا أقوال مختلفة متناقضة، والمتعين الرجوع ~~إلى ما في الآية الكريمة، وهو ما عرفناك فاشدد عليه يديك. وأخرج عبد الرزاق ~~عن عمر قال: إيلاء العبد شهران. وأخرج مالك عن ابن شهاب قال: إيلاء العبد ~~نحو إيلاء الحر. # قوله (والمطلقات) يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصص بقوله تعالى ~~- فمالكم عليهن من عدة تعتدونها - فوجب بناء العام على الخاص، وخرجت من هذا ~~العموم المطلقة قبل الدخول وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى - وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن - وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى - فعدتهن ثلاثة أشهر ~~- والتربص: الانتظار، قيل هو خبر في معنى الأمر: أي ليتربصن قصد بإخراجه ~~مخرج الخبر تأكيد وقوعه، وزاده تأكيدا وقوعه خبرا للمبتدأ. قال ابن العربي: ~~وهذا باطل، وإنما هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس ذلك ~~من الشرع، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله سبحانه على خلاف مخبره. والقروء ~~جمع قرء. وروى عن نافع أنه قرأ " قرو " بتشديد الواو. وقرأه الجمهور ~~بالهمز. وقرأ الحسن بفتح القاف وسكون الراء والتنوين. قال الأصمعي: الواحد ~~قرء بضم القاف. وقال أبو زيد بالفتح: وكلاهما قال أقرأت المرأة: # حاضت. وأقرأت: ظهرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة: إذا صارت صاحبة حيض، ~~فإذا حاضت قلت قرأت بلا ألف. وقال أبو عمرو بن العلاء من العرب من يسمى ~~الحيض قرءا، ومنهم من يسمي الطهر قرءا، ومنهم PageV01P234 # من يجمعهما جميعا فيسمي الحيض مع الطهر قرءا، وينبغي أن يعلم أن القرء في ~~الأصل: الوقت، يقال: هبت الرياح لقرئها ولقارئها: أي لوقتها، ms0393 ومنه قول ~~الشاعر: # كرهت العقر عقر بني شليل * إذا هبت لقارئها الرياح فيقال للحيض قرء، ~~وللطهر قرء، لأن كل واحد منهما له وقت معلوم. وقد أطلقته العرب تارة على ~~الأطهار، وتارة على الحيض، فمن إطلاقه على الأطهار قول الأعشي: # أفي كل عام أنت جاشم غزوة * تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة قوله مالا وفي ~~الحي رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا أي أطهارهن، ومن إطلاقه على الحيض ~~قول الشاعر: # يا رب ذي حنق علي قارض * له قرو كقرو الحائض يعني أنه طعنه فكان له دم ~~كدم الحائض. وقال قوم: هو مأخوذ من قرى الماء في الحوض وهو جمعه ومنه ~~القرآن لاجتماع المعاني فيه. قال عمرو بن كلثوم: # ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا أي لم تجمعه في بطنها. ~~والحاصل أن القروء في لغة العرب مشترك بين الحيض والطهر، ولأجل هذا ~~الاشتراك، اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في ~~الآية، فقال أهل الكوفة: هي الحيض وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ~~ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وأحمد بن حنبل. وقال أهل الحجاز هي ~~الأطهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان ~~والشافعي، واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على أن القرء الوقت، فصار معنى ~~الآية عند الجميع، والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة أوقات فهي على هذا مفسرة ~~في العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها فأهل القول ~~الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية الحيض بقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " دعي الصلاة أيام أقرائك " وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم " طلاق ~~الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " وبأن المقصود من العدة استبراء الرحم وهو ~~يحصل بالحيض لا بالطهر: واستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى (فطلقوهن ~~لعدتهن) ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر. ولقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لعمر " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فتلك ~~العدة التي أمر الله ms0394 أن تطلق لها النساء " وذلك لأن زمن الطهر هو الذي تطلق ~~فيه النساء. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا ~~يقول بأن الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما ~~بقي منه ولو ساعة ولو لحظة، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة، فإذا رأت الدم ~~من الحيضة الثالثة خرجت من العدة انتهى. وعندي أن لا حجة في بعض ما احتج به ~~أهل القولين جميعا. أما قول الأولين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" دعي الصلاة أيام أقرائك " فغاية ما في هذا أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أطلق الأقراء على الحيض، ولا نزاع في جواز ذلك كما هو شأن اللفظ ~~المشترك فإنه يطلق تارة على هذا، وتارة على هذا وإنما النزاع في الأقراء ~~المذكورة في هذه الآية وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأمة " ~~وعدتها حيضتان " فهو حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني ~~والحاكم وصححه من حديث عائشة مرفوعا. وأخرجه ابن ماجة والبيهقي من حديث ابن ~~عمر مرفوعا أيضا، ودلالته على ما قاله الأولون قوية. وأما قولهم إن المقصود ~~من PageV01P235 # العدة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر، فيجاب عنه بأنه إنما يتم ~~لو لم يكن في هذه العدة شئ من الحيض على فرض تفسير الأقراء بالأطهار، وليس ~~كذلك بل هي مشتملة على الحيض كما هي مشتملة على الأطهار وأما استدلال أهل ~~القول الثاني بقوله تعالى - فطلقوهن لعدتهن - فيجاب عنه بأن التنازع في ~~اللام في قوله - لعدتهن - يصير ذلك محتملا، ولا تقوم الحجة بمحتمل. وأما ~~استدلالهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر " مره فليراجعها " الحديث ~~فهو في الصحيح، ودلالته قوية على ما ذهبوا إليه، ويمكن أن يقال إنها تنقضي ~~العدة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض، ولا مانع من ذلك فقد جوز جمع من أهل ~~العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلة، ويرتفع الخلاف، ~~ويندفع النزاع. وقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة ms0395 بقوله قروء وهي جمع كثرة ~~دون أقراء التي هي من جموع القلة. وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل ~~واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية. # قوله (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) قيل المراد به ~~الحيض، وقيل الحمل، وقيل كلاهما، ووجه النهي عن الكتمان ما فيه في بعض ~~الأحوال من الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المرأة حضت وهي لم تحض ~~ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت لم تحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما ~~لم يلزمه فأضرت به، وكذلك الحمل ربما تكتمه التقطع حقه من الارتجاع، وربما ~~تدعيه لتوجب عليه النفقة، ونحو ذلك من المقاصد المستلزمة للإضرار بالزوج. ~~وقد اختلفت الأقوال في المدة التي تصدق فيها المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها. # وقوله (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) فيه وعيد شديد للكاتمات، وبيان أن ~~من كتمت ذلك منهن لم تستحق اسم الإيمان. والبعولة جمع بعل وهو الزوج، سمى ~~بعلا لعلوه على الزوجة لأنهم يطلقونه على الرب، ومنه قوله تعالى - أتدعون ~~بعلا - أي ربا، ويقال بعول وبعولة كما يقال في جمع الذكر ذكور وذكورة، وهذه ~~التاء لتأنيث الجمع وهو شاذ لا يقاس عليه بل يعتبر فيه السماع، والبعولة ~~أيضا تكون مصدرا من بعل الرجل يبعل، مثل منع يمنع: أي صار بعلا. وقوله (أحق ~~بردهن) أي برجعتهن، وذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها فيكون في حكم ~~التخصيص لعموم قوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) لأنه يعم المثلثات وغيرهن. ~~وقوله (في ذلك) يعني في مدة التربص، فإن انقضت مدة التربص فهي أحق بنفسها، ~~ولا تحل له إلا بنكاح مستأنف بولي وشهود ومهر جديد، ولا خلاف في ذلك، ~~والرجعة تكون باللفظ وتكون بالوطء، ولا يلزم المراجع شئ من أحكام النكاح ~~بلا خلاف. وقوله (إن أرادوا إصلاحا) أي بالمراجعة: أي إصلاح حاله معها ~~وحالها معه، فإن قصد الإضرار بها فهي محرمة لقوله تعالى (ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا) قيل وإذا قصد بالرجعة الضرار فهي صحيحة وإن ارتكب بذلك محرما ms0396 وظلم ~~نفسه، وعلى هذا فيكون الشرط المذكور في الآية للحث للأزواج على قصد الصلاح ~~والزجر لهم عن قصد الضرار، وليس المراد به جعل قصد الإصلاح شرطا لصحة ~~الرجعة. قوله (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أي لهن من حقوق الزوجية على ~~الرجال بمثل ما للرجال عليهن، فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس ~~أنهم يفعلونه لنسائهم، وهي كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة ~~النساء أنهن يفعلنه لأزواجهن من طاعة وتزين وتحبب ونحو ذلك. قوله (وللرجال ~~عليهن درجة) أي منزلة ليست لهن وهو قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل ~~الجهاد والعقل والقوة، وله من الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها ~~امتثال أمره والوقوف عند رضاه ولو لم يكن من فضيلة الرجال على النساء إلا ~~كونهن خلقن من الرجال لما ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم. # وقد أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن أسماء بنت يزيد بن ~~السكن الأنصارية قالت: طلقت PageV01P236 # على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل ~~الله حين طلقت العدة للطلاق فقال (والمطلقات يتربصن) الآية. وأخرج أبو داود ~~والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ~~ثم قال - واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أردتم فعدتهن ثلاثة أشهر - ~~فنسخ وقال - ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~-. وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي من طرق عن عائشة أنها قالت: الأقراء ~~الأطهار. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر وزيد ~~بن ثابت مثله. وأخرج المذكورون عن عمرو بن دينار قال الأقراء. الحيض عن ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج البيهقي وابن جرير عن ابن عباس ~~في قوله (ثلاثة قروء) قال: ثلاث حيض. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر عن قتادة في قوله تعالى (ولا يحل لهن أن ms0397 يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن) قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر فنهاهن الله عن ~~ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر في الآية قال: ~~الحمل والحيض وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى ~~(وبعولتهن أحق بردهن) يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي ~~حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع حملها، وهو قوله (ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن). وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد في ~~قوله (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) قال: في العدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير عن قتادة مثله، وزاد ما لم يطلقها ثلاثا. وأخرج ابن جرير عن ~~الضحاك في قوله (ولهن مثل الذي عليهن) قال: إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن ~~فعليه أن يحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه، وينفق عليها من سعته. وقد أخرج أهل ~~السنن عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ألا ~~إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، أما حقكم على نسائكم أن لا ~~يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن ~~تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن " وصححه الترمذي. # وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه ~~والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري " أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما حق المرأة على الزوج؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ~~ولا تضرب الوجه، ولا تهجر إلا في البيت ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~مجاهد في قوله (وللرجال عليهن درجة) قال: فضل ما فضله الله به عليها من ~~الجهاد وفضل ميراثه على ميراثها وكل ما فضل به عليها. # وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال: يطلقها وليس ~~لها ms0398 من الأمر شئ. وأخرجا عن زيد بن أسلم قال: الإمارة. PageV01P237 # المراد بالطلاق المذكور هو الرجعي بدليل ما تقدم في الآية الأولى: أي ~~الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان: أي الطلقة الأولى والثانية، ~~إذ لا رجعة لا بعد الثالثة، وإنما قال سبحانه (مرتان) ولم يقل طلقتان إشارة ~~إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، لا طلقتان دفعة واحدة، كذا قال ~~جماعة من المفسرين، ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا أحد أمرين، إما ~~إيقاع الثالثة التي بها تبين الزوجة، أو الإمساك لها واستدامة نكاحها، وعدم ~~إيقاع الثالثة عليها قال سبحانه (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) أي فإمساك ~~بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بمعروف: أي بما هو معروف عند الناس من ~~حسن العشرة (أو تسريح بإحسان) أي بإيقاع طلقة ثالثة عليها من دون ضرار لها، ~~وقيل المراد (فإمساك بمعروف) أي برجعة بعد الطلقة الثانية (أو تسريح ~~بإحسان) أي بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها. والأول أظهر. وقوله ~~(الطلاق) مبتدأ بتقدير مضاف: أي عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة مرتان. ~~وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثا أو واحدة فقط ~~فذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني من عداهم وهو الحق. وقد قررته في ~~مؤلفاتي تقريرا بالغا، وأفردته برسالة مستقلة. قوله (ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~مما آتيتموهن شيئا) الخطاب للأزواج: أي لا يحل للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه ~~إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه المضارة لهن، وتنكير " شيئا " للتحقير: ~~أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير، وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع ~~كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر ~~لكون ذلك هو الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ~~ملكها، على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له كان ما عداه ممنوعا ~~منه بالأولى - وقيل الخطاب في قوله (ولا يحل لكم) للأئمة ms0399 والحكام ليطابق ~~قوله (فإن خفتم) فإن الخطاب فيه للأئمة والحكام، وعلى هذا يكون إسناد الأخذ ~~إليهم لكونهم الآمرين بذلك. والأول أولى لقوله (مما آتيتموهن) فإن إسناده ~~إلى غير الأزواج بعيد جدا، لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم - وقيل إن ~~الثاني أولى لئلا يتشوش النظم. قوله (إلا أن يخافا) أي لا يجوز لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا (أن لا يقيما حدود الله) أي عدم ~~إقامة حدود الله التي حدها للزوجين، وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة ~~والطاعة، فإن خافا ذلك (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) أي لا جناح على ~~الرجل في الأخذ، وعلى المرأة في الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ~~ببذل شئ من المال يرضي به الزوج فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع. وقد ذهب ~~الجمهور إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحل له الأخذ مع ذلك الخوف وهو الذي صرح ~~به القرآن. وحكى ابن المنذر عن بعض أهل العلم أنه لا يحل له ما أخذ ولا ~~يجبر على رده، وهذا في غاية السقوط. وقرأ حمزة " إلا أن يخافا " على البناء ~~للمجهول، والفاعل محذوف، وهو الأئمة والحكام واختاره أبو عبيد قال لقوله ~~(فإن خفتم) فجعل الخوف لغير الزوجين. وقد احتج بذلك من جعل الخلع إلى ~~السلطان، وهو سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين. وقد ضعف النحاس اختيار أبي ~~عبيد المذكور. وقوله (فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله) أي إذا خاف الأئمة ~~والحكام، أو المتوسطون بين الزوجين وإن لم يكونوا أئمة وحكاما عدم إقامة ~~حدود الله من الزوجين، وهي ما أوجبه عليهما كما سلف. وقد حكى عن بكر بن عبد ~~الله المدني أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء - وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه PageV01P238 # شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا - وهو قول خارج عن الإجماع ولا تنافي ~~بين الاثنين. وقد اختلف أهل العلم إذا طلب الزوج من المرأة زيادة على ما ~~دفعه إليها من المهر وما ms0400 يتبعه ورضيت بذلك المرأة هل يجوز أم لا؟ وظاهر ~~القرآن الجواز لعدم تقييده بمقدار معين، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور، ~~وروى مثل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين وقال طاوس وعطاء والأوزاعي ~~وأحمد وإسحاق: إنه لا يجوز، وسيأتي ما ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وقوله تعالى (تلك حدود الله) أي أحكام النكاح والفراق المذكورة ~~هي حدود الله التي أمرتم بامتثالها، فلا تعتدوها بالمخالفة لها فتستحقوا ما ~~ذكره الله من التسجيل على فاعل ذلك بأنه ظالم. قوله تعالى (فإن طلقها) أي ~~الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله (أو تسريح بإحسان) أي فإن وقع منه ~~ذلك فقد حرمت عليه بالتثليث (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) أي حتى ~~تتزوج بزوج آخر. وقد أخذ بظاهر الآية سعيد ابن المسيب ومن وافقه قالوا يكفي ~~مجرد العقد لأنه المراد بقوله (حتى تنكح زوجا غيره) وذهب الجمهور من السلف ~~والخلف إلى أنه لا بد مع العقد من الوطء لما ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من اعتبار ذلك وهو زيادة يتعين قبولها، ولعله لم يبلغ سعيد بن ~~المسيب ومن تابعه، وفي الآية دليل على أنه لابد من أن يكون ذلك نكاحا شرعيا ~~مقصودا لذاته لا نكاحا غير مقصود لذاته، بل حيلة للتحليل، وذريعة إلى ردها ~~إلى زوج الأول، فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذم فاعله، وأنه التيس ~~المستعار الذي لعنه الشارع ولعن من اتخذه لذلك. قوله (فإن طلقها) أي الزوج ~~الثاني (فلا جناح عليهما) أي الزوج الأول والمرأة (أن يتراجعا) أي يرجع كل ~~واحد منهما لصاحبه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق ~~زوجته ثلاثا ثم انقضت عدتها ونكحت زوجا ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم ~~نكحها الزوج الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. قوله (إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله) أي حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ~~ظن ذلك بأن يعلما ms0401 أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا أو أحدهما ~~ولم يحصل لهما الظن، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح لأنه مظنة للمعصية لله ~~والوقوع فيما حرمه على الزوجين. وقوله (وتلك حدود الله) إشارة إلى الأحكام ~~المذكورة كما سلف، وخص الذين يعلمون مع عموم الدعوة للعالم وغيره، ووجوب ~~التبليغ لكل فرد، لأنهم المنتفعون بالبيان المذكور. # وقد أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ~~ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى ~~امرأته فطلقها حتى إذا ما دنا وقت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم طلقها، ثم قال: ~~والله لا آويك إلى ولا تحلين أبدا، فأنزل الله (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان) فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق ومن ~~لم يطلق. وأخرج نحوه الترمذي وابن مردويه والحاكم وصححه عن هشام بن عروة عن ~~أبيه عن عائشة. وأخرج البخاري عنها: أنها أتتها امرأة فسألتها عن شئ من ~~الطلاق، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت ~~(الطلاق مرتان). وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو ~~داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~عن أبي رزين الأسدي قال: قال رجل " يا رسول الله أرأيت قول الله الطلاق ~~مرتان، فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان الثالثة " وأخرج نحوه ابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قال: قال ~~الله للثالثة (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد ~~بن أبي حبيب قال: التسريح في كتاب الله الطلاق. PageV01P239 # وأخرج البيهقي من طريق السدى عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (الطلاق مرتان) قالوا: وهو الميقات الذي ~~تكون فيه الرجعة، فإذا طلق واحدة أو ms0402 اثنتين، فإما أن يمسك ويراجع بمعروف، ~~وإما أن يسكت عنها حتى تنقضي عدتها فتكون أحق بنفسها. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الرجل يأكل من مال امرأته الذي نحلها ~~وغيره لا يرى أن عليه جناحا، فأنزل الله (ولا يحل لكم أن تأخذوا بما ~~آتيتموهن شيئا) فلم يصح لهم بعد هذه الآية أخذ شئ من أموالهن إلا بحقها، ثم ~~قال (إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) ~~وقال - فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا -. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إلا أن يخافا أن لا يقيما ~~حدود الله) قال: إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها، فتدعوك إلى أن ~~تفتدي منك فلا جناح عليك فيما افتدت به. وأخرج مالك والشافعي وأحمد وأبو ~~داود والنسائي والبيهقي من طريق عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن ~~حبيبة بنت سهل الأنصاري " أنها كانت تحب ثابت بن قيس، وأن رسول الله خرج ~~إلى الصبح فوجدها عند بابه في الغلس فقال: # من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا بأنت، ~~فلما جاء ثابت بن قيس قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذه حبيبة ~~بنت سهل، فذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما ~~أعطاني عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خذ منها، فأخذ منها ~~وجلست في أهلها " وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في ثابت ~~بن قيس وفي حبيبة، وكانت اشتكته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " تردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، ~~فدعاه فذكر ذلك له، فقال: ويطيب لي ذلك، قال: نعم، قال ms0403 ثابت: قد فعلت، ~~فنزلت (ولا يحل لكم أن تأخذوا) الآية " وأخرج عبد الرزاق وأبو داود وابن ~~جرير والبيهقي من طريق عمرة عن عائشة نحوه. وأخرج البخاري والنسائي وابن ~~ماجة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس أن جميلة بنت عبد الله بن سلول ~~امرأة ثابت بن قيس بن شماس " أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا ~~رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضا ~~وأكره الكفر في الإسلام، قال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: أقبل ~~الحديقة وطلقها تطليقة ". ولفظ ابن ماجة " فأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد ". وأخرج البيهقي من طريق عطاء ~~قال: " أتت امرأة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالت: إني أبغض زوجي وأحب ~~فراقه، قال: أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت نعم وزيادة، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أما الزيادة من مالك فلا ". وأخرج البيهقي عن أبي ~~الزبير أن ثابت بن قيس فذكر القصة، وفيه " أما الزيادة فلا " وأخرج ابن ~~مردويه بإسناد جيد عن ابن عباس، وفيه " أنه أمر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثابتا أن يأخذ ما ساق ولا يزداد ". وأخرج البيهقي عن أبي سعيد وذكر ~~القصة، وفيها " فردت عليه حديقته وزادت ". وأخرج ابن جرير عن عمر أنه قال ~~في بعض المختلعات " اخلعها ولو من قرطها ". وفي لفظ أخرجه عبد الرزاق عنه ~~أنه قال للزوج " خذ ولو عقاصها ". قال البخاري: أجاز عثمان الخلع دون ~~عقاصها. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها. وقد ورد في ذم المختلعات ~~أحاديث منها عن ثوبان عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن ~~جرير والحاكم وصححه والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة وقال: ~~PageV01P240 # المختلعات هن المنافقات ms0404 ". ومنها عن ابن عباس عند ابن ماجة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه ~~فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد مسيرة أربعين عاما ". ومنها عن أبي هريرة ~~عند أحمد والنسائي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " المختلعات ~~والمنتزعات هن المنافقات " ومنها عن عقبة عند ابن جرير مرفوعا مثل حديث أبي ~~هريرة. # وقد اختلف أهل العلم في عدة المختلعة، والراجح أنها تعتد بحيضة لما أخرجه ~~أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس " أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة " ولما أخرجه ~~الترمذي عن الربيع بنت معوذ بن عفراء " أنها اختلعت على عهد رسول الله، ~~فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تعتد بحيضة، أو أمرت أن تعتد ~~بحيضة ". قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. وأخرج النسائي وابن ~~ماجة عنها أنها قالت: اختلعت من زوجي، فجئت عثمان فسألته ماذا على من ~~العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة، ~~قالت: إنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مريم ~~المغالية، وكانت تحب ثابت بن قيس فاختلعت منه. وأخرج النسائي عن الربيع بنت ~~معوذ " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس أن تتربص ~~حيضة واحدة فتلحق بأهلها " ولم يرد ما يعارض هذا من المرفوع، بل ورد عن ~~جماعة من الصحابة والتابعين أن عدة المختلعة كعدة الطلاق، وبه قال الجمهور. ~~قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، واستدلوا على ذلك ~~بأن المختلعة من جملة المطلقات، فهي داخلة تحت عموم القرآن. والحق ما ~~ذكرناه، لأن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصص عموم القرآن. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ~~(فإن طلقها فلا تحل له) يقول: فإن طلقها ms0405 ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره. وأخرج ابن المنذر عن علي نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. ~~وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت ~~طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى ~~تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". وقد روى نحو هذا عنها من طرق. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن عمر ~~مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي عن أنس مرفوعا نحوه أيضا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي هريرة مرفوعا نحوه، ولم يسم هؤلاء ~~الثلاثة الصحابة صاحبة القصة. وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عباس " أن ~~العميصاء أو الرميصاء أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم " وفي آخره " فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليس ذلك لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره ". ~~وقد ثبت لعن المحلل في أحاديث منها عن ابن مسعود عند أحمد والترمذي وصححه ~~والنسائي والبيهقي في سننه قال " لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المحلل ~~والمحلل له " ومنها عن علي عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي ~~مرفوعا مثل حديث ابن مسعود، ومنها عن جابر مرفوعا عند الترمذي مثله، ومنها ~~عن ابن عباس مرفوعا عند ابن ماجة مثله، ومنها عن عقبة بن عامر عند ابن ماجة ~~والحاكم وصححه والبيهقي مرفوعا مثله، ومنها عن أبي هريرة مرفوعا عند أحد ~~وابن أبي شيبة والبيهقي مثله. وفي الباب أحاديث في ذم التحليل وفاعله. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر PageV01P241 # وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (فإن طلقها فلا جناح عليهما ~~أن يتراجعا) يقول: إذا تزوجت بعد الأول فدخل بها الآخر فلا حرج على ms0406 الأول ~~أن يتزوجها إذا طلقها الآخر أو مات عنها فقد حلت له. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مقاتل في قوله (أن يقيما حدود الله) قال: أمر الله وطاعته. # البلوغ إلى الشئ: معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى ~~المقاربة إلا مجازا لعلاقة مع قرينة كما هنا، فإنه لا يصح إرادة المعنى ~~الحقيقي، لأن المرأة إذا قد بلغت آخر جزء من مدة العدة وجاوزته إلى الجزء ~~الذي هو الأجل للانقضاء فقد خرجت من العدة، ولم يبق للزوج عليها سبيل. قال ~~القرطبي في تفسيره: إن معنى (بلغن) هنا قاربن بإجماع العلماء. قال: ولأن ~~المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لاخيار له في الإمساك والإمساك ~~بمعروف: هو القيام بحقوق الزوجية: أي إذا طلقتم النساء فقاربن آخر العدة ~~فلا تضاروهن بالمراجعة من غير قصد لاستمرار الزوجية واستدامتها، بل اختاروا ~~أحد أمرين: إما الإمساك بمعروف من غير قصد لضرار أو التسريح بإحسان: أي ~~تركها حتى تنقضي عدتها من غير مراجعة ضرار، ولا تمسكوهن ضرارا كما كانت ~~تفعل الجاهلية من طلاق المرأة حتى يقرب انقضاء عدتها، ثم مراجعتها لا عن ~~حاجة ولا لمحبة، ولكن لقصد تطويل العدة وتوسيع مدة الانتظار (ضرارا) لقصد ~~الاعتداء منكم عليهن والظلم لهن (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) لأنه عرضها ~~لعقاب الله وسخطه. قال الزجاج: يعني عرض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى ~~الله عنه تعرض لعذاب الله (ولا تتخذوا آيات الله هزؤا) أي لا تأخذوا أحكام ~~الله على طريقة الهزؤ، فإنها جد كلها، فمن هزل فيها فقد لزمته - نهاهم ~~سبحانه أن يفعلوا كما كانت الجاهلية تفعل، فإنه كان يطلق الرجل منهم أو ~~يعتق أو يتزوج ويقول كنت لاعبا. قال القرطبي ولا خلاف بين العلماء أن من ~~طلق هازلا أن الطلاق يلزمه. قوله (واذكروا نعمت الله عليكم) أي النعمة التي ~~صرتم فيها بالإسلام وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء، وظلمات بعضها فوق ~~بعض والكتاب: هو القرآن. والحكمة قال المفسرون: هي السنة التي سنها لهم ~~رسول الله صلى ms0407 الله عليه وآله وسلم (يعظكم به) أي يخوفكم بما أنزل عليكم، ~~أفرد الكتاب والحكمة بالذكر مع دخولهما في النعمة دخولا أوليا، تنبيها على ~~خطرهما وعظم شأنهما. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته ~~ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها، فيفعل بها ذلك يضارها ويعطلها، ~~فأنزل الله (وإذا طلقتم النساء) الآية. وأخرج نحوه مالك وابن جرير وابن ~~المنذر عن ثور بن يزيد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن الحسن في ~~قوله (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) قال: هو الرجل يطلق امرأته فإذا أرادت أن ~~تنقضي عدتها أشهد على رجعتها، يريد أن يطول عليها. وأخرج ابن ماجة وابن ~~جرير والبيهقي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~PageV01P242 # وسلم " ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقول: قد طلقتك، قد راجعتك، قد ~~طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها ". ~~وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال: # كان الرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول للرجل: زوجتك ~~ابنتي، ثم يقول كنت لاعبا، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبا، فأنزل الله ~~سبحانه (ولا تتخذوا آيات الله هزؤا) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " ثلاث من قالهن لاعبا أو غير لاعب فهن جائزات عليه: الطلاق، والنكاح، ~~والعتاق ". # وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت ~~ويعتق ثم يقول لعبت فأنزل الله (ولا تتخذوا آيات الله هزؤا) فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من طلق أو أعتق فقال لعبت فليس قوله بشئ يقع ~~عليه فيلزمه ". وأخرج ابن مردويه أيضا عن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو ~~يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله (ولا تتخذوا آيات الله هزؤا) فألزمه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم الطلاق. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن الحسن مرفوعا نحو حديث ms0408 عبادة. وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه ~~وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ". # الخطاب في هذه الآية بقوله (وإذا طلقتم) وبقوله (فلا تعضلوهن) إما أن ~~يكون للأزواج، ويكون معنى العضل منهم أن يمنعوهن من أن يتزوجن من أردن من ~~الأزواج بعد انقضاء عدتهن لحمية الجاهلية، كما يقع كثيرا من الخلفاء ~~والسلاطين غيرة على من كن تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم، لأنهم لما ~~نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النخوة والكبرياء يتخيلون أنهم قد ~~خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمه الله منهم بالورع والتواضع، وإما أن يكون ~~الخطاب للأولياء، ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنهم سبب له لكونهم ~~المزوجين للنساء المطلقات من الأزواج المطلقين لهن. وبلوغ الأجل المذكور ~~هنا المراد به المعنى الحقيقي: أي نهايته لا كما سبق في الآية الأولى. ~~والعضل: الحبس. وحكى الخليل دجاجة معضلة قد احتبس بيضها، وقيل العضل: ~~التضييق والمنع، وهو راجع إلى معنى الحبس، يقال أردت أمرا فعضلتني عنه: أي ~~منعتني وضيقت علي، وأعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل. وقال الأزهري: ~~أصل العضل من قولهم عضلت الناقة: # إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة: نشب بيضها، وكل مشكل عند ~~العرب معضل، ومنه قول الشافعي رحمه الله: # إذا المعضلات تصدين لي * كشفت خفاء لها بالنظر ويقال أعضل الأمر: إذا ~~اشتد، وداء عضال: أي شديد عسير البرء أعيا الأطباء، وعضل فلان آيمه: # أي منعها يعضلها بالضم والكسر لغتان. قوله (أن ينكحن) أي من أن ينكحن ~~فمحله الجر عند الخليل، والنصب PageV01P243 # عند سيبويه والفراء، وقيل هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في قوله (فلا ~~تعضلوهن). وقوله (أزواجهن) إن أريد به المطلقون لهن فهو مجاز باعتبار ما ~~كان، وإن أريد به من يردن أن يتزوجنه فهو مجاز باعتبار ما سيكون. وقوله ~~(ذلك) إشارة إلى ما فصل من الأحكام، وإنما أفرد مع كون المذكور قبله جمعا ms0409 ~~حملا على معنى الجمع بتأويله بالفريق ونحوه. وقوله (ذلكم) محمول على لفظ ~~الجمع، خالف سبحانه ما بين الإشارتين افتنانا. وقوله (أزكى) أي أنمى وأنفع ~~(وأظهر) من الأدناس (والله يعلم) ما لكم فيه الصلاح (وأنتم لا تعلمون) ذلك. # وقد أخرج البخاري وأهل السنن وغيرهم عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت ~~فأتاني ابن عم فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم ~~يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يا ~~لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدا، ~~وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجته ~~إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله (وإذا طلقتم النساء) الآية، قال: ففي ~~نزلت هذه الآية، فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه: وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين ~~فتنقضي عدتها ثم يبدو له تزويجها وأن يراجعها وتريد المرأة ذلك، فمنعها ~~وليها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي ~~قال: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري، كانت له ابنة عم فطلقها ~~زوجها تطليقة وانقضت عدتها، فأراد مراجعتها فأبى جابر، فقال: طلقت بنت عمنا ~~ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها، فأنزل الله (وإذا ~~طلقتم النساء). وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل (إذا تراضوا بينهم بالمعروف) ~~يعني بمهر وبينة ونكاح مؤتنف. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنكحوا الأيامى، ~~فقال رجل: يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال: ما تراضي عليه أهلهن ". ~~وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) قال: الله ~~يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلم أنت أيها الولي. # لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق، ذكر الرضاع، لأن الزوجين قد يفترقان ~~وبينهما ولد، ms0410 ولهذا قيل إن هذا خاص بالمطلقات، وقيل هو عام. وقوله (يرضعن) ~~قيل هو خبر في معنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه، وقيل هو خبر على بابه ~~ليس هو في معنى الأمر على حسب ما سلف في قوله - يتربصن - وقوله (كاملين) ~~تأكيد PageV01P244 # للدلالة على أن هذا التقدير تحقيقي لا تقريبي. وقوله (لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة) أي ذلك لمن أراد أن يتم الرضاعة، وفيه دليل على أن إرضاع الحولين ~~ليس حتما، بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه. وقرأ مجاهد وابن ~~محيصن " لمن أراد أن تتم " بفتح التاء ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها. ~~وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود ابن أبي سبرة بكسر الراء من الرضاعة ~~وهي لغة. وروى عن مجاهد أنه قرأ الرضعة، وقرأ ابن عباس " لمن أراد أن يكمل ~~الرضاعة ". قال النحاس: لا يعرف البصريون الرضاعة إلا بفتح الراء. وحكى ~~الكوفيون جواز الكسر. والآية تدل على وجوب الرضاع على الأم لولدها، وقد حمل ~~ذلك على ما إذا لم يقبل الرضيع غيرها. قوله (وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن) أي على الأب الذي يولد له، وآثر هذا اللفظ دون قوله: وعلى الوالد ~~للدلالة على أن الأولاد للآباء لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم دونهن كأنهن ~~إنما ولدن لهم فقط، ذكر معناه في الكشاف، والمراد بالرزق هنا: الطعام ~~الكافي المتعارف به بين الناس، والمراد بالكسوة: ما يتعارفون به أيضا، وفي ~~ذلك دليل على وجوب ذلك على الآباء للأمهات المرضعات. وهذا في المطلقات، ~~وأما غير المطلقات فنفقتهن وكسوتهن واجبة على الأزواج من غير إرضاعهن ~~لأولادهن. وقوله (لا تكلف نفس إلا وسعها) هو تقييد لقوله (بالمعروف) أي هذه ~~النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما ~~يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه، وقيل المراد لا تكلف ~~المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف، بل يراعى ~~القصد. قوله (لا تضار) قرأ أبو عمرو وابن كثير وجماعة ورواه أبان عن ms0411 عاصم ~~بالرفع على الخبر، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في المشهور ~~عنه " تضار " بفتح الراء المشددة على النهي، وأصله لا تضارر أو لا تضارر ~~على البناء للفاعل أو المفعول: أي لا تضارر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ~~ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة، أو بأن تفرط في حفظ الولد والقيام بما ~~يحتاج إليه، أو لا تضارر من زوجها بأن يقصر عليها في شئ مما يجب عليه أو ~~ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين، وقرأ عمر ابن ~~الخطاب " لا تضارر " على الأصل بفتح الراء الأولى، وقرأ أبو جعفر بن ~~القعقاع " لا تضار " بإسكان الراء وتخفيفها، وروى عنه الاسكان والتشديد، ~~وقرأ الحسن وابن عباس " لا تضارر " بكسر الراء الأولى، ويجوز أن تكون الباء ~~في قوله بولده صلة لقوله تضار على أنه بمعنى تضر: أي لا تضر والدة بولدها ~~فتسئ تربيته أو تقصر في غذائه، وأضيف الولد تارة إلى الأب وتارة إلى الأم، ~~لأن كل واحد منهما يستحق أن ينسب إليه مع ما في ذلك من الاستعطاف، وهذه ~~الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقرير لها: أي لا يكلف كل واحد منهما ~~الآخر ما لا يطيقه فلا تضاره بسبب ولده. قوله (وعلى الوارث) هو معطوف على ~~قوله (وعلى المولود له) وما بينهما تفسير للمعروف، أو تعليل له معترض بين ~~المعطوف والمعطوف عليه. واختلف أهل العلم في معنى قوله (وعلى الوارث مثل ~~ذلك) فقيل هو وارث الصبي: أي إذا مات المولود له كان على وارث هذا الصبي ~~المولود إرضاعه كما كان يلزم أباه ذلك، قاله عمر بن الخطاب وقتادة والسدي ~~والحسن ومجاهد وعطاء وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وابن أبي ليلى على خلاف ~~بينهم، هل يكون الوجوب على من يأخذ نصيبا من الميراث، أو على الذكور فقط، ~~أو على كل ذي رحم له وإن لم يكن وارثا منه، وقيل المراد بالوارث وارث الأب ~~تجب عليه نفقه المرضعة وكسوتها بالمعروف، قاله الضحاك. وقال مالك في تفسير ~~هذه الآية بمثل ms0412 ما قاله الضحاك، ولكنه قال: إنها منسوخة، وإنها لا تلزم ~~الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه، وشرطه الضحاك بأن لا يكون ~~للصبي مال، فإن كان له مال أخذت أجرة رضاعه من ماله. وقيل المراد بالوارث ~~المذكور في الآية هو الصبي نفسه: أي عليه من ماله PageV01P245 # إرضاع نفسه إذا مات أبوه وورث من ماله، قاله قبيصة بن ذؤيب وبشير بن نصر ~~قاضي عمر بن عبد العزيز: # وروى عن الشافعي، وقيل هو الباقي من والدي المولود بعد موت الآخر منهما، ~~فإذا مات الأب كان على الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال، قاله سفيان ~~الثوري، وقيل إن معنى قوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك) أي وارث المرضعة ~~يجب عليه أن يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع والخدمة ~~والتربية. وقيل إن معنى قوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك) أنه يحرم عليه ~~الإضرار بالأم كما يحرم على الأب، وبه قالت طائفة من أهل العلم، قالوا: ~~وهذا هو الأصل، فمن ادعى أنه يرجع فيه العطف إلى جميع ما تقدم فعليه ~~الدليل. قال القرطبي: # وهو الصحيح، إذ لو أراد الجميع الذي هو الرضاع والإنفاق وعدم الضرر يقال: ~~وعلى الوارث مثل هؤلاء، فدل على أنه معطوف على المنع من المضارة، وعلى ذلك ~~تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب. # قال ابن عطية وقال مالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك وجماعة من ~~العلماء: المراد بقوله مثل ذلك أن لا تضار. وأما الرزق والكسوة فلا يجب شئ ~~منه. وحكى ابن القاسم عن مالك مثل ما قدمنا عنه في تفسير هذه الآية ودعوى ~~النسخ. ولا يخفى عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه الطائفة، فإن ما خصصوا به معنى ~~قوله (وعلى الوارث مثل ذلك) من ذلك المعنى: أي عدم الإضرار بالمرضعة قد ~~أفاده قوله (لا تضار والدة بولدها) لصدق ذلك على كل مضارة ترد عليها من ~~المولود له أو غيره. وأما قول القرطبي: لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء، فلا ~~يخفى ما ms0413 فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد ~~بتأويل المذكور أو نحوه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن المراد ~~بالوارث وارث الصبي، فيقال عليه إن لم يكن وارثا حقيقة مع وجود الصبي حيا، ~~بل هو وارث مجازا باعتبار ما يئول إليه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الثاني ~~فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه الحقيقي، لكن في إيجاب النفقة عليه ~~مع غنى الصبي ما فيه، ولهذا قيده القائل به بأن يكون الصبي فقيرا، ووجه ~~الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدم من ذكر الوالدات والمولود له والولد، ~~فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. قوله (فإن أرادا فصالا) الضمير ~~للوالدين. والفصال: الفطام عن الرضاع: أي التفريق بين الصبي والثدي، ومنه ~~سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه. وقوله (عن تراض منهما) أي صادرا عن تراض من ~~الأبوين إذا كان الفصال قبل الحولين (فلا جناح عليهما) في ذلك الفصال. ~~سبحانه لما بين أن مدة الرضاع حولين كاملين قيد ذلك بقوله (لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة) وظاهره أن الأب وحده إذا أراد أن يفصل الصبي قبل الحولين كان ذلك ~~جائزا له، وهنا اعتبر سبحانه تراضى الأبوين وتشاورهما فلا بد من الجمع بين ~~الأمرين بأن يقال إن الإرادة المذكورة في قوله (لمن أراد أن يتم الرضاعة) ~~لابد أن تكون منهما، أو يقال: إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبي ~~حيين بأن كان الموجود أحدها، أو كانت المرضعة للصبي ظئرا غير أمه. ~~والتشاور: # استخراج الرأي يقال شرت العسل: استخرجته، وشرت الدابة: أجريتها لاستخراج ~~جريها، فلا بد لأحد الأبوين إذا أراد فصال الرضيع أن يراضي الآخر ويشاوره ~~حتى يحصل الاتفاق بينهما على ذلك. قوله (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) ~~قال الزجاج: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة. وعن سيبويه أنه حذف ~~اللام لأنه يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول محذوف، والمعنى: أن تسترضعوا ~~المراضع أولادكم (إذا سلمتم ما آتيتم) بالمد أي أعطيتم، وهي قراءة الجماعة ~~إلا ابن كثير، ms0414 فإنه قرأ بالقصر: أي فعلتم، ومنه قول زهير: # وما كان من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل PageV01P246 # والمعنى أنه لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتهم إذا سلمتم إلى ~~الأمهات أجرهن بحساب ما قد أرضعن لكم إلى وقت إرادة الاسترضاع، قاله سفيان ~~الثوري ومجاهد. وقال قتادة والزهري: إن معنى الآية: # إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي ~~وكان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر، وعلى هذا فيكون ~~قوله (سلمتم) عاما للرجال والنساء تغليبا وعلى القول الأول الخطاب للرجال ~~فقط، وقيل المعنى: إذا سلمتم لمن أردتم استرضاعها أجرها، فيكون المعنى إذا ~~سلمتم ما أردتم إيتاءه: أي إعطاءه إلى المرضعات بالمعروف: أي بما يتعارفه ~~الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن أو حط بعض ما هو لهن من ذلك، فإن ~~عدم توفير أجرهن يبعثهن على التساهل بأمر الصبي والتفريط في شأنه. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله (والوالدات يرضعن ~~أولادهن) قال: المطلقات (حولين) قال: سنتين (لا تضار والدة بولدها) يقول: ~~لا تأتي أن ترضعه ضرارا لتشق على أبيه (ولا مولود له بولده) يقول: ولا يضار ~~الوالد بولده فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك (وعلى الوارث) قال: يعني ~~الولي من كان (مثل ذلك) قال: النفقة بالمعروف وكفالته ورضاعه إن لم يكن ~~للمولود مال، وأن لا تضار أمه (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور) قال: # غير مسيئين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما فلا جناح عليهما (وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم) قال: خيفة الضيعة على الصبي (فلا جناح عليكم إذا سلمتم ~~ما آتيتم بالمعروف) قال: حساب ما أرضع به الصبي. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية أنه قال: المراد بقوله (والوالدات يرضعن ~~أولادهن) هي في الرجل يطلق امرأته وله منها ولد. وقال في قوله ms0415 (إذا سلمتم ~~ما آتيتم) قال: ما أعطيتم الظئر من فضل على أجرها: # وأخرج أبو داود في ناسخه عن زيد بن أسلم في قوله (والوالدات يرضعن ~~أولادهن) قال: إنها المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في التي تضع ~~لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين، وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة ~~وعشرين شهرا لتمام ثلاثين شهرا، وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين ~~شهرا، ثم تلا - وحمله وفصاله ثلاثون شهرا - وأخرج ابن جرير عن الضحاك في ~~قوله (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) قال: على قدر الميسرة وأخرج ~~أبو داود في ناسخة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله (لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده) ليس لها أن تلقي ولدها عليه ولا يجد من يرضعه، ~~وليس له أن يضارها فينتزع منها ولدها وهي تحب أن ترضعه (وعلى الوارث) قال: ~~هو ولي الميت. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء وإبراهيم والشعبي في قوله (وعلى ~~الوارث) قال: هو وارث الصبي ينفق عليه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ~~قتادة نحوه، وزاد: إذا كان المولود لا مال له مثل الذي على والده من أجر ~~الرضاع. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحوه. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد ~~عن ابن سيرين نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب في قوله (وعلى ~~الوارث مثل ذلك) قال: هو الصبي. وأخرج وكيع عن عبد الله بن مغفل نحوه. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (وعلى الوارث ~~مثل ذلك) قال: لا يضار. وأخرج ابن جرير عن الضحاك (فإن أرادا فصالا) قال: ~~الفطام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. قال: التشاور ~~فيما دون الحولين ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ~~ترضى. وأخرجوا أيضا عن عطاء في قوله تعالى (وإن PageV01P247 # أردتم أن ms0416 تسترضعوا أولادكم) قال: أمه أو غيرها (فلا جناح عليكم إذا ~~سلمتم) قال: إذا سلمت لها أجرها (ما آتيتم) ما أعطيتم. # لما ذكر سبحانه عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع عقب ذلك بذكر عدة ~~الوفاة، لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق. قال الزجاج: ومعنى الآية ~~والرجال الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا: أي ولهم زوجات فالزوجات يتربصن. ~~وقال أبو علي الفارسي: تقديره والذي يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بعدهم، وهو كقولك السمن منوان بدرهم: أي منه. وحكى المهدوي عن سيبويه أن ~~المعنى: وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون، وقيل التقدير: وأزواج الذين يتوفون ~~منكم يتربصن، ذكره صاحب الكشاف، وفيه أن قوله (ويذرون أزواجا) لا يلائم ذلك ~~التقدير، لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة. وقال بعض النحاة من ~~الكوفيين: إن الخبر عن الذين متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن ~~يتربصن. ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر ~~يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر، والأنثى لأربعة، فزاد الله سبحانه على ذلك ~~عشرا، لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلا ولا تتأخر عن هذا ~~الأجل. وظاهر هذه الآية العموم، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه ~~العدة، ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى - وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن - وإلى هذا ذهب الجمهور. وروى عن بعض الصحابة وجماعة من أهل العلم أن ~~الحامل تعتد بآخر الأجلين جمعا بين العام والخاص وإعمالا لهما، والحق ما ~~قاله الجمهور. والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين ~~اللغة ولا قواعد الشرع، ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بيان ~~أن حكمه مغاير لحكم العام ومخالف له. وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع والتربص الثاني والتصبر عن ~~النكاح. وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة والحرة والأمة وذات ~~الحيض والآيسة، وأن عدتهن جميعا للوفاة أربعة أشهر وعشر، وقيل إن عدة الأمة ~~نصف عدة الحرة شهران وخمسة ms0417 أيام. قال ابن العربي إجماعا إلا ما يحكى عن ~~الأصم فإنه سوى بين الحرة والأمة وقال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ~~ما يروي عن ابن سيرين أنه قال عدتها عدة الحرة، وليس بالثابت عنه، ووجه ما ~~ذهب إليه الأصم وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم، ووجه ما ذهب إليه من ~~عداهما قياس عدة الوفاة على الحد فإنه ينصف للأمة بقوله سبحانه - فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب -. وقد تقدم حديث " طلاق الأمة تطليقتان ~~وعدتها حيضتان " وهو صالح للاحتجاج به، وليس المراد منه إلا جعل طلاقها على ~~النصف من طلاق الحرة، وعدتها على النصف من عدتها، ولكنه لما لم يمكن أن ~~يقال طلاقها تطليقة ونصف وعدتها حيضة ونصف لكون ذلك لا يعقل كانت عدتها ~~وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبرا للكسر، ولكن ها هنا أمر يمنع من ~~هذا القياس الذي عمل به الجمهور، وهو أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة ~~أشهر PageV01P248 # وعشرا هو ما قدمنا من معرفة خلوها من الحمل، ولا يعرف إلا بتلك المدة، ~~ولا فرق بين الحرة والأمة في مثل ذلك، بخلاف كون عدتها في غير الوفاة ~~حيضتين، فإن ذلك يعرف به خلو الرحم، ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي في عدة أم ~~الولد. واختلف أهل العلم في عدة أم الولد لموت سيدها. فقال سعيد بن المسيب ~~ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز ~~والأوزاعي وإسحاق وابن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه: أنها تعتد ~~بأربعة أشهر وعشر لحديث عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم " عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر ~~". أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه، وضعفه أحمد وأبو عبيد. ~~وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف. وقال طاوس وقتادة: عدتها شهران وخمس ~~ليال. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح: تعتد بثلاث حيض، وهو ~~قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي. وقال ms0418 مالك والشافعي وأحمد في ~~المشهور عنه: عدتها حيضة وغير الحائض شهر، وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول ~~والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور. قوله (فإذا بلغن أجلهن) المراد ~~بالبلوغ هنا: انقضاء العدة (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن) من التزين ~~والتعرض للخطاب (بالمعروف) الذي لا يخالف شرعا ولا عادة مستحسنة. وقد استدل ~~بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة عدة الوفاة. وقد ثبت ذلك في الصحيحين ~~وغيرهما من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا " وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين وغيرهما النهي ~~عن الكحل لمن هي في عدة الوفاة، والإحداد: ترك الزينة من الطيب، ولبس ~~الثياب الجيدة والحلي وغير ذلك، ولا خلاف في وجوب ذلك في عدة الوفاة، ولا ~~خلاف في عدم وجوبه في عدة الرجعية، واختلفوا في عدة البائنة على قولين، ~~ومحل ذلك كتب الفروع. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ~~(والذين يتوفون منكم) قال: # كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله. ثم ~~أنزل الله (والذين يتوفون منكم الآية) فهذه عدة المتوفى عنها إلا أن تكون ~~حاملا، فعدتها أن تضع ما في بطنها. وقال في ميراثها - ولهن الربع مما تركتم ~~- فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم) ~~يقول: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها ~~أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف. وأخرج عبد ابن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر عن أبي العالية قال: ضمت هذه الأيام العشر إلى الأربعة ~~أشهر، لأن في العشر ينفخ فيه الروح. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ~~(فإذا بلغن أجلهن) يقول إذا انقضت عدتها، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ~~في قوله (فلا جناح عليكم) يعني ms0419 أولياءها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أنه كره للمتوفى ~~عنها زوجها الطب والزينة وأخرج مالك وعبد الرزاق وأهل السنن وصححه الترمذي ~~والحاكم عن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أنها جاءت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسأل أن ترجع إلى أهلها في بني ~~خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد لها أبقوا حتى إذا تطرف القدوم لحقهم ~~فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أرجع إلى أهلي ~~فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم نعم، فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد فدعاني أو أمر ~~بي فدعيت، فقال: كيف قلت؟ قالت: PageV01P249 # فرددت إليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: امكثي في بيتك حتى ~~يبلغ الكتاب أجله. قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان ~~عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتبعه وقضى به. # الجناح: الإثم، أي لا إثم عليكم، والتعريض ضد التصريح، وهو من عرض الشئ: ~~أي جانبه كأنه يحوم به حول الشئ ولا يظهره، وقيل هو من قولك: عرضت الرجل: ~~أي أهديت له. ومنه أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا: أي أهدوا لهما، فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه ~~كلاما يفهم معناه. وقال في الكشاف: الفرق بين الكناية والتعريض، أن الكناية ~~أن يذكر الشئ بغير لفظه الموضوع له. والتعريض أن يذكر شيئا يدل به على شئ ~~لم يذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى ~~وجهك الكريم، ولذلك قالوا * وحسبك بالتسليم مني تقاضيا * وكأنه إمالة ~~الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده ~~انتهى. والخطبة بالكسر: ما يفعله الطالب من الطلب، والاستلطاف بالقول ~~والفعل، يقال: خطبها يخطبها خطبة وخطبا. وأما الخطبة ms0420 بضم الخاء فهي الكلام ~~الذي يقوم به الرجل خاطبا. وقوله (أكننتم) معناه سترتم وأضمرتم من التزويج ~~بعد انقضاء العدة. # والإكنان: التستر والإخفاء: يقال أكننته وكننته بمعنى واحد. ومنه بيض ~~مكنون، ودر مكنون. ومنه أيضا أكن البيت صاحبه: أي ستره. وقوله (علم الله ~~أنكم ستذكرونهن) أي علم الله أنكم لا تصبرون عن النطق لهن برغبتكم فيهن، ~~فرخص لكم في التعريض دون التصريح. وقال في الكشاف: إن فيه طرفا من التوبيخ ~~كقوله - علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم -. وقوله (ولكن لا تواعدوهن ~~سرا) معناه: على سر، فحذف الحرف لأن الفعل لا يتعدى إلى المفعولين. وقد ~~اختلف العلماء في معنى السر فقيل: معناه نكاحا: أي لا يقل الرجل لهذه ~~المعتدة تزوجيني بل يعرض تعريضا. وقد ذهب إلى أن معنى الآية هذا جمهور ~~العلماء، وقيل السر: الزنا، أي لا يكن منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم ~~التزويج بعدها. قاله جابر بن زيد وأبو مجلز والحسن وقتادة والضحاك والنخعي ~~واختاره ابن جرير الطبري، ومنه قول الحطيئة: # ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم أنف القصاع وقيل السر: الجماع، أي ~~لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح، وإلى هذا ذهب ~~الشافعي في معنى الآية، ومنه قول امرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي ومثله قول ~~الأعشى: # فلن تطلبوا سرها للغنى * ولن تسلموها لأزهادها PageV01P250 # أراد: تطلبون نكاحها لكثرة مالها، ولن تسلموها لقلة مالها، والاستدراك ~~بقوله (لكن) من مقدر محذوف دل عليه (ستذكرونهن) أي فاذكروهن (ولكن تواعدوهن ~~سرا) قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ~~ذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وقال أيضا: أجمعت الأمة على كراهة ~~المواعدة في العدة للمرأة في نفسها وللأب في ابنته البكر وللسيد في أمته. ~~قوله (إلا أن تقولوا قولا معروفا) قيل هو استثناء منقطع بمعنى لكن، والقول ~~المعروف: هو ما أبيح من التعريض. ومنع صاحب الكشاف أن يكون منقطعا وقال: هو ~~مستثنى من قوله (لا ms0421 تواعدوهن) أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة ~~غير منكرة فجعله على هذا استثناء مفرغا، ووجه منع كونه منقطعا أنه يؤدي إلى ~~جعل التعريض موعودا وليس كذلك، لأن التعريض طريق المواعدة، لا أنه الموعود ~~في نفسه. قوله (ولا تعزموا عقدة النكاح) قد تقدم الكلام في معنى العزم، ~~يقال عزم الشئ، وعزم عليه، والمعنى هنا: لا تعزموا على عقدة النكاح ثم حذف ~~على. قال سيبويه: # والحذف في هذه الآية لا يقاس عليه. وقال النحاس: يجوز أن يكون المعنى ولا ~~تعقدوا عقدة النكاح، لأن معنى تعزموا وتعقدوا واحد، وقيل إن العزم على ~~الفعل يتقدمه فيكون في هذا النهي مبالغة، لأنه إذا نهى عن المتقدم على ~~الشئ، كان النهي عن ذلك الشئ بالأولى. قوله (حتى يبلغ الكتاب أجله) يريد ~~حتى تنقضي العدة، والكتاب هنا هو الحد والقدر الذي رسم من المدة، سماه ~~كتابا لكونه محدودا ومفروضا كقوله تعالى - إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا - وهذا الحكم أعني تحريم عقد النكاح في العدة مجمع عليه. # وقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) قال: التعريض أن تقول: إني أريد ~~التزويج، وإني لأحب المرأة من أمرها وأمرها، وإن من شأني النساء، ولوددت أن ~~الله يسر لي امرأة صالحة. وأخرج ابن جرير عنه أنه يقول لها: إن رأيت أن لا ~~تسبقيني بنفسك، ولوددت أن الله قد هيأ بيني وبينك، ونحو هذا من الكلام. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: يقول إني فيك ~~لراغب، ولوددت أني تزوجتك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله ~~(أو أكننتم) قال: أسررتم. # وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير عن الحسن في قوله (علم الله أنكم ستذكرونهن) قال: بالخطيئة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير ms0422 عن مجاهد قال: ذكره إياها في نفسه وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولكن لا تواعدوهن سرا) قال: ~~يقول لها إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري ونحو هذا (إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا) وهو قوله: إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك. وأخرج ابن جرير عنه ~~في السر أنه الزنا، كان الرجل يدخل من أجل الزنا وهو يعرض بالنكاح وأخرج ~~عبد الرزاق وابن المنذر عنه في قوله (إلا أن تقولوا قولا معروفا) قال: يقول ~~إنك لجميلة، وإنك إلي خير، وإن النساء من حاجتي. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (ولا تعزموا عقدة النكاح) قال: # لا تنكحوا (حتى يبلغ الكتاب أجله) قال: حتى تنقضي العدة. PageV01P251 # المراد بالجناح هنا التبعة من المهر ونحوه، فرفعه رفع لذلك: أي لا تبعة ~~عليكم بالمهر ونحوه إن طلقتم النساء على الصفة المذكورة، و " ما " في قوله ~~(ما لم تمسوهن) هي مصدرية ظرفية بتقدير المضاف: أي مدة عدم مسيسكم. # ونقل أبو البقاء أنها شرطية من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون الثاني ~~قيدا للأول كما في قولك: إن تأتني إن تحسن إلي أكرمك: أي إن تأتني محسنا ~~إلي، والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسين لهن. وقيل إنها موصولة: أي إن طلقتم ~~النساء اللاتي لم تمسوهن، وهكذا اختلفوا في قوله (أو تفرضوا) فقيل أو بمعنى ~~إلا: أي إلا أن تفرضوا، وقيل بمعنى حتى: أي حتى تفرضوا، وقيل بمعنى الواو: ~~أي وتفرضوا. ولست أرى لهذا التطويل وجها، ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس، ~~فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين: أي مدة ~~انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معا، فإن ~~وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم ~~المسيس، وكل واحد منها جناح: أي المسمى أو نصفه أو مهر المثل. واعلم أن ~~المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدم ذكرها ms0423 قبل هذه ~~الآية، وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئا، وأن عدتهن ثلاثة ~~قروء. ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا فلا مهر لها، ~~بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة ~~عليها. # ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها، وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا (وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة)، ومطلقة مدخول بها غير ~~مفروض لها، وهي المذكورة في قوله تعالى " فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن " والمراد بقوله (ما لم تمسوهن) ما لم تجامعوهن، وقرأ ابن مسعود " ~~من قبل أن تجامعوهن " أخرجه عنه ابن جرير، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر وعاصم " ما لم تمسوهن " وقرأه حمزة والكسائي " تماسوهن " من ~~المفاعلة، والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر. قوله (ومتعوهن) أي أعطوهن ~~شيئا يكون متاعا عن، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال: علي وابن عمر والحسن ~~البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك ومن أدلة الوجوب ~~قوله تعالى - يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا - ~~وقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح وغيرهم: إن المتعة للمطلقة المذكورة ~~مندوبة لا واجبة لقوله تعالى (حقا على المحسنين) ولو كانت واجبة لأطلقها ~~على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له كما ~~في قوله في الآية الأخرى (حقا على المتقين) أي أن الوفاء بذلك والقيام به ~~شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه، وقد وقع الخلاف ~~أيضا هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم ليست بمشروعة ~~إلا لها فقط؟ # فقيل إنها مشروعة لكل مطلقة، وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن ~~زيد وسعيد بن جبير وأبو العالية والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد ~~وإسحاق، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء والفرض أم ms0424 ~~مندوبة فقط، واستدلوا بقوله تعالى - وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين - وبقوله PageV01P252 # تعالى - يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا - والآية الأولى عامة لكل مطلقة، ~~والثانية في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد كن مفروضا لهن مدخولا ~~بهن. وقال سعيد بن المسيب: إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت ~~مفروضا لها لقوله تعالى - يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن - قال: ~~هذه الآية التي في الأحزاب نسخت التي في البقرة. وذهب جماعة من أهل العلم ~~إلى أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء والتسمية، لأن المدخول بها تستحق ~~جميع المسمى أو مهر المثل، وغير المدخولة التي قد فرض لها زوجها فريضة: أي ~~سمى لها مهرا وطلقها قبل الدخول تستحق نصف المسمى، ومن القائلين بهذا ابن ~~عمر ومجاهد. وقد وقع الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول والفرض لا تستحق ~~إلا المتعة إذا كانت حرة. وأما إذا كانت أمة فذهب الجمهور إلى أن لها ~~المتعة، وقال الأوزاعي والثوري: لا متعة لها لأنها تكون لسيدها، وهو لا ~~يستحق مالا في مقابل تأذى مملوكته، لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة ~~للمطلقة قبل الدخول والفرض، لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك. # وقد اختلفوا في المتعة المشروعة هل هي مقدرة بقدر أم لا؟ فقال مالك ~~والشافعي في الجديد: لا حد لها معروف بل ما يقع عليه اسم المتعة. وقال أبو ~~حنيفة: إنه إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر مثلها، ولا ~~ينقص من خمسة دراهم، لأن أقل المهر عشرة دراهم. وللسلف فيها أقوال سيأتي ~~ذكرها إن شاء الله. وقوله (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) يدل على أن ~~الاعتبار في ذلك بحال الزوج، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير. # وقرأ الجمهور على الموسع بسكون الواو وكسر السين، وهو الذي اتسعت حاله. ~~وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وتشديد السين ms0425 وفتحها. وقرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو وعاصم في رواية أبي بكر قدره بسكون الدال فيهما. وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما. قال الأخفش وغيره: هما ~~لغتان فصيحتان، وهكذا يقرأ في قوله تعالى - فسالت أودية بقدرها -. وقوله - ~~وما قدروا الله حق قدره - والمقتر المقل، ومتاعا مصدر مؤكد لقوله (ومتعوهن) ~~والمعروف ما عرف في الشرع والعادة الموافقة له. وقوله (حقا) وصف لقوله ~~(متاعا) أو مصدر لفعل محذوف: أي حق ذلك حقا، يقال: حققت عليه القضاء ~~وأحققت: أي أوجبت. قوله (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) الآية، فيه دليل ~~على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء ~~والفرض التي تستحق المتعة. وقوله (فنصف ما فرضتم) أي فالواجب عليكم نصف ما ~~سميتم لهن من المهر وهذا مجمع عليه. وقرأ الجمهور (فنصف) بالرفع. وقرأ من ~~عدا الجمهور بالنصب: أي فادفعوا نصف ما فرضتم وقرئ أيضا بضم النون وكسرها ~~وهما لغتان. وقد وقع الاتفاق أيضا على أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها ~~ومات وقد فرض لها مهرا تستحقه كاملا بالموت، ولها الميراث وعليها العدة. ~~واختلفوا في الخلوة هل تقوم مقام الدخول وتستحق المرأة بها كمال المهر كما ~~تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك والشافعي في القديم والكوفيون ~~والخلفاء الراشدون وجمهور أهل العلم، وتجب عندهم أيضا العدة. وقال الشافعي ~~في الجديد: لا يجب إلا نصف المهر، وهو ظاهر الآية لما تقدم من أن المسيس هو ~~الجماع ولا تجب عند العدة، وإليه ذهب جماعة من السلف قوله (إلا أن يعفون) ~~أي المطلقات، ومعناه: يتركن ويصفحن، ووزنه يفعلن، وهو استثناء مفرغ من أعم ~~العام، وقيل منقطع، ومعناه: يتركن النصف الذي يجب لهن على الأزواج، ولم ~~تسقط النون مع إن، لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع ~~والنصب والجزم لكون النون ضميرا وليست بعلامة إعراب كما في المذكر في قولك: ~~الرجال يعفون، وهذا عليه جمهور المفسرين. وروى عن محمد بن كعب القرظي ms0426 أنه ~~قال PageV01P253 # (إلا أن يعفون) يعني الرجال وهو ضعيف لفظا. ومعنى قوله (أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح) معطوف على محل قوله " إلا أن يعفون " لأن الأول مبني ~~وهذا معرب، قيل هو الزوج، وبه قال جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح ~~وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع وابن سيرين والضحاك ومحمد بن ~~كعب القرظي وجابر بن زيد وأبو مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ~~ومقاتل بن حيان وهو الجديد من قولي الشافعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ~~والثوري وابن شبرمة والأوزاعي ورجحه ابن جرير. وفي هذا القول قوة وضعف، أما ~~قوته فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج، لأنه هو الذي إليه رفعه ~~بالطلاق، وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد ~~بعفوه أن يعطيها المهر كاملا غير ظاهر. لأن العفو لا يطلق على الزيادة. ~~وقيل المراد بقوله يعفو (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) هو الولي، وبه قال ~~النخعي وعلقمة والحسن وطاوس وعطاء وأبو الزناد وزيد بن أسلم وربيعة والزهري ~~والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في قوله القديم، وفيه قوة ~~وضعف، أما قوته فلكون معنى العفو فيه معقولا، وأما ضعفه فلكون عقدة النكاح ~~بيد الزوج لا بيده ومما يزيد هذا القول ضعفا أنه ليس للولي أن يعفو عن ~~الزوج مما لا يملكه. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن الولي لا يملك شيئا من ~~مالها، والمهر مالها. فالراجح ما قاله الأولون لوجهين: الأول أن الزوج هو ~~الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. الثاني أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن ~~المالك مطلق التصرف بخلاف الولي، وتسمية الزيادة عفوا وإن كان خلاف الظاهر، ~~لكن لما كان الغالب أنهم يسوقون المهر كاملا عند العقد كان العفو معقولا، ~~لأنه تركه لها ولم يسترجع النصف منه، ولا يحتاج في هذا إلى أن يقال إنه من ~~باب المشاكلة كما في الكشاف، لأنه عفو حقيقي: أي ترك لما يستحق المطالبة ~~به، إلا أن يقال إنه ms0427 مشاكلة، أو يطيب في توفية المهر قبل أن يسوقه الزوج. ~~قوله (وأن تعفوا أقرب للتقوى) قيل هو خطاب للرجال والنساء تغليبا، وقرأه ~~الجمهور بالتاء الفوقية، وقرأ أبو نهيك والشعبي بالياء التحتية، فيكون ~~الخطاب مع الرجال، وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده عقدة النكاح ~~هو الزوج، لأن عفو الولي عن شئ لا يملكه ليس هو أقرب إلى التقوى، بل أقرب ~~إلى الظلم والجور. قوله (ولا تنسوا الفضل بينكم) قرأه الجمهور بضم الواو، ~~وقرأ يحيى بن يعمر بكسرها وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة " ولا ~~تناسوا " والمعنى: أن الزوجين لا ينسيان التفضل من كل واحد منهما على ~~الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف ويتفضل الرجل عليها ~~بإكمال المهر، وهو إرشاد للرحال والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي على ~~بعضهم بعضا، والمسامحة فيما يستغرقه أحدهما على الآخر للوصلة التي وقعت ~~سهما من إفضاء البعض إلى البعض، وهي وصلة لا يشبهها وصلة، فمن رعاية حقها ~~ومعرفتها حتى معرفتها الحرص منهما على التسامح. وقوله (إن الله بما تعملون ~~بصير) فيه من ترغيب المحسن وترهيب غيره ما لا يخفى. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله (ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) قال: المس: النكاح، ~~والفريضة: الصداق (متعوهن) قال: هو على الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها ~~صداقا، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره ~~ويسره، فإن كان موسرا متعها بخادم، وإن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب أو ~~نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنه قال: متعة ~~الطلاق: أعلاها الخادم ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. وأخرج عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: أدنى ما يكون من المتعة ثلاثون درهما. وروى ~~القرطبي في تفسيره عن الحسن بن علي أنه PageV01P254 # متع بعشرين ألفا ورقاق من عسل. وعن شريح أنه متع بخمسمائة درهم. ms0428 وأخرج ~~الدارقطني عن الحسن بن علي أنه متع بعشرة آلاف. وأخرج عبد الرزاق عن ابن ~~سيرين أنه كان يمتع بالخادم والنفقة أو بالكسوة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (من قبل أن ~~تمسوهن) قال المس: # الجماع، فلها نصف صداقها، وليس لها أكثر من ذلك إلا أن يعفون. وهي المرأة ~~الثيب والبكر يزوجها غير أبيها فجعل الله العفو لهن إن شئن عفون بتركهن، ~~وإن شئن أخذن نصف الصداق (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وهو أبو الجارية ~~البكر جعل العفو إليه ليس لها معه أمر إذا طلقت ما كانت في حجره. وأخرج ~~الشافعي وسعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال في الرجل يتزوج المرأة ~~فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق، لأن الله يقول ~~(فإن طلقتموهن) الآية. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: لها نصف الصداق وإن ~~جلس بين رجليها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط ~~والبيهقي بسند حسن عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " الذي ~~بيده عقدة النكاح الزوج ". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن علي مثله من قوله. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم والبيهقي عنه قال: هو أبوها وأخوها ومن لا تنكح إلا بإذنه. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (ولا تنسوا الفضل بينكم) قال: في هذا ~~أو غيره وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه ~~والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه البيهقي أن قوما أتوا ابن مسعود فقالوا: ~~إن رجلا تزوج منا امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يجمعها إليه حتى مات فقال: # أرى أن أجعل لها صداقا كصداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها ~~العدة أربعة أشهر وعشر، فسمع بذلك ناس ms0429 من أشجع منهم مغفل بن سنان، فقالوا: ~~نشهد أنك قضيت مثل الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امرأة ~~منا يقال لها يروع بنت واشق. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي ~~عن علي أنه قال في المتوفى عنها زوجها ولم يفرض لها صداقا: لها الميراث ~~وعليها العدة ولا صداق لها. وقال: لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب ~~الله. وأخرج الشافعي والبيهقي عن ابن عباس قال في المرأة التي يموت عنها ~~زوجها وقد فرض لها صداقا: لها الصداق والميراث. وأخرج مالك والشافعي وابن ~~أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب أنه قضى في المرأة يتزوجها الرجل: أنه ~~إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر وعلى ~~قال: إذا أرخى سترا وأغلق بابا فلها الصداق كاملا وعليها العدة. وأخرج سعيد ~~بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء ~~الراشدون أنه من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب الصداق والعدة وأخرج مالك ~~والبيهقي عن زيد بن ثابت نحوه. وأخرج البيهقي عن محمد بن ثوبان أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كشف امرأة فنظر إلى عورتها فقد وجب ~~الصداق. # المحافظة على الشئ: المداومة والمواظبة عليه، والوسطى: تأنيث الأوسط، ~~وأوسط الشئ ووسطه: # خياره: ومنه قوله تعالى - وكذلك جعلناكم أمة وسطا -، ومنه قول بعض العرب: ~~يمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم: PageV01P255 # يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم * وأكرم الناس أما برة وأبا ووسط فلان ~~القوم يسطهم: أي صار في وسطهم: وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر بعد دخولها في ~~عموم الصلوات تشريفا لها. وقرأ أبو جعفر (والصلاة الوسطى) بالنصب على ~~الإغراء، وكذلك قرأ الحلواني، وقرأ قالون عن نافع الوصطى بالصاد لمجاورة ~~الطاء وهما لغتان: كالسراط والصراط. وقد اختلف أهل العلم في تعيينها على ~~ثمانية عشر قولا أوردتها في شرحي للمنتقي، وذكرت ما تمسكت به كل طائفة، ~~وأرجح الأقوال وأصحها ما ذهب إليه الجمهور من ms0430 أنها العصر، لما ثبت عند ~~البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم من حديث على قال: كنا نراها الفجر حتى ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم الأحزاب " شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا ". وأخرج مسلم ~~والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث ابن مسعود مرفوعا مثله. وأخرجه أيضا ابن ~~جرير وابن المنذر والطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا. وأخرجه البزار بإسناد ~~صحيح من حديث جابر مرفوعا وأخرجه أيضا البزار بإسناد صحيح من حديث حذيفة ~~مرفوعا. وأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث أم سلمة مرفوعا. وورد في ~~تعيين أنها العصر من غير ذكر يوم الأحزاب أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: منها عن ابن عمر عند ابن منده، ومنها عن سمرة عند أحمد ~~وابن جرير والطبراني، ومنها عنه أيضا عند ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ~~والترمذي وصححه ابن جرير والطبراني والبيهقي، وعن أبي هريرة عند ابن جرير ~~والبيهقي والطحاوي. وأخرجه عنه أيضا ابن سعيد والبزار وابن جرير والطبراني، ~~وعن ابن عباس عند البزار بأسانيد صحيحة، وعن أبي مالك الأشعري عند ابن جرير ~~والطبراني، فهذه أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصرحة ~~بأنها العصر. وقد روى عنه الصحابة في تعيين أنها العصر آثار كبيرة، وفي ~~الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يحتاج معه إلى غيره. وأما ~~ما روى عن علي وابن عباس أنهما قالا: إنها صلاة الصبح كما أخرجه مالك في ~~الموطأ عنهما، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وكذلك أخرجه عنه عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وكذلك أخرجه ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عمر، وكذلك أخرجه ابن جرير عن جابر، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم ~~عن أبي أمامة، وكل ذلك من أقوالهم وليس فيها شئ من المرفوع إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما قد ثبت ms0431 ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتا يمكن أن يدعى فيه التواتر، وإذا لم تقم ~~الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعدهم من التابعين وتابعهم الأولى، ~~وهكذا لا تقوم الحجة بما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس أنه ~~قال: صلاة الوسطى المغرب، وهكذا لا اعتبار بما ورد من قول جماعة من ~~الصحابة: أنها الظهر أو غيرها من الصلوات، ولكن المحتاج إلى إمعان نظر وفكر ~~ما ورد مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما فيه دلالة على أنها ~~الظهر، كما أخرجه ابن جرير عن زيد بن ثابت مرفوعا: " إن الصلاة الوسطى صلاة ~~الظهر ". ولا يصح رفعه بل المروى عن زيد بن ثابت ذلك من قوله، واستدل على ~~ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلى بالهاجرة، وكانت أثقل ~~الصلاة على أصحابه، وأين يقع هذا الاستدلال من تلك الأحاديث الصحيحة ~~الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا الاعتبار بما روى عن ابن ~~عمر من قوله إنها الظهر. وكذلك ما روى عن عائشة وأبي سعيد الخدري وغيرهم، ~~فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما ما ~~رواه عبد الرزاق وابن جرير وغيرهما أن حفصة قالت لأبي رافع مولاها وقد ~~أمرته أن يكتب لها مصحفا: إذا أتيت على هذه الآية (حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى) فتعال حتى أمليها عليك، فلما بلغ ذلك أمرته أن يكتب ~~(حافظوا على الصلوات والصلاة PageV01P256 # الوسطى وصلاة العصر). وأخرجه أيضا عنها مالك وعبد بن حميد وابن جرير ~~والبيهقي في سننه وزادوا: وقالت أشهد أني سمعتها من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وغيرهم عن أبي يونس مولى عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفا ~~وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) قال: ~~فلما بلغتها آذنتها فأملت على (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة ~~العصر) قالت عائشة: سمعتها ms0432 من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ~~وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أم سلمة أنها ~~أمرت من يكتب لها مصحفا، وقالت له كما قالت حفصة وعائشة. فغاية ما في هذه ~~الروايات عن أمهات المؤمنين الثلاث رضي الله عنهن أنهن يروين هذا الحرف ~~هكذا عن رسول الله صلى الله علي وآله وسلم، وليس فيه ما يدل على تعيين ~~الصلاة الوسطى أنها الظهر أو غيرها، بل غاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر ~~على صلاة الوسطى أنها غيرها، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، وهذا الاستدلال ~~لا يعارض ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتا لا يدفع أنها العصر كما ~~قدمنا بيانه. فالحصل أن هذه القراءة التي نقلتها أمهات المؤمنين الثلاث ~~بإثبات قوله " وصلاة العصر " معارضة بما أخرجه ابن جرير عن عروة قال: كان ~~في مصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر). وأخرج ~~وكيع عن حميدة قالت: قرأت في مصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى صلاة العصر). وأخرج ابن أبي داود عن قبيصة بن ذؤيب مثله. وأخرج سعيد ~~بن منصور وأبو عبيد عن زياد بن أبي مريم أن عائشة أمرت بمصحف لها أن يكتب ~~وقالت: إذا بلغتم (حافظوا على الصلوات) فلا تكتبوها حتى تؤذنوني، فلما ~~أخبروها أنهم قد بلغوا قالت: اكتبوها صلاة الوسطى صلاة العصر. وأخرج ابن ~~جرير والطحاوي والبيهقي عن عمرو بن رافع: قال كان مكتوبا في مصحف حفصة ~~(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر). وأخرج أبو عبيد في ~~فضائله وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها (حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى صلاة العصر). وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والبخاري في ~~تاريخه وابن جرير والطحاوي عن ابن عباس أنه كان ليقرؤها (حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر). وأخرج المحاملي عن السائب بن يزيد أنه ~~تلاها كذلك فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة ونقل ~~القراءة، ويبقى ما صح عن النبي صلى ms0433 الله عليه وآله وسلم من التعيين صافيا ~~عن شوب كدر المعارضة. على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي ~~نقلتها حفصة وعائشة وأم سلمة. فأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود في ناسخه ~~وابن جرير والبيهقي عن البراء بن عازب قال نزلت (حافظوا على الصلوات وصلاة ~~العصر) فقرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما شاء الله ثم ~~نسخها الله، فأنزل (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فقيل له: هي إذن ~~صلاة العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت وكيف نسخها الله، والله أعلم. وأخرج ~~البيهقي عنه من وجه آخر نحوه، وإذا تقرر لك هذا وعرفت ما سقناه تبين لك أنه ~~لم يرد ما يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأما حجج بقية الأقوال فليس ~~فيها شئ مما ينبغي الاشتغال به، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في ذلك شئ، وبعض القائلين عول على أمر لا يعول عليه فقال: إنها صلاة ~~كذا، لأنها وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من الصلوات وبعدها كذا من ~~الصلوات، وهذا الرأي المحض والتخمين البحت لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام ~~الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فكيف مع وجود ما هو في أعلا درجات الصحة والقوة والثبوت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم؟ وبالله العجب من قوم لم يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة ~~وإعراضهم PageV01P257 # عن خير العلوم وأنفعها، حتى كلفوا أنفسهم التكلم على أحكام الله والتجري ~~على تفسير كتاب الله بغير علم ولا هدى، فجاءوا بما يضحك منه تارة ويبكي منه ~~أخرى. قوله (وقوموا لله قانتين) القنوت قيل هو الطاعة: أي قوموا لله في ~~صلاتكم طائعين، قاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشافعي: ~~وقيل هو الخشوع، قاله ابن عمر ومجاهد. ومنه قول الشاعر: # قانتا لله يدعو ربه * وعلى عمد من الناس اعتزل وقيل هو الدعاء، وبه قال ~~ابن عباس. وفي الحديث أن رسول ms0434 الله صلى الله عليه وآله وسلم قنت شهرا يدعو ~~على رعل وذكوان. وقال قوم: إن القنوت طول القيام، وقيل معناه ساكتين قاله ~~السدى، ويدل عليه حديث زيد ابن أرقم في الصحيحين وغيرهما قال: كان الرجل ~~يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحاجة في الصلاة حتى ~~نزلت هذه الآية (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت، وقيل أصل القنوت في ~~اللغة الدوام على الشئ، فكل معنى يناسب الدوام يصح إطلاق القنوت عليه. وقد ~~ذكر أهل العلم أن القنوت ثلاثة عشر معنى وقد ذكرنا ذلك في شرح المنتقى، ~~والمتعين هاهنا حمل القنوت على السكوت للحديث المذكور. قوله (فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا) الخوف هو الفزع، والرجال جمع رجل أو راجل، من قولهم رجل ~~الإنسان يرجل راجلا: إذا عدم المركوب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل. يقول ~~أهل الحجاز: مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا. # حكاه ابن جرير الطبري وغيره. لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على ~~الصلوات، ذكر حالة الخوف أنهم يضيعون فيها ما يمكنهم ويدخل تحت طوقهم من ~~المحافظة على الصلاة بفعلها حال الترجل وحال الركوب، وأبان لهم أن هذه ~~العبادة لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان. وقد اختلف أهل العلم في حد ~~الخوف المبيح لذلك والبحث مستوفى في كتب الفروع. قوله (فإذا أمنتم) أي إذا ~~زال خوفكم فارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الصلاة مستقبلين القبلة قائمين ~~بجميع شروطها وأركانها وهو قوله (فاذكروا الله كما علمكم) وقيل معنى الآية: ~~خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة وهو خلاف معنى الآية. وقوله (كما ~~علمكم) أي مثل ما علمكم من الشرائع (ما لم تكونوا تعلمون) والكاف صفة لمصدر ~~محذوف: أي ذكرا كائنا كتعليمه إياكم، أو مثل تعليمه إياكم. # وقد أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه سئل عن الصلاة ms0435 الوسطى؟ فقال: هي فيهن ~~فحافظوا عليهن. وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت أنه سأله رجل عن الصلاة ~~الوسطى فقال: حافظ على الصلوات تدركها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ~~الربيع بن خيثم أن سائلا سأله عن الصلاة الوسطى، قال: حافظ عليهن فإنك إن ~~فعلت أصبتها، إنما هي واحدة منهن. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: ~~سئل شريح عن الصلاة الوسطى، فقال: حافظوا عليها تصيبوها. وقد قدمنا ما روى ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم في تعيينها. ~~وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين) مثل ما ~~قدمنا عن زيد بن أرقم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود نحوه. وأخرج سعيد بن ~~منصور وعبد ابن حميد عن محمد بن كعب نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وقوموا لله قانتين) قال: # مصلين. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: كل أهل دين يقومون فيها عاصين، ~~قوموا أنتم مطيعين. وأخرج PageV01P258 # ابن أبي شيبة عن الضحاك مثله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (وقوموا لله قانتين) قال: من القنوت ~~الركوع والخشوع، وطول الركوع: يعني طول القيام وغض البصر وخفض الجناح ~~والرهبة لله. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: " إن في الصلاة لشغلا " وفي صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، ~~إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ". وقد اختلفت الأحاديث في القنوت ~~المصطلح عليه، هل هو قبل الركوع أو بعده، وهل هو في جميع الصلوات أو بعضها، ~~وهل هو مختص بالنوازل أم لا؟ والراجح اختصاصه بالنوازل. # وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقى فليرجع إليه. وأخرج ms0436 ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله تعالى (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) قال: يصلي الراكب على ~~دابته، والراجل على رجليه (فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) ~~يعني كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسابقة فليوم ~~برأسه حيث كان وجهه فذلك قوله (فرجالا أو ركبانا). وأخرج عبد بن حميد عن ~~ابن عباس قال (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) قال: ركعة ركعة. وأخرج وكيع وابن ~~جرير عن مجاهد (فإذا أمنتم) قال: خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. # هذا عود إلى بقية الأحكام المفصلة فيما سلف. وقد اختلف السلف ومن تبعهم ~~من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فذهب الجمهور إلى أنها ~~منسوخة بالأربعة الأشهر والعشر كما تقدم، وأن الوصية المذكورة فيها منسوخة ~~بما فرض الله لهن من الميراث. وحكى ابن جرير عن مجاهد أن هذه الآية محكمة ~~لا نسخ فيها، وأن العدة أربعة أشهر وعشر، ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى ~~سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت. ~~وقد حكى ابن عطية والقاضي عياض أن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن ~~عدتها أربعة أشهر وعشر. وقد أخرج عن مجاهد ما أخرجه ابن جرير عنه البخاري ~~في صحيحه. وقوله (وصية) قرأنا نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ~~والكسائي بالرفع على أن ذلك مبتدأ لخبر محذوف يقدر مقدما: أي عليهم وصية، ~~وقيل إن الخبر قوله (لأزواجهم) وقيل إنه خبر مبتدأ محذوف: أي وصية الذين ~~يتوفون وصية أو حكم الذين يتوفون وصية. وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر ~~بالنصب على تقدير فعل محذوف: أي فليوصوا وصية، أو أوصى الله وصية، أو كتب ~~الله عليهم وصية. وقوله (متاعا) منصوب بوصية أو بفعل محذوف: أي متعوهن ~~متاعا، أو جعل الله لهن ذلك متاعا، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال. ~~والمتاع هنا: ms0437 نفقة السنة. وقوله (غير إخراج) صفة لقوله (متاعا) وقال ~~الأخفش: إنه مصدر كأنه قال لا إخراجا، وقيل إنه حال: أي متعوهن غير مخرجات، ~~وقيل منصوب بنزع الخافض: أي من غير إخراج، والمعنى: أنه يجب على الذين ~~يتوفون أن PageV01P259 # يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن بعدهم حولا كاملا بالنفقة ~~والسكنى من تركتهم ولا يخرجن من مساكنهن. وقوله (فإن خرجن) يعني باختيارهن ~~قبل الحول (فلا جناح عليكم) أي لا حرج على الولي والحاكم وغيرهما (فيما ~~فعلن في أنفسهن) من التعرض للخطاب والتزين لهم. وقوله (من معروف) أي بما هو ~~معروف في الشرع غير منكر. وفيه دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول ~~وليس ذلك بحتم عليهن، وقيل المعنى لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن وهو ~~ضعيف، لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله (فيما فعلن) وقوله ~~(وللمطلقات متاع) قد اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل هي المتعة، وأنها ~~واجبة لكل مطلقة، وقيل إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن، لأنه ~~قد تقدم قبل هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن الأزواج. # وقد قدمنا الكلام على هذه المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل ~~البناء والفرض أو عامة للمطلقات، وقيل إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة ~~وهي متعة المطلقة قبل البناء والفرض، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات ~~فإنها مستحبة فقط، وقيل المراد بالمتعة هنا النفقة. # وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان (والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو لم ~~تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في الآية قال: كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار ~~سنة، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج. وأخرج ابن ~~جرير نحوه عن عطاء. وأخرج نحوه أيضا أبو داود والنسائي عن ابن عباس من وجه ~~آخر. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن ms0438 جابر بن عبد الله قال: ليس للمتوفى عنها ~~زوجها نفقة حسبها الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه والنسائي عن عكرمة قال: ~~نسختها - والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا -. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج أيضا ~~عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فلا ~~جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف) قال: النكاح الحلال الطيب. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله - متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ~~- قال رجل: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فأنزل الله (وللمطلقات ~~متاع بالمعروف حقا على المتقين) وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: ~~نسخت هذه الآية بقوله - وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم -. وأخرج أيضا عن عتاب بن خصيف في قوله (وللمطلقات متاع) ~~قال: كان ذلك قبل الفرائض. وأخرج مالك وعبد الرزاق والشافعي وعبد بن حميد ~~وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متعة إلا التي تطلقها ولم ~~تدخل بها وقد فرض لها، كفى بالنصف متاعا. وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي ~~طالب قال: لكل مؤمنة طلقت حرة أو أمة متعة، وقرأ (وللمطلقات متاع بالمعروف ~~حقا على المتقين). وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: " لما طلق حفص ~~بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لزوجها: ~~متعها، قال: لا أجد ما أمتعها، قال: فإنه لا بد من المتاع، متعها ولو نصف ~~صاع من تمر ". وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية في الآية، قال: لكل مطلقة ~~متعة. PageV01P260 # الاستفهام هنا للتقدير، والرؤية المذكورة هي رؤية القلب لا رؤية البصر. ~~والمعنى عند سيبويه: تنبه إلى أمر الذين خرجوا، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى ~~مفعولين كذا قيل. وحاصله أن الرؤية هنا التي بمعنى الإدراك مضمنة معنى ~~التنبيه، ويجوز أن تكون مضمنة معنى الانتهاء: أي ألم ينته ms0439 علمك إليهم، أو ~~معنى الوصول: أي ألم يصل علمك إليهم، ويجوز أن تكون بمعنى الرؤية البصرية: ~~أي ألم تنظر إلى الذين خرجوا. جعل الله سبحانه قصة هؤلاء لما كانت بمكان من ~~الشيوع والشهرة يحمل كل أحد على الإقرار بها بمنزلة المعلومة لكل فرد، أو ~~المبصرة لكل مبصر، لأن أهل الكتاب قد أخبروا بها ودونوها وأشهروا أمرها، ~~والخطاب هنا لكل من يصلح له. # والكلام جار مجرى المثل في مقام التعجيب ادعاء لظهوره وجلائه بحيث يستوي ~~في إدراكه الشاهد والغائب. # وقوله (وهم ألوف) في محل نصب على الحال من ضمير خرجوا، وألوف من جموع ~~الكثرة، فدل على أنها ألوف كثيرة. وقوله (حذر الموت) مفعول له. وقوله (فقال ~~لهم الله موتوا) هو أمر تكوين عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة، أو تمثيل ~~لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا فأطاعوا. قوله (ثم ~~أحياهم) هو معطوف على مقدر يقتضيه المقام: أي قال الله لهم موتوا فماتوا ثم ~~أحياهم، أو على قال لما كان عبارة عن الأمانة وقوله (إن الله لذو فضل على ~~الناس) التنكير في قوله فضل للتعظيم: أي لذو فضل عظيم على الناس جميعا، أما ~~هؤلاء الذين خرجوا فلكونه أحياهم ليعتبروا، وأما المخاطبون فلكونه قد ~~أرشدهم إلى الاعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء، قوله (وقاتلوا في سبيل الله) ~~هو معطوف على مقدر كأنه قيل اشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم وقاتلوا، ~~هذا إذا كان الخطاب بقوله (وقاتلوا) راجعا إلى المخاطبين بقوله (ألم تر إلى ~~الذين خرجوا) كما قاله جمهور المفسرين، وعلى هذا يكون إيراد هذه القصة ~~لتشجيع المسلمين على الجهاد، وقيل إن الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل ~~فيكون عطفا على قوله (موتوا) وفي الكلام محذوف تقديره وقال لهم قاتلوا. ~~وقال ابن جرير: # لا وجه لقول من قال: إن الأمر بالقتال للذين أحيوا. وقوله (من ذا الذي ~~يقرض الله) لما أمر سبحانه بالقتال والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك، و " من " ~~استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء، و " ذا " خبره، و " الذي " وصلته وصف له ~~أو بدل ms0440 منه، وإقراض الله مثل لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله ~~الثواب، وأصل القرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانا: ~~أي أعطاه ما يتجازاه. قال الشاعر: # * وإذا جوزيت قرضا فاجزه * وقال الزجاج: القرض في اللغة: البلاء الحسن ~~والبلاء السيء. # قال أمية: # كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا * أو سيئا ومدينا مثل ما دانا وقال آخر: # فجازى القروض بأمثالها * فبالخير خيرا وبالشر شرا وقال الكسائي القرض: ما ~~أسلفت من عمل صالح أو سئ، وأصل الكلمة القطع، ومنه المقراض واستدعاء ~~PageV01P261 # القرض في الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه. والله هو الغني ~~الحميد: شبه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه إعطاء ~~النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء. وقوله (حسبنا) أي طيبة به ~~نفسه من دون من ولا أذى. وقوله (فيضاعفه) قرأ عاصم وغيره بالألف ونصب ~~الفاء. وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي باثبات الألف ورفع الفاء، وقرأ ~~ابن عامر ويعقوب " فيضعفه " بإسقاط الألف مع تشديد العين ونصب الفاء. وقرأ ~~ابن كثير وأبو جعفر بالتشديد ورفع الفاء. فمن نصب فعلى أنه جواب الاستفهام، ~~ومن رفع فعلى تقدير مبتدأ: أي هو يضاعفه. وقد اختلف في تقدير هذا التضعيف ~~على أقوال. وقيل لا يعلمه إلا الله وحده. وقوله (والله يقبض ويبسط) هذا عام ~~في كل شئ فهو القابض الباسط، والقبض: التقتير، والبسط: # التوسيع، وفيه وعيد بأن من بخل من البسط يوشك أن يبدل بالقبض، ولهذا قال ~~(وإليه ترجعون) أي هو يجازيكم بما قدمتم عند الرجوع إليه، وإذا أنفقتم مما ~~وسع به عليكم أحسن إليكم، وإن بخلتم عاقبكم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن عباس في قوله (ألم تر إلى ~~الذين خرجوا من ديارهم) قال كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون ~~وقالوا: نأتي أرضا ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال لهم الله ~~موتوا فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه ~~فأحياهم. وأخرج عبد ms0441 بن حميد وابن أبي حاتم عنه: أن القرية التي خرجوا منها ~~داوردان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم هذه القصة مطولة عن أبي ~~مالك وفيها أنهم بضعة وثلاثون ألفا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد ~~العزيز: أن ديارهم هي أذرعات. وأخرج أيضا عن أبي صالح قال: كانوا تسعة ~~آلاف. وأخرج جماعة من محدثي المفسرين هذه القصة على أنحاء، ولا يأتي ~~الاستكثار من طرقها بفائدة. وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم النهي عن الفرار من الطاعون، وعن دخول الأرض التي هو بها من ~~حديث عبد الرحمن بن عوف. # وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: " لما نزلت (من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا) قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله إن الله ~~ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، ~~فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله فيه ستمائة نخلة ". وقد ~~أخرج هذه القصة عبد الرزاق وابن جرير من طريق زيد بن أسلم زاد الطبراني عن ~~أبيه عن عمر بن الخطاب وابن مردويه عن أبي هريرة وابن إسحاق وابن المنذر عن ~~ابن عباس،. # وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله (أضعافا كثيرة) قال: هذا التضعيف لا ~~يعلم أحد ما هو. وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي ~~قال: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال " إن الله ليكتب لعبده المؤمن ~~بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة " فحججت ذلك العام ولم أكن أريد أن أحج إلا ~~لألقاه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة فقلت له، فقال: ليس هذا، قلت: ولم ~~يحفظ هذا الحديث الذي حدثك إنما، قلت " إن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة ~~الواحدة ألفي ألف حسنة " ثم قال أبو هريرة: أو ليس تجدون هذا في كتاب الله؟ ~~(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ms0442 فيضاعفه له أضعافا كثيرة) فالكثيرة عند ~~الله أكثر من ألفي ألف، وألفي ألف، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة ". وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن ابن عمر قال: " لما نزلت - مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل - إلى آخره، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: رب زد أمتي فنزلت (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة) قال: رب زد أمتي PageV01P262 # فنزلت - إنما يوفي الصابرون جرهم بغير حساب - ". وأخرج ابن المنذر عن ~~سفيان قال: " لما نزلت - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - قال: رب زد ~~أمتي، فنزلت (من ذا الذي يقرض الله) قال: رب زد أمتي، فنزلت - مثل الذين ~~ينفقون أموالهم - قال: رب زد أمتي، فنزلت - إنما يوفى الصابرون - " وفي ~~الباب أحاديث هذه أحسنها وستأتي عند تفسير قوله تعالى - كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل - فابحثها. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (والله يقبض ويبسط) ~~قال: يقبض الصدقة، ويبسط: قال يخلف (وإليه ترجعون) قال: من التراب وإلى ~~التراب تعودون. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: علم الله أن فيمن ~~يقاتل في سبيل الله من لا يجد قوة وفيمن لا يقاتل في سبيل الله من يجد غني، ~~فندب هؤلاء إلى القرض فقال (من ذا الذي يقرض الله) قال: يبسط عليك وأنت ~~ثقيل عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخف له، ~~فقوه مما بيدك يكن لك الحظ. PageV01P263 # قوله (ألم تر إلى الملأ) الكلام فيه كالكلام في قوله - ألم تر إلى الذين ~~خرجوا من ديارهم - وقد قدمناه، والملأ الأشراف من الناس كأنهم ملئوا شرفا. ~~وقال الزجاج: سموا بذلك لأنهم ملئون بما يحتاج إليه منهم، وهو اسم جمع ~~كالقوم والرهط. ذكر الله سبحانه في التحريض على القتال قصة أخرى جرت ms0443 في بني ~~إسرائيل بعد القصة المتقدمة وقوله (من بعد موسى) من ابتدائية وعاملها مقدر: ~~أي كائنين من بعد موسى: أي بعد وفاته. وقوله (لنبي لهم) قيل هو شمويل بن ~~يار بن علقمة ويعرف بابن العجوز، ويقال فيه شمعون، وهو من ولد يعقوب، وقيل ~~من نسل هارون، وقيل هو يوشع بن نون، وهذا ضعيف جدا لأن يوشع هو فتى موسى، ~~ولم يوجد داود إلا بعد ذلك بدهر طويل، وقيل اسمه إسماعيل. وقوله (ابعث لنا ~~ملكا) أي أميرا نرجع إليه ونعمل على رأيه. وقوله (نقاتل) بالنون والجزم على ~~جواب الأمر، وبه قرأ الجمهور. وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة بالياء ورفع الفعل ~~على أنه صفة للملك. وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أو كلام مستأنف. وقوله ~~(هل عسيتم) بالفتح للسين وبالكسر لغتان، وبالثانية قرأ نافع، وبالأولى قرأ ~~الباقون. قال في الكشاف: وقراءة الكسر ضعيفة. وقال أبو حاتم ليس للكسر وجه ~~انتهى. وقال أبو علي: وجه الكسر قول العرب: هو عس بذلك، مثل حر وشج، وقد ~~جاء فعل وفعل في نحو نقم ونقم، فكذلك عسيت وعسيت، وكذا قال مكي. وقد قرأ ~~بالكسر أيضا الحسن وطلحة فلا وجه لتضعيف ذلك، وهو من أفعال المقاربة: أي هل ~~قاربتم أن لا تقاتلوا، وإدخال حرف الاستفهام على فعل المقاربة لتقرير ما هو ~~متوقع عنده والإشعار بأنه كائن، وفصل بين عسى وخبرها بالشرط للدلالة على ~~الاعتناء به. # قال الزجاج: أن لا تقاتلوا في موضع نصب: أي هل عسيتم مقاتلة. قال الأخفش: ~~" أن " في قوله (وما لنا ألا نقاتل) زائدة. وقال الفراء: هو محمول على ~~المعنى: أي وما منعنا كما تقول مالك ألا تصلي، وقيل المعنى: وأي شئ لنا في ~~أن لا نقاتل. قال النحاس: وهذا أجودها. وقوله (وقد أخرجنا) تعليل والجملة ~~حالية، وإفراد الأولاد بالذكر لأنهم الذين وقع عليهم السبي، أو لأنهم بمكان ~~فوق مكان سائر القرابة (فلما كتب) أي فرض، أخبر سبحانه أنهم تولوا لاضطراب ~~نياتهم وفتور عزائمهم. واختلف في عدد القليل الذين استثناهم الله سبحانه، ~~وهم الذي ms0444 اكتفوا بالغرفة. وقوله (وقال لهم نبيهم) شروع في تفصيل ما جرى ~~بينهم وبين نبيهم من الأقوال والأفعال. وطالوت: # اسم أعجمي، وكان سقاء، وقيل دباغا، وقيل مكاريا. ولم يكن من سبط النبوة ~~وهم بنو لاوي، ولا من سبط الملك وهم بنو يهوذا، فلذلك (قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا) أي كيف ذلك، ولم يكن من بيت الملك، ولا هو ممن أوتى سعة من ~~المال حتى نتبعه لشرفه أو لماله، وهذه الجملة أعني قوله (ونحن أحق) حالية ~~وكذلك الجملة المعطوفة عليها. وقوله (اصطفا عليكم) أي اختاره واختيار الله ~~هو الحجة القاطعة. ثم بين لهم مع ذلك وجه الاصطفاء: بأن الله زاده بسطة في ~~العلم، الذي هو ملاك الإنسان ورأس الفضائل وأعظم وجوه الترجيح، وزاده بسطة ~~في الجسم الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها. فكان قويا في دينه وبدنه، ~~وذلك هو المعتبر، لا شرف النسب. فإن فضائل النفس مقدمة عليه (والله يؤتي ~~ملكه من يشاء) فالملك ملكه، والعبيد عبيده، فما لكم والاعتراض على شئ ليس ~~هو لكم ولا أمره إليكم. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله (والله يؤتي ملكه ~~من PageV01P264 # يشاء) من قول نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل هو من قول نبيهم ~~وهو الظاهر. وقوله (واسع) أي واسع الفضل، يوسع على من يشاء من عباده (عليم) ~~بمن يستحق الملك ويصلح له. والتابوت فعلوت من التوب وهو الرجوع لأنهم ~~يرجعون إليه: أي علامة ملكه إتيان التابوت الذي أخذ منهم: أي رجوعه إليكم ~~وهو صندوق التوراة. والسكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة: ~~أي فيه سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت. قال ابن عطية: ~~الصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت ~~النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتتقوى. وقد اختلف في السكينة على أقوال ~~سيأتي بيان بيان بعضها، وكذلك اختلف في البقية، فقيل: هي عصا موسى ورضاض ~~الألواح، وقيل غير ذلك. قيل والمراد بآل موسى وهارون هما أنفسهما: أي مما ~~ترك هارون ms0445 وموسى، ولفظ آل مقحمة لتفخيم شأنهما، وقيل المراد الأنبياء من ~~بني يعقوب لأنهما من ذرية يعقوب، فسائر قرابته ومن تناسل منه آل لهما. وفصل ~~معناه: خرج بهم، فصلت الشئ فانفصل أي قطعته فانقطع، وأصله متعد، يقال فصل ~~نفسه ثم استعمل استعمال اللازم كانفصل، وقيل إن فصل يستعمل لازما ومتعديا، ~~يقال: فصل عن البلد فصولا، وفصل نفسه فصلا. والابتلاء: الاختبار. والنهر: ~~قيل هو بين الأردن وفلسطين، وقرأه الجمهور بنهر بفتح الهاء. وقرأ حميد ~~ومجاهد والأعرج بسكون الهاء. والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم، فمن ~~أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو ~~بالعصيان في سائر الشدائد أحرى، ورخص لهم في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش ~~بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال، وفيه أن الغرفة تكف سورة ~~العطش عند الصابرين على شظف العيش الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. # فالمراد بقوله (فمن شرب منه) أي كرع ولم يقتصر على الغرفة، " ومن " ~~ابتدائية. ومعنى قوله (فليس مني) أي ليس من أصحابي من قولهم: فلان من فلان ~~كأنه بعضه لاختلاطهما وطول صحبتهما، وهذا مهيع في كلام العرب معروف، ومنه ~~قول الشاعر: # إذا حاولت في أسد فجورا * فإني لست منك ولست مني وقوله (ومن لم يطعمه) ~~يقال طعمت الشئ: أي ذقته، وأطعمته الماء: أي أذقته، وفيه دليل على أن الماء ~~يقال له طعام، والاغتراف: الأخذ من الشئ باليد أو بآلة، والغرف مثل ~~الاغتراف، والغرفة المرة الواحدة. # وقد قرئ بفتح الغين وضمها، فالفتح للمرة، والضم اسم للشيء المغترف، وقيل ~~بالفتح الغرفة بالكف الواحدة، وبالضم الغرفة بالكفين، وقيل هما لغتان بمعنى ~~واحد، ومنه قول الشاعر: # لا يدلفون إلى ماء بآنية * إلا اغترافا من الغدران بالراح قوله (إلا ~~قليلا) سيأتي بيان عددهم، وقرئ " إلا قليل " ولا وجه له إلا ما قيل من أنه ~~من هجر اللفظ إلى جانب المعنى: أي لم يعطه إلا قليل، وهو تعسف. قوله (فلما ~~جاوزه) أي جاوز النهر طالوت (والذين آمنوا معه) وهم القليل الذين أطاعوه، ~~ولكنهم اختلفوا في ms0446 قوة اليقين، فبعضهم قال (لا طاقة لنا) و (قال الذين ~~يظنون) أي يتيقنون (أنهم ملاقوا الله) والفئة: الجماعة، والقطعة منهم من ~~فأوت رأسه بالسيف: أي قطعته وقوله (برزوا) أي صاروا في البراز وهو المتسع ~~من الأرض. وجالوت أمير العمالقة. قالوا: أي جميع من معه من المؤمنين، ~~والإفراغ يفيد معنى الكثرة. وقوله (وثبت أقدامنا) هذا عبارة عن القوة وعدم ~~الفشل، يقال: # ثبت قدم فلان على كذا إذا استقر له ولم يزل عنه، وثبت قدمه في الحرب إذا ~~كان الغلب له والنصر معه. PageV01P265 # قوله (وانصرنا على القوم الكافرين) هم جالوت وجنوده. ووضع الظاهر موضع ~~المضمر إظهارا لما هو العلة الموجبة للنصر عليهم وهي كفرهم، وذكر النصر بعد ~~سؤال تثبيت الأقدام، لكون الثاني هو غاية الأول. قوله (فهزموهم بإذن الله) ~~الهزم: الكسر: ومنه سقاء منهزم: أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما ~~قيل في زمزم إنها هزمة جبريل: أي هزمها برجله فخرج الماء، والهزم: ما يكسر ~~من يابس الحطب، وتقدير الكلام فأنزل الله عليهم النصر (فهزموهم بإذن الله) ~~أي بأمره وإرادته. قوله (وقتل داود جالوت) هو داود بن إيشا بكسر الهمزة ثم ~~تحتية ساكنة بعدها معجمة، ويقال داود بن زكريا بن بشوى من سبط يهوذا بن ~~يعقوب جمع الله له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا، وكان أصغر إخوته، ~~اختاره طالوت لمقاتلة جالوت فقتله. والمراد بالحكمة هنا النبوة، وقيل هي ~~تعليمه صنعة الدروع ومنطق الطير، وقيل هي إعطاؤه السلسلة التي كانوا ~~يتحاكمون إليها. # قوله (وعلمه مما يشاء) قيل إن المضارع هنا موضوع موضع الماضي، وفاعل هذا ~~الفعل هو الله تعالى، وقيل داود وظاهر هذا التركيب أن الله سبحانه علمه مما ~~قضت به مشيئته وتعلقت به إرادته، وقد قيل إن من ذلك ما قدمنا من تعليمه ~~صنعة الدروع وما بعده. قوله (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض) قرأه ~~الجماعة " ولولا دفع الله " وقرأ نافع " دفاع " وهما مصدران لدفع، كذا قال ~~سيبويه. وقال أبو حاتم: دافع ودفع واحد مثل: # طرقت نعلي وطارقته. ms0447 واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور وأنكر قراءة دفاع، ~~قال: لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد قال مكي: يوهم أبو عبيدة أن هذا من باب ~~المفاعلة وليس به، وعلى القراءتين فالمصدر مضاف إلى الفاعل: أي (ولولا دفع ~~الله الناس) وبعضهم بدل من الناس وهم الذين يباشرون أسباب الشر والفساد ~~ببعض آخر منهم، وهم الذين يكفونهم عن ذلك ويردونهم عنه (لفسدت الأرض) لتغلب ~~أهل الفساد عليها وإحداثهم للشرور التي تهلك الحرث والنسل وتنكير فضل ~~للتعظيم. وآيات الله: هي ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة. ~~والمراد (بالحق) هنا الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب ~~والمطلعين على أخبار العالم. وقوله (إنك لمن المرسلين) إخبار من الله ~~سبحانه بأنه من جملة رسل الله سبحانه تقوية لقلبه وتثبيتا لجنانه وتشييدا ~~لأمره. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ألم تر إلى الملأ من ~~بني إسرائيل) قال هذا حين رفعت النبوة واستخرج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة ~~قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم (فلما كتب عليهم القتال) وذلك حين أتاهم ~~التابوت، قال: وكان من إسرائيل سبطان: سبط نبوة، وسبط خلافة، فلا تكون ~~الخلافة إلا في سبط الخلافة، ولا تكون النبوة إلا في سبط النبوة، (فقال لهم ~~نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن ~~أحق بالملك منه) وليس من أحد السبطين لا من سبط النبوة ولا من سبط الخلافة ~~(قال إن الله اصطفاه عليكم) فأبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم: (إن ~~آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية) وكان موسى حين ألقى ~~الألواح تكسرت ورفع منها وجمع ما بقي فجعله في التابوت. # وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت، والعمالقة فرقة من عاد كانوا ~~بأريحاء، فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه ~~حتى وضعته عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا نعم فسلموا له وملكوه. # وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالا قدموا التابوت بين أيديهم ويقولون: إن ms0448 ~~آدم نزل بذلك التابوت وبالركن وبعضي موسى من الجنة. وبلغني أن التابوت وعصى ~~موسى في بحيرة طبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة. # وقد ورد هذا المعنى مختصرا ومطولا عن جماعة من السلف فلا يأتي التطويل ~~بذكر ذلك بفائدة يعتد بها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك ~~عن ابن عباس (وزاده بسطة) يقول: فضيلة (في العلم والجسم) PageV01P266 # يقول: كان عظيما جسيما يفضل بني إسرائيل بعنقه. وأخرج أيضا عن وهب بن ~~منبه (وزاده بسطة في العلم) قال: # العلم بالحرب. وأخرج ابن المنذر عنه: أنه سئل أنبيا كان طالوت؟ قال: لا، ~~لم يأته وحي وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه: أنه سئل عن تابوت موسى ما ~~سعته؟ قال: نحو من ثلاثة أذرع في ذراعين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال: السكينة الرحمة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال: ~~السكينة الطمأنينة. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: السكينة دابة قدر الهر لها ~~عينان لهما شعاع، وكان إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم فيهزم ~~الجيش من الرعب. وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن علي قال: السكينة ريح خجوج ~~ولها رأسان. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه ~~الإنسان، ثم هي بعد ريح هفافة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: السكينة من الله كهيئة الريح، لها وجه ~~كوجه الهر وجناحان وذنب مثل ذنب الهر. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير عن ابن عباس قال (فيه سكينة من ربكم) قال: طست من ذهب من الجنة ~~كان يغسل بها قلوب الأنبياء ألقى الألواح فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال: هي روح من الله لا تتكلم، إذا ~~اختلفوا في شئ تكلم فأخبرهم ببيان ما يريدون. وأخرج ابن ms0449 أبي حاتم عن الحس ~~قال: هي شئ تسكن إليه قلوبهم. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال فيه سكينة، أي ~~وقار. # وأقول: هذه التفاسير المتناقضة لعلها وصلت إلى هؤلاء الأعلام من جهة ~~اليهود أقماهم الله، فجاءوا بهذه الأمور لقصد التلاعب بالمسلمين رضي الله ~~عنهم والتشكيك عليهم، وانظر إلى جعلهم لها تارة حيوانا وتارة جمادا وتارة ~~شيئا لا يعقل، كقول مجاهد: كهيئة الريح لها وجه كوجه الهر، وجناحان وذنب ~~مثل ذنب الهر. وهكذا كل منقول عن بني إسرائيل يتناقض ويشتمل على مالا يعقل ~~في الغالب، ولا يصح أن يكون مثل هذه التفاسير المتناقضة مرويا عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولا رأيا رآه قائله، فهم أجل قدرا من التفسير بالرأي ~~وبما لا مجال للاجتهاد فيه. إذا تقرر لك هذا عرفت أن الواجب الرجوع في مثل ~~ذلك إلى معنى السكينة لغة وهو معروف ولا حاجة إلى ركوب هذه الأمور المتعسفة ~~المتناقضة، فقد جعل الله عنها سعة ولو ثبت لنا في السكينة تفسير عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لوجب علينا المصير إليه والقول به، ولكنه لم يثبت ~~من وجه صحيح بل ثبت أنها تنزلت عن بعض الصحابة عند تلاوته للقرآن كما في ~~صحيح مسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط، فتغشته ~~سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها: فلما أصبح أتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة نزلت للقرآن. وليس في ~~هذا إلا أن هذه التي سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سكينة سحابة ~~دارت على ذلك القارئ فالله أعلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (وبقية مما ترك آل موسى) قال: عصاه ورضاض الألواح. وأخرج سعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان في التابوت عصى ~~موسى وعصى هارون، وثياب موسى وثياب هارون، ولوحان من التوراة والمن، وكلمة ~~الفرج " لا إله إلا الله الحليم الكريم ms0450 وسبحان الله رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم والحمد لله رب العالمين ". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ~~قتادة في قوله (تحمله الملائكة) قال: أقبلت به الملائكة تحمله حتى وضعته في ~~بيت طالوت فأصبح في داره. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (إن في ذلك لآية) ~~قال: علامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (إن الله مبتليكم بنهر) يقول: ~~PageV01P267 # بالعطش، فلما انتهى إلى النهر وهو نهر الأردن كرع فيه عامة الناس فشربوا ~~منه، فلم يزد من شرب منه إلا عطشا، وأجزأ من اغترف غرفة بيده وانقطع الظمأ ~~عنه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم) قال: القليل ثلاثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي ~~عن البراء قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت ~~الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة. وقد ~~أخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~لأصحابه يوم بدر " أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت ". وأخرج ابن عساكر ~~من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: كانوا ثلاثمائة ألف وثلاثة آلاف ~~وثلاثمائة وثلاثة عشر، فشربوا منه كلهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، فردهم طالوت ومضى ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (الذين يظنون) قال: الذين ~~يستيقنون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان ~~طالوت أميرا على الجيش، فبعث أبو داود مع داود بشئ إلى إخوته، فقال داود ~~لطالوت: ماذا لي، وأقبل جالوت فقال: لك ثلث ملكي وأنكحك ابنتي، فأخذ مخلاة ~~فجعل فيها ثلاث مروات، ثم سمى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم أدخل يده فقال: ~~بسم الله إلهي وإله آبائي إبراهيم ms0451 وإسحاق ويعقوب، فخرج على إبراهيم فجعله ~~في مرحمته، فرمى بها جالوت فخرق ثلاثة وثلاثين بيضة عن رأسه وقتلت ما وراءه ~~ثلاثين ألفا. وقد ذكر المفسرون أقاصيص كثيرة من هذا الجنس والله أعلم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله (ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض) قال: يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج ~~عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي. وأخرج ابن عدي وابن جرير بسند ضعيف عن ~~ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله ليدفع ~~بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " ثم قرأ ابن عمر (ولولا ~~دفع الله الناس) الآية وفي إسناده يحيى بن سعيد العطار الحمصي وهو ضعيف ~~جدا. # قوله (تلك الرسل) قيل هو إشارة إلى جميع الرسل فتكون الألف واللام ~~للاستغراق - وقيل هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، وقيل إلى ~~الأنبياء الذين بلغ علمهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمراد ~~بتفضيل بعضهم على بعض أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما ~~جعله للآخر، فكان الأكثر مزايا فاضلا والآخر مفضولا. وكما دلت هذه الآية ~~على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض كذلك دلت الآية الأخرى وهي قوله تعالى - ~~ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا -. وقد استشكل جماعة من ~~أهل العلم الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا بلفظ " لا تفضلوني على الأنبياء " PageV01P268 # وفي لفظ آخر " لا تفضلوا بين الأنبياء " وفي لفظ " لا تخيروا بين ~~الأنبياء " فقال قوم: إن هذا القول منه صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل أن ~~يوحى إليه بالتفضيل، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وقيل إنه قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم ذلك على سبيل التواضع كما قال " لا يقل أحدكم أنا خير ~~من يونس بن متى " تواضعا مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله " ~~أنا سيد ms0452 ولد آدم "، وقيل إنما نهى ذلك قطعا للجدال والخصام في الأنبياء، ~~فيكون مخصوصا بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأمونا، وقيل إن النهي إنما هو ~~من جهة النبوة فقط، لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها، ولا نهي عن التفاضل ~~بزيادة الخصوصيات والكرامات، وقيل إن المراد النهي عن التفضيل لمجرد ~~الأهواء والعصبية. وفي جميع هذه الأقوال ضعف. وعندي أنه لا تعارض بين ~~القرآن والسنة، فإن القرآن دل على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك ~~لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط ~~التفضيل معلومة عند الله لا تخفى عليه منها خافية وليست بمعلومة عند البشر، ~~فقد يجهل اتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلا عن مزايا غيره، ~~والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلا ~~وهذا مفضولا، لا قبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها، فإن ذلك تفضيل ~~بالجهل وإقدام على أمر لا يعلمه الفاعل له وهو ممنوع منه، فلو فرضنا أنه لم ~~يرد إلا القرآن في الإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض لم يكن ~~فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة ~~الصحيحة بالنهي عن ذلك؟ وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة ~~بوجه من الوجوه، فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على ~~بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرض للجمع ~~بينهما زاعما أنهما متعارضان فقد غلط غلطا بينا. قوله (منهم من كلم الله) ~~وهو موسى ونبينا سلام الله عليهما. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال في آدم " إنه نبي مكلم ". وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن ~~حبان من حديث أبي ذر. قوله (ورفع بعضهم درجات) هذا البعض يحتمل أن يراد به ~~من عظمت منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء ويحتمل أن يراد به نبينا صلى ~~الله عليه ms0453 وآله وسلم لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله، ويحتمل أن يراد به ~~إدريس لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكانا عليا، وقيل إنهم أولوا ~~العزم، وقيل إبراهيم، ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع، ~~فلا يجوز لنا التعرض للبيان له إلا ببرهان من الله سبحانه أو من أنبيائه ~~عليهم الصلاة والسلام ولم يرد ما يرشد إلى ذلك، فالتعرض لبيانه هو من تفسير ~~القرآن الكريم بمحض الرأي، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ~~ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء وقد نهينا عنه، وقد جزم كثير من أئمة ~~التفسير أنه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأطالوا في ذلك، واستدلوا بما ~~خصه الله به من المعجزات ومزايا الكمال وخصال الفضل، وهم بهذا الجزم بدليل ~~لا يدل على المطلوب قد وقعوا في خطرين وارتكبوا نهيين، وهما تفسير القرآن ~~بالرأي، والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء، وإن لم يكن ذلك تفضيلا ~~صريحا فهو ذريعة إليه بلا شك ولا شبهة، لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع ~~درجات هو النبي الفلاني انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهي عنه، وقد أغنى ~~الله نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى ~~غيره من الفضائل والفواضل، فإياك أن تتقرب إليه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسئ وأنت تظن أنك مطيع محسن. قوله ~~(وآتينا عيسى ابن مريم البينات) أي الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من ~~إحياء الأموات وإبراء المرضى وغير ذلك. قوله (وأيدناه بروح القدس) هو ~~جبريل، وقد تقدم الكلام على هذا. قوله (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم) أي من بعد الرسل، وقيل من بعد موسى وعيسى ومحمد، لأن الثاني مذكور ~~صريحا، والأول PageV01P269 # والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله (منهم من كلم الله) أي لو شاء الله ~~عدم اقتتالهم ما اقتتلوا. فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة (ولكن اختلفوا) ~~استثناء من الجملة الشرطية: أي ولكن الاقتتال ناشئ عن اختلافهم اختلافا ~~عظيما حتى صاروا ms0454 مللا مختلفة (منهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله) عدم ~~اقتتالهم بعد هذا الاختلاف (ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) لا راد ~~لحكمه، ولا مبدل لقضائه، فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى (فضلنا بعضهم على بعض) ~~قال: اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وجعل عيسى كمثل آدم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله وكلمته وروحه، وآتى داود زبورا ~~وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد في ~~قوله (منهم من كلم الله) قال: كلم الله موسى، وأرسل محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى الناس كافة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر الشعبي في قوله ~~(ورفع بعضهم درجات) قال: محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن قتادة (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم) يقول: من بعد ~~موسى وعيسى. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية إذ أقبل علي فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لمعاوية: " أتحب عليا؟ قال: نعم قال: إنها ستكون بينكم ~~فتنة هنيهة، قال معاوية فما بعد ذلك يا رسول الله؟ قال: عفو الله ورضوانه، ~~قال: رضينا بقضاء الله، فعند ذلك نزلت هذه الآية (ولو شاء الله ما اقتتلوا ~~ولكن الله يفعل ما يريد) " قال السيوطي: وسنده واه. # ظاهر الأمر في قوله (أنفقوا) الوجوب، وقد حمله جماعة على صدقة الفرض ~~لذلك، ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد، وقيل إن هذه الآية تجمع زكاة ~~الفرض والتطوع. قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر ~~القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب ~~إنما هو في سبيل ms0455 الله. قال القرطبي: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق المال مرة ~~واجبا، ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه. # قوله (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) أي أنفقوا ما دمتم قادرين (من قبل ~~أن يأتي) مالا يمكنكم الإنفاق فيه وهو (يوم لا بيع فيه) أي لا يتبايع الناس ~~فيه. والخلة: خالص المودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين. أخبر ~~سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله ~~له. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بنصب لا بيع ولا خلة ولا شفاعة، من غير تنوين، ~~وقرأ الباقون برفعها منونة، وهما لغتان مشهورتان للعرب، ووجهان معروفان عند ~~النحاة، فمن الأول قول حسان: # ألا طعان ألا فرسان عادية * ألا يحشئوكم حول التنانير ومن الثاني قول ~~الراعي: # وما صرمتك حتى قلت معلنة * لا ناقة لي في هذا ولا جمل ويجوز في غير ~~القرآن التغاير برفع البعض ونصب البعض كما هو مقرر في علم الإعراب. قوله ~~(والكافرون PageV01P270 # هم الظالمون) فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه. ومن جملة من يدخل تحت ~~هذا العموم مانع الزكاة منعا يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله تعالى (يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) قال: # من الزكاة والتطوع. وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال: يقال نسخت الزكاة كل ~~صدقة في القرآن، ونسخ شهر رمضان كل صوم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: قد علم الله أن ناسا يتخاللون في ~~الدنيا ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء قال: الحمد لله الذي قال (والكافرون هم ~~الظالمون) ولم يقل والظالمون هم الكافرون. # قوله (لا إله إلا هو) أي لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ. ~~والحي: الباقي، وقيل الذي لا يزول ولا يحول، وقيل المصرف للأمور والمقدر ~~للأشياء. ms0456 قال الطبري عن قوم إنه يقال: حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ~~ينظر فيه، وهو خبر ثان أو مبتدأ خبره محذوف. والقيوم: القائم على كل نفس ~~بما كسبت، وقيل القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل القائم بتدبير الخلق ~~وحفظه، وقيل هو الذي لا ينام، وقيل الذي لا بديل له. وأصل قيوم قيووم ~~اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد ~~قلب الواو ياء. وقرأ ابن مسعود وعلقمة والنخعي والأعمش " الحي القيام " ~~بالألف، وروى ذلك عن عمر، ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب ~~وأصح بناء، وأثبت علة. والسنة: النعاس في قول الجمهور، والنعاس: ما يتقدم ~~النوم من الفتور وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوما. وفرق المفصل ~~بين السنة والنعاس: والنوم فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم ~~في القلب انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم أن ~~السنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من ~~رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل، بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر، ~~والمراد أنه لا يعتريه سبحانه شئ منهما، وقدم السنة على النوم، لكونها ~~تتقدمه في الوجود. قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما تتقدم النوم، فإذا ~~كانت عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قيل لا تأخذه سنة دل على أنه لا يأخذه نوم ~~بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكرارا، قلنا: تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلا ~~عن أن يأخذه نوم، والله أعلم بمراده انتهى. وأقول: إن هذه الأولوية التي ~~ذكرها غير مسلمة، فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس. وإذا ~~ورد على القلب والعين دفعة واحدة فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا ~~يستلزم نفي السنة نفي النوم. وقد ورد عن العرب نفيهما جميعا، ومنه قول ~~زهير: # ولا سنة طوال الدهر تأخذه * ولا ينام وما في أمره فند PageV01P271 # فلم يكتف بنفي السنة، وأيضا فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة، ~~ولا ms0457 يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم، فقد يأخذه النوم ولا تأخذه السنة، فلو ~~وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا ~~لو وقع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة، فكم من ذي سنة غير نائم، ~~وكرر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما. قوله (من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه) في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحدا من ~~عباده يقدر على أن ينفع أحدا منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ~~مالا مزيد عليه، وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت ~~في أعضادهم مالا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد ~~من قوله تعالى - ولا يشفعون إلا لمن ارتضى - وقوله تعالى - وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى - ~~وقوله تعالى - لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن - بدرجات كثيرة. وقد بينت ~~الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة، ولمن هي، ومن ~~يقوم بها. قوله (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) الضميران لما في السماوات ~~والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن ~~المتقدم عليهم والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما. قوله (ولا ~~يحيطون بشئ من علمه) قد تقدم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى المعلوم: أي ~~لا يحيطون بشئ من معلوماته. # قوله (وسع كرسيه) الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما ~~سيأتي بيان ذلك. وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطئوا في ذلك خطأ ~~بينا، وغلطوا غلطا فاحشا. وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم. ~~قالوا: ومنه قيل للعلماء الكراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ومنه ~~قول الشاعر: # تحف بهم بيض الوجوه وعصبة * كراسي بالأخبار حين تنوب ورجح هذا القول ابن ~~جرير الطبري، وقيل كرسيه: قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض، كما يقال ~~اجعل لهذا ms0458 الحائط كرسيا: أي ما يعمده، وقيل إن الكرسي هو العرش، وقيل هو ~~تصوير لعظمته ولا حقيقة له، وقيل هو عبارة عن الملك. والحق القول الأول، ~~ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات ~~وضلالات، والمراد بكونه وسع السماوات والأرض أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم ~~يضق عنها لكونه بسيطا واسعا. وقوله (ولا يؤوده حفظهما) معناه لا يثقله ~~ثقالة أدنى الشئ، بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة. # وقال الزجاج: يجوز أن يكون الضمير في قوله (يؤوده) لله سبحانه، ويجوز أن ~~يكون للكرسي لأنه من أمر الله (والعلى) يراد به علو القدرة والمنزلة. وحكى ~~الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. ~~قال ابن عطية: وهذه أقوال جهلة مجسمين، وكان الواجب أن لا تحكي انتهى. ~~والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف والخلف، والنزاع فيه كائن بينهم، ~~والأدلة من الكتاب والسنة معروفة، ولكن الناشئ على مذهب يرى غيره خارجا عن ~~الشرع ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها، والكتاب والسنة هما المعيار الذي ~~يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد - ولو اتبع الحق ~~أهواءهم لفسدت السماوات والأرض - ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر ~~الغالب كما في قوله - إن فرعون علا في الأرض - وقال الشاعر: # فلما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر والعظيم بمعنى عظم ~~شأنه وخطره. قال في الكشاف: إن الجملة الأولى بيان لقيامة بتدبير الخلق ~~وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه. والثانية بيان لكونه مالكا لما يدبره. ~~والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه. والجملة الرابعة بيان PageV01P272 # لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير ~~المرتضى. والجملة الخامسة بيان لسعة علمه ونعلقه بالمعلومات كلها، أو ~~لجلاله وعظم قدره. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله (الحي) أي حي لا يموت (والقيوم) ~~القائم الذي لا بديل له. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في قوله ~~(القيوم) قال: القائم على كل شئ. ms0459 # وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القيوم الذي لا زوال له. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (لا تأخذه ~~سنة ولا نوم) قال: السنة النعاس، والنوم هو النوم. وأخرجوا إلا البيهقي عن ~~السدي قال: السنة ريح النوم الذي تأخذه في الوجه فينعس الإنسان. وأخرج ابن ~~جرير عن مجاهد في قوله (يعلم ما بين أيديهم) قال: ما مضى من الدنيا (وما ~~خلفهم) من الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (ما بين أيديهم) ما ~~قدموا من أعمالهم (وما خلفهم) ما أضاعوا من أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن ~~عباس في قوله (وسع كرسيه) قال: علمه، ألا ترى إلى قوله (ولا يؤوده حفظهما). ~~وأخرج الدارقطني في الصفات والخطيب في تاريخه عنه قال: " سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن قول الله (وسع كرسيه) قال: كرسيه موضع قدمه، والعرش ~~لا يقدر قدره إلا الله عز وجل ". وأخرجه الحاكم وصححه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وأبو الشيخ والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مثله موقوفا. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو أن السماوات السبع ~~والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته: يعني الكرسي إلا ~~بمنزلة الحلقة في المفازة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن ~~مردويه والبيهقي عن أبي ذر الغفاري: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " والذي نفسي بيده ~~ما السماوات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش ~~على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة ". وأخرج عبد بن حميد والبزار وأبو ~~يعلى وابن جرير وأبو الشيخ والطبراني والضياء المقدسي في المختارة عن عمر ~~قال " أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالت: ادع الله أن ~~يدخلني الجنة، فعظم ms0460 الرب سبحانه وقال: إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإن ~~له أطيطا كأطيط المرجل الحديد من ثقله " وفي إسناده عبد الله ابن خليفة ~~وليس بالمشهور. وفي سماعه من عمر نظر، ومنهم من يرويه عن عمر موقوفا. وأخرج ~~ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا: أنه موضع القدمين. وفي إسناده الحكم بن ~~ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك. وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة ~~وغيرهم في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها. وقد روى أبو داود في كتاب ~~السنة من سننه من حديث جبير بن مطعم حديثا في صفته، وكذلك أورد ابن مردويه ~~عن بريدة وجابر وغيرهما. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~يؤوده حفظهما) قال: لا يثقل عليه. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه (ولا يؤوده) قال: ولا يكثره. وأخرج ابن جرير عنه ~~قال: العظيم الذي قد كمل في عظمته. # واعلم أنه قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث. فأخرج أحمد ومسلم واللفظ له ~~عن أبي بن كعب " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأله أي آية من كتاب ~~الله أعظم؟ قال: آية الكرسي، قال: ليهنك العلم أبا المنذر ". # وأخرج النسائي وأبو يعلى وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والطبراني ~~والحاكم وصححه عن أبي بن كعب: أنه كان له جرن فيه تمر، فكان يتعاهده، فوجده ~~ينقص، فحرصه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال: PageV01P273 # فسلمت فرد السلام، فقلت: ما أنت، جني أم إنسي؟ قال: جني، قلت: ناولني ~~يدك، فناولني فإذا يده يد كلب وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: ~~لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني، قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: ~~بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك، فقال له أبي: # فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية آية الكرسي التي في سورة البقرة " ~~من قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى ~~يمسي ms0461 - فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقال: # صدق الخبيث ". وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة ~~بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا ~~نوم) حتى انقضت الآية ". وأخرج أحمد من حديث أبي ذر مرفوعا نحوه. وأخرج ~~الخطيب البغدادي في تاريخه عن أنس مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج الدارمي عن أنفع ~~بن عبد الله الكلاعي نحوه. وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: ~~" وكلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت ~~فجعل يحثو وذكر قصة، وفي آخرها أنه قال له: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله ~~بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال ~~عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - فأخبر أبو هريرة بذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب ~~يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذلك شيطان كذا ". وأخرج نحو ذلك أحمد عن أبي ~~أيوب. وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعا ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" أعظم آية في كتاب الله - الله لا إله إلا هو الحي القيوم ". وأخرج نحوه ~~أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر مرفوعا. وأخرج نحوه أيضا ~~أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعا. وأخرج سعيد بن منصور والحاكم ~~والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج ~~منه، آية الكرسي ". قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرج الحاكم من ms0462 ~~حديث زائدة مرفوعا " لكل شئ سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي ~~سيدة آي القرآن، آية الكرسي "، وقال: # غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير. وقد تكلم فيه شعبة وضعفه، وكذا ~~ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي. وأخرج ~~أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في هاتين الآيتين - الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم، ولم الله لا إله إلا هو - إن فيهما اسم الله الأعظم. وقد وردت ~~أحاديث في فضلها غير هذه، وورد أيضا في فضل قراءتها دبر الصلوات وفي غير ~~ذلك، وورد أيضا في فضلها مع مشاركة غيرها لها أحاديث، وورد عن السلف في ذلك ~~شئ كثير: PageV01P274 # قد اختلف أهل العلم في قوله (لا إكراه في الدين) على أقوال: الأول أنها ~~منسوخة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أكره العرب على دين ~~الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام، والناسخ لها قوله تعالى - يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين - وقال تعالى - يا أيها الذين آمنوا ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع ~~المتقين - وقال - ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون -، وقد ~~ذهب إلى هذا كثير من المفسرين. القول الثاني أنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت ~~في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، بل ~~الذين يكرهون هم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وإلى ~~هذا ذهب الشعبي والحسن وقتادة والضحاك. القول الثالث أن هذه الآية في ~~الأنصار خاصة، وسيأتي بيان ما ورد في ذلك. القول الرابع أن معناها لا ~~تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره فلا إكراه في الدين - القول الخامس ~~أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام. وقال ~~ابن كثير في تفسيره: أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين ms0463 الإسلام، فإنه ~~بين وضح جلي دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل ~~من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى ~~الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها ~~مقسورا، وهذا يصلح أن يكون قولا سادسا. وقال في الكشاف في تفسيره هذه ~~الآية: أي لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين ~~والاختيار، ونحوه قوله - ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين - أي لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكن لم ~~يفعل، وبنى الأمر على الاختيار، وهذا يصلح أن يكون قولا سابعا. والذي ينبغي ~~اعتماده ويتعين الوقوف عنده: أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمة غير ~~منسوخة، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل ~~على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت يهود بني نضير كان فيهم من ~~أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فنزلت، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في السنن ~~والضياء في المختارة عن ابن عباس. وقد وردت هذه القصة من وجوه، حاصلها ما ~~ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار قالوا إنما جعلناهم على دينهم: ~~أي دين اليهود، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإسلام ~~فلنكرهنهم، فلما نزلت خير الأبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ~~يكرههم على الإسلام. وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا ~~اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية. وأما أهل الحرب فالآية وإن كانت ~~تعمهم، لأن النكرة في سياق النفي وتعريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد خص هذا العموم بما ورد من آيات في إكراه أهل ~~الحرب من الكفار على الإسلام. قوله (قد تبين الرشد من الغي) الرشد هنا ~~الإيمان، والغي الكفر: أي ms0464 قد تميز أحدهما من الآخر. وهذا استئناف يتضمن ~~التعليل لما قبله. والطاغوت فعلوت من طغى يطغى ويطغو: # إذا جاوز الحد. قال سيبويه: هو اسم مذكر مفرد: أي اسم جنس يشمل القليل ~~والكثير، وقال أبو علي الفارسي: # إنه مصدر كرهبوت وجبروت يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لامه إلى موضع ~~العين وعينه إلى موضع اللام كجبذ وجذب، ثم تقلب الواو ألفا لتحركها وتحرك ~~ما قبلها، فقيل طاغوت، واختار هذا القول النحاس، وقيل أصل الطاغوت في اللغة ~~مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل لآلئ من اللؤلؤ. وقال ~~المبرد: هو جمع. قال ابن عطية: وذلك مردود. قال الجوهري: والطاغوت: الكاهن ~~والشيطان وكل رأس في الضلال. وقد يكون واحدا. قال الله تعالى - يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به - وقد PageV01P275 # يكون جمعا. قال الله تعالى - أولياؤهم الطاغوت - والجمع الطواغيت: أي فمن ~~يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورءوس الضلالة أو بالجميع (ويؤمن ~~بالله) عز وجل بعد ما تميز له الرشد من الغي فقد فاز وتمسك بالحبل الوثيق: ~~أي المحكم. والوثقى فعلى من الوثاقة وجمعها وثق مثل الفضلي والفضل. وقد ~~اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من باب ~~التشبيه والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة، فقيل المراد ~~بالعروة الإيمان، وقيل الإسلام، وقيل لا إله إلا الله، ولا مانع من الحمل ~~على الجميع. والانفصام: # الانكسار من غير بينونة. قال الجوهري: فصم الشئ كسره من غير أن يبين. ~~وأما القصم بالقاف فهو الكسر مع البينونة، وفسر صاحب الكشاف الانفصام ~~بالانقطاع. قوله (الله ولي الذين آمنوا) الولي فعيل بمعنى فاعل، وهو ~~الناصرا. وقوله (يخرجهم) تفسير للولاية، أو حال من الضمير في ولي، وهذا يدل ~~على أن المراد بقوله " الذين آمنوا " الذين أرادوا الإيمان، لأن من قد وقع ~~منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من ~~الشبه التي تعرض للمؤمنين فلا يحتاج إلا تقدير الإرادة، والمراد بالنور في ms0465 ~~قوله (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى ~~الدين، فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر: أي قررهم ~~أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من ~~الأنبياء. # وقيل المراد بالذين كفروا هنا: الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم ~~أولياؤهم من الشياطين ورءوس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج. # وقد أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ~~سعيد بن جبير نحو ما تقدم عن ابن عباس من ذكر سبب نزول قوله تعالى (لا ~~إكراه في الدين) وزاد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير الأبناء. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي نحوه أيضا، وقال: فلحق بهم: ~~أي ببني النضير من لم يسلم وبقي من أسلم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان ناس من الأنصار ~~مسترضعين في بني قريظة فثبتوا على دينهم، فلما جاء الإسلام أراد أهلوهم أن ~~يكرهوهم على الإسلام فنزلت. وأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه. وأخرج ابن إسحاق ~~وابن جرير عن ابن عباس في قوله (لا إكراه في الدين) قال: نزلت في رجل من ~~الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان ~~هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أستكرههما فإنهما ~~قد أبيا إلا النصرانية؟ فنزلت. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عبيدة ~~نحوه. وكذلك أخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن السدي نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة قال: # كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف. قال: ولا تكرهوا ~~اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية. وأخرج سعيد بن منصور ms0466 عن ~~الحسن نحوه. وأخرج البخاري عن أسلم: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز ~~نصرانية: أسلمي تسلمي، فأبت، فقال: اللهم اشهد، ثم تلا (لا إكراه في الدين) ~~وروى عنه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم أنه قال ~~لزنبق الرومي غلامه: لو أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين فأبى، فقال (لا ~~إكراه في الدين). وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى في ~~قوله (لا إكراه في الدين) قال نسختها - جاهد الكفار والمنافقين -. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال: الطاغوت ~~الشيطان. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الطاغوت الكاهن وأخرج ابن جرير ~~عن أبي العالية قال: الطاغوت الساحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس ~~قال: الطاغوت PageV01P276 # ما يعبد من دون الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: العروة الوثقى لا إله إلا الله. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك: أنها القرآن. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: أنها الإيمان. ~~وعن سفيان: أنها كلمة الإخلاص. وقد ثبت في الصحيحين تفسير العروة الوثقى في ~~غير هذه الآية بالإسلام مرفوعا في تعبيره صلى الله عليه وآله وسلم لرؤيا ~~عبد الله بن سلام. وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر فإنهما حبل ~~الله الممدود، فمن تمسك بهما فقد تمسك بعروة الله الوثقى التي لا انفصام ~~لها ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا وحد الله وآمن بالقدر فهي ~~العروة الوثقى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاذ أنه سئل عن قوله ~~(لا انفصام لها) قال: لا انقطاع لها دون دخول الجنة. وأخرج ابن المنذر ~~والطبراني عن ابن عباس في قوله (الله ولي الذين آمنوا) الآية، قال: هم قوم ~~كانوا كفروا بعيسى فآمنوا بمحمد ms0467 صلى الله عليه وآله وسلم (الذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت) الآية، قال: هم قوم آمنوا بعيسى فلما بعث محمد كفروا به. ~~وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الظلمات الكفر. والنور: الإيمان. وأخرج أبو ~~الشيخ عن السدي مثله. # في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، ~~وهمزة الاستفهام لإنكار النفي والتقرير المنفي: أي ألم ينته علمك أو نظرك ~~إلى هذا الذي صدرت منه هذه المحاجة. قال الفراء: ألم تر بمعنى هل رأيت: أي ~~هل رأيت الذي حاج إبراهيم وهو النمروذ بن كوس بن كنعان بن سلم بن نوح، وقيل ~~إنه النمروذ بن فالخ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام. وقوله (أن آتاه ~~الله الملك) أي لأن آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله على معنى أن إيتاء ~~الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو، فحاج لذلك، أو على أنه وضع المحاجة التي ~~هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر، كما يقال: عاديتني لأني ~~أحسنت إليك، أو وقت أن آتاه الله الملك. وقوله (إذ قال إبراهيم) هو ظرف ~~لحاج، وقيل بدل من قوله (أن آتاه الله الملك) على الوجه الأخير وهو بعيد. ~~قوله (ربى الذي يحيى ويميت بفتح ياء ربي، وقرئ بحذفها. قوله (أنا أحيي) قرأ ~~جمهور القراء أنا أحيي بطرح الألف التي بعد النون من أنا في الوصل وأثبتها ~~نافع وابن أبي أويس كما في قول الشاعر: # أنا شيخ العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذربت السناما أراد إبراهيم عليه ~~السلام أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر أنه ~~يقدر أن يعفو عن القتل فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل فيكون ذلك إماتة، ~~فكان هذا جوابا أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم، لأنه أراد غير ما ~~أراده الكافر، فلو قال له: ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل ~~تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى ~~حجة أخرى تنفيسا لخناقه، وإرسالا ms0468 لعنان المناظرة فقال (فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة ~~ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة. قوله (فبهت الذي كفر) ~~بهت الرجل وبهت وبهت: PageV01P277 # إذا انقطع وسكت متحيرا. قال ابن جرير: وحكى عن بعض العرب في هذا المعنى ~~بهت بفتح الباء والهاء. قال ابن جني: قرأ أبو حيوة فبهت بفتح الباء وضم ~~الهاء، وهي لغة في بهت بكسر الهاء، قال: وقرأ ابن السميفع فبهت بفتح الباء ~~والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز ~~أن يكون بهت بفتحهما لغة في بهت. وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فبهت " ~~بكسر الهاء، قال: والأكثر بالفتح في الهاء. # قال ابن عطية: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ فبهت بفتحهما أنه بمعنى سب ~~وقذف، وأن النمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم يكن له حيلة انتهى. وقال ~~سبحانه (فبهت الذي كفر) ولم يقل فبهت الذي حاج، إشعارا بأن تلك المحاجة ~~كفر. وقوله (والله لا يهدي القوم الظالمين) تذييل مقرر لمضمون الجملة التي ~~قبله. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن الذي حاج إبراهيم في ربه هو ~~نمروذ بن كنعان. وأخرجه ابن جرير عن مجاهد وقتادة والربيع والسدي. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ~~زيد بن أسلم: أن أول جبار كان في الأرض نمروذ، وكان الناس يخرجون يمتارون ~~من عنده الطعام، فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار مع من يمتار، فإذا مر به ~~ناس قال: من ربكم؟ قالوا: أنت، حتى مر به إبراهيم، فقال: من ربك؟ قال: الذي ~~يحيى ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، قال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت ~~بها من المغرب، فبهت الذي كفر، فرده بغير طعام. فرجع إبراهيم إلى أهله فمر ~~على كثيب من رمل أصفر فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين ~~أدخل عليهم، ms0469 فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه ~~ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه آخذ، فصنعت له منه فقربته إليه، وكان عهده ~~بأهله أنه ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، ~~فعرف أن الله رزقه فحمد الله. ثم بعث الله إلى الجبار ملكا أن آمن وأتركك ~~على ملكك. قال: فهل رب غيري؟ فجاءه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه ~~الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع ~~الجبار جموعه فأمر الله الملك ففتح عليه بابا من البعوض وطلعت الشمس فلم ~~يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت شحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلا ~~العظام، والملك كما هو لا يصيبه من ذلك شئ، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في ~~منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه ~~ثم ضرب بهما رأسه، وكان جبارا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة ~~كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي كان بني صرحا إلى السماء فأتى الله بنيانه ~~من القواعد. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية، قال: هو نمروذ بن ~~كنعان يزعمون أنه أول من ملك في الأرض أتى برجلين قتل أحدهما وترك الآخر، ~~فقال (أنا أحيي وأميت). وأخرج أبو الشيخ عن السدي (والله لا يهدي القوم ~~الظالمين) قال: إلى الإيمان. PageV01P278 # قوله (أو كالذي) أو للعطف حملا على المعنى، والتقدير: هل رأيت كالذي حاج ~~أو كالذي مر على قرية، قاله الكسائي والفراء. وقال المبرد: إن المعنى: ألم ~~تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو كالذي مر على قرية فحذف قوله ~~من هو. وقد اختار جماعة أن الكاف زائدة، واختار آخرون أنها اسمية. والمشهور ~~أن القرية هي بيت المقدس بعد تخريب بخنصر لها، وقيل المراد بالقرية أهلها. ~~وقوله (خاوية على عروشها) أي ساقطة على عروشها، أي سقط السقف ثم سقطت ~~الحيطان عليه، قاله السدي واختاره ابن جرير، وقيل معناه خالية ms0470 من الناس ~~والبيوت قائمة، وأصل الخواء الخلو، يقال خوت الدار وخويت تخوى خواء ممدود ~~وخويا وخويا: أقفرت، والخواء أيضا: الجوع لخلو البطن عن الغذاء. والظاهر ~~القول الأول بدلالة قوله (على عروشها) من خوى البيت إذا سقط، أو من خوت ~~الأرض إذا تهدمت، وهذه الجملة حالية: أي من حال كونها كذلك. وقوله (أنى ~~يحيي هذه الله) أي متى يحيي أو كيف يحيي، وهو استبعاد لإحيائها وهي على تلك ~~الحالة المشابهة لحالة الأموات المباينة لحالة الأحياء، وتقديم المفعول ~~لكون الاستبعاد ناشئا من جهته لا من جهة الفاعل. فلما قال المار هذه ~~المقالة مستبعدا لإحياء القرية المذكورة بالعمارة لها والسكون فيها ضرب ~~الله له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه (فأماته الله مائة عام ثم ~~بعثه) وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال: كان هذا القول شكا في قدرة الله على ~~الإحياء، فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال ابن عطية: ليس يدخل شك في قدرة ~~الله سبحانه على إحياء قرية بجلب العمارة إليها، وإنما يتصور الشك إذا كان ~~سؤاله عن إحياء موتاها. وقوله (مائة عام) منصوب على الظرفية. # والعام: السنة أصله مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان وقوله (بعثه) ~~معناه أحياه. قوله (قال كم لبثت) هو استئناف كأن سائلا سأله ماذا قال له ~~بعد بعثه. واختلف في فاعل قال، فقيل هو الله عز وجل، وقيل ناداه بذلك ملك ~~من السماء، قيل هو جبريل، وقيل غيره، وقيل إنه نبي من الأنبياء، قيل رجل من ~~المؤمنين من قومه شاهده عند أن أماته الله وعمر إلى عند بعثه. والأول أولى ~~لقوله فيما بعد (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة ~~إلا عاصما (كم لبت) بإدغام الثاء في التاء لتقاربهما في المخرج. وقرأ غيرهم ~~بالإظهار وهو أحسن لبعد مخرج الثاء من مخرج التاء. و " كم " في موضع نصب ~~على الظرفية، وإنما قال (يوما أو بعض يوم) بناء على ما عنده وفي ظنه فلا ~~يكون كاذبا، ومثله قول أصحاب الكهف ms0471 - قالوا لبثنا يوما أو بعض يوما - ومثله ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة ذي اليدين " لم تقصر ولم أنس " وهذا ~~مما يؤيد قول من قال: إن الصدق ما طابق الإعتقاد، والكذب ما خالفه. وقوله ~~(قال بل لبثت مائة عام) هو استئناف أيضا كما سلف: أي ما لبثت يوما أو بعض ~~يوم بل لبثت مائة عام. وقوله (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) أمره ~~سبحانه أن ينظر إلى هذا الأثر العظيم من آثار القدرة، وهو عدم تغير طعامه ~~وشرابه مع طول تلك المدة. وقرأ ابن مسعود " وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه " ~~وقرأ طلحة بن مصرف " وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة ". وروى عن طلحة أيضا ~~أنه قرأ " لم يسن " بإدغام التاء في السين وحذف الهاء. وقرأه الجمهور ~~بإثبات الهاء في الوصل، والتسنه مأخوذ من السنة: أي لم تغيره السنون، ~~وأصلها سنهة أو سنوة من سنهت النخلة وتسنهت: إذا أتت عليها السنون، ونخلة ~~سنا: أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، وأسنهت عند بني فلان: أقمت عندهم، وأصله ~~يتسنا سقطت الألف للجزم والهاء للسكت وقيل هو من أسن الماء: إذا تغير، وكان ~~يجب على هذا أن يقال يتأسن من قوله - حمأ مسنون - قاله أبو عمرو الشيباني. ~~وقال الزجاج: ليس كذلك، لأن قوله - مسنون - ليس معناه متغير، وإنما معناه ~~مصبوب على سنه الأرض. وقوله (وانظر إلى حمارك) اختلف المفسرون في معناه، ~~فذهب الأكثر إلى أن معناه انظر إليه كيف PageV01P279 # تفرقت أجزاؤه، ونخرت عظامه ثم أحياه الله وعاد كما كان. وقال الضحاك ووهب ~~بن منبه: انظر إلى حمارك قائما في مربطه لم يصبه شئ بعد أن مضت عليه مائة ~~عام، ويؤيد القول الأول قوله تعالى (وانظر إلى العظام كيف ينشزها) ويؤيد ~~القول الثاني مناسبته لقوله (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) وإنما ذكر ~~سبحانه عدم تغير طعامه وشرابه بعد إخباره أنه لبث مائة عام، مع أن عدم تغير ~~ذلك الطعام والشراب لا يصلح أن يكون دليلا على تلك المدة الطويلة، بل على ~~ما قاله ms0472 من لبثه يوما أو بعض يوم لزيادة استعظام ذلك الذي أماته الله تلك ~~المدة، فإنه إذا رأى طعامه وشرابه لم يتغير مع كونه قد ظن أنه لم يلبث إلا ~~يوما أو بعض يوم زادت الحيرة وقويت عليه الشبهة، فإذا نظر إلى حماره عظاما ~~نخرة تقرر لديه أن ذلك صنع من تأتى قدرته بما لا تحيط به العقول، فإن ~~الطعام والشراب سريع التغير. وقد بقي هذه المدة الطويلة غير متغير، والحمار ~~يعيش المدة الطويلة. وقد صار كذلك - فتبارك الله أحسن الخالقين -. قوله ~~(ولنجعلك آية للناس) قال الفراء: إنه أدخل الواو في قوله (ولنجعلك) دلالة ~~على أنها شرط لفعل بعدها، معناه: ولنجعلك آية الناس ودلالة على البعث بعد ~~الموت جعلنا ذلك. وإن شئت جعلت الواو مقحمة زائدة. قال الأعمش: موضع كونه ~~آية هو أنه جاء شبابا على حاله يوم مات، فوجد الأبناء والحفدة شيوخا. قوله ~~" وانظر إلى العظام كيف ننشرها " قرأ الكوفيون وابن عامر بالزاي والباقون ~~بالراء. وروى أبان عن عاصم " ننشرها " بفتح النون الأولى وسكون الثانية وضم ~~الشين والراء. وقد أخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قرأ " كيف ننشزها " بالزاي. فمعنى القراءة بالزاي نرفعها، ~~ومنه النشر: وهو المرتفع من الأرض: أي يرفع بعضها إلى بعض. وأما معنى ~~القراءة بالراء المهملة فواضحة من أنشر الله الموتى: أي أحياهم وقوله (ثم ~~نكسوها لحما) أي نسترها به كما نستر الجسد باللباس فاستعار اللباس لذلك، ~~كما استعاره النابغة للإسلام فقال: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي * حتى ~~اكتسيت من الإسلام سربالا قوله (فلما تبين له) أي ما تقدم ذكره من الآيات ~~التي أراه الله سبحانه وأمره بالنظر إليها والتفكير فيه (قال أعلم أن الله ~~على كل شئ قدير) لا يستعصى عليه شئ من الأشياء. قال ابن جرير: المعنى في ~~قوله (فلما تبين له) أي لما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله ~~عنده قبل عيانه (قال أعلم) وقال أبو علي الفارسي معناه: # أعلم أن ms0473 هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. وقرأ حمزة والكسائي (قال ~~أعلم) على لفظ الأمر خطابا لنفسه على طريق التجريد. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن علي في ~~قوله " أو كالذي مر على قرية) قال: خرج عزيز نبي الله من مدينته وهو شاب، ~~فمر على قرية خربة وهي خاوية على عروشها، فقال (أنى يحيى هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه) فأول ما خلق الله عيناه فجعل ينظر إلى ~~عظامه ينضم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحما، ثم نفخ فيه الروح، فقيل له (كم ~~لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام) فأتى مدينته. وقد ترك ~~جارا له إسكافا شابا فجاء وهو شيخ كبير. وقد ورد عن جماعة من السلف أن الذي ~~أماته الله عزير، منهم ابن عباس عند ابن جرير وابن عساكر، ومنهم عبد الله ~~بن سلام عند الخطيب وابن عساكر، ومنهم عكرمة وقتادة وسليمان وبريدة والضحاك ~~والسدي عند ابن جرير، ورود عن جماعة آخرين أن الذي أماته الله هو نبي اسمه ~~أرمياء، فمنهم عبد الله بن عبيد بن عمير عند عبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم، ومنهم وهب ابن منبه عند عبد الرزاق وابن جرير وأبي الشيخ. وأخرج ~~ابن إسحاق عنه أيضا أنه الخضر. وأخرج ابن أبي حاتم عن رجل من أهل الشام أنه ~~حزقيل. وروى ابن كثير عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل. والمشهور القول ~~الأول PageV01P280 # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (خاوية) قال: خراب. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال (خاوية) ليس فيها أحد. وأخرج أيضا عن ~~الضحاك قال (على عروشها) سقوفها. وأخرج ابن جرير عن السدى قال: ساقطة على ~~سقوفها. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال (لبثت يوما) ثم التفت فرأى الشمس ~~فقال (أو بعض يوم). وأخرج عنه أيضا قال: كان طعامه الذي معه سلة من تين، ~~وشرابه زق من عصير. ms0474 وأخرج أيضا عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو يعلى وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لم يتسنه) قال: لم يتغير. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير قال: (لم يتسنه) لم ينتن. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن مسعود في قوله (ولنجعلك آية للناس) مثل ما تقدم عن الأعمش، وكذلك ~~أخرج مثله أيضا عن عكرمة. وأخرج ابن جرير وابن منذر عن ابن عباس في قوله ~~(كيف ننشزها) قال: نخرجها. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال: نحييها. # قوله (وإذ) ظرف منصوب بفعل محذوف: أي أذكر وقت قول إبراهيم، وإنما كان ~~الأمر بالذكر موجها إلى الوقت دون ما وقع فيه مع كونه المقصود لقصد ~~المبالغة، لأن طلب وقت الشئ يستلزم طلبه بالأولى، وهكذا يقال في سائر ~~المواضع الواردة في الكتاب العزيز بمثل هذا الظرف. وقوله (رب) آثره على ~~غيره لما فيه من الاستعطاف الموجب لقبول ما يرد بعده من الدعاء. وقوله ~~(أرنى) قال الأخفش: لم يرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين وكذا قال ~~غيره، ولا يصح أن يراد الرؤية القلبية هنا، لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد ~~الإحياء لتحصل له الطمأنينة والهمزة الداخلة على الفعل لقصد تعديته إلى ~~المفعول الثاني وهو الجملة: أعني قوله (كيف تحيي الموتى) وكيف في محل نصب ~~على التشبيه بالظرف أو بالحال والعامل فيها الفعل الذي بعدها. وقوله (أو لم ~~تؤمن) عطف على مقدر أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني ~~إراءته (قال بلى) علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك، ولكن سألت ليطمئن قلبي ~~باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم لم ~~يكن شاكا في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس ~~البشرية من رؤية ما أخبرت عنه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ~~ليس الخبر كالمعاينة ". وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك ~~لأنه شك في قدرة الله. واستدلوا بما صح عنه صلى ms0475 الله عليه وآله وسلم في ~~الصحيحين وغيرهما من قوله " نحن أحق بالشك من إبراهيم " وبما روى عن ابن ~~عباس أنه قال " ما في القرآن عندي آية أرجي منها ". أخرجه عنه عبد الرزاق ~~وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد ~~حكايته له. قال ابن عطية: وهو عندي مردود، يعني قول هذه الطائفة، ثم قال: ~~وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " نحن أحق بالشك من إبراهيم " ~~فمعناه: أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، فإبراهيم أحرى أن ~~لا يشك. فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم: وأما قول ابن عباس: هي أرجى ~~آية، فمن حيث أن فيها الإدلال على الله وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست ~~مظنة ذلك. ويجوز أن نقول هي أرجى آية لقوله (أو لم تؤمن) أي أن الإيمان كاف ~~لا يحتاج PageV01P281 # معه إلى تنقير وبحث، قال: فالشك يبعد على من ثبت قدمه في الإيمان فقط، ~~فكيف بمرتبة النبوة والخلة؟ والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي ~~فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر الألفاظ للآية لم ~~تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شئ موجود متقرر ~~الوجود عند السائل والمسؤول نحو قولك: كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ ونحو ~~هذا، ومتى قلت: كيف ثوبك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله. وقد ~~تكون كيف خبرا عن شئ شأنه أن يستفهم عنه بكيف نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو ~~قول البخاري: كيف كان بدء الوحي؟ وهي في هذه الآية استفهام عن هيئة ~~الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شئ قد يعبرون ~~عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشئ يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن ~~الشئ في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع: أنا أرفع هذا الجبل، فيقول ~~المكذب له: أرني كيف ترفعه. فهذه طريقة مجاز في العبارة ومعناها تسليم جدل، ~~كأنه يقول: افرض أنك ms0476 ترفعه. فلما كان في عبارة الخليل هذا الاشتراك المجازي ~~خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له (أو لم تؤمن قال بلى) ~~فكمل الأمر وتخلص من كل شئ، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. قال ~~القرطبي: # هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم ~~مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر ~~الله سبحانه أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل: فقال - إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان -. وقال اللعين - إلا عبادك منهم المخلصين - وإذا لم ~~يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء ~~الموتى بعد تفريقها، واتصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها فأراد أن يرقى من ~~علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله (أرني كيف) طلب مشاهدة الكيفية. قال ~~الماوردي: # وليست الألف في قوله (أولم تؤمن) ألف الاستفهام، وإنما هي ألف إيجاب ~~وتقرير كما قال جرير: # ألستم خير من ركب المطايا * وأندي العالمين بطون راح والواو واو الحال، و ~~" تؤمن ": معناه إيمانا مطلقا دخل فيه فضل إحياء الموتى، والطمأنينة: ~~اعتدال وسكون. # وقال ابن جرير: معنى (ليطمئن قلبي) ليوقن. قوله (فخذ أربعة من الطير) ~~الفاء جواب شرط محذوف: أي إن أردت ذلك فخذ، والطير: اسم جمع لطائر كركب ~~لراكب، أو جمع أو مصدر، وخص الطير بذلك، قيل لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى ~~الإنسان، وقيل إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو، ~~وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير. وكل هذه لا تثمن ولا تغني ~~من جوع وليست إلا خواطر أفهام وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوها لكلام ~~الله، وعللا لما يرد في كلامه، وهكذا قيل ما وجه تخصيص هذا العدد فإن ~~الطمأنينة تحصل بإحياء واحد؟ فقيل إن الخليل إنما سأل واحدا على عدد ~~العبودية، فأعطى أربعا على قدر الربوبية، وقيل إن الطيور الأربعة إشارة إلى ~~الأركان الأربعة التي منها تتركب أركان الحيوان ونحو ذلك من الهذيان. قوله ~~(فصرهن ms0477 إليك) قرئ بضم الصاد وكسرها: أي اضممهن إليك وأملهن واجمعهن، يقال ~~رجل أصور: إذا كان مائل العنق، ويقال صار الشئ يصوره: أماله. قال الشاعر: # الله يعلم أنا في تلفتنا * يوم الفراق إلى جيراننا صور وقيل معناه قطعهن، ~~يقال صار الشئ يصوره: أي قطعه، ومنه قول توبة بن الحمير: # فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها * بنهضي وقد كان اجتماعي بصورها أي بقطعها، ~~وعلى هذا يكون قوله (إليك) متعلقا بقوله (خذ). وقوله (ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا). PageV01P282 # فيه الأمر بالتجزئة، لأن جعل كل جزء على جبل تستلزم تقدم التجزئة. قال ~~الزجاج: المعنى ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا، والجزء النصيب. ~~وقوله (يأتينك) في محل جزم على أنه جواب الأمر، ولكنه بني لأجل نون الجمع ~~المؤنث. وقوله (سعيا) المراد به الإسراع في الطيران أو المشي. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: إن إبراهيم ~~مر برجل ميت زعموا أنه حبشي على ساحل البحر، فرأى دواب البحر تخرج فتأكل ~~منه، وسباع الأرض تأتيه فتأكل منه، والطير يقع عليه فيأكل منه، فقال ~~إبراهيم عند ذلك: رب، هذه دواب البحر تأكل من هذا، وسباع الأرض والطير، ثم ~~تميت هذه فتبلى ثم تحييها، فأرني كيف تحيي الموتى (قال أولم تؤمن) يا ~~إبراهيم أني أحيي الموتى؟ (قال بلى) يا رب (ولكن ليطمئن قلبي) يقول: لأرى ~~من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني فقال الله: خذ أربعا من الطير واصنع ما صنع، ~~والطير الذي أخذ: وز، ورأل، وديك، وطاوس، وأحد نصفين مختلفين: ثم أتى أربعة ~~أجبل، فجعل على كل جبل نصفين مختلفين وهو قوله (ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا) ثم تنحى ورءوسها تحت قدميه فدعا باسم الله الأعظم، فرجع كل نصف إلى ~~نصفه، وكل ريش إلى طائره، ثم أقبلت تطير بغير رؤوس إلى قدميه تريد رءوسها ~~بأعناقها، فرفع قدميه فوضع كل طائر منها عنقه في رأسه فعادت كما كانت. وقد ~~أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ms0478 قتادة نحوه. وأخرج أيضا عبد بن حميد وابن ~~المنذر عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أنها كانت جيفة حمار. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ~~(ولكن ليطمئن قلبي) يقول: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فخذ أربعة من الطير) قال: ~~الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال الأربعة من الطير: الديك، والطاوس. ~~والغراب، والحمام وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، ~~والبيهقي عن ابن عباس (فصرهن) قال: # قطعهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال هي بالنبطية: شققهن. وأخرجا ~~عنه أنه قال (فصرهن) أوثقهن وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: وضعهن على سبعة ~~أجبل، وأخذ الرؤوس بيده فجعل ينظر إلى القطرة تلقى القطرة والريشة تلقى ~~الريشة حتى صرن أحياء ليس لهن رؤوس، فجئن إلى رؤوسهن فدخلن فيها. ~~PageV01P283 # قوله (كمثل حبة) لا يصح جعل هذا خبرا عن قوله (مثل الذين ينفقون) ~~لاختلافهما فلا بد من تقدير محذوف إما في الأول: أي مثل نفقة الذين ينفقون، ~~أو في الثاني: أي كمثل زارع حبة، والمراد بالسبع السنابل هي التي تخرج في ~~ساق واحد يتشعب منه سبع شعب في كل شعبة سنبلة، والحبة اسم لكل ما يزدرعه ~~ابن آدم، ومنه قول المتلمس: # آليت حب العراق الدهر أطعمه * والحب يأكله في القرية السوس قيل المراد ~~بالسنابل هنا سنابل الدخن، فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد. وقال ~~القرطبي: إن سنبل الدخن يجئ في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر ~~على ما شاهدنا. قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، ~~وأما في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال الطبري: إن ~~قوله (في كل سنبلة مائة حبة) معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن تفرضه. قوله ~~(والله يضاعف ms0479 لمن يشاء) يحتمل أن يكون المراد يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء ~~أو يضاعف هذا العدد، فيزيد عليه أضعافه لمن يشاء وهذا هو الراجح لما سيأتي. ~~وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية بأن نفقة الجهاد ~~حسنتها بسبعمائة ضعف فيبني العام على الخاص، وهذا بناء على أن سبيل الله هو ~~الجهاد فقط، وأما إذا كان المراد به وجوه الخير فيخص هذا التضعيف إلى ~~سبعمائة بثواب النفقات وتكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك. قوله (الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله) هذه الجملة متضمنة لبيان كيفية الإنفاق الذي ~~تقدم، أي هو إنفاق الذين ينفقون ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى. والمن ~~هو ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، وقيل المن: التحدث بما ~~أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه، والمن من الكبائر كما ثبت في صحيح مسلم ~~وغيره أنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~عظيم. والأذى: السب والتطاول والتشكي. قال في الكشاف: ومعنى " ثم " إظهار ~~التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى: وإن تركهما خير من نفس الإنفاق، كما ~~جعل الاستقامة على الإيمان خيرا من الدخول فيه بقوله - ثم استقاموا - ~~انتهى. وقدم المن على الأذى لكثرة وقوعه ووسط كلمة (لا) للدلالة على شمول ~~النفي. وقوله (عند ربهم) فيه تأكيد وتشريف. وقوله (ولا خوف عليهم) ظاهرة ~~نفي الخوف عنهم في الدارين لما تفيده النكرة الواقعة في ساق النفي من ~~الشمول، وكذلك (ولاهم يحزنون) يفيد دوام انتفاء الحزن عنهم. قوله (قول ~~معروف ومغفرة) قيل الخبر محذوف: أي أولى وأمثل، ذكره النحاس. قال: ويجوز أن ~~يكون خبرا عن مبتدأ محذوف: أي الذي أمرتم به قول معروف. وقوله (ومغفرة) ~~مبتدأ أيضا وخبره قوله (خير من صدقة) وقيل إن قوله " خير " خبر عن قوله " ~~قول معروف " وعن قوله " ومغفرة " وجاز الابتداء بالنكرتين لأن الأولى تخصصت ~~بالوصف، والثانية بالعطف، والمعنى: أن القول المعروف من المسؤول للسائل وهو ~~التأنيس والترجية بما عند الله، والرد الجميل خير من الصدقة التي ms0480 يتبعها ~~أذى. وقد ثبت في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم " الكلمة الطيبة ~~صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " وما أحسن ما قاله ابن دريد: ~~PageV01P284 # لا تدخلنك ضجرة من سائل * فلخير دهرك أن ترى مسؤولا لا تجبهن بالرد وجه ~~مؤمل * فبقاء عزك أن ترى مأمولا والمراد بالمغفرة الستر للخلة، وسوء حالة ~~المحتاج، والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدر صدر المسؤول، ~~وقيل المراد: أن العفو من جهة السائل، لأنه إذا رده ردا جميلا عذره، وقيل ~~المراد: فعل يؤدى إلى المغفرة خير من صدقة: أي غفران الله خير من صدقتكم. ~~وهذه الجملة مستأنفة مقررة لترك اتباع المن والأذى للصدقة. قوله (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) الإبطال للصدقات: إذهاب أثرها ~~وإفساد منفعتها: أي لا تبطلوها بالمن والأذى أو بأحدهما. قوله (كالذي) أي ~~إبطالا كإبطال الذي على أنه نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن يكون حالا: أي لا ~~تبطلوا مشابهين للذي ينفق ماله رئاء الناس، وانتصاب رئاء على أنه علة لقوله ~~(ينفق) أي لأجل الرياء أو حال أي ينفق مرائيا لا يقصد بذلك وجه الله وثواب ~~الآخرة، بل يفعل ذلك رياء للناس استجلابا لثنائهم عليه ومدحهم له، قيل ~~والمراد به المنافق بدليل قوله (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر). قوله (فمثله ~~كمثل صفوان) الصفوان الحجر الكبير الأملس. وقال الأخفش: صفوان جمع صفوانة. ~~وقال الكسائي: # صفوان واحد وجمعه صفي وأصفى، وأنكره المبرد. وقال النحاس: يجوز أن يكون ~~جمعا ويجوز أن يكون واحدا وهو أولى لقوله (عليه تراب فأصابه وابل) والوابل ~~المطر الشديد، مثل الله سبحانه هذا المنفق بصفوان عليه تراب يظنه الظان ~~أرضا منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا: أي ~~أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه، فكذلك هذا المرائي فإن نفقته لا تنفعه ~~كما لا ينفع المطر الواقع على الصفوان الذي عليه تراب قوله (لا يقدرون على ~~شئ مما كسبوا) أي لا ينتفعون بما فعلوه رياء ولا ms0481 يجدون له ثوابا، والجملة ~~مستأنفة كأنه قيل: # ماذا يكون حالهم حينئذ؟ فقيل: لا يقدرون الخ، والضميران للموصول: أي ~~كالذي باعتبار المعنى كما في قوله تعالى - وخضتم كالذي خاضوا - أي الجنس أو ~~الجمع أو الفريق. قوله (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله ~~وتثبيتا من أنفسهم) قيل إن قوله (ابتغاء مرضات الله) مفعول له، وتثبيتا ~~معطوف عليه، وهو أيضا مفعول له: # أي الإنفاق لأجل الابتغاء. والتثبيت كذا قال مكي في المشكل. قال ابن ~~عطية: وهو مردود لا يصح في تثبيتا أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من ~~أجل التثبيت. قال: وابتغاء نصب على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجه فيه ~~النصب على المفعول من أجله، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف ~~المصدر الذي هو تثبيتا عليه، وابتغاء معناه طلب، ومرضات مصدر رضي يرضى، ~~وتثبيتا معناه: أنهم يتثبتون من أنفسهم ببذل أموالهم على الإيمان وسائر ~~العبادات رياضة لها وتدريبا وتمرينا، أو يكون التثبيت بمعنى التصديق: أي ~~تصديقا للإسلام ناشئا من جهة أنفسهم. وقد اختلف السلف في معنى هذا الحرف، ~~فقال الحسن ومجاهد: معناه أنهم يتثبتون أن يضعوا صدقاتهم، وقيل معناه ~~تصديقا ويقينا، روى ذلك عن ابن عباس، وقيل معناه احتسابا من أنفسهم، قاله ~~قتادة، وقيل معناه أن أنفسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة ~~الله تثبيتا. قاله الشعبي والسدي وابن زيد وأبو صالح وهذا أرجح مما قبله. ~~يقال ثبت فلانا في هذا الأمر أثبته تثبيتا: أي صححت عزمه قوله (كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل) الجنة: البستان، وهي أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، ~~مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارها. والربوة: المكان المرتفع ارتفاعا ~~يسيرا، وهي مثلثة الراء، وبها قرئ، وإنما خص الربوة لأن نباتها يكون أحسن ~~من غيره، مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب للطاقة هوائه بهبوب الرياح ~~الملطفة له قال الطبري: وهي رياض الحزن التي تستشكر العرب من ذكرها. ~~واعترضه ابن عطية فقال إن رياض الحزن PageV01P285 # منسوبة إلى نجد، لأنها خير من رياض تهامة، ms0482 ونبات نجد أعطر، ونسيمه أبرد ~~وأرق، ونجد يقال لها حزن، وليست هذه المذكورة هنا من ذاك، ولفظ الربوة ~~مأخوذ من ربا يربو إذا زاد. وقال الخليل الربوة: أرض مرتفعة طيبة. والوابل: ~~المطر الشديد كما تقدم، يقال،: وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. قال ~~الأخفش: # ومنه قوله تعالى - أخذا وبيلا - أي شديدا، وضرب وبيل، وعذاب وبيل (فآتت ~~أكلها) بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل كقوله تعالى - تؤتي أكلها كل حين - ~~وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الفرس وباب الدار قرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو أكلها بضم الهمزة وسكون الكاف تخفيفا. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة ~~والكسائي بتحريك الكاف بالضم. وقوله (ضعفين) أي مثلي ما كانت تثمر بسبب ~~الوابل. فالمراد بالضعف المثل، وقيل أربعة أمثال، ونصبه على الحال من ~~أكلها: أي مضاعفا. قوله (فإن لم يصبها وابل فطل) أي فإن الطل يكفيها: وهو ~~المطر الضعيف المستدق القطر. قال المبرد وغيره: وتقديره فطل يكفيها. وقال ~~الزجاج: تقديره فالذي يصيبها طل والمراد أن الطل ينوب مناب الوابل في إخراج ~~الثمرة ضعفين. وقال قوم: الطل الندى. وفي الصحاح الطل: # أضعف المطر، والجمع أطلال. قال الماوردي: وزرع الطل أضعف من زرع المطر. ~~والمعنى: أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت متفاوتة، ~~ويجوز أن يعتبر التمثيل ما بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة ~~الكثيرة والقليلة، وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من المطر الكثير ~~والقليل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكلها، فكذلك نفقتهم جلت أو قلت ~~بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في أجورهم. وقوله (والله بما تعلمون ~~بصير). قرأ الزهري بالتاء التحتية. وقرأ الجمهور بالفوقية، وفي هذا ترغيب ~~لهم في الإخلاص مع نرهيب من الرياء ونحوه، فهو وعد ووعيد. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) عن ~~الربيع قال: كان من " بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الهجرة ورابط ~~معه بالمدينة ولم يذهب وجها إلا بإذنه كانت له ms0483 الحسنة بسبعمائة ضعف، ومن ~~بايع على الإسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها ". وأخرج مسلم وأحمد والنسائي ~~والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة ~~كلها مخطومة ". وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم ~~وصححه والبيهقي في الشعب عن خزيم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف ". وأخرجه ~~البخاري في تاريخه من حديث أنس. وأخرجه أحمد من حديث أبي عبيدة وزاد " ومن ~~أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضا فالحسنة بعشر أمثالها ". وأخرج نحوه ~~النسائي في الصوم. وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم من حديث عمران بن حصين ~~وعلى وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة وعبد الله ابن عمرو وجابر كلهم ~~يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " من أرسل بنفقة في سبيل ~~الله وأقام في بيته فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه ~~في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف ~~درهم، ثم تلا هذه الآية - والله يضاعف لمن يشاء ". وأخرجه أيضا ابن ماجة من ~~حديث الحسن بن علي وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " ~~وأخرجه أيضا مسلم. وأخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " طوبى لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر ~~الله، فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة، كل حسنة منها عشرة أضعاف " وقد ~~PageV01P286 # تقدم ذكر طرف من أحاديث التضعيف للحسنات عند قوله تعالى - من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة -. وقد وردت ms0484 الأحاديث الصحيحة ~~في أجر من جهز غازيا. وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن سهل بن معاذ عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الصلاة والصوم والذكر ~~تضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف ". وأخرج أحمد والطبراني في ~~الأوسط والبيهقي في سننه عن بريدة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " النفقة في الحج كالنفقة في سبيل ~~الله بسبعمائة ضعف ". وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال في تفسير قوله تعالى ~~(ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى) إن أقواما يبعثون الرجل منهم في سبيل ~~الله أو ينفق على الرجل أو يعطيه النفقة ثم يمن عليه ويؤذيه: يعني أن هذا ~~سبب النزول. وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه. وقد وردت ~~الأحاديث الصحيحة في النهي عن المن والأذى وفي فضل الإنفاق في سبيل الله ~~وعلى الأقارب وفي وجوه الخير، ولا حاجة إلى التطويل بذكرها فهي معروفة في ~~مواطنها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال: بلغنا أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق، ألم تسمع ~~قول الله تعالى (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) ". وأخرج ابن ~~المنذر عن الضحاك في قوله (قول معروف) قال: رد جميل، تقول: يرحمك الله، ~~يرزقك الله، ولا تنهره ولا تغلظ له القول. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال " لا يدخل الجنة منان وذلك في كتاب الله (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى) ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(صفوان) يقول: الحجر (فتركه صلدا) يقول: ليس عليه شئ. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: الوابل المطر. # وأخرجا عن قتادة قال: الوابل المطر الشديد، قال: وهذا مثل ضربه الله ~~لأعمال الكفار يوم القيامة (لا يقدرون على شئ مما كسبوا) يومئذ كما ترك هذا ~~المطر هذا الحجر ليس عليه شئ أنقى مما ms0485 كان. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(فتركه صلدا) قال: يابسا جاثيا لا ينبت شيئا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع ~~في قوله (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله) قال: هذا مثل ضربه ~~الله لعمل المؤمن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي في قوله (وتثبيتا ~~من أنفسهم) قال: تصديقا ويقينا. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح نحوه. وأخرج ~~عبد ابن حميد وابن جرير قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم. وأخرجا عن الحسن ~~قال: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كان لله أمضاه، وإن خالطه شئ من ~~الرياء أمسك. وأخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله (تثبيتا) قال: النية وأخرج ~~الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: الربوة النشز من الأرض. وأخرج ابن جرير عن ~~مجاهد قال: الربوة الأرض المستوية المرتفعة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عباس قال: هي المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار. وأخرج ابن جرير ~~عنه في قوله تعالى (فظل) قال: الندى. أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ~~قال: الطل الرذاذ من المطر: يعني اللين منه. وأخرجا عن قتادة قال: هذا مثل ~~ضربه الله لعمل المؤمن يقول: ليس لخيره خلف كما ليس لخير هذه الجنة خلف على ~~أي حال كان، إن أصابها وابل وإن أصابها طل. PageV01P287 # الود: الحب للشيء مع تمنيه، والهمزة الداخلة على الفعل لإنكار الوقوع، ~~والجنة تطلق على الشجر الملتف وعلى الأرض التي فيها الشجر. والأول أولى هنا ~~لقوله (تجري من تحتها الأنهار) بإرجاع الضمير إلى الشجر من دون حاجة إلى ~~مضاف محذوف وأما على الوجه الثاني فلا بد من تقديره أي من تحت أشجارها ~~وهكذا قوله (فاحترقت) لا يحتاج إلى تقدير مضاف على الوجه الأول، وأما على ~~الثاني فيحتاج إلى تقديره: أي فاحترقت أشجارها، وخص النخيل والأعناب بالذكر ~~مع قوله (له فيها من كل الثمرات) لكونهما أكرم الشجر، وهذه الجمل صفات ~~للجنة، والواو في قوله (وأصابه الكبر) قيل عاطفه على قوله (تكون) ماض على ~~مستقبل، وقيل على ms0486 قوله (يود) وقيل إنه محمول على المعنى إذ تكون في معنى ~~كانت وقيل إنها واو الحال أي وقد أصابه الكبر وهذا أرجح. وكبر السن هو مظنة ~~شدة الحاجة لما يلحق صاحبه من العجز عن تعاطى الأسباب. وقوله (وله ذرية ~~ضعفاء) حال من الضمير في أصابه: أي والحال أن له ذرية ضعفاء، فإن من جمع ~~بين كبر السن وضعف الذرية كان تحسره على تلك الجنة في غاية الشدة. ~~والإعصار: الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي ~~يقال لها الزوبعة، قاله الزجاج. قال الجوهري: الزوبعة رئيس من رؤساء الجن، ~~ومنه سمي الإعصار زوبعة، ويقال أم زوبعة: وهي ريح يثير الغبار ويرتفع إلى ~~السماء كأنه عمود، وقيل هي ريح تثير سحابا ذات رعد وبرق. وقوله (فاحترقت) ~~عطف على قوله (فأصابها) وهذه الآية تمثيل من يعمل خيرا ويضم إليه ما يحبطه ~~فيجده يوم القيامة عند شدة حاجته إليه لا يسمن ولا يغني من جوع بحال من له ~~هذه الجنة الموصوفة وهو متصف بتلك الصفة. # وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: قال: عمر يوما لأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيم ترون هذه الآية نزلت (أيود أحدكم أن تكون له جنة)؟ ~~قالوا: الله أعلم، قال: قولوا نعلم أولا نعلم، قال ابن عباس في نفسي منها ~~شئ يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا بن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ~~ضربت مثلا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل عني يعمل لطاعة الله، ~~ثم بعث الله به الشيطان فعمل في المعاصي حتى أغرق عمله. وأخرج ابن جرير عن ~~عمر قال: هذا مثل ضرب لإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر عمره ~~أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله (إعصار فيه نار) قال: ريح ~~فيها سموم شديدة. PageV01P288 # قوله (من طيبات ما كسبتم) أي من جيد ما ms0487 كسبتم ومختاره، كذا قال الجمهور. ~~وقال جماعة: إن معنى الطيبات هنا الحلال، ولا مانع من اعتبار الأمرين ~~جميعا، لأن جيد الكسب ومختاره إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع، وإن ~~أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالا كان أو حراما، فالحقيقة ~~الشرعية مقدمة على اللغوية. وقوله (ومما أخرجنا لكم من الأرض) أي ومن طيبات ~~ما أخرجنا لكم من الأرض، وحذف لدلالة ما قبله عليه، وهي النباتات والمعادن ~~والركاز. قوله (ولا تيمموا الخبيث) أي لا تقصدوا المال الردئ، وقرأه ~~الجمهور بفتح حرف المضارعة وتخفيف الياء، وقرأ ابن كثير بتشديدها. وقرأ ابن ~~مسعود " ولا تأمموا " وهي لغة. # وقرأ أبو مسلم بن خباب بضم الفوقية وكسر الميم. وحكى أبو عمرو أن ابن ~~مسعود قرأ " تئمموا " بهمزة بعد المضمومة وفي الآية الأمر بإنفاق الطيب ~~والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في الصدقة ~~المفروضة، وذهب آخرون إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع، وهو الظاهر، وسيأتي ~~من الأدلة ما يؤيد هذا، وتقديم الظرف في قوله (منه تنفقون) يفيد التخصيص أي ~~لا تخصوا الخبيث بالإنفاق، والجملة في محل نصب على الحال: أي لا تقصدوا ~~المال الخبيث مخصصين الإنفاق به قاصرين له عليه. قوله (ولستم بآخذيه) أي ~~والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات هكذا بين معناه ~~الجمهور، وقيل معناه: ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع. وقوله (إلا ~~أن تغمضوا فيه) هو من أغمض الرجل في أمر كذا: إذا تساهل ورضي ببعض حقه ~~وتجاوز وغض بصره عنه، ومنه قول الشاعر: # إلى كم وكم أشياء منك تريبني * أغمض عنها لست عنها بذي عمى وقرأ الزهري ~~بفتح التاء وكسر الميم مخففا. وروى عنه أنه قرأ بضم التاء وفتح الغين وكسر ~~الميم مشددة وكذلك قرأ قتادة، والمعنى على القراءة الأولى من هاتين ~~القراءتين: إلا أن تهضموا سومها من البائع منكم، وعلى الثانية: إلا أن ~~تأخذوا بنقصان. قال ابن عطية: وقراءة الجمهور تخرج على التجاوز أو على ~~تغميض العين، ms0488 لأن أغمض بمنزلة غمض، وعلى أنها بمعنى حتى: أي حتى تأتوا ~~غامضا من التأويل، والنظر في أخذ ذلك. قوله (الشيطان يعدكم الفقر) قد تقدم ~~معنى الشيطان واشتقاقه. ويعدكم معناه يخوفكم الفقر: أي بالفقر لئلا تنفقوا، ~~فهذه الآية متصلة بما قبلها. وقرئ " الفقر " بضم الفاء وهي لغة. قال ~~الجوهري: والفقر لغة في الفقر، مثل الضعف، والضعف. # والفحشاء الخصلة الفحشاء، وهي المعاصي والإنفاق فيها والبخل عن الإنفاق ~~في الطاعات. قال في الكشاف: # والفاحش عند العرب البخيل انتهى. ومنه قول طرفة بن العبد: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد ولكن العرب ~~وإن أطلقته على البخيل فذلك لا ينافي إطلاقهم له على غيره من المعاصي، وقد ~~وقع كثيرا في كلامهم. وقوله (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) الوعد في كلام ~~العرب: إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيد فقد يقيد تارة بالخير وتارة بالشر. ~~ومنه قوله تعالى - النار وعدها الله الذين كفروا - ومنه أيضا ما في هذه ~~الآية من تقييد وعد الشيطان بالفقر، وتقييد وعد الله سبحانه بالمغفرة، ~~والفضل. والمغفرة: الستر على عباده في الدنيا والآخرة لذنوبهم وكفارتها، ~~والفضل أن يخلف عليهم أفضل مما أنفقوا فيوسع لهم في أرزاقهم وينعم عليهم في ~~الآخرة بما هو أفضل وأكثر وأجل وأجمل. قوله (يؤتي الحكمة) هي العلم، وقيل ~~الفهم وقيل الإصابة في القول ولا مانع من الحمل على الجميع شمولا أو بدلا، ~~وقيل إنها النبوة، وقيل العقل، وقيل الخشية، وقيل الورع وأصل الحكمة ما ~~يمنع من السفه، وهو كل قبيح. والمعنى: أن من أعطاه الله الحكمة فقد أعطاه ~~خيرا كثيرا: أي عظيما PageV01P289 # قدره جليلا خطره. وقرأ الزهري ويعقوب " ومن يؤتى الحكمة " على البناء ~~للفاعل وقرأه الجمهور على البناء للمفعول والألباب: العقول، واحدها لب، وقد ~~تقدم الكلام فيه. قوله (وما أنفقتم من نفقة) ما شرطية ويجوز أن تكون ~~موصولة، والعائد محذوف: أي الذي أنفقتموه، وهذا بيان لحكم عام يشمل كل صدقة ~~مقبولة وغير مقبولة وكل نذر مقبول أو غير مقبول. وقوله (فإن الله يعلمه) ~~فيه معنى ms0489 الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد لمن جاء بعكس ~~ذلك. ووحد الضمير مع كون مرجعه شيئين، هما النفقة والنذر، لأن التقدير: وما ~~أنفقتم من نفقة فإن الله يعلمها، أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه، ثم حذف ~~أحدهما استغناء بالآخر، قاله النحاس، وقيل إن ما كان العطف فيه بكلمة " أو ~~" كما في قولك: زيد أو عمرو، فإنه يقال أكرمته ولا يقال أكرمتهما، والأولى ~~أن يقال إن العطف بأو يجوز فيه الأمران توحيد الضمير كما في هذه الآية، وفي ~~قوله تعالى - وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها -. وقوله - ومن يكسب ~~خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا -، وتثنيته كما في قوله تعالى (إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما) ومن الأول في العطف بالواو قول امرئ القيس: # فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجته من جنوب وشمأل ومنه قول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف ومنه - والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها - وقيل إنه إذا وحد الضمير بعد ذكر شيئين أو ~~أشياء فهو بتأويل المذكور: أي فإن الله يعلم المذكور، وبه جزم ابن عطية ~~ورجحه القرطبي وذكر معناه كثير من النحاة في مؤلفاتهم. قوله (وما للظالمين ~~من أنصار) أي ما الظالمين أنفسهم بما وقعوا فيه من الإثم لمخالفة ما أمر ~~الله به من الإنفاق في وجوه الخير من أنصار ينصرونهم يمنعونهم من عقاب الله ~~بما ظلموا به أنفسهم والأولى الحمل على العموم من غير تخصيص لما يفيده ~~السياق: أي ما الظالمين بأي مظلمة كانت من أنصار. قوله (إن تبدوا الصدقات ~~فنعما هي) قرئ بفتح النون وكسر العين وبكسرهما وبكسر النون وسكون العين ~~وبكسر النون وإخفاء حركة العين. وقد حكى النحويون في " نعم " أربع لغات، ~~وهي هذه التي قرئ بها، وفي هذا نوع تفصيل لما أجمل في الشرطية المتقدمة: أي ~~إن تظهروا الصدقات فنعم شيئا إظهارها، وإن تخفوها وتصيبوا بها مصارفها من ~~الفقراء فالإخفاء خير لكم. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية ms0490 في ~~صدقة التطوع لا في صدقة الفرض قال فضيلة للإخفاء فيها بل قد قيل إن الإظهار ~~فيها أفضل، وقالت طائفة: إن الإخفاء أفضل في الفرض والتطوع. قوله (ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم) قرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتادة ~~وابن إسحاق نكفر بالنون والرفع. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالياء ~~والرفع. وقرأ الأعمش ونافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم وقرأ ابن عباس ~~بالتاء الفوقية وفتح الفاء والجزم. وقرأ الحسين بن علي الجعفي بالنون ونصب ~~الراء. فمن قرأ بالرفع فهو معطوف على محل الجملة الواقعة جوابا بعد الفاء، ~~أو على أنه خبر مبتدأ محذوف. ومن قرأ بالجزم فهو معطوف على الفاء وما ~~بعدها. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير أن. قال سيبويه: والرفع ها هنا الوجه ~~الجيد، وأجاز الجزم بتأويل وإن تخفوها يكن الإخفاء خيرا لكم ويكفر، وبمثل ~~قول سيبويه قال الخليل. ومن في قوله (من سيئاتكم) للتبعيض: أي شيئا من ~~سيئاتكم. وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة، وذلك على رأي الأخفش. قال ابن ~~عطية: وذلك منهم خطأ. # وقد أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى (يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) PageV01P290 # قال: من الذهب والفضة (ومما أخرجنا لكم من الأرض) يعني من الحب والثمر ~~وكل شئ عليه زكاة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله (أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم) قال: من التجارة (ومما أخرجنا لكم من الأرض) قال: من الثمار. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن البراء بن ~~عازب في قوله (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) قال: نزلت فينا معشر الأنصار، ~~كنا أصحاب نخل وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل ~~يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس ms0491 لهم طعام، فكان ~~أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ~~ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر ~~فيعلقه، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه) قال: لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على ~~إغماض وحياء، قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده. وأخرج عبد بن ~~حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان فينظر إلى ~~أردئهما تمرا فيتصدق به ويخلط به الحشف فنزلت الآية، فعاب الله ذلك عليهم ~~ونهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة الفطر فجاء رجل بتمر ردئ، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الذي يخرص النخل أن لا يجيز. فأنزل الله تعالى ~~الآية هذه. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن سهل بن ~~حنيف قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصدقة، فجاء رجل بكبائس ~~من هذا السخل: يعني الشيص فوضعه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: # من جاء بهذا؟ وكان كل من جاء بشئ نسب إليه، فنزلت (ولا تيمموا الخبيث) ~~الآية. ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن لونين من التمر أن يوجدا ~~في الصدقة، الجعرور ولون الحبيق. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء ~~في المختارة عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله (يا أيها آمنوا) الآية. وأخرج ~~ابن جرير عن عبيدة السلماني قال: سألت على ابن أبي طالب عن قول الله تعالى ~~(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا) الآية، فقال: نزلت ms0492 هذه الآية في الزكاة ~~المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية، فإذا جاء ~~صاحب الصدقة أعطاه من الردئ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (يؤتى الحكمة من يشاء) قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ~~ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. وأخرج ابن ~~مردويه عنه: أنها القرآن يعني تفسيره. وأخرج ابن المنذر عنه أنها النبوة. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: إنها الفقه في القرآن. # وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء (يؤتى الحكمة) قال قراءة القرآن ~~والفكرة فيه. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: هي الكتاب والفهم به. ~~وأخرج أيضا عن النخعي نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: # هي الكتاب يؤتي إصابته من يشاء. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: هي الإصابة ~~في القول. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هي الخشية لله. وأخرج ~~أيضا عن مطر الوراق مثله. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فإن الله يعلمه) ~~قال: يحصيه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نذر الطاعة ~~والمعصية في الصحيح وغيره ما هو معروف كقوله صلى الله PageV01P291 # عليه وآله وسلم " لا نذر في معصية الله " وقوله " من نذر أن يطيع الله ~~فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " وقوله " النذر ما ابتغى به وجه الله " ~~وثبت عنه في كفارة النذر ما هو معروف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) الآية، قال: فجعل ~~السر في التطوع يفضل علانيتها سبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل ~~من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن تبدوا الصدقات) الآية، قال: ~~كان هذا يعمل قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة ms0493 بفرائض الصدقات وتفصيلها ~~انتهت الصدقات إليها. # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (إن تبدوا الصدقات) الآية، قال: ~~هذا منسوخ. وقوله - وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم - قال: منسوخ، ~~نسخ كل صدقة في القرآن الآية التي في سورة التوبة - إنما الصدقات للفقراء - ~~وقد ورد في فضل صدقة السر أحاديث صحيحة مرفوعة. # قوله (ليس عليك هداهم) أي ليس بواجب عليك أن تجعلهم مهديين قابلين لما ~~أمروا به ونهوا عنه (ولكن الله يهدي من يشاء) هداية توصله إلى المطلوب، ~~وهذه الجملة معترضة وفيها الالتفات، وسيأتي بيان السبب الذي نزلت لأجله، ~~والمراد بقوله (من خير) كل ما يصدق عليه اسم الخير كائنا ما كان، وهو متعلق ~~بمحذوف: أي أي شئ تنفقون كائنا من خير، ثم بين أن النفقة المعتد بها ~~المقبولة إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله سبحانه: أي لابتغاء وجه الله. ~~وقوله (يوف إليكم) أي أجره وثوابه على الوجه الذي تقدم ذكره من التضعيف. ~~قوله (للفقراء) متعلق بقوله (وما تنفقوا من خير) أو بمحذوف: أي اجعلوا ذلك ~~للفقراء أو خبر مبتدأ محذوف: أي إنفاقكم للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ~~بالغزو أو الجهاد، وقيل منعوا عن التكسب لما هم فيه من الضعف (الذين لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض) للتكسب بالتجارة والزراعة، ونحو ذلك بسبب ضعفهم، ~~قيل هم فقراء الصفة، وقيل كل من يتصف بالفقر وما ذكر معه. ثم ذكر سبحانه من ~~أحوال أولئك الفقراء ما يوجب الحنو عليهم والشفقة بهم، وهو كونهم متعففين ~~عن المسئلة وإطهار المسكنة بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. والتعفف تفعل وهو ~~بناء مبالغة من عف عن الشئ: إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه، وفي " يحسبهم " ~~لغتان: فتح السين، وكسرها. # قال أبو علي الفارسي: والفتح أقيس، لأن العين من الماضي مكسورة، فبابها ~~أن تأتي في المضارع مفتوحة. # فالقراءة بالكسر على هذا حسنة وإن كانت شاذة. و " من " في قوله " من ~~التعفف " لابتداء الغاية، وقيل لبيان PageV01P292 # الجنس. قوله (تعرفهم بسيماهم) أي برثاثة ثيابهم وضعف أبدانهم وكل ما يشعر ms0494 ~~بالفقر والحاجة. والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من ~~يصلح للمخاطبة، والسيما مقصورة: العلامة، وقد تمد. والإلحاف: # الإلحاح في المسئلة، وهو مشتق من اللحاف، سمى بذلك لاشتماله على وجوه ~~الطلب في المسئلة كاشتمال اللحاف على التغطية. ومعنى قوله (لا يسألون الناس ~~إلحافا) أنهم لا يسألونهم ألبتة، لا سؤال إلحاح، ولا سؤال غير إلحاح. # وبه قال الطبري والزجاج، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ووجهه أن التعفف صفة ~~ثابتة لهم لا تفارقهم، ومجرد السؤال ينافيها، وقيل المراد أنهم إذا سألوا ~~سألوا بتلطف ولا يلحفون في سؤالهم، وهذا وإن كان هو الظاهر من توجه النفي ~~إلى القيد دون المقيد، لكن صفة التعفف تنافيه، وأيضا كون الجاهل بهم يحسبهم ~~أغنياء لا يكون إلا مع عدم السؤال ألبتة. وقوله (بالليل والنهار) يفيد ~~زيادة رغبتهم في الإنفاق وشدة حرصهم عليه حتى أنهم لا يتركون ذلك ليلا ولا ~~نهارا، ويفعلونه سرا وجهرا عند أن تنزل بهم حجة المحتاجين، ويظهر لديهم ~~فاقة المفتاقين في جميع الأزمنة على جميع الأحوال. ودخول الفاء في خبر ~~الموصول أعني قوله (فلهم أجرهم) لدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها، وقيل ~~هي للعطف والخبر للموصول محذوف: أي ومنهم الذين ينفقون. # وقد أخرج عبد بن حميد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن ~~عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فنزلت هذه الآية ~~(ليس عليك هداهم) إلى قوله (وأنتم لا تظلمون) فرخص لهم. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والضياء عنه قال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرنا ~~أن لا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية، فأمر بالصدقة بعدها ~~على كل من سألك من كل دين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد ابن جبير ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الحنيفة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~قال: كان أناس من الأنصار لهم نسب وقرابة من ms0495 قريظة والنضير، وكان يتقون أن ~~لا يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا، فنزلت (ليس عليك هداهم) الآية. ~~وأخرج ابن المنذر عن عمرو الهلالي قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنتصدق على فقراء أهل الكتاب؟ فأنزل الله (ليس عليك هداهم) الآية. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني قال في قوله (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه ~~الله) قال: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وأخرج ابن المنذر من ~~طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله (للفقراء الذين أحصروا في ~~سبيل الله) قال: هم أصحاب الصفة. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال ~~هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمروا بالصدقة ~~عليهم. # وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله (الذين أحصروا في سبيل الله) قال: ~~حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو فلا يستطيعون تجارة. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: هم قوم أصابتهم الجراحات ~~في سبيل الله فصاروا زمني، فجعل لهم في أموال المسلمين حقا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله (لا يستطيعون ضربا في الأرض) قال: لا ~~يستطيعون تجارة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى نحوه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن الحسن في قوله (يحسبهم الجاهل أغنياء) قال: دل الله المؤمنين ~~عليهم وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضى عنهم. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (تعرفهم ~~بنسيماهم) قال: التخشع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أن معناه ~~تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد) تعرفهم ~~بسيماهم) قال: رثاثة PageV01P293 # ثيابهم، وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " ليس المسكين الذي ترده ms0496 التمرة والتمرتان، ~~واللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرءوا إن شئتم: # لا يسألون الناس إلحافا ". وقد ورد في تحريم المسئلة أحاديث كثيرة إلا ~~لذي سلطان أو في أمر لا يجد منه بدا. وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن عدي والطبراني وأبو الشيخ عن يزيد بن عبد الله بن غريب المليكي ~~عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " أنزلت هذه الآية ~~(الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار) في أصحاب الخيل ". وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي نحوه قال: فيمن لا يربطها ~~خيلاء ولا رياء ولا سمعة. وأخرج ابن جرير عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حنش الصنعاني أنه سمع ابن عباس يقول ~~في هذه الآية: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله. وأخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن عساكر من طريق ~~عبد الوهاب ابن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية، قال: نزلت في علي ~~بن أبي طالب كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهما، وبالنهار درهما، ~~ودرهما سرا، ودرهما علانية. وعبد الوهاب ضعيف ولكن قد رواه ابن مردويه من ~~وجه آخر عن ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في ~~هذه الآية قال: # هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير سرف ولا إملاق ~~ولا تبذير ولا فساد. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: نزلت في عبد ~~الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة. # الربا في اللغة: الزيادة مطلقا، يقال ربا الشئ يربو: إذا زاد، وفي الشرع ~~يطلق على شيئين، على ربا الفضل، وربا النسيئة حسبما هو مفصل في كتب الفروع، ~~وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حل أجل الدين قال من هو له لمن هو ~~عليه: أتقضى أم تربي؟ فإذا لم يقض ms0497 زاد مقدارا في المال الذي عليه وأخر له ~~الأجل إلى حين. وهذا حرام بالاتفاق، وقياس كتابة الربا بالياء للكسرة في ~~أوله. وقد كتبوه في المصحف بالواو. قال في الكشاف: على لغة من يفخم كما ~~كتبت الصلاة والزكاة، وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع انتهى. # قلت: وهذا مجرد اصطلاح لا يلزم المشي عليه، فإن هذه النقوش الكتابية أمور ~~اصطلاحية لا يشاحح في مثلها إلا فيما كان يدل به منها على الحرف الذي كان ~~في أصل الكلمة ونحوه كما هو مقرر في مباحث الخط من علم الصرف، PageV01P294 # وعلى كل حال فرسم الكلمة وجعل نقشها الكتابي على ما يقتضيه اللفظ بها هو ~~الأولى، فما كان في النطق ألفا كالصلاة والزكاة ونحوهما كان الأولى في رسمه ~~أن يكون كذلك، وكون أصل هذا الألف واوا أو ياء لا يخفي على من يعرف علم ~~الصرف، وهذه النقوش ليست إلا لفهم اللفظ الذي يدل بها عليه كيف هو في نطق ~~من ينطق به لا لتفهيم أن أصل الكلمة كذا مما لا يجري به النطق، فاعرف هذا ~~ولا تشتغل بما يعتبره كثير من أهل العلم في هذه النقوش ويلزمون به أنفسهم ~~ويعيبون من خالفه، فإن ذلك من المشاححة في الأمور الاصطلاحية التي لا تلزم ~~أحدا أن يتقيد بها، فعليك بأن ترسم هذه النقوش على ما يلفظ به اللافظ عند ~~قراءتها، فإنه الأمر المطلوب من وضعها والتواضع عليها، وليس الأمر المطلوب ~~منها أن تكون دالة على ما هو أصل الكلمة التي يتلفظ بها المتلفظ مما لا ~~يجري في لفظه الآن، فلا تغتر بما يروي عن سيبويه ونحاة البصرة أن يكتب ~~الربا بالواو، لأنه يقول في تثنيته ربوان. # وقال الكوفيون: يكتب بالياء، وتثنية ربيان. قال الزجاج: ما رأيت خطأ أقبح ~~من هذا ولا أشنع، لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئوا في التثنية وهم ~~يقرءون - وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو - وليس المراد ~~بقوله هنا (الذين يأكلون الربا) اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله، بل هو عام ms0498 ~~لكل من يعامل بالربا فيأخذه ويعطيه، وإنما خص الآكل لزيادة التشنيع على ~~فاعله، ولكونه هو الغرض الأهم فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل قوله (لا ~~يقومون) أي يوم القيامة، كما يدل عليه قراءة ابن مسعود (لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة). أخرجه عبد بن حميد وابن ~~أبي حاتم، وبهذا فسره جمهور المفسرين قالوا: إنه يبعث كالمجنون عقوبة له ~~وتمقيتا عند أهل المحشر، وقيل إن المراد تشبيه من يحرص في تجارته فيجمع ~~ماله من الربا بقيام المجنون، لأن الحرص والطمع والرغبة في الجمع قد ~~استفزته حتى صار شبيها في حركته بالمجنون، كما يقال لمن يسرع في مشيه ~~ويضطرب في حركاته: إنه قد جن، ومنه قول الأعشى في ناقته: # وتصبح من غب السرى وكأنها * ألم بها من طائف الجن أولق فجعلها بسرعة ~~مشيها ونشاطها كالمجنون. قوله (إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) ~~أي إلا قياما كقيام الذي يتخبطه، والخبط: الضرب بغير استواء كخبط العشواء ~~وهو المصروع. والمس: الجنون، والأمس: المجنون، وكذلك الأولق وهو متعلق ~~بقوله (يقومون) أي لا يقومون من المس الذي بهم (إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان) أو متعلق بيقوم. وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا ~~يكون من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما ~~كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان، وليس بصحيح، وإن الشيطان لا ~~يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس. وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من أن يتخبطه الشيطان، كما أخرجه النسائي وغيره. قوله (ذلك) إشارة إلى ~~ما ذكر من حالهم وعقوبتهم بسبب قولهم (إنما البيع مثل الربا) أي أنهم جعلوا ~~البيع والربا شيئا واحدا، وإنما شبهوا البيع بالربا مبالغة بجعلهم الربا ~~أصلا والبيع فرعا، أي إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل كالبيع بزيادة ~~عند حلوله، فإن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فرد الله سبحانه عليهم ~~بقوله (وأحل الله البيع ms0499 وحرم الربا) أي أن الله أحل البيع وحرم نوعا من ~~أنواعه، وهو البيع المشتمل على الربا. والبيع مصدر باع يبيع: أي دفع عوضا ~~وأخذ معوضا، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب. قوله (فمن جاءه موعظة ~~من ربه) أي من بلغته موعظة من الله من المواعظ التي تشتمل عليها الأوامر ~~والنواهي، ومنها ما وقع هنا من النهي عن الربا (فانتهى) أي فامتثل النهي ~~الذي جاءه وانزجر عن المنهي عنه وهو معطوف: أي قوله (فانتهى) على قوله ~~(جاءه). وقوله (من ربه) PageV01P295 # متعلق بقوله (جاءه) أو بمحذوف وقع صفة لموعظة: أي كائنة من (من ربه فله ~~ما سلف) أي ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به، لأنه فعله قبل أن يبلغه ~~تحريم الربا أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا. وقوله (فأمره إلى الله) قيل ~~الضمير عائد إلى الربا: أي وأمر الربا إلى الله في تحريمه على عباده ~~واستمرار ذلك التحريم، وقيل الضمير عائد إلى ما سلف: أي أمره إلى الله في ~~العفو عنه وإسقاط التبعة فيه، وقيل الضمير يرجع إلى المربى: أي أمر من عامل ~~بالربا إلى الله في تثبيته على الانتهاء أو الرجوع إلى المعصية (ومن عاد) ~~إلى أكل الربا والمعاملة به (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) والإشارة ~~إلى من عاد، وجمع أصحاب باعتبار معنى من، وقيل إن معنى من عاد: هو أن يعود ~~إلى القول ب‍ (إنما البيع مثل الربا) وأنه يكفر بذلك فيستحق الخلود، وعلى ~~التقدير الأول يكون الخلود مستعارا على معنى المبالغة، كما تقول العرب ملك ~~خالد: أي طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة ~~القاضية بخروج الموحدين من النار. قوله (يمحق الله الربا) أي يذهب بركته في ~~الدنيا وإن كان كثيرا فلا يبقى بيد صاحبه، وقيل يمحق بركته في الآخرة. قوله ~~(ويربي الصدقات) أي يزيد في المال الذي أخرجت صدقته، وقيل يبارك في ثواب ~~الصدقة ويضاعفه ويزيد في أجر المتصدق، ولا مانع من حمل ذلك على الأمرين ~~جميعا. قوله (والله لا يحب ms0500 كل كفار أثيم) أي لا يرضى، لأن الحب مختص ~~بالتوابين، وفيه تشديد وتغليظ عظيم على من أربي حيث حكم عليه بالكفر، ووصفه ~~بأثيم للمبالغة، وقيل لإزالة الاشتراك، إذ قد يقع على الزراع، ويحتمل أن ~~المراد بقوله (كل كفار) من صدرت منه خصلة توجب الكفر، ووجه التصاقه بالمقام ~~أن الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا كفار. وقد تقدم تفسير قوله (إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) إلى آخر الآية. # وقد أخرج أبو يعلى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ~~(الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) ~~قال: يعرفون يوم القيامة بذلك لا يستطيعون القيام إلا كما يقوم المتخبط ~~المنخنق (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا) وكذبوا على الله (وأحل ~~الله البيع وحرم الربا) ومن عاد فأكل الربا (فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: آكل ~~الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر من وجه آخر عنه أيضا في قوله (لا يقومون) قال: ذلك حين يبعث من ~~قبره. وأخرج الأصبهاني في ترغيبه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلا يجر شفتيه، ثم قرأ (لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) " وقد وردت أحاديث كثيرة ~~في تعظيم ذنب الربا، منها من حديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم وصححه ~~والبيهقي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " الربا ثلاثة وسبعون بابا، ~~أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربي الربا عرض الرجل المسلم " ومن حديث ~~أبي هريرة مرفوعا عند ابن ماجة والبيهقي بلفظ " سبعون بابا " وورد هذا ~~المعنى مع اختلاف العدد عن عبد الله بن سلام وكعب وابن عباس وأنس. وأخرج ~~ابن جرير عن الربيع في الآية قال: يبعثون يوم القيامة وبهم خبل من الشيطان ~~وهي في بعض القراءات: " لا ms0501 يقومون يوم القيامة ". يعني قراءة ابن مسعود ~~المتقدم ذكرها. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت: لما نزلت الآيات ~~من آخر سورة البقرة في الربا " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~المسجد فقرأهن على الناس. # ثم حرم التجارة في الخمر ". وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمر بن الخطاب ~~أنه خطب فقال: إن من آخر القرآن نزولا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبينه لنا فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. ~~وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس أنه قال: آخر آية أنزلها على رسوله آية ~~الربا. وأخرج البيهقي PageV01P296 # في الدلائل عن عمر مثله. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الربا الذي نهى الله ~~عنه قال: كان أهل الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا ~~وتؤخر عني فيؤخر عنه. وأخرج أيضا عن قتادة نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه أيضا وزاد في قوله - فمن جاءه ~~موعظة من ربه) قال: يعني البيان الذي في القرآن في تحريم الربا فانتهى عنه ~~(فله ما سلف) يعني فله ما كان أكل من الربا قبل التحريم (وأمره إلى الله) ~~يعني بعد التحريم وبعد تركه إن شاء عصمه منه وإن شاء لم يفعل (ومن عاد) ~~يعني في الربا بعد التحريم فاستحله بقولهم (إنما البيع مثل الربا - فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون) يعني لا يموتون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله (يمحق الله الربا) قال: ينقص الربا ~~(ويربي الصدقات) قال: يزيد فيها، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة مرفوعا " من نصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا، فإن ~~الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل ~~الجبل ". # وأخرج البزار وابن جرير وابن حبان والطبراني من حديث عائشة نحوه. وأخرج ~~الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر مرفوعا نحوه ms0502 أيضا. وفي حديث ~~عائشة وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بعد أن ساق ~~الحديث (يمحق الله الربا ويربي الصدقات). وأخرج الطبراني عن أبي برزة ~~الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن العبد ليتصدق ~~بالكسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد " وهذه الأحاديث تبين معنى الآية. # قوله (اتقوا الله) أي قوا أنفسكم من عقابه واتركوا البقايا التي بقيت لكم ~~من الربا، وظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا. قوله (إن كنتم ~~مؤمنين) قيل هو شرط مجازي على جهة المبالغة، وقيل إن " إن " في هذه الآية ~~بمعنى إذ. قال ابن عطية: وهو مردود لا يعرف في اللغة، والظاهر أن المعنى: ~~إن كنتم مؤمنين على الحقيقة فإن ذلك يستلزم امتثال أوامر الله ونواهيه. ~~قوله (فإن لم تفعلوا) يعني ما أمرتم به من الاتقاء وترك ما بقي من الربا ~~(فأذنوا بحرب من الله ورسوله) أي فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، ~~قيل هو من الإذن بالشيء وهو الاستماع لأنه من طرق العلم. وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم وحمزة " فأذنوا " على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم. # وقد دلت هذه على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك، ~~وتنكير الحرب للتعظيم، وزادها تعظيما نسبتها إلى اسم الله الأعظم وإلى ~~رسوله الذي هو أشرف خليقته. قوله (فإن تبتم) أي من الربا (فلكم رؤوس ~~أموالكم) تأخذونها (لا تظلمون) غرمائكم بأخذ الزيادة (ولا تظلمون) أنتم من ~~قبلهم بالمطل والنقص، والجملة حالية أو استئنافية. وفي هذا دليل على أن ~~أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة ونحوهم ممن ينوب عنهم. ~~PageV01P297 # قوله (وإن كان ذو عسرة) لما حكم سبحانه لأهل الربا برءوس أموالهم عند ~~الواجدين للمال حكم في ذوي العسرة بالنظرة إلى يسار، والعسرة: ضيق الحال من ~~جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. والنظرة: التأخير، والميسرة مصدر بمعنى ~~اليسر، وارتفع " ذو " بكان التامة التي بمعنى وجد، وهذا قول سيبويه وأبي ms0503 ~~علي الفارسي وغيرهما. # وأنشد سيبويه: # فدى لبني ذهل بن شيبان يا فتى * إذا كان يوم ذو كواكب أشهب وفى مصحف أبي ~~" وإن كان ذا عسرة " على معنى: وإن كان المطلوب ذا عسرة. وقرأ الأعمش " وإن ~~كان معسرا "، قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى وكذلك في مصحف أبي بن ~~كعب وروى المعتمر عن حجاج الوراق قال في مصحف عثمان (وإن كان ذا عسرة) قال: ~~النحاس ومكي والنقاش: وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ " ~~ذو " فهي عامة في جميع من عليه دين، وإليه ذهب الجمهور. وقرأ الجماعة ~~(فنظرة) بكسر الظاء. وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن بسكونها وهي لغة تميم. ~~وقرأ نافع وحده (ميسرة) بضم السين والجمهور بفتحها، وهي اليسار. قوله (وأن ~~تصدقوا) بحذف إحدى التاءين، وقرئ بتشديد الصاد: أي وأن تصدقوا على معسري هو ~~غرمائكم بالإبراء خير لكم، وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برءوس أموالهم على ~~من أعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره، قاله السدي وابن زيد والضحاك. قال ~~الطبري: وقال آخرون: معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم. ~~والصحيح الأول، وليس في الآية مدخل للغني. قوله (إن كنتم تعلمون) جوابه ~~محذوف: أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به. قوله (واتقوا يوما) هو يوم ~~القيامة وتنكيره للتهويل وهو منصوب على أنه مفعول به لا ظرف. وقوله (ترجعون ~~فيه إلى الله) وصف له. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون بضم ~~التاء وفتح الجيم، وذهب قوم إلى أن هذا اليوم المذكور هو يوم الموت. وذهب ~~الجمهور إلى أنه يوم القيامة كما تقدم. وقوله (إلى الله) فيه مضاف محذوف ~~تقديره إلى حكم الله (ثم توفي كل نفس) من النفوس المكلفة (ما كسبت) أي جزاء ~~ما عملت من خير أو شر، وجملة (وهم لا يظلمون) حالية، وجمع الضمير لأنه أنسب ~~بحال الجزاء كما أن الإفراد أنسب بحال الكسب، وهذه الآية فيها الموعظة ~~الحسنة لجميع الناس. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ms0504 عن السدي في قوله (يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) قال: نزلت في العباس بن عبد ~~المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان الربا إلى ناس ~~من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم على أن ما لهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا فهو ~~موضوع، فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو ابن ~~عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكان بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، ~~فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو ~~المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربا) فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~عتاب وقال: إن رضوا وإلا فأذنهم بحرب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (فأذنوا بحرب) قال: من كان مقيما على الربا لا ~~ينزع منه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. ~~وأخرجوا أيضا عنه في قوله (فأذنوا بحرب) قال: # استيقنوا بحرب. وأخرج أهل السنن وغيرهم عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة ~~الوداع مع رسول الله صلى الله PageV01P298 # عليه وآله وسلم فقال: " ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس " وأخرج ابن منده ~~عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو وأصحابه (وإن تبتم فلكم ~~رؤوس أموالكم). وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (وإن كان ذو عسرة) قال: نزلت في الربا. وأخرج عبد الرزاق وسعيد ms0505 بن ~~منصور وعبد بن حميد عن شريح نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ~~في الآية قال: وكذلك كل دين على مسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~نحوه. وقد وردت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما في الترغيب لمن له دين ~~على معسر أن ينظره. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت من ~~القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله) وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي وعطية العوفي مثله. وأخرج ابن الأنباري ~~عن أبي صالح وسعيد بن جبير مثله أيضا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~والبيهقي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت، وكان ~~بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إحدى وثمانون يوما. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير أنه عاش النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد نزولها تسع ليال ثم مات. # هذا شروع في بيان حال المداينة الواقعة بين الناس بعد بيان حال الربا: أي ~~إذا داين بعضكم بعضا وعامله PageV01P299 # بذلك، وذكر الدين بعد ذكر ما يغني عنه من المداينة لقصد التأكيد مثل قوله ~~- ولا طائر يطير بجناحيه - وقيل إنه ذكر ليرجع إليه الضمير من قوله ~~(فاكتبوه) ولو قال: فاكتبوا الدين لم يكن فيه من الحسن ما في قوله (إذا ~~تداينتم بدين)، والدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا، ~~والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان ~~غائبا، قال الشاعر: # وعدتنا بدرهمينا طلاء * وسواء معجلا غير دين وقال الآخر: إذا ما أو قدوا ~~نارا وحطبا * فذاك الموت نقدا غير دين وقد بين الله سبحانه هذا المعنى ~~بقوله (إلى أجل مسمى) وقد استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز وخصوصا ~~أجل السلم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله ms0506 عليه وآله وسلم " من أسلف ~~في تمر فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم " وقد قال بذلك الجمهور، ~~واشترطوا توقيته بالأيام أو الأشهر أو السنين، قالوا: ولا يجوز إلى الحصاد ~~أو الدياس أو رجوع القافلة أو نحو ذلك وجوزه مالك. قوله (فاكتبوه) أي الدين ~~بأجله لأنه أدفع للنزاع وأقطع للخلاف. قوله (وليكتب بينكم كاتب) هو بيان ~~لكيفية الكتابة المأمور بها، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال عطاء والشعبي ~~وغيرهما، فأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك، ولم يوجد كاتب سواه، ~~وقيل الأمر للندب. وقوله (بالعدل) متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي كاتب كائن ~~بالعدل: أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ولا يميل إلى أحد الجانبين، وهو ~~أمر للمتداينين باختيار كاتب متصف بهذه الصفة لا يكون في قلبه ولا قلمه ~~هوادة لأحدهما على الآخر، بل يتحرى الحق بينهم والمعدلة فيهم. قوله (ولا ~~يأب كاتب) النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم: أي لا يمتنع أحد من الكتاب ~~أن يكتب كتاب التداين كما علمه الله: # أي على الطريقة التي علمه الله من الكتابة، أو كما علمه الله بقوله ~~(بالعدل) قوله (وليمل الذي عليه الحق) الإملال والإملاء لغتان: الأولى لغة ~~أهل الحجاز وبني أسد والثانية لغة بني تميم، فهذه الآية جاءت على اللغة ~~الأولى، وجاء على اللغة الثانية قوله تعالى - فهي تملى عليه بكرة وأصيلا - ~~(والذي عليه الحق) هو من عليه الدين، أمره الله تعالى بالإملاء، لأن ~~الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته، وأمره الله بالتقوى ~~فيما يمليه على الكاتب، بالغ في ذلك بالجمع بين الاسم والوصف في قوله ~~(وليتق الله ربه) ونهاه عن البخس وهو النقص، وقيل إنه نهى للكاتب. والأول ~~أولى لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص، ولو كان نهيا للكاتب لم ~~يقتصر في نهيه على النقص، لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص. ~~والسفيه هو الذي لا رأى له في حسن التصرف فلا يحسن الأخذ ولا الإعطاء، شبه ~~بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، ms0507 والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة، ~~وعلى ضعف البدن أخرى، فمن الأول قول الشاعر: # نخاف أن تسفه أحلامنا * ونجهل الدهر مع الجاهل ومن الثاني قول ذي الرمة: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم أي استضعفها ~~واستلانها بحركتها، وبالجملة فالسفيه هو المبذر إما لجهله بالصرف أو ~~لتلاعبه بالمال عبثا مع كونه لا يجهل الصواب. والضعيف: هو الشيخ الكبير، أو ~~الصبي. قال أهل اللغة: الضعف بضم الضاد في البدن، وبفتحها في الرأي. والذي ~~لا يستطيع أن يمل هو الأخرس أو العيي الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي، ~~وقيل إن الضعيف هو المذهول العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء، والذي ~~لا يستطيع أن يمل هو الصغير. قوله PageV01P300 # (فليملل وليه بالعدل) الضمير عائد إلى الذي عليه الحق فيمل عن السفيه ~~وليه المنصوب عنه بعد حجره عن التصرف في ماله، ويمل عن الصبي وصيه أو وليه، ~~وكذلك يمل عن العاجز الذي لا يستطيع الإملال لضعف وليه لأنه في حكم الصبي ~~أو المنصوب عنه من الإمام أو القاضي، ويمل عن الذي لا يستطيع وكيله إذا كان ~~صحيح العقل وعرضت له آفة في لسانه أو لم تعرض، ولكنه جاهل لا يقدر على ~~التعبير كما ينبغي. وقال الطبري: إن الضمير في قوله (وليه) يعود إلى الحق، ~~وهو ضعيف جدا. قال القرطبي في تفسيره: وتصرف السفيه المحجور عليه دون وليه ~~فاسد إجماعا مفسوخ أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا، فإن تصرف سفيه ولا حجر ~~عليه ففيه خلاف انتهى. # قوله (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) الاستشهاد: طلب الشهادة، وسماهما ~~شهيدين قبل الشهادة من مجاز الأول أي باعتبار ما يئول إليه أمرهما من ~~الشهادة، و (من رجالكم) متعلق بقوله (واستشهدوا) أو بمحذوف هو صفة لشهيدين: ~~أي كائنين من رجالكم: أي من المسلمين فيخرج الكفار، ولا وجه لخروج العبيد ~~من هذه الآية، فهم إذا كانوا مسلمين من رجال المسلمين، وبه قال شريح وعثمان ~~البتي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. وقال أبو حنيفة ومالك ~~والشافعي ms0508 وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد لما يلحقه من نقص الرق. وقال ~~الشعبي والنخعي: يصح في الشئ اليسير دون الكثير. واستدل الجمهور على عدم ~~جواز شهادة العبد بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين يتعاملون بالمداينة ~~والعبيد لا يملكون شيئا تجري فيه المعاملة. ويجاب عن هذا بأن الاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأيضا العبد تصح منه المداينة وسائر المعاملات ~~إذا أذن له مالكه بذلك. وقد اختلف الناس هل الإشهاد واجب أو مندوب، فقال ~~أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ~~ومجاهد وداود بن علي الظاهري وابنه: إنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري، وذهب ~~الشعبي والحسن ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه مندوب، وهذا ~~الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع. واستدل الموجبون بقوله ~~تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم) ولا فرق بين هذا الأمر وبين قوله (واستشهدوا) ~~فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة. قوله ~~(فإن لم يكونا) أي الشهيدان (رجلين فرجل وامرأتان) أي فليشهد رجل وامرأتان ~~أو فرجل وامرأتان يكفون. وقوله (لمن ترضون من الشهداء) متعلق بمحذوف وقع ~~صفة لرجل وامرأتان: أي كائنون ممن ترضون حال كونهم من الشهداء. والمراد ممن ~~ترضون دينهم وعدالتهم، وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، وأنها لا تجوز ~~شهادة النساء إلا مع الرجل إلا وحدهن إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة. ~~واختلفوا هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي كما جاز الحكم برجل ~~مع يمين المدعي؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز ذلك، لأن الله سبحانه قد ~~جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ~~ذلك، وهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدعي، والحق أنه جائز ~~لورود الدليل عليه، وهو زيادة لم تخالف ما في الكتاب العزيز فيتعين قبولها. ~~وقد أوضحنا ذلك في شرحنا للمنتقى وغيره من مؤلفاتنا، ومعلوم عند كل من يفهم ~~أنه ليس في هذه الآية ما يرد به ms0509 قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالشاهد واليمين، ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على شفا جرف هار هي ~~قولهم: إن الزيادة على النص نسخ، وهذه دعوى باطلة، بل الزيادة على النص ~~شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها، وأيضا كان يلزمهم أن ~~لا يحكموا بنكول المطلوب ولا بيمين الرد على الطالب. وقد حكموا بهما، ~~والجواب الجوب. قوله (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) قال أبو عبيد: ~~معنى تضل تنسى، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. وقرأ ~~حمزة " إن تضل " بكسر الهمزة. وقوله (فتذكر) جوابه على PageV01P301 # هذه القراءة، وعلى قراءة الجمهور هو منصوب بالعطف على تضل، ومن رفعه فعلى ~~الاستئناف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فتذكر " بتخفيف الذال والكاف، ~~ومعناه: تزيدها ذكرا. وقراءة الجماعة بالتشديد: أي تنبيهها إذا غفلت ونسيت، ~~وهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء: أي فليشهد رجل وتشهد امرأتان ~~عوضا عن الرجل الآخر لأجل تذكير إحداهما للأخرى إذا ضلت، وعلى هذا فيكون في ~~الكلام حذف وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضا عن الرجل الواحد، ~~فقيل وجهه أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، والعلة في الحقيقة هي ~~التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته، وأبهم الفاعل في تضل ~~وتذكر، لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان، فالمعنى: إن ضلت هذه ذكرتها هذه، ~~وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين: # أي إن ضلت إحدى المرأتين ذكرتها المرأة الأخرى، وإنما اعتبر فيهما هذا ~~التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال. وقد يكون الوجه في ~~الإبهام أن ذلك يعني الضلال والتذكير يقع بينهما متناوبا حتى ربما ضلت هذه ~~عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر، فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها. وقال سفيان بن ~~عيينة: معنى قوله (فتذكر إحداهما الأخرى) تصيرها ذكرا، يعني أن مجموع شهادة ~~المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد. وروى نحوه عن أبي عمرو بن العلاء، ولا شك ~~أن هذا باطل لا يدل عليه شرع ولا لغة ms0510 ولا عقل. قوله (ولا يأب الشهداء إذا ~~ما دعوا) أي لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل، وقيل إذا ما دعوا لتحمل ~~الشهادة، وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم، وحملها الحسن على المعنيين. وظاهر ~~هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام. قوله (ولا تسأموا أن تكتبوه) ~~معنى تسأموا: تملوا. قال الأخفش: يقال سئمت أسأم سآمة وسئاما، فقال ومنه ~~قول الشاعر: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم أي لا تملوا أن ~~تكتبوه: أي الدين الذي تداينتم به، وقيل الحق، وقيل الشاهد، وقيل الكتاب، ~~نهاهم الله سبحانه عن ذلك لأنهم ربما ملوا من كثرة المداينة أن يكتبوا، ثم ~~بالغ في ذلك فقال (صغيرا أو كبيرا) أي حال كون ذلك المكتوب صغيرا أو كبيرا: ~~أي لا تملوا في حال من الأحوال سواء كان الدين كثيرا أو قليلا، وقيل إنه ~~كنى بالسآمة عن الكسل. والأول أولى. وقدم الصغير هنا على الكبير للاهتمام ~~به لدفع ما عساه أن يقال إن هذا مال صغير: أي قليل لا احتياج إلى كتبه، ~~والإشارة في قوله (ذلكم) إلى المكتوب المذكور في ضمير قوله (أن تكتبوه) ~~(وأقسط) معناه أعدل: أي أصح وأحفظ (وأقوم للشهادة) أي أعون على إقامة ~~الشهادة وأثبت لها وهو مبني من أقام، وكذلك أقسط مبني من فعله: أي أقسط. ~~وقد صرح سيبويه بأنه قياسي: أي بني أفعل التفضيل. # ومعنى قوله (وأدنى أن لا ترتابوا) أقرب لنفي الريب في معاملاتكم: أي ~~الشك، ولذلك أن الكتاب الذي يكتبونه يدفع ما يعرض لهم من الريب كائنا ما ~~كان. قوله (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم) أن في موضع نصب على ~~الاستثناء قاله الأخفش، وكان تامة: أي إلا أن تقع أو توجد تجارة، ~~والاستثناء منقطع: أي لكن وقت تبايعكم وتجارتكم حاضرة بحضور البدلين ~~(تديرونها بينكم) تتعاطونها يدا بيد، فالإدارة: التعاطي والتقابض، فالمرد ~~التبايع الناجز يدا بيد فلا حرج عليكم إن تركتم كتابته. وقرئ بنصب تجارة ~~على أن كان ناقصة: أي إلا أن تكون التجارة تجارة ms0511 حاضرة. قوله (وأشهدوا إذا ~~تبايعتم) قيل معناه: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع المذكور هذا وهو ~~التجارة الحاضرة على أن الاشهاد فيها يكفي، وقيل معناه: إذا تبايعتم أي ~~تبايع كان حضارا أو كالئا، لأن ذلك أدفع لمادة الخلاف وأقطع لمنشأ الشجار. ~~وقد تقدم قريبا ذكر الخلاف في كون هذا الإشهاد واجبا أو مندوبا. قوله (ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد) يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل أو للمفعول، فعلى الأول ~~معناه: PageV01P302 # لا يضارر كاتب ولا شهيد من طلب ذلك منهما، إما بعدم الإجابة، أو بالتحريف ~~والتبديل والزيادة والنقصان في كتابته، ويدل على هذا قراءة عمر بن الخطاب ~~وابن عباس وابن أبي إسحاق " ولا يضارر " بكسر الراء الأولى، وعلى الثاني لا ~~يضارر كاتب ولا شهيد بأن يدعيا إلى ذلك وهما مشغولان بمهم لهما ويضيق ~~عليهما في الإجابة ويؤذيا إن حصل منهما التراخي، أو يطلب منهما الحضور من ~~مكان بعيد، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود " ولا يضارر " بفتح الراء الأولى، ~~وصيغة المفاعلة تدل على اعتبار الأمرين جميعا. وقد تقدم في تفسير قوله ~~تعالى (لا تضار والدة بولدها) ما إذا راجعته زادك بصيرة إن شاء الله. قوله ~~(وإن تفعلوا) أي ما نهيتم عنه من المضارة (فإنه) أي فعلكم هذا فسوق بكم) أي ~~خروج عن الطاعة إلى المعصية ملتبس بكم (واتقوا الله) في فعل ما أمركم به ~~وترك ما نهاكم عنه (ويعلمكم الله) ما تحتاجون إليه من العلم، وفيه الوعد ~~لمن اتقاه أن يعلمه، ومنه قوله تعالى - إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا -. ~~قوله (وإن كنتم على سفر) لما ذكر سبحانه مشروعية الكتابة والإشهاد لحفظ ~~الأموال ودفع الريب، عقب ذلك بذكر حالة العذر عن وجود الكاتب ونص على حالة ~~السفر فإنها من جملة أحوال العذر، ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر، وجعل ~~الرهان المقبوضة قائمة مقام الكتابة: أي فإن كنتم مسافرين (ولم تجدوا ~~كاتبا) في سفركم (فرهان مقبوضة) قال أهل العلم: الرهن في السفر ثابت ينص ~~التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله صلى الله عليه ms0512 وآله وسلم، كما ثبت في ~~الصحيحين " أنه صلى الله عليه وآله وسلم رهن درعا له من يهودي ". وقرأ ~~الجمهور " كاتبا " أي رجلا يكتب لكم. وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد والضحاك ~~وعكرمة وأبو العالية " كتابا " قال ابن الأنباري: فسره مجاهد فقال: معناه ~~فإن لم تجدوا مدادا: يعني في الأسفار. وقرأ أبو عمرو وابن كثير " فرهن " ~~بضم الراء والهاء. وروى عنهما تخفيف الهاء جمع رهان، قاله الفراء والزجاج ~~وابن جرير الطبري. وقرأ عاصم بن أبي النجود " فرهن " بفتح الراء وإسكان ~~الهاء. وقراءة الجمهور " رهان ". قال الزجاج: يقال في الرهن رهنت وأرهنت، ~~وكذا قال ابن الأعرابي والأخفش. وقال أبو علي الفارسي: يقال أرهنت في ~~المعاملات، وأما في القرض والبيع فرهنت: وقال ثعلب: الرواة كلهم في قول ~~الشاعر: # فلما خشيت أظافيرهم * نجوت وأرهنتهم مالكا على أرهنتهم على أنه يجوز ~~رهنته وأرهنته إلا الأصمعي فإنه رواه وأرهنهم على أنه عطف لفعل مستقبل على ~~فعل ماض وشبهه بقوله قمت وأصك وجهه. وقال ابن السكيت: أرهنت فيهما بمعنى ~~أسلفت، والمرتهن الذي يأخذ الرهن، والشيء مرهون ورهين، وراهنت فلانا على ~~كذا مراهنة خاطرته. وقد ذهب الجمهور إلى اعتبار القبض كما صرح به القرآن، ~~وذهب مالك إلى أنه يصح الارتهان بالإيجاب والقبول من دون قبض. قوله (فإن ~~أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته) أي إن كان الذي عليه الحق أمينا ~~عند صاحب الحق لحسن ظنه به وأمانته لديه واستغنى بأمانته عن الارتهان ~~(فليؤد الذي اؤتمن) وهو المديون (أمانته) أي الدين الذي عليه، والأمانة ~~مصدر سمي به الذي في الذمة وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث أن لها إليه ~~نسبة، وقرى " ايتمن " بقلب الهمزة ياء، وقرئ بإدغام الياء في التاء وهو ~~خطأ، لأن المنقلبة من الهمزة لا تدغم لأنها في حكمها (وليتقي الله ربه) في ~~أن لا يكتم من الحق شيئا. قوله (ولا تكتموا الشهادة) نهى للشهود أن يكتموا ~~ما تحملوه من الشهادة، وهو في حكم التفسير لقوله (ولا يضار كاتب) أي لا ~~يضارر بكسر الراء الأولى على ms0513 أحد التفسيرين المتقدمين. قوله (ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه) خص القلب بالذكر لأن الكتم من أفعاله، ولكونه رئيس الأعضاء، ~~وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد كله، وارتفاع القلب ~~على أنه فاعل أو مبتدأ وآثم خبره على ما تقرر PageV01P303 # في علم النحو، ويجوز أن يكون قلبه بدلا من آثم بدل البعض من الكل، ويجوز ~~أن يكون أيضا بدلا من الضمير الذي في آثم الراجع إلى من، وقرئ " قلبه " ~~بالنصب كما في قوله - إلا من سفه نفسه -. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في ~~قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين) قال: نزلت في السلم في كيل ~~معلوم إلى أجل معلوم. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ~~وغيرهم عنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أجله، وقرأ ~~هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية. قال: ~~أمر بالشهادة عند المداينة لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يشهد ~~على ذلك فقد عصى (ولا يأب الشهداء) يعني من احتيج إليه من المسلمين ليشهد ~~على شهادة أو كانت عنده شهادة، فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ثم قال بعد ~~هذا (ولا يضار كاتب ولا شهيد) والضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني إن ~~الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت، فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره، فنهاه الله ~~عن ذلك. وقال (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) يعني معصية. قال: ومن الكبائر ~~كتمان الشهادة، لأن الله تعالى يقول (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله (ولا يأب كاتب) قال: ~~واجب على الكاتب أن يكتب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كانت الكتابة ~~عزيمة فنسخها (ولا يضار كاتب ولا شهيد). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد. قال (فإن كان الذي عليه الحق سفيها) ms0514 قال: هو الجاهل (أو ضعيفا) قال: ~~هو الأحمق. وأخرج ابن جرير عن الضحاك والسدي في قوله (سفيها) قال: هو الصبي ~~الصغير. وأخرج ابن جرير من طريق عطية العوفي عن ابن عباس (فليملل ولية) قال ~~صاحب الدين. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن قال: ولي اليتيم. ~~وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال ولي السفيه أو الضعيف. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في ~~قوله (من رجالكم) قال: من الأحرار. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله (ممن ~~ترضون من الشهداء) قال: عدول. وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد قال: عدلان ~~حران مسلمان. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (أن تضل إحداهما) ~~يقول أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة (فتذكر إحداهما الأخرى) يعني تذكرها ~~التي حبطت شهادتها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا يأب ~~الشهداء) قال: إذا كانت عندهم شهادة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~الربيع قال: كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم يشهدون فلا يتبعه أحد ~~منهم، فأنزل الله (ولا يأب الشهداء). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ~~نحوه. وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله (أقسط عند الله) قالت: أعدل. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد) قال: يأتي الرجل الرجلين فيدعوهما إلى الكتابة ~~والشهادة فيقولان إنا على حاجة، فيقول إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن ~~يضارهما. # وأخرج ابن جرير عن طاوس (لا يضار كاتب)، فيكتب ما لم يمل عليه (ولا شهيد) ~~فيشهد بما لم يستشهد. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله (وإن كنتم على سفر) ~~الآية، قال: من كان على سفر فبايع بيعا إلى أجل فلم يجد كاتبا فرخص له في ~~الرهان المقبوضة، وليس له إن وجد كاتبا أن يرتهن. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد ms0515 قال: لا يكون الرهن إلا في السفر. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لا يكون الرهن إلا مقبوضا. ~~وأخرج البخاري في تاريخه وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن ماجة وأبو نعيم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين) حتى بلغ PageV01P304 # (فإن أمن بعضكم بعضا) قال: هذه نسخت ما قبلها. وأقول: رضي الله عن هذا ~~الصحابي الجليل، ليس هذا من باب النسخ، فهذا مقيد بالائتمان وما قبله ثابت ~~محكم لم ينسخ وهو مع عدم الائتمان. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله (آثم ~~قلبه) قال: فاجر قلبه. وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أنه ~~بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن ~~شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين. # قوله (لله ما في السماوات وما في الأرض) قد تقدم تفسيره. قوله (وإن تبدوا ~~ما في أنفسكم) إلى آخر الآية، ظاهره أن الله يحاسب العباد على ما أضمرته ~~أنفسهم أو أظهرته من الأمور التي يحاسب عليها، فيغفر لمن يشاء منهم ما ~~يغفره منها، ويعذب من يشاء منهم بما أسر أو أظهر منها، هذا معنى الآية على ~~مقتضى اللغة العربية. وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية على أقوال: الأول ~~أنها وإن كانت عامة، فهي مخصوصة بكتمان الشهادة، وأن الكاتم للشهادة يحاسب ~~على كتمه سواء أظهر للناس أنه كاتم للشهادة أو لم يظهر. وقد روى هذا عن ابن ~~عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد، وهو مردود بما في الآية من عموم اللفظ، ولا ~~يصلح ما تقدم قبل هذه الآية من النهي عن كتم الشهادة أن تكون مختصة به. ~~والقول الثاني أن ما في الآية مختص بما يطرأ على النفوس من الأمور التي هي ~~بين الشك واليقين، قاله مجاهد، وهو أيضا تخصيص بلا مخصص. والقول الثالث ~~أنها محكمة عامة، ولكن العذاب على ما ms0516 في النفس يختص بالكفار والمنافقين. ~~حكاه الطبري عن قوم، وهو أيضا تخصيص بلا مخصص، فإن قوله (يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء) لا يختص ببعض معين إلا بدليل. والقول الرابع أن هذه الآية ~~منسوخة، قاله ابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ~~ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة من الصحابة ~~والتابعين، وهذا هو الحق لما سيأتي من التصريح بنسخها، ولما ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ". ~~قوله (يحاسبكم به الله) قدم الجار والمجرور على الفاعل لإظهار العناية به، ~~وقدم الإبداء على الإخفاء، لأن الأصل في الأمور التي يحاسب عليها هو ~~الأعمال البادية، وأما تقديم الإخفاء في قوله سبحانه - قل إن تخفوا ما في ~~صدوركم أو تبدوه يعلمه الله - فلكون العلم يتعلق بالأعمال الخافية والبادية ~~على السوية، وقدم المغفرة على التعذيب لكون رحمته سبقت غضبه، وجملة قوله ~~(فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) مستأنفة: أي فهو يغفر وهي متضمنة لتفصيل ما ~~أجمل في قوله (يحاسبكم به الله) وهذا على قراءة ابن عامر وعاصم. وأما على ~~قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي بجزم الراء والباء، فالفاء ~~عاطفة لما بعدها على المجزوم قبلها، وهو جواب الشرط: أعني قوله (يحاسبكم به ~~الله). وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو العالية وعاصم الجحدري بنصب الراء ~~والباء في قوله (فيغفر - ويعذب) على إضمار أن عطفا على المعنى. وقرأ طلحة ~~بن مصرف يغفر بغير فاء على البدل، وبه قرأ الجعفي وخلاد. # وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم) الآية اشتد ذلك ~~على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثم جثوا على الركب، فقالوا: ms0517 يا رسول الله كلفنا من الأعمال ~~ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله عليك PageV01P305 # هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتريدون ~~أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا (سمعنا ~~وأطعنا غفرانك وإليك المصير) فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل ~~الله في أثرها (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) الآية، فلما فعلوا ذلك ~~نسخها الله فأنزل (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) إلى آخرها. وأخرج أحمد ~~ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي ~~عن ابن عباس مرفوعا نحوه، وزاد فأنزل الله (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا) قال: قد فعلت (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا) قال: قد فعلت (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) قال: قد فعلت ~~(واعف عنا وأغفر لنا وارحمنا) الآية، قال: قد فعلت. وقد رويت هذه القصة عن ~~ابن عباس من طرق. # وأخرج البخاري والبيهقي عن مروان الأصفر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أحسبه ابن عمر (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه) قال: ~~نسختها الآية التي بعدها. وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن علي نحوه وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير عن ~~عائشة نحوه أيضا. # وبمجموع ما تقدم يظهر لك ما أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: نزلت في كتمان الشهادة ~~فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة. وعلى كل حال فبعد هذه ~~الأحاديث المصرحة بالنسخ والناسخ لم يبق مجال لمخالفتها، ومما يؤيد ذلك ما ~~ثبت في الصحيحين والسنن الأربع من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم ~~تتكلم أو تعمل به ". وأخرج ابن جرير ms0518 عن عائشة قالت: كل عبد هم بسوء ومعصية ~~وحدث نفسه به حاسبه الله الدنيا يخاف ويحزن ويشتد همه لا يناله من ذلك شئ ~~كما هم بسوء ولم يعمل منه بشئ. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عنها نحوه، ~~والأحاديث المتقدمة المصرحة بالنسخ تدفعه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ~~إن الله يقول يوم القيامة: إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، ~~فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم فأغفر لمن شئت وأعذب من ~~شئت، وهو مدفوع بما تقدم. # قوله (بما أنزل إليه من ربه) أي بجميع ما أنزل الله (والمؤمنون) عطف على ~~الرسول، وقوله (كل) أي من الرسول والمؤمنين (آمن الله) ويجوز أن يكون قوله ~~(والمؤمنون) مبتدأ. وقوله (كل) مبتدأ ثان. وقوله (آمن بالله) خبر المبتدأ ~~الثاني، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول، وأفرد الضمير في قوله (آمن بالله) مع ~~رجوعه إلى كل المؤمنين، لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم من غير ~~اعتبار الاجتماع كما اعتبر ذلك في قوله تعالى - وكل أتوه PageV01P306 # داخرين - قال الزجاج لما ذكر الله سبحانه في هذه السورة فرض الصلاة ~~والزكاة، وبين أحكام الحج، وحكم الحيض، والطلاق والإيلاء، وأقاصيص ~~الأنبياء، وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله (لله ما في السماوات ~~وما في الأرض) ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر تصديق ~~المؤمنين بجميع ذلك فقال (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) أي صدق الرسول ~~بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله، وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها. وقد تقدم بيان ~~ذلك. قوله (وملائكته) أي من حيث كونهم عباده المكرمين المتوسطين بينه وبين ~~أنبيائه في إنزال كتبه، وقوله (وكتبه) لأنها المشتملة على الشرائع التي ~~تعبد بها عباده. وقوله (ورسله) لأنهم المبلغون لعباده ما نزل إليهم. وقرأ ~~نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر وكتبه بالجمع. وقرأوا في ~~التحريم وكتابه. وقرأ ابن عباس هنا وكتابه ms0519 وكذلك قرأ حمزة والكسائي، وروى ~~عنه أنه قال: الكتاب أكثر من الكتب. وبينه صاحب الكشاف فقال: لأنه إذا أريد ~~بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها لم يخرج منه شئ، وأما ~~الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع انتهى. ومن أراد تحقيق ~~المقام فليرجع إلى شرح التلخيص المطول عند قول صاحب التلخيص " واستغراق ~~المفرد أشمل ". وقرأ الجمهور ورسله بضم السين. وقرأ أبو عمرو بتخفيف السين. ~~وقرأ الجمهور " لا نفرق " بالنون. والمعنى: يقولون: لا نفرق. وقرأ سعيد بن ~~جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة وابن عمر وابن جرير ويعقوب " لا يفرق " ~~بالياء التحتية. وقوله (بين أحد) ولم يقل بين آحاد، لأن الأحد يتناول ~~الواحد، والجمع كما في قوله تعالى - منكم من أحد عنه حاجزين - فوصفه بقوله ~~- حاجزين - لكونه في معنى الجمع، وهذه الجملة يجوز أن تكون في محل نصب على ~~الحال وأن تكون خبرا آخر لقوله (كل). وقوله (من رسله) أظهر في محل الإضمار ~~للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة في الحكم، أو الإشعار بعلة عدم التفريق ~~بينهم. وقوله (وقالوا سمعنا وأطعنا) هو معطوف على قوله (آمن) وهو وإن كان ~~للمفرد وهذا للجماعة فهو جائز نظرا إلى جانب المعنى: أي أدركناه بأسماعنا ~~وفهمناه وأطعنا ما فيه، وقيل معنى سمعنا: أجبنا دعوتك. قوله (غفرانك) مصدر ~~منصوب بفعل مقدر: أي اغفر غفرانك. قاله الزجاج وغيره، وقدم السمع والطاعة ~~على طلب المغفرة لكون الوسيلة تتقدم على المتوسل إليه. قوله (لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها) التكليف هو الأمر بما فيه مشقة وكلفة والوسع: الطاقة، ~~والوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، وهذه جملة مستقلة جاءت عقب قوله ~~سبحانه (وإن تبدوا ما في أنفسكم) الآية لكشف كربة المسلمين، ودفع المشقة ~~عليهم في التكليف بما في الأنفس وهي كقوله سبحانه - يريد بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر -. قوله (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فيه ترغيب وترهيب ~~أي لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها وزر ما اكتسبت من الشر، وتقدم لها ~~وعليها ms0520 على الفعلين ليفيد أن ذلك لها لا لغيرها وعليها لا على غيرها، وهذا ~~مبنى على أن كسب للخير فقط، واكتسب للشر فقط، كما قاله صاحب الكشاف وغيره، ~~وقيل كل واحد من الفعلين يصدق على الأمرين، وإنما كرر الفعل وخالف بين ~~التصريفين تحسينا للنظم كما في قوله تعالى - فمهمل الكافرين أمهلهم رويدا ~~-. قوله (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) أي لا تؤاخذنا بإثم ما يصدر ~~منا من هذين الأمرين. وقد استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين وغيرهم ~~قائلين إن الخطأ والنسيان مغفوران غير مؤاخذ بهما فما معنى الدعاء بذلك، ~~فإنه من تحصيل الحاصل. وأجيب عن ذلك بأن المراد طلب المؤاخذة بما صدر عنهم ~~من الأسباب المؤدية إلى النسيان والخطأ من التفريط وعدم المبالاة، لا من ~~نفس النسيان والخطأ فإنه لا مؤاخذة بهما كما يفيد ذلك قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " PageV01P307 # وسيأتي مخرجه، وقيل إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل ~~الدعاء لقصد استدامته، وقيل إنه وإن ثبت شرعا أنه لا مؤاخذة بهما، فلا ~~امتناع في المؤاخذة بهما عقلا، وقيل لأنهم كانوا على جانب عظيم من التقوى ~~بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمدا، وإنما يصدر عنهم خطأ أو نسيانا، فكأنه ~~وصفهم بالدعاء بذلك إيذانا بنزاهة ساحتهم عما يؤخذان به، كأنه قيل: إن كان ~~النسيان والخطأ مما يؤاخذ به، فما منهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. قال ~~القرطبي: وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ~~ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع ولا يلزم منه شئ، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ ~~اختلف فيه، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق ~~كالغرامات والديانات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق ~~بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا، ~~وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانا، ويعرف ذلك في الفروع انتهى. قوله (ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ms0521 من قبلنا) عطف على الجملة التي ~~قبله، وتكرير النداء للإيذان بمزيد التضرع واللجأ إلى الله سبحانه. والإصر: ~~العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه: أي يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله. والمراد ~~به هنا التكليف الشاق، والأمر الغليظ الصعب، وقيل الإصر: شدة العمل وما غلظ ~~على بني إسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة، ومنه قول النابغة: # يا مانع الضيم أن تغشي سراتهم * والحامل الإصر عنهم بعد ما غرقوا وقيل ~~الإصر: المسخ قردة وخنازير، وقيل العهد، ومنه قوله تعالى - وأخذتم على ذلكم ~~إصري - وهذا الخلاف يرجع إلى بيان ما هو الإصر الذي كان على من قبلنا، لا ~~إلى معنى الإصر في لغة العرب، فإنه ما تقدم ذكره بلا نزاع، والإصار: الحبل ~~الذي تربط به الأحمال ونحوها، يقال أصر يأصر إصرا: حبس، والإصر بكسر الهمزة ~~من ذلك. قال الجوهري: والموضع مأصر، والجمع مآصر، والعامة تقول معاصر. ~~ومعنى الآية أنهم طلبوا من الله سبحانه أن لا يحملهم من ثقل التكاليف ما ~~حمل الأمم قبلهم. وقوله (كما حملته) صفة مصدر محذوف: أي حملا مثل حملك إياه ~~على من قبلنا، أو صفة لإصرا: أي إصرا مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا. # قوله (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) هو أيضا عطف على ما قبله، ~~وتكرير النداء للنكتة المذكورة قبل هذا. # والمعنى: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق، وقيل هو عبارة عن إنزال ~~العقوبات. كأنه قال: لا تنزل علينا العقوبات بتفريطنا في المحافظة على تلك ~~التكاليف الشاقة التي كلفت بها من قبلنا، وقيل المراد به الشاق الذي لا ~~يكاد يستطاع من التكاليف. قال في الكشاف: وهذا تقرير لقوله (ولا تحمل علينا ~~إصرا). قوله (واعف عنا) أي عن ذنوبنا، يقال عفوت عن ذنبه: إذا تركته ولم ~~تعاقبه عليه (واغفر لنا) أي استر على ذنوبنا، والغفر: الستر (وارحمنا) أي ~~تفضل برحمة منك علينا (أنت مولانا) أي ولينا وناصرنا، وخرج هذا مخرج ~~التعليم كيف يدعون، وقيل معناه: أنت سيدنا ونحن عبيدك (فانصرنا على القوم ~~الكافرين) فإن ms0522 من حق المولى أن ينصر عبيده، والمراد عامة الكفرة، وفيه ~~إشارة إلى إعلاء كلمة الله في الجهاد في سبيله. وقد قدمنا في شرح الآية ~~التي قبل هذه أعني قوله (إن تبدو ما في أنفسكم) الخ، أنه ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هذه ~~الدعوات قد فعلت، فكان ذلك دليلا على أنه سبحانه لم يؤاخذهم بشئ من الخطأ ~~والنسيان ولا حمل عليهم شيئا من الإصر الذي حمله على من قبلهم، ولا حملهم ~~ما لا طاقة لهم به، وعفا عنهم وغفر لهم ورحمهم، ونصرهم على القوم الكافرين، ~~والحمد لله رب العالمين. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان (لا نفرق بين أحد من رسله) لا ~~نكفر بما جاءت به الرسل، ولا PageV01P308 # نفرق بين أحد منهم، ولا نكذب به (وقالوا سمعنا) للقرآن الذي جاء من الله ~~(وأطعنا)، وأقروا لله أن يطيعوه في أمره ونهيه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله (غفرانك ربنا) قال: قد غفرت لكم (وإليك المصير) ~~قال: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت (آمن الرسول) الآية، قال ~~جبريل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى ~~أمتك فسل تعطه، فقال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) حتى ختم السورة. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها) قال: هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم فقال - ما جعل ~~عليكم في الدين من حرج -. وقال - يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~-. # وقال - فاتقوا الله ما استطعتم - وأخرج ابن أبي حاتم عنه قوله (لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت) قال: من العمل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~في قوله (إلا وسعها) قال: إلا طاقتها. وأخرج ابن المنذر ms0523 عن الضحاك نحوه. ~~وقد أخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والطبراني والدارقطني ~~والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ~~وأخرجه ابن ماجة من حديث أبي ذر مرفوعا، والطبراني من حديث ثوبان ومن حديث ~~ابن عمر ومن حديث عقبة بن عامر. وأخرجه البيهقي أيضا من حديثه. وأخرجه ابن ~~عدي في الكامل وأبو نعيم من حديث أبي بكرة. وأخرجه ابن أبي حاتم من حديث أم ~~الدرداء. وأخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد من حديث الحسن مرسلا، وأخرجه ~~عبد بن حميد من حديث الشعبي مرسلا. وفي أسانيد هذه الأحاديث مقال ولكنها ~~يقوى بعضها بعضا فلا تقصر عن رتبة الحسن لغيره. وقد تقدم حديث " إن الله ~~قال قد فعلت " وهو في الصحيح وهو يشهد لهذه الأحاديث. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إصرا) قال: # عهدا. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ~~مثله. وأخرج أيضا عن عطاء بن أبي رباح في قوله (ولا تحمل علينا إصرا) قال: ~~لا تمسخنا قردة وخنازير. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية أن الإصر: ~~الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل في الآية ~~قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب قيل له توبتك أن تقتل نفسك فيقتل ~~نفسه، فوضعت الآصار عن هذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: لما نزلت ~~هذه الآيات (ربنا لا تؤاخذنا) الخ، كلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال النبي آمين رب العالمين. وأخرج أبو عبيد عن ميسرة أن جبريل ~~لقن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتمة البقرة آمين. وأخرج أبو عبيد وابن ~~أبي شبية وابن جرير وابن المنذر عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة ~~هذه السورة قال: آمين. وأخرج ms0524 أبو عبيد عن جبير بن نفير أنه كان يقول: آمين ~~آمين. وأخرج عبد بن حميد عن أبي ذر قال: هي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~خاصة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال: سألها نبي الله ربه ~~فأعطاه إياها، فكانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. وقد ثبت عند ~~الشيخين وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ". وأخرج أبو عبيد ~~والدارمي والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن النعمان ~~بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله كتب كتابا قبل ~~أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ~~ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ". وأخرج أحمد والنسائي ~~والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن حذيفة أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يقول " أعطيت هذه PageV01P309 # الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي ". وأخرج ~~أحمد والبيهقي عن أبي ذر مرفوعا نحوه. # وأخرج أبو عبيد وأحمد ومحمد بن نصر عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول " اقرءوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة (آمن ~~الرسول) إلى خاتمتها، فإن الله اصطفى بها محمدا " وإسناده حسن. # وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: لما أسرى برسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~انتهى إلى سدرة المنتهى وأعطى ثلاثا، أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم ~~سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات. # وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه ~~الذي تحت العرش، فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ~~ودعاء ". وأخرج الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " اثنان ms0525 هما قرآن وهما يشفيان، وهما مما يحبهما الله الآيتان من ~~آخر البقرة ". وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دار ثلاث ليال ~~فيقربها شيطان ". وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " أنزل الله آيتين من كنوز الجنة، كتبهما الرحمن ~~بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن ~~قيام الليل ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: # كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة أو آية ~~الكرسي ضحك وقال: إنهما من كنز تحت العرش. وأخرج ابن مردويه عن معقل بن ~~يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أعطيت فاتحة الكتاب ~~وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش ". وأخرج مسلم والنسائي واللفظ له عن ابن ~~عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده جبريل إذ سمع ~~نقيضا فرفع جبريل بصره فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: ~~فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبشر بنورين قد ~~أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ ~~حرفا منهما إلا أوتيته. فهذه ثلاثة عشر حديثا في فضل هاتين الآيتين مرفوعة ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد روى في فضلهما من غير المرفوع عن ~~عمر وعلي وابن مسعود وأبي مسعود وكعب الأحبار والحسن وأبى قلابة، وفي قول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يغنى عن غيره. PageV01P310 # سورة آل عمران هي مدنية، قال القرطبي بالإجماع، ومما يدل على ذلك أن ~~صدرها إلى ثلاث وثمانين آية نزل في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من ~~الهجرة. وقد أخرج البيهقي في الدلائل من طرق عن ms0526 ابن عباس قال: نزلت سورة آل ~~عمران بالمدينة. وقد تقدم في أوائل سورة البقرة ما هو مشترك بينها وبين هذه ~~السورة من الأحاديث الدالة على فصلهما، وكذلك تقدم ما ورد في السبع الطوال. ~~وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله ~~عليه وملائكته حتى تغيب الشمس ". وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن ~~عمر بن الخطاب قال: من قرأ البقرة وآل عمران والنساء كتب عند الله من ~~الحكماء. وأخرج الديلمي ومحمد بن نصر والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود: من ~~قرأ أل عمران فهو غني. وأخرج الدارمي وعبد بن حميد والبيهقي عنه قال: نعم ~~كنز الصعلوك آل عمران يقوم بها الرجل من آخر الليل. وأخرج سعيد بن منصور عن ~~أبي عطاف قال: اسم آل عمران في التوراة طيبة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد ~~الملك بن عمير قال: قرأ رجل البقرة وآل عمران، فقال كعب: قد قرأ السورتين ~~إن فيهما الاسم الذي إذا دعي به أجاب. # قرأ الحسن وعمرو بن عبيد وعاصم بن أبي النجود وأبو جعفر الرواسي (ألم ~~ألله) بقطع ألف الوصل على تقدير الوقف على (ألم) كما يقدرون الوقف على ~~أسماء الأعداد نحو واحد اثنان ثلاثة أربعة مع وصلهم. قال الأخفش: # ويجوز (ألم الله) بكسر الهمزة لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ ولا ~~تقوله العرب لثقله. وقد ذكر سيبويه في الكتاب أن فواتح السور التي لم تكن ~~موازنة لمفرد طريق التلفظ بها الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على الوقف، سواء ~~جعلت أسماء أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه ~~مغتفر في باب الوقف، فحق هذه PageV01P311 # الفاتحة أن يوقف عليها ثم يبدأ بما بعدها كما فعله الحسن ومن معه في ~~قراءتهم المحكية سابقا. وأما فتح الميم على القراءة المشهورة فوجهه ما روى ~~عن سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين. وقال الكسائي: حروف التهجي إذا ~~لقيتها ms0527 ألف وصل، فحذف الألف وحركت الميم بحركة الألف، وكذا قال الفراء. ~~وهذه الفواتح إن جعلت مسرودة على نمط التعديد، فلا محل لها من الإعراب، وإن ~~جعلت أسماء للسورة فمحلها إما الرفع على أنها أخبار لمبتدآت مقدرة قبلها، ~~أو النصب على تقدير أفعال يقتضيها المقام كاذكر أو اقرأ أو نحوهما، وقد ~~تقدم في أوائل سورة البقرة ما يغني عن الإعادة. وقوله (الله لا إله إلا هو) ~~مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة: أي هو المستحق للعبودية. # والحي القيوم: خبران آخران للاسم الشريف أو خبران لمبتدأ محذوف: أي هو ~~الحي القيوم، وقيل إنهما صفتان للمبتدأ الأول أو بدلان منه أو من الخبر، ~~وقد تقدم تفسير الحي والقيوم. وقرأ جماعة من الصحابة القيام عمر وأبي ابن ~~كعب وابن مسعود. قوله (نزل عليك الكتاب) أي القرآن وقدم الظرف على المفعول ~~به للاعتناء بالمنزل عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وهي إما جملة مستأنفة ~~أو خبر آخر للمبتدأ الأول. قوله (بالحق) أي بالصدق - وقيل بالحجة الغالبة ~~وهو في محل نصب على الحال. وقوله (مصدقا) حال آخر من الكتاب مؤكدة، لأنه لا ~~يكون إلا مصدقا، فلا تكون الحال منتقلة أصلا، وبهذا قال الجمهور، وجوز ~~بعضهم الانتقال على معنى أنه مصدق لنفسه ولغيره. وقوله (لما بين يديه) أي ~~من الكتب المنزلة، وهو متعلق بقوله: مصدقا، واللام للتقوية. قوله (وأنزل ~~التوراة والإنجيل) هذه الجملة في حكم البيان لقوله: لما بين يديه. وإنما ~~قال هنا أنزل وفيما تقدم نزل: لأن القرآن نزل منجما، والكتابان نزلا دفعة ~~واحدة، ولم يذكر في الكتابين من أنزلا عليه، وذكر فيما تقدم أن الكتاب نزل ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن القصد هنا ليس إلا إلى ذكر ~~الكتابين لا ذكر من نزلا عليه، وقوله (من قبل) أي أنزل التوراة والإنجيل من ~~قبل تنزيل الكتاب. وقوله (هدى للناس) إما حال من الكتابين أو علة للإنزال. ~~والمراد بالناس أهل الكتابين، أو ما هو أعم، لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ~~ينسخ من الشرائع. قال ابن ms0528 فورك: هدى للناس المتقين، كما قال في البقرة هدى ~~للمتقين، قوله (وأنزل الفرقان) أي الفارق بين الحق والباطل، وهو القرآن، ~~وكرر ذكره تشريفا له مع ما يشتمل عليه هذا الذكر الآخر من الوصف له بأنه ~~يفرق بين الحق والباطل، وذكر التنزيل أولا والإنزال ثانيا لكونه جامعا بين ~~الوصفين، فإنه أنزل إلى سماء الدنيا جملة ثم نزل منها إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مفرقا منجما على حسب الحوادث كما سبق. وقيل أراد بالفرقان ~~جميع الكتب المنزلة من الله تعالى على رسله، وقيل أراد الزبور لاشتماله على ~~المواعظ الحسنة، وقوله (إن الذين كفروا بآيات الله) أي بما يصدق عليه أنه ~~آية من الكتب المنزلة وغيرها، أو بما في الكتب المنزلة المذكورة على وضع ~~آيات الله موضع الضمير العائد إليها، وفيه بيان الأمر الذي استحقوا به ~~الكفر (لهم) بسبب هذا الكفر، (عذاب شديد) أي عظيم (والله عزيز) لا يغالبه ~~مغالب (ذو انتقام) عظيم، والنقمة السطوة، يقال انتقم منه: # إذا عاقبه بسبب ذنب قد تقدم منه. قوله (إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ~~ولا في السماء) هذه الجملة استئنافية لبيان سعة علمه وإحاطته بالمعلومات ~~وعبر عن معلوماته بما في الأرض والسماء مع كونها أوسع من ذلك، لقصور عباده ~~عن العلم بما سواهما من أمكنة مخلوقاته وسائر معلوماته، ومن جملة ما لا ~~يخفى عليه إيمان من آمن من خلقه وكفر من كفر. قوله (هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء) أصل اشتقاق الصورة من صاره إلى كذا أي أماله إليه، ~~فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة، وأصل الرحم من الرحمة لأنه مما يتراحم به، ~~وهذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان إحاطة علمه، وأن من جملة معلوماته ما ~~لا يدخل تحت الوجود، وهو تصوير عباده في أرحام PageV01P312 # أمهاتهم من نطف آبائهم كيف يشاء من حسن وقبيح وأسود وأبيض وطويل وقصير. ~~وكيف معمول يشاء والجملة حالية. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن جعفر بن محمد بن الزبير ~~قال: " قدم على رسول ms0529 الله صلى الله عليه وآله وسلم وفد نجران ستون راكبا، ~~فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~منهم أبو حارثة بن علقمة والعاقب وعبد المسيح والسيد، وهو الأيهم، ثم ذكروا ~~القصة في الكلام الذي دار بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وأن الله أنزل في ذلك صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع، فذكر وفد نجران ومخاصمتهم للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في عيسى عليه السلام، وأن الله أنزل (ألم الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (مصدقا ~~لما بين يديه) قال: لما قبله من كتاب أو رسول. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه، وقال في قوله (وأنزل ~~الفرقان) هو القرآن فرق بين الحق والباطل، فأحل فيه حلاله وحرم فيه حرامه، ~~وشرع فيه شرائعه، وحد فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه: # وبين فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته. وأخرج ابن جرير عن محمد بن ~~جعفر بن الزبير في قوله (وأنزل الفرقان) أي الفصل بين الحق والباطل فيما ~~اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، وفي قوله (إن الذين كفروا بآيات الله ~~لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام) أي إن الله ينتقم ممن كفر بآياته بعد ~~علمه بها ومعرفته بما جاء منه فيها. وفي قوله (إن الله لا يخفى عليه شئ في ~~الأرض ولا في السماء) أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في ~~عيسى إذ جعلوه ربا وإلها، وعندهم من علمه غير ذلك غرة بالله وكفرا به (هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا ~~يدفعون ذلك ولا ينكرونه كما صوره غيره من بني آدم، فكيف يكون إلها وقد كان ~~بذلك المنزل. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ms0530 في قوله (يصوركم في الأرحام ~~كيف يشاء) قال: ذكورا وإناثا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وابن مسعود وناس ~~من الصحابة في قوله (يصوركم في الأرحام كيف يشاء) قال: إذا وقعت النطفة في ~~الأرحام طارت في الجسد أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون ~~مضغة أربعين يوما، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك ~~بتراب بين أصبعيه فيخلط منه المضغة، ثم يعجنه بها ثم يصور كما يؤمر فيقول: ~~أذكر أم أنثى، أشقى أم سعيد، وما رزقه، وما عمره، وما أثره وما مصائبه؟ ~~فيقول الله ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (يصوركم في الأرحام كيف يشاء) قال: ~~من ذكر وأنثى، وأحمر وأسود، وتام الخلق وغير تام الخلق. PageV01P313 # الكتاب هو القرآن، فاللام للعهد. وقدم الظرف وهو عليك لما يفيده من ~~الاختصاص. وقوله (منه آيات محكمات) الموافق لقواعد العربية أن يكون الظرف ~~خبرا مقدما، والأولى بالمعنى أن يكون مبتدأ تقديره من الكتاب آيات بينات ~~على نحو ما تقدم في قوله - ومن الناس من يقول - وإنما كان أولى، لأن ~~المقصود إنقسام الكتاب إلى القسمين المذكورين لا مجرد الإخبار عنهما بأنهما ~~من الكتاب، والجملة حالية في محل نصب أو مستأنفة لا محل لها. # وقد اختلف العلماء في تفسير المحكمات والمتشابهات على أقوال: فقيل إن ~~المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى ~~علمه سبيل، ومن القائلين بهذا جابر بن عبد الله والشعبي وسفيان الثوري، ~~قالوا: # وذلك نحو الحروف المقطعة في أوائل السور، وقيل المحكم ما لا يحتمل إلا ~~وجها واحدا، والمتشابه ما يحتمل وجوها فإذا زدت إلى وجه واحد وأبطل الباقي ~~صار المتشابه محكما، وقيل إن المحكم ناسخه وحرامه وحلاله وفرائضه وما نؤمن ~~به ونعمل عليه، والمتشابه منسوخه وأمثاله وأقسامه وما نؤمن به ولا نعمل به. ~~روى هذا عن ابن عباس، وقيل المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ، روى عن ابن ~~مسعود ms0531 وقتادة والربيع والضحاك، وقيل المحكم: # الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: ما فيه تصريف ~~وتحريف وتأويل قاله مجاهد وابن إسحاق. قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال، ~~وقيل المحكم: ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره، ~~والمتشابه: ما يرجع فيه إلى غيره. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في ~~المحكمات والمتشابهات. قال القرطبي ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية ~~وهو الجاري على وضع اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام: ~~الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما ~~يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء ~~التشابه والإشكال. وقال ابن خويز منداد للمتشابه وجوه ما اختلف فيه العلماء ~~أي الآيتين نسخت الأخرى، كما في الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن من الصحابة ~~من قال: إن آية وضع الحمل نسخت آية الأربعة الأشهر والعشر، ومنهم من قال ~~بالعكس. وكاختلافهم في الوصية للوارث، وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن يقدم ~~إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه، وكتعارض الأخبار، وتعارض الأقيسة، هذا ~~معنى كلامه. # والأولى أن يقال: إن المحكم هو الواضح المعنى الظاهر الدلالة، إما ~~باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه مالا يتضح معناه، أو لا تظهر ~~دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره. وإذا عرفت هذا عرفت أن هذا ~~الاختلاف الذي قدمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ~~ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. # وبيان ذلك أن أهل القول الأول جعلوا المحكم ما وجد إلى علمه سبيل، ~~والمتشابه ما لا سبيل إلى علمه، ولا شك أن مفهوم المحكم والمتشابه أوسع ~~دائرة مما ذكروه، فإن مجرد الخفاء أو عدم الظهور أو الاحتمال أو التردد ~~يوجب التشابه، وأهل القول الثاني خصوا المحكم بما ليس فيه احتمال، ~~والمتشابه بما فيه احتمال، ولا شك أن هذا بعض أوصاف المحكم والمتشابه لا ~~كلها، وهكذا أهل القول الثالث فإنهم خصوا كل واحد ms0532 من القسمين بتلك الأوصاف ~~المعينة دون غيرها، وأهل القول الرابع خصوا كل واحد منهما ببعض الأوصاف ~~التي ذكرها أهل القول الثالث، والأمر أوسع مما قالوه جميعا، وأهل القول ~~الخامس خصوا المحكم بوصف عدم التصريف والتحريف، وجعلوا المتشابه مقابله، ~~وأهملوا ما هو أهم من ذلك مما لا سبيل إلى علمه من دون تصريف وتحريف كفواتح ~~السور PageV01P314 # المقطعة، وأهل القول السادس خصوا المحكم بما يقوم بنفسه، والمتشابه بما ~~لا يقوم بها، وأن هذا هو بعض أوصافهما، وصاحب القول السابع وهو ابن خويز ~~منداد عمد إلى صورة الوفاق فجعلها محكما، وإلى صورة الخلاف والتعارض فجعلها ~~متشابها، فأهمل ما هو أخص أوصاف كل واحد منهما من كونه باعتبار نفسه مفهوم ~~المعنى أو غير مفهوم. # قوله (هن أم الكتاب) أي أصله الذي يعتمد عليه، ويرد ما خالفه إليه وهذه ~~الجملة صفة لما قبلها. قوله (وأخر متشابهات) وصف لمحذوف مقدر: أي وآيات أخر ~~متشابهات وهي جمع أخرى، وإنما لم ينصرف لأنه عدل بها عن الآخر، لأن أصلها ~~أن يكون كذلك. وقال أبو عبيد: لم ينصرف لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا ~~نكرة، وأنكر ذلك المبرد. وقال الكسائي: لم تنصرف لأنها صفة، وأنكره أيضا ~~المبرد. وقال سيبويه: لا يجوز أن يكون أخر معدولة عن الألف واللام لأنها لو ~~كانت معدولة عنها لكان معرفة، ألا ترى أن سحر معرفة في جميع الأقاويل لما ~~كانت معدولة. قوله (فأما الذين في قلوبهم زيغ) الزيغ: الميل: ومنه زاغت ~~الشمس وزاغت الأبصار، ويقال زاغ يزيغ زيغا: إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى ~~- فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم - وهذه الآية تعم كل طائفة من الطوائف ~~الخارجة عن الحق. وسبب النزول نصارى نجران كما تقدم، وسيأتي. قوله (فيتبعون ~~ما تشابه منه) أي يتعلقون بالمتشابه من الكتاب فيشككون به على المؤمنين، ~~ويجعلونه دليلا على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق، كما تجده في كل ~~طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعبا شديدا، ويوردون ~~منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة ms0533 في شئ. قوله (ابتغاء الفتنة) أي طلبا ~~منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبيس عليهم وإفساد ذات بينهم (وابتغاء ~~تأويله) أي طلبا لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة. ~~قال الزجاج: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم ~~الله عز وجل أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك ~~قوله (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) أي يوم يرون ما يوعدون من ~~البعث والنشور والعذاب - يقول الذين نسوه - أي تركوه - قد جاءت رسل ربنا ~~بالحق - أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. قوله (وما يعلم تأويله إلا ~~الله) التأويل يكون بمعنى التفسير، كقولهم تأويل هذه الكلمة على كذا: أي ~~تفسيرها، ويكون بمعنى ما يئول الأمر إليه، واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا ~~يئول إليه: # أي صار، وأولته تأويلا: أي صيرته، وهذه الجملة حالية: أي يتبعون المتشابه ~~لابتغاء تأويله، والحال أن ما يعلم تأويله إلا الله. وقد اختلف أهل العلم ~~في قوله (والراسخون في العلم) هل هو كلام مقطوع عما قبله أو معطوف على ما ~~قبله؟ فتكون الواو للجمع، فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع عما قبله، وأن ~~الكلام تم عند قوله (إلا الله) هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة ابن ~~الزبير وعمر بن عبد العزيز وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم، وهو مذهب ~~الكسائي والفراء والأخفش وأبي عبيد وحكاه ابن جرير الطبري عن مالك واختاره، ~~وحكاه الخطابي عن ابن مسعود وأبي بن كعب قال: وإنما روى عن مجاهد أنه نسق ~~الراسخين على ما قبله، وزعم أنهم يعلمونه، قال: # واحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين ~~(آمنا به) وزعم أن موضع (يقولون) نصب على الحال وعامة أهل اللغة ينكرونه ~~ويستبعدونه، لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ~~ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل لم يكن حالا، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد ~~الله راكبا، يعني أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك ms0534 مع ذكر الفعل كقوله ~~عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا كقول الشاعر: أنشدنيه أبو ~~عمرو. قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب: # أرسلت فيها رجلا لكالكا * يقصر يمشي ويطول باركا PageV01P315 # فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد ~~وحده. وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق وينسبه لنفسه ~~فيكون له في ذلك شريك، ألا ترى قوله عز وجل - قل لا يعلم من في السماوات ~~والأرض الغيب إلا الله -، وقوله - لا يجليها لوقتها إلا هو -، وقوله - كل ~~شئ هالك إلا وجهه - فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه به لا يشركه فيه ~~غيره، وكذلك قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله) ولو كانت الواو في قوله ~~(والراسخون) للنسق لم يكن لقوله (كل من عند ربنا) فائدة انتهى. قال ~~القرطبي: ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره. فقد روى عن ابن ~~عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم ~~المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به. وقاله الربيع ومحمد بن جعفر ~~بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم، و (يقولون) على هذا التأويل نصب على ~~الحال من الراسخون كما قال: # الريح يبكي شجوه * والبرق يلمع في الغمامة وهذا البيت يحتمل المعنيين، ~~فيجوز أن يكون والبرق مبتدأ والخبر يلمع على التأويل الأول فيكون مقطوعا ~~مما قبله، ويجوز أن يكون معطوفا على الريح، ويلمع في موضع الحال على ~~التأويل الثاني أي لامعا انتهى. ولا يخفاك أن ما قاله الخطابي في وجه ~~امتناع كون قوله (يقولون آمنا به) حالا من أن العرب لا تذكر حالا إلا مع ~~ظهور الفعل إلى آخر كلامه لا يتم إلا على فرض أنه لا فعل هنا، وليس الأمر ~~كذلك، فالفعل مذكور، وهو قوله (وما يعلم تأويله) ولكنه جاء الحال من ~~المعطوف، وهو قوله (والراسخون) دون المعطوف عليه، وهو قوله (إلا الله) وذلك ~~جائز في اللغة العربية. وقد جاء مثله في الكتاب العزيز. ms0535 ومنه قوله تعالى - ~~للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم - إلى قوله - والذين جاءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا - الآية، وكقوله - وجاء ربك والملك صفا صفا - ~~أي وجاءت الملائكة صفا صفا، ولكن ها هنا مانع آخر من جعل ذلك حالا، وهو أن ~~تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به ليس بصحيح، فإن الراسخين في ~~العلم على القول بصحة العطف على الاسم الشريف يعلمونه في كل حال من الأحوال ~~لا في هذه الحالة الخاصة، فاقتضى هذا أن جعل قوله (يقولون آمنا به) حالا ~~غير صحيح، فتعين المصير إلى الاستئناف والجزم بأن قوله (والراسخون في ~~العلم) مبتدأ خبره (يقولون)، ومن جملة ما استدل به القائلون بالعطف أن الله ~~سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم، فكيف يمدحهم وهم لا يعلمون ذلك؟ # ويجاب عن هذا بأن تركهم لطلب علم ما لم يأذن الله به، ولا جعل لخلقه إلى ~~علمه سبيلا هو من رسوخهم، لأنهم علموا أن ذلك مما استأثر الله بعلمه وأن ~~الذين يتبعونه هم الذين في قلوبهم زيغ، وناهيك بهذا من رسوخ. وأصل الرسوخ ~~في لغة العرب: الثبوت في الشئ، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام أن ترسخ ~~الخيل أو الشجر في الأرض، ومنه قول الشاعر: # لقد رسخت في الصدر مني مودة * لليلى أبت آياتها أن تغيرا فهؤلاء ثبتوا في ~~امتثال ما جاءهم عن الله من ترك اتباع المتشابه، وإرجاع علمه إلى الله ~~سبحانه. ومن أهل العلم من توسط بين المقامين فقال التأويل يطلق ويراد به في ~~القرآن شيئان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشئ وما يئول أمره إليه، ومنه ~~قوله - هذا تأويل رؤياي -، وقوله - هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله - ~~أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على ~~الجلالة، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه إلا الله عز وجل، ويكون قوله ~~(والراسخون في العلم) مبتدأ، و (يقولون آمنا به) خبره. وأما إن أريد ~~بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشئ كقوله - نبئنا ~~بتأويله - أي ms0536 بتفسيره فالوقف على (والراسخون في العلم) لأنهم PageV01P316 # يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق ~~الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون (يقولون آمنا به) حالا منهم، ~~ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون تأويله، وأطنب في ذلك، وهكذا جماعة من ~~محققي المفسرين رجحوا ذلك. قال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: ~~وهو الصحيح فإن تسميتهم راسخين تقضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي ~~يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شئ هو رسوخهم إذا لم يعلموا ~~إلا ما يعلم الجميع، لكن المتشابه يتنوع، فمنه مالا يعلم ألبتة كأمر الروح ~~والساعة مما استأثر الله بعلمه، وهذا لا يتعاطى علمه أحد، فمن قال من ~~العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع. ~~وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ويزال ~~ما فيه من تأويل غير مستقيم انتهى. # واعلم أن هذا الاضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه اختلاف ~~أقوالهم في تحقيق معنى المحكم والمتشابه. وقد قدمنا لك ما هو الصواب في ~~تحقيقهما، ونزيدك ها هنا إيضاحا وبيانا، فنقول: إن من جملة ما يصدق عليه ~~تفسير المتشابه الذي قدمناه فواتح السور، فإنها غير متضحة المعنى، ولا ~~ظاهرة الدلالة، لا بالنسبة إلى أنفسها لأنه لا يدرى من يعلم بلغة العرب، ~~ويعرف عرف الشرع ما معنى ألم، المر، حم طس، طسم ونحوها، لأنه لا يجد بيانها ~~في شئ من كلام العرب ولا من كلام الشرع، فهي غير متضحة المعنى، لا ~~باعتبارها نفسها، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويوضحها، ومثل ذلك الألفاظ ~~المنقولة عن لغة العجم، والألفاظ الغربية التي لا يوجد في لغة العرب ولا في ~~عرف الشرع ما يوضحها، وهكذا ما استأثر الله بعلمه كالروح وما في قوله - إن ~~الله عنده علم الساعة - إلى الآخر الآية، ونحو ذلك وهكذا ما كانت دلالته ~~غير ظاهرة لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره كورود الشئ محتملا لأمرين ms0537 ~~احتمالا لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشئ في نفسه، وذلك ~~كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من ~~الأمور الخارجة، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضا كليا بحيث لا يمكن ~~ترجيح أحدهما على الآخر لا باعتبار نفسه ولا باعتبار أمر آخر يرجحه. وأما ~~ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفا في لغة العرب أو في عرف ~~الشرع أو باعتبار غيره وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانها في موضع آخر ~~من الكتاب العزيز أو في السنة المطهرة أو الأمور التي تعارضت دلالتها، ثم ~~ورد ما يبين راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب أو السنة أو سائر ~~المرجحات المعروفة عند أهل الأصول المقبولة عند أهل الإنصاف فلا شك ولا ريب ~~أن هذه من المحكم لا من المتشابه ومن زعم أنها من المتشابه فقد اشتبه عليه ~~الصواب، فاشدد يديك على هذا فإنك تنجو به من مضايق ومزالق وقعت للناس في ~~هذا المقام حتى صارت كل طائفة تسمى ما دل لما ذهب إليه محكما وما دل على ما ~~يذهب إليه من يخالفها متشابها: سيما أهل علم الكلام، ومن أنكر هذا فعليه ~~بمؤلفاتهم. # واعلم أنه قد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على أنه جميعه محكم ولكن لا ~~بهذا المعنى الوارد في هذه الآية بل بمعنى آخر، ومن ذلك قوله تعالى - كتاب ~~أحكمت آياته - وقوله - تلك آيات الكتاب الحكيم - والمراد بالمحكم بهذا ~~المعنى أنه صحيح الألفاظ قويم المعاني فائق في البلاغة والفصاحة على كل ~~كلام وورد أيضا ما يدل على أنه جميعه متشابه لكن لا بهذا المعنى الوارد في ~~هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها بل بمعنى آخر ومنه قوله تعالى - كتابا ~~متشابها - والمراد بالمتشابه بهذا المعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الصحة ~~والفصاحة والحسن والبلاغة. وقد ذكر أهل العلم لورود المتشابه في القرآن ~~فوائد: منها أنه يكون في الوصول إلى الحق مع وجودها فيه مزيد صعوبة ومشقة، ~~وذلك يوجب PageV01P317 # مزيد الثواب للمستخرجين للحق وهم ms0538 الأئمة المجتهدون، وقد ذكر الزمخشري ~~والرازي وغيرهما وجوها هذا أحسنها وبقيتها لا تستحق الذكر ها هنا. قوله (كل ~~من عند ربنا) فيه ضمير مقدر عائد على قسمي المحكم والمتشابه: أي كله، أو ~~المحذوف غير ضمير: أي كل واحد منهما وهذا من تمام المقول المذكور قبله. ~~وقوله (وما يذكر إلا أولو الألباب) أي العقول الخالصة: وهم الراسخون في ~~العلم، الواقفون عند متشابهه، العالمون بمحكمه العاملون بما أرشدهم الله ~~إليه في هذه الآية. وقوله (ربنا لا تزغ) الخ من تمام ما يقوله الراسخون: أي ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا، ويقولون (ربنا لا تزغ قلوبنا) قال ابن ~~كيسان: سألوا ألا يزيغوا فتزيغ قلوبهم نحو قوله تعالى - فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم - كأنهم لما سمعوا قوله سبحانه (وأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه) قالوا (ربنا لا تزغ قلوبنا) باتباع المتشابه (بعد إذ ~~هديتنا) إلى الحق بما أذنت لنا من العمل بالآيات المحكمات والظرف وهو قوله ~~" بعد " منتصب بقوله: لا تزغ. قوله (وهب لنا من لدنك رحمة) أي كائنة من ~~عندك، ومن لابتداء الغاية ولدن بفتح اللام وضم الدال وسكون النون، وفيه ~~لغات أخر هذه أفصحها وهو ظرف مكان وقد يضاف إلى الزمان، وتنكير رحمة ~~للتعظيم أي رحمة عظيمة واسعة وقوله (إنك أنت الوهاب) تعليل للسؤال أو ~~لإعطاء المسؤول. وقوله (ربنا إنك جامع الناس) أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم ~~(ليوم) هو يوم القيامة أي لحساب يوم أو لجزاء يوم على تقدير حذف المضاف ~~وإقامة المضاف إليه مقامة. قوله (لا ريب فيه) أي في وقوعه ووقوع ما فيه من ~~الحساب والجزاء، وقد تقدم تفسير الريب، وجملة قوله (إن الله لا يخلف ~~الميعاد) للتعليل لمضمون ما قبلها: # أي أن الوفاء بالوعد شأن الإله سبحانه وخلفه يخالف الألوهية كما أنها ~~تنافيه وتباينه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: المحكمات ~~ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما نؤمن به ونعمل به والمتشابهات ~~منسوخه ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه وما ms0539 نؤمن به ولا نعمل به. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال في ~~قوله (منه آيات محكمات) قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات - قل ~~تعالوا - والآيتان بعدها. وفي رواية عنه أخرجها عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم في قوله (آيات محكمات) قال: من هنا - قل تعالوا - إلى ~~ثلاث آيات، ومن هنا - وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه - إلى ثلاث آيات بعدها. ~~وأقول: رحم الله ابن عباس ما أقل جدوى هذا الكلام المنقول عنه. فإن تعيين ~~ثلاث آيات أو عشر أو مائة من جميع آيات القرآن ووصفها بأنها محكمة ليس تحته ~~من الفائدة شئ، فالمحكمات هي أكثر القرآن على جميع الأقوال حتى على قوله ~~المنقول عنه قريبا من أن المحكمات ناسخه وحلاله الخ، فما معنى تعيين تلك ~~الآيات من آخر سورة الأنعام. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: المحكمات: الحلال ~~والحرام، وللسلف أقوال كثيرة هي راجعة إلى ما قدمنا في أول هذا البحث. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ) يعني أهل الشك، فيحملون المحكم على المتشابه والمتشابه على ~~المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم (وما يعلم تأويله إلا الله) قال: تأويله ~~يوم القيامة لا يعلمه إلا الله. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود (زيغ) قال: ~~شك. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت " تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم (هو الذي أنزل عليك الكتاب) إلى قوله (فأما الذين في قلوبهم زيغ) ~~إلى قوله (أولوا الألباب) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عني فاحذروهم ". وفي لفظ " فإذا ~~رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذي سماهم الله فاحذروهم " هذا لفظ ~~البخاري ولفظ ابن جرير وغيره " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه ~~والذين يجادلون فيه فهم الذين عني الله فلا PageV01P318 # تجالسوهم ". وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق ms0540 وأحمد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه) قال: هم الخوارج. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: # " كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن على سبعة ~~أحرف: زاجر، وآمر، وحلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله ~~وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا ~~بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا ~~" وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود موقوفا. وأخرج الطبراني عن عمر بن أبي ~~سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن مسعود فذكر نحوه ~~وأخرج البخاري في التاريخ عن علي مرفوعا بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وأبو يعلى عن أبي هريرة أن رسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: " نزل القرآن ~~على سبعة أحرف والمراء في القرآن كفر، ما عرفتم فاعملوا به، وما جهلتم منه ~~فردوه إلى عالمه " وإسناده صحيح. وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة ~~مرفوعا، وفيه " واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه ". وأخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن طاوس قال: # كان ابن عباس يقرؤها (وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون في العلم ~~آمنا به) وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال في قراءة عبد الله: ~~وإن حقيقة تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الشعثاء وأبي نهيك قال: إنكم تصلون هذه ~~الآية وهي مقطوعة (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا) فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا. وأخرج ابن ~~جرير عن ms0541 عروة. قال: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا. وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن عمر بن عبد ~~العزيز نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي قال: كتاب الله ما ~~استبان فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمن به وكله إلى عالمه. وأخرج أيضا عن ~~ابن مسعود قال: إن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم فتمسكوا به وما ~~اشتبه عليكم فذروه. وأخرج أيضا عن معاذ نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن عباس قال: تفسير القرآن على أربعة وجوه: تفسير يعلمه العلماء، ~~وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، ~~وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله، من ادعى علمه فهو كذاب. وأخرج ابن جرير ~~عنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، ~~وتفسير تفسره العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ~~ادعى علمه سوى الله فهو كاذب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: أنا ممن ~~يعلم تأويله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه في ~~قوله (يقولون آمنا به) نؤمن بالمحكم وندين به ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به ~~وهو من عند الله كله. وأخرج الدارمي في مسند ونصر المقدسي في الحجة عن ~~سليمان بن يسار: أن رجلا يقال له ضبيع قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه ~~القرآن. فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ فقال: أنا ~~عبد الله ضبيع، فقال: وأنا عبد الله عمر، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين ~~فضربه حتى دمى رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في ~~رأسي. وأخرج الدارمي أيضا من وجه آخر، وفيه: أنه ضربه ثلاث مرات يتركه في ~~كل مرة حتى يبرأ، ثم يضربه. وأخرج أصل القصة ابن عساكر في تاريخه عن أنس. ~~وأخرج الدارمي وابن عساكر: أن عمر كتب إلى أهل البصرة أن لا يجالسوا ms0542 ضبيعا، ~~وقد أخرج هذه القصة جماعة. وأخرج ابن جرير PageV01P319 # وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأبي ~~الدرداء " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الراسخين في العلم؟ ~~فقال: من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من ~~الراسخين في العلم ". وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأزدي عن ~~أنس مرفوعا نحوه. # وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " الجدال في القرآن كفر ". # وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمر قال: " خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومن وراء حجرته قوم يتجادلون بالقرآن، فخرج محمرة وجنتاه ~~كأنما يقطران دما فقال: يا قوم لا تجادلوا بالقرآن فإنما ضل من كان قبلكم ~~بجدالهم، إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، ولكن نزل ليصدق بعضه بعضا، ~~فما كان من محكمه فاعملوا به وما كان من متشابهه فآمنوا به ". وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن أم سلمة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ثم قرأ (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ~~إذ هديتنا) الآية ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير ~~والطبراني وابن مردويه عنها مرفوعا نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد وابن مردويه عن عائشة مرفوعا نحوه. وقد ورد نحوه من طرق أخر. وأخرج ~~ابن النجار في تاريخه في قوله (ربنا إنك جامع الناس ليوم) الآية. عن جعفر ~~بن محمد الخلدي قال: روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أن من قرأ هذه ~~الآية على شئ ضاع منه رده الله عليه، ويقول بعد قراءتها: يا جامع الناس ~~ليوم لا ريب فيه أجمع بيني وبين مالي إنك على كل شئ قدير ". # المراد بالذين كفروا جنس الكفرة - وقيل وفد نجران، وقيل قريظة، وقيل ~~النضير، وقيل مشركو العرب. # وقرأ السلمي " لن يغني بالتحتية، وقرأ الحسن بكون ms0543 الياء الآخرة تخفيفا. ~~قوله (من الله شيئا) أي من عذابه شيئا من الإغناء، وقيل إن كلمة من بمعنى ~~عند: أي لا تغني عند الله شيئا قاله أبو عبيد، وقيل هي بمعنى بدل. والمعنى ~~بدل رحمة الله وهو بعيد. قوله (وأولئك هم وقود النار) الوقود: اسم للحطب ~~وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة: أي هم حطب جهنم الذي تسعر به، وهم ~~مبتدأ، ووقود خبره والجملة خبر أولئك، أو هم ضمير فصل، وعلى التقديرين ~~فالجملة مستأنفة مقررة لقوله (لن تغنى عنهم أموالهم) الآية. وقرأ الحسن ~~ومجاهد وطلحة بن مصرف (وقود) بضم الواو وهو مصدر، وكذلك الوقود بفتح الواو ~~في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون اسما للحطب كما تقدم فلا يحتاج إلى تقدير، ~~ويحتمل أن يكون مصدرا، لأنه من المصادر التي تأتى على وزن الفعول فتحتاج ~~إلى تقدير: PageV01P320 # أي هم أهل وقود النار. قوله (كدأب آل فرعون) الدأب: الاجتهاد، يقال دأب ~~الرجل في عمله يدأب دأبا ودءوبا: إذا جد واجتهد، والدائبان الليل والنهار، ~~والدأب: العادة والشأن، ومنه قول امرئ القيس: # كدأبك من أم الحويرث قبلها * وجارتها أم الرباب بمأسل والمراد هنا كعادة ~~آل فرعون وشأنهم وحالهم، واختلفوا في الكاف، فقيل هي في موضع رفع تقديره ~~دأبهم كدأب آل فرعون مع موسى. وقال الفراء: إن المعنى كفرت العرب ككفر آل ~~فرعون. قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخله ~~في الصلة، وقيل هي متعلقة بأخذهم الله: أي أخذهم أخذة كما أخذ آل فرعون، ~~وقيل هي متعلقة بلن تغنى: أي لم تغن عنهم غناء، كما لم تغن عن آل فرعون، ~~وقيل إن العامل فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الإحراق. ~~قالوا: ويؤيده قوله تعالى - أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا -، والقول الأول هو الذي قاله جمهور المحققين، ومنهم ~~الأزهري. قوله (والذين من قبلهم) أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة: أي ~~وكدأب الذين من قبلهم. # قوله (كذبوا بآياتنا فأخذهم الله) يحتمل أن ms0544 يريد الآيات المتلوة، ويحتمل ~~أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية، ويصح إرادة الجميع. ~~والجملة بيان وتفسير لدأبهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الخال من آل ~~فرعون والذين من قبلهم على إضمار قد: أي دأب هؤلاء كدأب أولئك قد كذبوا ~~الخ. وقوله (بذنوبهم) أي بسائر ذنوبهم التي من جملتها تكذيبهم. قوله (قل ~~للذين كفروا) قيل هم اليهود، وقيل هم مشركو مكة، وسيأتي بيان سبب نزول ~~الآية. وقوله (ستغلبون) قرئ بالفوقية والتحتية، وكذلك (تحشرون). وقد صدق ~~الله وعده بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على ~~سائر اليهود، ولله الحمد. # قوله (وبئس المهاد) يحتمل أن يكون من تمام القول الذي أمر الله سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم، ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ~~تهويلا وتفظيعا. قوله (قد كان لكم آية) أي علامة عظيمة دالة على صدق ما ~~أقول لكم، وهذه الجملة جواب قسم محذوف، وهي من تمام القول المأمور به ~~لتقرير مضمون ما قبله ولم يقل كانت لأن التأنيث غير حقيقي. وقال الفراء: ~~إنه ذكر الفعل لأجل الفصل بينه وبين الاسم بقوله (لكم). والمراد بالفئتين ~~المسلمون والمشركون لما اتقوا يوم بدر. قوله (فئة تقاتل في سبيل الله) ~~قراءة الجمهور برفع فئة. وقرأ الحسن ومجاهد " فئة " و " كافرة " بالخفض، ~~فالرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي إحداهما فئة. وقوله (تقاتل) في محل رفع ~~على الصفة، والجر على البدل من قوله (فئتين). وقوله (وأخرى) أي وفئة أخرى ~~كافرة. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال ثعلب: هو على الحال: أي التقتا ~~مختلفتين، مؤمنة وكافرة. وقال الزجاج: النصب بتقدير أعني، وسميت الجماعة من ~~الناس فئة لأنه يفاء إليها: أي يرجع في وقت الشدة. وقال الزجاج الفئة: # الفرقة مأخوذ من فأوت رأسه بالسيف: إذا قطعته، ولا خلاف أن المراد ~~بالفئتين هما المقتتلتان في يوم بدر، وإنما وقع الخلاف في المخاطب بهذا ~~الخطاب، فقيل المخاطب بها المؤمنون، وقيل اليهود. وفائدة الخطاب للمؤمنين ~~تثبيت نفوسهم وتشجيعها، وفائدته إذا كان ms0545 مع اليهود عكس الفائدة المقصودة ~~بخطاب المسلمين. قوله (ترونهم مثليهم) قال أبو علي الفارسي: الرؤية في هذه ~~الآية رؤية العين، وذلك تعدت إلى مفعول واحد، ويدل عليه قوله (رأى العين) ~~والمراد أنه يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين أو مثلي عدد ~~المسلمين، وهذا على قراءة الجمهور بالياء التحتية، وقرأ نافع بالفوقية. ~~وقوله (مثليهم) منتصب على الحال. وقد ذهب الجمهور إلى أن فاعل ترون هم ~~المؤمنون، PageV01P321 # والمفعول هم الكفار. والضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمشركين: أي ترون ~~أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وفيه بعد أن يكثر الله ~~المشركين في أعين المؤمنين وقد أخبرنا أنه قللهم في أعين المؤمنين فيكون ~~المعنى ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة ~~أمثالهم فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم ~~لتقوى أنفسهم. وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، ~~ويحتمل أن يكون الضمير في مثليهم للمسلمين: أي ترون أيها المسلمون أنفسكم ~~مثلي ما أنتم عليه من العدد لتقوى بذلك أنفسكم وقد قال من ذهب إلى التفسير ~~الأول: أعني أن فاعل الرؤية المشركون، وأنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم أنه ~~لا يناقض هذا ما في سورة الأنفال من قوله تعالى - ويقللكم في أعينهم - بل ~~قللوا أولا في أعينهم ليلاقوهم ويجترئوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في ~~أعينهم حتى غلبوا. قوله (رأى العين) مصدر مؤكد لقوله (ترونهم) أي رؤية ~~ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها (والله يؤيد بنصره من يشاء (أي يقوى من يشاء أن ~~يقويه، ومن جملة ذلك تأييد أهل بدر بتلك الرؤية (إن في ذلك) أي في رؤية ~~القليل كثيرا (لعبرة) فعلة من العبور كالجلسة من الجلوس. والمراد الاتعاظ، ~~والتنكير للتعظيم: أي عبرة عظيمة، وموعظة جسيمة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (كدأب آل فرعون) ~~قال: كصنيع آل فرعون. # وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عنه قال كفعل. وأخرج مثله أبو الشيخ عن ~~مجاهد. وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: ms0546 كسنتهم. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني ~~قينقاع قال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، قالوا ~~يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا كانوا غمارا لا يعرفون القتال، إنك ~~والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله (قل ~~للذين كفروا ستغلبون) إلى قوله (أولي الأبصار) ". وأخرج ابن جرير وابن ~~إسحاق وابن أبي حاتم عن عاصم بن عمر بن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن عكرمة قال: قال فنحاص اليهودي وذكر نحوه. وأخرج ابن جرير عن ~~قتادة في قوله (قد كان لكم آية) عبرة وتفكر. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة ~~تقاتل في سبيل الله) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببدر (وأخرى ~~كافرة) فئة قريش الكفار. وأخرج عبد الرزاق أن هذه الآية نزلت في أهل بدر. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله (قد كان لكم آية) يقول: قد ~~كان لكم في هؤلاء عبرة ومتفكر أيدهم الله ونصرهم على عدوهم يوم بدر كان ~~المشركون تسعمائة وخمسين رجلا، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية قال: هذا ~~يوم بدر نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما ~~رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في الآية قال أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذ ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة وعشرين فأيد ~~الله المؤمنين. PageV01P322 # قوله (زين للناس) الخ: كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه الأنفس في هذه ~~الدار، والمزين قيل هو الله ms0547 سبحانه، وبه قال عمر كما حكاه عنه البخاري ~~وغيره، ويؤيد قوله تعالى - إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم -. # وقيل المزين هو الشيطان، وبه قال الحسن، حكاه عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه. وقرأ الضحاك " زين " على البناء للفاعل. وقرأه الجمهور على ~~البناء للمفعول. والمراد بالناس: الجنس. والشهوات جمع شهوة، وهي نزوع النفس ~~إلى ما تريده. والمراد هنا المشتهيات عبر عنها بالشهوات مبالغة في كونها ~~مرغوبا فيها أو تحقيرا لها لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع ~~البهيمية، ووجه تزيين الله سبحانه لها ابتلاء عباده كما صرح به في الآية ~~الأخرى. وقوله (من النساء والبنين) في محل الحال: أي زين للناس حب الشهوات ~~حال كونها من النساء والبنين الخ. وبدأ بالنساء لكثرة تشوق النفوس إليهن ~~لأنهن حبائل الشيطان، وخص البنين دون البنات لعدم الاطراد في محبتهن. ~~والقناطير جمع قنطار وهو اسم للكثير من المال. قال الزجاج: القنطار مأخوذ ~~من عقد الشئ وإحكامه: تقول العرب قنطرت الشئ: إذا أحكمته، ومنه سميت ~~القنطرة لإحكامها. وقد اختلف في تقديره على أقوال للسلف ستأتي إن شاء الله. ~~واختلفوا في معنى المقنطرة، فقال ابن جرير الطبري: معناها المضعفة، وقال ~~القناطير: ثلاثة، والمقنطرة تسعة. وقال الفراء: القناطير جمع القنطار، ~~والمقنطرة جمع الجمع، فتكون تسع قناطير وقيل المقنطرة المضروبة، وقيل ~~المكملة كما يقال بدرة مبدرة، وألوف مؤلفة، وبه قال مكي وحكاه الهروي. وقال ~~ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقل من سبع قناطير. وقوله (من الذهب والفضة) ~~بيان للقناطير، أو حال (والخيل لسومة) قبل هي المرعية في المروج والمسارح، ~~يقال سامت الدابة والشاة: إذا سرحت، وقيل هي المعدة للجهاد وقيل هي الحسان، ~~وقيل المعلمة من السومة، وهي العلامة: أي التي يجعل عليها علامة لتتميز عن ~~غيرها. وقال ابن فارس في المجمل المسومة: المرسلة وعليها ركبانها. وقال ابن ~~كيسان: البلق. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، فإذا قلت نعم فهي الإبل ~~خاصة قاله الفراء وابن كيسان، ومنه قول حسان: # وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها ms0548 نعم وشاء والحرث: اسم لكل ما يحرث، ~~وهو مصدر سمى به المحروث، يقول حرث الرجل حرثا: إذا أثار الأرض فيقع على ~~الأرض والزرع. قال ابن الأعرابي الحرث: التفتيش. قوله (ذلك متاع الحياة ~~الدنيا) أي ذلك المذكور ما يتمتع به ثم يذهب ولا يبقي، وفيه تزهيد في ~~الدنيا وترغيب في الآخرة. والمآب: المرجع آب يئوب إيابا: إذا رجع، ومنه قول ~~امرئ القيس: # لقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب قوله (قل أؤنبئكم بخير ~~من ذلكم) أي هل أخبركم بما هو خير لكم من تلك المستلذات وإبهام الخير ~~للتفخيم، ثم PageV01P323 # بينه بقوله (للذين اتقوا عند ربهم جنات) وعند في محل نصب على الحال من ~~جنات وهي مبتدأ، وخبرها للذين اتقوا، ويجوز أن تتعلق اللام بخير. وجنات خبر ~~مبتدأ مقدر: أي هو جنات، وخص المتقين لأنهم المنتفعون بذلك. وقد تقدم تفسير ~~قوله (تجري من تحتها الأنهار) وما بعده. قوله (الذين يقولون) بدل من قوله ~~(للذين اتقوا) أو خبر مبتدأ محذوف: أي هم الذين، أو منصوب على المدح، ~~والصابرين وما بعده نعت للموصول على تقدير كونه بدلا، أو منصوبا على المدح ~~وعلى تقدير كونه خبرا يكون الصابرين وما بعده منصوبة على المدح وقد تقدم ~~تفسير الصبر والصدق والقنوت. قوله (والمستغفرين بالأسحار) هم السائلون ~~للمغفرة بالأسحار، وقيل المصلون. والأسحار جمع سحر بفتح الحاء وسكونها. قال ~~الزجاج: هو من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر، وخص الأسحار لأنها من ~~أوقات الإجابة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب، لما نزلت (زين للناس ~~حب الشهوات) قال: # الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت (قل أؤنبئكم). وأخرجه ابن المنذر عنه ~~بلفظ خير انتهى إلى قوله (قل أؤنبئكم بخير) فبكى وقال: بعد ماذا بعد ماذا ~~بعد ما زينتها. وأخرج أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " القنطار اثنا عشر ألف أوقية ". رواه أحمد من حديث ~~عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد عن عاصم ms0549 عن أبي صالح عنه. ورواه ابن ماجة ~~عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الصمد به. وقد رواه ابن جرير موقوفا على أبي ~~هريرة. قال ابن كثير: وهذا أصح. وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القناطير المقنطرة فقال: " القنطار ألف ~~أوقية ". ورواه ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه مرفوعا بلفظ ألف دينار. وأخرج ~~ابن جرير عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ". وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والبيهقي من قول معاذ بن جبل، وأخرجه ابن جرير من قول ابن عمر، وأخرجه ~~عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي من قول أبي هريرة، وأخرجه ابن جرير ~~والبيهقي من قول ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن ~~أبي سعيد الخدري قال: القنطار ملء مسك جلد الثور ذهبا. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عمر أنه قال: القنطار سبعون ألفا، وأخرجه عبد بن حميد عن ~~مجاهد. وأخرج أيضا عن سعيد بن المسيب قال القنطار ثمانون ألفا. وأخرج أيضا ~~عن أبي صالح قال: القنطار مائة رطل. وأخرجه أيضا عن قتادة وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن أبي جعفر قال: القنطار خمسة عشر ألف مثقال، والمثقال أربعة وعشرون ~~قيراطا وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: هو المال الكثير من الذهب والفضة. ~~وأخرجه أيضا عن الربيع. وأخرج عن السدي أن المقنطرة المضروبة. وأخرج ابن ~~جرير من طريق العوفي عن ابن عباس (والخيل المسومة) قال: الراعية. وأخرج ابن ~~المنذر عنه من طريق مجاهد. وأخرج ابن جرير عنه قال: هي الراعية والمطهمة ~~الحسان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: هي المطهمة الحسان. ~~وأخرجا عن عكرمة قال: تسويمها حسنها. وأخرج ابن أبي حاتم قال (الخيل ~~المسومة) الغرة والتحجيل وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله الصابرين قال: ~~قوم صبروا على طاعة الله وصبروا عن محارمه، والصادقون ms0550 قوم صدقت نياتهم ~~واستقامت قلوبهم وألسنتهم وصدقوا في السر والعلانية، والقانتون هم المطيعون ~~والمستغفرون بالأسحار أهل الصلاة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة قال: هم الذين يشهدون صلاة الصبح. وأخرج ابن جرير ~~وابن مردويه عن أنس قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~نستغفر بالأسحار سبعين مرة. وأخرج ابن جرير وأحمد في الزهد عن سعيد الجريري ~~قال: بلغنا أن داود عليه PageV01P324 # السلام سأل جبريل فقال: يا جبريل أي الليل أفضل؟ قال: يا داود ما أدري ~~إلا أن العرش يهتز في السحر. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من ~~الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ينزل الله تبارك ~~وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول هل من ~~سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له؟ ". # قوله (شهد الله) أي بين وأعلم. قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشئ ~~ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين، وقال أبو عبيدة: شهد ~~الله بمعنى قضى: أي أعلم. قال ابن عطية وهذا مردود من جهات، وقيل إنها شبهت ~~دلالته على وحدانيته بأفعاله ووحيه بشهادة الشاهد في كونها مبنية. وقوله ~~أنه بفتح الهمزة. قال المبرد: # أي بأنه ثم حذفت الباء كما في أمرتك الخير: أي بالخير. وقرأ ابن عباس " ~~إنه " بكسر الهمزة بتضمين شهد معنى قال. وقرأ أبو المهلب " شهداء لله " ~~بالنصب على أنه حال من الصابرين وما بعده، أو على المدح (والملائكة) عطف ~~على الاسم الشريف، وشهادتهم إقرارهم بأنه لا إله إلا الله. وقوله (وأولوا ~~العلم) معطوف أيضا على ما قبله وشهادتهم بمعنى الإيمان منهم وما يقع من ~~البيان للناس على ألسنتهم، وعلى هذا لابد من حمل الشهادة على معنى يشمل ~~شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم. وقد اختلف في أولي العلم هؤلاء من ~~هم؟ فقيل هم الأنبياء، وقيل المهاجرون والأنصار، قاله ابن كيسان، وقيل ~~مؤمنو أهل الكتاب، ms0551 قاله مقاتل، وقيل المؤمنون كلهم، قاله السدي والكلبي، ~~وهو الحق إذ لا وجه للتخصيص. وفي ذلك فضيلة لأهل العلم جليلة، ومنقبة نبيلة ~~لقربهم باسمه واسم ملائكته، والمراد بأولي العلم هنا علماء الكتاب والسنة ~~وما يتوصل به إلى معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي ~~اشتمل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة. وقوله (قائما بالقسط) أي العدل: ~~أي قائما بالعدل في جميع أموره أو مقيما له، وانتصاب قائما على الحال من ~~الاسم الشريف. قال في الكشاف: إنها حال مؤكدة كقوله - وهو الحق مصدقا - ~~وجاز إفراده سبحانه بذلك دون ما هو معطوف عليه من الملائكة وأولي العلم ~~لعدم اللبس، وقيل إنه منصوب على المدح، وقيل إنه صفة لقوله (إله) أي لا إله ~~قائما بالقسط إلا هو أو هو حال من قوله (إلا هو) والعامل فيه معنى الجملة. ~~وقال الفراء: هو منصوب على القطع لأن أصله الألف واللام، فلما قطعت نصب ~~كقوله - وله الدين واصبا - ويدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود القائم ~~بالقسط. وقوله (لا إله إلا هو) تكرير لقصد التأكيد، وقيل إن قوله (أنه لا ~~إله إلا هو) كالدعوى، والأخيرة كالحكم. وقال جعفر الصادق الأولى وصف ~~وتوحيد، والثانية رسم وتعليم. وقوله (العزيز الحكيم) مرتفعان على البدلية ~~من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد لتقرير معنى الوحدانية. قوله (إن الدين عند ~~الله الإسلام). قرأه الجمهور بكسر إن على أن الجملة PageV01P325 # مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، وقرئ بفتح أن. قال الكسائي: أنصبهما جميعا ~~يعني قوله (شهد الله أنه) وقوله (إن الدين عند الله الإسلام) بمعنى شهد ~~الله أنه كذا وأن الدين عند الله الإسلام. قال ابن كيسان: إن الثانية بدل ~~من الأولى. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان وإن كانا في ~~الأصل متغايرين كما في حديث جبريل الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم معنى الإسلام ومعنى الإيمان، وصدقه جبريل، وهو في الصحيحين وغيرهما ~~ولكنه قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر وقد ورد ذلك في الكتاب ms0552 والسنة. ~~قوله (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) ~~فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه ~~يجب عليهم الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم. قال ~~الأخفش: وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم ~~هو خلافهم في كون نبينا صلى الله عليه وآله وسلم نبيا أم لا؟ وقيل اختلافهم ~~في نبوة عيسى، وقيل اختلافهم في ذات بيتهم حتى قالت اليهود: ليست النصارى ~~على شئ، وقالت النصارى: ليست اليهود على شئ. قوله (ومن يكفر بآيات الله) أي ~~بالآيات الدالة على أن الدين عند الله الإسلام (فإن الله سريع الحساب) ~~فيجازيه ويعاقبه على كفره بآياته، والإظهار في قوله فإن الله مع كونه مقام ~~الإضمار للتهويل عليهم والتهديد لهم. قوله (فإن حاجوك) أي جادلوك بالشبه ~~الباطلة والأقوال المحرفة، (فقل أسلمت وجهي لله) أي أخلصت ذاتي لله، وعبر ~~بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان وأجمعها للحواس، وقيل الوجه ~~هنا بمعنى القصد. وقوله (ومن اتبعن) عطف على فاعل أسلمت وجاز للفصل وأثبت ~~نافع وأبو عمرو ويعقوب الياء في اتبعن على الأصل وحذفها الآخرون اتباعا ~~لرسم المصحف، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع والمراد بالأميين هنا مشركو ~~العرب. وقوله (أأسلمتم) استفهام تقريري يتضمن الأمر: أي أسلموا، كذا قاله ~~ابن جرير وغيره. وقال الزجاج (ءأسلمتم) تهديد، والمعنى: أنه قد أتاكم من ~~البراهين ما يوجب الإسلام فهل علمتم بموجب ذلك أم لا؟ تبكيتا لهم وتصغيرا ~~لشأنهم في الإنصاف وقبول الحق. وقوله (فقد اهتدوا) أي ظفروا بالهداية التي ~~هي الحظ الأكبر، وفازوا بخير الدنيا والآخرة (وإن تولوا) أي أعرضوا عن قبول ~~الحجة ولم يعملوا بموجبها (فإنما عليك البلاغ) أي فإنما عليك أن تبلغهم ما ~~أنزل إليك، ولست عليهم بمسيطر فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، والبلاغ مصدر. ~~وقوله (والله بصير بالعباد) فيه وعد ووعيد لتضمنه أنه عالم بجميع ms0553 أحوالهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (قائما بالقسط) قال: بالعدل. ~~وأخرج أيضا عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في ~~قوله (إن الدين عند الله الإسلام) قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، ~~والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به ~~رسله ودل عليه أولياءه لا يقبل غيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لم ~~يبعث الله رسولا إلا بالإسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن ~~جبير قال: كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم لكل قبيلة من قبائل العرب صنم ~~أو صنمان فأنزل الله (شهد الله أنه لا إله إلا هو) الآية، فأصبحت الأصنام ~~كلها قد خرت سجدا للكعبة. وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة وأبو منصور ~~الشحامي في الأربعين عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من آل عمران (شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. ~~إن الدين عند الله الإسلام. قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) إلى قوله (بغير حساب) هن معلقات ~~بالعرش ما بينهن وبين الله حجاب، PageV01P326 # يقلن يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله: إني حلفت لا يقرؤكن ~~أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان منه، وإلا ~~أسكنته حظيرة القدس، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين نظرة وإلا ~~قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو ونصرته ~~منه ". وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعا نحوه، ~~وفيه " لا يتلوكن عبد دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان منه، وأسكنته ~~جنة الفردوس، ونظرت إليه كل يوم سبعين مرة، وقضيت له سبعين ms0554 حاجة أدناها ~~المغفرة ". وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن السني عن الزبير بن ~~العوام قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه ~~الآية (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم) فقال: وأنا على ذلك من الشاهدين " ولفظ الطبراني ~~" وأنا أشهد أن لا إله إلا أنت العزيز الحكيم ". # وأخرج ابن عدي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الايمان وضعفه ~~والخطيب في تاريخه وابن النجار عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة ~~فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل ~~فمر بهذه الآية (شهد الله أنه لا إله إلا هو) إلى قوله (إن الدين عند الله ~~الإسلام) فقال: وأنا أشهد بما شهد به الله، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي ~~لي وديعة عند الله، قالها مرارا، فقلت: لقد سمع فيها شيئا فسألته فقال: ~~حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد ~~أدخلوا عبدي الجنة ". وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوا الكتاب) قال: بنو إسرائيل. وأخرج ابن جرير عن ~~أبي العالية في قوله (بغيا بينهم) يقول: بغيا على الدنيا وطلب ملكها ~~وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (فإن حاجوك) قال: إن حاجك اليهود والنصارى. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (وقل للذين أوتوا الكتاب) قال: اليهود والنصارى ~~(والأميين) قال: هم الذين لا يكتبون. # قوله (بآيات الله) ظاهره عدم الفرق بين آية وآية (ويقتلون النبيين بغير ~~حق) يعني اليهود قتلوا الأنبياء (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) أي ~~بالعدل، وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون ms0555 عن المنكر. قال المبرد: كان ناس ~~من بني إسرائيل جاءهم النبيون فدعوهم إلى الله فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم ~~من المؤمنين فأمروهم PageV01P327 # بالإسلام فقتلوهم. ففيهم نزلت الآية. وقوله (فبشرهم بعذاب أليم) خبر (إن ~~الذين كفروا) الخ، ودخلته الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط، وذهب بعض أهل ~~النحو إلى أن الخبر قوله (أولئك الذين حبطت أعمالهم) وقالوا إن الفاء لا ~~تدخل في خبر إن وإن تضمن اسمها معنى الشرط، لأنه قد نسخ بدخول إن عليه، ~~ومنهم سيبويه والأخفش وذهب غيرهما إلى أن ما يتضمنه المبتدأ من معنى الشرط ~~لا ينسخ بدخول إن عليه، ومثل المكسورة المفتوحة، ومنه قوله تعالى - واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه -. وقوله (حبطت أعمالهم) قد تقدم تفسير ~~الإحباط، ومعنى كونها حبطت في الدنيا والآخرة أنه لم يبق لحسناتهم أثر في ~~الدنيا، حتى يعاملوا فيها معاملة أهل الحسنات، بل عوملوا معاملة أهل ~~السيئات فلعنوا وحل بهم الخزي والصغار ولهم في الآخرة عذاب النار. قوله ~~(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) فيه تعجيب لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولكل من تصح منه الرؤية من حال هؤلاء وهم أحبار اليهود. ~~والكتاب: التوراة، وتنكير النصيب للتعظيم: أي نصيبا عظيما كما يفيده مقام ~~المبالغة، ومن قال: إن التنكير للتحقير فلم يصب فلم ينتفعوا بذلك، وذلك ~~بأنهم يدعون إلى كتاب الله الذي أوتوا نصيبا منه وهو التوراة (ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم) والحال أنهم معرضون عن الإجابة إلى ما دعوا إليه مع ~~علمهم به واعترافهم بوجوب الإجابة إليه، و (ذلك) إشارة إلى ما مر من التولي ~~والإعراض بسبب (أنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) وهي مقدار ~~عبادتهم العجل. وقد تقدم تفسير ذلك (وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) من ~~الأكاذيب التي من جملتها هذا القول. قوله (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب ~~فيه) هو رد عليهم وإبطال لما غرهم من الأكاذيب: أي فكيف يكون حالهم إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم الجزاء الذي ms0556 لا يرتاب مرتاب في وقوعه، ~~فإنهم يقعون لا محالة ويعجزون عن دفعه بالحيل والأكاذيب (ووفيت كل نفس ما ~~كسبت) أي جزاء ما كسبت على حذف المضاف (وهم لا يظلمون) بزيادة ولا نقص. ~~والمراد كل الناس المدلول عليهم بكل نفس: # قال الكسائي: اللام في قوله (ليوم) بمعنى في وقال البصريون: المعنى لحساب ~~يوم. وقال ابن جرير الطبري المعنى لما يحدث في يوم. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح " قلت يا رسول ~~الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا، أو رجلا أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الذين ~~يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) إلى قوله ~~(وما لهم من ناصرين) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا ~~عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا أول النهار في ساعة واحدة فقام ~~مائة رجل وسبعون رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم ~~عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ~~". وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: بعث عيسى ~~يحيى بن زكريا في اثنى عشر رجلا من الحواريين يعلمون الناس، فكان ينهى عن ~~نكاح بنت الأخ، وكان ملك له بنت أخ تعجبه فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم ~~حاجة، فقالت لها أمها: إذا سألك عن حاجة فقولي حاجتي أن تقتل يحيى بن ~~زكريا، فقال: سلي غير هذا، فقالت: لا أسألك غير هذا فلما أبت أمر به فذبح ~~في طست، فبدرت قطرة من دمه فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر، فدلت عجوز ~~عليه، فألقى في نفسه أن لا يزال يقتل حتى يسكن هذا الدم، فقتل في يوم واحد ~~من ضرب واحد وسن واحد سبعين ألفا فسكن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن معقل بن أبي مسكين في الآية قال: كان الوحي يأتي ms0557 بني إسرائيل ~~فيذكرون قومهم ولم يكن يأتيهم كتاب، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون ~~قومهم فيقتلون PageV01P328 # فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ~~ابن عساكر عن ابن عباس قال: الذين يأمرون بالقسط من الناس: ولاة العدل. ~~وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال " ~~دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود، ~~فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أتيت ~~يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه، قال: فإن إبراهيم كان يهوديا قال ~~لهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ~~فأبيا عليه، فأنزل الله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى ~~كتاب الله) الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (نصيبا) قال: ~~حظا (من الكتاب) قال: التوراة. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله (قالوا ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) قال: يعنون الأيام التي خلق الله فيها ~~آدم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون) حين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير في قوله (ووفيت كل نفس) يعني توفي كل نفس بر أو فاجر (ما ~~كسبت) ما عملت من خير أو شر (وهم لا يظلمون) يعني من أعمالهم. # قوله (قل اللهم). قال الخليل وسيبويه وجميع البصرين: إن أصل اللهم يا ~~ألله، فلما استعملت الكلمة دون حرف الندا الذي هو " يا " جعلوا بدله هذه ~~الميم المشددة فجاءوا بحرفين وهما الميمان عوضا من حرفين وهما الياء ~~والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. وذهب الفراء ~~والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أمنا بخير، فحذف وخلط الكلمتان، ~~والضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت ~~الحركة. قال النحاس: ms0558 هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما ~~قاله الخليل وسيبويه. قال الكوفيون وقد يدخل حرف النداء على اللهم، وأنشدوا ~~في ذلك قول الراجز: * غفرت أو عذبت يا اللهما * وقول الآخر: وما عليك أن ~~تقول كلما * سبحت أو هللت يا للهما وقول الآخر: إني إذا ما حدث ألما * أقول ~~ياللهم ياللهما قالوا: ولو كان الميم عوضا من حرف النداء لما اجتمعتا. قال ~~الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله. قال النضر بن شميل: من قال اللهم فقد دعا ~~الله بجميع أسمائه. قوله (مالك الملك) أي مالك جنس الملك على الإطلاق، ~~ومالك منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان، أي يا مالك الملك، ولا يجوز عنده ~~أن يكون وصفا لقوله (اللهم) لأن الميم عنده تمنع الوصفية. وقال محمد بن ~~يزيد المبرد وإبراهيم بن السري الزجاج: إنه صفة لاسم الله تعالى، وكذلك ~~قوله تعالى - قل اللهم فاطر السماوات والأرض -. قال أبو علي الفارسي: وهو ~~مذهب المبرد، وما قاله سيبويه أصوب وأبين، وذلك لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت ~~والأصوات لا توصف نحو غاق وما أشبهه قال الزجاج: والمعنى مالك PageV01P329 # العباد وما ملكوا، وقيل المعنى مالك الدنيا والآخرة، وقيل الملك هنا: ~~النبوة، وقيل الغلبة، وقيل المال والعبيد. # والظاهر شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص (تؤتى الملك من ~~تشاء) أي من تشاء إيتاءه إياه (وتنزع الملك ممن تشاء) نزعه منه. والمراد ~~بما يؤتيه من الملك وينزعه هو نوع من أنواع ذلك الملك العام. قوله (وتعز من ~~تشاء) أي في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، يقال عز: إذا غلب، ومنه - وعزني ~~في الخطاب -. وقوله (وتذل من تشاء) أي في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، ~~يقال ذل يذل ذلا: إذا غلب وقهر. قوله (بيدك الخير) تقديم الخبر للتخصيص: أي ~~بيدك الخير لا بيد غيرك، وذكر الخير دون الشر، لأن الخير بفضل محض بخلاف ~~الشر فإنه يكون جزاء لعمل وصل إليه، وقيل لأن كل شر من حيث كونه من قضائه ~~سبحانه ms0559 هو متضمن للخير فأفعاله كلها خير، وقيل إنه حذف كما حذف في قوله - ~~سرابيل تقيكم الحر - وأصله بيدك الخير والشر، وقيل خص الخير لأن المقام ~~مقام دعاء. قوله (إنك على كل شئ قدير) تعليل لما سبق وتحقيق له. قوله (تولج ~~الليل في النهار وتولج النهار في الليل) أي تدخل ما نقص من أحدهما في ~~الآخر، وقيل المعنى تعاقب بينهما ويكون زوال أحدهما ولوجا في الآخر. قوله ~~(وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) قيل المراد إخراج الحيوان وهو ~~حي من النطفة وهي ميتة، وإخراج النطفة وهي ميتة من الحيوان وهو حي، وقيل ~~المراد إخراج الطائر وهو حي من البيضة وهي ميتة، وإخراج البيضة وهي ميتة من ~~الدجاجة وهي حية، وقيل المراد إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. ~~قوله (بغير حساب) أي بغير تضييق ولا تقتير كما تقول فلان يعطي بغير حساب، ~~والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن ~~نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في ~~أمته، فنزلت الآية. وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اسم ~~الله الأعظم (قل اللهم مالك الملك) إلى قوله (بغير حساب). وأخرج ابن أبي ~~الدنيا والطبراني عن معاذ " أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~دينا عليه، فعلمه أن يتلو هذه الآية، ثم يقول: رحمن الدنيا والآخرة ~~ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن ~~رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر واقض عني الدين ". وأخرجه الطبراني في ~~الصغير من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ " ~~ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك " ~~فذكره، وإسناده جيد وقد تقدم عند تفسير قوله تعالى - شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو - بعض فضائل هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ms0560 ابن عباس في قوله ~~(تؤتى الملك من تشاء) قال: النبوة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله (تولج الليل في ~~النهار) الآية، قال: تأخذ الصيف من الشتاء، وتأخذ الشتاء من الصيف (وتخرج ~~الحي من الميت) تخرج الرجل الحي من النطفة الميتة (وتخرج الميت من الحي) ~~تخرج النطفة الميتة من الرجل الحي. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (تولج الليل في النهار) قال: ما نقص من النهار تجعله في ~~الليل وما نقص من الليل تجعله في النهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ~~نحوه أيضا. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (تخرج الحي من الميت) قال: ~~تخرج النطفة الميتة من الحي ثم تخرج من النطفة بشرا حيا. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة (تخرج الحي من الميت) قال: هي ~~البيضة تخرج من PageV01P330 # الحي وهي ميتة، ثم يخرج منها الحي. وأخرج ابن جرير عنه قال: النخلة من ~~النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ~~الحسن قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. والمؤمن عبد حي الفؤاد، ~~والكافر عبد ميت الفؤاد. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي عن سلمان الفارسي نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه مرفوعا ~~نحوه. وأخرجه أيضا عنه، أو عن ابن مسعود مرفوعا. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبيد الله بن عبد الله " أن خالدة ~~بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من ~~هذه؟ قيل: ms0561 خالدة بنت الأسود، قال: سبحان الذي يخرج الحي من الميت " وكان ~~امرأة صالحة وكان أبوها كافرا. وأخرج ابن سعد عن عائشة مثله. # قوله (لا يتخذ) فيه النهي للمؤمنين عن موالاة الكفار لسبب من الأسباب، ~~ومثله قوله تعالى - لا تتخذوا بطانة من دونكم - الآية، وقوله - ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم -، وقوله - لا تجد قوما يؤمنون بالله - الآية، وقوله لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء -، وقوله - يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء - وقوله (من دون المؤمنين) في محل الحال: أي متجاوزين ~~المؤمنين إلى الكافرين استقلالا أو اشتراكا، والإشارة بقوله (ومن يفعل ذلك) ~~إلى الاتحاد المدلول عليه بقوله (لا يتخذ) ومعنى قوله (فليس من الله في شئ) ~~أي من ولايته في شئ من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل حال. قوله (ألا أن ~~تتقوا منهم تقاة) على صيغة الخطاب بطريق الالتفات: # أي إلا أن تخافوا منهم أمرا يجب اتقاؤه وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال. ~~وتقاة مصدر واقع موقع المفعول، وأصلها وقية على وزن فعلة قلبت الواو تاء ~~والياء ألفا، وقرأ رجاء وقتادة تقية. وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم ~~مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرا لا باطنا. وخالف في ذلك قوم من السلف، ~~فقالوا: لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام. قوله (ويحذركم الله نفسه) أي ~~ذاته المقدسة، وإطلاق ذلك عليه سبحانه جائز في المشاكلة كقوله - تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك - وفي غيرها. وذهب بعض المتأخرين. إلى منع ذلك ~~إلا مشاكلة. وقال الزجاج: معناه ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عن ذلك بهذا ~~وصار المستعمل. قال: وأما قوله - تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك - ~~فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك. ~~وقال بعض أهل العلم: معناه ويحذركم الله عقابه مثل - واسأل القرية - فجعلت ~~النفس في موضع الإضمار، وفي هذه الآية تهديد شديد وتخويف عظيم لعباده أن ~~يتعرضوا لعقابه بموالاة أعدائه. قوله (قل إن تخفوا ما ms0562 في صدوركم) الآية ~~PageV01P331 # فيه أن كل ما يضمره العبد ويخفيه أو يظهره ويبديه فهو معلوم لله سبحانه، ~~لا يخفى عليه منه شئ ولا يعزب عنه مثقال ذرة (ويعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض) مما هو أعم من الأمور التي يخفونها أو يبدونها، فلا يخفى عليه ما هو ~~أخص من ذلك. قوله (يوم تجد) منصوب بقوله - ويحذركم الله نفسه - وقيل ~~بمحذوف: أي أذكر، (ومحضرا) حال، وقوله (وما عملت من سوء) معطوف على ما ~~لأولى: أي وتجد ما عملت من سوء محضرا تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا. ~~فحذف محضرا لدلالة الأول عليه، وهذا إذا كان " تجد " من وجدان الضالة، وأما ~~إذا كان من وجد بمعنى علم كان محضرا هو المفعول الثاني، ويحوز أن يكون قوله ~~(وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) جملة مستأنفة، ويكون " ~~ما " في ما عملت مبتدأ ويود خبره. والأمد: الغاية، وجمعه آماد: أي تود لو ~~أن بينها وبين ما عملت من السوء أمدا بعيدا، وقيل إن قوله (يوم تجد) منصوب ~~بقوله (تود) والضمير في قوله (وبينه) لليوم، وفيه بعد، وكرر قوله (ويحذركم ~~الله نفسه) للتأكيد وللاستحضار ليكون هذا التهديد العظيم على ذكر منهم، وفي ~~قوله (والله رؤوف بالعباد) دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة ~~منه سبحانه بعباده لطفا بهم. وما أحسن ما يحكى عن بعض العرب أنه قيل له: ~~إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله فقال: أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا ~~منه. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الحجاج ~~بن عمرو حليف كعب ابن الأشرف وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من ~~الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد ~~بن خثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود، واحذروا مباطنتهم لا ~~يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر، فأنزل الله فيهم (لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين) إلى قوله (والله على كل شئ ms0563 قدير) وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم من طرق عنه قال: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ~~ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون ~~لهم اللطف ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة). ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي (ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ) ~~فقد برئ الله منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن ~~عباس في قوله (إلا أن تتقوا منه تقاة) قال: التقية باللسان من حمل على أمر ~~يتكلم به، وهو معصية الله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ~~ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عنه في الآية قال: التقاة التكلم ~~باللسان والقلب مطمئن بالإيمان، ولا يبسط يده فيقتل ولا إلى إثم فإنه لا ~~عذر له. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: التقية ~~باللسان، وليس بالعمل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن قتادة (إلا أن تتقوا منهم تقاة) قال إلا أن يكون بينك وبينه قرابة ~~فتصله لذلك. وأخرج عبد بن حميد والبخاري عن الحسن قال: التقية جائزة إلى ~~يوم القيامة. وحكى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا نبش في وجوه أقوام ~~وقلوبنا تلعنهم، ويدل على جواز التقية. قوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم - ومن ~~القائلين بجواز التقية باللسان أبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (قل إن تخفوا) الآية قال: أخبرهم ~~أنه يعلم ما أسروا وما أعلنوا. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله محضرا، يقول موفرا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في ~~الآية قال: يسر أحدكم أن لا يلقى ms0564 عمله ذلك أبدا، يكون ذلك مناه. وأما في ~~الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها. وأخرجا أيضا عن السدي (أمدا PageV01P332 # بعيدا) قال: مكانا بعيدا. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج أمدا قال: أجلا. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (ويحذركم الله ~~نفسه والله رؤوف بالعباد) قال: من رأفته بهم حذرهم نفسه. # الحب والمحبة ميل النفس إلى الشئ، يقال: أحبه فهو محب، وحبه يحبه بالكسر، ~~فهو محبوب. قال الجوهري: وهذا شاذ، لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر. ~~قال ابن الدهان: في حب لغتان حب وأحب، وأصل حب في هذا الباب حبب كطرق، وقد ~~فسرت المحبة لله سبحانه بإرادة طاعته. قال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله ~~طاعته لهما واتباعه أمرهما، ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران. وقرأ ~~أبو رجاء العطاردي " فاتبعوني " بفتح الباء. وروى عن أبي عمرو بن العلاء ~~أنه أدغم الراء من يغفر في اللام. قال النحاس: لا يجيز الخليل وسيبويه ~~إدغام الراء في اللام، وأبو عمرو أجل من أن يغلط في هذا، ولعله كان يخفى ~~الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة. # (قوله أطيعوا الله والرسول) حذف المتعلق مشعر بالتعميم، أي في جميع ~~الأوامر والنواهي. قوله (فإن تولوا) يحتمل أن يكون من تمام مقول القول، ~~فيكون مضارعا حذفت فيه إحدى التاءين: أي تتولوا، ويحتمل أن يكون من كلام ~~الله تعالى فيكون ماضيا. وقوله (فإن الله لا يحب الكافرين) نفى المحبة ~~كناية عن البغض والسخط. ووجه الإظهار في قوله (فإن الله) مع كون المقام ~~مقام إضمار لقصد التعظيم أو التعميم. قوله (إن الله اصطفى آدم الخ) لما فرغ ~~سبحانه من بيان أن الدين المرضي هو الإسلام، وأن محمدا صلى الله عليه وآله ~~وسلم هو الرسول الذي لا يصح لأحد أن يحب الله إلا باتباعه، وأن اختلاف أهل ~~الكتابين فيه إنما هو لمجرد البغي عليه والحسد له، شرع في تقرير رسالة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين أنه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة. ~~والاصطفاء الاختيار. # قال ms0565 الزجاج: اختارهم بالنبوة على عالمي زمانهم، وقيل إن الكلام على تقدير ~~مضاف: أي اصطفى دين آدم الخ، وقد تقدم الكلام على تفسير العالمين، وتخصيص ~~آدم بالذكر لأنه أبو البشر، وكذلك نوح فإنه آدم الثاني، وأما آل إبراهيم ~~فلكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم مع كثرة الأنبياء منهم، وأما آل ~~عمران فهم وإن كانوا من آل إبراهيم، فلما كان عيسى عليه السلام منهم كان ~~لتخصيصهم بالذكر وجه. وقيل المراد بآل إبراهيم إبراهيم، نفسه وبآل عمران ~~عمران نفسه. قوله (ذرية بعضها من بعض) نصب ذرية على البدلية مما قبله قاله ~~الزجاج، أو على الحالية قاله الأخفش، وقد تقدم تفسير الذرية، وبعضها من بعض ~~في محل نصب على صفة الذرية، ومعناه متناسلة متشعبة أو متناصرة متعاضدة في ~~الدين. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن من طرق قال: قال ~~أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والله يا محمد إنا لنحب ~~ربنا، فأنزل الله (قل إن كنتم تحبون الله) الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن ~~يحيى بن كثير نحوه. وأخرج أيضا ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج نحوه. ~~وأخرج ابن جرير PageV01P333 # عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله (قل إن كنتم تحبون الله) أي إن كان ~~هذا من قولكم في عيسى حبا لله وتعظيما له (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم) أي ما مضى من كفركم (والله غفور رحيم). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ~~الدرداء في قوله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) قال: على ~~البر والتقوى والتواضع وذلة النفس. # وأخرجه أيضا الحكيم الترمذي وأبو نعيم والديلمي وابن عساكر عنه. أخرج ابن ~~عساكر مثله عن عائشة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الشرك أخفى من دبيب ~~النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن يحب على شئ من الجور ويبغض ~~على شئ من العدل، وهل الدين ms0566 إلا الحب والبغض في الله " قال الله تعالى (قل ~~إن كنتم تحبون الله) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (وآل إبراهيم وآل عمران) قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم ~~وآل عمران وآل ياسين وآل محمد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله (ذرية بعضها من بعض) قال في النية والعمل والإخلاص ~~والتوحيد. # قوله (إذا قالت) قال أبو عمرو: " إذ " زائدة. وقال محمد بن يزيد: إنه ~~متعلق بمحذوف تقديره أذكر إذ قالت. وقال الزجاج: هو متعلق بقوله (اصطفى) ~~وقيل متعلق بقوله (سميع عليم) وامرأة عمران اسمها حنة بالحاء المهملة ~~والنون، بنت فاقود بن قبيل أم مريم، فهي جدة عيسى. وعمران هو ابن ماثان جد ~~عيسى. قوله (رب إني نذرت لك ما في بطني) تقديم الجار والمجرور لكمال ~~العناية، وهذا النذر كان جائزا في شريعتهم. ومعنى (لك) أي لعبادتك. ومحررا ~~منصوب على الحال: أي عتيقا خالصا لله خادما للكنيسة. والمراد هنا الحرية ~~التي هي ضد العبودية. وقيل المراد بالمحرر هنا الخالص لله سبحانه الذي لا ~~يشوبه شئ من أمر الدنيا. ورجح هذا بأنه لا خلاف أن عمران وامرأته حران. ~~قوله (فتقبل مني) التقبل أخذ الشئ على وجه الرضا: أي تقبل مني نذري بما في ~~بطني. # قوله (فلما وضعتها) التأنيث باعتبار ما علم من المقام أن الذي في بطنها ~~أنثى، أو لكونه أنثى في علم الله، أو بتأويل ما في بطنها بالنفس أو النسمة ~~أو نحو ذلك. قوله (قالت رب إني وضعتها أنثى) إنما قالت هذه المقالة لأنه لم ~~يكن يقبل في النذر إلا الذكر دون الأنثى، فكأنها تحسرت وتحزنت لما فاتها من ~~ذلك الذي كانت ترجوه وتقدره، وأنثى حال مؤكدة من الضمير أو بدل منه. قوله ~~(والله أعلم بما وضعت) قرأ أبو بكر وابن عامر بضم التاء فيكون من جملة ~~كلامها ويكون متصلا بما قبله، وفيه معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له ~~أن يخفى عليه شئ. وقرأ الجمهور ms0567 PageV01P334 # وضعت، فيكون من كلام الله سبحانه على جهة التعظيم لما وضعته والتفخيم ~~لشأنه والتجليل لها حيث وقع منها التحسر والتحزن، مع أن هذه الأنثى التي ~~وضعتها سيجعلها الله وابنها آية للعالمين وعبرة للمعتبرين، ويختصها بما لم ~~يختص به أحدا. وقرأ ابن عباس " بما وضعت " بكسر التاء على أنه خطاب من الله ~~سبحانه لها: أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله فيه من الأمور ~~التي تتقاصر عنها الأفهام وتتضافر عندها العقول. قوله (وليس الذكر كالأنثى) ~~أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت، فإن غاية ما أرادت من كونه ~~ذكرا أن يكون نذرا خادما للكنيسة، وأمر هذه الأنثى عظيم وشأنها فخيم. وهذه ~~الجملة اعتراضية مبينة لما في الجملة الأولى من تعظيم الموضوع ورفع شأنه ~~وعلو منزلته، واللام في الذكر والأنثى للعهد، هذا على قراءة الجمهور وعلى ~~قراءة ابن عباس وأما على قراءة أبي بكر وابن عامر فيكون قوله (وليس الذكر ~~كالأنثى) من جملة كلامها ومن تمام تحسرها وتحزنها: # أي ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادما ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح ~~لذلك، وكأنها أعذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدت. قوله (وإني ~~سميتها مريم) عطف على (إني وضعتها أنثى) ومقصودها من هذا الإخبار بالتسمية ~~التقرب إلى الله سبحانه، وأن يكون فعلها مطابقا لمعنى اسمها، فإن معنى مريم ~~خادم الرب بلغتهم، فهي وإن لم تكن صالحة لخدمة الكنيسة فذلك لا يمنع أن ~~تكون من العابدات. قوله (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) عطف ~~على قوله (إني سميتها مريم)، والرجيم المطرود، وأصله المرمى بالحجارة، طلبت ~~الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وأعوانه. قوله (فتقبلها ربها بقبول حسن) أي ~~رضي بها في النذر، وسلك بها مسلك السعداء. وقال قوم: معنى التقبل التكفل ~~والتربية والقيام بشأنها، والقبول مصدر مؤكد للفعل السابق والباء زائدة، ~~والأصل تقبلا، وكذلك قوله (وأنبتها نباتا حسنا) وأصله إنباتا فحذف الحرف ~~الزائد، وقيل هو مصدر لفعل محذوف: أي فنبتت نباتا حسنا. والمعنى أنه سوى ~~خلقها ms0568 من غير زيادة ولا نقصان، قيل إنها كانت تنبت في اليوم ما ينبت ~~المولود في عام، وقيل هو مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها ~~في جميع أحوالها قوله (وكفلها زكريا) أي ضمها إليه. وقال أبو عبيدة ضمن ~~القيام بها. وقرأ الكوفيون (وكفلها) بالتشديد: # أي جعله الله كافلا لها وملتزما بمصالحها، وفي معناه ما في مصحف أبي ~~وأكفلها. وقرأ الباقون بالتخفيف على إسناد الفعل إلى زكريا، ومعناه ما تقدم ~~من كونه ضمها إليه وضمن القيام بها. وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كثير ~~وأبي عبد الله المزني وكفلها بالكسر الفاء. قال الأخفش: لم أسمع كفل. وقرأ ~~مجاهد " فتقبلها " بإسكان اللام على المسألة والطلب، ونصب ربها على أنه ~~منادى مضاف. وقرأ أيضا " وأنبتها " بإسكان التاء " وكفلها " بتشديد الفاء ~~المكسورة وإسكان اللام ونصب " زكريا " مع المد. وقرأ حفص وحمزة والكسائي " ~~زكريا " بغير مد، ومده الباقون. وقال الفراء: أهل الحجاز يمدون زكريا ~~ويقصرونه. قال الأخفش: فيه لغات المد والقصر، وزكريا بتشديد الياء وهو ~~ممتنع على جميع التقادير للعجمة والتعريف مع ألف التأنيث قوله (كلما دخل ~~عليها زكريا المحراب) قدم الظرف للاهتمام به، وكلمة كل ظرف، والزمان محذوف، ~~وما مصدرية أو نكرة موصوفة والعامل في ذلك قوله (وجد) أي كل زمان دخوله ~~عليها وجد عندها رزقا: أي نوعا من أنواع الرزق. والمحراب في اللغة: أكرم ~~موضع في المجلس قاله القرطبي، وهو منصوب على التوسع، قيل إن زكريا جعل لها ~~محرابا: # لا يرتقي إليه إلا بسلم، وكان يطلق عليها حتى كبرت، وكان إذا دخل عليها ~~وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، فقال (يا مريم ~~أنى لك هذا) أي من أين يجئ لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا (قالت ~~هو من عند الله) فليس ذلك بعجيب ولا مستنكر، وجملة قوله (إن الله يرزق من ~~يشاء بغير حساب) تعليلية لما قبلها، وهو من تمام كلامها، ومن قال إنه من ~~كلام زكريا فتكون الجملة مستأنفة. PageV01P335 # وقد أخرج ابن أبي ms0569 حاتم عن ابن عباس في قوله (إني نذرت لك ما في بطني ~~محررا) قال: كانت نذرت أن تجعله في الكنيسة يتعبد بها، وكانت ترجو أن يكون ~~ذكرا. وأخرج ابن المنذر عنه قال: نذرت أن تجعله محررا للعبادة. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (محررا) قال: خادما ~~للبيعة. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: محررا خالصا لا يخالطه شئ من أمر ~~الدنيا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل ~~صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن ~~شئتم (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " وللحديث ألفاظ عن أبي ~~هريرة هذا أحدها، وروى من حديث غيره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كفلها زكريا فدخل عليها المحراب فوجد ~~عندها عنبا في مكتل في غير حينه، فقال: أني لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، ~~قال: # إن الذي يرزقك العنب في غير حينه لقادر أن يرزقني من العاقر الكبير ~~العقيم ولدا (هنالك دعا زكريا ربه). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ~~قال: كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم، فتشاح عليها أحبارهم فاقترعوا فيها ~~بسهامهم أيهم يكفلها، وكان زكريا زوج أختها فكفلها، وكانت عنده وحضنها. ~~وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة نحوه. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس (وكفلها زكريا) قال: جعلها معه في محرابه. # قوله (هنالك) ظرف يستعمل للزمان والمكان، وأصله للمكان، وقيل إنه للزمان ~~خاصة، وهناك للمكان، وقيل يجوز استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، واللام ~~للدلالة على البعد، والكاف للخطاب. والمعنى أنه دعا في ذلك المكان الذي هو ~~قائم فيه عند مريم، أو في ذلك الزمان أن يهب الله له ذرية طيبة، والذي بعثه ~~على ذلك PageV01P336 # ما رآه من ولادة حنة ms0570 لمريم وقد كانت عاقرا، فحصل له رجاء الولد وإن كان ~~كبيرا وامرأته عاقرا أو بعثه على ذلك ما رآه من فاكهة الشتاء في الصيف ~~والصيف في الشتاء عند مريم لأن من أوجد ذلك في غير وقته يقدر على إيجاد ~~الولد من العاقر، وعلى هذا يكون هذا الكلام قصة مستأنفة سيقت في غضون قصة ~~مريم لما بينهما من الارتباط والذرية النسل يكون للواحد ويكون للجمع، ويدل ~~على أنها هنا للواحد. قوله - فهب لي من لدنك وليا - ولم يقل أولياء، وتأنيث ~~طيبة لكون لفظ الذرية مؤنثا. قوله (فنادته الملائكة) قرأ حمزة والكسائي " ~~فناداه "، وبذلك قرأ ابن عباس وابن مسعود. وقرأ الباقون " فنادته الملائكة ~~"، قيل المراد هنا جبريل، والتعبير بلفظ الجمع عن الواحد جائز في العربية، ~~ومنه - الذين قال لهم الناس -، وقيل ناداه جميع الملائكة وهو الظاهر من ~~إسناد الفعل إلى الجمع والمعنى الحقيقي مقدم فلا يصار إلى المجاز إلا ~~لقرينة. قوله (وهو قائم) جملة حالية، و (يصلى في المحراب) صفة لقوله (قائم) ~~أو خبر ثان لقوله (وهو). قوله (أن الله يبشرك) فإن قرئ بفتح أن، والتقدير ~~بأن الله، وقرئ بكسرها على تقدير القول. وقرأ أهل المدينة يبشرك بالتشديد. ~~وقرأ حمزة بالتخفيف. وقرأ حميد بن قيس المكي بكسر الشين وضم حرف المضارعة. ~~قال الأخفش: هي ثلاث لغات بمعنى واحد، والقراءة الأولى هي التي وردت كثيرا ~~في القرآن، ومنه - فبشر عبادي - بمغفرة - فبشرناها بإسحاق - قالوا بشرناك ~~بالحق - وهي قراءة الجمهور. والثانية لغة أهل تهامة، وبها قرأ أيضا عبد ~~الله بن مسعود. والثالثة من أبشر يبشر إبشارا. ويحيى ممتنع إما لكونه ~~أعجميا أو لكون فيه وزن الفعل كيعمر مع العلمية. قال القرطبي حاكيا عن ~~النقاش: كان اسمه في الكتاب الأول حنا انتهى. والذي رأيناه في مواضع من ~~الإنجيل أنه يوحنا، قيل سمى بذلك لأن الله أحياه بالإيمان والنبوة، وقيل ~~لأن الله أحيا به الناس بالهدى. والمراد هنا التبشير بولادته: أي يبشرك ~~بولادة يحيى. وقوله (مصدقا بكلمة من الله) أي بعيسى علية سلام، وسمى كلمة ~~الله ms0571 لأنه كان بقوله سبحانه كن، وقيل سمى كلمة الله، لأن الناس يهتدون به ~~كما يهتدون بكلام الله. وقال أبو عبيد: معنى (بكلمة من الله) بكتاب من ~~الله، قال: والعرب تقول أنشدني كلمته: أي قصيدته كما روى أن الحويدرة ذكر ~~لحسان فقال: لعن الله كلمته، يعني قصيدته انتهى. ويحيى أول من آمن بعيسى ~~وصدق، وكان أكبر من عيسى بثلاث سنين، وقيل بستة أشهر. والسيد: الذي يسود ~~قومه قال الزجاج: السيد الذي يفوق أقرانه في كل شئ من الخير. والحصور أصله ~~من الحصر وهو الحبس، يقال حصرني الشئ وأحصرني: إذا حبسني، ومنه قول الشاعر: # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت * عليك ولا أن أحصرتك شغول والحصور: الذي لا ~~يأتي النساء كأنه يحجم عنهن كما يقال رجل حصور وحصير: إذا حبس رفده ولم ~~يخرجه، فيحيى عليه السلام كان حصورا عن إتيان النساء: أي محصورا لا يأتيهن ~~كغيرة من الرجال، إما لعدم القدرة على ذلك، أو لكونه يكف عنهن منعا لنفسه ~~عن الشهوة مع القدرة. وقد رجح الثاني بأن المقام مقام مدح، وهو لا يكون إلا ~~على أمر مكتسب يقدر فاعله على خلافه، لا على ما كان من أصل الحلقة وفي نفس ~~الجبلة. وقوله (من الصالحين) أي ناشئا من الصالحين، لكونه من نسل الأنبياء، ~~أو كائنا من جملة الصالحين، كما في قوله - وإنه في الآخرة لمن الصالحين -. ~~قال الزجاج: الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس حقوقهم. # قوله (قال رب أني يكون لي غلام) ظاهر هذا أن الخطاب منه لله سبحانه وإن ~~كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملائكة، وذلك لمزيد التضرع والجد في ~~طلب الجواب عن سؤاله، وقيل إنه أراد بالرب جبريل: أي يا سيدي، قيل وفي معنى ~~هذا الاستفهام وجهان: أحدهما أنه سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر ~~أو من PageV01P337 # غيرها؟ وقيل معناه بأي سبب استوجب هذا، وأنا وامرأتي على هذه الحال؟. ~~والحاصل أنه استبعد حدوث الولد منهما مع كون العادة قاضية بأنه لا يحدث من ~~مثلهما، لأنه ms0572 كان يوم التبشير كبيرا، قيل في تسعين، سنة وقيل ابن عشرين ~~ومائة سنة، وكانت امرأته في ثمان وتسعين سنة، ولذلك قال (ولقد بلغني الكبر) ~~أي والحال ذلك، جعل الكبر كالطالب له لكونه طليعة من طلائع الموت فأسند ~~الفعل إليه. والعاقر: التي لا تلد، أي ذات عقر على النسب ولو كان على الفعل ~~لقال عقيرة، أي بها عقر يمنعها من الولد، وإنما وقع منه هذا الاستفهام بعد ~~دعائه بأن يهب الله له ذرية طيبة، ومشاهدته لتلك الآية الكبرى في مريم ~~استعظاما لقدرة الله سبحانه لا لمحض الاستبعاد، وقيل إنه قد مر بعد دعائه ~~إلى وقت يشاء ربه أربعون سنة، وقيل عشرون سنة فكان الاستبعاد من هذه ~~الحيثية. # قوله (كذلك الله يفعل ما يشاء) أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة ~~مثل ذلك الفعل، وهو إيجاد الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر، والكاف في ~~محل نصب نعتا لمصدر محذوف، والإشارة إلى مصدر يفعل أو الكاف في محل رفع على ~~أنها خبر: أي على هذا الشأن العجيب شأن الله، ويكون قوله (يفعل ما يشاء) ~~بيانا له، أو الكاف في محل نصب على الحال: أي يفعل الله الفعل كائنا مثل ~~ذلك. قوله (قال رب اجعل لي آية) أي علامة أعرف بها صحة الحبل فأتلقى هذه ~~النعمة بالشكر (قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) أي علامتك ~~أن تحبس لسانك عن تكليم الناس ثلاثة أيام لا عن غيره من الأذكار، ووجه جعل ~~الآية هذا لتخلص تلك الأيام لذكر الله سبحانه شكرا على ما أنعم به عليه، ~~وقيل بأن ذلك عقوبة من الله سبحانه له بسبب سؤاله الآية بعد مشافهة ~~الملائكة إياه، حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين. والرمز في اللغة: الإيماء ~~بالشفتين أو العينين أو الحاجبين أو اليدين، وأصله الحركة وهو استثناء ~~منقطع، لكون الرمز من غير جنس الكلام، وقيل هو متصل على معنى أن الكلام ما ~~حصل به الافهام من لفظ أو إشارة أو كتابة وهو بعيد. والصواب الأول، وبه قال ms0573 ~~الأخفش والكسائي. قوله (وسبح) أي سبحه (بالعشي) وهو جمع عشية، وقيل هو واحد ~~وهو من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، وقيل من العصر إلى ذهاب صدر الليل وهو ~~ضعيف جدا (والإبكار) من طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وقيل المراد بالتسبيح ~~الصلاة. قوله (إذ قالت الملائكة يا مريم) الظرف متعلق بمحذوف كالظرف الأول ~~(إن الله اصطفاك) اختارك (وطهرك) من الكفر أو من الأدناس على عمومها ~~(واصطفاك على نساء العالمين) قيل هذا الاصطفاء الآخر غير الاصطفاء الأول، ~~فالأول هو حيث تقبلها بقبول حسن، والآخر لولادة عيسى. والمراد بالعالمين ~~هنا قيل نساء عالم زمانها وهو الحق، وقيل نساء جميع العالم إلى يوم ~~القيامة، واختاره الزجاج، وقيل الاصطفاء الآخر تأكيد للاصطفاء الأول ~~والمراد بهما جميعا واحد. قوله (يا مريم اقنتي لربك) أي أطيلي القيام في ~~الصلاة أو أديميه وقد تقدم الكلام على معاني القنوت، وقدم السجود على ~~الركوع لكونه أفضل أو لكون صلاتهم لا ترتيب فيها مع كون الواو مجرد الجمع ~~بلا ترتيب. وقوله (واركعي مع الراكعين) ظاهره أن ركوعها يكون مع ركوعهم ~~فيدل على مشروعية صلاة الجماعة، وقيل المعنى أنها تفعل مثل فعلهم وإن لم ~~تصل معهم، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما سبق من الأمور التي أخبره الله بها. ~~والوحي في اللغة: الإعلام في خفاء، يقال وحي وأوحى بمعنى. قال ابن فارس: ~~الوحي الإشارة والكتابة والرسالة وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى تعلمه. قوله ~~(وما كنت لديهم) أي تحضرنهم يعني المتنازعين في تربية مريم، وإنما نفي ~~حضوره عندهم مع كونه معلوما لأنهم أنكروا الوحي، فلو كان ذلك الإنكار صحيحا ~~لم يبق طريق للعلم به إلا المشاهدة والحضور، وهم لا يدعون ذلك فثبت كونه ~~وحيا مع تسليمهم أنه ليس ممن يقرأ التوراة ولا ممن يلابس أهلها. والأقلام ~~جمع قلم، من قلمه إذا قطعه: أي أقلامهم التي PageV01P338 # يكتبون بها، وقيل قداحهم (أيهم يكفل مريم) أي يحضنها: أي يلقون أقلامهم ~~ليعلموا أيهم يكفلها، وذلك عند اختصامهم في كفالتها، فقال زكريا هو أحق بها ~~لكون خالتها ms0574 عنده وهي أشيع أخت حنة أم مريم، وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها ~~لكونها بنت عالمنا، فاقترعوا وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري على أن من وقف ~~قلمه ولم يجر مع الماء فهو صاحبها، فجرت أقلامهم ووقف قلم زكريا، وقد استدل ~~بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف، وقد ثبتت أحاديث صحيحة في ~~اعتبارها. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما رأى زكريا ذلك، يعني فاكهة الصيف ~~في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم قال: إن الذي أتى بهذا مريم في ~~غير زمانه قادر أن يرزقني ولدا، فذلك حين دعا ربه. # وأخرج ابن عساكر عن الحسن نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي (ذرية طيبة) ~~يقول: مباركة. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال: في قراءة ابن ~~مسعود: فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب، وروى ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن السدي أنه قال (فنادته الملائكة) أي جبريل. وأخرج ابن المنذر عن ~~السدي قال: المحراب المصلي. وقد أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " اتقوا هذه المذابح " يعني المحاريب. ~~وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح ~~النصارى " وقد رويت كراهة ذلك عن جماعة من الصحابة. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: إنما سمي يحيى لأن الله ~~أحياه بالإيمان. وأخرجوا عن ابن عباس قال (مصدقا بكلمة من الله) قال: عيسى ~~ابن مريم هو الكلمة وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عنه قال، كان يحيى ~~وعيسى ابني الخالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: # إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن ~~أمه، وهو أول من صدق بعيسى. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن مجاهد نحوه. ~~وأخرج ابن جرير وابن ms0575 أبي حاتم عن ابن عباس (وسيدا) قال: حليما تقيا. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: السيد الكريم على الله. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن المسيب قال: السيد الفقيه العالم. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وسيدا وحصورا) قال: السيد ~~الحليم، والحصور الذي لا يأتي النساء. وأخرج أحمد في الزهد عن سعيد بن جبير ~~في الحصور مثله. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال: # الحصور الذي لا ينزل الماء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كان ذكره مثل ~~هدبة الثوب " وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد من وجه آخر عن ابن عمرو ~~موقوفا وهو أقوى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: اسم ~~أم يحيى أشيع. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (اجعل لي آية) قال: ~~بالحمل به. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام) قال: إنما عوقب ~~بذلك لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام ~~الملائكة إياه فأخذ عليه بلسانه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(إلا رمزا) قال: الرمز بالشفتين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الرمز الإشارة. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وسبح ~~بالعشي والابكار) قال: العشي ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار أول الفجر. ~~وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث علي قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه PageV01P339 # وآله وسلم يقول " خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت ~~خويلد ". وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ms0576 صلى الله عليه ~~وآله وسلم " أفضل نساء العالمين خديجة وفاطمة ومريم وآسية امرأة فرعون " ~~وأخرج ابن مردويه عن أنس مرفوعا نحوه. وأخرج نحوه أحمد والترمذي وصححه وابن ~~المنذر وابن حبان والحاكم من حديثه مرفوعا، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ~~أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كمل من الرجال كثير ~~ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على ~~النساء كفضل الثريد على الطعام " وفي المعنى أحاديث كثيرة وكلها تفيد أن ~~مريم عليها السلام سيدة نساء عالمها، لا نساء جميع العالم. ويؤيده ما أخرجه ~~ابن عساكر عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " أربع نسوة سادات نساء عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، ~~وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وأفضلهن عالما فاطمة ". وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله (يا مريم اقنتي لربك) قال: أطيلي ثم ~~الركود يعنى القيام. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير (اقنتي لربك) قال: # أخلصي. وأخرج عن قتادة قال: أطيعي ربك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من ~~طريق العوفي عن ابن عباس في قوله (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم) قال: إن ~~مريم لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهو يكتبون الوحي فاقترعوا ~~بأقلامهم أيهم يكفلها. قال الله لمحمد (وما كنت لديهم) الآية. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية ~~وصعد قلم زكريا فكفلها زكريا. # وأخرج ابن جرير عن الربيع نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد، وكذلك أخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن جريج أن الأقلام هي التي يكتبون بها التوراة. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء أنها القداح. PageV01P340 # قوله (إذ قالت) بدل من قوله " وإذ قالت " المذكور قبله وما بينهما ~~اعتراض، وقيل بدل من " إذ يختصمون " وقيل منصوب بفعل مقدر، وقيل بقوله ~~(يختصمون) وقيل بقوله (وما كنت ms0577 لديهم). # والمسيح اختلف فيه مماذا أخذ؟ فقيل من المسح: لأنه مسح الأرض: أي ذهب ~~فيها فلم يستكن بكن، وقيل إنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، فسمى مسيحا، ~~فهو على هذين فعيل بمعنى فاعل، وقيل لأنه كان يمسح بالدهن الذي كانت ~~الأنبياء تمسح به، وقيل لأنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل لأن الجمال مسحه، ~~وقيل لأنه مسح بالتطهير من الذنوب، وهو على هذه الأربعة الأقوال فعيل بمعنى ~~مفعول. وقال أبو الهيثم: المسيح ضد المسيخ بالخاء المعجمة: وقال ابن ~~الأعرابي: المسيح الصديق. وقال أبو عبيد: أصله بالعبرانية مشيخا بالمعجمتين ~~فعرب كما عرب موشى بموسى. وأما الدجال فسمى مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين، ~~وقيل لأنه يمسح الأرض أي يطوف بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس. وقوله ~~(عيسى) عطف بيان أو بدل وهو اسم أعجمي، وقيل هو عربي مشتق من عاسه يعوسه ~~إذا ساسه. قال في الكشاف: هو معرب من أيشوع انتهى. والذي رأيناه في الإنجيل ~~في مواضع أن اسمه يشوع بدون همزة، وإنما قيل ابن مريم مع كون الخطاب معها ~~تنبيها على أنه يولد من غير أب فنسب إلى أمه. والوجيه ذو الوجاهة: وهي ~~القوة والمنعة، ووجاهته في الدنيا النبوة، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة، ~~وهو منتصب على الحال من كلمة، وإن كانت نكرة فهي موصوفة، وكذلك قوله (ومن ~~المقربين) في محل نصب على الحال. قال الأخفش: هو معطوف على وجيها، والمهد: ~~مضجع الصبي في رضاعه، ومهدت الأمر: هيأته ووطأته. والكهل هو من كان بين سن ~~الشباب والشيخوخة: أي يكلم الناس حال كونه رضيعا في المهد وحال كونه كهلا ~~بالوحي والرسالة، قاله الزجاج. وقال الأخفش: والفراء: إن كهلا معطوف على ~~وجيها. قال الأخفش (ومن الصالحين) عطف على وجيها: أي هو من العباد ~~الصالحين. قوله (أني يكون لي ولد) أي كيف يكون على طريقة الاستبعاد العادي ~~(ولم يمسسني بشر) جملة حالية: أي والحال أنه على حالة منافية للحالة ~~المعتادة من كون له أب (قال كذلك الله يخلق ما يشاء) هو من كلام الله ms0578 ~~سبحانه. وأصل القضاء الأحكام، وقد تقدم وهو هنا الإرادة: أي إذا أرادا أمرا ~~من الأمور (فإنما يقول له كن فيكون) من غير عمل ولا مزاولة، وهو تمثيل ~~لكمال قدرته. قوله (ويعلمه الكتاب) قيل هو معطوف على يبشرك): أي إن الله ~~يبشرك وإن الله يعلمه، وقيل على (يخلق): أي وكذلك يعلمه الله، أو كلام ~~مبتدأ سيق تطييبا لقلبها. والكتاب الكتابة. # والحكمة العلم، وقيل تهذيب الأخلاق، وانتصاب رسولا على تقدير ويجعله ~~رسولا، أو ويكلمهم رسولا، أو وأرسلت رسولا، وقيل هو معطوف على قوله (وجيها) ~~فيكون حالا لأن فيه معنى النطق: أي وناطقا، قال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو ~~في قوله: ورسولا مقحمة، والرسول حالا. وقوله (أني قد جئتكم) معمول لرسول ~~لأن فيه معنى النطق كما مر، وقيل أصله بأني قد جئتكم فحذف الجار، وقيل ~~منصوب بمضمر أي تقول أني قد جئتكم، وقيل معطوف على الأحوال السابقة. وقوله ~~(بآية) في محل نصب على الحال: أي متلبسا بعلامة كائنة (من ربكم). وقوله ~~(إني أخلق) أي أصور وأقدر (لكم من الطين كهيئة الطير) وهذه الجملة بدل من ~~الجملة الأولى، وهي (أني قد جئتكم) أو بدل من آية أو خبر مبتدأ محذوف: أي ~~هي أني، وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ الأعرج وأبو جعفر كهيئة ~~الطير بالتشديد، والكاف في قوله (كهيئة الطير) نعت مصدر محذوف: أي أخلق لكم ~~خلقا أو شيئا مثل هيئة الطير. وقوله (فأنفخ فيه) أي في ذلك الخلق، أو ذلك ~~الشئ فالضمير راجع إلى الكاف في قوله كهيئة الطير، وقيل الضمير راجع إلى ~~الطير: أي الواحد منه، وقيل إلى PageV01P341 # الطين، وقرئ: فيكون طائرا وطيرا، مثل تاجر وتجر، وقيل إنه لم يخلق غير ~~الخفاش لما فيه من عجائب الصنعة، فإن له ثديا وأسنانا وأذنا ويحيض ويطهر، ~~وقيل إنهم طلبوا خلق الخفاش لما فيه من العجائب المذكورة، ولكونه يطير بغير ~~ريش، ويلد كما يلد سائر الحيوانات مع كونه من الطير، ولا يبيض كما يبيض ~~سائر الطيور، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل ms0579 وإنما يرى في ~~ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة، وهو يضحك كما يضحك ~~الإنسان، وقيل إن سؤالهم له كان على وجه التعنت، قيل كان يطير ما دام الناس ~~ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الله من فعل غيره وقوله ~~(بإذن الله) فيه دليل على أنه لولا الإذن من الله عز وجل لم يقدر على ذلك، ~~وأن خلق ذلك كان بفعل الله سبحانه أجراه على يد عيسى عليه السلام، قيل كانت ~~تسوية الطين والنفخ من عيسى، والخلق من الله عز وجل. قوله (وأبرئ أو ~~الأكمه) الأكمه: للذي يولد أعمى، كذا قال أبو عبيدة. وقال ابن فارس: الكمه ~~العمى يولد به الإنسان وقد يعرض، يقال كمه يكمه كمها: إذا عمى، وكمهت عينه: ~~إذا أعميتها، وقيل الأكمه: الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، وقيل هو ~~الممسوح العين. والبرص معروف وهو بياض يظهر في الجلد، وقد كان عيسى عليه ~~السلام يبرئ من أمراض عدة كما اشتمل عليه الإنجيل، وإنما خص الله سبحانه ~~هذين المرضين بالذكر لأنهما لا يبرآن في الغالب بالمداواة، وكذلك إحياء ~~الموتى قد اشتمل الإنجيل على قصص من ذلك. قوله (وأنبئكم بما تأكلون) أي ~~أخبركم بالذي تأكلونه وبالذي تدخرونه. قوله (ومصدقا) عطف على قوله (ورسولا) ~~وقيل المعنى وجئتكم مصدقا. # قوله (ولأحل) أي ولأجل أن أحل: أي جئتكم بآية من ربكم وجئتكم لأحل لكم ~~بعض الذي حرم عليكم من الأطعمة في التوراة كالشحوم وكل ذي ظفر، وقيل إنما ~~أحل لهم ما حرمته عليهم الأحبار ولم تحرمه التوراة. # وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون بعض بمعنى كل، وأنشد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها قال القرطبي: وهذا ~~القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة، لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى ~~الكل، ولأن عيسى لم يحلل لهم جميع ما حرمته عليهم التوراة، فإنه لم يحلل ~~القتل ولا السرق ولا الفاحشة وغير ذلك من المحرمات الثابتة في الإنجيل مع ~~كونها ثابتة في التوراة وهي كثيرة ms0580 يعرف ذلك من يعرف الكتابين، ولكنه قد يقع ~~البعض موقع الكل مع القرينة كقول الشاعر: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض أي بعض الشر ~~أهون من كله. قوله (بآية من ربكم) هي قوله (إن الله ربي وربكم) وإنما كان ~~ذلك آية، لأن من قبله من الرسل كانوا يقولون ذلك، فمجيئه بما جاءت به الرسل ~~يكون علامة على نبوته. ويحتمل أن تكون هذه الآية هي الآية المتقدمة فتكون ~~تكريرا لقوله (أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين) الآية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(بكلمة) قال: عيسى هو الكلمة من الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: المهد: مضجع الصبي في رضاعه. وقد ثبت في الصحيح أنه ~~لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى. وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج ~~كان يصلى، فجاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلى؟ فقالت: اللهم لا تمته ~~حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعة فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، ~~فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقالت من جريج، فأتوه فكسروا ~~صومعته وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ ~~قال الراعي، قالوا: # نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا إلا من طين. وكانت امرأة من بني إسرائيل ~~ترضع ابنا لها، فمر بها رجل PageV01P342 # راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب ~~فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، ثم مر بأمة تجرجر ~~ويلعب بها فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها فقال: # اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه ~~الأمة يقولون لها زنيت، وتقول حسبي الله ونعم الوكيل. ويقولون سرقت، وتقول ~~حسبي الله. وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms0581 " لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب ~~جريج، وابن ماشطة فرعون ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ~~(ويكلم الناس في المهد وكهلا) قال: # يكلمهم صغيرا وكبيرا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الكهل هو من ~~في سن الكهولة. وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال: الكهل الحليم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ويعلمه ~~الكتاب) قال: الخط بالقلم. وأخرج ابن جرير عن ابن جرير نحوه. وأخرج أبو ~~الشيخ عن ابن عباس قال: إنما خلق عيسى طائرا واحدا وهو الخفاش. وأخرج ابن ~~جريج وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: الأكمه ~~الذي يولد أعمى. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الأكمه الأعمى الممسوح ~~العينين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال: الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. وأخرجوا عن عكرمة قالوا: ~~الأكمه الأعمش. وأخرج أحمد في الزهد عن خالد الحذاء قال: كان عيسى ابن مريم ~~إذا سرح رسله يحيون الموتى يقول لهم قولوا كذا، فإذا وجدتم قشعريرة ودمعة ~~فادعوا عند ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (وأنبئكم بما تأكلون) قال: # بما أكلتم البارحة من طعام وما خبأتم منه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر قال: (أنبئكم بما تأكلون) من ~~المائدة (وما تدخرون) منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ~~ولا يدخروا، فأكلوا وادخروا وخانوا، فجعلوا قردة وخنازير. وأخرج ابن جرير ~~عن وهب أن عيسى كان على شريعة موسى، وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس، وقال ~~لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحل لكم بعض ~~الذي حرم عليكم وأضع عنكم من الآصار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~الربيع في الآية: قال كان الذي جاء به عيسى ألين ms0582 مما جاء به موسى، وكان قد ~~حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، ~~وحرم عليهم الشحوم فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي ~~أشياء من الطير، وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها، فجاءهم عيسى ~~بالتخفيف منه في الإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ~~(وجئتكم بآية من ربكم) قال: ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها وما أعطاه ~~ربه. PageV01P343 # قوله (فلما أحس) أي علم ووجد: قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة معنى أحس عرف، ~~وأصل ذلك وجود الشئ بالحاسة، والإحساس: العلم بالشيء. قال الله تعالى - هل ~~تحس منهم من أحد - والمراد بالإحساس هنا الإدراك القوي الجاري مجرى ~~المشاهدة. وبالكفر إصرارهم عليه، وقيل سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفراء: # أرادوا قتله. وعلى هذا فمعنى الآية: فلما أدرك منهم عيسى إرادة قتله التي ~~هي كفر قال من أنصاري إلى الله. # الأنصار جمع نصير. وقوله (إلى الله) متعلق محذوف وقع حالا: أي متوجها إلى ~~الله أو ملتجئا إليه أو ذاهبا إليه وقيل إلى بمعنى مع كقوله تعالى - ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم - وقيل المعنى: من أنصاري في السبيل إلى الله، ~~وقيل المعنى: من يضم نصرته إلى نصرة الله. والحواريون جمع حواري، وحواري ~~الرجل: صفوته وخلاصته، وهو مأخوذ من الحور وهو البياض عند أهل اللغة، حورت ~~الثياب بيضتها والحواري من الطعام: ما حور: أي بيض، والحواري أيضا الناصر، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " لكل نبي حواري وحواريي الزبير " وهو ~~في البخاري وغيره. وقد اختلف في سبب تسميتهم بذلك، فقيل لبياض ثيابهم، وقيل ~~لخلوص نياتهم، وقيل لأنهم خاصة الأنبياء، وكانوا اثنى عشر رجلا، ومعنى ~~أنصار الله: أنصار دينه ورسله. وقوله (آمنا بالله) استئناف جار مجرى العلة ~~لما قبله، فإن الإيمان يبعث على النصرة. قوله (واشهد بأنا مسلمون) أي اشهد ~~لنا يوم القيامة بأنا ms0583 مخلصون لإيماننا منقادون لما تريد منا. ومعنى (بما ~~أنزلت) ما أنزله الله سبحانه في كتبه. والرسول عيسى وحذف المتعلق مشعر ~~بالتعميم: أي اتبعناه في كل ما يأتي به فاكتبنا مع الشاهدين لك بالوحدانية ~~ولرسولك بالرسالة. # أو اكتبنا مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، وقيل مع أمة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قوله (ومكروا) أي الذين أحس عيسى منهم الكفر، وهم كفار بني ~~إسرائيل. ومكر الله استدراجه للعباد من حيث لا يعلمون. قاله الفراء وغيره. ~~وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم، فسمى الجزاء باسم الابتداء ~~كقوله تعالى - الله يستهزئ بهم - وهو خادعهم - وأصل المكر في اللغة: ~~الاغتيال والخدع: حكاه ابن فارس، وعلى هذا فلا يسند إلى الله سبحانه إلا ~~على طريق المشاكلة، وقيل مكر الله هنا إلقاء شبه عيسى على غيره، ورفع عيسى ~~إليه (والله خير الماكرين) أي أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقواهم على إيصال ~~الضرر بمن يريد إيصاله به من حيث لا يحتسب قوله (إذ قال الله يا عيسى) ~~العامل في إذ: مكروا، أو قوله (خير الماكرين) أو فعل مضمر تقديره وقع ذلك. # وقال الفراء: إن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره إني رافعك ومطهرك من ~~الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. وقال أبو زيد: متوفيك قابضك، ~~وقال في الكشاف: مستوفى أجلك، ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومؤخر ~~أجلك إلى أجل كتبته لك، ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم. وإنما احتاج ~~المفسرون إلى تأويل الوفاة بما ذكر، لأن الصحيح أن الله رفعه إلى السماء من ~~غير وفاة، كما رجحه كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير الطبري، ووجه ذلك ~~أنه قد صح في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزوله وقتله ~~الدجال، PageV01P344 # وقيل إن الله سبحانه توفاه ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء، وفيه ~~ضعف، وقيل المراد بالوفاة هنا النوم ومثله - هو الذي الذي يتوفاكم بالليل - ~~أي ينيمكم، وبه قال كثيرون. قوله (ومطهرك من الذين كفروا) أي من حيث جوازهم ~~برفعه إلى السماء وبعده ms0584 عنهم. قوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ~~إلى يوم القيامة) أي الذين اتبعوا ما جئت به وهم خلص أصحابه الذين لم ~~يبلغوا في الغلو فيه إلى ما بلغ من جعله إلها، ومنهم المسلمون فإنهم اتبعوا ~~ما جاء به عيسى عليه السلام ووصفوه بما يستحقه من دون غلو، فلم يفرطوا في ~~وصفه كما فرطت اليهود ولا أفرطوا كما أفرطت النصارى. وقد ذهب إلى هذا كثير ~~من أهل العلم. وقيل المراد بالآية أن النصارى الذين هم أتباع عيسى لا ~~يزالون ظاهرين على اليهود غالبين لهم قاهرين لمن وجد منهم، فيكون المراد ~~بالذين كفروا هم اليهود خاصة وقيل هم الروم لا يزالون ظاهرين على من خالفهم ~~من الكافرين، وقيل هم الحواريون لا يزالون ظاهرين على من كفر بالمسيح، وعلى ~~كل حال فغلبة النصارى لطائفة من الكفار أو لكل طوائف الكفار لا ينافي كونهم ~~مقهورين مغلوبين بطوائف المسلمين كما تفيده الآيات الكثيرة، بأن هذه الملة ~~الإسلامية ظاهرة على كل الملل، قاهرة لها مستعلية عليها. وقد أفردت هذه ~~الآية بمؤلف سميته [وبل الغمامة في تفسير - وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة -] فمن رام استيفاء ما في المقام فليرجع إلى ذلك. ~~والفوقية هنا هي أعم من أن تكون بالسيف أو بالحجة. وقد ثبت في الأحاديث ~~الصحيحة أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب، ويقتل ~~الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بين العباد بالشريعة المحمدية، ويكون المسلمون ~~أنصاره وأتباعه إذ ذاك، فلا يبعد أن يكون في هذه الآية إشارة إلى هذه ~~الحالة. قوله (ثم إلى مرجعكم) أي رجوعكم، وتقديم الظرف للقصر (فأحكم بينكم) ~~يومئذ (فيما كنتم فيه تختلفون) من أمور الدين. وقوله (فأما الذين كفروا) ~~إلى قوله (والله لا يحب الظالمين) تفسير للحكم. قوله (في الدنيا والآخرة) ~~متعلق بقوله: فأعذبهم، أما تعذيبهم في الدنيا فبالقتل والسبي والجزية ~~والصغار، وأما في الآخرة فبعذاب النار. قوله (فنوفيهم أجورهم) أي نعطيهم ~~إياها كاملة موفرة، قرئ بالتحتية وبالنون. وقوله (لا يحب الظالمين) كناية ~~عن بغضهم، وهي ms0585 جملة تذييلية مقررة لما قبلها. قوله (ذلك) إشارة إلى ما سلف ~~من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره ما بعده، و (من الآيات) حال أو خبر بعد ~~خبر. # والحكيم المشتمل على الحكم أو المحكم الذي لا خلل فيه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله (فلما ~~أحس عيسى منهم الكفر) قال: كفروا وأرادوا قتله، فذلك حين استنصر قومه. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم كانوا صيادين. وأخرج عبد بن حميد عن ~~الضحاك قال: الحواريون قصارون مر بهم عيسى فآمنوا به. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: # الحواريون هم الذين تصلح لهم الخلافة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ~~هم أصفياء الأنبياء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك مثله. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الحواري الوزير. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: الحواري الناصر. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله (فاكتبنا مع الشاهدين) قال: مع محمد وأمته أنهم شهدوا له أنه ~~قد بلغ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من ~~طريق الكلبي عن أبي صالح عنه قال (مع الشاهدين) مع أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: إن بني إسرائيل حصروا عيسى ~~وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ ~~PageV01P345 # صورتي فيقتل وله الجنة، فأخذها رجل منهم وصعد بعيسى إلى السماء فذلك قوله ~~(ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إني متوفيك) يقول: مميتك. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: متوفيك من ~~الأرض. وأخرج الآخران عنه قال: # وفاة المنام. وأخرج ms0586 ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هذا من المقدم والمؤخر: ~~أي رافعك إلي ومتوفيك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مطر الوراق قال: ~~متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب ~~قال: توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه إليه، وأخرج ابن عساكر ~~عنه قال: # أماته ثلاثة أيام ثم بعثه ورفعه. وأخرج الحاكم عنه قال: توفي الله عيسى ~~سبع ساعات. وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والحاكم عن سعيد بن المسيب قال: ~~رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وأخرج ابن عساكر عن وهب مثله. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله تعالى (ومطهرك من الذين كفروا) ~~قال: طهره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن قتادة في قوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) قال: هم ~~أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~جريج نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن عساكر عن النعمان ابن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يبالون بمن خالفهم حتى ~~يأتي أمر الله " قال النعمان: من قال إني أقول على رسول الله ما لم يقل فإن ~~تصديق ذلك في كتاب الله، قال الله (وجاعل الذين اتبعوك) الآية. وأخرج ابن ~~عساكر عن معاوية مرفوعا نحوه ثم قرأ معاوية الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~زيد قال: النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة، وليس بلد فيه أحد من النصارى ~~إلا وهم فوق اليهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذلون. # تشبيه عيسى بآدم في كونه مخلوقا من غير أب كآدم، ولا يقدح في التشبيه ~~اشتمال المشبه به على زيادة وهو كونه لا أم له: كما أنه لا أب له، فذلك أمر ~~خارج عن الأمر المراد بالتشبيه وإن كان المشبه ms0587 به أشد غرابة من المشبه ~~وأعظم عجبا وأغرب أسلوبا. وقوله (وخلقه من تراب) جملة مفسرة لما أبهم في ~~المثل: أي أن آدم لم يكن له أب ولا أم، بل خلقه الله من تراب. وفي ذلك دفع ~~لإنكار من أنكر خلق عيسى من غير أب مع اعترافه بأن آدم خلق من غير أب ولا ~~أم. قوله (ثم قال له كن فيكون) أي كن بشرا فكان بشرا. وقوله (فيكون) حكاية ~~حال ماضية، وقد تقدم تفسير هذا. وقوله (الحق من ربك) قال الفراء: هو مرفوع ~~بإضمار هو. وقال أبو عبيدة: # هو استئناف كلام وخبره قوله (من ربك) وقيل هو فاعل فعل محذوف: أي جاءك ~~الحق من ربك. قوله (فلا PageV01P346 # تكن من الممترين) الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس: أي لا يمكن أحد ~~منكم ممتريا، أو للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويكون النهي له لزيادة ~~التثبيت لأنه لا يكون منه شك في ذلك. قوله (فمن حاجك فيه) هذا وإن كان عاما ~~فالمراد به الخاص، وهم النصارى الذين وفدوا إليه صلى الله عليه وآله وسلم ~~من نجران كما سيأتي بيانه، ويمكن أن يقال هو على عمومه وإن كان السبب خاصا، ~~فيدل على جواز المباهلة منه صلى الله عليه وآله وسلم لكل من حاجه في عيسى ~~عليه السلام، وأمته أسوته، وضمير فيه لعيسى، والمراد بمجئ العلم هنا مجئ ~~سببه، وهو الآيات البينات، والمحاجة: المخاصمة والمجادلة. وقوله (تعالوا) ~~أي هلموا وأقبلوا، وأصله الطلب لإقبال الذوات، ويستعمل في الرأي إذا كان ~~المخاطب حاضرا كما تقول لمن هو حاضر عندك: تعال ننظر في هذا الأمر. # قوله (ندع أبناءنا) إلخ اكتفى بذكر البنين عن البنات، إما لدخولهن في ~~النساء، أو لكونهم الذين يحضرون. # مواقف الخصام دونهن، ومعنى الآية: ليدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه ~~إلى المباهلة. وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أراد بالأبناء الحسنين كما سيأتي. قوله (نبتهل) أصل ~~الابتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره، يقال بهله ms0588 الله: أي لعنه، ~~والبهل اللعن. قال أبو عبيد والكسائي: نبتهل نلتعن، ويطلق على الاجتهاد في ~~الهلاك، ومنه قول لبيد: # في كهول سادة من قومه * نظر الدهر إليهم فابتهل أي فأجتهد في هلاكهم. قال ~~في الكشاف: ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. قوله ~~(فنجعل لعنة الله على الكاذبين) عطف على نبتهل مبين لمعناه. قوله (إن هذا) ~~أي الذي قصه الله على رسوله من نبأ عيسى (لهو القصص الحق) القصص التتابع، ~~يقال: فلان يقص أثر فلان: أي يتبعه، فأطلق على الكلام الذي يتبع بعضه بعضا، ~~وضمير الفصل للحصر، ودخول اللام عليه لزيادة تأكيده ويجوز أن يكون مبتدأ ~~وما بعده خبره، وزيادة من في قوله (من إله) لتأكيد العموم، وهو رد على من ~~قال بالتثليث من النصارى. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث حذيفة: أن العاقب والسيد أتيا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: ~~لا نلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح أبدا نحن ولا عقبنا من ~~بعدنا، فقالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، فقال: قم يا أبا ~~عبيدة، فلما قام قال: # هذا أمين هذه الأمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن ~~عباس: أن رهطا من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان ~~فيهم السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: # من هو؟ قالوا: عيسى تزعم أنه عبد الله، قالوا: فهل رأيت مثل عيسى وأنبئت ~~به، ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك (إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل آدم) إلى آخر الآية. وقد رويت هذه القصة على وجوه عن جماعة من ~~التابعين. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر ~~قال: قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم العاقب والسيد، فدعاهما إلى ~~الإسلام، فقالا: أسلمنا يا محمد، فقال: كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما ~~يمنعكما من الإسلام، قالا ms0589 فهات. قال: حب الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم ~~الخنزير. # قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على الغد، فغدا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما ~~فأبيا أن يجيباه وأقرا له، فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي ~~عليهما نارا. قال جابر: فيهم نزلت (تعالوا ندع أبناءنا) الآية. قال جابر ~~(أنفسنا وأنفسكم) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي، وأبناءنا الحسن ~~والحسين، ونساءنا فاطمة. ورواه أيضا الحاكم من وجه آخر PageV01P347 # عن جابر وصححه، وفيه أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل لك أن ~~نلاعنك؟ وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن سعد بن أبي ~~وقاص: قال لما نزلت هذه الآية (قل تعالوا) دعا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي. وأخرج ابن ~~عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه (تعالوا ندع أبناءنا) الآية، قال: فجاء بأبي ~~بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس (ثم نبتهل) نجتهد. وأخرج ~~الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، وهذا الدعاء، ~~فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مدا. # قيل الخطاب لأهل نجران بدليل ما تقدم قبل هذه الآية، وقيل ليهود المدينة، ~~وقيل لليهود والنصارى جميعا، وهو ظاهر النظم القرآني، ولا وجه لتخصيصه ~~بالبعض، لأن هذه دعوة عامة لا تختص بأولئك الذين حاجوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. والسواء: العدل. قال الفراء: يقال في المعنى العدل سوى ~~وسواء، فإذا فتحت السين مددت، وإذا ضممت أو كسرت قصرت. قال زهير: # أروى خطة لا ضيم فيها * يروى نبتها فيها السواء وفى قراءة ابن مسعود " ~~إلى كلمة عدل بيننا وبينكم " فالمعنى: أقبلوا إلى ما دعيتم إليه، وهي ~~الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ms0590 ميل عن الحق، وقد فسرها بقوله (أن ~~لا نعبد إلا الله) وهو في موضع خفض على البدل من كلمة، أو رفع على إضمار ~~مبتدأ: أي هي أن نعبد، ويجوز أن تكون أن مفسرة لا موضع للجملة التي دخلت ~~عليها، وفي قوله (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا) تبكيت لمن اعتقد ربوبية ~~المسيح وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر وبعض منهم، وإزراء على من ~~قلد الرجال في دين الله فحلل ما حللوه له، وحرم ما حرموه عليه، فإن من فعل ~~ذلك فقد اتخذ من قلده ربا، ومنه - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله - وقد جوز الكسائي والفراء الجزم في - ولا نشرك - ولا يتخذ) على ~~التوهم. قوله (فإن تولوا) أي أعرضوا عما دعوا إليه (فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون) أي منقادون لأحكامه مرتضون به معترفون بما أنعم الله به علينا من ~~هذا الدين القويم. # وقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان أن ~~هرقل دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأه فإذا فيه " بسم ~~الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من ~~اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم، إلى قوله: بأنا مسلمون ". وأخرج الطبراني عن ابن عباس ~~أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكفار (تعالوا إلى كلمة) ~~الآية وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: بلغني أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم دعا يهود المدينة إلى ما في هذه الآية فأبوا عليه، ~~فجاهدهم حتى أقروا بالجزية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر ~~لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة ~~السواء. وأخرج ابن جرير عن PageV01P348 # الربيع نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة (إلى كلمة ms0591 سواء) قال: ~~عدل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن جريج في قوله (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا) قال لا يطيع ~~بعضنا بعضا في معصية الله، ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم ~~وقادتهم في غير عبادة وإن لم يصلوا لهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~عكرمة في قوله (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا) قال: # سجود بعضنا لبعض. # لما ادعت كل واحدة من طائفتي اليهود والنصارى أن إبراهيم عليه السلام كان ~~على دينهم رد الله سبحانه ذلك عليهم وأبان بأن الملة اليهودية والملة ~~النصرانية إنما كانتا من بعده. قال الزجاج: هذه الآية أبين حجة على اليهود ~~والنصارى أن التوراة والإنجيل نزلا من بعده، وليس فيهما اسم لواحد من ~~الأديان واسم الإسلام في كل كتاب انتهى، وفيه نظر، فإن الإنجيل مشحون ~~بالآيات من التوراة وذكر شريعة موسى والاحتجاج بها على اليهود، وكذلك ~~الزبور فيه في مواضع ذكر شريعة موسى، وفي أوائله التبشير بعيسى، ثم في ~~التوراة ذكر كثير من الشرائع المتقدمة، يعرف هذا كل من عرف هذه الكتب ~~المنزلة. وقد اختلف في قدر المدة التي بين إبراهيم وموسى والمدة التي بين ~~موسى وعيسى. قال القرطبي: يقال كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى ~~وعيسى ألفا سنة. وكذا في الكشاف. قوله (أفلا تعقلون) أي تتفكرون في دحوض ~~حجتكم وبطلان قولكم. قوله (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم) الأصل في ~~ها أنتم أأنتم أبدلت الهمزة الأولى هاء، لأنها أختها كذا قال أبو عمرو بن ~~العلاء والأخفش. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقرأ قنبل (هانتم) وقيل الهاء ~~للتنبيه دخلت على الجملة التي بعدها: أي ها أنتم هؤلاء الرجال الحمقى ~~حاججتم وفي هؤلاء لغتان المد والقصر والمراد بما لهم به علم هو ما كان في ~~التوراة وإن خالفوا مقتضاه وجادلوا فيه بالباطل، والذي لا علم لهم به هو ~~زعمهم أن إبراهيم كان على دينهم لجهلهم بالزمن الذي كان فيه. وفي ms0592 الآية ~~دليل على منع الجدال بالباطل، بل ورد الترغيب في ترك الجدال من المحق كما ~~في حديث " من ترك المراء ولو محقا فأنا ضمينه على الله ببيت في ربض الجنة ~~". وقد ورد تسويغ الجدال بالتي هي أحسن لقوله تعالى - وجادلهم بالتي هي ~~أحسن - ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - ونحو ذلك، فينبغي أن ~~يقصر جوازه على المواطن التي تكون المصلحة في فعله أكثر من المفسدة أو على ~~المواطن التي المجادلة فيها بالمحاسنة لا بالمخاشنة. قوله (والله يعلم) أي ~~كل شئ فيدخل في ذلك ما حاججوا به. وقد تقدم تفسير الحنيف. قوله (إن أولى ~~الناس) أي أحقهم به وأخصهم للذين اتبعوا ملته واقتدوا بدينه (وهذا النبي) ~~يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، أفرده بالذكر تعظيما له وتشريفا، ~~وأولويته صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P349 # بإبراهيم من جهة كونه من ذريته، ومن جهة موافقته لدينه في كثير من ~~الشريعة المحمدية (والذين آمنوا) من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: ~~اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ~~ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فنزل فيهم (يا أهل الكتاب لما تحاجون) الآية. ~~وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية (ها ~~أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم) يقول فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم (فلم ~~تحاجون فيما ليس لكم به علم) يقول فيما لم تشهدوا ولم تروا ولم تعاينوا. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدي في الآية قال: أما الذي لهم به علم فما حرم عليهم وما أمروا ~~به، وأما الذي ليس لهم به علم فشأن إبراهيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ~~قال: يعذر من حاج بعلم ولا يعذر من حاج بالجهل. وأخرج ابن ms0593 جرير عنه عن ~~الشعبي في قوله (ما كان إبراهيم) قال: # أكذبهم الله وأدحض حجتهم. وأخرج أيضا عن الربيع مثله. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن مقاتل بن حبان نحوه، وأخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب حدثني ابن ~~غنم أنه لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي، ~~فذكر قصتهم معه وما قالوه له لما قال له عمرو بن العاص إنهم يشتمون عيسى، ~~وهي قصة مشهورة، ثم قال: فأنزلت ذلك اليوم خصومتهم على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو بالمدينة (إن أولى الناس بإبراهيم) الآية. وأخرج سعيد ~~بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن ~~لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي خليل ربي ثم قرأ (إن أولى ~~الناس الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن ميناء أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون، ~~فكونوا أنتم سبيل ذلك، فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال وتلقوني ~~بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي ثم قرأ عليهم (إن أولى الناس بإبراهيم) ~~الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: كل مؤمن ولي إبراهيم ~~ممن مضى وممن بقي. PageV01P350 # الطائفة من أهل الكتاب هم يهود بني النضير وقريظة وبني قينقاع حين دعوا ~~جماعة من المسلمين إلى دينهم وسيأتي وقيل هم جميع أهل الكتاب، فتكون من ~~لبيان الجنس. وقوله (وما يضلون إلا أنفسهم) جملة حالية للدلالة على ثبوت ~~قدم المؤمنين في الإيمان، فلا يعود وبال من أراد فتنتهم إلا عليه. والمراد ~~بآيات الله ما في كتبهم من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وأنتم ~~تشهدون) ما في كتبكم في ذلك، أو تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء الذين ~~تقرون بنبوتهم، أو المراد كتم كل الآيات عنادا وأنتم تعلمون أنها حق. ولبس ~~الحق بالباطل ms0594 خلطه بما يتعمدونه من التحريف (وأنتم تعلمون) جملة حالية. ~~قوله (وقالت طائفة من أهل الكتاب) هم رؤساؤهم وأشرافهم، قالوا للسفلة من ~~قومهم هذه المقالة. ووجه النهار: أوله، وسمي وجها لأنه أحسنه قال: # وتضئ في وجه النهار منيرة * كجمانة البحري سل نظامها وهو منصوب على ~~الظرف، أمروهم بذلك لإدخال الشك على المؤمنين، لكونهم يعتقدون أن أهل ~~الكتاب لديهم علم، فإذا كفروا بعد الإيمان وقع الريب لغيرهم واعتراه الشك ~~وهم لا يعلمون أن الله قد ثبت قلوب المؤمنين ومكن أقدامهم، فلا تزلزلهم ~~أراجيف أعداء الله، ولا تحركهم ريح المعاندين. قوله (ولا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم) هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض: أي قال ذلك الرؤساء للسفلة لا ~~تصدقوا تصديقا صحيحا إلا لمن تبع دينكم من أهل الملة التي أنتم عليها، وأما ~~غيرهم ممن قد أسلم فأظهروا لهم ذلك خداعا (وجه النهار واكفروا آخره) ~~ليفتتنوا، ويكون قوله (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) على هذا متعلقا بمحذوف: ~~أي فعلتم ذلك لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم: # يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم ~~والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم. # وقوله (أو يحاجوكم) معطوف على أن يؤتى: أي لا تؤمنوا إيمانا صحيحا وتقروا ~~بما في صدوركم إقرارا صادقا لغير من تبع دينكم، فعلتم ذلك ودبرتموه أن ~~المسلمين يحاجوكم يوم القيامة عند الله بالحق. وقوله (إن الهدى هدى الله) ~~جملة اعتراضية. وقال الأخفش: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا ~~تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم، فذهب إلى أنه ~~معطوف، وقيل المراد لا تؤمنوا وجه النهار وتكفروا آخره إلا لمن تبع دينكم: ~~أي لمن دخل في الإسلام وكان من أهل دينكم قبل إسلامه، لأن إسلام من كان ~~منهم هو الذي قتلهم غيظا وأماتهم حسرة وأسفا، ويكون قوله (أن يؤتى) على هذا ~~متعلقا محذوف كالأول، وقيل إن قوله (أن يؤتى) متعلق بقوله (لا تؤمنوا) أي ~~لا تظهروا إيمانكم ب‍ ms0595 (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) أي أسروا تصديقكم بأن ~~المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا لأتباع دينكم، ~~وقيل المعنى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ~~بالمد على الاستفهام تأكيدا للإنكار الذي قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما ~~أوتوه، فتكون على هذا أن وما بعدها في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف ~~تقديره تصدقون بذلك، ويجوز أن تكون في محل نصب على إضمار فعل تقديره تقرون ~~أن يؤتى. وقد قرأ " آن يؤتى " بالمد ابن كثير وابن محيصن وحميد. وقال ~~الخليل: أن في موضع خفض والخافض محذوف. وقال ابن جريج: المعنى ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى، وقيل المعنى: لا تخبروا بما في كتابكم ~~من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا من تبع دينكم، لئلا يكون ذلك سببا ~~لإيمان غيرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الفراء: يجوز أن يكون قد ~~انقطع كلام اليهود عند قوله (إلا لمن تبع دينكم) ثم قال الله لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم (قل إن الهدى هدى الله) أي إن البيان الحق بيان الله ~~أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم على تقدير لا كقوله تعالى - يبين الله لكم أن ~~تضلوا - أي لئلا تضلوا، و " أو " في قوله (أو يحاجوكم) بمعنى حتى، وكذلك ~~قال الكسائي، وهي عند الأخفش عاطفة كما PageV01P351 # تقدم. وقيل إن هدى الله بدل من الهدى، وأن يؤتى خبر إن على معنى قل إن ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. # وقد قيل إن هذه الآية أعظم آي هذه السورة إشكالا وذلك صحيح. وقرأ الحسن ~~يؤتي بكسر التاء الفوقية. وقرأ سعيد ابن جبير إن يؤتى بكسر الهمزة على أنها ~~النافية. وقوله (يختص برحمته من يشاء) قيل هي النبوة، وقيل أعم منها، وهو ~~رد عليهم ودفع لما قالوه ودبروه. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان قال: كل شئ في آل عمران ms0596 من ~~ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى، ويدفع هذا أن كثيرا من خطابات أهل الكتاب ~~المذكورة في هذه السورة لا يصح حملها على النصارى. ألبتة، ومن ذلك هذه ~~الآيات التي نحن بصدد تفسيرها، فإن الطائفة التي ودت إضلال المسلمين وكذلك ~~الطائفة القائلة (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار) هي من ~~اليهود خاصة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ~~(يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) قال: تشهدون أن نعت نبي ~~الله محمد في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه ~~مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل النبي الأمي. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن الربيع مثله. وأخرجا أيضا عن السدي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مقاتل نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج (وأنتم تشهدون) على ~~أن الدين عند الله الإسلام ليس لله دين غيره. وأخرجا عن الربيع في قوله (لم ~~تلبسون الحق بالباطل) يقول: لم تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد ~~علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام (وتكتمون الحق) يقول: # تكتمون شأن محمد وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد ~~والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ~~ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن ~~دينهم، فأنزل الله فيهم (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) إلى قوله ~~(والله واسع عليم) وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان عن ابن ~~عباس في قوله (وقالت طائفة) الآية، قال: كانوا يكونون معهم أول النهار ~~ويجالسونهم ويكلمونهم، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به ms0597 وتركوه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم) قال: هذا قول بعضهم لبعض، وأخرج ابن جرير عن الربيع مثله. وأخرج ~~أيضا عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~(أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة ~~أن يتابعوا على دينهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ~~مالك وسعيد بن جبير (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) قال أمة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال الله لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم (إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) يا أمة ~~محمد (أو يحاجوكم عند ربكم) يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة ~~حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضل فقولوا (قل إن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~قتادة (قل إن الهدى هدى الله أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم) يقول لما أنزل ~~الله كتابا مثل كتابكم وبعث نبيا كنبيكم حسدتموه على ذلك (قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء). وأخرج ابن جرير عن الربيع مثله. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن جريج (قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) يقول: هذا ~~الأمر الذي أنعم الله عليه (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ~~ربكم) قال: قال بعضهم لبعض لا تخبروهم بما بين الله لكم في كتابه ~~(ليحاجوكم) قال: PageV01P352 # ليخاصموكم (به عند ربكم) فتكون لهم حجة عليكم (قل إن الفضل بيد الله) ~~قال: الإسلام (يختص برحمته من يشاء) قال القرآن والإسلام. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (يختص برحمته من يشاء) ~~قال: النبوة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: رحمته الإسلام يختص بها من ms0598 ~~يشاء. # هذا شروع في بيان خيانة اليهود في المال بعد بيان خيانتهم في الدين، ~~والجار والمجرور في قوله (ومن أهل الكتاب) في محل رفع على الابتداء على ما ~~مر في قوله - ومن الناس من يقول - وقد تقدم تفسير القنطار. وقوله (تأمنه) ~~هذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن وثاب والأشهب العقيلي " تيمنه " بكسر التاء ~~الفوقية على لغة بكر وتميم، ومثله قراءة من قرأ " نستعين " بكسر النون. ~~وقرأ نافع والكسائي (يؤده) بكسر الهاء في الدرج. قال أبو عبيد: # واتفق أبو عمرو والأعمش وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر على إسكان الهاء. ~~قال النحاس: إسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين، وبعضهم لا ~~يجيزه ألبتة ويرى أنه غلط من قرأ به، ويوهم أن الجزم يقع على الهاء وأبو ~~عمرو أجل من أن يجوز عليه شئ من هذا والصحيح عنه أنه كان يكسر الهاء. وقال ~~الفراء: مذهب بعض العرب يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، فيقولون ضربنه ~~ضربا شديدا كما يسكنون ميم أنتم وقمتم، وأنشد: # لما رأى أن لادعه ولا شبع * مال إلى أرضاه حقف فاضطجع وقرأ أبو المنذر ~~سلام والزهري " يؤده " بضم الهاء بغير واو. وقرأ قتادة وحمزة ومجاهد " يؤد ~~هو " بواو في الإدراج، ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي ~~أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة، ~~ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في ~~القليل فهو في الكثير خائن بالأولى. وقوله (إلا ما دمت عليه قائما) استثناء ~~مفرغ، أي لا يؤده إليك في حال من الأحوال إلا ما دمت عليه قائما مطالبا له ~~مضيقا عليه متقاضيا لرده، والإشارة بقوله ذلك إلى ترك الأداء المدلول عليه ~~بقوله (لا يؤده). والأميون هم العرب الذين ليسوا أهل كتاب: أي ليس علينا في ~~ظلمهم حرج لمخالفتهم لنا في ديننا، وادعوا لعنهم الله أن ذلك في كتابهم، ~~فرد الله سبحانه عليهم بقوله (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. بلى) أي ms0599 ~~بلى عليهم سبيل لكذبهم واستحلالهم أموال العرب، فقوله (بلى) إثبات لما نفوه ~~من السبيل. # قال الزجاج: تم الكلام بقوله (بلى) ثم قال (من أوفى بعهده واتقى) وهذه ~~جملة مستأنفة: أي من أوفى بعهده واتقى فليس من الكاذبين. أو فإن الله يحبه، ~~والضمير في قوله (بعهده) راجع إلى من، أو إلى الله تعالى، وعموم المتقين ~~قائم مقام العائد إلى من، أي فإن الله يحبه. قوله (إن الذين يشترون بعهد ~~الله) أي يستبدلون كما تقدم PageV01P353 # تحقيقه غير مرة. وعهد الله هو ما عاهدوه عليه من الإيمان بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، والأيمان هي التي كانوا يحلفون أنهم يؤمنون به وينصرونه، ~~وسيأتي بيان سبب نزول الآية (أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفة (لا خلاق لهم ~~في الآخرة) أي لا نصيب (ولا يكلمهم الله) بشئ أصلا كما يفيده حذف المتعلق ~~من التعميم، أو لا يكلمهم بما يسرهم (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) نظر ~~رحمة، بل يسخط عليهم ويعذبهم بذنوبهم كما يفيده قوله (ولهم عذاب أليم). # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله (ومن أهل الكتاب من ~~إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) قال: هذا من النصارى (ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار) قال: هذا من اليهود (إلا ما دمت عليه قائما) قال: إلا ما طلبته ~~واتبعته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (ذلك بأنهم قالوا ~~ليس علينا في الأميين سبيل) قال: قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من مال ~~العرب سبيل. وأخرج ابن جرير عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأميين سبيل) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " كذب أعداء ~~الله، ما من شئ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة فإنها ~~مؤداة إلى البر والفاجر ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~صعصعة أنه سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في ms0600 الغزو من أموال أهل الذمة ~~الدجاجة والشاة، قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا في ذلك ~~من بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب (ليس علينا في الأميين سبيل) إنهم إذا ~~أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب نفوسهم. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس (بلى من أوفى بعهده واتقى) يقول: اتقى الشرك (فإن الله يحب المتقين) ~~يقول الذين يتقون الشرك. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من حلف على يمين هو ~~فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. فقال الأشعث ~~بن قيس: في والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ألك بينة؟ قلت لا، قال لليهودي: احلف، فقلت: يا رسول الله إذن يحلف ~~فيذهب مالي، فأنزل الله (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) ~~إلى آخر الآية ". وقد روى: أن سبب نزول الآية أن رجلا كان يحلف بالسوق: لقد ~~أعطى بسلعته ما لم يعط بها. أخرجه البخاري وغيره. وروى أن سبب نزولها ~~مخاصمة كانت بين الأشعث وامرئ القيس ورجل من حضرموت. وأخرجه النسائي وغيره. # أي طائفة من اليهود يلوون، أي يحرفون ويعدلون به عن القصد، وأصل اللي: ~~الميل، يقول لوى برأسه: # إذا أماله. وقرئ " يلوون " بالتشديد و " يلون " بقلب الواو همزة، ثم ~~تخفيفها بالحذف، والضمير في قوله (لتحسبوه) يعود إلى ما دل عليه (يلوون) ~~وهو المحرف الذي جاؤوا به. قوله (وما هو من الكتاب) جملة حالية، وكذلك قوله ~~(وما هو من عند الله) وكذلك قوله (وهم يعلمون) أي أنهم كاذبون مفترون. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ~~(وإن منهم لفريقا يلوون PageV01P354 # ألسنتهم) قال: هم اليهود، كانوا يزيدون في الكتاب ما لم ينزل الله. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن ms0601 جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: يحرفونه. # أي ما كان ينبغي ولا يستقيم لبشر أن يقول هذه المقالة وهو متصف بتلك ~~الصفة. وفيه بيان من الله سبحانه لعباده أن النصارى افتروا على عيسى عليه ~~السلام ما لم يصح عنه، ولا ينبغي أن يقوله. والحكم: الفهم والعلم. # قوله (ولكن كونوا) أي ولكن يقول النبي كونوا ربانيين، والرباني منسوب إلى ~~الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة كما يقال لعظيم اللحية لحياني، ولعظيم ~~الجمة جماني، ولغليظ الرقبة رقباني، قيل الرباني الذي يربي الناس بصغار ~~العلم قبل كباره، فكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور. وقال المبرد: ~~الربانيون أرباب العلم، واحدهم رباني، من قوله ربه يربه فهو ربان: إذا دبره ~~وأصلحه، والياء للنسب، فمعنى الرباني: العالم بدين الرب القوي التمسك بطاعة ~~الله، وقيل العالم الحكيم. قوله (بما كنتم تعلمون) أي بسبب كونكم عالمين: ~~أي كونوا ربانيين بهذا السبب، فإن حصول العلم للإنسان والدراسة له يتسبب ~~عنهما الربانية التي هي التعليم للعلم، وقوة التمسك بطاعة الله. وقرأ ابن ~~عباس وأهل الكوفة " بما كنتم تعلمون " بالتشديد. وقرأ أبو عمرو وأهل ~~المدينة بالتخفيف، واختار القراءة الأولى أبو عبيد. قال: لأنها لجمع ~~المعنيين. قال مكي: التشديد أبلغ لأن العالم قد يكون عالما غير معلم، ~~فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط. واختار ~~القراءة الثانية أبو حاتم. قال أبو عمرو: وتصديقها تدرسون بالتخفيف دون ~~التشديد انتهى. والحاصل أن من قرأ بالتشديد لزمه أن يحمل الرباني على أمر ~~زائد على العلم والتعليم، وهو أن يكون مع ذلك مخلصا أو حكيما أو حليما حتى ~~تظهر السببية، ومن قرأ بالتخفيف جاز له أن يحمل الرباني على العالم الذي ~~يعلم الناس، فيكون المعنى كونوا معلمين بسبب كونكم علماء وبسبب كونكم ~~تدرسون العلم. وفي هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل، وإن من أعظم ~~العمل بالعلم تعليمه والإخلاص لله سبحانه. قوله (ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا) بالنصب عطفا على " ثم يقول " " ولا " مزيدة ~~لتأكيد ms0602 النفي: أي ليس له أن يأمر بعبادة نفسه، ولا يأمر باتخاذ الملائكة ~~والنبيين أربابا بل ينتهي عنه، ويجوز عطفه على أن يؤتيه، أي ما كان لبشر أن ~~يأمركم بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، وبالنصب قرأ ابن عامر وعاصم ~~وحمزة، وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام الأول: أي ولا ~~يأمركم الله أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، ويؤيده أن في مصحف ابن ~~مسعود ولن يأمركم. # والهمز في قوله (أيأمركم) لإنكار ما نفى عن البشر. وقوله (بعد إذ أنتم ~~مسلمون) استدل به من قال إن سبب نزول الآية استئذان من استأذن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من المسلمين في أن يسجدوا له. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من ~~اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV01P355 # ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر ~~بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني، فأنزل الله في ذلك (ما كان ~~لبشر) الآية ". وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رجلا قال: يا ~~رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ولكن ~~أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ~~فأنزل الله (ما كان لبشر) الآية ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (ربانيين) قال: فقهاء علماء. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه قال: حكماء علماء حلماء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: علماء ~~فقهاء. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: حكماء علماء. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن أبي رزين في قوله (وبما كنتم تدرسون) قال: مذاكرة الفقه. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عن ابن جريج ms0603 في قوله (ولا يأمركم أن تتخذوا) قال: ولا ~~يأمرهم النبي. # قد اختلف في تفسير قوله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) فقال سعيد بن ~~جبير وقتادة وطاوس والحسن والسدي إنه أخذ الله ميثاق الأنبياء أن يصدق ~~بعضهم بعضا بالإيمان، ويأمر بعضهم بعضا بذلك فهذا معنى النصرة له والإيمان ~~به، وهو ظاهر الآية، فحاصله أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن ~~بما جاء به الآخر وينصره وقال الكسائي: يجوز أن يكون معنى (وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين) بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين، ويؤيده قراءه ~~ابن مسعود " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " وقيل في الكلام حذف. ~~والمعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ~~ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا، ودل على هذا الحذف قوله (وأخذتم على ذلكم ~~إصري) و " ما " في قوله (لما آتيناكم) بمعنى الذي. قال سيبويه: سألت الخليل ~~عن قوله (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم) فقال " ما " بمعنى الذي. ~~قال النحاس: التقدير في قول الخليل الذي آتيتكموه ثم حذفت الهاء لطول ~~الاسم، واللام لام الابتداء، وبهذا قال الأخفش، وتكون ما في محل رفع على ~~الابتداء، وخبرها من كتاب وحكمة. وقوله (ثم جاءكم) وما بعده جملة معطوفة ~~على الصلة، والعائد محذوف أي مصدق به. وقال المبرد والزجاج والكسائي: " ما ~~" شرطية دخلت عليها لام التحقيق، كما تدخل على إن، " ولتؤمنن به " جواب ~~القسم الذي هو أخذ الميثاق، إذ هو بمنزلة الاستحلاف كما تقول: أخذت ميثاقك ~~لتفعلن كذا، وهو ساد مسد الجزاء. وقال الكسائي: إن الجزاء قوله (فمن تولى). ~~وقال في الكشاف: إن اللام في قوله (لما آتيناكم) لام التوطئة واللام في ~~قوله (لتؤمنن) جواب القسم، وما يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، ~~ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط جميعا، وأن تكون موصولة بمعنى للذي ~~آتيتكموه لتؤمنن به انتهى وقرأ حمزة " لما آتيتكم " بكسر اللام وما بمعنى ~~الذي وهي متعلقة بأخذ. وقرأ أهل المدينة " آتيناكم " على التعظيم. وقرأ ~~الباقون ms0604 " آتيتكم " على التوحيد، وقيل إن " ما " في قراءة من قرأ بكسر ~~اللام مصدرية. ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجئ رسول ~~مصدق لما معكم، واللام لام التعليل: أي لأجل ذلك أخذ PageV01P356 # الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به. قوله (أقررتم) هو من الإقرار. ~~والإصر في اللغة: الثقل، سمي العهد إصرا لما فيه من التشديد. والمعنى: ~~وأخذتم على ذلك عهدي. قوله (قالوا أقررنا) جملة استئنافية كأنه قيل: ماذا ~~قالوا عند ذلك؟ فقيل قالوا أقررنا، وإنما لم يذكر أحدهم الإصر اكتفاء بذلك. ~~قوله (قال فاشهدوا) أي قال الله سبحانه فاشهدوا: أي ليشهد بعضهم على بعض ~~(وأنا معكم من الشاهدين) أي وأنا على إقراركم وشهادة بعضكم على بعض من ~~الشاهدين. قوله (فمن تولى) أي أعرض عما ذكر بعد ذلك الميثاق (فأولئك هم ~~الفاسقون) أي الخارجون عن الطاعة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قلت ~~لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرءون (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لما آتيتكم من كتاب وحكمة) ونحن نقرأ ميثاق النبيين، فقال ابن عباس: ~~إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في الآية، قال (أخذ الله ميثاق النبيين) أن ~~يصدق بعضهم بعضا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في ~~قوله (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) قال: هي خطأ من الكتاب، وهي في قراءة ~~ابن مسعود " ميثاق الذين أوتوا الكتاب ". وأخرج ابن جرير عن علي قال: لم ~~يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ~~ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه، ثم تلا (وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين) الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية ~~نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير من ~~طريق العوفي عنه في قوله (إصري) قال: عهدي. وأخرج ms0605 ابن جرير عن علي في قوله ~~(قال فاشهدوا) يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك (وأنا معكم من الشاهدين) عليكم ~~وعليهم (فمن تولى) عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم (فأولئك هم ~~الفاسقون) هم العاصون في الكفر. # قوله (أفغير) عطف على مقدر: أي أتتولون فتبغون غير دين الله، وتقديم ~~المفعول لأنه المقصود بالإنكار. # وقرأ أبو عمرو وحده (يبغون " بالتحتية و " ترجعون " بالفوقية، قال: لأن ~~الأول خاص والثاني عام، ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى. وقرأ حفص ~~بالتحتية في الموضعين. وقرأ الباقون بالفوقية فيهما وانتصب طوعا وكرها على ~~الحال، أي طائعين ومكرهين. والطوع: الانقياد والاتباع بسهولة، والكره: ما ~~فيه مشقة وهو من أسلم مخافة القتل وإسلامه استسلام منه. قوله (آمنا) إخبار ~~منه صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه وعن أمته (لا نفرق بين أحد منهم) كما ~~فرقت اليهود والنصارى فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقد تقدم تفسير هذه الآية ~~(ونحن له PageV01P357 # مسلمون) أي منقادون مخلصون. قوله (دينا) مفعول للفعل: أي يبتغ دينا حال ~~كونه غير الإسلام، ويجوز أن ينتصب غير الإسلام على أنه مفعول الفعل، ودينا ~~إما تمييز أو حال إذا أول بالمشتق، أو بدل من غير. قوله (وهو في الآخرة من ~~الخاسرين) إما في محل نصب على الحال أو جملة مستأنفة: أي من الواقعين في ~~الخسران يوم القيامة. # وقد أخرج الطبراني بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ~~(وله أسلم من في السماوات والأرض) قال: أما من في السماوات فالملائكة، وأما ~~من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرها فمن أتى به من سبايا الأمم في ~~السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون. وأخرج الديلمي عن أنس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية " الملائكة أطاعوه في ~~السماء، والأنصار، وعبد القيس أطاعوه في الأرض ". وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال في الآية (أسلم من في السماوات والأرض) حين أخذ عليهم الميثاق. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (وله أسلم) قال: ms0606 المعرفة. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أما المؤمن فأسلم ~~طائعا فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله فلم ينفعه ~~ذلك ولم يقبل منه - فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا -. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرءوا في أذنه - أفغير دين الله ~~تبغون - ". وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة عن يونس بن عبيد قال: ليس ~~رجل يكون على دابة صعبة فيقرأ في أذنها (أفغير دين الله تبغون) الآية إلا ~~ذلت بإذن الله عز وجل. وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تجئ الأعمال يوم القيامة فتجئ ~~الصلاة فتقول: # يا رب أنا الصلاة، فيقول إنك على خير، وتجئ الصدقة فتقول: يا رب أنا ~~الصدقة، فيقول إنك على خير، ويجئ الصيام فيقول: أنا الصيام، فيقول إنك على ~~خير، ثم تجئ الأعمال كل ذلك يقول الله إنك على خير، ثم يجئ الإسلام فيقول: ~~يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول: إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطى، ~~قال الله تعالى في كتابه (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين) ". # قوله (كيف يهدي الله قوما) هذا الاستفهام معناه الجحد: أي لا يهدي الله، ~~ونظيره قوله تعالى - كيف يكون للمشركين عهد عند الله - أي لا عهد لهم، ~~ومثله قول الشاعر: PageV01P358 # كيف نومي على الفراش ولما * تشمل الشام غارة شعواء أي لا نوم لي. ومعنى ~~الآية: لا يهدي الله قوما إلى الحق كفروا بعد إيمانهم، وبعد ما شهدوا أن ~~الرسول حق، وبعد ما جاءتهم البينات من كتاب الله سبحانه ومعجزات رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله (والله لا يهدي القوم الظالمين) جملة ~~حالية: أي كيف يهدي المرتدين، والحال أنه لا يهدي من حصل منهم مجرد الظلم ~~لأنفسهم، ms0607 ومنهم الباقون على الكفر، ولا ريب أن ذنب المرتد أشد من ذنب من هو ~~باق على الكفر، لأن المرتد قد عرف الحق ثم أعرض عنادا وتمردا. قوله (أولئك) ~~إشارة إلى القوم المتصفين بتلك الصفات السابقة، وهو مبتدأ خبره الجملة التي ~~بعده. وقد تقدم تفسير اللعن. وقوله (ولا هم ينظرون) معناه: يؤخرون ويمهلون. ~~ثم استثنى التائبين: فقال (إلا الذين تابوا من بعد ذلك): أي من بعد ~~الارتداد (وأصلحوا) بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردة. وفيه دليل ~~على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام مخلصا، ولا خلاف في ذلك فيما ~~أحفظ. # قوله (ثم ازدادوا كفرا). قال قتادة وعطاء الخراساني والحسن: نزلت في ~~اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد إيمانهم بنعته ~~وصفته (ثم ازدادوا كفرا) بإقامتهم على كفرهم، وقيل ازدادوا كفرا بالذنوب ~~التي اكتسبوها، ورجحه ابن جرير الطبري وجعلها في اليهود خاصة. وقد استشكل ~~جماعة من المفسرين قوله تعالى (فلن تقبل توبتهم) مع كون التوبة مقبولة كما ~~في الآية الأولى، وكما في قوله تعالى - وهو الذي يقبل التوبة عن عباده - ~~وغير ذلك، فقيل المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت. قال النحاس: وهذا قول حسن ~~كما قال تعالى - وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن - وبه قال الحسن وقتادة وعطاء ومنه الحديث " إن ~~الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "، وقيل: المعنى لمن تقبل توبتهم التي ~~كانوا عليها قبل أن يكفروا، لأن الكفر أحبط، وقيل لمن تقبل توبتهم إذا ~~تابوا من كفرهم إلى كفر آخر، والأولى أن يحمل عدم قبولهم التوبة في هذه ~~الآية على من مات كافرا غير تائب فكأنه عبر عن الموت على الكفر بعدم قبول ~~التوبة، وتكون الآية المذكورة بعد هذه الآية، وهي قوله (إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار) في حكم البيان لها. قوله (ملء الأرض ذهبا) الملء بالكسر ~~مقدارا ما يملأ الشئ، والملء بالفتح مصدر ملأت الشئ، وذهبا تمييز، قاله ~~الفراء وغيره. وقال الكسائي نصب ms0608 على إضمار من ذهب. كقوله - أو عدل ذلك ~~صياما - أي من صيام. وقرأ الأعمش " ذهب " بالرفع على أنه بدل من ملء، ~~والواو في قوله (ولو افتدى به) قيل هي مقحمة زائدة، والمعنى لو افتدى به، ~~وقيل فيه حمل على الغنى كأنه قيل فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء ~~الأرض ذهبا، وقيل هو عطف على مقدر: أي لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو ~~تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب: # أي بمثله. # وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق ~~بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم هل لي من توبة؟ فنزلت (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) ~~إلى قوله (غفور رحيم) فأرسل إليه قومه فأسلم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وابن المنذر عن مجاهد نحوه، وقال: هو الحارث بن سويد. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن السدي نحوه. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس نحوه ~~أيضا. وقد روى عن جماعة نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ~~العوفي عن ابن عباس في قوله (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم). قال: ~~هم أهل الكتاب من اليهود عرفوا محمدا ثم كفروا به، PageV01P359 # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: هم أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى، وذكر نحو ما تقدم عنه. وأخرج البزار عن ابن عباس: أن قوما ~~أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، ~~فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية (إن الذين ~~كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا) قال السيوطي: هذا خطأ من البزار. وأخرج ~~ابن جرير عن الحسن في الآية قال: اليهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند ~~الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ms0609 أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ~~هم اليهود كفروا بالإنجيل وعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم والقرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في ~~الآية قال: إنما نزلت في اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا ~~كفرا بذنوب أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، ولو كانوا ~~على الهدى قبلت توبتهم، ولكنهم على الضلالة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~عن مجاهد في قوله (ثم ازدادوا كفرا) قال: نموا على كفرهم. وأخرج ابن جرير ~~عن السدي في قوله (ثم ازدادوا كفرا) قال: ماتوا وهم كفار (لن تقبل توبتهم) ~~قال: إذا تاب عند موته لم تقبل توبته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله (لن تقبل توبتهم) قال: تابوا ~~من الذنوب ولم يتوبوا من الأصل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في ~~قوله (وماتوا وهم كفار) قال: هو كل كافر. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن ~~أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يجاء بالكافر يوم القيامة ~~فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به فيقول نعم، فيقال ~~له لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك، فذلك قوله تعالى (إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار الآية). # هذا كلام مستأنف خطاب للمؤمنين عقب ذكر ما لا ينفع الكفار. قوله (لن ~~تنالوا البر) يقال: نالني من فلان معروف ينالني: أي وصل إلي، والنوال: ~~العطاء من قولك نولته تنويلا أعطيته. والبر: العمل الصالح وقال ابن مسعود ~~وابن عباس وعطاء ومجاهد وعمرو بن ميمون والسدي: هو الجنة، فمعنى الآية: لن ~~تنالوا العمل الصالح أو الجنة: أي تصلوا إلى ذلك وتبلغوا إليه حتى تنفقوا ~~مما تحبون: أي حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها، و (من) تبعيضية، ~~ويؤيده قراءة ابن مسعود " حتى تنفقوا بعض ما تحبون " وقيل بيانية (وما) ~~موصولة أو موصوفة، والمراد النفقة في سبيل الخير من ms0610 صدقة أو غيرها من ~~الطاعات، وقيل المراد الزكاة المفروضة. # وقوله (من شئ) بيان لقوله (ما تنفقوا) أي ما تنفقوا من أي شئ سواء كان ~~طيبا أو خبيثا (فإن الله به عليم) وما شرطية جازمة. وقوله (فإن الله به ~~عليم) تعليل لجواب الشرط واقع موقعه. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس " أن أبا طلحة لما نزلت هذه الآية ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي ~~إلي بيرحاء، وإنها صدقة " الحديث. وقد روى بألفاظ. وأخرج عبد بن حميد ~~والبزار عن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون) فذكرت ما أعطاني الله فلم أجد شيئا أحب إلي من مرجانة جارية لي ~~رومية فقلت: هي حرة لوجه الله فلو أني أعود في شئ جعلته لله لنكحتها ~~فأنكحتها نافعا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى ~~أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء، فدعا بها عمر فقال: إن ~~الله يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) فأعتقها عمر وأخرج سعيد ~~بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم: إنها لما نزلت الآية جاء ~~زيد بن حارثة بفرس PageV01P360 # له يقال لها سبل لم يكن له مال أحب إليه منها، فقال: هي صدقة. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله تعالى (لن تنالوا البر) قال: ~~الجنة. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون والسدي مثله. وأخرج ابن المنذر عن ~~مسروق مثله. # قوله (كل الطعام) أي المطعوم، والحل مصدر يستوي فيه المفرد والجمع ~~والمذكر والمؤنث، وهو الحلال وإسرائيل هو يعقوب كما تقدم تحقيقه. ومعنى ~~الآية: أن كل المطعومات كانت حلالا لبني يعقوب، لم يحرم عليهم شئ منها إلا ~~ما حرم إسرائيل على نفسه. وسيأتي بيان ما هو الذي حرمه على نفسه، وهذا ~~الاستثناء متصل من اسم كان. وقوله (من قبل أن تنزل التوراة متعلق بقوله ~~(كان حلا) ms0611 أي أن كل المطعومات كانت حلالا (من قبل أن تنزل التوراة) أي كان ~~ما عدا المستثنى حلالا لهم (من قبل أن تنزل التوراة) مشتملة على تحريم ما ~~حرمه عليهم لظلمهم، وفيه رد على اليهود لما أنكروا ما قصه الله سبحانه على ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أن سبب ما حرمه الله عليهم هو ظلمهم ~~وبغيهم كما في قوله - فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ~~الآية. # وقوله - وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما - إلى قوله - ذلك جزيناهم ببغيهم - وقالوا إنها محرمة على من قبلهم ~~من الأنبياء، يريدون بذلك تكذيب ما قصه الله على نبينا صلى الله عليه وآله ~~وسلم في كتابه العزيز، ثم أمره الله سبحانه بأن يحاجهم بكتابهم ويجعل بينه ~~وبينهم حكما ما أنزله الله عليهم لا ما أنزله عليه (فقال فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صادقين) حتى تعلموا صدق ما قصه الله في القرآن من أنه لم ~~يحرم على بني إسرائيل شئ من قبل نزول التوراة إلا ما حرمه يعقوب على نفسه. ~~وفي هذا من الإنصاف للخصوم ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، ثم قال (فمن ~~افترى على الله الكذب من بعد ذلك) أي من بعد إحضار التوراة وتلاوتها ~~(فأولئك هم الظالمون) أي المفرطون في الظلم المتبالغون فيه فإنه لا أظلم ~~ممن حوكم ما إلى كتابه وما يعتقده شرعا صحيحا، ثم جادل من بعد ذلك مفتريا ~~على الله الكذب، ثم لما كان ما يفترونه من الكذب بعد قيام الحجة عليهم ~~بكتابهم باطلا مدفوعا، وكان ما قصه الله سبحانه في القرآن وصدقته التوراة ~~صحيحا صادقا، وكان ثبوت هذا الصدق بالبرهان الذي لا يستطيع الخصم دفعه، أمر ~~الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ينادى بصدق الله بعد أن سجل ~~عليهم الكذب، فقال (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم) أي ملة الإسلام التي ~~أنا عليها، وقد تقدم بيان معنى الحنيف، وكأنه قال لهم إذا تبين لكم ms0612 صدقي ~~وصدق ما جئت به فادخلوا في ديني، فإن من جملة ما أنزله الله علي - ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه -. # وقد أخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس " أن اليهود قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: فأخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يسكن البدو ~~فاشتكى عرق النساء فلم يجد شيئا يلائمه إلا تحريم الإبل وألبانها فلذلك ~~PageV01P361 # حرمها، قالوا صدقت " وذكر الحديث. وأخرجه أيضا أحمد والنسائي. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في ~~الآية قال: العرق أجده عرق النساء، فكان يبيت له زق يعني صياح، فجعل لله ~~عليه إن شفاه أن لا يأكل لحما فيه عرق، فحرمته اليهود. وأخرج البخاري في ~~تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس من قوله ما أخرجه الترمذي ~~سابقا عنه مرفوعا. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ~~عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول: الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد ~~والكليتان والشحم إلا ما كان على الظهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه قال: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم نزلت التوراة ~~بتحريم الذي حرم إسرائيل، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) وكذبوا ليس في التوراة. # هذا شروع في بيان شئ آخر مما جادلت فيه اليهود بالباطل، وذلك أنهم قالوا: ~~إن بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لكونه مهاجر الأنبياء وفي الأرض ~~المقدسة فرد الله ذلك عليهم بقوله (إن أول بيت وضع للناس) الآية، فقوله ~~(وضع) صفة لبيت وخبر إن قوله (للذي ببكة) فنبه تعالى بكونه أول متعبد على ~~أنه أفضل من غيره، وقد اختلف في الباني له في الابتداء، فقيل الملائكة، ~~وقيل آدم، وقيل إبراهيم ويجمع بين ذلك بأول من بناه الملائكة ثم جدده آدم، ~~ثم إبراهيم. وبكة علم للبلد الحرام وكذا مكة وهما لغتان، وقيل إن بكة اسم ms0613 ~~لموضع البيت، ومكة اسم للبلد الحرام، وقيل بكة للمسجد، ومكة للحرم كله، قيل ~~سميت بكة لازدحام الناس في الطواف، يقال بك القوم: ازدحموا، وقيل البك: دق ~~العنق، سميت بذلك لأنها كانت تدق أعناق الجبابرة. وأما تسميتها بمكة، فقيل ~~سميت بذلك لقلة ما بها، وقيل لأنها تمك المخ من العظم بما ينال ساكنها من ~~المشقة، ومنه مككت العظم: إذا أخرجت ما فيه، ومك الفصيل ضرع أمه، وامتكه: ~~إذا امتصه، وقيل سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها: أي تهلكه. قوله (مباركا) ~~حال من الضمير في وضع، أو من متعلق الظرف لأن التقدير للذي استقر ببكة ~~مباركا والبركة: كثرة الخير الحاصل لمن يستقر فيه أو يقصده، أي الثواب ~~المتضاعف. والآيات البينات الواضحات: # منها الصفا والمروة، ومنها أثر القدم في الصخرة الصماء، ومنها أن الغيث ~~إذا كان بناحية الركن اليماني كان الخصب في اليمن، وإن كان بناحية الشامي ~~كان الخصب بالشام، وإذا عم البيت كان الخصب في جميع البلدان، ومنها انحراف ~~الطيور عن أن تمر على هوائه في جميع الأزمان، ومنها هلاك من يقصده من ~~الجبابرة وغير ذلك. وقوله (مقام إبراهيم) بدل من آيات قاله محمد بن يزيد ~~المبرد. وقال في الكشاف: إنه عطف بيان. وقال الأخفش: إنه مبتدأ، وخبره ~~محذوف، والتقدير منها مقام إبراهيم، وقيل هو خبر مبتدأ محذوف أي هي مقام ~~إبراهيم وقد استشكل صاحب الكشاف بيان الآيات وهي جمع بالمقام وهو فرد. ~~وأجاب بأن المقام جعل وحده بمنزلة آيات لقوة شأنه أو بأنه مشتمل على آيات. ~~قال: ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله، لأن الاثنين ~~نوع من الجمع. قوله (ومن دخله كان آمنا) جملة مستأنفة لبيان حكم من أحكام ~~الحرم وهو أن من دخله كان آمنا، وبه استدل من قال: إن من لجأ إلى الحرم وقد ~~وجب عليه حد من الحدود فإنه لا يقام عليه الحد حتى يخرج PageV01P362 # منه، وهو قول أبي حنيفة ومن تابعه، وخالفه الجمهور فقالوا: تقام عليه ~~الحدود في الحرم. وقد قال ms0614 جماعة: إن الآية خبر في معنى الأمر: أي ومن دخله ~~فأمنوه كقوله - علا رفث ولا فسوق ولا جدال - أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا ~~تجادلوا. قوله (والله على الناس حج البيت) اللام في قوله (لله) هي التي ~~يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف (على) فإنه ~~من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل لفلان علي كذا، ~~فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما ~~لحرمته، وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من خصصه الدليل ~~كالصبي والعبد. وقوله (من استطاع إليه سبيلا) في محل جر على أنه بدل بعض من ~~الناس. وبه قال أكثر النحويين. وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بحج. ~~والتقدير: # أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وقيل إن من حرف شرط، والجزاء محذوف: ~~أي من استطاع إليه سبيلا فعليه الحج. وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ~~ماذا هي؟ فقيل الزاد والراحلة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة وحكاه الترمذي ~~عن أكثر أهل العلم وهو الحق. قال مالك: إن الرجل إذا وثق بقوته لزمه الحج ~~وإن لم يكن له زاد وراحلة إذا كان يقدر على التكسب، وبه قال عبد الله بن ~~الزبير والشعبي وعكرمة. وقال الضحاك: إن كان شابا قويا صحيحا وليس له مال ~~فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه، ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولا ~~أوليا أن تكون الطريق إلى الحج آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله الذي ~~لا يجد زادا غيره، أما لو كانت غير آمنة فلا استطاعة، لأن الله سبحانه يقول ~~(من استطاع إليه سبيلا) وهذا الخائف على نفسه أو ماله لم يستطع إليه سبيلا ~~بلا شك ولا شبهة. وقد اختلف أهل العلم إذا كان في الطريق من الظلمة من يأخذ ~~بعض الأموال على وجه لا يجحف بزاد الحاج، فقال الشافعي: لا يعطى حبة، ويسقط ~~عنه فرض الحج ووافقه جماعة وخالفه آخرون. # والظاهر أن من تمكن من ms0615 الزاد والراحلة وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من ~~مرورها ولو بمصانعة بعض الظلمة لدفع شئ من المال يتمكن منه الحاج ولا ينقص ~~من زاده ولا يجحف به، فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه لأنه قد استطاع ~~السبيل بدفع شئ من المال، ولكنه يكون هذا المال المدفوع في الطريق من جملة ~~ما تتوقف عليه الاستطاعة، فلو وجد الرجل زادا وراحلة ولم يجد ما يدفعه لمن ~~يأخذ المكس في الطريق لم يجب عليه الحج لأنه لم يستطع إليه سبيلا وهذا لا ~~بد منه، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فإنه قد تعذر المرور في ~~طريق الحج لمن وجد الزاد والراحلة إلا بذلك القدر الذي يأخذه المكاسون، ~~ولعل وجه قول الشافعي إنه سقط الحج أن أخذ هذا المكس منكر فلا يجب على ~~الحاج أن يدخل في منكر، وأنه بذلك غير مستطيع. ومن جملة ما يدخل في ~~الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه الركوب، فلو كان زمنا ~~بحيث لا يقدر على المشي ولا على الركوب فهذا وإن وجد الزاد والراحلة فهو لم ~~يستطع السبيل. قوله (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) قيل إنه عبر بلفظ ~~الكفر عن ترك الحج تأكيدا لوجوبه وتشديدا على تاركه، وقيل المعنى: ومن كفر ~~بفرض الحج ولم يره واجبا، وقيل إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر. وفي ~~قوله (فإن الله غني عن العالمين) من الدلالة على مقت تارك الحج مع ~~الاستطاعة وخذلانه وبعده من الله سبحانه ما يتعاظمه سامعه ويرجف له قلبه، ~~فإن الله سبحانه إنما شرع لعباده هذه الشرائع لنفعهم ومصلحتهم، وهو تعالى ~~شأنه وتقدس سلطانه غنى لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله (إن أول ~~بيت) الآية، قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر قال: " قلت PageV01P363 # يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد ms0616 الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: ~~المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة ". وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر، قال: " خلق الله البيت قبل ~~الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته ~~كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته ". وأخرج نحوه ابن المنذر عن أبي هريرة. ~~وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن ابن جريج قال: بلغنا أن اليهود قالت بيت ~~المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة، فقال ~~المسلمون: بل الكعبة أعظم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت ~~(إن أول بيت) الآية إلى قوله (فيه آيات بينات مقام إبراهيم) وليس ذلك في ~~بيت المقدس (ومن دخله كان آمنا) وليس ذلك في بيت المقدس (ولله على الناس حج ~~البيت) وليس ذلك في بيت المقدس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~عن عبد الله ابن الزبير قال: إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون إليها من كل ~~جانب حجاجا. وروى سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقي عن مجاهد: إنما سميت ~~بكة لأن الناس يتباكون فيها: أي يزدحمون. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ابن ~~حبان في قوله (مباركا) قال: جعل فيه الخير والبركة (وهدى للعالمين) يعني ~~بالهدى قبلتهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ~~(فيه آيات بينات) فمنهن مقام إبراهيم والمشعر. وأخرج عبد ابن حميد وابن ~~جرير عن الحسن في قوله (فيه آيات بينات) قال: مقام إبراهيم (ومن دخله كان ~~آمنا ولله على الناس حج البيت). وأخرج الأزرقي عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ومن ~~دخله كان آمنا) قال: كان هذا في الجاهلية، كان الرجل لو جر كل جريرة على ~~نفسه ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يطلب، فأما في الإسلام فإنه لا يمنع ~~من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى ms0617 فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه ~~قتل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والأزرقي عن عمر بن الخطاب قال: لو ~~وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (ومن دخله كان آمنا) قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ~~ولكن لا يؤوي ولا يطعم ولا يسقى فإذا خرج أخذ بذنبه. وقد روى عنه هذا ~~المعنى من طرق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه قال: لو وجدت قاتل أبي في ~~الحرم لم أعرض له. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: لو وجدت قاتل أبي في ~~الحرم ما هجته. وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوي قال: قام النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم الغد من يوم الفتح فقال: " إن مكة حرمها الله ولم ~~يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا ~~يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار ثم ~~عادت حرمتها اليوم كحرمتها أمس ". وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أنس " ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قوله (من استطاع إليه سبيلا) ~~فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة ". وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر مرفوعا: أنه قام ~~رجل فقال: ما السبيل؟ فقال: الزاد والراحلة. وأخرج الدارقطني والبيهقي في ~~سننهما من طريق الحسن عن أمه عن عائشة قالت: " سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ما السبيل إلى الحج؟ قال: الزاد والراحلة ". وأخرج الدارقطني في ~~سننه عن ابن مسعود مرفوعا مثله. وأخرج الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده مرفوعا مثله. وأخرج الدارقطني عن جابر مرفوعا مثله. وقد روى هذا ms0618 ~~الحديث من طرق أقل أحواله أن يكون حسنا لغيره فلا يضره ما وقع من الكلام ~~على بعض طرقه كما هو PageV01P364 # معروف. وأخرج الدارقطني عن علي مرفوعا في الآية: " أنه سئل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: تجد ظهر بعير ". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~عن عمر بن الخطاب في قوله (من استطاع إليه سبيلا) قال: الزاد والراحلة ~~وأخرجا عن ابن عباس مثله. وأخرجه عنه مرفوعا ابن ماجة والطبراني وابن ~~مردويه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عنه قال: السبيل أن يصح بدن ~~العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد عنه قال (سبيلا) من وجد إليه سعة ولم يحل بينه وبينه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن الزبير قال: ~~الاستطاعة القوة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن النخعي قال: إن ~~المحرم للمرأة من السبيل الذي قال الله. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم النهي للمرأة أن تسافر بغير ذي محرم. واختلفت الأحاديث في قدر المدة، ~~ففي لفظ ثلاثة، أيام وفي لفظ يوم وليلة، وفي لفظ بريد. # وقد وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ملك زادا وراحلة ولم يحج. فأخرج ~~الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي بن ~~أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من ملك زادا ~~وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج بيت الله فلا عليه بأن يموت يهوديا أو ~~نصرانيا " وذلك بأن الله يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). وفي إسناده هلال الخراساني أبو ~~هاشم. قال البخاري: منكر الحديث. وقيل مجهول. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس ~~بمحفوظ وفي إسناده أيضا الحارث الأعور وفيه ضعف. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد ~~في كتاب الإيمان وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة قال: ms0619 قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو ~~سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا ". وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعا مرسلا مثله. وأخرج سعيد بن ~~منصور. قال السيوطي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث ~~رجالا إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم ~~الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وأخرج الإسماعيلي عنه يقول " من أطاق ~~الحج ولم يحج فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا " قال ابن كثير بعد أن ساق ~~إسناده: وهذا إسناد صحيح. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عنه نحوه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر " من مات وهو ~~موسر ولم يحج جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب كافر ". وأخرج سعيد بن ~~منصور عنه " من وجد إلى الحج سبيلا سنة ثم سنة ثم سنة ثم مات ولم يحج لم ~~يصل عليه ولا يدري مات يهوديا أو نصرانيا ". وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن ~~الخطاب قال: لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة ~~والزكاة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ومن كفر فإن ~~الله غني) قال: من زعم أنه ليس بفرض عليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: من كفر بالحج فلم ير ~~حجه برا ولا تركه مأثما. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والبيهقي في سننه عن عكرمة قال: لما نزلت (ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا) قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إن الله فرض على المسلمين حج البيت. فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، ~~قال الله (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) ". # وأخرج ms0620 عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة نحوه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال: " لما نزلت آية الحج (ولله على ~~الناس حج البيت) الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وآله PageV01P365 # وسلم أهل الملل مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين فقال: إن ~~الله فرض عليكم الحج فحجوا البيت فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ~~ملل، قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نستقبله، فأنزل الله (ومن كفر ~~فإن الله غني عن العالمين) ". وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي داود نفيع قال: " قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (ولله على الناس حج البيت) الآية فقام رجل من هذيل ~~فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟ فقال: من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا ~~يرجو ثوابه فهو ذاك ". وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح في الآية قال: ~~من كفر بالبيت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله الله (ومن كفر) قال: # من كفر بالله واليوم الآخر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد مثله ~~من قوله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن ذلك، فقرأ (إن أول بيت وضع ~~للناس) إلى قوله (سبيلا) ثم قال: (ومن كفر) بهذه الآيات. # وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال (ومن كفر) فلم يؤمن به: فهو ~~الكافر. # قوله (قل يا أهل الكتاب) خطاب لليهود والنصارى، والاستفهام في قوله (لم ~~تكفرون) للإنكار والتوبيخ. # وقوله (والله شهيد على ما تعملون) جملة حالية مؤكدة للتوبيخ والإنكار، ~~وهكذا المجئ بصيغة المبالغة في شهيد يفيد مزيد التشديد والتهويل، ~~والاستفهام في قوله (لم تصدون) يفيد ما أفاده الاستفهام الأول. وقرأ الحسن ~~(تصدون) من أصد، وهما لغتان: مثل صد اللحم وأصد: إذا تغير وأنتن، وسبيل ~~الله دينه ms0621 الذي ارتضاه لعباده، وهو دين الإسلام، والعوج: الميل والزيغ، ~~يقال عوج بالكسر إذا كان في الدين والقول والعمل، وبالفتح في الأجسام ~~كالجدار ونحوه، روى ذلك عن أبي عبيدة وغيره، ومحل قوله (يبغونها عوجا) ~~النصب على الحال. والمعنى: # تطلبون لها اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة بإيهامكم على الناس بأنها ~~كذلك تثقيفا لتحريفكم وتقويما لدعاويكم PageV01P366 # الباطلة. وقوله (وأنتم شهداء) جملة حالية: أي كيف تطلبون ذلك بملة ~~الإسلام والحال أنكم تشهدون أنها دين الله الذي لا يقبل غيره كما عرفتم ذلك ~~من كتبكم المنزلة على أنبيائكم: قيل إن في التوراة أن دين الله الذي لا ~~يقبل غيره الإسلام، وأن فيه نعت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل المراد ~~(وأنتم شهداء) أي عقلاء، وقيل المعنى وأنتم شهداء بين أهل دينكم مقبولون ~~عندهم، فكيف تأتون بالباطل الذي يخالف ما أنتم عليه بين أهل دينكم؟ ثم ~~توعدهم سبحانه بقوله (وما الله بغافل عما تعملون) ثم خاطب سبحانه المؤمنين ~~محذرا لهم عن طاعة اليهود والنصارى مبينا لهم أن تلك الطاعة تفضي إلى أن ~~يردونهم بعد إيمانهم كافرين، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، والاستفهام في ~~قوله (وكيف تكفرون) للإنكار: أي من أين يأتيكم ذلك ولديكم ما يمنع منه ~~ويقطع أثره، وهو تلاوة آيات الله عليكم وكون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بين أظهركم؟ ومحل قوله (وأنتم) وما بعده النصب على الحال، ثم أرشدهم ~~إلى الاعتصام بالله ليحصل لهم بذلك الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو ~~الإسلام، وفي وصف الصراط الاستقامة رد على ما ادعوه من العوج. قال الزجاج: ~~يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون ~~هذا الخطاب لجميع الأمة، لأن آثاره وعلامته والقرآن الذي أوتيه فينا، فكأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا وإن لم نشاهده انتهى. ومعنى ~~الاعتصام بالله التمسك بدينه وطاعته، وقيل بالقرآن، يقال اعتصم به واستعصم ~~وتمسك واستمسك: إذا ms0622 امتنع به من غيره، وعصمه الطعام: منع الجوع منه. قوله ~~(اتقوا الله حق تقاته) أي التقوى التي تحق له، وهي أن لا يترك العبد شيئا ~~مما يلزمه فعله ولا يفعل شيئا مما يلزمه تركه ويبذل في ذلك جهده ومستطاعه. ~~قال القرطبي: ذكر المفسرون أنها لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من ~~يقوى على هذا؟ وشق عليهم ذلك، فأنزل الله - فاتقوا الله ما استطعتم - فنسخت ~~هذه الآية. روى ذلك عن قتادة والربيع وابن زيد. قال مقاتل: وليس في آل ~~عمران من المنسوخ شئ إلا هذا. وقيل إن قوله (اتقوا الله حق تقاته) مبين ~~بقوله (فاتقوا الله ما استطعتم) والمعنى: اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم. ~~قال وهذا أصوب، لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى. ~~قوله (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) أي لا تكونن على حال سوى حال الإسلام ~~فالاستثناء مفرغ، ومحل الجملة: أعني قوله (وأنتم مسلمون) النصب على الحال، ~~وقد تقدم في البقرة تفسير مثل هذه الآية. قوله (واعتصموا بحبل الله جميعا) ~~الحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما ~~تمثيل أو استعارة. أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو ~~بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين، ثم أمرهم بأن ~~يذكروا نعمة الله عليهم وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام، وهو أنهم ~~كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا، فأصبحوا بسبب هذه ~~النعمة إخوانا وكانوا على شفا حفرة من النار بما كانوا عليه من الكفر ~~فأنقذهم الله من هذه الحفرة بالإسلام. ومعنى قوله (أصبحتم) صرتم، وليس ~~المراد به معناه الأصلي: وهو الدخول في وقت الصباح، وشفا كل شئ حرفه وكذلك ~~شفيره، وأشفى على الشئ: أشرف عليه، وهو تمثيل للحالة التي كانوا عليها في ~~الجاهلية. وقوله (كذلك) إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده: أي مثل ذلك البيان ~~البليغ يبين الله لكم. وقوله (لعلكم تهتدون) إرشاد لهم إلى الثبات على ~~الهدى والازدياد ms0623 منه. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس، وكان شيخا قد عسى في الجاهلية، عظيم ~~الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم على نفر من PageV01P367 # أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد ~~جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على ~~الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ ~~بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، ~~فأمر فتى شابا معه من يهود فقال اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث ~~وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار وكان يوم بعاث ~~يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ففعل، ~~فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على ~~الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس وجبار بن صخر أحد بني سلمة من ~~الخزرج فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، ~~وغضب الفريقان جميعا وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح موعدكم الظاهرة ~~والظاهرة الحرة، فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها ~~إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى ~~جاءهم فقال: # يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ ~~هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به ~~من الكفر وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا، فعرف القوم أنها ~~نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق ~~الرجال بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله ms0624 شاس، وأنزل الله في شأن شاس ~~بن قيس وما صنع يا (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ~~ما تعملون) إلى قوله (وما الله بغافل عما تعملون) وأنزل في أوس بن قيظي ~~وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا (يا أيها الذين ~~آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب) إلى قوله (وأولئك لهم عذاب ~~عظيم) وقد رويت هذه القصة مختصرة ومطولة من طرق. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن السدي في قوله (لم تصدون عن سبيل الله) قال: كانوا إذا سألهم أحد ~~تجدون محمدا؟ قالوا لا، قال: فصدوا الناس عنه وبغوا محمدا عوجا هلاكا. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله ~~من آمن بالله وأنتم شهداء فيما تقرءون من كتاب الله أن محمدا رسول الله، ~~وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن جريج في قوله (ومن يعتصم بالله) قال: يؤمن به. وأخرجوا عن أبي العالية ~~قال: الاعتصام الثقة بالله. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه ~~عن ابن مسعود في قوله (اتقوا الله حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، و يذكر فلا ~~ينسى، ويشكر فلا يكفر. وقد رواه الحاكم وصححه وابن مردويه من وجه آخر عنه ~~مرفوعا بدون قوله: ويشكر فلا يكفر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حق ~~تقاته أن يطاع فلا يعصى فلن تستطيعوا، فأنزل الله بعد ذلك - فاتقوا الله ما ~~استطعتم - وأخرج عبد بن حميد عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (حق تقاته) قال: لم تنسخ ولكن ms0625 حق تقاته ~~أن يجاهدوا في الله حق جهاده ولا يأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله ~~بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح عن ابن مسعود ~~في قوله (واعتصموا بحبل الله) قال: حبل الله القرآن. وقد وردت أحاديث أن ~~كتاب الله PageV01P368 # هو حبل الله الممدود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: ~~واعتصموا بحبل الله بالإخلاص لله وحده. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: ~~بطاعته. وأخرج أيضا عن قتادة قال: بعهده وأمره. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ~~قال: بالإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله (إذ كنتم أعداء) ~~قال: # ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة. وأخرج ابن إسحاق قال: كانت الحرب ~~بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام فأطفأ الله ذلك وألف ~~بينهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (وكنتم على شفا حفرة ~~من النار) يقول: كنتم على طرف النار، من مات منكم وقع في النار، فبعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم واستنقذكم به من تلك الحفرة. # قوله (ولتكن) قرأه الجمهور بإسكان اللام، وقرئ بكسر اللام على الأصل، ومن ~~في قوله (منكم) للتبعيض وقيل لبيان الجنس. ورجح الأول بأن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر من فروض الكفايات يختص بأهل العلم الذين يعرفون كون ما ~~يأمرون به معروفا وينهون عنه منكرا. قال القرطبي: الأول أصح فإنه يدل على ~~أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عينهم الله ~~سبحانه بقوله - الذين إن مكناهم في الأرض - الآية. وقرأ ابن الزبير (ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون ~~بالله على ما أصابهم) قال أبو بكر بن الأنباري: وهذه الزيادة تفسير من ابن ~~الزبير وكلام من كلامه غلط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن. وقد روى ~~أن عثمان قرأها كذلك ولكن لم يكتبها في ms0626 مصحفه فدل على أنها ليست بقرآن. وفي ~~الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب ~~والسنة وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن ~~مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها. وقوله (يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر) من باب عطف الخاص على العام، إظهارا لشرفهما، وأنهما ~~الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله عبادة بالدعاء إليه، كما قيل في ~~عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وحذف متعلق الأفعال الثلاثة: أي يدعون ~~ويأمرون وينهون لقصد التعميم: أي كل من وقع منه سبب يقتضي ذلك، والإشارة في ~~قوله (وأولئك) ترجع إلى الأمة باعتبار اتصافها بما ذكر بعدها (هم المفلحون) ~~أي المختصون بالفلاح، وتعريف المفلحين للعهد أو للحقيقة التي يعرفها كل ~~أحد. قوله (ولا تكونوا كالذين تفرقوا) هم اليهود والنصارى عند جمهور ~~المفسرين، وقيل هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل الحرورية، والظاهر ~~PageV01P369 # الأول. والبينات الآيات الواضحة المبينة للحق الموجبة لعدم الاختلاف. قيل ~~وهذا النهى عن التفرق والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل ~~الفروعية الاجتهادية فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة فمن بعدهم من ~~التابعين وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث، وفيه نظر فإنه ما زال في تلك ~~العصور المنكر للاختلاف موجودا وتخصيص بعض مسائل الدين بجواز الاختلاف فيها ~~دون البعض الآخر ليس بصواب، فالمسائل الشرعية المساوية الأقدام في انتسابها ~~إلى الشرع. وقوله (يوم تبيض وجوه) منتصب بفعل مضمر: أي أذكر، وقيل بما يدل ~~عليه قوله (لهم عذاب عظيم) فإن تقديره استقر لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه، ~~أي يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة ووجوه ~~الكافرين مسودة. ويقال إن ذلك عند قراءة الكتاب إذا قرأ المؤمن كتابه رأى ~~حسناته فاستبشروا بيض وجهه، وإذا قرأ الكافر كتابه رأى سيئاته فحزن واسود ~~وجهه والتنكير في وجوه للتكثير: أي وجوه كثيرة. وقرأ يحيى بن وثاب تبيض ~~وتسود بكسر التاءين. وقرأ الزهري تبياض وتسواد. # قوله (أكفرتم) أي فيقال لهم أكفرتم، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم، ~~وهذا تفصيل ms0627 لأحوال الفريقين بعد الإجمال، وقدم بيان حال الكافرين لكون ~~المقام مقام تحذير وترهيب، قيل هم أهل الكتاب، وقيل المرتدون، وقيل ~~المنافقون، وقيل المبتدعون. قوله (ففي رحمة الله) أي في جنته ودار كرامته، ~~عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا ~~بد من الرحمة، ومنه حديث " لن يدخل أحد الجنة بعمله " وهو في الصحيح. وقوله ~~(هم فيها خالدون) جملة استئنافية جواب سؤال مقدر. وتلك إشارة إلى ما تقدم ~~من تعذيب الكافرين وتنعيم المؤمنين. وقوله (نتلوها عليك بالحق) جملة حالية، ~~وبالحق متعلق بمحذوف: أي متلبسة بالحق وهو العدل. وقوله (وما الله يريد ~~ظلما للعالمين) جملة تذييلية مقررة لمضمون ما قبلها، وفي توجه النفي إلى ~~الإرادة الواقعة على النكرة دليل على أنه سبحانه لا يريد فردا من أفراد ~~الظلم الواقعة على فرد من أفراد العالم. والمراد بما في السماوات وما في ~~الأرض مخلوقاته سبحانه: أي له ذلك يتصرف فيه كيف يشاء وعلى ما يريد، وعبر ~~بما تغليبا لغير العقلاء على العقلاء لكثرتهم أو لتنزيل العقلاء منزلة ~~غيرهم. قال المهدوي: وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين ~~والكافرين وأنه لا يريد ظلما للعالمين وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن ~~الظلم لكون ما في السماوات وما في الأرض في قبضته، وقيل هو ابتداء كلام ~~يتضمن البيان لعباده بأن جميع ما في السماوات وما في الأرض له حتى يسألوه ~~ويعبدوه ولا يعبدوا غيره. وقوله (وإلى الله ترجع الأمور) أي لا إلى غيره لا ~~شركة ولا استقلالا. # وقد أخرج ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر قال: " قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) قال: الخير اتباع القرآن ~~وسنتي ". وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله في ~~القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإسلام والنهى عن المنكر فهو عبادة الأوثان ~~والشيطان انتهى. وهو تخصيص بغير مخصص، فليس في في لغة العرب ولا في عرف ~~الشرع ما يدل ms0628 على ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال (يدعون إلى ~~الخير) أي الإسلام (ويأمرون بالمعروف) بطاعة ربهم (وينهون عن المنكر) عن ~~معصية ربهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: هم أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وهم الرواة انتهى. ولا أدري ما وجه هذا ~~التخصيص، فالخطاب في هذه الآية كالخطاب بسائر الأمور التي شرعها الله ~~لعباده وكلفهم بها. وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " افترقت اليهود على ~~إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت PageV01P370 # النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". ~~وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاوية مرفوعا نحوه، وزاد " كلها في النار ~~إلا واحدة وهي الجماعة ". وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا نحوه ~~أيضا، وزاد " كلها في النار إلا ملة واحدة، فقيل له: ما الواحدة؟ قال: ما ~~أنا عليه اليوم وأصحابي ". وأخرج ابن ماجة عن عوف بن مالك مرفوعا نحوه، ~~وفيه " فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل يا رسول الله من هم؟ ~~قال: الجماعة " وأخرجه أحمد من حديث أنس، وفيه " قيل يا رسول الله من تلك ~~الفرقة؟ قال: # الجماعة ". وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر وفي الأمر بالكون في الجماعة والنهى عن الفرقة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~والخطيب عن ابن عباس في قوله (يوم تبيض وجوه) قال: تبيض وجوه أهل السنة ~~والجماعة وتسود وجوه أهل البدع والضلالة. وأخرجه الخطيب والديلمي عن ابن ~~عمر مرفوعا وأخرجه أيضا مرفوعا أبو نصر السجزي في الإبانة عن أبي سعيد. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في الآية قال: ~~صاروا فرقتين يوم القيامة، يقال لمن اسود وجهه أكفرتم بعد إيمانكم؟ فهو ~~الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة واحدة، وأما الذين ابيضت وجوههم ~~فهم الذين استقاموا على إيمانهم وأخلصوا له الدين فبيض ms0629 الله وجوههم وأدخلهم ~~في رضوانه وجنته وقد روى غير ذلك. # قوله (كنتم خير أمة) هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هذه الأمة في الفضل ~~على غيرها من الأمم، وكان قيل هي التامة: أي وجدتم وخلقتم خير أمة، ومثله ~~ما أنشده سيبويه: # وجيران لنا كانوا كرام * ومنه قوله تعالى - كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا - وقوله - واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم - وقال الأخفش: يريد أهل أمة: ~~أي خير أهل دين، وأنشد: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع وقيل معناه: كنتم ~~في اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم منذ آمنتم. وفيه دليل على أن هذه الأمة ~~الإسلامية خير الأمم على الإطلاق، وأن هذه الخيرية مشتركة ما بين أول هذه ~~الأمة وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم وإن كانت متفاضلة في ذات بينها. ~~كما ورد في فضل الصحابة على غيرهم. قوله (أخرجت للناس) أي أظهرت لهم. # وقوله (تأمرون بالمعروف) الخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما ~~يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر زال عنهم ذلك، ولهذا قال مجاهد إنهم خير ~~أمة على الشرائط المذكورة في الآية، وهذا يقتضى أن يكون تأمرون وما بعده في ~~محل نصب على الحال أي كنتم خير أمة حال كونكم آمرين ناهين مؤمنين بالله ~~وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه ورسوله وما شرعه PageV01P371 # لعباده، فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور. ~~قوله (ولو آمن أهل الكتاب) أي اليهود إيمانا كإيمان المسلمين بالله ورسله ~~وكتبه (لكان خيرا لهم) ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل قالوا: نؤمن ببعض الكتاب ~~ونكفر ببعض، ثم بين حال أهل الكتاب بقوله (منهم المؤمنون) وهم الذين آمنوا ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم، فإنهم آمنوا بما أنزل عليه وما ~~أنزل من قبله (وأكثرهم الفاسقون) أي الخارجون عن طريق الحق المتمردون في ~~باطلهم المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما ms0630 جاء به فيكون هذا ~~التفصيل على هذا كلاما مستأنفا جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل: هل منهم من ~~آمن فاستحق ما وعده الله. قوله (لن يضروكم إلا أذى) أي لن يضروكم بنوع من ~~أنواع الضرر إلا بنوع الأذى، وهو الكذب والتحريف والبهت ولا يقدرون على ~~الضرر الذي هو الضرر في الحقيقة بالحرب والنهب ونحوهما، فالاستثناء مفرغ، ~~وهذا وعد من الله لرسوله وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم ~~منصورون عليهم، وقيل الاستثناء منقطع. والمعنى: لن يضروكم ألبتة لكن ~~يؤذونكم، ثم بين سبحانه ما نفاه من الضرر بقوله (وإن يقاتلوكم يولوكم ~~الأدبار) أي ينهزمون ولا يقدرون على مقاومتكم فضلا عن أن يضروكم. وقوله (ثم ~~لا ينصرون) عطف على الجملة الشرطية: أي ثم لا يوجد لهم نصر ولا يثبت لهم ~~غلب في حال من الأحوال، بل شأنهم الخذلان ما داموا. وقد وجدنا ما وعدنا ~~سبحانه حقا فإن اليهود لم تخفق لهم راية نصر ولا اجتمع لهم جيش غلب بعد ~~نزول هذه الآية، فهي من معجزات النبوة. قوله (ضربت عليهم الذلة) قد تقدم في ~~البقرة معنى هذا التركيب. والمعنى: صارت الذلة محيطة بهم في كل حال وعلى كل ~~تقدير في أي مكان وجدوا (إلا بحبل من الله) أي إلا أن يعتصموا بحبل من ~~الله، قاله الفراء: أي بذمة الله أو بكتابه (وحبل من الناس) أي بذمة من ~~الناس وهم المسلمون، وقيل المراد بالناس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(وباءوا) أي رجعوا (بغضب من الله) وقيل احتملوا، وأصل معناه في اللغة ~~اللزوم والاستحقاق: أي لزمهم غضب من الله هم مستحقون له. ومعنى ضرب ~~المسكنة: إحاطتها بهم من جميع الجوانب، وهكذا حال اليهود فإنهم تحت الفقر ~~المدقع والمسكنة الشديدة إلا النادر الشاذ منهم. والإشارة بقوله ذلك إلى ما ~~تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والغضب، أي وقع عليهم ذلك بسبب أنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، والإشارة بقوله ذلك إلى الكفر ~~وقتل الأنبياء بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده. ومعنى الآية: أن الله ms0631 ~~ضرب عليهم الذلة والمسكنة والبواء بالغضب منه لكونهم كفروا بآياته وقتلوا ~~أنبياءه بسبب عصيانهم واعتدائهم. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد والنسائي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس في ~~قوله (كنتم خير أمة) قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى في الآية قال: قال عمر بن ~~الخطاب: لو شاء الله لقال أنتم فكنا كلنا، ولكن قال كنتم في خاصة أصحاب ~~محمد ومن صنعهم مثل صنعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس وفي لفظ عنه أنه قال ~~يكون لأولنا ولا يكون لآخرنا. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر ~~بن الخطاب قرأ هذه الآية، ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك ~~الأمة فليؤد شرط الله منها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في الآية ~~قال: نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ~~ومعاذ بن جبل. وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة في الآية قال: خير الناس ~~للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن معاوية بن حيدة أنه سمع النبي ~~صلى الله PageV01P372 # عليه وآله وسلم يقول في الآية: إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها. ~~وروى من حديث معاذ وأبي سعيد نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين ~~وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب، وهذا ~~من فوائد كونها خير الأمم. وأخرج ابن جرير عن الحسن (لن يضروكم إلا أذى) ~~قال: # تسمعون منهم كذبا على الله يدعونكم إلى الضلالة. وأخرج أيضا عن ابن جريج ~~قال: إشراكهم في عزير وعيسى والصليب. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة ~~(ضربت عليهم الذلة) قالا: ms0632 يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى ابن المنذر ~~عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(إلا بحبل من الله وحبل من الناس) قال: بعهد من الله وعهد من الناس. # قوله (ليسوا سواء) أي أهل الكتاب غير مستوين بل مختلفين، والجملة مستأنفة ~~سبقت لبيان التفاوت بين بين أهل الكتاب. وقوله (أمة قائمة) هو استئناف أيضا ~~يتضمن بيان لجهة التي تفاوتوا فيها من كون بعضهم أمة قائمة إلى قوله (من ~~الصالحين) قال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أمة، أي ذو طريقة حسنة ~~وأنشد: # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع * وقيل في الكلام حذف، والتقدير: من أهل ~~الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى، كقول أبي ~~ذؤيب: # عصيت إليها القلب إني لأمرها * مطيع فما أدري أرشد طلابها؟ # أراد أرشد أم غي. قال الفراء: أمة رفع بسواء، والتقدير: ليس يستوي أمة من ~~أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة. قال النحاس: وهذا القول خطأ ~~من جهات: أحدها أنه يرفع أمة بسواء فلا يعود على اسم ليس شئ، ويرفع بما ليس ~~جاريا على الفعل، ويضمر ما لا يحتاج إليه لأنه قد تقدم ذكر الكافرة، فليس ~~لإضمار هذا وجه. وقال أبو عبيدة: هذا مثل قولهم أكلوني البراغيث، وذهبوا ~~أصحابك. قال النحاس: وهذا غلط، لأنه قد تقدم ذكرهم، وأكلوني البراغيث لم ~~يتقدم لهم ذكر انتهى. # وعندي أن ما قاله الفراء قوي قويم، وحاصله أن معنى الآية: لا يستوي أمة ~~من أهل الكتاب شأنها كذا وأمة أخرى شأنها كذا، وليس تقدير هذا المحذوف من ~~باب تقدير ما لا حاجة إليه كما قال النحاس: فإن تقدم ذكر الكافرة لا يفيد ~~مفاد تقدير ذكرها هنا، وأما قوله إنه لا يعود على اسم ليس شئ، فيرده أن ~~تقدير العائد شائع PageV01P373 # مشتهر عند أهل الفن، وأما قوله ويرفع بما ليس جاريا على الفعل فغير مسلم. ~~والقائمة: المستقيمة العادلة، من قولهم: أقمت العود فقام: أي استقام. وقوله ~~(يتلون) في محل ms0633 رفع على أنه صفة ثانية لأمة، ويجوز أن يكون في محل نصب على ~~الحال (وآناء الليل) ساعاته، وهو منصوب على الظرفية. وقوله (وهم يسجدون) ~~ظاهره أن التلاوة كائنة منهم في حال السجود، ولا يصح ذلك إذا كان المراد ~~بهذه الأمة الموصوفة في الآية هم من قد أسلم من أهل الكتاب، لأنه قد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن قراءة القرآن في السجود، فلا بد من ~~تأويل هذا الظاهر بأن المراد بقوله (وهم يسجدون) وهم يصلون كما قاله الفراء ~~والزجاج، وإنما عبر بالسجود عن مجموع الصلاة، لما فيه من الخضوع والتذلل. ~~وظاهر هذا أنهم يتلون آيات الله في صلاتهم من غير تخصيص لتلك الصلاة بصلاة ~~معينة، وقيل المراد بها الصلاة بين العشاءين، وقيل صلاة الليل مطلقا. وقوله ~~(يؤمنون بالله) صفة أخرى لأمة: أي يؤمنون بالله وكتبه ورسله، ورأس ذلك ~~الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوله (ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر) صفتان أيضا لأمة: أي أن هذا من شأنهم وصفتهم. وظاهره ~~يفيد أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على العموم، وقيل المراد ~~بالأمر بالمعروف هنا أمرهم باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبالنهي ~~عن المنكر نهيهم عن مخالفته. وقوله (يسارعون في الخيرات) من جملة الصفات ~~أيضا: أي يبادرون بها غير متثاقلين عن تأديتها لمعرفتهم بقدر ثوابها. وقوله ~~(وأولئك من الصالحين) أي من جملتهم، وقيل من بمعنى مع: أي مع الصالحين وهم ~~الصحابة رضي الله عنهم، والظاهر أن المراد كل صالح، والإشارة بقوله (أولئك) ~~إلى الأمة الموصوفة بتلك الصفات. قوله (وما تفعلوا من خير) أي خير كان (فلن ~~تكفروه) أي لن تعدموا ثوابه، وعداه إلى المفعولين وهو لا يتعدى إلا إلى ~~واحد لأنه ضمنه معنى الحرمان، كأنه قيل فلن تحرموه كما قاله صاحب الكشاف. ~~قرأ الأعمش وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف بالياء التحتية في الفعلين، ~~وهي قراءة ابن عباس واختارها أبو عبيد. وقرأ الباقون بالمثناة من فوق ~~فيهما، وكان أبو عمرو يرى ms0634 القراءتين جميعا. والمراد بالمتقين كل من ثبتت له ~~صفة التقوى، وقيل المراد من تقدم ذكره، وهم الأمة الموصوفة بتلك الصفة، ~~ووضع الظاهر موضع المضمر مدحا لهم ورفعا من شأنهم. وقوله (إن الذين كفروا) ~~قيل هم بنو قريظة والنضير. قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر ~~كفارهم في هذه الآية. والظاهر أن المراد بذلك كل من كفر بما يجب الإيمان ~~به. ومعنى (لن تغني) لن تدفع، وخص الأولاد لأنهم أحب القرابة وأرجاهم لدفع ~~ما ينوبه. وقوله (مثل ما ينفقون) بيان لعدم إغناء أموالهم التي كانوا ~~يعولون عليها. والصر: البرد الشديد، أصله من الصرير الذي هو الصوت، فهو صوت ~~الريح الشديد. وقال الزجاج: صوت لهب النار التي في تلك الريح. ومعنى الآية: ~~مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح ~~باردة أو نار فأحرقته أو أهلكته فلم ينتفع أصحابه بشئ منه بعد أن كانوا على ~~طمع من نفعه وفائدته. وعلى هذا فلا بد من تقدير في جانب المشبه به فيقال: ~~كمثل زرع أصابته ريح فيها صر، أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح فيها ~~صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم (وما ظلمهم الله) أي المنفقين من الكافرين ~~(ولكن أنفسهم يظلمون) بالكفر المانع من قبول النفقة التي أنفقوها، وتقديم ~~المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص، لأن الكلام في الفعل باعتبار تعلقه ~~بالفاعل لا بالمفعول. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~منده وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس ~~قال: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعيد، ومن ~~PageV01P374 # أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود ~~وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما ~~تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره فأنزل الله (ليسوا سواء) الآية. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (أمة قائمة) يقول: مهتدية قائمة على أمر الله ~~لم تنزع ms0635 عنه ولم تتركه كما تركه الآخرون وضيعوه. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم قال (أمة قائمة) عادلة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (آناء الليل) قال: جوف الليل. ~~وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: ساعات الليل. وأخرج عبد بن حميد والبخاري في ~~تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله (ليسوا ~~سواء) قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد (يتلون آيات الله آناء الليل) ~~قال: صلاة العتمة هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها. وأخرج ~~أحمد والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني. قال السيوطي بسند حسن عن ابن مسعود قال " أخر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلاة العشاء ليلة، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ~~ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه ~~الساعة غيركم " ولفظ ابن جرير والطبراني فقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد ~~من أهل الكتاب. قال وأنزلت هذه الآية (ليس سواء). وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن منصور قال: بلغني أنها نزلت هذه ~~الآية (يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) فيما بين المغرب والعشاء ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة (فلن تكفروه) قال: لن يضل عنكم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن (فلن تكفروه) قال: لن تظلموه. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول (مثل ما ينفقون) أي المشركون، ولا ~~يتقبل منهم كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون فأصابه ريح فيها صر ~~فأهلكته فكذلك أنفقوا فأهلكهم شركهم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (فيها صر) قال: برد شديد. # البطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع، وبطانة الرجل: خاصته الذين يستنبطون ~~أمره، وأصله البطن الذي هو خلاف الظهر، وبطن ms0636 فلان بفلان يبطن بطونا وبطانة: ~~إذا كان خاصا به، ومنه قول الشاعر: # وهم خلصائي كلهم وبطانتي * وهم عيبتي من دون كل قريب قوله (من دونكم) أي ~~من سواكم قاله الفراء: أي من دون المسلمين وهم الكفار: أي بطانة كائنة من ~~PageV01P375 # دونكم، ويجوز أن يتعلق بقوله (لا تتخذوا). وقوله (يألونكم خبالا) في محل ~~نصب صفة لبطانة، يقال لا ألوك جهدا: أي لا أقصر. قال أمرؤ القيس: # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه * بمدرك أطراف الخطوب ولا آل والمراد لا ~~يقصرون فيما فيه الفساد عليكم، وإنما عدى إلى مفعولين لكونه مضمنا معنى ~~المنع: أي لا يمنعونكم خبالا، والخبال والخبل: الفساد في الأفعال والأبدان ~~والعقول. قال أوس: # أبني لبني لستم بيد * إلا يد مخبولة العضد أي فاسدة العضد. قوله (ودوا ما ~~عنتم) ما مصدرية: أي ودوا عنتكم، والعنت المشقة وشدة الضرر، والجملة ~~مستأنفة مؤكدة للنهي. قوله (قد بدت البغضاء) هي شدة البغض كالضراء لشدة ~~الضر. والأفواه جمع فم. والمعنى: # أنها قد ظهرت البغضاء في كلامهم لأنهم لما خامرهم من شدة البغض والحسد ~~أظهرت ألسنتهم ما في صدورهم، فتركوا التقية وصرحوا بالتكذيب. أما اليهود ~~فالأمر في ذلك واضح. وأما المنافقون فكان يظهر من فلتات ألسنتهم ما يكشف عن ~~خبث طويتهم. وهذه الجملة مستأنفة لبيان حالهم (وما تخفي صدورهم أكبر) لأن ~~فلتات اللسان أقل مما تجنه الصدور، بل تلك الفلتات بالنسبة إلى ما في ~~الصدور قليلة جدا. ثم إنه سبحانه أمتن عليهم ببيان الآيات الدالة على وجوب ~~الإخلاص إن كانوا من أهل العقول المدركة لذلك البيان. قوله (ها أنتم أولاء) ~~جملة مصدرة بحرف التنبيه: أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاتهم، ثم بين ~~خطأهم بتلك الموالاة بهذه الجملة التذييلية. فقال (تحبونهم ولا يحبونكم)، ~~وقيل إن قوله (تحبونهم) خبر ثان لقوله أنتم، وقيل إن أولاء موصول وتحبونهم ~~صلته أن تحبونهم لما أظهروا لكم الإيمان أو لما بينكم وبينهم من القرابة ~~(ولا يحبونكم) لما قد استحكم في صدورهم من الغيظ والحسد. قوله (وتؤمنون ~~بالكتاب كله) أي بجنس الكتاب ms0637 جميعا، ومحل الجملة النصب على الحال: أي لا ~~يحبونكم والحال أنكم مؤمنون بكتب الله سبحانه التي من جملتها كتابهم فما ~~بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم. # وفيه توبيخ لهم شديد، لأن من بيده الحق أحق بالصلابة والشدة ممن هو على ~~الباطل (وإذا لقوكم قالوا آمنا) نفاقا وتقية (وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ~~من الغيظ) تأسفا وتحسرا، حيث عجزوا عن الانتقام منكم، والعرب تصف المغتاظ ~~والنادم بعض الأنامل والبنان، ثم أمره الله سبحانه بأن يدعو عليهم، فقال ~~(قل موتوا بغيظكم) وهو يتضمن استمرار غيظهم ما داموا في الحياة حتى يأتيهم ~~الموت وهم عليه، ثم قال (إن الله عليم بذات الصدور) فهو يعلم ما في صدوركم ~~وصدورهم، والمراد بذات الصدور: الخواطر القائمة بها، وهو كلام داخل تحت ~~قوله (قل) فهو من جملة المقول. قوله (إن تمسسكم حسنة تسؤهم) هذه الجملة ~~مستأنفة لبيان تناهي عداوتهم، وحسنة وسيئة يعمان كل ما يحسن وما يسوء. وعبر ~~بالمس في الحسنة وبالإصابة في السيئة، للدلالة على أن مجرد مس الحسنة يحصل ~~به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة، وقيل إن المس مستعار لمعنى ~~الإصابة. ومعنى الآية: أن من كانت هذه حالته لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة ~~(وإن تصبروا) على عداوتهم أو على التكاليف الشاقة (وتتقوا) موالاتهم، أو ما ~~حرمه الله عليكم (لا يضركم كيدهم شيئا)، يقال ضاره يضوره ويضيره ضيرا ~~وضيورا: بمعنى ضره يضره، وبه قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو. وقرأ الكوفيون ~~وابن عامر لا يضركم بضم الراء وتشديدها من ضر يضر، فهو على القراءة الأولى ~~مجزوم على أنه جواب الشرط، وعلى القراءة الثانية مرفوع على تقدير إضمار ~~الفاء كما في قول الشاعر: * من يفعل الحسنات الله يشكرها * قاله الكسائي ~~والفراء، وقال سيبويه: إنه مرفوع على نية التقديم: أي لا يضركم أن تصبروا. ~~وحكى أبو زيد عن المفضل عن عاصم " لا يضركم " بفتح الراء، وشيئا صفة مصدر ~~محذوف. PageV01P376 # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: كان رجال ms0638 من المسلمين يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار ~~والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم لخوف الفتنة عليهم ~~منهم (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة) الآية. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه قال: هم المنافقون. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: هم الخوارج. قال السيوطي وسنده جيد. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله (وتؤمنون بالكتاب كله) أي بكتابكم وبكتابهم ~~وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم ~~منهم لكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل (إن تمسسكم حسنة) يعني النصر على ~~العدو والرزق والخير (تسؤهم وإن تصبكم سيئة) يعني القتل والهزيمة والجهد. # العامل في " إذ " فعل محذوف: أي واذكر إذ غدوت من منزل أهلك: أي من ~~المنزل الذي فيه أهلك. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية نزلت في غزوة أحد. ~~وقال الحسن: في يوم بدر. وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: # في غزوة الخندق. قوله (تبوئ) أي تتخذ لهم مقاعد للقتال، وأصل التبوء ~~اتخاذ المنزل، يقال بوأته منزلا: إذا أسكنته إياه، والفعل في محل نصب على ~~الحال. ومعنى الآية: واذكر إذ خرجت من منزل أهلك تتخذ للمؤمنين مقاعد ~~للقتال: أي أماكن يقعدون فيها، وعبر عن الخروج بالغدو الذي هو الخروج غدوة ~~مع كونه صلى الله عليه وآله وسلم خرج بعد صلاة الجمعة كما سيأتي، لأنه قد ~~يعبر بالغدو والرواح عن الخروج والدخول من غير اعتبار أصل معناهما كما ~~يقال، أضحى وإن لم يكن في وقت الضحى. قوله (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) ~~هو بدل من إذ غدوت، أو متعلق بقوله تبوئ، أو بقوله سميع عليم، والطائفتان ~~بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر يوم أحد، ~~والفشل الجبن، والهم من الطائفتين كان بعد الخروج، لما رجع عبد الله ابن ~~أبي بمن ms0639 معه من المنافقين فحفظ الله قلوب المؤمنين فلم يرجعوا، وذلك قوله ~~(والله وليهما). قوله (ولقد PageV01P377 # نصركم الله ببدر) جملة مستأنفة سيقت لتصبيرهم بتذكير ما يترتب على الصبر ~~من النصر. وبدر اسم لماء كان في موضع الوقعة، وقيل هو اسم الموضع نفسه، ~~وسيأتي سياق قصة بدر في الأنفال إن شاء الله. وأذلة جمع قلة، ومعناه: أنهم ~~كانوا بسبب قلتهم أذلة، وهو جمع ذليل استعير للقلة، إذ لم يكونوا في أنفسهم ~~أذلة، بل كانوا أعزة. والنصر: العون. وقد شرح أهل التواريخ والسير غزوة بدر ~~وأحد بأتم شرح فلا حاجة لنا في سياق ذلك ها هنا. قوله (إذ تقول) متعلق ~~بقوله (نصركم) والهمزة في قوله (ألن يكفيكم) للإنكار منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم عليهم عدم اكتفائهم بذلك المدد من الملائكة، ومعنى الكفاية سد ~~الخلة والقيام بالأمر، والإمداد في الأصل: # إعطاء الشئ حالا بعد حال، والمجئ بلن لتأكيد النفي، وأصل الفور: القصد ~~إلى الشئ والأخذ فيه بجد، وهو من قولهم فارت القدر تفور فورا وفورانا. إذا ~~غلت، والفور: الغليان، وفار غضبه: إذا جاش وفعله من فوره أي قبل أن يسكن، ~~والفوارة ما يفور من القدر، استعير للسرعة: أي إن يأتوكم من ساعتهم هذه ~~يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر عن ذلك. قوله (مسومين) بفتح ~~الواو اسم مفعول، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي ونافع: أي معلمين ~~بعلامات. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم (مسؤمين) بكسر الواو اسم فاعل: # أي معلمين أنفسهم بعلامة. ورجح ابن جرير هذه القراءة، والتسويم إظهار ~~سيما الشئ. قال كثير من المفسرين (مسومين) أي مرسلين خيلهم في الغارة، وقيل ~~إن الملائكة اعتمت بعمائم بيض، وقيل حمر، وقيل خضر، وقيل صفر، فهذه هي ~~العلامة التي علموا بها أنفسهم حكى ذلك عن الزجاج، وقيل كانوا على خيل بلق، ~~وقيل غير ذلك. قوله (وما جعله الله إلا بشرى لكم) كلام مبتدأ غير داخل في ~~مقول القول، والضمير في قوله (جعله للإمداد المدلول عليه بالفعل، أو ~~للتسويم، أو للإنزال، ورجح الأول الزجاج ms0640 وصاحب الكشاف. وقوله (إلا بشرى) ~~استثناء مفرغ من أعم العام، والبشرى اسم من البشارة: أي إلا لتبشروا بأنكم ~~تنصرون ولتطمئن قلوبكم به: أي بالإمداد، واللام لام كي، جعل الله ذلك ~~الإمداد بشرى بالنصر وطمأنينة للقلوب، وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى ~~عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ (وما النصر إلا من عند الله) لا من عند ~~غيره، فلا تنفع كثرة المقاتلة ووجود العدة. قوله (ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا) متعلق بقوله (ولقد نصركم الله ببدر) وقيل متعلق بقوله (وما النصر ~~إلا من عند الله) وقيل متعلق بقوله (يمددكم) والطرف الطائفة، والمعنى: ~~نصركم الله ببدر ليقطع طائفة من الكفار، وهم الذين قتلوا يوم بدر، أو وما ~~النصر إلا من عند الله ليقطع تلك الطائفة أو يمددكم ليقطع. ومعنى يكبتهم ~~يحزنهم، والمكبوت المحزون. وقال بعض أهل اللغة: معناه يكيدهم: أي يصيبهم ~~بالحزن والغيظ في أكبادهم، وهو غير صحيح، فإن معنى كبت أحزن وأغاظ وأذل، ~~ومعنى كبد أصاب الكبد (فينقلبوا خائبين) أي غير ظافرين بمطلبهم. قوله (ليس ~~لك من الأمر شئ) جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه: # أي أن الله مالك أمرهم يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك أو الهزيمة أو التوبة ~~إن أسلموا أو العذاب، فقوله (أو يتوب عليهم أو يعذبهم) عطف على قوله أو ~~يكبتهم، وقال الفراء: إن أو بمعنى إلا أن، بمعنى ليس لك من الأمر شئ إلا أن ~~يتوب عليهم فتفرح فقال بذلك أو يعذبهم فتشفي بهم. قوله (ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض) كلام مستأنف لبيان سعة ملكه (يغفر لمن يشاء) أن ~~يغفر له (ويعذب من يشاء) أن يعذبه يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد - لا ~~يسئل عما يفعل وهم يسألون - وفي قوله (والله غفور رحيم) إشارة إلى أن رحمته ~~سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، ~~وما أوقع هذا التذييل الجليل وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل. # وقد أخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وعاصم بن عمر بن ms0641 ~~قتادة ومحمد بن يحيى بن حبان PageV01P378 # والحصين بن عبد الرحمن بن أسعد بن معاذ قالوا: كان يوم أحد يوم بلاء ~~وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحق به المنافقين ممن كان يظهر الإسلام ~~بلسانه وهو مستخف بالكفر، ويوم أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من ~~أهل ولايته. وكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران فيها ~~صفة ما كان في يومه ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم، يقول الله لنبيه (وإذ غدوت ~~من أهلك) الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ~~(وإذ غدوت من أهلك) الآية قال يوم أحد. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~في قوله (تبوي المؤمنين) قال: توطن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ~~أن الآية في يوم الأحزاب. وقد ورد في كتب السير والتاريخ كيفية الاختلاف في ~~المشورة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم أحد، فمن قائل نخرج ~~إليهم، ومن قائل نبقى في المدينة، فخرج وكان من جملة المشيرين عبد الله بن ~~أبي ابن سلول رأس المنافقين، كان رأيه البقاء في المدينة والمقاتلة فيها، ~~ثم لما خولف في رأيه انخزل بمن معه من المنافقين وهم قدر الثلث من القوم ~~الذين خرج بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما ~~عن جابر قال: فينا نزلت في بني حارثة وبني سلمة (إذ همت طائفتان منكم أن ~~تفشلا) وما يسرني أنها لم تنزل لقوله (والله وليهما). وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن قتادة في قوله (إذ همت طائفتان) قال: ذلك يوم أحد. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس قال: هم بنو حارثة وبنو سلمة. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ~~(ولقد نصركم الله ببدر) إلى (ثلاثة آلاف من الملائكة منزلين) في قصة بدر. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (وأنتم أذلة) يقول: وأنتم ~~قليل وهم يومئذ بضعة عشر وثلاثمائة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ms0642 جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر ~~المحاربي يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله (ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة آلاف) إلى قوله (مسومين) قال: فبلغت كرزا فلم يمد المشركين، ولم يمد ~~المسلمين بالخمسة. وأخرج ابن جرير عن الشعبي لما كان يوم بدر بلغ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ثم ذكر نحوه إلا أنه قال (ويأتوكم من فورهم هذا) ~~يعني كرزا وأصحابه (يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) فبلغ كرزا ~~وأصحابه الهزيمة، فلم يمدهم ولم ينزل الخمسة وأمدوا بعد ذلك بألف فهم أربعة ~~آلاف. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال ~~أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف وذلك يوم بدر. وأخرج ~~ابن جرير عن عكرمة في قوله (بلى إن تصبروا وتتقوا) الآية، قال: هذا يوم أحد ~~فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد ولو أمدوا لم ينهزموا يومئذ. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ويأتوكم من فورهم هذا) يقول: من سفرهم هذا. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة من فورهم قال: # من وجههم. وأخرج ابن جرير عن الحسن والربيع وقتادة والسدي مثله، وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد من فورهم قال: من غضبهم. وأخرجا عن أبي ~~صالح مولى أم هانئ مثله. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن ~~عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (مسومين) قال: ~~معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سوداء، ويوم أحد عمائم حمراء. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~عبد الله بن الزبير: أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها، ~~فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر. وأخرج ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس ms0643 ~~قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم ~~حنين عمائم حمراء، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا ~~PageV01P379 # يكونون عددا ومددا لا يضربون. وفي بيان التسويم عن السلف اختلاف كثير لا ~~يتعلق به كثير فائدة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله (ليقطع طرفا من الذين كفروا) قال قطع: # الله يوم بدر طرفا من الكفار، وقتل صناديدهم ورءوسهم وقادتهم في الشر. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله (ليقطع طرفا) قال: هذا يوم بدر قطع ~~الله طائفة منهم وبقيت طائفة. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: # ذكر الله قتلى المشركين بأحد، وكانوا ثمانية عشر رجلا فقال (ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا) ثم ذكر الله الشهداء فقال - ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا -. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله (أو يكبتهم) قال: # يحزنهم. وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع مثله. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ~~وشج في وجهه حتى سال الدم، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم ~~إلى ربهم؟ فأنزل الله (ليس لك من الأمر شئ) الآية. وقد روى هذا المعنى في ~~روايات كثيرة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن ~~الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت ~~هذه الآية: ليس لك من الأمر شئ ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما أيضا من ~~حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد أن ~~يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع: اللهم أنج الوليد بن الوليد ~~وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد ~~وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، يجهر بذلك. وكان ms0644 يقول في بعض ~~صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من أحياء العرب حتى ~~أنزل الله (ليس لك من الأمر شئ) وفي لفظ: اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان ~~وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله (ليس لك من ~~الأمر شئ) الآية. # قوله (يا أيها الذين آمنوا) قيل هو كلام مبتدأ للترهيب والترغيب فيما ~~ذكر، وقيل هو اعتراض بين أثناء قصة أحد. وقوله (أضعافا مضاعفة) ليس لتقييد ~~النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جئ به PageV01P380 # باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا ~~يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارا يتراضون عليه، ثم ~~يزيدون في أجل الدين، فكانوا يفعلون ذلك مرة بعد مرة حتى يأخذوا المربى ~~أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء، وأضعافا حال، ومضاعفة نعت له، وفيه ~~إشارة إلى تكرار التضعيف عاما بعد عام، والمبالغة في هذه العبارة تفيد ~~تأكيد التوبيخ. قوله (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) فيه الإرشاد إلى ~~تجنب ما يفعله الكفار في معاملاتهم. قال كثير من المفسرين: وفيه أنه يكفر ~~من استحل الربا، وقيل معناه: اتقوا الربا الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون ~~النار وإنما خص الربا في هذه الآية لأنه الذي توعد الله عليه بالحرب منه ~~لفاعله. وقوله (وأطيعوا الله والرسول) حذف المتعلق مشعر بالتعميم: أي في كل ~~أمر ونهى (لعلكم ترحمون) أي راجلين الرحمة من الله عز وجل. وقوله (وسارعوا) ~~عطف على أطيعوا، وقرأ نافع وابن عامر (سارعوا) بغير واو، وكذلك في مصاحف ~~أهل المدينة وأهل الشام، وقرأ الباقون بالواو. قال أبو علي: كلا الأمرين ~~سائغ مستقيم، والمسارعة: المبادرة، وفي الآية حذف، أي سارعوا إلى ما يوجب ~~المغفرة من الطاعات. وقوله (عرضها السماوات والأرض) أي عرضها كعرض السماوات ~~والأرض، ومثله الآية الأخرى - عرضها كعرض السماء والأرض - وقد اختلف في ~~معنى ذلك، فذهب الجمهور إلى أنها تقرن السماوات والأرض بعضها إلى بعض كما ~~تبسط الثياب ويوصل بعضها ms0645 ببعض فذلك عرض الجنة، ونبه بالعرض على الطول لأن ~~الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض، وقيل إن هذا الكلام جاء على نهج كلام ~~العرب من الاستعارة دون الحقيقة، وذلك أنها ما كانت الجنة من الاتساع ~~والانفساح في غاية قصوى، حسن التعبير عنها بعرض السماوات والأرض مبالغة ~~لأنهما أوسع مخلوقات الله سبحانه فيما يعلمه عباده، ولم يقصد بذلك التحديد. ~~والسراء: اليسر، والضراء: العسر. وقد تقدم تفسيرهما - وقيل السراء: الرخاء، ~~والضراء: الشدة، وهو مثل الأول، وقيل السراء في الحياة، والضراء بعد الموت. ~~قوله (والكاظمين الغيظ) يقال كظم غيظه: أي سكت عليه ولم يظهره، ومنه كظمت ~~السقاء: أي ملأته. والكظامة: ما يسد به مجرى الماء، وكظم البعير جرته: إذا ~~ردها في جوفه، وهو عطف على الموصول الذي قبله. قوله (والعافين عن الناس) أي ~~التاركين عقوبة من أذنب إليهم واستحق المؤاخذة، وذلك من أجل ضروب الخير. ~~وظاهره العفو عن الناس سواء كانوا من المماليك أم لا. وقال الزجاج وغيره: ~~المراد بهم المماليك. # واللام في المحسنين يجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه كل محسن من هؤلاء ~~وغيرهم، ويجوز أن تكون للعهد فيختص بهؤلاء. والأول أولى اعتبارا بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السياق فيدخل تحته كل من صدر منه مسمى الإحسان: # أي إحسان كان. قوله (والذين إذا فعلوا فاحشة) هذا مبتدأ وخبره (أولئك) ~~وقيل معطوف على المتقين. والأول أولى، وهؤلاء هم صنف دون الصنف الأول ~~ملحقين بهم وهم التوابون، وسيأتي ذكر سبب نزولها، والفاحشة وصف لموصوف ~~محذوف: أي فعلة فاحشة وهي تطلق على كل معصية. وقد كثر اختصاصها بالزنا. ~~وقوله (أو ظلموا أنفسهم) أي باقتراف ذنب من الذنوب، وقيل أو بمعنى الواو. ~~والمراد ما ذكر، وقيل الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة، وقيل غير ذلك. ~~قوله (ذكروا الله) أي بألسنتهم أو أخطروه في قلوبهم أو ذكروا وعده ووعيده ~~(فاستغفروا لذنوبهم) أي طلبوا المغفرة لها من الله سبحانه، وتفسيره بالتوبة ~~خلاف معناه لغة، وفي الاستفهام بقوله (ومن يغفر الذنوب إلا الله) من ~~الإنكار مع ما يتضمنه من الدلالة ms0646 على أنه المختص بذلك سبحانه دون غيره: أي ~~لا يغفر جنس الذنوب أحد إلا الله، وفيه ترغيب لطلب المغفرة منه سبحانه ~~وتنشيط للمذنبين أن يقفوا في مواقف الخضوع والتذلل، وهذه الجملة اعتراضية ~~بين المعطوف والمعطوف عليه. وقوله (ولم يصروا PageV01P381 # على ما فعلوا) عطف على فاستغفروا: أي لم يقيموا على قبيح فعلهم. وقد تقدم ~~تفسير الإصرار. والمراد به هنا العزم على معاودة الذنب وعدم الإقلاع عنه ~~بالتوبة منه. وقوله (وهم يعلمون) جملة حالية: أي لم يصروا على فعلهم عالمين ~~بقبحه. قوله (أولئك جزاؤهم) الإشارة إلى المذكورين بقوله (والذين إذا فعلوا ~~فاحشة). وقوله (جزاؤهم) بدل اشتمال من اسم الإشارة. وقوله (مغفرة) خبر (ومن ~~ربهم) متعلق بمحذوف وقع صفة لمغفرة: # أي كائنة من ربهم. وقوله (ونعم أجر العاملين) المخصوص بالمدح محذوف: أي ~~أجرهم، أو ذلك المذكور. وقد تقدم تفسير الجنات وكيفية جري الأنهار من ~~تحتها. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: قال كانوا ~~يتبايعون إلى الأجل، فإذا جاء الأجل زادوا عليهم وزادوا في الأجل، فنزلت ~~(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة). وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن عطاء قال: كانت ثقيف تدين بني المغيرة لإفى الجاهلية وذكر نحوه. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاوية بن قرة قال: كان الناس يتأولون ~~هذه الآية (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) اتقوا لا أعذبكم بذنوبكم في ~~النار التي أعددتها للكافرين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~عطاء بن أبي رباح قال: قال المسلمون: يا رسول الله أبنو إسرائيل كانوا أكرم ~~على الله منا؟ كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبح كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة ~~بابه أجدع أنفك أجدع أذنك افعل كذا وكذا، فسكت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فنزلت (وسارعوا) الآية. وأخرج ابن المنذر عن أنس بن مالك في تفسير ~~(وسارعوا) قال: # التكبيرة الأولى. وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن ابن عباس في قوله ~~(عرضها السماوات والأرض) مثل ما ذكرناه سابقا ms0647 عن الجمهور. وأخرج نحوه عنه ~~سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق كريب. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (الذين ينفقون في ~~السراء والضراء) يقول: في اليسر والعسر (والكاظمين الغيظ) يقول: كاظمين على ~~الغيظ. وقد وردت أحاديث كثيرة. في ثواب من كظم الغيظ. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن النخعي في الآية قال: الظلم ~~من الفاحشة والفاحشة من الظلم وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد والطبراني وابن أبي الدنيا وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: إن ~~في كتاب الله لآيتين ما أذنب عبد ذنبا فقرأهما فاستغفر الله إلا غفر له ~~(والذين إذا فعلوا فاحشة) الآية. وقوله - ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه - ~~الآية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ثابت البناني قال: ~~بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية بكى (والذين إذا فعلوا فاحشة) الآية. ~~وأخرج الحكيم الترمذي عن عطاف بن خالد قال: بلغني أنه لما نزل قوله تعالى ~~(ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا) صاح إبليس بجنوده وحثا ~~على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر، ~~فقالوا: مالك يا سيدنا؟ قال: آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحد من ~~بني آدم ذنب، قالوا: وما هي؟ فأخبرهم، قالوا نفتح لهم باب الأهواء فلا ~~يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق، فرضي منهم بذلك. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وأحمد والحميدي وعبد بن حميد وأهل السنن الأربع وحسنه النسائي ~~وابن حبان والدارقطني في الإفراد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن السني والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة عن أبي ~~بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " ما من رجل يذنب ~~ذنبا ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتطهر ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله من ذنبه ~~ذلك إلا غفر الله له، ثم ms0648 قرأ هذه الآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) الآية ". ~~وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن مرفوعا نحوه، ولكنه قال: ثم خرج إلى براز ~~من الأرض فصلى. PageV01P382 # وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ". # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (ولم يصروا) ~~فيسكتون ولا يستغفرون. # وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل (ونعم أجر العاملين) قال: أجر العاملين ~~بطاعة الله الجنة. # قوله (قد خلت من قبلكم سنن) هذا رجوع إلى وصف باقي القصة. والمراد بالسنن ~~ما سنه الله في الأمم من وقائعه: أي قد خلت من قبل زمانكم وقائع سنها الله ~~في الأمم المكذبة، وأصل السنن جمع سنة: وهي الطريقة المستقيمة ومنه قول ~~الهذلي: # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها * فأول راض سنة من يسيرها PageV01P383 # والسنة: الإمام المتبع المؤتم به، ومنه قول لبيد: # من مشعر سنت لهم آباؤهم * ولكل قوم سنة وإمام والسنة الأمة، والسنن ~~الأمم، قاله المفضل الضبي. وقال الزجاج: المعني في الآية أهل سنن فحذف ~~المضاف، والفاء في قوله (فسيروا) سببية، وقيل شرطية: أي إن شككتم فسيروا. ~~والعاقبة: آخر. الأمر. والمعنى سيروا فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين فإنهم ~~خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا ثم انقرضوا فلم يبق من دنياهم التي آثروها ~~أثر. هذا قول أكثر المفسرين. والمطلوب من هذا السير المأمور به هو حصول ~~المعرفة بذلك، فإن حصلت بدونه فقد حصل المقصود، وإن كان لمشاهدة الآثار ~~زيادة غير حاصلة لمن لم يشاهدها، والإشارة بقوله (هذا) إلى قوله (قد خلت) ~~وقال الحسن إلى القرآن (بيان للناس) أي تبيين لهم، وتعريف الناس للعهد وهم ~~المكذبون، أو للجنس: أي للمكذبين وغيرهم. وفيه حث على النظر في سوء عاقبة ~~المكذبين وما انتهى إليه أمرهم. قوله (وهدى وموعظة) أي هذا النظر مع كونه ~~بيانا فيه هدى ms0649 وموعظة للمتقين من المؤمنين، فعطف الهدى والموعظة على البيان ~~يدل على التغاير ولو باعتبار المتعلق، وبيانه أن اللام في الناس إن كانت ~~للعهد فالبيان للمكذبين والهدى والموعظة للمؤمنين، وإن كانت للجنس فالبيان ~~لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم والهدى والموعظة للمتقين وحدهم. قوله (ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا) عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثهم ~~على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل، ثم بين لهم أنهم الأعلون على عدوهم ~~بالنصر والظفر، وهي جملة حالية: أي والحال أنكم الأعلون عليهم وعلى غيرهم ~~بعد هذه الوقعة. وقد صدق الله وعده فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~وقعة أحد ظفر بعدوه في جميع وقعاته، وقيل المعنى: وأنتم الأعلون عليهم بما ~~أصبتم منهم في يوم بدر فإنه أكثر مما أصابوا منكم اليوم. وقوله (إن كنتم ~~مؤمنين) متعلق بقوله (ولا تهنوا) وما بعده، أو بقوله (وأنتم الأعلون) أي إن ~~كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا، أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون. ~~والقرح بالضم والفتح: الجرح وهما لغتان فيه، قاله الكسائي والأخفش. وقال ~~الفراء: هو بالفتح الجرح، وبالضم ألمه. وقرأ محمد بن السميفع " قرح " بفتح ~~القاف والراء على المصدر. والمعنى في الآية: إن نالوا منكم يوم أحد فقد ~~نلتم منهم يوم بدر، فلا تهنوا لما أصابكم في هذا اليوم، فإنهم لم يهنوا لما ~~أصابهم في ذلك اليوم، وأنتم أولى بالصبر منهم، وقيل إن المراد بما أصاب ~~المؤمنين والكافرين في هذا اليوم، فإن المسلمين انتصروا عليهم في الابتداء ~~فأصابوا منهم جماعة، ثم انتصر الكفار عليهم فأصابوا منهم. والأول أولى، لأن ~~ما أصابه المسلمون من الكفار في هذا اليوم لم يكن مثل ما أصابوه منهم فيه. ~~وقوله (وتلك الأيام) أي الكائنة بين الأمم في حروبها والآتية فيما بعد ~~كالأيام الكائنة في زمن النبوة، تارة تغلب هذه الطائفة، وتارة تغلب الأخرى ~~كما وقع لكم أيها المسلمون في يوم بدر وأحد، وهو معنى قوله (نداولها بين ~~الناس) فقوله (تلك) مبتدأ، والأيام صفته، والخبر نداولها، وأصل المداولة ~~المعاورة: داولته ms0650 بينهم عاورته. # والدولة: الكرة، ويجوز أن تكون الأيام خبرا ونداولها حالا، والأول أولى. ~~وقوله (وليعلم الله) معطوف على علة مقدرة كأنه قال: نداولها بين الناس ~~ليظهر أمركم وليعلم، أو يكون المعلل محذوفا: أي ليعلم الله الذين اتقوا، ~~فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل: أي فعلنا فعل من يريد أن يعلم لأنه سبحانه ~~لم يزل عالما، أو ليعلم الله الذين آمنوا بصبرهم علما يقع عليه الجزاء كما ~~علمه علما أزليا (ويتخذ منكم شهداء) أي يكرمهم بالشهادة. والشهداء جمع ~~شهيد، سمى بذلك لكونه مشهودا له بالجنة، أو جمع شاهد لكونه كالمشاهد للجنة، ~~ومن للتبعيض وهم شهداء أحد. # وقوله (والله لا يحب الظالمين) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ~~لتقرير مضمون ما قبله. وقوله (وليمحص PageV01P384 # الله الذين آمنوا) من جملة العلل معطوف على ما قبله. والتمحيص: الاختبار، ~~وقيل التطهير على حذف مضاف: # أي ليمحص ذنوب الذين آمنوا، قاله الفراء، وقيل: يمحص يخلص، قاله الخليل ~~والزجاج: أي ليخلص المؤمنين من ذنوبهم. وقوله (ويمحق الكافرين) أي يستأصلهم ~~بالهلاك، وأصل التمحيق محو الآثار، والمحق نقصها. قوله (أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة) كلام مستأنف لبيان ما ذكر من التمييز، وأم هي المنقطعة، والهمزة ~~للإنكار: أي بل أحسبتم، والواو في قوله (ولما يعلم الله) واو الحال. ~~والجملة حالية، وفيه تمثيل كالأول، أو علم يقع عليه الجزاء. وقوله (وليعلم ~~الصابرين) منصوب بإضمار أن كما قال الخليل وغيره على أن الواو للجمع. وقال ~~الزجاج: # الواو بمعنى حتى، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر " ويعلم الصابرين " بالجزم ~~عطفا على (ولما يعلم) وقرئ بالرفع على القطع، وقيل إن قوله (ولما يعلم) ~~كناية عن نفي المعلوم، وهو الجهاد. والمعنى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ~~والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر: أي الجمع بينهما، ومعنى (لما) ~~معنى " لم " عند الجمهور، وفرق سيبويه بينهما فجعل لم لنفي الماضي، ولما ~~لنفي الماضي والمتوقع. قوله (ولقد كنتم تمنون الموت) هو خطاب لمن كان يتمنى ~~القتال والشهادة في سبيل الله ممن لم يحضر يوم بدر، فإنهم كانوا يتمنون ms0651 ~~يوما يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا مع أنهم الذي ألحوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج، ولم يصبر منهم إلا نفر يسير مثل أنس ~~بن النضر عم أنس بن مالك. وقوله (من قبل أن تلقوه) أي القتال أو الشهادة ~~التي هي سبب الموت. # وقرأ الأعمش " من قبل أن تلاقوه " وقد ورد النهي عن تمني الموت فلا بد من ~~حمله هنا على الشهادة. قال القرطبي: # وتمني الموت من المسلمين يرجع إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات ~~والصبر على الجهاد لا إلى قتل الكفار لهم لأنه معصية وكفر، ولا يجوز إرادة ~~المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة فيسألون ~~الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل. قوله (فقد رأيتموه) أي القتال أو ما ~~هو سبب للموت، ومحل قوله (وأنتم تنظرون) النصب على الحال، وقيد الرؤية ~~بالنظر مع اتحاد معناهما للمبالغة: أي قد رأيتموه معاينين له حين قتل من ~~قتل منكم. قال الأخفش: إن التكرير بمعنى التأكيد مثل قوله - ولا طائر يطير ~~بجناحيه - وقيل معناه بصراء ليس في أعينكم علل، وقيل معناه وأنتم تنظرون ~~إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقوله (وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل). سبب نزول هذه ما سيأتي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما أصيب في يوم أحد صاح الشيطان قائلا: قد قتل محمد، ففشل بعض المسلمين ~~حتى قال قائل: قد أصيب محمد فأعطوا بأيديكم فإنما هم إخوانكم، وقال آخر: لو ~~كان رسولا ما قتل، فرد الله عليهم ذلك وأخبرهم بأنه رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وسيخلو كما خلوا، فجملة قوله (قد خلت من قبله الرسل) صفة لرسول. ~~والقصر قصر إفراد كأنهم استبعدوا هلاكه فأثبتوا له صفتين: الرسالة، وكونه ~~لا يهلك، فرد الله عليهم ذلك بأنه رسول لا يتجاوز ذلك إلى صفة عدم الهلاك، ~~وقيل هو قصر قلب. وقرأ ابن عباس " قد خلت من قبل رسل " ثم أنكر الله عليهم ~~بقوله ms0652 (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) أي كيف ترتدون وتتركون دينه ~~إذا مات أو قتل مع علمكم أن الرسل تخلو ويتمسك أتباعهم بدينهم وإن فقدوا ~~بموت أو قتل، وقيل الإنكار لجعلهم خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم بموته أو ~~قتله، وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لكونه مجوزا عند ~~المخاطبين. قوله (ومن ينقلب على عقبيه) أي بإدباره عن القتال أو بارتداده ~~عن الإسلام (فلن يضر الله شيئا) من الضرر وإنما يضر نفسه (وسيجزي الله ~~الشاكرين) أي الذين صبروا وقاتلوا واستشهدوا، لأنهم بذلك شكروا نعمة الله ~~عليهم بالإسلام، ومن امتثل ما أمر به فقد شكر النعمة التي أنعم الله بها ~~عليه. قوله (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) هذا كلام مستأنف ~~PageV01P385 # يتضمن الحث على الجهاد والاعلام بأن الموت لابد منه. ومعنى (بإذن الله) ~~بقضاء الله وقدره، وقيل إن هذه الجملة متضمنة للإنكار على من فشل بسبب ذلك ~~الإرجاف بقتله صلى الله عليه وآله وسلم، فبين لهم أن الموت بالقتل أو بغيره ~~منوط بإذن الله، وإسناده إلى النفس مع كونها غير مختارة له للإيذان بأنه لا ~~ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله. وقوله (كتابا) مصدر مؤكد لما قبله، ~~لأن معناه كتب الله الموت كتابا. والمؤجل: المؤقت الذي لا يتقدم على أجله ~~ولا يتأخر. قوله (ومن يرد) أي بعمله (ثواب الدنيا) كالغنيمة ونحوها، واللفظ ~~يعم كل ما يسمى ثواب الدنيا، وإن كان السبب خاصا (نؤته منها) أي من ثوابها ~~على حذف المضاف (ومن يرد) بعمله (ثواب الآخرة) وهو الجنة نؤته من ثوابها، ~~ونضاعف له الحسنات أضعافا كثيرة (وسنجزي الشاكرين) بامتثال ما أمرناهم به ~~كالقتال، ونهيانهم عنه كالفرار وقبول الإرجاف. وقوله (وكأين) قال الخليل ~~وسيبويه: هي أي دخلت عليها كاف التشبيه وثبتت معها فصارت بعد التركيب بمعنى ~~كم، وصورت في المصحف نونا، لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغير لفظها لتغيير ~~معناها، ثم كثر استعمالها فتصرفت فيها العرب بالقلب والحذف فصار فيها أربع ~~لغات قرئ بها: أحدها كائن ms0653 مثل كاعن، وبها قرأ ابن كثير، ومثله قوله الشاعر: # وكائن بالأباطح من صديق * تراه لو أصبت هو المصابا وقال آخر: وكائن رددنا ~~عنكم من مدجج * بحي أمام الركب يردى مقنعا وقال زهير: وكائن ترى من معجب لك ~~شخصه * زيادته أو نقصه في التكلم وكأين بالتشديد مثل كعين، وبه قرأ الباقون ~~وهو الأصل. والثالثة كأين مثل كعين مخففا. والرابعة كيئن بياء بعدها همزة ~~مكسورة، ووقف أبو عمرو بغير نون فقال كأي لأنه تنوين، ووقف الباقون بالنون. ~~والمعنى كثير من الأنبياء قتل معه ربيون قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~ويعقوب قتل على البناء للمجهول وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم، ~~وفيه وجهان: أحدهما أن يكون في " قتل " ضمير يعود إلى النبي، وحينئذ يكون ~~قوله (معه ربيون) جملة حالية كما يقال: قتل الأمير معه جيش: أي ومعه جيش، ~~والوجه الثاني أن يكون القتل واقعا على ربيون، فلا يكون في قتل ضمير، ~~والمعنى: قتل بعض أصحابه وهم الربيون. وقرأ الكوفيون وابن عامر " قاتل " ~~وهي قراءة ابن مسعود واختارها أبو عبيد وقال: إن الله إذا حمد من قاتل كان ~~من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه من قاتل ولم يقتل، فقاتل ~~أعم وأمدح، ويرجح هذه القراءة الأخرى. والوجه الثاني من القراءة الأولى قول ~~الحسن: ما قتل نبي في حرب قط، وكذا قال سعيد بن جبير والربيون بكسر الراء ~~قراءة الجمهور، وقرأ على بضمها وابن عباس بفتحها، وواحده ربي بالفتح منسوب ~~إلى الرب والربي بضم الراء وكسرها منسوب إلى الربة بكسر الراء وضمها وهي ~~الجماعة، ولهذا فسرهم جماعة من السلف بالجماعات الكثيرة، وقيل هم الأتباع، ~~وقيل هم العلماء. قال الخليل: الربي الواحد من العباد الذين صبروا مع ~~الأنبياء وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية. وقال ~~الزجاج: الربيون بالضم الجماعات. قوله (فما وهنوا) عطف على قاتل أو قتل. ~~والوهن: انكسار الجد بالخوف. وقرأ الحسن " وهنوا " بكسر الهاء وضمها. قال ~~أبو زيد: لغتان وهن الشئ يهن وهنا: ضعف: أي ما ms0654 وهنوا لقتل نبيهم أو لقتل من ~~قتل منهم " وما ضعفوا " أي عن عدوهم (وما استكانوا -) لما أصابهم في ~~الجهاد. والاستكانة: الذلة والخضوع وقرئ " وما وهنوا وما ضعفوا " بإسكان ~~الهاء والعين. وحكى الكسائي ضعفوا بفتح العين، وفي هذا توبيخ لمن انهزم يوم ~~أحد وذل واستكان وضعف بسبب ذلك الإرجاف الواقع من الشيطان ولم يصنع كما صنع ~~أصحاب من خلا من قبلهم من الرسل. قوله (وما كان PageV01P386 # قولهم) أي قول أولئك الذين كانوا مع الأنبياء إلا هذا القول، وقولهم ~~منصوب على أنه خبر كان. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع قولهم. ~~وقوله (إلا أن قالوا) استثناء مفرغ: أي ما كان قولهم عند أن قتل منهم ~~ربانيون أو قتل نبيهم (إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا) قيل هي الصغائر. ~~وقوله (وإسرافنا في أمرنا) قيل هي الكبائر، والظاهر أن الذنوب تعم كل ما ~~يسمى ذنبا من صغيرة أو كبيرة. والإسراف ما فيه مجاوزة للحد، فهو من عطف ~~الخاص على العام، قالوا ذلك مع كونهم ربانيين هضما لأنفسهم (وثبت أقدامنا) ~~في مواطن القتال (فآتاهم الله) بسبب ذلك (ثواب الدنيا) من النصر والغنيمة ~~والعزة ونحوها (وحسن ثواب الآخرة) من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي ثواب ~~الآخرة الحسن، وهو نعيم الجنة، جعلنا الله من أهلها. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (قد خلت من قبلكم سنن) قال: تداول من الكفار والمؤمنين في الخير ~~والشر. وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب المصاحف عن سعيد بن جبير قال: أول ما ~~نزل من آل عمران (هذا بيان للناس) ثم أنزل بقيتها يوم أحد. وأخرج ابن جرير ~~عن الحسن في قوله (هذا بيان) يعني القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن ~~الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ~~اللهم لا يعلون علينا " فأنزل الله (ولا تهنوا ms0655 ولا تحزنوا) الآية. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال انهزم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب يوم أحد، فسألوا ما فعل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وما فعل فلان، فنعى بعضهم لبعض وتحدثوا أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قد قتل، فكانوا في هم وحزن، فبينما هم كذلك علا خالد بن ~~الوليد بخيل المشركين فوقهم على الجبل. وكانوا على أحد مجنبتي المشركين، ~~وهم أسفل من الشعب، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرحوا، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس أحد يعبدك ~~بهذا البلد غير هؤلاء النفر فلا تهلكهم " وثاب نفر من المشركين رماة فصعدوا ~~فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله (وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين) وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك (وأنتم الأعلون) ~~قال: وأنتم الغالبون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد (إن يمسسكم قرح) قال: جراح وقتل. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن الحسن في قوله (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) قال: إن يقتل ~~منكم يوم أحد فقد قتل منهم يوم بدر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ~~العوفي عن ابن عابس في قوله (وتلك الأيام نداولها بين الناس) قال: كان يوم ~~أحد بيوم بدر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في ~~قوله (وتلك الأيام) الآية، قال: أدال المشركين على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة ~~وسبعين ألفا عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين، وكان عدد ~~الأسارى يوم بدر ثلاثة وسبعين رجلا. وأخرج ابن جريج وابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله (ويتخذ منكم شهداء) قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم: ~~اللهم ربنا أرنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ms0656 ونبليك فيه خيرا، ونلتمس ~~فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ منهم شهداء. وأخرجا عنه في قوله ~~(وليمحص الله الذين آمنوا) قال: يبتليهم (ويمحق الكافرين) قال: ينقصهم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عنه أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد، أو ~~ليت لنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبلي فيه خيرا ونلتمس الشهادة ~~والجنة والحياة والرزق فأشهدهم PageV01P387 # الله أحدا، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم. فقال الله (ولقد كنتم تمنون ~~الموت) الآية. وأخرج ابن المنذر عن كليب قال: خطبنا عمر بن الخطاب، فكان ~~يقرأ على المنبر آل عمران ويقول إنها أحدية، ثم قال: تفرقنا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، فصعدت الجبل فسمعت يهوديا يقول: قتل ~~محمد، فقلت: # لا أسمع أحدا يقول قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم والناس يتراجعون إليه، فنزلت هذه الآية (وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل). وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: # نادى مناد يوم أحد ألا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول، فأنزل ~~الله (وما محمد إلا رسول). وأخرج أيضا عن مجاهد نحوه. وأخرج أيضا عن علي في ~~قوله (وسيجزي الله الشاكين) قال: الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه، فكان ~~على يقول: كان أبو بكر أمير الشاكرين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم عنه أنه كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إن الله يقول (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) والله لا ننقلب ~~على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قتل ~~عليه حتى أموت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني عن ابن مسعود في قوله (ربيون) قال: ألوف. # وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك قال: الربة الواحدة ألف. وأخرج ابن جرير ms0657 ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ربيون) قال: جموع. وأخرج ابن جرير ~~عنه قال: علماء كثير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله (وما استكانوا) قال: تخشعوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله (وإسرافنا في أمرنا) قال: خطايانا. # لما أمر الله سبحانه بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء حذر عن طاعة ~~الكفار، وهم مشركو العرب، وقيل اليهود والنصارى، وقيل المنافقون في قولهم ~~للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى دين آبائكم. وقوله (يردوكم على أعقابكم) ~~أي يخرجوكم من دين الإسلام إلى الكفر (فتنقلبوا خاسرين) أي ترجعوا مغبونين. ~~وقوله (بل الله مولاكم) إضراب عن مفهوم الجملة الأولى: أي تطيعوا الكافرين ~~يخذلوكم ولا ينصروكم بل الله ناصركم PageV01P388 # لا غيره، وقرئ " بل الله " بالنصب على تقدير بل أطيعوا الله. قوله ~~(سنلقي) قرأ السختياني بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالنون. وقرأ ابن عامر ~~والكسائي (الرعب) بضم العين. وقرأ الباقون بالسكون وهما لغتان، يقال رعبته ~~رعبا ورعبا فهو مرعوب، ويجوز أن يكون مصدرا، والرعب بالضم الاسم، وأصله ~~الملء، يقال سيل راعب: # أي يملأ الوادي، ورعبت الحوض ملأته، فالمعنى: سنملأ قلوب الكافرين رعبا: ~~أي خوفا وفزعا، والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام، ومجازا في غيرها كهذه ~~الآية، وذلك أن المشركين بعد وقعة أحد ندموا أن لا يكونوا استأصلوا ~~المسلمين، وقالوا: بئسما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد ~~تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب ~~حتى رجعوا عما هموا به (بما أشركوا بالله) متعلق بقوله (سنلقي) وما مصدرية: ~~أي بسبب إشراكهم (ما لم ينزل به سلطانا) أي ما لم ينزل الله بجعله شريكا له ~~حجة وبيانا وبرهانا، والنفي يتوجه إلى القيد والمقيد: أي لا حجة ولا إنزال، ~~والمعنى: أن الإشراك بالله لم يثبت في شئ من الملل. # والمثوى المكان الذي يقام فيه، يقال ثوى يثوى ثواء. قوله (ولقد صدقكم ~~الله وعده) نزلت لما قال بعض المسلمين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله ~~النصر، ms0658 وذلك أنه كان الظفر لهم في الابتداء، حتى قتلوا صاحب لواء المشركين ~~وتسعة نفر بعده، فلما اشتغلوا بالغنيمة وترك الرماة مركزهم طلبا للغنيمة ~~كان ذلك سبب الهزيمة. والحس: # الاستئصال بالقتل، قاله أبو عبيد. يقال جراد محسوس: إذا قتله البرد، وسنة ~~حسوس: أي جدبة تأكل كل شئ. قيل وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة، ~~فمعنى حسه: أذهب حسه بالقتل، وتحسونهم: # تقتلونهم وتستأصلونهم، قال الشاعر: # حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت * بقيتهم قد شردوا وتبددوا وقال جرير: تحسهم ~~السيوف كما تسامى * حريق النار في الأجم الحصيد (بإذنه) أي بعلمه أو بقضائه ~~(حتى إذا فشلتم) أي جبنتم وضعفتم، قيل جواب حتى محذوف تقديره امتحنتم وقال ~~الفراء: جواب حتى قوله (وتنازعتم) والواو مقحمة زائدة كقوله - أسلما وتله ~~للجبين - وقال أبو علي يجوز أن يكون الجواب صرفكم عنهم، وقيل فيه تقديم ~~وتأخير: أي حتى إذا نازعتم وعصيتم فشلتم، وقيل إن الجواب عصيتم، والواو ~~مقحمة. وقد جوز الأخفش مثله في قوله تعالى - حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت وضاقت عليهم -، وقيل حتى بمعنى إلى، وحينئذ لا جواب لها، والتنازع ~~المذكور هو ما وقع من الرماة حين قال بعضهم نلحق الغنائم، وقال بعضهم نثبت ~~في مكاننا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومعنى قوله (من ~~بعد ما أراكم ما تحبون) ما وقع لهم من النصر في الابتداء في يوم أحد كما ~~تقدم (منكم من يريد الدنيا) يعني الغنيمة (ومنكم من يريد الآخرة) أي الأجر ~~بالبقاء في مراكزهم امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ثم ~~صرفكم عنهم ليبتليكم) أي ردكم الله عنهم بالانهزام بعد أن استوليتم عليهم ~~ليمتحنكم (ولقد عفا عنكم) لما علم من ندمكم فلم يستأصلكم بعد المعصية ~~والمخالفة، والخطاب لجميع المنهزمين وقيل للرماة فقط. قوله (إذ تصعدون) ~~متعلق بقوله (صرفكم) أو بقوله (ولقد عفا عنكم) أو بقوله (ليبتليكم) وقرأه ~~الجمهور بضم التاء وكسر العين، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن ~~السلمي والحسن وقتادة بفتح التاء والعين. وقرأ ابن محيصن ms0659 وقنبل " تصعدون " ~~بالتحتية. قال أبو حاتم: أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في ~~جبل، فالإصعاد السير في مستوى الأرض وبطون الأودية، والصعود الارتفاع على ~~الجبال والسطوح - والسلالم والدرج، فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد ~~إصعادهم في الوادي، فيصح المعنى على القراءتين. وقال القتيبي: أصعد إذا ~~أبعد في الذهاب وأمعن فيه، ومنه قول الشاعر: PageV01P389 # ألا أيها ذا السائلي أين أصعدت * فإن لها من بطن يثرب موعدا وقال الفراء: ~~الإصعاد الابتداء في السفر، والانحدار الرجوع منه، يقال: أصعدنا من بغداد ~~إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك: إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر، ~~وانحدرنا إذا رجعنا. وقال المفضل: صعد وأصعد بمعنى واحد. ومعنى (تلوون) ~~تعرجون وتقيمون: أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا، فإن المعرج إلى الشئ يلوي ~~إليه عنقه أو عنق دابته (على أحد) أي على أحد ممن معكم، وقيل على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # وقرأ الحسن " تلون " بواو واحدة، وقرأ عاصم في رواية عنه بضم التاء وهي ~~لغة. قوله (والرسول يدعوكم في أخراكم) أي في الطائفة المتأخرة منكم، يقال ~~جاء فلان في آخر الناس، وآخرة الناس، وأخرى الناس، وأخريات الناس. وكان ~~دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أي عباد الله ارجعوا ". قوله ~~(فأثابكم) عطف على صرفكم: # أي فجازاكم الله غما حين صرفكم عنه بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعصيانكم، أو غما موصولا بغم بسبب ذلك الإرجاف والجرح ~~والقتل وظفر المشركين، والغم في الأصل التغطية، غميت الشئ غطيته، ويوم غم، ~~وليلة غمة: إذا كانا مظلمين: ومنه غم الهلال، وقيل الغم الأول الهزيمة، ~~والثاني إشراف أبي هريرة وخالد بن الوليد عليهم في الجبل. قوله (لكيلا ~~تحزنوا) اللام متعلقة بقوله (فأثابكم) أي هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا ~~على ما فات من الغنيمة ولا ما أصابكم من الهزيمة، تمرينا لكم على المصائب ~~وتدريبا لاحتمال الشدائد. وقال المفضل: معنى (لكيلا تحزنوا) لكي تحزنوا، ~~ولا زائدة كقوله تعالى - ما منعك أن لا تسجد - أي ms0660 أن تسجد، وقوله - لئلا ~~يعلم أهل الكتاب - أي ليعلم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله (يا ~~أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا) قال: لا تنتصحوا اليهود والنصارى ~~على دينكم ولا تصدقوهم بشئ في دينكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى يقول: إن ~~تطيعوا أبا سفيان بن حرب يردكم كفارا. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (سنلقي ~~في قلوب الذين كفروا الرعب) نحو ما قدمناه في سبب نزول الآية. وأخرج ~~البيهقي في الدلائل عن عروة في قوله (ولقد صدقكم الله وعده) قال: كان الله ~~وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكان قد ~~فعل فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركوا مصافهم وتركت ~~الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم، وأرادوا الدنيا رفع عنهم ~~مدد الملائكة. وقصة أحد مستوفاة في السير والتواريخ فلا حاجة إلى إطالة ~~الشرح هنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن عوف في قوله (إذ ~~تحسونهم). قال: # الحس القتل. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عنه. قال: الفشل الجبن. # وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب في قوله (من بعد ما أراكم ما تحبون) ~~قال: الغنائم وهزيمة القوم. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله (ولقد عفا ~~عنكم) قال: يقول الله قد عفوت عنكم أن لا أكون استأصلتكم. # وأخرج أيضا عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ~~(إذ تصعدون) قال: أصعدوا في أحد فرارا والرسول يدعوهم في أخراهم: " إلى ~~عباد الله ارجعوا إلى عباد الله ارجعوا ". وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن ~~بن عوف (فأثابكم غما بغم) قال: الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل ~~قتل محمد، وكان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (غما بغم) قال: فرة بعد الفرة ~~الأولى ms0661 حين سمعوا الصوت أن محمدا قد قتل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم قال: الغم الأول الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل. وأخرج ابن جرير عن الربيع مثله. ~~PageV01P390 # الأمنة والأمن سواء، وقيل الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع ~~عدمه، وهي منصوبة بأنزل. # ونعاسا بدل منها أو عطف بيان أو مفعول له، وأما ما قيل من أن أمنة حال من ~~نعاسا مقدمة عليه أو حال من المخاطبين أو مفعول له فبعيد. وقرأ ابن محيصن " ~~أمنه " بسكون الميم. قوله (يغشى) قرئ بالتحتية على أن الضمير للنعاس ~~وبالفوقية على أن الضمير لأمنة، والطائفة تطلق على الواحد والجماعة، ~~والطائفة الأولى هم المؤمنون الذين خرجوا للقتال طلبا للأجر، والطائفة ~~الأخرى هم متعب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وجعلوا ~~يناشدون على الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى (أهمتهم أنفسهم) حملتهم على ~~الهم، أهمني الأمر أقلقني، والواو في قوله (وطائفة) للحال، وجاز الابتداء ~~بالنكرة لاعتمادها على واو الحال، وقيل: إن معنى (أهمتهم أنفسهم) صارت همهم ~~لا هم لهم غيرها (يظنون بالله غير الحق) هذه الجملة في محل نصب على الحال: # أي يظنون بالله غير الحق الذي يجب أن يظن به، وظن الجاهلية بدل منه. وهو ~~الظن المختص بملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية، وهو ظنهم أن أمر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم باطل، وأنه لا ينصر ولا يتم ما دعا إليه من دين الحق. ~~وقوله (يقولون) بدل من " يظنون ": أي يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم (هل لنا من الأمر من شئ) أي هل لنا من أمر الله نصيب، وهذا الاستفهام ~~معناه الجحد: أي ما لنا شئ من الأمر. وهو النصر والاستظهار على العدو، وقيل ~~هو الخروج: أي إنما خرجنا مكرهين، فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله (قل إن ~~الأمر كله لله) وليس لكم ولا لعدوكم منه شئ، فالنصر بيده والظفر منه. وقوله ~~(يخفون في أنفسهم) أي يضمرون في أنفسهم ms0662 النفاق ولا يبدون لك ذلك، بل ~~يسألونك سؤال المسترشدين. وقوله (يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ~~ههنا) استئناف كأنه قيل: ما هو الأمر الذي يخفون في أنفسهم؟ فقيل: يقولون ~~فيما بينهم أو في أنفسهم (لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا) أي ما قتل ~~من قتل منا في هذه المعركة، فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله (قل لو كنتم ~~في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) أي لو كنتم قاعدين في ~~بيوتكم لم يكن بد من خروج من كتب عليه القتل إلى هذه المصارع التي صرعوا ~~فيها، فإن قضاء الله لا يرد. وقوله (وليبتلي الله ما في صدوركم) علة لفعل ~~مقدر قبلها معطوفة على علل له أخرى مطوية للإيذان بكثرتها، كأنه قيل: # فعل ما فعل لمصالح جمة (وليبتلى) الخ، وقيل إنه معطوف على علة مطوية ~~لبرز، والمعنى: ليمتحن ما في صدوركم PageV01P391 # من الإخلاص، وليمحص ما في قلوبكم من وساوس الشيطان. قوله (إن الذين تولوا ~~منكم يوم التقى الجمعان) أي انهزموا يوم أحد: وقيل المعنى: إن الذين تولوا ~~المشركين يوم أحد (إنما استزلهم الشيطان) استدعى زللهم بسبب بعض ما كسبوا ~~من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ولقد عفا ~~الله عنهم) لتوبتهم واعتذارهم. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: أمنهم الله يومئذ بنعاس ~~غشاهم، وإنما ينعس من يأمن. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن أبا طلحة ~~قال: غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط ~~وآخذه، فذلك قوله (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) الآية. وأخرج ~~الترمذي وصححه وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن الزبير بن ~~العوام قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميل ~~تحت جحفته من النعاس، وتلا هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~جريج قال: # إن المنافقين قالوا لعبد الله بن أبي، وكان ms0663 سيد المنافقين: قتل اليوم بنو ~~الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر شئ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل. وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله (ظن ~~الجاهلية) قال: ظن أهل الشرك. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: معتب هو الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شئ. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن الحسن أن الذي قال ذلك عبد الله بن أبي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن عبد الرحمن بن عوف في قوله (إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان) قال: هم ثلاثة، واحد من المهاجرين، واثنان من الأنصار. وأخرج ابن ~~منده وابن عساكر عن ابن عباس في الآية قال: # نزلت في عثمان ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد. وقد روى في تعيين " من " ~~في الآية روايات كثيرة. PageV01P392 # قوله (لا تكونوا كالذين كفروا) هم المنافقون الذين قالوا: لو كان لنا من ~~الأمر شئ ما قتلنا ها هنا. قوله (وقالوا لإخوانهم في النفاق أو في النسب: ~~أي قالوا لأجلهم (إذا ضربوا في الأرض) إذا ساروا فيها للتجارة أو نحوها، ~~قيل إن إذا هنا المفيدة لمعنى الاستقبال بمعنى إذ المفيدة لمعنى المضي، ~~وقيل هي على معناها، والمراد هنا حكاية الحال الماضية. وقال الزجاج: إذا ~~هنا تنوب عن ما مضي من الزمان وما يستقبل (لو كانوا غزى) جمع غاز كراكع ~~وركع، وغائب وغيب، قال الشاعر: قل للقوافل والغزى إذا غزوا * ليجعل الله ~~ذلك حسرة في قلوبهم) اللام متعلقة بقوله (قالوا) أي قالوا ذلك واعتقدوه ~~ليكون حسرة في قلوبهم. والمراد أنه صار ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا ~~حسرة، أو متعلقة بقوله (لا تكونوا) أي لا تكونوا مثلهم في اعتقاد ذلك ~~ليجعله الله حسرة في قلوبهم فقط دون قلوبكم، وقيل المعنى لا تلتفتوا إليهم ~~ليجعل الله عدم التفاتكم إليهم حسرة في قلوبهم، وقيل المراد حسرة في قلوبهم ~~يوم القيامة لما فيه من الخزي والندامة (والله يحيى ويميت) فيه رد على ~~قولهم، ms0664 أي ذلك بيد الله سبحانه يصنع ما يشاء ويحكم ما يريد، فيحيى من يريد ~~ويميت من يريد من غير أن يكون للسفر أو الغزو أثر في ذلك، واللام في قوله ~~(ولئن قتلتم) موطئة. وقوله (لمغفرة) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط، ~~والمعنى: أن السفر والغزو ليسا مما يجلب الموت ولئن وقع ذلك بأمر الله ~~سبحانه (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) أي الكفرة من منافع الدنيا ~~وطيباتها مدة أعمارهم على قراءة من قرأ بالباء التحتية، أو خير مما تجمعون ~~أيها المسلمون من الدنيا ومنافعها على قراءة من قرأ بالفوقية. والمقصود في ~~الآية بيان مزية القتل أو الموت في سبيل الله وزيادة تأثيرهما في استجلاب ~~المغفرة والرحمة. قوله (ولئن متم أو قتلتم) على أي وجه حسب تعلق الإرادة ~~الإلهية (لإلى الله تحشرون) هو جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة ساد ~~مسد جواب الشرط كما تقدم في الجملة الأولى: أي إلى الرب الواسع المغفرة ~~تحشرون لا إلى غيره كما يفيده تقديم الظرف على الفعل مع ما في تخصيص اسم ~~الله سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف والقهر. " وما " في قوله ~~(فبما رحمة من الله) مزيدة للتأكيد، قاله سيبويه وغيره، وقال ابن كيسان: ~~إنها نكرة في موضع جر بالباء، ورحمة بدل منها، والأول أولي بقواعد العربية ~~ومثله قوله تعالى - فبما نقضهم ميثاقهم - والجار والمجرور متعلق بقوله (لنت ~~لهم) وقدم عليه لإفادة القصر، وتنوين رحمة للتعظيم، والمعنى: أن لينه لهم ~~ما كان إلا بسبب الرحمة العظيمة منه، وقيل إن ما استفهامية، والمعنى: فبأي ~~رحمة من الله لنت لهم، وفيه معنى التعجيب وهو بعيد، ولو كان كذلك لحذف ~~الألف من ما، وقيل فبم رحمة من الله. والفظ: الغليظ الجافي. وقال الراغب: ~~الفظ هو الكريه الخلق، وأصله فظظ كحذر. وغلظ القلب قساوته وقلة إشفاقه وعدم ~~انفعاله للخير. والانفضاض التفرق، يقال فضضتهم فانفضوا: أي فرقتهم فتفرقوا. # والمعنى: لو كنت فظا غليظ القلب لا ترفق بهم لتفرقوا من حولك هيبة لك ~~واحتشاما منك بسبب ما كان ms0665 من توليهم، وإذا كان الأمر كما ذكر (فاعف عنهم) ~~فيما يتعلق بك من الحقوق (واستغفر لهم) الله سبحانه فيما هو إلى الله ~~سبحانه (وشاورهم في الأمر) أي الذي يرد عليك: أي أمر كان مما يشاور في ~~مثله، أو في أمر الحرب خاصة كما يفيده السياق لما في ذلك من تطييب خواطرهم ~~واستجلاب مودتهم، ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منه أحد بعدك. ~~والمراد هنا المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها. قال أهل اللغة: ~~الاستشارة مأخوذة من قول PageV01P393 # العرب: شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها، وقيل من قولهم: شرت العسل إذا ~~أخذته من موضعه. قال ابن خوزمنداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا ~~يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق ~~بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والعمال والوزراء ~~فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. وحكى القرطبي عن ابن عطية أنه لا خلاف ~~في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين. قوله (فإذا عزمت فتوكل على ~~الله) أي إذا عزمت عقب المشاورة على شئ واطمأنت به نفسك فتوكل على الله في ~~فعل ذلك: أي اعتمد عليه وفوض إليه، وقيل إن المعنى: فإذا عزمت على أمر أن ~~تمضي فيه فتوكل على الله لا على المشاورة. والعزم في الأصل قصد الإمضاء: أي ~~فإذا قصدت إمضاء أمر فتوكل على الله. وقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد " فإذا ~~عزمت " بضم التاء بنسبة العزم إلى الله تعالى: أي فإذا عزمت لك على شئ ~~وأرشدتك إليه فتوكل على الله. وقوله (إن ينصركم الله فلا غالب لكم) جملة ~~مستأنفة لتأكيد التوكل والحث عليه. والخذلان: # ترك العون: أي وإن يترك الله عونكم (فمن ذا الذي ينصركم من بعده) وهذا ~~الاستفهام إنكاري. والضمير في قوله (من بعده) راجع إلى الخذلان المدلول ~~عليه بقوله (وإن يخذلكم) أو إلى الله، ومن علم أنه لا ناصر له إلا الله ~~سبحانه وأن من نصره الله لا غالب له، ومن خذله لا ناصر له، فوض ms0666 أموره إليه ~~وتوكل عليه ولم يشتغل بغيره، وتقديم الجار والمجرور على الفعل في قوله ~~(وعلى الله فليتوكل المؤمنون) لإفادة قصره عليه. قوله (وما كان لنبي أن ~~يغل) أي ما صح له ذلك لتنافي الغلول والنبوة. قال أبو عبيد: الغلول من ~~المغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد، ومما يبين ذلك أنه يقال من ~~الخيانة أغل يغل، ومن الحقد غل يغل بالكسر، ومن الغلول غل يغل بالضم، يقال ~~غل المغنم غلولا: أي خان بأن يأخذ لنفسه شيئا يستره على أصحابه، فمعنى ~~الآية على القراءة بالبناء للفاعل: ما صح لنبي أن يخون شيئا من المغنم ~~فيأخذه لنفسه من غير اطلاع أصحابه، وفيه تنزيه الأنبياء عن الغلول. ومعناها ~~على القراءة بالبناء للمفعول: ما صح لنبي أن يغله أحد من أصحابه: أي يخونه ~~في الغنيمة، وهو على هذه القراءة الأخرى نهي للناس عن الغلول في المغانم، ~~وإنما خص خيانة الأنبياء مع كون خيانة غيرهم من الأئمة والسلاطين والأمراء ~~حراما، لأن خيانة الأنبياء أشد ذنبا وأعظم وزرا (ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة) أي يأت به حاملا له على ظهره كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيفضحه بين الخلائق، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول ~~والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد يطلع عليها أهل ~~المحشر وهي مجيئه يوم القيامة بما غله حاملا له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب ~~عليه. قوله (ثم توفي كل نفس ما كسبت) أي تعطي جزاء ما كسبت وافيا من خير ~~وشر، وهذه الآية تعم كل من كسب خيرا أو شرا، ويدخل تحتها الغال دخولا أوليا ~~لكون السياق فيه. قوله (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله) ~~الاستفهام للإنكار: أي ليس من اتبع رضوان الله في أوامره ونواهيه فعمل ~~بأمره واجتنب نهيه كمن باء: أي رجع بسخط عظيم كائن من الله بسبب مخالفته ~~لما أمر به ونهى عنه. ويدخل تحت ذلك من اتبع رضوان الله بترك الغلول ~~واجتنابه ومن ms0667 باء بسخط من الله بسبب إقدامه على الغلول. ثم أوضح ما بين ~~الطائفتين من التفاوت فقال (هم درجات عند الله) أي متفاوتون في الدرجات، ~~والمعنى: هم ذوو درجات، أو لهم درجات، فدرجات من اتبع رضوان الله ليست ~~كدرجات من باء بسخط من الله، فإن الأولين في أرفع الدرجات. والآخرين في ~~أسفلها. قوله (لقد من الله على المؤمنين) جواب قسم محذوف، وخص المؤمنين ~~لكونهم المنتفعين ببعثته. ومعنى (من أنفسهم) أنه عربي مثلهم، وقيل بشر ~~مثلهم، ووجه المنة على الأول: أنهم يفقهون عنه ويفهمون كلامه ولا يحتاجون ~~إلى ترجمان PageV01P394 # ومعناها على الثاني: أنهم يأنسون به بجامع البشرية، ولو كان ملكا لم يحصل ~~كمال الأنس به لاختلاف الجنسية، وقرئ (من أنفسهم) بفتح الفاء: أي من أشرفهم ~~لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل من ~~غيرهم، ولعل وجه الامتنان على هذه القراءة أنه لما كان من أشرفهم كانوا ~~أطوع له وأقرب إلى تصديقه، ولا بد من تخصيص المؤمنين في هذه الآية بالعرب ~~على الوجه الأول، وأما على الوجه الثاني فلا حاجة إلى هذا التخصيص، وكذا ~~على قراءة من قرأ بفتح الفاء لا حاجة إلى التخصيص، لأن بني هاشم هم أنفس ~~العرب والعجم في شرف الأصل وكرم النجار، ورفاعة المحتد. ويدل على الوجه ~~الأول قوله تعالى - هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم - وقوله - وإنه لذكر ~~لك ولقومك -. قوله (يتلو عليهم آياته) هذه منة ثانية أي يتلو عليهم القرآن ~~بعد أن كانوا أهل جاهلية لا يعرفون شيئا من الشرائع (ويزكيهم) أي يطهرهم من ~~نجاسة الكفر وهذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى، وهما في محل نصب على ~~الحال، أو صفة لرسول، وهكذا قوله (ويعلمهم الكتاب)، والمراد بالكتاب هنا ~~القرآن. والحكمة: السنة. وقد تقدم في البقرة تفسير ذلك (وإن كانوا من قبل) ~~أي من قبل محمد، أو من قبل بعثته (لفي ضلال مبين) أي واضح لا ريب فيه، ~~واللام للفرق بين إن المخففة من الثقيلة، وبين النافية، فهي تدخل في خبر ms0668 ~~المخففة لا النافية، واسمها ضمير الشأن، أي وإن الشأن والحديث، وقيل إنها ~~النافية، واللام بمعنى إلا: أي وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين، وبه قال ~~الكوفيون والجملة على التقديرين في محل نصب على الحال. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله تعالى (وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض) الآية، قال: هذا قول عبد ~~الله بن أبي ابن سلول والمنافقين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن مجاهد في ~~قوله (ليحمل الله ذلك حسرة في قلوبهم) قال: يحزنهم قولهم ولا ينفعهم شيئا. ~~وأخرجوا عن قتادة في قوله (فبما رحمة من الله) يقول: فبرحمة من الله (لنت ~~لهم). وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (لانفضوا من حولك) ~~قال: لانصرفوا عنك. وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب، قال السيوطي بسند حسن ~~عن ابن عباس: قال لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن الله جعلها رحمة لأمتي، ~~فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا ". وأخرج الحاكم ~~وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس (وشاورهم في الأمر). قال: أبو بكر ~~وعمر. وأخرج ابن مردويه عن علي قال " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن العزم، فقال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم ". وأخرج عبد بن حميد ~~وأبو داود والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت ~~هذه الآية (وما كان لنبي أن يغل) في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال بعض ~~الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها فنزلت. وأخرج البزار ~~وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس (وما كان لنبي أن يغل) قال: ما كان ~~لنبي أن يتهمه أصحابه. وقد ورد في تحريم الغلول أحاديث كثيرة. وأخرج ابن ~~جرير وابن ms0669 أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس (هم درجات عند الله) يقول: ~~بأعمالهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~عائشة في قوله (لقد من الله على المؤمنين) الآية، قالت: هذه للعرب خاصة. ~~PageV01P395 # قوله (أو لما أصابتكم مصيبة) الألف للاستفهام بقصد التقريع، والواو ~~للعطف. والمصيبة: الغلبة والقتل الذي أصيبوا به يوم أحد (قد أصبتم مثليها) ~~يوم بدر، وذلك أن الذين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعون. وقد كانوا قتلوا ~~من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، فكان مجموع القتلى والأسرى يوم ~~بدر مثلي القتلى من المسلمين يوم أحد، والمعنى: أحين أصابكم من المشركين ~~نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك جزعتم وقلتم من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا ~~بالنصر. وقوله (أنى هذا) أي من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل ونحن نقاتل ~~في سبيل الله، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وعدنا الله ~~بالنصر عليهم. وقوله (قل هو من عند أنفسكم) أمر لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بأن يجيب عن سؤالهم بهذا الجواب: أي هذا الذي سألتم عنه هو من ~~عند أنفسكم بسبب مخالفة الرماة لما أمرهم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~من لزوم المكان الذي عينه لهم، وعدم مفارقتهم له على كل حال - وقيل إن ~~المراد بقوله (هو من عند أنفسكم) خروجهم من المدينة. ويرده أن الوعد بالنصر ~~إنما كان بعد ذلك، وقيل هو اختيارهم الفداء يوم بدر على القتل، و (يوم ~~التقى الجمعان) يوم أحد: أي ما أصابكم يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة ~~(فبإذن الله) فبعلمه، وقيل بقضائه وقدره، وقيل بتخليته بينكم وبينهم، ~~والفاء دخلت في جواب الموصول لكونه يشبه الشرط كما قال سيبويه. وقوله ~~(وليعلم المؤمنين) عطف على قوله (فبإذن الله) عطف سبب على سبب. وقوله ~~(وليعلم الذين نافقوا) عطف على ما قبله، قيل أعاد الفعل لقصد تشريف ~~المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم وإلى المنافقين واحدا. والمراد ~~بالعلم هنا التمييز والإظهار، لأن علمه تعالى ms0670 ثابت قبل ذلك، والمراد ~~بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه. قوله (وقيل لهم) هو معطوف على ~~قوله (نافقوا) أي ليعلم الله الذين نافقوا والذين قيل لهم، وقيل هو كلام ~~مبتدأ: أي قيل لعبد الله بن أبي وأصحابه (تعالوا قاتلوا في سبيل الله) إن ~~كنتم ممن يؤمن بالله واليوم الآخر (أو ادفعوا) عن أنفسكم إن كنتم لا تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر، فأبوا جميع ذلك وقالوا: لو نعلم أنه سيكون قتالا ~~لاتبعناكم وقاتلنا معكم، ولكنه لا قتال هنالك، وقيل المعنى: لو كنا نقدر ~~على القتال ونحسنه لاتبعناكم ولكنا لا نقدر على ذلك ولا نحسنه. وعبر عن نفي ~~القدر على القتال بنفي العلم به لكونها مستلزمة له، وفيه بعد لا ملجئ إليه، ~~وقيل معناه: لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم، ولكن ما أنتم بصدده ~~ليس بقتال، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لعدم القدرة منا ومنكم على دفع ~~ما ورد من الجيش بالبروز إليهم والخروج من المدينة، وهذا أيضا فيه بعد دون ~~بعد ما قبله، وقيل معنى الدفع هنا تكثير سواد المسلمين، وقيل معناه رابطوا، ~~والقائل للمنافقين هذه المقالة التي حكاها الله سبحانه هو عبد الله بن عمرو ~~بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد الله. قوله (هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان) أي هم في هذا PageV01P396 # اليوم الذي انخذلوا فيه عن المؤمنين إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان عند ~~من كان يظن أنهم مسلمون، لأنهم قد بينوا حالهم وهتكوا أستارهم وكشفوا عن ~~نفاقهم إذ ذاك، وقيل المعنى أنهم لأهل الكفر يومئذ أقرب نصرة منهم لأهل ~~الإيمان. قوله (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) جملة مستأنفة مقررة ~~لمضمون ما تقدمها: أي أنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وذكر الأفواه ~~للتأكيد، مثل قوله - يطير بجناحيه -. قوله (الذين قالوا لإخوانهم) الخ: أي ~~هم الذين قالوا لإخوانهم على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون بدلا من ~~واو يكتمون، أو منصوبا على الذم، أو وصف للذين نافقوا. وقد تقدم معنى ~~(قالوا لإخوانهم) أي قالوا لهم ms0671 ذلك، والحال أن هؤلاء القائلين قد قعدوا عن ~~القتال (لو أطاعونا) بترك الخروج من المدينة ما قتلوا، فرد الله ذلك عليهم ~~بقوله (قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) والدرء: الدفع، أي لا ~~ينفع الحذر من القدر، فإن المقتول يقتل بأجله. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أو لما أصابتكم ~~مصيبة) الآية. يقول: إنكم قد أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا ~~منكم يوم أحد، وقد بين هذا عكرمة. فأخرج ابن جرير عنه قال: # قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل المشركون يوم ~~أحد من المسلمين سبعين. # وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: لما رأوا من قتل منهم يوم أحد ~~قالوا من أين هذا؟ ما كان للكفار أن يقتلوا منا، فلما رأى الله ما قالوا من ~~ذلك، قال الله: هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر. فردهم الله بذلك وعجل لهم ~~عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي ~~شيبة والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن علي قال: جاء جبريل ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع ~~قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب ~~أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن تقبل منهم عدتهم، فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الناس فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا ~~وإخواننا لا بل نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، ~~فليس في ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر. ~~وهذا الحديث في سنن الترمذي والنسائي هو من طريق أبي داود الحفري عن يحيى ~~بن زكريا بن أبي زائدة عن سفيان بن سعيد عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين ~~عن عبيدة عن علي: قال الترمذي بعد إخراجه: حسن غريب لا نعرفه إلا ms0672 من حديث ~~ابن أبي زائدة. # وروى أبو أسامة عن هشام نحوه. وروى عن ابن سيرين عن عبيدة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مرسلا وإسناد ابن جرير لهذا الحديث هكذا: حدثنا ~~القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون ح قال سنيد وهو ~~حسين، وحدثني حجاج عن جرير عن محمد عن عبيدة عن علي فذكره. وأخرج ابن أبي ~~حاتم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا قراد بن نوح، حدثنا عكرمة بن ~~عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: ~~لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم ~~الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنه، ~~وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله عز ~~وجل (أو لما أصابتكم مصيبة) الآية. وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن ~~بن غزوان وهو قراد بن نوح به، ولكن بأطول منه، ولكنه يشكل على حديث التخيير ~~السابق ما نزل من المعاتبة منه سبحانه وتعالى لمن أخذ الفداء بقوله: ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " وما روى من بكائه صلى الله عليه ~~وآله وسلم هو وأبو بكر ندما على أخذ الفداء، ولو كان أخذ ذلك PageV01P397 # بعد التخيير لهم من الله سبحانه لم يعاتبهم عليه، ولا حصل ما حصل من ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من الندم والحزن، ولا صوب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم رأى عمر رضي الله عنه، حيث أشار بقتل الأسرى وقال ما ~~معناه: لو نزلت عقوبة لم ينج منها إلا عمر، والجميع في كتب الحديث والسير. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس (قلتم أنى هذا) ونحن مسلمون نقاتل غضبا لله ~~وهؤلاء مشركون. فقال (قل هو من عند أنفسكم) عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حين قال لا تتبعوهم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله ms0673 (أو ~~ادفعوا) قال: كثروا بأنفسكم وإن لم تقاتلوا. وأخرج أيضا عن الضحاك نحوه. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله (أو ادفعوا) ~~قال: رابطوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وعن ابن شهاب وغيره قال: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا ~~بالشوط بين أحد والمدينة انخزل عنهم عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال ~~أطاعهم وعصاني، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا ههنا؟ فرجع بمن اتبعه من ~~أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة ~~يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضرهم عدوهم، ~~قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولا نرى أن يكون قتال. وأخرجه ابن ~~إسحاق قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم ~~ابن عمر بن قتادة والحسين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ وغيرهم من ~~علمائنا فذكره، وزاد أنهم لما استعصوا عليه وأبو إلا الانصراف قال: أبعدكم ~~الله أعداء الله فسيغني الله عنكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في قوله (لو نعلم قتالا لاتبعناكم) قال: لو نعلم أنا واجدون ~~معكم مكان قتال لاتبعناكم. # لما بين الله سبحانه أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحانا ليتميز ~~المؤمن من المنافق، والكاذب من الصادق، بين ههنا أن من لم ينهزم وقتل فله ~~هذه الكرامة والنعمة، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون، لا مما يخاف ~~ويحذر كما قالوا من حكى الله عنهم (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) ~~وقالوا (لو أطاعونا ما قتلوا) فهذه PageV01P398 # الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، أو لكل أحد، وقرئ بالياء التحتية: أي لا يحسبن حاسب. # وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل في ~~شهداء أحد، وقيل في ms0674 شهداء بدر، وقيل في شهداء بئر معونة. وعلى فرض أنها ~~نزلت في سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. # ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء حياة محققة. ثم اختلفوا، فمنهم من ~~يقول أنها ترد إليهم أرواحهم في قبورهم فيتنعمون. وقال مجاهد: يرزقون من ~~ثمر الجنة: أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وذهب من عدا الجمهور إلى أنها حياة ~~مجازية، والمعنى: أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة، والصحيح ~~الأول، ولا موجب للمصير إلى المجاز. وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم في ~~أجواف طيور خضر، وأنهم في الجنة يرزقون ويأكلون ويتمتعون وقوله (الذين ~~قتلوا) هو المفعول الأول. والحاسب هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أوكل ~~أحد كما سبق، وقيل يجوز أن يكون الموصول هو فاعل الفعل، والمفعول الأول ~~محذوف: أي لا تحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا وهذا تكليف لا حاجة إليه، ~~ومعنى النظم القرآني في غاية الوضوح والجلاء. وقوله (بل أحياء) خبر مبتدأ ~~محذوف أي بل هم أحياء. وقرئ بالنصب على تقدير الفعل: أي بل أحسبهم أحياء. ~~وقوله (عند ربهم) إما خبر ثان، أو صفة لأحياء، أو في محل نصب على الحال، ~~وقيل في الكلام حذف والتقدير: عند كرامة ربهم. قال سيبويه: # هذه عندية الكرامة لا عندية القرب. وقوله (يرزقون) يحتمل في إعرابه ~~الوجوه التي ذكرناها في قوله (عند ربهم) والمراد بالرزق هنا هو الرزق ~~المعروف في العادات على ما ذهب إليه الجمهور كما سلف، وعند من عدا الجمهور ~~المراد به الثناء الجميل، ولا وجه يقتضي تحريف الكلمات العربية في كتاب ~~الله تعالى وحملها على مجازات بعيدة، لا لسبب يقتضي ذلك. وقوله (فرحين) حال ~~من الضمير في يرزقون، وبما آتاهم الله من فضله متعلق به. وقرأ ابن السميفع ~~" فارحين " وهما لغتان كالفره والفاره، والحذر والحاذر. والمراد بما آتاهم ~~الله) ما ساقه الله إليهم من الكرامة بالشهادة، وما صاروا فيه من الحياة، ~~وما يصل إليهم من رزق الله سبحانه. (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم) من ~~إخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا ms0675 إذ ذاك. فالمراد باللحوق هنا أنهم لم ~~يلحقوا بهم في القتل والشهادة، بل سيلحقون بهم من بعد. وقيل المراد لم ~~يلحقوا بهم في الفضل وإن كانوا أهل فضل في الجملة، والواو في (ويستبشرون) ~~عاطفة على (يرزقون) أي يرزقون ويستبشرون، وقيل المراد بإخوانهم هنا جميع ~~المسلمين الشهداء وغيرهم، لأنهم لما عاينوا ثواب الله وحصل لهم اليقين ~~بحقية دين الإسلام استبشروا بذلك لجميع أهل الإسلام الذين هم أحياء لم ~~يموتوا وهذا أقوى، لأن معناه أوسع وفائدته أكثر، واللفظ يحتمله بل هو ~~الظاهر، وبه قال الزجاج وابن فورك. وقوله (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ~~بدل من الذين: أي يستبشرون بهذه الحالة الحاصلة لإخوانهم من أنه لا خوف ~~عليهم ولا حزن، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، ~~وكرر قوله (يستبشرون) لتأكيد الأول، ولبيان أن الاستبشار ليس لمجرد عدم ~~الخوف والحزن، بل به وبنعمة الله وفضله. والنعمة: ما ينعم الله به على ~~عباده. والفضل: ما يتفضل به عليهم، وقيل النعمة: الثواب، والفضل الزائد، ~~وقيل النعمة الجنة، والفضل داخل في النعمة ذكر بعدها لتأكيدها، وقيل إن ~~الاستبشار الأول متعلق بحال إخوانهم، والاستبشار الثاني بحال أنفسهم. قوله ~~(وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) قرأ الكسائي بكسر الهمزة من أن، وقرأ ~~الباقون بفتحها فعلى القراءة الأولى هو مستأنف اعتراض. وفيه دلالة على أن ~~الله لا يضيع أجر شئ من أعمال المؤمنين، ويؤيده قراءة ابن مسعود والله لا ~~يضيع أجر المؤمنين. وعلى القراءة الثانية الجملة عطف على فضل داخلة في جملة ~~ما يستبشرون به. وقوله (الذين استجابوا) صفة للمؤمنين، أو بدل منهم، أو من ~~الذين لم PageV01P399 # يلحقوا بهم، أو هو مبتدأ خبره (للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) ~~بجملته، أو منصوب على المدح وقد تقدم تفسير القرح. قوله (الذين قال لهم ~~الناس) المراد بالناس هنا نعيم بن مسعود كما سيأتي بيانه، وجاز إطلاق لفظ ~~الناس عليه لكونه من جنسهم، وقيل المراد بالناس ركب عبد القيس الذين مروا ~~بأبي سفيان، وقيل هم المنافقون. والمراد بقوله (إن ms0676 الناس قد جمعوا لكم) أبو ~~سفيان وأصحابه، والضمير في قوله (فزادهم) راجع إلى القول المدلول عليه، ~~بقال أو إلى المقول، وهو (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) أو إلى القائل، ~~والمعنى: # أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك ولا التفتوا إليه، بل أخلصوا لله وازدادوا ~~طمأنينة ويقينا. وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. قوله (وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل) حسب مصدر حسبه: أي كفاه وهو بمعنى الفاعل: أي محسب بمعنى ~~كافي. قال في الكشاف: والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول: هذا رجل ~~حسبك، فتصف به النكرة لأن إضافته لكونه بمعنى اسم الفاعل غير حقيقة انتهى. ~~والوكيل هو من توكل إليه الأمور، أي نعم الموكول إليه أمرنا، أو الكافي، أو ~~الكافل والمخصوص بالمدح محذوف: أي نعم الوكيل الله سبحانه. قوله (فانقلبوا) ~~هو معطوف على محذوف: أي فخرجوا إليهم فانقلبوا بنعمة هو متعلق بمحذوف وقع ~~حالا. والتنوين للتعظيم: # أي رجعوا متلبسين (بنعمة) عظيمة وهي السلامة من عدوهم وعافية (وفضل) أي ~~أجر تفضل الله به عليهم، وقيل ربح في التجارة، وقيل النعمة خاصة بمنافع ~~الدنيا، والفضل بمنافع الآخرة، وقد تقدم تفسيرهما قريبا بما يناسب ذلك ~~المقام لكون الكلام فيه مع الشهداء الذين قد صاروا في الدار الآخرة، ~~والكلام هنا مع الأحياء. # قوله (لم يمسسهم سوء) في محل نصب على الحال: أي سالمين عن سوء لم يصبهم ~~قتل ولا جرح ولا ما يخافونه (واتبعوا رضوان الله) في ما يأتون ويذرون، ومن ~~ذلك خروجهم لهذه الغزوة (والله ذو فضل عظيم) لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، ~~ومن تفضله عليهم تثبيتهم وخروجهم للقاء عدوهم وإرشادهم إلى أن يقولوا هذه ~~المقالة التي هي جالبة لكل خير ودافعة لكل شر. قوله (إنما ذلكم) أي المثبط ~~لكم أيها المؤمنون (الشيطان) هو خبر اسم الإشارة، ويجوز أن يكون الشيطان ~~صفة لاسم الإشارة والخبر قوله (يخوف أولياءه)، فعلى الأول يكون قوله (يخوف ~~أولياءه) جملة مستأنفة أو خالية، والظاهر أن المراد هنا الشيطان نفسه ~~باعتبار ما يصدر منه من الوسوسة المقتضية ms0677 للتثبيط، وقيل المراد به نعيم بن ~~مسعود لما قال لهم تلك المقالة، وقيل أبو سفيان لما صدر منه الوعيد لهم، ~~والمعنى أن الشيطان يخوف المؤمنين أولياءه وهم الكافرون، وقيل إن قوله ~~(أولياءه) منصوب بنزع الحافض أي يخوفكم بأوليائه أو من أوليائه، قاله ~~الفراء والزجاج وأبو علي الفارسي. ورده ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى ~~بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر. وعلى قول الفراء ومن معه ~~يكون مفعول يخوف محذوفا: أي يخوفكم. وعلى الأول يكون المفعول الأول محذوفا ~~والثاني مذكورا، ويجوز أن يكون المراد أن الشيطان يخوف أولياءه وهم ~~القاعدون من المنافقين فلا حذف. قوله (فلا تخافوهم) أي أولياءه الذين ~~يخوفكم بهم الشيطان، أو فلا تخافوا الناس المذكورين في قوله (إن الناس قد ~~جمعوا لكم) نهاهم سبحانه عن أن يخافوهم فيجبنوا عن اللقاء ويفشلوا عن ~~الخروج، وأمرهم بأن يخافوه سبحانه فقال (وخافون) فافعلوا ما آمركم به ~~واتركوا ما أنهاكم عنه لأني الحقيق بالخوف مني، والمراقبة لأمري ونهيي لكون ~~الخير والشر بيدي وقيده بقوله (إن كنتم مؤمنين) لأن الإيمان يقتضي ذلك. # وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية (ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله) في حمزة وأصحابه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ~~أبي الضحى أنها نزلت في قتلى أحد وحمزة منهم. PageV01P400 # وأخرج عبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لما ~~أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ~~وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا ~~طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله ~~لنا "، وفي لفظ " قالوا من يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ~~يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل ~~الله هؤلاء الآيات (ولا تحسبن الذين قتلوا) الآية ms0678 وما بعدها " وأخرج ~~الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله: أن أباه سأل الله سبحانه أن يبلغ ~~من وراءه ما هو فيه، فنزلت هذه الآية وهو من قتلى أحد. وقد روى من وجوه ~~كثيرة أن سبب نزول الآية قتلى أحد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أنس: أن ~~سبب نزول هذه الآية قتلى بئر معونة، وعلى كل حال فالآية باعتبار عموم لفظها ~~يدخل تحتها كل شهيد، وقد ثبت في أحاديث كثيرة في الصحيح وغيره أن أرواح ~~الشهداء في أجواف طيور خضر، وثبت في فضل الشهداء ما يطول تعداده ويكثر ~~إيراده مما هو معروف في كتب الحديث. وأخرج النسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم ~~والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا ~~محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم ارجعوا، فسمع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، أو ~~بئر أبي عتبة، شك سفيان، فقال المشركون: يرجع من قابل، فرجع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فكانت تعد غزوة، فأنزل الله سبحانه (الذين استجابوا ~~لله والرسول) الآية. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة في قوله تعالى ~~(الذين استجابوا لله والرسول) الآية، أنها قالت لعروة بن الزبير: يا بن ~~أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: من ~~يرجع في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون فيهم أبو بكر والزبير. وأخرج ابن إسحاق ~~وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمراء الأسد، وقد أجمع ~~أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وقالوا: ~~رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم، فبلغه أن النبي صلى ms0679 الله عليه ~~وآله وسلم خرج في أصحابه يطلبهم، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه، ومر ركب من ~~عبد القيس، فقال لهم أبو سفيان، بلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الرجعة على ~~أصحابه لنستأصلهم، فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم والمسلمون معه: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله في ذلك ~~(الذين استجابوا لله والرسول) الآيات. وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرا. فاحتمل الشيطان أولياءه من ~~الناس فمشوا في الناس يخوفونهم، وقالوا: إنا قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من ~~الناس مثل الليل يرجون أن يواقعوكم. والروايات في هذا الباب كثيرة قد ~~اشتملت عليها كتب الحديث والسير. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: ~~القرح الجراحات. وأخرج ابن جرير عن السدي أن أبا سفيان وأصحابه لقوا ~~أعرابيا فجعلوا له جعلا على أن يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~أنهم قد جمعوا لهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال هو ~~والصحابة: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله ~~فيهم وفي الأعرابي (الذين قال لهم الناس) الآية. وأخرج ابن مردويه عن أبي ~~رافع أن هذا الأعرابي من خزاعة. PageV01P401 # وقد ورد في فضل هذه الكملة أعني (حسبنا الله ونعم الوكيل) أحاديث منها ما ~~أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل " قال ابن ~~كثير بعد إخراجه: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج أبو نعيم عن شداد بن ~~أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " حسبي الله ونعم الوكيل، أمان ~~كل خائف ". وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن عائشة " أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان ms0680 إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء ~~وقال حسبي الله ونعم الوكيل ". وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا ~~(إن الناس قد جمعوا لكم). وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ~~أنه حدثهم " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضى ~~عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ردوا على الرجل، فقال: ما قلت؟ قال: قلت: # حسبي الله ونعم الوكيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله ~~يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل ~~". وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ؟ ثم ~~أمر أصحابه أن يقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا " وهو حديث ~~جيد. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (فانقلبوا بنعمة من ~~الله وفضل) قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيرا مرت، وكان في أيام ~~الموسم، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فربح مالا فقسمه بين ~~أصحابه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ~~الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: # أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة، والسوء: القتل. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله (لم يمسسهم سوء) ~~قال: لم يؤذهم أحد (واتبعوا رضوان الله) قال: أطاعوا الله ورسوله. وأخرج ~~ابن جرير من طريق العوفي عنه في قوله (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) ~~قال: يقول الشيطان يخوف بأوليائه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي ~~مالك قال: يعظم أولياءه في أعينكم. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة مثل قول ms0681 ابن ~~عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن: إنما كان ذلك تخويف الشيطان ولا يخاف ~~الشيطان إلا ولي الشيطان. PageV01P402 # قوله (ولا يحزنك) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ ابن محيصن بضم ~~الياء والزاي، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي، وهما لغتان، يقال حزنني ~~الأمر وأحزنني، والأولى أفصح. وقرأ طلحة (يسرعون) قيل هم قوم ارتدوا، فاغتم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، فسلاه الله سبحانه ونهاه عن الحزن، ~~وعلل ذلك بأنهم لن يضروا الله شيئا، وإنما ضروا أنفسهم بأن لاحظ لهم في ~~الآخرة ولهم عذاب عظيم، وقيل هم كفار قريش وقيل هم المنافقون، وقيل هو عام ~~في جميع الكفار. قال القشيري، والحزن على كفر الكافر طاعة، ولكن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يفرط في الحزن، فنهي عن ذلك كما قال الله تعالى - ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات - - فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا - وعدى السارعون بفي دون إلى للدلالة على أنهم مستقرون ~~فيه مديمون لملابسته، ومثله يسارعون في الخيرات. وقوله (إنهم لن يضروا الله ~~شيئا) تعليل للنهي، والمعنى: أن كفرهم لا ينقص من ملك الله سبحانه شيئا، ~~وقيل المراد لن يضروا أولياءه، ويحتمل أن يراد لن يضروا دينه الذي شرعه ~~لعباده، وشيئا منصوب على المصدرية: أي شيئا من الضرر، وقيل منصوب بنزع ~~الخافض: أي بشئ. والحظ: النصيب. قال أبو زيد: يقال رجل حظيظ إذا كان ذا حظ ~~من الرزق، والمعنى أن الله يريد أن لا يجعل لهم نصيبا في الجنة أو نصيبا من ~~الثواب، وصيغة الاستقبال للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها (ولهم عذاب ~~عظيم) بسبب مسارعتهم في الكفر فكان ضرر كفرهم عائدا عليهم جالبا لهم عدم ~~الحظ في الآخرة ومصيرهم في العذاب العظيم. قوله (إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان) أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وقد تقدم تحقيق هذه الاستعارة (لن ~~يضروا الله شيئا) معناه كالأول وهو للتأكيد لما تقدمه، وقيل إن الأول خاص ~~بالمنافقين، والثاني يعم جميع الكفار، والأول أولى. قوله (ولا يحسبن ms0682 الذين ~~كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم) قرأ ابن عامر وعاصم وغيرهما (يحسبن) ~~بالياء التحتية وقرأ حمزة بالفوقية، والمعنى على الأولى: لا يحسبن الكافرون ~~أنما نملي لهم بطول العمر ورغد العيش أو بما أصابوا من الظفر يوم أحد (خير ~~لأنفسهم) فليس الأمر كذلك بل إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين. ~~وعلى القراءة الثانية: لا تحسبن يا محمد أن الإملاء للذين كفروا بما ذكر ~~خير لأنفسهم، بل هو شر واقع عليهم ونازل بهم، وهو أن الإملاء الذي نمليه ~~لهم ليزدادوا إثما. فالموصول على القراءة الأولى فاعل الفعل، وأنما نملي ~~وما بعده ساد مسد مفعولي الحسبان عند سيبويه أو ساد مسد أحدهما، والآخر ~~محذوف عند الأخفش. وأما على القراءة الثانية فقال الزجاج: إن الموصول هو ~~المفعول الأول، وأنما وما بعدها بدل من الموصول ساد مسد المفعولين، ولا يصح ~~أن يكون أنما وما بعده هو المفعول الثاني، لأن المفعول الثاني في هذا الباب ~~هو الأول في المعنى. وقال أبو علي الفارسي: لو صح هذا لكان خيرا بالنصب ~~لأنه يصير بدلا من الذين كفروا، فكأنه قال: لا تحسبن إملاء الذين كفروا ~~خيرا. وقال الكسائي والفراء: إنه يقدر تكرير الفعل كأنه قال: ولا تحسبن ~~الذين كفروا ولا تحسبن أنما نملي لهم فسدت مسد المفعولين. وقال في الكشاف: ~~فإن قلت كيف صح مجئ البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار ~~بفعل الحسبان على مفعول واحد؟ قلت صح ذلك من حيث أن التعويل على البدل ~~والمبدل منه في حكم المنحي، ألا تراك تقول جعلت متاعك بعضه فوق PageV01P403 # بعض مع امتناع سكوتك على متاعك انتهى. وقرأ يحيى بن وثاب (إنما نملي) ~~بكسر إن فيهما وهي قراءة ضعيفة باعتبار العربية. وقوله (إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما) جملة مستأنفة مبينة لوجه الإملاء للكافرين. وقد احتج ~~الجمهور بهذه الآية على بطلان ما تقوله المعتزلة، لأنه سبحانه أخبر بأنه ~~يطيل أعمار الكفار ويجعل عيشهم رغدا ليزدادوا إثما. # قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر (إنما نملي) الأولى وفتح ms0683 الثانية، ~~ويحتج بذلك لأهل القدر لأنه منهم ويجعله على هذا التقدير: ولا يحسبن الذين ~~كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم. وقال في ~~الكشاف: إن ازدياد الإثم علة، وما كل علة بعرض ألا تراك تقول: قعدت عن ~~الغزو للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر وليس شئ يعرض لك وإنما هي ~~علل وأسباب. قوله (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه) كلام ~~مستأنف، والخطاب عند جمهور المفسرين للكفار والمنافقين: أي ما كان الله ~~ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق (حتى يميز الخبيث من ~~الطيب) وقيل الخطاب للمؤمنين والمنافقين: أي ما كان الله ليترككم على الحال ~~التي أنتم عليه من الاختلاط حتى يميز بعضكم من بعض، وقيل الخطاب للمشركين. ~~والمراد بالمؤمنين من في الأصلاب والأرحام: أي ما كان الله ليذر أولادكم ~~على ما أنتم عليه حتى يفرق بينكم وبينهم، وقيل الخطاب للمؤمنين: أي ما كان ~~الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى ~~يميز بينكم، وعلى هذا الوجه، والوجه الثاني يكون في الكلام التفات. وقرئ ~~(يميز) بالتشديد للمخفف، من ماز الشئ يميزه ميزا إذا فرق بين شيئين، فإن ~~كانت أشياء قيل ميزه تمييزا (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) حتى تميزوا ~~بين الطيب والخبيث فإنه المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول من رسله يجتبيه فيطلعه على شئ من غيبه فيميز بينكم كما وقع ~~من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من تعيين كثير من المنافقين، فإن ذلك كان ~~بتعليم الله له، لا بكونه أبي يعلم الغيب، وقيل المعنى: وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب في من يستحق النبوة، حتى يكون الوحي باختياركم (ولكن ~~الله يجتبي) أي يختار (من رسله من يشاء). قوله (فآمنوا بالله ورسله) أي ~~افعلوا الأيمان المطلوب منكم ودعوا الاشتغال بما ليس من شأنكم من التطلع ~~لعلم الله سبحانه (وإن تؤمنوا) بما ذكر (وتتقوا فلكم) عوضا عن ذلك ms0684 (أجر ~~عظيم) لا يعرف قدره ولا يبلغ كنهه. قوله (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم ~~الله من فضله هو خيرا لهم) الموصول في محل رفع على أنه فاعل الفعل على ~~قراءة من قرأ بالياء التحتية، والمفعول الأول محذوف: أي لا يحسبن الباخلون ~~البخل خيرا لهم. قاله الخليل وسيبويه والفراء. قالوا: وإنما حذف لدلالة ~~يبخلون عليه، ومن ذلك قول الشاعر: إذا نهى السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه ~~إلى خلاف أي جرى إلى السفه، فالسفيه دل على السفه. وأما على قراءة من قرأ ~~بالفوقية فالفعل مسند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمفعول الأول ~~محذوف: أي لا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم. قال الزجاج: هو مثل ~~- واسأل القرية - والضمير المذكور هو ضمير الفصل. قال المبرد: والسين في ~~قوله (سيطوقون ما بخلوا به) سين الوعيد، وهذه الجملة مبينة لمعنى قوله (بل ~~هو شر لهم) قيل ومعنى التطويق هنا أنه يكون ما بخلوا من المال طوقا من نار ~~في أعناقهم، وقيل معناه أنه سيحملون عقاب ما بخلوا به فهو من الطاقة وليس ~~من التطويق، وقيل المعنى: # أنهم يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق، يقال طوق فلان عمله طوق ~~الحمامة: أي ألزم محمد جزاء عمله، وقيل إن ما لم تؤد زكاته من المال يمثل ~~له شجاعا أقرع حتى يطوق به في عنقه كما ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قال القرطبي: والبخل في اللغة أن يمنع الإنسان الحق ~~الواجب، فأما من منع مالا يجب عليه فليس ببخيل. قوله (ولله ميراث السماوات ~~والأرض) أي له وحده لغيره كما يفيده التقديم. والمعنى: أن له ما فيهما مما ~~PageV01P404 # يتوارثه أهلها فما بالهم يبخلون بذلك ولا ينفقونه وهو لله سبحانه لا لهم ~~وإنما كان عندهم عارية مستردة، ومثل هذه الآية قوله تعالى - إنا نحن نرث ~~الأرض ومن عليها - وقوله - وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه -. والميراث في ~~الأصل هو ما يخرج من مالك إلى آخر ولم يكن مملوكا لذلك الآخر قبل انتقاله ms0685 ~~إليه بالميراث، ومعلوم أن الله سبحانه هو المالك بالحقيقة لجميع مخلوقاته. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد (إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان) قال: هم المنافقون وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: # ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة إن كان برا فقد ~~قال الله - وما عند الله خير للأبرار - وإن كان فاجرا فقد قال (ولا يحسبن ~~الذين كفروا) الآية. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن ~~كعب نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي برزة أيضا نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن السدي قال: قالوا إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن به منا ~~ومن يكفر، فأنزل الله (ما كان الله ليذر المؤمنين) الآية. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: يميز بينهم في الجهاد ~~والهجرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب) قال: ولا يطلع على الغيب إلا رسول. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (ولكن الله يجتبي) قال: يختص. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن مالك قال يستخلص. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (ولا يحسبن الذين يبخلون) قال: هم أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه ~~للناس. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: هم يهود. وأخرج ابن جرير عن السدى ~~قال: بخلوا أن ينفقوها في سبيل الله لم يؤدوا زكاتها. وأخرج البخاري عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من آتاه الله مالا فلم ~~يؤد زكاته، مثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم ms0686 القيامة، فيأخذ بلهزمته: ~~يعني بشدقه، فيقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية " وقد ورد هذا ~~المعنى في أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة يرفعونها. # قال أهل التفسير: لما أنزل الله - من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا - قال ~~قوم من اليهود هذه المقالة تمويها على ضعفائهم لا أنهم يعتقدون ذلك، لأنهم ~~أهل الكتاب، بل أرادوا أنه تعالى إن صح ما طلبه منا القرض على لسان ~~PageV01P405 # محمد فهو فقير ليشككوا على إخوانهم في دين الإسلام. وقوله (سنكتب ما ~~قالوا) سنكتبه في صحف الملائكة، أو سنحفظه. أو سنجازيهم عليه. والمراد ~~الوعيد لهم، وأن ذلك لا يفوت على الله، بل هو معد لهم يوم الجزاء. # وجملة سنكتب على هذا مستأنفة جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا صنع الله ~~بهؤلاء الذين سمع منهم هذا القول الشنيع؟ فقال: قال لهم (سنكتب ما قالوا). ~~وقرأ الأعمش وحمزة " سيكتب " بالمثناة التحتية مبني للمفعول. وقرآ برفع ~~اللام من " قتلهم " ويقول بالياء المثناة تحت. قوله (وقتلهم الأنبياء) عطف ~~على ما قالوا: أي ونكتب قتلهم الأنبياء: أي قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما ~~نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به، جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء تنبيها ~~على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء. قوله (ونقول) معطوف ~~على (سنكتب) أي ننتقم منهم بعد الكتابة بهذا القول الذي نقوله لهم في ~~النار، أو عند الموت، أو عند الحساب. والحريق: اسم للنار الملتهبة وإطلاق ~~الذوق على إحساس العذاب فيه مبالغة بليغة. وقرأ ابن مسعود " ويقال ذوقوا " ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى العذاب المذكور قبله، وأشار إلى القريب بالصيغة ~~التي يشار بها إلى البعيد للدلالة على بعد منزلته في الفظاعة وذكر الأيدي ~~لكونها المباشرة لغالب المعاصي. وقوله (وأن الله ليس بظلام للعبيد) معطوف ~~على (ما قدمت أيديكم) ووجه أنه سبحانه عذبهم بما أصابوا من الذنب وجازاهم ~~على فعلهم فلم يكن ذلك ظلما، أو بمعنى: أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف ~~يشاء، وليس بظالم لمن عذبه بذنبه وقيل إن وجهه أن نفى الظلم ms0687 مستلزم للعدل ~~المقتضى لإثابة المحسن ومعاقبة المسئ، ورد بأن ترك التعذيب مع وجود سببه، ~~ليس بظلم عقلا ولا شرعا، وقيل إن جملة قوله (وأن الله ليس بظلام للعبيد) في ~~محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي والأمر أن الله ليس بظلام للعبيد، ~~والتعبير بذلك عن نفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم عند أهل السنة ~~فضلا عن كونه ظلما بالغا لبيان تنزهه عن ذلك، ونفي ظلام المشعر بالكثرة ~~يفيد ثبوت أصل الظلم. وأجيب عن ذلك بأن الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ~~ظلما لكان عظيما فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا. قوله (الذين قالوا) هو ~~خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين قالوا وقيل نعت للعبيد وقيل منصوب على الذم، ~~وقيل هو في محل جر بدل من (لقد سمع الله قول الذين قالوا) وهو ضعيف، لأن ~~البدل هو المقصود دون المبدل منه، وليس الأمر كذلك هنا، والقائلون هؤلاء هم ~~جماعة من اليهود كما سيأتي، وهذا المقول وهو أن الله عهد إليهم أن لا ~~يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بالقربان هو من جملة دعاويهم الباطلة. وقد كان دأب ~~بني إسرائيل أنهم كانوا يقربون القربان، فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار من ~~السماء فتحرقه، ولم يتعبد الله بذلك كل أنبيائه ولا جعله دليلا على صدق ~~دعوى النبوة، ولهذا رد الله عليهم فقال (قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم) من القربان (فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) كيحيى بن زكريا ~~وشعياء وسائر لا من قتلوا من الأنبياء. والقربان: ما يتقرب به إلى الله من ~~نسيكة وصدقة وعمل صالح، وهو فعلان من القربة ثم سلى الله رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بقوله (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا) بمثل ما جئت ~~به من البينات. والزبر جمع زبور: وهو الكتاب، وقد تقدم تفسيره (والكتاب ~~المنير) الواضح الجلي المضئ، يقال نار الشئ وأنار ونوره واستناره بمعنى. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ms0688 عباس ~~قال: دخل أبو بكر بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له ~~فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم. فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص قبل اتق ~~الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في ~~التوراة، فقال فنحاص: PageV01P406 # والله أبا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وانه إلينا لفقير، وما نتضرع ~~إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنيا عنا ما استقرض منا ~~كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا عنا ما أعطانا ~~الربا، فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده ~~لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ~~يا رسول الله قال قولا عظيما، يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما ~~قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد فنحاص فقال: ما قلت ذلك، فأنزل ~~الله فيما قال فنحاص تصديقا لأبي بكر (لقد سمع الله قول الذين قالوا) ~~الآية، ونزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب - ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا - الآية. وقد أخرج هذه القصة ~~ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة، وأخرجها ابن جرير عن السدى بأخصر من ذلك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة من طريق سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس قال: # أتت اليهود محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حين أنزل الله (من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا) فقالوا: يا محمد أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل ~~الله الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة: أن القائل لهذه المقالة ~~حيى بن أخطب وأنها نزلت فيه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن العلاء ms0689 بن ~~بدر أنه سئل عن قوله (وقتلهم الأنبياء بغير حق) وهم لم يدركوا ذلك، قال: ~~بموالاتهم من قتل الأنبياء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد) قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله (الذين قالوا إن الله عهد إلينا) قال: هم ~~اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله (حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار) قال: يتصدق الرجل منا، فإذا تقبل منه أنزلت ~~عليه النار من السماء فأكلته. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (الذين ~~قالوا إن الله عهد إلينا) قال: كذبوا على الله. # وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (بالبينات) قال: الحلال والحرام ~~(والزبر) قال: كتب الأنبياء (والكتاب المنير) قال: هو القرآن. PageV01P407 # قوله (ذائقة) من الذوق، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: # من لم يمت غبطة يمت هرما * الموت كأس والمرء ذائقها وهذه الآية تتضمن ~~الوعد والوعيد للمصدق والمكذب بعد إخباره عن الباخلين القائلين (إن الله ~~فقير ونحن أغنياء). وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وابن أبي إسحاق (ذائقة ~~الموت) بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الجمهور بالإضافة. قوله (وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة) أجر المؤمن: الثواب، وأجر الكافر: العقاب: أي أن توفية ~~الأجور وتكميلها إنما تكون في ذلك اليوم، وما يقع من الأجور في الدنيا أو ~~في البرزخ فإنما هو بعض الأجور والزحزحة: التنحية، والإبعاد: تكرير الزح ~~وهو الجذب بعجلة، قاله في الكشاف وقد سبق الكلام عليه: # أي فمن بعد عن النار يومئذ ونحى فقد فاز: أي ظفر بما يريد ونجا مما يخاف، ~~وهذا هو الفوز الحقيقي الذي لا فوز يقاربه، فإن كل فوز وإن كان بجميع ~~المطالب دون الجنة ليس بشئ بالنسبة إليها اللهم لا فوز إلا فوز الآخرة، ولا ~~عيش إلا عيشها، ولا نعيم إلا نعيمها، فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا وارض عنا ~~رضا لا سخط بعده، واجمع لنا بين الرضا منك علينا والجنة. والمتاع: ms0690 ما يتمتع ~~به الإنسان وينتفع به ثم يزول ولا يبقى كذا قال أكثر المفسرين الغرور: ~~الشيطان يغر الناس بالأماني الباطلة والمواعيد الكاذبة، شبه سبحانه الدنيا ~~بالمتاع الذي يدلس به على من يريده، وله ظاهر محبوب وباطن مكروه. قوله ~~(لتبلون في أموالكم وأنفسكم) هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأمته تسلية لهم عما سيلقونه من الكفرة والفسقة ليوطنوا أنفسهم على الثبات ~~والصبر على المكاره والابتلاء الامتحان والاختبار، والمعنى: لتمتحنن حديث ~~ولتختبرن في أموالكم بالمصائب، والانفاقات الواجبة وسائر التكاليف الشرعية ~~المتعلقة بالأموال. والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحباب ~~والقتل في سبيل الله. وهذه الجملة جواب قسم محذوف دلت عليه اللام الموطئة ~~(ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) وهم اليهود والنصارى (ومن الذين ~~أشركوا) وهم سائر الطوائف الكفرية من غير أهل الكتاب (أذى كثيرا) من الطعن ~~في دينكم وأعراضكم، والإشارة بقوله (فإن ذلك) إلى الصبر والتقوى المدلول ~~عليهما بالفعلين. وعزم الأمور: # معزوماتها، أي مما يجب عليكم أن تعزموا عليه لكونه عزمة من عزمات الله ~~التي أوجب عليهم القيام بها، يقال عزم الأمر: أي شده وأصلحه. قوله (وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) هذه الآية توبيخ لأهل الكتاب وهم اليهود ~~والنصارى، أو اليهود فقط على الخلاف في ذلك - والظاهر أن المراد بأهل ~~الكتاب كل من آتاه الله علم شئ من الكتاب: أي كتاب كان كما يفيده التعريف ~~الجنسي في الكتاب. قال الحسن وقتادة: إن الآية عامة لكل عالم، وكذا قال ~~محمد بن كعب، ويدل على ذلك قول أبي هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ~~ما حدثكم بشئ، ثم تلا هذه الآية، والضمير في قوله (لتبيننه) راجع إلى ~~الكتاب، وقيل راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يتقدم له ذكر، ~~لأن الله أخذ على اليهود والنصارى أن يبينوا نبوته للناس ولا يكتموها ~~(فنبذوه وراء ظهورهم). وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل المدينة ~~" ليبيننه " بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية. وقرأ ابن عباس ms0691 ~~(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبيننه) ويشكل على هذه القراءة قوله (فنبذوه) ~~فلا بد من أن يكون فاعله الناس. وفي قراءة ابن مسعود " لتبينونه " والنبذ: ~~الطرح وقد تقدم في البقرة. وقوله (وراء ظهورهم) مبالغة في النبذ والطرح، ~~وقد تقدم أيضا معنى قوله (واشتروا به ثمنا قليلا) والضمير عائد إلى الكتاب ~~PageV01P408 # الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه. وقوله (ثمنا قليلا) أي حقيرا يسيرا ~~من حطام الدنيا وأعراضها، قوله (فبئس ما يشترون) ما نكرة منصوبة مفسرة ~~لفاعل بئس، ويشترون صفة، والمخصوص بالذم محذوف: أي بئس شيئا يشترونه بذلك ~~الثمن. قوله (لا تحسبن الذين يفرحون قرأ الكوفيون بالتاء الفوقية والخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له. وقوله (بما أتوا) ~~أي بما فعلوا. وقد اختلف في سبب نزول الآية كما سيأتي، والظاهر شمولها لكل ~~من حصل منه ما تضمنته عملا بعموم الفظ، وهو المعتبر دون خصوص السبب، فمن ~~فرح بما فعل وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل فلا تحسبنه بمفازة من العذاب. ~~وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير وأبو عمرو " ولا يحسبن " بالياء التحتية: أي ~~لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب، فالمفعول الأول محذوف وهو ~~فرحهم، والمفعول الثاني بمفازة من العذاب. وقوله (فلا تحسبنهم) تأكيد للفعل ~~الأول على القراءتين، والمفازة: المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا: أي ~~ليسوا بفائزين سمي موضع الخوف مفازة على جهة التفاؤل قاله الأصمعي. وقيل ~~لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب: فوز الرجل إذا مات. قال ثعلب: # حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ. قال لي أبو المكارم: إنما ~~سميت مفازة لأن من قطعها فاز. # وقال ابن الأعرابي: بل لأنه مستسلم لما أصابه. وقيل المعنى: لا تحسبنهم ~~بمكان بعيد من العذاب، لأن الفوز التباعد عن المكروه. وقرأ مروان بن الحكم ~~والأعمش وإبراهيم النخعي " آتوا " بالمد: أي يفرحون بما أعطوا. وقرأ جمهور ~~القراء السبعة وغيرهم " أتوا " بالقصر. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن حبان ms0692 وابن ~~جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ~~اقرءوا إن شئتم (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا ~~إلا متاع الغرور) ". وأخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد مرفوعا نحوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري في قوله (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم) قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأصحابه في شعره. وأخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن ~~عبد الرحمن بن كعب بن مالك مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن جريج في الآية قال: يعني اليهود والنصارى، فكان المسلمون يسمعون من ~~اليهود قولهم - عزير ابن الله -، ومن النصارى قولهم - المسيح ابن الله - ~~(وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) قال: من القوة مما عزم الله ~~عليه وأمركم به. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله (وإذا أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) قال: فنحاص وأشيع وأشباههما ~~من الأحبار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في ~~قوله (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) قال: كان الله ~~أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية ~~قال: في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده وأن ~~محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فنبذوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: هم ~~اليهود (لتبيننه للناس) قال: محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن ~~جرير عن السدي مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في الآية قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم ~~علما ms0693 فليعلمه الناس، وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة. وأخرج ابن ~~سعد عن الحسن قال: لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم ~~بكثير مما تسألون عنه. وأخرج البخاري ومسلم PageV01P409 # وغيرهما: أن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل ~~امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، فقال ~~ابن عباس: مالكم ولهذه الآية، إنما أنزلت في أهل الكتاب، ثم تلا (وإذا أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) الآية، قال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن شئ فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد ~~أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما ~~سألهم عنه. وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من ~~المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغزو ~~وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ~~وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت. # وقد روى أنها نزلت في فنحاص وأشيع وأشباههما. وروى أنها نزلت في اليهود. ~~وأخرج مالك وابن سعد والطبراني والبيهقي في الدلائل عن محمد بن ثابت أن ~~ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال: # لم؟ قال: قد نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل وأجدني أحب الحمد، ~~ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك ~~وأنا رجل جهير الصوت، فقال: يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا ~~وتدخل الجنة؟ فعاش حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب. وأخرج ابن المنذر ~~عن الضحاك في قوله (بمفازة) قال: بمنجاة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله. # قوله (إن في خلق السماوات) هذه جملة مستأنفة لتقرير اختصاصه سبحانه بما ~~ذكره فيها. والمراد ذات السماوات والأرض ms0694 وصفاتهما (واختلاف الليل والنهار) ~~أي تعاقبهما، وكون كل واحد منهما يخلف الآخر، وكون زيادة أحدهما في نقصان ~~الآخر وتفاوتهما طولا وقصرا وحرا وبردا وغير ذلك (لآيات) أي دلالات واضحة ~~وبراهين بينة تدل على الخالق سبحانه. وقد تقدم تفسير بعض ما هنا في سورة ~~البقرة. والمراد بأولي الألباب: أهل العقول الصحيحة الخالصة عن شوائب ~~النقص، فإن مجرد التفكر فيما قصه الله في هذه الآية يكفي العاقل ويوصله إلى ~~الإيمان الذي لا تزلزله الشبه ولا تدفعه التشكيكات. قوله (الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) الموصول نعت لأولي الألباب - وقيل هو مفصول ~~عنه خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على المدح. والمراد بالذكر هنا ذكره سبحانه ~~في هذه الأحوال من غير فرق بين حال الصلاة وغيرها. وذهب جماعة من المفسرين ~~إلى أن الذكر PageV01P410 # هنا عبارة عن الصلاة: أي لا يضيعونها في حال من الأحوال فيصلونها قياما ~~مع عدم العذر، وقعودا وعلى جنوبهم مع العذر. قوله (ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض) معطوف على قوله (يذكرون) وقيل إنه معطوف على الحال، أعني ~~(قياما وقعودا) وقيل إنه منقطع عن الأول، والمعنى: أنهم يتفكرون في بديع ~~صنعهما وإتقانهما مع عظم أجرامها فإن هذا الفكر إذا كان صادقا أوصلهم إلى ~~الإيمان بالله سبحانه. قوله (ربنا ما خلقت هذا باطلا) هو على تقدير القول: ~~أي يقولون ما خلقت هذا عبثا ولهوا، بل خلقته دليلا على حكمتك وقدرتك. # والباطل: الزائل الذاهب، ومنه قول لبيد: ألا كل شئ ما خلا الله باطل * ~~وهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي خلقا باطلا، وقيل منصوب بنزع ~~الخافض، وقيل هو مفعول ثان، وخلق بمعنى جعل، أو منصوب على الحال، والإشارة ~~بقوله (هذا) إلى السماوات والأرض، أو إلى الخلق على أنه بمعنى المخلوق. ~~قوله (سبحانك) أي تنزيها لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها أن ~~يكون خلقك لهذه المخلوقات باطلا. وقوله (فقنا عذاب النار) الفاء لترتيب هذا ~~الدعاء على ما قبله. وقوله (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) تأكيد لما ms0695 ~~تقدمه من استدعاء الوقاية من النار منه سبحانه، وبيان للسبب الذي لأجله ~~دعاه عباده بأن يقيهم عذاب النار، وهو أن من أدخله النار فقد أخزاه، أي ~~أذله وأهانه. وقال المفضل: معنى أخزيته أهلكته، وأنشد أخزى الإله بني ~~الصليب عنيزة * واللابسين ملابس الرهبان وقيل معناه: فضحته وأبعدته، يقال ~~أخزاه الله: أبعده ومقته، والاسم الخزي. قال ابن السكيت: خزى يخزى خزيا: ~~إذا وقع في بلية. قوله (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان) المنادي عند ~~أكثر المفسرين هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل هو القرآن، وأوقع ~~السماع على المنادي مع كون المسموع هو النداء لأنه قد وصف المنادي بما ~~يسمع، وهو قوله (ينادي للإيمان أن آمنوا). وقال أبو علي الفارسي: إن " ~~ينادي " هو المفعول الثاني وذكر ينادي مع أنه قد فهم من قوله (مناديا) لقصد ~~التأكيد والتفخيم لشأن هذا المنادى به، واللام في قوله (للإيمان) بمعنى ~~إلى، وقيل إن ينادي يتعدى باللام وبإلى، يقال ينادي لكذا وينادي إلى كذا، ~~وقيل اللام للعلة: أي لأجل الإيمان. قوله (أن آمنوا) هي إما تفسيرية أو ~~مصدرية وأصلها بأن آمنوا فحذف حرف الجر. # قوله (فآمنا) أي امتثلنا ما يأمر به هذا المنادي من الإيمان فآمنا، ~~وتكرير النداء في قوله (ربنا) لإظهار التضرع والخضوع، قيل المراد بالذنوب ~~هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر. والظاهر عدم اختصاص أحد اللفظين بأحد ~~الأمرين، والآخر بالآخر، بل يكون المعنى في الذنوب والسيئات واحدا، ~~والتكرير للمبالغة والتأكيد، كما أن معنى الغفر والكفر الستر. والأبرار جمع ~~بار أو بر، وأصله من الاتساع، فكأن البار متسع في طاعة الله ومتسعة له ~~رحمته، قيل هم الأنبياء، ومعنى اللفظ أوسع من ذلك. قوله (ربنا وآتنا ما ~~وعدتنا على رسلك) هذا دعاء آخر والنكتة في تكرير النداء ما تقدم والموعود ~~به على ألسن الرسل هو الثواب الذي وعد الله به أهل طاعته، ففي الكلام حذف ~~وهو لفظ الألسن كقوله - واسأل القرية - وقيل المحذوف التصديق: أي ما وعدتنا ~~على تصديق رسلك، وقيل ما وعدتنا منزلا على رسلك، أو محمولا ms0696 على رسلك والأول ~~أولى. وصدور هذا الدعاء منهم مع علمهم أن ما وعدهم الله به على ألسن رسله ~~كائن لا محالة، إما لقصد التعجيل أو للخضوع بالدعاء لكونه مخ العبادة، وفي ~~قولهم (إنك لا تخلف الميعاد) دليل على أنهم لم يخافوا خلف الوعد، وأن ~~الحامل لهم على الدعاء هو ما ذكرنا. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: أتت قريش اليهود فقالوا ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا عصاه ويده ~~بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى PageV01P411 # فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فأتوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، ~~فنزلت (إن في خلق السماوات والأرض) الآية. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من ~~حديث ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فنام رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ فجعل يمسح ~~النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ~~ختم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والطبراني والحاكم في الكنى، ~~والبغوي في معجم الصحابة عن صفوان بن المعطل قال: كنت مع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في سفر فذكر نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في ~~قوله (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) الآية، قال: إنما هذه ~~في الصلاة إذا لم يستطع قائما فقاعدا، وإن لم يستطع قاعدا فعلى جنبه. # وقد ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين قال: " كانت بي بواسير، فسألت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فقال: صل قائما فإن لم تستطع ~~فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب ". وثبت فيه عنه قال: " سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلى قائما فهو أفضل، ~~ومن صلى قاعدا ms0697 فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد ". ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية ~~قال: هذه حالاتك كلها يا بن آدم، أذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره ~~جالسا فإن لم تستطع جالسا فاذكره وأنت على جنبك، يسر من الله وتخفيف. # وأقول هذا التقييد الذي ذكره بعدم الاستطاعة مع تعميم الذكر لا وجه له لا ~~من الآية ولا من غيرها، فإنه لم يرد في شئ من الكتاب والسنة ما يدل على أنه ~~لا يجوز الذكر من القعود إلا مع عدم استطاعة الذكر من قيام، ولا يجوز على ~~جنب إلا مع عدم الاستطاعة من قعود، وإنما يصلح هذا التقييد لمن جعل المراد ~~بالذكر هنا الصلاة كما سبق عن ابن مسعود. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن حبان في صحيحه وابن مردويه عن عائشة مرفوعا: ويل لمن قرأ هذه الآية ~~ولم يتفكر فيها. وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعه " من قرأ ~~آخر سورة آل عمران فلم يتفكر فيها ويله فعد أصابعه عشرا ". قيل للأوزاعي: ~~ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن. وقد وردت أحاديث وآثار عن ~~السلف في استحباب التفكر مطلقا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس في ~~قوله (من تدخل النار فقد أخزيته) قال: من تخلد. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب في الآية قال: هذه خاصة بمن ~~لا يخرج منها. وأخرج ابن جرير والحاكم عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا ~~جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت: - وما هم بخارجين ~~من النار - قال: # أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم الكفار، قلت لجابر: فقوله ~~(إنك من تدخل النار فقد أخزيته) قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ~~ذلك خزيا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله ~~(مناديا ينادي ms0698 للإيمان) قال: هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن زيد مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: هو القرآن، ليس كل أحد سمع النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في ~~قوله (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) قال: يستنجزون موعد الله على رسله. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~تخزنا يوم القيامة) قال: لا تفضحنا. PageV01P412 # قوله (فاستجاب) الاستجابة بمعنى الإجابة، وقيل الإجابة عامة، والاستجابة ~~خاصة بإعطاء المسؤول، وهذا الفعل يتعدى بنفسه وباللام، يقال استجابه، ~~واستجاب له، والفاء للعطف، وقيل على مقدر: أي دعوا بهذه الأدعية فاستجاب ~~لهم، وقيل على قوله (ويتفكرون) وإنما ذكر سبحانه الاستجابة وما بعدها في ~~جملة ما لهم من الأوصاف الحسنة لأنها منه، إذ من أجيبت دعوته فقد رفعت ~~درجته. قوله (أنى لا أضيع عمل عامل منكم) أي بأني، وقرأ عيسى بن عمرو بكسر ~~الهمزة على تقدير القول، وقرأ أبي بثبوت الباء وهي للسببية: أي فاستجاب لهم ~~ربهم بسبب أنه لا يضيع عمل عامل منهم. والمراد بالإضاعة ترك الإثابة. قوله ~~(من ذكر أو أنثى) من بيانية ومؤكدة لما تقتضيه النكرة الواقعة في سياق ~~النفي من العموم. قوله (بعضكم من بعض) أي رجالكم مثل نسائكم في الطاعة ~~ونساؤكم مثل رجالكم فيها، والجملة معترضة لبيان كون كل منهما من الآخر ~~باعتبار تشعبهما من أصل واحد. قوله (فالذين هاجروا) الآية، هذه الجملة ~~تتضمن تفصيل ما أجمل في قوله (أنى لا أضيع عمل عامل) أي فالذين هاجروا من ~~أوطانهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وأخرجوا من ديارهم) في ~~طاعة الله عز وجل (وقاتلوا) أعداء الله (وقتلوا) في سبيل الله، وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر " وقتلوا " على التكثير وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي " ~~وقتلوا وقاتلوا " وهو مثل قول الشاعر: تصابى إلا وأمسى علاه الكبر ms0699 * أي قد ~~علاه الكبر، وأصل الواو لمطلق الجمع بلا ترتيب كما قال به الجمهور. والمراد ~~هنا: أنهم قاتلوا وقتل بعضهم، كما قال امرؤ القيس: فإن تقتلونا نقتلكمو ~~وقرأ عمر بن عبد العزيز " وقتلوا وقتلوا ". ومعنى قوله (وأذوا في سبيلي) أي ~~بسببه والسبيل: الدين الحق. # والمراد هنا: ما نالهم من الأذية من المشركين بسبب إيمانهم بالله وعملهم ~~بما شرعه الله لعباده. وقوله (لأكفرن) جواب قسم محذوف. وقوله (ثوابا من عند ~~الله) مصدر مؤكد عند البصريين، لأن معنى قوله (لأدخلنهم جنات) لأثيبنهم ~~ثوابا: أي إثابة أو تثويبا كائنا من عند الله. وقال الكسائي: إنه منتصب على ~~الحال. وقال الفراء: على التفسير (والله عنده حسن الثواب) أي حسن الجزاء، ~~وهو ما يرجع على العامل من جزاء عمله من ثاب يثوب: # إذا رجع. # وقد أخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت: يا رسول الله لا أسمع ~~الله ذكر النساء في الهجرة بشئ، فأنزل الله (فاستجاب لهم) إلى آخر الآية. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال " ما من عبد يقول يا رب يا رب يا رب ثلاث ~~مرات إلا نظر الله إليه " فذكر للحسن فقال: أما تقرأ القرآن؟ (ربنا إننا ~~سمعنا مناديا) إلى قوله (فاستجاب لهم ربهم). وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة ~~قالت: آخر آية نزلت هذه الآية (فاستجاب لهم ربهم) إلى آخرها. وقد ورد في ~~فضل الهجرة أحاديث كثيرة. PageV01P413 # قوله (لا يغرنك) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمراد تثبيته على ~~ما هو عليه كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) أو خطاب لكل أحد، وهذه ~~الآية متضمنة لقبح حال الكفار بعد ذكر حسن حال المؤمنين، والمعنى: لا يغرنك ~~ما هم فيه من تقلبهم في البلاد بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في ~~معاشهم، فهو متاع قليل يتمتعون به في هذه الدار ثم مصيرهم إلى جهنم، فقوله ~~(متاع) خبر مبتدأ محذوف: أي هو متاع قليل لا اعتداد به ms0700 بالنسبة إلى ثواب ~~الله سبحانه (ومأواهم) أي ما يأوون إليه. والتقلب في البلاد: الاضطراب في ~~الاسفار إلى الأمكنة، ومثله قوله تعالى - فلا يغررك تقلبهم في البلاد - ~~والمتاع ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلا لأنه فان، وكل فان وإن كان كثيرا ~~فهو قليل. وقوله (وبئس المهاد) ما مهدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم، أو ما مهد ~~الله لهم من النار، فالمخصوص بالذم محذوف: وهو هذا المقدر. قوله (لكن الذين ~~اتقوا ربهم) هو استدراك مما تقدمه، لأن معناه معنى النفي كأنه قال: ليس لهم ~~في تقلبهم في البلاد كثير انتفاع (لكن الذين اتقوا) لهم الانتفاع الكثير ~~والخلد الدائم. وقرأ يزيد بن القعقاع لكن بتشديد النون. قوله (نزلا) مصدر ~~مؤكد عند البصريين كما تقدم في " ثوابا " وعند الكسائي والفراء مثل ما قالا ~~في ثوابا، والنزل ما يهيأ للنزيل، والجمع أنزال، قال الهروي (نزلا من عند ~~الله) أي ثوابا من عند الله (وما عند الله) مما أعده لمن أطاعه (خير ~~للأبرار) مما يحصل للكفار من الربح في الأسفار فإنه متاع قليل عن قريب ~~يزول. قوله (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) هذه الجملة سيقت لبيان أن ~~بعض أهل الكتاب لهم حظ من الدين، وليسوا كسائرهم في فضائحهم التي حكاها ~~الله عنهم فيما سبق وفيما سيأتي، فإن هذه البعض يجمعون بين الإيمان بالله ~~وبما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزله على ~~أنبيائهم حال كونهم (خاشعين لله لا يشترون) أي يستبدلون (بآيات الله ثمنا ~~قليلا) بالتحريف والتبديل كما يفعله سائرهم بل يحكون كتب الله سبحانه كما ~~هي، والإشارة بقوله (أولئك) إلى هذه الطائفة الصالحة من أهل الكتاب من حيث ~~اتصافهم بهذه الصفات الحميدة (لهم أجرهم) الذي وعد الله سبحانه به بقوله - ~~أولئك يؤتون أجرهم مرتين - وتقديم الخبر يفيد اختصاص ذلك الأجر بهم. وقوله ~~(عند ربهم) في محل نصب على الحال. قوله (يا أيها الذين آمنوا اصبروا) الخ. ~~هذه الآية العاشرة من قوله سبحانه (إن في خلق السماوات) ختم بها هذه ms0701 السورة ~~لما اشتملت عليه من الوصايا التي جمعت خير الدنيا والآخرة، فحض على الصبر ~~على الطاعات والشهوات، والصبر: الحبس، وقد تقدم تحقيق معناه. والمصابرة ~~مصابرة الأعداء، قاله الجمهور: أي غالبوهم في الصبر على الشدائد الحرب، وخص ~~المصابرة بالذكر بعد أن ذكر الصبر لكونها أشد منه وأشق. وقيل المعنى صابروا ~~على الصلوات، وقيل PageV01P414 # صابروا الأنفس عن شهواتها، وقيل صابروا الوعد الذي وعدتم ولا تيأسوا، ~~والقول الأول هو المعنى العربي، ومنه قول عنترة: # فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا * ولا كافحوا مثل الذين نكافح أي صابروا ~~العدو في الحرب. قوله (ورابطوا) أي أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها كما ~~يربطها أعداؤكم وهذا قول جمهور المفسرين. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه ~~الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم غزو يرابط فيه، وسيأتي ذكر من خرج عنه هذا، والرباط اللغوي ~~هو الأول، ولا ينافيه تسميته صلى الله عليه وآله وسلم لغيره رباطا كما ~~سيأتي. ويمكن إطلاق الرباط على المعنى الأول، وعلى انتظار الصلاة. قال ~~الخليل: الرباط ملازمة الثغور ومواظبة الصلاة هكذا قال، وهو من أئمة اللغة. ~~وحكى ابن فارس عن الشيباني أنه قال: يقال ماء مترابط دائم لا يبرح، وهو ~~يقتضي تعدية الرباط إلى غير ارتباط الخيل في الثغور. قوله (واتقوا الله) ~~فلا تخالفوا ما شرعه لكم (لعلكم تفلحون) أي تكونون من جملة الفائزين بكل ~~مطلوب، وهم المفلحون. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله (لا يغرنك تقلب الذين ~~كفروا) تقلب ليلهم ونهارهم وما يجري عليهم من النعم، قال عكرمة: قال ابن ~~عباس وبئس المهاد: أي بئس المنزل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى ~~في قوله (تقلبهم في البلاد) قال ضربهم في البلاد. وأخرج عبد ابن حميد ~~والبخاري في الأدب المفرد وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله (وما عند الله ~~خير للأبرار) قال إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما ~~أن لوالدك ms0702 عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا. وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا، ~~والأول أصح قال السيوطي. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد (خير للأبرار) لمن يطيع ~~الله. وأخرج النسائي والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس ~~قال: لما مات النجاشي قال صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا عليه قالوا يا ~~رسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل الله (وإن من أهل الكتاب) الآية. وأخرج ~~ابن جرير عن جابر مرفوعا أن المنافقين قالوا: انظروا إلى هذا يعني النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على علج نصراني، فنزلت. وأخرج الحاكم وصححه ~~عن عبد الله بن الزبير أنها نزلت في النجاشي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال: # هم مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ~~قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد والذين اتبعوا محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وأخرج ابن المبارك وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ما قدمنا ذكره. وأخرج ابن ~~مردويه عنه عن أبي هريرة قال: أما إنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون لمساجد يصلون ~~الصلوات في مواقيتها ثم يذكرون الله فيها. وقد ثبت في الصحيح وغيره من قول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ~~ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطأ إلى المساجد، ~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ". ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: ~~اصبروا على دينكم وصابروا، الوعد الذي وعدتكم ورابطوا عدوى وعدوكم. وقد روى ~~من تفاسير السلف غير هذا في سر الصبر على نوع من أنواع الطاعات والمصابرة ~~على نوع آخر، ولا تقوم بذلك حجة، فالواجب الرجوع إلى المدلول اللغوي وقد ~~قدمناه. # وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الرباط وفيها ms0703 التصريح بأنه الرباط في سبيل ~~الله، وهو يرد ما قاله أبو سلمة بن PageV01P415 # عبد الرحمن، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ندب إلى الرباط في ~~سبيل الله وهو الجهاد فيحمل ما في الآية عليه، وقد ورد عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه سمى حراسة جيش المسلمين رباطا، فأخرج الطبراني في الأوسط ~~بسند جيد عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أجر ~~المرابط فقال: من رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن ~~صام وصلى. # وقد ورد في فضل هذه العشر الآيات التي في آخر هذه السورة مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أخرجه ابن السني وابن مردويه وابن عساكر ~~عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ عشر آيات من ~~آخر سورة آل عمران كل ليلة ". وفي إسناده مظاهر بن أسلم، وهو ضعيف. وقد ~~تقدم من حديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ ~~هذه العشر الآيات لما استيقظ. وكذلك تقدم في غير الصحيحين من رواية صفوان ~~بن المعطل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج الدارمي عن عثمان بن ~~عفان قال: " من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة ". # سورة النساء هي مدنية كلها. قال القرطبي: إلا آية واحدة نزلت بمكة عام ~~الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها) على ما سيأتي إن شاء الله، قال النقاش: وقيل نزلت عند ~~هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة، وعلى ما تقدم ~~عن بعض أهل أعلم أن قوله تعالى (يا أيها الناس) حيثما وقع، فإنه مكي يلزم ~~أن يكون صدر هذه السورة مكيا، وبه قال علقمة وغيره. وقال النحاس: هذه الآية ~~مكية. قال القرطبي: والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها ~~قالت: ما نزلت ms0704 سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: يعني قد بنى بها، ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك ~~فيها. قال: وأما من قال (يا أيها الناس) مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن ~~البقرة مدنية وفيها (يا أيها الناس) في موضعين. وقد أخرج ابن الضريس في ~~فضائله والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة النساء بالمدينة، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف، وكذا أخرجه ابن ~~مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد ابن ثابت، وأخرجه ابن المنذر عن قتادة. # وقد ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن ~~مسعود قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما ~~فيها (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) الآية، و (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه) الآية، و (إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية (ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم) الآية، ثم قال: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~مسعود سمع من أبيه، وقد اختلف في ذلك. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن ~~ابن مسعود قال: خمس آيات من النساء هن أحب إلى من الدنيا جميعا (إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه) الآية (وإن تك حسنة يضاعفها) الآية (إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به) الآية (من يعمل سوءا أو يظلم نفسه) PageV01P416 # الآية (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم) الآية. ورواه ~~ابن جرير. ثم روى من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال: ثمان آيات ~~نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وذكر ما ~~ذكره ابن مسعود، وزاد (يريد الله ليبين لكم) الآية (والله يريد أن يتوب ~~عليكم) الآية (يريد الله أن يخفف عنكم) الآية. وأخرج أحمد ms0705 وابن الضريس ~~ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: " من أخذ السبع فهو حبر ". وأخرج البيهقي في الشعب عن واثلة بن ~~الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أعطيت مكان التوراة ~~السبع الطوال والمئين كل سورة بلغت مائة فصاعدا "، والمثاني كل سورة دون ~~المئين وفوق المفصل. وأخرج أبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب عن أنس قال: " وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل: يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين، قال: ~~أما إني على ما ترون بحمد الله قد قرأت السبع الطوال ". وأخرج أحمد عن ~~حذيفة قال: " قمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ السبع الطوال ~~في سبع ركعات ". وأخرج عبد الرزاق عن بعض أهل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بالسبع الطوال في ركعة واحدة ~~". وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال: " سلوني عن سورة النساء فإني قرأت ~~القرآن وأنا صغير قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرج ابن ~~أبي شيبة في المصنف عنه قال: " من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا ~~يحجب علم الفرائض ". # المراد بالناس الموجودون عند الخطاب من بني آدم، ويدخل من سيوجد بدليل ~~خارجي وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون، أو تغليب ~~الموجودين على من لم يوجد كما غلب الذكور على الإناث في قوله (اتقوا ربكم) ~~لاختصاص ذلك بجمع المذكر. والمراد بالنفس الواحدة هنا آدم. وقرأ ابن أبي ~~علبة واحد بغير هاء على مراعاة المعنى، فالتأنيث باعتبار اللفظ، والتذكير ~~باعتبار المعنى. قوله (وخلق منها زوجها) قيل هو معطوف على مقدر يدل عليه ~~الكلام: أي خلقكم من نفس واحدة خلقها أولا، وخلق منها زوجها، وقيل على ~~خلقكم، PageV01P417 # فيكون الفعل الثاني داخلا مع الأول في حيز الصلة. والمعنى: وخلق من تلك ~~النفس التي هي ms0706 عبارة عن آدم زوجها وهي حواء. وقد تقدم في البقرة معنى ~~التقوى والرب والزوج والبث، والضمير في قوله (منها) راجع إلى آدم وحواء ~~المعبر عنهما بالنفس والزوج. وقوله (كثيرا) وصف مؤكد لما تفيده صيغة الجمع ~~لكونها من جموع الكثرة وقيل هو نعت لمصدر محذوف: أي بثا كثيرا. وقوله ~~(ونساء) أي كثيرة، وترك التصريح به استغناء بالوصف الأول. قوله (واتقوا ~~الله الذي تساءلون به والأرحام) قرأ أهل الكوفة بحذف التاء الثانية، وأصله ~~تتساءلون تخفيفا لاجتماع المثلين. وقرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر بإدغام التاء في السين، والمعنى: يسأل بعضكم بعضا بالله والرحم، ~~فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال والمناشدة، فيقولون: أسألك بالله ~~والرحم، وأنشدك الله والرحم، وقرأ النخعي وقتادة والأعمش وحمزة (والأرحام) ~~بالجر. وقرأ الباقون بالنصب. # وقد اختلف أئمة النحو في توجيه قراءة الجر، فأما البصريون فقالوا: هي لحن ~~لا تجوز القراءة بها. وأما الكوفيون فقالوا هي قراءة قبيحة. قال سيبويه في ~~توجيه هذا القبح: إن المضمر المجرور بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف ~~عليه. وقال الزجاج وجماعة: بقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا ~~بإعادة الخافض كقوله تعالى - فخسفنا به وبداره الأرض - وجوز سيبويه ذلك في ~~ضرورة الشعر، وأنشد: # فاليوم قربت تهجونا وتمدحنا * فاذهب فما بك والأيام من عجب ومثله قول ~~الآخر: # تعلق في مثل السواري سيوفنا * وما بينها والكعب بهو نفانف بعطف الكعب على ~~الضمير في بينها. وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال: لو صليت خلف إمام ~~يقرأ (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) بالجر، لأخذت نعلي ومضيت. وقد ~~رد الإمام أبو نصر القشيري ما قاله القادحون في قراء الجر فقال: ومثل هذا ~~الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تواترا، ولا يخفي عليك أن دعوى التواتر ~~باطلة يعرف ذلك من يعرف الأسانيد التي رووها بها، ولكن ينبغي أن يحتج ~~للجواز بورود ذلك في أشعار العرب كما تقدم، وكما في قول ms0707 بعضهم: # وحسبك والضحاك سيف مهند وقول الآخر: وقد رام آفاق السماء فلم يجد * له ~~مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا وقول الآخر: ما إن بها والأمور من تلف وقول ~~الآخر: أكر عبد على الكتيبة لست أدري * أحتفى كان فيها أم سواها فسواها في ~~موضع جر عطفا على الضمير في فيها، ومنه قوله تعالى - وجعلنا لكم فيها معايش ~~ومن لستم له برازقين -. وأما قراءة النصب فمعناها واضح جلى لأنه عطف الرحم ~~على الاسم الشريف: أي اتقوا الله واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فإنها مما ~~أمر الله به أن يوصل، وقيل إنه عطف على محل الجار والمجرور في قوله (به) ~~كقولك مررت بزيد وعمرا: أي اتقوا الله الذي تساءلون به وتتساءلون بالأرحام. ~~والأول أولى. وقرأ عبد الله ابن يزيد والأرحام بالرفع على الابتداء والخبر ~~مقدر: أي والأرحام صلوها أو والأرحام أهل أن توصل، وقيل إن الرفع على ~~الاغراء عند من يرفع به، ومنه قول الشاعر: # إن قوما منهم عمير وأشباه * عمير ومنهم السفاح لجديرون باللقاء إذا قال * ~~أخ النجدة السلاح السلاح PageV01P418 # والأرحام: اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في ~~هذا بين أهل الشرع ولا بين أهل اللغة. وقد خصص أبو حنيفة وبعض الزيدية ~~الرحم بالمحرم في منع الرجوع في الهبة مع موافقتهم على أن معناها أعم، ولا ~~وجه لهذا التخصيص. قال القرطبي: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن ~~قطيعتها محرمة انتهى. # وقد وردت بذلك الأحاديث الكثير الصحيحة. والرقيب: المراقب وهي صيغة ~~مبالغة، يقال رقبت أرقب رقبة ورقبانا: إذا انتظرت. قوله (وآتوا اليتامى ~~أموالهم) خطاب للأولياء والأوصياء. والإيتاء: الإعطاء. واليتيم: # من لا أب له. وقد خصصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم. وقد تقدم تفسير معناه في ~~البقرة مستوفى، وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم، مع أنهم لا ~~يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ مجازا باعتبار ما كانوا عليه، ~~ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء ~~والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة لا دفعها جميعها ms0708 وهذه الآية مقيدة ~~بالآية الأخرى وهي قوله تعالى (فأن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) ~~فلا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مسوغا لدفع أموالهم إليهم حتى يؤنس ~~منهم الرشد. قوله (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) نهى لهم عن أن يصنعوا صنع ~~الجاهلية في أموال اليتامى فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ~~ويعوضونه بالردئ من أموالهم ولا يرون بذلك بأسا، وقيل المعنى: لا تأكلوا ~~أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب من أموالكم وقيل المراد لا ~~تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله. ~~والأول أولى، فإن تبدل الشئ بالشيء في اللغة أخذه مكانه وكذلك استبداله، ~~ومنه قوله تعالى - ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل - وقوله - ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير -. وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما ~~في قوله - وبدلناهم بجنتيهم جنتين - وأخرى بالعكس كما في قولك بدلت الحلقة ~~بالخاتم: إذا أذبتها وجعلتها خاتما، نص عليه الأزهري. قوله (ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم) ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهى عنه في هذه ~~الآية هو الخلط فيكون الفعل مضمنا معنى الضم: أي لا تأكلوا أموالهم مضمونة ~~إلى أموالكم، ثم نسخ هذا بقوله تعالى - وإن تخالطوهم فإخوانكم - وقيل إن ~~إلى بمعنى مع كقوله تعالى - من أنصاري إلى الله - والأول أولى. والحوب: ~~الإثم يقال حاب الرجل يحوب حوبا: إذا أثم، وأصله الزجر للإبل، فسمى الإثم ~~حوبا لأنه يزجر عنه. والحوبة: # الحاجة. والحوب أيضا: الوحشة، وفيه ثلاث لغات: ضم الحاء وهي قراءة ~~الجمهور. وفتح الحاء وهي قراءة الحسن، قال الأخفش: وهي لغة تميم. والثالثة ~~الحاب. وقرأ أبي بن كعب حابا على المصدر كقال قالا. والتحوب التحزن، ومنه ~~قول طفيل: # فذوقوا كما ذقنا عداه يحجر * من الغيظ في أكبادنا والتحوب قوله (وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا) وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان ~~يكفل اليتيمة لكونه وليا لها ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها: أي ~~يعدل فيه ويعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، ms0709 فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا ~~أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما ~~طاب لهن من النساء سواهن، فهذا سبب نزول الآية كما سيأتي، فهو نهى يخص هذه ~~الصورة. وقال جماعة من السلف: # إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام من أن للرجل أن ~~يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط ~~الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا ألا يقسطوا في اليتامى فكذلك يخافون إلا ~~يقسطوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء ~~والخوف من الأضداد، فإن المخوف قد يكون معلوما، وقد يكون مظنونا، ولهذا ~~اختلف الأئمة في معناه في الآية، فقال أبو عبيدة (خفتم) PageV01P419 # بمعنى أيقنتم. وقال آخرون (خفتم) بمعنى ظننتم. قال ابن عطية: وهو الذي ~~اختاره الحذاق وأنه على بابه من الظن لامن اليقين، والمعنى: من غلب على ظنه ~~التقصير في العدل لليتيمة فليتركها وينكح غيرها. وقرأ النخعي وابن وثاب ~~(تقسطوا) بفتح التاء من قسط: إذا جار، فتكون هذه القراءة على تقدير زيادة ~~لا، كأنه قال: # وإن خفتم أن تقسطوا. وحكى الزجاج أن أقسط يستعمل استعمال قسط، والمعروف ~~عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار، و " ما " في قوله (ما ~~طاب) موصولة، وجاء بما مكان من لأنهما قد يتعاقبان فيقع كل واحد منهما مكان ~~الآخر كما في قوله - والسماء وما بناها - فمنهم من يمشى على بطنه، ومنهم من ~~يمشى على أربع -. وقال البصريون: إن " ما " تقع للنعوت كما تقع لما لا ~~يعقل، يقال ما عندك، فيقال ظريف وكريم، فالمعنى: فانكحوا الطيب من النساء: ~~أي الحلال، وما حرمه الله فليس بطيب، وقيل إن " ما " هنا مدية: أي ما دمتم ~~مستحسنين للنكاح، وضعفه ابن عطية. وقال الفراء: إن " ما " ها هنا مصدرية. ~~قال النحاس: وهذا بعيد جدا. وقرأ ابن أبي عبلة (فانكحوا من طاب). وقد اتفق ~~أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، ms0710 وأنه يجوز لمن ~~لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، و " من " في قوله (من ~~النساء) إما بيانية أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتائم. قوله (مثنى وثلاث ~~ورباع) في محل نصب على البدل من " ما " كما قاله أبو علي الفارسي، وقيل على ~~الحال، وهذه الألفاظ لا تتصرف للعدل والوصفية كما هو مبين في علم النحو ~~والأصل: # انكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. # وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع وبينوا ذلك بأنه خطاب ~~لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد كما يقال ~~للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة ~~درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ~~ذكرت جملته أو عين مكانه، أما لو كان مطلقا كما يقال اقتسموا الدراهم، ~~ويراد به ما كسبوه فليس المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب ~~الأول. على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كثيرا اقتسموه مثنى وثلاث ~~ورباع، فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين، وبعضه ثلاثة ثلاثة، وبعضه أربعة ~~أربعة كان هذا هو المعنى العربي، ومعلوم أنه إذا قال القائل جاءني القوم ~~مثنى وهم مائة ألف، كان المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين، وهكذا جاء في القوم ~~ثلاث ورباع، والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد كما في قوله تعالى - ~~المشركين - أقيموا الصلاة - آتوا الزكاة - ونحوها، فقوله (فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) معناه لينكح كل فرد منكم ما طاب له من ~~النساء اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، هذا ما تقتضيه لغة ~~العرب. فالآية تدل على خلاف ما استدلوا بها عليه، ويؤيد هذا قوله تعالى في ~~آخر الآية (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) فإنه وإن كان خطابا للجميع فهو ~~بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع ~~بالسنة لا بالقرآن. # وأما استدلال من استدل ms0711 بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو ~~الجامعة، فكأنه قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى ~~العربي، ولو قال: انكحوا ثنتين وثلاثا وأربعا كان هذا القول له وجه وأما مع ~~المجئ بصيغة العدل فلا، وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون أو، لأن ~~التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس ~~بمراد من النظم القرآني. وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب ثلث وربع بغير ألف. ~~قوله (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فانكحوا واحدة كما يدل على ذلك قوله ~~(فانكحوا ما طاب) وقيل التقدير فالزموا أو فاختاروا واحدة. والأول أولى، ~~والمعنى فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم ونحوه فانكحوا واحدة، ~~وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ ~~والخبر محذوف. قال PageV01P420 # الكسائي: أي فواحدة تقنع، وقيل التقدير: فواحدة فيها كفاية، ويجوز أن ~~تكون واحدة على قراءة الرفع خبر مبتدأ محذوف: أي فالمقنع واحدة. قوله (أو ~~ما ملكت أيمانكم) معطوف على واحدة: أي فانكحوا واحدة أو أنكحوا ما ملكت ~~أيمانكم من السراري وإن كثر عددهن كما يفيده الموصول. والمراد نكاحهن بطريق ~~الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم كما ~~يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى ~~اليمين، لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها ولسائر الأمور التي تنسب ~~إلى الشخص في الغالب، ومنه: # إذا ما راية نصبت لمجد * تلقاها عرابة باليمين قوله (ذلك أدنى ألا ~~تعولوا) أي ذلك أقرب إلى ألا تعولوا: أي تجوروا، من عال الرجل يعول: إذا ~~مال وجار، ومنه قولهم عال السهم عن الهدف: مال عنه، وعال الميزان إذا مال، ~~ومنه: # قالوا اتبعنا رسول الله واطرحوا * قول الرسول وعالوا في الموازين ومنه ~~قول أبي طالب: # بميزان صدق لا يغل شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل ومنه أيضا: فنحن ~~ثلاثة وثلاث ذود * لقد عال الزمان على عيال والمعنى: إن خفتم عدم العدل بين ~~الزوجات، فهذه ms0712 التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور، ويقال عال الرجل يعيل: ~~إذا افتقر وصار عالة، ومنه قوله تعالى - وإن خفتم عيلة -، ومنه قول الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل وقال الشافعي (ألا ~~تعولوا) ألا تكثر عيالكم. قال الثعلبي: وما قال هذا غيره، وإنما يقال أعال ~~يعيل: إذا كثر عياله. وذكر ابن العربي أن عال تأتي لسبعة معان: الأول عال ~~مال. الثاني زاد الثالث جار. الرابع افتقر الخامس أثقل. السادس قام بمؤونة ~~العيال، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " وابدأ بمن تعول ". السابع عال ~~غلب، ومنه عيل صبري، قال ويقال أعال الرجل: كثر عياله. وأما عال بمعنى كثر ~~عياله فلا يصح، ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، وكذلك إنكار ابن ~~العربي لذلك، بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد ~~وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما والإمام الشافعي بما لا ~~وجه له في العربية. وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني في سننه. وقد حكاه ~~القرطبي عن الكسائي وأبي عمر الدوري وابن الأعرابي، وقال أبو حاتم: كان ~~الشافعي أعلم بلغة العرب منا ولعله لغة. وقال الثعلبي: قال أستاذنا أبو ~~القاسم بن حبيب: سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير ~~مدافع، فقال: هي لغة حمير، وأنشد: # وإن الموت يأخذ كل حي * بلا شك وإن أمشي وعالا أي وإن كثرت ماشيته ~~وعياله. وقرأ طلحة بن مصرف (أن لا تعيلوا) قال ابن عطية: وقدح الزجاج في ~~تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير ~~العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا يكثروا، وهذا القدح غير صحيح، لأن ~~السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الحرائر ذوات الحقوق ~~الواجبة. وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله، ~~وكفى بهذا. # وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ذكرها ابن العربي، منها عال: اشتد ~~وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال ms0713 الرجل في الأرض: إذا ضرب فيها، حكاه الهروي، ~~وعال: إذا أعجز، حكاه الأحمر، فهذه ثلاثة معان غير PageV01P421 # السبعة، والرابع عال كثر عياله، فجملة معاني عال أحد عشر معنى. قوله ~~(وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) الخطاب للأزواج، وقيل للأولياء. والصدقات بضم ~~الدال جمع صدقة كثمرة، قال الأخفش: وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات، ~~وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. والنحلة بكسر النون وضمها لغتان، وأصلها ~~العطاء نحلت فلانا: أعطيته، وعلى هذا فهي منصوبة على المصدرية، لأن الإيتاء ~~بمعنى الإعطاء، وقيل النحلة التدين فمعنى نحلة تدينا، قاله الزجاج، وعلى ~~هذا فهي منصوبة على المفعول له. وقال قتادة: النحلة الفريضة، وعلى هذا فهي ~~منصوبة على الحال وقيل النحلة طيبة النفس قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة ~~إلا عن طيبة نفس. # ومعنى الآية على كون الخطاب للأزواج: أعطوا النساء اللاتي نكحتموهن ~~مهورهن التي لهن عليكم عطية أو ديانة منكم أو فريضة عليكم أو طيبة من ~~أنفسكم. ومعناها على كون الخطاب للأولياء: أعطوا النساء من قراباتكم التي ~~قبضتم مهورهن من أزواجهن تلك المهور. وقد كان الولي يأخذ مهر قريبته في ~~الجاهلية ولا يعطيها شيئا، حكى ذلك عن أبي صالح والكلبي. والأول أولى لأن ~~الضمائر من أول السياق للأزواج. وفي الآية دليل على أن الصداق واجب على ~~الأزواج للنساء، وهو مجمع عليه كما قال القرطبي، قال: وأجمع العلماء أنه لا ~~حد لكثيره، واختلفوا في قليله. وقرأ قتادة " صدقاتهن " بضم الصاد وسكون ~~الدال. وقرأ النخعي وابن وثاب بضمهما. وقرأ الجمهور بفتح الصاد وضم الدال. ~~قوله (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا) الضمير في منه راجع ~~إلى الصداق الذي هو واحد الصدقات أو إلى المذكور وهو الصدقات، أو هو بمنزلة ~~اسم الإشارة، كأنه قال من ذلك، ونفسا تمييز. وقال أصحاب سيبويه: منصوب ~~بإضمار فعل لا تمييز: أي أعني نفسا. والأول أولى، وبه قال الجمهور. ~~والمعنى: فإن طبن: أي النساء لكم أيها الأزواج أو الأولياء عن شئ من المهر ~~(فكلوه هنيئا مريئا) وفي قوله (طبن) دليل ms0714 على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن ~~لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق ~~معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها لم يحل للزوج ~~ولا للولي وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما. وما أقوى دلالة ~~هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك ~~بمجردها لنقصان عقولهن وضعف إدراكهن وسرعة انخداعهن وانجذابهن إلى ما يراد ~~منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب. وقوله (هنيئا مريئا) منصوبان على أنهما صفتان ~~لمصدر محذوف: أي أكلا هنيئا مريئا أو قائمان مقام المصدر، أو على الحال، ~~يقال: هناه الطعام الشراب يهنيه ومرأه وأمرأه من الهنئ والمرئ، والفعل هنأ ~~ومرأ: أي أتى من غير مشقة ولا غيظ، وقيل هو الطيب الذي لا تنغيص فيه، وقيل ~~المحمود العاقبة الطيب الهضم، وقيل ما لا إثم فيه، والمقصود هنا أنه حلال ~~لهم خالص عن الشوائب، وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال. # وإن كان سائر الانتفاعات به جائزة كالأكل. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد في قوله (خلقكم من نفس واحدة) قال: آدم (وخلق منها زوجها) قال: ~~حواء من قصيري آدم: أي قصيري أضلاعه. # وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر قال: ~~خلقت حواء من خلف آدم الأيسر وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: من ضلع ~~الخلف وهو من أسفل الأضلاع. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (واتقوا الله الذي ~~تساءلون به) قال: تعاطون به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~الربيع قال: تعاقدون وتعاهدون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال: يقول أسألك بالله والرحم. وأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اتقوا الله PageV01P422 # الذي تساءلون به واتقوا الأرحام وصلوها. وأخرج ابن جرير وابن ms0715 أبي حاتم عن ~~مجاهد (إن الله كان عليكم رقيبا) قال: حفيظا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير قال: إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له فلما بلغ ~~اليتيم طلب ماله فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فنزلت (وآتوا اليتامى أموالهم) يعني الأوصياء، يقول: أعطوا اليتامى أموالهم ~~(ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) يقول: لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس ~~بالحلال من أموالكم، يقول: لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم ~~الحرام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي ~~في شعب الإيمان عن مجاهد قال: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال ~~الذي قدر لك (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) قال: مع أموالكم تخلطونها ~~فتأكلونها جميعا (إنه كان حوبا) إثما. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية ~~قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار يأخذه الأكبر، ~~فنصيبه من الميراث طيب وهذا الذي يأخذ خبيث. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~عن قتادة قال مع أموالكم وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ~~في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ~~ماله، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله - يسألونك ~~عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم - قال: فخالطوهم. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما أن عروة سأل عائشة عن قول الله عز وجل (وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى) قالت: يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه ~~في مالها ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في ~~صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا ~~لهن ويبلغوا بهن أعلى سننهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من ~~النساء سواهن، وأن الناس قد استفتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~هذه الآية، فأنزل الله (ويستفتونك في النساء) قالت ms0716 عائشة: وقول الله في ~~الآية الأخرى (وترغبون أن تنكحوهن) رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة ~~المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من باقي النساء ~~إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال. وأخرج البخاري ~~عن عائشة: أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق فكان يمسكها عليه ولم ~~يكن لها من نفسه شئ، فنزلت (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) أحسبه قال: ~~كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. وقد روى هذا المعنى من طرق. وأخرج ابن ~~جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل يتزوج بمال ~~اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه قال: قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى. ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~في قوله (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) قال: كان الرجل يتزوج ما شاء ~~فقال: كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى فخافوا ألا تعدلوا فيهن فقصرهم على ~~الأربع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: كانوا في ~~الجاهلية ينكحون عشرا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، ~~فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: كما خفتم ألا تعدلوا في اليتامى ~~فخافوا ألا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهن عندكم. وأخرج ابن أبي حاتم من ~~طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عنه قال: فإن خفتم الزنا فانكحوهن، يقول: ~~كما خفتم في أموال اليتامى ألا تقسطوا فيها فكذلك فخافوا على أنفسكم ما لم ~~تنكحوا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن أبي مالك (ما طاب لكم) قال: ما ms0717 أحل لكم PageV01P423 # وأخرج ابن جرير عن الحسن وسعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر عن عائشة نحوه. وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ~~ماجة والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر " أن غيلان ابن سلمة ~~الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اختر ~~منهن " وفي لفظ " أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن " هذا الحديث أخرجه هؤلاء ~~المذكورين من طرق عن إسماعيل بن علية وغندر وزيد ابن زريع وسعيد بن أبي ~~عروبة وسفيان الثوري وعيسى بن يونس وعبد الرحمن بن محمد المحاربي والفضل بن ~~موسى وغيرهم من الحفاظ عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه فذكره. وقد علل ~~البخاري هذا الحديث فحكى عنه الترمذي أنه قال: هذا حديث غير محفوظ. والصحيح ~~ما روى عن شعيب وغيره عن الزهري حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن ~~سلمة، فذكره، وأما حديث الزهري عن أبيه: أن رجلا من ثقيف طلق نساءه فقال له ~~عمر: لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال. وقد رواه معمر عن الزهري مرسلا، ~~وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلا. قال أبو زرعة: وهو أصح. ورواه عقيل عن ~~الزهري بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد قال: أبو حاتم: وهذا وهم، إنما ~~هو الزهري عن عثمان بن أبي سويد. وقد سامه أحمد برجال الصحيح فقال: # حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر عن الزهري قال أبو جعفر في ~~حديثه: أخبرنا ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن غيلان فذكره وقد روى من غير ~~طريق معمر والزهري، فأخرجه البيهقي عن أيوب عن نافع وسالم عن ابن عمر أن ~~غيلان فذكره. وأخرج أبو داود وابن ماجة في سننهما عن عمير الأسدي قال: ~~أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اختر ~~منهن أربعا. قال ابن كثير: إن إسناده حسن. وأخرج الشافعي في مسنده عن نوفل ~~بن معاوية الديلي قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، ms0718 فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: " أمسك أربعا وفارق الأخرى ". وأخرج ابن ماجة والنحاس في ناسخه ~~عن قيس بن الحارث الأسدي قال " أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأخبرته، فقال: # اختر منهن أربعا وخل سائرهن، ففعلت " وهذه شواهد للحديث الأول كما قال ~~البيهقي. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن الحكم قال: أجمع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق ~~اثنتين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية ~~يقول: إن خفت ألا تعدل في أربع فثلاث وإلا فثنتين وإلا فواحدة، فإن خفت ألا ~~تعدل في واحدة فما ملكت يمينك. وأخرج ابن جرير عن الربيع مثله. وأخرج أيضا ~~عن الضحاك (فإن خفتم ألا تعدلوا) قال: في المجامعة والحب. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن السدي (أو ما ملكت أيمانكم) قال: السراري. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم (ذلك أدنى ألا تعولوا) قال: ألا تجوروا. قال ابن أبي حاتم قال ~~أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ~~عن ابن عباس في قوله (ألا تعولوا) قال ألا تميلوا. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ألا ~~تميلوا، ثم قال: أما سمعت قول أبي طالب: # بميزان قسط لا يخيس شعيرة * ووازن صدق وزنه غير عائل وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد: قال: ألا تميلوا. وأخرج ابن ~~أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد ~~بن أسلم في الآية، قال: ذلك أدنى PageV01P424 # ألا يكثر من تعولوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ms0719 سفيان بن عيينة: قال: ألا ~~تفتقروا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم ~~الله عن ذلك ونزلت (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة). وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (نحلة) قال: يعني بالنحلة المهر. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عائشة (نحلة) قالت: واجبة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن جريج (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) قال: فريضة مسماة. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (فإن طبن لكم) قال: هي للأزواج. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة (فإن طبن لكم عن شئ منه) قال: من ~~الصداق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ~~(فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا) يقول: إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنئ ~~مرئ كما قال الله. # هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى. وقد تقدم الأمر بدفع ~~أموالهم إليهم في قوله تعالى (وآتوا اليتامى أموالهم) فبين سبحانه ها هنا ~~أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه. وقد تقدم في البقرة معنى ~~السفيه لغة. # واختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم؟ فقال سعيد بن جبير: هم اليتامى ~~لا تؤتوهم أموالكم. قال النحاس وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وقال مالك: ~~هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شئ وقال مجاهد: ~~هم النساء. قال النحاس وغيره: وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفائه أو ~~سفيهات. واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء، فقيل ~~أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها كقوله - فسلموا علي أنفسكم ~~-، وقوله - فاقتلوا أنفسكم - أي ليسلم بعضكم على بعض، وليقتل بعضكم بعضا، ~~وقيل أضافها إليهم لأنها من ms0720 جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين ~~الخلق في الأصل، وقيل المراد أموال المخاطبين حقيقة، وبه قال أبو موسى ~~الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة. والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن ~~تدبيرها كالنساء والصبيان، ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع ~~التي تصلح المال، ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به. قوله (التي ~~جعل الله لكم قيما) المفعول الأول محذوف، والتقدير التي جعلها الله لكم، و ~~" قيما " قراءة أهل المدينة وأبي عامر، وقرأ غيرهم " قياما " وقرأ عبد الله ~~بن عمر " قواما " والقيام والقوام: ما يقيمك يقال فلان قيام أهله وقوام ~~بيته وهو الذي يقيم شأنه: أي يصلحه ولما انكسرت القاف في قوام أبدلوا الواو ~~ياء. قال الكسائي والفراء: قيما وقواما بمعنى قياما، وهو منصوب على المصدر: ~~أي لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فتقومون بها قياما وقال ~~الأخفش: المعنى قائمة بأموركم فذهب PageV01P425 # إلى أنها جمع. وقال البصريون قيما جمع قيمة كديمة وديم: أي جعلها الله ~~قيمة للأشياء. وخطأ أبو علي الفارسي هذا القول وقال: هي مصدر كقيام وقوام. ~~والمعنى: أنها صلاح للحال وثبات له، فأما على قول من قال إن المراد أموالهم ~~على ما يقتضيه ظاهر الإضافة، فالمعنى واضح. وأما على قول من قال إنها أموال ~~اليتامى فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم ويصلح به حالكم من ~~الأموال. وقرأ الحسن والنخعي " اللاتي جعل " قال الفراء: الأكثر في كلام ~~العرب النساء اللواتي والأموال التي، وكذلك غير الأموال، ذكره النحاس. قوله ~~(وارزقوهم فيها واكسوهم) أي اجعلوا لهم فيها رزقا أو افرضوا لهم وهذا فيمن ~~تلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم. وأما على قول من قال إن ~~الأموال هي أموال اليتامى، فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم: من ~~الأرباح، أو اجعلوا لهم من أموالهم رزقا ينفقونه على أنفسهم ويكتسون به. ~~وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء، وبه قال الجمهور. وقال ~~أبو حنيفة لا يحجر على من بلغ عاقلا، واستدل بها أيضا ms0721 على وجوب نفقة ~~القرابة، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه. قوله (وقولوا لهم قولا معروفا) ~~قيل ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم، وصنع لكم، وقيل معناه: عدوهم وعدا ~~حسنا قولوا لهم: إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم، ويقول الأب لابنه: مالي ~~سيصير إليك، وأنت إن شاء الله صاحبه ونحو ذلك. والظاهر من الآية ما يصدق ~~عليه مسمى القول الجميل ففيه إرشاد إلى حسن الخلق مع الأهل والأولاد أو مع ~~الأيتام المكفولين. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح عنه " ~~خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ". قوله (وابتلوا اليتامى) الابتلاء: ~~الاختبار. وقد تقدم تحقيقه. # وقد اختلفوا في معنى الاختبار، فقيل هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه ليعلم ~~بنجابته وحسن تصرفه فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح وآنس منه الرشد، وقيل ~~معنى الاختبار: أن يدفع إليه شيئا من ماله ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم ~~حقيقة حاله، وقيل معنى الاختبار: أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعرف ~~كيف تدبيره، وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها. ~~والمراد ببلوغ النكاح بلوغ الحلم لقوله تعالى - وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم - ومن علامات البلوغ الإنبات، وبلوغ خمس عشرة سنة. وقال مالك وأبو ~~حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة، ~~وهذه العلامات تعم الذكر والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل والحيض. # قوله (فإن آنستم) أي أبصرتم ورأيتم، ومنه قوله - آنس من جانب الطور نارا ~~-. قال الأزهري: تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا، معناه: تبصر، وقيل ~~هو هنا بمعنى وجد وعلم: أي فإن وجدتم وعلمتم منهم رشدا. وقراءة الجمهور " ~~رشدا " بضم الراء وسكون الشين. وقرأ ابن مسعود والسلمي وعيسى الثقفي بفتح ~~الراء والشين، قيل هما لغتان، وقيل هو بالضم مصدر رشد بالفتح مصدر رشد. # واختلف أهل العلم في معنى الرشد ها هنا، فقيل الصلاح في العقل والدين، ~~وقيل في العقل خاصة. قال سعيد بن جبير والشعبي: إنه لا يدفع إلى اليتيم ~~ماله إذا ms0722 لم يؤنس رشده وإن كان شيخا. قال الضحاك: وإن بلغ مائة سنة. وجمهور ~~العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد ~~بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر. وقال أبو حنيفة، لا يحجر على الحر البالغ ~~وإن كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا، وبه قال النخعي وزفر وظاهر النظم ~~القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي بلوغ النكاح ~~مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد، فلا بد من مجموع الأمرين فلا تدفع إلى ~~اليتامى أموالهم قبل البلوغ وإن كانوا معروفين بالرشد، ولا بعد البلوغ إلا ~~بعد إيناس الرشد منهم. والمراد بالرشد نوعه وهو المتعلق بحسن التصرف في ~~أمواله وعدم التبذير بها ووضعها في مواضعها. قوله (ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا) الإسراف في اللغة: الإفراط ومجاوزة الحد. وقال ~~PageV01P426 # النضر بن شميل: السرف التبذير، والبدار المبادرة و (أن يكبروا) في موضع ~~نصب بقوله (بدارا) أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة ~~لكبرهم، أو لا تأكلوا لأجل السرف ولأجل المبادرة أولا تأكلوها مسرفين ~~ومبادرين لكبرهم وتقولوا ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا ~~فينتزعوها من أيدينا. قوله (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف) بين سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى، فأمر الغني بالاستعفاف ~~وتوفير مال الصبي عليه وعدم تناوله منه، وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف. # واختلف أهل العلم في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا احتاج ~~إليه ويقضي متى أيسر الله عليه، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة ~~السلماني وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية والأوزاعي وقال النخعي ~~وعطاء والحسن وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف، وبه قال ~~جمهور الفقهاء. وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة ~~بجواز ذلك له من غير قرض. والمراد بالمعروف المتعارف به بين الناس، فلا ~~يترفه بأموال اليتامى ويبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس، ولا ~~يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة. والخطاب في ms0723 هذه الآية لأولياء الأيتام ~~القائمين بما يصلحهم كالأب والجد ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد ~~بالآية اليتيم إن كان غنيا وسع عليه وعف من ماله، وإن كان فقيرا كان ~~الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية السقوط. قوله (فإذا ~~دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم) أي إذا حصل مقتضى الدفع فدفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم وتأمنوا ~~عاقبة الدعاوي الصادرة منهم وقيل إن الإشهاد المشروع هو ما أنفقه عليهم ~~الأولياء قبل رشدهم، وقيل هو على رد ما استقرضه إلى أموالهم وظاهر النظم ~~القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم وهو يعم الإنفاق قبل ~~الرشد، والدفع للجميع إليهم بعد الرشد (وكفى بالله حسيبا) أي حاسبا ~~لأعمالكم شاهدا عليكم في كل شئ تعملونه، ومن جملة ذلك معاملتكم لليتامى في ~~أموالهم، وفيه وعيد عظيم، والباء زائدة، أي كفى الله. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم) يقول لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك ~~معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنتك، ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك ~~وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤونتهم. قال: وقوله ~~(قواما) يعني قوامكم من معايشكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه من طريق ~~العوفي في الآية يقول: لا تسلط السفيه من ولدك على مالك وأمره أن يرزقه منه ~~ويكسوه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال هم بنوك والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن النساء ~~السفهاء إلا التي أطاعت قيمها " وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: هم ~~الخدم، وهم شياطين الإنس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال: هم ~~النساء والصبيان. وأخرج ابن جرير عن حضرمي: أن رجلا عمد فدفع ماله إلى ~~امرأته فوضعته في غير الحق، فقال الله (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم). وأخرج ms0724 ~~عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: هم اليتامى والنساء. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول لا تؤته ~~إياه وأنفق عليه حتى يبلغ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ~~(وارزقوهم) يقول: أنفقوا عليهم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد لهم (وقولوا لهم معروفا) قال: ~~أمروا أن يقولوا لهم قولا معروفا في البر والصلة. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~جريج (وقولوا لهم قولا معروفا) قال: عدة تعدونهم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (وابتلوا ~~اليتامى) يعني اختبروا اليتامى PageV01P427 # عند الحلم (فإن آنستم) عرفتم (منهم رشدا) في حالهم والإصلاح في أموالهم ~~(فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا) يعني تأكل مال اليتيم ~~ببادرة قبل أن يبلغ فتحول بينه وبين ماله. وأخرج البخاري وغيره عن عائشة ~~قالت: أنزلت هذه الآية في ولي اليتيم (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف) بقدر قيامه عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس (ومن كان غنيا فليستعفف) قال بغناه (ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال: يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج ~~إلى مال اليتيم وأخرج ابن جرير عنه قال: هو القرض. وأخرج عبد بن حميد ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: إن كان فقيرا أخذ من فضل اللبن وأخذ من فضل ~~القوت ولا يجاوزه، وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو ~~في حل. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال: ~~إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن ~~احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي ~~وابن ماجة وابن أبي حاتم عن ابن ms0725 عمر " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا ~~مبذر ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك بماله ". وأخرج أبو داود والنحاس ~~كلاهما في الناسخ وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف) قال: نسختها (إن الذين يأكلون أموال اليتامى) الآية. # لما ذكر سبحانه حكم أموال اليتامى وصله بأحكام المواريث وكيفية قسمتها ~~بين الورثة. وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال ~~والنساء نصيب، للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية ~~من عدم توريث النساء، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما ~~يصدق عليه مسمى القرابة من دون تخصيص. وقوله (مما قل منه أو كثر) بدل من ~~قوله (مما ترك) بإعادة الجار، والضمير في قوله (منه) راجع إلى المبدل منه. ~~وقوله (نصيبا) منتصب على الحال أو على المصدرية أو على الاختصاص، وسيأتي ~~ذكر السبب في نزول هذه الآية إن شاء الله، وقد أجمل الله سبحانه في هذه ~~المواضع قدر النصيب المفروض، ثم أنزل قوله (يوصيكم الله في أولادكم) فبين ~~ميراث كل فرد. قوله (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) المراد بالقرابة هنا ~~غير الوارثين، وكذا اليتامى والمساكين، شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا ~~قسمة التركة كان لهم منها رزق، فيرضخ لهم المتقاسمون شيئا منها. وقد ذهب ~~قوم إلى أن الآية محكمة وأن الأمر للندب. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله ~~تعالى - يوصيكم الله في أولادكم - والأول أرجح، لأن المذكور في الآية ~~للقرابة غير الوارثين ليس PageV01P428 # هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقولوا ~~إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه. وقالت طائفة: إن ~~هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة وهو ~~معنى الأمر الحقيقي فلا يصار إلى الندب إلا لقرينة، والضمير في قوله (منه) ~~راجع إلى المال المقسوم المدلول ms0726 عليه بالقسمة، وقيل راجع إلى ما ترك. ~~والقول المعروف: هو القول الجميل الذي ليس فيه من بما صار إليهم من الرضخ ~~ولا أذى. قوله: وليخش الذين لو تركوا هم الأوصياء كما ذهب إليه طائفة من ~~المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن ~~يفعل بأولادهم من بعدهم، وقالت طائفة: المراد جميع الناس أمروا باتقاء الله ~~في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم، وقال آخرون: إن المراد ~~بهم من يحضر الميت عند موته، وأمروا بتقوى الله، وبأن يقولوا للمحتضر قولا ~~سديدا من إرشادهم إلى التخلص عن حقوق الله وحقوق بني آدم، وإلى الوصية ~~بالقرب المقربة إلى الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله وإحرام ورثته كما ~~يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم فقراء عالة يتكففون الناس، وقال ابن ~~عطية: الناس صنفان يصلح لأحدهما أن يقال له عند موته ما لا يصلح للآخر، ~~وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى ~~الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مفلسين حسن أن يندب ~~إلى الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين. قال ~~القرطبي: وهذا التفصيل صحيح. قوله (لو تركوا) صلة الموصول، والفاء في قوله ~~(فليتقوا) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمعنى: وليخش الذين صفتهم ~~وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا، وذلك عند احتضارهم ~~خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، ثم أمرهم بتقوى الله، ~~والقول السديد للمحتضرين، أو لأولادهم من بعدهم على ما سبق قوله. (إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى) استئناف يتضمن النهي عن ظلم الأيتام من الأولياء ~~والأوصياء وانتصاب قوله (ظلما) على المصدرية: أي أكل ظلم، أو على الحالية: ~~أي ظالمين لهم وقوله (إنما يأكلون في بطونهم نارا) أي ما يكون سببا للنار، ~~تعبيرا بالمسبب عن السبب. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية. وقوله (وسيصلون) ~~قراءة عاصم وابن عامر بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وقرأ أبو حيوة ms0727 بضم ~~الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية بكثرة الفعل مرة بعد أخرى. وقرأ ~~الباقون بفتح الياء من صلى النار يصلاها، والصلي هو التسخن بقرب النار أو ~~مباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد: # لم أكن من جناتها علم الله * وإني لحرها اليوم صالي والسعير: الجمر ~~المشتعل. # وقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ~~ولا الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ~~ابنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه وهما عصبته إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأخذا ميراثه كله، فجاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فنزلت الآية، فأرسل إليهما رسول الله فقال: لا تحركا من الميراث ~~شيئا، فإنه قد أنزل علي شئ احترت إن فيه إن للذكر والأنثى نصيبا، ثم نزل ~~بعد ذلك (ويستفتونك في النساء)، ثم نزل (يوصيكم الله في أولادكم) فدعا ~~بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أم ~~كلثوم ابنة أم كحلة أو أم كحة وثعلبة بن أوس وسويد وهم من الأنصار، كان ~~أحدهم زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته ~~فلم نورث من ماله، فقال عم ولدها: يا رسول الله لا يركب فرسا ولا ينكى عدوا ~~ويكسب عليها ولا يكتسب، فنزلت. وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس في قوله ~~تعالى (وإذا حضر القسمة) قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. وأخرج ابن أبي ~~PageV01P429 # شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خطاب بن عبد ~~الله في هذه الآية قال: قضى بها أبو موسى. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ~~هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة عن الحسن والزهري ms0728 قالا: هي محكمة ما طابت به أنفسهم. وأخرج أبو داود ~~في ناسخه وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال يرضخ لهم فإن كان في ~~ماله تقصير اعتذر إليهم فهو قولا معروفا. وأخرج ابن المنذر عن عائشة أنها ~~لم تنسخ. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم أن هذه الآية ~~منسوخة بآية الميراث. وأخرج أبو داود في ناسخه وعبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب قال: هي منسوخة. وأخرج ابن جرير ~~عن سعيد ابن جبير قال: إن كانوا كبارا يرضخوا، وإن كانوا صغارا اعتذروا ~~إليهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه في قوله ~~(وليخش الذين لو تركوا) " قال: هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته فيسمعه ~~يوصى وصية تضر بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقى الله ويوفقه ويسدده ~~للصواب، ولينظر لورثته كما يحب أن يصنع لورثته إذا خشى عليهم الضيعة. وقد ~~روى نحو هذا من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في ~~صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي برزة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، فقيل: يا رسول ~~الله من هم؟ قال: ألم تر أن الله يقول (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا) ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد ~~الخدري قال: حدثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ليلة أسري به قال: " ~~نظرت صلى فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ~~ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار فيقذف في في أحدهم حتى يخرج من أسافلهم ~~ولهم جؤار وصراخ، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء يأكلون (الذين أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) ". وأخرج ابن جرير ~~عن زيد بن أسلم قال: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون ms0729 ~~أموالهم. PageV01P430 # هذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى (للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون) الآية، وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ~~وهذه الآية ركن من أركان الدين وعمدة من عمد الأحكام وأم من أمهات الآيات ~~لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض، وقد كان هذا العلم من أجل علوم ~~الصحابة وأكثر مناظراتهم فيه، وسيأتي بعد كمال تفسير ما اشتمل عليه كلام ~~الله من الفرائض ذكر بعض فضائل هذا العلم إن شاء الله. قوله (يوصيكم الله ~~في أولادكم) أي في بيان ميراثهم. وقد اختلفوا هل يدخل أولاد الأولاد أم لا، ~~فقالت الشافعية: # إنهم يدخلون مجازا لا حقيقة، وقالت الحنفية: أنه يتناولهم لفظ الأولاد ~~حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب، ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث ~~مع عدمهم، وإنما هذا الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم، ~~ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافرا، ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل ~~عمدا، ويخرج أيضا بالسنة والإجماع، ويدخل فيه الخنثى. قال القرطبي: وأجمع ~~العلماء أنه يورث من حيث يبول، فإن بال منهما، فمن حيث سبق، فإن خرج البول ~~منهما من غير سبق أحدهما فله نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى، وقيل يعطي ~~أقل النصيبين، وهو نصيب الأنثى، قاله يحيى بن آدم، وهو قول الشافعي. وهذه ~~الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف والهجرة والمعاقدة، ~~وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه، وكان ~~ما بقى من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، للحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما ~~بلفظ " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " إلا إذا ~~كان ساقطا معهم كالأخوة لأم. # وقوله (للذكر مثل حظ الأنثيين) جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد، ~~فلا بد من تقدير ضمير يرجع إليهم: # ويوصيكم الله في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين. والمراد حال اجتماع ~~الذكور والإناث، وأما حال الانفراد فللذكر جميع الميراث وللأنثى النصف ~~وللاثنتين فصاعدا الثلثان. قوله ms0730 (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) ~~أي فإن كن الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر، أو البنات، أو المولودات نساء ~~ليس معهن ذكر فوق اثنتين: أي زائدات على اثنتين على أن فوق صفة لنساء أو ~~يكون خبرا ثانيا لكان (فلهن ثلثا ما ترك) الميت المدلول عليه بقرينة ~~المقام. وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا، ~~ولم يسم للاثنتين فريضة، ولهذا أختلف أهل العلم في فريضتهما فذهب الجمهور ~~إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما ~~النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين فإن الله سبحانه قال في شأنهما - ~~فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان - فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما ~~الثلثين كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في ~~الثلثين، وقيل في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان ~~للواحدة مع أخيها الثلث PageV01P431 # كان للابنتين إذا انفردتا الثلثان، هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش ~~والمبرد. قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط، لأن الاختلاف في ~~البنتين إذا انفردتا عن البنين، وأيضا للمخالف أن يقول إذا ترك بنتين وابنا ~~فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهما، ويكمن تأييد ما احتج به ~~الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله ~~تعالى (وإن كانت واحدة فلها النصف) كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض ~~الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين. وقيل إن ~~فوق زائدة، والمعنى: وإن كن نساء اثنتين كقوله تعالى - فاصبروا فوق الأعناق ~~- أي الأعناق، ورد هذا النحاس وابن عطية فقالا: هو خطأ، لأن الظروف وجميع ~~الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولأن قوله ~~- فوق الأعناق - هو الفصيح، وليست فوق زائدة، بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة ~~العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن ~~الصمة: الخفض عن الدماغ، وارفع عن العظم، فهكذا كنت ms0731 أضرب أعناق الأبطال ~~انتهى. وأيضا لو كان لفظ فوق زائدا كما قالوا لقال فلهما ثلثا ما ترك ولم ~~يقل فلهن ثلثا ما ترك، وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة ~~وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان ~~والحاكم والبيهقي في سننه عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن ~~الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما ~~مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال: يقضى الله في ذلك، فنزلت آية الميراث ~~(يوصيكم الله في أولادكم) الآية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك، ~~أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال الترمذي: ولا يعرف ~~إلا من حديثه. قوله (وإن كانت واحدة فلها النصف) قرأ نافع وأهل المدينة " ~~واحدة " بالرفع على أن كان تامة بمعنى: فإن وجدت واحدة أو حدثت واحدة. وقرأ ~~الباقون بالنصب قال النحاس وهذه قراءة حسنة: أي وإن كانت المتروكة أو ~~المولودة واحدة. قوله (ولأبويه لكل واحد منهما السدس) أي لأبوي الميت، وهو ~~كناية عن غير مذكور وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه و (لكل واحد منهما السدس) ~~بدل من قوله (ولأبويه) بتكرير العامل للتأكيد والتفصيل. وقرأ الحسن ونعيم ~~بن ميسرة " السدس " بسكون الدال، وكذلك قرأ الثلث والربع إلى العشر ~~بالسكون، وهي لغة بني تميم وربيعة وقرأ الجمهور بالتحريك ضما، وهي لغة أهل ~~الحجاز وبنى أسد في جميعها. والمراد بالأبوين الأب والأم والتثنية على لفظ ~~الأب للتغليب. # وقد اختلف العلماء في الجد، هل هو بمنزلة الأب فتسقط به الأخوة أم لا؟ ~~فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحد من الصحابة أيام ~~خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال بقول أبي بكر ابن عباس وعبد الله ms0732 ~~بن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة وعطاء ~~وطاوس والحسن وقتادة وأبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق، واحتجوا بمثل قوله تعالى ~~- ملة أبيكم إبراهيم - وقوله - يا بني آدم - وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" ارموا يا بني إسماعيل ". وذهب على ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود ~~إلى توريث الجد مع الإخوة لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم من الثلث، ولا ينقص ~~مع ذوي الفروض من السدس في قوله زيد ومالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد ~~والشافعي. وقيل يشرك بين الجد والإخوة إلى السدس، ولا ينقصه من السدس شيئا ~~مع ذوي الفروض وغيرهم، وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة. وذهب الجمهور إلى أن ~~الجد يسقط بني الإخوة، وروى الشعبي عن علي أنه أجرى بني الإخوة في القاسمة ~~مجرى الإخوة. وأجمع العلماء على أن PageV01P432 # الجد لا يرث مع الأب شيئا، وأجمع العلماء على أن للجدة السدس إذا لم يكن ~~للميت أم وأجمعوا على أنهما ساقطة مع وجود الأمم، وأجمعوا على أن الأب لا ~~يسقط الجدة أم الأم. # واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي، فروى عن زيد بن ثابت وعثمان وعلى ~~أنها لا ترث وابنها حي، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب ~~الرأي. وروى عن عمر وابن مسعود وأبي موسى أنها ترث معه وروى أيضا عن علي ~~وعثمان، وبه قال شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحاق ~~وابن المنذر. قوله (إن كان له ولد) الولد يقع على الذكر والأنثى، لكنه إذا ~~كان الموجود الذكر من الأولاد وحده أو مع الأنثى منهم فليس للجد إلا السدس، ~~وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض وهو عصبة فيما عدا السدس ~~وأولاد ابن الميت كأولاد الميت. قوله (فإن لم يكن له ولد) أي ولا ولد ابن ~~لما تقدم من الإجماع (وورثه أبواه) منفردين عن سائر الورثة كما ذهب إليه ~~الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير ~~الأبوين، ms0733 أما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد ~~الموجود من الزوجين. وروى عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين، ~~وهو يستلزم تفضيل الأم على الأب في مسئلة زوج وأبوين مع الاتفاق على أنه ~~أفضل منها عند انفرادها عن أحد الزوجين. قوله (فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس) إطلاق الإخوة يدل على أنه لا فرق بين الإخوة لأبوين أو لأحدهما. # وقد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من الإخوة يقومون مقام الثلاثة فصاعدا ~~في حجب الأم إلى السدس إلا ما يروى عن ابن عباس أنه جعل الاثنين كالواحد في ~~عدم الحجب. وأجمعوا أيضا على أن الأختين فصاعدا كالأخوين في حجب الأم. قوله ~~(من بعد وصية يوصى بها أو دين) قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم " يوصى " بفتح ~~الصاد. # وقرأ الباقون بكسرها، واختار الكسر أبو عبيد وأبو حاتم لأنه جرى ذكر ~~الميت قبل هذا. قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله (يوصين وتوصون). # واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها بالإجماع، ~~فقيل المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما - ~~وقيل لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمت اهتماما بها، وقيل قدمت ~~لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت، وقيل قدمت لكونها حظ المساكين ~~والفقراء، وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان، وقيل لما كانت ~~الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت، بخلاف الدين فإنه ثابت مؤدى ذكر أو لم ~~يذكر، وقيل قدمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فربما ~~يشق على الورثة إخراجها، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه، وهذه ~~الوصية مقيدة بقوله تعالى (غير مضار) كما سيأتي إن شاء الله. قوله (آباؤكم ~~وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) قيل خبر قوله (آباؤكم وأبناؤكم) ~~مقدر أي هم المقسوم عليهم وقيل إن الخبر قوله (لا تدرون) وما بعده (وأقرب) ~~خبر قوله (أيهم) و (نفعا) تمييز: أي لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في الدعاء ~~لكم ms0734 والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح " أو ولد صالح يدعو له ". وقال ابن ~~عباس والحسن: قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه. وقال بعض المفسرين: إن ~~الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع إليه أباه، ~~وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه، وقيل المراد ~~النفع في الدنيا والآخرة، قاله ابن زيد، وقيل المعنى: إنكم لا تدرون من ~~أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم، أمن أوصى منهم فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء ~~وصيته فهو أقرب لكم نفعا، أو من ترك الوصية ووفر عليكم عرض الدنيا؟ وقوى ~~هذا صاحب الكشاف، قال: لأن الجملة اعتراضية، ومن حق PageV01P433 # الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه، ويناسبه قوله (فريضة من الله) نصب على ~~المصدر المؤكد، إذ معنى (يوصيكم) يفرض عليكم. وقال مكي وغيره: هي حال ~~مؤكدة، والعامل يوصيكم. والأول أولى (إن الله كان عليما) بقسمة المواريث ~~(حكيما) حكم بقسمتها وبينها لأهلها. وقال الزجاج (عليما) بالأشياء قبل ~~خلقها (حكيما) فيما يقدره ويمضيه منها. قوله (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن ~~لم يكن لهن ولد) الخطاب هنا للرجال. والمراد بالولد ولد الصلب أو ولد الولد ~~لما قدمنا من الإجماع (فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن)، وهذا مجمع ~~عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف ومع وجوده وإن سفل ~~الربع. وقوله (من بعد وصية) الخ الكلام فيه كما تقدم. قوله (ولهن الربع مما ~~تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم) هذا النصيب ~~مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر ~~من واحدة لا خلاف في ذلك، والكلام في الوصية والدين كما تقدم. قوله (وإن ~~كان رجل يورث كلالة) المراد بالرجل الميت و (يورث) علي البناء للمفعول من ~~ورث لا من أورث وهو خبر كان و (كلالة) حال من ضمير (يورث) أي يورث حال كونه ~~ذا كلالة، أو على أن الخبر ms0735 كلالة ويورث صفة لرجل: أي إن كان رجل يورث ذا ~~كلالة ليس له ولد ولا والد، وقرئ (يورث) مخففا ومشددا فيكون كلالة مفعولا ~~أو حالا، والمفعول محذوف: أي يورث، وأريد حال كونه ذا كلالة، أو يكون ~~مفعولا له: أي لأجل الكلالة. والكلالة مصدر من تكلله النسب: أي أحاط به، ~~وبه سمى الإكليل لإحاطته بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد، هذا ~~قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب العين ~~وأبي منصور اللغوي وابن عرفة والقتيبي وأبو عبيد وابن الأنباري. # وقد قيل إنه إجماع. قال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة، ~~وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور الخلف والسلف بل جميعهم. ~~وقد حكى الإجماع غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع انتهى. وروى أبو حاتم ~~والأثرم عن أبي عبيدة أنه قال: الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو ~~عند العرب كلالة. قال أبو عمر ابن عبد البر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع ~~الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، ~~وما يروى عن أبي بكر وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة فقد رجعا عنه. ~~وقال ابن زيد: # الكلالة: الحي والميت جميعا، وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا ~~بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، بخلاف الابن والأب فإنهما طرفان ~~له، فإذا ذهبا تكلله النسب، وقيل إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء ~~فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء. وقال ابن الأعرابي: إن ~~الكلالة بنو العم الأباعد. وبالجملة فمن قرأ (يورث كلالة) بكسر الراء مشددة ~~وهو بعض الكوفيين أو مخففة، وهو الحسن وأيوب جعل الكلالة القرابة ومن قرأ ~~(يورث) بفتح الراء وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت، واحتمل أن ~~يكون القرابة. وقد روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس والشعبي ~~أن الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة. قال ms0736 الطبري: الصواب أن ~~الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده، لصحة خبر جابر " فقلت: ~~يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأوصي بمالي كله؟ قال لا " انتهى. وروى عن ~~عطاء أنه قال: الكلالة المال. قال ابن العربي وهذا قول ضعيف لا وجه له. ~~وقال صاحب الكشاف: إن الكلالة تنطلق على ثلاثة: على من لم يخلف ولدا ولا ~~والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة ~~الولد والوالد انتهى. قوله (أو امرأة) معطوف على رجل مقيد بما قيد به: أي ~~أو امرأة تورث كلالة. قوله (وله أخ أو أخت) قرأ سعد بن أبي وقاص من أم، ~~وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه. قال القرطبي: أجمع العلماء أن الإخوة ها هنا ~~هم الإخوة لأم قال: PageV01P434 # ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو للأب ليس ميراثهم هكذا، ~~فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى (وإن كانوا إخوة رجالا ~~ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) هم الإخوة لأبوين أو لأب، وأفرد الضمير في ~~قوله (وله أخ أو أخت) لأن المراد كل واحد منهما كما جرت بذلك عادة العرب ~~إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما ~~مفردا كما في قوله تعالى - واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة - وقوله ~~- يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله -. وقد يذكرونه مثنى كما ~~في قوله - إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما -. وقد قدمنا في هذا كلاما ~~أطول من المذكور هنا. قوله (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث) ~~الإشارة بقوله " من ذلك " إلى قوله (وله أخ أو أخت) أي أكثر من الأخ ~~المنفرد أو الأخت المنفردة بواحد، وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعدا، ~~ذكرين أو أنثيين أو ذكرا أو أنثى. وقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من ~~الإخوة لأم، لأن عبد الله شرك بينهم في الثلث، ولم يذكر فضل الذكر على ~~الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين ms0737 أو لأب. قال القرطبي: وهذا ~~إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسئلة كانوا أقدم ~~من الأخوة لأبوين أو لأب، وذلك في المسئلة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت ~~الميتة زوجا وأما وأخوين لأم وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف وللأم السدس ~~وللأخوين لأم الثلث ولا شئ للإخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي ~~يرث عنده الإخوة من الأم وهو كون الميت كلالة، ويؤيد هذا الحديث " ألحقوا ~~الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر " وهو في الصحيحين وغيرهما وقد ~~قررنا دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها " المباحث ~~الدرية في المسألة الحمارية ". وفي هذه المسئلة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم ~~معروف. قوله (من بعد وصية يوصى بها أو دين) الكلام فيه كما تقدم. # قوله (غير مضار) أي يوصى حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، ~~كأن يقر بشئ ليس عليه أو يوصى بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة. ~~أو يوصى لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم تجزه الورثة، وهذا ~~القيد أعني قوله (غير مضار) راجع إلى الوصية والدين المذكورين فهو قيد ~~لهما، فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا المنهى عنها له، أو التي لا ~~مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفد منه شئ، لا الثلث ~~ولا دونه. قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز انتهى. ~~وهذا القيد أعني عدم الضرار هو قيد لجميع ما تقدم من الوصية والدين. قال ~~أبو السعود في تفسيره: وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط ~~الميت في حقهم. قوله (وصية من الله) نصب على المصدر: أي يوصيكم بذلك وصية ~~من الله كقوله - فريضة من الله - قال ابن عطية: ويصح أن يعمل فيها مضار. ~~والمعنى: أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا، فتكون وصية على ~~هذا مفعولا بها، لأن الاسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال أو لكونه منفيا ~~معنى، وقرأ الحسن (وصية من ms0738 الله) بالجر على إضافة اسم الفاعل إليها كقوله ~~يا سارق الليلة أهل الدار. # وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه ~~التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية ~~الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على ~~الضرار بوجه من الوجوه، والإشارة بقوله (تلك) إلى الأحكام المتقدمة وسماها ~~حدودا لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها (ومن يطع الله ورسوله) في ~~قسمة المواريث وغيرها من الأحكام ا لشرعية كما يفيده عموم اللفظ (ندخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار) وهكذا قوله (ومن يعص الله ورسوله) قرأ نافع ~~وابن عامر (ندخله) بالنون. وقرأ الباقون بالياء التحتية. قوله (وله عذاب ~~مهين) أي وله بعد إدخاله النار عذاب PageV01P435 # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر قال: عادني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقلت: # ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت. وقد قدمنا أن سبب النزول ~~سؤال امرأة سعد بن الربيع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: كان ~~أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ~~ولده إلا من أطاق القتال. فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال ~~لها أم كحة وترك خمس جوار، فأخذ الورثة ماله، فشكت ذلك أم كحة إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله هذه الآية (فإن كن نساء فوق اثنتين) ~~ثم قال في أم كحة (ولهن الربع مما تركتم). وأخرج سعيد بن منصور والحاكم ~~والبيهقي عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقا فاتبعناه ~~وجدناه سهلا، وأنه سئل عن امرأة وأبوين فقال للمرأة الربع، وللأم ثلث ما ~~بقي، وما بقي فللأب. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن زيد بن ثابت نحوه. # وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه دخل على ~~عثمان فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث. قال الله ms0739 (فإن كان له ~~إخوة) والأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد ما كان ~~قبلي ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن ~~زيد بن ثابت أنه قال: # إن العرب تسمى الأخوين إخوة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ~~والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن ~~الجارود والدارقطني والبيهقي في سننه عن علي قال: إنكم تقرءون هذه الآية ~~(من بعد وصية يوصى بها أو دين) وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى ~~بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (آباؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم ~~درجة عند الله يوم القيامة، لأن الله سبحانه شفع المؤمنين بعضهم في بعض. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (أقرب لكم نفعا) ~~قال: في الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدارمي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقرأ ~~(وله أخ أو أخت من أم). وأخرج البيهقي عن الشعبي قال: ما ورث أحد من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإخوة من الأم مع الجد شيئا قط وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن شهاب قال: قضى عمر أن ميراث الإخوة لأم بينهم للذكر مثل ~~الأنثى، قال: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علمه من رسول الله، ولهذه الآية ~~التي قال الله (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث). وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ (غير ~~مضار). وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عنه مرفوعا. وفي إسناده ~~عمر ms0740 بن المغيرة أبو حفص المصيصي. قال أبو القاسم بن عساكر: # ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، قال فيه أبو حاتم ~~الرازي: هو شيخ قال وعلي ابن المديني: هو مجهول لا أعرفه. قال ابن جرير: ~~والصحيح الموقوف انتهى. ورجال إسناد هذا الموقوف رجال لصحيح، فإن النسائي ~~رواه في سننه عن علي بن حجر عن علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة ~~عنه. # وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة واللفظ له ~~والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن ~~الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له ~~بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في ~~وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة " ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ~~(تلك حدود الله) إلى قوله (عذاب مهين) وفي إسناده PageV01P436 # شهر بن حوشب، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة ~~يوم القيامة ". وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه ~~ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فذكر نحوه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد ~~بن أبي وقاص " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتاه يعوده في مرضه فقال: ~~إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين؟ فقال لا، قال ~~فالشطر؟ قال لا، قال فالثلث؟ قال الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك ~~أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ". وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ ~~بن جبل قال: إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم: يعني ~~الوصية. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى ~~الربع، لأن ms0741 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " الثلث كثير ". وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: ذكر عند عمر الثلث في الوصية فقال: الثلث وسط ~~لا بخس ولا شطط. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي ~~من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصى بالثلث، ومن أوصى ~~بالثلث لم يترك. # [فائدة] ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم ~~والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تعلموا الفرائض وعلموه الناس، ~~فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في ~~الفريضة لا يجدان من يقضى بها ". وأخرجاه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم، وإنه ~~ينسى، وهو أول ما ينزع من أمتي ". وقد روى عن عمر وابن مسعود وأنس آثار في ~~الترغيب في الفرائض، وكذلك روى عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. # لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن ~~وميراثهن مع الرجال، ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة لئلا ~~يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف (واللاتي) جمع التي بحسب المعنى ~~PageV01P437 # دون اللفظ، وفيه لغات: اللاتي بإثبات التاء والياء، واللات بحذف الياء ~~وإبقاء الكسرة لتدل عليها، واللائي بالهمزة والياء، واللاء بكسر الهمزة ~~وحذف الياء، ويقال في جمع الجمع اللواتي واللوائي واللوات واللواء. ~~والفاحشة: الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعافية والعاقبة، وقرأ ابن مسعود ~~(بالفاحشة). والمراد بها هنا الزنا خاصة، وإتيانها فعلها ومباشرتها. ~~والمراد بقوله (من نسائكم) المسلمات، وكذا (منكم) المراد به المسلمون. قوله ~~(فأمسكوهن في البيوت) كان هذا في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى - الزانية ~~والزاني فاجلدوا -، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبس المذكور وكذلك الأذى ~~باقيان مع الجلد، لأنه لا تعارض بينها بل الجمع ممكن. قوله (أو يجعل الله ~~لهن سبيلا) هو ما في حديث عبادة الصحيح من ms0742 قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " ~~الحديث. قوله (واللذان يأتيانها منكم) اللذان تثنية الذي، وكان القياس أن ~~يقال اللذيان كرحيان. قال سيبويه: حذفت الياء ليفرق بين الأسماء الممكنة ~~وبين الأسماء المبهمة. وقال أبو علي: حذفت الياء تخفيفا. وقرأ ابن كثير ~~(اللذان) بتشديد النون وهي لغة قريش، وفيه لغة أخرى وهي (اللذا) بحذف ~~النون. وقرأ الباقون بتخفيف النون. قال سيبويه: المعنى وفيما يتلى عليكم ~~اللذان يأتيانها: أي الفاحشة منكم، ودخلت الفاء في الجواب لأن في الكلام ~~معنى الشرط. والمراد باللذان هنا الزاني والزانية تغليبا، وقيل الآية ~~الأولى في النساء خاصة محصنات وغير محصنات، والثانية في الرجال خاصة وجاء ~~بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن فعقوبة النساء الحبس ~~وعقوبة الرجال الأذى واختار هذا النحاس ورواه عن ابن عباس ورواه القرطبي عن ~~مجاهد وغيره واستحسنه. وقال السدي وقتادة وغيرهما الآية الأولى في النساء ~~المحصنات ويدخل معهن الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل والمرأة ~~البكرين، ورجحه الطبري وضعفه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد. ~~وقال ابن عطية: إن معنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه، وقيل كان ~~الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل فخصت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعا ~~في الإيذاء قال قتادة: كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا. واختلف المفسرون في ~~تفسير الأذى، فقيل التوبيخ والتعيير، وقيل السب والجفاء من دون تعيير، وقيل ~~النيل باللسان والضرب بالنعال، وقد ذهب قوم إلى أن الأذى منسوخ كالحبس، ~~وقيل ليس بمنسوخ كما تقدم في الحبس. قوله (فإن تابا) أي من الفاحشة ~~(وأصلحا) العمل فيما بعد (فأعرضوا عنهما) أي اتركوهما وكفوا عنهما الأذى، ~~وهذا كان قبل نزول الحدود على ما تقدم من الخلاف. # قوله (إنما التوبة على الله) استئناف لبيان أن التوبة ليست بمقبولة على ~~الإطلاق كما ينبئ عنه قوله (توابا رحيما) بل إنما تقبل من البعض دون البعض ~~كما بينه النظم القرآني ها هنا، فقوله (إنما ms0743 التوبة) مبتدأ خبره قوله ~~(للذين يعملون السوء بجهالة). وقوله (على الله) متعلق بما تعلق به الخبر من ~~الاستقرار، أو متعلق بمحذوف وقع حالا عند من يجوز تقديم الحال التي هي ظرف ~~على عاملها المعنوي، وقيل المعنى: إنما التوبة على فضل الله ورحمته بعباده، ~~وقيل المعنى: إنما التوبة واجبة على الله، وهذا على مذهب المعتزلة لأنهم ~~يوجبون على الله عز وجل واجبات من جملتها قبول توبة التائبين، وقيل على هنا ~~بمعنى عند، وقيل بمعنى من. # وقد اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى - وتوبوا ~~إلى الله جميعا ايه المؤمنون - وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب ~~خلافا للمعتزلة، وقيل إن قوله (على الله) هو الخبر. وقوله (للذين يعملون) ~~متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف وقع حالا. والسوء هنا: العمل السئ. ~~وقوله (بجهالة) متعلق بمحذوف وقع صفة أو حالا: أي يعملونها متصفين بالجهالة ~~أو جاهلين. وقد حكى القرطبي عن قتادة أنه قال: PageV01P438 # أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن كل معصية فهي ~~بجهالة عمدا كانت أو جهلا. وحكى عن الضحاك ومجاهد أن الجهالة هنا العمد ~~وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة، ومنه قوله تعالى - إنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو - وقال الزجاج: معناه بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة ~~الباقية، وقيل معناه: أنهم لا يعلمون كنه العقوبة، ذكره ابن فورك وضعفه ابن ~~عطية. قوله (ثم يتوبون من قريب) معناه قبل أن يحضرهم الموت كما يدل عليه ~~قوله (حتى إذا حضر أحدهم الموت) وبه قال أبو مجلز والضحاك وعكرمة وغيرهم، ~~والمراد قبل المعاينة للملائكة وغلبة المرء على نفسه، و " من " في قوله (من ~~قريب) للتبعيض: أي يتوبون بعض زمان قريب، وهو ما عدا وقت ضمور الموت، وقيل ~~معناه قبل المرض، وهو ضعيف، بل باطل لما قدمنا، ولما أخرجه أحمد والترمذي ~~وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " إن الله يقبل توبة العبد ms0744 ما لم يغرغر " وقيل ~~معناه: يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. قوله (فأولئك يتوب الله ~~عليهم) هو وعد منه سبحانه بأنه يتوب عليهم بعد بيانه أن التوبة لهم مقصورة ~~عليهم. وقوله (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) تصريح بما فهم من حصر ~~التوبة فيما سبق على من عمل السوء بجهالة ثم تاب من قريب قوله (حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت) حتى حرف ابتداء، والجملة المذكورة بعدها غاية لما قبلها، ~~وحضور الموت حضور علاماته وبلوغ المريض إلى حالة السياق ومصيره مغلوبا على ~~نفسه مشغولا بخروجها من بدنه، وهو وقت الغرغرة المذكورة في الحديث السابق، ~~وهي بلوغ روحه حلقومه، قاله الهروي. وقوله (قال إني تبت الآن) أي وقت حضور ~~الموت. قوله (ولا الذين يموتون وهم كفار) معطوف على الموصول في قوله (للذين ~~يعملون السيئات) أي ليس التوبة لأولئك ولا للذين يموتون وهم كفار مع أنه لا ~~توبة لهم رأسا، وإنما ذكروا مبالغة في بيان عدم قبول توبة من حضرهم الموت، ~~وأن وجودها كعدمها. # وقد أخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في ~~قوله (واللاتي يأتين الفاحشة) قال كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت، ~~فإن ماتت ماتت وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور - الزانية ~~والزاني فاجلدوا - فجعل الله لهن سبيلا. فمن عمل شيئا جلد وأرسل، وقد روى ~~هذا عنه من وجوه وأخرج أبو داود في سننه عنه والبيهقي في قوله (واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم) إلى قوله (سبيلا) ثم جمعهما جميعا، فقال (واللذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما) ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة من ~~التابعين، أخرجه أبو داود والبيهقي عن مجاهد وأخرجه عبد بن حميد وأبو داود ~~في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، وأخرجه البيهقي في سننه عن ~~الحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وأخرجه ابن جرير عن السدي. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في ~~قوله (واللذان ms0745 يأتيانها منكم) قال: كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير وضرب ~~بالنعال، فأنزل الله بعد هذه الآية - والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة - فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (واللذان ~~يأتيانها منكم) قال: الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~(واللذان يأتيانها منكم) يعني البكرين. وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: الرجل ~~والمرأة وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في ~~قوله - التوبة على الله - الآية قال: هذه للمؤمنين وفي قوله (وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات) قال: هذه لأهل النفاق (ولا الذين يموتون وهم كفار) ~~قال: # هذه لأهل الشرك. وأخرج ابن جرير عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير عن قتادة قال: اجتمع PageV01P439 # أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرأوا أن كل شئ عصى به فهو جهالة ~~عمدا كان أو غيره. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي العالية ~~أن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو ~~جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي عن صالح عن ابن عباس في قوله ~~(إنما التوبة على الله) الآية، قال: من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل ~~السوء (ثم يتوبون من قريب) قال: في الحياة والصحة وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه قال: القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب عن الضحاك قال: كل شئ قبل الموت فهو قريب ~~له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت فإذا تاب حين ينظر إلى ملك ~~الموت فليس له ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القريب: # ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ~~ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي ms0746 قدمنا ذكره. # هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات والمقصود نفى الظلم عنهن، والخطاب ~~للأولياء، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري وغيره ~~عن ابن عباس في قوله (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم ~~تزوجها، وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، ~~فنزلت. وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته ~~فيعضلها حتى يموت أو ترد إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه: فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها. وقد ~~روى هذا السبب بألفاظ، فمعنى قوله (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) أي لا ~~يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم وتحبسونهن ~~لأنفسكم (ولا) يحل لكم أن (تعضلوهن) عن أن يتزوجن غيركم لتأخذوا ميراثهن ~~إذا متن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح. قال الزهري وأبو ~~مجلز: كان من عاداتهم إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه من غيرها أو أقرب ~~عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء ~~تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره ~~وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت ~~أو تموت فيرثها، فنزلت الآية. وقيل الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء ~~العشرة طمعا في إرثهن، أو يفتدين ببعض مهورهن واختاره ابن عطية. قال: ودليل ~~ذلك قوله (إلا أن يأتين بفاحشة) PageV01P440 # إذا أتت بفاحشة بين فليس للولي حبسها حتى تذهب بمالها إجماعا من الأمة، ~~وإنما ذلك للزوج. قال الحسن: إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى وترد إلى ~~زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ~~ويشق عليها حتى تفتدي منه. وقال السدي: إذا فعلن ms0747 ذلك فخذوا مهورهن. وقال ~~قوم: الفاحشة البذاءة باللسان، وسوء العشرة قولا وفعلا. وقال مالك وجماعة ~~من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. # هذا كله على أن الخطاب في قوله (ولا تعضلوهن) للأزواج، وقد عرفت مما ~~قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله (ولا تعضلوهن) لمن خوطب بقوله (لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) فيكون المعنى: ولا يحل لكم أن تمنعوهن من ~~الزواج (لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) أي ما آتاهن من ترثونه (إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة) جاز لكم حبسهن عن الأزواج، ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع ~~عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعف من الزنا، وكما أن جعل قوله ~~(ولا تعضلوهن) خطابا للأولياء فيه هذا التعسف، كذلك جعل قوله (لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها) خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته لسبب نزول ~~الآية الذي ذكرناه، والأولى أن يقال إن الخطاب في قوله (لا يحل لكم) ~~للمسلمين: أي لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء كرها كما كانت ~~تفعله الجاهلية، ولا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم: أي تحبسوهن ~~عندكم مع عدم رغوبكم فيهن، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهر ~~يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم، وفي عقدتكم مع كراهتكم لهن (إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة) جاز لكم مخالعتهن ببعض ما آتيتموهن. قوله (مبينة) قرأ ~~نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسر الياء. وقرأ الباقون ~~بفتحها. وقرأ ابن عباس (مبينة) بكسر الباء وسكون الياء من أبان الشئ فهو ~~مبين. قوله (وعاشروهن بالمعروف) أي بما هو معروف في هذه الشريعة وبين أهلها ~~من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج أو لما هم أعم، وذلك يختلف باختلاف ~~الأزواج في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة (فإن كرهتموهن) لسبب من الأسباب ~~من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز (فعسى) أن يئول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب ~~الكراهة وتبدلها بالمحبة، فيكون في ذلك خير كثير من ms0748 استدامة الصحبة وحصول ~~الأولاد، فيكون الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته: أي فإن كرهتموهن ~~فاصبروا (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). قوله (وآتيتم ~~إحداهن قنطارا) قد تقدم بيانه في آل عمران والمراد به هنا المال الكثير فلا ~~تأخذوا منه شيئا. قيل هي محكمة، وقيل هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة ~~- ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله - ~~والأولى أن الكل محكم والمراد هنا غير المختلعة لا يحل لزوجها أن يأخذ مما ~~آتاها شيئا. قوله (أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) الاستفهام للإنكار ~~والتقريع. والجملة مقررة للجملة الأولى المشتملة على النهي. وقوله (وكيف ~~تأخذونه) إنكار بعد إنكار مشتمل على العلة التي تقتضي منع الأخذ: وهي ~~الإفضاء. قال الهروي: وهو إذا كانا في لحاف واحد جامع أو لم يجامع، وقال ~~الفراء: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وإن لم يجامعها. وقال ابن عباس ~~ومجاهد والسدي: الإفضاء في هذه الآية: الجماع، وأصل الإفضاء في اللغة ~~المخالطة، يقال للشيء المختلط فضاء، ويقال القوم فوضي وفضاء: أي مختلطون لا ~~أمير عليهم. قوله (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) معطوف على الجملة التي قبله: ~~أي والحال أن قد أفضى بعضكم إلى بعض، وقد أخذن منكم ميثاقا غليظا وهو عقد ~~النكاح، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقيل هو قوله تعالى - فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان - وقيل هو الأولاد. قوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء) نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو ~~شروع في بيان من PageV01P441 # يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم. ثم بين سبحانه وجه النهي عنه فقال ~~(إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) هذه الصفات الثلاث تدل على أنه من أشد ~~المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه نكاح المقت. قال ثعلب: # سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا ~~طلقها أو مات عنها، ويقال لهذا الضيزم، وأصل ms0749 المقت البغض، ومن مقته يمقته ~~مقتا فهو ممقوت ومقيت. قوله (إلا ما قد سلف) هو استثناء منقطع أي لكن ما قد ~~سلف فاجتنبوه ودعوه، وقيل إلا بمعنى بعد: أي بعد ما سلف، وقيل المعنى ولا ~~ما سلف، وقيل هو استثناء متصل من قوله (ما نكح آباؤكم) يفيد المبالغة في ~~التحريم بإخراج الكلام مخرج التعلق بالمحال: يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما ~~قد سلف فانكحوا، فلا يحل لكم غيره. قوله (وساء سبيلا) هي جارية مجرى بئس في ~~الذم والعمل، والمخصوص بالذم محذوف: أي ساء سبيلا سبيل ذلك النكاح، وقيل ~~إنها جارية مجرى سائر الأفعال، وفيها ضمير يعود إلى ما قبلها. # وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ~~قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وقد كان لهم ~~ذلك في الجاهلية، فأنزل الله (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معمر بن معن ~~بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفى عنها فجنح عليها ابنه، ~~فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت لا أنا ورثت زوجي ولا أنا ~~تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ~~عبد الرحمن بن البيلماني في قوله (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن) قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر ~~الإسلام. قال ابن المبارك (أن ترثوا النساء كرها) في الجاهلية، ولا تعضلوهن ~~في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (ولا ~~تعضلوهن) قال: لا تضر بامرأتك لتفتدي منك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~مجاهد (ولا تعضلوهن) يعني أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن زيد قال: كان العضل في قريش بمكة: ينكح الرجل المرأة ~~الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على ms0750 أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي ~~بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها ~~وإلا عضلها، وقد قدمنا عن ابن عباس في بيان السبب ما عرفت. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس في قوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قال: البغض والنشوز، فإذا ~~فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية. # وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن الضحاك نحوه أيضا. ~~وأخرج ابن جرير عن الحسن قال الفاحشة هنا الزنا. وأخرج ابن جرير عن أبي ~~قلابة وابن سيرين نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ~~(وعاشروهن بالمعروف) قال: خالطوهن. قال ابن جرير: صحفه بعض الرواة وإنما هو ~~خالقوهن. # وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق ~~المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل (وعاشروهن بالمعروف) يعني صحبتهن ~~بالمعروف (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا) فيطلقها فتتزوج من بعده رجلا ~~فيجعل الله له منها ولدا ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الخير الكثير أن يعطف عليها فترزق ولدها ~~ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وأخرج ابن ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن نحو ما قال مقاتل. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (وإن أردتم استبدال زوج) الآية، قال: إن كرهت ~~امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا. ~~وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى. قال السيوطي بسند PageV01P442 # جيد: أن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، ~~فاعترضت له امرأة من قريش فقالت: أما سمعت ما أنزل الله يقول (وآتيتم ~~إحداهن قنطارا) فقال: اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر فقال: ~~يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة ~~درهم، فمن شاء أن يعطى من ماله ما أحب. قال ms0751 أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت ~~نفسه فليفعل. قال ابن كثير: إسناده جيد قوي، وقد رويت هذه القصة بألفاظ ~~مختلفة، هذا أحدها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: الإفضاء هو الجماع، ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا) قال: الغليظ: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه وقال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح، ~~آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ~~عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر كان إذا نكح قال: # أنكحتك على ما أمر الله به، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأخرج ابن أبي ~~شيبة عن أنس بن مالك نحوه. # وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ~~ومجاهد في قوله (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) قال: أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: # هو قول الرجل ملكت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال: كلمة النكاح التي تستحل بها فروجهن. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والبيهقي في سننه في قوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء) أنها نزلت لما أراد ابن أبي قيس بن الأسلت أن يتزوج امرأة أبيه بعد ~~موته. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك (إلا ما قد سلف) إلا ما كان في الجاهلية. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ~~البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية قلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب ~~عنقه وآخذ ماله. PageV01P443 # قوله (حرمت عليكم أمهاتكم) أي نكاحهن، وقد بين الله سبحانه في هذه الآية ~~ما يحل وما ms0752 يحرم من النساء فحرم سبعا من النسب، وستا من الرضاع والصهر، ~~وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة ~~وخالتها، ووقع عليه الإجماع. فالسبع المحرمات من النسب الأمهات والبنات ~~والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. والمحرمات بالصهر ~~والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب ~~وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء، ~~والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها. قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق ~~عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم ~~يدخل بهن أزواجهن، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على ~~الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم. وقال بعض السلف: الأم والربيبة ~~سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى. قالوا: ومعنى قوله (وأمهات ~~نسائكم) أي اللاتي دخلتم بهن، وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات ~~والربائب جميعا، رواه خلاس عن علي بن أبي طالب. وروى عن ابن عباس وجابر ~~وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد، قال القرطبي: ورواية خلاس عن علي لا تقوم ~~بها حجة، ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. وقد ~~أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب بأن ذلك لا يجوز من ~~جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا، ~~فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهويت نساء زيد الظريفات، على أن يكون ~~الظريفات نعتا للجميع، فكذلك في الآية لا يجوز أن يكون اللاتي دخلتم بهن ~~نعتا لهما جميعا، لأن الخبرين مختلفان. قال ابن المنذر: والصحيح قول ~~الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله (وأمهات نسائكم). ومما يدل على ما ~~ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ~~دخل بالابنة ms0753 أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء ~~تزوج الإبنة " قال ابن كثير في تفسيره مستدلا للجمهور: وقد روى في ذلك خبر ~~غير أن في إسناده نظرا، فذكر هذا الحديث ثم قال، وهذا الخبر وإن كان في ~~إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على ~~صحته بغيره، قال في الكشاف: وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون ~~تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى انتهى. ودعوى الإجماع ~~مدفوعة بخلاف من تقدم. PageV01P444 # واعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهن وجداتهن وأم الأب وجداته وإن ~~علون، لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدته وإن سفل. ويدخل في لفظ البنات بنات ~~الأولاد وإن سفلن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين أو لأحدهما، والعمة اسم ~~لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو أحدهما. وقد تكون العمة من جهة ~~الأم وهي أخت أب الأم. والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في ~~أحدهما، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، وبنت الأخ اسم لكل ~~أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة ومباشرة وإن بعدت، وكذلك بنت الأخت. قوله ~~(وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) هذا مطلق مقيد بما ورد في السنة من كون الرضاع ~~في الحولين إلا في مثل قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة، وظاهر النظم القرآني ~~أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعا، ولكنه قد ورد ~~تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة، والبحث عن تقرير ذلك وتحقيقه يطول، وقد ~~استوفيناه في مصنفاتنا وقررنا ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع. قوله ~~(وأخواتكم من الرضاعة) الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك ~~سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الإخوة والأخوات، والأخت من ~~الأم هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. قوله (وأمهات نسائكم) قد تقدم ~~الكلام على اعتبار الدخول وعدمه. والمحرمات بالمصاهرة أربع: أم المرأة ~~وابنتها وزوجة ms0754 الأب وزوجة الابن. قوله (وربائبكم) الربيبة بنت امرأة الرجل ~~من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة. # قال القرطبي: واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل ~~بالأم وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر، فقالوا: ~~لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج، فلو كانت في بلد آخر وفارق ~~الأم فله أن يتزوج بها، وقد روى ذلك عن علي. قال ابن المنذر والطحاوي: لم ~~يثبت ذلك عن علي لأن راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس بن الحدثان عن ~~علي، وإبراهيم هذا لا يعرف. وقال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا عن علي: ~~وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم. والحجور جمع حجر. ~~والمراد أنهن في حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن كما هو الغالب - وقيل ~~المراد بالحجور البيوت: أي في بيوتكم، حكاه الأثرم عن أبي عبيدة. قوله (فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) أي في نكاح الربائب، وهو تصريح بما دل ~~عليه مفهوم ما قبله. # وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب: فروى عن ابن ~~عباس أنه قال: الدخول الجماع وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما. وقال ~~مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث والزيدية: # إن الزوج إذا لمس الأم لشهوة حرمت عليه ابنتها وهو أحد قولي الشافعي. قال ~~ابن جرير الطبري: وفي إجماع الجميع أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرم ابنتها ~~عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها وقبل النظر إلى فرجها لشهوة ما يدل ~~على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع انتهى. وهكذا حكى الإجماع القرطبي ~~فقال: وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن ~~يدخل بها حل له نكاح ابنتها. واختلفوا في النظر، فقال مالك: إذا نظر إلى ~~شعرها أو صدرها أو شئ من محاسنها للذة حرمت عليه أمها وابنتها. وقال ~~الكوفيون: إذا نظر إلى ms0755 فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة، وكذا قال ~~الثوري ولم يذكر الشهوة. وقال ابن أبي ليلى: لا تحرم بالنظر حتى يلمس، وهو ~~قول الشافعي. والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى ~~الدخول شرعا أو لغة، فإن كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس ~~أو نظر أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه ~~نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك. وأما الربيبة في ملك اليمين فقد ~~PageV01P445 # روى عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك. وقال ابن عباس: أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية ولم أكن لأفعله. وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل ~~لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح قال ~~(وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) وملك اليمين عندهم ~~تبع للنكاح إلا ما روى عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ~~ولا من تبعهم انتهى. قوله (وحلائل أبنائكم) الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة، ~~سميت بذلك لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج ~~وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محللة. وقيل لأن كل واحد ~~منهما يحل إزار صاحبه. وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على ~~الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أو لم يكن، ~~لقوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) وقوله (وحلائل أبنائكم). # واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا هل يقتضي التحريم أم لا؟ كما هو ~~مبين في كتب الفروع. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء ~~الأمصار أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى ~~أجداده. وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه ~~وابنه، فإذا اشترى جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه لا ms0756 أعلمهم ~~يختلفون فيه، فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر ~~دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم قال: ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم خلاف ما قلناه. قوله (الذين من أصلابكم) وصف ~~للأبناء: أي دون من تبنيتم من أولاد غيركم كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، ~~ومنه قوله تعالى - قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين ~~حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا - ومنه قوله تعالى - وما جعل ~~أدعياءكم أبناءكم - ومنه - ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) وأما زوجة الابن ~~من الرضاع فقد ذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل إنه إجماع مع ~~أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ووجهه ما صح عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم من قوله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ولا خلاف أن ~~أولاد الأولاد وإن سفلوا بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على ~~آبائهم. # وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال أكثر أهل ~~العلم: إذا أصاب الرجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم ~~عليه امرأته إذا زنا بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، وكذلك ~~يجوز له عندهم أن يتزوج بأم من زنى بها وبابنتها. وقالت طائفة من أهل ~~العلم: إن الزنا يقتضي التحريم. # حكى ذلك عن عمران بن حصين والشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد ~~وإسحاق وأصحاب الرأي، وحكى ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور. احتج ~~الجمهور بقوله تعالى (وأمهات نسائكم) وبقوله (وحلائل أبنائكم) والموطوءة ~~بالزنا لا يصدق عليها أنها من نسائهم ولا من حلائل أبنائهم. # وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها، فقال: لا يحرم الحرام ~~الحلال ". واحتج المحرمون بما روى في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: ~~يا غلام من أبوك؟ ms0757 فقال: فلان الراعي، فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، ~~وهذا احتجاج ساقط، واحتجوا أيضا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا ينظر ~~الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولم يفصل بين الحلال والحرام ". ~~ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرام لا ~~يحرم الحلال. # واختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري: إذا لاط بالصبي ~~حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد بن حنبل قال: إذا تلوط بابن امرأته أو أبيها ~~أو أخيها حرمت عليه امرأته. وقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام PageV01P446 # وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به. ~~ولا يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف والسقوط النازل عن قول القائلين بأن وطء ~~الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشبه على ما ~~زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم. قوله (وأن تجمعوا بين الأختين) أي ~~وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين فهو في محل رفع عطفا على المحرمات ~~السابقة، وهو يشمل الجمع بينهما بالنكاح والوطء بملك اليمين. وقيل إن الآية ~~خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين، وأما في الوطء بالملك فلاحق ~~بالنكاح، وقد أجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد النكاح. # واختلفوا في الأختين بملك اليمين، فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز ~~الجمع بينهما في الوطء بالملك، وأجمعوا على أنه يجوز الجمع بينهما في الملك ~~فقط. وقد توقف بعض السلف في الجمع بين الأختين في الوطء بالملك، وسيأتي ~~بيان ذلك. واختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية التي توطأ بالملك. ~~فقال الأوزاعي: إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها. ~~وقال الشافعي: ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت. وقد ذهبت الظاهرية إلى جواز ~~الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما يجوز الجمع بينهما في الملك. ~~قال ابن عبد البر بعد أن ذكر ما روى عن عثمان بن عفان من ms0758 جواز الجمع بين ~~الأختين في الوطء بالملك: وقد روى مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ~~ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار ~~بالحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءها من المشرق ولا بالشام ولا المغرب إلا من ~~شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس. وقد ترك من تعمد ذلك. وجماعة ~~الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما ~~لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله (حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم) إلى آخر الآية، أن النكاح بملك اليمين في هؤلاء ~~كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون قياسا ونظرا الجمع بين الأختين وأمهات النساء ~~والربائب، وكذا هو عند جمهورهم، وهي الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها، ~~والله المحمود انتهى. # وأقول: ها هنا إشكال، وهو أنه قد تقرر أن النكاح يقال على العقد فقط، ~~وعلى الوطء فقط، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والآخر مجازا، أو كونهما ~~حقيقتين معروف، فإن حملنا هذا التحريم المذكور في هذه الآية وهي قوله (حرمت ~~عليكم أمهاتكم) إلى آخرها، على أن المراد تحريم العقد عليهن لم يكن في قوله ~~تعالى (وأن تجمعوا بين الأختين) دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في ~~الوطء بالملك، وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله (حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم) إلى آخره، يستوي فيه الحرائر والإماء والعقد، والملك لا ~~يستلزم أن يكون محل الخلاف، وهو الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين ~~مثل محل الإجماع، ومجرد القياس في مثل هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد ~~عليه من النقوض، وإن حملنا التحريم المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ~~ذلك للإجماع على تحريم عقد النكاح على جميع المذكورات من أول الآية إلى ~~آخرها، فلم يبق إلا حمل التحريم في الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج ~~القائل بتحريم الجمع بين الأختين في الوطء بالملك إلى دليل ولا ينفعه أن ~~ذلك قول الجمهور، فالحق ms0759 لا يعرف بالرجال، فإن جاء به خالصا عن شوب الكدر ~~فبها ونعمت، وإلا كان الأصل الحل، ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه ~~جميعا أعني العقد والوطء، لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ~~ممنوع، أو من باب الجمع بين معنيي المشترك، وفيه الخلاف المعروف في الأصول ~~فتدبر هذا. # وقد اختلف أهل العلم إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك ثم أراد أن يطأ ~~أختها بالملك، فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد ~~وإسحاق: لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع ~~أو عتق أو بأن يزوجها. قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة، وهو أنه ينوي ~~تحريم الأولى على PageV01P447 # نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك عنهما حتى تستبرئ المحرمة ثم يغشى الثانية. ~~وفيه قول ثالث، وهو أنه لا يقرب واحدة منهما، هكذا قال الحكم وحماد. وروى ~~معنى ذلك عن النخعي. وقال مالك: إذا كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتها ~~شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى فليزمه ان ~~يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو ~~عتق أو كتابة أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن ~~يحرم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى ولم يوكل ~~ذلك إلى أمانته لأنه متهم. قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا ~~طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدة ~~المطلقة. واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها، فقالت طائفة: # ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق. روى ذلك عن علي ~~وزيد بن ثابت ومجاهد وعطاء والنخعي والثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. ~~وقالت طائفة: له أن ينكح أختها وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع وطلق واحدة ~~منهن طلاقا بائنا. روى ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ms0760 وعروة بن ~~الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد. قال ابن المنذر: ولا ~~أحسبه إلا قول مالك. وهو أيضا إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت وعطاء. قوله ~~(إلا ما قد سلف) يحتمل أن يكون معناه معنى ما تقدم من قوله تعالى (ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) ويحتمل معنى آخر، وهو جواز ~~ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في ~~الإسلام خير بين الأختين. والصواب الاحتمال الأول. قوله (والمحصنات من ~~النساء) عطف على المحرمات المذكورات. وأصل التحصين التمنع، ومنه قوله تعالى ~~- لتحصنكم من بأسكم - أي لتمنعكم، ومنه الحصان بكسر الحاء للفرس لأنه يمنع ~~صاحبه من الهلاك. والحصان بفتح الحاء: # المرأة العفيفة لمنعها نفسها، ومنه قول حسان: # حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثي من لحوم الغوافل والمصدر الحصانة ~~بفتح الحاء. والمراد بالمحصنات هنا ذوات الأزواج. وقد ورد الإحصان في ~~القرآن لمعان، هذا أحدها. والثاني يراد به الحرة، ومنه قوله تعالى (ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات) وقوله - والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أو الكتاب من قبلكم -. والثالث يراد به العفيفة ومنه ~~قوله تعالى (محصنات غير مسافحات)، (محصنين غير مسافحين). والرابع المسلمة، ~~ومنه قوله تعالى (فإذا أحصن). # وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية، أعني قوله (والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم) فقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قلابة ومكحول ~~والزهري: المراد بالمحصنات هنا: المسببات ذوات الأزواج خاصة، أي هن محرمات ~~عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال وإن كان لها ~~زوج، وهو قول الشافعي: أي أن السباء يقطع العصمة، وبه قال ابن وهب وابن عبد ~~الحكم وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور. ~~واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ كما هو مدون في كتب الفروع. وقالت ~~طائفة: المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية وعبيدة ~~السلماني وطاوس وسعيد ابن جبير ms0761 وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر. ومعنى الآية ~~عندهم: كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم: أي تملكون عصمتهن بالنكاح ~~وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري: أن رجلا قال لسعيد بن جبير: ~~أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال: كان ابن ~~عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي ~~هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل انتهى. ومعنى الآية والله أعلم واضح لا ~~سترة به: أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء: أي المزوجات أعم من أن يكن ~~مسلمات أو كافرات إلا PageV01P448 # ما ملكت أيمانكم منهن، أما بسبي فإنها تحل ولو كانت ذات زوج، أو بشراء ~~فإنها تحل ولو كانت مزوجة، وينفسخ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك ~~سيدها الذي زوجها، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية إن شاء الله، والاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. وقد قرئ فلا " المحصنات " الصاد وكسرها فالفتح على ~~أن الأزواج أحصنوهن، والكسر على أنهن أحصن فروجهن عن غير أزواجهن أو أحصن ~~أزواجهن. قوله (كتاب الله عليكم) منصوب على المصدرية: أي كتب الله ذلك ~~عليكم كتابا. وقال الزجاج والكوفيون: إنه منصوب على الإغراء: أي إلزموا ~~كتاب الله، أو عليكم كتاب الله، واعترضه أبو علي الفارسي بأن الإغراء لا ~~يجوز فيه تقديم المنصوب وهذا الاعتراض إنما يتوجه على قول من قال: إنه ~~منصوب بعليكم المذكور في الآية، وروى عن عبيدة السلماني أنه قال: إن قوله ~~(كتاب الله عليكم) إشارة إلى قوله تعالى (مثنى وثلاث ورباع) وهو بعيد بل هو ~~إشارة إلى التحريم المذكور في قوله (حرمت عليكم) إلى آخر الآية. قوله (وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وأحل على الباء ~~للمجهول وقرأ الباقون على البناء للمعلوم عطفا على الفعل المقدر في قوله ~~(كتاب الله عليكم) وقيل على قوله (حرمت عليكم) ولا يقدح في ذلك اختلاف ~~الفعلين، وفيه دلالة على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا ms0762 عام ~~مخصوص بما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تحريم الجمع بين المرأة ~~وعمتها وبين المرأة وخالتها. وقد أبعد من قال: إن تحريم الجمع بين ~~المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه حرم الجمع بين الأختين، فيكون ما في ~~معناه في حكمه، وهو الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك ~~تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرة كما سيأتي، فإنه يخصص هذا العموم. ~~قوله (أن تبتغوا بأموالكم) في محل نصب على العلة: أي حرم عليكم ما حرم وأحل ~~لكم ما أحل لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهن الله لكم ولا ~~تبتغوا بها الحرام فتذهب حال كونكم (محصنين) أي متعففين عن الزنا (غير ~~مسافحين) أي غير زانين. والسفاح: الزنا وهو مأخوذ من سفح الماء: أي صبه ~~وسيلانه فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح، لا ~~على وجه السفاح، وقيل إن قوله (أن تبتغوا بأموالكم) بدل من " ما " في قوله ~~(ما وراء ذلكم) أي وأحل لكم الابتغاء بأموالكم. والأول أولى، وأراد سبحانه ~~بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء. قوله (فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) " ما " موصولة فيها معنى الشرط، والفاء في ~~قوله (فآتوهن) لتضمن الموصول معنى الشرط، والعائد محذوف: أي فآتوهن أجورهن ~~عليه. # وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية: فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى ~~فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي (فآتوهن أجورهن) أي ~~مهورهن. وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر ~~الإسلام، ويؤيد ذلك قراءة أبي بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير (فما ~~استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) ثم نهى عنها النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كما صح ذلك من حديث علي قال: # نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر ~~الأهلية يوم خيبر، وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن ~~معبد الجهني عن النبي صلى الله عليه وآله ms0763 وسلم أنه قال يوم فتح مكة " يا ~~أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرم ذلك إلى ~~يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شئ فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا ". وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ. وقال ~~سعيد بن جبير: نسختها آيات الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة ~~والقاسم بن محمد: PageV01P449 # تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى - هم لفروجهم حافظون إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - وليست المنكوحة بالمتعة من ~~أزواجهم ولا مما ملكت أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست ~~المستمتع بها كذلك. وقد روى عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية ~~لم تنسخ. # وروى عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ. وقد قال بجوازها جماعة من ~~الروافض ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام ~~على هذه المسألة وتقوية ما قاله المجوزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان ~~بطلان كلامه. # وقد طولنا البحث ودفعنا الشبه الباطلة التي تمسك بها المجوزون لها في ~~شرحنا للمنتقى فليرجع إليه. قوله (فريضة) منتصب على المصدرية المؤكدة أو ~~على الحال: أي مفروضة. قوله (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة) أي من زيادة أو نقصان في المهر فإن ذلك سائغ عند التراضي، هذا عند ~~من قال بأن الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها في ~~المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة مدة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما ~~دفعه إليها إلى مقابل الاستمتاع بها أو نقصانه. قوله (ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات) الطول: الغنى والسعة، قاله ابن عباس ~~ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ~~ثور وجمهور أهل العلم. ومعنى الآية: فمن لم يستطع منكم غنى وسعة في ماله ~~يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات فلينكح من فتياتكم المؤمنات، يقال طال ~~يطول طولا ms0764 في الإفضال والقدرة، وفلان ذو طول: أي ذو قدرة في ماله. والطول ~~بالضم: ضد القصر. وقال قتادة والنخعي وعطاء والثوري: إن الطول الصبر. ومعنى ~~الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، ~~فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في ~~المال لنكاح حرة. وقال أبو حنيفة وهو مروي عن مالك: إن الطول المرأة الحرة ~~فمن كان تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة، ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن ~~يتزوج أمة ولو كان غنيا، وبه قال أبو يوسف، واختاره ابن جرير واحتج له. ~~والقول الأول هو المطابق لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا يجوز ~~للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ~~ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره. وقد استدل بقوله (من فتياتكم ~~المؤمنات) على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وبه قال أهل الحجاز وجوزه ~~أهل العراق ودخلت الفاء في قوله (فمما ملكت أيمانكم) لتضمن المبتدأ معنى ~~الشرط. # وقوله (من فتياتكم المؤمنات) في محل نصب على الحال، فقد عرفت أنه لا يجوز ~~للرجل الحر أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرة. والشرط ~~الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله (ذلك لمن خشي العنت منكم) ~~فلا يحل للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت. ~~والمراد هنا الأمة المملوكة للغير، وأما أمة الإنسان نفسه فقد وقع الإجماع ~~على أنه لا يجوز له أن يتزوجها، وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. # والفتيات جمع فتاة، والعرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة. وفي الحديث ~~الصحيح " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل فتاي وفتاتي " قوله (والله ~~أعلم بإيمانكم) غير فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان ~~المذكوران: أي كلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من ~~الزواج بالإيماء عند الضرورة، فربما ms0765 كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان ~~بعض الحرائر. والجملة اعتراضية. وقوله (بعضكم من بعض) مبتدأ وخبر ومعناه: ~~أنهم متصلون في الأنساب لأنهم جميعا بنو آدم، أو متصلون في الدين لأنهم ~~جميعا أهل ملة واحدة وكتابهم واحد ونبيهم واحد. والمراد بهذا توطئة نفوس ~~العرب، لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء ويستصغرونهم ويغضون PageV01P450 # منهم (فانكحوهن بإذن أهلهن) أي بإذن المالكين لهن، لأن منافعهن لهم لا ~~يجوز لغيرهم أن ينتفع بشئ منها إلا بإذن من هي له. قوله (وآتوهن أجورهن ~~بالمعروف) أي أدوا إليهن مهورهن بما هو بالمعروف في الشرع، وقد استدل بهذا ~~من قال: إن الأمة أحق بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك، وذهب الجمهور إلى ~~أن المهر للسيد، وإنما أضافها إليهن، لأن التأدية إليهن تأدية إلى سيدهن ~~لكونهن ماله. قوله (محصنات) أي عفائف. وقرأ الكسائي محصنات بكسر الصاد في ~~جميع القرآن إلا في قوله (والمحصنات من النساء) وقرأ الباقون بالفتح في ~~جميع القرآن. قوله (غير مسافحات) أي غير معلنات بالزنا. والأخدان: الأخلاء، ~~والخدن والخدين المخادن: أي المصاحب - وقيل ذات الخدن: هي التي تزني سرا، ~~فهو مقابل للمسافحة، وهي التي تجاهر بالزنا، وقيل المسافحة، المبذولة، وذات ~~الخدن، التي تزني بواحد، وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا ولا تعيب اتخاذ ~~الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك، قال الله - ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن -. قوله (فإذا أحصن) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة. ~~وقرأ الباقون بضمها، والمراد بالإحصان هنا الإسلام. روى ذلك عن ابن مسعود ~~وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم ~~النخعي والشعبي والسدي وروى عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع وهو الذي نص ~~عليه الشافعي، وبه قال الجمهور: وقال ابن عباس وأبو الدرداء ومجاهد وعكرمة ~~وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم: إنه التزويج. وروى عن الشافعي ~~فعلى القول الأول لا حد على الأمة الكافرة. وعلى القول الثاني لاحد على ~~الأمة التي لم تتزوج. وقال القاسم وسالم: # إحصانها إسلامها وعفافها. وقال ابن جرير: ms0766 إن معنى القراءتين مختلف، فمن ~~قرأ أحصن بضم الهمزة فمعناه التزويج ومن قرأ بفتح الهمزة فمعناه الإسلام. ~~وقال قوم: إن الإحصان المذكور في الآية هو التزوج، ولكن الحد واجب على ~~الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوج بالسنة، وبه قال الزهري. قال ابن عبد ~~البر: ظاهر قول الله عز وجل يقتضي أنه لا حد على الأمة وإن كانت مسلمة إلا ~~بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، وكان ذلك زيادة بيان. قال ~~القرطبي: ظهر المسلم حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف لولا ~~ما جاء في صحيح السنة من الجلد. قال ابن كثير في تفسيره: والأظهر والله ~~أعلم أن المراد بالإحصان هنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ~~سبحانه (ومن لم يستطع منكم طولا) إلى قوله (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فالسياق كله في الفتيات المؤمنات ~~فتعين أن المراد بقوله (فإذا أحصن) أي تزوجن كما فسره به ابن عباس ومن ~~تبعه، قال: وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، لأنهم يقولون إن ~~الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة مزوجة أو بكرا، ~~مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء. وقد اختلفت ~~أجوبتهم عن ذلك، ثم ذكر أن منهم من أجاب وهم الجمهور بتقديم منطوق الأحاديث ~~على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية، وقال: إذا زنت ولم تحصن ~~فلا حد عليها وإنما تضرب تأديبا. قال: وهو المحكي عن ابن عباس واليه ذهب ~~طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد وداود الظاهري في رواية عنه، فهؤلاء قدموا ~~مفهوم الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في ~~الصحيحين وغيرهما " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الأمة: ~~إذا زنت ولم تحصن، قال: إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت ~~فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير " بأن المراد بالجلد ms0767 هنا التأديب وهو تعسف، ~~وأيضا قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ~~ثم إن زنت فليجلدها الحد " الحديث. ولمسلم من حديث علي PageV01P451 # قال " يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن ومن لم يحصن، فإن ~~أمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زنت فأمرني أن أجلدها " الحديث. ~~وأما ما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج، فإذا ~~أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب " فقد قال ابن خزيمة ~~والبيهقي: إن رفعه خطأ، والصواب وقفه قوله (فإن أتين بفاحشة) الفاحشة هنا ~~الزنا (فعليهن نصف ما على المحصنات) أي الحرائر الأبكار، لأن الثيب عليها ~~الرجم وهو لا يتبعض، وقيل المراد بالمحصنات هنا المزوجات، لأن عليهن الجلد ~~والرجم، والرجم لا يتبعض، فصار عليهن نصف ما عليهن من الجلد. والمراد ~~بالعذاب هنا الجلد، وإنما نقص جد الإماء عن حد الحرائر لأنهن أضعف، وقيل ~~لأنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر، وقيل لأن العقوبة تجب على قدر ~~النعمة كما في قوله تعالى - يضاعف لها العذاب ضعفين - ولم يذكر الله سبحانه ~~في هذه الآية العبيد وهم لاحقون بالإيماء بطريق القياس، وكما يكون على ~~الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا، كذلك يكون عليهم نصف الحد في القذف ~~والشرب، والإشارة بقوله (ذلك لمن خشي العنت منكم) إلى نكاح الإماء. والعنت: # الوقوع في الإثم، وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل ~~مشقة (وأن تصبروا) عن نكاح الإماء (خير لكم) من نكاحهن: أي صبركم خير لكم ~~لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغض من النفس. قوله (يريد الله ليبين ~~لكم) اللام هنا هي لام كي التي تعاقب " أن ". قال الفراء: العرب تعاقب بين ~~لام كي وأن، فتأتي باللام التي على معنى كي في ms0768 موضع أن في أردت وأمرت، ~~فيقولون أردت أن تفعل وأردت لتفعل، ومنه - يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفواههم - وأمرت لأعدل بينكم - وأمرنا لنسلم لرب العالمين - ومنه: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل وحكى الزجاج هذا القول ~~وقال: لو كانت اللام بمعنى أن لدخلت عليها لام أخرى كما تقول: جئت كي ~~تكرمني، ثم تقول: جئت لكي تكرمني، وأنشد: # أردت لكيما يعلم الناس أنها * سراويل قيس والوفود شهود وقيل اللام زائدة ~~لتأكيد معنى الاستقبال، أو لتأكيد إرادة التبيين، ومفعول يبين محذوف: أي ~~ليبين لكم ما خفى عليكم من الخير، وقيل مفعول يريد محذوف: أي يريد الله هذا ~~ليبين لكم، وبه قال البصريون وهو مروي عن سيبويه، وقيل اللام بنفسها ناصبة ~~للفعل من غير إضمار أن، وهي وما بعدها مفعول للفعل المتقدم، وهو مثل قول ~~الفراء السابق، وقال بعض البصريين: إن قوله (يريد) مؤول بالمصدر مرفوع ~~بالابتداء مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. ومعنى الآية: يريد الله ~~ليبين لكم مصالح دينكم وما يحل لكم وما يحرم عليكم (ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم) أي طرقهم، وهم الأنبياء وأتباعهم لتقتدوا بهم (ويتوب عليكم) أي ~~ويريد أن يتوب عليكم فتوبوا إليه وتلاقوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ~~ذنوبكم (والله يريد أن يتوب عليكم) هذا تأكيد لما قد فهم من قوله (ويتوب ~~عليكم) المتقدم، وقيل الأول معناه للإرشاد إلى الطاعات: والثاني فعل ~~أسبابها، وقيل إن الثاني لبيان كمال منفعة إرادته سبحانه وكمال ضرر ما ~~يريده الذين يتبعون الشهوات، وليس المراد به مجرد إرادة التوبة حتى يكون من ~~باب التكرير للتأكيد، قيل هذه الإرادة منه سبحانه في جميع أحكام الشرع، ~~وقيل في نكاح الأمة فقط. # واختلف في تعيين المتبعين للشهوات، فقيل هم الزناة، وقيل اليهود ~~والنصارى، وقيل اليهود خاصة، PageV01P452 # وقيل هم المجوس لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من ~~الأب. والأول أولى. والميل: # العدول عن طريق الاستواء. والمراد بالشهوات هنا ما حرمه الشرع دون ما ~~أحله، ووصف الميل بالعظم بالنسبة إلى ميل ms0769 من اقترف خطيئة نادرا. قوله ~~(والله يريد أن يخفف عنكم) بما مر من الترخيص لكم، أو بكل ما فيه تخفيف ~~عليكم (وخلق الإنسان ضعيفا) عاجزا غير قادر على ملك نفسه ودفعها عن شهواتها ~~وفاء بحق التكليف فهو محتاج من هذه الحيثية إلى التخفيف، فلهذا أراد الله ~~سبحانه التخفيف عنه. # وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: حرم من النسب سبع ومن الصهر ~~سبع، ثم قرأ (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله (وبنات الأخت) هذا من النسب، ~~وباقي الآية من الصهر، والسابعة (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء). ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن عمران بن حصين في ~~قوله (وأمهات نسائكم) قال: هي مبهمة. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس قال: هي ~~مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها. وأخرج ~~هؤلاء إلا البيهقي عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن ~~يدخل بها هل تحل له أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ~~ثابت أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا ~~طلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال في قوله (وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم) أريد بهما الدخول جميعا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: الربيبة والأم سواء لا بأس بهما ~~إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن مالك بن ~~أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، ~~فلقيني علي بن أبي طالب فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال علي لها: ~~ابنة؟ قلت: # نعم وهي بالطائف، قال: كانت في حجرك؟ قلت لا: قال: فانكحها، قلت: فأين ~~قول الله (وربائبكم اللاتي في حجوركم)؟ قال: إنها لم تكن في ms0770 حجرك. # وقد قدمنا قول من قال: إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الدخول الجماع. ~~وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء ~~قال: كنا نتحدث أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لما نكح امرأة زيد قال ~~المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) ونزلت ~~- وما جعل أدعياءكم وأبناءكم - ونزلت - ما كان محمد أبا أحد من رجالكم -. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وأن تجمعوا بين الأختين) قال يعنى ~~في النكاح. وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال: ذلك في الحرائر، فأما ~~المماليك فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك ~~والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي ~~في سننه عن عثمان بن عفان: أن رجلا سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع ~~بينهما؟ قال: # أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلا ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ~~ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شئ ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن علي: أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، ~~وطئ إحداهما وأراد أن يطأ الأخرى، فقال: لا حتى يخرجها من ملكه، وقيل فإن ~~زوجها عبده؟ قال: # لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن PageV01P453 # معسود: أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين فكرهه، فقيل يقول الله ~~(إلا ما ملكت إيمانكم) فقال: # وبعيرك أيضا مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي ~~صالح عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين: أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية ولا آمر ولا أنهى، ولا ms0771 أحل ولا أحرم، ولا أفعل أنا وأهل بيتي. وأخرج ~~أحمد عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على المرأة وابنتها مملوكتين ~~له؟ فقال: # أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي ~~عنه في الأختين من ملك اليمين: # أحلتهما آية وحرمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن ~~ابن عمر قال: إذا كان للرجل جاريتان أختان فغشي إحداهما فلا يقرب الأخرى ~~حتى يخرج التي غشي من ملكه. وأخرج البيهقي عن مقاتل ابن سليمان قال: إنما ~~قال الله في نساء الآباء (إلا ما قد سلف) لأن العرب كانوا ينكحون نساء ~~الآباء، ثم حرم النسب والصهر فلم يقل إلا ما قد سلف، لأن العرب كانت لا ~~تنكح النسب والصهر. وقال في الأختين (إلا ما قد سلف) لأنهم كانوا يجمعوا ~~بينهما فحرم جمعها جميعا إلا ما قد سلف قبل التحريم (إن الله كان غفورا ~~رحيما) لما كان من جماع الأختين قبل التحريم. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم ~~وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك ~~(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم) يقول: إلا ما أفاء الله عليكم. ~~وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة عن ~~سعيد ابن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس في قوله (والمحصنات من النساء) ~~قال: كل ذات إتيانها زنا إلا ما سببت. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة ~~والطبراني عن علي وابن مسعود في قوله (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم) قال: على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود: المشركات ~~والمسلمات. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ms0772 قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج ~~فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (والمحصنات من ~~النساء) قال: ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أنس بن مالك ~~مثله. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (والمحصنات) قال: العفيفة العاقلة من ~~مسلمة أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه في الآية قال: ~~لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد فهو عليه حرام كأمه وأخته. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية في قوله (والمحصنات من النساء) قال: ~~يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، ثم حرم ما حرم من ~~النسب والصهر، ثم قال (والمحصنات من النساء) فرجع إلى أول السورة فقال: # هن حرام أيضا، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي ~~شيبة وابن جرير عن عبيدة قال: أحل الله لك أربعا في أول السورة، وحرم نكاح ~~كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " الإحصان إحصانان: إحصان نكاح، ~~وإحصان عفاف " فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد فهن العفائف، ومن قرأها ~~والمحصنات بالفتح فهن المتزوجات. قال ابن أبي حاتم: قال أبي هذا حديث منكر. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وأحل لكم ما وراء ذلكم) قال: ما ~~وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى قال: PageV01P454 # ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: ما وراء ذات القرابة. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (وأحل لكم ما وراء ذلكم) قال: ما ~~ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني نحوه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (محصنين غير ~~مسافحين) قال: غير زانين. ms0773 وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فآتوهن أجورهن) يقول: ~~إذا تزوج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله ~~والاستمتاع هو النكاح، وهو قوله - وآتوا النساء صدقاتهن -. وأخرج الطبراني ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا ~~يقرءون هذه الآية (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) الآية، فكان الرجل ~~يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته ليحفظ ~~متاعه ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية (حرمت عليكم أمهاتكم) فنسخت الأولى ~~فحرمت المتعة وتصديقها من القرآن - إلا على أزواجهم أو ملكت أيمانهم - وما ~~سوى هذا الفرج فهو حرام. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه ~~أن ابن عباس قرأ (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى) وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن أبي بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير عن السدى ~~والأحاديث في تحليل المتعة ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة أو مرتين؟ مذكورة ~~في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه وابن المنذر والطبراني ~~والبيهقي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ماذا صنعت ذهبت الركاب ~~بفتياك وقالت فيها الشعراء قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا: # أقول للشيخ لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في رحضة ~~الأعطاف آنسة * تكون مثواك حتى مصدر الناس فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~لا والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ ولا ~~أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير ~~عن حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال ~~الله (ولا عليكم فيما تراضيتم به ms0774 من بعد الفريضة) وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم ~~به) قال: الراضي أن يوفي لها صداقها ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ~~في الآية قال: إن وضعت لك منه شيئا فهو سائغ وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس (ومن لم يستطع منكم طولا) ~~يقول: من لم يكن له سعة (أن ينكح المحصنات) يقول الحرائر (فمما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) فلينكح من إماء المؤمنين (محصنات غير ~~مسافحات) يعني عفائف غير زواني في سر ولا علانية (ولا متخذات أخدان) إلا ~~يعنى أخلاء (فإذا أحصن) ثم إذا تزوجت حرا ثم زنت (فليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب) قال: من الجلد (ذلك لمن خشى العنت منكم) هو الزنا، ~~فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا أن لا يقدر على حرة وهو يخشى العنت ~~(وأن تصبروا) عن نكاح الإماء (فهو خير لكم). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد (ومن لم يستطع منكم طولا) يعني من لا يجد ~~منكم غنى (أن ينكح المحصنات) يعني الحرائر فلينكح الأمة المؤمنة (وأن ~~تصبروا) عن نكاح الإماء (خير لكم) وهو حلال. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر عنه قال مما وسع الله به على هذه الأمة نكاح الأمة النصرانية ~~واليهودية وإن كان موسرا. وأخرج PageV01P455 # عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عنه قال: لا يصلح نكاح ~~إماء أهل الكتاب، لأن الله يقول (من فتياتكم المؤمنات). وأخرج عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة عن الحسن " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن ~~تنكح الأمة على الحرة والحرة على الأمة، ومن وجد طولا لحرة فلا ينكح أمة ". ~~وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال: لا يتزوج الحر من الإماء إلا ~~واحدة وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في ~~وقوله ms0775 (والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض) يقول: أنتم إخوة بعضكم من بعض. ~~وأخرج ابن المنذر عن السدى (فانكحوهن بإذن أهلهن) قال بإذن مواليهن (وآتوهن ~~أجورهن) قال: مهورهن. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: المسافحات المعلنات ~~بالزنا، والمتخذات أخدان: # ذات الخليل الواحد. قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ~~ويستحلون ما خفى، فأنزل الله، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن -. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(فإذا أحصن) قال: إحصانها إسلامها. وقال على: اجلدوهن. قال ابن أبي حاتم ~~حديث منكر وقال ابن كثير في إسناده ضعيف ومبهم لم يسم، ومثله لا تقوم به ~~حجة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس قال: حد العبد يفتري على ~~الحر أربعون. وأخرج ابن جرير عنه قال: العنت الزنا. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس (ويريد الذين يتبعون الشهوات) قال: الزنا. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (يريد الله أن يخفف عنكم) يقول: ~~في نكاح الأمة وفي كل شئ فيه يسر. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد (يريد الله أن ~~يخفف عنكم) قال: رخص لكم في نكاح الإماء (وخلق الإنسان ضعيفا) قال: لو لم ~~يرخص له فيها. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: ثماني ~~آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: ~~أولهن (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله ~~عليم حكيم)، والثانية (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما)، والثالثة (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا)، والرابعة (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما)، والخامسة (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) ~~الآية، والسادسة (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله) الآية، ~~والسابعة (إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية، والثامنة (والذين ms0776 آمنوا ~~بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم وكان الله) ~~للذين عملوا من الذنوب (غفورا رحيما). # الباطل: ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة، ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها ~~الشرع. والتجارة في اللغة عبارة عن المعارضة، وهذا الاستثناء منقطع: أي لكن ~~تجارة عن تراض منكم جائزة بينكم، أو لكن PageV01P456 # كون تجارة عن تراض منكم حلالا لكم. وقوله (عن تراض) صفة لتجارة: أي كائنة ~~عن تراض، وإنما نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات ~~لكونها أكثرها وأغلبها، وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه ~~المجاز، ومنه قوله تعالى - هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - وقوله ~~- يرجون تجارة لن تبور -. # واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة: تمامه وجوبه بافتراق الأبدان ~~بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر كما في الحديث الصحيح " ~~البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر ". # وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري ~~والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. وقال مالك وأبو حنيفة: تمام ~~البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فيرتفع بذلك الخيار وأجابوا عن الحديث بما ~~لا طائل تحته. وقد قرئ تجارة بالرفع على أن كان تامة، وتجارة بالنصب على ~~أنها ناقصة. قوله (ولا تقتلوا أنفسكم) أي لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضا ~~إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي أو المراد ~~النهى عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه ~~المعاني. ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء ~~المارد حين أجنب في غزاة ذات السلاسل، فقرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~احتجاجه وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما. قوله (ومن يفعل ذلك) أي ~~القتل خاصة أو أكل أموال الناس ظلما والقتل عدوانا وظلما، وقيل هو إشارة ~~إلى كل ما نهى عنه في هذه السورة وقال ابن جرير: إنه عائد على ما نهى ms0777 عنه ~~من آخر وعيد قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها) لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد إلا من قوله (يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم) فإنه لا وعيد بعده إلا قوله (ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما) والعدوان: تجاوز الحد. والظلم: وضع الشئ في غير موضعه، وقيل إن معنى ~~العدوان والظلم واحد، وتكريره لقصد التأكيد كما في قول الشاعر: # * وألفى قولها كذبا ومينا * وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل ~~بحق كالقصاص وقتل المرتد وسائر الحدود الشرعية وكذلك قتل الخطأ. قوله (فسوف ~~نصليه) جواب الشرط: أي ندخله نارا عظيمة (وكان ذلك) أي إصلاؤه النار (على ~~الله يسيرا) لأنه لا يعجزه بشئ. وقرئ " نصليه " بفتح النون، روى ذلك عن ~~الأعمش والنخعي، وهو على هذه القراءة منقول من صلى، ومنه شاة مصلية. قوله ~~(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) أي إن تجتنبوا كبائر ~~الذنوب التي نهاكم الله عنها (نكفر عنكم سيئاتكم) أي ذنوبكم التي هي صغائر، ~~وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها، وجعل اجتنابها ~~شرطا لتكفير السيئات. # وقد اختلف أهل الأصول في تحقيق معنى الكبائر ثم في عددها، فأما في ~~تحقيقها فقيل إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ~~ما هو أكبر منها، كما يقال: الزنا صغيرة بالإضافة إلى الكفر، والقبلة ~~المحرمة صغيرة بالإضافة إلى الزنا، وقد روى نحو هذا عن الأسفرايني والجويني ~~والقشيري وغيرهم قالوا والمراد بالكبائر التي يكون اجتنابها سببا لتكفير ~~السيئات هي الشرك، واستدلوا على ذلك بقراءة من قرأ (إن تجتنبوا كبير ما ~~تنهون عنه) وعلى قراءة الجمع، فالمراد أجناس الكفر، واستدلوا على ما قالوه ~~بقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ~~قالوا: فهذه الآية مقيدة لقوله (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) وقال ابن ~~عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ms0778 ابن ~~مسعود: # الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية. وقال سعيد ~~بن جبير كل ذنب نسبه الله إلى النار PageV01P457 # فهو كبيرة. وقال جماعة من أهل الأصول: الكبائر كل ذنب رتب الله عليه الحد ~~أو صرح بالوعيد فيه. وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره. وأما ~~الاختلاف في عددها فقيل: إنها سبع، وقيل سبعون، وقيل سبعمائة، وقيل غير ~~منحصرة، ولكن بعضها أكبر من بعض، وسيأتي ما ورد في ذلك إن شاء الله. قوله ~~(وندخلكم مدخلا) أي مكان دخول وهو الجنة (كريما) أي حسنا مرضيا، وقد قرأ ~~أبو عمرو وابن كثير وابن عامر والكوفيون (مدخلا) بضم الميم. وقرأ أهل ~~المدينة بفتح الميم، وكلاهما اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدرا. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح عن ابن مسعود في ~~قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) قال: ~~إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة ~~والحسن في الآية قال: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد الناس بعد ما نزلت ~~هذه الآية، فنسخ ذلك الآية التي في النور - ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم - الآية. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر عن أبي سعيد قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنما البيع عن تراض " وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن أبي صالح وعكرمة في قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) قالا: ~~نهاهم عن قتل بعضهم بعضا. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير ~~عن عطاء بن أبي رباح نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدى (ولا ~~تقتلوا أنفسكم) قال: أهل دينكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في ~~قوله (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما) يعنى متعمدا اعتداء بغير حق (وكان ذلك ~~على الله يسيرا) يقول: كان عذابه على الله هينا. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت قوله تعالى (ومن ms0779 يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف ~~نصليه نارا) في كل ذلك أم في قوله (ولا تقتلوا أنفسكم)؟ قال: بل في قوله ~~(ولا تقتلوا أنفسكم). وأخرج عبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: هان ما سألكم ~~ربكم (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: ~~كل ما نهى عنه فهو كبيرة، وقد ذكرت الطرفة: يعني النظرة. وأخرج ابن جرير ~~عنه قال: كل شئ عصى الله فيه فهو كبيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كل ما ~~وعد الله عليه النار كبيرة. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الشعب عنه قال: ~~الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وأخرج ابن جرير عن ~~سعيد بن جبير ما قدمنا عنه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس: أنه سئل عن الكبائر ~~أسبع هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه: أن رجلا سأله كم الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها ~~إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وأخرج البيهقي ~~في الشعب عنه كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة، وليس بكبيرة ما تاب عنه العبد. ~~وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ ~~قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل ~~الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات " وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، ~~قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ~~وشهادة الزور، فما زال يكررها ms0780 حتى قلنا ليته سكت ". وأخرج PageV01P458 # البخاري وغيره عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وقتل النفس " شك شعبة " واليمين ~~الغموس ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إن من أكبر الكبائر إن يلعن الرجل والديه، قالوا: ~~وكيف يعلن الرجل والديه؟ # قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه "، والأحاديث في تعداد ~~الكبائر وتعيينها كثيرة جدا، فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك، فعليه ~~بكتاب الزواجر في الكبائر، فإنه قد جمع فأوعى. # واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب ~~الكبائر بما أخرجه النسائي وابن ماجة وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان ~~والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم جلس على المنبر ثم قال " والذي نفسي بيده ما من عبد يصلى ~~الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويؤدى الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ~~أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفق، ثم تلا - إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم - ". وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد ~~بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي ~~في الشعب عن ابن مسعود قال: إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها ~~الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها: قوله تعالى ~~(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) الآية، وقوله (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) ~~الآية، وقوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية، وقوله (ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك) الآية، وقوله (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) الآية. # قوله (ولا تتمنوا) التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع ~~منها يتعلق بالماضي، وفيه النهى عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره ~~من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم ms0781 الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين ~~عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة، وفيه أيضا نوع من الحسد المنهى عنه ~~إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير. # وقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي أن يتمنى أن يكون به حال ~~مثل حال صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه، فذهب الجمهور إلى ~~جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح " لا حسد PageV01P459 # إلا في اثنين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء ~~النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " وقد بوب ~~عليه البخاري " باب الاغتباط في العلم والحكم " وعموم لفظ الآية يقتضي ~~تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا بما يصير به من جنس الحسد أم ~~لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصا لهذا العموم، ~~وسيأتي ذكر سبب نزول الآية، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ~~وقوله (للرجال نصيب) الخ، فيه تخصيص بعد التعميم ورجوع إلى ما يتضمنه سبب ~~نزول الآية من أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزى ولا ~~نقاتل فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت. أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~والبيهقي، وقد روى نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة. والمعنى في الآية: ~~أن الله جعل لكل من الفريقين نصيبا على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته، وعبر ~~عن ذلك المجعول لكل فريق من فريقي النساء والرجال بالنصيب مما اكتسبوا من ~~الثواب والعقاب وللنساء كذلك. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث ~~والاكتساب على هذا القول بمعنى ما ذكرنا. قوله (واسألوا الله من فضله) عطف ~~على قوله (ولا تتمنوا) وتوسيط التعليل بقوله (للرجال نصيب) الخ. بين ~~المعطوف والمعطوف عليه لتقرير ما تضمنه النهي، وهذا الأمر يدل على وجوب ~~سؤال الله سبحانه من فضله كما قال جماعة من أهل العلم. قوله (ولكل جعلنا ~~موالي مما ms0782 ترك الوالدان والأقربون) أي جعلنا لكل إنسان ورثة موالي يلون ~~ميراثه، فلكل مفعول ثان قدم على الفعل لتأكيد الشمول، وهذه الجملة مقررة ~~لمضمون ما قبلها: أي ليتبع كل أحد ما قسم الله له من الميراث، ولا يتمن ما ~~فضل الله به غيره عليه - وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله بعدها (والذين ~~عاقدت أيمانكم) وقيل العكس كما روى ذلك ابن جرير. وذهب الجمهور إلى أن ~~الناسخ لقوله (والذين عاقدت أيمانكم) قوله تعالى - وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض - والموالي جمع مولى، وهو يطلق على المعتق والمعتق والناصر وابن ~~العم والجار قيل والمراد هنا العصبة: أي ولكل جعلنا عصبة يرثون ما أبقت ~~الفرائض. قوله (والذين عاقدت أيمانكم) المراد بهم موالي الموالاة: كان ~~الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل: أي يحالفه فيستحق من ميراثه نصيبا، ثم ~~ثبت في صدر الإسلام بهذه الآية، ثم نسخ بقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض - وقراءة الجمهور " عاقدت " وروى عن حمزة أنه قرأ " عقدت " بتشديد ~~القاف على التكثير: أي والذين عقدت لهم أيمانكم الحلف، أو عقدت عهودهم ~~أيمانكم، والتقدير على قراءة الجمهور: # والذين عاقدتهم له أيمانكم فآتوهم نصيبهم: أي ما جعلتموه لهم بعقد الحلف. ~~قوله (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض) هذه الجملة ~~مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي استحق بها الرجال الزيادة، كأنه قيل ~~كيف استحق الرجال ما استحقوا مما لم تشاركهم فيه النساء، فقال (الرجال ~~قوامون) الخ، والمراد أنهم يقومون بالذب عنهن كما تقوم الحكام والأمراء ~~بالذب عن الرعاية، وهم أيضا يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة ~~والمسكن وجاء بصيغة المبالغة في قوله (قوامون) ليدل على أصالتهم في هذا ~~الأمر، والباء في قوله (بما فضل الله) للسببية والضمير في قوله (بعضهم على ~~بعض) للرجال والنساء: أي إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله للرجال على ~~النساء بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء ~~والغزاة وغير ذلك من الأمور. قوله (وبما أنفقوا) أي وبسبب ما أنفقوا من ~~أموالهم، وما مصدرية ms0783 أو موصولة، وكذلك هي في قوله (بما فضل الله) ومن ~~تبعيضية، والمراد ما أنفقوه في الإنفاق على النساء، وبما دفعوه في مهروهن ~~من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد وما يلزمهم في العقل. PageV01P460 # وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز ~~الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك والشافعي وغيرهما. قوله ~~(فالصالحات) أي من النساء (قانتات) أي مطيعات لله قائمات بما يجب عليهن من ~~حقوق الله وحقوق أزواجهن (حافظات للغيب) أي لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن ~~عنهن من حفظ نفوسهن وحفظ أموالهم، " وما " في قوله (بما حفظ الله) مصدرية: ~~أي بحفظ الله. والمعنى: أنهن حافظات لغيب أزواجهن بحفظ الله لهن ومعونته ~~وتسديده، أو حافظات له بما استحفظهن من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه ~~الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهن بما أوصى به الأزواج في ~~شأنهن من حسن العشرة، ويجوز أن تكون " ما " موصولة والعائد محذوف. وقرأ أبو ~~جعفر (بما حفظ الله) بنصب الاسم الشريف. والمعنى بما حفظن الله: أي حفظن ~~أمره، أو حفظن دينه، فحذف الضمير الراجع إليهن للعلم به، و " ما " على هذه ~~القراءة مصدرية، أو موصولة، كالقراءة الأولى: أي بحفظهن الله، أو بالذي ~~حفظن الله به. قوله (واللاتي تخافون نشوزهن) هذا خطاب للأزواج، قيل الخوف ~~هنا على بابه، وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظن ~~حدوثه، وقيل المراد بالخوف هنا العلم، والنشوز: العصيان. وقد تقدم بيان أصل ~~معناه في اللغة. قال ابن فارس: يقال نشزت المرأة: استعصت على بعلها، ونشز ~~بعلها عليها: إذا ضربها وجفاها (فعظوهن أي ذكروهن بما أوجبه الله عليهن من ~~الطاعة وحسن العشرة، ورغبوهن ورهبوهن (واهجروهن في المضاجع) يقال هجره: أي ~~تباعد منه. والمضاجع: جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع: أي تباعدوا عن مضاجعتهن ~~ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب، وقيل هو أنه ~~يوليها ظهره عند الاضطجاع، وقيل هو كناية عن ترك جماعها، وقيل لا ms0784 تبيت معه ~~في البيت الذي يضطجع فيه (واضربوهن) أي ضربا غير مبرح. # وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة ~~النشوز، وقيل إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثر الوعظ لم ~~ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب (فإن أطعنكم) كما يجب ~~وتركن النشوز (فلا تبغوا عليهن سبيلا) أي لا تتعرضوا لهن بشئ مما يكرهن لا ~~بقول ولا بفعل، وقيل المعنى: # لا تكلفوهن الحب لكم فإنه لا يدخل تحت اختيارهن (إن الله كان عليا كبيرا) ~~إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب: أي وإن كنتم تقدرون عليهن ~~فاذكروا قدرة الله عليكم فإنها فوق كل قدرة، والله بالمرصاد لكم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) يقول: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت أن ~~لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله ~~(للرجال نصيب مما اكتسبوا) يعني مما ترك الوالدان والأقربون للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة: أن سبب نزول الآية أن ~~النساء قلن: لو جعل أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال؟ وقال الرجال: إنا ~~لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث. ~~وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (واسألوا الله من فضله) قال: ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (واسألوا الله من فضله) قال العبادة ~~ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل ". قال ~~الترمذي كذا رواه حماد بن واقد وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم عن إسرائيل عن ~~حكيم بن جبير عن رجل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ms0785 وحديث أبي نعيم ~~أشبه أن يكون أصح وكذا رواه ابن جرير وابن مردويه، ورواه أيضا ابن مردويه ~~من حديث ابن عباس. وأخرج البخاري وأبو داود PageV01P461 # والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه ~~عن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة (والذين عاقدت أيمانكم) قال: كان ~~المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة ~~التي آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا ~~موالي) نسخت، ثم قال (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر ~~والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه (ولكل جعلنا ~~موالي) قال: عصبة (والذين عاقدت أيمانكم) قال: كان الرجلان أيهما مات ورثه ~~الآخر، فأنزل الله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) يقول: إلا أن ~~يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت وهو ~~المعروف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: # كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء ~~يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كل حلف كان في ~~الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة ولا عقد ولا حلف ~~في الإسلام - فنسختها هذه الآية " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) ". ~~وأخرج أبو داود و ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عنه في الآية قال: كان ~~الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن: # أن رجلا من الأنصار لطم امرأته فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بينهما القصاص، فنزل " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه " فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزل القرآن (الرجال ~~قوامون على النساء) الآية، ms0786 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أردنا ~~أمرا وأراد الله غيره ". وأخرج ابن مردويه عن علي نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس (الرجال قوامون على النساء) يعني أمراء عليهن أن ~~تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة ~~لماله (بما فضل الله) فضله عليها بنفقته وسعيه (فالصالحات قانتات) قال: ~~مطيعات (حافظات للغيب) يعني إذا كنى كذا فأحسنوا إليهن. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة (حافظات للغيب) قال: ~~حافظات للغيب بما استودعهن الله من حقه وحافظات لغيب أزواجهن. وأخرج ابن ~~المنذر عن مجاهد قال (حافظات للغيب) للأزواج. وأخرج ابن جرير عن السدى قال: ~~تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس (واللاتي تخافون ~~نشوزهن) قال: تلك المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره، فأمره الله ~~أن يعظها ويذكرها بالله ويعظم حقه عليها، فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع ~~ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد فإن رجعت وإلا ضربها ~~ضربا غير مبرح ولا يكسر لها عظما ولا يجرح بها جرحا (فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا) يقول: إذا أطاعتك فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس (واهجروهن في المضاجع) قال: لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير عنه قال يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول ولا يدع الجماع. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة نحوه. # وأخرج ابن جرير عن عطاء: أنه سأل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، فقال: ~~بالسواك ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن ~~الأحوص: أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها ~~أنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما ~~هن عوار عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن ms0787 يأتين بفاحشة مبينة، ~~فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا PageV01P462 # غير مبرح (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا "). وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد؟ ثم يجامعها في آخر اليوم ". # قد تقدم معنى الشقاق في البقرة، وأصله أن كل واحد منهم يأخذ شقا غير شق ~~صاحبه: أي ناحية غير ناحيته وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول ~~به كقوله تعالى " بل مكر الليل والنهار " وقوله: # * يا سارق الليلة أهل الدار * والخطاب للأمراء والحكام، والضمير في قوله ~~(بينهما) للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما، وهو ذكر الرجال والنساء ~~(فابعثوا) إلى الزوجين (حكما) يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلا ودينا ~~وإنصافا وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما ~~أقعد بمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما ~~كان الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما ولم يتبين من هو المسئ منهما، ~~فأما إذا عرف المسئ فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه، وعلى الحكمين أن يسعيا في ~~إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح ~~حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد ~~ولا توكيل بالفرقة من الزوجين. وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق، وهو مروي عن ~~عثمان وعلي وابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي، وحكاه ابن كثير عن ~~الجمهور، قالوا: لأن الله قال (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) وهذا ~~النص من الله سبحانه أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وقال الكوفيون ~~وعطاء وابن زيد والحسن وهو أحد قولي الشافعي: إن التفريق هو إلى الإمام أو ~~الحاكم في البلد لا إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان أو يأمرهما الإمام ~~والحاكم، لأنهما رسولان شاهدان فليس إليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله ~~(إن يريدا) أي الحكمان (إصلاحا) بين الزوجين (يوفق الله بينهما) لاقتصاره ~~على ذكر الإصلاح دون التفريق. ms0788 ومعنى (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) أي ~~يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة. ومعنى ~~الإرادة: # خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين، وقيل إن الضمير في قوله (يوفق الله ~~بينهما) للحكمين كما في قوله (إن يريدا إصلاحا) أي يوفق بين الحكمين في ~~اتحاد كلمتهما وحصول مقصودهما، وقيل كلا الضميرين للزوجين: # أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق، ~~وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله (وإن خفتم شقاق بينهما) قال: هذا الرجل والمرأة إذا تفاسد ~~الذي بينهما أمر الله أن تبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ورجلا مثله من أهل ~~المرأة فينظران أيهما المسئ، فإن كان الرجل هو المسئ حجبوا امرأته عنه ~~وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها ~~النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن ~~يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر ذلك ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث ~~الذي كره ولا يرث الكاره الراضي (إن يريدا إصلاحا) قال: هما الحكمان (يوفق ~~الله بينهما) وكذلك كل مصلح يوفقه للحق والصواب. # وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن PageV01P463 # أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني في هذه الآية قال: جاء رجل ~~وامرأة إلى علي ومعهما فئام من الناس فأمرهم علي فبعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن ~~تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما ~~علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال: كذبت والله حتى تقر مثل ~~الذي أقرت به. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~عباس قال: بعثت ms0789 أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، ~~وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، والذي بعثهما عثمان. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن قال: إنما ~~يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه، فأما الفرقة فليست بأيديهما. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج البيهقي ~~عن علي قال: إذا حكم أحد الحكمين ولم يحكم الآخر فليس حكمه بشئ حتى يجتمعا. # قد تقدم بيان معنى العبادة. وشيئا إما مفعول به: أي لا تشركوا به شيئا من ~~الأشياء من غير فرق بين حي وميت وجماد وحيوان، وإما مصدر: أي لا تشركوا به ~~شيئا من الإشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر والواضح والخفي. ~~وقوله (إحسانا) مصدر لفعل محذوف: أي أحسنوا بالوالدين إحسانا. وقرأ ابن أبي ~~عبلة بالرفع، وقد دل ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله ~~والنهي عن الإشراك به علي عظم حقهما. ومثله " أن اشكر لي ولوالديك " فأمر ~~سبحانه بأن يشكرا معه. قوله (وبذي القربى) أي صاحب القرابة، وهو من يصح ~~إطلاق اسم القربى عليه وإن كان بعيدا. (واليتامى والمساكين) قد تقدم ~~تفسيرهم، والمعنى وأحسنوا بذي القربى إلى آخر ما هو: # مذكور في هذه الآية (والجار ذي القربى) أي القريب جواره، وقيل هو من له ~~مع الجوار في الدار قرب في النسب (والجار الجنب) المجانب وهو مقابل للجار ~~ذي القربى، والمراد من يصدق عليه مسمى الجوار مع كون داره بعيدة، وفي ذلك ~~دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم سواء كانت الديار متقاربة أو ~~متباعدة، وعلى أن الجوار حرمة مرعية مأمور بها. وفيه رد من على يظن أن ~~الجار مختص بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد، ~~وقيل إن المراد بالجار الجنب هنا هو الغريب، وقيل هو الأجنبي الذي لا قرابة ~~بينه وبين المجاور له. # وقرأ الأعمش والمفضل (والجار الجنب) بفتح الجيم وسكون النون: أي ذي ~~الجنب. وهو الناحية، وأنشد ms0790 الأخفش: # * الناس جنب والأمير جنب * وقيل المراد بالجار ذي القربى: المسلم، ~~وبالجار الجنب: اليهودي والنصراني. # وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي يصدق عليه مسمى الجوار ويثبت لصاحبه ~~الحق. فروى عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حد أربعين دارا من كل ناحية، وروى ~~عن الزهري نحوه، وقيل من سمع إقامة الصلاة، وقيل إذا جمعتهما محلة، وقيل من ~~سمع النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع، فإن وجد فيه ما ~~يقتضي بيانه وأنه يكون جارا إلى حد كذا من الدور، أو من مسافة الأرض، كان ~~العمل عليه متعينا وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة أو عرفا. ولم يأت في ~~الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة ~~العرب أيضا PageV01P464 # ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة: المجاور، ويطلق على معان. قال ~~في القاموس. والجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير، والمستجير، ~~والشريك في التجارة، وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من ~~المنازل، والأست كالجارة، والقاسم والحليف، والناصر انتهى. قال القرطبي في ~~تفسيره: وروى " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني ~~نزلت محلة قوم، وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى فبعث النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد: ألا إن ~~أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " انتهى. ولو ثبت ~~هذا لكان مغنيا عن غيره، ولكنه رواه كما ترى من غير عزو له إلى أحد كتب ~~الحديث المعروفة، وهو وإن كان إماما في علم الرواية، فلا تقوم الحجة بما ~~يرويه بغير سند مذكور ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما وهو يذكر الواهيات ~~كثيرا كما يفعل في تذكرته، وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في ~~مدينة مجاورة، قال الله تعالى " لئن لم ينته المنافقون " إلى قوله " ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا " فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا. وأما ms0791 الأعراف ~~في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف ~~متعارفة واصطلاحات متواضعة. قوله (والصاحب بالجنب) قيل هو الرفيق في السفر، ~~قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك. وقال علي بن أبي طالب ~~وابن مسعود وابن أبي ليلى: هو الزوجة. وقال ابن جريج: هو الذي يصحبك ويلزمك ~~رجاء نفعك. ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة ~~عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب: أي بجنبك كمن يقف بجنبك في ~~تحصيل علم أو تعلم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك. قوله (وابن السبيل) ~~قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارا، والسبيل الطريق، فنسب المسافر إليه ~~لمروره عليه ولزومه إياه، فالأولى تفسيره بمن هو على سفر فإن على المقيم أن ~~يحسن إليه، وقيل هو المنقطع به، وقيل هو الضيف. قوله (وما ملكت أيمانكم) أي ~~وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم إحسانا، وهم العبيد والإماء، وقد أمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ويلبسون مما يلبس. ~~والمختال ذو الخيلاء وهو الكبر والتيه: أي لا يحب من كان متكبرا تائها على ~~الناس مفتخرا عليهم. # والفخر: المدح للنفس والتطاول وتعديد المناقب، وخص هاتين الصفتين لأنهما ~~يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان من ~~طرق عن ابن عباس في قوله (والجار ذي القربى) يعني الذي بينك وبينه قرابة ~~(والجار الجنب) يعني الذي ليس بينك وبينه قرابة. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن نوف البكالي قال: الجار ذي القربى: المسلم، والجار الجنب: اليهودي ~~والنصراني. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن ابن عباس في قوله (والصاحب بالجنب) قال الرفيق في السفر. وأخرج ~~ابن جرير عن سعيد بن جبير ومجاهد مثله. وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر ~~الأصول وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ms0792 (والصاحب بالجنب) قال: هو ~~جليسك في الحضر ورفيقك في السفر وامرأتك التي تضاجعك. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي قال: هو المرأة. # وأخرج هؤلاء والطبراني عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وما ~~ملكت أيمانكم) قال: مما خولك الله فأحسن صحبته: كل هذا أوصى الله به. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن مقاتل نحوه وقد ورد مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في بر الوالدين وفي صلة القرابة، وفي الإحسان إلى اليتامى، وفي ~~الإحسان إلى الجار، وفي القيام بما يحتاجه المماليك أحاديث كثيرة ~~PageV01P465 # قد اشتملت عليها كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا، وهكذا ورد في ذم ~~الكبر والاختيال والفخر ما هو معروف. # قوله (الذين يبخلون) هم في محل نصب بدلا من قوله (من كان مختالا) أو على ~~الذم، أو في محل رفع على الابتداء والخبر مقدر: أي لهم كذا وكذا من العذاب، ~~ويجوز أن يكون مرفوعا بدلا من الضمير المستتر في قوله (مختالا فخورا) ويجوز ~~أن يكون منصوبا على تقدير أعني، أو مرفوعا على الخبر والمبتدأ مقدر: أي هم ~~الذين يبخلون، والجملة في محل نصب على البدل. والبخل المذموم في الشرع هو ~~الامتناع من أداء ما أوجب الله، وهؤلاء المذكورون في هذه الآية ضموا إلى ما ~~وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال البشر ما هو أقبح منه وأدل على سقوط ~~نفس فاعله، وبلوغه في الرذالة إلى غايتها، وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم ~~وكتمهم لما أنعم الله به عليهم من فضله (يأمرون الناس بالبخل) كأنهم يجدون ~~في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجا ومضاضة، فلأكثر في عباده من أمثالكم، ~~هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه، ~~فما بالكم بخلتم بأموال غيركم؟ مع أنه لا يلحقكم في ذلك ضرر، وهل هذا إلا ~~غاية اللوم ونهاية الحمق والرفاعة وقبح ms0793 الطباع وسوء الاختيار. وقد تقدم ~~اختلاف القراءات في البخل. وقد قيل: إن المراد بهذه الآية اليهود فإنهم ~~جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله في التوراة، ~~وقيل المراد بها المنافقون، ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك وأكثر شمولا ~~وأعم فائدة. قوله (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس) عطف على قوله (الذين ~~يبخلون) ووجه ذلك أن الأولين قد فرطوا بالبخل وبأمر الناس به وبكتم ما ~~آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد ~~الرياء والسمعة كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على ~~غيره بذلك ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه ~~بالضرر من عدم الإيمان بالله وباليوم الآخر. قوله (ومن يكن الشيطان له ~~قرينا) في الكلام إضمار، والتقدير، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~فقرينهم الشيطان (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) والقرين المقارن، ~~وهو الصاحب والخليل. والمعنى: من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه فيها، ~~أو فهو قرينه في النار فساء الشيطان قرينا (وماذا عليهم) أي على هذه ~~الطوائف (لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله) ابتغاء ~~لوجهه وامتثالا لأمره: أي وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك ~~PageV01P466 # قوله (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) المثقال مفعال من الثقل كالمقدار من ~~القدر، وهو منتصب على أنه نعت لمفعول محذوف: أي لا يظلم شيئا مثقال ذرة. ~~والذرة واحدة الذر. وهي النمل الصغار، وقيل رأس النملة، وقيل الذرة ~~الخردلة، وقيل كل جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر فيما يدخل من الشمس من كوة ~~أو غيرها ذرة. والأول هو المعنى اللغوي الذي يجب حمل القرآن عليه. والمراد ~~من الكلام أن الله لا يظلم كثيرا ولا قليلا: أي لا يبخسهم من ثواب أعمالهم ~~ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرة فضلا عما فوقها. قوله (وإن تك حسنة ~~يضاعفها) قرأ أهل الحجاز " حسنة " بالرفع. وقرأ من عداهم بالنصب، والمعنى ~~على القراءة الأولى: إن توجد ms0794 حسنة، على أن " كان " هي التامة لا الناقصة، ~~وعلى القراءة الثانية: إن تك فعلته حسنة يضاعفها، وقيل إن التقدير: إن تك ~~مثقال الذرة حسنة، وأنث ضمير المثقال لكونه مضافا إلى المؤنث والأول أولى. ~~وقرأ الحسن (نضاعفها) بالنون، وقرأ الباقون بالياء، وهي الأرجح لقوله (ويؤت ~~من لدنه أجرا عظيما) وقد تقدم الكلام في المضاعفة والمراد مضاعفة ثواب ~~الحسنة قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) كيف منصوبة بفعل مضمر كما هو ~~رأي سيبويه، أو محلها رفع على الابتداء كما هو رأي غيره، والإشارة بقوله ~~(هؤلاء) إلى الكفار، وقيل إلى كفار قريش خاصة. والمعنى: فيكف يكون حال ~~هؤلاء الكفار يوم القيامة إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا؟ وهذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع (يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض) قرأ نافع وابن عامر (تسوى) بفتح التاء ~~وتشديد السين، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف السين، وقرأ الباقون ~~بضم التاء وتخفيف السين. # والمعنى على القراءة الأولى والثانية: أن الأرض هي التي تسوى بهم: أي ~~أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها، وقيل الباء في قوله (بهم) ~~بمعنى على: أي تسوى عليهم الأرض. وعلى القراءة الثالثة الفعل مبني للمفعول: # أي لو سوى الله بهم الأرض فيجعلهم والأرض سواء حتى لا يبعثوا. قوله (ولا ~~يكتمون الله حديثا) عطف على (يود) أي يومئذ يود الذين كفروا ويومئذ لا ~~يكتمون الله حديثا ولا يقدرون على ذلك. قال الزجاج: قال بعضهم (لا يكتمون ~~الله حديثا) مستأنف لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال ~~بعضهم: هو معطوف. # والمعنى: يودون أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا لأنه ظهر ~~كذبهم. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي ~~نافع وبحري بن عمرو وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالا من ms0795 ~~الأنصار يتنصحون لهم فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ~~ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون؟ فأنزل الله فيهم ~~(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) إلى قوله (وكان الله بهم عليما). وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير. ~~وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن ابن عباس (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) قال: رأس نملة حمراء. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (وإن تك حسنة) وزن ذرة زادت ~~على سيئاته (يضاعفها) فأما المشرك فيخفف به عنه العذاب ولا يخرج من النار ~~أبدا. وأخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " اقرأ علي قلت يا رسول الله آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: ~~نعم إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ~~(فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) قال: حسبك الآن ~~فإذا عيناه تذرفان ". وأخرجه الحاكم وصححه من حديث عمرو بن حريث. ~~PageV01P467 # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله (لو ~~تسوى بهم الأرض) يعني: أن تسوى الأرض بالجبال والأرض عليهم وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية: يقول ودوا لو انخرقت ~~بهم الأرض فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (ولا يكتمون الله حديثا) قال: بجوارحهم. # قوله (يا أيها الذين آمنوا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين لأنهم كانوا يقربون ~~الصلاة حال السكر، وأما الكفار فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى. قوله ~~(لا تقربوا) قال أهل اللغة: إذا قيل لا تقرب بفتح الراء معناه لا تتلبس ~~بالفعل، وإذا كان بضم الراء ms0796 كان معناه: لا تدن منه. والمراد هنا: النهى عن ~~التلبس بالصلاة وغشيانها. # وبه قال جماعة من المفسرين، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال آخرون المراد ~~مواضع الصلاة، وبه قال الشافعي. # وعلى هذا فلا بد من تقدير مضاف، ويقوى هذا قوله (ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل) وقالت طائفة: المراد الصلاة ومواضعها معا، لأنهم كانوا حينئذ لا ~~يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين. قوله ~~(وأنتم سكارى) الجملة في محل نصب على الحال، وسكارى جمع سكران، مثل كسالي ~~جمع كسلان. وقرأ النخعي " سكرى " بفتح السين، وهو تكسير سكران. وقرأ الأعمش ~~" سكرى " كحبلى صفة مفردة. وقد ذهب العلماء كافة إلى أن المراد بالسكر هنا ~~سكر الخمر، إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم. وسيأتي بيان سبب نزول ~~الآية، وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال. قوله (حتى تعلموا ما ~~تقولون) هذا غاية النهى عن قربان الصلاة في حال السكر: أي حتى يزول عنكم ~~أثر السكر وتعلموا ما تقولونه، فإن السكران لا يعلم ما يقوله وقد تمسك بهذا ~~من قال: إن طلاق السكران لا يقع، لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد. ~~وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول ~~الليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني. واختاره الطحاوي وقال: # أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس. ~~وأجازت طائفة وقوع طلاقه وهو محكى عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من ~~التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. واختلف قول الشافعي في ~~ذلك. وقال مالك: يلزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ولا يلزمه النكاح ~~والبيع. قوله (ولا جنبا) عطف على محل الجملة الحالية، وهي قوله (وأنتم ~~سكارى) والجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب. ~~قال الفراء: يقال جنب الرجل وأجنب من الجنابة، وقيل يجمع الجنب في لغة على ~~أجناب، مثل عنق وأعناق، وطنب وأطناب. وقوله (إلا عابري سبيل) استثناء مفرغ: ~~أي لا تقربوها في حال من الأحوال ms0797 إلا في حال عبور السبيل. والمراد به هنا ~~السفر، ويكون محل هذا الاستثناء المفرغ النصب على الحال من ضمير لا تقربوا ~~بعد تقييده بالحال الثانية، وهي قوله (ولا جنبا) لا بالحال الأولى، وهي ~~قوله (وأنتم سكارى) فيصير المعنى: PageV01P468 # لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا ~~بالتيمم، وهذا قول على وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم، قالوا: ~~لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر فإنه ~~يتيمم، لأن الماء قد يعدم في السفر لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم. ~~وقال ابن مسعود وعكرمة والنخعي وعمرو بن دينار ومالك والشافعي: عابر السبيل ~~هو المجتاز في المسجد، وهو مروي عن ابن عباس، فيكون معنى الآية على على هذا ~~لا تقربوا مواضع الصلاة: وهي المساجد في حال الجنابة إلا أن تكون مجتازين ~~فيها من جانب إلى جانب، وفي القول الأول قوة من جهة كون الصلاة فيه باقية ~~على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر، وإن ~~معناه: أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في ~~الحاضر إذا عدم الماء، كما يكون في المسافر وفي القول الثاني قوة من جهة ~~عدم التكلف في معنى قوله (إلا عابري سبيل) وضعف من جهة حمل الصلاة على ~~مواضعها، وبالجملة فالحال الأولى، أعني قوله (وأنتم سكارى) تقوى بقاء ~~الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف وكذلك ما سيأتي من سبب نزول ~~الآية يقوى ذلك. # وقوله (إلا عابري سبيل) يقوى تقدير المضاف: أي لا تقربوا مواضع الصلاة. ~~ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهى أعني " لا تقربوا " وهو قوله (وأنتم ~~سكارى) يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي وبعض قيود النهي وهو قوله ~~(إلا عابري سبيل) يدل على أن المراد مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل ~~واحد منهما مع قيده الدال عليه، ويكون ذلك بمنزلة نهين مقيد كل واحد منهما ~~بقيد، وهما لا تقربوا ms0798 الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى، ~~ولا تقربوا موضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم في المسجد من جانب ~~إلى جانب، وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز ~~بتأويل مشهور. وقال ابن جرير بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال (ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل) إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر ~~إذا عدم الماء، وهو جنب في قوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~ومن الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) فكان ~~معلوما بذلك: أي أن قوله (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) لو كان ~~معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر) ~~معنى مفهوم. وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإن كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. قال: ~~والعابر السبيل المجتاز مرا وقطعا، يقال منه: عبرت هذا الطريق فأنا أعبره ~~عبرا وعبورا، ومنه قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة ~~القوية: هي عبر أسفار لقوتها على قطع الأسفار. قال ابن كثير: وهذا الذي ~~نصره يعني ابن جرير هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية انتهى. قوله (حتى ~~تغتسلوا) غاية للنهي عن قربان الصلاة أو مواضعها حال الجناية. والمعنى: لا ~~تقربوها حال الجناية حتى تغتسلوا إلا حال عبوركم السبيل. قوله (وإن كنتم ~~مرضى) المرض عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج ~~والشذوذ، وهو على ضربين كثير ويسير. والمراد هنا: أن يخاف على نفسه التلف ~~أو الضرر باستعمال الماء، أو كان ضعيفا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى ~~موضع الماء. وروى عن الحسن أنه يتطهر وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله تعالى ~~" - وما جعل عليكم في الدين من حرج -. وقوله - ولا ms0799 تقتلوا أنفسكم - وقوله - ~~يريد الله بكم اليسر - قوله (أو على سفر) فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم ~~المسافر، والخلاف مبسوط في كتب الفقه، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن ~~يكون سفر قصر، وقال قوم: لا بد من ذلك. وقد أجمع العلماء على جواز التيمم ~~للمسافر. واختلفوا PageV01P469 # في الحاضر، فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر ~~والسفر. وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. ~~قوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) هو المكان المنخفض والمجئ منه كناية عن ~~الحدث، والجمع الغيطان والأغواط، وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع ~~لقضاء الحاجة تسترا عن أعين الناس، ثم سمى الحدث الخارج من الإنسان غائطا ~~توسعا، ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء. قوله (أو لامستم ~~النساء) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر " لامستم " وقرأ ~~حمزة والكسائي " لمستم " قيل المراد بها بما في القراءتين الجماع، وقيل ~~المراد به مطلق المباشرة، وقيل إنه يجمع الأمرين جميعا. وقال محمد بن يزيد ~~المبرد: الأول في اللغة أن يكون " لامستم " بمعنى قبلتم ونحوه، و " لمستم " ~~بمعنى غشيتم. # واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال، فقالت فرقة: الملامسة هنا مختصة ~~باليد دون الجماع، قالوا: # والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل أو يدع الصلاة حتى يجد الماء. وقد ~~روى هذا عن عمرو بن الخطاب وابن مسعود. قال ابن عبد البر: لم يقل بقولهما ~~في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي، وحملة الآثار انتهى. ~~وأيضا الأحاديث الصحيحة تدفعه وتبطله كحديث عمار وعمران بن حصين وأبي ذر في ~~تيمم الجنب. وقالت طائفة: هو الجماع كما في قوله - ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن -، وقوله - وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن - وهو مروى عن علي وأبي ~~بن كعب وابن عباس ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي ~~وقتادة ومقاتل بن حبان وأبي حنيفة. وقال مالك: الملامس بالجماع يتيمم، ~~والملامس باليد ms0800 يتيمم إذا التذ، فإن لمسها بغير شهوة فلا وضوء، وبه قال: ~~أحمد وإسحاق. وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشئ من بدنه إلى بدن المرأة ~~سواء كان باليد أو غيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا. وحكاه ~~القرطبي عن ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة. وقال الأوزاعي: إذا كان ~~اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه لقوله تعالى - فلمسوه ~~بأيديهم - وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة ~~المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، وليس الأمر كذلك. فقد اختلف الصحابة ~~ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية، وعلى فرض أنها ظاهرة في ~~الجماع، فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة والكسائي بلفظ " أو لمستم " وهي ~~محتملة بلا شك ولا شبهة، ومع الاحتمال فلا تقوم الحجة بالمحتمل. وهذا الحكم ~~تعم به البلوى ويثبت به التكليف العام، فلا يحل إثباته بمحتمل قد وقد وقع ~~النزاع في مفهومه. وإذا عرفت هذا فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على ~~من اجتنب ولم يجد الماء، فكان الجنب داخلا في الآية بهذا الدليل، وعلى فرض ~~عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك. وأما وجوب الوضوء أو التيمم على من لمس ~~المرأة بيده أو بشئ من بدنه فلا يصح القول به استدلالا بهذه الآية لما عرفت ~~من الاحتمال. وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أتاه رجل ~~فقال: # يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها؟ وليس يأتي الرجل من ~~امرأته شيئا إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله - أقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين - ~~أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من حديث معاذ، قالوا: فأمره بالوضوء لأنه لمس ~~المرأة ولم يجامعها، ولا يخفاك أنه لا دلالة بهذا الحديث على محل النزاع، ~~فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أمره بالوضوء ليأتي بالصلاة التي ~~ذكرها الله سبحانه في هذه الآية، إذ لا ms0801 صلاة إلا بوضوء. وأيضا فالحديث ~~منقطع لأنه من رواية ابن أبي ليلى عن معاذ ولم يلقه، وإذا عرفت هذا فالأصل ~~البراءة عن هذا الحكم، فلا يثبت إلا بدليل خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره ~~عن الحجة. وأيضا قد ثبت عن عائشة من طرق أنها قالت: " كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلي ولا يتوضأ ". وقد روى هذا الحديث ~~بألفاظ مختلفة، رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة ~~PageV01P470 # وما قيل من أنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة ولم يسمع من ~~عروة فقد رواه أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ورواه ~~ابن جرير من حديث ليث عن عطاء عن عائشة، ورواه أحمد أيضا وأبو داود ~~والنسائي من حديث أبي روق الهمداني عن إبراهيم التيمي عن عائشة ورواه أيضا ~~ابن جرير من حديث أم سلمة، ورواه أيضا من حديث زينب السهمية. ولفظ حديث أم ~~سلمة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ولا يفطر ولا ~~يحدث وضوءا ". ولفظ حديث زينب السهمية: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ ". ورواه أحمد عن زينب السهمية عن عائشة. قوله ~~(فلم تجدوا ماء) هذا القيد إن كان راجعا إلى جميع ما تقدم مما هو مذكور بعد ~~الشرط، وهو المرض والسفر والمجئ من الغائط وملامسة النساء كان فيه دليل على ~~أن المرض والسفر بمجردهما لا يسوغان التيمم، بل لابد مع وجود أحد السببين ~~من عدم الماء فلا يجوز للمريض أن يتيمم إلا إذا لم يجد ماء، ولا يجوز ~~للمسافر أن يتيمم إلا إذا لم يجد ماء، ولكنه يشكل على هذا أن الصحيح ~~كالمريض إذا لم يجد الماء تيمم، وكذلك المقيم كالمسافر إذا لم يجد الماء ~~تيمم، فلا بد من فائدة في التنصيص على المرض والسفر، فقيل وجه التنصيص ~~عليهما أن المرض مظنة للعجز عن الوصول إلى الماء، وكذلك المسافر عدم ms0802 الماء ~~في حقه غالب، وإن كان راجعا إلى الصورتين الأخيرتين: أعني قوله (أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء) كما قال بعض المفسرين كان فيه إشكال، وهو ~~أن من صدق عليه اسم المريض أو المسافر جاز له التيمم، وإن كان واجدا للماء ~~قادرا على استعماله وقد قيل إنه رجع هذا القيد إلى الآخرين مع كونه معتبرا ~~في الأولين لندرة وقوعه فيهما. وأنت خبير بأن هذا كلام ساقط وتوجيه بارد. ~~وقال مالك ومن تابعه: ذكر الله المرض والسفر في شرط التيمم اعتبارا بالأغلب ~~في من لم يجد الماء بخلاف الحاضر، فإن الغالب وجوده، فلذلك لم ينص الله ~~سبحانه عليه انتهى. والظاهر أن المرض بمجرده مسوغ للتيمم، وإن كان الماء ~~موجودا إذا كان يتضرر باستعماله في الحال أو في المآل، ولا يعتبر خشية ~~التلف فالله سبحانه يقول - يريد الله بكم اليسر - ويقول - وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج -، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " الدين يسر " ويقول " ~~يسروا ولا تعسروا " وقال " قتلوه قتلهم الله " ويقول " أمرت بالشريعة ~~السمحة " فإذا قلنا: إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه ~~التنصيص على المرض هو أنه يجوز له التيمم والماء حاضر موجود إذا كان ~~استعماله يضره، فيكون اعتبار ذلك القيد في حقه إذا كان استعماله لا يضره، ~~فإن في مجرد المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما يكون مظنة لعجزه عن ~~الطلب، لأنه يلحقه بالمرض نوع ضعف. وأما وجه التنصيص على المسافر فلا شك أن ~~الضرب في الأرض مظنة لإعواز الماء في بعض البقاع دون بعض. قوله (فتيمموا) ~~التيمم لغة: القصد، يقال: # تيممت الشئ: قصدته، وتيممت الصعيد. تعمدته، وتيممته بسهمي ورمحي: قصدته ~~دون من سواه، وأنشد الخليل: يممته الرمح شزرا ثم قلت له * هذي البسالة لا ~~لعب الزحاليق وقال امرؤ القيس: # تيممتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نطر عالي وقال: تيممت العين ~~التي عند ضارج * يفئ عليها الظل عرمضها ظامي قال ابن السكيت: قوله ~~(فتيمموا) أي اقصدوا، ثم كثر ms0803 استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه ~~واليدين بالتراب. وقال ابن الأنباري في قولهم قد تيمم الرجل: معناه قد مسح ~~التراب على وجهه، وهذا خلط منهما للمعنى اللغوي بالمعنى الشرعي، فإن العرب ~~لا تعرف التيمم بمعنى مسح الوجه واليدين، وإنما هو معنى شرعي PageV01P471 # فقط، وظاهر الأمر الوجوب، وهو مجمع على ذلك. والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة، وتفاصيل التيمم وصفاته مبينة في السنة المطهرة ومقالات أهل العلم ~~مدونة في كتب الفقه، قوله (صعيدا) الصعيد: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو ~~لم يكن، قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج. قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافا ~~بين أهل اللغة، قال الله تعالى - وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا - أي ~~أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وقال تعالى - فتصبح صعيدا زلقا - وقال ذو الرمة: ~~كأنه بالضحى يرمي الصعيد به * ونابه في عظام الرأس خرطوم وإنما سمى صعيدا ~~لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات. # وقد اختلف أهل العلم فيما يجزئ التيمم به، فقال مالك وأبو حنيفة والثوري ~~والطبري: إنه يجزئ بوجه الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة، وحملوا قوله ~~(طيبا) على الطاهر الذي ليس بنجس. وقال الشافعي وأحمد وأصحابهما: أنه لا ~~يجزئ التيمم إلا بالتراب فقط، واستدلوا بقوله تعالى (صعيدا زلقا) أي ترابا ~~أملس طيبا، وكذلك استدلوا بقوله (طيبا) قالوا: والطيب التراب الذي ينبت. ~~وقد تنوزع في معنى الطيب، فقيل الطاهر كما تقدم، وقيل المنبت كما هنا، وقيل ~~الحلال. والمحتمل لا تقوم به حجة ولو لم يوجد في الشئ الذي يتيمم به إلا ما ~~في الكتاب العزيز، لكان الحق ما قاله الأولون، لكن ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث حذيفة بن اليمان قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فضلنا الناس بثلاث: جعلت صفوفنا ~~كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا ~~لم نجد الماء " وفي لفظ " وجعل ترابها لنا طهورا " فهذا مبين لمعنى الصعيد ~~المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مقيد ms0804 لإطلاقه، ويؤيد هذا ما حكاه ابن ~~فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد: أي أخذ من غباره انتهى، والحجر الصلد ~~لا غبار له. قوله (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) هذا المسح مطلق يتناول المسح ~~بضربة أو بضربتين، ويتناول المسح إلى المرفقين أو إلى الرسغين، وقد بينته ~~السنة بيانا شافيا، وقد جمعنا بين ما ورد في المسح بضربة وبضربتين وما ورد ~~في المسح إلى الرسغ وإلى المرفقين في شرحنا للمنتقي وغيره من مؤلفاتنا بما ~~لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. قوله (إن الله كان عفوا غفورا) أي عفا عنكم ~~وغفر لكم تقصيركم ورحمكم بالترخيص لكم والتوسعة عليكم. # وقد أخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والضياء في المختارة عن علي بن أبي ~~طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت ~~الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه: ~~أن الذي صلى بهم عبد الرحمن. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: # نزلت في أبي بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد، صنع لهم طعاما ~~وشرابا فأكلوا وشربوا، ثم صلى بهم المغرب فقرأ - يا أيها الكافرون - حتى ~~ختمها فقال: ليس لي دين وليس لكم دين، فنزلت. وأخرج عبد ابن حميد وأبو داود ~~والنسائي والبيهقي في سننه عن ابن عباس في هذه الآية قال: نسختها - أنما ~~الخمر والميسر - الآية. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في ~~الآية قال: لم يعن بها الخمر إنما عنى بها سكر النوم. وأخرج عبد بن حميد عن ~~ابن عباس (وأنتم سكارى) قال: النعاس. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في ~~المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن علي. ~~قوله ms0805 (ولا جنبا إلا عابري سبيل) قال: نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ~~ويصلي. وفي لفظ قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون PageV01P472 # مسافرا تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~جنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللت أن تمسحوا بالأرض. # وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لا يمر الجنب ولا الحائض في المسجد، ~~إنما أنزلت (ولا جنبا إلا عابري سبيل) للمسافر يتيمم ثم يصلي. وأخرج ~~الدارقطني والطبراني وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في سننه ~~والضياء في المختارة عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحل ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل ~~بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت ~~أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه، فقال: يا أسلع، ما لي أرى راحلتك تغيرت؟ قلت: يا رسول الله لم ~~أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال: ولم؟ قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت ~~القر على نفسي، فأمرته أن يرحلها ورضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به، ~~فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا) إلى قوله (ولا جنبا إلا عابري سبيل). ~~وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني والبيهقي من وجه آخر عن ~~أسلع قال " كنت أخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرحل له، فقال لي ذات ~~ليلة: # يا أسلع قم فارحل لي، قلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، فسكت عني ساعة ~~حتى جاء جبريل بآية الصعيد، فقال: قم يا أسلع فتيمم " الحديث. وأخرج ابن ~~أبي حاتم من طريق عطاء الخرساني عن ابن عباس (لا تقربوا الصلاة) قال: ~~المساجد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ms0806 والبيهقي ~~من طريق عطاء الخرساني عنه (ولا جنبا إلا عابري سبيل) قال: لا تدخلوا ~~المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل، قال: تمر به مرا ولا تجلس. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن مسعود نحوه. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عنه أنه كان ~~يرخص للجنب أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه، ثم قرأ قوله (ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل). وأخرج البيهقي عن أنس نحوه. # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي عن جابر قال: كان ~~أحدنا يمر في المسجد وهو جنب مجتازا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (وإن كنتم مرضى) قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم ~~يستطع أن يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (وإن كنتم ~~مرضى) قال: هو الرجل المجدور أو به الجراح أو القرح يجنب فيخاف إن اغتسل أن ~~يموت فيتيمم. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: نال أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم جراح ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت (وإن كنتم مرضى) الآية. وأخرج ~~عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي من طرق عن ابن مسعود في قوله (أو لامستم ~~النساء) قال: اللمس ما دون الجماع والقبلة منه، وفيه الوضوء. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر أنه كان يتوضأ من قبلة المرأة، ~~ويقول هي اللماس. وأخرج الدارقطني والبيهقي والحاكم عن عمر قال: إن القبلة ~~من اللمس فتوضأ منها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن علي قال: اللمس هو الجماع ولكن الله كنى عنه. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن أبي ms0807 شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير ~~قال: كنا في حجرة ابن عباس ومعنا عطاء بن أبي رباح ونفر من الموالي وعبيد ~~بن عمير ونفر من العرب فتذاكرنا للماس، فقلت أنا وعطاء والموالي: اللمس ~~باليد، وقال PageV01P473 # عبيد بن عمير والعرب: هو الجماع، فدخلت على ابن عباس فأخبرته فقال: غلبت ~~الموالي وأصابت العرب، ثم قال: إن اللمس والمس والمباشرة إلى الجماع ما هو، ~~ولكن الله يكنى ما شاء بما شاء. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن أطيب ~~الصعيد أرض الحرث. # قوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) كلام مستأنف. والخطاب لكل ~~من يتأتى منه الرؤية من المسلمين. والنصيب: الحظ، والمراد اليهود أوتوا ~~نصيا من التوراة. وقوله (يشترون) جملة حالية، والمراد بالاشتراء الاستبدال، ~~وقد تقدم تحقيق معناه. والمعنى: أن اليهود استبدلوا الضلالة، وهي البقاء ~~على اليهودية بعد وضوح الحجة على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. ~~قوله (ويريدون أن تضلوا السبيل) عطف على قوله (يشترون) مشارك له بيان سوء ~~صنيعهم وضعف اختيارهم: أي لم يكتفوا بما جنوه على أنفسهم من استبدال ~~الضلالة بالهدي، بل أرادوا مع ضلالهم ان يتوصلوا بكتمهم وجحدهم إلى أن ~~تضلوا أنتم أيها المؤمنون السبيل المستقيم الذي هو سبيل الحق (والله أعلم ~~بأعدائكم) أيها المؤمنون وما يريدونه بكم من الاضلال، والجملة اعتراضية ~~(وكفى بالله وليا) لكم (وكفى بالله نصيرا) ينصركم في مواطن الحرب، فاكتفوا ~~بولايته ونصره ولا تتولوا غيره ولا تستنصروه، والباء في قوله (بالله) في ~~الموضعين زائدة. قوله (من الذين هادوا) قال الزجاج: إن جعلت متعلقة بما قبل ~~فلا يوقف على قوله (نصيرا) وإن جعلت منقطعة، فيجوز الوقف على " نصيرا " ~~والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون، ثم حذف، وهذا مذهب سيبويه، ومثله ~~قوله الشاعر: # لو قلت ما في قومها لم أيثم * يفضلها في حسب وميسم قالوا: المعنى: لو قلت ~~ما في قومها ms0808 أحد يفضلها، ثم حذف. وقال الفراء: المحذوف لفظ من: أي من الذين ~~هادوا من يحرفون الكلم كقوله - وما منا إلا له مقام معلوم - أي من له، ومنه ~~قول ذي الرمة: # * فظلوا ومنهم دمعه سابق له * أي من دمعه، وأنكره المبرد والزجاج، لأن ~~حذف الموصول كحذف بعض الكلمة، وقيل إن قوله (من الذي هادوا) بيان لقوله ~~(الذين أوتوا نصيبا من الكتاب). والتحريف: الإمالة PageV01P474 # والإزالة: أي يميلونه ويزيلونه عن مواضعه ويجعلون مكانه غيره، أو المراد ~~أنهم يتأولونه على غير تأويله وذمهم الله عز وجل بذلك، لأنهم يفعلونه عنادا ~~وبغيا، وتأثيرا لغرض الدنيا. قوله (ويقولون سمعنا وعصينا) أي سمعنا قولك ~~وعصينا أمرك (واسمع غير مسمع) أي اسمع حال كونك غير مسمع. وهو يحتمل أن ~~يكون دعاء على النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: اسمع لا سمعت، ويحتمل أن ~~يكون المعنى: اسمع غير مسمع مكروها، أو اسمع غير مسمع جوابا. وقد تقدم ~~الكلام في راعنا. ومعنى: (ليا بألسنتهم) أنهم يلوونها عن الحق: أي يميلونها ~~إلى ما في قلوبهم، وأصل اللي: الفتل، وهو منتصب على المصدر، ويجوز أن يكون ~~مفعولا لأجله. قوله (وطعنا في الدين) معطوف على ليا: أي يطعنون في الدين ~~بقولهم: لو كان نبيا لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم على ذلك (ولو أنهم قالوا سمعنا) قولك (وأطعنا) أمرك (واسمع) ما ~~نقول (وانظرنا) أي لو قالوا هذا مكان قولهم راعنا (لكان خيرا لهم) مما ~~قالوه (وأقوم) أي أعدل وأولى من قولهم الأول وهو قولهم (سمعنا وعصينا واسمع ~~غير مسمع وراعنا) لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب، واحتمال الذم في ~~راعنا (ولكن) لم يسلكوا المسلك الحسن ويأتوا بما هو خير لهم وأقوم، ولهذا ~~(لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) أي إلا إيمانا قليلا، وهو ~~الإيمان ببعض الكتب دون بعض وببعض الرسل دون بعض. قوله (يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب) ذكر سبحانه أولا أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، وهنا ذكر أنهم ~~أوتوا الكتاب. والمراد أنهم أوتوا نصيبا ms0809 منه، لأنهم لم يعملوا بجميع ما ~~فيه، بل حرفوا وبدلوا. وقوله (مصدقا) منتصب على الحال. والطمس: استئصال أثر ~~الشئ، ومنه - وإذا النجوم طمست - يقال نطمس بكسر الميم وضمها لغتان في ~~المستقبل ويقال طمس الأثر أي محاه كله، ومنه - ربنا اطمس على أموالهم - أي ~~أهلكها ويقال هو مطموس البصر، ومنه - ولو نشاء لطمسنا على أعينهم - أي ~~أعميناهم. # واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو حقيقة؟ فيجعل الوجه ~~كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في ~~قلوبهم وسلبهم التوفيق؟ فذهب إلى الأول طائفة، وذهب إلى الآخر آخرون، وعلى ~~الأول فالمراد بقوله (فنردها على أدبارها) نجعلها قفا: أي نذهب بآثار الوجه ~~وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا، وقيل إنه بعد الطمس يردها إلى موضع ~~القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله (فتردها ~~على أدبارها). فإن قيل: كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ولم ~~يفعل ذلك بهم؟ فقيل: إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. ~~وقال المبرد: الوعيد باق منتظر وقال: لا بد من طمس في اليهود، ونسخ قبل يوم ~~القيامة. قوله: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) الضمير عائد إلى أصحاب ~~الوجوه، قيل المراد باللعن هنا المسخ لأجل تشبيه بلعن أصحاب السبت، وكان ~~لعن السبت مسخهم قردة وخنازير، وقيل المراد نفس اللعنة وهم ملعونون بكل ~~لسان. والمراد وقوع أحد الأمرين: إما الطمس، أو اللعن. وقد وقع اللعن، ~~ولكنه يقوى الأول تشبيه هذا اللعن بلعن أهل السبت. قوله (وكان أمر الله ~~مفعولا) أي كائنا موجودا لا محالة، أو يراد بالأمر المأمور. والمعنى أنه ~~متى أراده كان، كقوله - إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون - ~~قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) هذا الحكم ~~يشمل جميع طوائف الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ولا يختص بكفار أهل الحرب، ~~لأن اليهود قالوا عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالوا ms0810 ~~ثالث ثلاثة. ولا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من ~~أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته، ~~وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء. قال ابن جرير: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في ~~مشيئة الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ما لم تكن كبيرته شركا ~~بالله عز وجل. وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون PageV01P475 # لمن اقتضته مشيئة تفضلا منه رحمة وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ~~ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدم قوله تعالى - إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم - وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب ~~الكبائر فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، ~~وإذا كلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوى لسانه وقال: # أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه ~~(ألم تر الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في ~~قوله (يحرفون الكلم عن مواضعه) يعني: يحرفون حدود الله في التوراة وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (يحرفون الكلم عن ~~مواضعه) قال: تبديل اليهود التوراة (ويقولون سمعنا وعصينا) قالوا: سمعنا ما ~~تقول ولا نطيعك (واسمع غير مسمع) قال: غير مقبول ما تقول (ليا بألسنتهم) ~~قال: خلافا يلوون به ألسنتهم (واسمع وانظرنا) قال: أفهمنا لا تعجل علينا. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله (واسمع غير ~~مسمع) قال: يقولون اسمع لا سمعت. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كلم رسول الله ms0811 صلى ~~الله عليه وآله وسلم رؤساء من أحبار اليهود: منهم عبد الله بن صوريا وكعب ~~بن أسد، فقال لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون ~~أن الذي جئتكم به لحق. فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم (يا ~~أيها الذين أوتوا الكتاب) الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ~~العوفي عن ابن عباس في قوله (من قبل أن نطمس وجوها) قال: طمسها أن تعمى ~~(فنردها على أدبارها) يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى، ~~ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (من قبل أن نطمس وجوها) يقول: عن صراط الحق ~~(فنردها على أدبارها) قال: في الضلالة وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن الحسن نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري ~~قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن لي ابن أخ لا ~~ينتهي عن الحرام، قال: # وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله، قال: استوهب منه دينه فإن أبى فابتعه ~~منه، فطلب الرجل منه ذلك فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأخبره، فقال: وجدته شحيحا على دينه، فنزلت (إن الله لا يغفر ان يشرك به) ~~الآية. وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن ~~عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ~~وقال: إني ادخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فأمسكنا عن كثير مما ~~كان في أنفسنا " وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر قال: لما نزلت - يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - الآية قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟ ~~فكره ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال (إن الله لا يغفر أن يشرك به) ms0812 ~~الآية. # وأخرج ابن المنذر عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول (إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به). وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ~~في هذه الآية: إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد ~~إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال: أحب ~~آية إلي في القرآن (إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية. PageV01P476 # قوله (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) تعجيب من حالهم. وقد اتفق المفسرون ~~على أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم، فقال الحسن ~~وقتادة: هو قولهم - نحن أبناء الله وأحباؤه - وقولهم - لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى - وقال الضحاك: هو قولهم لا ذنوب لنا ونحن كالأطفال، ~~وقيل قولهم: إن آباءهم يشفعون لهم، وقيل ثناء بعضهم على بعض. ومعنى ~~التزكية: التطهير والتنزيه، فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى ~~غيرها، واللفظ يتناول كل من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم، ويدخل ~~في هذا التلقب بالألقاب المتضمنة للتزكية كمحي الدين وعز الدين ونحوهما. ~~قوله (بل الله يزكي من يشاء) أي ذلك إليه سبحانه فهو العالم بمن يستحق ~~التزكية من عباده ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم ويفوضوا أمر ~~ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها ~~محبة النفس وطلب العلو والترفع والتفاخر. # ومثل هذه الآية قوله تعالى - فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى -. قوله ~~(ولا تظلمون) أي هؤلاء المزكون لأنفسهم (فتيلا) وهو الخيط الذي في نواة ~~التمر، وقيل القشرة التي حول النواة، وقيل هو ما يخرج بين إصبعيك أو كفيك ~~من الوسخ إذا فتلتهما، فهو فتيل بمعنى مفتول، والمراد هنا: الكناية عن الشئ ~~الحقير، ومثله - ولا يظلمون نقيرا - وهو النكتة التي في ظهر النواة. ~~والمعنى: أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر ~~هذا الذنب ولا يظلمون بالزيادة على ما يستحقون، ويجوز ms0813 أن يعود الضمير إلى ~~(من يشاء) أي لا يظلم هؤلاء الذين يزكيهم الله فتيلا مما يستحقونه من ~~الثواب، ثم عجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تزكيتهم لأنفسهم فقال ~~(انظر كيف يفترون على الله الكذب) في قولهم ذلك. والافتراء: الاختلاق، ومنه ~~افترى فلان على فلان: أي رماه بما ليس فيه، وفريت الشئ: قطعته، وفي قوله ~~(وكفى به إثما مبينا) من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى قوله (ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول وهم ~~اليهود. # واختلف المفسرون في معنى الجبت: فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية، ~~الجبت: الساحر بلسان الحبشة والطاغوت: الكاهن، وروى عن عمر بن الخطاب أن ~~الجبت: السحر، والطاغوت الشيطان. وروى عن ابن مسعود أن الجبت والطاغوت ها ~~هنا كعب بن الأشرف. وقال قتادة: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وروى عن ~~مالك أن الطاغوت: ما عبد دون الله، والجبت: الشيطان، وقيل هما كل معبود من ~~دون الله أو مطاع في معصية الله. وأصل الجبت الجبس، وهو الذي لا سير فيه، ~~فأبدلت التاء من السين قاله قطرب، وقيل الجبت: إبليس، والطاغوت: أولياؤه. ~~قوله (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) PageV01P477 # أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد سبيلا: أي ~~أقوم دينا، وأرشد طريقا. وقوله (أولئك) إشارة إلى القائلين (الذين لعنهم ~~الله) أي طردهم وأبعدهم من رحمته (ومن يعلن الله فلن تجد له نصيرا) يدفع ~~عنه ما نزل به من عذاب الله وسخطه. قوله (أم لهم نصيب من الملك) أم منقطعة، ~~والاستفهام للإنكار، ويعني ليس لهم نصيب من الملك (فإذن لا يؤتون الناس ~~نقيرا) والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف: أي إن جعل لهم نصيب من الملك ~~فإذن لا يعطون الناس نقيرا منه لشدة بخلهم وقوة حسدهم، وقيل المعنى: بل لهم ~~نصيب من الملك على أن معنى أم الإضراب عن الأول والاستئناف للثاني، وقيل هي ~~عاطفة على محذوف، والتقدير: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته، أم ms0814 لهم نصيب من ~~الملك، فإذن لا يؤتون الناس نقيرا؟ والنقير: النقرة في ظهر النواة، وقيل ما ~~نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. والنقير أيضا: خشبة تنقر وينبذ فيها. وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النقير كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ~~والنقير: الأصل، يقال فلان كريم النقير: أي كريم الأصل. والمراد هنا: # المعنى الأول، والمقصود به المبالغة في الحقارة كالقطمير والفتيل. وإذن ~~هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه: إذن ~~في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء التي تلغى إذا لم يكن الكلام ~~معتمدا عليها، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلا نصبت. قوله ~~(أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) أم منقطعة مفيدة للانتقال عن ~~توبيخهم بأمر إلى توبيخهم بآخر: أي بل يحسدون الناس يعني اليهود يحسدون ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط، أو يحسدونه هو وأصحابه على ما آتاهم ~~الله من فضله من النبوة والنصر وقهر الأعداء. قوله (فقد آتينا آل إبراهيم) ~~هذا إلزام لليهود بما يعترفون به ولا ينكرونه: أي ليس ما آتينا محمدا ~~وأصحابه من فضلنا ببدع حتى يحسدهم اليهود على ذلك، فهم يعلمون بما آتينا آل ~~إبراهيم، وهم أسلاف محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقد تقدم تفسير الكتاب ~~والحكمة، والملك العظيم، قيل هو ملك سليمان، واختاره ابن جرير (فمنهم) أي ~~اليهود (من آمن به) أي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (ومنهم من صد عنه) ~~أي أعرض عنه، وقيل الضمير في به راجع إلى ما ذكر من حديث آل إبراهيم، وقيل ~~الضمير راجع إلى إبراهيم. والمعنى: # فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من صد عنه، وقيل الضمير يرجع إلى ~~الكتاب، والأول أولى (وكفى بجهنم سعيرا) أي نارا مسعرة. # وقد أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن اليهود قالوا: إن ~~آباءنا قد توفوا وهم لنا قربة عند الله وسيشفعون لنا ويزكوننا، فقال الله ~~لمحمد صلى الله ms0815 عليه وآله وسلم (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم). # وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ~~ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب وكذبوا، قال الله: إني ~~لا أظهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله (ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم). وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أن التزكية ~~قولهم - نحن أبناء الله وأحباؤه - وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى -. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (ولا يظلمون فتيلا) قال: الفتيل: ما خرج من بين الأصبعين. وفي ~~لفظ آخر عنه: هو أن تدلك بين إصبعيك فما خرج منهما فهو ذلك. وأخرج سعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عنه قال: النقير: النقرة تكون في النواة ~~التي نبتت منها النخلة. والفتيل: الذي يكون على شق النواة. والقطمير: # القشر الذي يكون على النواة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه: قال ~~الفتيل الذي في الشق الذي في بطن النواة. وأخرج الطبراني والبيهقي في ~~الدلائل عنه قال: قدم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف مكة على قريش PageV01P478 # فخالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا لهم: أنتم ~~أهل العلم القديم وأهل الكتاب فأخبرونا عنا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما ~~محمد؟ قالوا: ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة ونسقي ~~الحجيج ونصل الأرحام، قالوا: فما محمد؟ قالوا: صنبور: أي فرد ضعيف، قطع ~~أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فقالوا: لا بل أنتم خير منه وأهدى ~~سبيلا، فأنزل الله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت) الآية. وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ~~مرسلا. وقد روى عن ابن عباس وعن عكرمة بلفظ آخر. وأخرج نحوه عبد بن حميد ~~وابن جرير عن السدي عن أبي مالك. وأخرج نحوه أيضا البيهقي في الدلائل وابن ms0816 ~~عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة ~~قال: الجبت والطاغوت صنمان. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر في تفسير الجبت والطاغوت ما ~~قدمناه عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الجبت حيي بن ~~أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: الجبت: الأصنام، والطاغوت: الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها ~~الكذب ليضلوا الناس. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~الجبت: اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت: كهان العرب، وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في قوله (أم لهم نصيب من الملك) قال: فليس لهم نصيب، ولو ~~كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم من طرق عن ابن عباس قال النقير: النقطة التي في ظهر النواة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم ~~محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس له همة إلا النكاح، فأي ~~ملك أفضل من هذا؟ فأنزل الله هذه الآية (أم يحسدون الناس) إلى قوله (ملكا ~~عظيما) يعني ملك سليمان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن عكرمة قال: الناس في هذا الموضع النبي خاصة. وأخرج ابن جرير عن ~~قتادة قال: هم هذا الحي من العرب. # قوله: (بآياتنا) الظاهر عدم تخصيص بعض الآيات دون بعض، و (سوف) كلمة تذكر ~~للتهديد قاله سيبويه. # وينوب عنها السين. وقد تقدم معنى نصلي في أول السورة. والمراد: سوف ~~ندخلهم نارا عظيمة. وقرأ حميد بن قيس (نصليهم) بفتح النون. قوله (كلما نضجت ~~جلودهم) يقال: نضج الشئ نضجا ونضاجا، ونضج اللحم وفلان نضج الرأي: أي ~~محكمه. والمعنى: أنها كلما اخترقت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها: أي ~~أعطاهم مكان كل جلد محترق ms0817 جلدا آخر غير محترق، فإن ذلك أبلغ في العذاب ~~للشخص، لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه ~~لعملها في الجلد المحترق، وقيل المراد بالجلود: السرابيل التي ذكرها في ~~قوله - سرابيلهم من قطران - ولا موجب لترك المعنى الحقيقي ها هنا، وإن جاز ~~إطلاق الجلود على السرابيل مجازا كما في قول الشاعر: PageV01P479 # كسا اللوم تيما خضرة في جلودها * فويل لتيم من سرابيلها الخضر وقيل ~~المعنى: أعدنا الجلد الأول جديدا، ويأبى ذلك معنى التبديل. قوله (ليذوقوا ~~العذاب) أي ليحصل لهم الذوق الكامل بذلك التبديل، وقيل معناه: ليدوم لهم ~~العذاب ولا ينقطع، ثم أتبع وصف حال الكفار بوصف حال المؤمنين. وقد تقدم ~~تفسير الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. قوله (لهم فيها أزواج مطهرة) أي ~~من الأدناس التي تكون في نساء الدنيا. والظل الظليل الكثيف الذي لا يدخله ~~ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك، وقيل هو مجموع ظل الأشجار ~~والقصور، وقيل الظل الظليل: هو الدائم الذي لا يزول، واشتقاق الصفة من لفظ ~~الموصوف للمبالغة كما يقال: ليل أليل. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله (كلما نضجت جلودهم) ~~قال: إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلودا بيضاء أمثال القراطيس. وأخرج ابن أبي ~~حاتم والطبراني عنه بسند ضعيف قال: قرئ عند عمر (كلما نضجت جلودهم) الآية، ~~فقال معاذ: عندي تفسيرها تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرجه أبو نعيم في الحلية وابن مردويه ~~أن القائل كعب وأنه قال تبدل في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة عن ابن مسعود أن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله (ظلا ظليلا) قال: هو ظل العرش الذي لا ~~يزول. # هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر ~~أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات، وقد روى عن علي ms0818 وزيد بن أسلم ~~وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين، والأول أظهر، وورودها على سبب كما ~~سيأتي لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ~~كما تقرر في الأصول، وتدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا، فيجب عليهم ~~تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات وتحري العدل في أحكامهم، ويدخل ~~غيرهم من الناس في الخطاب، فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات والتحري في ~~الشهادات والأخبار. وممن قال بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب وابن مسعود ~~وابن عباس وأبي ابن كعب، واختاره جمهور المفسرين، ومنهم ابن جرير، وأجمعوا ~~على أن الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن ~~المنذر. والأمانات جمع أمانة، وهي مصدر بمعنى المفعول. قوله (وإذا حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل) أي وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل، والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من ~~الحق في شئ إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة ~~رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما ~~هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ~~ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فهو لا يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل ~~الحجة إذا جاءته فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله. قوله (نعما) ما موصوفة ~~أو موصولة، وقد قدمنا البحث في مثل ذلك. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~فتح مكة وقبض مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، فنزل جبريل عليه السلام برد ~~المفتاح، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن طلحة PageV01P480 # ورده إليه، وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن ~~ابن جريج: أن هذه الآية نزلت في عثمان بن ms0819 طلحة لما قبض منه صلى الله عليه ~~وآله وسلم مفتاح الكعبة فدعاه ودفعه إليه. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة عن علي قال: حق على الإمام أن ~~يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن ~~يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا. وأخرج أبو داود والترمذي ~~والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " أد ~~الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك " وقد ثبت في الصحيح أن من خان إذا ~~أؤتمن ففيه خصلة من خصال النفاق. # لما أمر سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق، أمر ~~الناس بطاعتهم ها هنا، وطاعة الله عز وجل هي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه. وأولي الأمر: هم ~~الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، ~~والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية، فلا طاعة ~~لمخلوق في معصية الله كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: إن أولي الأمر: هم أهل القرآن والعلم، وبه ~~قال مالك والضحاك. # وروى عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقال ابن كيسان ~~هم أهل العقل والرأي، والراجح القول الأول. قوله (فإن تنازعتم في شئ فردوه ~~إلى الله والرسول) المنازعة المجاذبة، والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع ~~حجة الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف والمجادلة، وظاهر قوله (في شئ) يتناول ~~أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال (فردوه إلى الله والرسول) تبين به أن ~~الشئ المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والرد إلى الله: هو ~~الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو الرد إلى سنته المطهرة بعد ~~موته، وأما في حياته فالرد إليه سؤاله، هذا معنى الرد إليهما، وقيل معنى ~~الرد أن يقولوا: الله أعلم، ms0820 وهو قول ساقط وتفسير بارد، وليس الرد في هذه ~~الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى - ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم - قوله (إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر) فيه دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه شأن من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، والإشارة بقوله (ذلك) إلى الرد المأمور به (خير) ~~لكم (وأحسن تأويلا) أي مرجعا، من الأول آل يؤول إلى كذا: أي صار إليه، ~~والمعنى: أن ذلك الرد خير لكم وأحسن مرجعا ترجعون إليه. ويجوز أن يكون ~~المعنى أن الرد أحسن تأويلا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس في قوله (أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس ~~بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سرية، وقصته معروفة، ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال: طاعة ~~الله والرسول اتباع الكتاب والسنة (وأولي الأمر) قال: أولى الفقه والعلم. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن أبي هريرة. قال (وأولي الأمر منكم) هم الأمراء، وفي لفظ ~~هم أمراء السرايا. وأخرج PageV01P481 # ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله في قوله (وأولي الأمر منكم) ~~قال: أهل العلم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي العالية نحوه أيضا. ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) قال: إلى كتاب ~~الله وسنة رسوله. ثم قرأ (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم) وأخرج ابن ms0821 جرير وابن المنذر عن ميمون بن مهران في ~~الآية قال: الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله ما دام حيا، ~~فإذا قبض فإلى سنته. وأخرج ابن جرير عن قتادة والسدي مثله. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن قتادة في قوله (ذلك خير وأحسن تأويلا) يقول: ذلك أحسن ثوابا ~~وخير عاقبة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (وأحسن تأويلا) قال: وأحسن جزاء. وقد وردت أحاديث كثيرة في ~~طاعة الأمراء ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقيدة بأن يكون ذلك في المعروف، ~~وأنه لا طاعة في معصية الله. # قوله (ألم تر إلى الذين يزعمون) فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل ~~على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما ~~ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها ويوضح أنهم ليسوا على شئ من ذلك ~~أصلا، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله ~~وعلى من قبله أن يكفروا به، وسيأتي بيان سبب نزول الآية، وبه يتضح معناها. ~~وقد تقدم تفسير الطاغوت والاختلاف في معناه. قوله (ويريد الشيطان) معطوف ~~على قوله (يريدون) والجملتان مسوقتان لبيان محل التعجب، كأنه قيل ماذا ~~يفعلون؟ فقيل يريدون كذا، ويريد الشيطان كذا. وقوله (ضلالا) مصدر للفعل ~~المذكور بحذف الزوائد كقوله - والله أنبتكم من الأرض نباتا - أو مصدر ~~PageV01P482 # لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور، والتقدير: ويريد الشيطان أن يضلهم ~~فيضلون ضلالا. والصدود: اسم للمصدر، وهو الصد عند الخليل، وعند الكوفيين ~~أنهما مصدران: أي يعرضون عنك إعراضا. قوله (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم) بيان لعاقبة أمرهم وما صار إليه حالهم: أي كيف يكون حالهم ~~(إذا أصابتهم مصيبة) أي وقت إصابتهم، فإنهم يعجزون عند ذلك ولا يقدرون على ~~الدفع. والمراد (بما قدمت أيديهم) ما فعلوه من المعاصي التي من جملتها ~~التحاكم إلى الطاغوت (ثم جاءوك) يعتذرون ms0822 عن فعلهم، وهو عطف على (أصابتهم) ~~وقوله (يحلفون) حال: أي جاءوك حال كونهم حالفين (إن أردنا إلا إحسانا ~~وتوفيقا) أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق ~~بين الخصمين لا المخالفة لك. وقال ابن كيسان: معناه ما أردنا إلا عدلا وحقا ~~مثل قوله - وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى - فكذبهم الله بقوله (أولئك الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم) من النفاق والعداوة للحق. قال الزجاج: معناه قد ~~علم الله أنهم منافقون (فأعرض عنهم) أي عن عقابهم، وقيل عن قبول اعتذارهم ~~(وعظهم) أي خوفهم من النفاق (وقل لهم في أنفسهم) أي في حق أنفسهم، وقيل ~~معناه: قل لهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم (قولا بليغا) أي بالغا في وعظهم ~~إلى المقصود مؤثرا فيهم، وذلك بأن توعدهم بسفك دمائهم وسبي نسائهم وسلب ~~أموالهم (وما أرسلنا من رسول) " من " زائدة للتوكيد (إلا ليطاع) فيما أمر ~~به ونهى عنه (بإذن الله) بعلمه، وقيل بتوفيقه (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) ~~بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك (جاءوك) متوسلين إليك منتصلين عن جناياتهم ~~ومخالفتهم (فاستغفروا الله) لذنوبهم وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعا لهم ~~فاستغفرت لهم، وإنما قال (واستغفر لهم الرسول) على طريقة الالتفات لقصد ~~التفخيم لشأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (لوجدوا الله توابا رحيما) أي ~~كثير التوبة عليهم والرحمة لهم. قوله (فلا وربك). قال ابن جرير: قوله (فلا) ~~رد على ما تقدم ذكره، تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك، ثم استأنف القسم بقوله (وربك لا يؤمنون) وقيل إنه ~~قدم " لا " على القسم اهتماما بالنفي، وإظهارا لقوته ثم كرره بعد القسم ~~تأكيدا، وقيل لا مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي، والتقدير: ~~فوربك لا يؤمنون كما في قوله - فلا أقسم بمواقع النجوم - (حتى يحكموك) أي ~~يجعلوك حكما بينهم في جميع أمورهم لا يحكمون أحدا غيرك، وقيل معناه ~~يتحاكمون إليك، ولا ملجئ لذلك (فيما شجر بينهم) أي اختلف بينهم واختلط، ~~ومنه الشجر لاختلاف أغصانه، ومنه قول ms0823 طرفة: # وهم الحكام أرباب الهدى * وسعاة الناس في الأمر الشجر أي المختلف، ومنه ~~تشاجر الرماح: أي اختلافها (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) قيل هو ~~معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام: أي فتقضي بينهم ثم لا يجدوا. والحرج: ~~الضيق، وقيل الشك، ومنه قيل للشجر الملتف حرج وحرجة، وجمعها حراج، وقيل ~~الحرج: الإثم، أي لا يجدون في أنفسهم إثما بإنكارهم ما قضيت (ويسلموا ~~تسليما) أي ينقادوا لأمرك وقضائك انقيادا لا يخالفونه في شئ. قال الزجاج ~~(تسليما) مصدر مؤكد: أي ويسلمون لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا ولا ~~شبهة فيه. والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم كما يؤيد ذلك قوله (وما ~~أرسلنا من رسول الله إلا ليطاع بإذن الله) فلا يختص بالمقصودين بقوله ~~(يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) وهذا في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وأما بعد موته فتحكيم الكتاب والسنة، وتحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة ~~والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة أو ~~في أحدهما، وكان يعقل ما يرد عليه من حجج الكتاب والسنة، بأن يكون عالما ~~باللغة العربية وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان PageV01P483 # عارفا بما يحتاج إليه من علم الأصول، بصيرا بالسنة المطهرة، مميزا بين ~~الصحيح وما يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفا غير متعصب لمذهب من ~~المذاهب ولا لنحلة من النحل، ورعا لا يحيف ولا يميل في حكمه، فمن كان هكذا ~~فهو قائم في مقام النبوة مترجم عنها حاكم بأحكامها. وفي هذا الوعيد الشديد ~~ما تقشعر له الجلود وترجف له الأفئدة، فإنه أولا أقسم سبحانه بنفسه مؤكدا ~~لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال ~~صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت) فضم إلى التحكيم أمرا آخر، هو عدم وجود حرج: ms0824 أي حرج في صدورهم، فلا ~~يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان ~~وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم إليه قوله (ويسلموا) أي ~~يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا. # ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال (تسليما) فلا يثبت ~~الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه ~~ويسلم لحكم الله وشرعه، تسليما لا يخالطه رد ولا تشوبه مخالفة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند قال السيوطي: صحيح عن ابن عباس، ~~قال كان برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر ~~إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله (ألم تر إلى الذين يزعمون) الآية وأخرج ~~ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: كان الجلاس بن الصامت قبل ~~توبته ومعقب بن قشير ورافع بن زيد كانوا يدعون الإسلام، فدعاهم رجال من ~~قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فنزلت الآية المذكورة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله (يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت) قال: الطاغوت رجل من اليهود كان يقال له كعب بن ~~الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم ~~قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب، فنزلت الآية. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. ~~وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن عبد الله بن الزبير: أن الزبير ~~خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شراج من الحرة، وكانا يسقيان به ~~كلاهما النخل. فقال الأنصاري سرح الماء يمر، فأبى عليه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري ~~وقال يا رسول الله آن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ms0825 صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل ~~الماء إلى جارك، واستوعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للزبير حقه ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد ~~فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري. استوعى للزبير حقه في ~~صريح الحكم، فقال الزبير ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك (فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم). وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من ~~طريق ابن لهيعة عن عن الأسود: أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم رجلان فقضى بينهما، فقال المقضي عليه: ردنا إلى ~~عمر، فردهما فقتل عمر الذي قال ردنا، ونزلت الآية، فأهدر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم دم المقتول وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول ~~فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقا، وهما مرسلان، والقصة غريبة، ~~وابن لهيعة فيه ضعف. PageV01P484 # (لو) حرف امتناع، وأن مصدرية، أو تفسيرية، لأن (كتبنا) في معنى أمرنا. ~~والمعنى: أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على هؤلاء ~~الموجودين من اليهود ما فعله إلا القليل منهم، أو لو كتب ذلك على المسلمين ~~ما فعله إلا القليل منهم، والضمير في قوله (فعلوه) راجع إلى المكتوب الذي ~~دل عليه كتبنا، أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما بالفعلين، وتوحيد ~~الضمير في مثل هذا قد قدمنا وجهه. قوله (إلا قليل) قرأه الجمهور بالرفع على ~~البدل. وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر (إلا قليلا) بالنصب على ~~الاستثناء، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، والرفع أجود عند النحاة. قوله (ولو ~~أنهم فعلوا ما يوعظون به) من اتباع الشرع والانقياد لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (لكان) ذلك (خيرا لهم) في الدنيا والآخرة، (وأشد تثبيتا) ~~لأقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم (وإذن) أي وقت فعلهم لما ~~يوعظون ms0826 به (لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما) لا عوج ~~فيه ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به وانقاد لمن يدعوه إلى ~~الحق. قوله (ومن يطع الله والرسول) كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله ~~والرسول، والإشارة بقوله (فأولئك) إلى المطيعين كما تفيده من (مع الذين ~~أنعم الله عليهم) بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعد الله لهم. والصديق ~~المبالغ في الصدق كما تفيده الصيغة، وقيل هم فضلاء أتباع الأنبياء. ~~والشهداء: من ثبتت لهم الشهادة، والصالحين: أهل الأعمال الصالحة. والرفيق ~~مأخوذ من الرفق، وهو لين الجانب، والمراد به المصاحب لارتفاقك بصحبته، ومنه ~~الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض، وهو منتصب على التمييز أو الحال كما قال ~~الأخفش. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (ولو أنا ~~كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم) هم يهود كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم ~~بعضا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان أنها نزلت في ثابت بن قيس بن ~~شماس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي نحوه. وقد روى من طرق أن ~~جماعة من الصحابة قالوا: لما نزلت الآية لو فعل ربنا لفعلنا. أخرجه ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله ~~بن الزبير. وأخرجه أيضا عن شريح بن عبيد. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو ~~نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة، وحسنه عن عائشة قالت: جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله: إنك لأحب إلي ~~من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى ~~آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع ~~النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية (ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) الآية. ms0827 وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ~~ابن عباس نحوه. PageV01P485 # قوله (يا أيها الذين آمنوا) هذا خطاب لخلص المؤمنين، وأمر لهم بجهاد ~~الكفار والخروج في سبيل الله، والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل. قال ~~الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا، يقال خذ حذرك أي احذر، وقيل ~~معنى الآية الأمر لهم بأخذ السلاح حذرا، لأن به الحذر. قوله (فانفروا) نفر ~~ينفر بكسر الفاء نفيرا، ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفورا. والمعنى: ~~انهضوا لقتال العدو. أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار ~~والنفور، وهو الفزع، ومنه قوله تعالى - ولوا على أدبارهم نفورا - أي ~~نافرين. قوله (ثبات) جمع ثبة: أي جماعة، والمعنى: انفروا جماعات متفرقات. ~~قوله (أو انفروا جميعا) أي مجتمعين جيشا واحدا. # ومعنى الآية: الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ليكون ذلك أشد على ~~عدوهم وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده أو نحو ~~ذلك، وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى (انفروا خفافا وثقالا) وبقوله - ~~إن لا تنفروا يعذبكم - والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان: إحداهما في الوقت ~~الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بنفور البعض دون ~~البعض. قوله (وإن منكم لمن ليبطئن) التبطئة والإبطاء التأخر، والمراد: ~~المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم. والمعنى: أن من دخلائكم ~~وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقا من يبطئ المؤمنين ويثبطهم، واللام في ~~قوله (لمن) لام توكيد، وفي قوله (ليبطن) لام جواب القسم، و " من " في موضع ~~نصب وصلتها الجملة. وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي (ليبطن) بالتخفيف (فإن ~~أصابتكم مصيبة) من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال. قال هذا المنافق قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم حتى يصيبني ما أصابهم (ولئن أصابكم فضل من) غنيمة أو ~~فتح (ليقولن) هذا المنافق قول نادم حاسد (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا ~~عظيما). قوله (كأن لم يكن بينكم وبينه مودة) جملة معترضة بين الفعل الذي هو ~~ليقولون وبين مفعوله، وهو (يا ليتني) وقيل إن في الكلام تقديما وتأخيرا - ~~وقيل ms0828 المعنى: ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة: # أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد، وقيل هو موضع نصب على الحال. وقرأ الحسن ~~(ليقولن) بضم اللام على معنى من. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم (كأن لم تكن) ~~بالتاء على الفظ المودة. قوله (فأفوز) بالنصب على PageV01P486 # جواب التمني. وقرأ الحسن (فأفوز). قوله (فليقاتل في سبيل الله) هذا أمر ~~للمؤمنين وقدم الظرف على الفاعل للاهتمام به، و (الذين يشرون) معناه يبيعون ~~وهم المؤمنون، والفاء في قوله (فليقاتل) جواب الشرط مقدر أي إن لم يقاتل ~~هؤلاء المذكورون سابقا الموصوفون بأن منهم لمن ليبطئن، فليقاتل المخلصون ~~الباذلون أنفسهم البائعون للحياة الدنيا بالآخرة، ثم وعد المقاتلين في سبيل ~~الله بأنه سيؤتيهم أجرا عظيما لا يقادر قدره، وذلك أنه إذا قتل فاز ~~بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، وإن غلب وظفر كان له أجر من قاتل في ~~سبيل الله مع ما قد ناله من العلو في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا يقتضي ~~التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما، وربما يقال إن التسوية بينهما ~~إنما هي في إيتاء الأجر العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستويا، فإن كون ~~الشئ عظيما هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيما بالنسبة إلى ما هو ~~دونه وحقيرا بالنسبة إلى ما هو فوقه. قوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل ~~الله) خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات. قوله ~~(والمستضعفين) مجرور عطفا على الاسم الشريف أي ما لكم لا تقاتلون في سبيل ~~الله وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر وتريحوهم مما هم فيه من الجهد. # ويجوز أن يكون منصوبا على الاختصاص: أي وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما ~~يصدق عليه سبيل الله، واختار الأول الزجاج والأزهري. وقال محمد بن يزيد: ~~أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل، والمراد ~~بالمستضعفين هنا من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار، وهم الذين كان ~~يدعو لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: " اللهم أنج الوليد بن ~~الوليد وسلمة بن ms0829 هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين " كما في ~~الصحيح. ولا يبعد أن يقال: إن لفظ الآية أوسع، والاعتبار بعموم اللفظ لولا ~~تقييده بقوله (الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) فإنه ~~يشعر باختصاص ذلك: بالمستضعفين الكائنين في مكة لأنه قد أجمع المفسرون. على ~~أن المراد بالقرية الظالم أهلها مكة. وقوله (من الرجال والنساء والوالدان) ~~بيان للمستضعفين. # قوله (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله) هذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم ~~بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) ~~أي سبيل الشيطان أو الكهان أو الأصنام، وتفسير الطاغوت هنا الشيطان أولى ~~لقوله (فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) أي مكره ومكر من ~~اتبعه من الكفار. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(فانفروا ثبات) قال: عصبا، يعني سرايا متفرقين (أو انفروا جميعا) يعني ~~كلكم. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه ~~عنه قال في سورة النساء (خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) نسختها ~~- وما كان المؤمنون لينفروا كافة -. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ~~في قوله (ثبات) أي فرقا قليلا. وأخرج عن قتادة في قوله (أو انفروا جميعا) ~~أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فليس لأحد أن يتخلف عنه. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وإن منكم لمن ليبطئن) إلى ~~قوله (فسوف نؤتيه أجرا عظيما) ما بين ذلك في المنافقين. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في الآية قال: هو فيما بلغنا عبد الله بن ~~أبي ابن سلول رأس المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (فليقاتل) ~~يعني يقاتل المشركين (في سبيل الله) في طاعة الله (ومن يقاتل في سبيل الله ~~فيقتل) يعني يقتله العدو (أو يغلب) يعني يغلب ms0830 العدو من المشركين (فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما) يعني جزاء وافرا في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من ~~المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله (في سبيل الله والمستضعفين) قال: وفي المستضعفين. وأخرج ابن جرير عن ~~الزهري قال: وسبيل المستضعفين PageV01P487 # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه من طريق العوفي قال: المستضعفون أناس ~~مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها. وأخرج البخاري عنه قال " ~~أنا وأمي من المستضعفين ". وأخرج ابن جرير عنه قال: القرية الظالم أهلها ~~مكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه ~~(إن كيد الشيطان كان ضعيفا). قال مجاهد: كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة ~~فكنت أذكر قول ابن عباس فأحمل عليه فيذهب عني. # قوله (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم) الآية، قيل هم جماعة من ~~الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه. فلما كتب عليهم ~~بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفا من الموت وفرقا من ~~هول القتل، وقيل إنها نزلت في اليهود، وقيل في المنافقين أسلموا قبل فرض ~~القتال، فلما فرض كرهوه، وهذا أشبه بالسياق لقوله (وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب) وقوله (وإن تصبهم حسنه) الآية ~~ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة. قوله (كخشية الله) صفة مصدر محذوف: أي خشية ~~كخشية الله، أو حال: # أي تخشونهم مشبهين أهل خشية الله، والمصدر مضاف إلى المفعول: أي كخشيتهم ~~الله. وقوله (أو أشد خشية) معطوف على كخشية الله في محل جر، أو معطوف على ~~الجار والمجرور جميعا فيكون في محل الحال كالمعطوف عليه وأو للتنويع على ~~معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها. قوله (وقالوا) عطف ~~على ما يدل عليه قوله (إذا فريق منهم) أي فلما كتب عليهم القتال فاجأ فريق ~~منهم خشية الناس ms0831 (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا): أي هلا ~~أخرتنا، يريدون المهلة إلى وقت آخر قريب من الوقت الذي فرض عليهم فيه ~~القتال. # فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم فقال (قل متاع الدنيا قليل) سريع ~~الفناء لا يدوم لصاحبه. وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل (لمن اتقى) ~~منكم ورغب في الثواب الدائم (ولا تظلمون فتيلا) أي شيئا حقيرا يسيرا. وقد ~~تقدم تفسير الفتيل قريبا، وإذا كنتم توفرون أجوركم ولا تنقصون شيئا منها، ~~فكيف ترغبون عن ذلك وتشتغلون بمتاع PageV01P488 # الدنيا مع قلته وانقطاعه. وقوله (أينما تكونوا يدرككم الموت) كلام مبتدأ، ~~وفيه حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن ~~وخامره من الخشية، فإن الموت إذا كان كائنا لا محالة * فمن لم يمت بالسيف ~~مات بغيره * والبروج جمع برج: وهو البناء المرتفع، والمشيدة: المرفعة من ~~شاد القصر: إذا رفعه وطلاه بالشيد وهو الجص، وجواب لولا محذوف لدلالة ما ~~قبله عليه. # وقد اختلف في هذه البروج ما هي؟ فقيل الحصون التي في الأرض وقيل هي ~~القصور، قال الزجاج: # والقتيبي: ومعنى مشيدة مطولة، وقيل معناه مطلية بالشيد وهو الجص، وقيل ~~المراد بالبروج بروج في سماء الدنيا مبنية حكاه مكي عن مالك، وقال: ألا ترى ~~إلى قوله " والسماء ذات البروج - جعل في السماء بروجا - ولقد جعلنا في ~~السماء بروجا " وقيل إن المراد بالبروج المشيدة هنا قصور من حديد. وقرأ ~~طلحة بن سليمان (يدرككم الموت) بالرفع على تقدير الفاء كما في قوله * وقال ~~رائدهم أرسوا نزاولها * قوله (وإن تصبهم حسنة) هذا وما بعده مختص ~~بالمنافقين: أي إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى، وإن تصبهم بلية ونقمة ~~نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرد الله ذلك عليهم بقوله ~~(قل كل من عند الله) ليس كما تزعمون، ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال ~~(فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) أي ما بالهم هكذا. قوله (ما ~~أصابك من حسنة فمن الله) هذا الخطاب إما لكل من ms0832 يصلح له من الناس، أو لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم تعريضا لأمته: أي ما أصابك من خصب ورخاء وصحة ~~وسلامة فمن الله بفضله ورحمته، وما أصابك من جهد وبلاء وشدة فمن نفسك بذنب ~~أتيته فعوقبت عليه، وقيل إن هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثا: أي فيقولون ~~ما أصابك من حسنة فمن الله، وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة: أي أفمن نفسك، ~~ومثله قوله تعالى " وتلك نعمة تمنها علي " والمعنى أو تلك نعمة ومثله قوله ~~" فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي " أي أهذا ربي ومنه قول أبي خراش ~~الهذلي: # رموني وقالوا يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أي أهم هم، ~~وهذا خلاف الظاهر، وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية كقوله ~~تعالى " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير "، وقوله " أو ~~لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم ". ~~وقد يظن أن قوله (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) مناف لقوله (قل كل من عند ~~الله) ولقوله " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله "، وقوله " ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة " وقوله " وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ~~وما لهم من دونه من وال " وليس الأمر كذلك، فالجمع ممكن كما هو مقرر في ~~مواطنه. قوله (وأرسلناك للناس رسولا) فيه البيان لعموم رسالته صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى الجميع كما يفيده التأكيد بالمصدر والعموم في الناس، ~~ومثله قوله " وما أرسلناك إلا كافة للناس ". وقوله " يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا " (وكفى بالله شهيدا) على ذلك. قوله (من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله) فيه أن طاعة الرسول طاعة الله، وفي هذا من النداء بشرف رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ~~ولا يبلغ مداه، ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا ~~عما نهى الله عنه (ومن تولى) أي ms0833 أعرض (فما أرسلناك عليهم حفيظا) أي حافظا ~~لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، وقد نسخ هذا بآية السيف (ويقولونه طاعة) ~~بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي أمرنا طاعة، أو شأننا طاعة. وقرأ ~~الحسن والجحدري ونصر بن عاصم بالنصب على المصدر: أي نطيع طاعة وهذه في ~~المنافقين في قول أكثر المفسرين: أي يقولون إذا كانوا عندك طاعة (وإذا ~~برزوا من عندك) أي خرجوا من عندك (بيت طائفة منهم) أي زورت طائفة من هؤلاء ~~القائلين غير الذي تقول PageV01P489 # لهم أنت وتأمرهم به، أو غير الذي تقول لك هي من الطاعة لك، وقيل معناه: ~~غيروا وبدلوا وحرفوا قولك فيما عهدت إليهم، والتبييت: التبديل، ومنه قول ~~الشاعر: # أتوني فلم أرض ما بيتوا * وكانوا أتوني بأمر نكر يقال بيت الرجل الأمر: ~~إذا دبره ليلا، ومنه قوله تعالى " إذ يبيتون مالا يرضى من القول " (والله ~~يكتب ما يبيتون) أي يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج: ~~المعنى ينزله عليك في الكتاب. قوله (فأعرض عنهم) أي دعهم وشأنهم حتى يمكن ~~الانتقام منهم، وقيل معناه: لا تخبر بأسمائهم، وقيل معناه: لا تعاقبهم. ثم ~~أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه قيل وهذا منسوخ بآية السيف. # وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في ~~سننه عن ابن عباس: أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا ~~أذلة؟ فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى ~~المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ~~أيديكم) الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في تفسير ~~الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد: أنها نزلت في اليهود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي ~~عن ابن عباس في قوله (فلما كتب عليهم القتال إذا فريق) الآية، ms0834 قال: # نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~السدى في قوله (إلى أجل قريب) قال: هو الموت. وأخرجا نحوه عن ابن جريج. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة (في بروج مشيدة) قال: في ~~قصور محصنة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: هي قصور في السماء. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عن سفيان نحوه. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله ~~(وإن تصبهم حسنة) يقول: نعمة (وإن تصبهم سيئة) قال: مصيبة (قل كل من عند ~~الله) قال: النعم والمصائب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ~~في قوله (وإن تصبهم حسنة) قال: هذه في السراء والضراء، وفي قوله (ما أصابك ~~من حسنة) قال: هذه في الحسنات والسيئات وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (قل كل من عند الله) يقول: الحسنة والسيئة من ~~عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها، وفي قوله ~~(وما أصابك من سيئة) قال: ما أصابه يوم أحد أن شج وجهه وكسرت رباعيته. ~~وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عنه في قوله (وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك) قال: هذا يوم أحد يقول: ما كانت من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك. وأخرج ~~ابن المنذر من طريق مجاهد أن عباس كان يقرأ (وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~وأنا كتبتها عليك) قال مجاهد: وكذلك قراءة أبي وابن مسعود. وأخرج نحو قول ~~مجاهد هذا ابن الأنباري في المصاحف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ~~العوفي عن ابن عباس في قوله (ويقولون طاعة) قال: هم أناس كانوا يقولون عند ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم ~~وأموالهم (فإذا برزوا) من عند رسول الله (بيت طائفة منهم) يقول: خالفوا إلى ~~غير ما قالوا عنده ms0835 فعابهم الله. وأخرج ابن جرير عنه قال غير أولئك ما قاله ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P490 # الهمزة في قوله (أفلا يتدبرون) للإنكار، والفاء للعطف على مقدر: أي ~~أيعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه يقال تدبرت الشئ: تفكرت في عاقبته وتأملته، ~~ثم استعمل في كل تأمل، والتدبير: أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما ~~تصير إليه عاقبته، ودلت هذه الآية، وقوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن أم ~~على قلوب أقفالها " على وجوب التدبر للقرآن ليعرف معناه. والمعنى: أنهم لو ~~تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفا غير مختلف، صحيح المعاني، قوي المباني، ~~بالغا في البلاغة إلى أعلى درجاتها (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا) أي تفاوتا وتناقضا، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات ~~والسور، لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت وعدم المطابقة للواقع، وهذا ~~شأن كلام البشر لا سيما إذا طال وتعرض قائله للإخبار بالغيب، فإنه لا يوجد ~~منه صحيحا مطابقا للواقع إلا القليل النادر. قوله (وإذا جاءهم أمر من الأمن ~~أو الخوف أذاعوا به) يقال أذاع الشئ وأذاع به: إذا أفشاه وأظهره، وهؤلاء هم ~~جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن نحو ~~ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم ~~يظنون أنه لا شئ عليهم في ذلك. # قوله (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم) وهم أهل العلم والعقول ~~الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم (لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم) أي يستخرجونه بتدبيرهم وصحة عقولهم. والمعنى: أنهم لو ~~تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي ~~يذيعها أو يكون أولي الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك، لأنهم يعلمون ما ~~ينبغي أن يفشي وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء: إذا ~~استخرجته. والنبط: الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها، ~~وقيل إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين ~~فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة. ms0836 قوله (ولو فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا) أي لولا ما تفضل الله به عليكم من إرسال رسوله وإنزال ~~كتابه لا تبعتم الشيطان فبقيتم على كفركم إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا ~~قليلا منكم، وقيل المعنى: أذاعوا به إلا قليلا منهم فإنه لم يذع ولم يفش، ~~قاله الكسائي والأخفش والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير، وقيل المعنى ~~لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلا منهم، قاله الزجاج. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة (ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) يقول: إن قول الله لا يختلف ~~وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف. وأخرج عبد ابن حميد ومسلم وابن ~~أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نساءه دخلت المسجد، فوجدت الناس ينكتون بالحصا ويقولون: طلق ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه، فقمت على باب المسجد فناديت ~~بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه. ونزلت هذه الآية (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم) فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن عباس في الآية، قال هذا في الإخبار إذا غزت PageV01P491 # سرية من المسلمين أخبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا ~~وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا. فأفشوه بينهم من غير أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو يخبرهم به. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ~~(وإذا جاءهم) قال: هم أهل النفاق. وأخرج ابن جرير عن أبي معاذ مثله. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان) قال: # فانقطع الكلام. وقوله (إلا قليلا) فهو في أول الآية يخبر عن المنافقين: ~~قال (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ms0837 إلا قليلا) يعني بالقليل ~~المؤمنين. # الفاء في قوله (فقاتل) قيل هي متعلقة بقوله (ومن يقاتل في سبيل الله) ~~الخ: أي من أجل هذا فقاتل، وقيل متعلقة بقوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل ~~الله) فقاتل، وقيل هي جواب شرط محذوف يدل عليه السياق تقديره: # إذا كان الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل، أو إذا أفردوك وتركوك ~~فقاتل. قال الزجاج: أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاد وإن ~~قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه ~~لم يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة، فالمعنى والله أعلم: أنه ~~خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمته: أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك ~~يقال له (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) أي لا تكلف غير نفسك ولا ~~تلزم فعل غيرك، وهو استئناف مقرر لما قبله، لأن اختصاص تكليفه بفعل نفسه من ~~موجبات مباشرته للقتال وحده، وقرئ (لا تكلف) بالجزم على النهي، وقرئ ~~بالنون. قوله (وحرص المؤمنين) أي حضهم على القتال والجهاد، يقال حرضت فلانا ~~على كذا: إذا أمرته به، وحارض فلان على الأمر وأكب عليه وواظب عليه بمعنى ~~واحد. قوله (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) فيه إطماع للمؤمنين بكف بأس ~~الذين كفروا عنهم والأطماع من الله عز وجل واجب، فهو وعد منه سبحانه، ووعده ~~كائن لا محالة (والله أشد بأسا) أي أشد صولة وأعظم سلطانا (وأشد تنكيلا) أي ~~عقوبة، يقال نكلت بالرجل تنكيلا من النكال وهو العذاب. والمنكل الشئ الذي ~~ينكل بالإنسان (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها) أصل الشفاعة والشفعة ~~ونحوهما من الشفع وهو الزوج، ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، ~~ومنه ناقة شفوع: إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة وناقة شفيع: إذا اجتمع ~~لها حمل وولد يتبعها. والشفع: ضم واحد إلى واحد، والشفعة: ضم ملك الشريك ~~إلى ملكك، فالشفاعة: ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي ms0838 على التحقيق إظهار ~~لمنزلة الشفيع عند المشفع واتصال منفعة إلى المشفوع له. والشفاعة الحسنة هي ~~في البر والطاعة. والشفاعة السيئة في المعاصي، فمن شفع في الخير لينفع فله ~~نصيب منها: أي من أجرها، ومن شفع في الشر كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له ~~كفل منها، أي PageV01P492 # نصيب من وزرها. والكفل الوزر والإثم، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله ~~الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير: إذا أدرت على سنامه ~~كساء وركبت عليه، لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا منه ويستعمل في ~~النصيب من الخير والشر. ومن استعماله في الخير قوله تعالى " يؤتكم كفلين من ~~رحمته " (وكان الله على كل شئ مقيتا) أي مقتدرا، قاله الكسائي. وقال ~~الفراء: المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته، يقال قته أقوته قوتا، وأقته أقيته ~~إقاتة فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي أقات يقيت. وقال أبو عبيدة: المقيت ~~الحافظ. قال النحاس: وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت، والقوت ~~معناه: مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر. ~~والمقيت: الحافظ والشاهد. وأما قول الشاعر: # ألي الفضل أم على إذا حو * سبت إني على الحساب مقيت فقال ابن جرير الطبري ~~إنه من غير هذا المعنى. قوله (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) ~~التحية تفعلة من حييت، والأصل تحيية مثل ترضية وتسمية فأدغموا الياء في ~~الياء وأصلها الدعاء بالحياة. والتحية: # السلام، وهذا المعنى هو المراد هنا، ومثله قوله تعالى " وإذا جاءوك حيوك ~~بما لم يحيك به الله " وإلى هذا ذهب جماعة المفسرين، وروى عن مالك أن ~~المراد بالتحية هنا تشميت العاطس. وقال أصحاب أبي حنيفة، التحية هنا الهدية ~~لقوله (أو ردوها) ولا يمكن رد السلام بعينه، وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات ~~إليه. والمراد بقوله (فحيوا بأحسن منها) أن يزيد في الجواب على ما قاله ~~المبتدئ بالتحية، فإذا قال المبتدئ: السلام عليكم، قال المجيب: # وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدئ لفظا زاد المجيب على جملة ما ~~جاء به المبتدئ لفظا ms0839 أو ألفاظا نحو: # وبركاته ومرضاته وتحياته. # قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، ورده ~~فريضة لقوله (فحيوا بأحسن منها أو ردوها) واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل ~~يجزئ أولا؟ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزئ ~~عن غيره، ويرد عليهم حديث على عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يجزئ ~~عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم " أخرجه ~~أبو داود، وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني وليس به بأس، وقد ضعفه ~~بعضهم. وقد حسن الحديث ابن عبد البر. ومعنى قوله (أو ردوها) الاقتصار على ~~مثل اللفظ الذي جاء به المبتدئ، فإذا قال السلام عليكم، قال المجيب: وعليكم ~~السلام. # وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتدئ بالسلام ومن يستحق التحية ~~ومن لا يستحقها ما يغنى عن البسط ها هنا قوله (إن الله كان على كل شئ ~~حسيبا) يحاسبكم على كل شئ، وقيل معناه حفيظا، وقيل كافيا من قولهم أحسبني ~~كذا: أي كفاني، ومثله " حسبك الله ". قوله (الله لا إله إلا هو) مبتدأ ~~وخبر، واللام في قوله (ليجمعنكم) جواب قسم محذوف: أي والله ليجمعنكم الله ~~بالحشر إلى يوم القيامة: أي إلى حساب يوم القيامة، وقيل إلى بمعنى في، وقيل ~~إنها زائدة. والمعنى: ليجمعنكم يوم القيامة، و (يوم القيامة) يوم القيام من ~~القبور (لا ريب فيه) أي في يوم القيامة، أو في الجمع: أي جمعا لا ريب فيه ~~(ومن أصدق من الله حديثا) إنكار لأن يكون أحد أصدق منه سبحانه. وقرأ حمزة ~~والكسائي ومن " أزدق " بالزاي. وقرأ الباقون بالصاد، والصاد الأصل. وقد ~~تبدل زايا لقرب مخرجها منها. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سنان في قوله (وحرض المؤمنين) ~~قال: عظهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (من يشفع شفاعة حسنة) الآية، قال: PageV01P493 # شفاعة الناس بعضهم لبعض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ms0840 وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله (يكن له نصيب منها) قال: حظ منها. وقوله (كفل ~~منها) قال: الكفل هو الإثم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: ~~الكفل الحظ. وأخرج ابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في ~~قوله (وكان الله على كل شئ مقيتا) قال: حفيظا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن عبد الله بن رواحة: أنه سأله رجل عن قول الله (وكان الله على كل شئ ~~مقيتا) قال: يقيت كل إنسان بقدر عمله. وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (مقيتا) قال: ~~شهيدا. # وأخرج ابن جرير عنه (مقيتا) قال: شهيدا حسيبا حفيظا. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن سعيد بن جبير في قوله (مقيتا) قال: قادرا. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ~~المقيت القدير. وأخرج أيضا عن ابن زيد مثله. # وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: المقيت الرزاق. وأخرج ابن أبي شيبة ~~والبخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان يهوديا أو نصرانيا أو ~~مجوسيا، ذلك بأن الله يقول (وإذا حييتم بتحية) الآية. وأخرج أحمد في الزهد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي ~~بسند حسن عن سلمان الفارسي قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليك ورحمة الله، ثم أتى آخر ~~فقال: # السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال: وعليك ورحمة الله وبركاته، ~~ثم جاء آخر فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال له: وعليك، فقال له ~~الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت ~~عليهما أكثر مما رددت علي؟ فقال: إنك لم تدع لنا شيئا، قال الله (وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) فرددناها عليك ms0841 ". وأخرج البخاري في ~~الأدب المفرد عن أبي هريرة " أن رجلا مر على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو في مجلس فقال: سلام عليكم، فقال: عشر حسنات، فمر رجل آخر فقال: ~~السلام عليكم وحمة الله، فقال: عشرون حسنة، فمر رجل آخر فقال: السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته، فقال: # ثلاثون حسنة ". وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعا نحوه. ~~وأخرج البيهقي عن سهل بن حنيف مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج أحمد والدارمي وأبو ~~داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن عمران بن حصين مرفوعا نحوه أيضا، ~~وزاد بعد كل مرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رد عليه، ثم قال: عشر ~~إلى آخره. وأخرج أبو داود والبيهقي عن معاذ بن أنس الجهني مرفوعا نحوه، ~~وزاد بعد قوله وبركاته: ومغفرته، فقال: أربعون، يعني حسنة. PageV01P494 # الاستفهام في قوله (ما لكم) للإنكار، واسم الاستفهام مبتدأ وما بعده ~~خبره. والمعنى: أي شئ كائن لكم (في المنافقين) أي في أمرهم وشأنهم حال ~~كونكم (فئتين) في ذلك. وحاصله الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شئ يوجب ~~اختلافهم في شأن المنافقين. وقد اختلف النحويون في انتصاب فئتين، فقال ~~الأخفش والبصريون على الحال كقولك: مالك قائما. وقال الكوفيون انتصابه على ~~أنه خبر لكان، وهي مضمرة، والتقدير: فما لكم في المنافقين كنتم فئتين. وسبب ~~نزول الآية ما سيأتي وبه يتضح المعنى. وقوله (والله أركسهم) معناه ردهم إلى ~~الكفر (بما كسبوا) وحكى الفراء والنضر بن شميل والكسائي أركسهم وركسهم: أي ~~ردهم إلى الكفر ونكسهم فالركس والنكس: قلب الشئ على رأسه، أو رد أوله إلى ~~آخره، والمنكوس المركوس، وفي قراءة عبد الله بن مسعود وأبي (والله ركسهم) ~~ومنه قول عبد الله بن رواحة: # اركسوا في فئة مظلمة * كسواد الليل يتلوها فتن والباء في قوله (بما ~~كسبوه) سببية: أي أركسهم بسبب كسبهم، وهو لحوقهم بدار الكفر، والاستفهام في ~~قوله (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) للتقريع والتوبيخ، وفيه دليل على أن ~~من أضله الله لا تنجع فيه هداية البشر - إنك لا ms0842 تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء -. قوله (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) أي طريقا إلى ~~الهداية. # قوله (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) هذا كلام مستأنف يتضمن ~~بيان حال هؤلاء المنافقين وإيضاح أنهم يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا ~~ويتمنوا ذلك عنادا وغلوا في الكفر وتماديا في الضلال، فالكاف في قوله (كما) ~~نعت مصدر محذوف: أي كفرا مثل كفرهم، أو حال كما روى عن سيبويه. قوله ~~(فتكونون سواء) عطف على قوله (تكفرون) داخل في حكمه: أي ودوا كفركم ككفرهم، ~~وودوا مساواتكم لهم. قوله (فلا تتخذوا منهم أولياء) جواب شرط محذوف: أي إذا ~~كان حالهم ما ذكر فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانهم ~~بالهجرة (فإن تولوا) عن ذلك (فخذوهم) إذا قدرتم عليهم (واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم) في الحل والحرم (ولا تتخذوا منهم وليا) توالونه (ولا نصيرا) ~~تستنصرون به. قوله (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) هو مستثنى ~~من قوله (فخذوهم واقتلوهم) أي إلا الذين يتصلون ويدخلون في قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق بالجوار والحلف فلا تقتلوهم لما بينهم وبين من بينكم وبينهم ~~عهد وميثاق فإن العهد يشملهم، هذا أصح ما قيل في معنى الآية وقيل الاتصال ~~هنا هو اتصال النسب. والمعنى: إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق قاله أبو عبيدة PageV01P495 # وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد ~~كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال. وقد اختلف ~~في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ميثاق، فقيل هم قريش كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميثاق ~~(والذين يصلون) إلى قريش هم بنو مدلج، وقيل نزلت في هلال بن عويمر وسراقة ~~بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عهد، وقيل خزاعة، وقيل بنو بكر بن زيد. قوله (أو جاءوكم حصرت ~~صدورهم) عطف على قوله ms0843 (يصلون) داخل في حكم الاستثناء: أي إلا الذين يصلون ~~والذين جاءوكم، ويجوز أن يكون عطفا على صفة قوم: أي إلا الذين يصلون إلى ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت صدورهم: أي ضاقت ~~صدورهم عن القتال فأمسكوا عنه، والحصر الضيق والانقباض. قال الفراء: وهو أي ~~حصرت صدورهم حال من المضمر المرفوع في جاءوكم كما تقول: جاء فلان ذهب عقله، ~~أي قد ذهب عقله. # وقال الزجاج: هو خبر بعد خبر، أي جاءوكم، ثم أخبر فقال (حصرت صدورهم) ~~فعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم، وقيل حصرت في موضع خفض على النعت لقوم، ~~وقيل التقدير: أو جاءوكم رجال أو قوم حصرت صدروهم. وقرأ الحسن (أو جاءوكم ~~حصرة صدورهم) نصبا على الحال. وقرئ حصرات وحاصرات، وقال محمد بن يزيد ~~المبرد: حصرت صدورهم هو دعاء عليهم كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض ~~المفسرين، وقيل أو بمعنى الواو. وقوله (أن يقاتلوهم أو يقاتلوا قومهم) هو ~~متعلق بقوله (حصرت صدورهم) أي حصرت صدورهم عن قتالكم والقتال معكم لقومهم، ~~فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك (ولو شاء الله لسلطهم عليكم) ~~ابتلاء منه لكم واختبارا كما قال سبحانه - ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين ونبلو أخباركم - أو تمحيصا لكم أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه ~~سبحانه لم يشأ ذلك، واللام في قوله (فلقاتلوكم) جواب لو على تكرير الجواب: ~~أي لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم، والفاء للتعقيب (فإن اعتزلوكم) ولم ~~يتعرضوا لقتالكم (وألقوا إليكم السلم) أي استسلموا لكم وانقادوا (فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا) أي طريقا، فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب ~~أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه (ستجدون آخرين يريدون أن ~~يأمنوكم ويأمنوا قومهم فيظهرون لكم الإسلام ويظهرون لقومهم الكفر ليأمنوا ~~من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم وقيل هي في قوم من أهل مكة، ~~وقيل في نعيم بن مسعود فإنه كان يأمن المسلمين والمشركين: وقيل ms0844 في قوم من ~~المنافقين، وقيل في أسد وغطفان (كلما ردوا إلى الفتنة) أي دعاهم قومهم ~~إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين (أركسوا فيها) أي قلبوا فيها فرجعوا إلى ~~قومهم وقاتلوا المسلمين، ومعنى الارتكاس الانتكاس (فإن لم يعتزلوكم) يعني ~~هؤلاء الذي يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم (ويلقوا إليكم السلم) أي ~~يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم (ويكفوا أيديهم) ~~عن قتالكم (فخذوهم واقتلوهم) حيث ثقفتموهم) أي حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم ~~(وأولئكم) الموصوفون بتلك الصفات (جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا) أي حجة ~~واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض وما في ~~صدورهم من الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم فرقتين فرقة تقول نقتلهم PageV01P496 # وفرقة تقول لا، فأنزل الله (فما لكم في المنافقين فئتين) الآية كلها، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ~~تنفي النار خبث الفضة. هذا أصح ما روى في سبب نزول الآية، وقد رويت أسباب ~~غير ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (والله ~~أركسهم) يقول: أوقعهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: ردهم. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق) قال: نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن مالك المدلجي، ~~وفي بني خزيمة بن عامر ابن عبد مناف. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عنه في قوله (إلا الذين يصلون) ~~الآية، قال: نسختها براءة - انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي (حصرت ~~صدورهم) يقول: ضاقت صدورهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ms0845 الربيع ~~(وألقوا إليكم السلم) قال: الصلح. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (فإن اعتزلوكم) الآية، قال: نسختها - ~~فقاتلوا المشركين حيث وجدتموهم - وأخرج ابن جرير عن الحسن وعكرمة في هذه ~~الآية قال: نسختها براءة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في قوله (ستجدون آخرين) الآية، قال: ناس من أهل مكة ~~كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى ~~قومهم فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا وهاهنا. فأمر ~~بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة أنهم ناس كانوا بتهامة. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن السدي أنها نزلت في نعيم ابن مسعود. # قوله (وما كان لمؤمن) هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم كقوله - ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله - ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبرا ~~وهو يستلزم صدقه، فلا يوجد مؤمن قتل مؤمنا قط، وقيل المعنى ما كان له ذلك ~~في عهد الله، وقيل ما كان له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن ذلك بوجه، ثم ~~استثنى منه استثناء منقطعا فقال: إلا خطأ، أي ما كان له أن يقتله البتة، ~~لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه والزجاج، وقيل هو استثناء متصل، ~~والمعنى: وما ثبت ولا وجد ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إذ هو مغلوب ~~حينئذ، وقيل المعنى: ولا خطأ. قال النحاس: ولا يعرف ذلك في كلام العرب، ولا ~~يصح في المعنى لأن الخطأ لا يحظر، وقيل إن المعنى: ما ينبغي أن يقتله لعلة ~~من العلل إلا للخطأ وحده، فيكون قوله خطأ منتصبا بأنه مفعول له، ~~PageV01P497 # ويجوز أن ينتصب على الحال، والتقدير: لا يقتله في حال من الأحوال إلا في ~~حال الخطأ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف: أي إلا قتلا خطأ، ووجوه الخطأ ~~كثيرة ويضبطها عدم ms0846 القصد، والخطأ الاسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد. قوله ~~(فتحرير رقبة مؤمنة) أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة يعتقها كفارة عن قتل الخطأ، ~~وعبر بالرقبة عن جميع الذات. # واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة، فقيل هي التي صلت وعقلت الإيمان ~~فلا تجزئ الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم. ~~وقال عطاء بن أبي رباح: إنها تجزئ الصغيرة المولودة بين مسلمين. وقال جماعة ~~منهم مالك والشافعي: يجزئ كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزئ ~~في قول جمهور العلماء أعمى ولا مقعد ولا أشل، ويجزئ عند الأكثر الأعرج ~~والأعور. قال مالك: إلا أن يكون عرجا شديدا. ولا يجزئ عند أكثرهم المجنون، ~~وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع، قوله (ودية مسلمة إلى أهله) ~~الدية: ما تعطى عوضا عن دم المقتول إلى ورثته، والمسلمة: المدفوعة المؤداة، ~~والأهل المراد بهم الورثة وأجناس الدية وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة. ~~قوله (إلا أن يصدقوا) أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية، سمي ~~العفو عنها صدقة ترغيبا فيه. وقرأ أبي: إلا يتصدقوا، وهذه الجملة المستثناة ~~متعلقة بقوله (فدية مسلمة) أي فعليه دية مسلمة إلا أن يقع العفو من الورثة ~~عنها. قوله (فإن كان من قوم عدو لكم) أي فإن كان المقتول من قوم عدو لكم ~~وهم الكفار الحربيون، وهذه مسئلة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد ~~الكفار الذين كان منهم، ثم أسلم ولم يهاجر وهم يظنون أنه لم يسلم وأنه باق ~~على دين قومه فلا دية على قاتله بل عليه تحرير رقبة مؤمنة. واختلفوا في وجه ~~سقوط الدية، فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية، وقيل ~~وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة لقول الله تعالى - والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولا يتهم من شئ -، وقال بعض أهل العلم إن ديته ~~واجبة لبيت المال. قوله (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي مؤقت أو ~~مؤبد. وقرأ الحسن (وهو ms0847 مؤمن فدية مسلمة إلى أهله) أي فعلى قاتله دية مؤداة ~~إلى أهله من أهل الإسلام وهم ورثته (وتحرير رقبة مؤمنة) كما تقدم (فمن لم ~~يجد) أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها (فصيام شهرين متتابعين) أي فعليه ~~صيام شهرين متتابعين، لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، فلو ~~أفطر استأنف، هذا قول الجمهور، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه فلا ~~يوجب الاستئناف. واختلف في الإفطار لعرض المرض. قوله (توبة من الله) منصوب ~~على أنه مفعول له: أي شرع ذلك لكم توبة، أي قبولا لتوبتكم، أو منصوب على ~~المصدرية: أي تاب عليكم توبة، وقيل منصوب على الحال: أي حال كونه ذا توبة ~~كائنة من الله. (قوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) لما بين سبحانه ~~حكم القاتل خطأ بين حكم القاتل عمدا. # وقد اختلف العلماء في معنى العمد، فقال عطاء والنخعي وغيرهما: هو القتل ~~بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المحدد، أو بما يعلم أن فيه ~~الموت من ثقال الحجارة ونحوها. وقال الجمهور: إنه كل قتل من قاتل قاصد ~~للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصى أو بغير ذلك، وقيده بعض أهل العلم بأن يكون ~~بما يقتل مثله في العادة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ~~ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ. واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام ~~بسطها. وذهب آخرون إلى أن ينقسم إلى قسمين: عمد، وخطأ ولا ثالث لهما، ~~واستدلوا بأنه ليس في القرآن إلا القسمان. ويجاب عن ذلك بأن اقتصار القرآن ~~على القسمين لا ينفي ثبوت قسم ثالث بالسنة وقد ثبت ذلك في السنة. وقد جاءت ~~هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمدا، فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء ~~PageV01P498 # له: أي يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالدا فيها، وبين غضب الله ~~عليه ولعنته له وإعداده له عذابا عظيما. وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا ~~مثل هذا الوعيد وعيد. وانتصاب خالدا على الحال. وقوله (وغضب الله عليه) ~~معطوف على ms0848 مقدر، يدل عليه السياق: أي جعل جزاءه جهنم أو حكم عليه أو جازاه ~~وغضب عليه وأعد له. # وقد اختلف العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا توبة له؟ فروى البخاري ~~عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها علماء أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن ~~عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) وهي آخر ما ~~نزل وما نسختها شئ، وقد روى النسائي عنه نحو هذا. وروى النسائي عن زيد بن ~~ثابت نحوه، وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة وعبد الله بن ~~عمرو وأبو سلمة وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك ابن مزاحم، نقله ابن ~~أبي حاتم عنهم. وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله ~~تعالى - إن الحسنات يذهبن السيئات وقوله - وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ~~-. وقوله - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء -، قالوا أيضا: والجمع ممكن بين آية ~~النساء هذه وآية الفرقان، فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما ~~وقد اتحد السبب وهو القتل، والموجب وهو التوعد بالعقاب. واستدلوا أيضا ~~بالحديث المذكور في الصحيحين عن عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم " قال بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، ثم قال: فمن أصاب من ذلك شيئا فستره الله ~~فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه " وبحديث أبي هريرة الذي أخرجه ~~مسلم في صحيحه وغيره في الذي قتل مائة نفس، وذهب جماعة منهم أبو حنيفة ~~وأصحابه والشافعي إلى أن القاتل عمدا داخل تحت المشيئة تاب أو لم يتب. وقد ~~أوضحت في شرحي على المنتقى متمسك كل فريق. # والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام ~~الدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ~~ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من ~~المعاصي ms0849 التي من جملتها القتل عمدا، لكن لا بد في توبة قاتل العمد من ~~الاعتراف بالقتل وتسليم نفسه للقصاص إن كان واجبا أو تسليم الدية إن لم يكن ~~القصاص واجبا وكان القاتل غنيا متمكنا من تسليمها أو بعضها، وأما مجرد ~~التوبة من القاتل عمدا وعزمه على أن لا يعود إلى قتل أحد من دون اعتراف ولا ~~تسليم نفس فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم الراحمين، هو الذي يحكم بين ~~عباده فيما كانوا فيه يختلفون. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد ~~الله الذي عهد إليه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في قوله (وما كان لمؤمن) الآية، قال: إن عياش بن أبي ربيعة ~~قتل رجلا مؤمنا كان يعذبه هو وأبو جهل وهو أخوه لأمه في اتباع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعياش يحسب أن ذلك الرجل كافر. # وأوضح من هذا السياق ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد ~~من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج مهاجرا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يعني الحارث، فلقيه عياش بالحرة فعلاه ~~بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأخبره، فنزلت (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) الآية، فقرأها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عليه ثم قال: له: قم فحرر. # وأخرجه ابن جرير وابن المنذر عن السدي بأطول من هذا. وقد روى من طرق غير ~~هذه. وأخرج ابن جرير عن PageV01P499 # ابن زيد قال: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية، فعدل أبو ~~الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم فحمل عليه بالسيف ~~فقال لا إله إلا الله فضربه. وأخرج ابن منده وأبو ms0850 نعيم نحو ذلك ولكن فيه أن ~~الذي قتل المتعوذ بكلمة الشهادة هو بكر بن حارثة الجهني. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فتحرير رقبة مؤمنة) قال ~~يعنى بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصلى. وكل رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة، ~~فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانة، وفي قوله (ودية مسلمة إلى ~~أهله إلا أن يصدقوا) قال: عليه الدية مسلمة إلا أن يتصدق بها عليه. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: في حرف أبي " فتحرير رقبة مؤمنة لا ~~يجزئ فيها صبي ". وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة " أن ~~رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجارية سوداء فقال: يا رسول الله ~~إن علي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ # فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها: فمن أنا؟ فأشارت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإلى السماء: # أي أنت رسول الله. فقال: أعتقها فإنها مؤمنة ". وقد روى من طرق وهو في ~~صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي. وقد وردت أحاديث في تقدير ~~الدية، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد، ودية المسلم ودية الكافر. ~~وهي معروفة فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضع. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله (ودية مسلمة إلى ~~أهله) قال: هذا المسلم الذي ورثته مسلمون (فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن) قال: هذا الرجل المسلم وقومه مشركون وليس بينهم وبين رسول الله عقد ~~(وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) قال: هذا الرجل المسلم وقومه مشركون ~~وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقد فيقتل فيكون ميراثه ~~للمسلمين وتكون ديته لقومه لأنهم يعقلون عنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن عباس في قوله (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن) يقول: فإن كان في ~~أهل الحرب وهو ms0851 مؤمن فقتله خطأ فعلى قاتله أن يكفر بتحرير رقبة مؤمنة، أو ~~صيام شهرين متتابعين ولا دية عليه، وفي قوله (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق) يقول: إذا كان كافرا في ذمتكم فقتل فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء بن ~~السائب عن أبي عياض قال: كان الرجل يجئ فيسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون ~~فيقيم فيهم فتغزوهم جيوش النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقتل الرجل فيمن ~~يقتل، فأنزل الله هذه الآية (وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة ~~مؤمنة) وليست له دية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء بن السائب عن أبي ~~يحيى عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (توبة ~~من الله) يعني تجاوزا من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة: أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن ~~صبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على ~~قاتل أخيه، وفيه نزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه، ~~وفيه أن مقيس بن صبابة لحق بمكة بعد ذلك وارتد عن الإسلام. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) بعد التي في سورة ~~الفرقان بثمان سنين وهي قوله - والذين لا يدعون مع الله إلها آخر - إلى ~~قوله - غفورا رحيما -. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن زيد بن ثابت أن قوله (ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا) نزلت بعد قوله - والذين لا يدعون مع الله إلها آخر - بستة أشهر. ~~وأخرج ابن المنذر عنه قال: نزلت PageV01P500 # هذه الآية في النساء بعد قوله - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - بأربعة ~~أشهر، والآثار عن الصحابة في هذا ms0852 كثيرة جدا، والحق ما عرفناك. # هذا متصل بذكر الجهاد والقتال، والضرب: السير في الأرض، تقول العرب ضربت ~~في الأرض: إذا سرت لتجار أو غزوة أو غيرهما، وتقول ضربت الأرض بدون في: إذا ~~قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يخرج ~~رجلان يضربان الغائط. قوله (فتبينوا) من التبين وهو التأمل، وهي قراءة ~~الجماعة إلا حمزة فإنه قرأ " فتثبتوا " من التثبت. واختار القراءة الأولى ~~أبو عبيدة وأبو حاتم قالا: لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالثبت، وإنما خص ~~السفر بالأمر بالتبين، مع أن التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضرا ~~وسفرا بلا خلاف، لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر كما ~~سيأتي. قوله (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم) وقرئ السلام، ومعناهما ~~واحد. واختار أبو عبيدة السلام. وخالفه أهل النظر فقالوا، السلم هنا أشبه ~~لأنه بمعنى الانقياد والتسليم. والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم ~~واستسلم لست مؤمنا، فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى ~~الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام: أي كلمته وهي الشهادة لست ~~مؤمنا، وقيل هما بمعنى التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام: أي لا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: # لست مؤمنا. والمراد نهى المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما ~~يستدل به على إسلامه، ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعودا وتقيمة، وقرأ أبو ~~جعفر (لست مؤمنا) من أمنه: إذا أجرته فهو مؤمن. # وقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافرا بعد أن قال لا إله إلا الله ~~قتل به، لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما سقط القتل عمن وقع ~~منه ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم تأولوا، وظنوا أن من ~~قالها خوفا من السلاح لا يكون مسلما ولا يصير بها دمه معصوما وأنه لا بد من ~~أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف، وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام ~~إظهار الانقياد بأن يقول ms0853 أنا مسلم أو أنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى ~~الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ~~ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآية ~~داخلان تحت القول الأول. قوله (تبتغون عرض الحياة الدنيا) الجملة في محل ~~نصب على الحال: أي لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون ~~النهي راجعا إلى القيد والمقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الدنيا عرضا ~~لأنه عارض زائل غير ثابت. قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الدنيا عرض بفتح ~~الراء، وأما العرض بسكون الراء فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض ~~بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرضا بالسكون. وفي كتاب العين: ~~العرض ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى - تريدون عرض الدنيا - وجمعه ~~عروض. وفي المجمل لابن فارس: والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه، وعرض ~~الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. ~~قوله (فعند الله مغانم كثيرة) هو تعليل للنهي: أي عند الله مما هو حلال لكم ~~من دون ارتكاب محظور مغانم كثيرة تغتنمونها وتستغنون PageV01P501 # بها عن قتل من قد استسلم وانقاد، واغتنام ماله (كذلك كنتم من قبل) أي ~~كنتم كفارا، فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة، أو كذلك كنتم من قبل، ~~تخفون إيمانكم عن قومكم خوفا على أنفسكم حتى من الله عليكم بإعزاز دينه ~~فأظهرتم الإيمان وأعلنتم به، وكرر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجبا ~~لا فسحة فيه ولا رخصة. # وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلا معه ~~غنيمة له فقال السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت (يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ~~وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم ~~وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب ~~رسول الله ms0854 صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا ما ~~سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في ~~سبيل الله) وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم ~~أبو قتادة الحرث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ~~ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له معه متيع ووطب من لبن، ~~فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة ~~لشئ كان بينه وبينه فقلته وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن (يا أيها الذين آمنوا ~~إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الآية. وفي لفظ عند ابن إسحاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من حديث أبي حدرد هذا أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لمحلم: أقتلته بعد ما قال آمنت بالله؟ فنزل ~~القرآن. وأخرج ابن جرير من حديث ابن عمر أن محلما جلس بين يدي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليستغفر له، فقال: لا غفر الله لك، فقام وهو يتلقى ~~دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه فلفظته الأرض، فجاءوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا ذلك له، فقال: إن الأرض تقبل من هو ~~شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه في جبل وألقوا عليه ~~الحجارة، فنزلت (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم) الآية. وأخرج البزار ~~والدارقطني في الإفراد والطبراني والضياء في المختارة عن ابن عباس أن سبب ~~نزول الآية: أن المقداد بن الأسود قتل رجلا بعد ms0855 ما قال لا إله إلا الله. ~~وفي سبب النزول روايات كثيرة، وهذا الذي ذكرناه أحسنها. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير في قوله (كذلك كنتم من قبل) قال: تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا ~~الراعي بإيمانه: يعني الذي قتلوه بعد أن ألقى إليهم السلام وفي لفظ تكتمون ~~إيمانكم من المشركين (فمن الله عليكم) فأظهر الإسلام فأعلنتم إيمانكم ~~(فتبينوا) قال: وعيد من الله ثان. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ~~(كذلك كنتم من قبل) قال: كنتم كفارا حتى من الله عليكم بالإسلام وهداكم له. ~~PageV01P502 # التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل ~~الله بماله ونفسه وإن كان معلوما، لكن أراد سبحانه بهذا الإخبار تنشيط ~~المجاهدين ليرغبوا وتبكيت القاعدين ليأنفوا. قوله (غير أولى الضرر) قرأ أهل ~~الكوفة وأبو عمرو بالرفع على أنه وصف للقاعدين كما قال الأخفش، لأنهم لا ~~يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير. وقرأ أبو حيوة بكسر ~~الراء على أنه وصف للمؤمنين. وقرأ أهل الحرمين بفتح الراء على الاستثناء من ~~القاعدين أو من المؤمنين: أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. # ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من القاعدين: أي لا يستوي القاعدون ~~الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم، لأن لفظهم لفظ المعرفة، قال ~~العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار لأنها أضرت بهم حتى منعتهم عن الجهاد، ~~وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد - وقيل يعطى أجره ~~من غير تضعيف فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة. قال القرطبي: والأول ~~أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك " إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ~~ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر ". قال: وفي هذا ~~المعنى ما ورد في الخبر " إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما ~~كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي ". # قوله ms0856 (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) هذا بيان ~~لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالا، والمراد ~~هنا غير أولي الضرر حملا للمطلق على المقيد، وقال هنا (درجة)، وقال فيما ~~بعد (درجات) فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان ~~وتأكيد. وقال آخرون فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة ~~واحدة وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات، قاله ~~ابن جريج والسدي وغيرهما، وقيل إن معنى درجة علوا: أي أعلى ذكرهم ورفعهم ~~بالثناء والمدح، ودرجة منتصبة على التمييز أو المصدرية لوقوعها موقع المرة ~~من التفضيل: أي فضل الله تفضيله أو على نزع الخافض أو على الحالية من ~~المجاهدين: أي ذوي درجة. قوله (وكلا) مفعول أول لقوله (وعد الله) قدم عليه ~~لإفادته القصر: أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين وعده الله الحسنى: أي ~~المثوبة وهي الجنة. قوله (أجرا) هو منتصب على التمييز، وقيل على المصدرية ~~لأن فضل بمعنى آجر فالتقدير آجرهم أجرا، وقيل مفعول ثان لفضل لتضمنه معنى ~~الإعطاء، وقيل منصوب بنزع الخافض، وقيل على الحال من درجات مقدم عليها، ~~وأما انتصاب درجات ومغفرة ورحمة: فهي بدل من أجرا، وقيل إن مغفرة ورحمة ~~ناصبهما أفعال مقدرة: أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة. # وقد أخرج البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن زيد بن ~~ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أملى عليه " لا يستوي القاعدون ~~من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها على ~~فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى؟ فأنزل الله على ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وفخذه على فخذي (غير أولي الضرر). وقد أخرج ~~هذا المعنى عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث البراء. ~~وأخرجه أيضا سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني والحاكم ~~وصححه من حديث خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه. وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي ~~وابن ms0857 جرير وابن المنذر والبيهقي PageV01P503 # في سننه عن ابن عباس قال (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر) ~~عن بدر والخارجون إلى بدر. # وأخرجه عنه أيضا عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن ~~المنذر. وأخرج عبد بن حميد والطبراني والبيهقي عنه قال: نزلت في قوم كانت ~~تشغلهم أمراض وأوجاع، فأنزل الله عذرهم من السماء. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم، ولقد ~~رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن جريج في قوله (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) ~~قال: على أهل الضرر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في ~~قوله (وكلا وعد الله الحسنى) قال: الجنة. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: ~~كان يقال الإسلام درجة، والهجرة درجة في الإسلام، والجهاد في الهجرة درجة، ~~والقتل في الجهاد درجة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن محيريز في قوله (درجات) قال: الدرجات سبعون درجة ما بين ~~الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. وأخرج نحوه عبد الرزاق في ~~المصنف عن أبي مجلز. وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن في الجنة مائة درجة ~~أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، ~~فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلا الجنة، وفوقه عرش ~~الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ". # قوله (توفاهم) يحتمل أن يكون فعلا ماضيا وحذفت منه علامة التأنيث، لأن ~~تأنيث الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون مستقبلا، والأصل تتوفاهم، فحذفت ~~إحدى التائين. وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار - وقيل ~~تقبض أرواحهم وهو الأظهر. والمراد بالملائكة ملائكة الموت لقوله تعالى - قل ~~يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم - وقوله (ظالمي أنفسهم) حال: أي في حال ~~ظلمهم ms0858 أنفسهم، وقول الملائكة (فيم كنتم) سؤال توبيخ: أي في شئ كنتم من أمور ~~دينكم؟ وقيل المعنى أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم كنتم ~~مشركين، وقيل إن معنى السؤال التقريع لهم بأنهم لم يكونوا في شئ من الدين. ~~وقولهم (كنا مستضعفين في الأرض) يعني مكة، لأن سبب النزول من أسلم بها ولم ~~يهاجر كما سيأتي، ثم أوقفتهم الملائكة على دينهم وألزمتهم الحجة وقطعت ~~معذرتهم فقالوا (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) قيل المراد بهذه ~~الأرض المدينة، والأولى العموم اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو ~~الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح PageV01P504 # للهجرة إليها، ويراد بالأرض الأولى كل أرض ينبغي الهجرة منها. قوله ~~(مأواهم جهنم) هذه الجملة خبر لأولئك والجملة خبر إن في قوله (إن الذين ~~توفاهم الملائكة) ودخول الفاء لتضمن اسم إن معنى الشرط (وساءت) أي جهنم ~~(مصيرا) أي مكانا يصيرون إليه. قوله (إلا المستضعفين) هو استثناء من الضمير ~~في مأواهم، وقيل استثناء منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول وضميره. ~~وقوله (من الرجال والنساء والولدان) متعلق بمحذوف، أي كائنين منهم، والمراد ~~بالمستضعفين من الرجال الزمني ونحوهم، والولدان كعياش بن أبي ربيعة وسلمة ~~بن هشام، وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم القصد المبالغة في أمر ~~الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف، فكيف من كان مكلفا، وقيل ~~أراد بالولدان المراهقين والمماليك. قوله (لا يستطيعون حيلة) صفة ~~للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان، أو حال من الضمير في المستضعفين، ~~وقيل الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص: # أي لا يجدون حيلة ولا طريقا إلى ذلك، وقيل السبيل: سبيل المدينة (فأولئك) ~~إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر (عسى الله أن يعفو عنهم) وجئ بكلمة ~~الإطماع لتأكيد أمر الهجرة، حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا ~~يجب طلب العفو عنه. قوله (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة) هذه الجملة متضمنة للترغيب في الهجرة والتنشيط إليها. وقوله ~~(في سبيل ms0859 الله) فيه دليل على أن الهجرة لابد أن تكون بقصد صحيح ونية خالصة ~~غير مشوبة بشئ من أمور الدنيا، ومنه الحديث الصحيح " فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. # وقد اختلف في معنى قوله سبحانه (يجد في الأرض مراغما) فقال ابن عباس ~~وجماعة من التابعين ومن بعدهم: # المراغم المتحول والمذهب. وقال مجاهد: المراغم المتزحزح. وقال ابن زيد: ~~المراغم المهاجر، وبه قال أبو عبيدة، قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة ~~المعاني، فالمراغم: المذهب والمتحول، وهو الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق ~~من الرغام وهو التراب، ورغم أنف فلان: أي لصق بالتراب، وراغمت فلانا: هجرته ~~وعاديته ولم أبال أن رغم أنفه: وقيل إنما سمي مهاجرا ومراغما، لأن الرجل ~~كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمى خروجه مراغما، وسمي مسيره إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم هجرة. والحاصل في معنى الآية أن المهاجر يجد في ~~الأرض مكانا يسكن فيه على رغم أنف قومه الذين هاجرهم: أي على ذلهم وهوانهم. ~~قوله (وسعة) أي في البلاد، وقيل في الرزق، ولا مانع من حمل السعة على ما هو ~~أعم من ذلك. قوله (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ~~فقد وقع أجره على الله) قرئ يدركه بالجزم على أنه معطوف على فعل الشرط، ~~وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على إضمار أن. والمعنى أن من ~~أدركه الموت قبل أن يصل إلى مطلوبه، وهو المكان الذي قصد الهجرة إليه أو ~~الأمر الذي قصد الهجرة له (فقد وقع أجره على الله) أي ثبت ذلك عنده ثبوتا ~~لا يتخلف (وكان الله غفورا) أي كثير المغفرة (رحيما) أي كثير الرحمة. وقد ~~استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك أو بدار ~~يعمل فيها بمعاصي الله جهارا إذا كان قادرا على الهجرة ولم يكن من ~~المستضعفين لما في هذه الآية الكريمة من العموم وإن ms0860 كان السبب خاصا كما ~~تقدم. وظاهرها عدم الفرق بين مكان ومكان وزمان وزمان. وقد ورد في الهجرة ~~أحاديث، وورد ما يدل على أنه لا هجرة بعد الفتح. وقد أوضحنا ما هو الحق في ~~شرحنا على المنتقي فليرجع إليه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~سننه عن ابن عباس قال: كان قوم PageV01P505 # من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم ~~بدر فأصيب بعضهم وقتل البعض فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ~~وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت بهم هذه الآية (إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم) قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، وأنه لا ~~عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية - ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله - إلى آخر الآية فكتب ~~المسلمون إليهم بذلك فحزنوا وأيسوا من كل خير، فنزلت فيهم - ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ~~- فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجا فاخرجوا فخرجوا فأدركهم ~~المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل. وقد أخرجه البخاري وغيره ~~عنه مقتصرا على أوله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة ~~في قوله (إن الذين توفاهم الملائكة) إلى قوله (وساءت بين مصيرا) قال: نزلت ~~في قيس بن الفاكه بن المغيرة والحارث بن ربيعة بن الأسود وقيس بن الوليد ~~ابن المغيرة وأبي العاص بن منبه بن الحجاج وعلي بن أمية بن خلف، قال: لما ~~خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، ~~خرجوا معهم بشباب كارهين كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، ~~فقتلوا ببدر كفارا ورجعوا عن الإسلام وهم هؤلاء الذين سميناهم. وأخرج نحوه ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ms0861 حاتم عن ابن إسحاق. وقد روى نحو هذا من ~~طرق. وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية (إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان) فقال: كنت أنا وأمي من المستضعفين ~~أنا من الولدان وأمي من النساء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (لا ~~يستطيعون حيلة) قال: قوة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (لا يستطيعون حيلة) قال: نهوضا إلى ~~المدينة (ولا يهتدون سبيلا) قال: طريقا إلى المدينة. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (مراغما كثيرا وسعة) قال: المراغم المتحول من أرض إلى أرض. ~~والسعة: الرزق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد (مراغما) قال: متزحزحا عما يكره. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ~~(وسعة) قال: ورخاء. وأخرج أيضا عن مالك قال: سعة البلاد. وأخرج أبو يعلى ~~وابن أبي حاتم والطبراني قال السيوطي بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال: خرج ~~ضمرة بن جندب من بينه مهاجرا فقال لقومه احملوني فأخرجوني من أرض الشرك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فنزل الوحي (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله) ~~الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عنه نحوه. ~~وأخرج ابن سعد: وأحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عتيك قال سمعت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله، وأين ~~المجاهدون في سبيل الله؟ # فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع ~~أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله: يعني بحتف أنفه على ~~فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من ms0862 العرب قبل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ومن قتل قعصاء فقد استوجب الجنة ". وأخرج أبو يعلى ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ومن خرج ~~معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل ~~الله فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة ". قال ابن كثير: وهذا حديث ~~غريب من هذا الوجه. PageV01P506 # قوله (وإذا ضربتم) قد تقدم تفسير الضرب في الأرض قريبا. قوله (فليس عليكم ~~جناح) فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور. وذهب الأقلون ~~إلى أنه واجب، ومنهم عمر ابن عبد العزيز والكوفيون والقاضي إسماعيل وحماد ~~بن أبي سليمان، وهو مروي عن مالك. واستدلوا بحديث عائشة الثابت في الصحيح " ~~فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر " ولا يقدح في ~~ذلك مخالفتها لما روت، فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ومثله حديث يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب قلت (ليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقد أمن ~~الناس، فقال لي عمر: # عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ~~فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " أخرجه أحمد ومسلم وأهل ~~السنن. وظاهر قوله " فاقبلوا صدقته " أن القصر واجب. قوله (إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا) ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف ~~الفتنة من الكافرين لا مع الأمن، ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قصر مع الأمن كما عرفت، فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، ~~والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضته ما تواتر ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم من القصر مع الأمن. وقد قيل إن هذا الشرط خرج ~~مخرج الغالب، ms0863 لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ~~ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدم. وفي قراءة أبي (أن تقصروا من ~~الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا) بسقوط (إن خفتم) والمعنى على هذه القراءة: ~~كراهة أن يفتنكم الذين كفروا. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية ~~إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمنا فلا قصر له. # وذهب آخرون إلى أن قوله (إن خفتم) ليس متصلا بما قبله وأن الكلام تم عند ~~قوله (من الصلاة) ثم افتتح فقال (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فأقم لهم ~~يا محمد صلاة الخوف. وقوله (إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) معترض، ذكر ~~معنى هذا الجرجاني والمهدوي وغيرهما. ورده القشيري والقاضي أبو بكر بن ~~العربي. وقد حكى القرطبي عن ابن عباس معنى ما ذكره الجرجاني ومن معه، ومما ~~يرد هذا ويدفعه الواو في قوله (وإذا كنت فيهم) وقد تكلف بعض المفسرين فقال: ~~إن الواو زائدة وإن الجواب للشرط المذكور، أعني قوله (إن خفتم) هو قوله ~~PageV01P507 # (فلتقم طائفة) وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر ~~الذي قدمنا ذكره، وما ورد في معناه. قوله (أن يفتنكم الذين كفروا) قال ~~الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد ~~يقولون أفتنت الرجل، وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا فتنته: جعلت فيه ~~فتنة مثل كحلته، وأفتنته: جعلته مفتنا، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته. ~~والمراد بالفتنة القتال والتعرض بما يكره. قوله (عدوا) أي أعداء. قوله ~~(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولمن بعده من أهل الأمر حكمه كما هو معروف في الأصول، ومثله قوله ~~تعالى - من أموالهم صدقة - ونحوه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذ أبو ~~يوسف وإسماعيل بن علية فقالا: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، لأن هذا الخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ms0864 قالا: ~~ولا يلحق غيره به لما له صلى الله عليه وآله وسلم من المزية العظمى، وهذا ~~مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله والتأسي به. وقد قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي " والصحابة رضي الله عنهم أعرف بمعاني ~~القرآن، وقد صلوها بعد موته في غير مرة كما ذلك معروف. ومعنى (أقمت لهم ~~الصلاة) أردت الإقامة، كقوله - وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم -، ~~وقوله - وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله - قوله (فلتقم طائفة منهم معك) يعني ~~بعد أن تجعلهم طائفتين، طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة تقوم منهم معك في ~~الصلاة (وليأخذوا أسلحتهم) أي الطائفة التي تصلي معه، وقيل الضمير راجع إلى ~~الطائفة التي بإزاء العدو، والأول أظهر، لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو ~~لا بد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك من كان في ~~الصلاة، لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة فأمره الله بأن يكون آخذا ~~لسلاحه: أي غير واضع له. وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا ~~حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء ~~عدوهم من إمكان فرصته فيهم. وقد قال بإرجاع الضمير من قوله (وليأخذوا ~~أسلحتهم) إلى الطائفة القائمة بإزاء العدو ابن عباس قال لأن المصلية لا ~~تحارب، وقال غيره: إن الضمير راجع إلى المصلية، وجوز الزجاج والنحاس أن ~~يكون ذلك أمرا للطائفتين جميعا لأنه أرهب للعدو. وقد أوجب أخذ السلاح في ~~هذه الصلاة أهل الظاهر حملا للأمر على الوجوب. وذهب أبو حنيفة إلى أن ~~المصلين لا يحملون السلاح وأن ذلك يبطل الصلاة، وهو مدفوع بما في هذه الآية ~~وبما في الأحاديث الصحيحة. قوله (فإذا سجدوا) أي القائمون في الصلاة ~~(فليكونوا) أي الطائفة القائمة بإزاء العدو (من ورائكم) أي من وراء ~~المصلين. ويحتمل أن يكون المعنى: فإذا سجد المصلون معه: أي أتموا الركعة ~~تعبيرا بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة (فليكونوا وفي من ورائكم) ~~أي فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة (ولتأت طائفة أخرى) ms0865 وهي ~~القائمة في مقابلة العدو التي لم تصل (فليصلوا معك) على الصفة التي كانت ~~عليها الطائفة الأولى (وليأخذوا) أي هذه الطائفة الأخرى (حذرهم وأسلحتهم) ~~زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح. قيل وجهه أن هذه ~~المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في شغل شاغل، وأما في المرة الأولى فربما يظنونهم قائمين للحرب، ~~وقيل لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت، لأنه آخر الصلاة، والسلاح ما ~~يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل ~~طائفة من الطائفتين؟ وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء ~~مختلفة وصفات متعددة. وكلها صحيحة مجزئة من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر ~~به، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها فقد أبعد عن الصواب وقد ~~PageV01P508 # أوضحنا هذا في شرحنا للمنتقى، وفي سائر مؤلفاتنا. قوله (ود الذين كفروا ~~لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) هذه الجملة ~~متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله بالحذر وأخذ السلاح: أي ودوا غفلتكم ~~عن أخذ السلاح وعن الحذر ليصلوا إلى مقصودهم وينالوا فرصتهم، فيشدون عليكم ~~شدة واحدة، والأمتعة ما يتمتع به في الحرب، ومنه الزاد والراحلة. قوله (ولا ~~جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) رخص لهم ~~سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من المطر وفي حال المرض، لأنه يصعب مع ~~هذين الأمرين حمل السلاح، ثم أمرهم بأخذ الحذر لئلا يأتيهم العدو على غرة ~~وهم غافلون. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر عن ~~صلاة السفر، فقال ركعتان قلت: فأين قوله تعالى (إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفرا) ونحن آمنون؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد ~~بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن أمية بن عبد الله بن ~~خالد بن أسيد أنه ms0866 سأل ابن عمر: أرأيت قصر الصلاة في السفر؟ إنا لا نجدها في ~~كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الخوف، فقال ابن عمر يا بن أخي إن الله أرسل ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل. وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الصحيحين وغيرهما عن حارثة بن وهب ~~الخزاعي قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر بمنى ~~أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه ~~والنسائي عن ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ~~مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا ركعتين. وأخرج ابن جرير عن علي قال: # سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول ~~الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ # فأنزل الله (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ~~ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فصلى الظهر، فقال المشركون: قد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم ~~عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله بين ~~الصلاتين (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ~~وإذا كنت فيهم) إلى قوله (إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) فنزلت صلاة ~~الخوف. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ~~وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~والدارقطني والحاكم وصححه عن أبي عياش الزرقي قال: # كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون ~~عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي ~~عليهم الآن صلاة هي ms0867 أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات ~~(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) ثم ذكر صفة الصلاة التي صلوها مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. والأحاديث في صفة صلاة الخوف كثيرة، وهي مستوفاة ~~في مواطنها، فلا نطول بذكرها ها هنا. وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس في ~~قوله (إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى) قال: نزلت في عبد الرحمن بن عوف ~~كان جريحا. PageV01P509 # (قضيتم) بمعنى فرغتم من صلاة الخوف، وهو أحد معاني القضاء، ومثله - فإذا ~~قضيتم مناسككم - فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض -. قوله (فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم) أي في جميع الأحوال حتى في حال القتال. وقد ذهب ~~جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو أثر صلاة الخوف: أي إذا ~~فرغتم من الصلاة فاذكروا الله في هذه الأحوال، وقيل معنى قوله (فإذا قضيتم ~~الصلاة) إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا أو على جنوبكم حسبما يقتضيه الحال ~~عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله - فإن خفتم فرجالا أو ركبانا -. قوله ~~(فإذا اطمأننتم) أي أمنتم وسكنت قلوبكم، والطمأنينة: سكون النفس من الخوف ~~(فأقيموا الصلاة) أي فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من ~~الأذكار والأركان ولا تفعلوا ما أمكن، فإن ذلك إنما هو في حال الخوف، وقيل ~~المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسايفة، لأنها حالة قلق ~~وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان وهو مروي عن الشافعي، والأول أرجح (إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) أي محدودا معينا، يقال وقته فهو ~~موقوت ووقته فهو موقت. والمعنى: إن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها ~~عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا ~~لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما. قوله (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) أي ~~لا تضعفوا في طلبهم وأظهروا القوة والجلد. قوله (إن تكونوا تألمون فإنهم ~~يألمون كما تألمون) تعليل للنهي المذكور قبله: أي ليس ما تجدونه من ألم ~~الجراح ms0868 ومزاولة القتال مختصا بكم، بل هو أمر مشترك بينكم وبينهم فليسوا ~~بأولى منكم بالصبر على حر القتال ومرارة الحرب، ومع ذلك فلكم عليهم مزية لا ~~توجد فيهم، وهي أنكم ترجون من الله من الأجر وعظيم الجزاء ما لا يرجونه ~~لكفرهم وجحودهم، فأنتم أحق بالصبر منهم وأولى بعدم الضعف منهم، فإن أنفسكم ~~قوية، لأنها ترى الموت مغنما، وهم يرونه مغرما. ونظير هذه الآية قوله تعالى ~~- إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله - وقيل إن الرجاء هنا بمعنى الخوف، ~~لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله، فلا يخلو من خوف ما يرجو. وقال ~~الفراء والزجاج: لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف (إلا مع النفي كقوله تعالى - ~~ما لكم لا ترجون لله وقارا - أي لا تخافون له عظمة. وقرأ عبد الرحمن الأعرج ~~(أن تكونوا) بفتح الهمزة: # أي لأن تكونوا. وقرأ منصور بن المعتمر تيلمون بكسر التاء ولا يجوز عند ~~البصريين كسر التاء لثقله. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) قال: بالليل والنهار في البر ~~والبحر وفي السفر والحضر والغنى والفقر والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى ~~كل حال. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه بلغه أن قوما يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فقال: إنما هذه إذا لم يستطيع الرجل أن يصلي ~~قائما صلى قاعدا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد (فإذا اطمأننتم) ~~قال: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة (فأقيموا الصلاة) قال: ~~أتموها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ~~نحوه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه أيضا. وأخرج ابن PageV01P510 # أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا) يعني مفروضا. وأخرج ابن جرير عنه قال: الموقوت الواجب. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه في قوله (ولا تهنوا) قال: ولا تضعفوا. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله (تألمون) قال: ms0869 توجعون (وترجون من الله مالا يرجون) ~~قال: ترجون الخير. # قوله (بما أراك الله) إما بوحي أو بما هو جار على سنن ما قد أوحي الله ~~به، وليس المراد هنا رؤية العين لأن الحكم لا يرى، بل المراد بما عرفة الله ~~به وأرشده إليه. قوله (ولا تكن للخائنين) أي لأجل الخائنين خصيما: أي ~~مخاصما عنهم مجادلا للمحقين بسببهم. وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن ~~يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. # قوله (واستغفر الله) أمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار. ~~قال ابن جرير: إن المعنى استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين: وسيأتي ~~بيان السبب الذي نزلت لأجله الآية، وبه يتضح المراد. وقيل المعنى: # واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمخاصمين بالباطل. قوله (ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم) أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، والمجادلة ~~مأخوذة من الجدل وهو الفتل، وقيل مأخوذة من الجدالة وهي وجه الأرض لأن كل ~~واحد من الخصمين يريد أن يلقى صاحبه عليها، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم، لأن ~~ضرر معصيتهم راجع إليهم. والخوان: كثير الخيانة، والأثيم: كثير الإثم، وعدم ~~المحبة كناية عن البغض. قوله (يستخفون من الناس) أي يستترون منهم كقوله - ~~ومن هو مستخف بالليل - أي مستتر، وقيل معناه: يستخفون من الناس ولا يستخفون ~~من الله: أي لا يستترون منه أو لا يستحيون منه والحال أنه معهم في جميع ~~أحوالهم عالم بما هم فيه فكيف يستخفون منه (إذ يبيتون) أي يديرون الرأي ~~بينهم، وسماه تبييتا، لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل (ما لا يرضى ~~من القول) أي من الرأي الذي أداروه بينهم، وسماه قولا لأنه لا يحصل إلا بعد ~~المقاولة بينهم. قوله (ها أنتم هؤلاء) يعني القوم الذين جادلوا عن صاحبهم ~~السارق كما سيأتي، والجملة مبتدأ وخبر. قال الزجاج (أولا) بمعنى الذين و ~~(جادلتم) بمعنى حاججتم (في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة) ~~الاستفهام للإنكار والتوبيخ: أي فمن يخاصم ويجادل الله عنهم يوم القيامة ~~عند تعذيبهم ms0870 بذنوبهم؟ (أم من يكون عليهم وكيلا) أي مجادلا ومخاصما والوكيل ~~في الأصل: القائم بتدبير الأمور. والمعنى: من ذاك يقوم بأمرهم إذا أخذهم ~~الله بعذابه. # وقد أخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والحاكم وصححه عن قتادة بن النعمان قال PageV01P511 # كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، وكان بشر رجلا ~~منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ~~ينحله بعض العرب ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول ~~هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال: # أو كلما قال الرجال قصيدة * أصموا فقالوا ابن الأبيرق قالها قال: وكانوا ~~أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة ~~التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة: أي حمولة من الشام ~~من الدرمك ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر ~~والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن رافع جملا من الدرمك، ~~فجعله في مشربة، وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما، فعدى ~~عليه من تحت الليل فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي ~~رفاعة فقال: يا ابن أخي تعلم أن قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا ~~فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا قد رأينا ~~بني أبيرق استوقدوا نارا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض ~~طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما نرى ~~صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلا منا له صلاح وإسلام، فلما سمع ذلك لبيد اخترط ~~سيفه ثم أتى بني أبيرق وقال: أنا أسرق؟ فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو ~~لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل فوالله ما أنت بصاحبها. ~~فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: ms0871 يا بن أخي لو أتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء ~~عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا ~~علينا سلاحنا، وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: سأنظر في ذلك، فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له ~~أسير بن عروة فكلموه في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه ~~عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ~~ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكلمته فقال: ~~عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ~~ثبت، قال قتادة: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال لي: يا بن أخي ما صنعت؟ ~~فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الله: ~~المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) بني أبيرق (واستغفر الله) أي ~~مما قلت لقتادة (إن الله كان غفورا رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسم) إلى قوله (ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) أي لو استغفروا ~~الله لغفر لهم (ومن يكسب إثما إلى قوله (فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) ~~قولهم للبيد (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك) يعني ~~أسير بن عروة، فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالسلاح فرده إلى رفاعة، قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخا قد ~~غشي في الجاهلية: أي ms0872 كبر، وكنت أرى إسلامه مدخولا فلما أتيته بالسلاح قال: ~~يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحا، فلما نزل القرآن ~~لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد فأنزل الله - ومن يشاقق الرسول ~~من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى - إلى قوله ~~PageV01P512 # (ضلالا بعيدا) فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر ~~فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي ~~شعر حسان ما كنت تأتيني بخير: قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدا ~~أسنده غير محمد بن سلمة الحراني. ورواه يونس بن بكير وغير واحد عن محمد ابن ~~إسحاق عن عاصم ابن عمر بن قتادة مرسلا لم يذكر فيه عن أبيه عن جده. ورواه ~~بن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني عن محمد ابن سلمة به ببعضه. ورواه ~~ابن المنذر في تفسيره قال: حدثنا محمد بن إسماعيل: يعني الصانع، حدثنا أحمد ~~بن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ ~~الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس ابن أيوب والحسن بن يعقوب كلاهما عن ~~الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني عن محمد بن سلمة به، ثم قال في آخره: ~~قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق ~~بن أبي إسرائيل. وقد رواه الحاكم في المستدرك عن أبي العباس الأصم عن أحمد ~~بن عبد الجبار العطاردي عن يونس بن بكير عن محمد ابن إسحاق بمعناه أثم منه، ~~ثم قال: هذا صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: ~~غدا بشير فذكره مختصرا، وقد رويت هذه القصة مختصرة ومطولة عن جماعة من ~~التابعين: # هذا من تمام القصة السابقة، والمراد بالسوء: القبيح الذي يسوء به (أو ~~يظلم نفسه) بفعل معصية من المعاصي أو ذنب من الذنوب التي لا تتعدى إلى غيره ~~(ثم يستغفر الله) ms0873 يطلب منه أن يغفر له ما قارفه من الذنب (يجد الله غفورا) ~~لذنبه (رحيما) به، وفيه ترغيب لمن وقع منه السرق من بني أبيرق أن يتوب إلى ~~الله ويستغفره، وأنه غفور لمن يستغفره رحيم به. وقال الضحاك: إن هذه الآية ~~نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة، أشرك بالله وقتل حمزة، ثم جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقال: هل لي من توبة؟ فنزلت. وعلى كل حال فالاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي لكل عبد من عباد الله أذنب ذنبا ثم استغفر ~~الله سبحانه. قوله (ومن يكسب إثما) من الآثام بذنب يذنبه (فإنما يكسبه على ~~نفسه) أي عاقبته عائدة عليه، والكسب ما يجر به الإنسان إلى نفسه نفعا أو ~~يدفع به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب كسبا، قاله القرطبي (ومن يكسب خطيئة ~~أو إثما) قيل هما بمعنى واحد كرر للتأكيد. وقال الطبري: إن الخطيئة تكون عن ~~عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وقيل الخطيئة الصغيرة، ~~والإثم: الكبيرة. قوله (ثم يرم به بريئا) توحيد الضمير لكون العطف بأو، أو ~~لتغليب الإثم على الخطيئة، وقيل إنه يرجع إلى الكسب. قوله (فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا) لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل ~~PageV01P513 # الذي يحمل، ومثله - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم -. والبهتان ~~مأخوذ من البهت: وهو الكذب على البرئ بما ينبهت له ويتحير منه، يقال بهته ~~بهتا وبهتانا: إذا قال عليه ما لم يقل، ويقال بهت الرجل بالكسر: إذا دهش ~~وتحير وبهت بالضم، ومنه - فبهت الذي كفر -، والإثم المبين: الواضح. قوله ~~(ولو فضل الله عليك ورحمته) خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والمراد بهذا الفضل والرحمة لرسول الله أنه نبهه على الحق في قصة بني ~~أبيرق. # وقيل المراد بهما النبوة والعصمة (لهمت طائفة منهم) أي من الجماعة الذين ~~عضدوا بني أبيرق كما تقدم (أن يضلوك) عن الحق (وما يضلون إلا أنفسهم) لأن ~~وبال ذلك عائد عليهم (وما يضرونك من شئ) لأن الله سبحانه هو ms0874 عاصمك من ~~الناس، ولأنك عملت بالظاهر ولا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي، ~~والجار والمجرور في محل نصب على المصدرية: أي وما يضرونك شيئا من الضرر. ~~قوله (وأنزل الله عليك الكتاب) قيل هذا ابتداء كلام، وقيل الواو للحال: أي ~~وما يضرونك من شئ حال إنزال الله عليك الكتاب والحكمة، أو مع إنزال الله ~~ذلك عليك. قوله (وعلمك ما لم تكن تعلم) معطوف على أنزل: أي علمك بالوحي ما ~~لم تكن تعلم من قبل (وكان فضل الله عليك عظيما) إذ لا فضل أعظم من النبوة ~~ونزول الوحي. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ومن يعمل سوءا أو ~~يظلم نفسه) الآية. قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ~~ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا ثم استغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال. وأخرج عبد بن حميد ~~عن ابن مسعود قال: من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر الله غفر ~~له (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول) الآية. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وعلمك ما لم تكن تعلم) قال: علمه ~~الله بيان الدنيا والآخرة بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه. وأخرج ~~أيضا عن الضحاك قال: علمه الخير والشر، وقد ورد في قبول الاستغفار، وأنه ~~يمحو الذنب أحاديث كثيرة مدونة في كتب السنة. # النجوى: السر بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلانا مناجاة ونجاء وهم ~~ينتجون ويتناجون، ونجوت فلانا أنجوه نجوى: أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت ~~الشئ أنجوه: أي خلصته وأفردته. والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه ~~عما حوله، فالنجوى: المسارة مصدر. وقد تسمى به الجماعة كما يقال قوم عدل، ~~قال الله تعالى - وإذ هم نجوى - فعلى الأول يكون الاستثناء منقطعا: أي لكن ~~من أمر بصدقة، أو متصلا على تقدير إلا ms0875 نجوى من أمر بصدقة، وعلى الثاني يكون ~~الاستثناء متصلا في موضع خفض على البدل من كثير: أي لا خير في كثير إلا ~~فيمن أمر بصدقة. وقد قال جماعة من المفسرين: إن النجوى كلام الجماعة ~~المنفردة أو الاثنين سواء كان PageV01P514 # ذلك سرا أو جهرا، وبه قال الزجاج. قوله (بصدقة) الظاهر أنها صدقة التطوع، ~~وقيل إنها صدقة الفرض. # والمعروف صدقة التطوع، والأول أولى. والمعروف لفظ عام يشمل جميع أنواع ~~البر. وقال مقاتل: المعروف هنا القرض. والأول أولى، ومنه قول الخطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس ومنه ~~الحديث " كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق "، وقيل ~~المعروف إغاثة الملهوف. والإصلاح بين الناس عام في الدماء والأعراض ~~والأموال، وفي كل شئ يقع التداعي فيه. قوله (ومن يفعل ذلك) إشارة إلى ~~الأمور المذكورة، جعل مجرد الأمر بها خيرا، ثم رغب في فعلها بقوله (ومن ~~يفعل ذلك) لأن فعلها أقرب إلى الله من مجرد الأمر بها، إذ خيرية الأمر بها ~~إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها. قوله (ابتغاء مرضات الله) علة للفعل، لأن ~~من فعلها لغير ذلك فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء، بل قد يكون غير ناج ~~من الوزر، والأعمال بالنيات (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) ~~المشاققة: المعاداة والمخالفة. وتبين الهدى ظهوره، بأن يعلم صحة الرسالة ~~بالبراهين الدالة على ذلك ثم يفعل المشاققة (ويتبع غير سبيل المؤمنين) أي ~~غير طريقهم وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه (نوله ما تولى) ~~أي نجعله واليا لما توالاه من الضلال (ونصله جهنم) قرأ عاصم وحمزة وأبو ~~عمرو (نوله ونصله) بسكون الهاء في الموضعين: وقرأ الباقون بكسرهما وهما ~~لغتان، وقرئ ونصله بفتح النون من صلاة، وقد تقدم بيان ذلك. وقد استدل جماعة ~~من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله (ويتبع غير سبيل المؤمنين) ~~ولا حجة في ذلك عندي، لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين ~~الإسلام إلى ms0876 غيره كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من ~~علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام فأداه اجتهاده ~~إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين، ~~وهو الدين القويم والملة الحنيفية ولم يتبع غير سبيلهم. # وقد أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن أم حبيبة قالت قال: ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرا ~~بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله عز وجل ". قال سفيان الثوري هذا في ~~كتاب الله (لا خير في كثير من نجواهم) الآية، وقوله - يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا -، وقوله - ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر -. وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت والتحذير من آفات اللسان ~~والترغيب في حفظه، وفي الحث على الإصلاح بين الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مقاتل ابن حيان في قوله (ومن يفعل ذلك) تصدق أو أقرض أو أصلح بين الناس. ~~وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن أنس قال " جاء أعرابي إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله ~~أنزل علي القرآن يا أعرابي (لا خير في كثير من نجواهم) إلى قوله (فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما) يا أعرابي الأجر العظيم الجنة، قال الأعرابي: الحمد لله ~~الذي هدانا للإسلام ". وأخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يجمع الله هذه الأمة ~~على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذ في النار ". وأخرجه ~~الترمذي والبيهقي أيضا عن ابن عباس مرفوعا. PageV01P515 # قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به) قد تقدم تفسير هذه الآية وتكريرها ~~بلفظها للتأكيد، وقيل كررت هنا لأجل قصة بني أبيرق، وقيل إنها نزلت هنا ~~لسبب غير قصة ms0877 بني أبيرق. وهو ما رواه الثعلبي والقرطبي في تفسيرهما على ~~الضحاك: أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا أني لم أشرك ~~بالله شيئا مذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا ولم أوقع المعاصي جرأة ~~على الله ولا مكابرة له، وإني لنادم وتائب ومستغفر فما حالي عند الله؟ ~~فأنزل الله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية (ومن يشرك بالله فقد ~~ضل) عن الحق (ضلالا بعيدا) لأن الشرك أعظم أنواع الضلال وأبعدها من الصواب ~~(إن يدعون من دونه إلا إناثا) أي ما يدعون من دون الله إلا أصناما لها ~~أسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة، وقيل المراد بالإناث الموات التي لا روح ~~لها كالخشبة والحجر، وقيل المراد بالإناث الملائكة لقولهم الملائكة بنات ~~الله. وقرئ " وثنا " بضم الواو والثاء جمع وثن، روى هذه القراءة ابن ~~الأنباري عن عائشة. وقرأ ابن عباس " إلا أثنا " جمع وثن أيضا، وأصله وثن ~~فأبدلت الواو همزة، وقرأ الحسن إلا أنثا بضم الهمزة والنون بعدها مثلثة، ~~جمع أنيث كغدير وغدر. وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر. وحكى هذه ~~القراءة أبو عمرو الداني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وقرأ بها ~~ابن عباس والحسن وأبو حيوة. وعلى جميع هذه القراءات فهذا الكلام خارج مخرج ~~التوبيخ للمشركين والإزراء عليهم والتضعيف لعقولهم، لكونهم عبدوا من دون ~~الله نوعا ضعيفا (وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) أي وما يدعون من دون الله ~~إلا شيطانا مريدا وهو إبليس لعنه الله، لأنهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد ~~عبدوه. وقد تقدم اشتقاق لفظ الشيطان. والمريد: المتمرد العاتي، من مرد: إذا ~~عتا. قال الأزهري: المريد الخارج عن الطاعة. وقد مرد الرجل مرودا: إذا عتا ~~وخرج عن الطاعة، فهو مارد ومريد ومتمرد. وقال ابن عرفة: هو الذي ظهر شره، ~~يقال شجرة مرداء: إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها، ومنه قيل للرجل أمرد: أي ~~ظاهر مكان ms0878 الشعر من عارضيه. قوله (لعنه الله) أصل اللعن الطرد والإبعاد. ~~وقد تقدم وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط. قوله (وقال لأتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا) معطوف على قوله (لعنه الله) PageV01P516 # والجملتان صفة لشيطان: أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله له وبين هذا ~~القول الشنيع. والنصيب المفروض: هو المقطوع المقدر: أي لأجعلن قطعة مقدرة ~~من عباد الله تحت غوايتي وهو وفي جانب إضلالي حتى أخرجهم من عبادة الله إلى ~~الكفر به. قوله (ولأضلنهم) اللام جواب قسم محذوف. والإضلال: الصرف عن طريق ~~الهداية إلى طريق الغواية، وهكذا اللام في قوله (ولأمنينهم ولآمرنهم) ~~والمراد بالأماني التي يمنيهم بها الشيطان: هي الأماني الباطلة الناشئة عن ~~تسويله ووسوسته. قوله (ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام) أي ولآمرنهم بتبتك ~~آذان الأنعام: # أي تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري. والبتك: القطع، ومنه سيف باتك، يقال ~~بتكه وبتكه مخففا ومشددا، ومنه قول زهير: * طارت وفي كفه من ريشها بتك * أي ~~قطع. وقد فعل الكفار ذلك امتثالا لأمر الشيطان واتباعا لرسمه، فشقوا آذان ~~البحائر والسوائب كما ذلك معروف. قوله (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) أي ~~ولآمرنهم بتغيير خلق الله فليغيرنه بموجب أمري لهم. واختلف العلماء في هذا ~~التغيير ما هو؟ فقالت طائفة: هو الخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان، وقال ~~آخرون: إن المراد بهذا التغيير هو أن الله سبحانه خلق الشمس والقمر ~~والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له، فغيره الكفار بأن ~~جعلوها آلهة معبودة، وبه قال الزجاج، وقيل المراد بهذا التغيير تغيير ~~الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه ~~الأمور حملا شموليا أو بدليا. # وقد رخص طائفة من العلماء في خصاء البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع ~~به لسمن أو غيره، وكره ذلك آخرون، وأما خصاء بني آدم فحرام، وقد كره قوم ~~شراء الخصي. قال القرطبي: ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز ~~وأنه مثلة وتغيير لخلق الله وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود، ~~قاله أبو عمر ابن عبد ms0879 البر (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله) باتباعه ~~وامتثال ما يأمر به من دون اتباع لما أمر الله به ولا امتثال له (فقد خسر ~~خسرانا مبينا) أي واضحا ظاهرا (يعدهم) المواعيد الباطلة (ويمينهم) الأماني ~~العاطلة (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) أي وما يعدهم الشيطان بما يوقعه في ~~خواطرهم من الوساوس الفارغة (إلا غرورا) يغرهم به ويظهر لهم فيه النفع وهو ~~ضرر محض، وانتصاب غرورا على أنه نعت لمصدر محذوف: أي وعدا غرورا أو على أنه ~~مفعول ثان أو مصدر على غير لفظه. قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرا ~~تحبه وله باطن مكروه، وهذه الجملة اعتراضية. قوله (أولئك) إشارة إلى أولياء ~~الشيطان وهذا مبتدأ وخبره الجملة وهي قوله (مأواهم جهنم). قوله (محيصا) أي ~~معدلا، من حاص يحيص، وقيل ملجأ ومخلصا، والمحيص اسم مكان، وقيل مصدر. قوله ~~(والذين آمنوا) الخ، جعل هذا الوعد للذين آمنوا مقترنا بالوعيد المتقدم ~~للكافرين. قوله (وعد الله حقا) قال في الكشاف مصدران: الأول مؤكد لنفسه، ~~والثاني مؤكد لغيره، ووجهه أن الأول مؤكد لمضمون الجملة الاسمية ومضمونها ~~وعد، والثاني مؤكد لغيره: أي حق ذلك حقا. قوله (ومن أصدق من الله قيلا) هذه ~~الجملة مؤكدة لما قبلها، والقيل مصدر قال كالقول: أي لا أجد أصدق قولا من ~~الله عز وجل، وقيل إن قيلا اسم لا مصدر، وإنه منتصب على التمييز. # وقد أخرج الترمذي من حديث علي أنه قال: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه ~~الآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قال ~~الترمذي: حسن غريب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك ~~في قوله (إن يدعون من دونه إلا إناثا) قال: اللات والعزة ومناة كلها مؤنثة. ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم والضياء ~~في المختارة عن أبي بن كعب في الآية قال: مع كل صنم جنية. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ms0880 عباس (إن يدعون من دونه إلا إناثا) قال: ~~موتي وأخرج مثله عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~الحسن. وأخرج مثله أيضا عبد بن حميد PageV01P517 # وابن جرير عن قتادة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ~~قال: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أنثى بني فلان، فأنزل ~~الله (إن يدعون من دونه إلا إناثا) وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~الضحاك قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى ~~الله زلفى، قال: # اتخذوهن أربابا وصوروهن صور الجواري فحلوا وقلدوا، وقالوا هؤلاء يشبهن ~~بنات الله الذي نعبده: يعنون الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن ~~حيان في قوله (وقال لأتخذن من عبادك) الخ، قال: هذا إبليس يقول من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. وأخرج ابن المنذر عن ~~الربيع بن أنس مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~عن قتادة في قوله (فليبتكن آذان الأنعام) قال التبتيك في البحيرة والسائبة ~~يبتكون آذانها لطواغيتهم. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر عن أنس أنه كره الإخصاء وقال فيه نزلت (ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ~~مثله. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال: نهى الله رسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن خصاء البهائم والخيل. وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن ~~عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صبر الروح وإخصاء ~~البهائم، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في ~~قوله (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) قال: دين الله. وأخرج ابن جرير عن الضحاك ~~مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير مثله أيضا. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: الوشم. # قرأ أبو ms0881 جعفر بتخفيف الياء من أماني في الموضعين، واسم ليس محذوف: أي ليس ~~دخول الجنة أو الفضل أو القرب من الله بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب كما ~~يدل على ذلك سبب نزول الآية الآتي، وقيل ضمير يعود إلى وعد الله، وهو بعيد، ~~ومن أماني أهل الكتاب قولهم - لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى - ~~وقولهم - نحن أبناء الله وأحباؤه - وقولهم - لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة -. قوله (من يعمل سوءا يجزيه) قيل المراد بالسوء الشرك، وظاهر الآية ~~أعم من ذلك، فكل من عمل سوءا: أي سوء كان فهو مجزى به من غير فرق بين ~~المسلم الكافر. وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من الوعيد الشديد، وقد ~~كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره ~~من حديث أبي هريرة، قال: لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) بلغت من المسلمين ~~مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قاربوا وسددوا، ففي ~~كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها. قوله (ولا ~~يجد له) قرأه الجماعة بالجزم PageV01P518 # عطفا على الجزاء، وروى ابن بكار عن ابن عامر (ولا يجد) بالرفع استئنافا: ~~أي ليس لمن يعمل السوء من دون الله وليا يواليه ولا نصيرا ينصره (ومن يعمل ~~من الصالحات) أي بعضها حال كونه (من ذكر أو أنثى) وحال كونه مؤمنا، والحال ~~الأولى لبيان من يعمل، والحال الأخرى لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح ~~(فأولئك) إشارة إلى العمل المتصف بالإيمان (يدخلون الجنة) قرأ أبو عمرو ~~وابن كثير (يدخلون) بضم حرف المضارعة على البناء للمجهول. وقرأ الباقون ~~بفتحها على البناء للمعلوم (ولا يظلمون نقيرا) أي لا ينقصون شيئا حقيرا، ~~وقد تقدم تفسير النقير (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه الله) أي أخلص نفسه له ~~حال كونه محسنا: # أي عاملا للحسنات (واتبع ملة إبراهيم) أي دينه حال كون المتبع (حنيفا) أي ~~مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو الإسلام (واتخذ الله ms0882 إبراهيم ~~خليلا) أي جعله صفوة له وخصه بكراماته، قال: ثعلب: إنما سمى الخيل خليلا ~~لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خليلا إلا ملأته، وأنشد قول بشار: # قد تخللت مسلك الروح منى * وبه سمى الخليل خليلا وخليل فعيل بمعنى فاعل ~~كالعليم بمعنى العالم، وقيل هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وقد ~~كان إبراهيم عليه السلام محبوبا لله ومحبا له، وقيل الخليل من الاختصاص، ~~فالله سبحانه اختص إبراهيم برسالته في ذلك الوقت واختاره لها، واختار هذا ~~النحاس. وقال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل (ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض) فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا ~~لطاعته لا لحاجته ولا للتكثير به والاعتضاد بمخاللته (وكان الله بكل شئ ~~محيطا) هذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها: أي أحاط علمه بكل شئ - ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها -. # وقد أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد قال: قالت العرب: لا نعبث ولا نحاسب، وقالت اليهود والنصارى ~~- لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى - وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة - فأنزل الله (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل ~~سوءا يجز به). وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق قال: ~~احتج المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون: # نحن أهدى منكم، وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم، فنزلت ففلج عليهم ~~المسلمون بهذه الآية (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) ~~الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق قال: تفاخر ~~النصارى وأهل الإسلام، فقال هؤلاء نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء نحن أفضل منكم ~~فنزلت. وقد ورد معنى هذه الروايات من طرق كثيرة مختصرة ومطولة. وأخرج عبد ~~بن حميد والترمذي وابن المنذر عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال له لما نزلت هذه الآية: أما أنت وأصحابك يا أبا بكر فتجزون ~~بذلك في ms0883 الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك ~~حتى يجزوا به يوم القيامة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وأبي ~~سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ما يصيب المؤمن ~~من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ~~". وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس أن ابن عمر لقيه فسأله عن هذه الآية (ومن يعمل من الصالحات) قال: ~~الفرائض. وأخرج الحاكم وصححه عن جندب أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول قبل أن يتوفى " إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ". ~~وأخرج الحاكم أيضا وصححه عن ابن عباس قال: # أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم؟. PageV01P519 # سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في ~~الميراث وغيره، فامر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم (الله ~~يفتيكم) أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه، وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به ~~السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها، فسألوا، فقيل ~~لهم (الله يفتيكم). قوله (وما يتلى عليكم) معطوف على قوله (الله يفتيكم) ~~والمعنى: والقرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن، والمتلو في الكتاب في معنى ~~اليتامى قوله تعالى - وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى - ويجوز أن يكون ~~قوله " وما يتلى " معطوفا على الضمير في قوله (يفتيكم) الراجع إلى مبتدأ ~~لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمفعول والجار والمجرور ويجوز أن ~~يكون مبتدأ وفي الكتاب خبره على أن المراد به اللوح المحفوظ، وقد قيل في ~~إعرابه غير ما ذكرنا، ولم نذكره لضعفه. وقوله (في يتامى النساء) على الوجه ~~الأول والثاني صلة لقوله (يتلى) وعلى الوجه الثالث بدل من قوله (فيهن). ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن) أي ما فرض لهن من الميراث وغيره ms0884 (وترغبون) ~~معطوف على قوله (لا تؤتونهن) عطف جملة مثبتة على جملة منفية. وقيل حال من ~~فاعل (تؤتونهن). وقوله (أن تنكحوهن) يحتمل أن يكون التقدير في أن تنكحوهن: ~~أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، ويحتمل أن يكون التقدير وترغبون عن أن ~~تنكحوهن لعدم جمالهن. قوله (والمستضعفين من الوالدان) معطوف على يتامى ~~النساء: أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين من الوالدان، ~~وهو قوله تعالى - يوصيكم الله في أولادكم - وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون ~~النساء ولا من كان مستضعفا من الوالدان كما سلف، وإنما يورثون الرجال ~~القائمين بالقتال وسائر الأمور. قوله (وأن تقوموا لليتامى بالقسط) معطوف ~~على قوله (في يتامى النساء) كالمستضعفين أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء ~~وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط: أي العدل، ويجوز أن يكون في ~~مجل نصب: أي ويأمركم أن تقوموا (وما تفعلوا من خير) في حقوق المذكورين (فإن ~~الله كان به عليما) يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ~~(ويستفتونك في النساء) الآية، قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى ~~يكبر ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام قال: (ويستفتونك في النساء قل ~~الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) في أول السورة في الفرائض. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: كان أهل ~~الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا، كانوا يقولون لا يغزون ولا ~~يغنمون خيرا ففرض الله لهن الميراث حقا واجبا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن سعيد بن جبير نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم ~~في الآية قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها ~~وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثونها، فأنزل الله هذا. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن عائشة في قوله (ويستفتونك في النساء) إلى قوله (وترغبون ~~أن تنكحوهن) قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته ms0885 ~~في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فتشركه ~~PageV01P520 # في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن المنذر من طريق ~~ابن عون عن الحسن وابن سيرين في هذه الآية قال: أحدهما ترغبون فيهن، وقال ~~الآخر: ترغبون عنهن. # امرأة مرفوعة بفعل مقدر يفسره ما بعده: أي وإن خافت امرأة، وخافت بمعنى: ~~توقعت ما تخاف من زوجها وقيل معناه تيقنت وهو خطأ. قال الزجاج: المعنى (وإن ~~امرأة خافت من بعلها) دوام النشوز. قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض: ~~أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها، وظاهر الآية أنها ~~تجوز المصالحة عند مخافة أي نشوز أو أي إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب الذي سيأتي، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه، إما ~~بإسقاط النوبة أو بعضها أو بعض النفقة أو بعض المهر. قوله (أن يصالحا) هكذا ~~قرأ الجمهور، وقرأ الكوفيون " أن يصلحا " وقراءة الجمهور أولى لأن قاعدة ~~العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعدا قيل تصالح الرجلان أو القوم، لا ~~أصلح. وقوله (صلحا) منصوب على أنه اسم مصدر أو على أنه مصدر محذوف الزوائد، ~~أو منصوب بفعل محذوف: أي فيصلح حالهما صلحا، وقيل هو منصوب على المفعولية. ~~وقوله (بينهما) ظرف للفعل أو في محل نصب على الحال. قوله (والصلح خير) لفظ ~~عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق ~~أو خير من الفرقة أو من الخصومة، وهذه جملة اعتراضية. قوله (وأحضرت الأنفس ~~الشح) إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد منهما بل في كل الأنفس ~~الإنسانية كائن وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال وأن ~~ذلك بحكم الجبلة والطبيعة فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة وحسن ~~النفقة ونحوها، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج فلا تترك له ~~شيئا منها. وشح الأنفس: بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله بوجه من الوجوه، ~~ومنه - ومن يوق شح نفسه فأولئك ms0886 هم المفلحون -. قوله (وإن تحسنوا وتتقوا) أي ~~تحسنوا عشرة النساء وتتقوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض (فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا) فيجازيكم يا معشر الأزواج بما تستحقونه. قوله (ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) أخبر سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين ~~النساء على الوجه الذي لا ميل فيه ألبتة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ~~ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه، وذلك بحكم ~~الخلقة بحيث لا يملكون قلوبهم ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ~~ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم هذا قسمي ~~فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " ولما كانوا لا يستطيعون ذلك ولو حرصوا ~~عليه وبالغوا فيه نهاهم عز وجل عن أن يميلوا كل الميل، لأن تترك ذلك وتجنب ~~الجور كل الجور في وسعهم وداخل تحت طاقتهم فلا يجوز لهم أن يميلوا عن ~~إحداهن إلى الأخرى كل الميل حتى يذروا الأخرى كالمعلقة التي ليست ذات زوج ~~ولا PageV01P521 # مطلقة تشبيها بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شئ، وفي قراءة أبي " ~~فتذروها كالمسجونة " قوله (وإن تصلحوا) أي ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ~~ما يجب عليكم فيها من عشرة النساء والعدل بينهن كل الميل الذي نهيتم عنه ~~(فإن الله كان غفورا رحيما) لا يؤاخذكم بما فرط منكم. قوله (وإن يتفرقا) أي ~~لم يتصالحا بل فارق كل واحد منهما صاحبه (يغن الله كلا) منهما: أي يجعله ~~مستغنيا عن الآخر بأن يهيئ للرجل امرأة توافقه وتقر بها عينه، وللمرأة رجلا ~~تغتبط بصحبته ويرزقهما (من سعته) رزقا يغنيهما به عن الحاجة (وكان الله ~~واسعا حكيما) واسع الفضل صادرة أفعاله على جهة الإحكام والإتقان. # وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: ~~خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول ~~الله لا تطلقني وأجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية (وإن امرأة خافت ~~من بعلها نشوزا أو إعراضا) الآية، قال ابن ms0887 عباس: فما اصطلحا عليه من شئ فهو ~~جائز. وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية ~~هو قصة سودة المذكورة. وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية قالت: الرجل تكون ~~عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل ~~فنزلت هذه الآية. وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن ~~سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن سلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها ~~أمرا، إما كبرا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني وأقسم لي ما بدا لك ~~فاصطلحا، وجرت السنة بذلك ونزل القرآن (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا) ~~الآية. وأخرج أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو رجل ~~عنده امرأتان، فتكون إحدهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها، فتصالحه ~~على أن يكون عندها ليلة، وعنده الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به ~~نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوى بينهما. وقد ورد عن جماعة من الصحابة نحو ~~هذا، وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: " لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت ~~يومها لعائشة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم لها بيوم سودة ~~". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ~~(وأحصرت الأنفس الشح) قال: هواه في الشئ يحرص عليه، وفي قوله (ولن تستطيعوا ~~أن تعدلوا بين النساء) قال: في الحب والجماع، وفي قوله (فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة) قال: لا هي أيمة ولا ذات زوج. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر عن عائشة قالت: " ~~كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم ~~هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " وإسناده صحيح. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وأحمد وعبد ابن حميد وأهل السنن ms0888 عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء ~~يوم القيامة وأحد شقيه ساقط ". قال الترمذي: إنما أسنده همام. ورواه هشام ~~الدستوائي عن قتادة قال: كان يقال، ولا يعرف هذا الحديث مرفوعا إلا من حديث ~~همام. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء) قال: الجماع. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: الحب. PageV01P522 # قوله (والله ما في السماوات وما في الأرض) هذه الجملة مستأنفة لتقرير ~~كمال سعته سبحانه وشمول قدرته (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) ~~أمرناهم فيما أنزلناه عليهم من الكتب، واللام في الكتاب للجنس (وإياكم) عطف ~~على الموصول (أن اتقوا الله) أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وهو في موضع نصب ~~بقوله (وصينا) أو منصوب بنزع الخافض. قال الأخفش: أي بأن اتقوا الله، ويجوز ~~أن تكون أن مفسرة، لأن التوصية في معنى القول، قوله (وإن تكفروا فإن لله ما ~~في السماوات وما في الأرض) معطوف على قوله (أن اتقوا) أي وصيناهم وإياكم ~~بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا، وفائدة هذا التكرير التأكيد ليتنبه ~~العباد على سعة ملكه وينظروا في ذلك ويعلموا أنه غني عن خلقه (إن يشأ ~~يذهبكم) أي يفنكم (ويأت بآخرين) أي بقوم آخرين غيركم، وهو كقوله تعالى - ~~وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم - (من كان يريد ثواب ~~الدنيا) وهو من يطلب بعمله شيئا من أمور الدنيا كالمجاهد يطلب الغنيمة دون ~~الأجر (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) فما باله يقتصر على أدنى الثوابين ~~وأحقر الأجرين، وهلا طلب بعمله ما عند الله سبحانه، وهو ثواب الدنيا ~~والآخرة فيحرزهما جميعا ويفوز بهما وظاهر الآية العموم. وقال ابن جرير ~~الطبري: إنها خاصة بالمشركين والمنافقين (وكان الله سميعا بصيرا) يسمع ما ~~يقولونه ويبصر ما يفعلونه. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وكان الله غنيا) ~~عن خلقه (حميدا) قال: # مستحمدا إليهم. وأخرجا أيضا عن علي مثله. ms0889 وأخرج ابن جرير عن قتادة في ~~قوله (وكفى بالله وكيلا) قال: # حفيظا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه في قوله (إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين) قال قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من ~~خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم. # قوله (قوامين) صيغة مبالغة: أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في ~~شهادتكم على أنفسكم وهو الإقرار بما عليكم من الحقوق، وأما شهادته على ~~والديه فبأن يشهد عليهما بحق للغير، وكذلك الشهادة على الأقربين وذكر ~~الأبوين لوجوب برهما وكونهما أحب الخلق إليه، ثم ذكر الأقربين، لأنهم مظنة ~~المودة والتعصب، PageV01P523 # فإذا شهدوا على هؤلاء بما عليهم فالأجنبي من الناس أحرى أن يشهدوا عليه. ~~وقد قيل إن معنى الشهادة على النفس أن يشهد بحق على من يخشى لحوق ضرر منه ~~على نفسه وهو بعيد. وقوله (شهداء لله) خبر بعد خبر لكان، أو حال ولم ينصرف ~~لأن فيه ألف التأنيث. وقال ابن عطية: الحال فيه ضعيفة في المعنى لأنها تخصص ~~القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط. وقوله (لله) أي لمرضاته وثوابه. وقوله ~~(ولو على أنفسكم) متعلق بشهداء، هذا المعنى الظاهر من الآية، وقيل معنى ~~(شهدا لله) بالوحدانية فيتعلق قوله (ولو على أنفسكم) بقوامين، والأول أولى. ~~قوله (إن يكن غنيا أو فقيرا) اسم كان مقدر: أي إن يكن المشهود عليه غنيا ~~فلا يراعي لأجل غناه استجلابا لنفعه أو استدفاعا لضره فيترك الشهادة عليه، ~~أو فقيرا فلا يراعي لأجل فقره رحمة له وإشفاقا عليه فيترك الشهادة عليه، ~~وإنما قال (فالله أولى بهما) ولم يقل به مع أن التخيير إنما يدل على الحصول ~~لواحد، لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما. وقال الأخفش: تكون أو بمعنى ~~الواو، وقيل إنه يجوز ذلك مع تقدم ذكرهما كما في قوله - وله أخ أو أخت فلكل ~~واحد منهما السدس -. وقد تقدم في مثل هذا ما هو أبسط مما هنا. وقرأ أبي " ~~فالله أولى بهم ". وقرأ ابن مسعود " إن يكن غني أو فقير " على أن ms0890 كان تامة ~~(فلا تتبعوا الهوى) نهاهم عن اتباع الهوى. وقوله (أن تعدلوا) في موضع نصب، ~~وهو إما من العدل كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، ~~أو من العدول كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى مخافة أن تعدلوا عن الحق، أو ~~كراهة أن تعدلوا عن الحق. قوله (وإن تلووا) من اللي، يقال لويت فلانا حقه: ~~إذا دفعته عنه. والمراد لي الشهادة ميلا إلى المشهود عليه. وقرأ ابن عامر ~~والكوفيون " وإن تلوا " من الولاية: أي وإن تلوا الشهادة وتتركوا ما يجب ~~عليكم من تأديتها على وجه الحق. وقد قيل إن هذه القراءة تفيد معنيين: ~~الولاية، والإعراض. والقراءة الأولى تفيد معنى واحدا وهو الإعراض. وزعم بعض ~~النحويين أن القراءة الثانية غلط ولحن، لأنه لا معنى للولاية ها هنا. قال ~~النحاس وغيره: وليس يلزم هذا، ولكن يكون تلوا بمعنى تلووا، وذلك أن أصله ~~تلووا فاستثقلت الضمة على الواو بعدها واو أخرى فألقيت الحركة على اللام ~~وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين. وذكر الزجاج نحوه. قوله (أو تعرضوا) ~~أي عن تأدية الشهادة من الأصل (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) أي بما ~~تعملون من اللي والإعراض أو من كل عمل، وفي هذا وعيد شديد لمن لم يأت ~~بالشهادة كما تجب عليه وقد روى أن هذه الآية تعم القاضي والشهود، أما ~~الشهود فظاهر، وأما القاضي فذلك بأن يعرض عن أحد الخصمين أو يلوي عن الكلام ~~معه، وقيل هي خاصة بالشهود. قوله (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) ~~أي أثبتوا على إيمانكم ودوموا عليه، والخطاب هنا للمؤمنين جميعا (والكتاب ~~الذي نزل على رسوله) هو القرآن، واللام للعهد (والكتاب الذي أنزل من قبل) ~~هو كل كتاب، واللام للجنس. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر نزل وأنزل ~~بالضم. وقرأ الباقون بالفتح فيهما. وقيل إن الآية نزلت في المنافقين. # والمعنى: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله. وقيل نزلت في ~~المشركين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله وهما ~~ضعيفان. قوله (ومن يكفر ms0891 بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) أي بشئ ~~من ذلك (فقد ضل) عن القصد (ضلالا بعيدا) وذكر الرسول فيما سبق لذكر الكتاب ~~الذي أنزل عليه، وذكر الرسل هنا لذكر الكتب جملة فناسبه ذكر الرسل جملة، ~~وتقديم الملائكة على الرسل لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين) الآية، قال، أمر الله ~~المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم لا يحابون ~~غنيا PageV01P524 # لغناه ولا يرحمون مسكينا لمسكنته، وفي قوله (فلا تتبعوا الهوى) فتذروا ~~الحق فتجوروا (وإن تلووا) يعني بألسنتكم بالشهادة (أو تعرضوا) عنها. وأخرج ~~أحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في ~~الحلية عنه في معنى الآية قال: الرجلان يجلسان عند القاضي فيكون لي القاضي ~~وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر، وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال: لما قدم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة كانت البقرة أول سورة نزلت ثم ~~أردفها سورة النساء، قال: فكان الرجل تكون عنده الشهادة قبل ابن عمه أو ذوي ~~رحمه فيلوي بها لسانه أو يكتمها مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي حين يوسر، ~~فنزلت (كونوا قوامين بالقسط) الآية. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (وإن تلووا أو ~~تعرضوا) يقول: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة فلا تقيم الشهادة على ~~وجهها. # والإعراض: الترك. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس " أن عبد الله بن سلام وأسدا ~~وأسيدا ابني كعب وثعلبة بن قيس وسلاما ابن أخت عبد الله بن سلام وسلمة ابن ~~أخيه ويامين بن يامين أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا ~~رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من ~~الكتب والرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بل آمنوا بالله ~~ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله، فقالوا: # لا نفعل، فنزلت (يا أيها الذين آمنوا ms0892 آمنوا بالله) الآية ". وينبغي النظر ~~في صحة هذا، فالثعلبي رحمه الله ليس من رجال الرواية ولا يفرق بين الصحيح ~~والموضوع. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في هذه الآية قال: يعني بذلك أهل ~~الكتاب، كان الله قد أخذ ميثاقهم في التوراة والإنجيل، وأقروا على أنفسهم ~~أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بعث الله رسوله دعاهم إلى ~~أن يؤمنوا بمحمد والقرآن وذكرهم الذي أخذ عليهم من الميثاق، فمنهم من صدق ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتبعه، ومنهم من كفر. # أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة التي آمنت ثم كفرت ثم آمنت ثم كفرت ثم ~~ازدادت كفرا بعد ذلك كله أنه لم يكن الله سبحانه ليغفر لهم ذنوبهم ولا ~~ليهديهم سبيلا يتوصلون به إلى الحق ويسلكونه إلى الخير لأنه يبعد منهم كل ~~البعد أن يخلصوا لله ويؤمنوا إيمانا صحيحا فإن هذا الاضطراب منهم تارة ~~يدعون أنهم مؤمنون وتارة يمرقون من الإيمان PageV01P525 # ويرجعون إلى ما هو دأبهم وشأنهم من الكفر المستمر والجحود الدائم يدل ~~أبلغ دلالة على أنهم متلاعبون بالدين ليست لهم نية صحيحة ولا قصد خالص. قيل ~~المراد بهؤلاء اليهود فإنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير، ~~ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقيل آمنوا بموسى، ثم كفروا به بعبادتهم العجل، ثم آمنوا به عند عوده ~~إليهم، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم والمراد بالآية أنهم ازدادوا كفرا واستمروا على ذلك كما هو الظاهر من ~~حالهم وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه وأقلع عن الكفر فقد هداه الله ~~السبيل الموجب للمغفرة، والإسلام يجب ما قبله، ولكن لما كان هذا مستبعدا ~~منهم جدا كان غفران ذنوبهم وهدايتهم إلى سبيل الحق مستبعدا. قوله (بشر ~~المنافقين بأن لهم عذابا أليما) إطلاق البشارة على ما هو شر خالص لهم تهكم ~~بهم وقد مر تحقيقه. وقوله (الذين يتخذون الكافرين أولياء) وصف للمنافقين أو ~~منصوب على الذم: أي يجعلون ms0893 الكفار أولياء لهم يوالونهم على كفرهم ~~ويمالئونهم على ضلالهم. وقوله (من دون المؤمنين) في محل نصب على الحال: أي ~~يوالون الكافرين متجاوزين ولاية المؤمنين (أيبتغون عندهم العزة) هذا ~~الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة معترضة. قوله (فإن العزة لله جميعا) ~~هذه الجملة تعليل لما تقدم من توبيخهم بابتغاء العزة عند الكافرين وجميع ~~أنواع العزة وأفرادها مختص بالله سبحانه، وما كان منها مع غيره فهو من فيضه ~~وتفضله كما في قوله - والله العزة ولرسوله وللمؤمنين - والعزة: الغلبة، ~~يقال عزه يعزه عزا: إذا غلبه (وقد نزل عليكم في الكتاب) الخطاب لجميع من ~~أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق، لأن من أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل ما ~~أنزله الله، وقيل إنه خطاب للمنافقين فقط كما يفيده التشديد والتوبيخ. وقرأ ~~عاصم ويعقوب " نزل " بفتح النون والزاي وتشديدها، وفاعله ضمير راجع إلى اسم ~~الله تعالى في قوله (فإن العزة لله جميعا). وقرأ حميد بتخفيف الزاي مفتوحة ~~مع فتح النون، وقرأ الباقون بضم النون مع كسر الزاي مشددة على البناء ~~للمجهول. وقوله (أن إذا سمعتم آيات الله) في محل نصب على القراءة الأولى ~~على أنه مفعول نزل. وفي محل رفع على القراءة الثانية على أنه فاعل، وفي محل ~~رفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله على القراءة الثالثة. وأن هي المخففة من ~~الثقيلة، والتقدير أنه إذا سمعتم آيات الله. # والكتاب: هو القرآن. وقوله (يكفر بها ويستهزأ بها) حالان: أي إذا سمعتم ~~الكفر والاستهزاء بآيات الله فأوقع السماع على الآيات. والمراد سماع الكفر ~~والاستهزاء. وقوله (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) أي أنزل ~~عليكم في الكتاب أنكم عند هذا السماع للكفر والاستهزاء بآيات الله لا ~~تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء ~~بها. والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى - وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره - وقد كان جماعة من ~~الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود حال سخريتهم بالقرآن ~~واستهزائهم ms0894 به فنهوا عن ذلك. # وفى هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل ~~على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة ~~الشرعية، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال ~~بالكتاب والسنة ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من ~~أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية أو بحديث ~~نبوي سخروا منه ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا ولا بالوا به بالة وظنوا أنه ~~قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم ~~الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه الفائل، واجتهاده الذي هو عن ~~منهج الحق مائل، مقدما على الله وعلى كتابه وعلى رسوله، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة ~~إليهم برآء من فعلهم، PageV01P526 # فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم كما أوضحنا ذلك في رسالتنا ~~المسماة ب‍ [القول المفيد في حكم التقليد] وفي مؤلفنا المسمى ب‍ [أدب الطلب ~~ومنتهى الأرب] اللهم انفعنا بما علمتنا واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة ~~وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين. # قوله (إنكم إذا مثلهم) تعليل للنهي: أي إنكم إن فعلتم ذلك ولم تنتهوا ~~فأنتم مثلهم في الكفر. قيل وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام ~~شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل: * وكل قرين بالمقارن يقتدي * وهذه ~~الآية محكمة عند جميع أهل العلم إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال: هي منسوخة ~~بقوله تعالى - وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ - وهو مردود فإن من ~~التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها. قوله ~~(إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) هذا تعليل لكونهم مثلهم ~~في الكفر، قيل وهم القاعدون والمقعود إليهم عند من جعل الخطاب موجها إلى ~~المنافقين. قوله (الذين يتربصون بكم) أي ينتظرون بكم ما يتجدد ms0895 ويحدث لكم من ~~خير أو شر، والموصول في محل نصب على أنه صفة للمنافقين أو بدل منهم فقط دون ~~الكافرين لأن التربص المذكور هو من المنافقين دون الكافرين، ويجوز أن يكون ~~في محل نصب على الذم، (فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم) هذه ~~الجملة والجملة التي بعدها حكاية لتربصهم: أي إن حصل لكم فتح من الله ~~بالنصر على من يخالفكم من الكفار (قالوا) لكم (ألم نكن معكم) في الاتصاف ~~بظاهر الإسلام والتزام أحكامه والمظاهرة والتسويد وتكثير العدد (وإن كان ~~للكافرين نصيب) من الغلب لكم والظفر بكم (قالوا) للكافرين (ألم نستحوذ ~~عليكم) أي ألم نقهركم ونغلبكم ونتمكن منكم ولكن أبقينا عليكم. وقيل المعنى: ~~إنهم قالوا للكفار الذين ظفروا بالمسلمين ألم نستحوذ عليكم حتى هابكم ~~المسلمون وخذلناهم عنكم؟ والأول أولى، فإن معنى الاستحواذ: الغلب، يقال ~~استحوذ على كذا: أي غلب عليه، ومنه قوله تعالى - استحوذ عليهم الشيطان - ~~ولا يصح أن يقال: ألم نغلبكم حتى هابكم المسلمون، ولكن المعنى: ألم نغلبكم ~~يا معشر الكافرين ونتمكن منكم فتركناكم وأبقينا عليكم حتى حصل لكم هذا ~~الظفر بالمسلمين (ونمنعكم من المؤمنين) بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم حتى ضعفت ~~قلوبهم عن الدفع لكم وعجزوا عن الانتصاف منكم، والمراد أنهم يميلون مع من ~~له الغلب والظفر من الطائفتين ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة ~~المغلوبة، وهذا شأن المنافقين أبعدهم الله، وشأن من حذا حذوهم من أهل ~~الإسلام من التظهر لكل طائفة بأنه معها على الأخرى، والميل إلى من معه الحظ ~~من الدنيا في مال أو جاه فيلقاه بالتملق والتودد والخضوع والذلة، ويلقى من ~~لاحظ له من الدنيا بالشدة والغلظة وسوء الخلق ويزدري به ويكافحه بكل مكروه، ~~فقبح الله أخلاق أهل النفاق وأبعدها. قوله (فالله يحكم بينكم يوم القيامة) ~~بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف ~~الحقائق وتظهر الضمائر وإن حقنوا في الدنيا دماءهم وحفظوا أموالهم بالتكلم ~~بكلمة الإسلام نفاقا (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، هذا في ~~يوم ms0896 القيامة إذا كان المراد بالسبيل النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان ~~المراد به الحجة. قال ابن عطية. قال جميع أهل التأويل: إن المراد بذلك يوم ~~القيامة. قال ابن العربي: وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه، وسببه توهم من ~~توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله يعني قوله (فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة) وذلك يسقط فائدته، إذ يكون تكرارا هذا معنى كلامه، وقيل المعنى: ~~إن الله لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين يمحو به دولتهم ويذهب آثارهم ~~ويستبيح بيضتهم كما يفيده الحديث الثابت في الصحيح " وأن لا أسلط عليهم ~~عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون ~~بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا " وقيل إنه سبحانه لا يجعل للكافرين ~~سبيلا PageV01P527 # على المؤمنين ما داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل ولا تاركين للنهي ~~عن المنكر كما قال تعالى - وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم - قال ابن ~~العربي: وهذا نفيس جدا، وقيل إن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا ~~شرعا، فإن وجد فبخلاف الشرع. هذا خلاصة ما قالة أهل العلم في هذه الآية، ~~وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله (إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا) الآية، قال: هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت، ~~وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ~~عنه في الآية قال: هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة ثم كفروا، ثم ذكر النصارى ~~فقال: (ثم آمنوا ثم كفروا) يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا، (ثم ازدادوا ~~كفرا) بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية ~~قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين ثم كفروا مرتين ثم ازدادوا كفرا بعد ذلك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ثم ازدادوا كفرا) قال: تموا على ~~كفرهم حتى ماتوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي وائل قال: إن الرجل ~~ليتكلم في المجلس ms0897 بالكلمة من الكذب ليضحك بها جلساءه فيسخط الله عليهم ~~جميعا، فذكروا ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في ~~كتاب الله؟ - فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره -. وأخرج ابن المنذر ~~عن مجاهد قال: أنزل في سورة الأنعام - حتى يخوضوا في حديث غيره - ثم نزل ~~التشديد في سورة النساء (إنكم إذا مثلهم). وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن ~~جبير أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والكافرين من أهل مكة الذين ~~خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~مجاهد (الذين يتربصون بكم) قال: هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين (فإن كان ~~لكم فتح من الله) إن أصاب المسلمين من عدوهم غنيمة قال المنافقون (ألم نكن) ~~قد كنا (معكم) فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون (وإن كان للكافرين نصيب) ~~يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار (ألم نستحوذ عليكم) ألم نبين لكم ~~أنا على ما أنتم عليه، قد كنا نثبطهم عنكم. وأخرج ابن جرير عن السدى (ألم ~~نستحوذ عليكم) قال: نغلب عليكم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب والحاكم وصححه عن علي أنه قيل له: ~~أرأيت هذه الآية (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) وهم ~~يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون، فقال: ادنه ادنه، ثم قال (فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا). # وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: في الآخرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك ~~نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن السدى (سبيلا) قال: حجة PageV01P528 # قوله (إن المنافقين يخادعون الله) هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض قبائح ~~المنافقين وفضائحهم، وقد تقدم معنى الخدع في البقرة، ومخادعتهم لله هي أنهم ~~يفعلون فعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ومعنى كون الله خادعهم: ~~أنه صنع بهم صنع من يخادع من خادعه، وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من ms0898 ~~التظهر بالإسلام في الدنيا، فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخر عقوبتهم إلى ~~الدار الآخرة، فجازاهم على خداعهم بالدرك الأسفل من النار. قال في الكشاف: ~~والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. والكسالى بضم ~~الكاف جمع كسلان، وقرئ بفتحها، والمراد أنهم يصلون وهم متكاسلون متثاقلون ~~لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا. والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا ~~لاتباع أمر الله، وقد تقدم بيانه، والمراءاة المفاعلة. قوله (ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا) معطوف على يراءون: أي لا يذكرونه سبحانه إلا ذكرا قليلا ~~أولا يصلون إلا صلاة قليلة، ووصف الذكر بالقلة لعدم الإخلاص، أو لكونه غير ~~مقبول أو لكونه قليلا في نفسه، لأن الذي يفعل الطاعة لقصد الرياء، إنما ~~يفعلها في المجامع ولا يفعلها خاليا كالمخلص. قوله (مذبذبين بين ذلك) ~~المذبذب المتردد بين أمرين، والذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب، ومنه ~~قول النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب قال ابن جني: ~~المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال، فهؤلاء المنافقون مترددون بين ~~المؤمنين والمشركين لا مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر. قال في الكشاف: ~~وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين: أي يذاد ويدفع فلا يقر في جانب ~~واحد، كما يقال: فلان يرمي به الرجوان، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في ~~الذب، كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذب عنه انتهى. وقرأ الجمهور بضم الميم ~~وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية، وفي حرف أبي " متذبذبين " ~~وقرأ الحسن بفتح الميم والذالين، وانتصاب مذبذبين إما على الحال أو على ~~الذم، والإشارة بقوله بين ذلك إلى الإيمان والكفر. قوله (لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء) أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، ومحل الجملة: ~~النصب على الحال، أو على البدل من مذبذبين أو على التفسير له (ومن يضلل ~~الله) أي يخذله ويسلبه التوفيق (فلن تجد له سبيلا) أي طريقا يوصله إلى ~~الحق. قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين) أي ms0899 لا تجعلونهم خاصة لكم وبطانة توالونهم من دون إخوانكم من ~~المؤمنين كما فعل المنافقون من موالاتهم للكافرين (أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا) الاستفهام للتقريع والتوبيخ: أي أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم حجة بينة يعذبكم بها بسبب ارتكابكم لما نهاكم عنه من موالاة الكافرين ~~(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) قرأ الكوفيون الدرك بسكون الراء، ~~وقرأ غيرهم بتحريكها. قال أبو علي: # هما لغتان والجمع أدراك، وقيل جمع المحرك أدراك مثل جمل وأجمال، وجمع ~~الساكن أدرك مثل فلس وأفلس. قال النحاس: والتحريك أفصح. والدرك: الطبقة. ~~والنار دركات سبع، فالمنافق في الدرك الأسفل منها، وهي الهاوية، لغلظ كفره ~~وكثرة غوائله، وأعلى الدركات جهنم، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم ~~الجحيم، ثم الهاوية. وقد تسمى جميعها باسم الطبقة العليا، أعاذنا الله من ~~عذابها (ولن تجد لهم حتى نصيرا) يخلصهم من ذلك الدرك PageV01P529 # والخطاب لكل من يصلح له أو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (إلا الذين ~~تابوا) استثناء من المنافقين: أي إلا الذين تابوا عن النفاق (وأصلحوا) ما ~~أفسدوا من أحوالهم (وأخلصوا دينهم لله) أي جعلوه خالصا له غير مشوب بطاعة ~~غيره. والاعتصام بالله: التمسك به والوثوق بوعده، والإشارة بقوله (أولئك) ~~إلى الذين تابوا واتصفوا بالصفات السابقة. قوله (مع المؤمنين) قال الفراء: ~~أي من المؤمنين يعني الذين لم يصدر منهم نفاق أصلا. قال القتيبي: حاد عن ~~كلامهم غضبا عليهم فقال (فأولئك مع المؤمنين) ولم يقل هم المؤمنون انتهى. ~~والظاهر أن معنى مع معتبر هنا: أي فأولئك مصاحبون للمؤمنين في أحكام الدنيا ~~والآخرة. ثم بين ما أعد الله للمؤمنين الذين هؤلاء معهم فقال (وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما) وحذفت الياء من يؤت في الخط كما حذفت في اللفظ ~~لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله - يوم يدع الداع - وسندع الزبانية - ويوم ~~يناد المناد - ونحوها فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين. قوله (ما يفعل ~~الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) هذه الجملة متضمنة لبيان أنه لا غرض له ~~سبحانه في التعذيب إلا مجرد المجازاة ms0900 للعصاة. والمعنى: أي منفعة له في ~~عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فإن ذلك لا يزيد في ملكه كما أن ترك عذابكم لا ~~ينقص من سلطانه (وكان الله شاكرا عليما) أي يشكر عباده على طاعته فيثيبهم ~~عليها ويتقبلها منهم. والشكر في اللغة: الظهور، يقال دابة شكور: إذا ظهر من ~~سمنها فوق ما تعطي من العلف. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله (إن المنافقين يخادعون ~~الله) الآية، قال: يلقى على مؤمن ومنافق نور يمشون به يوم القيامة حتى إذا ~~انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنين بنورهم فتلك خديعة الله ~~إياهم. وأخرج ابن جرير عن السدى نحوه. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن ~~جبير نحوه أيضا، ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير، فإن مثله لا ينقل ~~إلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في ~~الآية قال: نزلت في عبد الله بن أبي وأبي عامر بن النعمان. وقد ورد في ~~الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق، وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني ~~شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله (مذبذبين بين ذلك) قال: هم المنافقون (لا إلى ~~هؤلاء) يقول: لا إلى أصحاب محمد (ولا إلى هؤلاء) اليهود، وثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن مثل المنافق مثل الشاة الغائرة بين ~~الغنمين تغير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة فلا تدري أيهما تتبع؟ ". وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا) قال: إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول عذرا مبينا. ~~وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال " كل سلطان في القرآن فهو حجة " ~~والله سبحانه أعلم. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ms0901 وابن أبي حاتم ~~والطبراني عن ابن مسعود في قوله (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) ~~قال: في توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ مبهمة عليهم: أي مغلقة لا ~~يهتدي لمكان فتحها. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه. ~~وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود نحوه أيضا. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر عن قتادة في قوله (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم) الآية، قال: إن ~~الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا. PageV01P530 # نفي الحب كناية عن البغض، وقراءة الجمهور (إلا من ظلم) على البناء ~~للمجهول. وقرأ زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير ~~وعطاء بن السائب (إلا من ظلم) على البناء للمعلوم، وهو على القراءة الأولى ~~استثناء متصل بتقدير مضاف محذوف: أي إلا جهر من ظلم، وقيل إنه على القراءة ~~الأولى أيضا منقطع: أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان. # واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظلم، فقيل هو أن ~~يدعو على من ظلمه، وقيل لا بأس أن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه بأن ~~يقول: فلان ظلمني أو هو ظالم أو نحو ذلك، وقيل معناه: # إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه فهو مباح له، ~~والآية على هذا في الاكراه، وكذا قال قطرب، قال: ويجوز أن يكون على البدل ~~كأنه قال لا يحب الله إلا من ظلم: أي لا يحب الظالم بل يحب المظلوم. ~~والظاهر من الآية أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في ~~جانب من ظلمة، ويؤيده الحديث الثابت في الصحيح بلفظ " لي الواجد ظلم يحل ~~عرضه وعقوبته "، وأما على القراءة الثانية فالاستثناء منقطع: # أي إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي ~~عن فعله والتوبيخ له. وقال قوم: # معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ظلم ms0902 فإنه ~~يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من الظلمة فإنهم ~~مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه وينالون من عرضه. # وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءا، فإنه ينبغي أن ~~يأخذوا على يديه ويكون استثناء ليس من الأول (وكان الله سميعا عليما) هذا ~~تحذير للظالم بأن الله يسمع ما يصدر منه ويعلم به، ثم بعد أن أباح للمظلوم ~~أن يجهر بالسوء ندب إلى ما هو الأولى والأفضل فقال (إن تبدوا خيرا أو تخفوه ~~أو تعفوا عن سوء) تصابون به (فإن الله كان عفوا) عن عباده (قديرا) على ~~الانتقام منهم بما كسبت أيديهم فاقتدوا به سبحانه فإنه يعفو مع القدرة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول) قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا ~~أن يكون مظلوما فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه وإن يصبر فهو خير له. ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في ~~رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضفه، ثم ذكر أنه لم يضفه لم يزد على ذلك. ~~وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم) قال: كان الضحاك بن مزاحم يقول هذا على التقديم والتأخير، ويقول الله. # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم إلا من ظلم، وكان يقرؤها كذلك، ثم ~~قال (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) أي على كل حال هكذا قال، وهو قريب ~~من التحريف لمعنى الآية. وقد أخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن عائشة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " من دعا على من ظلمه فقد انتصر ". وروى ~~نحوه أبو داود عنها من وجه آخر. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " المتسابان ما قالاه، فعلى ms0903 البادئ ~~منهما ما لم يعتد المظلوم ". PageV01P531 # لما فرغ من ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب وهم اليهود ~~والنصارى، لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ذلك كالكفر ~~بجميع الرسل والكتب المنزلة، والكفر بذلك كفر بالله، وينبغي حمل قوله (إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله) على أنه استلزم ذلك كفرهم ببعض الكتب والرسل لا ~~أنهم كفروا بالله ورسله جميعا، فإن أهل الكتاب لم يكفروا بالله ولا بجميع ~~رسله، لكنهم لما كفروا بالبعض كان ذلك كفر بالله وبجميع الرسل. ومعنى ~~(ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) أنهم كفروا بالرسل بسبب كفرهم ببعضهم ~~وآمنوا بالله، فكان ذلك تفريقا بين الله وبين رسله (ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض) هم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، وكذلك النصارى ~~آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) أي يتخذوا بين ~~الإيمان والكفر دينا متوسطا بينهما، فالإشارة بقوله (ذلك) إلى قوله نؤمن ~~ونكفر (أولئك هم الكافرون) أي الكاملون في الكفر. وقوله (حقا) مصدر مؤكد ~~لمضمون الجملة: أي حق ذلك حقا، أو هو صفه لمصدر الكافرين: أي كفرا حقا. ~~قوله (ولم يفرقوا بين أحد منهم) بأن يقولوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ودخول ~~بين على أحد لكونه عاما في المفرد مذكرا ومؤنثا ومثناهما وجمعهما. وقد تقدم ~~تحقيقه، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا ~~بين أحد منهم. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية، قال (أولئك) أعداء ~~الله اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى، ~~وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن ومحمد، اتخذوا اليهودية ~~والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله وتركوا الإسلام، وهو دين الله الذي ~~بعث به رسله. وأخرج ابن جرير عن السدى وابن جريج نحوه. PageV01P532 # قوله (يسألك أهل الكتاب) هم اليهود سألوه صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يرقى إلى السماء وهم يرونه، فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه يدل على ~~صدقه دفعة واحدة كما أتى موسى التوراة تعنتا منهم، أبعدهم الله، فأخبره ms0904 ~~الله عز وجل بأنهم قد سألوا موسى سؤالا أكبر من هذا السؤال، فقالوا (أرنا ~~الله جهرة) أي عيانا، وقد تقدم معناه في البقرة، وجهرة نعت لمصدر محذوف: أي ~~رؤية جهرة. وقوله (فقد سألوا) جواب شرط مقدر: أي إن استكبرت هذا السؤال ~~منهم لك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. قوله (فأخذتهم الصاعقة) هي النار التي ~~نزلت عليهم من السماء فأهلكتهم، والباء في قوله (بظلمهم) للسببية: أي بسبب ~~ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانا في هذه الحالة، وذلك لا ~~يسلتزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة. ومن استدل ~~بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطا بينا، ثم لم يكتفوا ~~بهذا السؤال الباطل الذي نشأ منهم بسبب ظلمهم بعد ما رأوا المعجزات، بل ~~ضموا إليه ما هو أقبح منه وهو عبادة العجل. وفي الكلام حذف والتقدير: ~~فأحييناهم فاتخذوا العجل. والبينات: البراهين والدلائل، والمعجزات من اليد ~~والعصا وفلق البحر وغيرها (فعفونا عن ذلك) أي عما كان منهم من التعنت ~~وعبادة العجل (وآتينا موسى سلطانا مبينا) أي حجة بينة وهي الآيات التي جاء ~~بها، وسميت سلطانا، لأن من جاء بها قهر خصمه، ومن ذلك أمر الله سبحانه له ~~بأن يأمرهم بقتل أنفسهم توبة عن معصيتهم، فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم ~~به (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم) أي بسبب ميثاقهم ليعطوه، لأنه روى أنهم ~~امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع الله عليهم الطور فقبلوها، وقيل إن المعنى ~~بسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ منهم، وهو العمل بما في التوراة وقد تقدم رفع ~~الجبل في البقرة، وكذلك تفسير دخولهم الباب سجدا (وقلنا لهم لا تعدوا في ~~السبت) فتأخذوا ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان، وقد تقدم تفسير ذلك، وقرئ ~~لا تعتدوا وتعدوا بفتح العين وتشديد الدال (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) ~~مؤكدا وهو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة، وقيل إنه عهد مؤكدا باليمين، ~~فسمى غليظا لذلك. قوله (فبما نقضهم ميثاقهم) ما مزيدة للتوكيد، أو نكرة، ~~ونقضهم بدل منها و، الباء متعلقة ms0905 بمحذوف، والتقدير: فبنقضهم ميثاقهم ~~لعناهم. وقال الكسائي: هو متعلق بما قبله والمعنى: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ~~إلى قوله (فبما نقضهم ميثاقهم) قال: ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة بسببه ~~بما بعده من نقضهم ميثاقهم وقتلهم الأنبياء وما بعده. وأنكر ذلك ابن جرير ~~الطبري وغيره، لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا ~~الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ الصاعقة ~~الذين أخذتهم برمتهم بالبهتان قال المهدوي وغيره: وهذا لا يلزم لأنه يجوز ~~أن يخبر عنهم، والمراد آباؤهم، وقال الزجاج: المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم، لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله (فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا) ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقيل المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم، ~~وقيل المعنى: فبنقضهم PageV01P533 # لا يؤمنون إلا قليلا، والفاء في قوله (فلا يؤمنون) مقحمة. قوله (وكفرهم ~~بآيات الله) معطوف على ما قبله، وكذا قوله (وقتلهم)، والمراد بآيات الله ~~كتبهم التي حرفوها، والمراد بالأنبياء الذين قتلوهم يحيى وزكرياء. # وغلف جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف: أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول: ~~وقيل إن غلف جمع غلاف، والمعنى: أن قلوبهم أوعية للعلم فلا حاجة لهم إلى ~~علم غير ما قد حوته قلوبهم وهو كقولهم - قلوبنا في أكنة - وغرضهم بهذا رد ~~حجة الرسل. قوله (بل طبع الله عليها بكفرهم) هذه الجملة اعتراضية: أي ليس ~~عدم قبولهم للحق بسبب كونها غلفا بحسب مقصدهم الذي يريدونه، بل بحسب الطبع ~~من الله عليها. والطبع: الختم، وقد تقدم إيضاح معناه في البقرة، وقوله (فلا ~~يؤمنون إلا قليلا) أي هي مطبوع عليها من الله بسبب كفرهم فلا يؤمنون إلا ~~إيمانا قليلا، أو إلا قليلا منهم كعبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم، ~~وقوله (بكفرهم) معطوف على قولهم وإعادة الجار لوقوع الفصل بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، وهذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفرا بعد كفر، وقيل إن ~~المراد بهذا الكفر كفرهم بالمسيح، فحذف لدلالة ms0906 ما بعده عليه. قوله (وقولهم ~~على مريم بهتانا عظيما) هو رميها بيوسف النجار، وكان من الصالحين. ~~والبهتان: الكذب المفرط الذي يتعجب منه. قوله (وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله) معطوف على ما قبله، وهو من جملة جناياتهم وذنوبهم ~~لأنهم كذبوا بأنهم قتلوه وافتخروا بقتله وذكروه بالرسالة استهزاء، لأنهم ~~ينكرونها ولا يعترفون بأنه نبي، وما ادعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان ~~صفته وإيضاح حقيقته الإنجيل، وما فيه هو من تحريف النصارى: أبعدهم الله، ~~فقد كذبوا وصدق الله القائل في كتابه العزيز قتلوه (وما قتلوه وما صلبوه) ~~والجملة حالية: أي قالوا ذلك والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه (ولكن شبه ~~لهم) أي ألقى شبهه على غيره، وقيل لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذين ~~قتلوه وهم شاكون فيه (وإن الذين اختلفوا فيه) أي في شأن عيسى، فقال بعضهم ~~قتلناه، وقال من عاين رفعه إلى السماء ما قتلناه، وقيل إن الاختلاف بينهم، ~~هو أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة ~~لاهوته، وقالت الملكانية: وقع القتل والصلب على المسيح بكماله ناسوته ~~ولاهوته، ولهم من جنس هذا الاختلاف كلام طويل لا أصل له، ولهذا قال الله ~~(وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه) أي في ترد لا يخرج إلى حيز الصحة، ولا ~~إلى حيز البطلان في اعتقادهم، بل هم مترددون مرتابون في شكهم يعمهون، وفي ~~جهلهم يتحيرون، و (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) من زائدة لتوكيد نفي ~~العلم، والاستثناء منقطع: أي لكنهم يتبعون الظن، وقيل هو بدل بما قبله. ~~والأول أولى. لا يقال إن اتباع الظن ينافي الشك الذي أخبر الله عنهم بأنهم ~~فيه، لأن المراد هنا بالشك التردد كما قدمنا، والظن نوع منه، وليس المراد ~~به هنا ترجح أحد الجانبين. قوله (وما قتلوه يقينا) أي قتلا يقينا على أنه ~~صفة مصدر محذوف، أو متيقنين على أنه حال، وهذا على أن الضمير في قتلوه ~~لعيسى، وقيل إنه يعود إلى الظن، والمعنى: ما ms0907 قتلوا ظنهم يقينا كقولك قتلته ~~علما إذا علمته علما تاما. قال أبو عبيدة: ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى ~~يقينا لقال وما قتلوه فقط، وقيل المعنى: وما قتلوا الذي شبه لهم، وقيل ~~المعنى: بل رفعه الله إليه يقينا، وهو خطأ، لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما ~~قبلها. وأجاز ابن الأنباري نصب يقينا بفعل مضمر هو جواب قسم، ويكون (بل ~~رفعه الله إليه) كلاما مستأنفا ولا وجه لهذه الأقوال، والضمائر قبل قتلوه ~~وبعده لعيسى، وذكر اليقين هنا لقصد التهكم بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة. ~~قوله (بل رفعه الله إليه) رد عليهم وإثبات لما هو الصحيح، وقد تقدم ذكر ~~رفعه عليه السلام في آل عمران. قوله (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته) المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى، والمعنى: وما من أهل الكتاب ~~أحد إلا والله PageV01P534 # ليؤمنن به قبل موته، والضمير في به راجع إلى عيسى، والضمير في موته راجع ~~إلى ما دل عليه الكلام، وهو لفظ أحد المقدر أو الكتابي المدلول عليه بأهل ~~الكتاب، وفيه دليل على أنه لا يموت يهودي أو نصراني إلا وقد آمن بالمسيح، ~~وقيل كلا الضميرين لعيسى، والمعنى: أنه لا يموت عيسى حتى يؤمن به كل كتابي ~~في عصره، وقيل الضمير الأول لله، وقيل إلى محمد، وقد اختار كون الضميرين ~~لعيسى ابن جرير، وقال به جماعة من السلف وهو الظاهر، والمراد الإيمان به ~~عند نزوله في آخر الزمان كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة (ويوم القيامة ~~يكون) عيسى على أهل الكتاب (شهيدا) يشهد على اليهود بالتكذيب له، وعلى ~~النصارى بالغلو فيه حتى قالوا هو ابن الله. # وقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من اليهود إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند ~~الله فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، فأنزل الله (يسألك أهل الكتاب ~~أن تنزل عليهم كتابا من السماء) إلى (وقولهم على مريم بهتانا عظيما) وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر ms0908 عن ابن جريج في الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا ~~بكتاب من عند الله إلى فلان إنك رسول الله وإلى فلان أنك رسول الله، فأنزل ~~الله (يسألك أهل الكتاب) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في ~~قوله (أرنا الله جهرة) قال: إنهم إذا رأوه فقد رأوه، وإنما قالوا جهرة أرنا ~~الله قال: هو مقدم ومؤخر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ~~(ورفعنا فوقهم الطور) قال: جبل كانوا في أصله فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ~~ظلة، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به، فقالوا نأخذه فامسكه الله عنهم. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وقولهم على مريم بهتانا ~~عظيما) قال: رموها بالزنا. وأخرج سعيد بن منصور والنسائي وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج ~~إلى أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، فخرج عليهم من عين في ~~البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن ~~بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب ~~من أحدثهم سنا فقال له اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال اجلس، ثم أعاد ~~عليهم، فقام الشاب فقال أنا، فقال: أنت ذاك فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى ~~من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه ~~فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ~~ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء ~~اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، ~~وهؤلاء النسطورية. # وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان ~~على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله ms0909 محمدا، فأنزل ~~الله عليه - فآمنت طائفة من بني إسرائيل - يعني الطائفة التي آمنت في زمن ~~عيسى - وكفرت طائفة - يعني التي كفرت في زمن عيسى - فأيدنا الذين آمنوا - ~~في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين. قال ابن كثير بعد أن ساقه ~~بهذا اللفظ عن ابن أبي حاتم قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره. وهذا إسناد ~~صحيح إلى ابن عباس وصدق ابن كثير، فهؤلاء كلهم من رجال الصحيح. وأخرجه ~~النسائي من حديث أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه. وقد رويت قصته عليه السلام ~~من طرق بألفاظ مختلفة، وساقها عبد بن حميد وابن جرير عن وهب ابن منبه على ~~صفة قريبة مما في الإنجيل، وكذلك ساقها ابن المنذر عنه. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس PageV01P535 # في قوله (وما قتلوه يقينا) قال: لم يقتلوا ظنهم يقينا. وأخرج ابن المنذر ~~عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن جويبر والسدي مثله أيضا. وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) قال: خروج عيسى ابن مريم. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم من طرق عنه في الآية قال: قبل موت عيسى. وأخرجا عنه أيضا ~~قال: قبل موت اليهودي. وأخرج ابن جرير عنه قال: # إنه سيدرك أناس من أهل الكتاب عيسى حين يبعث سيؤمنون به. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن جرير وابن المنذر عنه قال " ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن ~~بعيسى، قيل لابن عباس أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال يتكلم به في الهواء، ~~فقيل أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه ". وقد روى نحو هذا ~~عنه من طرق، وقال به جماعة من التابعين، وذهب كثير من التابعين فمن بعدهم ~~إلى أن المراد قبل الموت عيسى كما روى عن ابن عباس قبل هذا، وقيده كثير ~~منهم بأنه يؤمن به من أدركه عند ms0910 نزوله إلى الأرض. وقد تواترت الأحاديث ~~بنزول عيسى حسبما أوضحنا ذلك في مؤلف مستقل يتضمن ذكر ما ورد في المنتظر ~~والدجال والمسيح. # الباء في قوله (فبظلم) أو للسببية، والتنكير والتنوين للتعظيم: أي فبسبب ~~ظلم عظيم حرمنا علهم طيبات أحلت لهم، لا بسبب شئ آخر كما زعموا أنها كانت ~~محرمة على من قبلهم. وقال الزجاج: هذا بدل من قوله (فما نقضهم). والطيبات ~~المذكورة هي ما نصه الله سبحانه - وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر - ~~الآية (وبصدهم) أنفسهم وغيرهم (عن سبيل الله) وهو اتباع محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتحريفهم وقتلهم الأنبياء وما صدر منهم من الذنوب المعروفة. ~~وقوله (كثيرا) مفعول للفعل المذكور: أي بصدهم ناسا كثيرا، أو صفة مصدر ~~محذوف: أي صدا كثيرا (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) أي معاملتهم فيما بينهم ~~بالربا وأكلهم له وهو محرم عليهم (وأكلهم أموال الناس بالباطل) كالرشوة ~~والسحت الذي كانوا يأخذونه. قوله (لكن عليه الراسخون في العلم منهم) ~~PageV01P536 # استدراك من قوله (وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما) من الذين هادوا - ~~وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا: # إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل وأنت تحلها، فنزل (لكن الراسخون): ~~والراسخ: هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرسوخ: الثبوت. وقد تقدم ~~الكلام عليه في آل عمران. والمراد عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ونحوهما. ~~والراسخون مبتدأ، ويؤمنون خبره، والمؤمنون معطوف على الراسخون. والمراد ~~بالمؤمنين إما من آمن من أهل الكتاب أو المهاجرين والأنصار أو من الجميع. ~~قوله (والمقيمين الصلاة) قرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة (والمقيمون ~~الصلاة) على العطف على ما قبله، وكذا هو في مصحف ابن مسعود، واختلف في وجه ~~نصبه على قراءة الجمهور على أقوال: الأول قول سيبويه أنه نصب على المدح: أي ~~وأعني المقيمين. قال سيبويه: # هذا باب ما ينتصب على التعظيم، ومن ذلك (والمقيمين الصلاة) وأنشد: # وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم * إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الطاعنين ولما ~~يطعنوا أحدا * والقائلون لمن دار نخليها وأنشد: لا يبعدن قومي الذين هم * ~~سم العداة ms0911 وآفة الجزر النازلين بكل معترك * والطيبون معاقد الأزر قال ~~النحاس: وهذا أصح ما قيل في المقيمين. وقال الكسائي والخليل: هو معطوف على ~~قوله (بما أنزل إليك) قال الأخفش: وهذا بعيد لأن المعنى يكون هكذا: ويؤمنون ~~بالمقيمين. ووجهه محمد بن يزيد المبرد بأن المقيمين هنا هم الملائكة، فيكون ~~المعنى: يؤمنون بما أنزل إليك وبما أنزل من قبلك وبالملائكة واختار هذا. # وحكى أن النصب على المدح بعيد، لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر، وخبر ~~الراسخون هو قوله (أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) وقيل إن المقيمين معطوف على ~~الضمير في قوله (منهم) وفيه أنه عطف على مضمر بدون إعادة الخافض وحكى عن ~~عائشة أنها سئلت عن المقيمين في هذه الآية وعن قوله تعالى - إن هذان ~~لساحران - وعن قوله - والصابئون - في المائدة؟ فقالت: يا ابن أخي الكتاب ~~أخطئوا. أخرجه عنها أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر. وقال أبان بن عثمان كان الكاتب يملى عليه فيكتب فكتب ~~(لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون) ثم قال ما أكتب؟ فقيل له أكتب ~~(والمقيمين الصلاة) فمن ثم وقع هذا. أخرجه عنه عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر. قال القشيري: وهذا باطل لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في ~~اللغة فلا يضن بهم ذلك. ويجاب عن القشيري بأنه قد روى عن عثمان بن عفان أنه ~~لما فرغ من المصحف وأتى به إليه قال: أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب ~~بألسنتها. أخرجه عنه ابن أبي داود من طرق. وقد رجح قول سيبويه كثير من أئمة ~~النحو والتفسير، ورجح قول الخليل والكسائي ابن جرير الطبري والقفال، وعلى ~~قول سيبويه تكون الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر على قول من قال: إن خبر ~~الراسخون هو قوله (أولئك سنؤتيهم) أو بين المعطوف والمعطوف عليه إن جعلنا ~~خبر الراسخون هو يؤمنون، وجعلنا قوله (والمؤتون الزكاة) عطفا على المؤمنون ~~لا على قول سيبويه أن المؤتون الزكاة مرفوع على الابتداء أو على تقدير ~~مبتدأ محذوف: أي هم ms0912 المؤتون الزكاة. قوله (والمؤمنون بالله واليوم الآخر) ~~هم مؤمنو أهل الكتاب وصفوا أولا بالرسوخ في العلم ثم بالإيمان بكتب الله ~~وأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة يؤمنون بالله واليوم الآخر، وقيل المراد ~~بهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار كما سلف وأنهم جامعون بين هذه الأوصاف، ~~والإشارة بقوله (أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) إلى الراسخون وما عطف عليه. ~~قوله (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) هذا متصل ~~بقوله (يسألك أهل الكتاب) PageV01P537 # والمعنى: أن أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم كأمر من تقدمه من الأنبياء ~~فما بالكم تطلبون منه ما لم يطلبه أحد من المعاصرين للرسل، والوحي إعلام في ~~خفاء، يقال وحي إليه بالكلام وحيا، وأوحي يوحي إيحاء، وخص نوحا لكونه أول ~~نبي شرعت على لسانه الشرائع، وقيل غير ذلك، والكاف في قوله (كما) نعت مصدر ~~محذوف: # أي إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح، أو حال: أي أوحينا إليك هذا الإيحاء حال ~~كونه مشبها بإيحائنا إلى نوح. قوله (وأوحينا إلى إبراهيم) معطوف على ~~(أوحينا إلى نوح) (وإسماعيل في وإسحق ويعقوب والأسباط) وهم أولاد يعقوب كما ~~تقدم (وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان) خص هؤلاء بالذكر بعد دخولهم في ~~لفظ النبيين تشريفا لهم كقوله - وملائكته ورسله وجبريل -، وقدم عيسى على ~~أيوب ومن بعده مع كونهم في زمان قبل زمانه، ردا على اليهود الذي كفروا به، ~~وأيضا فالواو ليست إلا لمطلق الجمع. قوله (وآتينا داود زبورا) معطوف على ~~أوحينا. والزبور: كتاب داود. قال القرطبي: وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها ~~حكم ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حكم ومواعظ انتهى. قلت: هو مائة وخمسون ~~مزمورا. والمزمور: فصل يشتمل على كلام لداود يستغيث بالله من خصومه ويدعو ~~الله عليهم ويستنصره، وتارة يأتي بمواعظ، وكان يقول ذلك في الغالب في ~~الكنيسة، ويستعمل مع تكلمه بذلك شيئا من الآلات التي لها نغمات حسنة، كما ~~هو مصرح بذلك في كثير من تلك المزمورات. والزبر: الكتابة. والزبور بمعنى ~~المزبور: أي المكتوب. كالرسول والحلوب والركوب وقرأ حمزة (زبورا) بضم ~~الزاي، ms0913 جمع زبر كفلس وفلوس. والزبر بمعنى المزبور، والأصل في الكلمة ~~التوثيق يقال بئر مزبورة: أي مطوية بالحجارة، والكتاب سمى زبورا لقوة ~~الوثيقة به. قوله (ورسلا) منصوب بفعل مضمر يدل عليه (أوحينا) أي وأرسلنا ~~رسلا (قد قصصناهم عليك من قبل) وقيل هو منصوب بفعل دل عليه (قصصناهم) أي ~~وقصصنا رسلا، ومثله ما أنشده سيبويه: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن ~~مررت به * وحدي وأخشى الرياح والمطرا أي وأخشى الذئب. وقرأ أبي (رسل) ~~بالرفع على تقدير، ومنهم رسل. ومعنى (من قبل) أنه قصهم عليه من قبل هذه ~~السورة، أو من قبل هذا اليوم. قيل إنه لما قص الله في كتابه بعض أسماء ~~أنبيائه ولم يذكر أسماء بعض قالت اليهود: ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر موسى، ~~فنزل الله (وكلم موسى تكليما) وقراءة الجمهور برفع الاسم الشريف على أن ~~الله هو الذي كلم موسى. وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب بنصب الاسم الشريف على ~~أن موسى هو الذي كلم الله سبحانه و (تكليما) مصدر مؤكد. وفائدة التأكيد دفع ~~توهم كون التكليم مجازا، كما قال الفراء إن العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان ~~كلاما بأي طريق، وقيل ما لم يؤكد بالمصدر، فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة ~~الكلام. قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن ~~مجازا. قوله (رسلا مبشرين ومنذرين) بدل من رسلا الأول، أو منصوب بفعل مقدر: ~~أي وأرسلنا، أو على الحال بأن يكون رسلا موطئا لما بعده، أو على المدح: أي ~~مبشرين لأهل الطاعات ومنذرين لأهل المعاصي. قوله (لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل) أي معذرة يعتذرون بها كما في قوله تعالى - ولو أنا أهلكناهم ~~بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك - وسميت ~~المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة تنبيها على أن هذه ~~المعذرة مقبولة لديه تفضلا منه ورحمة. ومعنى قوله (بعد الرسل) بعد إرسال ~~الرسل (وكان الله عزيزا) لا ms0914 يغالبه مغالب (حكيما) في أفعاله التي من جملتها ~~إرسال الرسل. PageV01P538 # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد (وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا) قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق. وأخرج ابن إسحاق في الدلائل عن ~~ابن عباس في قوله (لكن الراسخون في العلم منهم) قال: # نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد بن شعبة وثعلبة بن شعبة حين فارقوا ~~اليهود وأسلموا. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في ~~الدلائل عنه أن بعض اليهود قال: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شئ ~~بعد موسى، فأنزل الله (إنا أوحينا إليك) الآية. وأخرج عبد بن حميد والحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول وابن حبان في صحيحه والحاكم وابن عساكر عن أبي ذر ~~قال: " قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. ~~قلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير. وأخرج نحوه ابن أبي ~~حاتم عن أبي أمامة مرفوعا إلا أنه قال: والرسل ثلاثمائة وخمسة عشر ". وأخرج ~~أبو يعلى والحاكم بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى، ~~ثم كنت أنا بعده ". وأخرج الحاكم عن أنس بسند ضعيف نحوه. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد ~~أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من ~~الله، من أجل ذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ". # قوله (لكن الله يشهد) الاسم الشريف مبتدأ والفعل خبره، ومع تشديد النون ~~هو منصوب على أنه اسم لكن والاستدراك من محذوف مقدر كأنهم قالوا: ما نشهد ~~لك يا محمد بهذا: أي الوحي والنبوة، فنزل (لكن الله يشهد). وقوله ~~(والملائكة يشهدون) جملة معطوفة على الجملة الأولى أو جملة ms0915 حالية، وكذلك ~~قوله (أنزله بعلمه) جملة حالية: أي متلبسا بعلمه الذي لا يعلمه غيره من ~~كونك أهلا لما اصطفاك الله له من النبوة وأنزله عليك من القرآن (وكفى بالله ~~شهيدا) أي كفى الله شاهدا والباء زائدة، وشهادة الله سبحانه هي ما يصنعه من ~~المعجزات الدالة على PageV01P539 # صحة النبوة، فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بصدق ما أخبر به من هذا وغيره (إن الذين كفروا) بكل ما يجب الإيمان به، أو ~~بهذا الأمر الخاص، وهو ما في هذا المقام (وصدوا عن سبيل الله) وهو دين ~~الإسلام بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبقولهم ما نجد صفته ~~في كتابنا وإنما النبوة في ولد هارون وداود، وبقولهم إن شرع موسى لا ينسخ ~~(قد ضلوا ضلالا بعيدا) عن الحق بما فعلوا، لأنهم مع كفرهم منعوا غيرهم عن ~~الحق (إن الذين كفروا) بجحدهم (وظلموا) غيرهم بصدهم عن السبيل أو ظلموا ~~محمدا بكتمانهم نبوته أو ظلموا أنفسهم بكفرهم، ويجوز الحمل على جميع هذه ~~المعني (لم يكن الله ليغفر لهم) إذا استمروا على كفرهم وماتوا كافرين (ولا ~~ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم) لكونهم اقترفوا ما يوجب لهم ذلك بسوء ~~اختيارهم وفرط شقائهم وجحدوا الواضح وعاندوا البين (خالدين فيها أبدا) أي ~~يدخلهم جهنم خالدين فيها، وهي حال مقدرة. وقوله (أبدا) منصوب على الظرفية، ~~وهو لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل (وكان ذلك) أي تخليدهم ~~في جهنم أو ترك المغفرة لهم والهداية مع الخلود في جهنم (على الله يسيرا) ~~لأنه سبحانه لا يصعب عليه شئ - إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون - (فآمنوا خيرا لكم) اختلف أئمة النحو في انتصاب خيرا على ماذا؟ فقال ~~سيبويه والخليل بفعل مقدر: أي واقصدوا أو أتوا خيرا لكم، وقال الفراء: هو ~~نعت لمصدر محذوف: أي فآمنوا إيمانا خيرا لكم، وذهب أبو عبيدة والكسائي إلى ~~أنه خبر لكان مقدرة: أي فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم، وأقوى هذه الأقوال ~~الثالث، ثم الأول، ms0916 ثم الثاني على ضعف فيه (وإن تكفروا) أي وإن تستمروا على ~~كفركم (فإن لله ما في السماوات والأرض) من مخلوقاته، وأنتم من جملتهم، ومن ~~كان خالقا لكم ولها فهو قادر على مجازاتكم بقبيح أفعالكم، ففي هذه الجملة ~~وعيد لهم مع إيضاح وجه البرهان وإماطة الستر عن الدليل بما يوجب عليهم ~~القبول والإذعان. لأنهم يعترفون بأن الله خالقهم - ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله - قوله (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم) الغلو: هو التجاوز في ~~الحد ومنه غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل في الأمر غلوا، وغلا بالجارية ~~لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها. والمراد بالآية: النهي لهم ~~عن الإفراط تارة والتفريط أخرى، فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى حتى جعلوه ~~ربا، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة، وما ~~أحسن قول الشاعر: # ولا تغل في شئ من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم (ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق) وهو ما وصف به نفسه ووصفته به رسله، ولا تقولوا الباطل ~~كقول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله (إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله) المسيح مبتدأ وعيسى بدل منه، وابن مريم صفة ~~لعيسى، ورسول الله الخبر، ويجوز أن يكون عيسى ابن مريم عطف بيان والجملة ~~تعليل للنهي، وقد تقدم الكلام على المسيح في آل عمران. قوله (وكلمته) عطف ~~على رسول الله، و (ألقاها سعيد إلى مريم) حال، أي كونه بقوله كن فكان بشرا ~~من غير أب، وقيل (كلمته) بشارة الله مريم ورسالته إليها على لسان جبريل ~~بقوله - إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه - وقيل الكلمة ~~ها هنا بمعنى الآية، ومنه - وصدقت بكلمات ربها - وقوله - ما نفدت كلمات ~~الله -. قوله (وروح منه) أي أرسل جبريل فنفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، ~~وهذه الإضافة للتفضيل، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى، وقيل قد يسمى ~~من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ويضاف إلى الله فيقال هذا روح ms0917 من الله: ~~أي من خلقه، كما يقال في النعمة إنها من الله وقيل (روح منه) أي من خلقه ~~كما قال تعالى - وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه - أي من ~~خلقه PageV01P540 # وقيل (روح منه) أي رحمة منه، وقيل (روح منه) أي برهان منه، وكان عيسى ~~برهانا وحجة على قومه. وقوله (منه) متعلق بمحذوف وقع صفة لروح، أي كائنة ~~منه وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل ~~بالنفخ (فآمنوا بالله ورسله) أي بأنه سبحانه إله واحد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد، وبأن رسله صادقون مبلغون عن الله ما أمرهم بتبليغه، ولا ~~تكذبوهم ولا تغلوا فيهم، فتجعلوا بعضهم آلهة. قوله (ولا تقولوا ثلاثة) ~~ارتفاع ثلاثة على أنه خبر مبتدأ محذوف قال الزجاج: أي لا تقولوا آلهتنا ~~ثلاثة، وقال الفراء وأبو عبيد: أي لا تقولوا هم ثلاثة كقوله - سيقولون ~~ثلاثة - وقال أبو علي الفارسي: لا تقولوا هو ثالث ثلاثة، فحذف المبتدأ ~~والمضاف، والنصارى مع تفرق مذاهبهم متفقون على التثليث، ويعنون بالثلاثة ~~الثلاثة الأقانيم فيجعلونه سبحانه جوهرا واحدا وله ثلاثة أقانيم، ويعنون ~~بالأقانيم أقنوم الوجود، وأقنوم الحياة، وأقنوم العلم، وربما يعبرون عن ~~الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود وبالروح الحياة ~~وبالابن المسيح. # وقيل المراد بالآلهة الثلاثة: الله سبحانه وتعالى، ومريم والمسيح. وقد ~~اختبط النصارى في هذا اختباطا طويلا. # ووقفنا في الأناجيل الأربعة التي يطلق عليها عندهم اسم الإنجيل على ~~اختلاف كثير في عيسى: فتارة يوصف بأنه ابن الإنسان، وتارة يوصف بأنه ابن ~~الله، وتارة يوصف بأنه ابن الرب، وهذا تناقض ظاهر وتلاعب بالدين. والحق ما ~~أخبرنا الله به في القرآن، وما خالفه في التوراة أو الإنجيل أو الزبور فهو ~~من تحريف المحرفين وتلاعب المتلاعبين. ومن أعجب ما رأيناه أن الأناجيل ~~الأربعة كل واحد منها منسوب إلى واحد من أصحاب عيسى عليه السلام. # وحاصل ما فيها جميعا أن كل واحد من هؤلاء الأربعة ذكر سيرة عيسى من عند ~~أن بعثه الله ms0918 إلى أن رفعه إليه، وذكر ما جرى له من المعجزات والمراجعات ~~لليهود ونحوهم، فاختلفت ألفاظهم، واتفقت معانيها، وقد يزيد بعضهم على بعض ~~بحسب ما يقتضيه الحفظ والضبط، وذكر ما قاله عيسى وما قيل له، وليس فيها من ~~كلام الله سبحانه شئ، ولا أنزل على عيسى من عنده كتابا، بل كان عيسى عليه ~~السلام يحتج عليهم بما في التوراة ويذكر أنه لم يأت بما يخالفها، وهكذا ~~الزبور فإنه من أوله إلى آخره من كلام داود عليه السلام. وكلام الله أصدق، ~~وكتابه أحق، وقد أخبرنا أن الإنجيل كتابه أنزله على عبده ورسوله عيسى ابن ~~مريم، وأن الزبور كتابه آتاه داود وأنزله عليه. قوله (انتهوا خيرا لكم) أي ~~انتهوا عن التثليث، وانتصاب " خيرا " هنا فيه الوجوه الثلاثة التي تقدمت في ~~قوله (فآمنوا خيرا لكم). (إنما الله إله واحد) لا شريك له صاحبة ولا ولد ~~(سبحانه أن يكون له ولد) أي أسبحه تسبيحا عن أن يكون له ولد (له ما في ~~السماوات وما في الأرض) وما جعلتموه له شريكا أو ولدا هو من جملة ذلك، ~~والمملوك المخلوق لا يكون شريكا ولا ولدا (وكفى بالله وكيلا) نكل الخلق ~~أمورهم إليه ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن ~~عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ~~لهم: " إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، قالوا ما نعلم ذلك. # فأنزل الله (لكن الله يشهد) الآية " وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى أن النجاشي قال لجعفر: ما يقول صاحبك في ~~ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول ~~الحوراء لم يقربها بشر، فتناول عودا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين ~~والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه. وأخرجه ~~البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود بأطول من هذا. PageV01P541 # وأخرج البخاري ms0919 عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا ~~تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ~~ورسوله ". # أصل يستنكف نكف وباقي الحروف زائدة، يقال نكفت من الشئ واستنكفت منه ~~وأنكفته: أي نزهته عما يستنكف منه. قال الزجاج: استنكف: أي أنف، مأخوذ من ~~نكفت الدمع: إذا نحيته بإصبعك عن خديك، وقيل هو من النكف وهو العيب، يقال: ~~ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف: أي عيب. ومعنى الأول: لن يأنف عن ~~العبودية ولن يتنزه عنها. ومعنى الثاني: لن يعيب العبودية ولن ينقطع عنها ~~(ولا الملائكة المقربون) عطف على المسيح: أي ولن يستنكف الملائكة المقربون ~~عن أن يكونوا عباد الله. # وقد استدل بهذا القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وقرر صاحب الكشاف ~~وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغنى من جوع وادعى أن الذوق قاض بذلك، ونعم ~~الذوق العربي إذا خالطه محبة المذهب وشابه شوائب الجمود كان هكذا، وكل من ~~يفهم لغة العرب يعلم أن من قال لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم أولا ~~كبير ولا صغير أو لا جليل ولا حقير، ثم يدل هذا على أن المعطوف أعظم شأنا ~~من المعطوف عليه، وعلى كل حال فما أردأ الاشتغال بهذه المسألة وما أقل ~~فائدتها وما أبعدها عن أن تكون مركزا من المراكز الشرعية الدينية وجسرا من ~~الجسور (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر) أي يأنف تكبرا ويعد نفسه كبيرا عن ~~العبادة (فسيحشرهم إليه جميعا) المستنكف وغيره، فيجازي كلا بعلمه. وترك ذكر ~~غير المستنكف هنا لدلالة أول الكلام عليه، ولكون الحشر لكلا الطائفتين ~~(فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم) من غير أن يفوتهم منها ~~شئ (وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما) بسبب استنكافهم ~~واستكبارهم (ولا يجدون لهم من دون الله وليا) يواليهم (ولا نصيرا) ينصرهم. # قوله (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) بما أنزله عليكم من كتبه ~~وبمن أرسله إليكم من رسله، وما نصبه لهم من المعجزات. والبرهان: ما ms0920 يبرهن ~~به على المطلوب (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) وهو القرآن، وسماه نورا لأنه ~~يهتدى به من ظلمة الضلال (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به) أي بالله، ~~وقيل بالنور المذكور (فسيدخلهم في رحمة منه) يرحمهم بها (وفضل) يتفضل به ~~عليهم (ويهديهم إليه) أي إلى امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه أو إليه ~~سبحانه وتعالى باعتبار مصيرهم إلى جزائه وتفضله (صراطا مستقيما) أي طريقا ~~يسلكونه إليه مستقيما لا عوج فيه، وهو التمسك بدين الإسلام وترك غيره من ~~الأديان، قال أبو علي الفارسي: الهاء في قوله (إليه) راجعة إلى PageV01P542 # ما تقدم من اسم الله، وقيل راجعة إلى القرآن، وقيل إلى الفضل، وقيل إلى ~~الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب وانتصاب صراطا على أنه مفعول ثان للفعل ~~المذكور، وقيل على الحال. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (لن يستنكف المسيح) لن يستكبر. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ~~والإسماعيلي في معجمه بسند ضعيف عن ابن مسعود قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (فيوفيهم أجورهم ويزيدهم ~~من فضله) قال: أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت له ~~النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا. وقد ساقه ابن كثير في تفسيره فقال: ~~وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش ~~عن شقيق عن ابن مسعود فذكره وقال: هذا إسناد لا يثبت، إذا روى عن ابن مسعود ~~موقوفا فهو جيد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة (قد جاءكم برهان) أي ~~بينة (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) قال: هذا القرآن. وأخرجا أيضا عن مجاهد ~~قال: برهان حجة. وأخرجا أيضا عن ابن جريج في قوله (واعتصموا به) قال: ~~القرآن. # قد تقدم الكلام في الكلالة في أول هذه السورة، وسيأتي ذكر المستفتى ~~المقصود بقوله (يستفتونك). # قوله (إن امرؤ هلك) أي إن هلك امرؤ هلك كما تقدم في قوله - وإن امرأة ~~خافت -. وقوله (ليس له ولد) ms0921 إما صفة لامرؤ أو حال، ولا وجه للمنع كونه ~~حالا، والولد يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا مع أن عدم ~~الوالد معتبر في الكلالة اتكالا على ظهور ذلك، قيل والمراد بالولد هنا ~~الابن، وهو أحد معني المشترك، لأن البنت لا تسقط الأخت. وقوله (وله أخت) ~~عطف على قوله " ليس له ولد ". والمراد بالأخت هنا هي الأخت لأبوين أو لأب ~~لا لأم، فإن فرضها السدس كما ذكر سابقا. وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم إلى أن الأخوات لأبوين أو لأب عصبة للبنات وإن لم يكن ~~معهم أخ. وذهب ابن عباس إلى أن الأخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود ~~الظاهري وطائفة وقالوا: إنه لا ميراث للأخت لأبوين أو لأب مع البنت، ~~واحتجوا بظاهر هذه الآية، فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى قيدا ~~في ميراث الأخت، وهذا استدلال صحيح لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ~~ميراث الأخت مع البنت، وهو ما ثبت في الصحيح أن معاذا قضى على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في بنت وأخت فجعل للبنت النصف وللأخت النصف. ~~وثبت في الصحيح أيضا " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في بنت وبنت ~~ابن وأخت فجعل للبنت النصف ولبنت الابن السدس وللأخت الباقي " فكانت هذه ~~السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت. قوله (وهو يرثها) أي المرء ~~يرثها: أي يرث الأخت (إن لم يكن لها ولد ذكر) إن كان المراد بإرثه لها ~~حيازته لجميع ما تركته، وإن كان المراد ثبوت ميراثه لها في الجملة أعم من ~~أن يكون كلا أو بعضا صح تفسير الولد مما يتناول الذكر والأنثى، واقتصر ~~سبحانه في هذا الآية على نفي الولد مع كون الأب يسقط الأخ كما يسقطه الولد ~~PageV01P543 # الذكر لأن المراد بيان حقوق الأخ مع الولد فقط هنا. وأما سقوطه مع الأب ~~فقد تبين بالسنة كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~ألحقوا الفرائض بأهلها فما ms0922 بقي فلأولى رجل ذكر " والأب أولى من الأخ (فإن ~~كانتا اثنتين) أي فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين، والعطف على الشرطية ~~السابقة والتأنيث والتثنية، وكذلك الجمع في قوله (وإن كانوا إخوة) باعتبار ~~الخبر (فلهما الثلثان مما ترك) المرء إن لم يكن له ولد كما سلف وما فوق ~~الاثنين من الأخوات يكون لهن الثلثان بالأولى (وإن كانوا) أي من يرث ~~بالأخوة (إخوة رجالا ونساء) أي مختلطين ذكورا وإناثا (فللذكر) منهم (مثل حظ ~~الأنثيين) تعصيبا (يبين الله لكم أن تضلوا) أي يبين لكم حكم الكلالة وسائر ~~الأحكام كراهة أن تضلوا، هكذا حكاه القرطبي عن البصريين. وقال الكسائي: ~~المعنى لئلا تضلوا، ووافقه الفراء وغيره من الكوفيين (والله بكل شئ) من ~~الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها (عليم) أي كثير العلم. # وقد أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال: " ~~دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب ~~علي فعقلت، فقلت إنه لا يرثى إلا كلالة فكيف الميراث؟ # فنزلت آية الفرائض " وأخرجه عنه ابن سعد وابن أبي حاتم بلفظ أنزلت في ~~(يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عمر ~~أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف تورث الكلالة: # فأنزل الله (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) الآية. وأخرج مالك ~~ومسلم وابن جرير والبيهقي عن عمر قال: # ما سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شئ أكثر ما سألته في الكلالة ~~حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: # ما تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء. وأخرج أحمد وأبو داود ~~والترمذي والبيهقي عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فسأله عن الكلالة؟ فقال: تكفيك آية الصيف. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن عمر قال: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. ~~وأخرج ms0923 البخاري ومسلم وغيرهما عن البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت كاملة ~~براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء (يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة). وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين قال: كان ~~عمر بن الخطاب إذا قرأ (يبين الله لكم أن تضلوا) قال: اللهم من بينت له ~~الكلالة فلم تبين لي. # وقد أوضحنا الكلام خلافا واستدلالا وترجيحا في شأن الكلالة في أوائل هذه ~~السورة فلا نعيده. # وإلى هنا انتهى الجزء الأول من التفسير المبارك: المسمى " فتح القدير " ~~الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير بقلم مؤلفه الراجي من ربه ~~سبحانه أن يعينه على تمامه، وينفع به من شاء من عباده، ويجعله ذخيرة له عند ~~وفوده إلى دار الآخرة " محمد بن علي بن محمد الشوكاني " غفر الله لهما. # وكان الانتهاء إلى هذا الموضع في يوم العيد الأكبر، يوم النحر المبارك من ~~سنة أربع وعشرين بعد مائتين وألف من الهجرة النبوية، حامدا لله ومصليا ~~ومسلما على رسوله وحبيبه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه. اه‍. # الحمد له: كمل سماعا، والحمد لله في شهر القعدة من عام سنة 1232. # يحيى بن علي الشوكاني PageV01P544 # [تنبيه] وضعنا في هذه الصفحة تتمة المؤلف للجزء الأول بخط يده الشريفة ~~تبركا به، وليطلع القراء على أنموذج من النسخة الخطية الوحيدة التي كان ~~الطبع عليها. # بحمد الله تم طبع الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني وأوله: تفسير سور ~~المائدة. PageV01P545 # فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير تأليف محمد ~~بن علي بن محمد الشوكاني وفاته بصنعاء 1250 ه‍ الجزء الثاني عالم الكتب ~~PageV02P001 # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (قرآن كريم) بسم الله الرحمن ~~الرحيم تفسير سورة المائدة هي مائة وثلاث وعشرون آية قال القرطبي: هي مدنية ~~بالإجماع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: المائدة مدنية. وأخرج ~~أحمد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ~~جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا ms0924 جبير تقرأ المائدة؟ ~~فقلت نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال ~~فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة ~~نزلت سورة المائدة والفتح. وأخرج أحمد عنه قال: أنزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل ~~عنها. # قال ابن كثير: تفرد به أحمد. قلت: وفى إسناده ابن لهيعة. وأخرج أحمد وعبد ~~بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والطبراني وأبو نعيم في ~~الدلائل والبيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد نحوه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة في مسنده والبغوي في معجمه وابن مردويه والبيهقي في دلائل النبوة عن ~~أم عمرو بنت عيسى عن عمها نحوه أيضا. وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرظي ~~نحوه. وزاد أنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة. # وهكذا أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس بهذه الزيادة وأخرج أبو عبيد عن ~~ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~المائدة من آخر القرآن تنزيلا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ". # وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل ~~قال: لم ينسخ من المائدة شئ. وكذا أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر عنه. ~~وكذا أخرجه عبد بن الحميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن ~~الشعبي. وكذا أخرجه عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن الحسن ~~البصري. وأخرج عبد بن حميد PageV02P003 # وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال: لم ينسخ من ~~المائدة إلا هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا لا تحلو شعائر الله ولا الشهر ~~الحرام ولا الهدى ولا القلائد). وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: نسخ من هذه السورة آيتان، ms0925 آية القلائد. ~~وقوله (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم). وأخرج عبد بن حميد في مسنده ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في خطبته سورة المائدة ~~والتوبة، وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال: " لما رجع صلى الله عليه وآله ~~وسلم من الحديبية قال: يا علي أشعرت أنها نزلت علي سورة المائدة؟ ونعمت ~~الفائدة " قال ابن العربي هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده وقال ابن ~~عطية هذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # هذه الآية التي افتتح الله بها هذه السورة إلى قوله (إن الله يحكم ما ~~يريد) فيها من البلاغة ما تتقاصر عنده القوى البشرية مع شمولها لأحكام عدة: ~~منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ومنها استثناء ما سيتلى ~~مما لا يحل ومنها تحريم الصيد على المحرم، ومنها إباحة الصيد لمن ليس ~~بمحرم. وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم ~~اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة ثم ~~خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة ~~المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ~~ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يقدر أحد أن ~~يأتي بهذا. قوله (أوفوا بالعقود) يقال أوفي ووفى لغتان وقد جمع بينهما ~~الشاعر فقال: # أما ابن طوف فقد أوفى بذمته * كما وفى بقلاص النجم حاديها والعقود: ~~العهود. وأصل العقود الربوط، واحدها عقد، يقال عقدت الحبل والعهد، فهو ~~يستعمل في الأجسام والمعاني. وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد ~~الإحكام، قوى التوثيق، قيل المراد بالعقود هي التي عقدها الله على عباده ~~وألزمهم بها من الأحكام، وقيل هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود ~~المعاملات والأولى شمول الآية للأمرين جميعا، ولا وجه لتخصيص بعضها دون ~~بعض. قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض ~~انتهى. ms0926 والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله، فإن ~~PageV02P004 # خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل. قوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام) ~~الخطاب للذين آمنوا. والبهيمة: # اسم لكل ذي أربع، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ~~ومنه باب مبهم: أي مغلق، وليل بهيم، وبهمة للشجاع الذي لا يدري من أين ~~يؤتى، وحلقة مبهمة: لا يدري أين طرفاها. والأنعام: # اسم للإبل والبقر والغنم، سميت بذلك لما في مشيها من اللين، وقيل بهيمة ~~الأنعام: وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية وغير ذلك، حكاه ابن ~~جرير الطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدى والربيع وقتادة والضحاك. # قال ابن عطية: وهذا قول حسن، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما ~~انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له أنعام مجموعة معها، وكأن المفترس ~~كالأسد، وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات ~~الأربع، وقيل بهيمة الأنعام: ما لم تكن صيدا، لأن الصيد يسمى وحشا لا ~~بهيمة، وقيل بهيمة الأنعام: الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام ~~فهي تؤكل من دون ذكاة. وعلى القول الأول أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر ~~والغنم تكون الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس، ~~بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى - قل لا أجد فيما أوحى إلى ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة - الآية، وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير " فإنه يدل بمفهومه على أن ~~ما عداه حلال، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة. ~~قوله (إلا ما يتلى عليكم) استثناء من قوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام) أي إلا ~~مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال. والمتلو: هو ما نص الله على تحريمه، ~~نحو قوله تعالى (حرمت عليكم الميتة) الآية، ويلحق به ما صرحت السنة ~~بتحريمه، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، ms0927 ~~ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان، فيدل على جواز تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعا. قوله (غير محلى الصيد) ذهب البصريون إلى ~~أن قوله (إلا ما يتلى عليكم) استثناء من بهيمة الأنعام وقوله (غير محلى ~~الصيد) استثناء آخر منه أيضا، فالاستثناءان جميعا من بهيمة الأنعام، ~~والتقدير: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم ~~محرمون، وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام، والاستثناء الثاني هو من ~~الاستثناء الأول، ورد بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام، لأنه ~~مستثنى من المحظور فيكون مباحا، وأجاز الفراء أن يكون (إلا ما يتلى) في ~~موضع رفع على البدل، ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة وما قاربها من ~~الأجناس. قال: وانتصاب (غير محلى الصيد) على الحال من قوله (أوفوا بالعقود) ~~وكذا قال الأخفش، وقال غيرهما: حال من الكاف والميم في (لكم) والتقدير: ~~أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلى الصيد: أي الاصطياد في البر وأكل صيده. ~~ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا وهم حرم: # أي محرمون وجملة (وأنتم حرم) في محل نصب على الحال من الضمير في (محلى) ~~ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية ~~البرية التي يحل أكلها كأنه قال: أحل لكم صيد البر إلا في حال الإحرام، ~~وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى: أحلت لكم بهيمة هي الأنعام ~~حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام لكونكم محتاجين إلى ذلك، فيكون ~~المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرم عليهم في تلك ~~الحال. # والمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو العمرة أو بهما، وسمى محرما لكونه ~~يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرم حرما، والإحرام ~~إحراما. وقرأ الحسن والنخعي ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء وهي لغة ~~تميمية يقولون في رسل رسل وفى كتب كتب ونحو ذلك. قوله (إن الله يحكم ما ~~يريد) من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده، فهو مالك الكل يفعل ما ms0928 ~~يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه. قوله (يا أيها الذين آمنوا PageV02P005 # لا تحلوا شعائر الله) الشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة. قال ابن فارس: ~~ويقال للواحدة شعارة وهو أحسن، ومنه الإشعار للهدى. والمشاعر: المعالم، ~~واحدها مشعر، وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات، قيل المراد بها هنا ~~جميع مناسك الحج: وقيل الصفا والمروة، والهدى والبدن. والمعنى على هذين ~~القولين: لا تحلوا هذه الأمور بأن يقع منكم الإخلال بشئ منها أو بأن تحولوا ~~بينها وبين من أراد فعلها. ذكر سبحانه النهي عن أن يحلوا شعائر الله عقب ~~ذكره تحريم صيد المحرم، وقيل المراد بالشعائر هنا فرائض الله، ومنه - ومن ~~يعظم شعائر الله -، وقيل هي حرمات الله، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع ~~اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بما يدل عليه السياق. # قوله (ولا الشهر الحرام) المراد به الجنس، فيدخل في ذلك جميع الأشهر ~~الحرم وهي أربعة، ذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، ورجب: أي لا تحلوها بالقتال ~~فيها، وقيل المراد به هنا شهر الحج فقط. قوله (ولا الهدى) هو ما يهدى إلى ~~بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة هدية. نهاهم سبحانه عن أن يحلوا ~~حرمة الهدى بأن يأخذوه على صاحبه أو يحولوا بينه وبين المكان الذي يهدى ~~إليه، وعطف الهدى على الشعائر مع دخوله تحتها لقصد التنبيه على مزيد ~~خصوصيته والتشديد في شأنه. قوله (ولا القلائد) جمع قلادة، وهي ما يقلد به ~~الهدى من نعل أو نحوه. # وإحلالها بأن تؤخذ غصبا، وفي النهى عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن ~~إحلال الهدى، وقيل المراد بالقلائد المقلدات بها، ويكون عطفه على الهدى ~~لزيادة التوصية بالهدى، والأول أولى، وقيل المراد بالقلائد ما كان الناس ~~يتقلدونه أمنة لهم، فهو على حذف مضاف: أي ولأصحاب القلائد. قوله (ولا آمين ~~البيت الحرام) أي قاصديه من قولهم أممت كذا: أي قصدته. وقرأ الأعمش " ولا ~~آمي البيت الحرام " بالإضافة. والمعنى: لا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحج ~~أو عمرة أو ليسكن فيه، وقيل إن ms0929 سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا يحجون ~~ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنزل (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحلوا شعائر الله) إلى آخر الآية فيكون ذلك منسوخا بقوله - اقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم -، وقوله - فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~-، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يحجن بعد العام مشرك ". وقال قوم: ~~الآية محكمة وهي في المسلمين. قوله (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا) جملة ~~حالية من الضمير المستتر في (آمين) قال جمهور المفسرين: معناه يبتغون الفضل ~~والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوان الله، وقيل كان منهم من يطلب ~~التجارة، ومنهم من يبتغي بالحج رضوان الله، ويكون هذا الابتغاء للرضوان ~~بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من جعل الآية في المشركين، وقيل المراد بالفضل ~~هنا الثواب لا الأرباح في التجارة. قوله (وإذا حللتم فاصطادوا) هذا تصريح ~~بما أفاده مفهوم (وأنتم حرم) أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم لزوال السبب ~~الذي حرم لأجله، وهو الإحرام. قوله (ولا يجرمنكم شنآن قوم) قال ابن فارس: ~~جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك لا بد ولا محالة، وأصلها من جرم أي كسب، وقيل ~~المعنى: # لا يحملنكم قاله الكسائي وثعلب وهو يتعدى إلى مفعولين يقال جرمني كذا على ~~بغضك: أي حملني عليه ومنه قول الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي جملتهم على ~~الغضب. وقال أبو عبيدة والفراء: معنى (لا يجرمنكم) لا يكسبنكم بغض قوم أن ~~تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الجور والجريمة والجارم بمعنى الكاسب، ~~ومنه قول الشاعر: # جريمة ناهض في رأس نيق * يرى لعظام ما جمعت صليبا معناه كاسب قوت. ~~والصليب: الودك، ومنه قول الآخر: # يا أيها المشتكى عكلا وما جرمت * إلى القبائل من قتل وإيئاس * ~~PageV02P006 # أي كسبت، والمعنى في الآية: لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم أولا ~~يكسبنكم بغضهم اعتداءكم للحق إلى الباطل، ويقال جرم يجرم جرما: إذا قطع. ~~قال علي بن عيسى الرماني: وهو الأصل، فجرم بمعنى حمل على الشئ لقطعه ms0930 من ~~غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه إلى الكسب، ولا جرم بمعنى حق لأن الحق يقطع ~~عليه قال الخليل: معنى - لا جرم أن لهم النار - لقد حق أن لهم النار. وقال ~~الكسائي: جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد: # أي اكتسب. وقرأ ابن مسعود (لا يجرمنكم) بضم الياء، والمعنى: لا يكسبنكم ~~ولا يعرف البصريون أجرم، وإنما يقولون جرم لا غير. والشنآن: البغض. وقرئ ~~بفتح النون وإسكانها، يقال شنيت الرجل أشنوه شناء ومشنأة وشنآنا كل ذلك: ~~إذا أبغضته، وشنآن هنا مضاف إلى المفعول: أي بغض قوم منكم لا بغض قوم لكم. ~~قوله (أن صدوكم) بفتح الهمزة مفعول لأجله. أي لأن صدوكم. وقرأ أبو عمرو ~~وابن كثير بكسر الهمزة على الشرطية، وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الأعمش (إن ~~يصدوكم) والمعنى على قراءة الشرطية: لا يحملنكم بغضهم إن وقع منهم الصد لكم ~~عن المسجد الحرام على الاعتداء عليهم. قال النحاس: وأما إن صدوكم بكسر إن، ~~فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أن ~~الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية ~~سنة ست، فالصد كان قبل الآية، وإذا قرئ بالكسر لم يجز أن يكون إلا بعده كما ~~تقول: لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك، فهذا لا يكون إلا للمستقبل وإن فتحت كان ~~للماضي، وما أحسن هذا الكلام. وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيدة شنآن بسكون ~~النون. لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة وخالفهما غيرهما فقال: ليس ~~هذا مصدرا، ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان. ولما نهاهم عن الاعتداء ~~أمرهم بالتعاون على البر والتقوى: # أي ليعن بعضكم بعضا على ذلك، وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البر ~~والتقوى كائنا ما كان، قيل إن البر والتقوى لفظان لمعنى واحد، وكرر ~~للتأكيد. وقال ابن عطية: إن البر يتناول الواجب والمندوب، والتقوى تختص ~~بالواجب، وقال الماوردي: إن في البر رضا الناس وفي التقوى رضا الله، فمن ~~جمع بينهما فقد تمت سعادته ثم نهاهم سبحانه عن التعاون على الإثم ms0931 والعدوان، ~~فالإثم: كل فعل أو قول يوجب إثم فاعله أو قائله، والعدوان: # التعدي على الناس بما فيه ظلم، فلا يبقى نوع من أنواع الموجبات للإثم ولا ~~نوع من أنواع الظلم للناس الذين من جملتهم النفس إلا وهو داخل تحت هذا ~~النهي لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما، ثم أمر عباده بالتقوى ~~وتوعد من خالف ما أمر به فتركه أو خالف ما نهى عنه ففعله بقوله (إن الله ~~شديد العقاب). # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~ابن عباس في قوله (أوفوا بالعقود) قال: ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد ~~في القرآن كله لا تغدروا ولا تنكثوا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ~~قتادة قال: هي عقود الجاهلية الحلف. وروى عنه ابن جرير أنه قال: ذكر لنا أن ~~نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول " وأوفوا بعقد الجاهلية ولا ~~تحدثوا عقدا في الإسلام ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~الحسن في قوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام) قال: الإبل والبقر والغنم. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عمر في قوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام) قال: ما في بطونها، ~~قلت: إن خرج ميتا آكله؟ قال نعم. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~ابن عباس في قوله (إلا ما يتلى عليكم) قال: الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به إلى آخر الآية، فهذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا تحلوا شعائر الله) قال: ~~كان المشركون يحجون البيت الحرام ويهدون الهدايا ويعظمون حرمة المشاعر ~~وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله (لا تحلوا ~~PageV02P007 # شعائر الله) وفي قوله (ولا الشهر الحرام) يعنى: لا تستحلوا قتالا فيه ~~(ولا آمين البيت الحرام) يعني من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون ~~والمشركون يحجون جميعا، فنهى الله المؤمنين ms0932 أن يمنعوا أحدا حج البيت أو ~~يتعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعد هذه الآية - إنما المشركون ~~نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا - وفي قوله (يبتغون فضلا) يعني ~~أنهم يرضون الله بحجهم (ولا يجرمنكم) يقول: لا يحملنكم (شنآن قوم) يقول ~~عداوة قوم (وتعاونوا على البر والتقوى) قال: البر ما أمرت به، والتقوى ما ~~نهيت عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: شعائر الله ما ~~نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم، والهدى: ما لم يقلد والقلائد مقلدات ~~الهدى (ولا آمين البيت الحرام) يقول: من توجه حاجا. وأخرج ابن جرير عنه في ~~قوله (لا تحلوا شعائر الله) قال: مناسك الحج. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ~~أسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية وأصحابه حين ~~صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من ~~أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا، فأنزل الله (ولا يجرمنكم) الآية. وأخرج أحمد ~~وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال له " البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك ~~في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ". وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي عن النواس بن ~~سمعان قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن البر والإثم، فقال: " ~~البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ". وأخرج ~~أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي ~~أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإثم، فقال: " ما حاك ~~في نفسك فدعه. قال فما الإيمان؟ قال: من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن ~~". # هذا شروع في المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله (إلا ما يتلى عليكم). ms0933 ~~والميتة قد تقدم ذكرها في البقرة، وكذلك الدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله، وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحا كما تقدم حملا للمطلق ~~على المقيد، وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد ~~والطحال " أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وفي إسناده ~~يقال، ويقويه حديث " هو الطهور ماؤه والحل ميتته " وهو عند أحمد وأهل السنن ~~وغيرهم وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقد أطلنا الكلام عليه في ~~شرحنا للمنتقى. والإهلال رفع الصوت لغير الله كأن يقول بسم اللات والعزى ~~ونحو ذلك، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه ففيه مالا يحتاج ~~الناظر فيه إلى غيره. # (والمنخنقة) هي التي تموت بالخنق: وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن ~~تدخل رأسها في حبل أو بين PageV02P008 # عودين، أو بفعل آدمي أو غيره، وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، فإذا ~~ماتت أكلوها. (والموقوذة) هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية، ~~يقال وقذه يقذه وقذا فهو وقيذ، والوقذ شدة الضرب، وفلان وقيذ: أي مثخن ~~ضربا، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى ~~تموت ثم يأكلونها، ومنه قول الفرزدق: # شغارة تقذ الفصيل برجلها * فطارة لقوادم الأظفار قال ابن عبد البر: ~~واختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر والمعراض، ويعني ~~بالبندق قوس البندقة، وبالمعراض السهم الذي لا ريش له أو العصا التي رأسها ~~محدد، قال: فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته على ما روى عن ~~ابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وخالفهم ~~الشاميون في ذلك. قال الأوزاعي في المعراض كله خرق أو لم يخرق، فقد كان أبو ~~الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا. قال ابن ~~عبد البر: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ms0934 ابن عمر ما ~~ذكر مالك عن نافع، قال: والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة ~~حديث عدي بن حاتم، وفيه " ما أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ " انتهى. # قلت: والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال: " قلت يا رسول الله إني ~~أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال: إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصاب ~~بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله " فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الخرق ~~وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما خرق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل ~~الموت وإلا كان وقيذا. # وأما البنادق المعروفة الآن: وهي بنادق الحديد التي تجعل فيها البارود ~~والرصاص ويرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنها لم تصل ~~إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من ~~أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا. والذي ~~يظهر لي أنه حلال أنها تخرق وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب ~~الآخر، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح السابق " إذا ~~رميت بالمعراض فخرق فكله " فاعتبر الخرق في تحليل الصيد. قوله (والمتردية) ~~هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت من غير فرق بين أن تتردى من جبل أو ~~بئر أو مدفن أو غيرها، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك وسواء تردت ~~بنفسها أو ردها غيرها. قوله (والنطيحة) هي فعيلة بمعنى مفعولة، وهي التي ~~تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية. وقال قوم أيضا: فعيلة بمعنى فاعلة، لأن ~~الدابتين تتناطحان فتموتان، وقال: نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل، ~~لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لموصوف مذكور فإن لم يذكر ~~ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية. وقرأ أبو ميسرة " والمنطوحة ". ~~قوله (وما أكل السبع) أي ما افترسه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والضبع ~~ونحوها، والمراد هنا ما أكل منه السبع، لأن ما أكله السبع كله قد فني، ومن ms0935 ~~العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة، ثم خلصوها ~~منه أكلوها، وإن ماتت ولم يذكوها. وقرأ الحسن وأبو حيوة " السبع " بسكون ~~الباء، وهي لغة لأهل نجد، ومنه قول حسان في عتبة بن أبي لهب من يرجع العام ~~إلى أهله * فما أكيل السبع بالراجع وقرأ ابن مسعود " وأكيلة السبع ". وقرأ ~~ابن عباس " وأكيل السبع ". قوله (إلا ما ذكيتم) في محل نصب على الاستثناء ~~المتصل عند الجمهور، وهو راجع على ما أدركت ذكائه من المذكورات سابقا، وفيه ~~حياة، وقال المدنيون: وهو المشهور من مذهب مالك، وهو أحد قولي الشافعي أنه ~~إذا بلغ السبع منها إلى مالا حياة معه فإنها PageV02P009 # لا تؤكل. وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، ~~فيكون الاستثناء على هذا القول منقطعا: أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ~~ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم، والأول أولى. والذكاة في كلام العرب الذبح، ~~قاله قطرب وغيره. وأصل الذكاة في اللغة: التمام: أي تمام استكمال القوة، ~~والذكاء حدة القلب والذكاء سرعة الفطنة، والذكوة ما تذكى منه النار، ومنه ~~أذكيت الحرب والنار: أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس والمراد هنا: إلا ما أدركتم ~~ذكاته على التمام، والتذكية في الشرع: عبارة عن إنهار الدم، وفري الأوداج ~~في المذبوح والنحر. في المنحور والعقر في غير المقدور مقرونا بالقصد لله، ~~وذكر اسمه عليه. وأما الآلة التي تقع بها الذكاة، فذهب الجمهور إلى أن كل ~~ما أنهر الدم. وفري الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت ~~الأحاديث الصحيحة. وقوله (وما ذبح على النصب) قال ابن فارس: النصب حجر كان ~~ينصب فيعبد ويصب عليه دماء الذبائح، والنصائب حجارة تنصب حوالي شفير البئر ~~فتجعل عضائد، وقيل النصب: جمع واحده نصاب، كحمار وحمر. وقرأ طلحة بضم النون ~~وسكون الصاد. وروى عن أبي عمرو بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ الجحدري بفتح ~~النون والصاد، جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع أنصاب كالأجبال ~~والاجمال قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها. ms0936 قال ابن جريج: ~~كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه ~~عن الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فأنزل الله (وما ذبح على النصب) ~~والمعنى: والنية بذلك تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، ولهذا قيل ~~إن " على " بمعنى اللام: أي لأجلها. قاله قطرب، وهو على هذا داخل فيما أهل ~~به لغير الله، وخص بالذكر لتأكيد تحريمه ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك ~~لتشريف البيت وتعظيمه. قوله (وأن تستقسموا بالأزلام) معطوف على ما قبله: أي ~~وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام. # والأزلام قداح الميسر واحدها زلم، قال الشاعر: # * بات يقاسيها غلام كالزم * ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزار على لحم ~~وضم * وقال آخر * فلئن جذيمة قتلت ساداتها * فنساؤها يضربن بالأزلام ~~والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: أحدها مكتوب فيه افعل، والآخر مكتوب فيه لا ~~تفعل، والثالث مهمل لا شئ عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شئ ~~أدخل يده وهي متشابهة فأخرج واحدا منها، فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه، ~~وإن خرج الثاني تركه، وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين. ~~وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون ~~فعله كما يقال استسقى: أي استدعى السقي، فالاستفهام: طلب القسم والنصيب. ~~وجملة قداح الميسر عشرة، وقد قدمنا بيانها، وكانوا يضربون بها في المقامرة، ~~وقيل إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل هي الشطرنج، ~~وإنما حرم الله والاستقسام، بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب وضرب من ~~الكهانة. قوله (ذلكم فسق) إشارة إلى الاستقسام بالأزلام أو إلى جميع ~~المحرمات المذكورة هنا. والفسق: الخروج عن الحد، وقد تقدم بيان معناه، وفى ~~هذا وعيد شديد، لأن الفسق هو أشد الكفر لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه ~~منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر. قوله (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) ~~المراد اليوم الذي نزلت فيه الآية، ms0937 وهو يوم فتح مكة لثمان بقين من رمضان ~~سنة تسع وقيل، سنة ثمان، وقيل المراد باليوم الزمان الحاضر وما يتصل به، ~~ولم يرد يوما معينا وبئس فيه لغتان ييس بياءين يأسا، وأيس يأيس إياسا ~~وإياسة. قاله النضر بن شميل: أي حصل لهم اليأس من PageV02P010 # إبطال دينكم وأن يردوكم إلى دينهم كما كانوا يزعمون (فلا تخشوهم) أي لا ~~تخافوا منهم أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم (واخشون) فأنا القادر على كل شئ إن ~~نصرتكم فلا غالب لكم، وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم. قوله (اليوم ~~أكملت لكم دينكم) جعلته كاملا غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها ~~وغلبته لها ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام ~~والمشتبه، ووفي ما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك، ولا يخفى ما يستفاد من ~~تقديم قوله (لكم). قال الجمهور المراد بالإكمال هنا: نزول معظم الفرائض ~~والتحليل والتحريم. قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية الربا وآية ~~الكلالة ونحوهما. والمراد باليوم المذكور هنا هو يوم الجمعة، وكان يوم عرفة ~~بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن ~~الخطاب، وقيل إنها نزلت في يوم الحج الأكبر. قوله (وأتممت عليكم نعمتي) ~~بإكمال الدين المشتمل على الأحكام وبفتح مكة وقهر الكفار وإياسهم عن الظهور ~~عليكم كما وعدتكم بقولي (ولأتم نعمتي عليكم). قوله (ورضيت لكم الإسلام ~~دينا) أي أخبرتكم برضاي به لكم فإنه سبحانه لم يزل راضيا لأمة نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالإسلام فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير ~~فائدة إن حملناه على ظاهره، ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذي أنتم ~~عليه اليوم دينا باقيا إلى انقضاء أيام الدنيا. ودينا منتصب على التمييز، ~~ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا. قوله (فمن اضطر في مخمصة) هذا متصل بذكر ~~المحرمات وما بينهما اعتراض: أي من دعته الضرورة (في مخمصة) أي مجاعة إلى ~~أكل الميتة وما بعدها من المحرمات. والخمص: ضمور البطن، ورجل خميص وخمصان، ~~وامرأة خميصة وخمصانة، ومنه أخمص ms0938 القدم، ويستعمل كثيرا في الجوع، قال ~~الأعشى: # تبيتون في المشتاء ملأى بطونكم * وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا قوله (غير ~~متجانف) الجنف: الميل، والإثم: الحرام: أي حال كون المضطر في مخمصة غير ~~مائل لإثم، وهو بمعنى غير باغ ولا عاد، وكل مائل فهو متجانف وجنف. وقرأ ~~النخعي ويحيى بن وثاب والسلمي " متجنف " (فإن الله غفور رحيم) به لا يؤاخذه ~~بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم ~~بأن يكون باغيا على غيره أو متعديا لما دعت إليه الضرورة حسبما تقدم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي أمامة ~~قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ~~ورسوله وأعرض عليهم شعائر الإسلام، فبينما نحن كذلك إذ جاءوا بقصعة دم ~~واجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا: هلم يا صدى فكل قلت: ويحكم إنما أتيتكم من ~~عند من يحرم هذا عليكم، لما أنزل الله عليه، قالوا: وما ذاك؟ قال: فتلوت ~~عليهم هذه الآية (حرمت عليكم الميتة) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (وما أهل لغير الله به) قال: ~~وما أهل للطواغيت به (والمنخنقة) قال: التي تخنق فتموت (والموقوذة) قال: ~~التي تضرب بالخشبة فتموت (والمتردية) قال: التي تتردى من الجبل فتموت ~~(والنطيحة) قال: الشاة التي تنطح الشاة (وما أكل السبع) يقول: ما أخذ السبع ~~(إلا ما ذكيتم) يقول: ذبحتم من ذلك، وبه روح فكلوه (وما ذبح على النصب) ~~قال: النصب أنصاب كانوا يذبحون ويهلون عليها (وأن تستقسموا بالأزلام) قال: ~~هي القداح كانوا يستقسمون بها في الأمور (ذلكم فسق) يعني من أكل ذلك كله ~~فهو فسق. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الرداة التي تتردى في البئر، ~~والمتردية التي تتردى من الجبل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ~~(وأن تستقسموا بالأزلام) قال: حصى بيض كانوا يضربون بها. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن الحسن في الآية قال: ms0939 كانوا إذا أرادوا أمرا أو سفرا ~~PageV02P011 # يعمدون إلى قداح ثلاثة يكتبون على واحد منها: أمرني، وعلى الآخر: نهاني، ~~ويتركون الثالث مخللا بينهما ليس عليه شئ ثم يجيلونها، فإن خرج الذي عليه: ~~أمرني مضوا لأمرهم، وإن خرج الذي عليه: نهاني كفوا، وإن خرج الذي: ليس عليه ~~شئ أعادوها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم) قال: يئسوا أن يرجعوا إلى دينهم أبدا. وأخرج البيهقي ~~عنه في الآية قال: يقول يئس أهل مكة أن يرجعوا إلى دينهم عبادة الأوثان ~~أبدا، وأخرج البيهقي عنه في الآية قال: يقول يئس أهل مكة أن يرجعوا إلى ~~دينهم عبادة الأوثان أبدا (فلا تخشوهم) في اتباع محمد (واخشون) في عبادة ~~الأوثان وتكذيب محمد فلما كان واقفا بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يديه ~~والمسلمون يدعون الله (اليوم أكملت لكم دينكم) يقول حلالكم وحرامكم فلم ~~ينزل بعد هذا حلال ولا حرام (وأتممت عليكم نعمتي) قال: منتي، فلم يحج معكم ~~مشرك (ورضيت) يقول: اخترت (لكم الإسلام دينا) فمكث رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعد نزول هذه الآية أحدا وثمانين يوما، ثم قبضه الله إليه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عنه قال: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم ~~الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه فلا ينقص أبدا. وقد رضيه فلا ~~يسخطه أبدا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود ~~لعمر: إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك ~~اليوم عيدا، قال: وأي آية؟ قالوا (اليوم أكملت لكم دينكم) قال عمر: والله ~~إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشية ~~عرفة في يوم جمعة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (فمن اضطر) يعني إلى ما حرم مما سمى في صدر هذه السورة ms0940 (في مخمصة) ~~يعني في مجاعة (غير متجانف لإثم) يقول غير معتمد لإثم. # سورة المائدة الآية (54) هذا شروع في بيان ما أحله الله لهم بعد بيان ما ~~حرمه الله عليهم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية. قوله (ماذا أحل لهم) أي شئ ~~أحل لهم، أو ما الذي أحل لهم من المطاعم إجمالا ومن المصيد ومن طعام أهل ~~الكتاب ومن نسائهم قوله (قل أحل لكم الطيبات) هي ما يستلذه آكله ويستطيبه ~~مما أحله الله لعباده، وقيل هي الحلال، وقد سبق الكلام في هذا، وقيل ~~الطيبات: الذبائح لأنها طابت بالتذكية، وهو تخصيص للعام بغير مخصص، والسبب ~~والسياق لا يصلحان لذلك. قوله (وما علمتم من الجوارح) هو معطوف على الطيبات ~~بتقدير مضاف لتصحيح المعنى: أي أحل لكم الطيبات وأحل لكم صيد ما علمتم من ~~الجوارح. وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية " علمتم " PageV02P012 # بضم العين وكسر اللام: أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها. قال القرطبي: ~~وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما ~~علمنا من الجوارح، وهو يتضمن الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة ~~سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر ~~وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل: وهو الأكل من الجوارح: أي الكواسب من ~~الكلاب وسباع الطير. قال: # أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم ولم يأكل من صيده ~~الذي صاده وأثر فيه بجرح أو تنييب وصاد به مسلم وذكر اسم الله عند إرساله ~~أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف. فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف، فإن ~~كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه، وكالبازي والصقر ونحوهما من ~~الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب، يقال جرح ~~فلان واجترح: إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها، ومنه اجتراح ~~السيئات، ومنه قوله تعالى - ويعلم ما جرحتم بالنهار -. وقوله - أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات -. قوله (مكلبين) حال، والمكلب: معلم ms0941 الكلاب لكيفية ~~الاصطياد، والأخص معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله، لأن ~~الاصطياد بالكلاب هو الغالب، ولم يكتف بقوله (وما علمتم من الجوارح) مع أن ~~التكليب هو التعليم، لقصد التأكيد لما لابد منه من التعليم، وقيل إن السبع ~~يسمى كلبا فيدخل كل سبع يصاد به، وقيل إن هذه الآية خاصة بالكلاب. وقد حكى ~~ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال: ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ~~ذكاته فهو لك حلال، وإلا فلا تطعمه. قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن ~~البازي هل يحل صيده؟ قال لا، إلا أن تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسدي (وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين) هي الكلاب خاصة، فإن كان الكلب الأسود بهيما فكره ~~صيده الحسن وقتادة والنخعي. وقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان ~~بهيما، وبه قال ابن راهويه. فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون ~~جواز صيد كل كلب معلم، واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " الكلب الأسود شيطان ". أخرجه مسلم وغيره، والحق أنه يحل ~~صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره وبين الأسود ~~من الكلاب وغيره وبين الطير وغيره، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي ~~بن حاتم عن صيد البازي كما سيأتي. قوله (تعلمونهن مما علمكم الله) الجملة ~~في محل نصب على الحال: أي مما علمكم الله مما أدركتموه بما خلقه فيكم من ~~العقل الذي تهتدون به إلى تعليمها وتدريبها حتى تصير قابلة لإمساك الصيد ~~عند إرسالكم لها. قوله (فكلوا مما أمسكن عليكم) الفاء للتفريع، والجملة ~~متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح، ومن في قوله (مما ~~أمسكن عليكم) للتبعيض، لأن بعض الصيد لا يؤكل كالجلد والعظم وما أكله الكلب ~~ونحوه، وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه فإن أكل منه فإنما ~~أمسكه على نفسه كما في الحديث الثابت في الصحيح وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا ms0942 ~~يحل أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال. وقال عطاء بن ~~أبي رباح والأوزاعي: وهو مروى عن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وأبي ~~هريرة وعبد الله بن عمر، وروى عن علي وابن عباس والحسن البصري والزهري ~~وربيعة ومالك والشافعي في القديم أنه يؤكل صيده، ويرد عليهم قوله تعالى ~~(مما أمسكن عليكم)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعدي بن حاتم " إذا ~~أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك " وهو في الصحيحين ~~وغيرهما، وفي لفظ لهما " فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه ~~". وأما ما أخرجه أبو داود بإسناد جيد من حديث أبي ثعلبة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن ~~أكل منه ". وقد أخرجه أيضا بإسناد PageV02P013 # جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه أيضا النسائي فقد جمع ~~بعض الشافعية بين هذه الأحاديث بأنه إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث ~~عدي بن حاتم، وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه الانتظار وجاع فأكل من ~~الصيد لجوعه لا لكونه أمسكه على نفسه فإنه لا يؤثر ذلك ولا يحرم به الصيد، ~~وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وحديث عمرو بن شعيب، وهذا جمع حسن. ~~وقال آخرون: إنه إذا أكل الكلب منه حرم لحديث عدي، وإن أكل غيره لم يحرم ~~للحديثين الآخرين، وقيل يحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه، ثم ~~عاد فأكل منه. # وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح ولم يسلكوا طريق الجمع لما فيها ~~من البعد، قالوا: وحديث عدي ابن حاتم أرجح لكونه في الصحيحين. وقد قررت هذا ~~المسلك في شرحي للمنتقي بما يزيد الناظر فيه بصيرة. قوله (واذكروا اسم الله ~~عليه) الضمير في (عليه) يعود إلى (ما علمتم) أي سموا عليه عند إرساله، أو ~~لما أمسكن عليكم: أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته. وقد ذهب الجمهور ms0943 إلى وجوب ~~التسمية عند إرسال الجارح، واستدلوا بهذه الآية، ويؤيده حديث عدي بن حاتم ~~الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله وإذا ~~رميت بسهمك فاذكر اسم الله ". وقال بعض أهل العلم: إن المراد التسمية عند ~~الأكل. قال القرطبي: وهو الأظهر، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى ~~التسمية وهذا خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد وقت التسمية ~~بإرسال الكلب وإرسال السهم، ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر، ومسألة ~~غير هذه المسألة فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في ~~التسمية عند الأكل، ولا ملجئ إلى ذلك، وفى لفظ في الصحيحين من حديث عدي " ~~إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل ". وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط وذهب ~~آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي، ~~وهذا أقوى الأقوال وأرجحها قوله (واتقوا الله إن الله سريع الحساب) أي ~~حسابه سبحانه سريع إتيانه وكل آت قريب. قوله (اليوم أحل لكم الطيبات) هذه ~~الجملة مؤكدة للجملة الأولى، وهي قوله (أحل لكم الطيبات) وقد تقدم بيان ~~الطيبات. قوله (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) الطعام: اسم لما يؤكل، ~~ومنه الذبائح، وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح. وفى هذه الآية ~~دليل على أن جميع طعام أهل الكتب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين ~~وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله، وتكون هذه الآية مخصصة لعموم ~~قوله - ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه -. وظاهر هذا أن ذبائح أهل ~~الكتاب حلال، وإن ذكر اليهودي على ذبيحته اسم عزير، وذكر النصراني على ~~ذبيحته اسم المسيح. وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة بن الصامت وابن عباس ~~والزهري وربيعة والشعبي ومكحول. وقال علي وعائشة وابن عمر: إذا سمعت ~~الكتابي يسمى غير الله فلا تأكل، وهو قول طاوس والحسن وتمسكوا بقوله تعالى ~~- ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - ويدل عليه أيضا قوله - وما أهل ~~لغير الله ms0944 به - وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم. فهذا الخلاف إذا علمنا أن ~~أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله. وأما مع عدم العلم فقد حكى ~~الكيا الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية، ولما ورد في السنة من ~~أكله صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية، ~~وهو في الصحيح، وكذلك الجراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر وعلم ~~بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصحيح أيضا وغير ذلك. والمراد ~~بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى. وأما المجوس، فذهب الجمهور إلى أنها لا ~~تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساءهم لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل ~~العلم، وخالف في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك حتى قال أحمد ~~PageV02P014 # ابن حنبل: أبو ثور كاسمه، يعنى في هذه المسألة، وكأنه تمسك بما يروى عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا أنه قال في المجوس: سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب، ولم يثبت بهذا اللفظ، وعلى فرض أن له أصلا ففيه زيادة تدفع ما ~~قاله، وهي قوله غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم. وقد رواه بهذه الزيادة ~~جماعة ممن لا خبرة له بفن الحديث من المفسرين والفقهاء، ولم يثبت الأصل ولا ~~الزيادة، بل الذي ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخد ~~الجزية من مجوس هجر، وأما بنو تغلب فكان علي بن أبي طالب ينهى عن ذبائحهم ~~لأنهم عرب، وكان يقول: إنهم لم يتمسكوا بشئ من النصرانية إلا بشرب الخمر، ~~وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم. قال ابن ~~كثير: وهو قول غير واحد من السلف والخلف. وروى عن سعيد بن المسيب والحسن ~~البصري أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب. وقال القرطبي: ~~وقال جمهور الأمة إن ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو من ~~غيرهم، وكذلك اليهود. قال: ولا خلاف بين العلماء أن مالا يحتاج إلى ذكاة ~~كالطعام يجوز أكله. قوله ms0945 (وطعامكم حل لهم) أي وطعام المسلمين حلال لأهل ~~الكتاب، وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، ~~وهذا من باب المكافأة والمجازاة وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من ~~أعراض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية. قوله (والمحصنات من ~~المؤمنات) اختلف في تفسير المحصنات هنا، فقيل العفائف، وقيل الحرائر. وقرأ ~~الشعبي بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي. # وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في البقرة والنساء. والمحصنات مبتدأ، ومن ~~المؤمنات وصف له والخبر محذوف أي حل لكم، وذكرهن هنا توطئة وتمهيدا لقوله ~~(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) والمراد بهن الحرائر دون ~~الإماء، هكذا قال الجمهور، وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف أن هذه الآية ~~تعم كل كتابية حرة أو أمة، وقيل المراد بأهل الكتاب هنا الإسرائيليات، وبه ~~قال الشافعي، وهو تخصيص بغير مخصص. وقال عبد الله بن عمر: لا تحل ~~النصرانية، قال: ولا أعلم شركا أكبر من أن تقول ربها عيسى، وقد قال الله - ~~ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن - الآية، ويجاب عنه بأن هذه الآية مخصصة ~~للكتابيات من عموم المشركات فيبنى العام على الخاص. وقد استدل من حرم نكاح ~~الإماء الكتابيات بهذه الآية لأنه حملها على الحرائر، وبقوله تعالى (فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم ~~وخالفهم من قال: إن الآية تعم أو تخص العفائف كما تقدم. والحاصل أنه يدخل ~~تحت هذه الآية الحرة العفيفة من الكتابيات على جميع الأقوال إلا على قول ~~ابن عمر في النصرانية، ويدخل تحتها الحرة التي ليست بعفيفة والأمة العفيفة، ~~على قول من يقول إنه يجوز استعمال المشرك في كلا معنييه، وأما من لم يجوز ~~ذلك فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر لم يقل بجواز نكاح الأمة عفيفة كانت ~~أو غير عفيفة إلا بدليل آخر ويقول بجواز نكاح الحرة العفيفة كانت أو غير ~~عفيفة، وإن حمل المحصنات هنا على العفائف قال بجواز نكاح الحرة العفيفة ~~والأمة العفيفة دون غير العفيفة منهما. ms0946 قوله (إذ آتيتموهن أجورهن) أي ~~مهورهن وجواب إذا محذوف: أي فهن حلال، أو هي ظرف لخبر المحصنات المقدر: أي ~~حل لكم قوله (محصنين) منصوب على الحال: أي حال كونكم أعفاء بالنكاح، وكذا ~~قوله (غير مسافحين) منصوب على الحال من الضمير في محصنين أو صفة لمحصنين، ~~والمعنى: غير مجاهرين بالزنا. قوله (ولا متخذي أخدان) معطوف على (غير ~~مسافحين) أو على (مسافحين). (ولا) مزيدة للتأكيد، والخدن يقع على الذكر ~~والأنثى: أي لم يتخذوا معشوقات، فقد شرط الله في الرجال العفة وعدم ~~المجاهرة بالزنا وعدم اتخاذ أخدان، كما شرط في النساء أن يكن محصنات (ومن ~~يكفر بالإيمان) أي بشرائع الإسلام (فقد حبط عمله) أي بطل (وهو في الآخرة من ~~الخاسرين) وقرأ ابن السميفع " فقد حبط " بفتح الباء اه‍. PageV02P015 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ~~والبيهقي في سننه عن أبي رافع: # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بقتل الكلاب في الناس، فقالوا: يا ~~رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله (يسألونك ماذا أحل لهم) الآية. وأخرج ابن ~~جرير عن عكرمة نحوه. وأخرج أيضا عن محمد بن كعب القرظي نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالا يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب ~~والبزاة، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي: أن عدي بن حاتم ~~الطائي أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله، فذكر نحوه. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين) قال: هي الكلاب المعلمة، والبازي والجوارح يعني ~~الكلاب والفهود والصقور وأشباهها. وأخرج ابن جرير عنه قال: آية المعلم أن ~~يمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتي صاحبه. وأخرج عنه أيضا قال: إذا أكل الكلب ~~فلا ms0947 تأكل، فإنما أمسك على نفسه. وأخرج عبد بن حميد عنه نحوه، وزاد: وإذا ~~أكل الصقر فلا تأكل، لأن الكلب تستطيع أن تضر به والصقر لا تستطيع. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه في قوله (وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب) قال: ذبائحهم، وفى قوله (والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم) قال: حل لكم (إذا آتيتموهن أجورهن) يعنى مهورهن (محصنين) ~~يعنى تنكحونهن بالمهر والبينة (غير مسافحين) غير متغالين بالزنا (ولا متخذي ~~أخدان) يعنى يسرون بالزنا. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله (والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) قال: أحل الله لنا محصنتين ~~محصنة مؤمنة ومحصنة من أهل الكتاب، نساؤنا عليهم حرام ونساؤهم لنا، حلال. ~~وأخرج ابن جرير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~فتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا ". وأخرج عبد الرازق وابن جرير ~~عن عمر بن الخطاب قال: المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة. ~~وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إنما أحلت ذبائح اليهود ~~والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن مجاهد في قوله (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) قال الحرائر. ~~وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: العفائف. # المائدة آية (685) قوله (إذا قمتم) إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبب عن ~~السبب كما في قوله - فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله - وقد اختلف أهل العلم ~~في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة، فقالت طائفة: هو عام في كل قيام ~~إليها سواء كان القائم متطهرا أو محدثا، فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة ~~أن يتوضأ، وهو مروى عن علي وعكرمة. PageV02P016 # وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة. وقالت طائفة أخرى: إن هذا ~~الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ضعيف، فإن الخطاب للمؤمنين ~~والأمر لهم. وقالت طائفة: الأمر للندب طلبا للفضل. وقال آخرون: إن الوضوء ~~لكل صلاة كان فرضا عليهم بهذه الآية، ثم ms0948 نسخ في فتح مكة. وقال جماعة: هذا ~~الأمر خاص بمن كان محدثا. وقال آخرون: المراد إذا قمتم من النوم إلى ~~الصلاة، فيعم الخطاب كل قائم من نوم، وقد أخرج مسلم وأحمد وأهل السنن عن ~~بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان ~~يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا ~~رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله، فقال: عمدا فعلته يا عمر، وهو مروى ~~من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى. وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن عن ~~عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا ~~نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث، فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا ~~على المحدث، وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق. قوله (فاغسلوا وجوهكم) ~~الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة، وهو عضو مشتمل على أعضاء، وله طول وعرض، ~~فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، وفى العرض من الأذن ~~إلى الأذن، وقد ورد الدليل بتخليل اللحية. واختلف العلماء في غسل ما ~~استرسل، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه. وقد اختلف أهل العلم أيضا: هل ~~يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكفي إمرار الماء، والخلاف في ذلك معروف، ~~والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل كان ~~معتبرا وإلا فلا. قال في شمس العلوم: غسل الشئ غسلا إذا أجرى عليه الماء ~~ودلكه انتهى. وأما المضمضة والاستنشاق، فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن ~~الفم والأنف فقد ثبت غسلها بالسنة الصحيحة، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف. ~~وقد أوضحنا ما هو الحق في مؤلفاتنا. قوله (وأيديكم إلى المرافق) إلى ~~للغاية، وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف. وقد ذهب سيبويه ~~وجماعة إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل ms0949 وإلا فلا، وقيل إنها ~~هنا بمعنى مع. وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقا، وأما الدخول وعدمه ~~فأمر يدور مع الدليل. وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل، واستدلوا بما ~~أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن ~~عقيل عن جده عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، ولكن القاسم هذا متروك وجده ضعيف. ~~قوله (وامسحوا برءوسكم) قيل الباء زائدة، والمعنى: امسحوا رءوسكم، وذلك ~~يقتضى تعميم المسح لجميع الرأس وقيل هي للتبعيض، وذلك يقتضى أنه يجزئ مسح ~~بعضه. واستدل القائلون بالتعميم بقوله تعالى في التيمم (فامسحوا بوجوهكم) ~~ولا يجزئ مسح بعض الوجه اتفاقا، وقيل إنها للإلصاق: أي ألصقوا أيديكم ~~برءوسكم، وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض ~~الرأس كما أوضحناه في مؤلفاتنا، فكان هذا دليلا على المطلوب غير محتمل ~~كاحتمال الآية على فرض أنها محتملة، ولا شك أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه ~~كان ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح، وليس في لغة العرب ما يقتضى أنه ~~لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية ~~نحو اضرب زيدا أو اطعنه أو ارجمه، فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب أو ~~الطعن أو الرجم على عضو من أعضائه ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو ~~عالم بها إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، ~~وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال، فاعرف هذا حتى يتبين لك ما هو الصواب من ~~الأقوال في مسح الرأس. فإن قلت: يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين ~~والرجلين. قلت: ملتزم PageV02P017 # لولا البيان من السنة في الوجه والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين ~~بخلاف الرأس، فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض. قوله (وأرجلكم إلى ~~الكعبين) قرأ نافع بنصب الأرجل، وهي قراءة الحسن البصري والأعمش وقرأ ابن ms0950 ~~كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر. وقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين، ~~لأنها معطوفة على الوجه، وإلى هنا ذهب جمهور العلماء. وقراءة الجر تدل على ~~أنه يجوز الاقتصار على مسح الرجلين لأنها معطوفة على الرأس وإليه ذهب ابن ~~جرير الطبري وهو مروى عن ابن عباس. قال ابن العربي: اتفقت الأمة على وجوب ~~غسلهما وما علمت من رد ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين والرافضة من ~~غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الجر، قال القرطبي: قد روى عن ابن عباس أنه ~~قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، قال: وكان عكرمة يمسح رجليه، وقال ليس في ~~الرجلين غسل، إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح. ~~قال: وقال قتادة: # افترض الله مسحتين وغسلتين. قال: وذهب ابن جريب الطبري إلى أن فرضهما ~~التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين، وقواه النحاس ولكنه ~~قد ثبت في السنة المطهرة بالأحاديث الصحيحة من فعله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وقوله غسل الرجلين فقط، وثبت عنه أنه قال: " ويل للأعقاب من النار " ~~وهو في الصحيحين وغيرهما فأفاد وجوب غسل الرجلين، وأنه لا يجزئ مسحهما، لأن ~~شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ، فلو كان مجزئا لما قال " ويل ~~للأعقاب من النار " وقد ثبت عنه أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه: هذا وضوء ~~لا يقبل الله الصلاة إلا به. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رجلا توضأ فترك ~~على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له: ارجع فأحسن وضوءك. وأما المسح على ~~الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة. وقوله (إلى الكعبين) الكلام فيه ~~كالكلام في قوله (إلى المرافق) وقد قيل في وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب ~~إنه لما كان في كل رجل كعبان ولم يكن في كل يد إلا مرفق واحد ثنيت الكعاب ~~تنبيها على أن لكل رجل كعبين، بخلاف المرافق فإنها جمعت لأنه لما كان في كل ~~يد مرفق واحد لم يتوهم وجود غيره، ذكر معنى هذا ابن عطية. وقال الكواشي: ~~ثنى الكعبين وجمع المرافق لنفى ms0951 توهم أن من كل وحدة امن الرجلين كعبين، ~~وإنما في كل واحدة كعب واحد له طرفان من جانبي الرجل، بخلاف المرفق فهي ~~أبعد عن الوهم انتهى. # وبقى من فرائض الوضوء النية والتسمية ولم يذكرا في هذه الآية، بل وردت ~~بهما السنة، وقيل إن في هذه الآية ما يدل على النية، لأنه لما قال - إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم - كان تقدير الكلام: فاغسلوا وجوهكم لها، ~~وذلك هو النية المعتبرة. قوله (وإن كنتم جنبا فاطهروا) أي فاغتسلوا بالماء. ~~وقد ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم ألبتة بل يدع ~~الصلاة حتى يجد الماء استدلالا بهذه الآية، وذهب الجمهور إلى وجوب التيمم ~~للجنابة مع عدم الماء، وهذه الآية هي للواجد، على أن التطهر هو أعم من ~~الحاصل بالماء أو بما هو عوض عنه مع عدمه، وهو التراب. وقد صح عن عمر وابن ~~مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور للأحاديث الصحيحة الواردة في تيمم الجنب ~~مع عدم الماء. وقد تقدم تفسير الجنب في النساء. قوله (وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) قد تقدم تفسير هذا في سورة النساء مستوفى، ~~وكذلك تقدم الكلام على ملامسة النساء وعلى التيمم وعلى الصعيد، ومن في قوله ~~(منه) لابتداء الغاية، وقيل للتبعيض. قيل ووجه تكرير هذا هنا لاستيفاء ~~الكلام في أنواع الطهارة (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) أي ما يريد ~~بأمركم بالطهارة بالماء أو بالتراب التضييق عليكم في الدين، ومنه قوله ~~تعالى - وما جعل عليكم في الدين من حرج - ثم قال (ولكن يريد ليطهركم) من ~~الذنوب، وقيل من الحدث الأصغر والأكبر (وليتم نعمته عليكم) أي بالترخيص لكم ~~في التيمم PageV02P018 # عند عدم الماء أو بما شرعه لكم من الشرائع التي عرضكم بها للثواب (لعلكم ~~تشكرون) نعمته عليكم فتستحقون بالشكر ثواب الشاكرين. # وقد أخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن زيد بن ~~أسلم في قوله (إذا قمتم إلى الصلاة) قال قمتم من المضاجع، يعنى ms0952 النوم. ~~وأخرج ابن جرير عن السدى مثله. وأخرج ابن جرير أيضا عنه يقول: # إذا قمتم وأنتم على غير طهر. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله ~~(فاغسلوا وجوهكم) قال: ذلك الغسل الدلك. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ~~وابن جرير عن أنس أنه قيل له: إن الحجاج خطبنا فقال: # اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شئ من ابن آدم ~~أقرب إلى الخبث من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. قال أنس: ~~صدق الله وكذب الحجاج، قال الله (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) وكان أنس إذا ~~مسح قدميه بلهما. وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ~~اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على غسل القدمين. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (من حرج) قال: من ضيق. ~~وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله (وليتم نعمته عليكم) ~~قال: تمام النعمة دخول الجنة، لم يتم نعمته على عبد لم يدخل الجنة. # سورة المائدة الآية (7 - 11) (نعمة الله) قيل هي الإسلام. والميثاق: ~~العهد، قيل المراد به هنا: ما أخذه على بني آدم كما قال وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم - الآية. قال مجاهد وغيره: نحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الله به، وقيل ~~هو خطاب لليهود، والعهد: ما أخذه عليهم في التوراة. وذهب جمهور المفسرين من ~~السلف ومن بعدهم إلى أنه العهد الذي أخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليلة العقبة عليهم، وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأضافه تعالى إلى ~~نفسه لأنه عن أمره وإذنه كما قال - إنما يبايعون الله -، وبيعة العقبة ~~مذكورة في كتب السير، وهذا متصل بقوله - أوفوا بالعقود. قوله (إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا) أي وقت قولكم هذا القول، وهذا متعلق بواثقكم، أو بمحذوف وقع ~~حالا: أي كائنا هذا الوقت. و (ذات الصدور): ما تخفيه الصدور لكونها مختصة ~~بها لا يعلمها أحد. ولهذا أطلق عليها ذات التي بمعنى الصاحب، وإذا كان ms0953 ~~سبحانه عالما بها فكيف بما كان ظاهرا جليا. قوله (يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين) قد تقدم تفسيرها في النساء، وصيغة المبالغة في (قوامين) تفيد ~~أنهم مأمورون بأن يقوموا PageV02P019 # بها أتم قيام (لله) أي لأجله تعظيما لأمره وطمعا في ثوابه. والقسط: ~~العدل. وقد تقدم الكلام على قوله (يجرمنكم) مستوفى: أي لا يحملنكم بغض قوم ~~على ترك العدل وكتم الشهادة (اعدلوا هو) أي العدل المدلول عليه بقوله ~~اعدلوا (أقرب للتقوى) التي أمرتم بها غير مرة: أي أقرب لأن تتقوا الله، أو ~~لأن تتقوا النار. قوله (لهم مغفرة وأجر عظيم) هذه الجملة في محل نصب على ~~أنها المفعول الثاني لقوله (وعد) على معنى وعدهم أن لهم مغفرة، أو وعدهم ~~مغفرة فوقعت الجملة موقع المفرد فأغنت عنه، ومثله قول الشاعر: # وجدنا الصالحين لهم جزاء * وجنات وعينا سلسبيلا قوله (أصحاب الجحيم) أي ~~ملابسوها. قوله (إذ هم قوم) ظرف لقوله (اذكروا) أو للنعمة أو لمحذوف وقع ~~حالا منها (أن يبسطوا) أي بأن يبسطوا. وقوله (فكف) معطوف على قوله (هم) ~~وسيأتي بيان سبب نزول هذه الآية، وبه يتضح المعنى. # وقد أخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس في قوله (إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا) يعنى حين بعث الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل عليه ~~الكتاب قالوا آمنا بالنبي والكتاب وأقررنا بما في التوراة، فذكرهم الله ~~ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم وأمرهم بالوفاء به. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: # النعم الآلاء، وميثاقه الذي واثقهم به قال الذي واثق به بني آدم في ظهر ~~آدم عليه السلام. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في قوله (يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) الآية. قال: نزلت في يهود خيبر، ذهب ~~إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستفتيهم في دية فهموا أن يقتلوه، ~~فذلك قوله (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا) الآية. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في ms0954 الدلائل عن جابر بن ~~عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل منزلا فتفرق الناس في ~~العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلاحه بشجرة، ~~فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فسله، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: # من يمنعك مني؟ قال: الله، قال الأعرابي: مرتين أو ثلاثا من يمنعك مني؟ ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # الله، فسام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه ~~فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. قال معمر: وكان قتادة ~~يذكر نحو هذا. ويذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي، ويتأول (اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) الآية. وأخرج الحاكم وصححه عنه بنحوه، وذكر ~~أن اسم الرجل غورث بن الحارث، وأنه لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~" الله " سقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: من ~~يمنعك منى؟ قال: كن خير آخذ، قال: فشهد أن لا إله إلا الله. وأخرجه أيضا ~~ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل عنه. # وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس: أن بني النضير هموا أن يطرحوا ~~حجرا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه، فجاء جبريل فأخبره بما ~~هموا. فقام ومن معه. فنزلت (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~هم قوم) الآية، وروى نحو هذا من طرق عن غيره، وقصة الأعرابي وهو غورث ~~المذكور ثابتة في الصحيح. PageV02P020 # سورة المائدة الآية (12 - 14) قوله (ولقد أخذ الله) كلام مستأنف يتضمن ~~ذكر بعض ما صدر من بني إسرائيل من الخيانة. وقد تقدم بيان الميثاق الذي ~~أخذه الله عليهم. واختلف المفسرون في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع ~~منهم على أن النقيب كبير القوم العالم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم ~~فيها. والنقاب: الرجل العظيم الذي هو في الناس على ms0955 هذه الطريقة، ويقال نقيب ~~القوم لشاهدهم، وضمينهم. والنقيب: الطريق في الجبل هذا أصله، وسمى به نقيب ~~القوم لأنه طريق إلى معرفة أمورهم. والنقيب: أعلى مكانا من العريف، فقيل ~~المراد ببعث هؤلاء النقباء أنهم بعثوا أمناء على الاطلاع على الجبارين ~~والنظر في قوتهم ومنعتهم فساروا ليختبروا حال من بها ويخبروا بذلك، فاطلعوا ~~من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها، فتعاقدوا بينهم على ~~أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى، فلما انصرفوا إلى بني ~~إسرائيل خان منهم عشرة فأخبروا قراباتهم، ففشا الخبر حتى بطل أمر الغزو ~~وقالوا - اذهب أنت وربك فقاتلا - وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم ~~على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله، وهذا معنى بعثهم، وسيأتي ذكر بعض ما قاله ~~جماعة من السلف في ذلك. قوله (وقال الله إني معكم) أي قال ذلك لبني ~~إسرائيل، وقيل للنقباء، والمعنى: إني معكم بالنصر والعون، واللام في قوله ~~(لئن أقمتم الصلاة) هي الموطئة للقسم المحذوف، وجوابه (لأكفرن) وهو ساد مسد ~~جواب الشرط. والتعزير: التعظيم والتوقير، وأنشد أبو عبيدة: # وكم من ماجد لهم كريم * ومن ليث يعزر في الندى أي يعظم ويوقر. ويطلق ~~التعزير على الضرب والرد، يقال عزرت فلانا: إذا أدبته ورددته عن القبيح، ~~فقوله (وعزرتموهم) أي عظمتموهم على المعنى الأول، أو رددتم عنهم أعداءهم ~~ومنعتموهم على الثاني. قوله (وأقرضتم الله قرضا حسنا) أي أنفقتم في وجوه ~~الخير - و (قرضا) مصدر محذوف الزوائد كقوله تعالى - وأنبتها نباتا حسنا - ~~أو مفعول ثان لأقرضتم. والحسن: قيل هو ما طابت به النفس، وقيل ما ابتغى به ~~وجه الله، وقيل الحلال، قوله (فمن كفر بعد ذلك) أي بعد الميثاق أو بعد ~~الشرط المذكور (فقد ضل سواء السبيل) أي أخطأ وسط الطريق. # قوله (فيما نقضهم ميثاقهم) الباء سببية وما زائدة، أي فبسبب نقضهم ~~ميثاقهم (لعناهم) أي طردناهم وأبعدناهم (وجعلنا قلوبهم قاسية) أي صلبة لا ~~تعي خيرا ولا تعقله. وقرأ حمزة والكسائي " قسية " بتشديد الياء من غير ألف، ~~وهي قراءة ابن ms0956 مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب، يقال درهم قسى مخفف السين مشدد ~~الياء: أي زائف، ذكر ذلك أبو عبيد. وقال الأصمعي وأبو عبيدة: درهم قسى كأنه ~~معرب قاس. وقرأ الأعمش " قسية " بتخفيف الياء. PageV02P021 # وقرأ الباقون (قاسية) (يحرفون الكلم عن مواضعه) الجملة مستأنفة لبيان ~~حالهم أو حالية: أي يبدلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله. وقرأ السلمي ~~والنخعي " الكلام ". قوله (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) أي لا تزال يا ~~محمد تقف على خائنة منهم، والخائنة: الخيانة، وقيل هو نعت لمحذوف، والتقدير ~~فرقة خائنة، وقد تقع للمبالغة نحو علامة ونسابة إذا أردت المبالغة في وصفه ~~بالخيانة، وقيل خائنة معصية. قوله (إلا قليلا منهم) استثناء من الضمير في ~~منهم (فاعف عنهم واصفح) قيل هذا منسوخ بآية السيف، وقيل خاص بالمعاهدين. ~~قوله (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) الجار والمجرور متعلق ~~بقوله (أخذنا) والتقديم للاهتمام، والتقدير: وأخذنا من الذين قالوا إنا ~~نصارى ميثاقهم: أي في التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما ~~جاء به. قال الأخفش هو كقولك أخذت من زيد ثوبه ودرهمه، فرتبة الذين بعد ~~أخذنا. وقال الكوفيون بخلافه، وقيل إن الضمير في قوله (ميثاقهم) راجع إلى ~~بني إسرائيل: أي أخذنا من النصارى مثل ميثاق المذكورين قبلهم من بني ~~إسرائيل، وقال (من الذين قالوا إنا نصارى) ولم يقل ومن النصارى للإيذان ~~بأنهم كاذبون في دعوى النصرانية وأنهم أنصار الله. قوله (فنسوا حظا مما ~~ذكروا به) أي نسوا من الميثاق المأخوذ عليهم نصيبا وافرا عقب أخذه عليهم ~~(فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء) أي ألصقنا ذلك بهم، مأخوذ من الغراء: وهو ~~ما يلصق الشئ بالشيء كالصمغ وشبهه يقال غرى بالشيء يغرى غريا بفتح الغين ~~مقصورا، وغراء بكسرها ممدودا، أي أولع به حتى كأنه صار ملتصقا به، ومثل ~~الإغراء التحرش، وأغريت الكلب: أي أولعته بالصيد، والمراد بقوله (بينهم) ~~اليهود والنصارى لتقدم ذكرهم جميعا، وقيل بين النصارى خاصة، لأنهم أقرب ~~مذكور، وذلك لأنهم افترقوا إلى اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكفر ~~بعضهم بعضا، وتظاهروا بالعداوة في ذات ms0957 بينهم. قال النحاس: وما أحسن ما قيل ~~في معنى (أغرينا بينهم العداوة والبغضاء) إن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار ~~وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها. # قوله (وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) تهديد لهم: أي سيلقون جزاء نقض ~~الميثاق. # وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله (ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل) قال: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره (وبعثنا منهم ~~اثنى عشر نقيبا) أي كفيلا كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من ~~العهود فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله (اثنى عشر نقيبا) قال: من كل سبط من بني إسرائيل ~~رجال أرسلهم موسى إلى الجبارين فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا ~~يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا ~~نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا ~~يوشع بن نون وكالب بن يافنة، فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم ~~فعصوهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما، فتاهت بنو ~~إسرائيل أربعين سنة يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم ذلك، فضرب ~~موسى الحجر لكل سبط عينا حجرا لهم يحملونه معهم، فقال لهم موسى: اشربوا يا ~~حمير، فنهاه الله عن سبهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (اثنى عشر نقيبا) قال: هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى ~~المدينة فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر رجل، فقال: اقدروا قوة قوم وبأسهم وهذه ~~فاكهتهم، فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال (فأذهب أنت وربك فقاتلا) ~~وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط، وأسماؤهم مذكورة في السفر الرابع ~~من التوراة، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (وعزرتموهم) قال: أعنتموهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله (وعزرتموهم) PageV02P022 # قال: نصرتموهم. ms0958 وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فبما نقضهم ميثاقهم) ~~قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه. وأخرج ابن جرير عنه في ~~قوله (يحرفون الكلم عن مواضعه) يعنى حدود الله، يقولون إن أمركم محمد بما ~~أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله (ونسوا حظا مما ذكروا به) قال: نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) قال: هم ~~يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم دخل عليهم ~~حائطهم، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في ~~قوله (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) قال: # كذب وفجور، وفى قوله (فاعف عنهم واصفح) قال: لم يؤمر يومئذ بقتالهم، ~~فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح ثم نسخ ذلك في براءة فقال - قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر - الآية. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن ~~المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة) قال: أغرى بعضهم ببعض بالخصومات والجدال في الدين. # سورة المائدة الآية (15 - 16) الألف واللام في الكتاب للجنس والخطاب ~~لليهود والنصارى (قد جاءكم رسولنا) أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حال ~~كونه (يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب) المنزل عليكم، وهو التوراة ~~والإنجيل: كآية الرجم وقصة أصحاب السبت الممسوخين قردة (ويعفوا عن كثير) ~~مما تخفونه. فيترك بيانه لعدم اشتماله على ما يجب بيانه عليه من الأحكام ~~الشرعية، فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرد افتضاحكم، ~~وقيل المعنى: إنه يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به، وقيل يعفو عن كثير ~~منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم والجملة في محل نصب عطفا على الجملة ~~الحالية: أعني قوله (يبين لكم). قوله (قد جاءكم من الله نور) جملة مستأنفة ~~مشتملة على بيان أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ms0959 قد تضمنت بعثته فوائد ~~غير ما تقدم من مجرد البيان. قال الزجاج: النور محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقيل الإسلام. والكتاب المبين: القرآن، فإنه المبين، والضمير في قوله ~~(يهدى به) راجع إلى الكتاب أو إليه وإلى النور لكونهما كالشئ الواحد (من ~~اتبع رضوانه) أي ما رضيه الله، و (سبل السلام) طرق السلامة من العذاب ~~الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، وقيل المراد بالسلام: الإسلام ~~(ويخرجهم من الظلمات) الكفرية (إلى النور) الإسلامي (ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم) إلى طريق يتوصلون بها إلى الحق لا عوج فيها ولا مخافة. # وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله (رسولنا) قال: هو محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج ابن جرير أيضا عن عكرمة قال: إن نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم فقال: أيكم أعلم؟ # فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى والذي رفع ~~الطور بالمواثيق التي أخذت عليهم حتى أخذه أفكل، فقال: إنه لما كثر فينا ~~جلدنا مائة جلدة وحالقنا الرؤوس، فحكم عليهم بالرجم، فنزلت هذه الآية. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ~~(ويعفو عن كثير) يقول PageV02P023 # عن كثير من الذنوب. وأخرج ابن جرير عن السدى قال (سبل السلام) هي سبيل ~~الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه وابتعث به رسله: وهو الإسلام. # سورة المائدة الآية (17 - 18) ضمير الفصل في قوله (هو المسيح) يفيد ~~الحصر، قيل وقد قال بذلك بعض طوائف النصارى، وقيل لم يقل به أحد منهم، ولكن ~~استلزم قولهم (إن الله هو المسيح) لا غيره، وقد تقدم في آخر سورة النساء ما ~~يكفي ويغنى عن التكرار. قوله (قل فمن يملك من الله شيئا) الاستفهام للتوبيخ ~~والتقريع، والملك، والملك: الضبط والحفظ والقدرة، من قولهم ملكت على فلان ~~أمره: أي قدرت عليه: أي فمن يقدر أن يمنع (إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ومن في الأرض جميعا) وإذا لم يقدر أحد أن ms0960 يمنع من ذلك فلا إله إلا ~~الله ولا رب غيره ولا معبود بحق سواه، ولو كان المسيح إلها كما تزعم ~~النصارى لكان له من الأمر شئ، ولقدر على أن يدفع عن نفسه أقل حال ولم يقدر ~~على أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها، وتخصيصها بالذكر مع دخولها في ~~عموم من في الأرض لكون الدفع منه عنها أولى وأحق من غيرها، فهو إذا لم يقدر ~~على الدفع عنها أعجز عن أن يدفع عن غيرها، وذكر من في الأرض للدلالة على ~~شمول قدرته، وأنه إذا أراد شيئا كان لا معارض له في أمره ولا مشارك له في ~~قضائه (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما) أي ما بين النوعين من ~~المخلوقات. قوله (يخلق ما يشاء) جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنه سبحانه خالق ~~الخلق بحسب مشيئته، وأنه يقدر على كل شئ لا يستصعب عليه شئ. قوله (وقالت ~~اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) أثبتت اليهود لأنفسها ما أثبتته ~~لعزير حيث قالوا - عزير ابن الله - وأثبتت النصارى لأنفسها ما أثبتته ~~للمسيح حيث قالوا - المسيح ابن الله - وقيل هو على حذف مضاف: أي نحن أتباع ~~أبناء الله، وهكذا أثبتوا لأنفسهم أنهم أحباء الله بمجرد الدعوى الباطلة ~~والأماني العاطلة، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد ~~عليهم، فقال (قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي إن كنتم كما تزعمون. فما باله ~~يعذبكم بما تقترفونه من الذنوب بالقتل والمسخ وبالنار في يوم القيامة كما ~~تعترفون بذلك لقولكم (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) فإن الابن من جنس ~~أبيه لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب وأنتم تذنبون، والحبيب لا يعذب حبيبه ~~وأنتم تعذبون، فهذا يدل على أنكم كاذبون في هذه الدعوى. وهذا البرهان هو ~~المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف. قوله (بل أنتم بشر ممن خلق) عطف على ~~مقدر يدل عليه الكلام: أي فلستم حينئذ كذلك (بل أنتم بشر ممن خلق) أي من ~~جنس من خلقه الله تعالى يحاسبهم على الخير والشر، ويجازى كل عامل ms0961 بعمله ~~(يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء PageV02P024 # ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما) من الموجودات (وإليه المصير) أي ~~تصيرون إليه عند انتقالكم من دار الدنيا إلى دار الآخرة. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعمان بن ~~أضاء وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد (نحن ~~أبناء الله وأحباؤه) كقول النصارى فأنزل الله فيهم (وقالت اليهود والنصارى) ~~إلى آخر الآية. وأخرج أحمد في مسنده عن أنس قال " مر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ~~ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول ابني ابني. فسعت فأخذته، فقال القوم: يا ~~رسول الله ما كانت هذه لتلقى ابنها في النار؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لا والله لا يلقى حبيبه في النار ". وإسناده في المسند هكذا: ~~حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكره. ومعنى الآية يشير إلى معنى هذا ~~الحديث، ولهذا قال بعض مشايخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن ~~الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا الصوفي هذه الآية. # وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا ~~والله لا يعذب الله حبيبه، ولكن قد يبتليه في الدنيا ". وأخرج ابن جرير عن ~~السدى في قوله (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) يقول: يهدى منكم من يشاء في ~~الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه. # سورة المائدة الآية (18 - 19) المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، ~~والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم (ويبين لكم) حال. والمبين هو ما شرعه ~~الله لعباده وحذف للعلم به، لأن بعثة الرسل إنما هي بذلك. والفترة أصلها ~~السكون، يقال فتر الشئ: # سكن، وقيل هي ms0962 الانقطاع. قاله أبو علي الفارسي وغيره، ومنه فتر الماء: إذا ~~انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة، وفتر الرجل عن عمله: إذا انقطع ~~عما كان عليه من الجد فيه، وامرأة فاترة الطرف: أي منقطعة عن حدة النظر. ~~والمعنى: أنه انقطع الرسل قبل بعثه صلى الله عليه وآله وسلم مدة من الزمان. ~~واختلف في قدر مدة تلك الفترة وسيأتي بيان ذلك. قوله (أن تقولوا ما جاءنا ~~من بشير ولا نذير) تعليل لمجئ الرسول بالبيان على حين فترة: أي كراهة أن ~~تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم. و " من " في قوله (من بشير) زائدة ~~للمبالغة في نفى المجئ، والفاء في قوله (فقد جاءكم) هي الفصيحة مثل قول ~~الشاعر: فقد جئنا خراسانا * أي لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير، وهو محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم (والله على كل شئ قدير)، ومن جملة مقدوراته إرسال ~~رسوله على فترة من الرسل. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهود إلى ~~الإسلام، فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن ~~عبادة وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا ~~بصفته، فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا: ما قلنا لكم PageV02P025 # هذا وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده، ~~فأنزل الله (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل) ~~الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: # هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالحق الذي فرق الله به بين الحق ~~والباطل فيه بيان وموعظة ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به. قال: وكانت الفترة ~~بين عيسى ومحمد ستمائة سنة وما شاء الله من ذلك. وأخرج ms0963 عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير عنه قال كانت خمسمائة سنة وستين سنة. وقال الكلبي: خمسمائة ~~سنة وأربعين سنة. # وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانت خمسمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن ~~الضحاك قال: كانت أربعمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة. وأخرج ابن سعد في كتاب ~~الطبقات عن ابن عباس قال: كان بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة ولم يكن ~~بينهما فترة، فإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من ~~غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة سنة ~~وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء كما قال الله تعالى - إذ أرسلنا ~~إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث - والذي عزز به شمعون وكان من ~~الحواريين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعة ~~وثلاثين سنة. وقد قيل غير ما ذكرناه. # سورة المائدة الآية (20 - 26) هذه الآيات متضمنة للبيان من الله سبحانه ~~بأن أسلاف اليهود الموجودين في عصر محمد صلى الله عليه وآله وسلم تمردوا ~~على موسى وعصوه كما تمرد هؤلاء على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وعصوه، ~~وفى ذلك تسلية له صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عن عبد الله بن كثير أنه ~~قرأ (يا قوم اذكروا) بضم الميم وكذا قرأ فيما أشبهه، وتقديره: يا أيها ~~القوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء: أي وقت هذا الجعل، ~~وإيقاع الذكر على الوقت مع كون المقصود ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة، ~~لأن الأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما وقع فيه بطريق الأولى، وامتن عليهم ~~سبحانه بجعل الأنبياء فيهم مع كونه قد جعل الأنبياء من غيرهم، لكثرة من ~~بعثه من الأنبياء منهم قوله (وجعلكم ملوكا) أي وجعل منكم ملوكا، وإنما حذف ~~حرف الجر لظهور أن معنى الكلام على تقديره، PageV02P026 # ويمكن أن يقال إن منصب النبوة لما كان لعظم قدره وجلالة خطره بحيث لا ~~ينسب إلى غير من هو له قال فيه (إذ جعل فيكم أنبياء) ولما ms0964 كان منصب الملك ~~مما يجوز نسبته إلى غير من قال به كما تقول قرابة الملك نحن الملوك، قال ~~فيه (وجعلكم ملوكا) وقيل المراد بالملك: أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا ~~مملوكين لفرعون، فهم جميعا ملوك بهذا المعنى: وقيل معناه: أنه جعلهم ذوي ~~منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن، وقيل غير ذلك. والظاهر أن المراد من ~~الآية الملك الحقيقي، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى. ~~فإن قلت: قد جعل غيرهم ملوكا كما جعلهم. قلت: قد كثر الملوك فيهم كما كثر ~~الأنبياء، فهذا وجه الامتنان. قوله (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) أي ~~من المن والسلوى والحجر والغمام وكثرة الأنبياء وكثرة الملوك وغير ذلك. ~~والمراد عالمي زمانهم. وقيل إن الخطاب هاهنا لأمة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وهو عدول عن الظاهر لغير موجب، والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين ~~من أنه من كلام موسى لقومه وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيدا لما بعده من ~~أمره لهم بدخول الأرض المقدسة. # وقد اختلف في تعيينها، فقال قتادة: هي الشام، وقال مجاهد: الطور وما ~~حوله، وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: أريحاء، وقال الزجاج، دمشق وفلسطين ~~وبعض الأردن. وقول قتادة يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده. والمقدسة: ~~المطهرة، وقيل المباركة (التي كتب الله لكم) أي قسمها وقدرها لهم في سابق ~~علمه وجعلها مسكنا لكم (ولا ترتدوا على أدباركم) أي لا ترجعوا عن أمري ~~وتتركوا طاعتي وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين جبنا وفشلا (فتنقلبوا) ~~بسبب ذلك (خاسرين) لخير الدنيا والآخرة (قالوا يا موسى إن فيها قوما ~~جبارين) قال الزجاج الجبار من الآدميين العاثي، وهو الذي يجبر الناس على ما ~~يريد، وأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه، فإنه يجبر غيره على ما يريده، ~~يقال أجبره: إذا أكرهه، وقيل هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا ~~المصلح لأمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعا بحق أو باطل، وقيل ~~إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه. قال ms0965 الفراء: لم أسمع فعالا من أفعل ~~إلا في حرفين، جبار من أجبر، ودراك من أدرك. والمراد هنا: أنهم قوم عظام ~~الأجسام طوال متعاظمون، قيل هم قوم من بقية قوم عاد، وقيل هم من ولد عيص بن ~~إسحاق، وقيل هم من الروم: ويقال إن منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط، ~~وعنق هي بنت آدم، قيل كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ~~ذراعا وثلث ذراع. قال ابن كثير: وهذا شئ يستحيا من ذكره، ثم هو مخالف لما ~~ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله خلق ~~آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص " ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان ~~كافرا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل ~~إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من ~~الكافرين فقال - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا -، وقال تعالى - ~~فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين - وقال تعالى - ~~لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم -. وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف ~~يبقى عوج بن عنق وهو كافر ولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في ~~وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم، انتهى كلامه. # قلت: لم يأت في أمر هذا الرجل ما يقتضى تطويل الكلام في شأنه، وما هذا ~~بأول كذبة اشتهرت في الناس، ولسنا بملزومين بدفع الأكاذيب التي وضعها ~~القصاص ونفقت عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم، فكم في بطون دفاتر ~~التفاسير من أكاذيب وبلايا وأقاصيص كلها حديث خرافة، وما أحق من لا تمييز ~~عنده لفن الرواية ولا معرفة به أن يدع التعرض لتفسير كتاب الله، ويضع هذه ~~الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها من كتب PageV02P027 # القصاص. قوله (فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) هذا تصريح بما هو مفهوم من ~~الجملة التي قبل هذه الجملة لبيان ms0966 أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا ~~السبب. قوله (قال رجلان) هما يوشع وكالب بن يوفنا أو ابن فانيا، وكانا من ~~الاثني عشر نقيبا كما مر بيان ذلك. وقوله (من الذين يخافون) أي يخافون من ~~الله عز وجل، وقيل من الجبارين أي هذان الرجلان من جملة القوم الذين يخافون ~~من الجبارين، وقيل من الذين يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم وقيل إن الواو ~~في (يخافون) لبني إسرائيل: أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل. وقرأ مجاهد ~~وسعيد بن جبير " يخافون " بضم الياء: أي يخافهم غيرهم. قوله (أنعم الله ~~عليهما) في محل رفع على أنه صفة ثانية لرجلان، بالإيمان واليقين بحصول ما ~~وعدوا به من النصر والظفر (ادخلوا عليهم الباب) أي باب بلد الجبارين (فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون) قالا هذه المقالة لبني إسرائيل. والظاهر أنهما قد ~~علما بذلك من خبر موسى، أو قالاه ثقة بوعد الله، أو كانا قد عرفا أن ~~الجبارين قد ملئت قلوبهم خوفا ورعبا (قالوا) أي بنو إسرائيل لموسى (إنا لن ~~ندخلها أبدا ما داموا فيها) وكان هذا القول منهم فشلا وجبنا أو عنادا وجرءة ~~على الله، وعلى رسوله (فاذهب أنت وربك فقاتلا) قالوا هذا جهلا بالله عز وجل ~~وبصفاته وكفرا بما يجب له، أو استهانة بالله ورسوله، وقيل أرادوا بالذهاب ~~الإرادة والقصد، وقيل أرادوا بالرب هارون، وكان أكبر من موسى، وكان موسى ~~يطيعه (إنا هاهنا قاعدون) أي لا نبرح هاهنا لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا ~~الموضع، وقيل أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر (قال) موسى (رب إني لا ~~أملك إلا نفسي وأخي) يحتمل أن يعطف وأخي على نفسي، وأن يعطف على الضمير في ~~(إني) أي إني لا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه، قال هذا تحسرا ~~وتحزنا واستجلابا للنصر من الله عز وجل (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) ~~أي افصل بيننا: يعنى نفسه وأخاه وبين القوم الفاسقين وميزنا عن جملتهم ولا ~~تلحقنا بهم في العقوبة، وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم، وقيل إنما أراد ms0967 في ~~الآخرة وقرأ عبيد بن عمير (فافرق) بكسر الراء (قال فإنها) أي الأرض المقدسة ~~(محرمة عليهم) أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين (أربعين ~~سنة) ظرف للتحريم: أي أنه محرم عليهم دخولها هذه المدة لا زيادة عليها، فلا ~~يخالف هذا التحريم ما تقدم من قوله (التي كتب الله لكم) فإنها مكتوبة لمن ~~بقى منهم بعد هذه المدة، وقيل إنه لم يدخلها أحد ممن قال (إنا لن ندخلها) ~~فيكون توقيت التحريم بهذه المدة باعتبار ذراريهم، وقيل إن (أربعين سنة) ظرف ~~لقوله (يتيهون في الأرض) أي يتيهون هذا المقدار فيكون التحريم مطلقا. ~~والموقت: هو التيه، وهو في اللغة الحيرة، يقال منه تاه يتيه تيها أو توها ~~إذا تحير، فالمعنى: يتحيرون في الأرض، قيل إن هذه الأرض التي تاهوا فيها ~~كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، ~~وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لاقرار لهم. # واختلف أهل العلم هل كان معهم موسى وهارون أم لا؟ فقيل لم يكونا معهم، ~~لأن التيه عقوبة، وقيل كانا معهم لكن سهل الله عليهما ذلك كما جعل النار ~~بردا وسلاما على إبراهيم. وقد قيل كيف يقع هذا لجماعة من العقلاء في مثل ~~هذه الأرض اليسيرة في هذه المدة الطويلة؟ قال أبو علي: يكون ذلك بأن يحول ~~الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا إلى المكان الذي ابتدأوا منه. وقد يكون ~~بغير ذلك من الأسباب المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة ~~للعادة. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في ~~قوله (وجعلكم ملوكا) قال: # ملكهم الخدم، وكانوا أول من ملك الخدم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~الآية قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار ~~سمي ملكا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عنه PageV02P028 # في الآية قال " الزوجة والخادم والبيت ". وأخرج الفريابي وابن جرير وابن ~~المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضا في قوله (وجعلكم ms0968 ~~ملوكا) قال: المرأة والخدم (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) قال: # الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم ~~خادم أو دابة وامرأة كتب ملكا ". وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار في ~~الموقفيات عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من ~~كان له بيت وخادم فهو ملك ". # وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في الآية قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " زوجة ومسكن وخادم ". وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأله رجل: ألسنا من فقراء ~~المهاجرين؟ قال: ألك امرأة تأوى إليها؟ قال نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال ~~نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: إن لي خادما، قال: فأنت من الملوك. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (وجعلكم ملوكا) قال: ~~جعل لهم أزواجا وخدما وبيوتا (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) قال: # المن والسلوى والحجر والغمام. وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس ~~في الآية قال: المن والسلوى والحجر والغمام، وقد ثبت في الحديث الصحيح " من ~~أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ~~بحذافيرها ". وأخرج ابن جرير عنه في قوله (ادخلوا الأرض المقدسة) قال: ~~الطور وما حوله. وأخرج عنه أيضا قال: هي أريحاء. وأخرج ابن عساكر عن معاذ ~~بن جبل قال: هي ما بين العريش إلى الفرات. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~عن قتادة قال: هي الشام. وأخرج ابن جرير عن السدى في قوله (التي كتب الله ~~لكم) قال: التي أمركم الله بها. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: ~~أمر القوم بها كما أمرنا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس أمر ms0969 موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه ~~حتى نزل قريبا من المدينة وهي أريحاء، فبعث إليهم اثنى عشر عينا من كل سبط ~~منهم عين ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم ~~وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من ~~حائطه، فجعل يجتنى الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم ~~أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط الاثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع ~~الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا ~~اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، ~~فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول: اكتم عنى، فأشيع ذلك ~~في عسكرهم ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وهما اللذان ~~أنزل الله فيهما (قال رجلان من الذين يخافون) وقد روى نحو هذا مما يتضمن ~~المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم، ولا فائدة في بسط ذلك فغالبه من ~~أكاذيب القصاص كما قدمنا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (فافرق) يقول اقض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه يقول: افصل بيننا ~~وبينهم. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله (فإنها محرمة عليهم) قال: أبدا، ~~وفى قوله (يتيهون في الأرض) قال: أربعين سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من ~~جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي ~~قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها وهو الذي قيل له اليوم يوم جمعة، ~~فهموا بافتتاحها فدنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، ~~فنادى الشمس إني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من ~~الأموال ما لم ير مثله قط، PageV02P029 # فقربوه إلى النار فلم تأت، فقال فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا ~~عشر رجلا فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده، ms0970 فقال: الغلول عندك فأخرجه، ~~فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع ~~القربان فأتت النار فأكلتها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خلق لهم في ~~التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن. # سورة المائدة الآية (27 إلى 31) وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله ~~على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء ~~قديم، والشر أصيل. # وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين هل هما لصلبه أم لا؟ فذهب ~~الجمهور إلى الأول. وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا: إنهما كانا من ~~بني إسرائيل فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة ~~فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال ابن عطية: وهذا ~~وهم كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدى بالغراب؟ قال ~~الجمهور من الصحابة فمن بعدهم: واسمهما قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل ~~حزمة من سنبل، لأنه كان صاحب زرع واختارها من أردأ زرعه، حتى إنه وجد فيها ~~سنبلة طيبة ففركها وأكلها، وكان قربان هابيل كبشا لأنه كان صاحب غنم أخذه ~~من أجود غنمه، فتقبل قربان هابيل فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن ~~فدى به الذبيح عليه السلام، كذا قال جماعة من السلف، ولم يتقبل قربان ~~قابيل. # فحسده وقال لأقتلنك. وقيل سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ~~ذكرا وأنثى. إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا، وكان آدم عليه ~~السلام يزوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من البطن الآخر. ولا تحل له أخته ~~التي ولدت معه، فولدت مع قابيل أخت جميلة واسمها إقليما، ومع هابيل أخت ~~ليست كذلك واسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، ~~فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على القربان وأنه يتزوجها من ~~تقبل قربانه. قوله (بالحق) متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر (واتل) أي تلاوة ~~متلبسة بالحق. # أو صفة لنبأ: أي نبأ متلبسا بالحق، والمراد ms0971 بأحدهما هابيل وبالآخر قابيل. ~~و (قال لأقتلنك) استئناف بياني كأنه فماذا قال الذي لم يتقبل قربانه؟ وقوله ~~(قال إنما يتقبل الله من المتقين) استئناف كالأول كأنه قيل: فماذا قال الذي ~~تقبل قربانه؟ وإنما للحصر: أي إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من ~~غيرهم، وكأنه يقول لأخيه: إنما أتيت PageV02P030 # من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك. قوله (لئن ~~بسطت إلى يدك لتقتلني) أي لأن قصدت قتلى، واللام هي الموطئة، و (ما أنا ~~بباسط) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط، وهذا استسلام للقتل من هابيل، كما ~~ورد في الحديث إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم، وتلا النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم هذه الآية " قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل ~~أحد سيفا وأن لا يمتنع ممن يريد قتله قال القرطبي: قال علماؤنا: وذلك مما ~~يجوز ورود التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعا، وفى وجوب ذلك عليه ~~خلاف. والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر. وفى الحشوية قوم لا ~~يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك ~~القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب التذكرة، انتهى ~~كلام القرطبي. وحديث أبي ذر المشار إليه هو عند مسلم وأهل السنن إلا ~~النسائي، وفيه " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: يا أبا ذر أرأيت ~~إن قتل الناس بعضهم بعضا كيف تصنع؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: اقعد في ~~بيتك وأغلق عليك بابك، قال: فإن لم أترك، قال: فأت من أنت منهم فكن فيهم، ~~قال: فآخذ سلاحي؟ قال: إذن تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يردعك ~~شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك " وفى معناه ~~أحاديث عن جماعة من الصحابة سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وخباب بن الأرت ~~وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى. قوله (إني أريد أن تبوء بإثمي ms0972 ~~وإثمك فتكون من أصحاب النار) هذا تعليل لامتناعه من المقاتلة بعد التعليل ~~الأول وهو (إني أخاف الله رب العالمين) اختلف المفسرون في المعنى فقيل: ~~أراد هابيل إني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على ~~قتلك، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي، وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي بسبب ~~سيأتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي وتبوء بإثمك في قتلي. وهذا يوافق معناه معنى ~~ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يؤتى يوم القيامة ~~بالظالم والمظلوم، فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ~~ينتصف، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه "، ومثله قوله ~~تعالى - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم - وقيل المعنى: إني أريد أن لا ~~تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى - في الأرض رواسي أن تميد بكم - أي أن ~~لا تميد بكم. وقوله - يبين الله لكم أن تضلوا - أي أن لا تضلوا. وقال أكثر ~~العلماء: إن المعنى (إني أريد أن تبوء بإثمي) أي بإثم قتلك لي (وإثمك) الذي ~~قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي. قال الثعلبي: هذا قول عامة المفسرين وقيل ~~هو على وجه الإنكار: أي أو إني أريد على وجه الإنكار كقوله تعالى - وتلك ~~نعمة - أي أو تلك نعمة. قاله القشيري. ووجهه بأن إرادة القتل معصية. وسئل ~~أبو الحسن بن كيسان كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار؟ فقال: ~~وقعت الإرادة بعد ما بسط يده إليه بالقتل، وهذا بعيد جدا، وكذلك الذي قبله. ~~وأصل باء رجع إلى المباءة، وهي المنزل - وباءوا بغضب من الله - أي رجعوا. ~~قوله (فطوعت له نفسه قتل أخيه) أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن ~~قتل أخيه طوع يده سهل عليه، يقال تطوع الشئ: أي سهل وانقاد وطوعه فلان له: ~~أي سهله. قال الهروي: طوعت وطاوعت واحد، يقال طاع له كذا: إذا أتاه طوعا، ~~وفى ذكر تطويع نفسه له بعد ما تقدم من قول قابيل (لأقتلنك) وقول ms0973 هابيل ~~(لتقتلني) دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة. قوله ~~(فقتله). قال ابن جرير ومجاهد وغيرهما: روى أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه ~~إبليس بطائر أو حيوان غيره. فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدى به قابيل ~~ففعل، وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية. قوله (فبعث الله غرابا ~~يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه) قيل إنه لما PageV02P031 # قتل أخاه لم يدر كيف يواريه لكونه أول ميت مات من بني آدم، فبعث الله ~~غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه، فما رآه ~~قابيل (قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي) ~~فواراه، والضمير المستكن في (ليريه) للغراب، وقيل لله سبحانه، و (كيف) في ~~محل نصب على الحال من ضمير (يوارى) والجملة ثاني مفعولي يريه. والمراد ~~بالسوءة هنا ذاته كلها لكونها ميتة، و (قال) استئناف جواب سؤال مقدر من سوق ~~الكلام، كأنه قيل: فماذا قال عند أن شاهد الغراب يفعل ذلك؟ و (يا ويلتى) ~~كلمة تحسر وتحزن، والألف بدل من ياء المتكلم كأنه دعا ويلته بأن تحضر في ~~ذلك الوقت، والويلة الهلكة، والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه ~~لمواراة أخيه كما اهتدى الغراب إلى ذلك (فأواري) بالنصب على أنه جواب ~~الاستفهام، وقرئ بالسكون على تقدير فأنا أوارى (فأصبح من النادمين) على ~~قتله، وقيل لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده، لا على قتله، وقيل غير ذلك. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ~~ابن عباس قال " نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وأن ينكحها غيره من ~~إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة ~~وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك ~~أختي، فقال: # لا، أنا أحق بأختي، فقربا قربانا، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، ~~وصاحب الحرث بصبرة من طعام فتقبل من ms0974 صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع ~~". قال ابن كثير في تفسيره: إسناده جيد، وكذا قال السيوطي في الدر المنثور. ~~وأخرج ابن جرير عنه قال: كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، ~~وإنما كان القربان يقر به الرجل، فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا ~~قربانا ثم ذكرا ما قرباه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (لئن بسطت إلى ~~يدك) قال: كتب عليهم إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه. # وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) يقول: إني أريد أن ~~تكون عليك خطيئتك ودمى فتبوء بهما جميعا. وأخرج ابن جرير عنه (بإثمي): قال ~~بقتلك إياي (و إثمك)، قال: بما كان منك قبل ذلك. وأخرج عن قتادة والضحاك ~~مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قي قوله (فطوعت له ~~نفسه قتل أخيه) قال: شجعته على قتل أخيه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن قتادة في الآية قال: زينت له نفسه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ~~وناس من الصحابة في قوله (فطوعت له نفسه قتل أخيه) فطلبه ليقتله فراغ ~~الغلام منه في رؤوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له وهو ~~نائم، فرفع صخرة فشدخ به رأسه فمات، فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن فبعث ~~الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه، فلما ~~رآه (قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب). وقد ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن ~~القتل ". وقد روى في صفة قتله لأخيه روايات الله أعلم بصحتها. سورة المائدة ~~الآية (32 - 34) PageV02P032 # قوله (من أجل ذلك) أي من ms0975 أجل ذلك القاتل وجريرته وبسبب معصيته. وقال ~~الزجاج: أي من جنايته قال: يقال أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى ~~مثل أخذ يأخذ أخذا. وقرأ أبو جعفر " من أجل " بكسر النون وحذف الهمزة، وهي ~~لغة. قال في شرح الدرة: قرأ أبو جعفر منفردا " من أجل ذلك " بكسر الهمزة مع ~~نقل حركتها إلى النون قبلها، وقيل يجوز أن يكون قوله (من أجل ذلك) متعلقا ~~بقوله (من النادمين) فيكون الوقف على قوله (من أجل ذلك) والأولى ما قدمنا، ~~والمعنى: أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكور على بني إسرائيل، ~~وعلى هذا جمهور المفسرين. وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد ~~جناياتهم. ولأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس، ووقع التغليظ ~~فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء وتقديم الجار والمجرور على ~~الفعل الذي هو متعلق به أعني كتبنا: يفيد القصر: أي من أجل ذلك لا من غيره، ~~ومن لابتداء الغاية (أنه من قتل نفسا) واحدة من هذه النفوس (بغير نفس) أي ~~بغير نفس توجب القصاص فيخرج عن هذا من قتل نفسا بنفس قصاصا. قوله (أو فساد ~~في الأرض) قرأ الجمهور بالجر عطفا على نفس. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير ~~فعل محذوف يدل عليه أول الكلام تقديره: أو أحدث فسادا في الأرض، وفى هذا ~~ضعف. # ومعنى قراءة الجمهور: أن من قتل نفسا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا. وقد تقرر أن كل حكم مشروط يتحقق أحد شيئين فنقيضه ~~مشروط بانتفائهما معا، وكل حكم مشروط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء ~~أحدهما ضرورة أن نقيض كل شئ مشروط بنقيض شرطه. # وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو؟ فقيل هو الشرك، ~~وقيل قطع الطريق. وظاهر النظم القرآني أنه ما يصدق عليه أنه فساد في الأرض، ~~فالشرك فساد في الأرض، وقطع الطريق فساد في الأرض، وسفك الدماء وهتك الحرم ~~ونهب الأموال فساد في الأرض، والبغي على عباد الله ms0976 بغير حق فساد في الأرض، ~~وهدم البنيان وقطع الأشجار وتغوير الأنهار فساد في الأرض، فعرفت بهذا أنه ~~يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض، وهكذا الفساد الذي سيأتي في قوله ~~(ويسعون في الأرض فسادا) يصدق على هذه الأنواع، وسيأتي تمام الكلام على ~~معنى الفساد قريبا. قوله (فكأنما قتل الناس جميعا) اختلف المفسرون في تحقيق ~~هذا التشبيه للقطع بأن عقاب من قتل الناس جميعا أشد من عقاب من قتل واحدا ~~منهم. فروى عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما ~~قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا. ~~أخرج هذا عنه ابن جرير. وروى عن مجاهد أنه قال: المعنى أن الذي يقتل النفس ~~المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب PageV02P033 # عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، فلو قتل الناس جميعا لم يزد على هذا ~~قال: ومن سلم من قتل فلم يقتل أحدا فكأنها أحيا الناس جميعا. # وقد أخرج نحو هذا عنه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وروى عن ابن ~~عباس أيضا أنه قال في تفسير هذه الآية. أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعا، ~~أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. وروى عن الحسن أنه قال: ~~فكأنما قتل الناس جميعا في الوزر، وكأنما أحيا الناس جميعا في الأجر. وقال ~~ابن زيد: المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل ~~الناس جميعا (ومن أحياها) أي من عفا عمن وجب قتله، حكاه عنه القرطبي. وحكى ~~عن الحسن أنه العفو بعد القدرة: يعنى أحياها. وروى عن مجاهد أن إحياءها: ~~إنجاؤها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة، حكاه عنه ابن جرير وابن المنذر، ~~وقيل المعنى: أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه، لأنه قد وتر الجميع ~~(ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) أي وجب على الكل شكره، وقيل المعنى: ~~أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع لأنه أنكر الشرع. وعلى كل حال فالإحياء ms0977 ~~هنا عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة فهو مجاز، إذ المعنى الحقيقي مختص ~~بالله عز وجل. والمراد بهذا التشبيه في جانب القتل تهويل أمر القتل وتعظيم ~~أمره في النفوس حتى ينزجر عنه أهل الجرأة والجسارة وفى جانب الإحياء ~~الترغيب إلى العفو عن الجناة واستنقاذ المتورطين سنة في الهلكات. قوله ~~(ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات) جملة مستقلة مؤكدة باللام الموطئة للقسم ~~متضمنة للإخبار بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد جاءوا العباد بما شرعه ~~الله لهم من الأحكام التي من جملتها أمر القتل، وثم في قوله (ثم إن كثيرا ~~منهم) للتراخي الرتبي والاستبعاد العقلي، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكر ~~مما كتبه الله على بني إسرائيل: أي إن كثيرا منهم بعد ذلك الكتب (في الأرض ~~لمسرفون) في القتل. قوله (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) قد اختلف ~~الناس في سبب نزول هذه الآية، فذهب الجمهور إلى أنها نزلت في العرنيين. # وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: لأنها نزلت فيمن خرج من ~~المسلمين يقطع الطريق ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر: قول مالك ~~صحيح. قال أبو ثور محتجا لهذا القول: إن قوله في هذه الآية (إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) يدل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، لأنهم ~~قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم، ~~فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام انتهى. وهكذا يدل على هذا قوله ~~تعالى - قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ما قد سلف -، وقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " الإسلام يهدم ما قبله " أخرجه مسلم وغيره، وحكى ابن جرير ~~الطبري في تفسيره عن بعض أهل العلم أن هذه الآية: أعني آية المحاربة نسخت ~~فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العرنيين، ووقف الأمر على هذه ~~الحدود. # وروى عن محمد بن سيرين أنه قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود: يعنى فعله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالعرنيين وبهذا قال جماعة من أهل العلم. ms0978 وذهب ~~جماعة آخرون إلى أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم بالعرنيين منسوخ بنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر ~~الناسخ، وسيأتي سياق الروايات الواردة في سبب النزول. والحق أن هذه الآية ~~تعم المشرك وغيره لمن ارتكب ما تضمنته، ولا اعتبار بخصوص السبب، بل ~~الاعتبار بعموم اللفظ. قال القرطبي في تفسيره: ولا خلاف بين أهل العلم في ~~أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في ~~المرتدين أو اليهود انتهى. ومعنى قوله مترتب: أي ثابت، قيل المراد بمحاربة ~~الله المذكورة في الآية هي محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومحاربة المسلمين في عصره ومن بعد عصره بطريق العبارة دون الدلالة ودون ~~القياس، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص حكمه PageV02P034 # بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر، وقيل ~~إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة لله ولرسوله إكبارا لحربهم وتعظيما ~~لأذيتهم، لأن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب. والأولى أن تفسير محاربة ~~الله سبحانه بمعاصيه ومخالفة شرائعه ومحاربة الرسول تحمل على معناها ~~الحقيقي، وحكم أمته حكمه وهم أسوته. والسعي في الأرض فسادا يطلق على أنواع ~~من الشر كما قدمنا قريبا. قال ابن كثير في تفسيره: قال كثير من السلف منهم ~~سعيد ابن المسيب: إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال ~~تعالى - وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد - انتهى. # إذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية ومن معنى المحاربة والسعي في الأرض ~~فسادا. فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك، سواء كان مسلما أو كافرا، ~~في مصر وغير مصر، في كل قليل وكثير، وجليل وحقير، وأن حكم الله في ذلك هو ~~ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب، أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف. أو ~~النفي من الأرض، ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب ms0979 من الذنوب، بل من كان ~~ذنبه هو التعدي على دماء العباد وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير ~~هذا الحكم في كتاب الله أو سنة رسوله كالسرقة وما يجب فيه القصاص، لأنا ~~نعلم أنه قد كان في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم من تقع منه ذنوب ومعاص ~~غير ذلك، ولا يجري عليه صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحكم المذكور في هذه ~~الآية، وبهذا تعرف ضعف ما روى عن مجاهد في تفسير المحاربة المذكورة في هذه ~~الآية أنها الزنا والسرقة، ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله ~~وفى سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لهما حكم غير هذا الحكم. # وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية على مقتضى لغة العرب التي ~~أمرنا بأن نفسر كتاب الله وسنة رسوله بها، فإياك أن تغتر بشئ من التفاصيل ~~المروية، والمذاهب المحكية، إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص هذا العموم ~~أو تقييد هذا المعنى المفهوم من لغة العرب فأنت وذاك اعمل به وضعه في ~~موضعه، وأما ما عداه: # فدع عنك نهبا صيح في حجراته * وهات حديثا ما حديث الرواحل على أنا سنذكر ~~من هذه المذاهب ما تسمعه. اعلم أنه قد اختلف العلماء فيمن يستحق اسم ~~المحاربة، فقال ابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري ~~وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور: إن من شهر السلاح في قبة الإسلام وأخاف ~~السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن ~~شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله. وبهذا قال مالك وصرح بأن المحارب عنده من ~~حمل على الناس في مصر أو في برية أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ~~ولا دخل ولا عداوة. قال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت ~~المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة. وروى عن ابن عباس غير ما تقدم فقال في ~~قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا ms0980 ~~المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض. وروى عن أبي ~~مجلز وسعيد ابن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء على ~~اختلاف في الرواية عن بعضهم، وحكاه ابن كثير عن الجمهور. وقال أيضا: وهكذا ~~عن غير واحد من السلف والأئمة. وقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل وإذا أخذ المال ~~ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه: ~~إن شاء قطع يديه ورجليه، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه. وقال أبو يوسف: ~~القتل يأتي على كل شئ، ونحوه قول الأوزاعي. وقال الشافعي: إذا أخذ المال ~~قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلى، لأن هذه الجناية ~~PageV02P035 # زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قتل قتل وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب. ~~وروى عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام. # وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي، ولا ~~أعلم لهذه التفاصيل دليلا لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله إلا ما رواه ~~ابن جرير في تفسيره وتفرد بروايته فقال: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن ~~مسلم عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك ~~يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر ~~العرنيين وهم من بجيلة، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي ~~واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق ~~وأخاف الطريق فاقطع يده لسرقته ورجله بإضافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل ~~وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه. وهذا مع ما فيه من النكارة ~~الشديدة لا يدرى كيف صحته قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره لشئ من هذه ~~التفاصيل التي ذكرناها ما لفظه: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن ~~جرير ms0981 في تفسيره إن صح سنده ثم ذكره. قوله (ويسعون في الأرض فسادا) هو إما ~~منتصب على المصدرية، أو على أنه مفعول له، أو على الحال بالتأويل: أي ~~مفسدين. قوله (أو يصلبوا) ظاهره أنهم يصلبون أحياء حتى يموتوا، لأنه أحد ~~الأنواع التي خير الله بينها. وقال قوم: الصلب إنما يكون بعد القتل، ولا ~~يجوز أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب. ويجاب بأن ~~هذه عقوبة شرعها الله سبحانه في كتابه لعباده. قوله (أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف) ظاهرة قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف سواء كانت ~~المقطوعة من اليدين هي اليمنى أو اليسرى، وكذلك الرجلان ولا يعتبر إلا أن ~~يكون القطع من خلاف إما يمنى اليدين مع يسرى الرجلين أو يسرى اليدين مع ~~يمنى الرجلين، وقيل المراد بهذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط. قوله ~~(أو ينفوا من الأرض) اختلف المفسرون في معناه، فقال السدى: هو أن يطلب ~~بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه الحد أو يخرج من دار الإسلام هربا. وهو ~~محكى عن ابن عباس وأنس ومالك والحسن البصري والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن ~~جبير والربيع بن أنس والزهري، حكاه الرماني في كتابه عنهم. وحكى عن الشافعي ~~أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وبه قال الليث بن ~~سعد. وروى عن مالك أنه ينفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره ويحبس فيه ~~كالزاني، ورجحه ابن جرير والقرطبي. # وقال الكوفيون: نفيهم سجنهم، فينفي من سعة الدنيا إلى ضيقها. والظاهر من ~~الآية أنه يطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما وقع من غير سجن ولا غيره. ~~والنفي قد يقع بمعنى الإهلاك وليس هو مرادا هنا. قوله (ذلك لهم خزي في ~~الدنيا) الإشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام، والخزي: الذل والفضيحة. قوله ~~(إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) ~~استثنى الله سبحانه التائبين قبل القدرة عليهم من عموم المعاقبين بالعقوبات ~~السابقة، والظاهر عدم الفرق. بين الدماء ms0982 والأموال وبين غيرها من الذنوب ~~الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة فلا يطالب التائب قبل القدرة بشئ من ~~ذلك، وعليه عمل الصحابة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر ~~حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة، والحق الأول. وأما التوبة بعد القدرة ~~فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد (قبل أن ~~تقدروا عليهم) قال القرطبي وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولى من حارب فإن ~~قتل محارب أخا امرئ وأتاه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر ~~المحاربة شئ، ولا يجوز عفو ولى الدم. # وقد أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) ~~يقول: من أجل ابن آدم PageV02P036 # الذي قتل أخاه ظلما. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية ~~يعنى قوله (فكأنما قتل الناس جميعا) أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: ~~إي والذي لا إله غيره. وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله (إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) قال: نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل ~~أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد ~~إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله. وأخرج ابن جرير والطبراني في ~~الكبير عنه في هذه الآية قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير ~~الله نبيه فيهم: إن شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف، وأما النفي فهو الضرب في الأرض، فإن جاء تائبا فدخل في الإسلام قبل ~~منه، ولم يؤخذ بما سلف. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أن هذه الآية ~~نزلت في الحرورية. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن نفرا من عكل قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم النبي صلى الله ~~عليه ms0983 وآله وسلم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، فقتلوا ~~راعيها واستاقوها فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم قافة، فأتى ~~بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا، فأنزل ~~الله (إنما جزاء الذين يحاربون) الآية. وفى مسلم عن أنس أنه قال إنما سمل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة. وأخرج ~~الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفرياني وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: # إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل قطع مع خلاف، وإذا خرج فقتل ولم ~~يأخذ المال قتل، وإذا خرج وأخذ المال وقتل قتل وصلب، وإذا خرج فأخاف السبيل ~~ولم يأخذ المال ولم يقتل نفى، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في الآية قال: من شهر السلاح في قبة الإسلام وأفسد السبيل فظهر عليه ~~وقدر، فإمام المسلمين مخير فيه: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع ~~يده ورجله، قال (أو ينفوا من الأرض) يهربوا ويخرجوا من دار الإسلام إلى دار ~~الحرب. وأخرج ابن جرير عنه قال: نفيه أن يطلب. وأخرج أيضا عن أنس نحوه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن الشعبي قال: كان حارثة ابن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض ~~وحارب، فكلم رجالا من قريش أن يستأمنوا له عليا فأبوا فأتى سعيد بن قيس ~~الهمداني، فأتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا؟ قال (أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) ثم قال (إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم) فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر، قال: وإن كان حارثة من ~~بدر، قال: # هذا حارثة بن بدر، قد جاء تائبا فهو آمن، قال نعم، فجاء به ms0984 إليه فبايعه، ~~وقبل ذلك منه وكتب له أمانا. سورة المائدة الآية (5 - 37) PageV02P037 # (ابتغوا) اطلبوا (إليه) لا إلى غيره، و (الوسيلة) فعيلة من توسلت إليه: ~~إذا تقربت إليه. قال عنترة: # إن الرجال لهم إليك وسيلة * إن يأخذوك تكحلي وتخضبي وقال آخر: # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد النصابي بيننا والوسائل فالوسيلة: ~~القربة التي ينبغي أن تطلب وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد وقتادة والسدي ~~وابن زيد. وروى عن ابن عباس وعطاء وعبد الله بن كثير. قال ابن كثير في ~~تفسيره: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. والوسيلة ~~أيضا درجة في الجنة مختصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ثبت في ~~صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت ~~محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له ~~الشفاعة يوم القيامة " وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما ~~يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي ~~الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن ~~أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " وفى الباب أحاديث، ~~وعطف (وابتغوا إليه الوسيلة) على (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) يفيد أن ~~الوسيلة غير التقوى، وقيل هي التقوى، لأنها ملاك الأمر وكل الخير فتكون ~~الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى. والظاهر أن الوسيلة التي هي ~~القربة تصدق على التقوى وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب العباد بها ~~إلى ربهم (وجاهدوا في سبيله) من لم يقبل دينه (لعلكم تفلحون). قوله (إن ~~الذين كفروا) كلام مبتدأ مسوق لزجر الكفار وترغيب المسلمين في امتثال أوامر ~~الله سبحانه (لو أن لهم ما في الأرض) من أموالها ومنافعها، وقيل ms0985 المراد لكل ~~واحد منهم ليكون أشد تهويلا، وإن كان الظاهر من ضمير الجمع خلاف ذلك، و ~~(جميعا) تأكيد. وقوله (ومثله) عطف على ما في الأرض، و (معه) في محل نصب على ~~الحال (ليفتدوا به) ليجعلوه فدية لأنفسهم، وأفرد الضمير إما لكونه راجعا ~~إلى المذكور أو لكونه بمنزلة اسم الإشارة: أي ليفتدوا بذلك، و (من عذاب يوم ~~القيامة) متعلق بالفعل المذكور (ما تقبل منهم) ذلك، وهذا هو جواب لو. قوله ~~(يريدون أن يخرجوا من النار) هذا استئناف بياني، كأنه قيل: كيف حالهم فيما ~~هم فيه من هذا العذاب الأليم؟ فقيل يريدون أن يخرجوا من النار. وقرئ (أن ~~يخرجوا) من أخرج، ويضعف هذه القراءة (وما هم بخارجين منها) ومحل هذه الجملة ~~أعني قوله (وما هم بخارجين منها) النصب على الحال، وقيل إنها جملة ~~اعتراضية. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (وابتغوا إليه الوسيلة) قال: الوسيلة القربة. وأخرج الحاكم وصححه ~~عن حذيفة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ~~(وابتغوا إليه الوسيلة قال: تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه. ~~وأخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة ~~" قال: يريد الفقير، فقلت لجابر يقول الله (يريدون أن يخرجوا من النار وهم ~~بخارجين منها) قال: أتل أول الآية (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به) ألا إنهم الذين كفروا. وأخرج ابن جرير عن ~~عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: تزعم أن قوما يخرجون من النار ~~PageV02P038 # وقد قال الله تعالى (وما هم بخارجين منها) فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما ~~فوقها هذه للكفار. قال الزمخشري في الكشاف بعد ذكره لهذا: إنه مما لفقته ~~المجبرة، ويا لله العجب من رجل لا يفرق بين أصح الصحيح وبين أكذب الكذب على ms0986 ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدرى ~~ما هو قد تواترت الأحاديث تواترا لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم ~~الرواية بأن عصاة الموحدين يخرجون من النار، فمن أنكر هذا فليس بأهل ~~للمناظرة لأنه أنكر ما هو من ضروريات الشريعة، اللهم غفرا. # سورة المائدة الآية (38 - 40) لما ذكر سبحانه حكم من يأخذ المال جهارا ~~وهو المحارب، عقبه بذكر من يأخذ المال خفية وهو السارق، وذكر السارقة مع ~~السارق لزيادة البيان لأن غالب القرآن الاقتصار على الرجال في تشريع ~~الأحكام. وقد اختلف أئمة النحو في خبر السارق والسارقة هل هو مقدر أم هو ~~فاقطعوا؟ فذهب إلى الأول سيبويه، وقال تقديره: فيما فرض عليكم أو فيما يتلى ~~عليكم السارق والسارقة: أي حكمهما. وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني، ودخول ~~الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، إذ المعنى: الذي سرق والتي سرقت، وقرئ ~~(والسارق والسارقة) بالنصب على تقدير اقطعوا، ورجح هذه القراءة سيبويه، ~~قال: الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيدا اضربه، ولكن العامة أبت إلا ~~الرفع، يعنى عامة القراء، والسرقة بكسر الراء اسم الشئ المسروق والمصدر من ~~سرق يسرق سرقا قاله الجوهري: وهو أخذ الشئ في خفية من الأعين، ومنه استرق ~~السمع، وسارقة النظر. قوله (فاقطعوا) القطع معناه الإبانة والإزالة، وجمع ~~الأيدي لكراهة الجمع بين تثنيتين، وقد بينت السنة المطهرة أن موضع القطع ~~الرسغ. وقال قوم: يقطع من المرفق. وقال الخوارج: من المنكب. والسرقة لابد ~~أن تكون ربع دينار فصاعدا، و لابد أن تكون من حرز كما وردت بذلك الأحاديث ~~الصحيحة. وقد ذهب إلى اعتبار الربع الدينار الجمهور. وذهب قوم إلى التقدير ~~بعشرة دراهم. وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز. وقال الحسن البصري إذا جمع ~~الثياب في البيت قطع. وقد أطال الكلام في بحث السرقة أئمة الفقه وشراح ~~الحديث بما لا يأتي التطويل به ها هنا بكثير فائدة. قوله (جزاء بما كسبا) ~~مفعول له: أي فاقطعوا للجزاء أو مصدر مؤكد لفعل محذوف: أي فجازوهما جزاء، ms0987 ~~والباء سببية، وما مصدرية: أي بسبب كسبهما، أو موصولة: أي جزاء بالذي كسباه ~~من السرقة. وقوله (نكالا) بدل من جزاء، وقيل هو علة للجزاء: والجزاء علة ~~للقطع، يقال نكلت به: إذا فعلت به ما يجب أن ينكل به عن ذلك الفعل. قوله ~~(فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح) السياق يفيد أن المراد بالظلم هنا السرقة: # أي فمن تاب من بعد سرقته وأصلح أمره (فإن الله يتوب عليه) ولكن اللفظ عام ~~فيشمل السارق وغيره من المذنبين، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ~~وقد استدل بهذا عطاء وجماعة على أن القطع يسقط بالتوبة، وليس هذا الاستدلال ~~بصحيح، لأن هذه الجملة الشرطية لا تفيد إلا مجرد قبول التوبة، وإن الله ~~يتوب على من تاب، وليس فيها ما يفيد أنه لا قطع على التائب. وقد كان في زمن ~~النبوة يأتي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجب PageV02P039 # عليه حد تائبا عن الذنب الذي ارتكبه طالبا لتطهيره بالحد فيحده النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " ~~للسارق بعد قطعه تب إلى الله، ثم قال تاب الله عليك ". أخرجه الدارقطني من ~~حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد وغيره، أن هذه الآية نزلت في المرأة التي كانت ~~تسرق المتاع، لما قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد قطعها هل لي من ~~توبة. وقد ورد في السنة ما يدل على أن الحدود إذا رفعت إلى الأئمة وجبت ~~وامتنع إسقاطها. قوله (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) هذا ~~الاستفهام للإنكار مع تقرير العلم وهو كالعنوان لقوله (يعذب من يشاء ويغفر ~~لمن يشاء) أي من كان له ملك السماوات والأرض، فهو قادر على هذا التعذيب ~~الموكول إلى المشيئة والمغفرة الموكولة إليها. # وقد أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (جزاء بما كسبا نكالا ~~من الله) قال: لا ترثوا لهم فيه فإنه أمر الله الذي أمر به. قال: وذكر لنا ~~أن عمر بن الخطاب ms0988 كان يقول: اشتدوا على الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا ~~رجلا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله (فمن تاب من بعد ~~ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) يقول: الحد كفارته. والأحاديث في قدر نصاب ~~السرقة وفى سائر ما يتعلق بتفاصيل هذا الحد مذكورة في كتب الحديث فلا نطيل ~~بذلك. # سورة المائدة الآية (41 - 44) PageV02P040 # قوله (لا يحزنك) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم ~~الزاي، والحزن والحزن خلاف السرور، وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين: ~~وأحزنه غيره وحزنه. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ ~~بهما. وفى الآية النهى له صلى الله عليه وآله وسلم عن التأثر لمسارعة ~~الكفرة في كفرهم تأثرا بليغا، لأن الله سبحانه قد وعده في غير موطن بالنصر ~~عليهم، والمسارعة إلى الشئ: الوقوع فيه بسرعة. والمراد هنا وقوعهم في الكفر ~~بسرعة عند وجود فرصة، وآثر لفظ " في " على لفظ إلى للدلالة على استقرارهم ~~فيه، ومن في قوله (من الذين قالوا) بيانية، والجملة مبينة للمسارعين في ~~الكفر، والباء في (بأفواههم) متعلقة بقالوا لا بآمنا، وهؤلاء الذين قالوا ~~آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون (ومن الذين هادوا) يعنى ~~اليهود، وهو معطوف على (من الذين قالوا آمنا) وهو تمام الكلام. والمعنى: أن ~~المسارعين في الكفر طائفة المنافقين وطائفة اليهود. وقوله (سماعون للكذب) ~~خبر مبتدأ محذوف: أي هم سماعون للكذب، فهو راجع إلى الفريقين أو إلى ~~المسارعين، واللام في قوله (للكذب) للتقوية أو لتضمين السماع معنى القبول، ~~وقيل إن قوله (سماعون) مبتدأ خبره (من الذين هادوا) أي ومن الذين هادوا قوم ~~(سماعون للكذب) أي قابلون لكذب رؤوسائهم المحرفين للتوراة. قوله (سماعون ~~لقوم آخرين) خبر ثان، واللام فيه كاللام في " للكذب "، وقيل اللام للتعليل ~~في الموضعين أي سماعون لكلام رسول الله لأجل الكذب عليه، وسماعون لأجل قوم ~~آخرين وجهوهم عيونا لهم لأجل أن يبلغوهم ما سمعوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قوله (لم يأتوك) صفة لقوم: أي لم يحضروا ms0989 مجلسك وهم طائفة ~~من اليهود كانوا لا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبرا ~~وتمردا، وقيل هم جماعة من المنافقين كانوا يتجنبون مجالس رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال الفراء: ويجوز سماعين كما قال - ملعونين أينما ~~ثقفوا -. قوله (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) من جملة صفات القوم المذكورين: ~~أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها ويتأولونه على غير تأويله. ~~والمحرفون هم اليهود، وقيل إن هذه الجملة خبر مبتدأ محذوف، وقيل في محل نصب ~~على الحال من (لم يأتوك) وقيل مستأنفة لا محل لها من الإعراب لقصد تعداد ~~معايبهم ومثالبهم. ومعنى (من بعد مواضعه) من بعد كونه موضوعا في مواضعه، أو ~~من بعد وضعه في مواضعه التي وضعه الله فيها من حيث لفظه، أو من حيث معناه. ~~قوله (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) جملة حالية من ضمير يحرفون، أو مستأنفة، ~~أو صفة لقوم، أو خبر مبتدأ محذوف، والإشارة بقولهم (هذا) إلى الكلام ~~المحرف: أي إن أوتيتم من جهة محمد هذا الكلام الذي حرفناه فخذوه واعملوا به ~~وإن لم تؤتوه بل جاءكم بغيره فاحذروا من قبوله والعمل به. قوله (ومن يرد ~~الله فتنته) أي ضلالته (فلن تملك له من الله شيئا) أي فلا تستطيع دفع ذلك ~~عنه ولا تقدر على نفعه وهدايته، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، ~~وظاهرها العموم ويدخل فيها هؤلاء الذين سياق الكلام معهم دخولا أوليا، ~~والإشارة بقوله (أولئك) إلى من تقدم من ذكرهم من الذين قالوا آمنا بأفواههم ~~ومن الذين هادوا، وهو مبتدأ وخبره الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم: أي لم ~~يرد تطهيرها من أرجاس الكفر والنفاق كما طهر قلوب المؤمنين (لهم في الدنيا ~~خزي) بظهور نفاق المنافقين وبضرب الجزية على الكافرين وظهور تحريفهم وكتمهم ~~لما أنزل الله في التوراة. قوله (سماعون للكذب) كرره تأكيدا لقبحه، وليكون ~~كالمقدمة لما بعده، وهو أكالون للسحت، وهما من جملة أخبار ذلك المبتدأ ~~المقدر سابقا. والسحت بضم السين وسكون الحاء: # المال الحرام، وأصله الهلاك ms0990 والشدة، من سحته: إذا هلكه، ومنه - فيسحتكم ~~بعذاب -، ومنه قول الفرزدق: # وعض زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلا مسحت أو محلق PageV02P041 # ويقال للحالق أسحت: أي استأصل، وسمى الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات: أي ~~يذهبها ويستأصلها، وقال الفراء: أصله كلب الجوع، وقيل هو الرشوة، والأول ~~أولى، والرشوة تدخل في الحرام دخولا أوليا. وقد فسره جماعة بنوع من أنواع ~~الحرام خاص كالهدية لمن يقضى له حاجة، وحلوان الكاهن، والتعميم أولى ~~بالصواب. # قوله (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) فيه تخيير لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبين الحكم بينهم والإعراض عنهم. # وقد استدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين. وقد أجمع العلماء ~~على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا ~~إليهم. واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيها بينهم، فذهب قوم إلى ~~التخيير، وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله (وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله) وبه قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن ~~عبد العزيز والسدي: وهو الصحيح من قول الشافعي، وحكاه القرطبي عن أكثر ~~العلماء. قوله (وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا) أي إن اخترت الإعراض عن ~~الحكم بينهم فلا سبيل لهم عليك، لأن الله حافظك وناصرك عليهم، وإن اخترت ~~الحكم بينهم (فاحكم بينهم بالقسط) أي بالعدل الذي أمرك الله به وأنزله ~~عليك. قوله (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) فيه تعجيب له صلى ~~الله عليه وآله وسلم من تحكيمهم إياه مع كونهم لا يؤمنون به ولا بما جاء ~~به، مع أن ما يحكمونه فيه هو موجود عندهم في التوراة كالرجم ونحوه، وإنما ~~يأتون إليه صلى الله عليه وآله وسلم ويحكمونه طمعا منهم في أن يوافق ~~تحريفهم وما صنعوه بالتوراة من التغيير. قوله (ثم يتولون) عطف على يحكمونك ~~(من بعد ذلك) أي من بعد تحكيمهم لك، وجملة قوله (وما أولئك بالمؤمنين) ~~لتقرير مضمون ما قبلها. وقوله (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) استئناف ms0991 ~~يتضمن تعظيم التوراة وتفخيم شأنها وأن فيها الهدى والنور، وهو بيان الشرائع ~~والتبشير بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإيجاب اتباعه. قوله (يحكم بها ~~النبيون) هم أنبياء بني إسرائيل، والجملة إما مستأنفة أو حالية، و (الذين ~~أسلموا) صفة مادحة للنبيين، وفيه إرغام لليهود المعاصرين له صلى الله عليه ~~وآله وسلم بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقيل المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وعبر عنه بلفظ الجمع تعظيما. قوله (للذين هادوا) متعلق بيحكم. والمعنى: أنه ~~يحكم بها النبيون للذين هادوا وعليهم. والربانيون العلماء الحكماء، وقد سبق ~~تفسيره، والأحبار العلماء، مأخوذ من التحبير وهو التحسين فهم يحبرون العلم: ~~أي يحسنونه. قال الجوهري: الحبر واحد أحبار اليهود بالفتح وبالكسر والكسر ~~أفصح، وقال الفراء: هو بالكسر، وقال أبو عبيدة: هو بالفتح. قوله (بما ~~استحفظوا من كتاب الله) الباء للسببية واستحفظوا أمروا بالحفظ: أي أمرهم ~~الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبديل، والجار والمجرور متعلق بيحكم: ~~أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ. قوله (وكانوا عليه شهداء) أي على كتاب ~~الله والشهداء الرقباء، فهم يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة، ~~والخطاب بقوله (فلا تخشوا الناس) لرؤساء اليهود، وكذا في قوله (ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا) والاشتراء والاستبدال، وقد تقدم تحقيقه. قوله (ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) لفظ " من " من صيغ العموم فيفيد أن ~~هذا غير مختص بطائفة معينة بل بكل من ولى الحكم، وقيل إنها مختصة بأهل ~~الكتاب، وقيل بالكفار مطلقا لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة، وقيل هو ~~محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا، أو استحلالا أو جحدا، ~~والإشارة بقوله (أولئك) إلى من، والجمع باعتبار معناها، وكذلك ضمير الجماعة ~~في قوله (هم الكافرون). PageV02P042 # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر) قال: # هم اليهود (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) قال: هم ~~المنافقون. وأخرج ms0992 أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عنه قال: إن الله أنزل (ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون - الظالمون - الفاسقون) أنزلها الله في طائفتين من ~~اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته ~~العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة ~~فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المدينة. فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ لم يظهر عليهم، فقتلت الذليلة من ~~العزيزة، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت ~~الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد وبلدهما واحد ~~ودية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم، فأما ~~إذ قدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا نعطيكم ذلك، فكانت الحرب تهيج ~~بينهما، ثم ارتضوا على أن جعلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، ~~ففكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد يعطيكم منهم ضعف ما نعطيهم منكم، ولقد ~~صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيما وقهرا لهم، فدسوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من يخبر لكم رأيه، فإن أعطاكم ما تريدون حكمتوه، وإن لم ~~يعطكم حذرتموه ولم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ناسا من المنافقين يختبرون لهم رأيه، فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله (يا أيها ~~الرسول لا يحزنك) إلى قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ~~ثم قال فيهم: والله أنزلت وإياهم عنى. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ~~وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: ~~أول مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود زنى ms0993 رجل منهم ~~وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث ~~بالتخفيف. فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله ~~وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~جالس في المسجد وأصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم ~~زنيا، فلم يكلمهم حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال: أنشدكم بالله ~~الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ ~~قالوا: يحمم ونجبه ويجلد، والتجبية: أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل ~~أقفيتهما ويطاف بهما وسكت شاب منهم فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~سكت ألظ به النشدة فقال: # اللهم إذ نشدتنا نجب فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ # قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في ~~أسرة من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: والله لا ترجم صاحبنا ~~حتى تجئ بصاحبك فترجمه. فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم، قال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرجما. قال الزهري: ~~فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا) فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم. وأخرجه ~~ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق أخرى عن أبي ~~هريرة. وذكر فيه أن الشاب المذكور هو عبد الله بن صوريا. وأخرج نحو حديث ~~أبي هريرة أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر: أن اليهود جاءوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا. فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وآله PageV02P043 # وسلم: ما تجدون في التوراة؟ قالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن ms0994 ~~سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها. فوضع أحدهم يده ~~على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: # ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم، قالوا صدق، فأمر بهما رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرجما. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن جابر بن عبد ~~الله في قوله (ومن الذين هادوا سماعون للكذب) قال: يهود المدينة (سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك) قال: يهود فدك (يحرفون الكلم) قال: يهود فدك يقولون ~~ليهود المدينة (إن أوتيتم هذا) الجلد (فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) الرجم. ~~وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عنه قال: زنى رجل من أهل ~~فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا، وذكر القصة. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (أكالون للسحت) قال: أخذوا الرشوة في ~~الحكم وقضوا بالكذب. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: السحت الرشوة في ~~الدين. قال سفيان: يعنى في الحكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود أيضا قال: من شفع لرجل ليدفع عنه ~~مظلمة أو يرد عليه حقا فأهدى له هدية فقبلها فذلك السحت فقيل له: يا أبا ~~عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم، فقال ذلك الكفر (ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وقد روى نحو هذا عنه من طرق وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: رشوة الحكام حرام. وهي السحت الذي ذكره الله ~~في كتابه. # وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت قال: السحت الرشوة. وأخرج عبد بن حميد ~~عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم، قال: ~~ذاك الكفر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمر قال: بابان من السحت ~~يأكلهما الناس: ms0995 الرشاء في الحكم، ومهر الزانية. وقد ثبت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في تحريم الرشوة ما هو معروف. وأخرج أبو داود في ناسخه ~~وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس قال: آيتان نسختا من سورة المائدة: آية القلائد، وقوله (فإن جاءوك ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخيرا: ~~إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم، فنزلت (وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) قال: # فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا. ~~وأخرج نحوه في الآية الآخرة عنه أبو عبيدة وابن المنذر وابن مردويه. وأخرج ~~عبد الرزاق عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر ~~والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس أن الآيات من المائدة التي ~~قال فيها (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) إلى قوله (المقسطين) إنما نزلت في ~~الدية من بنى النضير وقريظة، وذلك أن قتلى بنى النضير كان لهم شرف يودون ~~الدية كاملة، وأن بني قريظة كانوا يودون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية سواء. وأخرج نحوه عنه ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~والحاكم وصححه والبيهقي في سننه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (وعندهم التوراة فيها حكم الله) يعنى حدود الله فأخبره الله ~~بحكمه في التوراة، قال (وكتبنا عليهم فيها) إلى قوله (والجروح قصاص). # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله (يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا) يعنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (للذين هادوا) ~~يعنى اليهود. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: الذين أسلموا النبي ومن قبله من ~~PageV02P044 # الأنبياء ms0996 يحكمون بما فيها من الحق. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ~~الربانيون والأحبار الفقهاء والعلماء. # وأخرج عن مجاهد قال: الربانيون العلماء والفقهاء، وهم فوق الأحبار. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الحسن قال: # الربانيون العباد، والأحبار العلماء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: الربانيون الفقهاء العلماء، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: ~~الربانيون هم المؤمنون، والأحبار هم القراء. وأخرج ابن جرير عن السدى (فلا ~~تخشوا الناس) فتكتموا ما أنزلت (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) على أن ~~تكتموا ما أنزلت. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد (ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا) قال: لا تأكلوا السحت على كتابي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ومن لم يحكم) يقول: من جحد الحكم بما أنزل ~~الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وأخرج الفريابي وسعيد ~~بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: إنه ليس ~~بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل دون كفره. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ابن أبي رباح في قوله (ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون - هم الظالمون - هم الفاسقون) قال: كفر دون ~~كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: # إنما أنزل الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - و - ~~الظالمون - و - الفاسقون) في اليهود خاصة. وقد روي نحو هذا عن جماعة من ~~السلف. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة، ~~أن هذه الآيات ذكرت عنده (ومن ولم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - ~~و - الظالمون - و - الفاسقون) فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل، فقال ~~حذيفة: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم ms0997 كل حلوة ولهم كل مرة كلا، ~~والله لتسلكن طريقهم قد الشراك. وأخرج ابن المنذر نحوه عن ابن عباس. # سورة المائدة الآية (45 - 48) PageV02P045 # سورة المائدة (48 - 50) قوله (وكتبنا) معطوف على أنزلنا التوراة، ومعناها ~~فرضنا، بين الله سبحانه في هذه الآية ما فرضه على بني إسرائيل: من القصاص ~~في النفس، والعين، والأنف، والأذن، والسن، والجروح. وقد استدل أبو حنيفة ~~وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا: إنه يقتل المسلم بالذمي لأنه نفس. ~~وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إن هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس ~~بشرع لنا. وقد قدمنا في البقرة في شرح قوله تعالى - كتب عليكم القصاص في ~~القتلى - ما فيه كفاية. # وقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا هل يلزمنا أم لا؟ فذهب الجمهور إلى ~~أنه يلزمنا إذا لم ينسخ وهو الحق. وقد ذكر ابن الصباغ في الشامل إجماع ~~العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه. قال ابن كثير في تفسيره: ~~وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة ~~انتهى. # وقد أوضحنا ما هو الحق في هذا في شرحنا على المنتقى، وفى هذه الآية توبيخ ~~لليهود وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة كما حكاه هنا، ~~ويفاضلون بين الأنفس كما سبق بيانه، وقد كانوا يقيدون بني النضير من بني ~~قريظة ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير. قوله (والعين بالعين) قرأ نافع ~~وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف. وقرأ ابن كثير وابن عامر ~~وأبو عمرو وأبو جعفر بالنصب أيضا في الكل إلا في الجروح فبالرفع. وقرأ ~~الكسائي وأبو عبيد بالرفع في الجميع عطفا على المحل، لأن النفس قبل دخول ~~الحرف الناصب عليها كانت مرفوعة على الابتداء. وقال الزجاج: يكون عطفا على ~~المضمر في النفس، لأن التقدير: # إن النفس هي مأخوذة بالنفس، فالأسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر: ومن ~~قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام يتضمن بيان الحكم للمسلمين. والظاهر من ~~النظم القرآني أن العين إذا ms0998 فقئت حتى لم يبق فيها محال للإدراك أنها تفقأ ~~عين الجاني بها، والأنف إذا جدعت جميعها فإنها تجدع أنف الجاني بها، والأذن ~~إذا قطعت جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها، وكذلك السن، فأما لو كانت ~~الجناية ذهبت ببعض إدراك العين، أو ببعض الأنف، أو ببعض الأذن، أو ببعض ~~السن، فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص. # وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته. ~~وكلامهم مدون في كتب الفروع. والظاهر من قوله (والسن بالسن) أنه لا فرق بين ~~الثنايا والأنياب والأضراس والرباعيات، وأنه يؤخذ بعضها ببعض، ولا فضل ~~لبعضها على بعض. وإليه ذهب أكثر أهل العلم، كما قال ابن المنذر، وخالف في ~~ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن تبعه. وكلامهم مدون في مواطنه، ولكنه ~~ينبغي أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من ~~المجني عليه، فإن كانت ذاهبة فما يليها. قوله (والجروح قصاص) أي ذوات قصاص. ~~وقد ذكر أهل العلم أنه لا قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف، ولا فيما ~~كان PageV02P046 # لا يعرف مقداره عمقا أو طولا أو عرضا. وقد قدر أئمة الفقه أرش كل جراحة ~~بمقادير معلومة، وليس هذا موضع بيان كلامهم، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد ~~له أرش مقدر. قوله (فمن تصدق به فهو كفارة له) أي من تصدق من المستحقين ~~للقصاص بالقصاص، بأن عفا عن الجاني فهو كفارة للمتصدق يكفر الله عنه بها ~~ذنوبه. # وقيل إن المعنى: فهو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة لأن العفو ~~يقوم مقام أخذ الحق منه. والأول أرجح، لأن الضمير يعود على هذا التفسير ~~الآخر إلى غير مذكور. قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) ~~ضمير الفصل مع اسم الإشارة وتعريف الخبر يستفاد منها أن هذا الظلم الصادر ~~منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية. قوله (وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم) ~~هذا شروع في بيان حكم الإنجيل بعد بيان حكم التوراة: أي ms0999 جعلنا عيسى ابن ~~مريم يقفوا آثارهم: أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل، يقال ~~قفيته مثل عقبته: إذا أتبعته، ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به فيتعدى إلى ~~الثاني بالباء، والمفعول الأول محذوف استغناء عنه بالظرف، وهو على آثارهم ~~لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه، وانتصاب (مصدقا) على الحال من ~~عيسى (وآتيناه الإنجيل) عطف على قفينا، ومحل الجملة أعني (فيه هدى) النصب ~~على الحال من الإنجيل (ونور) عطف على هدى. # وقوله (ومصدقا) معطوف على محل (فيه هدى) أي أن الإنجيل أوتيه عيسى حال ~~كونه مشتملا على الهدى والنور ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وقيل إن ~~مصدقا معطوف على مصدقا الأول فيكون حالا من عيسى مؤكدا للحال الأول ومقررا ~~له. والأول أولى لأن التأسيس خير من التأكيد. قوله (وهدى وموعظة للمتقين) ~~عطف على مصدقا داخل تحت حكمه منضما إليه: أي مصدقا وهاديا وواعظا للمتقين. ~~قوله (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) هذا أمر لأهل الإنجيل بأن ~~يحكموا بما أنزل الله فيه، فإنه قبل البعثة المحمدية حق، وأما بعدها فقد ~~أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم في القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة. وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من ~~يحكم على أن اللام لام كي، وقرأ الباقون بالجزم على أن اللام للأمر. # فعلى القراءة الأولى تكون اللام متعلقة بقوله: وآتيناه الإنجيل ليحكم ~~أهله بما أنزل الله فيه، وعلى القراءة الثانية هو كلام مستأنف. قال مكي: ~~والاختيار الجزم، لأن الجماعة عليه، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل ~~على أنه إلزام من الله لأهل الإنجيل. وقال النحاس: والصواب عندي أنهما ~~قراءتان حسنتان لأن الله سبحانه لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه. قوله ~~(وأنزلنا إليك الكتاب) خطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، والكتاب القرآن ~~والتعريف للعهد. و (بالحق) متعلق بمحذوف وقع حالا: أي متلبسا بالحق، وقيل ~~هو حال من فاعل أنزلنا، وقيل من ضمير النبي صلى الله ms1000 عليه وآله وسلم و ~~(مصدقا لما بين يديه) حال من الكتاب، والتعريف في الكتاب أعني قوله (مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب) للجنس: أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه ~~متلبسا بالحق وحال كونه مصدقا لما بين يديه من كتب الله المنزلة لكونه ~~مشتملا على الدعوة إلى الله والأمر بالخير والنهي عن الشر، كما اشتمل عليه ~~قوله (ومهيمنا عليه) عطف على مصدقا، والضمير في عليه عائد إلى الكتاب الذي ~~صدقه القرآن وهيمن عليه. والمهيمن الرقيب، وقيل الغالب المرتفع، وقيل ~~الشاهد: وقيل الحافظ، وقيل المؤتمن. # قال المبرد: أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء، كما قيل في أرقت الماء هرقت، ~~وبه قال الزجاج وأبو علي الفارسي. # وقال الجوهري: هو من أمن غيره من الخوف، وأصله أأمن فهو مؤأمن بهمزتين ~~قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مؤيمن ثم صيرت الأولى هاء، كما ~~قالوا هراق الماء وأراقه، يقال هيمن على الشئ يهيمن: إذا كان له حافظا، فهو ~~له مهيمن كذا عن أبي عبيد. وقرأ مجاهد وابن محيصن " مهيمنا عليه " بفتح ~~الميم، أي هيمن PageV02P047 # عليه الله سبحانه. والمعنى على قراءة الجمهور: أن القرآن صار شاهدا بصحة ~~الكتب المنزلة ومقررا لما فيها مما لم ينسخ وناسخا لما خالفه منها، ورقيبا ~~عليها وحافظا لما فيها من أصول الشرائع، وغالبا لها لكونه المرجع في المحكم ~~منها، والمنسوخ، ومؤتمنا عليها لكونه مشتملا على ما هو معمول به منها وما ~~هو متروك - قوله (فاحكم بينهم بما أنزل الله) أي بما أنزله إليك في القرآن ~~لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه (ولا ~~تتبع أهواءهم) أي أهواء أهل الملل السابقة. وقوله (عما جاءك من الحق) متعلق ~~بلا تتبع على تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف (عما جاءك من الحق) متبعا ~~لأهوائهم، وقيل متعلق بمحذوف: أي لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن الحق. ~~وفيه النهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل ~~عن الحق الذي أنزله الله عليه، ms1001 فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ~~ما هم عليه وما أدركوا عليه سلفهم وإن كان باطلا منسوخا أو محرفا عن الحكم ~~الذي أنزله الله على الأنبياء، كما وقع في الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب ~~الله. قوله (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) الشرعة والشريعة في الأصل: ~~الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى الماء، ثم استعملت فيما شرعه الله ~~لعباده من الدين. والمنهاج: الطريقة الواضحة البينة. وقال أبو العباس محمد ~~بن يزيد المبرد الشريعة: ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر. ومعنى ~~الآية: أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله وهذا قبل ~~نسخ الشرائع السابقة بالقرآن وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قوله (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) ~~بشريعة واحدة وكتاب واحد ورسول واحد (ولكن ليبلوكم) أي ولكن لم يشأ ذلك ~~الاتحاد، بل شاء الابتلاء لكم باختلاف الشرائع، فيكون (ليبلوكم) متعلقا ~~بمحذوف دل عليه سياق الكلام وهو ما ذكرنا، ومعنى (فيما آتاكم) فيما أنزله ~~عليكم من الشرائع المختلفة باختلاف الأوقات والرسل هل تعملون بذلك وتذعنون ~~له، أو تتركونه وتخالفون ما اقتضته مشيئة الله وحكمته، وتميلون إلى الهوى ~~وتشترون الضلالة بالهدى. وفيه دليل على أن اختلاف الشرائع هو لهذه العلة. ~~أعني الابتلاء والامتحان لا لكون مصالح العباد مختلفة باختلاف الأوقات ~~والأشخاص. قوله (فاستبقوا الخيرات) أي إذا كانت المشيئة قد قضت باختلاف ~~الشرائع فاستبقوا إلى فعل ما أمرتم بفعله وترك ما أمرتم بتركه. والاستباق: ~~المسارعة (إلى الله مرجعكم جميعا) لا إلى غيره وهذه الجملة كالعلة لما ~~قبلها. قوله (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) عطف على ~~الكتاب: أي أنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه. وقد استدل بهذا على نسخ ~~التخيير المتقدم في قوله - أو أعرض عنهم - وقد تقدم تفسير - ولا تتبع ~~أهواءهم -. قوله (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) أي يضلوك ~~عنه ويصرفوك بسبب أهوائهم التي يريدون منك أن تعمل عليها وتؤثرها (فإن ms1002 ~~تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) أي إن أعرضوا عن قبول ~~حكمك بما أنزل الله عليك فذلك لما أراده الله من تعذيبهم ببعض ذنوبهم وهو ~~ذنب التولي عنك والإعراض عما جئت به (وإن كثيرا من الناس لفاسقون) متمردون ~~عن قبول الحق خارجون عن الإنصاف. قوله (أفحكم الجاهلية يبغون) الاستفهام ~~للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر كما في نظائره. # والمعنى: أيعرضون عن حكمك بما أنزل الله عليك ويتولون عنه ويبتغون حكم ~~الجاهلية، والاستفهام في (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) للإنكار ~~أيضا: أي لا أحسن من حكم الله عند أهل اليقين لا عند أهل الجهل والأهواء. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس (كتبنا عليهم فيها) في التوراة. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن المنذر عنه، قال: كتب عليهم هذا في التوراة، وكانوا يقتلون ~~الحر بالعبد فيقولون كتب علينا أن النفس بالنفس. PageV02P048 # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله (فمن تصدق به فهو كفارة ~~له) قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر ~~ابن عبد الله (فهو كفارة له) قال: للمجروح. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة ~~عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ما من ~~مسلم يصاب بشئ في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة ~~". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس (ومهيمنا عليه) قال: مؤتمنا عليه. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عنه قال: المهيمن الأمين، والقرآن أمين ~~على كل كتاب قبله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد به حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عنه في قوله (شرعة ومنهاجا) قال: سبيلا وسنة. ~~وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ms1003 ابن عباس ~~قال: قال كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس: اذهبوا بنا إلى محمد ~~لعلنا أن نفتنه عن دينه. فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود ~~وأشرافهم وساداتهم. وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود، وإن بيننا وبين قومنا ~~خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك، وأنزل ~~الله فيهم (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) إلى قوله (لقوم يوقنون). وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (أفحكم ~~الجاهلية يبغون) قال: يهود. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: هذا في قتيل ~~اليهود. # سورة المائدة الآية (51 - 56) قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا) ~~الظاهر أنه خطاب للمؤمنين حقيقة، وقيل المراد بها المنافقون، ووصفهم ~~بالإيمان باعتبار ما كانوا يظهرونه. وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى ~~فنهوا عن ذلك. والأولى أن يكون خطابا PageV02P049 # لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهرا وباطنا أو ظاهر فقط. فيدخل ~~المسلم والمنافق، ويؤيد هذا قوله (فترى الذين في قلوبهم مرض) والاعتبار ~~بعموم اللفظ، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية ما يتضح به المراد. # والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في ~~المصادفة والمعاشرة والمناصرة. وقوله (بعضهم أولياء بعض) تعليل للنهي، ~~والمعنى: أن بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وبعض النصارى أولياء ~~البعض الآخر منهم، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، ~~وبالبعض الآخر الطائفة الأخرى للقطع بأنهم في غاية من العداوة والشقاق - ~~وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ - وقيل ~~المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعداوة ما جاء به وإن كانوا في ذات بينهم ~~متعادين متضادين. ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة ~~هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم، ~~ولهذا عقب هذه الجملة التعليلة بما هو كالنتيجة ms1004 لها فقال (ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم) أي فإنه من جملتهم وفى عدادهم وهو وعيد شديد فإن المعصية ~~الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية. وقوله (إن الله ~~لا يهدى القوم الظالمين) تعليل للجملة التي قبلها: أي أن وقوعهم في الكفر ~~هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي ~~الكافرين. قوله (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم) الفاء للسببية، ~~والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح له: أي ما ~~ارتكبوه من الموالاة ووقعوا فيه من الكفر هو بسبب ما في قلوبهم من مرض ~~النفاق. وقوله (يسارعون) في محل نصب إما على أنه المفعول الثاني إذا كانت ~~الرؤية قلبية أو على أنه حال إذا كانت بصرية، وجعل المسارعة في موالاتهم ~~مسارعة فيهم للمبالغة في بيان رغوبهم في ذلك حتى كأنهم مستقرون فيهم داخلون ~~في عدادهم. وقد قرئ فيرى بالتحتية. واختلف في فاعله ما هو؟ # فقيل هو الله عز وجل، وقيل هو كل ما تصح منه الرؤيا، وقيل هو الموصول ~~ومفعوله (يسارعون فيهم) على حذف أن المصدرية: أي فيرى القوم الذين في ~~قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم، فلما حذفت ارتفع الفعل كقوله: * ألا أيهذا ~~اللائمي أحضر الوغا * والمرض في القلوب: هو النفاق والشك في الدين. وقوله ~~(يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) جملة مشتملة على تعليل المسارعة في ~~الموالاة: أي أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة، وقيل إن الجملة ~~حال من ضمير يسارعون. والدائرة: ما تدور من مكاره الدهر: أي نخشى أن تظفر ~~الكفار بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فتكون الدولة لهم وتبطل دولته ~~فيصيبنا منهم مكروه، ومنه قول الشاعر: # يرد عنك القدر المقدورا * ودائرات الدهر أن تدورا أي دولات الدهر الدائرة ~~من قوم إلى قوم. وقوله (فعسى الله أن يأتي بالفتح) رد عليهم ودفع لما وقع ~~لهم من الخشية، وعسى في كلام الله وعد صادق لا يتخلف. والفتح: ظهور النبي ~~صلى الله عليه وآله ms1005 وسلم على الكافرين، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني ~~قريظة، وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير، وقيل هو فتح بلاد المشركين على ~~المسلمين، وقيل فتح مكة. والمراد بالأمر من عنده سبحانه هو كل ما تندفع به ~~صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم، وقيل هو إظهار أمر المنافقين ~~وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أسروا في أنفسهم وأمره بقتلهم، ~~وقيل هو الجزية التي جعلها الله عليهم، وقيل الخصب والسعة للمسلمين فيصبح ~~المنافقون (على ما أسروا في أنفسهم) من النفاق الحامل لهم على الموالاة ~~(نادمين) على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيلوها PageV02P050 # وانكشاف خلافها. قوله (يقول الذين آمنوا) قرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق ~~وأهل الكوفة بإثبات الواو، وقرأ الباقون بحذفها، فعلى القراءة الأولى مع ~~رفع يقول يكون كلاما مبتدأ مسوقا لبيان ما وقع من هذه الطائفة، وعلى قراءة ~~النصب يكون عطفا على (فيصبحوا) وقيل على (يأتي) والأولى أولى، لأن هذا ~~القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة الكافرين لا عند إتيان الفتح، ~~وقيل هو معطوف على الفتح كقول الشاعر: # * للبس عباءة وتقر عيني * وأما على قراءة حذف الواو فالجملة مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر والإشارة بقوله (أهؤلاء) إلى المنافقين: أي يقول الذين آمنوا ~~مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين (أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم إنهم لمعكم) بالمناصرة يا والمعاضدة في القتال، أو يقول بعض ~~المؤمنين لبعض مشيرين إلى المنافقين، وهذه الجملة مفسرة للقول. وجهد ~~الأيمان: أغلظها، وهو منصوب على المصدر أو على الحال. أي أقسموا بالله ~~جاهدين. قوله (حبطت أعمالهم) أي بطلت وهو من تمام قول المؤمنين أو جملة ~~مستأنفة والقائل الله سبحانه. والأعمال هي التي عملوها في الموالاة أو كل ~~عمل يعملونه. قوله (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم) قرأ أهل المدينة ~~والشام يرتدد بدالين بفك الإدغام، وهي لغة تميم، وقرأ غيرهم بالإدغام. وهذا ~~شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، ~~وذلك نوع من أنواع الردة. والمراد بالقوم الذين وعد الله ms1006 سبحانه بالإتيان ~~بهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل ~~بهم أهل الردة، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن، ~~ثم وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ~~ونهاية الثناء من كونهم يحبون الله وهو يحبهم، ومن كونهم (أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) ~~والأذلة: جمع ذليل لا ذلول، والأعزة: جمع عزيز: # أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع ~~على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في ~~الدين، بل هم متصلبون لولا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من ~~الإزراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب حسدا وبغضا وكراهة ~~للحق وأهله، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من الصفات التي اختصهم الله ~~بها، والفضل: اللطف والإحسان. قوله (إنما وليكم الله) لما فرغ سبحانه من ~~بيان من لا تحل موالاته بين من هو الولي الذي تجب موالاته، ومحل (الذين ~~يقيمون الصلاة) الرفع على أنه صفة للذين آمنوا أو بدل منه أو النصب على ~~المدح. وقوله (وهم راكعون) جملة حالية من فاعل الفعلين اللذين قبله. ~~والمراد بالركوع: الخشوع والخضوع: أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~خاشعون خاضعون لا يتكبرون، وقيل هو حال من فاعل الزكاة. والمراد بالركوع هو ~~المعنى المذكور: أي يضعون الزكاة في مواضعها غير متكبرين على الفقراء ولا ~~مترفعين عليهم، وقيل المراد بالركوع على المعنى الثاني: # ركوع الصلاة، ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة في تلك الحال، ثم وعد سبحانه ~~من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا بأنهم الغالبون لعدوهم، وهو من وضع ~~الظاهر موضع المضمر، ووضع حزب الله موضع ضمير الموالين لله ولرسوله ~~وللمؤمنين. والحزب: الصنف من الناس، من قولهم حزبه كذا: أي نابه، فكأن ~~المتحزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة التي تنوب، وحزب الرجل: أصحابه، ~~والحزب: الورد. وفى الحديث " فمن فاته حزبه من الليل " وتحزبوا: اجتمعوا. ~~والأحزاب: الطوائف. وقد وقع، ولله ms1007 الحمد ما وعد الله به أولياءه وأولياء ~~رسله وأولياء عباده المؤمنين من الغلب لعدوهم، فإنهم غلبوا اليهود بالسبي ~~والقتل والإجلاء وضرب PageV02P051 # الجزية، حتى صاروا لعنهم الله أذل الطوائف الكفرية وأقلها شوكة، وما ~~زالوا تحت كلكل المؤمنين يطحنونهم كيف شاءوا، ويمتهنونهم كما يريدون من بعد ~~البعثة الشريفة المحمدية إلى هذه الغاية. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن ~~الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشبث ~~بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، ~~وكان أحد بني عوف بن الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من عبد الله بن ~~أبي ابن سلول، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أتبرأ ~~إلى الله وإلى رسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. وفيه وفى عبد الله بن ~~أبي نزلت الآيات في المائدة (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء) إلى قوله (فإن حزب الله هم الغالبون). وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس قال: أسلم عبد الله بن أبي ابن سلول، ثم قال: إن بيني وبين ~~قريظة والنضير حلفا وإني أخاف الدوائر، فارتد كافرا. وقال عبادة بن الصامت: ~~أتبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير وأتولى الله ورسوله، فنزلت. وأخرج ابن ~~مردويه أيضا من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده ~~نحو ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة فذكر ~~نحو ما تقدم. وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: لما انهزم أهل بدر قال ~~المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، ~~فقال مالك بن الصيف: غركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم ms1008 بالقتال، أما ~~لو أصررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يدان بقتالنا، فقال عبادة ~~وذكر نحو ما تقدم عنه وعن عبد الله بن أبي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا) قال: إنها في الذبائح " من دخل في دين قوم ~~فهو منهم ". وأخرج عبد ابن حميد عن حذيفة قال " ليتق أحدكم أن يكون يهوديا ~~أو نصرانيا وهو لا يشعر، وتلا (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ". وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية (فترى الذين في قلوبهم مرض) كعبد ~~الله بن أبي (يسارعون فيهم) في ولايتهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في سننه وابن عساكر عن قتادة قال: أنزل الله ~~هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم) وقد علم أنه سيرتد مرتدون ~~من الناس، فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ارتد عامة العرب عن ~~الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجواثي من عبد ~~القيس، وقال الذين ارتدوا: نصلي الصلاة ولا نزكي والله لا تغصب أموالنا، ~~فكلم أبا بكر في ذلك ليتجاوز عنهم، وقيل لهم إنهم لو قد فقهوا أدوا الزكاة، ~~فقال: والله لا أفرق بين شئ جمعه الله ولو منعوني عقالا مما فرض الله ~~ورسوله لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصائب مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقروا ~~بالماعون وهو الزكاة. قال قتادة: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر ~~وأصحابه (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) إلى آخر الآية. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل ~~عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله (يا ~~أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه) الآية، قال عمر: أنا وقومي يا ~~رسول الله؟ قال: لا بل هذا وقومه. # يعني أبا موسى الأشعري. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن ~~حميد ms1009 والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو ~~الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عياض الأشعري قال: ~~لما نزلت (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: هم PageV02P052 # قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه ~~والحاكم في جمعه لحديث شعبة والبيهقي وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال: ~~تليت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فسوف يأتي الله بقوم) الآية، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قومك يا أبا موسى أهل اليمن. وأخرج ابن أبي ~~حاتم في الكنى والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه بسند حسن عن ~~جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله ~~(فسوف يأتي الله بقوم) الآية، فقال: هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم ~~السكون ثم تجيب. وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس في الآية قال: هم قوم من أهل اليمن ثم من كندة ثم من السكون. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عنه قال: هم أهل القادسية. وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم ~~بن مخيمرة قال: أتيت ابن عمر فرحب بي، ثم تلا (من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم) الآية، ثم ضرب على منكبي وقال: أحلف بالله إنهم لمنكم أهل ~~اليمن ثلاثا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطية ابن سعد. قال في قوله ~~(إنما وليكم الله ورسوله) إنها نزلت في عبادة بن الصامت. وأخرج الخطيب في ~~المتفق والمفترق عن ابن عباس قال: تصدق على بخاتم وهو راكع، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم للسائل: من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع، فأنزل ~~الله فيه (إنما وليكم الله ورسوله). وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب. ~~وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر ms1010 عن علي بن أبي طالب نحوه. وأخرج ~~ابن مردويه عن عمار نحوه أيضا. وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجاهيل ~~عنه نحوه. سورة المائدة الآية (57 - 63) PageV02P053 # قوله (لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا) هذا النهي عن موالاة المتخذين ~~للدين هزؤا ولعبا يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين وأهل الكتاب وأهل ~~البدع المنتمين إلى الإسلام، والبيان بقوله (من الذين أوتوا الكتاب) إلى ~~آخره لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي ~~الباعثة على النهي. قوله (والكفار) قرأ أبو عمرو والكسائي بالجر على تقدير ~~من: أي ومن الكفار. قال الكسائي: وفى حرف أبي - ومن الكفار - وقرأ من ~~عداهما بالنصب. قال النحاس: وهو أوضح وأبين. وقال مكي: لولا اتفاق الجماعة ~~على النصب لاخترت الخفض لقوته في الإعراب وفى المعنى، والمراد بالكفار هنا ~~المشركون، وقيل المنافقون (واتقوا الله) بترك ما نهاكم عنه من هذا وغيره ~~(إن كنتم مؤمنين) فإن الإيمان يقتضى ذلك، والنداء الدعاء برفع الصوت وناداه ~~مناداة ونداء: صاح به، وتنادوا: أي نادى بعضهم بعضا. وتنادوا: أي جلسوا في ~~النادي، والضمير في (اتخذوها) للصلاة: أي اتخذوا صلاتكم هزؤا ولعبا، وقيل ~~الضمير للمناداة المدلول عليها بناديتم. قيل وليس في كتاب الله تعالى ذكر ~~الأذان إلا في هذا الموضع، وأما قوله تعالى في الجمعة - إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة - فهو خاص بنداء الجمعة. وقد اختلف أهل العلم في كون الأذان ~~واجبا أو غير واجب، وفى ألفاظه وهو مبسوط في مواطنه. # قوله (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) أي ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون، لأن ~~الهزؤ واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش. قوله (قل يا أهل الكتاب هل ~~تنقمون منا) يقال: نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم: إذا عبت عليه. # قال الكسائي: نقمت بالكسر لغة، ونقمت الأمر أيضا ونقمت: إذا كرهته، ~~وانتقم الله منه: أي عاقبه، والاسم منه النقمة، والجمع نقمات، مثل كلمة ~~وكلمات، وإن شئت سكنت القاف ونفلت حركتها إلى النون، والجمع نقم مثل نعمة ~~ونعم، وقيل ms1011 المعنى يسخطون، وقيل ينكرون. قال عبد الله بن قيس الرقيات: # ما نقموا من بنى أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا وقال الله سبحانه - وما ~~نقموا منهم - والمعنى في الآية: هل تعيبون أو تسخطون أو تنكرون أو تكرهون ~~منا إلا إيماننا بالله وبكتبه المنزلة، وقد علمتم بأنا على الحق (وأن ~~أكثركم فاسقون) بترككم للإيمان والخروج عن امتثال أوامر الله. وقوله (وأن ~~أكثركم فاسقون) معطوف على أن آمنا: أي ما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا ~~وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان. وفيه أن المؤمنين لم يجمعوا بين الأمرين ~~المذكورين. فإن الإيمان من جهتهم والتمرد والخروج من جهة الناقمين، وقيل هو ~~على تقدير محذوف: أي واعتقادنا أن أكثركم فاسقون، وقيل إن قوله (أن آمنا) ~~هو منصوب على أنه مفعول له والمفعول محذوف، فيكون (وأن أكثركم فاسقون) ~~معطوفا عليه عطف العلة على العلة. والتقدير: وما تنقمون منا إلا لأن آمنا، ~~ولأن أكثركم فاسقون، وقيل معطوف على علة محذوفة، أي لقلة إنصافكم، ولأن ~~أكثركم فاسقون، وقيل الواو في قوله (وأن أكثركم فاسقون) هي التي بمعنى مع: ~~أي ما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون، وقيل هو منصوب بفعل ~~محذوف يدل عليه هل تنقمون: أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، وقيل هو مرفوع ~~على الابتداء والخبر محذوف: أي وفسقكم معلوم فتكون الجملة حالية، وقرئ بكسر ~~إن من قوله (وإن أكثركم فاسقون) فتكون جملة مستأنفة. # قوله (قل هل أنبئكم بشر من ذلك) بين الله سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ~~ما هو أولى بالعيب، وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه، ~~والمعنى: هل أنبئكم بشر من نقمكم علينا أو بشر مما تريدون لنا من المكروه ~~أو بشر من أهل الكتاب أو بشر من دينهم. وقوله (مثوبة) أي جزاء ثابتا. وهي ~~مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر. ووضعت هنا موضع العقوبة على ~~طريقة - فبشرهم بعذاب أليم - وهي منصوبة على التمييز PageV02P054 # من بشر. وقوله (من لعنه الله) خبر لمبتدأ محذوف مع تقدير ms1012 مضاف محذوف: أي ~~هو لعن من لعنه الله أو هو دين من لعنه الله، ويجوز أن يكون في محل جر بدلا ~~من شر. قوله (وجعل منهم القردة والخنازير) أي مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير ~~وهم اليهود، فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة وكفار مائدة عيسى منهم خنازير. ~~قوله (وعبد الطاغوت) قرأ حمزة بضم الباء من عبد وكسر التاء من (الطاغوت) أي ~~جعل منهم عبد الطاغوت بإضافة عبد إلى الطاغوت. والمعنى: وجعل منهم من يبالغ ~~في عبادة الطاغوت، لأن فعل من صيغ المبالغة، كحذر وفطن للتبليغ في الحذر ~~والفطنة. وقرأ الباقون بفتح الباء من (عبد) وفتح التاء من (الطاغوت) على ~~أنه فعل ماض معطوف على فعل ماض وهو غضب ولعن، كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت، ~~أو معطوف على القردة والخنازير: # أي جعل منهم القردة والخنازير وجعل منهم عبد الطاغوت حملا على لفظ من. ~~وقرأ أبي وابن مسعود (وعبدوا الطاغوت) حملا على معناها. وقرأ ابن عباس ~~(وعبد) بضم العين والباء كأنه جمع عبد، كما يقال: سقف وسقف. # ويجوز أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف، أو جمع عابد كبازل وبزل. وقرأ أبو ~~واقد " وعباد " جمع عابد للمبالغة، كعامل وعمال. وقرأ البصريون وعباد جمع ~~عابد أيضا، كقائم وقيام، ويجوز أن يكون جمع عبد. وقرأ أبو جعفر الرقاشي ~~وعبد الطاغوت على البناء للمفعول، والتقدير وعبد الطاغوت فيهم. وقرأ عون ~~العقيلي وابن بريدة وعابد الطاغوت على التوحيد. وروى عن ابن مسعود وأبى ~~أنهما قرآ (وعبدة الطاغوت) وقرأ عبيد بن عمير (وأعبد الطاغوت) مثل كلب ~~وأكلب. وقرئ (وعبد الطاغوت) عطفا على الموصول بناء على تقدير مضاف محذوف، ~~وهي قراءة ضعيفة جدا، والطاغوت: الشيطان أو الكهنة أو غيرهما مما قد تقدم ~~مستوفى. # قوله (أولئك شر مكانا) الإشارة إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة، وجعلت ~~الشرارة للمكان، وهي لأهله للمبالغة، ويجوز أن يكون الإسناد مجازيا. قوله ~~(وأضل عن سواء السبيل) معطوف على شر، أي هم أضل من غيرهم عن الطريق ~~المستقيم، والتفضيل في الموضعين للزيادة مطلقا أو لكونهم أشر وأضل مما ms1013 ~~يشاركهم في أصل الشرارة والضلال. قوله (وإذا جاءوكم قالوا آمنا) أي إذا ~~جاءوكم أظهروا الإسلام. قوله (وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) جملتان ~~حاليتان: أي جاءوكم حال كونهم قد دخلوا عندك متلبسين بالكفر وخرجوا من عندك ~~متلبسين به لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، بل خرجوا كما دخلوا (والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون) عندك من الكفر، وفيه وعيد شديد، وهؤلاء هم المنافقون، وقيل ~~هم اليهود الذين قالوا - آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره -. قوله (وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم) الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له، والضمير في (منهم) عائد ~~إلى المنافقين أو اليهود أو إلى الطائفتين جميعا (ويسارعون في الإثم) في ~~محل نصب على الحال على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها ~~قلبية، والمسارعة: المبادرة، والإثم: الكذب أو الشرك أو الحرام، والعدوان: ~~الظلم المتعدى إلى الغير أو مجاوزة الحد في الذنوب، والسحت: الحرام، فعلى ~~قول من فسر الإثم بالحرام يكون تكريره للمبالغة، والربانيون علماء النصارى، ~~والأحبار: علماء اليهود، وقيل الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم، ثم وبخ ~~علماءهم في تركهم لنهيهم فقال (لبئس ما كانوا يصنعون) وهذا فيه زيادة على ~~قوله (لبئس ما كانوا يعملون) لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه ~~صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله فالصنع هو العمل ~~الجيد لا مطلق العمل. فوبخ سبحانه الخاصة. وهم العلماء التاركون للأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي. فليفتح ~~العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت بما ~~PageV02P055 # فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا ~~يسمن ولا يغنى من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله ~~عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فهو أعظم ما افترضه الله عليه وأوجب ms1014 ما أوجب عليه النهوض به. اللهم اجعلنا ~~من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك ~~لومة لائم، وأعنا على ذلك وقونا عليه ويسره لنا وانصرنا على من تعدى حدودك ~~وظلم عبادك إنه لا ناصر لنا سواك ولا مستعان غيرك يا مالك يوم الدين إياك ~~نعبد وإياك نستعين. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا ~~الإسلام ونافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا) إلى قوله (والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون). وأخرج البيهقي؟ في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس في قوله (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا) ~~قال: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نادى بالصلاة فقام ~~المسلمون إلى الصلاة، قالت اليهود والنصارى: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ~~ركعوا وسجدوا استهزءوا بهم وضحكوا منهم. قال: # وكان رجل من اليهود تاجرا إذا سمع المنادى ينادى بالأذان قال: أحرق الله ~~الكاذب، قال: فبينما هو كذلك إذ دخلت جاريته بشعلة من نار، فطارت شرارة ~~منها في البيت فأحرقته، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدى ~~قال: كان رجل من النصارى فذكر نحو قصة الرجل اليهودي. وأخرج ابن إسحاق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: أتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نفر من اليهود، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أو ~~من بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى ~~موسى وعيسى، وما أوتى النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن ~~آمن به، فأنزل الله فيهم (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا) إلى قوله ~~(فاسقون). وأخرج ms1015 عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله (وجعل منهم القردة والخنازير) قال: مسخت من يهود. ~~وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك أنه قيل له: كانت القردة والخنازير قبل أن ~~يمسخوا؟ قال نعم، وكانوا مما خلق من الأمم. وأخرج مسلم وابن مردويه عن ابن ~~مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن القردة والخنازير هما ~~مما مسخ الله، فقال: إن الله لم يهلك قوما، أو قال: لم يمسخ قوما فيجعل لهم ~~نسلا ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وإذا جاءوكم قالوا ~~آمنا) الآية، قال أناس من اليهود: كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم ~~وبالكفر، فكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج ابن جرير عن السدى في الآية قال: هؤلاء ناس من المنافقين ~~كانوا يهودا، يقول دخلوا كفارا وخرجوا كفارا. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (وترى كثيرا منهم ~~يسارعون في الإثم والعدوان) قال: # هؤلاء اليهود (لبئس ما كانوا يعملون) إلى قوله (لبئس ما كانوا يصنعون) ~~قال: يصنعون ويعملون واحد، قال لهؤلاء حين لم ينتهوا كما قال لهؤلاء حين ~~عملوا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (لولا ينهاهم ~~الربانيون والأحبار) قال: فهل لا ينهاهم الربانيون والأحبار، وهم الفقهاء ~~والعلماء. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية ~~أشد توبيخا من هذه الآية (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار) PageV02P056 # وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~الضحاك بن مزاحم نحوه، وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لا حاجة لنا في بسطها هنا. # سورة المائدة الآية (64 - 66) قوله (يد الله مغلولة) ms1016 اليد عند العرب تطلق ~~على الجارحة، ومنه قوله تعالى - وخذ بيدك ضغثا - وعلى النعمة، يقولون كم يد ~~لي عند فلان، وعلى القدرة. ومنه قوله تعالى - قل إن الفضل بيد الله - أو ~~على التأييد، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يد الله مع القاضي حين ~~يقضى " وتطلق على معان أخر. وهذه الآية هي على طريق التمثيل كقوله تعالى - ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على ~~الجود مجازا، ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض ~~الكف، ومنه قول الشاعر: # كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها * وكل باب من الخيرات مفتوح * فاستبدلت ~~بعده جعدا أنامله * كأنما وجهه بالخل منضوح فمراد اليهود هنا عليهم لعائن ~~الله أن الله بخيل، فأجاب سبحانه عليهم بقوله (غلت أيديهم) دعاء عليهم ~~بالبخل، فيكون الجواب عليهم مطابقا لما أرادوه بقوله (يد الله مغلولة) ~~ويجوز أن يراد غل أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة، ~~ويقوى المعنى الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى ~~يهوديا، وإن كان ماله في غاية الكثرة، إلا وهو من أبخل خلق الله، وأيضا ~~المجاز أوفق بالمقام لمطابقته لما قبله. قوله (ولعنوا بما قالوا) معطوف على ~~ما قبله والباء سببية: أي أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم:) يد الله ~~مغلولة)، ثم رد سبحانه بقوله (بل يداه مبسوطتان) أي بل هو في غاية ما يكون ~~من الجود، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد ~~عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من ~~نسبته إلى اليد الواحدة، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة ~~يقتضيها المقام: أي كلا ليس الأمر كذلك (بل يداه مبسوطتان) وقيل المراد ~~بقوله (بل يداه مبسوطتان) نعمة الدنيا الظاهرة ونعمتها الباطنة، وقيل نعمة ~~المطر والنبات، وقيل الثواب والعقاب. وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ " ~~بل يداه بسيطتان ": أي منطلقتان كيف يشاء. # قوله (ينفق كيف يشاء) ms1017 جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه: أي إنفاقه ~~على ما تقتضيه مشيئته، فإن شاء وسع، وإن شاء قتر، فهو الباسط القابض، فإن ~~قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا لشئ آخر، فإن PageV02P057 # خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى. قوله (وليزيدن كثيرا منهم) ~~الخ، اللام هي لام القسم: أي ليزيدن كثيرا من اليهود والنصارى ما أنزل إليك ~~من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة (طغيانا وكفرا) أي طغيانا إلى ~~طغيانهم وكفرا إلى كفرهم. قوله (وألقينا بينهم) أي بين اليهود (العداوة ~~والبغضاء) أو بين اليهود والنصارى. # قوله (كلما أوقدوا نار للحرب أطفأها الله) أي كلما جمعوا للحرب جمعا ~~وأعدوا له عدة شتت الله جمعهم، وذهب بريحهم فلم يظفروا بطائل ولا عادوا ~~بفائدة، بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم، وهكذا لا يزالون يهيجون ~~الحروب ويجمعون عليها، ثم يبطل الله ذلك، والآية مشتملة عل استعارة بليغة، ~~وأسلوب بديع (ويسعون في الأرض فسادا) أي يجتهدون في فعل ما فيه فساد، ومن ~~أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله، وقيل المراد بالنار هنا ~~الغضب: أي كلما أثاروا في أنفسهم غضبا أطفأه الله بما جعله من الرعب في ~~صدورهم والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم. قوله (والله لا يحب المفسدين) إن ~~كانت اللام للجنس فهم داخلون في ذلك دخولا أوليا، وإن كانت للعهد فوضع ~~الظاهر موضع المضمر لبيان شدة فسادهم وكونهم لا ينفكون عنه. قوله (ولو أن ~~أهل الكتاب آمنوا واتقوا) أي لو أن المتمسكين بالكتاب، وهم اليهود ~~والنصارى، على أن التعريف للجنس (آمنوا) الإيمان الذي طلبه الله منهم، ومن ~~أهمه الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أمروا بذلك في ~~كتب الله المنزلة عليهم (واتقوا) المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من ~~الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله (لكفرنا عنهم سيئاتهم) التي ~~اقترفوها، وإن كانت كثيرة متنوعة، وقيل المعنى: لوسعنا عليهم في أرزاقهم ~~(ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل) أي أقاموا ما فيهما من الأحكام ms1018 التي من ~~جملتها الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قوله (وما أنزل ~~الله إليهم من ربهم) من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن فإنها كلها ~~وإن نزلت على غيرهم فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها ~~(لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب ~~الرزق لهم وكثرتها وتعدد أنواعها. قوله (منهم أمة مقتصدة) جواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة، أو البعض منهم دون البعض، ~~والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه وطائفة من النصارى ~~(وكثير منهم ساء ما يعملون) وهم المصرون على الكفر المتمردون عن إجابة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان بما جاء به. # وقد أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس قال: ~~قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله ~~(وقالت اليهود يد الله مغلولة) الآية. وأخرج أبو الشيخ عنه أنها نزلت في ~~فنحاص اليهودي. وأخرج مثله ابن جرير عن عكرمة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (وقالت اليهود يد الله مغلولة) أي بخيلة. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا) قال: حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا ~~بمحمد ودينه وهم يجدونه مكتوبا عندهم. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (كلما أوقدوا نارا للحرب) قال: حرب محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى في الآية: # كلما أجمعوا أمرهم على شئ فرقه الله وأطفأ حدهم ونارهم وقذف في قلوبهم ~~الرعب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن ms1019 قتادة في قوله (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا) قال: آمنوا بما أنزل ~~على محمد واتقوا ما حرم الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (ولو PageV02P058 # أنهم أقاموا التوراة والإنجيل) قال: العمل بهما، وأما ما أنزل إليهم ~~فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزل عليه، وأما (لأكلوا من فوقهم) ~~فأرسلت عليهم مطرا، وأما (من تحت أرجلهم) يقول أنبت لهم من الأرض من رزقي ~~ما يغنيهم، (منهم أمة مقتصدة) وهم مسلمة أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (لأكلوا من فوقهم) يعنى لأرسل عليهم السماء مدرارا ~~(ومن تحت أرجلهم) قال: تخرج الأرض من بركتها. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ~~الربيع بن أنس قال: الأمة المقتصدة: الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم ~~غلوا. قال: # والغلو الرغبة، والفسق التقصير عنه. وأخرج أبو الشيخ عن السدى (أمة ~~مقتصدة) يقول مؤمنة. وأخرج ابن مردويه قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا ~~أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا أبو معشر عن يعقوب بن زيد بن ~~طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فذكر حديثا، قال: ثم حدثهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~تفرقت أمة موسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون ~~منها في النار، وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في ~~الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، تعلو أمتي على الفريقين جميعا ملة واحدة ~~في الجنة وثنتان وسبعون منها في النار، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ~~الجماعات الجماعات " قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا ~~الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلا فيه قرآنا، قال (ولو أن ~~أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم) إلى قوله (منهم أمة مقتصدة ~~وكثير منهم ساء ما يعملون) وتلا أيضا (وممن خلقنا ms1020 أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون) يعنى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال ابن كثير في تفسيره ~~بعد ذكره لهذا الحديث ما لفظه: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروى من ~~طرق عديدة قد ذكرناها في موضع آخر انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار ~~إلا واحدة، فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم إنها موضوعة. # سورة المائدة الآية (66 - 67) العموم الكائن في ما أنزل يفيد أنه يجب ~~عليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ جميع ما أنزله الله إليه لا يكتم منه ~~شيئا. وفيه دليل على أنه لم يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزله الله إليه ~~شيئا، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من زعم أن ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب. وفى صحيح ~~البخاري من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: هل عندكم شئ من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا ~~والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في ~~هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا ~~يقتل مسلم بكافر (فإن لم تفعل) ما أمرت به من تبليغ الجميع بل كتمت ولو ~~بعضا من ذلك (فما بلغت رسالاته). قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة إلا شعبة " ~~رسالته " على التوحيد. وقرأ أهل المدينة وأهل الشام " رسالاته " على الجمع، ~~قال النحاس: والجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ينزل ~~عليه الوحي شيئا فشيئا، ثم يبينه انتهى. وفيه نظر، فإن نفى التبليغ عن ~~الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن الرسالات، كما ذكره علماء البيان على ~~PageV02P059 # خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ما نزل ~~إليهم، وقال لهم في غير موطن: هل بلغت؟ فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن ~~أمته خيرا، ثم إن الله ms1021 سبحانه وعده بالعصمة من الناس دفعا لمن يظن أنه حامل ~~على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس، وقد كان ذلك بحمد الله فإنه ~~بين لعباد الله ما نزل إليهم على وجه التمام، ثم حمل من أبى من الدخول في ~~الدين على الدخول فيه طوعا أو كرها وقتل صناديد الشرك وفرق جموعهم وبدد ~~شملهم، وكانت كلمة الله هي العليا، فأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه ~~السيف العذل حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم: ما تظنون أني فاعل ~~بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وهكذا من ~~سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس، إن قام ببيان حجج ~~الله وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده ولم يمتثل لشرعه ~~كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد ~~المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله وشدة شكيمة في القيام بحجة الله، وكل ما ~~يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم ~~فهو خيالات مختلة وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في ~~الحقيقة، لأنها لا تأتى إلا بخير في الأولى والأخرى - إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد -. قوله (إن الله لا يهدى القوم ~~الكافرين) جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة: أي إن الله لا يجعل لهم ~~سبيلا إلى الإضرار بك، فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: ~~لما نزلت (بلغ ما أنزل إليك من ربك) قال: يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ ~~يجتمع على الناس، فنزلت (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) وأخرج أبو الشيخ عن ~~الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله بعثني برسالته ~~فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزلت (يا ~~أيها ms1022 الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته) يعنى إن كتمت آية مما أنزل إليك لم تبلغ رسالته. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية (يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ~~قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك إن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس). وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة قال: كنت عند ~~ابن عباس فجاءه رجل فقال: إن ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس، فقال: ألم تعلم أن الله قال (يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) والله ما ورثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم سوداء في بيضاء. # وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم سئل: أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام ~~موسم، فاجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم، فأنزل علي جبريل فقال ~~(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) الآية، قال: فقمت عند العقبة فناديت يا ~~أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة، أيها الناس قولوا ~~لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم. تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة، قال: ~~فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون بالتراب والحجارة ويبزقون في وجهي ~~ويقولون: كذب صابئ، فعرض علي عارض فقال: يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن ~~لك أن تدعو عليهم PageV02P060 # كما دعا نوح على قومه بالهلاك. فقال النبي صلى ms1023 الله عليه وآله وسلم: ~~اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه. ~~قال الأعمش: فبذلك يفتخر بنو العباس ويقولون فيهم نزلت - إنك لا تهدى من ~~أحببت ولكن الله يهدى من يشاء - هوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا ~~طالب، وشاء الله عباس ابن عبد المطلب. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم ~~والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يحرس حتى نزلت (والله يعصمك من الناس) فأخرج رأسه من القبة فقال: ~~أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله، قال الحاكم في المستدرك: صحيح الإسناد ~~ولم يخرجاه. وأخرج الطبراني وابن مردويه من حديث أبي سعيد. وقد روى في هذا ~~المعنى أحاديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بني أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينما ~~هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال الوارث من بني النجار: لأقتلن ~~محمدا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك فإذا أعطانيه ~~قتلته به، فأتاه فقال: يا محمد أعطني سيفك أشمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده ~~حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حال الله ~~بينك وبين ما تريد، فأنزل الله سبحانه (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) ~~الآية. قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج ابن حبان في ~~صحيحه وابن مردويه عن أبي هريرة نحو هذه القصة ولم يسم الرجل. وأخرج ابن ~~جرير من حديث محمد بن كعب القرظي نحوه. وفى الباب روايات. وقصة غورث بن ~~الحارث ثابتة في الصحيح، وهي معروفة مشهورة. # سورة المائدة الآية (68 - 73) PageV02P061 # سورة المائدة (74 - 75) قوله (على شئ) فيه تحقير وتقليل لما هم عليه: أي ~~لستم على شئ يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل: # أي تعملوا بما فيهما ms1024 من أوامر الله ونواهيه التي من جملتها أمركم باتباع ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونهيكم عن مخالفته. قال أبو علي الفارسي: ~~ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما. قوله (وما أنزل إليكم من ربكم) قيل هو ~~القرآن، فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته، ويجوز أن يكون المراد ما ~~أنزل إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين. قوله (وليزيدن كثيرا منهم ~~ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا) أي كفرا إلى كفرهم وطغيانا إلى طغيانهم، ~~والمراد بالكثير منهم من لم يسلم، واستمر على المعاندة، وقيل المراد به ~~العلماء منهم، وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها. قوله (فلا تأس على ~~القوم الكافرين) أي دع عنك التأسف عل هؤلاء، فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل ~~بهم، وفى المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم. قوله (إن الذين آمنوا) الخ، ~~جملة مستأنفة لترغيب من عداهم من المؤمنين. والمراد بالمؤمنين هنا الذين ~~آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون (والذين هادوا) أي دخلوا في دين اليهود ~~(والصابون) مرتفع على الابتداء وخبره محذوف، والتقدير: والصابون والنصارى ~~كذلك. قال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير: إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون والصابون والنصارى كذلك، وأنشد سيبويه، قول الشاعر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق أي وإلا فاعلموا أنا ~~بغاة وأنتم كذلك، ومثله قوله قول ضابي البرجمي: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب أي فإني لغريب وقيار ~~كذلك. وقال الكسائي والأخفش: إن الصابون معطوف على المضمر في هادوا. قال ~~النحاس: سمعت الزجاج يقول وقد ذكر له قول الكسائي والأخفش: هذا خطأ من ~~وجهين: أحدهما أن المضمر المرفوع لا يعطف عليه حتى يؤكد. وثانيهما أن ~~المعطوف شريك المعطوف عليه. فيصير المعنى: إن الصابئين قد دخلوا في ~~اليهودية، وهذا محال. وقال الفراء: إنما جاز الرفع لأن إن ضعيفة فلا تؤثر ~~إلا في الاسم دون الخبر، فعلى هذا هو عنده معطوف على ms1025 محل اسم إن، أو على ~~مجموع إن واسمها، وقيل إن خبر إن مقدر، والجملة الآتية خبر الصابئون ~~والنصارى، كما في قول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقيل إن إن هنا بمعنى ~~نعم: فالصابون مرتفع بالابتداء. ومثله قول قيس بن الرقيات: # بكر العواذل في الصباح * يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علاك * وقد كبرت ~~فقلت إنه الأخفش: إنه بمعنى نعم والهاء للسكت. وقد تقدم الكلام على ~~الصابئين والنصارى في البقرة، وقرئ الصابيون بياء صريحة تخفيفا للهمزة، ~~وقرئ الصابون بدون ياء، وهو من صبا يصبو لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى، وقرئ ~~" والصابئين " عطفا على اسم إن قوله (من آمن بالله) مبتدأ خبره (فلا خوف ~~عليهم ولا هم PageV02P062 # يحزنون) والمبتدأ وخبره خبر لإن، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ~~والعائد إلى اسم إن محذوف: أي من آمن منهم، ويجوز أن يكون من آمن بدلا من ~~اسم إن وما عطف عليه، ويكون خبر إن (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) " ~~والمعنى على تقدير كون المراد بالذين آمنوا المنافقين كما قدمنا: أن من آمن ~~من هذه الطوائف إيمانا خالصا على الوجه المطلوب وعمل عملا صالحا، فهو الذي ~~لا خوف عليه ولا حزن، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا جميع أهل ~~الإسلام: المخلص والمنافق، فالمراد بمن آمن من اتصف بالإيمان الخالص واستمر ~~عليه، ومن أحدث إيمانا خالصا بعد نفاقه. قوله (لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل) كلام مبتدأ لبيان بعض أفعالهم الخبيثة. # وقد تقدم في البقرة بيان معنى الميثاق (وأرسلنا إليهم رسلا) ليعرفوهم ~~بالشرائع وينذروهم (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم) جملة شرطية وقعت ~~جوابا لسؤال ناس من الأحبار بإرسال الرسل كأنه قيل: ماذا فعلوا بالرسل؟ ~~وجواب الشرط محذوف: أي عصوه. وقوله (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) جملة ~~مستأنفة أيضا جواب عن سؤال ناس عن الجواب الأول كأنه قيل: كيف فعلوا بهم ~~(فقيل فريقا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بضرر، وفريقا آخر منهم قتلوهم، ~~وإنما قال (وفريقا يقتلون) لمراعاة رؤوس الآي، فمن ms1026 كذبوه عيسى وأمثاله من ~~الأنبياء، وممن قتلوه زكريا ويحيى. قوله (وحسبوا أن لا تكون فتنة) أي حسب ~~هؤلاء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن لا يقع من الله عز وجل ابتلاء ~~واختيار بالشدائد اعتزازا بقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه). قرأ أبو عمرو ~~وحمزة والكسائي (تكون) بالرفع على أن أن هي المخففة من الثقيلة، وحسب بمعنى ~~علم، لأن أن معناه التحقيق. # وقرأ الباقون بالنصب على أن أن ناصبة للفعل، وحسب بمعنى الظن، قال ~~النحاس: والرفع عند النحويين في حسبت وأخواتها أجود، ومثله: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وأن لا يشهد اللهو أمثالي قوله (فعموا ~~وصموا) أي عموا عن أبصار الهدى، وصموا عن استماع الحق، وهذه إشارة إلى ما ~~وقع من بني إسرائيل في الابتداء من مخالفة أحكام التوراة، وقتل شعيا، ثم ~~تاب الله عليهم حين تابوا، فكشف عنهم القحط (ثم عموا وصموا كثير منهم) وهذا ~~إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا وقصدهم قتل عيسى، ~~وارتفاع (كثير) على البدل من الضمير في الفعلين. قال الأخفش: كما تقول رأيت ~~قومك ثلاثتهم، وإن شئت كان على إضمار مبتدأ: أي العمى والصم كثير منهم، ~~ويجوز أن يكون كثير مرتفعا على الفاعلية على لغة من قال: أكلوني البراغيث، ~~ومنه قول الشاعر: # ولكن دفافي أبوه وأمه * بحوران يعصرن السليط أقاربه وقرئ (عموا وصموا) ~~بالبناء للمفعول: أي أعماهم الله وأصمهم. قوله (لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم) هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض فضائح أهل الكتاب، ~~والقائلون بهذه المقالة هم فرقة منهم: # يقال لهم اليعقوبية، وقيل هم الملكانية، قالوا: إن الله عز وجل حل في ذات ~~عيسى، فرد الله عليهم بقوله (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربى ~~وربكم) أي والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة، فكيف يدعون الإلهية لمن ~~يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم؟ قوله (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة) الضمير للشأن، وهذا كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك ms1027 يوجب تحريم دخول ~~الجنة، وقيل هو من قول عيسى (وما للظالمين من أنصار) ينصرونهم فيدخلونهم ~~الجنة أو يخلصونهم من النار. قوله (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة) وهذا كلام أيضا مبتدأ لبيان بعض مخازيهم. والمراد بثالث ثلاثة واحد ~~من ثلاثة، ولهذا يضاف إلى ما بعده، ولا يجوز فيه PageV02P063 # التنوين كما قال الزجاج وغيره، وإنما ينون وينصب ما بعده إذا كان ما بعده ~~دونه بمرتبة نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة، والقائل بأنه سبحانه وتعالى ثالث ~~ثلاثة هم النصارى، والمراد بالثلاثة: الله سبحانه، وعيسى، ومريم كما يدل ~~عليه قوله - أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين - وهذا هو المراد بقولهم ~~ثلاثة أقانيم: إقنيم الأب وإقنيم الابن، وإقنيم روح القدس، وقد تقدم في ~~سورة النساء كلام في هذا، ثم رد الله سبحانه عليهم هذه الدعوى الباطلة فقال ~~(وما من إله إلا إله واحد) أي ليس في الوجود إلا الله سبحانه، وهذه الجملة ~~حالية، والمعنى: قالوا تلك المقالة، والحال أنه لا موجود إلا الله، ومن في ~~قوله (من إله) لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي (وإن لم ينتهوا يقولون) ~~من الكفر (ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) جواب قسم محذوف ساد مسد جواب ~~الشرط، وقوله (منهم) بيانية أو تبعيضية (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه) ~~الفاء للعطف على مقدر، والهمزة للإنكار. # قوله ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) أي هو مقصور على ~~الرسالة، لا يجاوزها كما زعمتم، وجملة (قد خلت من قبله الرسل) صفة لرسول: ~~أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، وما وقع منه من ~~المعجزات لا يوجب كونه إلها، فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها، فإن الله ~~أحيا العصا في يد موسى وخلق آدم من غير أب. فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى ~~ووجوده من غير أب يوجبان كونه إلها، فإن كان كما تزعمون إلها لذلك فمن قبله ~~من الرسل الذين جاءوا بمثل ما جاء به آلهة، وأنتم لا تقولون بذلك. قوله ~~(وأمه ms1028 صديقة) عطف على المسيح: أي وما أمه إلا صديقة: أي صادقة فيما تقوله ~~أو مصدقة لما جاء به ولدها من الرسالة، وذلك لا يستلزم الإلهية لها، بل هي ~~كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء. قوله (كانا يأكلان الطعام) استئناف ~~يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما كسائر أفراد البشر: أي من كان يأكل ~~الطعام كسائر المخلوقين فليس برب، بل هو عبد مربوب ولدته النساء، فمتى يصلح ~~لأن يكون ربا؟ وأما قولكم إنه كان يأكل الطعام بناسوته لا بلاهوته، فهو ~~كلام باطل يستلزم اختلاط الإله بغير الإله واجتماع الناسوت واللاهوت، ولو ~~جاز اختلاط القديم بالحادث لجاز أن يكون القديم حادثا، ولو صح هذا في حق ~~عيسى لصح في حق غيره من العباد (انظر كيف نبين لهم الآيات) أي الدلالات، ~~وفيه تعجيب من حال هؤلاء الذين يجعلون تلك الأوصاف مستلزمة للإلهية ويغفلون ~~عن كونها موجودة في من لا يقولون بأنه إله (ثم انظر أنى يؤفكون) أي كيف ~~يصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟ يقال أفكه يأفكه إذا صرفه، وكرر الأمر ~~بالنظر للمبالغة في التعجيب، وجاء بثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~ابن عباس قال: جاء نافع ابن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن ~~حرملة فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما ~~عندنا من التوراة وتشهد أنها من الله حق؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكفرتم ~~منها بما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من أحداثكم، فقالوا: # فإنا نؤخذ بما في أيدينا وإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك، ~~فأنزل الله فيهم (قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل) إلى قوله (القوم الكافرين). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله (وحسبوا أن لا تكون ms1029 فتنة) قال: بلاء. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة مثله. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدى نحوه. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة) PageV02P064 # قال: النصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكذبوا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~قال: تفرقت بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقه هو الله، وقالت فرقة ~~هو ابن الله، وقالت فرقة هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة وهي مسلمة أهل ~~الكتاب. # سورة المائدة الآية (76 - 81) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم وقطعا لشبهتهم: أي أتعبدون من دون ~~الله متجاوزين إياه ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا؟ بل هو عبد مأمور، وما جرى ~~على يده من النفع، أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه، وأما هو ~~فهو يعجز عن أن يملك لنفسه شيئا من ذلك فضلا عن أن يملكه لغيره، ومن كان لا ~~ينفع ولا يضر فكيف تتخذونه إلها وتعبدونه، وأي سبب يقتضي ذلك؟ والمراد هنا ~~المسيح عليه السلام، وقدم سبحانه الضر على النفع لأن دفع المفاسد أهم من ~~جلب المصالح (والله هو السميع العليم) أي كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرا ~~ولا نفعا، والحال أن الله هو السميع العليم، ومن كان كذلك فهو القادر على ~~الضر والنفع لإحاطته بكل مسموع ومعلوم، ومن جملة ذلك مضاركم ومنافعكم. قوله ~~(تغلوا في دينكم) لما أبطل سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة ~~نهاهم عن اللغو في دينهم وهو المجاوزة للحد كإثبات الإلهية لعيسى، كما ~~يقوله النصارى، أو حطه عن مرتبته العلية كما يقوله اليهود فإن كل ذلك من ~~الغلو المذموم وسلوك طريقة الإفراط أو التفريط واختيارهما على طريق الصواب. ~~(وغير) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف: أي غلوا غير غلو الحق، وأما الغلو ~~في الحق ms1030 بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه واستخراج حقائقه فليس بمذموم، وقيل ~~إن النصب على الاستثناء المتصل، وقيل على المنقطع (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل) وهم أسلاف أهل الكتاب من طائفتي اليهود والنصارى: أي قبل ~~البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم (وأضلوا كثيرا) من الناس ~~(وضلوا عن سواء السبيل) أي عن قصدهم طريق محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~البعثة، والمراد أن أسلافهم ضلوا من قبل البعثة وأضلوا كثيرا من الناس إذ ~~ذاك، وضلوا من بعد البعثة، إما بأنفسهم، أو جعل ضلال من أضلوه ضلالا لهم ~~لكونهم سنوا لهم ذلك ونهجوه لهم، وقيل المراد بالأول كفرهم بما PageV02P065 # يقتضيه العقل، وبالثاني كفرهم بما يقتضيه الشرع. قوله (لعن الذين كفروا ~~من بني إسرائيل) أي لعنهم الله سبحانه (على لسان داود وعيسى ابن مريم) أي ~~في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم في ~~السبت وكفرهم بعيسى. قوله (ذلك بما عصوا) جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر، ~~والإشارة بذلك إلى اللعن: أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب ~~آخر، ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله (كانوا لا يتناهون عن منكر ~~فعلوه) فأسند الفعل إليهم لكون فاعله من جملتهم وإن لم يفعلوه جميعا. ~~والمعنى: أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها، أو تهيأ ~~لفعلها، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول ~~لا حالة ترك الإنكار، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر لأن ~~من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده. والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية، ~~ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع ~~لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار ~~عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير - إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد - ثم إن الله سبحانه ms1031 قال مقبحا لعدم ~~التناهي عن المنكر (لبئس ما كانوا يفعلون) أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم ~~إنكاره (ترى كثيرا منهم) أي من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه (يتولون ~~الذين كفروا) أي المشركين وليسوا على دينهم (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) أي ~~سولت وزينت، أو ما قدموه لأنفسهم ليردوا عليه يوم القيامة، والمخصوص بالذم ~~هو (أن سخط الله عليهم) أي موجب سخط الله عليهم على حذف مضاف أو هو سخط ~~الله عليهم على حذف المبتدأ، وقيل هو: أي أن سخط الله عليهم بدل من ما (ولو ~~كانوا يؤمنون بالله والنبي) أي نبيهم (وما أنزل إليه) من الكتاب (ما ~~اتخذوهم) أي المشركين (أولياء) لأن الله سبحانه ورسوله المرسل إليهم وكتابه ~~المنزل عليهم قد نهوهم عن ذلك (ولكن كثيرا منهم فاسقون) أي خارجون عن ولاية ~~الله وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (لا ~~تغلوا في دينكم) يقول: لا تبتدعوا. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كانوا مما غلوا فيه أن دعوا لله ~~صاحبة وولدا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (وضلوا عن سواء السبيل) قال: يهود. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل ~~فيقول له: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد ~~فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب ~~بعضهم ببعض ثم قال (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود) إلى ~~قوله (فاسقون) ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ~~ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ". وقد روي ms1032 هذا الحديث من ~~طرق كثيرة. والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا فلا نطول بذكرها. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود) يعني في الزبور (وعيسى ابن مريم) يعني في الإنجيل. وأخرج ~~أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~أبي مالك الغفاري في الآية قال: لعنوا على لسان داود فجعلوا قردة، وعلى ~~لسان عيسى فجعلوا خنازير. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد ~~وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي عبيدة بن ~~الجراح مرفوعا: قتلت PageV02P066 # بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار، فقام مائة واثنا عشر رجلا ~~من عبادهم فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار، ~~فهم الذين ذكر الله (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) الآيات. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) قال: ~~ما أمرتهم. وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن مردويه ~~والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: " يا معشر المسلمين إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا ~~وثلاث في الآخرة، فأما التي في الدنيا: فذهاب البهاء، ودوام الفقر، وقصر ~~العمر، وأما التي في الآخرة: فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار، ثم ~~تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط ~~الله عليهم وفى العذاب هم خالدون) " قال ابن كثير في تفسيره: هذا الحديث ~~ضعيف على كل حال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ~~ما اتخذوهم أولياء) قال: المنافقون. # سورة المائدة الآية (82 - 86) قوله (لتجدن الخ) هذه جملة مستأنفة مقررة ~~لما قبلها من تعداد مساوئ اليهود وهناتهم، ms1033 ودخول لام القسم عليها يزيدها ~~تأكيدا وتقريرا، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من ~~يصلح له كما في غير هذا الموضع من الكتاب العزيز. والمعنى في الآية: أن ~~اليهود والمشركين لعنهم الله أشد جميع الناس عداوة للمؤمنين وأصلبهم في ~~ذلك. وأن النصارى أقرب الناس مودة للمؤمنين، واللام في (للذين آمنوا) في ~~الموضعين متعلقة بمحذوف وقع صفة لعداوة ومودة، وقيل هو متعلق بعداوة ومودة، ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى كونهم أقرب مودة. والباء في (بأن منهم قسيسين) ~~للسببية: أي ذلك بسبب أن منهم قسيسين، وهو جمع قس وقسيس قاله قطرب. ~~والقسيس: العالم، وأصله من قس: إذا تتبع الشئ وطلبه. قال الراجز: # يصبحن عن قس الأذى غوافلا * وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها والقس: ~~النميمة. والقس أيضا: رئيس النصارى في الدين والعلم، وجمعه قسوس أيضا، ~~وكذلك القسيس: مثل الشر والشرير، ويقال في جمع قسيس تكسيرا قساوسة بإبدال ~~أحد السينين واوا، والأصل قساسة، فالمراد بالقسيسين في الآية: المتبعون ~~للعلماء والعباد، وهو إما عجمي خلطته العرب بكلامها، أو عربي. والرهبان: ~~جمع راهب كركبان وراكب، PageV02P067 # والفعل رهب الله يرهبه: أي خافه. والرهبانية والترهب: التعبد في الصوامع. ~~قال أبو عبيد: وقد يكون رهبان للواحد والجمع. قال الفراء: ويجمع رهبان إذا ~~كان للمفرد رهبان ورهابين كقربان وقرابين. وقد قال جرير في الجمع * رهبان ~~مدين لو رأوك ترهبوا * وقال الشاعر في استعمال رهبان مفردا: # لو أبصرت رهبان دير في الجبل * لانحدر الرهبان يسعى ونزل ثم وصفهم الله ~~سبحانه بأنهم لا يستكبرون عن قول الحق، بل هم متواضعون، بخلاف اليهود فإنهم ~~على ضد ذلك، وهذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها (وإذا سمعوا ما أنزل ~~إلى الرسول) معطوف على جملة (وأنهم لا يستكبرون). (تفيض من الدمع) أي تمتلئ ~~فتفيض، لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء، جعل الأعين تفيض، والفائض: ~~إنما هو الدمع قصد للمبالغة كقولهم دمعت عينه. قال امرؤ القيس: # ففاضت دموع العين مني صبابة * على النحر حتى بل دمعي محملي قوله (مما ~~عرفوا من الحق) من ms1034 الأولى لابتداء الغاية، والثانية بيانية: أي كان ابتداء ~~الفيض ناشئا من معرفة الحق، ويجوز أن تكون الثانية تبغيضية، وقرئ (ترى ~~أعينهم) على البناء للمجهول. وقوله (يقولون ربنا آمنا) استئناف مسوق لجواب ~~سؤال مقدر، كأنه قيل فما حالهم عند سماع القرآن؟ فقال (يقولون ربنا آمنا ~~فاكتبنا مع الشاهدين) أي آمنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد وبمن ~~أنزلته عليه فاكتبنا مع الشاهدين على الناس يوم القيامة من أمة محمد أو مع ~~الشاهدين بأنه حق، أو مع الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس. قوله ~~(وما لنا لا نؤمن بالله) كلام مستأنف، والاستفهام للاستبعاد (ولنا) متعلق ~~بمحذوف، و (لا نؤمن) في محل نصب في الحال، والتقدير: أي شئ حصل لنا حال ~~كوننا لا نؤمن بالله وبما جاءنا من الحق؟ والمعنى: أنهم استبعدوا انتفاء ~~الإيمان منهم مع وجود المقتضى له، وهو الطمع في إنعام الله، فالاستفهام ~~والنفي متوجهان إلى القيد والمقيد جميعا كقوله تعالى - مالكم لا ترجون الله ~~وقارا -، والواو في (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) للحال أيضا ~~بتقدير مبتدأ: أي أي شئ حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع في الدخول مع ~~الصالحين؟ # فالحال الأولى والثانية صاحبهما الضمير في (لنا) وعاملهما الفعل المقدر: ~~أي حصل، ويجوز أن تكون الحال الثانية من الضمير في (نؤمن) والتقدير: وما ~~لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين الطمع في صحبة الصالحين. قوله (فأثابهم الله ~~بما قالوا) الخ أثابهم على هذا القول مخلصين له معتقدين لمضمونه. قوله ~~(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) التكذيب بالآيات كفر فهو ~~من باب عطف الخاص على العام. والجحيم: النار الشديدة الإيقاد، ويقال جحم ~~فلان النار: إذا شدد إيقادها، ويقال أيضا لعين الأسد: جحمة لشدة اتقادها. # قال الشاعر: * والحرب لا تبقى لجاحمها التحيل والمزاح * وقد أخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ولتجدن ~~أقربهم مودة) الآية قال هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض ~~الحبشة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ms1035 أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله " وفى لفظ " إلا ~~حدث نفسه بقتله ". قال ابن كثير: وهو غريب جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ~~قال: ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه. وأخرج ~~أبو الشيخ عنه قال: هم ناس من الحبشة آمنوا إذا جاءتهم مهاجرة المؤمنين ~~فذلك لهم. وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن PageV02P068 # عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه (وإذا سمعوا ~~ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع). وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال: # أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة ~~بن الزبير قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن أمية ~~الضمري وكتب معه كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل ~~النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ ~~عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من ~~الدمع، وهم الذين أنزل الله فيهم (ولتجدن أقربهم مودة) إلى قوله (من ~~الشاهدين)، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في الآية قال: هم رسل النجاشي بإسلامه ~~وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلا يختارهم من قومه الخير فالخير في الفقه ~~والسن، وفى لفظ: نعت من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثلاثين رجلا، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخلوا عليه فقرأ ~~عليهم سورة يس، فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم ~~(ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا) الآية ونزلت هذه الآية ms1036 فيهم أيضا - الذين ~~آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون - إلى قوله - أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~بما صبروا -. وأخرج عبد بن حميد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ~~عباس نحوه بدون ذكر العدد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: بعث ~~النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنى عشر رجلا سبعة قسيسين ~~وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا ~~وآمنوا، فأنزل الله فيهم (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) الآية، والروايات ~~في هذا الباب كثيرة، وهذا المقدار يكفي، فليس المراد إلا بيان سبب نزول ~~الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (قسيسين) قال: هم علماؤهم. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: القسيسون عبادهم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في ~~قوله (فاكتبنا مع الشاهدين) قال: أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # سورة المائدة الآية (87 - 88) الطيبات: هي المستلذات لما أحله الله ~~لعباده. نهى الذين آمنوا عن أن يحرموا على أنفسهم شيئا منها، إما لظنهم أن ~~في ذلك طاعة لله وتقربا إليه. وأنه من الزهد في الدنيا فرفع النفس عن ~~شهواتها، أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله لهم كما يقع من كثير ~~من العوام من قولهم: حرام على وحرمته على نفسي ونحو ذلك من الألفاظ التي ~~تدخل تحت هذا النهي القرآني. قال ابن جرير الطبري: لا يجوز لأحد من ~~المسلمين تحريم شئ مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم ~~والملابس والمناكح، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم التبتل على ~~عثمان بن مظعون. # فثبت أنه لا فضل في ترك شئ مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما ~~هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدى ~~PageV02P069 # هدى ms1037 نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من ~~آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من ~~حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى ~~النساء. قال: فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن ~~وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة، ~~فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ~~ولا شئ أضر للجسم من المطاعم الردية، لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته ~~التي جعلها الله سببا إلى طاعته. قوله (ولا تعتدوا) أي لا تعتدوا على الله ~~بتحريم طيبات ما أحل الله لكم، أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم: أي ~~تترخصوا فتحللوا حراما كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال. وقد ~~ذهب جمهور العلماء إلى أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم ~~عليه ولا يلزمه كفارة. وقال أبو حنيفة وأحمد ومن تابعهما: إن من حرم شيئا ~~صار محرما عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة، وهو خلاف ما في هذه الآية ~~وخلاف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولعله يأتي في سورة التحريم ما هو ~~أبسط من هذا إن شاء الله. # وقوله (إن الله لا يحب المعتدين) تعليل لما قبله، وظاهره أن تحريم كل ~~اعتداء: أي مجاوزة لما شرعه الله في كل أمر من الأمور (وكلوا مما رزقكم ~~الله) حال كونه (حلالا طيبا) أي غير محرم ولا مستقذر. أو أكلا حلالا طيبا، ~~أو كلوا حلالا طيبا مما رزقكم الله، ثم وصاهم الله سبحانه بالتقوى فقال ~~(واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون). # وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل ~~والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوة، ms1038 ~~وإني حرمت علي اللحم، فنزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم) وقد روى من وجه آخر مرسلا، وروى موقوفا على ابن عباس. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في الآية قال: نزلت في رهط من الصحابة ~~قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا ~~نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن ~~لم يأخذ بسنتي فليس مني ". وقد ثبت نحو هذا في الصحيحين وغيرهما من دون ذكر ~~أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل وابن جرير ~~عن أبي مالك أن هؤلاء الرهط: هم عثمان بن مظعون وأصحابه، وفى الباب روايات ~~كثيرة بهذا المعنى، وكثير منها مصرح بأن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله ~~وهو عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم رجع إلى أهله، فوجدهم لم يطعموا ~~ضيفهم انتظارا له. فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي، فقالت ~~امرأته: هو حرام علي فقال الضيف: هو حرام علي، فلما رأى ذلك وضع يده وقال: ~~كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أصبت " فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) وهذا أثر منقطع، ولكن في صحيح البخاري في ~~قصة الصديق مع أضيافه ما هو شبيه بهذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: ~~كنا عند عبد الله فجئ بضرع، فتنحى رجل، فقال له عبد الله: ادن، فقال: إني ~~حرمت أن آكله، فقال عبد الله: ادن فأطعم وكفر عن يمينك. وتلا هذه الآية. # وأخرجه أيضا الحاكم في مستدركه، وقال: ms1039 صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ~~PageV02P070 # سورة المائدة الآية (89) قد تقدم تفسير اللغو، والخلاف فيه، في سورة ~~البقرة، و (في أيمانكم) صلة (يؤاخذكم)، قيل و (في) بمعنى من والإيمان جمع ~~يمين. وفى الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها ولا تجب ~~فيها الكفارة. وقد ذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى أنها قول الرجل: ~~لا والله وبلى والله في كلامه غير معتقد لليمين، وبه فسر الصحابة الآية وهم ~~أعرف بمعاني القرآن. قال الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة. قوله ~~(ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) قرئ بتشديد " عقدتم " وبتخفيفه، وقرئ " ~~عاقدتم ". والعقد على ضربين: # حسي كعقد الحبل، وحكمي كعقد البيع، واليمين والعهد. قال الشاعر: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فاليمين ~~المعقدة من عقد القلب ليفعلن أو لا يفعلن في المستقبل: أي ولكن يؤاخذكم ~~بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها. وأما اليمين ~~الغموس: فهي يمين مكر وخديعة وكذب قد باء الحالف بإثمها، وليست بمعقودة ولا ~~كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور، وقال الشافعي: هي يمين معقودة لأنها ~~مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله، والراجح الأول وجميع الأحاديث ~~الواردة في تكفير اليمين متوجهة إلى المعقودة ولا يدل شئ منها على الغموس، ~~بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد والترهيب، وإنها من الكبائر، بل من أكبر ~~الكبائر، وفيها نزل قوله تعالى - إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا - الآية. قوله (فكفارته) الكفارة: هي مأخوذة من التكفير وهو التستير، ~~وكذلك الكفر هو الستر، والكافر هو الساتر، لأنها تستر الذنب وتغطيه، ~~والضمير في كفارته راجع إلى " ما " في قوله (بما عقدتم). (إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم) المراد بالوسط هنا المتوسط بين طرفي ~~الإسراف والتقتير، وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع: أي ~~أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه، ولا يجب عليكم أن ~~تطعموهم من أعلاه، ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه، وظاهره أنه يجزئ ~~إطعام ms1040 عشرة حتى يشبعوا. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: # لا يجزئ إطعام العشرة غداء دون عشاء حتى يغديهم ويعشيهم. قال أبو عمر: هو ~~قول أئمة الفتوى بالأمصار. # وقال الحسن البصري وابن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة ~~خبزا وسمنا أو خبزا ولحما. وقال عمر بن الخطاب وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد ~~بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبو مالك والضحاك والحكم ومكحول ~~وأبو قلابة ومقاتل: يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر. وروي ~~ذلك عن علي. وقال أبو حنيفة نصف صاع بر وصاع مما عداه. وقد أخرج ابن ماجة ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال: كفر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصاع ~~من تمر وكفر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر، وفى إسناده عمر بن عبد ~~الله بن يعلى الثقفي وهو مجمع على ضعفه. وقال الدارقطني: متروك. قوله (أو ~~كسوتهم) PageV02P071 # عطف على إطعام. قرئ بضم الكاف وكسرها وهما لغتان مثل أسوة وإسوة. وقرأ ~~سعيد بن جبير ومحمد ابن السميفع اليماني " أو كأسوتهم ": يعني كأسوة أهليكم ~~والكسوة في الرجال تصدق على ما يكسو البدن ولو كان ثوبا واحدا، وهكذا في ~~كسوة النساء، وقيل الكسوة للنساء درع وخمار، وقيل المراد بالكسوة ما تجزئ ~~به الصلاة. # قوله (أو تحرير رقبة) أي إعتاق مملوك، والتحرير: الإخراج من الرق، ~~ويستعمل التحرير في فك الأسير وإعفاء المجهود بعمل عن عمله وترك إنزال ~~الضرر به، ومنه قول الفرزدق: # أبني غدانة أنني حررتكم * فوهبتكم لعطية بن جعال أي حررتكم من الهجاء ~~الذي كان سيضع منكم ويضر بأحسابكم. # ولأهل العلم أبحاث في الرقبة التي تجرئ في الكفارة، وظاهر هذه الآية أنها ~~تجزئ كل رقبة على أي صفة كانت. وذهب جماعة منهم الشافعي إلى اشتراط الإيمان ~~فيها قياسا على كفارة القتل (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) أي فمن لم يجد ~~شيئا من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام، وقرئ " متتابعات " حكى ~~ذلك عن ابن ms1041 مسعود وأبى، فتكون هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم. وبه قال أبو ~~حنيفة والثوري وهو أحد قول الشافعي. # وقال مالك والشافعي في قوله الآخر: يجزئ التفريق (ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم) أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم، ثم أمرهم بحفظ ~~الأيمان وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث بها، والإشارة بقوله (كذلك) إلى ~~مصدر الفعل المذكور بعده، أي مثل ذلك البيان (يبين الله لكم) وقد تكرر هذا ~~في مواضع من الكتاب العزيز (لعلكم تشكرون) ما أنعم به عليكم من بيان شرائعه ~~وإيضاح أحكامه. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) في القوم الذين كانوا حرموا على أنفسهم ~~النساء واللحم قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ ~~فأنزل الله (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) وأخرج عبد بن حميد عن سعيد ~~بن جبير في اللغو قال: هو الرجل يحلف على الحلال. وأخرج عبد بن حميد عن ~~مجاهد قال: هما الرجلان يتبايعان، يقول أحدهما والله لا أبيعك بكذا، ويقول ~~الآخر والله لا أشتريه بكذا. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن النخعي قال: ~~اللغو أن يصل كلامه بالحلف: والله لتأكلن والله لتشربن ونحو هذا لا يريد به ~~يمينا ولا يتعمد حلفا. فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة، وقد تقدم الكلام في ~~البقرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان) قال: بما تعمدتم. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة، وفى إسناده النضر بن زرارة بن عبد الكريم ~~الذهلي الكوفي. قال أبو حاتم مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات. وقد تقدم ~~حديث ابن عباس وتضعيفه. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا ~~نعطى في كفارة اليمين بالمد الذي نقتات به: وأخرج عبد الرزاق وابن ms1042 أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال: إني ~~أحلف لا أعطى أقواما، ثم يبدو لي فأعطيهم، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعا ~~من شعير أو صاعا من تمر أو نصف صاع من قمح. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: ~~في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة. وأخرج عبد ~~بن حميد عن ابن عباس مثله. وأخرج عنه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق قال: في كفارة ~~اليمين مد من حنطة لكل مسكين. PageV02P072 # وأخرج هؤلاء إلا ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت مثله. وأخرج هؤلاء أيضا عن ~~ابن عمر مثله. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: # تغديهم وتعشيهم إن شئت خبزا ولحما أو خبزا وزيتا أو خبزا وسمنا أو خبزا ~~وتمرا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم) قال: من عسركم ويسركم. وأخرج ابن ماجة عنه قال: ~~الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة، فنزلت ~~(من أوسط ما تطعمون أهليكم). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عنه نحو ذلك. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (أو كسوتهم) قال: عباءة لكل مسكين. قال ابن ~~كثير: حديث غريب. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: قلت يا رسول الله (أو ~~كسوتهم) ما هو؟ قال: # عباءة عباءة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: عباءة لكل ~~مسكين أو شملة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: الكسوة ثوب أو ms1043 إزار. ~~وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: في كفارة اليمين هو ~~بالخيار في هؤلاء الثلاثة الأول فالأول فإن لم يجد من ذلك شيئا فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات. # وأخرج ابن مردويه عنه نحوه. # المائدة الآية (90 - 93) قوله (يا أيها الذين آمنوا) خطاب لجميع ~~المؤمنين. وقد تقدم تفسير الميسر في سورة البقرة (والأنصاب) هي الأصنام ~~المنصوبة للعبادة (والأزلام). قد تقدم تفسيرها في أول هذه السورة، والرجس ~~يطلق على العذرة والأقذار. وهو خبر للخمر، وخبر المعطوف عليه محذوف. وقوله ~~(من عمل الشيطان) صفة لرجس: أي كائن من عمل الشيطان، بسبب تحسينه لذلك ~~وتزيينه له وقيل هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه فاقتدى به بنو آدم ~~والضمير في (فاجتنبوه) راجع إلى الرجس أو إلى المذكور. وقوله (لعلكم ~~تفلحون) علة لما قبله. قال في الكشاف: أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من ~~التأكيد، منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام ومنه ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم " شارب الخمر كعابد الوثن " ومنها أنه جعلهما ~~رجسا، كما قال - فاجتنبوا الرجس من الأوثان -، ومنها أنه جعلهما من عمل ~~الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، ~~ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب ~~خيبة ومحقة، PageV02P073 # ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين ~~أصحاب الخمر والقمر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات ~~الصلوات انتهى. # وفى هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب ~~وتحريم الصد، ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس فضلا عن جعله ~~شرابا يشرب. قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم: كان تحريم الخمر بتدريج ~~ونوازل كثيرة، لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم، فأول ~~ما نزل في أمرها - يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس - فترك عند ذلك بعض من المسلمين شربها ولم يتركه آخرون، ثم نزل قوله ~~تعالى ms1044 - لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - فتركها البعض أيضا، وقالوا لا حاجة ~~لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها البعض في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت ~~هذه الآية (إنما الخمر والميسر) فصارت حراما عليهم، حتى كان يقول بعضهم ما ~~حرم الله شيئا أشد من الخمر، وذلك لما فهموه من التشديد فيما تضمنته هذه ~~الآية من الزواجر، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد لشاربها، ~~وأنها من كبائر الذنوب. # وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعا لا شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضا على ~~تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمرا، وكما دلت هذه الآية على تحريم ~~الخمر دلت أيضا على تحريم الميسر والأنصاب والأزلام. وقد أشارت هذه الآية ~~إلى ما في الخمر والميسر من المفاسد الدنيوية بقوله (إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء) ومن المفاسد الدينية بقوله (ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة). قوله (فهل أنتم منتهون) فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام ~~الدال على التقريع والتوبيخ. ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما سمع هذا: ~~انتهينا، ثم أكد الله سبحانه هذا التحريم بقوله (وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول واحذروا) أي مخالفتهما: أي مخالفة الله ورسوله، فإن هذا وإن كان ~~أمرا مطلقا فالمجئ به في هذا الموضع يفيد ما ذكرناه من التأكيد، وهكذا ما ~~أفاده بقوله (فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) أي إن ~~أعرضتم عن الامتثال، فقد فعل الرسول ما هو الواجب عليه من البلاغ الذي فيه ~~رشادكم وصلاحكم، ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم، وفى هذا من الزجر مالا ~~يقادر قدره ولا يبلغ مداه. قوله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا) أي من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في ~~الأكل أكثر لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى - ومن لم يطعمه ~~فإنه مني - أباح الله سبحانه لهم في هذه الآية جميع ما طعموا كائنا ما كان ~~مقيدا بقوله (إذا ما اتقوا) أي اتقوا ما هو محرم عليهم كالخمر وغيره من ~~الكبائر، وجميع المعاصي (وآمنوا) ms1045 بالله (وعملوا الصالحات) من الأعمال التي ~~شرعها الله لهم: أي استمروا على عملها. قوله (ثم اتقوا) عطف على اتقوا ~~الأول: أي اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه كان مباحا فيما سبق (وآمنوا) ~~بتحريمه (ثم اتقوا) ما حرم عليهم بعد التحريم المذكور قبله مما كان مباحا ~~من قبل (وأحسنوا) أي عملوا الأعمال الحسنة، هذا معنى الآية، وقيل التكرير ~~باعتبار الأوقات الثلاثة، وقيل إن التكرير باعتبار المراتب الثلاث، المبدأ، ~~والوسط، والمنتهى، وقيل إن التكرار باعتبار ما يتقيه الإنسان، فإنه ينبغي ~~له أن يترك المحرمات توقيا من العذاب، والشبهات توقيا من الوقوع في الحرام، ~~وبعض المباحات حفظا للنفس عن الخسة، وقيل إنه لمجرد التأكيد، كما في قوله ~~تعالى - كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون -، هذه الوجوه كلها مع قطع النظر ~~عن سبب نزول الآية إما مع النظر إلى سبب نزولها، وهو أنه لما نزل تحريم ~~الخمر، قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ ~~فنزلت، فقد قيل: إن المعنى PageV02P074 # (اتقوا) الشرك (وآمنوا) بالله ورسوله (ثم اتقوا) الكبائر (وآمنوا) أي ~~ازدادوا إيمانا (ثم اتقوا) الصغائر (وأحسنوا) أي تنفلوا. قال ابن جرير ~~الطبري: الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق ~~والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق، ~~والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: نزل في الخمر ثلاث ~~آيات، فأول شئ - يسألونك عن الخمر والميسر - الآية، فقيل حرمت الخمر، فقيل ~~يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية - ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى -، فقيل حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله لا ~~نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر) ~~الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " حرمت الخمر " وأخرج أحمد ~~عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات وذكر نحو حديث ابن عمر، فقال ~~الناس: يا ms1046 رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فراشهم كانوا ~~يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان، فأنزل ~~الله (ليس على الذين آمنوا) الآية، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: في ~~نزل تحريم الخمر، صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا ناسا فأتوه، فأكلوا وشربوا ~~حتى انتشوا من الخمر، وذلك قبل تحرم الخمر فتفاخروا، فقالت الأنصار: ~~الأنصار خير من المهاجرين، وقالت قريش: قريش خير، فأهوى رجل بلحي جمل فضرب ~~على أنفي، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له، فنزلت هذه ~~الآية (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) الآية. وأخرج عبد بن حميد ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أنزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار ~~شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم ~~الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في ~~قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن ~~في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) ~~إلى قوله (فهل أنتم منتهون) فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن ~~فلان قتل يوم بدر وفلان قتل يوم أحد، فأنزل الله هذه الآية (ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية. وقد رويت في سبب النزول ~~روايات كثيرة موافقة لما قد ذكرناه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ~~الميسر هو القمار كله. وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال: قلت لجابر ~~متى حرمت الخمر؟ قال: بعد أحد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ~~نزل تحريم الخمر في سورة المائدة، بعد غزوة الأحزاب. ms1047 وأخرج عبد الرزاق وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كل القمار من الميسر حتى لعب ~~الصبيان بالجوز والكعاب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن علي بن أبي ~~طالب قال: النرد والشطرنج من الميسر. وأخرج عبد بن حميد عن علي قال: ~~الشطرنج ميسر الأعاجم. وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد أنه سئل عن ~~النرد أهي من الميسر؟ قال: كل من ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من ميسر. ~~وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في الشعب عنه ~~أيضا أنه قيل له: هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟ قال: كل ما ألهى عن ~~ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر. وأخرجوا أيضا عن ابن الزبير قال: # يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير، والله يقول في ~~كتابه (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) PageV02P075 # إلى قوله (فهل أنتم منتهون) وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد يلعب بها إلا ~~عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه من أتاني به. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ~~مالك بن أنس قال: الشطرنج من النرد، بلغنا عن ابن عباس أنه ولى مال يتيم ~~فأحرقها. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمير قال: سئل ابن عمر عن ~~الشطرنج؟ فقال هي شر من النرد. # وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن عبيد قال: رأى رجل من أهل الشام ~~أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتي عشرة مرة إلا أصحاب الشاة، يعني أصحاب ~~الشطرنج. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج فقال تلك ~~المجوسية فلا تلعبوا بها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي موسى ~~الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من لعب بالنردشير ~~فقد عصى الله ورسوله ". وأخرج أحمد عن عبد الرحيم الخطمي سمعت رسول الله ms1048 ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول " مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلى مثل ~~الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي ". وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر قال: اللاعب بالنرد قمارا كآكل لحم الخنزير، ~~واللاعب بها من غير قمار كالمدهن بودك الخنزير. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ~~يحيى بن كثير قال " مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم يلعبون ~~بالنرد فقال: قلوب لاهية وأيدي عليلة وألسنة لاغية ". وأخرج عبد بن حميد ~~وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن قتادة قال: الميسر القمار. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~من طريق ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا: كل شئ فيه قمار فهو من الميسر حتى ~~لعب الصبيان بالجوز والكعاب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وأبو ~~الشيخ عن ابن سيرين قال: القمار من الميسر. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو ~~الشيخ عنه قال: # ما كان من لعب فيه قمار أو قيام أو صياح أو شر فهو من الميسر. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن يزيد بن شريح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ثلاث من ~~الميسر: الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب ". # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها، ~~والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ~~جبير قال: كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس امستقسم بها. ~~وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الأزلام قال: هي كعاب فارس التي يقتمرون بها. ~~وسهام العرب. # وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الخمر وشاربها والوعيد الشديد عليه وأن كل ~~مسكر حرام وهي مدونة في كتب الحديث فلا نطول المقام بذكرها فلسنا بصدد ذلك، ~~بل نحن بصدد ما هو متعلق بالتفسير. # سورة المائدة الآية (94 - 95) PageV02P076 # سورة المائدة الآية (96 - 99) قوله (ليبلوكم) أي ليختبرنكم، واللام جواب ~~قسم محذوف، كان الصيد أحد معايش ms1049 العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام ~~وفى الحرم، كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت، وكان نزول الآية ~~في عام الحديبية، أحرم بعضهم وبعضهم لم يحرم، فكان إذا عرض صيد اختلفت فيه ~~أحوالهم. # وقد اختلف العلماء في المخاطبين بهذه الآية هل هم المحلون أو المحرمون؟ ~~فذهب إلى الأول مالك وإلى الثاني ابن عباس، والراجح أن الخطاب للجميع، ولا ~~وجه لقصره على البعض دون البعض، و " من " في (من الصيد) للتبعيض وهو صيد ~~البر، قاله ابن جرير الطبري وغيره. وقيل إن " من " بيانية: أي شئ حقير من ~~الصيد، وتنكير شئ للتحقير. قوله (تناله أيديكم ورماحكم) قرأ ابن وثاب ~~(يناله) بالياء التحتية، هذه الجملة تقتضي تعميم الصيد، وأنه لا فرق بين ما ~~يؤخذ باليد وهو ما لا يطيق الفرار كالصغار والبيض، وبين ما تناله الرماح: ~~وهو ما يطيق الفرار وخص الأيدي بالذكر: لأنها أكثر ما يتصرف به الصائد في ~~أخذ الصيد، وخص الرماح بالذكر لأنها أعظم الآلات للصيد عند العرب. قوله ~~(ليعلم الله من يخافه بالغيب) أي ليتميز عند الله من يخافه منكم بسبب عقابه ~~الأخروي فإنه غائب عنكم غير حاضر (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) أي بعد ~~هذا البيان الذي امتحنكم الله به، لأن الاعتداء بعد العلم بالتحريم معاندة ~~لله سبحانه وتجرئه عليه. قوله (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) نهاهم عن قتل ~~الصيد في حال الإحرام، وفى معناه - غير محلى الصيد وأنتم حرم - وهذا النهي ~~شامل لكل أحد من ذكور المسلمين وإناثهم، لأنه يقال رجل حرام وامرأة حرام ~~والجمع حرم، وأحرم الرجل: دخل في الحرم. قوله (ومن قتله منكم متعمدا) ~~المتعمد: هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام. والمخطئ: هو الذي يقصد شيئا ~~فيصيب صيدا، والناسي: هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. وقد استدل ابن ~~عباس وأحمد في رواية وداود عنه باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا كفارة ~~على غيره، بل لا تجب إلا عليه وحده. وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وأبو ثور. ~~وقيل إنها تلزم ms1050 الكفارة المخطئ والناسي كما تلزم المتعمد، وجعلوا قيد ~~التعمد خارجا مخرج الغالب، روى عن عمر والحسن والنخعي والزهري، وبه قال ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي عن ابن عباس. وقيل إنه يجب ~~التكفير على العامد الناسي لإحرامه. وبه قال مجاهد، قال: فإن كان ذاكرا ~~لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه كما لو تكلم في ~~الصلاة أو أحدث فيها. قوله (فجزاء مثل ما قتل من النعم) أي فعليه جزاء ~~مماثل لما قتله، ومن النعم بيان للجزاء المماثل. قيل المراد المماثلة في ~~القيمة، وقيل في الخلقة. وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة، وذهب إلى الثاني ~~مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو الحق لأن البيان للماثل بالنعم يفيد ~~ذلك، وكذلك يفيده هديا بالغ الكعبة. وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج ~~القيمة ولو وجد المثل، وأن المحرم مخير. وقرئ (فجزاؤه مثل ما قتل) وقرئ ~~(فجزاء مثل) على إضافة جزاء إلى مثل، PageV02P077 # وقرئ بنصبهما على تقدير فليخرج جزاء مثل ما قتل، وقرأ الحسن (النعم) ~~بسكون العين تخفيفا (يحكم به) أي بالجزاء أو بمثل ما قتل (ذوا عدل منكم) أي ~~رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين، فإذا حكما بشئ لزم، وإن اختلفا رجع ~~إلى غيرهما، ولا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين، وقيل يجوز، وبالأول قال ~~أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي في أحد قوليه: وظاهر الآية يقتضي حكمين ~~غير الجاني. قوله (هديا بالغ الكعبة) نصب هديا على الحال أو البدل من مثل، ~~و (بالغ الكعبة) صفة لهديا، لأن الإضافة غير حقيقية، والمعنى أنهما إذا ~~حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر ~~هنالك، والإشعار والتقليد، ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدى لا يبلغها، ~~وإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا. قوله (أو كفارة) معطوف على محل من ~~النعم: وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، و (طعام مساكين) عطف بيان لكفارة ~~أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف (أو عدل ذلك) معطوف على طعام، وقيل هو معطوف ~~على ms1051 جزاء، وفيه ضعف، فالجاني مخير بين هذه الأنواع المذكورة، وعدل الشئ ما ~~عادله من غير جنسه، و (صياما) منصوب على التمييز، وقد قرر العلماء عدل كل ~~صيد من الإطعام والصيام، وقد ذهب إلى أن الجاني يخير بين الأنواع المذكورة ~~جمهور العلماء. وروي عن ابن عباس أنه لا يجزئ المحرم الإطعام والصوم إلا ~~إذا لم يجد الهدى، والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهم الميل قاله الكسائي. ~~وقال الفراء: عدل الشئ بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير ~~جنسه، وبمثل قول الكسائي قال البصريون. قوله (ليذوق وبال أمره) عليه لإيجاب ~~الجزاء: أي أوجبنا ذلك عليه ليذوق وبال أمره، والذوق مستعار لإدراك المشقة، ~~ومثله - ذق إنك أنت العزيز الكريم - والوبال: سوء العاقبة، والمرعى الوبيل: ~~الذي يتأذى به بعد أكله، وطعام وبيل: إذا كان ثقيلا. قوله (عفا الله عما ~~سلف) يعنى في جاهليتكم من قتلكم للصيد، وقيل عما سلف قبل نزول الكفارة (ومن ~~عاد) إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد بعد هذا البيان (فينتقم الله منه) خبر ~~مبتدأ محذوف، أي فهو ينتقم الله منه. قيل المعنى: إن الله ينتقم منه في ~~الآخرة فيعذبه بذنبه، وقيل ينتقم منه بالكفارة. قال شريح وسعيد بن جبير: ~~يحكم عليه في أول مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه بل يقال له: اذهب ينتقم الله ~~منك: أي ذنبك أعظم من أن يكفر. قوله (أحل لكم صيد البحر) الخطاب لكل مسلم ~~أو للمحرمين خاصة، وصيد البحر ما يصاد فيه، والمراد بالبحر هنا كل ماء يوجد ~~فيه صيد بحري وإن كان نهرا أو غديرا. قوله (وطعامه متاعا لكم وللسيارة) ~~الطعام لكل ما يطعم، وقد تقدم. وقد اختلف في المراد به هنا فقيل: هو ما قذف ~~به البحر وطفا عليه، وبه قال كثير من الصحابة والتابعين، وقيل طعامه ما ملح ~~منه وبقى، وبه قال جماعة. وروي عن ابن عباس، وقيل طعامه ملحه الذي ينعقد من ~~مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره، وبه قال قوم، وقيل المراد به ما ms1052 يطعم من ~~الصيد: أي ما يحل أكله وهو السمك فقط، وبه قالت الحنفية. والمعنى: أحل لكم ~~الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر. وأحل لكم المأكول منه وهو السمك، فيكون ~~التخصيص بعد التعميم، وهو تكلف لا وجه له، ونصب " متاعا " على أنه مصدر: أي ~~متعمم به متاعا. وقيل مفعول له مختص بالطعام: أي أحل لكم طعام البحر متاعا، ~~وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير. بل إذا كان مفعولا له كان من ~~الجميع: أي أحل لكم مصيد البحر وطعامه تمتيعا لكم: أي لمن كان مقيما منكم ~~يأكله طريا (وللسيارة) أي المسافرين منكم يتزودونه ويجعلونه قديدا، وقيل ~~السيارة: هم الذين يركبونه خاصة. قوله (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ~~أي حرم عليكم ما يصاد في البر ما دمتم محرمين. وظاهرة تحريم صيده على ~~المحرم ولو كان الصائد حلالا، وإليه ذهب الجمهور إن كان الحلال صاده للمحرم ~~لا إذا لم يصده لأجله، وهو القول الراجح، PageV02P078 # وبه يجمع بين الأحاديث، وقيل إنه يحل له مطلقا، وإليه ذهب جماعة: وقيل ~~يحرم عليه مطلقا، وإليه ذهب آخرون، وقد بسطنا هذا في شرحنا للمنتقي. قوله ~~(واتقوا الله الذي إليه تحشرون) أي اتقوا الله فيما نهاكم عنه الذي إليه ~~تحشرون لا إلى غيره، وفيه تشديد ومبالغة في التحذير. وقرئ (وحرم عليكم صيد ~~البر) بالبناء للفاعل وقرئ (ما دمتم) بكسر الدال. قوله (جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس) جعل هنا بمعنى خلق، وسميت الكعبة كعبة لأنها ~~مربعة والتكعيب التربيع وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة، وقيل سميت كعبة ~~لنتوئها وبروزها، وكل بارز كعب مستديرا كان أو غير مستدير، ومنه كعب القدم، ~~وكعوب القنا، وكعب ثدي المرأة، و (البيت الحرام) عطف بيان وقيل مفعول ثان ~~ولا وجه له، وسمي بيتا لأن له سقوفا وجدرا وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ~~ساكن، وسمي حراما لتحريم الله سبحانه إياه. وقوله (قياما للناس) كذا قرأ ~~الجمهور وقرأ ابن عامر (قيما) وهو منصوب على أنه المفعول الثاني إن كان جعل ms1053 ~~هو المتعدي إلى مفعولين، وإن كان بمعنى خلق كما تقدم فهو منتصب على الحال، ~~ومعنى كونه قياما: أنه مدار لمعاشهم ودينهم: أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ~~ودنياهم: يأمن فيه خائفهم، وينصر فيه ضعيفهم، ويربح فيه تجارهم، ويتعبد فيه ~~متعبدهم. قوله (والشهر الحرام) عطف على الكعبة، وهو ذو الحجة، وخصه من بين ~~الأشهر الحرم لكونه زمان تأدية الحج، وقيل هو اسم جنس. والمراد به الأشهر ~~الحرم ذو القعدة وذو الحجة، ومحرم، ورجب، فإنهم كانوا لا يطلبون فيها دما، ~~ولا يقاتلون بها عدوا، ولا يهتكون فيها حرمة، فكانت من هذه الحيثية قياما ~~للناس (والهدى والقلائد) أي وجعل الله الهدى والقلائد قياما للناس. والمراد ~~بالقلائد: ذوات القلائد من الهدى، ولا مانع من أن يراد بالقلائد أنفسها، ~~والإشارة بذلك إلى الجعل: أي ذلك الجعل (لتعلموا أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض) أي لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمر السماوات ~~والأرض ويعلم مصالحكم الدينية والدنيوية فإنها من جملة ما فيهما، فكل ما ~~شرعه لكم فهو جلب لمصالحكم، ودفع لما يضركم (وأن الله بكل شئ عليم) هذا ~~تعميم بعد التخصيص، ثم أمرهم بأن يعلموا بأن الله لمن انتهك محارمه ولم يتب ~~عن ذلك شديد العقاب، وأنه لمن تاب وأناب غفور رحيم، ثم أخبرهم أن ما على ~~رسوله إلا البلاغ لهم، فإن لم يمتثلوا ويطيعوا فما ضروا إلا أنفسهم وما ~~جنوا إلا عليها، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه، ~~وقام بما أمره الله به. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس في قوله (ومن قتله منكم متعمدا) قال: إن قتله متعمدا أو ناسيا أو خطأ ~~حكم عليه، فإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه. وفى قوله ~~(فجزاء مثل ما قتل من النعم) قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه ~~فيه، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة ~~مساكين، ms1054 فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلا ونحوه فعليه بقرة. فإن ~~لم يجد أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو ~~حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ستين مسكينا، فإن لم يجد صام ~~ثلاثين يوما، والطعام مد مد يشبعهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ~~الحكم أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد. وأخرجا نحوه عن عطاء. # وقد روى نحو هذا عن جماعات من السلف من غير فرق بين العامد والخاطئ ~~والناسي، وروي عن آخرين اختصاص ذلك بالعامد. # وللسلف في تقدير الجزاء المماثل وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها. ~~وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في ~~بيضة النعام " صيام يوم أو إطعام مسكين ". وأخرج ابن أبي شيبة عن ~~PageV02P079 # عبد الله بن ذكوان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله. وأخرج أيضا عن ~~عائشة عنه صلى الله عليه وآله وسلم نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من ~~طريق أبي المهزم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " في ~~بيض النعام ثمنه ". وقد استثنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيوانات ~~الحرم الخمس الفواسق كما ورد ذلك في الأحاديث فإنه يجوز للمجرم أن يقتلها ~~ولا شئ عليه. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم) ما ~~لفظه ميتا فهو طعامه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفا ~~مثله. وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر الصديق نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة أن أبا بكر الصديق قال في قوله ~~(أحل لكم صيد البحر وطعامه) قال: صيد البحر ما تصطاده أيدينا، وطعامه ما ~~لاثه البحر، وفى لفظ " طعامه كل ما فيه " وفى لفظ " طعامه ميتته ". ويؤيد ~~هذا ms1055 ما في الصحيحين من حديث العنبرة التي ألقاها البحر فأكل الصحابة منها ~~وقررهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك. وحديث هو " الطهور ماؤه ~~والحل ميتته ". # وحديث " أحل لكم ميتتان ودمان ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) قال: قياما ~~لدينهم ومعالم حجهم. وأخرج ابن جرير عنه قال: قيامها أن يأمن من توجه ~~إليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~والشهر الحرام قياما للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى. لا يخاف بعضهم من ~~بعض حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد) قال: حواجز ~~أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى ~~الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم ~~يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل لو لقي الهدى مقلدا وهو يأكل العصب من الجوع ~~لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فحمته ~~ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من السمر، فتمنعه ~~من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. وأخرج ~~أبو الشيخ عن زيد بن أسلم (قياما للناس) قال أمنا. # المائدة الآية (100 - 103) PageV02P080 # سورة المائدة الآية (103 - 104) قيل المراد بالخبيث والطيب: الحرام ~~والحلال، وقيل المؤمن والكافر، وقيل العاصي والمطيع، وقيل الردئ والجيد. ~~والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف ~~الخبث والطيب من الأشخاص والأعمال والأقوال، فالخبيث لا يساوي الطيب بحال ~~من الأحوال. قوله (ولو أعجبك كثرة الخبيث) قيل الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقيل لكل مخاطب يصلح لخطابه بهذا. والمراد نفي الاستواء في كل ms1056 ~~الأحوال، ولو في حال كون الخبيث معجبا للرائي للكثرة التي فيه، فإن هذه ~~الكثرة مع الخبيث في حكم العدم، لأن خبث الشئ يبطل فائدته، ويمحق بركته، ~~ويذهب بمنفعته، والواو إما للحال أو للعطف على مقدر: أي لا يستوي الخبيث ~~والطيب لو لم تعجبك كثرة الخبيث، ولو أعجبك كثرة الخبيث كقولك أحسن إلى ~~فلان وإن أساء إليك: أي أحسن إليه إن لم يسئ إليك وإن أساء إليك، وجواب لو ~~محذوف: أي ولو أعجبك كثرة الخبيث فلا يستويان. قوله (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) أي لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم ~~بالسؤال عنها ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم، فقوله (إن تبد لكم تسؤكم) في ~~محل جر صفة لأشياء: # أي لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة من كونها إذا بدت لكم: أي ظهرت ~~وكلفتم بها ساءتكم، نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فإن السؤال عما لا يعنى ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سببا ~~لإيجابه على السائل وعلى غيره. قوله (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد ~~لكم) هذه الجملة من جملة صفة أشياء. # والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن. وذلك مع ~~وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهركم ونزول الوحي عليه (نبد ~~لكم) أي تظهر لكم بما يجيب عليكم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو ~~ينزل به الوحي فيكون ذلك سببا للتكاليف الشاقة وإيجاب ما لم يكن واجبا ~~وتحريم ما لم يكن محرما، بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال. # وقد ظن بعض أهل التفسير أن الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال مع وجود ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزول الوحي عليه، فقال: إن الشرطية ~~الأولى أفادت عدم جواز السؤال، والثانية أفادت جوازه، فقال إن المعنى: وإن ~~تسألوا عن ms1057 غيرها مما مست إليه الحاجة تبد لكم بجواب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عنها، وجعل الضمير في (عنها) راجعا إلى أشياء غير الأشياء ~~المذكورة، وجعل ذلك كقوله - ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين - وهو آدم. ~~ثم قال - جعلناه نطفة - أي ابن آدم. قوله (عفا الله عنها) أي عما سلف من ~~مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك. وقيل المعنى: إن تلك الأشياء التي سألتم عنها ~~هي مما عفا عنه ولم يوجبه عليكم، فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو من ~~الله غير لازم؟ وضمير (عنها) عائد إلى المسألة الأولى، وإلى أشياء على ~~الثاني على أن تكون جملة " عفا الله عنها " صفة ثالثة لأشياء، والأول أولى، ~~لأن الثاني يستلزم أن يكون ذلك المسؤول عنه قد شرعه الله ثم عفا عنه، ويمكن ~~أن يقال إن العفو بمعنى الترك: أي تركها الله ولم يذكرها بشئ فلا تبحثوا ~~عنها، وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل، ثم جاء سبحانه بصيغة ~~المبالغة في كونه غفورا حليما ليدل بذلك على أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة ~~لكثرة مغفرته وسعة حلمه. قوله (قد سألها قوم من قبلكم ثم PageV02P081 # أصبحوا بها كافرين) الضمير يرجع إلى المسألة المفهومة من (لا تسألوا) لكن ~~ليست هذه المسألة بعينها، بل مثلها في كونها مما لا حاجة إليه ولا توجبه ~~الضرورة الدينية ثم لم يعملوا بها، بل أصبحوا بها كافرين: أي ساترين لها ~~تاركين للعمل بها، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة، ولا ~~بد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا، لأن ~~الأمر الذي تدعو الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا قد أذن الله بالسؤال ~~عنه فقال - فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون - وقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم " قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال ". قوله (ما جعل الله ~~من بحيرة) هذا كلام مبتدأ يتضمن الرد على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه، وجعل ~~ههنا بمعنى سمى كما قال - إنا جعلناه قرآنا ms1058 عربيا -. والبحيرة: فعيلة بمعنى ~~مفعولة كالنطيحة والذبيحة، وهي مأخوذة من البحر، وهو شق الأذن. قال ابن ~~سيده: البحيرة هي التي خليت بلا راع، قيل هي التي يجعل درها للطواغيت فلا ~~يحتلبها أحد من الناس، وجعل شق أذنها علامة لذلك. وقال الشافعي: كانوا إذا ~~نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت، وقيل إن الناقة إذا نتجت ~~خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرا بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء، وإن كان ~~الخامس أنثى بحروا أذنها وكانت حراما على النساء لحمها ولبنها، وقيل إذا ~~نتجت الناقة خمسة أبطن من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرموا ركوبها ~~ودرها. والسائبة: الناقة تسبب، أو البعير يسيب نذر على الرجل إن سلمه الله ~~من مرض أو بلغه منزلة. فلا يحبس عن رعى ولا ماء، ولا يركبه أحد قاله أبو ~~عبيد. قال الشاعر: # وسائبة لله تنمى تشكرا * إن الله عافا عامرا ومجاشعا وقيل هي التي تسيب ~~لله فلا قيد عليها ولا راعى لها، ومنه قول الشاعر: # عقرتم ناقة كانت لربي * مسيبة فقوموا للعقاب وقيل هي التي تابعت بين عشر ~~إناث ليس بينهن ذكر، فعند ذلك لا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها ~~إلا ضيف، وقيل كانوا يسيبون العبد فيذهب حيث يشاء لا يد عليه لأحد. ~~والوصيلة: قيل هي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى، وقيل هي الشاة كانت إذا ~~ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا ~~وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وقيل كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن ~~نظروا، فإن كان السابع ذكرا ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى ~~تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها، ~~وكان لحمها حراما على النساء، إلا أن يموت فيأكلها الرجال والنساء. # والحام: الفحل الحامي ظهره عن أن يركب، وكانوا إذا ركب ولد الفحل قالوا ~~حمى ظهره فلا يركب، قال الشاعر: # حماها أبو قابوس في عز ملكه * كما قد حمى أولاد أولاده الفحل وقيل هو ms1059 ~~الفحل إذا نتج من صلبه عشرة، قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ~~ولا ماء، ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله ~~وكذبا، لا لشرع شرعه الله لهم ولا لعقل دلهم عليه، وسبحان الله العظيم ما ~~أرك عقول هؤلاء وأضعفها، يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة ونفس ~~الحمق (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما ~~وجدنا عليه آباءنا) وهذه أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها لهم، وصدق الله ~~سبحانه حيث يقول (أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) أي ولو ~~كانوا جهلة ضالين، والواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام، وقيل للعطف على ~~جملة مقدرة: أي أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم. وقد تقدم الكلام على مثل هذه ~~الآية في البقرة. وقد صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعين ~~PageV02P082 # المقلدة وعصاهم التي يتوكئون عليها إن دعاهم داعي الحق وصرخ لهم صارخ ~~الكتاب والسنة فاحتجاجهم بمن قلدوه ممن هو مثلهم في التعبد بشرع الله مع ~~مخالفة قوله لكتاب الله أو لسنة رسوله هو كقول هؤلاء، وليس الفرق إلا في ~~مجرد العبارة اللفظية، لا في المعنى الذي عليه تدور الإفادة والاستفادة، ~~اللهم غفرا. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية: قال ~~الخبيث هم المشركون والطيب هم المؤمنون. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~أنس قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال ~~رجل: من أبي؟ فقال فلان، فنزلت هذه الآية (لا تسألوا عن أشياء). وأخرج ~~البخاري وغيره نحوه من حديث ابن عباس، وقد بين هذا السائل في روايات أخر ~~أنه عبد الله بن حذافة وأنه قال: من أبي؟ قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " أبوك حذافة " وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خطب فقال " يا أيها الناس إن الله قد افترض عليكم الحج، ~~فقام رجل، فقال: أكل ms1060 عام يا رسول الله؟ فسكت عنه، فأعادها ثلاث مرات، فقال: ~~لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين ~~قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، ~~وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم " وذلك أن هذه الآية: أعني (لا ~~تسألوا عن أشياء) نزلت في ذلك. وقد أخرج عنه نحو هذا ابن جرير وأبو الشيخ ~~وابن مردويه. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة الباهلي ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه عن أبي مسعود نحوه أيضا. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس نحوه أيضا. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن علي نحوه، وكل هؤلاء صرحوا في أحاديثهم ~~أن الآية نزلت في ذلك. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص ~~قال: كانوا يسألون عن الشئ وهو لهم حلال، فما زالوا يسألون حتى يحرم عليهم، ~~وإذا حرم عليهم وقعوا فيه. وأخرج ابن المنذر عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم ~~يحرم فيحرم من أجل مسألته ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ~~أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله حد ~~حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها. وحرم أشياء فلا تنتهكوها. ~~وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها ". وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ~~في قوله (لا تسألوا عن أشياء) قال: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع ~~درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم ~~لا يحمل عليها شئ، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني ~~بعد بأنثى. وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ~~ذكر، والحامي فحل ms1061 الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه ~~للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شئ وسموه الحامي. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ~~البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرا ونحوه ~~فأكله الرجال دون النساء. وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا هذه بحيرة، ~~وأما السائبة فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم لا يركبون لها ظهرا، ولا ~~يحلبون لها لبنا، ولا يجزون لها وبرا، ولا يحملون عليها شيئا، وأما الوصيلة ~~فالشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا في السابع. فإن كان ذكرا أو أنثى وهو ميت ~~اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استحيوها، وإن كان ذكرا أو ~~أنثى في بطن استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرمته علينا. وأما الحام فالفحل ~~PageV02P083 # من الإبل إذا ولد لولده قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئا، ولا ~~يجزون له وبرا، ولا يمنعونه من حمى ولا من حوض يشرب منه، وإن كان الحوض ~~لغير صاحبه. وأخرج نحوه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ~~العوفي. # سورة المائدة الآية (104 - 105) أي الزموا أنفسكم أو احفظوها كما تقول ~~عليك زيدا: أي ألزمه، قرئ (لا يضركم) بالجزم على أنه جواب الأمر الذي يدل ~~عليه اسم الفعل. وقرأ نافع وغيره بالرفع على أنه مستأنف، كقول الشاعر: # فقال رائدهم أرسوا نزاولها * أو علي أن ضم الراء للاتباع، وقرئ (لا ~~يضركم) بكسر الضاد، وقرئ " لا يضيركم " والمعنى: لا يضركم ضلال من ضل من ~~الناس إذا اهتديتم للحق أنتم في أنفسكم، وليس في الآية ما يدل على سقوط ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض ~~الدينية فليس بمهتد. وقد قال الله سبحانه (إذا اهتديتم) وقد دلت الآيات ~~القرآنية، والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وجوبا مضيقا متحتما، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ms1062 لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو ~~يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك (إلى الله مرجعكم) ~~يوم القيامة (فينبئكم بما كنتم تعملون) في الدنيا فيجازى المحسن بإحسانه ~~والمسئ بإساءته. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه، ~~والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان ~~والدارقطني والضياء في المختارة وغيرهم. عن قيس بن أبي حازم قال: # قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه ~~الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ~~وإنكم تضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أو شك أن يعمهم الله ~~بعقاب " وفى لفظ لابن جرير عنه " والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ~~أو ليعمنكم الله منه بعقاب ". وأخرج الترمذي وصححه. وابن ماجة وابن جرير ~~والبغوي في معجمه، وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه. وابن ~~مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعثاني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني ~~فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ # قلت: قوله (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ~~رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة ~~نفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على ~~الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " وفى لفظ " قيل يا ~~رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم ". وأخرج ~~أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عامر الأشعري أنه كان فيهم ~~أعمى، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه ms1063 وآله وسلم ثم أتاه فقال: ما ~~حبسك؟ قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~PageV02P084 # لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قال: فقال له النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم " وأخرج ~~عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني ~~وأبو الشيخ عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله (عليكم أنفسكم) فقال: ~~يا أيها الناس إنه ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة. ولكنه قد أوشك أن يأتي ~~زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: # فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. وأخرج ~~سعيد بن منصور وعبد بن حميد عنه في الآية قال " مروا بالمعروف وانهوا عن ~~المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف، فإذا كان كذلك فعليكم أنفسكم " ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية: إنها الأقوام ~~يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن رجل ~~قال: كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي كعب، فقرأ (عليكم ~~أنفسكم) فقال: إنما تأويلها في آخر الزمان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وأبو الشيخ عن أبي ما زن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة فإذا قوم ~~جلوس فقرأ أحدهم (عليكم أنفسكم) فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية ~~اليوم. وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وإني الأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول (عليكم أنفسكم)؟ فأقبلوا علي بلسان ~~واحد فقالوا: تنزع آية من القرآن لا نعرفها ولا ندري ما تأويلها؟ حتى تمنيت ~~أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم ms1064 قالوا: إنك غلام حدث ~~السن، وإنك نزعت آية لا ندري ما هي؟ وعسى أن تدرك ذلك الزمان " إذا رأيت ~~شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك لا يضرك من ضل ~~إذا اهتديت " وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بنحو حديث أبي ثعلبة الخشني المتقدم، وفى آخره " كأجر خمسين رجلا منكم ~~" وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لم يجئ ~~تأويلها، لا يجئ تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام " والروايات ~~في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، ففيه ما يرشد إلى ما قدمناه من ~~الجمع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. # المائدة الآية (106 - 107) PageV02P085 # سورة المائدة الآية (107 - 108) قال مكي: هذه الآيات الثلاث عند أهل ~~المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما. قال ابن عطية: # هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله: ~~يعني من كتاب مكي. قال القرطبي: # ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا. قال السعد في حاشيته على ~~الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما. قوله ~~(شهادة بينكم) أضاف الشهادة إلى البين توسعا لأنها جارية بينهم، وقيل أصله ~~شهادة ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت إلى الظرف كقوله تعالى - بل مكر الليل ~~والنهار - ومنه قول الشاعر: # تصافح من لاقيت لي ذا عداوة * صفايا وعني بين عينيك منزوي أراد ما بين ~~عينيك، ومثله قول الآخر: * ويوما شهدناه سليما وعامرا * أي شهدنا فيه، ومنه ~~قوله تعالى - هذا فراق بيني وبينك - قيل والشهادة هنا بمعنى الوصية، وقيل ~~بمعنى الحضور للوصية. وقال ابن جرير الطبري: هي هنا بمعنى اليمين، فيكون ~~المعنى: يمين ما بينكم أن يحلف اثنان. واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله ~~حكما يجب فيه ms1065 على الشاهد يمين. واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية ~~واختار أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود. قوله (إذا حضر ~~أحدكم الموت) ظرف للشهادة، والمراد إذا حضرت علاماته، لأن من مات لا يمكنه ~~الإشهاد، وتقديم المفعول للاهتمام ولكمال تمكن الفاعل عند النفس. وقوله ~~(حين الوصية) ظرف لحضر أو للموت، أو بدل من الظرف الأول. وقوله (اثنان) خبر ~~شهادة على تقدير محذوف: أي شهادة اثنين أو فاعل للشهادة على أن خبرها ~~محذوف: أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان على تقدير أن يشهد اثنان، ذكر ~~الوجهين أبو علي الفارسي. قوله (ذوا عدل منكم) صفة للاثنان وكذا منكم: أي ~~كائنان منكم: أي من أقاربكم (أو آخران) معطوف على (اثنان)، و (من غيركم) ~~صفة له: أي كائنان من الأجانب، وقيل إن الضمير في (منكم) للمسلمين، وفى ~~(غيركم) للكفار وهو الأنسب لسياق الآية، وبه قال أبو موسى الأشعري وعبد ~~الله ابن عباس وغيرهما، فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على ~~المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني، ويشهد له ~~السبب للنزول وسيأتي، فإذا لم يكن مع الموصى من يشهد على وصيته من المسلمين ~~فليشهد رجلان من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد ~~الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا، وأن ما شهدا به حق، فيحكم حينئذ بشهادتهما ~~(فإن عثر) بعد ذلك (على أنهما) كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصى ~~وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها، هذا معنى الآية ~~عند من تقدم ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير ~~وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي ~~والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل. وذهب إلى الأول: أعني تفسير ضمير (منكم) ~~بالقرابة أو العشيرة، وتفسير (من غيركم) بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة. ~~وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء أن الآية منسوخة، واحتجوا ~~بقوله - ممن ترضون من الشهداء -. # وقوله ms1066 - وأشهدوا ذوي عدل منكم - والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول، وخالفهم ~~الجمهور فقالوا: الآية محكمة، وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ. ~~وأما قوله تعالى - ممن ترضون من الشهداء - وقوله - وأشهدوا ذوي عدل منكم - ~~فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في ~~الأرض PageV02P086 # وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين عام وخاص. قوله (إن ~~أنتم) هو فاعل فعل محذوف يفسره ضربتم، أو مبتدأ وما بعده خبره، والأول مذهب ~~الجمهور من النحاة، والثاني مذهب الأخفش والكوفيين. # والضرب في الأرض هو السفر. وقوله (فأصابتكم مصيبة الموت) معطوف على ما ~~قبله وجوابه محذوف، أي إن ضربتم في الأرض فنزل بكم الموت وأردتم الوصية ولم ~~تجدوا شهودا عليها مسلمين، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا ~~في أمرهما وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما، ويجوز أن يكون ~~استئنافا لجواب سؤال مقدر، كأنهم قالوا: فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة؟ ~~فقال: تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم في شهادتهما. # وخص بعد الصلاة: أي صلاة العصر، قاله الأكثر لكونه الوقت الذي يغضب الله ~~على من حلف فيه فاجرا كما في الحديث الصحيح، وقيل لكونه وقت اجتماع الناس ~~وقعود الحكام للحكومة، وقيل صلاة الظهر، وقيل أي صلاة كانت. قال أبو علي ~~الفارسي (تحبسونهما) صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله (إن إن ~~أنتم ضربتم في الأرض)، والمراد بالحبس: توقيف الشاهدين في ذلك الوقت ~~لتحليفهما، وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على ~~الحالف بالزمان والمكان ونحوهما. قوله (فيقسمان بالله) معطوف على ~~(تحبسونهما) أي يقسم بالله الشاهدان على الوصية أو الوصيان. # وقد استدل بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقا إذا حصلت الريبة ~~في شهادتهما، وفيه نظر لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو لوقوع الدعوى عليهما ~~بالخيانة أو نحوها. قوله (إن ارتبتم) جواب هذا الشرط محذوف دل عليه ما تقدم ~~كما سبق. قوله (لا نشتري به ثمنا) جواب القسم، والضمير في (به) راجع إلى ~~الله تعالى. والمعنى: ms1067 لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض النزر، فنحلف ~~به كاذبين لأجل المال الذي ادعيتموه علينا، وقيل يعود إلى القسم: أي لا ~~نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من أعراض الدنيا، وقيل يعود إلى الشهادة، ~~وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول: أي لا نستبدل بشهادتنا ثمنا، قال ~~الكوفيون: المعنى ذا ثمن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهذا مبنى ~~على أن العروض لا تسمى ثمنا، وعند الأكبر أنها تسمى ثمنا كما تسمى مبيعا. ~~قوله (ولو كان ذا قربى) أي ولو كان المقسم له أو المشهود له قريبا فإنا ~~نؤثر الحق والصدق، ولا نؤثر العرض الدنيوي ولا القرابة، وجواب لو محذوف ~~لدلالة ما قبله عليه: أي ولو كان ذا قربى لا نشتري به ثمنا. قوله (ولا نكتم ~~شهادة الله) معطوف على (لا نشتري) داخل معه في حكم القسم، وأضاف الشهادة ~~إلى الله سبحانه لكونه الآمر بإقامتها والناهي عن كتمها. قوله (فإن عثر على ~~أنهما استحقا إثما) عثر على كذا: اطلع عليه، يقال عثرت منه على خيانة: أي ~~اطلعت وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالى - وكذلك أعثرنا عليهم - وأصل ~~العثور الوقوع والسقوط على الشئ، ومنه قول الأعشى: # بذات لوث عصرناه إذ عثرت * فالتعس أولى لها من أن أقول لعا والمعنى: أنه ~~إذا اطلع بعد التحليف على أن الشاهدين أو الوصيين استحقا إثما: أي استوجبا ~~إثما إما بكذب في الشهادة أو اليمين أو بظهور خيانة. قال أبو علي الفارسي: ~~الإثم هنا اسم الشئ المأخوذ، لأن آخذه يأثم بأخذه، فسمي إثما كما سمى ما ~~يؤخذ بغير حق مظلمة. وقال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمى هذا ~~المأخوذ باسم المصدر. قوله (فآخران يقومان مقامهما) أي فشاهدان آخران أو ~~فحالفان آخران يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما فيشهدان أو ~~يحلفان على ما هو الحق، وليس المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة ~~التي شهدها المستحقان للإثم. قوله (من الذين استحق عليهم الأوليان) استحق ~~مبني للمفعول، في قراءة PageV02P087 # الجمهور: وقرأ علي وأبي وابن ms1068 عباس وحفص على البناء للفاعل. و (الأوليان) ~~على القراءة الأولى مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هما الأوليان، كأنه ~~قيل من هما؟ فقيل هما الأوليان، وقيل هو بدل من الضمير في يقومان أو من ~~آخران. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والأولين: جمع أول على أنه بدل من ~~الذين، أو من الهاء والميم في عليهم. وقرأ الحسن " الأولان ". والمعنى على ~~بناء الفعل للمفعول: من الذين استحق عليهم الإثم: أي جنى عليهم، وهم أهل ~~الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم، فالأوليان تثنية ~~أولى. والمعنى على قراءة البناء للفاعل: من الذين استحق عليهم الأوليان من ~~بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين ~~لكونهما الأقربين إلى الميت، فالأوليان فاعل استحق ومفعوله أن يجردوهما ~~للقيام بالشهادة، وقيل المفعول محذوف، والتقدير: من الذين استحق عليهم ~~الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. قوله (فيقسمان بالله) عطف على ~~(يقومان): أي فيحلفان بالله لشهادتنا: أي يميننا، فالمراد بالشهادة هنا ~~اليمين، كما في قوله تعالى - فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله - أي يحلفان ~~لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان أحق من شهادتهما: أي من يمينهما على ~~أنهما صادقان أمينان (وما اعتدينا) أي تجاوزنا الحق في يميننا (إنا إذا لمن ~~الظالمين) إن كنا حلفنا على باطل. قوله (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على ~~وجهها) أي ذلك البيان الذي قدمه الله سبحانه في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع ~~من أراد الوصية في السفر؟ ولم يكن عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار ~~أدنى: أي أقرب إلى أن يؤدى الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة ~~على وجهها فلا يحرفوا ولا يبدلوا ولا يخونوا وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر ~~المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذي شرعه الله في هذا الموضع من كتابه، ~~فالضمير في (يأتوا) عائد إلى شهود الوصية من الكفار، وقيل إنه راجع إلى ~~المسلمين المخاطبين بهذا الحكم. والمراد تحذيرهم من الخيانة، وأمرهم بأن ~~يشهدوا بالحق. قوله (أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) أي ترد على ms1069 ~~الورثة فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية فيفتضح حينئذ شهود الوصية، ~~وهو معطوف على قوله (أن يأتوا) فتكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا ~~الحكم هي أحد الأمرين: إما احتراز شهود الوصية عن الكذب والخيانة فيأتون ~~بالشهادة على وجهها. أو يخافوا الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت ~~فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سببا لتأدية شهادة شهود ~~الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة. وقيل إن (يخافوا) معطوف على مقدر ~~بعد الجملة الأولى، والتقدير: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ~~ويخافوا عذاب الآخرة بسبب الكذب والخيانة أو يخافوا الافتضاح برد اليمين، ~~فأي الخوفين وقع حصل المقصود (واتقوا الله) في مخالفة أحكامه (والله لا ~~يهدى القوم الفاسقين) الخارجين عن طاعته بأي ذنب، ومنه الكذب في اليمين أو ~~الشهادة. # وحاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز أن من حضرته علامات الموت ~~أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شهودا مسلمين، وكان في ~~سفر، ووجد كفارا جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته، فإن ارتاب بهما ورثة ~~الموصى حلفا بالله على أنهما شهدا بالحق وما كتما من الشهادة شيئا ولا خانا ~~مما تركه الميت شيئا، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه من خلل في ~~الشهادة أو ظهور شئ من تركة الميت زعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من ~~الوجوه حلف رجلان من الورثة وعمل بذلك. # وقد أخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في تاريخه، ~~وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو ~~الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية ~~(يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) قال: برئ الناس ~~منها غيري وغير PageV02P088 # عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام ~~لتجارتهما. وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة، ~~ومعه جام ms1070 من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما ~~أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف ~~درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي ابن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما ~~كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، أو ما دفع ~~إلينا غيره، قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة ~~درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا. فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل ~~دينه، فحلف فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) إلى قوله (أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة ~~درهم من عدي بن بداء. وفى إسناده أبو النضر، وهو محمد بن السائب الكلبي ~~صاحب التفسير، قال الترمذي: بركة أهل العلم بالحديث. وأخرج البخاري في ~~تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ ~~وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم ~~الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إليهما، فلما ~~قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام بمكة فقيل: ~~اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا ~~أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، وأخذوا الجام، قال: وفيهم نزلت (يا ~~أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) الآية، وفى إسناده محمد بن أبي القاسم ~~الكوفي، قال الترمذي: قيل إنه صالح الحديث، وقد روى ذلك أبو داود من طريقه. ~~وقد روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي سبب في نزول الآية، وذكرها ~~المفسرون في تفاسيرهم. وقال القرطبي: # إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه ms1071 القصة هي سبب نزول الآية. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) الآية قال: هذا لمن مات وعنده ~~المسلمون أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين مسلمين، ثم قال (أو آخران من ~~غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض) فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين أمر ~~الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد ~~الصلاة ما اشتريا بشهادتهما ثمنا قليلا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين ~~كذبا في شهادتهما، وثم رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين ~~باطلة، فذلك قوله، (فإن عثر على أنهما استحقا إثما) يقول: إن اطلع على أن ~~الكافرين كذبا (ذلك أدنى أن) يأتي الكافران (بالشهادة على وجهها أو يخافوا ~~أن ترد أيمان بعد أيمانهم) فتترك شهادة الكافرين ويحكم بشهادة الأولياء، ~~فليس على شهود المسلمين أقسام: إنما الأقسام إذا كانا كافرين. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا رجل خرج ~~مسافرا ومعه مال فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته ~~وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من ~~أهل الكتاب، فإن أدى فسبيل ما أدى، وإن جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا ~~هو دبر صلاة إن هذا الذي دفع إلي وما غيبت منه شيئا، فإذا حلف برئ، فإذا ~~أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما ~~لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله ~~(اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم). وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله (أو آخران من غيركم) ~~قال: من PageV02P089 # غير المسلمين من أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذه الآية ~~منسوخة. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ms1072 أسلم في الآية قال: كان ذلك في رجل توفى ~~وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس ~~يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها. وأخرج ~~ابن جرير أيضا عن الزهري قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا ~~سفر، إنما هي في المسلمين. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم ~~عن عبيدة في قوله (تحبسونهما من بعد الصلاة) قال: صلاة العصر. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (لا نشتري به ثمنا) قال: لا نأخذ به ~~رشوة (ولا نكتم شهادة الله) وإن كان صاحبها بعيدا. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن ا لمنذر عن قتادة في قوله (فإن عثر على أنهما استحقا إثما) أي ~~اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ~~في قوله (الأوليان) قال: # بالميت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ~~في قوله (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها) يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا ~~في شهادتهم (أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) يقول: وأن يخافوا العتب. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله (أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) ~~قال: فيبطل أيمانهم ويؤخذ أيمان هؤلاء. # سورة المائدة الآية (109 - 111) قوله (يوم يجمع الله الرسل) العامل في ~~الظرف فعل مقدر: أي اسمعوا، أو اذكروا، أو احذروا. وقال الزجاج: هو منصوب ~~بقوله (واتقوا الله) المذكور في الآية الأولى، وقيل بدل من مفعول (اتقوا) ~~بدل اشتمال، وقيل ظرف لقوله - لا يهدى - المذكور قبله، وقيل منصوب بفعل ~~مقدر متأخر تقديره: يوم يجمع الله الرسل) يكون من الأحوال كذا وكذا. قوله ~~(ماذا أجبتم) أي أي إجابة أجابتكم به أممكم الذين بعثكم الله إليهم؟ أو أي ~~جواب أجابوكم به؟ وعلى الوجهين تكون ما منصوبة بالفعل المذكور ms1073 بعدها، ~~وتوجيه السؤال إلى الرسل لقصد توبيخ قومهم، وجوابهم بقولهم (لا علم لنا) مع ~~أنهم عالمون بما أجابوا به عليهم تفويض منهم، وإظهار للعجز، وعدم القدرة، ~~ولا سيما مع علمهم بأن السؤال سؤال توبيخ فإن تفويض الجواب إلى الله أبلغ ~~في حصول ذلك، وقيل المعنى: لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، وقيل لا علم لنا ~~بما اشتملت عليه بواطنهم. وقيل المعنى: لا علم لنا إلا PageV02P090 # علم ما أنت أعلم به منا، وقيل إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر. ~~قوله (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم) إذ بدل من يوم يجمع، وهو تخصيص بعد ~~التعميم وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي اليهود ~~والنصارى فيه إفراطا وتفريطا، هذه تجعله إلها، وهذه تجعله كاذبا، وقيل هو ~~منصوب بتقدير أذكر، قوله (أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك) ذكره سبحانه نعمته ~~عليه وعلى أمه مع كونه ذاكرا لها عالما بتفضل الله سبحانه بها لقصد تعريف ~~الأمم بما خصهما الله به من الكرامة وميزهما به من علو المقام، أو لتأكيد ~~الحجة وتبكيت الجاحد بأن منزلهما عند الله هذه المنزلة وتوبيخ من اتخذهما ~~إلهين ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله سبحانه، وأنهما عبدان ~~من جملة عباده منعم عليهما بنعم الله سبحانه ليس لهما من الأمر شئ. قوله ~~(إذ أيدتك بروح القدس) إذ ظرف للنعمة لأنها بمعنى المصدر: أي أذكر إنعامي ~~عليك وقت تأييدي لك، أو حال من النعمة: أي كائنة ذلك الوقت (أيدتك) قويتك ~~مأخوذ من الأيد، وهو القوة. وفى روح القدس وجهان: # أحدهما أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها، وقيل إنه جبريل عليه ~~السلام، وقيل إنه الكلام الذي يحيى به الأرواح. والقدس: الطهر، وإضافته ~~إليه لكونه سببه، وجملة (تكلم الناس) مبينة لمعنى التأييد، و (في المهد) في ~~محل نصب على الحال: أي تكلم الناس حال كونك صبيا وكهلا لا يتفاوت كلامك في ~~الحالتين مع أن غيرك يتفاوت كلامه فيهما تفاوتا بينا. وقوله (وإذ علمتك ~~الكتاب) معطوف على ms1074 (إذ أيدتك) أي واذكر نعمتي عليك وقت تعليمي لك الكتاب: ~~أي جنس الكتاب، أو المراد بالكتاب الخط، وعلى الأول يكون ذكر التوراة ~~والإنجيل من عطف الخاص على العام، وتخصيصهما بالذكر لمزيد اختصاصه بهما: ~~أما التوراة فقد كان يحتج بها على اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من ~~الجدال كما هو مصرح بذلك في الإنجيل، وأما الإنجيل فلكونه نازلا عليه من ~~عند الله سبحانه، والمراد بالحكمة جنس الحكمة، وقيل هي الكلام المحكم (وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير) أي تصور تصويرا مثل صورة الطير (بإذني) لك بذلك ~~وتيسيري له (فتنفخ) في الهيئة المصورة (فتكون) هذه الهيئة (طائرا) متحركا ~~حيا كسائر الطيور (وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني) لك وتسهيله عليك وتيسيره ~~لك، وقد تقدم تفسير هذا مطولا في البقرة فلا نعيده (وإذ تخرج الموتى) من ~~قبورهم فيكون ذلك آية لك عظيمة (بإذني)، وتكرير بإذني في المواضع الأربعة ~~للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله ليس لعيسى عليه السلام فيه فعل إلا مجرد ~~امتثاله لأمر الله سبحانه. قوله (وإذ كففت) معطوف على " إذ تخرج " كففت ~~معناه: دفعت وصرفت (بني إسرائيل عنك) حين هموا بقتلك (إذ جئتهم بالبينات) ~~بالمعجزات الواضحات (فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين) أي ما هذا ~~الذي جئت به إلا سحر بين، لما عظم ذلك في صدرهم وانبهروا منه لم يقدروا على ~~جحده بالكلية، بل نسبوه إلى السحر. قوله (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ~~بي وبرسولي) هو معطوف على ما قبله، وقد تقدم تفسير ذلك. والوحي في كلام ~~العرب معناه الإلهام: أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم، وقيل معناه: ~~أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا برسالة ~~رسولي. قوله (قالوا آمنا) جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قالوا؟ فقال: قالوا ~~آمنا (واشهد بأننا مسلمون) أي مخلصون للإيمان: أي واشهد يا رب، أو واشهد يا ~~عيسى. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ms1075 (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم) ~~فيفزعون فيقولون (لا علم لنا) فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: ذلك أنهم نزلوا منزلا ~~ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا PageV02P091 # قالوا: لا علم لنا، ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: # قالوا لا علم لنا فرقا يذهل عقولهم، ثم يرد الله إليهم عقولهم فيكونون هم ~~الذين يسألون بقول الله - فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين -. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا كان يوم القيامة يدعى ~~بالأنبياء وأممها ثم يدعى بعيسى فيذكره نعمته عليه فيقر بها، فيقول: يا ~~عيسى ابن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك الآية، ثم يقول أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فينكر أن يكون قال: ذلك، فيؤتى بالنصارى ~~فيسألون، فيقولون نعم هو أمرنا بذلك، فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من ~~الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام ~~حتى يوقع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار ". وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جائتهم ~~بالبينات) أي بالآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين ~~كهيئة الطير وإبراء الأسقام والخبر بكثير من الغيوب. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (وإذ أوحيت إلى الحواريين) يقول قذفت ~~في قلوبهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. # المائدة الآية (112 - 115) قوله (إذ قال الحواريون) الظرف منصوب بفعل ~~مقدر: أي أذكر أو نحوه كما تقدم. قيل والخطاب لمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم. قرأ الكسائي (هل تستطيع) بالفوقية، ونصب ربك، وبه قرأ علي وابن عباس ~~وسعيد ابن جبير ومجاهد، وقرأ الباقون بالتحتية ورفع ربك. واستشكلت القراءة ~~الثانية بأنه ms1076 قد وصف سبحانه الحواريين بأنهم قالوا (آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون) والسؤال عن استطاعته لذلك ينافي ما حكوه عن أنفسهم. وأجيب بأن هذا ~~كان في أول معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله. ولهذا قال عيسى في الجواب ~~عن هذا الاستفهام الصادر منهم (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) أي لا تشكوا في ~~قدرة الله، وقيل إنهم ادعوا الإيمان والإسلام دعوى باطلة، ويرده أن ~~الحواريين هم خلصاء عيسى وأنصاره كما قال - من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله - وقيل إن ذلك صدر ممن كان معهم، وقيل إنهم لم ~~يشكوا في استطاعة الباري سبحانه. فإنهم كانوا مؤمنين عارفين بذلك، وإنما هو ~~كقول الرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي مع علمه بأنه يستطيع ذلك ويقدر عليه، ~~فالمعنى: هل يفعل ذلك وهل يجيب إليه؟ وقيل إنهم طلبوا الطمأنينة كما قال: ~~إبراهيم عليه السلام - رب أرني كيف تحيى الموتى - PageV02P092 # الآية، ويدل على هذا قولهم من بعد (وتطمئن قلوبنا) وأما على القراءة ~~الأولى، فالمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك. قال الزجاج: المعنى هل تستدعى ~~طاعة ربك فيما تسأله فهو من باب - واسأل القرية -، والمائدة: الخوان إذا ~~كان عليه الطعام، من مادة: إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليه قاله ~~قطرب وغيره، وقيل هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قاله أبو عبيدة، ~~فأجابهم عيسى عليه السلام بقوله (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) أي اتقوه من ~~هذا السؤال وأمثاله إن كنتم صادقين في إيمانكم، فإن شأن المؤمن ترك ~~الاقتراح على ربه على هذه الصفة، وقيل إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة ~~إلى حصول ما طلبوه. قوله (قالوا نريد أن نأكل منها) بينوا به الغرض من ~~سؤالهم نزول المائدة، وكذا ما عطف عليه من قولهم (وتطمئن قلوبنا ونعلم أن ~~قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين) والمعنى: تطمئن قلوبنا بكمال قدرة ~~الله، أو بأنك مرسل إلينا من عنده، أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه، ~~ونعلم علما يقينا بأنك قد صدقتنا في نبوتك، ونكون عليها من الشاهدين عند ms1077 من ~~لم يحضرها من بني إسرائيل أو من سائر الناس أو من الشاهدين لله بالوحدانية، ~~أو من الشاهدين: أي الحاضرين دون السامعين. # ولما رأي عيسى ما حكوه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة قال (اللهم ربنا ~~أنزل علينا مائدة من السماء) أي كائنة أو نازلة من السماء، وأصل اللهم عند ~~سيبويه وأتباعه: يا الله، فجعلت الميم بدلا من حرف النداء، وربنا نداء ثان، ~~وليس بوصف، و (تكون لنا عيدا) وصف لمائدة. وقرأ الأعمش " يكون لنا عيدا " ~~أي يكون يوم نزولها لنا عيدا. وقد كان نزولها يوم الأحد، وهو يوم عيد لهم، ~~والعيد واحد الأعياد، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد، ~~وقيل للفرق بينه وبين أعواد جمع عود، ذكر معناه الجوهري، وقيل أصله من عاد ~~يعود: أي رجع فهو عود بالواو، وتقلب ياء لانكسار ما قبلها مثل الميزان ~~والميقات والميعاد، فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان، لأنهما يعودان في كل ~~سنة. وقال الخليل: العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه. قوله (لأولنا ~~وآخرنا) بدل من الضمير في لنا بتكرير العامل: أي لمن في عصرنا ولمن يأتي ~~بعدنا من ذرارينا وغيرهم. قوله (وآية منك) عطف على عيدا: أي دلالة وحجة ~~واضحة على كمال قدرتك وصحة إرسالك من أرسلته (وارزقنا) أي أعطنا هذه ~~المائدة المطلوبة، أو ارزقنا رزقا نستعين به على عبادتك (وأنت خير ~~الرازقين) بل لا رازق في الحقيقة غيرك ولا معطي سواك، فأجاب الله سبحانه ~~سؤال عيسى عليه السلام فقال (إني منزلها) أي المائدة (عليكم). # وقد اختلف أهل العلم هل نزلت عليهم المائدة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى ~~الأول وهو الحق لقوله سبحانه (إني منزلها عليكم) ووعده الحق وهو لا يخلف ~~الميعاد. وقال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله لخلقه نهيا لهم ~~عن مسألة الآيات لأنبيائه. وقال الحسن: وعدهم بالإجابة، فلما قال (فمن يكفر ~~بعد منكم) استغفروا الله وقالوا لا نريدها. قوله (فمن يكفر بعد منكم) أي ~~بعد تنزيلها (فأنى أعذبه عذابا) أي تعذيبا (لا أعذبه) صفة ms1078 لعذابا. والضمير ~~عائد إلى العذاب بمعنى التعذيب: أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب (أحدا من ~~العالمين) قيل المراد عالمي زمانهم. وقيل جميع العالمين، وفى هذا من ~~التهديد والترهيب مالا يقادر قدره. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن عائشة قالت: # كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا (هل يستطيع ربك) إنما قالوا: هل ~~تستطيع أنت ربك أن تدعوه، ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم وصححه والطبراني وابن ~~مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(هل تستطيع ربك) بالتاء يعني الفوقية. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير قال: المائدة الخوان، وتطمئن: توقن. PageV02P093 # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (تكون لنا عيدا) يقول: ~~نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس: أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال: ~~لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما ~~سألتم؟ فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت ~~لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا، ولم ~~نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا (فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا ~~مائدة) إلى قوله (أحدا من العالمين) فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء ~~عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس ~~كما أكل أولهم. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " نزلت ~~المائدة من السماء خبزا ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخافوا ~~وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير " وقد روى ms1079 موقوفا على عمار. قال ~~الترمذي: والوقف أصح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: المائدة سمكة ~~وأريغفة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عنه قال: نزلت على عيسى ابن مريم ~~والحواريين خوان عليه سمك وخبز يأكلون منه أينما تولوا إذا شاءوا. وأخرج ~~ابن جرير نحوه عنه من طريق عكرمة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ ~~عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب ~~المائدة والمنافقون وآل فرعون. # سورة المائدة الآية (116 - 120) قوله (وإذ قال الله) معطوف على ما قبله ~~في محل نصب بعامله أو بعامل مقدر هنا: أي أذكر. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى ~~أن هذا القول منه سبحانه هو يوم القيامة. والنكتة توبيخ عباد المسيح وأمه ~~من النصارى. وقال السدي وقطرب: إنه قال له هذا القول عند رفعه إلى السماء ~~لما قالت النصارى فيه ما قالت، والأول أولى: قيل (وإذ) هنا بمعنى إذا كقوله ~~تعالى - ولو ترى إذ فزعوا - أي إذا فزعوا، وقول أبي النجم: # ثم جزاك الله عني إذ جزى * جنات عدن في السماوات العلى أي إذا جزى، وقول ~~الأسود بن جعفر الأسدي: # وفى الآن إذ هازلتهن فإنما * يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا PageV02P094 # أي إذا هازلتهن تعبيرا عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقيق وقوعه. ~~وقد قيل في توجيه هذا الاستفهام منه تعالى إنه لقصد التوبيخ كما سبق، وقيل ~~لقصد تعريف المسيح بأن قومه غيروا بعده وادعوا غليه ما لم يقله. # وقوله (من دون الله) متعلق بقوله (اتخذوني) على أنه حال: أي متجاوزين ~~الحد، ويجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لإلهين: أي كائنين من دون الله. قوله ~~(سبحانك) تنزيه له سبحانه: أي أنزهك تنزيها (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق) أي ما ينبغي لي أن أدعى لنفسي ما ليس من حقها (إن كنت قلته فقد علمته) ~~رد ذلك إلى علمه سبحانه، وقد علم أنه لم يقله. فثبت بذلك عدم القول منه. ~~قوله (تعلم ms1080 ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) هذه الجملة في حكم التعليل لما ~~قبلها: أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وهذا الكلام من باب المشاكلة كما ~~هو معروف عند علماء المعاني والبيان، وقيل المعنى: تعلم ما في غيبي ولا ~~أعلم ما في غيبك، وقيل تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه، وقيل تعلم ما أريد ~~ولا أعلم ما تريد. قوله (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) هذه جملة مقررة ~~لمضمون ما تقدم: أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني (أن أعبدوا الله ربي وربكم) ~~هذا تفسير لمعنى (ما قلت لهم) أي ما أمرتهم، وقيل عطف بيان للمضمر في (به) ~~وقيل بدل منه (وكنت عليهم شهيدا) أي حفيظا ورقيبا أرعى أحوالهم وأمنعهم عن ~~مخالفة أمرك (ما دمت فيهم) أي مدة دوامي فيهم (فلما توفيتني) قيل هذا يدل ~~على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه، وليس بشئ لأن الأخبار قد تظافرت ~~بأنه لم يمت، وأنه باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ~~ينزل إلى الأرض آخر الزمان، وإنما المعنى: فلما رفعتني إلى السماء. قيل ~~الوفاة في كتاب الله سبحانه جاءت على ثلاثة أوجه: بمعنى الموت، ومنه قوله ~~تعالى - الله يتوفى الأنفس حين موتها - وبمعنى النوم، ومنه قوله تعالى (وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل) أي ينيمكم، وبمعنى الرفع، ومنه (فلما توفيتني) - وإذ ~~قال الله يا عيسى إني متوفيك - (كنت أنت الرقيب عليهم) أصل المراقبة: ~~المراعاة، أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم (إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك) تصنع بهم ما شئت وتحكم فيهم بما تريد (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم) أي القادر على ذلك الحكيم في أفعاله، قيل قاله على وجه الاستعطاف ~~كما يستعطف السيد لعبده. ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك، وقيل قاله على ~~وجه التسليم لأمر الله والانقياد له، ولهذا عدل عن الغفور الرحيم إلى ~~العزيز الحكيم. قوله (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) أي صدقهم في ~~الدنيا، وقيل في الآخرة، والأول ms1081 أولى. قرأ نافع وابن محيصن (يوم) بالنصب، ~~وقرأ الباقون بالرفع، فوجه النصب أنه ظرف للقول: أي قال الله هذا القول يوم ~~ينفع الصادقين، ووجه الرفع أنه خبر للمبتدأ هو وما أضيف إليه. وقال الكسائي ~~نصب (يوم) ها هنا لأنه مضاف إلى الجملة، وأنشد: # على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما أصح والشيب وازع وبه قال ~~الزجاج، ولا يجيز البصريون ما قالاه إلا إذا أضيف الظرف إلى فعل ماض. وقرأ ~~الأعمش (هذا يوم ينفع) بتنوين يوم كما في قوله - واتقوا يوما لا تجزى نفس ~~عن نفس شيئا - فكلاهما مقطوع عن الإضافة بالتنوين، وقد تقدم تفسير قوله ~~(لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا). قوله (رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه) أي رضي عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له، ورضوا عنه بما ~~جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه ~~هو أرفع درجات النعيم وأعلى منازل الكرامة، والإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه ~~من دخول الجنة والخلود فيها أبدا. ورضوان الله عنهم. والفوز: الظفر ~~بالمطلوب على أتم الأحوال. قوله (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على ~~كل شئ قدير) جاء سبحانه بهذه الخاتمة دفعا لما سبق من إثبات من PageV02P095 # أثبت إلهية عيسى وأمه، وأخبر بأن ملك السماوات والأرض له دون عيسى وأمه ~~ودون سائر مخلوقاته، وأنه القادر على كل شئ دون غيره، وقيل المعنى: أن له ~~ملك السماوات والأرض يعطي الجنات للمطيعين، جعلنا الله منهم. # وقد أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عن أبي هريرة قال: تلقى عيسى حجته والله لقاه في قوله (وإذ قال الله يا ~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) قال أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلقاه الله سبحانه (ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق) الآية. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في الآية قال: يقول الله ms1082 هذا يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول (هذا يوم ~~ينفع الصادقين صدقهم). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قال ~~الله ذلك لما رفع عيسى إليه، وقالت النصارى ما قالت. وأخرج أبو الشيخ عن ~~ابن عباس في قوله (أن اعبدوا الله ربي وربكم) قال: # سيدي وسيدكم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (كنت أنت الرقيب عليهم) قال: ~~الحفيظ. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم) قال: ما كنت فيهم. # وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (إن تعذبهم فإنهم عبادك) يقول: عبيدك قد ~~استوجبوا العذاب بمقالتهم (وإن تغفر لهم) أي من تركت منهم ومد في عمره حتى ~~أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال، فزالوا عن مقالتهم ووحدوك (فإنك أنت ~~العزيز الحكيم). وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله (هذا يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم) يقول: هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم. # تفسير سورة الأنعام قال الثعلبي: سورة الأنعام مكية إلا ست آيات نزلت ~~بالمدينة وهي - وما قدروا الله حق قدره - إلى آخر ثلاث آيات، و - قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم عليكم - إلى آخر ثلاث آيات. قال ابن عطية: وهي الآيات ~~المحكمات، يعني في هذه السورة. وقال القرطبي: هي مكية إلا آيتين هما - وما ~~قدروا الله حق قدره - نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين، ~~وقوله تعالى - وهو الذي أنشأ جنات معروشات - نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. ~~وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أنزلت ~~سورة الأنعام بمكة. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عنه، ~~قال أنزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها ~~بالتسبيح. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها ~~سبعون ألفا من الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن أسماء قال: نزلت سورة الأنعام ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مسير في زجل ms1083 من الملائكة. وقد ~~نظموا ما بين السماء والأرض. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد ~~نحوه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " نزلت على سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك ~~لهم زجل بالتسبيح والتحميد " وهو من طريق إبراهيم بن نائلة شيخ الطبراني عن ~~إسماعيل بن عمرو عن يوسف بن عطية بن عون عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكره. وابن مردويه رواه عن الطبراني عن ~~إسماعيل المذكور به. # وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن أنس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV02P096 # " نزلت سورة الأنعام ومعها موكب من الملائكة يسد ما بين الخافقين، لهم ~~زجل بالتسبيح والتقديس، والأرض ترتج، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم ". وأخرج الحاكم وقال: صحيح على ~~شرط مسلم، والإسماعيلي في معجمه والبيهقي عن جابر قال: لما نزلت سورة ~~الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال " لقد شيع هذه ~~السورة من الملائكة ما سد الأفق ". وأخرج البيهقي وضعفه والخطيب في تاريخه ~~عن علي بن أبي طالب قال: أنزل القرآن خمسا خمسا، ومن حفظه خمسا خمسا لم ~~ينسه، إلا سورة الأنعام فإنها نزلت جملة يشيعها من كل سماء سبعون ملكا حتى ~~أدوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما قرئت على عليل إلا شفاه الله. ~~وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب مرفوعا نحو حديث ابن عمر. وأخرج النحاس في ~~تاريخه عن ابن عباس قال: سورة الأنعام نزلت بمكة جملة واحدة، فهي مكية إلا ~~ثلاث آيات منها نزلن بالمدينة (قل تعالوا أتل ما حرم) إلى تمام الآيات ~~الثلاث. وأخرج الديلمي بسند ضعيف عن أنس مرفوعا " ينادي مناد: يا قارئ سورة ~~الأنعام هلم إلى الجنة بحبك إياها وتلاوتها ". وأخرج ابن المنذر عن أبي ~~جحيفة قال: نزلت سورة الأنعام جميعا ms1084 معها سبعون ألف ملك كلها مكية إلا - ~~ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة - فإنها مدنية. # وأخرج أبو عبيد في فضائله والدارمي في مسنده ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ~~وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال: الأنعام من نواجب القرآن. وأخرج محمد بن ~~نصر عن ابن مسعود مثله. وأخرج السلفي بسند واه عن ابن عباس مرفوعا " من قرأ ~~إذا صلى الغداة ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى - ويعلم ما تكسبون - نزل ~~إليه أربعون ألف ملك يكتب له مثل أعمالهم، ونزل إليه ملك من فوق سبع سماوات ~~ومعه مرزبة من حديد، فإن أوحى الشيطان في قلبه شيئا من الشر ضربه ضربة حتى ~~يكون بينه وبينه سبعون حجابا، فإذا كان يوم القيامة، قال الله تعالى: أنا ~~ربك وأنت عبدي، امش في ظلي واشرب من الكوثر واغتسل من السلسبيل وادخل الجنة ~~بغير حساب ولا عذاب ". وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " من صلى الفجر في جماعة وقعد في مصلاه وقرأ ثلاث آيات ~~من أول سورة الأنعام وكل الله به سبعين ملكا يسبحون الله ويستغفرون له إلى ~~يوم القيامة ". وفى فضائل هذه السورة روايات عن جماعة من التابعين مرفوعة ~~وغير مرفوعة. قال القرطبي: # قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن ~~كذب بالبعث والنشور، وهذا يقتضى إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من ~~الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى المتكلمون أصول الدين. # سورة الأنعام الآية (1 - 3) PageV02P097 # بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله، للدلالة على أن الحمد كله له، ولإقامة ~~الحجة على الذين هم بربهم يعدلون. وقد تقدم في سورة الفاتحة ما يغنى عن ~~الإعادة له هنا، ثم وصف نفسه بأنه الذي خلق السماوات والأرض إخبارا عن ~~قدرته الكاملة الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد، فإن من اخترع ذلك وأوجده ~~هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد، والخلق يكون بمعنى الاختراع، ~~وبمعنى التقدير. وقد تقدم تحقيق ذلك، وجمع السماوات لتعدد طباقها، وقدمها ~~على ms1085 الأرض لتقدمها في الوجود - والأرض بعد ذلك دحاها -. قوله (وجعل الظلمات ~~والنور) معطوف على خلق، ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله (خلق السماوات ~~والأرض) ثم ذكر خلق الأعراض بقوله (وجعل الظلمات والنور) لأن الجواهر لا ~~تستغنى عن الأعراض. # واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور، فقال جمهور ~~المفسرين: المراد بالظلمات سواد الليل، وبالنور ضياء النهار. وقال الحسن: ~~الكفر والإيمان. قال ابن عطية: وهذا خروج عن الظاهر انتهى. والأولى أن ~~يقال: إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة، والنور يشمل كل ما يطلق ~~عليه اسم النور فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان - أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات - وأفرد ~~النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد ~~أنواعها. قال النحاس: # جعل هنا بمعنى خلق: وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد: ~~وقال القرطبي: جعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره. قال ابن عطية: وعليه يتفق ~~اللفظ والمعنى في النسق، فيكون الجمع معطوفا على الجمع، والمفرد معطوفا على ~~المفرد، وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل، ولهذا كان النهار مسلوخا من ~~الليل. قوله (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) معطوف على الحمد لله، أو على ~~خلق السماوات والأرض، وثم لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون ~~مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السماوات والأرض ~~والظلمات والنور، فإن هذا يقتضى الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه، لا ~~الكفر به واتخاذ شريك له، وتقديم المفعول للاهتمام، ورعاية الفواصل، وحذف ~~المفعول لظهوره: أي يعدلون به مالا يقدر على شئ مما يقدر عليه، وهذا نهاية ~~الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه تلك النعم، ويكون من الكفرة ~~الكفر. # قوله (هو الذي خلقكم من طين) في معناه قولان: أحدهما وهو الأشهر، وبه قال ~~الجمهور أن المراد آدم عليه السلام، وأخرجه مخرج الخطاب للجميع، لأنهم ولده ~~ونسله. الثاني أن يكون المراد جميع البشر باعتبار أن ms1086 النطفة التي خلقوا ~~منها مخلوقة من الطين، ذكر الله سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق السماوات ~~والأرض اتباعا للعالم الأصغر بالعالم الأكبر، والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع ~~كفر الكافرين بالبعث ورد لجحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه. قوله (ثم ~~قضى أجلا وأجل مسمى عنده) جاء بكلمة " ثم " لما بين خلقهم وبين موتهم من ~~التفاوت. # وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تفسير الأجلين، فقيل (قضى أجلا) يعنى الموت ~~(وأجل مسمى عنده) يعنى القيامة، وهو مروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ~~وقتادة والضحاك ومجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم وعطية والسدي وخصيف ومقاتل ~~وغيرهم، وقيل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين أن يموت ~~إلى أن يبعث، وهو قريب من الأول. وقيل الأول مدة الدنيا، والثاني عمر ~~الإنسان إلى حين موته. وهو مروى عن ابن عباس ومجاهد. وقيل الأول قبض ~~الأرواح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت. وقيل الأول ما يعرف من ~~أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك، والثاني أجل الموت. وقيل الأول لمن ~~مضى. والثاني PageV02P098 # لمن بقى ولمن يأتي. وقيل إن الأول الأجل الذي هو محتوم، والثاني الزيادة ~~في العمر لمن وصل رحمه، فإن كان برا تقيا وصولا لرحمه زيد في عمره، وإن كان ~~قاطعا للرحم لم يزد له، ويرشد إلى هذا قوله تعالى - وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب -. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن صلة الرحم تزيد في العمر، وورد عنه أن دخول البلاد التي قد فشا بها ~~الطاعون والوباء من أسباب الموت، وجاز الابتداء بالنكرة في قوله (وأجل مسمى ~~عنده) لأنها قد تخصصت بالصفة. قوله (ثم أنتم تمترون) استبعاد لصدور الشك ~~منهم مع وجود المقتضى لعدمه: أي كيف تشكون في البعث مع مشاهدتكم في أنفسكم ~~من الابتداء والانتهاء ما يذهب بذلك ويدفعه، فإن من خلقكم من طين وصيركم ~~أحياء تعلمون وتعقلون وخلق لكم هذه الحواس والأطراف، ثم سلب ذلك عنكم ms1087 فصرتم ~~أمواتا وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجمادية. لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه ~~الأجسام كما كانت، ويرد إليها الأرواح التي فارقتها بقدرته وبديع حكمته. ~~قوله (وهو الله في السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) ~~قيل إن في السماوات وفى الأرض متعلق باسم الله باعتبار ما يدل عليه من كونه ~~معبودا ومتصرفا ومالكا: أي هو المعبود أو المالك أو المتصرف في السماوات ~~والأرض كما تقول: زيد الخليفة في الشرق والغرب: أي حاكم أو متصرف فيهما، ~~وقيل المعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا تخفى ~~عليه خافية، فيكون العامل فيهما ما بعدهما. قال النحاس: وهذا من أحسن ما ~~قيل فيه. وقال ابن جرير: # هو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض. والأول أولى، ويكون " ~~يعلم سركم وجهركم " جملة مقررة لمعنى الجملة الأولى، لأن كونه سبحانه في ~~السماء والأرض يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم، وعلمه بما يكسبونه من ~~الخير والشر وجلب النفع ودفع الضرر. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي أن هذه الآية أعني الحمد لله إلى قوله (ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون) نزلت في أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في ~~الزنادقة، قالوا: إن الله لم يخلق الظلمة ولا الخنافس ولا العقارب ولا شيئا ~~قبيحا، وإنما يخلق النور وكل شئ حسن، فأنزلت فيهم هذه الآية. وأخرج أبو ~~الشيخ عن ابن عباس (وجعل الظلمات والنور) قال: الكفر والإيمان. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: إن ~~الذين بربهم يعدلون هم أهل الشرك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ~~مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: (يعدلون) يشركون. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ms1088 ابن زيد في قوله (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) قال: الآلهة التي ~~عبدوها عدلوها بالله، وليس لله عدل ولا ند، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ~~ولا ولدا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (هو الذي ~~خلقكم من طين) يعنى آدم (ثم قضى أجلا) يعنى أجل الموت (وأجل مسمى عنده) أجل ~~الساعة والوقوف عند الله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عنه في قوله (ثم قضى أجلا) قال: أجل ~~الدنيا، وفى لفظ أجل موته (وأجل مسمى عنده) قال: الآخرة لا يعلمه إلا الله. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (قضى أجلا) قال: هو اليوم يقبض فيه الروح ~~ثم يرجع إلى صاحبه من اليقظة (وأجل مسمى عنده) قال: هو أجل موت الإنسان. ~~PageV02P099 # سورة الأنعام الآية (4 - 11) قوله (وما تأتيهم الخ) كلام مبتدأ لبيان بعض ~~أسباب كفرهم وتمردهم، وهو الإعراض عن آيات الله التي تأتيهم كمعجزات ~~الأنبياء، وما يصدر عن قدرة الله الباهرة مما لا يشك من له عقل أنه فعل ~~الله سبحانه، والإعراض: # ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله و " من " في ~~(من آية) مزيدة للاستغراق و " من " في (من آيات) تبعيضية: أي وما تأتيهم ~~آية من الآيات التي هي بعض آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين، والفاء في ~~(فقد كذبوا) جواب شرط مقدر: أي إن كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هو أعظم ~~من ذلك وهو الحق (لما جاءهم) قيل المراد بالحق هنا القرآن، وقيل محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) أي أخبار ~~الشئ الذي كانوا به يستهزءون وهو القرآن أو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~على أن ما عبارة عن ذلك تهويلا للأمر وتعظيما له: أي سيعرفون أن هذا الشئ ~~الذي استهزءوا به ليس بموضع للاستهزاء، وذلك عند إرسال عذاب الله عليهم، ~~كما يقال: اصبر فسوف يأتيك الخبر عند إرادة ms1089 الوعيد والتهديد، وفى لفظ ~~الأنباء ما يرشد إلى ذلك فإنه لا يطلق إلا على خبر عظيم. قوله (ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن) كلام مبتدأ لبيان ما تقدمه، والهمزة للإنكار، و " ~~كم " يحتمل أن تكون الاستفهامية وأن تكون الخبرية وهي معلقة لفعل الرؤية عن ~~العمل فيما بعده. و (من قرن) تمييز، والقرن يطلق على أهل كل عصر، سموا بذلك ~~لاقترانهم: # أي ألم يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار كم أهلكنا من قبلهم من الأمم ~~الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم. وقيل القرن مدة من الزمان. وهي ~~ستون عاما أو سبعون أو ثمانون أو مائة على اختلاف الأقوال، فيكون ما في ~~الآية على تقدير مضاف محذوف: أي من أهل قرن. قوله (مكناهم في الأرض ما لم ~~نمكن لكم) مكن له في الأرض جعل له مكانا فيها، ومكنه في الأرض: أثبته فيها. ~~والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: # كيف ذلك، وقيل إن هذه الجملة صفة لقرن، والأول أولى، و " ما " في " ما لم ~~نمكن " نكرة موصوفة بما بعدها: # أي مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم، والمعنى: أنا أعطينا القرون الذين هم ~~قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار PageV02P100 # وقوة الأبدان وقد أهلكناهم جميعا، فإهلاككم وأنتم دونهم بالأولى. قوله ~~(وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) يريد المطر الكثير، عبر عنه بالسماء، لأنه ~~ينزل من السماء، ومنه قول الشاعر: * إذا نزل السماء بأرض قوم * والمدرار ~~صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور، ~~وميناث التي تلد الإناث يقال در اللبن يدر: إذا أقبل على الحالب بكثرة ~~وانتصاب (مدرارا) على الحال، وجريان الأنهار من تحتهم معناه من تحت أشجارهم ~~ومنازلهم: أي أن الله وسع عليهم النعم بعد التمكين لهم في الأرض فكفروها، ~~فأهلكهم الله بذنوبهم (وأنشأنا من بعدهم) أي من بعد إهلاكهم (قرنا آخرين) ~~فصاروا بدلا من الهالكين، وفى هذا بيان لكمال قدرته سبحانه وقوة سلطانه ~~وأنه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء. قوله (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ~~فلمسوه ms1090 بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) في هذه الجملة بيان ~~شدة صلابتهم في الكفر، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتابا ~~مكتوبا في قرطاس بمرأى منهم ومشاهدة (فلمسوه بأيديهم) حتى يجتمع لهم إدراك ~~الحاستين: # حاسة البصر، وحاسة اللمس (لقال الذين كفروا) منهم (إن هذا إلا سحر مبين) ~~ولم يعلموا بما شاهدوا ولمسوا، وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس، فكيف ~~فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة ملك لا ~~يرونه ولا يحسونه؟ والكتاب مصدر بمعنى الكتابة، والقرطاس: الصحيفة. قوله ~~(وقالوا لولا أنزل عليه ملك) هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم ~~لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم وكفرهم بها: أي قالوا هلا أنزل الله عليك ~~ملكا نراه ويكلمنا أنه نبي حتى نؤمن به ونتبعه؟ كقولهم - لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا - (ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر) أي لو أنزلنا ملكا على ~~الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم (لقضي الأمر) أي ~~لأهلكناهم إذ لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له، لأن مثل هذه الآية البينة، ~~وهي نزول الملك على تلك الصفة إذا لم يقع الإيمان بعدها فقد استحقوا ~~الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة (ثم لا ينظرون) أي لا يمهلون بعد نزوله ~~ومشاهدتهم له، وقيل إن المعنى: إن الله سبحانه لو أنزل ملكا مشاهدا لم تطق ~~قواهم البشرية أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء، بل تزهق أرواحهم عند ذلك فيبطل ~~ما أرسل الله له رسله وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده - ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا -. قوله (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) أي لو ~~جعلنا الرسول إلى النبي ملكا يشاهدونه ويخاطبونه لجعلنا ذلك الملك رجلا. ~~لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلقه الله عليها إلا بعد ~~أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم. لأن كل جنس يأنس ~~بجنسه، فلو جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر أو الرسول إلى رسوله ملكا ~~مشاهدا مخاطبا لنفروا منه ms1091 ولم يأنسوا به، ولداخلهم الرعب وحصل معهم من ~~الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته، هذا أقل حال فلا تتم المصلحة من ~~الإرسال. # وعند أن يجعله الله رجلا: أي على صورة رجل من بني آدم ليسكنوا إليه ~~ويأنسوا به سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر، ويعودون إلى مثل ما ~~كانوا عليه. قوله (وللبسنا عليهم ما يلبسون) أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على ~~أنفسهم لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك، فإن استدل ~~لهم بأنه ملك كذبوه قال الزجاج: المعنى للبسنا عليهم، أي على رؤسائهم كما ~~يلبسون على ضعفتهم، وكانوا يقولون لهم: إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم ~~فرق. فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم، فأعلم الله عز وجل أنه لو نزل ملكا في ~~صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون. واللبس: الخلط، يقال لبست ~~عليه الأمر ألبسه لبسا: أي خلطته، وأصله التستر بالثوب ونحوه، ثم قال ~~سبحانه مؤنسا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ومسليا له (ولقد استهزئ برسل ~~من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون) يقال: حاق الشئ يحيق ~~حيقا وحيوقا وحيقانا PageV02P101 # نزل: أي فنزل ما كانوا به يستهزءون، وأحاط بهم: وهو الحق حيث أهلكوا من ~~أجل الاستهزاء به (قل سيروا في الأرض) أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين ~~سافروا في الأرض وانظروا آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل بهم من العقوبات، ~~وكيف كانت عاقبتهم بعد ما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم ~~فيه، فهذه ديارهم خاربة وجناتهم مغبرة وأراضيهم مكفهرة، فإذا كانت عاقبتهم ~~هذه العاقبة فأنتم بهم لاحقون وبعد هلاكهم هالكون. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ~~إلا كانوا عنها معرضين) يقول: # ما يأتيهم من شئ من كتاب الله إلا أعرضوا عنه، وفى قوله (فقد كذبوا بالحق ~~لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) يقول: سيأتيهم يوم ~~القيامة أنباء ما استهزءوا به من كتاب الله ms1092 عز وجل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~أبي مالك في قوله (من قرن) قال: أمة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (مكناهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم) يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (وأرسلنا ~~السماء عليهم مدرارا) يقول: # يتبع بعضها بعضا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هارون التيمي في ~~الآية قال: المطر في إبانه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي ~~عن ابن عباس في قوله (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم) يقول: ~~لو أنزلنا من السماء صحفا فيها كتاب (فلمسوه بأيديهم) لزادهم ذلك تكذيبا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (فلمسوه بأيديهم) قال: فمسوه ونظروا إليه لم ~~يصدقوا به. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما ~~بلغني. فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن كلدة وعبدة ~~بن عبد يغوث وأبي بن خلف بن وهب والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا ~~محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك، فأنزل الله (وقالوا لولا أنزل عليه ملك) ~~الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (وقالوا لولا أنزل عليه ملك) قال: # ملك في صورة رجل (ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر) لقامت الساعة. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (لقضي الأمر) يقول: لو أنزل الله ملكا ثم لم يؤمنوا لعجل لهم ~~العذاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ولو ~~أنزلنا ملكا) ms1093 قال: ولو أتاهم ملك في صورته (لقضي الأمر) لأهلكناهم (ثم لا ~~ينظرون) لا يؤخرون (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) يقول: لو أتاهم ملك ما ~~أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة (وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون) يقول: لخلطنا عليهم ما يخلطون. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن مجاهد في قوله (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) قال: في صورة رجل في ~~خلق رجل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) يقول: في صورة آدمي. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن زيد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(وللبسنا عليهم) يقول: شبهنا عليهم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي. في الآية قال: شبهنا ~~عليهم ما يشبهون على أنفسهم. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: مر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل ~~بن هشام فهمزوه واستهزءوا به فغاظه ذلك. فأنزل الله (ولقد استهزئ برسل من ~~قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون). PageV02P102 # الأنعام الآية (12 - 21) قوله (قل لمن ما في السماوات والأرض) هذا احتجاج ~~عليهم وتبكيت لهم، والمعنى: قل لهم هذا القول فإن قالوا فقل لله، وإذا ثبت ~~أن له ما في السماوات والأرض إما باعترافهم، أو بقيام الحجة عليهم فالله ~~قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ولكنه كتب على نفسه الرحمة: أي وعد بها فضلا ~~منه وتكرما. وذكر النفس هنا عبارة عن تأكد وعده وارتفاع الوسائط دونه، وفى ~~الكلام ترغيب للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وتسكين خواطرهم بأنه رحيم ~~بعباده لا يعاجلهم بالعقوبة وأنه يقبل منهم الإنابة والتوبة، ومن رحمته لهم ~~إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة. قوله (ليجمعنكم إلى يوم القيامة) ~~اللام جواب قسم محذوف. قال الفراء وغيره: يجوز أن يكون تمام الكلام عند ~~قوله (الرحمة) ويكون ما بعدها ms1094 مستأنفا على جهة التبيين فيكون المعنى ~~(ليجمعنكم) ليمهلنكم وليؤخرن جمعكم. وقيل المعنى: ليجمعنكم في القبور إلى ~~اليوم الذي أنكرتموه. وقيل (إلى) بمعنى في: أي ليجمعنكم في يوم القيامة. ~~وقيل يجوز أن يكون موضع (ليجمعنكم) النصب على البدل من الرحمة، فتكون اللام ~~بمعنى أن. والمعنى: كتب ربكم على نفسه الرحمة أن يجمعنكم كما قالوا في قوله ~~تعالى - ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه - أي أن يسجنوه، وقيل إن ~~جملة (ليجمعنكم) مسوقة للترهيب بعد الترغيب، وللوعيد بعد الوعد: # أي إن أمهلكم برحمته فهو مجازيكم بجمعكم ثم معاقبة من يستحق عقوبته من ~~العصاة، والضمير في (لا ريب فيه) لليوم أو للجمع. قوله (الذين خسروا أنفسهم ~~فهم لا يؤمنون). قال الزجاج: إن الموصول مرتفع على الابتداء، PageV02P103 # وما بعده خبره كما تقول: الذي يكرمني فله درهم، فالفاء لتضمن المبتدأ ~~معنى الشرط. وقال الأخفش: إن شئت كان (الذين) في موضع نصب على البدل من ~~الكاف والميم في (ليجمعنكم) أي ليجمعن المشركين الذين خسروا أنفسهم، وأنكره ~~المبرد وزعم أنه خطأ، لأنه لا يبدل من المخاطب ولا من المخاطب. لا يقال ~~مررت بك زيد ولا مررت بي زيد، وقيل يجوز أن يكون (الذين) مجرورا على البدل ~~من المكذبين الذين تقدم ذكرهم أو على النعت لهم، وقيل إنه منادى وحرف ~~النداء مقدر. قوله (وله ما سكن في الليل والنهار) أي لله، وخص الساكن ~~بالذكر، لأن ما يتصف بالسكون أكثر مما يتصف بالحركة، وقيل المعنى: ما سكن ~~فيهما أو تحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر، وهذا من جملة الاحتجاج على ~~الكفرة. قوله (قل أغير الله أتخذ وليا) الاستفهام للإنكار، قال لهم ذلك لما ~~دعوه إلى عبادة الأصنام، ولما كان الإنكار لاتخاذ غير الله وليا، لا لاتخاذ ~~الولي مطلقا دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل. والمراد بالولي هنا: ~~المعبود: أي كيف أتخذ غير الله معبودا؟ و (فاطر السماوات والأرض) مجرور على ~~أنه نعت لاسم الله، وأجاز الأخفش الرفع على إضمار مبتدأ. وأجاز الزجاج ~~النصب على المدح، وأجاز ms1095 أبو علي الفارسي نصبه بفعل مضمر كأنه قيل أترك فاطر ~~السماوات والأرض. قوله (وهو يطعم ولا يطعم) قرأ الجمهور بضم الياء وكسر ~~العين في الأول، وضمها وفتح العين في الثاني: أي يرزق ولا يرزق، وقرأ سعيد ~~بن جبير ومجاهد والأعمش بفتح الياء في الثاني وفتح العين، وقرئ بفتح الياء ~~والعين في الأول وضمها وكسر العين في الثاني على أن الضمير يعود إلى الولي ~~المذكور، وخص الإطعام دون غيره من ضروب الإنعام لأن الحاجة إليه أمس. قوله ~~(قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) أمره سبحانه بعد ما تقدم من اتخاذ غير ~~الله وليا أن يقول لهم إنه مأمور بأن يكون أول من أسلم وجهه لله من قومه، ~~وأخلص من أمته، وقيل معنى (أسلم) استسلم لأمر الله، ثم نهاه الله عز وجل أن ~~يكون من المشركين. والمعنى: أمرت بأن أكون أول من أسلم ونهيت عن الشرك: أي ~~يقول لهم هذا، ثم أمره أن يقول (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) أي إن ~~عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره أو نهيه. والخوف: توقع المكروه، وقيل هو ~~هنا بمعنى العلم: أي إني أعلم إن عصيت ربي أن لي عذابا عظيما. قوله (من ~~يصرف عنه يومئذ فقد رحمه) قرأ أهل المدينة وأهل مكة وابن عامر على البناء ~~للمفعول: أي من يصرف عنه العذاب، واختار هذه القراءة سيبويه. وقرأ الكوفيون ~~على البناء للفاعل وهو اختيار أبي حاتم، فيكون الضمير على هذه القراءة لله. ~~ومعنى (يومئذ) يوم العذاب العظيم (فقد رحمه) الله أي نجاه وأنعم عليه ~~وأدخله الجنة، والإشارة بذلك إلى الصرف أو إلى الرحمة: أي فذلك الصرف أو ~~الرحمة (الفوز المبين) أي الظاهر الواضح، وقرأ أبي (من يصرف الله عنه). ~~قوله (وإن يمسسك الله بضر) أي إن ينزل الله بك ضرا من فقر أو مرض (فلا كاشف ~~له إلا هو) أي لا قادر على كشفه سواه (وإن يمسسك بخير) من رخاء أو عافية ~~(فهو على كل شئ قدير) ومن جملة ذلك المس ms1096 بالشر والخير. قوله (وهو القاهر ~~فوق عباده) القهر: الغلبة، والقاهر: # الغالب، وأقهر الرجل: إذا صار مقهورا ذليلا، ومنه قول الشاعر: # تمنى حصين أن يسود خزاعة * فأمسى حصين قد أذل وأقهرا ومعنى (فوق عباده) ~~فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، لا فوقية المكان كما تقول: السلطان ~~فوق رعيته: # أي بالمنزلة والرفعة. وفى القهر معنى زائد ليس في القدرة، وهو منع غيره ~~عن بلوغ المراد (وهو الحكيم) في أمره (الخبير) بأفعال عباده. قوله (قل أي ~~شئ أكبر شهادة) أي مبتدأ، وأكبر خبره، وشهادة تمييز، والشيء يطلق على ~~القديم والحادث، والمحال والممكن. والمعنى: أي شهيد أكبر شهادة، فوضع شئ ~~موضع شهيد PageV02P104 # وقيل إن (شئ) هنا موضوع موضع اسم الله تعالى. والمعنى: الله أكبر شهادة: ~~أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم فهو ~~شهيد بيني وبينكم، وقيل إن قوله (الله شهيد بيني وبينكم) هو الجواب، لأنه ~~إذا كان الشهيد بينه وبينهم كان أكبر شهادة له صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقيل إنه قد تم الجواب عند قوله (قل الله) يعنى الله أكبر شهادة، ثم ابتدأ ~~فقال (شهيد بيني وبينكم) أي هو شهيد بيني وبينكم. قوله (وأوحى إلى هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ) أي أوحى الله إلى هذا القرآن الذي تلوته عليكم ~~لآجل أن أنذركم به وأنذر به من بلغ إليه: أي كل من بلغ إليه من موجود ~~ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة. وفى هذه الآية من الدلالة على شمول ~~أحكام القرآن لمن سيوجد كشمولها لمن قد كان موجودا وقت النزول ما لا يحتاج ~~معه إلى تلك الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه. وقرأ أبو نهيك (وأوحى) ~~على البناء للفاعل، وقرأ ابن عداة على البناء للمفعول. قوله (أئنكم لتشهدون ~~أن مع الله آلهة أخرى) الاستفهام للتوبيخ والتقريع على قراءة من قرأ ~~بهمزتين على الأصل أو بقلب الثانية، وأما من قرأ على الخبر فقد حقق عليهم ~~شركهم، وإنما قال (آلهة أخرى) لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث، كذا ~~قال الفراء، ومثله قوله ms1097 تعالى - ولله الأسماء الحسنى - وقال - فما بال ~~القرون الأولى - (قل لا أشهد) أي فأنا لا أشهد معكم فحذف لدلالة الكلام ~~عليه، وذلك لكون هذه الشهادة باطلة، ومثله - فإن شهدوا فلا تشهد معهم - وما ~~في (مما تشركون) موصولة أو مصدرية: أي من الأصنام التي تجعلونها آلهة، أو ~~من إشراككم بالله. قوله (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) ~~الكتاب للجنس فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما: أي يعرفون رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قال به جماعة من السلف، وإليه ذهب الزجاج، وقيل إن ~~الضمير يرجع إلى الكتاب: أي يعرفونه معرفة محققة بحيث لا يلتبس عليهم منه ~~شئ، و (كما يعرفون أبناءهم) بيان لتحقق تلك المعرفة وكمالها وعدم وجود شك ~~فيها، فإن معرفة الآباء للأبناء هي البالغة إلى غاية الإتقان إجمالا ~~وتفصيلا. قوله (الذين خسروا أنفسهم) في محل رفع على الابتداء. وخبره (فهم ~~لا يؤمنون) ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وقيل إن ~~الموصول خبر مبتدأ محذوف، وقيل هو نعت للموصول الأول. وعلى الوجهين ~~الأخيرين يكون (فهم لا يؤمنون) معطوفا على جملة (الذين آتيناهم الكتاب). # والمعنى على الوجه الأول أن الكفار الخاسرين لأنفسهم بعنادهم وتمردهم لا ~~يؤمنون بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى الوجهين ~~الأخيرين أن أولئك الذين آتاهم الله الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما ~~وقعوا فيه من البعد عن الحق وعدم العمل بالمعرفة التي ثبتت لهم فهم لا ~~يؤمنون. قوله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي اختلق على الله الكذب ~~فقال: إن في التوراة أو الإنجيل ما لم يكن فيهما (أو كذب بآياته) التي ~~يلزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة. فجمع بين كونه كاذبا على ~~الله ومكذبا بما أمره الله بالإيمان به، ومن كان هكذا فلا أحد من عباد الله ~~أظلم منه، والضمير في (إنه لا يفلح الظالمون) للشأن. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن سلمان الفارسي قال: إنا نجد ms1098 في التوراة أن الله خلق السماوات والأرض، ثم ~~جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة ~~وأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون. ~~وبها يتزاورون وبها تحن الناقة، وبها تنتج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها ~~تتابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك ~~الرحمة إلى ما عنده. ورحمته أفضل وأوسع. وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن ~~سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " خلق الله يوم خلق السماوات ~~والأرض مائة رحمة: منها رحمة يتراحم بها الخلق، PageV02P105 # وتسعة وتسعون ليوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة "، ~~وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لما قضى الله الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي ~~سبقت غضبي ". وقد روى من طرق أخرى بنحو هذا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن السدي في قوله (وله ما سكن في الليل والنهار) يقول ما استقر ~~في الليل والنهار، وفى قوله (قل أغير الله أتخذ وليا) قال: أما الولي فالذي ~~تولاه ويقر له بالربوبية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (فاطر السماوات والأرض) قال: بديع السماوات والأرض. وأخرج أبو عبيد في ~~فضائله وابن جرير وابن الأنباري عنه قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات ~~والأرض؟ حتى أتاني أعربيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول ~~أنا ابتدأتها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ~~(وهو يطعم ولا يطعم) قال: يرزق ولا يرزق. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله (من يصرف عنه) قال: من يصرف عنه العذاب. وأخرج ~~أبو الشيخ عن السدي في قوله (وإن يمسسك بخير) يقول: بعافية. وأخرج ابن ~~إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: # جاء النمام بن ms1099 زيد وقردم بن كعب وبحري بن عمرو فقالوا: يا محمد ما تعلم ~~مع الله إلها غيره؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا إله إلا ~~الله، بذلك بعثت وإلى ذلك أدعو، فأنزل الله (قل أي شئ أكبر شهادة) الآية. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ والبيهقي. في الأسماء والصفات عن مجاهد قال: أمر محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يسأل قريشا أي شئ أكبر شهادة؟ ثم أمره أن يخبرهم فيقول: الله ~~شهيد بيني وبينكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به) ~~يعني أهل مكة (ومن بلغ) يعني من بلغه هذا القرآن من الناس فهو له نذير. ~~وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية (وأوحى إلى ~~هذا القرآن) كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى كسرى وقيصر ~~والنجاشي وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل وليس بالنجاشي الذي صلى عليه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب وابن ~~النجار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من بلغه ~~القرآن فكأنما شافهته به، ثم قرأ وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ~~". وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال " من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم " وفي لفظ " من بلغه القرآن حتى تفهمه وتعقله كان ~~كمن عاين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلمه ". # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله (وأوحى إلى هذا القرن ~~لأنذركم به) قال: العرب (ومن بلغ) قال: العجم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ~~قال: قال النضر ms1100 وهو من بني عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات ~~والعزى، فأنزل الله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) الآية. # سورة الأنعام الآية (22 - 23) PageV02P106 # سورة الأنعام الآية (24 - 30) قوله (ويوم نحشرهم) قرأ الجمهور بالنون في ~~الفعلين. وقرئ بالياء فيهما. وناصب الظرف محذوف مقدر متأخرا: أي يوم نحشرهم ~~كان كيت وكيت. والاستفهام في (أين شركاؤكم) للتقريع والتوبيخ للمشركين. # وأضاف الشركاء إليهم. لأنها لم تكن شركاء لله في الحقيقة بل لما سموها ~~شركاء أضيفت إليهم، وهي ما كانوا يعبدونه من دون الله أو يعبدونه مع الله. ~~قوله (الذين كنتم تزعمون) أي تزعمونها شركاء، فحذف المفعولان معا، ووجه ~~التوبيخ بهذا الاستفهام أن معبوداتهم غابت عنهم في تلك الحال أو كانت حاضرة ~~ولكن لا ينتفعون بها بوجه من الوجوه. فكان وجودها كعدمها. قوله (ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) قال الزجاج: # تأويل هذه الآية أن الله عز وجل أخبر بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم ~~أخبر أن فتنتهم لم تكن حتى رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك. ونظير هذا ~~في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا. فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فتقول: ما ~~كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه انتهى. فالمراد بالفتنة على هذا كفرهم: ~~أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به وقاتلوا عليه إلا ما وقع منهم من ~~الجحود والحلف على نفيه بقولهم (والله ربنا ما كنا مشركين) وقيل المراد ~~بالفتنة هنا جوابهم: أي لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبري. فكان هذا الجواب ~~فتنة لكونه كذبا، وجملة (ثم لم تكن فتنتهم) معطوفة على عامل الظرف المقدر ~~كما مر والاستثناء مفرغ، وقرئ فتنتهم بالرفع وبالنصب، ويكن وتكن والوجه ~~ظاهر. وقرئ (وما كان فتنتهم) وقرئ (ربنا) بالنصب على النداء (انظر كيف ~~كذبوا على أنفسهم) بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك (وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون) أي زال وذهب افتراؤهم وتلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من أن ~~الشركاء يقربونهم إلى الله. هذا ms1101 على أن ما مصدرية، وقيل هي موصولة عبارة عن ~~الآلهة: أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئا، وهذا ~~تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حالهم المختلفة ودعواهم ~~المتناقضة، وقيل لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة لأنها دار لا يجرى فيها ~~غير الصدق. فمعنى (والله ربنا ما كنا مشركين) نفى شركهم عند أنفسهم، وفى ~~اعتقادهم ويؤيد هذا قوله تعالى - ولا يكتمون الله حديثا -. قوله (ومنهم من ~~يستمع إليك) هذا كلام مبتدأ لبيان PageV02P107 # ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا، والضمير عائد إلى الذين أشركوا: أي ~~وبعض الذين أشركوا يستمع إليك حين تتلو القرآن (وجعلنا على قلوبهم أكنة) أي ~~فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم، والأكنة: الأغطية جمع كنان مثل الأسنة ~~والسنان، كننت الشئ في كنه: إذا جعلته فيه، وأكننته أخفيته، وجملة (جعلنا ~~على قلوبهم أكنة) مستأنفة للإخبار بمضمونها، أو في محل نصب على الحال: أي ~~وقد جعلنا على قلوبهم أغطية كراهة أن يفقهوا القرآن، أو لئلا يفقهوه، ~~والوقر: الصمم، يقال وقرت أذنه تقر وقرا: أي صمت. وقرأ طلحة بن مصرف (وقرا) ~~بكسر الواو: أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر ~~البعير، وهو مقدار ما يطيق أن يحمله، وذكر الأكنة والوقر تمثيل لفرط بعدهم ~~عن فهم الحق وسماعه كأن قلوبهم لا تعقل وأسماعهم لا تدرك (وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها) أي لا يؤمنوا بشئ من الآيات التي يرونها من المعجزات ونحوها ~~لعنادهم وتمردهم. قوله (حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا ~~إلا أساطير الأولين) حتى هنا هي الابتدائية التي تقع بعدها الجمل. وجملة ~~يجادلونك في محل نصب على الحال، والمعنى: أنهم بلغوا من الكفر والعناد أنهم ~~إذا جاءوك مجادلين لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان، بل يقولون إن هذا إلا ~~أساطير الأولين، وقيل حتى هي الجارة وما بعدها في محل جر، والمعنى: حتى وقت ~~مجيئهم مجادلين يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين، وهذا غاية ms1102 التكذيب ~~ونهاية العناد. والأساطير قال الزجاج: واحدها أسطار. وقال الأخفش: أسطورة. ~~وقال أبو عبيدة أسطارة. وقال النحاس: أسطور. وقال القشيري: اسطير. وقيل هو ~~جمع لا واحد له كعباديد وأبابيل: # والمعنى: ما سطره الأولون في الكتب من القصص والأحاديث. قال الجوهري: ~~الأساطير الأباطيل والترهات. # قوله (وهم ينهون عنه وينئون عنه) أي ينهى المشركون الناس عن الإيمان ~~بالقرآن أو بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ويبعدون هم في أنفسهم عنه. وقيل ~~إنها نزلت في أبي طالب فإنه كان ينهى الكفار عن أذية النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ويبعد هو عن إجابته (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) أي ما ~~يهلكون بما يقع منهم من النهي والنأي إلا أنفسهم بتعريضها لعذاب الله ~~وسخطه. والحال أنهم ما يشعرون بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم قوله (ولو ~~ترى إذ وقفوا على النار) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل ~~من تتأتى منه الرؤية، وعبر عن المستقبل يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيها على ~~تحقق وقوعه كما ذكره علماء المعاني، و (وقفوا) معناه حبسوا، يقال وقفته ~~وقفا ووقف وقوفا، وقيل معنى (وقفوا على النار) أدخلوها فتكون على بمعنى في، ~~وقيل هي بمعنى الباء: أي وقفوا بالنار أي بقربها معاينين لها، ومفعول ترى ~~محذوف، وجواب لو محذوف ليذهب السامع كل مذهب، والتقدير: لو تراهم إذ وقفوا ~~على النار لرأيت منظرا هائلا وحالا فظيعا (فقالوا يا ليتنا نرد) أي إلى ~~الدنيا (ولا نكذب بآيات ربنا) أي التي جاءنا بها رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم (ونكون من المؤمنين) بها العاملين بما فيها، والأفعال الثلاثة داخلة ~~تحت التمني: أي تمنوا الرد، وأن لا يكذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين برفع ~~الأفعال الثلاثة هي قراءة الكسائي وأهل المدينة وشعبة وابن كثير وأبي عمرو. ~~وقرأ حفص وحمزة بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني، ~~واختار سيبويه القطع في (ولا نكذب) فيكون غير داخل في التمني، والتقدير: ~~ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب: أي ms1103 لا نكذب رددنا أو لم ~~نرد، قال: # وهو مثل دعني ولا أعود: أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. ~~واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله (وإنهم لكاذبون) لأن ~~الكذب لا يكون في التمني. وقرأ ابن عامر (ونكون) بالنصب وأدخل الفعلين ~~الأولين في التمني. وقرأ أبي (ولا نكذب بآيات ربنا أبدا). وقرأ هو وابن ~~مسعود (يا ليتنا نرد فلا PageV02P108 # نكذب) بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو ~~كما قال الزجاج، وقال أكثر البصريين: لا يجوز الجواب إلا بالفاء. قوله (بل ~~بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) هذا إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد ~~بالإيمان والتصديق: أي لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد بل ~~هو لسبب آخر، وهو أنه بدا لهم ما كانوا يخفون: أي يجحدون من الشرك وعرفوا ~~أنهم هالكون بشركهم فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة، وقيل بدا لهم ما ~~كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم، وقيل بدا لهم ما كانوا ~~يكتمون من أعمالهم القبيحة كما قال تعالى - وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون - وقال المبرد: بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه وهو مثل ~~القول الأول، وقيل المعنى أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون ~~عنهم من أمر البعث والقيامة (ولو ردوا) إلى الدنيا حسبما تمنوا (لعادوا) ~~لفعل ما نهوا عنه من القبائح التي رأسها الشرك كما عاين إبليس ما عاين من ~~آيات الله ثم عاند (وإنهم لكاذبون) أي متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها ~~بحال من الأحوال ولو شاهدوا ما شاهدوا، وقيل المعنى: وإنهم لكاذبون فيما ~~أخبروا به عن أنفسهم من الصدق والإيمان. وقرأ يحيى بن وثاب (ولو ردوا) بكسر ~~الراء لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال إلى الراء، وجملة (وإنهم لكاذبون) ~~معترضة بين المعطوف وهو وقالوا. وبين المعطوف عليه وهو لعادوا: أي لعادوا ~~إلى ما نهوا عنه (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا) أي ما ms1104 هي إلا حياتنا ~~الدنيا (وما نحن بمبعوثين) بعد الموت، وهذا من شدة تمردهم وعنادهم حيث ~~يقولون هذه المقالة على تقدير أنهم رجعوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث. ~~قوله (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) قد تقدم تفسيره في قوله ولو ترى إذ وقفوا ~~على النار) أي حبسوا على ما يكون من أمر ربهم فيهم، وقيل على بمعنى عند. ~~وجواب لو محذوف: أي لشاهدت أمرا عظيما، والاستفهام في (أليس هذا بالحق) ~~للتقريع والتوبيخ: أي أليس هذا البعث الذي ينكرونه كائنا موجودا، وهذا ~~الجزاء الذي يجحدونه حاضرا. (قالوا بلى وربنا) اعترفوا بما أنكروا وأكدوا ~~اعترافهم بالقسم (قال قذفوا العذاب) الذي تشاهدونه وهو عذاب النار (بما ~~كنتم تكفرون) أي بسبب كفركم به أو بكل شئ مما أمرتم بالإيمان به في دار ~~الدنيا. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ثم لم تكن فتنتهم) ~~قال: معذرتهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه (ثم لم تكن فتنتهم) قال: ~~حجتهم (إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) يعني المنافقين والمشركين ~~قالوا وهم في النار: هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا، فقال الله (انظر كيف ~~كذبوا على أنفسهم وضل عنهم) في القيامة (ما كانوا يفترون) يكذبون في ~~الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله (والله ربنا ما كنا ~~مشركين) ثم قال - ولا يكتمون الله حديثا - قال بجوارحهم. وأخرج عبد بن حميد ~~عن قتادة (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) قال: باعتذارهم الباطل (وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون) قال: # ما كانوا يشركون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ومنهم من يستمع إليك) قال: ~~قريش، وفى قوله (وجعلنا على قلوبهم أكنة) قال: كالجعبة للنبل. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا) قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا، كمثل ~~البهيمة التي لا تسمع النداء ms1105 ولا تدرى ما يقال لها. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: الغطاء أكن قلوبهم أن ~~يفقهوه، والوقر الصمم، و (أساطير الأولين) أساجيع الأولين. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس قال: أساطير الأولين: أحاديث الأولين. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: أساطير ~~الأولين: كذب الأولين وباطلهم. PageV02P109 # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (وهم ينهون عنه وينأون عنه) قال: ~~نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يردوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ويتباعد عما جاء به. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن القاسم بن ~~مخيمرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن عطاء نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: ينهون عنه ~~الناس أن يؤمنوا به. وينأون عنه: يتباعدون. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي ~~عنه قال: لا يلقونه ولا يدعون أحدا يأتيه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية في الآية قال: كفار مكة ~~كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبونه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ينهون عن القرآن وعن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وينأون عنه يتباعدون عنه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن سعيد بن أبي هلال في الآية قال: نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية. وأشد الناس عليه ~~في السر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (بل بدا ms1106 لهم ما كانوا يخفون من قبل) قال: ~~من أعمالهم (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) يقول: ولو وصل الله لهم دنيا ~~كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء التي كانوا نهوا ~~عنها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا ~~لم يقدروا على الهدى، فقال (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) أي ولو ردوا إلى ~~الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حيل بينهم وبيته أول مرة وهم في الدنيا. # سورة الأنعام الآية (31 - 36) قوله (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) هم ~~الذين تقدم ذكرهم. والمراد من تكذيبهم بلقاء الله تكذيبهم بالبعث، وقيل ~~تكذيبهم بالجزاء. والأول أولى. لأنهم الذين قالوا قريبا - إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين PageV02P110 # (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة) أي القيامة. وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها. ~~ومعنى بغتة: فجأة، يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة. قال سيبويه: وهي ~~مصدر في موضع الحال، قال: ولا يجوز أن يقاس عليه، فلا يقال جاء فلان سرعة، ~~و (حتى) غاية للتكذيب لا للخسران، فإنه لا غاية له (قالوا يا حسرتنا) هذا ~~جواب إذا جاءتهم أوقعوا النداء على الحسرة، وليست بمنادي في الحقيقة ليدل ~~ذلك على كسرة تحسرهم. والمعنى: يا حسرتنا احضري فهذا أوانك، كذا قال سيبويه ~~في هذا النداء وأمثاله كقولهم يا للعجب ويا للرجل، وقيل هو تنبيه للناس على ~~عظم ما يحل بهم من الحسرة، كأنهم قالوا يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما ~~بنا من الحسرة، والحسرة: الندم الشديد (على ما فرطنا فيها) أي على تفريطنا ~~في الساعة: أي في الاعتداد لها، والاحتفال بشأنها، والتصديق بها. ومعنى ~~فرطنا ضيعنا. وأصله التقدم، يقال فرط فلان: أي تقدم وسبق إلى الماء، ومنه ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: # وأنا فرطكم على الحوض، ومنه الفارط: أي المتقدم فكأنهم أرادوا بقولهم ~~(على ما فرطنا) أي على ما قدمنا من عجزنا عن التصديق بالساعة والاعتداد ~~لها. وقال ابن جرير والطبري: إن الضمير في فرطنا فيها ms1107 يرجع إلى الصفقة، ~~وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر، والدنيا ~~بالآخرة (قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا) في صفقتنا. وإن لم تذكر في الكلام ~~فهو دال عليها، لأن الخسران لا يكون إلى في صفقة، وقيل الضمير راجع إلى ~~الحياة: أي على ما فرطنا في حياتنا. قوله (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) ~~هذه الجملة حالية: أي يقولون تلك المقالة. والحال أنهم (يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم) أي ذنوبهم، جمع وزر: يقال وزر يزر، فهو وازر وموزور، وأصله من ~~الوزر. قال أبو عبيدة: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل ~~وزرك: # أي ثقلك، ومنه الوزير، لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية. ~~والمعنى: أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها، وجعلها محمولة على الظهور ~~تمثيل (ألا ساء ما يزرون) أي بئس ما يحملون. قوله (وما الحياة الدنيا إلا ~~لعب ولهو) أي وما متاع الدنيا إلا لعب ولهو على تقدير حذف مضاف، أو ما ~~الدنيا من حيث هي إلا لعب ولهو. والقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم (ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا) واللعب معروف، وكذلك اللهو، وكل ما يشغلك فقد ألهاك، ~~وقيل أصله الصرف عن الشئ. ورد بأن اللهو بمعنى الصرف لامه ياء، يقال لهيت ~~عنه، ولام اللهو واو. يقال لهوت بكذا (وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون) سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا: # أي هي خير الذين يتقون الشرك والمعاصي، أفلا تعقلون ذلك. قرأ ابن عامر ~~(ولدار الآخرة) بلام واحدة وبالإضافة وقرأ الجمهور باللام التي للتعريف ~~معها، وجعل الآخرة نعتا لها والخبر خير، وقرئ تعقلون بالفوقية والتحتية. # قوله (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) هذا اللام مبتدأ مسوق لتسلية رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عما ناله من النعم والحزن بتكذيب الكفار له. ~~ودخول قد للتكثير فإنها قد تأتى لإفادته كما تأتي رب والضمير في (إنه) ~~للشأن، وقرئ بفتح الياء من يحزنك وضمها، وقرئ " يكذبونك " مشددا ومخففا، ~~واختار أبو عبيد قراءة التخفيف. قال النحاس: وقد ms1108 خولف أبو عبيد في هذا، ~~ومعنى " يكذبونك " على التشديد: ينسبونك إلى الكذب ويردون عليك ما قلته. ~~ومعنى المخفف: أنهم لا يجدونك كذابا، يقال أكذبته: وجدته كذابا، وأبخلته: # وجدته بخيلا. وحكى الكسائي عن العرب: أكذبت الرجل: أخبرت أنه جاء بالكذب، ~~وكذبته: أخبرت أنه كاذب. وقال الزجاج: كذبته إذا قلت له كذبت، وأكذبته: إذا ~~أردت أن ما أتى به كذب. والمعنى: أن تكذيبهم ليس يرجع إليك فإنهم يعترفون ~~لك بالصدق، ولكن تكذيبهم راجع إلى ما جئت به، ولهذا قال (ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون) ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التوبيخ لهم والإزراء ~~عليهم، ووصفهم بالظلم PageV02P111 # لبيان أن هذا الذي وقع منهم ظلم بين. قوله (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا ~~على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا) هذا من جملة التسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أي أن هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأول ما ~~صنعه الكفار مع من أرسله الله إليهم، بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل ~~المرسلين من قبلك فاقتد بهم ولا تحزن واصبر كما صبروا على ما كذبوا به ~~وأوذوا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد و - لكل أجل كتاب - ~~إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا - ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم ~~لهم المنصورون. # وإن جندنا لهم الغالبون - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - ولا مبدل لكلمات ~~الله - بل وعده كائن وأنت منصور على المكذبين، ظاهر عليهم. وقد كان ذلك ~~ولله الحمد (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) ما جاءك من تجرى قومهم عليهم في ~~الابتداء، وتكذيبهم لهم ثم نصرهم عليهم في الانتهاء، وأنت ستكون عاقبة ~~هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل فيرجعون إليك ويدخلون في الدين ~~الذي تدعوهم إليه طوعا أو كرها. قوله (وإن كان كبر عليك إعراضهم) كان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يكبر عليه إعراض قومه ويتعاظمه ويحزن له فبين له ~~الله سبحانه أن هذا الذي وقع منهم من توليهم عن الإجابة له، والإعراض عما ~~دعا إليه هو كائن ms1109 لا محالة لما سبق في علم الله عز وجل، وليس في استطاعته ~~وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن الله بذلك، ثم علق ذلك بما هو محال، ~~فقال (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض) فتأتيهم بآية منه (أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية) منها فافعل، ولكنك لا تستطيع ذلك فدع الحزن - و - لا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات - وما أنت عليهم بمسيطر - والنفق: السرب والمنفذ، ~~ومنه النافقاء لجحر اليربوع، ومنه المنافق. وقد تقدم في البقرة ما يغنى عن ~~الإعادة. والسلم: الدرج الذي يرتقى عليه، وهو مذكر لا يؤنث، وقال الفراء: ~~إنه يؤنث. قال الزجاج: وهو مشتق من السلامة، لأنه يسلك به إلى موضع الأمن، ~~وقيل إن الخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد به ~~أمته، لأنها كانت تضيق صدورهم بتمرد الكفرة وتصميمهم على كفرهم ولا يشعرون ~~أن لله سبحانه في ذلك حكمة لا تبلغها العقول ولا تدركها الأفهام، فإن الله ~~سبحانه لو جاء لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بآية تضطرهم إلى الإيمان لم ~~يبق للتكليف الذي هو الابتلاء والامتحان معنى، ولهذا قال (ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى) جمع إلجاء وقسر، ولكنه لم يشأ ذلك ولله الحكمة البالغة ~~(فلا تكونن من الجاهلين) فإن شدة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة ~~قبل أن يأذن الله بذلك هو صنيع أهل الجهل ولست منهم، فدع الأمور مفوضة إلى ~~عالم الغيب والشهادة فهو أعلم بما فيه المصلحة، ولا تحزن لعدم حصول ما ~~يطلبونه من الآيات التي لو بدا لهم بعضها لكان إيمانهم بها اضطرارا (إنما ~~يستجيب الذين يسمعون) أي إنما يستجيب لك إلى ما تدعو إليه الذين يسمعون ~~سماع تفهم بما تقتضيه العقول وتوجبه الأفهام وهؤلاء ليسوا كذلك، بل هو ~~بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ولا يعقلون لما جعلنا على قلوبهم من الأكنة ~~وفى آذانهم من الوقر، ولهذا قال (والموتى يبعثهم الله) شبههم بالأموات ~~بجامع أنهم جميعا لا يفهمون الصواب ولا يعقلون الحق: أي أن هؤلاء لا يلجئهم ~~الله إلى ms1110 الإيمان وإن كان قادرا على ذلك كما يقدر على بعثة الموتى للحساب ~~(ثم إليه يرجعون) إلى الجزاء فيجازى كلا بما يليق به كما تقتضيه حكمته ~~البالغة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (قالوا يا حسرتنا) قال: ~~الحسرة الندامة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن ~~مردويه والخطيب بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله (يا حسرتنا) قال: الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم ~~من الجنة، فتلك الحسرة. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(ألا ساء ما يزرون) قال: ما يعملون PageV02P112 # وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (لعب ولهو) قال: كل لعب: لهو. وأخرج ~~الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه ~~والضياء في المختارة عن علي بن أبي طالب قال: قال أبو جهل للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به. فأنزل الله (فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن أبي يزيد المدني أن أبا جهل قال: والله إني لأعلم أنه صادق، ولكن متى ~~كنا تبعا لبني عبد مناف؟. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ~~أبي ميسرة نحو رواية علي بن أبي طالب. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) ~~قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ~~(ولقد كذبت رسل من قبلك) قال: يعزى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال (فإن استطعت أن ~~تبتغي نفقا في الأرض) والنفق: السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية أو تجعل لهم ~~سلما في السماء ms1111 فتصعد عليه (فتأتيهم بآية) أفضل مما أتيناهم به فافعل (ولو ~~شاء الله لجمعهم على الهدى) يقول سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين. ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن قتادة في قوله (نفقا في الأرض) قال: سربا (أو سلما في السماء) ~~قال: يعنى الدرج. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~الحسن في قوله (إنما يستجيب الذين يسمعون) قال: المؤمنون (والموتى) قال: ~~الكفار. وأخرج هؤلاء عن مجاهد مثله. # سورة الإنعام الآية (37 - 39) هذا كان منهم تعنتا ومكابرة حيث لم يقتدوا ~~بما قد أنزله الله على رسوله من الآيات البينات التي من جملتها القرآن، وقد ~~علموا أنهم قد عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله. ومرادهم بالآية هنا هي التي ~~تضطرهم إلى الإيمان كنزول الملائكة بمرأى منهم ومسمع، أو نتق الجبل كما وقع ~~لبني إسرائيل، فأمره الله سبحانه أن يجيبهم بأن الله قادر على أن ينزل على ~~رسوله آية تضطرهم إلى الإيمان، ولكنه ترك ذلك لتظهر فائدة التكليف الذي هو ~~الابتلاء والامتحان، وأيضا لو أنزل آية كما طلبوا لم يمهلهم بعد نزولها بل ~~سيعاجلهم بالعقوبة إذا لم يؤمنوا. قال الزجاج: # طلبوا أن يجمعهم على الهدى، يعني جمع إلجاء (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن ~~الله قادر على ذلك، وأنه تركه لحكمة بالغة لا تبلغها عقولهم. قوله (وما من ~~دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) الدابة من دب يدب ~~فهو داب: إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو. وقد تقدم بيان ذلك في البقرة (ولا ~~طائر) معطوف على (دابة) مجرور في قراءة الجمهور. وقرأ الحسن وعبد الله بن ~~أبي إسحاق (ولا طائر) بالرفع عطفا على موضع من دابة على تقدير زيادة من، و ~~(بجناحيه) لدفع الإيهام، لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير كقولهم: طرفي ~~جاجتي: PageV02P113 # أي أسرع، وقيل إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ومع ~~عدم الاعتدال يميل، فأعلمنا سبحانه أن ms1112 الطيران بالجناحين، وقيل ذكر ~~الجناحين للتأكيد كضرب بيده وأبصر بعينيه ونحو ذلك. والجناح: # أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله الميل إلى ~~ناحية من النواحي. والمعنى: ما من دابة من الدواب التي تدب في أي مكان من ~~أمكنة الأرض ولا طائر يطير في أي ناحية من نواحيها (إلا أمم أمثالكم) أي ~~جماعات مثلكم خلقهم الله كما خلقكم، ورزقهم كما رزقكم داخلة تحت علمه ~~وتقديره وإحاطته بكل شئ، وقيل (أمثالنا) في ذكر الله والدلالة عليه، وقيل ~~(أمثالنا) في كونهم محشورين، روى ذلك عن أبي هريرة. وقال سفيان بن عيينة: ~~أي مامن صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه، فمنهم من يعدو كالأسد، ~~ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس، ~~وقيل (أمثالكم) في أن لها أسماء تعرف بها. وقال الزجاج (أمثالكم) في الخلق ~~والرزق والموت والبعث والاقتصاص. والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن ~~وجود شبه فيه كائنا ما كان. قوله (ما فرطنا في الكتاب من شئ) أي ما أغفلنا ~~عنه ولا ضيعنا فيه من شئ. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، فإن الله أثبت ~~فيه جميع الحوادث، وقيل إن المراد به القرآن: أي ما تركنا في القرآن من شئ ~~من أمر الدين إما تفصيلا أو إجمالا، ومثله قوله تعالى - ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شئ -، وقال - وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم -، ~~ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله - ما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا - فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فكل حكم سنه الرسول لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه ~~العزيز، بهذه الآية وبنحو قوله تعالى - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني - ~~وبقوله - لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة -، " ومن " في (من شئ) مزيدة ~~للاستغراق. قوله (ثم إلى ربهم يحشرون) يعنى الأمم المذكورة، وفيه دلالة على ~~أنها تحشر كما يحشر بنو آدم. # وقد ذهب ms1113 إلى هذا جمع من العلماء، ومنهم أبو ذر وأبو هريرة والحسن وغيرهم، ~~وذهب ابن عباس إلي أن حشرها موتها، وبه قال الضحاك. والأول أرجح للآية، ~~ولما صح في السنة المطهرة من أنه يقاد يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة ~~القرناء، ولقول الله تعالى - وإذا الوحوش حشرت -: وذهبت طائفة من العلماء ~~إلى أن المراد بالحشر المذكور في الآية حشر الكفار، وما تخلل كلام معترض. ~~قالوا: وأما الحديث فالمقصود به التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص. ~~واستدلوا أيضا بأن في هذا الحديث خارج الصحيح عن بعض الرواة زيادة. ولفظه " ~~حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لم ركب على الحجر؟ والعود لم ~~خدش العود؟ " قالوا: والجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها. قوله ~~(والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم) أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ينطقون ~~بألسنتهم، نزلهم منزلة من لا يسمع ولا ينطق لعدم قبولهم لما ينبغي قبوله من ~~الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة. # وقال أبو علي: يجوز أن يكون صممهم وبكمهم في الآخرة. قوله (في الظلمات) ~~أي في ظلمات الكفر والجهل والحيرة لا يهتدون لشئ مما فيه صلاحهم. والمعنى: ~~كائنين في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات وضموا إلى الصمم والبكم عدم ~~الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم، فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ~~ينتفع بها بحال وقد تقدم في البقرة تحقيق المقام بما يغنى عن الإعادة، ثم ~~بين سبحانه أن الأمر بيده ما شاء يفعل، من شاء تعالى أن يضله أضله، ومن شاء ~~أن يهديه جعله على صراط مستقيم لا يذهب به إلى غير الحق. ولا يمشي فيه إلا ~~إلى صوب الاستقامة. # وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ في قوله (إلا أمم أمثالكم) PageV02P114 # قال: أصنافا مصنفة تعرف بأسمائها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: الطير أمة، والإنس ~~أمة، والجن أمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: # قال: خلق أمثالكم. ms1114 وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريح في الآية قال: ~~الذرة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس (ما فرطنا في الكتاب من شئ) يعني ما تركنا شيئا إلا وقد ~~كتبناه في أم الكتاب. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ثم إلى ربهم ~~يحشرون) قال: موت البهائم حشرها، وفى لفظ قال: # يعني بالحشر الموت. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال " ما من دابة ولا طائر إلا ~~سيحشر يوم القيامة، ثم يقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجلحاء من ذات القرن، ~~ثم يقال لها كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر - يا ليتني كنت ترابا - وإن ~~شئتم فاقرءوا (وما من دابة في الأرض) الآية ". وأخرج ابن جرير عن أبي ذر ~~قال: انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي: " يا أبا ذر ~~أتدري فيم انتطحتا؟ قلت: لا قال: لكن الله يدري وسيقضى بينهما " قال أبو ~~ذر: ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يقلب طائر جناحيه في ~~السماء ولا ذكرنا منه علما. وأخرجه أيضا أحمد، وفى صحيح مسلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى ~~يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ". # سورة الأنعام الآية (40 - 45) قوله (أرأيتكم) الكاف والميم عند البصريين ~~للخطاب ولا حظ لهما في الإعراب، وهو اختيار الزجاج. وقال الكسائي والفراء ~~وغيرهما: إن الكاف والميم في محل نصب بوقوع الرؤية عليهما. والمعنى: أرأيتم ~~أنفسكم. قال في الكشاف مرجحا للمذهب الأول: إنه لا محل للضمير الثاني، يعني ~~الكاف من الإعراب، لأنك تقول: # أرأيتك زيدا ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك ~~زيدا ما شأنه وهو خلف من القول انتهى. والمعنى: أخبروني (إن أتاكم عذاب ms1115 ~~الله) كما أتى غيركم من الأمم (أو أتتكم الساعة) أي القيامة (أغير الله ~~تدعون) هذا على طريقة التبكيت والتوبيخ: أي أتدعون غير الله في هذه الحالة ~~من الأصنام التي تعبدونها أم تدعون الله سبحانه. وقوله (إن كنتم صادقين) ~~تأكيد لذلك التوبيخ: أي أغير الله من الأصنام تدعون إن كنتم صادقين أن ~~أصنامكم تضر وتنفع وأنها آلهة كما تزعمون. قوله (بل إياه تدعون) معطوف على ~~منفى مقدر PageV02P115 # أي لا تدعون غيره بل إياه تخصون بالدعاء (فيكشف ما تدعون إليه) أي فيكشف ~~عنكم ما تدعونه إلى كشفه إن شاء أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك. قوله ~~(وتنسون ما تشركون) أي وتنسون عند أن يأتيكم العذاب ما تشركون به تعالى: أي ~~ما تجعلونه شريكا له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها، ولا ترجون كشف ما بكم ~~منها، بل تعرضون عنها إعراض الناس. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: ~~وتتركون ما تشركون. قوله (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) كلام مبتدأ مسوق ~~لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي ولقد أرسلنا إلى أمم كائنة من ~~قبلك رسلا فكذبوهم (فأخذناهم بالبأساء والضراء) أي البؤس والضر وقيل: ~~البأساء المصائب في الأموال، والضراء المصائب في الأبدان، وبه قال الأكثر ~~(لعلهم يتضرعون) أي يدعون الله بضراعة. مأخوذ من الضراعة وهي الذل، يقال: # ضرع فهو ضارع، ومنه قول الشاعر: # لبيك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح قوله (فلولا إذ جاءهم ~~بأسنا تضرعوا) أي فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا لكنهم لم يتضرعوا، وهذا عتاب ~~لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمردهم ~~وغلوهم في الكفر، ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرعوا عند أن نزل بهم العذاب، ~~وذلك تضرع ضروري لم يصدر عن إخلاص فهو غير نافع لصاحبه، والأول أولى كما ~~يدل عليه - ولكن قست قلوبهم - أي صلبت وغلظت (وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون) أي أغواهم بالتصميم على الكفر والاستمرار على المعاصي. قوله (فلما ~~نسوا ما ذكروا به) أي تركوا ما ms1116 ذكروا به، أو أعرضوا عما ذكروا به. لأن ~~النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به. إذ ليس هو من فعلهم. وبه قال ابن ~~عباس وابن جريج وأبو علي الفارسي. والمعنى: أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ~~ذكروا به من البأساء والضراء وأعرضوا عن ذلك (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) أي ~~لما نسوا ما ذكروا به استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم ~~(حتى إذا فرحوا بما أوتوا) من الخير على أنواعه فرح بطر وأشر وأعجبوا بذلك ~~وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقا وصوابا (أخذناهم بغتة) ~~أي فجأة وهم غير مترقبين لذلك والبغتة. الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة، ~~وهي مصدر في موضع الحال لا يقاس عليها عند سيبويه. قوله (فإذا هم مبلسون) ~~المبلس: الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال، ومن ذلك اشتق ~~اسم إبليس، يقال أبلس الرجل إذا سكت، وأبلست الناقة إذا لم ترع. قال ~~العجاج: # صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا أي تحير لهول ما رأى، ~~والمعنى: فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح. قوله (فقطع دابر القوم ~~الذين ظلموا) الدابر الآخر، يقال دبر القوم يدبرهم دبرا: إذا كان آخرهم في ~~المجئ، والمعنى: أنه قطع آخرهم: أي استؤصلوا جميعا حتى آخرهم. قال قطرب: ~~يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا. قال أمية بن أبي الصلت: # فأهلكوا بعذاب حص دابرهم * فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا ومنه ~~التدبير لأنه أحكام عواقب الأمور. قوله (والحمد لله رب العالمين) أي على ~~هلاكهم. وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من ~~أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم أشد على عباد ~~الله من كل شديد. اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين واقطع دابرهم ~~وأبدلهم بالعدل الشامل لهم وقد أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ~~(فأخذناهم بالبأساء والضراء) قال: خوف السلطان وغلاء السعر. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ms1117 ابن عباس في قوله (فلما نسوا ما ذكروا به) ~~قال: PageV02P116 # يعني تركوا ما ذكروا به. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج (فلما ~~نسوا ذكروا به) قال: ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) قال: رخاء الدنيا ويسرها. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) قال: من ~~الرزق (أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) قال: مهلكون متغير حالهم (فقطع دابر ~~القوم الذين ظلموا) يقول: فقطع أصل الذين ظلموا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن النضر الحارثي في قوله ~~(أخذناهم بغتة) قال: أمهلوا عشرين سنة، ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة ~~لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع وإلا فهو كلام لا طائل تحته. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر ~~الذي لا يدفعه، والمبلس أشد من المستكين، وفى قوله (فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا) قال: استؤصلوا. # سورة الأنعام الآية (46 - 49) هذا تكرير للتوبيخ لقصد تأكيد الحجة عليهم، ~~ووحد السمع لأنه مصدر يدل على الجمع بخلاف البصر ولهذا جمعه، والختم: ~~الطبع، وقد تقدم تحقيقه في البقرة، والمراد: أخذ المعاني القائمة بهذه ~~الجوارح أو أخذ الجوارح نفسها، والاستفهام في (من إله غير الله يأتيكم به) ~~للتوبيخ، " ومن " مبتدأ. و " إله " خبره، وغير الله " صفة للخبر. # ووحد الضمير في " به " مع أن المرجع متعدد على معنى: فمن يأتيكم بذلك ~~المأخوذ أو المذكور وقيل الضمير راجع إلى أحد هذه المذكورات وقيل إن الضمير ~~بمنزلة اسم الإشارة: أي يأتيكم بذلك المذكور، ثم أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالنظر في تصريف الآيات وعدم قبولهم لها تعجيبا له من ms1118 ذلك، ~~والتصريف المجئ بها على جهات مختلفة، تارة إنذار وتارة إعذار وتارة ترغيب ~~وتارة ترهيب، وقوله (ثم هم يصدفون) عطف على نصرف، ومعنى يصدفون: يعرضون، ~~يقال: صدف عن الشئ: إذا أعرض عنه صدفا وصدوفا. قوله (قل أرأيتكم إن أتاكم ~~عذاب الله) أي أخبروني عن ذلك، وقد تقدم تفسير البغتة قريبا أنها الفجأة. ~~قال الكسائي: # بغتهم يبغهم بغتا وبغتة: إذا أتاهم فجأة: أي من دون تقديم مقدمات تدل على ~~العذاب، والجهرة أن يأتي العذاب بعد ظهور مقدمات تدل عليه، وقيل البغتة: ~~إتيان العذاب ليلا، والجهرة: إتيان العذاب نهارا كما في قوله تعالى - بياتا ~~أو نهارا - (هل يهلك إلا القوم الظالمون) الاستفهام للتقرير: أي ما يهلك ~~هلاك تعذيب وسخط إلا القوم الظالمون. وقرئ " يهلك " على البناء للفاعل. قال ~~الزجاج: معناه هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم؟ انتهى. قوله (وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل: أي ~~مبشرين لمن أطاعهم PageV02P117 # بما أعد الله له من الجزاء العظيم. ومنذرين لمن عصاهم بما له عند الله من ~~العذاب الوبيل، وقيل مبشرين في الدنيا بسعة الرزق وفى الآخرة بالثواب، ~~ومنذرين مخوفين بالعقاب، وهما حالان مقدرتان: أي ما نرسلهم إلا مقدرين ~~تبشيرهم وإنذارهم (فمن آمن وأصلح) أي آمن بما جاءت به الرسل (وأصلح) حال ~~نفسه بفعل ما يدعونه إليه (فلا خوف عليهم) بوجه من الوجوه (ولا هم يحزنون) ~~بحال من الأحوال، هذا حال من آمن وأصلح، وأما حال المكذبين فهو أنه يمسهم ~~العذاب بسبب فسقهم: أي خروجهم عن التصديق والطاعة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (يصدفون) قال: # يعدلون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (يصدفون) قال: يعرضون، وقال في قوله (قل ~~أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة) قال: فجأة آمنين، أو جهرة، قال: وهم ~~ينظرون. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كل فسق في القرآن ms1119 فمعناه الكذب. # سورة الأنعام الآية (50 - 55) أمره الله سبحانه بأن يخبرهم لما كثر ~~اقتراحهم عليه وتعنتهم بإنزال الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان أنه لم يكن ~~عنده خزائن الله حتى يأتيهم بما اقترحوه من الآيات. والمراد خزائن قدرته ~~التي تشتمل على كل شئ من الأشياء، ويقول لهم: إنه لا يعلم الغيب حتى يخبرهم ~~به ويعرفهم بما سيكون في مستقبل الدهر (ولا أقول لكم إني ملك) حتى تكلفوني ~~من الأفعال الخارقة للعادة ما لا يطيقه البشر. وليس في هذا ما يدل على أن ~~الملائكة أفضل من الأنبياء. # وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ~~ولا دنيوية. بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعنى، ومن حسن إسلام ~~المرء تركه ما لا يعنيه (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) أي ما أتبع إلا ما يوحيه ~~الله إلي، وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملا بما يفيده القصر ~~في هذه الآية، والمسألة مدونة في الأصول والأدلة عليها معروفة. وقد صح عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " أوتيت القرآن ومثله معه PageV02P118 # (قل هل يستوى الأعمى والبصير) هذا الاستفهام للإنكار. والمراد أنه لا ~~يستوي الضال والمهتدي، أو المسلم والكافر أو من اتبع ما أوحي إليه ومن لم ~~يتبعه، والكلام تمثيل (أفلا تتفكرون) في ذلك حتى تعرفوا عدم الاستواء ~~بينهما، فإنه بين لا يلتبس على من له أدنى عقل وأقل تفكر. قوله (وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) الإنذار، الإعلام، والضمير في به راجع ~~إلى ما يوحى، وقيل إلى الله، وقيل إلى اليوم الآخر. وخص الذين يخافون أن ~~يحشروا، لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف، بخلاف من لا يخاف ~~الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له. فإنه لا يؤثر فيه ذلك. قيل ~~ومعنى يخافون: يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون، فيشمل كل من آمن بالبعث من ~~المسلمين وأهل الذمة وبعض المشركين، وقيل معنى الخوف على حقيقته، والمعنى: ~~أنه ينذر به ms1120 من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يذكره وإن لم يكن مصدقا به في الأصل، لكنه يخاف أن يصح ما أخبر ~~به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن من كان كذلك تكون الموعظة فيه أنجع ~~والتذكير له أنفع. قوله (ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع) الجملة في محل نصب ~~على الحال: أي أنذر به هؤلاء الذين يخافون الحشر حال كونهم لا ولي لهم ~~يواليهم ولا نصير يناصرهم ولا شفيع يشفع لهم من دون الله، وفيه رد على من ~~زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم، وهم أهل الكتاب، أو ~~أن أصنامهم تشفع لهم. وهم المشركون. قوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه) الدعاء العبادة مطلقا، وقيل المحافظة على صلاة ~~الجماعة، وقيل الذكر وقراءة القرآن، وقيل المراد الدعاء لله بجلب النفع ~~ودفع الضرر. قيل: والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام على ذلك والاستمرار، ~~وقيل هو على ظاهره، و (يريدون وجهه) في محل نصب على الحال. والمعنى: أنهم ~~مخلصون في عبادتهم لا يريدون بذلك إلا وجه الله تعالى: أي يتوجهون بذلك ~~إليه لا إلى غيره. قوله (ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من ~~شئ) هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد: أي حساب ~~هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك ~~منه شئ، وحسابك على نفسك ما عليهم منه شئ فعلام تطردهم؟ هذا على فرض صحة ~~وصف من وصفهم بقوله - ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا - وطعن عندك في ~~دينهم وحسبهم، فكيف وقد زكاهم الله عز وجل بالعبادة والإخلاص، وهذا هو مثل ~~قوله تعالى - ولا تزر وازرة وزر أخرى - وقوله - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~- وقوله - إن حسابهم إلا على ربي -. قوله (فتطردهم) جواب النفي في قوله (ما ~~عليك من حسابهم من شئ) وهو من تمام الاعتراض: أي إذا كان الأمر ms1121 كذلك فأقبل ~~عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين ~~والفضل، ومن في " ما عليك من حسابهم من شئ " للتبعيض، والثانية للتوكيد. ~~وكذا في " ما من حسابك عليهم من شئ ". قوله (فتكون من الظالمين) جواب للنهي ~~أعني (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) أي فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين، وحاشاه ~~عن وقوع ذلك. وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره صلى الله عليه ~~وآله وسلم من أهل الإسلام كقوله تعالى - لئن أشركت ليحبطن عملك -. وقيل إن ~~" فتكون من الظالمين " معطوف على " فتطردهم " على طريق التسبب، والأول ~~أولى. قوله (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) أي مثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض ~~الناس ببعض. والفتنة الإختبار: أي عاملناهم معاملة المختبرين. واللام في ~~(ليقولوا) للعاقبة: أي ليقول البعض الأول مشيرين إلى البعض الثاني (أهؤلاء) ~~الذين (من الله عليهم من بيننا) أي أكرمهم بإصابة الحق دوننا. قال النحاس: ~~وهذا من المشكل، لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا القول وهو إن كان على ~~طريقة الإنكار كفر " وأجاب بجوابين: PageV02P119 # الأول أن ذلك واقع منهم على طريقة الاستفهام لا على سبيل الإنكار، ~~والثاني أنهم لما اختبروا بهذا كان عاقبته هذا القول منهم كقوله - فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا -. قوله (أليس الله بأعلم بالشاكرين) هذا ~~الاستفهام للتقرير. والمعنى: أن مرجع الاستحقاق لنعم الله سبحانه هو الشكر، ~~وهو أعلم بالشاكرين له، فما بالكم تعترضون بالجهل وتنكرون الفضل. قوله ~~(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) هم الذين نهاه الله عن طردهم وهم ~~المستضعفون من المؤمنين، كما سيأتي بيانه (فقل سلام عليكم) أمره الله بأن ~~يقول لهم هذا القول تطييبا لخواطرهم وإكراما لهم. والسلام، والسلامة: بمعنى ~~واحد، فمعنى سلام عليكم: سلمكم الله. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد نزول هذه الآية إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقيل: إن هذا السلام هو ~~من جهة الله: # أي أبلغهم منا السلام. قوله (كتب ربكم على نفسه الرحمة) أي أوجب ذلك ~~إيجاب فضل وإحسان، وقيل كتب ms1122 ذلك في اللوح المحفوظ. قيل هذا من جملة ما أمره ~~الله سبحانه بإبلاغه إلى أولئك الذين أمره بإبلاغ السلام إليهم تبشيرا بسعة ~~مغفرة الله وعظيم رحمته. قوله (أنه من عمل منكم سوءا بجهالة) قرأ ابن عامر ~~وعاصم ونافع بفتح أن من أنه، وقرأ الباقون بكسرها. فعلى القراءة الأولى ~~تكون هذه الجملة بدلا من الرحمة: أي كتب ربكم على نفسه أنه من عمل إلى ~~آخره. وعلى القراءة الثانية تكون هذه الجملة مفسرة للرحمة بطريق الاستئناف ~~وموضع بجهالة النصب على الحال: أي عمله وهو جاهل. قيل: والمعنى أنه فعل فعل ~~الجاهلين، لأن من عمل ما يؤدى إلى الضرر في العاقبة مع علمه بذلك أو ظنه، ~~فقد فعل فعل أهل الجهل والسفه لافعل أهل الحكمة والتدبير، وقيل المعنى: أنه ~~عمل ذلك وهو جاهل لما يتعلق به من المضرة، فتكون فائدة التقييد بالجهالة ~~الإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه يؤدي إلى الضرر. قوله (ثم تاب من ~~بعده) أي من بعد عمله (وأصلح) ما أفسده بالمعصية فراجع الصواب وعمل الطاعة ~~(فإنه غفور رحيم). قرأ ابن عامر وعاصم بفتح الهمزة من " فإنه "، وقرأ ~~الباقون بالكسر. فعلى القراءة الأولى تكون أن وما بعدها خبر مبتدأ محذوف: ~~أي فأمره أن الله غفور رحيم، وهذا اختيار سيبويه، واختار أبو حاتم أن ~~الجملة في محل رفع على الابتداء والخبر مضمر، كأنه قيل فله (أنه غفور رحيم) ~~قال لأن المبتدأ هو ما بعد الفاء. وأما على القراءة الثانية فالجملة ~~مستأنفة. قوله (وكذلك نفصل الآيات) أي مثل ذلك التفصيل نفصلها، والتفصيل ~~التبيين.، والمعنى: أن الله فصل لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين وبين لهم ~~حكم كل طائفة. قوله (ولتستبين سبيل المجرمين). قال الكوفيون: هو معطوف على ~~مقدر: أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين قال النحاس: وهذا الحذف لا ~~يحتاج إليه. وقيل إن دخول الواو للعطف على المعنى: قرئ " لتستبين " ~~بالفوقية والتحتية، فالخطاب على الفوقية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي ~~لتستبين يا محمد سبيل المجرمين، وسبيل منصوب ms1123 على قراءة نافع. وأما على ~~قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحفص بالرفع، فالفعل مسند إلى سبيل ~~وأما على التحتية فالفعل مسند إلى سبيل أيضا، وهي قراءة حمزة والكسائي ~~وشعبة بالرفع، وإذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (قل هل يستوى الأعمى والبصير) قال: الأعمى الكافر الذي عمى ~~عن حق الله وأمره ونعمه عليه، والبصير: العبد المؤمن الذي أبصر بصرا نافعا ~~فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما أتاه الله. وأخرج أحمد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو ~~نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود: قال مر الملأ من قريش على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء ~~المسلمين، PageV02P120 # فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) ~~أنحن نكون تبعا لهؤلاء، اطردهم عنا، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله ~~فيهم القرآن (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) إلى قوله (والله ~~عليم بالظالمين). وقد أخرج هذا السبب مطولا ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة، ~~وفيه: إن الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عتبة بن ربيعة ~~وشيبة بن ربيعة وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل ومطعم ~~بن عدي بن الخيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف. وأخرجه ابن أبي ~~شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن خباب ~~قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فذكر نحو حديث عبد ~~الله بن مسعود مطولا. قال ابن كثير: هذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، ~~والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة ~~وغيرهم عن سعد ms1124 بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد الله ~~بن مسعود وبلال ورجل من هذيل ورجلان لست أسميهما، فقال المشركون للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا. فوقع في نفس رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله ~~(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي). وقد روى في بيان السبب روايات ~~موافقة لما ذكرنا في المعنى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (بالغداة والعشي) قال: يعنى الصلاة المكتوبة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الصلاة المكتوبة الصبح والعصر. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم ~~النخعي في الآية قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر. قال سفيان: أي أهل ~~الفقه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وكذلك فتنا بعضهم ببعض) يعنى أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، فقال ~~الأغنياء للفقراء (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) يعني أهؤلاء هداهم الله، ~~وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج (أهؤلاء ~~الذين من الله عليهم من بيننا) أي لو كان لهم كرامة على الله ما أصابهم هذا ~~الجهد وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن ماهان قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقالوا: إنا أصبنا ~~ذنوبا عظاما فما رد عليهم شيئا فانصرفوا، فأنزل الله (وإذا جاءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا) الآية فدعاهم فقرأها عليهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ~~قال: أخبرت أن قوله (سلام عليكم) كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بدأهم بالسلام، فقال (سلام عليكم) وإذا لقيهم فكذلك أيضا. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله (وكذلك نفصل الآيات) قال: ~~نبين الآيات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ms1125 ابن زيد في قوله (ولتستبين ~~سبيل المجرمين) قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء. # الأنعام الآية (56 - 58) PageV02P121 # سورة الأنعام الآية (59) قوله (قل إني نهيت) أمره الله سبحانه أن يعود ~~إلى مخاطبة الكفار ويخبرهم بأنه نهى عن عبادة ما يدعونه ويعبدونه من دون ~~الله: أي نهاه الله عن ذلك وصرفه وزجره، ثم أمره سبحانه بأن يقول لهم (لا ~~أتبع أهواءكم) أي لا أسلك المسلك الذي سلكتموه في دينكم من اتباع الأهواء ~~والمشي على ما توجبه المقاصد الفاسدة التي يتسبب عنها الوقوع في الضلال. ~~قوله (قد ضللت إدا) أي اتبعت أهواءكم فيما طلبتموه من عبادة معبوداتكم وطرد ~~من أردتم طرده (وما أنا من المهتدين) إن فعلت ذلك، وهذه الجملة الاسمية ~~معطوفة على الجملة التي قبلها، والمجئ بها اسمية عقب تلك الفعلية للدلالة ~~على الدوام والثبات، وقرئ (ضللت) بفتح اللام وكسرها وهما لغتان. قال أبو ~~عمرو: # ضللت بكسر اللام لغة تميم، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة بن مصرف. والأولى هي ~~الأصح والأفصح، لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءة الجمهور. قال الجوهري: ~~والضلال والضلالة ضد الرشاد. وقد ضللت أضل. # قال الله - قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي - قال فهذه: يعني المفتوحة لغة ~~نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقول: ضللت بالكسر أضل انتهى. قوله (قل إني ~~على بينة من ربي) البينة: الحجة والبرهان: أي إني على برهان من ربي ويقين، ~~لا على هوى وشك، أمره الله سبحانه بأن يبين لهم أن ما هو عليه من عبادة ربه ~~هو عن حجة برهانية يقينية، لا كما هم عليه من اتباع الشبه الداحضة والشكوك ~~الفاسدة التي لا مستند لها إلا مجرد الأهوية الباطلة. قوله (وكذبتم به) أي ~~بالرب أو بالعذاب أو بالقرآن أو بالبينة، والتذكير للضمير باعتبار المعنى. ~~وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد: أي والحال أن قد كذبتم به، أو جملة ~~مستأنفة مبينة لما هم عليه من التكذيب بما جاء به رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من الحجج الواضحة والبراهين البينة. قوله (ما عندي ما تستعجلون ms1126 ~~به) أخبرهم بأنه لم يكن عنده ما يتعجلونه من العذاب، فإنهم كانوا لفرط ~~تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء، نحو قوله - أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا -، وقولهم - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء -، وقولهم - متى هذا الوعد إن كنتم صادقين -، وقيل (ما عندي ما ~~تستعجلون به) من الآيات التي تقترحونها علي. قوله (إن الحكم إلا لله): أي ~~ما الحكم في كل شئ إلا لله سبحانه، ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب ~~أو الآيات المقترحة. والمراد: الحكم الفاصل بين الحق والباطل. قوله (يقص ~~الحق) قرأ نافع وابن كثير وعاصم (يقص) بالقاف والصاد المهملة، وقرأ الباقون ~~(يقضى) بالضاد المعجمة والياء، وكذا قرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد ~~بن المسيب، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء. فعلى القراءة الأولى هو من ~~القصص: أي يقص القصص الحق، أو من قص أثره: أي يتبع الحق فيما يحكم به. وعلى ~~القراءة الثانية هو من القضاء: أي يقضى القضاء بين عباده، والحق منتصب على ~~المفعولية، أو على أنه صفة لمصدر محذوف: أي يقضى القضاء الحق، أو يقص القصص ~~الحق (وهو خير الفاصلين) أي بين الحق والباطل بما يقتضى به بين عباده ~~ويفصله لهم في كتابه، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم (لو أن عندي ما ~~تستعجلون به) أي ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدورا لي وفى وسعي ~~(لقضي الأمر بيني وبينكم) أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه ~~بكم بسؤالي له وطلبي ذلك، أو المعنى: لو كان العذاب الذي تطلبونه وتستعجلون ~~به عندي وفى قبضتي لأنزلته بكم، وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم (والله ~~أعلم بالظالمين) وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم وبما تقتضيه PageV02P122 # مشيئته من تأخيره استدراجا لهم وإعذارا إليهم. قوله (وعنده مفاتح الغيب ~~لا يعلمها إلا هو) المفاتح جمع مفتح بالفتح: وهو المخزن: أي عنده مخازن ~~الغيب. جعل للأمور الغيبية مخازن تخزن فيها على طريق الاستعارة، أو جمع ~~مفتح بكسر الميم، ms1127 وهو المفتاح، جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما ~~في المخازن منها على طريق الاستعارة أيضا، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر ~~قراءة ابن السميفع (وعنده مفاتيح الغيب) فإن المفاتيح جمع مفتاح والمعنى: ~~إن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب، أو المفاتح التي يتوصل بها إلى المخازن. ~~وقوله (لا يعلمها إلا هو) جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى، وأنه لا علم ~~لأحد من خلقه بشئ من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، ويندرج تحت ~~هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق اندراجا ~~أوليا. وفى هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين ~~وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به ~~علمهم، ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع ~~المخذولة ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول ~~الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم " من أتى كاهنا أو منجما فقد كفر ~~بما أنزل على محمد ". قوله (ويعلم ما في البر والبحر) خصهما بالذكر لأنهما ~~من أعظم مخلوقات الله: أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علما مفصلا لا يخفى ~~عليه منه شئ، أو خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما ~~فيهما (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) أي من ورق الشجر وهو تخصيص بعد ~~التعميم: أي يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه، وقيل المراد بالورقة ما يكتب ~~فيه الآجال والأرزاق، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها هنا ~~السقط من أولاد بني آدم، قال ابن عطية: وهذا قول جار على طريقة الرموز ولا ~~يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه (ولا حبة) كائنة (في ظلمات ~~الأرض) أي في الأمكنة المظلمة، وقيل في بطن الأرض (ولا رطب ولا يابس) ~~بالخفض عطفا على حبة: وهي معطوفة على ورقة. وقرأ ابن السميفع والحسن ~~وغيرهما بالرفع عطفا على موضع من ورقة، وقد شمل وصف الرطوبة واليبوسة جميع ~~الموجودات. قوله (إلا ms1128 في كتاب مبين) هو اللوح المحفوظ، فتكون هذه الجملة ~~بدل اشتمال من (إلا يعلمها) وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل ~~من تلك الجملة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله (قل إني ~~على بينة من ربي) قال: على ثقة. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في ~~قوله (لقضى الأمر بيني وبينكم) قال: # لقامت الساعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (وعنده ~~مفاتح الغيب) قال: يقول خزائن الغيب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله (وعنده مفاتح الغيب) قال: هن خمس - إن الله عنده علم الساعة - ~~إلى قوله - عليم خبير -. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، ~~لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله. ولا يعلم ~~متى يأتي المطر إلا الله. ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم ~~أحد متى تقوم الساعة إلا الله ". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها) قال: ما من شجرة من بر ولا بحر إلا وبها ملك يكتب ما يسقط من ~~ورقها. # وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن جحادة في ~~قوله (وما تسقط من ورقة) قال: # لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ~~ورقته خرجت روحه من جسده، فذلك قوله (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) وأخرج ~~الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله PageV02P123 # صلى الله عليه وآله وسلم قال " ما من زرع على الأرض ولا ثمار على أشجار ~~إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا رزق فلان بن فلان " فذلك قوله ms1129 ~~تعالى (وما تسقط من) الآية. وقد رواه يزيد بن هارون عن محمد ابن إسحاق عن ~~نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. وأخرج أبو الشيخ ~~عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية (ولا رطب ولا يابس) فقال: الرطب واليابس من ~~كل شئ. # سورة الأنعام الآية (60 - 62) قوله (يتوفاكم بالليل) أي ينيمكم فيقبض فيه ~~نفوسكم التي بها تميزون وليس ذلك موتا حقيقة. فهو مثل قوله - الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها - والتوفي استيفاء الشئ، وتوفيت ~~الشئ واستوفيته: إذا أخذته أجمع، قال الشاعر: # إن بنى الأدرم ليسوا من أحد * ولا توفاهم قريش في العدد قيل الروح إذا ~~خرجت من البدن في المنام بقيت فيه الحياة، وقيل لا تخرج منه الروح بل الذهن ~~فقط، والأولى أن هذا أمر لا يعرفه إلا الله سبحانه. قوله (ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار) أي كسبتم بجوارحكم سنة من الخير والشر. قوله (ثم يبعثكم فيه) أي ~~في النهار يعني اليقظة، وقيل يبعثكم من القبور فيه: أي في شأن ذلك الذي ~~قطعتم فيه أعماركم من النوم بالليل والكسب بالنهار، وقيل في الكلام تقديم ~~وتأخير، والتقدير: هو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما ~~جرحتم فيه، وقيل ثم يبعثكم فيه: أي في المنام، ومعنى الآية: أن إمهاله ~~تعالى للكفار ليس للغفلة عن كفرهم، فإنه عالم بذلك ولكن (ليقضى أجل مسمى) ~~أي معين لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق (ثم إليه مرجعكم) أي رجوعكم ~~بعد الموت (ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) فيجازى المحسن بإحسانه والمسئ ~~بإساءته، قوله (وهو القاهر فوق عباده) المراد فوقية القدرة والرتبة كما ~~يقال: السلطان فوق الرعية، وقد تقدم بيانه في أول السورة. قوله (ويرسل ~~عليكم حفظة) أي ملائكة جعلهم الله حافظين لكم، ومنه قوله - وإن عليكم ~~لحافظين - والمعنى: أنه يرسل عليكم من يحفظكم من الآفات ويحفظ أعمالكم، ~~والحفظة جمع حافظ، مثل كتبة جمع كاتب (وعليكم) متعلق بيرسل لما فيه من معنى ~~الاستيلاء، وتقديمه على حفظة ليفيد ms1130 العناية بشأنه وأنه أمر حقيق بذلك، وقيل ~~هو متعلق بحفظة. قوله (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) حتى يحتمل أن ~~تكون هي الغائية: أي ويرسل علكيم حفظة يحفظون ما أمروا بحفظه مما يتعلق بكم ~~(حتى إذا جاء أحدكم الموت) ويحتمل أن تكون الابتدائية، والمراد بمجئ الموت ~~مجئ علاماته. وقرأ حمزة " توفاه رسلنا " وقرأ الأعمش " تتوفاه " والرسل هم ~~أعوان ملك الموت، ومعنى توفته: استوفت روحه (لا يفرطون) أي لا يقصرون ~~ويضيعون، وأصله من التقدم، وقال أبو عبيدة: لا يتوانون. وقرأ عبيد بن عمير ~~" لا يفرطون " بالتخفيف: أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام ~~والإهانة. قوله (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) معطوف على توفته، والضمير ~~راجع إلى أحد لأنه في معنى الكل PageV02P124 # مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة: أي ردوا بعد الحشر إلى الله: أي إلى ~~حكمه وجزائه (مولاهم) مالكهم الذي يلي أمورهم (الحق) قرأ الجمهور بالجر صفة ~~لاسم الله، وقرأ الحسن (الحق) بالنصب على إضمار فعل: أي أعني أو أمدح، أو ~~على المصدر (وهو أسرع الحاسبين) لكونه لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من ~~الكفر والروية والتدبر. # وقد أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " مع كل إنسان ملك إذا نام يأخذ نفسه " فإذا أذن الله في ~~قبض روحه قبضه وإلا ردها إليه، فذلك قوله تعالى: يتوفاكم بالليل ". وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال: ما من ليلة إلا والله يقبض ~~الأرواح كلها، فيسأل كل نفس عما عمل صاحبها من النهار، ثم يدعو ملك الموت ~~فيقول: اقبض روح هذا، وما من يوم إلا وملك الموت ينظر في كتاب حياة ~~الإنسان، قائل يقول ثلاثا، وقائل يقول خمسا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية ~~قال: أما وفاته إياهم بالليل فمنامهم، وأما (جرحتم بالنهار) فيقول: ما ~~اكتسبتم بالنهار (ثم يبعثكم فيه) قال: ms1131 في النهار (ليقضى أجل مسمى) وهو ~~الموت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ويعلم ما ~~جرحتم) قال: ما كسبتم من الإثم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (ويرسل عليكم ~~حفظة) قال: هم المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية ~~قال: أعوان ملك الموت من الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله (وهم لا يفرطون) يقول: لا يضيعون. # سورة الأنعام الآية (63 - 65) قيل المراد بظلمات البر والبحر: شدائدهما. ~~قال النحاس والعرب تقول يوم مظلم: إذا كان شديدا. فإذا عظمت ذلك قالت: يوم ~~ذو كوكب: أي يحتاجون فيه لشدة ظلمته إلى كوكب، وأنشد سيبويه: # بني أسد هل تعلمون بلاءنا * إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ: أي من ينجيكم من شدائدهما العظيمة؟ قرأ أبو بكر عن عاصم ~~(خفية) بكسر الخاء. وقرأ الباقون بضمها، وهما لغتان. وقرأ الأعمش (وخيفة) ~~من الخوف. وجملة (تدعونه) في محل نصب على الحال: أي من ينجيكم من ذلك حال ~~دعائكم له دعاء تضرع وخفية أو متضرعين ومخفين. والمراد بالتضرع هنا: دعاء ~~الجهر. قوله (لئن أنجيتنا) كذا قرأ أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ الكوفيون ~~(لئن أنجانا) والجملة في محل نصب على تقدير القول: أي قائلين لئن أنجيتنا ~~من هذه الشدة التي نزلت بنا وهي الظلمات المذكورة (لنكونن PageV02P125 # من الشاكرين) لك على ما أنعمت به علينا من تخليصنا من هذه الشدائد. قوله ~~(قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب) قرأ الكوفيون وهشام (ينجيكم) بالتشديد، ~~وقرأ الباقون بالتخفيف. وقراءة التشديد تفيد التكثير، وقيل معناهما واحد، ~~والضمير في (منها) راجع إلى الظلمات. والكرب: الغم يأخذ بالنفس. ومنه رجل ~~مكروب، قال عنترة: # ومكروب كشفت الكرب عنه * بطعنة فيصل لما دعاني (ثم أنتم تشركون) بالله ~~سبحانه بعد أن أحسن إليك بالخلوص من الشدائد وذهاب الكروب شركاء لا ~~ينفعونكم ولا يضرونكم ولا ms1132 يقدرون على تخليصكم من كل ما ينزل بكم، فكيف ~~وضعتم هذا الشرك موضع ما وعدتم به من أنفسكم من الشكر؟ ثم أمره الله سبحانه ~~أن يقول لهم (هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا) أي الذي قدر على إنجائكم ~~من تلك الشدائد ودفع عنكم تلك الكروب قادر على أن يعيدكم في شدة ومحنة وكرب ~~يبعث عذابه عليكم من كل جانب. فالعذاب المبعوث من جهة الفوق: ما ينزل من ~~السماء من المطر والصواعق. والمبعوث من تحت الأرجل: الخسف والزلازل والغرق. ~~وقيل (من فوقكم) يعني الأمراء الظلمة (ومن تحت أرجلكم) يعني السفلة وعبيد ~~السوء. قوله (أو يلبسكم شيعا) قرأ الجمهور بفتح التحتية، من لبس الأمر: إذا ~~خلطه، وقرأ أبو عبد الله المديني بضمها: أي يجعل ذلك لباسا لكم، قيل ~~والأصل: أو يلبس عليكم أمركم، فحذف أحد المفعولين مع حرف الجر كما في قوله ~~تعالى - وإذا كالوهم أو وزنوهم - والمعنى: يجعلكم مختلطي الأهواء مختلفي ~~النحل متفرقي الآراء. وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا. والشيع: الفرق، ~~أي يخلطكم فرقا. قوله (ويذيق بعضكم بأس بعض) أي يصيب بعضكم بشدة بعض من قتل ~~وأسر ونهب (ويذيق) معطوف على (يبعث)، وقرئ (نذيق) بالنون (انظر كيف نصرف ~~الآيات) نبين لهم الحجج والدلالات من وجوه مختلفة (لعلهم يفقهون) الحقيقة ~~فيعودون إلى الحق الذي بيناه لهم بيانات متنوعة. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) يقول: من كرب البر ~~والبحر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير الآية عن ابن عباس قال: ~~يقول إذا أضل الرجل الطريق دعا الله لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال: يعني من أمرائكم (أو من تحت ~~أرجلكم) يعني سفلتكم (أو يلبسكم شيعا) يعني بالشيع الأهواء المختلفة (ويذيق ~~بعضكم بأس بعض) قال: يسلط بعضكم ms1133 على بعض بالقتل والعذاب. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه من وجه آخر في تفسير الآية قال (عذابا من ~~فوقكم) أئمة السوء (أو من تحت أرجلكم) قال: خدم السوء. # وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا من وجه آخر قال (من فوقكم) من قبل أمرائكم ~~وأشرافكم أو من تحت أرجلكم) قال: من قبل سفلتكم وعبيدكم. وأخرج عبد بن حميد ~~وأبو الشيخ عن أبي مالك (عذابا من فوقكم) قال: # القذف (أو من تحت أرجلكم) قال: الخسف. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. ~~وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد أيضا (من فوقكم) قال: الصيحة والحجارة والريح (أو ~~من تحت أرجلكم) قال: الرجفة والخسف، وهما عذاب أهل التكذيب (ويذيق بعضكم ~~بأس بعض) قال: عذاب أهل الاقرار. وأخرج البخاري وغيره عن جابر ابن عبد الله ~~قال: لما نزلت هذه الآية (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) ~~قال رسول الله صلى PageV02P126 # الله عليه وآله وسلم " أعوذ بوجهك (أو من تحت أرجلكم) قال: أعوذ بوجهك ~~(أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال: هذا أهون أو أيسر ". وأخرج أحمد ~~وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث طويل عن ~~ثوبان، وفيه " وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن ~~لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها ". وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي ~~وقاص: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقبل ذات يوم من العالية. حتى ~~إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا، ~~ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته ~~أن لا يهلك أمتي بالغرق. # وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيهما وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم ~~فمنعنيها ". وأخرج أحمد والحاكم وصححه من حديث جابر بن عتيك نحوه. وأخرج ~~نحوه أيضا ابن مردويه من حديث أبي هريرة. وأخرج أيضا ابن أبي شيبة وابن ~~مردويه من حديث حذيفة بن اليمان نحوه. وأخرج ms1134 أحمد والنسائي وابن مردويه عن ~~أنس نحوه أيضا. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية (قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء في المختارة عن أبي بن كعب في هذه ~~الآية قال: # هن أربع وكلهن عذاب وكلهن واقع لا محالة. فمضت اثنتان بعد وفاة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بخمس وعشرين سنة: فألبسوا شيعا. وذاق بعضهم بأس ~~بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم، والأحاديث في هذا ~~الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية. # سورة الأنعام الآية (66 - 71) PageV02P127 # سورة الأنعام الآية (72 - 73) قوله (وكذب به قومك) الضمير راجع إلى ~~القرآن أو إلى العذاب. وقومه المكذبون: هم قريش. وقيل كل معاند، وجملة (وهو ~~الحق) في محل نصب على الحال: أي كذبوا بالقرآن أو العذاب، والحال أنه حق. ~~وقرأ ابن أبي عبلة (وكذبت) بالتاء (قل لست عليكم بوكيل) أي لست بحفيظ على ~~أعمالكم حتى أجازيكم عليها. قيل وهذه الآية منسوخة بآية القتال، وقيل ليست ~~بمنسوخة إذ لم يكن إيمانهم في وسعه. قوله (لكل نبأ مستقر) أي لكل شئ وقت ~~يقع فيه. والنبأ: الشئ الذي ينبأ عنه، وقيل المعنى: لكل عمل جزاء. قال ~~الزجاج: يجوز أن يكون وعيدا لهم بما ينزل بهم في الدنيا. وقال الحسن: هذا ~~وعيد من الله للكفار، لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث (وسوف تعلمون) ذلك ~~بحصوله ونزوله بهم كما علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتوعدهم به. # قوله (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح له. والخوض: أصله ms1135 في الماء ثم استعمل ~~في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيها بغمرات الماء، فاستعير من المحسوس ~~للمعقول، وقيل هو مأخوذ من الخلط. وكل شئ خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء ~~بالعسل: # خلطه. والمعنى: إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد ~~والاستهزاء فدعهم ولا تقعد معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم حتى يخوضوا في ~~حديث مغاير له، أمره الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها ~~بآيات الله إلى غاية هي الخوض في غير ذلك. # وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام ~~الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم ~~الفاسدة. فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك ~~مجالستهم. وذلك يسير عليه غير عسير. وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما ~~يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة. فيكون في حضوره مفسدة زائدة على ~~مجرد سماع المنكر. # وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في ~~نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه ~~الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من ~~المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصى الله بفعل شئ من المحرمات، ولا ~~سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق عليه من ~~كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان، فينقدح في قلبه ما يصعب ~~علاجه ويعسر دفعه فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى الله به معتقدا أنه من الحق ~~وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر قوله (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى) " إما " هذه هي الشرطية وتلزمها غالبا نون التأكيد ولا تلزمها ~~نادرا ومنه قول الشاعر: # إما يصبك عدو في منازله * يوما فقل كيف يستعلى وينتصر وقرأ ابن عباس " ~~ينسيك " بتشديد السين، ومثله قول الشاعر * وقد ينسيك بعض الحاجة الكسل * ~~والمعنى: إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد بعد الذكرى إذا ms1136 ذكرت (مع ~~القوم الظالمين) أي الذين PageV02P128 # ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها. قيل وهذا الخطاب وإن كان ~~ظاهره للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد التعريض لأمته لتنزهه عن أن ~~ينسيه الشيطان، وقيل لا وجه لهذا فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك ~~الأحاديث الصحيحة " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " ونحو ~~ذلك. قوله (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) أي ما على الذين يتقون ~~مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله من حساب الكفار من شئ. وقيل المعنى: ~~ما على الذين يتقون ما يقع منهم من الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من ~~شئ: وعلى هذا التفسير ففي الآية الترخيص للمتقين من المؤمنين في مجالسة ~~الكفار إذا اضطروا إلى ذلك كما سيأتي عند ذكر السبب: # قيل وهذا الترخيص كان في أول الإسلام، وكان الوقت وقت تقية، ثم نزل قوله ~~تعالى - وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ ~~بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره - فنسخ ذلك: قوله (ولكن ذكرى ~~لهم)، ذكرى في موضع نصب على المصدر، أو رفع على أنها مبتدأ، وخبرها محذوف: ~~أي ولكن عليهم ذكرى. وقال الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى. والمعنى على ~~الاستدراك من النفي السابق: أي ولكن عليهم الذكرى للكافرين بالموعظة ~~والبيان لهم بأن ذلك لا يجوز. أما على التفسير الأول فلأن مجرد اتقاء مجالس ~~هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وأما على التفسير الثاني فالترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير ~~(لعلهم يتقون) الخوض في آيات الله إذا وقعت منكم الذكرى لهم. وأما جعل ~~الضمير للمتقين فبعيد جدا. قوله (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) أي ~~اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يجب عليهم العمل به والدخول فيه ~~لعبا ولهوا ولا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بإبلاغهم ~~الحجة. وقيل هذه الآية منسوخة بآية القتال، وقيل المعنى: أنهم اتخذوا دينهم ms1137 ~~الذي هم عليه لعبا ولهوا كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات ~~المتقدم ذكرها، وقيل المراد بالدين هنا العيد: أي اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا، ~~وجملة (وغرتهم الحياة الدنيا) معطوفة على (اتخذوا) أي غرتهم حتى آثروها على ~~الآخرة وأنكروا البعث وقالوا - إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين -. قوله (وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت) الضمير في (به) للقرآن أو ~~للحساب. والإبسال: تسليم المرء نفسه للهلاك، ومنه أبسلت ولدي: أي رهنته في ~~الدم، لأن عاقبة ذلك الهلاك. قال النابغة: # ونحن رهنا بالإفاقة عامرا * بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا أي فهلك، ~~والدرداء: كتيبة كانت لهم معروفة بهذا الاسم، فالمعنى: وذكر به خشية أو ~~مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بما كسبت: أي ترتهن وتسلم للهلكة، وأصل ~~الإبسال: المنع، ومنه شجاع باسل: أي ممتنع من قرنه. # قوله (وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها) العدل هنا: الفدية. والمعنى: وإن ~~بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو ~~به من الهلاك، وفاعل (يؤخذ) ضمير يرجع إلى العدل، لأنه بمعنى المفدى به كما ~~في قوله - ولا يؤخذ منها عدل - وقيل فاعله منها، لأن العدل هنا مصدر لا ~~يسند إليه الفعل، وكل عدل منصوب على المصدر: أي عدلا كل عدل، والإشارة ~~بقوله (أولئك) إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا، وحبره (الذين أبسلوا بما ~~كسبوا) أي هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا هم الذين سلمو للهلاك بما ~~كسبوا، و (لهم شراب من حميم) جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف حال هؤلاء؟ فقيل ~~لهم شراب من حميم، وهو الماء الحار، ومثله قوله تعالى - يصب من فوق رؤوسهم ~~الحميم - وهو هنا شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم. قوله (قل أندعوا من دون الله ~~ما لا ينفعنا ولا يضرنا) أمره الله سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة، ~~والاستفهام للتوبيخ: أي PageV02P129 # كيف ندعوا من دون الله أصناما لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن أردنا ~~منها نفعا ولا نخشى ضرها بوجه ms1138 من الوجوه، ومن كان هكذا فلا يستحق العبادة ~~(ونرد على أعقابنا) عطف على " ندعوا ". و لأعقاب، جمع عقب: # أي كيف ندعوا من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا الله منها. قال ~~أبو عبيدة: يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها قد رد على عقبيه. وقال ~~المبرد: * تعقب بالشر بعد الخير * وأصله من المعاقبة والعقبى، وهما ما كان ~~تاليا للشيء واجبا له أن يتبعه، ومنه - والعاقبة للمتقين -، ومنه عقب ~~الرجل، ومنه العقوبة، لأنها تالية للذنب. قوله (كالذي استهوته الشياطين في ~~الأرض) هوى يهوى إلى الشئ أسرع إليه. وقال الزجاج: # هو من هوى النفس، أي زين له الشيطان هواه، و (استهوته الشياطين) هوت به، ~~والكاف في (كالذي) إما نعت مصدر محذوف: أي نرد على أعقابنا ردا كالذي، أو ~~في محل نصب على الحال من فاعل نرد: أي نرد حال كوننا مشبهين للذي استهوته ~~الشياطين: أي ذهبت به مردة الجن بعد أن كان بين الإنس. قرأ الجمهور " ~~أسهوته " وقرأ حمزة " استهواه " على تذكير الجمع. وقرأ ابن مسعود والحسن ~~(استهواه الشيطان) وهو كذلك في قراءة أبي، و (حيران) حال: أي حال كونه ~~متحيرا تائها لا يدري كيف يصنع؟ والحيران هو الذي لا يهتدى لجهة، وقد حار ~~يحار حيرة وحيرورة: إذا تردد، وبه سمى الماء المستنقع الذي لا منفذ له ~~حائرا. قوله (له أصحاب يدعونه إلى الهدى) صفة لحيران أو حالية: أي له رفقة ~~يدعونه إلى الهدى يقولون له ائتنا فلا يجيبهم ولا يهتدى بهديهم. قوله (قل ~~إن هدى الله هو الهدى) أمره الله سبحانه بأن يقول لهم (إن هدى الله) أي ~~دينه الذي ارتضاه لعباده (هو الهدى) وما عداه باطل - ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه - (وأمرنا) معطوف على الجملة الاسمية: أي من جملة ما ~~أمره الله بأن يقوله، واللام في (لنسلم) هي لام العلة، والمعلل هو الأمر: ~~أي أمرنا لأجل نسلم لرب العالمين. وقال الفراء: المعنى أمرنا بأن نسلم لأن ~~العرب تقول أمرتك لتذهب، وبأن تذهب بمعنى. وقال النحاس: ms1139 سمعت ابن كيسان ~~يقول هي لام الخفض. قوله (وأن أقيموا الصلاة واتقوه) معطوف على " لنسلم " ~~على معنى وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا، ويجوز أن يكون عطفا على يدعونه على ~~المعنى: أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا (وهو الذي إليه تحشرون) ~~فكيف تخالفون أمره (وهو الذي خلق السماوات والأرض) خلقا (بالحق) أو حال كون ~~الخلق بالحق فكيف تعبدون الأصنام المخلوقة. قوله (ويوم يقول كن فيكون قوله ~~الحق) أي واذكر يوم يقول كن فيكون أو واتقوا يوم يقول كن فيكون، وقيل هو ~~عطف على الهاء في (واتقوه) وقيل إن " يوم " ظرف لمضمون جملة (قوله الحق) ~~والمعنى وأمره المتعلق بالأشياء الحق: أي المشهود له بأنه حق، وقيل قوله ~~مبتدأ، والحق صفة له (ويوم يقول كن فيكون) خبره مقدما عليه، والمعنى: قوله ~~المتصف بالحق كائن يوم يقول كن فيكون، وقيل إن قوله مرتفع بيكون، والحق ~~صفته: أي يوم يقول كن فيكون قوله الحق. وقرأ ابن عامر (فنكون) بالنون، وهو ~~إشارة إلى سرعة الحساب. وقرأ الباقون بالياء التحتية وهو الصواب. قوله (وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور) الظرف منصوب بما قبله: أي له الملك في هذا اليوم، ~~وقيل هو بدل من اليوم الأول، والصور قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء، ~~والثانية للإنشاء. وكذا قال الجوهري: إن الصور القرن، قال الراجز: # لقد نطحناهم غداة الجمعين * نطحا شديدا لا كنطح الصورين والصور بضم الصاد ~~وبكسرها لغة. وحكى عن عمرو بن عبيد أنه قرأ (يوم ينفخ في الصور) بتحريك ~~الواو، جمع صورة، والمراد: الخلق. قال أبو عبيدة: وهذا وإن كان محتملا يرد ~~بما في الكتاب والسنة. وقال الفراء: PageV02P130 # كن فيكون، يقال إنه للصور خاصة: أي ويوم يقول للصور كن فيكون. قوله (عالم ~~الغيب والشهادة) رفع عالم على أنه صفة للذي خلق السماوات والأرض، ويجوز أن ~~يرتفع على إضمار مبتدأ: أي هو عالم الغيب والشهادة، وروى عن بعضهم أنه قرأ ~~" ينفخ " بالبناء للفاعل، فيجوز على هذه القراءة أن يكون الفاعل (عالم ~~الغيب) ويجوز أن يرتفع بفعل مقدر كما ms1140 أنشد سيبويه: # ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح أي يبكيه مختبط. وقرأ ~~الحسن والأعمش (عالم) بالخفض على البدل من الهاء في (له الملك) (وهو ~~الحكيم) في جميع ما يصدر عنه (الخبير) بكل شئ. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (وكذب به ~~قومك) يقول كذبت قريش بالقرآن (وهو الحق) وأما الوكيل فالحفيظ، وأما (لكل ~~نبأ مستقر) فكان نبأ القوم استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب. وأخرج ~~النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله (وما أنا عليكم بوكيل) قال: نسخ هذه ~~الآية آية السيف - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم -. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (لكل نبأ مستقر) يقول: حقيقة. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال في قوله (لكل ~~نبأ مستقر) قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها. وأخرج ابن جرير ~~من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله (لكل نبأ مستقر) قال: فعل وحقيقة ما ~~كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم) ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن ~~الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين ~~الله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في قوله (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) قال: يستهزئون ~~بها، نهى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ~~ذكر فليقم وذلك قول الله (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين). وأخرج ~~عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين أنه كان يرى أن هذه ~~الآية نزلت في أهل الأهواء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في ~~الحلية عن ms1141 أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في ~~آيات الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال: إن أصحاب ~~الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله. وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: كان ~~المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~خاضوا واستهزءوا، فقال المسلمون: لا تصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين ~~نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج أبو ~~الشيخ أيضا عن السدي أنه قال: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف. وأخرج ~~النحاس عن ابن عباس في قوله (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) قال: ~~نسخت هذه الآية المكية بالآية المدنية، وهي قوله - وقد نزل عليكم في الكتاب ~~أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها - الآية. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ~~مجاهد (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) إن قعدوا ولكن لا يقعدوا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن عمر بن العزيز أنه أتى بقوم قعدوا ~~على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال: لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) قال: هو مثل قوله - ذرني ومن ~~خلقت وحيدا - يعني أنه للتهديد. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه عن ~~قتادة في هذه PageV02P131 # الآية قال: نسختها آية السف: وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله ~~(لعبا ولهوا) قال: أكلا وشربا. # وأخرج ابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أن تبسل) ~~قال: أن تفضح، وفى قوله (أبسلوا) قال: فضحوا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عنه في قوله (أن تبسل) قال: تسلم، وفى قوله (أبسلوا بما كسبوا) قال: ~~أسلموا بجرائرهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله (قل أندعوا من دون ms1142 الله) قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين ~~يدعون إلى الله. وقوله (كالذي استهوته الشياطين في الأرض) يقول: أضلته، وهم ~~الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها ويرى أنه في شئ فيصبح وقد ~~ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا، ~~فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله (كالذي استهوته الشياطين) قال: هو الرجل لا يستجيب ~~لهدى الله، وهو الرجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحاد عن الحق ~~وضل عنه، و (له أصحاب يدعونه إلى الهدى) ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى ~~يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس يقول (إن الهدى هدى الله) والضلالة ما ~~تدعو إليه الجن. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود ~~والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو قال: " سئل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن الصور: فقال " قرن ينفخ فيه " والأحاديث ~~الواردة في كيفية النفخ ثابتة في كتب الحديث لا حاجة لنا إلى إيرادها ها ~~هنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (عالم ~~الغيب والشهادة) يعني أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور. # سورة الأنعام الآية (74 - 81) PageV02P132 # سورة الأنعام الآية (82 - 83) قوله (لأبيه آزر) قال الجوهري: آزر اسم ~~أعجمي، وهو مشتق من آزر فلان فلانا إذا عاونه، فهو مؤازر قومه على عبادة ~~الأصنام، وقال ابن فارس: إنه مشتق من القوة. قال الجويني في النكت من ~~التفسير له: # ليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارخ، والذي في القرآن يدل ~~على أن اسمه آزر. وقد تعقب في دعوى الاتفاق بما روى عن ابن إسحاق والضحاك ~~والكلبي أنه كان له اسمان: آزر وتارخ. وقال مقاتل: آزر، لقب. وتارخ اسم، ~~وقال سليمان التيمي: إن آزر سب وعتب، ms1143 ومعناه في كلامهم المعوج، وقال الضحاك ~~معنى آزر الشيخ الهم بالفارسية. وقال الفراء: هي صفة ذم بلغتهم كأنه قال: ~~يا مخطئ. وروى مثله عن الزجاج. وقال مجاهد: هو اسم صنم. وعلى هذا إطلاق اسم ~~الصنم على أبيه إما للتعبير له لكونه معبوده، أو على حذف مضاف: أي قال ~~لأبيه عابد آزر أو أتعبد آزر على حذف الفعل. وقرأ ابن عباس " أإزر " ~~بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وروى عنه أنه قرأ بهمزتين ~~مفتوحتين، ومحل (إذ قال) النصب على تقدير واذكر إذ قال إبراهيم، ويكون هذا ~~المقدر معطوفا على (قل أندعوا من دون الله) وقيل هو معطوف على (وذكر به أن ~~تبسل) وآزر عطف بيان. قوله (أتتخذ أصناما آلهة) الاستفهام للإنكار: أي ~~أتجعلها آلهة لك تعبدها (إني أراك وقومك) المتبعين لك في عبادة الأصنام (في ~~ضلال) عن طريق الحق (مبين) واضح (وكذلك نرى إبراهيم) أي ومثل تلك الإراءة ~~نرى إبراهيم، والجملة معترضة، و (ملكوت السماوات والأرض) ملكهما، وزيدت ~~التاء والواو للمبالغة في الصفة، ومثله الرغبوت والرهبوت مبالغة في الرغبة ~~والرهبة. قيل أراد بملكوت السماوات والأرض ما فيهما من الخلق، وقيل كشف ~~الله له عن ذلك حتى رأى إلى العرش وإلى أسفل الأرضين، وقيل رأى من ملكوت ~~السماوات والأرض ما قصه الله في هذه الآية، وقيل المراد بملكوتهما الربوبية ~~والإلهية: أي نريه ذلك وتوفقه لمعرفته بطريق الاستدلال التي سلكها، ومعنى ~~(نرى) أريناه، حكاية حال ماضية. قوله (وليكون من الموقنين) متعلق بمقدر: أي ~~أريناه ذلك (ليكون من الموقنين) وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام والكواكب ~~والشمس والقمر، فأراد أن ينبههم على الخطأ، وقيل إنه ولد في سرب وجعل رزقه ~~في أطراف أصابعه فكان يمصها. وسبب جعله في السرب أن النمرود رأى رؤيا أن ~~ملكه يذهب على يد مولود فأمر بقتل كل مولود، والله أعلم. قوله (فلما جن ~~عليه الليل) أي ستره بظلمته، ومنه الجنة والمجن والجن كله من الستر، قال ~~الشاعر: # ولولا جنان الليل أدرك ركضنا * بذى الرمث والأرطي عياض بن ثابت والفاء ~~للعطف ms1144 على " قال إبراهيم ": أي واذكر إذ قال وإذ جن عليه الليل فهو قصة ~~أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه، وجواب لما (رأى كوكبا) قيل رآه من شق ~~الصخرة الموضوعة على رأس السرب الذي كان فيه، وقيل رآه لما أخرجه أبوه من ~~السرب وكان وقت غيبوبة الشمس، قيل رأى المشتري وقيل الزهرة. قوله (هذا ربي) ~~جملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال عند رؤية الكوكب؟ قيل وكان ~~هذا منه عند قصور النظر لأنه في زمن الطفولية، وقيل أراد قيام الحجة على ~~قومه كالحاكي لما هو عندهم وما يعتقدونه لأجل إلزامهم، وبالثاني قال ~~الزجاج، وقيل هو على حذف حرف الاستفهام: أي أهذا ربي، ومعناه إنكار أن يكون ~~مثل هذا ربا، ومثله قوله تعالى - أفإن مت فهم الخالدون - أي أفهم الخالدون، ~~ومثله قول الهذلي: PageV02P133 # رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أي أهم هم، ~~وقول الآخر: # لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمانيا أي أبسبع، ~~وقيل المعنى: وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول، وقيل المعنى على حذف مضاف: ~~أي هذا دليل ربي (فلما أفل) أي غرب (قال) إبراهيم (لا أحب الآفلين) أي ~~الآلهة التي تغرب، فإن الغروب تغير من حال إلى حال، وهو دليل الحدوث (فلما ~~رأى القمر بازغا) أي طالعا، يقال بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، والبزغ: ~~الشق كان يشق بنوره الظلمة (فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي) أي لئن لم ~~يثبتني على الهداية ويوفقني للحجة (لأكونن من القوم الضالين) الذين لا ~~يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم ويحرمونها حظها من الخير (فلما رأى الشمس ~~بازغة) بازغا وبازغة منصوبان على الحال، لأن الرؤية بصرية، وإنما (قال هذا ~~ربي) مع كون الشمس مؤنثة، لأن مراده هذا الطالع قاله الكسائي والأخفش - ~~وقيل هذا الضوء، وقيل الشخص (هذا أكبر) أي بما تقدمه من الكوكب والقمر (قال ~~يا قوم إني برئ مما تشركون) أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله ~~وتعبدونها، وما موصولة أو مصدرية، قال ms1145 بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء ~~مخلوقة لا تنفع ولا تضر مستدلا على ذلك بأفولها الذي هو دليل حدوثها (إني ~~وجهت وجهي) أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عز وجل، وذكر الوجه لأنه العضو ~~الذي يعرف به الشخص، أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدم. وقد تقدم معنى ~~(فطر السماوات والأرض حنيفا) مائلا إلى الدين الحق. قوله (وحاجه قومه) أي ~~وقعت منهم المحاججة له في التوحيد بما يدل على ما يدعونه من أن ما يشركون ~~به ويعبدونه من الأصنام آلهة، فأجاب إبراهيم عليه السلام بما حكاه الله عنه ~~أنه قال (أتحاجوني في الله) أي في كونه لا شريك له ولا ند ولا ضد. وقرأ ~~نافع بتخفيف نون أتحاجوني. وقرأ الباقون بتشديدها بإدغام نون الجمع في نون ~~الوقاية ونافع خفف فحذف إحدى النونين، وقد أجاز ذلك سيبويه. وحكى عن أبي ~~عمرو بن العلاء أن قراءة نافع لحن، وجملة (وقد هداني) في محل نصب على ~~الحال، أي هداني إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة ~~والجهالة وعدم الهداية. قوله (ولا أخاف ما تشركون به) قال: هذا لما خوفوه ~~من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه: أي إني لا أخاف ما هو مخلوق من ~~مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع، والضمير في به يجوز رجوعه إلى الله وإلى ~~معبوداتهم المدلول عليها بما في (ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) أي ~~إلا وقت مشيئته ربي بأن يلحقني شيئا من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه. وذلك ~~منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضر ولا تنفع. والمعنى: على نفي حصول ~~ضرر من معبوداتهم على كل حال. وإثبات الضرر والنفع لله سبحانه وصدورهما حسب ~~مشيئته، ثم علل ذلك بقوله (وسع ربي كل شئ علما) أي إن علمه محيط بكل شئ، ~~فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته، وإذا شاء إنزال شر بي كان، ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن. # ثم قال لهم مكملا للحجة عليهم ودافعا لما خوفوه به ms1146 (وكيف أخاف ما أشركتم ~~ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا) أي كيف أخاف ما ~~لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق. والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من ~~الشرك بالله، وهو الضار النافع الخالق الرازق، أورد عليهم هذا الكلام ~~الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصا ولا متحولا، والاستفهام للإنكار عليهم ~~والتقريع لهم. و (ما) في (ما لم ينزل به عليكم سلطانا) مفعول أشركتم: # أي ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطانا شركاء ~~لله، أو لمعنى أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له ولا نزل عليهم ~~بإشراكها حجة يحتجون بها، فكيف عبدوها واتخذوا آلهة وجعلوها شركاء لله ~~سبحانه؟ PageV02P134 # قوله (فأي الفريقين أحق بالأمن) المراد بالفريقين فريق المؤمنين وفريق ~~المشركين: أي إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو الله المتصف بتلك ~~الصفات. ومعبودكم هي تلك المخلوقات، فكيف تخوفوني بها، وكيف أخافها؟ وهي ~~بهذه المنزلة ولا تخافون من إشراككم بالله سبحانه، وبعد هذا فأخبروني: أي ~~الفريقين أحق بالأمن وعدم الخوف (إن كنتم تعلمون) بحقيقة الحال وتعرفون ~~البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة، ثم قال الله سبحانه قاضيا ~~بينهم ومبينا لهم (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي هم الأحق ~~بالأمن من الذين أشركوا، وقيل هو من تمام قول إبراهيم، وقيل هو من قول قوم ~~إبراهيم. ومعنى (لم يلبسوا إيمانهم بظلم) لم يخلطوه بظلم، والمراد بالظلم ~~الشرك، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت هذه ~~الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا: أينا ~~لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس هو كما ~~تظنون، إنما هو كما قال لقمان - يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ~~"، والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية: وأبي تفسير الظلم ~~بالكفر لفظ اللبس وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا، وإذا ms1147 جاء ~~نهر الله بطل نهر معقل، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الموصول المتصف بما ~~سبق، و (لهم الأمن) جملة وقعت خبرا عن اسم الإشارة، هذا أوضح ما قيل مع ~~احتمال غيره من الوجوه (وهم مهتدون) إلى الحق ثابتون عليه، وغيرهم على ضلال ~~وجهل، والإشارة بقوله (تلك حجتنا) إلى ما تقدم من الحجج التي أوردها ~~إبراهيم عليهم: أي تلك البراهين التي أوردها إبراهيم عليهم من قوله (فلما ~~جن عليه الليل) إلى قوله (وهم مهتدون - حجتنا آتيناها إبراهيم) أي أعطيناه ~~إياها وأرشدناه إليها، وجملة (آتيناها إبراهيم) في محل نصب على الحال، أو ~~في محل رفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة (على قومه) أي حجة على قومه ~~(نرفع درجات من نشاء) بالهداية والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة، أو بما هو ~~أعم من ذلك (إن ربك حكيم عليم) أي حكيم في كل ما يصدر عنه عليم بحال عباده، ~~وأن منهم من يستحق الرفع ومنهم من لا يستحقه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال في قوله تعالى (وإذ ~~قال إبراهيم لأبيه آزر) قال الآزر الصنم، وأبو إبراهيم اسمه يأزر وأمه ~~اسمها مثلي وامرأته اسمها سارة، وسريته أم إسماعيل هاجر، وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: آزر ~~لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اسم أبيه ~~تارخ واسم الصنم آزر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن سليمان التيمي، أنه قرأ (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) قال: # بلغني أنها أعوج وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال: إن والد إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما ~~اسمه تارخ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عنه في قوله تعالى (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) قال: ~~الشمس والقمر والنجوم وأخرج ابن أبي حاتم ms1148 وأبو الشيخ عنه قال: في الآية كشف ~~ما بين السماوات حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، وهو الحوت الذي ~~منه طعام الناس. والحوت في سلسلة، والسلسلة في خاتم العزة. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في الآية: قال سلطانهما. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله (وحاجه قومه) يقول: خاصموه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أتحاجوني) قال: # أتخاصموني. وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي بكر الصديق أنه فسر (ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم) بالشرك. وكذلك أخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب، PageV02P135 # وكذلك أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ~~عن حذيفة بن اليمان، وكذلك أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سلمان الفارسي، ~~وكذلك أخرجا أيضا عن أبي بن كعب، وكذلك أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن ~~عباس. وأخرج عنه من طريق أخرى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو ~~الشيخ مثله، وقد روى عن جماعة من التابعين مثل ذلك، ويغنى عن الجميع ما ~~قدمنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير الآية كما هو ثابت في ~~الصحيحين وغيرهما. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله تعالى (وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه) قال: خصمهم. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم في ~~قوله (نرفع درجات من نشاء) قال بالعلم. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: إن ~~للعلماء درجات كدرجات الشهداء. # سورة الأنعام الآية (84 - 90) قوله (ووهبنا له) معطوف على جملة " وتلك ~~حجتنا " عطف جملة فعلية على جملة اسمية وقيل معطوف على آتيناها والأول ~~أولى. والمعنى: ووهبنا له ذلك جزاء له على الاحتجاج في الدين وبذل النفس ~~فيه، و (كلا هدينا) انتصاب " كلا " على أنه مفعول لما بعده مقدم عليه ~~للقصر: أي كل واحد منهما هديناه، وكذلك نوحا منصوب بهدينا الثاني أو بفعل ~~مضمر ms1149 يفسره ما بعده (ومن ذريته) أي من ذرية إبراهيم، وقال الفراء: من ذرية ~~نوح. # واختاره ابن جرير الطبري والقشيري وابن عطية، واختار الأول الزجاج، ~~واعترض عليه بأنه عد من هذه الذرية يونس ولوطا وما كانا من ذرية إبراهيم، ~~فإن لوطا هو ابن أخي إبراهيم، وانتصب (داود وسليمان) بفعل مضمر أي وهدينا ~~من ذريته داود وسليمان، وكذلك ما بعدهما، وإنما عد الله سبحانه هداية هؤلاء ~~الأنبياء من النعم التي عددها على إبراهيم، لأن شرف الأبناء متصل بالآباء. ~~ومعنى " من قبل " في قوله (ونوحا هدينا من قبل) أي من قبل إبراهيم، ~~والإشارة بقوله (وكذلك) إلى مصدر الفعل المتأخر: أي ومثل ذلك الجزاء (نجزى ~~المحسنين)، (وإلياس) قال الضحاك: هو من ولد إسماعيل، وقال القتيبي: هو من ~~سبط يوشع بن نون. وقرأ الأعرج والحسن وقتادة (وإلياس) بوصل الهمزة. وقرأ ~~أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم " واليسع " مخففا. وقرأ الكوفيون إلا عاصما ~~بلامين. وكذا قرأ الكسائي ورد القراءة الأولى، ولا وجه للرد فهو اسم أعجمي، ~~والعجمة لا تؤخذ بالقياس PageV02P136 # بل تؤدى على حسب السماع، ولا يمتنع أن يكون في الاسم لغتان للعجم، أو ~~تغيره العرب تغييرين، قال المهدوي: # من قرأ بلام واحدة فالاسم يسع والألف واللام مزيدتان، كما في قول الشاعر: # رأيت الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كاهله ومن قرأ ~~بلامين فالاسم ليسع، وقد توهم قوم أن اليسع هو إلياس وهو وهم، فإن الله ~~أفرد كل واحد منهما. # وقال وهب: اليسع صاحب إلياس، وكانوا قبل يحيى وعيسى وزكريا، وقيل إلياس ~~هو إدريس، وهذا غير صحيح لأن إدريس جد نوح وإلياس من ذريته، وقيل إلياس هو ~~الخضر، وقيل لا بل اليسع هو الخضر (وكلا فضلنا على العالمين) أي كل واحد ~~فضلناه بالنبوة على عالمي زمانه، والجملة معترضة. قوله (ومن آبائهم ~~وذرياتهم وإخوانهم) أي هدينا، " ومن " للتبعيض: أي هدينا بعض آبائهم ~~وذرياتهم وأزواجهم (واجتبيناهم) معطوف على فضلنا، والاجتباء الاصطفاء أو ~~التخليص أو الاختيار، مشتق من جبيت الماء في الحوض جمعته، فالاجتباء ضم ~~الذي تجتبيه إلى خاصيتك. ms1150 قال الكسائي: جبيت الماء في الحوض جبى مقصور، ~~والجابية الحوض، قال الشاعر: # * كجابية الشيخ العراقي تفهق * والإشارة بقوله (ذلك هدى الله) إلى ~~الهداية والتفضيل والاجتباء المفهومة من الأفعال السابقة (يهدى به) الله ~~(من يشاء من عباده) وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق (ولو أشركوا) أي ~~هؤلاء المذكورون بعبادة غير الله (لحبط عنهم) من حسناتهم (ما كانوا يعملون) ~~والحبوط البطلان. وقد تقدم تحقيقه في البقرة، والإشارة بقوله (أولئك الذين ~~آتيناهم الكتاب) إلى الأنبياء المذكورين سابقا: أي جنس الكتاب ليصدق على كل ~~ما أنزل على هؤلاء المذكورين (والحكم) العلم (والنبوة) الرسالة أو ما هو ~~أعم من ذلك (فإن يكفر بها هؤلاء) الضمير في بها للحكم والنبوة والكتاب، أو ~~للنبوة فقط، والإشارة بهؤلاء إلى كفار قريش المعاندين لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (فقد وكلنا بها قوما) هذا جواب الشرط: أي ألزمنا بالإيمان ~~بها قوما (ليسوا بها بكافرين) وهم المهاجرون والأنصار، أو الأنبياء ~~المذكورون سابقا، وهذا أولى لقوله فيما بعد (أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده) فإن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار إذ ~~لا يصح أن يؤمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بهداهم، وتقديم ~~بهداهم على الفعل يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء، والاقتداء طلب موافقة الغير ~~في فعله. وقيل المعنى: اصبر كما صبروا، وقيل اقتد بهم في التوحيد، وإن كانت ~~جزئيات الشرائع مختلفة. وفيها دلالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم مأمور ~~بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نص. قوله (قل لا ~~أسألكم عليه أجرا) أمره الله بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم أجرا على القرآن، ~~وأن يقول لهم ما (هو إلا ذكرى) يعني القرآن (للعالمين) أي موعظة وتذكير ~~للخلق كافة الموجودين عند نزوله ومن سيوجد من بعد. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: الخال والد والعم ~~والد، نسب الله عيسى إلى أخواله فقال (ومن ذريته) حتى بلغ إلى قوله (وزكريا ~~ويحيى وعيسى). وأخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي ms1151 عن عبد الملك بن عمير قال: ~~دخل يحيى بن يعمر على الحجاج فذكر الحسين، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية ~~النبي، فقال يحيى: كذبت، فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة فتلا (ومن ذريته) ~~إلى قوله (وعيسى) فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه، فقال: صدقت. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر ~~فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي تجده في كتاب الله، ~~وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده، فذكر يحيى بن يعمر نحو ما تقدم. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر PageV02P137 # وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (واجتبيناهم) قال: أخلصناهم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون) قال: يريد هؤلاء الذين هديناهم وفعلنا بهم. وأخرج أبو الشيخ عن ~~مجاهد قال: الحكم اللب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (فإن يكفر بها هؤلاء) يعني أهل مكة، يقول: إن يكفروا بالقرآن ~~(فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) يعنى أهل المدينة والأنصار. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (فقد وكلنا بها ~~قوما) قال: هم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله فيهم (فبهداهم اقتده). ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~أبي رجاء العطاردي قال في الآية: هم الملائكة. وأخرج البخاري والنسائي ~~وغيرهما عن ابن عباس في قوله (فبهداهم اقتده) قال: أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يقتدى بهداهم وكان يسجد في ص، ولفظ ابن أبي حاتم عن ~~مجاهد: سألت ابن عباس عن السجدة التي في ص، فقال هذه الآية، وقال: أمر ~~نبيكم أن يقتدى بداود عليه السلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(قل لا أسألكم عليه أجرا) قال: قل لهم يا محمد لا أسألكم على ms1152 ما أدعوكم ~~إليه عرضا من عروض الدنيا. # سورة الأنعام الآية (91 - 94) قوله (وما قدروا الله حق قدره) قدرت الشئ ~~وقدرته عرفت مقداره، وأصله: الستر، ثم استعمل في معرفة الشئ: أي لم يعرفوه ~~حق معرفته حيث أنكروا إرساله للرسل وإنزاله للكتب، وقيل المعنى: وما قدروا ~~نعم الله حق تقديرها. وقرأ أبو حيوة (وما قدروا الله حق قدره) بفتح الدال: ~~وهي لغة، ولما وقع منهم هذا الإنكار PageV02P138 # وهم من اليهود أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يورد عليهم حجة ~~لا يطيقون دفعها، فقال (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) وهم يعترفون ~~بذلك ويذعنون له، فكان في هذا من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره مع ~~إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه من وقوع إنزال الله على البشر وهم ~~الأنبياء عليهم السلام، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم، وقيل إن القائلين ~~بهذه المقالة هم كفار قريش فيكون إلزامهم بإنزال الله الكتاب على موسى من ~~جهة أنهم يعترفون بذلك ويعلمونه بالأخبار من اليهود، وقد كانوا يصدقونهم و ~~(نورا وهدى) منتصبان على الحال و (للناس) متعلق بمحذوف هو صفة لهدى: أي ~~كائنا للناس. قوله (تجعلونه قراطيس) أي تجعلون الكتاب الذي جاء به موسى في ~~قراطيس تضعونه فيها ليتم لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل وكتم صفة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم المذكورة فيه، وهذا ذم لهم، والضمير في ~~(تبدونها) راجع إلى القراطيس، وفى (تجعلونه) راجع إلى الكتاب، وجملة ~~تجعلونه في محل نصب على الحال، وجملة تبدونها صفة لقراطيس (وتخفون كثيرا) ~~معطوف على " تبدونها ": أي وتخفون كثيرا منها، والخطاب في (وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم) لليهود: # أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، ويحتمل أن تكون ~~هذه الجملة استئنافية مقررة لما قبلها، والذي علموه هو الذي أخبرهم به ~~نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأمور التي أوحى الله إليه بها، ~~فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم ولا على لسان أنبيائهم ولا ms1153 علمه ~~آباؤهم، ويجوز أن يكون ما في " ما لم تعلموا " عبارة عما علموه من التوراة، ~~فيكون ذلك على وجه المن عليهم بإنزال التوراة، وقيل الخطاب للمشركين من ~~قريش وغيرهم، فتكون " ما " عبارة عما علموه من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ثم أمره الله رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث ~~قال (من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) فقال (قل الله) أي أنزله الله (ثم ~~ذرهم في خوضهم يلعبون) أي ذرهم في باطلهم حال كونهم يلعبون: أي يصنعون صنع ~~الصبيان الذين يلعبون. قوله (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) هذا من جملة الرد ~~عليهم في قولهم (ما أنزل الله على بشر من شئ) أخبرهم بأن الله أنزل التوراة ~~على موسى، وعقبه بقوله (وهذا كتاب أنزلناه) يعني على محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم فكيف تقولون (ما أنزل الله على بشر من شئ) ومبارك ومصدق صفتان ~~لكتاب، والمبارك كثير البركة، والمصدق كثير التصديق، والذي بين يديه ما ~~أنزله الله من الكتب على الأنبياء من قبله كالتوراة والإنجيل، فإنه يوافقها ~~في الدعوة إلى الله وإلى توحيده وإن خالفها في بعض الأحكام. قوله (ولتنذر) ~~قيل هو معطوف على ما دل عليه مبارك كأنه قيل أنزلناه للبركات ولتنذر، وخص ~~أم القرى وهي مكة لكونها أعظم القرى شأنا، ولكونها أول بيت وضع للناس، ~~ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم، فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل ~~الأرض والمراد بمن حولها جميع أهل الأرض، والمراد بأنذر أم القرى: إنذار ~~أهلها وأهل سائر الأرض فهو على تقدير مضاف محذوف كسؤال القرية (والذين ~~يؤمنون بالآخرة) مبتدأ، و (يؤمنون به) خبره، والمعنى: أن من حق من صدق ~~بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ويعمل بما فيه، لأن التصديق ~~بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها ويندفع به ضرها، ~~وجملة (وهم على صلاتهم يحافظون) في محل نصب على الحال، وخص المحافظة على ~~الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس لها. قوله ms1154 (ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا) هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم من ~~الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتب على رسله: أي كيف تقولون ما أنزل الله ~~على بشر من شئ، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام، ولا أحد أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا فزعم أنه نبي وليس بنبي، أو كذب على الله في شئ من ~~الأشياء (أو قال أوحى إلي ولم PageV02P139 # يوح إليه شئ) أي والحال أنه لم يوح إليه شئ، وقد صان الله أنبياءه عما ~~تزعمون عليهم، وإنما هذا شأن الكذابين رؤوس الإضلال كمسيلمة الكذاب والأسود ~~العنسي وسجاح. قوله (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) معطوف على " من افترى ~~" أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ، أو ممن قال ~~سأنزل مثل ما أنزل الله، وهم القائلون - لو نشاء لقلنا مثل هذا - وقيل هو ~~عبد الله بن أبي سرح، فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فأملى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - ثم أنشأناه خلقا آخر ~~- فقال عبد الله - فتبارك الله أحسن الخالقين - فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " هكذا أنزلت " فشك عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد ~~صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، ثم ~~ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف. قوله ~~(ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أو لكل من يصلح له، والمراد كل ظالم، ويدخل فيه الجاحدون لما ~~أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولا أوليا، وجواب لو محذوف: ~~أي لرأيت أمرا عظيما، والغمرات جمع غمرة: وهي الشدة، وأصلها الشئ الذي يغمر ~~الأشياء فيغطيها، ومنه غمرة الماء، ثم استعملت في الشدائد، ومنه غمرة ~~الحرب. قال الجوهري: والغمرة الشدة والجمع غمر: مثل نوبة ونوب، وجملة ~~(والملائكة باسطوا أيديهم) في محل نصب: أي والحال أن ms1155 الملائكة باسطوا ~~أيديهم لقبض أرواح الكفار، وقيل للعذاب وفي أيديهم مطارق الحديد، ومثله ~~قوله تعالى - ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم -. # قوله (أخرجوا أنفسكم) أي قائلين لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي ~~وقعتم فيها، أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب، أو أخرجوا ~~أنفسكم من أجسادكم وسلموها إلينا لنقبضها (اليوم تجزون عذاب الهون) أي ~~اليوم الذي تقبض فيه أرواحكم، أو أرادوا باليوم الوقت الذي يعذبون فيه الذي ~~مبدؤه عذاب القبر، والهون والهوان بمعنى: أي اليوم تجزون عذاب الهوان الذي ~~تصيرون به في إهانة وذلة بعد ما كنتم فيه من الكبر والتعاظم، والباء في ~~(بما كنتم تقولون على الله غير الحق) للسببية: أي بسبب قولكم هذا من إنكار ~~إنزال الله كتبه على رسله والإشراك به (وكنتم عن آياته تستكبرون) عن ~~التصديق لها والعمل بها فكان ما جوزيتم به من عذاب الهون - جزاء وفاقا -. ~~قوله (ولقد جئتمونا فرادى) قرأ أبو حيوة فرادى بالتنوين، وهي لغة تميم، ~~وقرأ الباقون بألف التأنيث للجمع فلم ينصرف. وحكى ثعلب " فراد " بلا تنوين ~~مثل: ثلاث ورباع، وفرادى جمع فرد كسكارى جمع سكران وكسالى جمع كسلان، ~~والمعنى: جئتمونا منفردين واحدا واحدا كل واحد منفرد عن أهله وماله وما كان ~~يعبده من دون الله فلم ينتفع بشئ من ذلك (كما خلقناكم أول مرة) أي على ~~الصفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم، والكاف نعت مصدر محذوف: ~~أي جئتمونا مجيئا مثل مجيئكم عند خلقنا لكم، أو حال من ضمير فرادى: أي ~~مشابهين ابتداء خلقنا لكم (وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) أي أعطيناكم، ~~والحول ما أعطاه الله للإنسان من متاع الدنيا: أي تركتم ذلك خلفكم لم ~~تأتونا بشئ منه ولا انتفعتم به بوجه من الوجوه (وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين) عبدتموهم وقلتم - ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى - و (زعمتم ~~أنهم فيكم شركاء) لله يستحقون منكم العبادة كما يستحقها. قوله (لقد تقطع ~~بينكم). قرأ نافع والكسائي وحفص بنصب بينكم على الظرفية، وفاعل ms1156 تقطع محذوف: ~~أي تقطع الوصل بينكم أنتم وشركاؤكم كما يدل عليه (وما نرى معكم شفعاءكم). ~~وقرأ الباقون بالرفع على إسناد التقطع إلى البين: أي وقع التقطع بينكم، ~~ويجوز أن يكون معنى قراءة النصب معنى قراءة الرفع في إسناد الفعل إلى ~~الظرف، وإنما نصب لكثرة استعماله ظرفا. وقرأ ابن مسعود PageV02P140 # " لقد تقطع ما بينكم " على إسناد الفعل إلى ما: أي الذي بينكم (وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون) من الشركاء والشرك، وحيل بينكم وبينهم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله (وما قدروا الله حق قدره) قال: هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة ~~الله، فمن آمن أن الله على كل شئ قدير قد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن ~~بذلك فلم يقدر الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ. قالت ~~اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل ~~الله من السماء كتابا، فأنزل الله (قل) يا محمد (من أنزل الكتاب الذي جاء ~~به موسى) إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (وما ~~قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ) قالها مشركو ~~قريش. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: # قال فنحاص اليهودي ما أنزل الله على محمد من شئ فنزلت. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن عكرمة قال: # نزلت في مالك بن الصيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض ~~الحبر السمين؟ وكان حبرا سمينا، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من ~~شئ، فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟ قال: ما أنزل الله ms1157 على بشر من شئ، ~~فنزلت ". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (تجعلونه قراطيس) ~~قال: اليهود، وقوله (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) قال: هذه ~~للمسلمين. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وعلمتم ما لم ~~تعلموا) قال: هم اليهود آتاهم الله علما فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به ولم ~~يعملوا به، فذمهم الله في علمهم ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(وهذا كتاب أنزلناه مبارك) قال: هو القرآن الذي أنزله الله علي محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد بن حميد عنه قال (مصدق الذي بين يديه) أي ~~من الكتب التي قد خلت قبله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (ولتنذر أم القرى) قال: ~~مكة ومن حولها. قال: يعني ما حولها من القرى إلى المشرق والمغرب. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: إنما سميت أم القرى لأن أول بيت وضعت ~~بها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (ولتنذر ~~أم القرى) قال: هي مكة، قال: وبلغني أن الأرض دحيت من مكة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عطاء بن دينار نحوه. وأخرج الحاكم في المستدرك عن شرحبيل بن سعد ~~قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ) الآية، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة، فغيبه عنده حتى اطمأن أهل ~~مكة، ثم استأمن له. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى: أنها نزلت في ~~عبد الله بن أبي سرح وكذلك روى ابن أبي حاتم عن السدي. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عن ابن جريج في قوله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحى إلي ولم يوح إليه شئ) قال: نزلت في مسيلمة ms1158 الكذاب ونحوه ممن دعا إلى ~~مثل ما دعا إليه (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) قال: نزلت في عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه. وأخرج عبد بن ~~حميد عن عكرمة لما نزلت - والمراسلات عرفا فالعاصفات عصفا - قال: النضر وهو ~~من بني عبد الدار: والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا قولا كثيرا، فأنزل الله ~~(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في PageV02P141 # قوله (غمرات الموت) قال: سكرات الموت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه قال في قوله (والملائكة باسطوا أيديهم) هذا عند الموت، ~~والبسط: الضرب - يضربون وجوههم وأدبارهم. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: في ~~الآية هذا ملك الموت عليه السلام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن الضحاك في قوله (والملائكة باسطوا أيديهم) قال: بالعذاب. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (عذاب الهون) قال: الهوان. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: قال ~~النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى، فنزلت (ولقد جئتمونا فرادى) ~~الآية. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله (ولقد ~~جئتمونا فرادى) الآية، قال: # كيوم ولد يرد عليه كل شئ نقص منه يوم ولد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن السدي في قوله (وتركتم ما خولناكم) قال: من المال والخدم (وراء ظهوركم) ~~قال: في الدنيا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله (لقد تقطع بينكم) قال: ما كان بينهم من الوصل. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (لقد ~~تقطع بينكم) قال: تواصلكم في الدنيا. # قوله (إن الله فالق الحب والنوى) هذا شروع في تعداد عجائب صنعه تعالى ~~وذكر ما يعجز آلهتهم عن ms1159 أدنى شئ منه، والفلق الشق: أي هو سبحانه فالق الحب ~~فيخرج منه النبات، وفالق النوى فيخرج منه الشجر، وقيل معنى (فالق الحب ~~والنوى) الشق الذي فيهما من أصل الخلقة، وقيل معنى (فالق) خالق والنوى: جمع ~~نواة يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ. قوله (يخرج الحي من ~~الميت) هذه الجملة خبر بعد خبر فهي في محل، وقيل هي جملة مفسرة لما قبلها، ~~لأن معناها معناه، والأول أولى، فإن معنى (يخرج الحي من الميت) يخرج ~~الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهو ميتة. ومعنى (ومخرج الميت من الحي) مخرج ~~النطفة والبيضة وهي ميتة من الحي، وجملة (ومخرج الميت من الحي) معطوفة على ~~(يخرج الحي من الميت) عطف جملة اسمية على جملة فعلية ولا ضير في ذلك، وقيل ~~معطوفة على (فالق) على تقدير أن جملة (يخرج الحي من الميت) مفسرة لما قبلها ~~PageV02P142 # والأول أولى، والإشارة (بذلكم) إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقا ~~و (الله) خبره. والمعنى: أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال، ~~والمفضل بكل إفضال، والمستحق لكل حمد وإجلال (فأنى تؤفكون) فكيف تصرفون عن ~~الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته. قوله (فالق الإصباح) مرتفع على ~~أنه من جملة أخبار " إن " في (إن الله فالق الحب والنوى)، وقيل هو نعت ~~للاسم الشريف في (ذلكم الله)، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر (فالق الأصباح) بفتح ~~الهمزة، وقرأ الجمهور بكسرها، وهو على قراءة الفتح جمع صبح، وعلى قراءة ~~الكسر مصدر أصبح، والصبح والصباح: أول النهار، وكذا الإصباح، وقرأ النخعي ~~(فلق الإصباح) بفعل وهمزة مكسورة. والمعنى في (فالق الإصباح) أنه شاق ~~الضياء عن الظلام وكاشفه، أو يكون المعنى على حذف مضاف: أي فالق ظلمة ~~الإصباح، وهي الغبش، أو فالق عمود الفجر عن بياض النهار، لأنه يبدو مختلطا ~~بالظلمة ثم يصير أبيض خالصا. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وعاصم وحمزة والكسائي ~~(وجعل الليل سكنا) حملا على معنى (فالق) عند حمزة والكسائي، وأما عند الحسن ~~وعيسى فعطفا على فلق. وقرأ الجمهور ms1160 وجاعل عطفا على فالق. وقرئ فالق وجاعل ~~بنصبهما على المدح. وقرأ يعقوب " وجاعل الليل ساكنا ". والسكن: محل السكون، ~~من سكن إليه: إذا اطمأن إليه، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم ~~ويستريحون من التعب والنصب. قوله (والشمس والقمر حسبانا) بالنصب على إضمار ~~فعل: أي وجعل الشمس والقمر، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره ~~والشمس والقمر مجعولان حسبانا، وبالجر عطفا على الليل على قراءة من قرأ ~~وجاعل الليل. قال الأخفش: والحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب. وقال يعقوب: ~~حسبان مصدر حسبت الشئ أحسبه حسبا وحسبانا. والحساب: الاسم، وقيل الحسبان ~~بالضم مصدر حسب بالفتح، والحسبان بالكسر مصدر حسب، والمعنى: جعلهما محل ~~حساب تتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص ليدل عباده ~~بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه، وقيل الحسبان: الضياء، وفى لغة أن ~~الحسبان: النار، ومنه قوله تعالى - ويرسل عليها حسبانا من السماء - ~~والإشارة ب‍ (ذلك تقدير العزيز العليم) إلى الجعل المدلول عليه بجاعل أو ~~بجعل على القراءتين. # والعزيز: القاهر الغالب. والعليم: كثير العلم، ومن جملة معلوماته ~~تسييرهما على هذا التدبير المحكم. قوله (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا ~~بها) أي خلقها للاهتداء بها (في ظلمات) الليل عند المسير في (البر والبحر) ~~وإضافة الظلمات إلى البر والبحر لكونها ملابسة لهما، أو المراد بالظلمات: ~~اشتباه طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم، وهذه إحدى منافع النجوم ~~التي خلقها الله لها، ومنها ما ذكره الله في قوله - وحفظا من كل شيطان مارد ~~-. # - وجعلناها رجوما للشياطين -، ومنها جعلها زينة للسماء، ومن زعم غير هذه ~~الفوائد فقد أعظم على الله الفرية (قد فصلنا الآيات) التي بيناها بيانا ~~مفصلا لتكون أبلغ في الاعتبار (لقوم يعلمون) بما في هذه الآيات من الدلالة ~~على قدرة الله وعظمته وبديع حكمته. قوله (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) أي ~~آدم عليه السلام كما تقدم، وهذا نوع آخر من بديع خلقه الدال على كمال قدرته ~~(فمستقر ومستودع) قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى ms1161 ~~والأعرج والنخعي بكسر القاف والباقون بفتحها، وهما مرفوعان على أنهما ~~مبتدآن وخبرهما محذوف، والتقدير: فمنكم مستقر أو فلكم مستقر، التقدير الأول ~~على القراءة الأولى، والثاني على الثانية: أي فمنكم مستقر على ظهر الأرض، ~~أو فلكم مستقر على ظهرها، ومنكم مستودع في الرحم أوفي باطن الأرض أو في ~~الصلب، وقيل المستقر في الرحم، والمستودع في الأرض، وقيل المستقر في القبر. ~~قال القرطبي: وأكثر أهل PageV02P143 # التفسير يقولون المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب، ~~وقيل المستقر من خلق، والمستودع من لم يخلق، وقيل الاستيداع إشارة إلى ~~كونهم في القبور إلى المبعث. # ومما يدل على تفسير المستقر بالكون على الأرض قول الله تعالى - ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين -، وذكر سبحانه هاهنا (يفقهون) وفيما قبله ~~(يعلمون) لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقرا وبعضها ~~مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء. فناسبه ذكر الفقه ~~لإشعاره بمزيد تدقيق وإمعان فكر. قوله (وهو الذي أنزل من السماء ماء) هذا ~~نوع آخر من عجائب مخلوقاته. والماء هو ماء المطر، وفي (فأخرجنا به) التفات ~~من الغيبة إلى التكلم إظهار للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه، ~~والضمير في (به) عائد إلى الماء، و (نبات كل شئ) يعني كل صنف من أصناف ~~النبات المختلفة، وقيل المعنى رزق كل شئ، والتفسير الأول أولى. ثم فصل هذا ~~الإجمال فقال (فأخرجنا منه خضرا) قال الأخفش: أي أخضر. والخضر: # رطب البقول، وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من الحبة، وقيل يريد القمح ~~والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب (نخرج منه حبا) هذه الجملة صفة لخضرا: ~~أي نخرج من الأغصان الخضر حبا متراكبا: أي مركبا بعضه على بعضه كما في ~~السنابل (ومن النخل) خبر مقدم، و (من طلعها) بدل منه، وعلى قراءة من قرأ ~~يخرج منه حب يكون ارتفاع قنوان على أنه معطوف على حب، وأجاز الفراء في غير ~~القرآن قنوانا عطفا على حبا، وتميم يقولون قنيان. وقرئ بضم القاف وفتحها ~~باعتبار اختلاف اللغتين ms1162 لغة قيس ولغة أهل الحجاز. والطلع: # الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض، والإغريض، يسمى طلعا أيضا. والقوان: جمع ~~قنو، والفرق بين جمعه وتثنيته أن المثنى مكسور النون، والجمع على ما يقتضيه ~~الإعراب، ومثله صنوان. والقنو: العذق. والمعنى: أن القنوان أصله من الطلع. ~~والعذق هو عنقود النخل، وقيل القنوان: الجمار. والدانية: القريبة التي ~~ينالها القائم والقاعد. قال الزجاج: المعنى منها دانية ومنها بعيدة فحذف، ~~ومثله - سرابيل تقيكم الحر - وخص الدانية بالذكر لأن الغرض من الآية بيان ~~القدر والامتنان، وذلك فيما يقرب تناوله أكثر. قوله (وجنات من أعناب) قرأ ~~محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش وعاصم في قراءته الصحيحة عنه برفع ~~جنات، وقرأ الباقون بالنصب. وأنكر القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم حتى ~~قال أبو حاتم هي محال، لأن الجنات لا تكون من النخل. قال النحاس: # ليس تأويل الرفع عل هذا ولكنه رفع بالابتداء، والخبر محذوف: أي ولهم جنات ~~كما قرأ جماعة من القراء - وحور عين، وقد أجاز مثل هذا سيبويه والكسائي ~~والفراء، وأما على النصب فقيل هو معطوف على (نبات كل شئ) أي وأخرجنا به ~~جنات كائنة من أعناب، أو النصب بفعل يقدر متأخرا: أي وجنات من أعناب ~~أخرجناهم، وهكذا القول في انتصاب الزيتون والرمان: وقيل هما منصوبان على ~~الاختصاص لكونهما عزيزين، و (مشتبها) منتصب على الحال: أي كل واحد منهما ~~يشبه بعضه بعضا في بعض أوصافه ولا يشبه بعضه بعضا في البعض الآخر، وقيل إن ~~أحدهما يشبه الآخر في الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن وباعتبار حجمه، ~~ولا يشبه أحدهما الآخر في الطعم، وقيل خص الزيتون والرمان لقرب منابتهما من ~~العرب كما في قول الله سبحانه - أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت -، ثم ~~أمرهم سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر وإلى ينعه إذا أينع. ~~والثمر في اللغة: جنى الشجر. واليانع: الناضج الذي قد أدرك وحان قطافه. قال ~~ابن الأنباري: الينع جمع يانع. كركب وراكب. # وقال الفراء: أينع احمر. وقرأ حمزة والكسائي " ثمره " بضم الثاء والميم، ms1163 ~~وقرأ الباقون بفتحها، إلا الأعمش فإنه قرأ ثمره بضم الثاء وسكون الميم ~~تخفيفا. وقرأ محمد بن السميفع وابن محيصن وابن أبي إسحاق " وينعه " بضم ~~الياء التحتية. PageV02P144 # قال الفراء: هي لغة بعض أهل نجد. وقرأ الباقون بفتحها، والإشارة بقوله ~~(إن في ذلكم) إلى ما تقدم ذكره مجملا ومفصلا (لآيات لقوم يؤمنون) بالله ~~استدلالا بما يشاهدونه من عجائب مخلوقاته التي قصها عليهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى (إن الله فالق الحب ~~والنوى) يقول: خلق الحب والنوى. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: يفلق الحب والنوى عن النبات. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: ~~الشقان اللذان فيهما. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله (يخرج الحي من ~~الميت) قال: النخلة من النواة والسنبلة من الحبة (ومخرج الميت من الحي) ~~قال: # النواة من النخلة والحبة من السنبلة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد (يخرج ~~الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) قال: الناس الأحياء من النطف، والنطفة ~~ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضا. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (فأنى تؤفكون) أي فكيف تكذبون. وأخرج ~~أيضا عن الحسن قال أنى تصرفون. وأخرج أيضا عن ابن عباس في (فالق الإصباح) ~~قال: خلق الليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~قال: يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في (فالق ~~الإصباح) قال: إضاءة الفجر. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر عن ~~قتادة في قوله (فالق الإصباح) قال: فالق الصبح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (وجاعل الليل سكنا) قال: سكن فيه كل طير ودابة. وأخرج ابن ~~جرير ms1164 وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والشمس والقمر ~~حسبانا) يعني عدد الأيام والشهور والسنين، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) قال: ~~يضل الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ~~والخطيب في كتاب النجوم عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون ~~به في بركم وبحركم ثم أمسكوا، فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوما ~~للشياطين، وعلامات يهتدى بها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن مردويه ~~والخطيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تعلموا ~~من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا ". # وقد ورد في استحباب مراعاة الشمس والقمر لذكر الله سبحانه لا لغير ذلك ~~أحاديث: منها عند الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر ~~الله ". وأخرج ابن شاهين والطبراني والحاكم والخطيب عن عبد الله بن أبي ~~أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحوه. وأخرج أحمد في ~~الزهد والخطيب عن أبي الدرداء نحوه. وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن أبي ~~هريرة نحو حديثه الأول مرفوعا. وأخرج الحاكم في تاريخه والديلمي بسند ضعيف ~~عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ثلاثة ~~يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: # التاجر الأمين. والإمام المقتصد، وراعى الشمس بالنهار ". وأخرج عبد الله ~~بن أحمد في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال: " سبعة في ظل الله يوم لا ظل ~~إلا ظله، فذكر منهم الرجل الذي يراعي الشمس لمواقيت الصلاة ". # فهذه الأحاديث مقيدة بكون المراعاة لذكر الله والصلاة لا لغير ذلك. وقد ~~جعل الله انقضاء وقت صلاة الفجر ms1165 طلوع الشمس. وأول صلاة الظهر زوالها، ووقت ~~العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. ووقت المغرب غروب PageV02P145 # الشمس. وورد في صلاة العشاء " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يصليها لوقت مغيب القمر ليلة ثالث الشهر " وبها يعرف أوائل الشهور وأوساطها ~~وأواخرها. فمن راعى الشمس والقمر بهذه الأمور فهو الذي أراده صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ومن راعاها لغير ذلك فهو غير مراد بما ورد، وهكذا النجوم، ورد ~~النهي عن النظر فيها كما أخرجه ابن مردويه والخطيب عن علي قال: نهاني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن النظر في النجوم. # وأخرج ابن مردويه والمرهبي والخطيب عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن النظر في النجوم. وأخرج الخطيب عن عائشة مرفوعا ~~مثله. وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية والخطيب عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر ~~القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا ". وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " من ~~اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " فهذه الأحاديث ~~محمولة على النظر فيها لما عدا الاهتداء والتفكر والاعتبار. وما ورد في ~~جواز النظر في النجوم فهو مقيد بالاهتداء والتفكر والاعتبار كما يدل عليه ~~حديث ابن عمر السابق، وعليه يحمل ما روى عن عكرمة فيما أخرجه الخطيب عنه: ~~أنه سأل رجلا عن حساب النجوم، فجعل الرجل يتحرج أن يخبره، فقال عكرمة: سمعت ~~ابن عباس يقول: علم عجز الناس عنه ووددت أني علمته. وقد أخرج أبو داود ~~والخطيب عن سمرة بن جندب أنه خطب فذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال " أما بعد، فإن ناسا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا ~~القمر وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد ~~كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله يعبر ms1166 بها عباده لينظر ما يحدث لهم من توبة ~~". وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في كسوف الشمس والقمر عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله ~~بهما عباده ". # وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة مرفوعا " إن الله نصب آدم بين يديه، ثم ~~ضرب كتفه اليسرى فخرجت ذريته من صلبه حتى ملئوا الأرض " فهذا الحديث هو ~~معنى ما في الآية - وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة -. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله (فمستقر ومستودع) قال: ~~المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب. ~~وفى لفظ: المستقر ما في الرحم وعلى ظهر الأرض وبطنها مما هو حي ومما قد ~~مات. وفى لفظ المستقر ما كان في الأرض، والمستودع ما كان في الصلب. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في الآية: قال مستقرها ~~في الدنيا ومستودعها في الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: المستقر الرحم، والمستودع ~~المكان الذي يموت فيه. # وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وقتادة في الآية قالا: مستقر في القبر، ومستودع ~~في الدنيا، أوشك أن يلحق بصاحبه. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (نخرج منه حبا متراكبا) ~~قال: هذا السنبل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب (قنوان دانية) قال قريبة: # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (قنوان دانية) ~~قال: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه ~~قنوان الكبائس، والدانية المنصوبة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في (قنوان ~~دانية) قال: تهدل العذوق من الطلع. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ ms1167 عن قتادة في قوله (مشتبها وغير متشابه) قال: متشابها ورقه ~~مختلفا ثمره. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن PageV02P146 # كعب القرظي في قوله (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) قال: رطبه وعنبه. وأخرج ~~أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء (وينعه) قال نضجه. # سورة الأنعام الآية (100 - 103) هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من ~~جهالاتهم وضلالاتهم. قال النحاس: الجن المفعول الأول، وشركاء المفعول ~~الثاني كقوله تعالى - وجعلكم ملوكا - وجعلت له مالا ممدودا - وأجاز الفراء: ~~أن يكون الجن بدلا من شركاء ومفسرا له. وأجاز الكسائي رفع الجن بمعنى هم ~~الجن، كأنه قيل من هم؟ فقيل الجن، وبالرفع قرأ يزيد بن أبي قطيب وأبو حيان، ~~وقرئ بالجر على إضافة شركاء إلى الجن للبيان. والمعنى: أنهم جعلوا شركاء ~~لله فعبدوهم كما عبدوه، وعظموهم كما عظموه. وقيل المراد بالجن هاهنا ~~الملائكة لاجتنانهم: أي استتارهم، وهم الذين قالوا: الملائكة بنات الله، ~~وقيل نزلت في الزنادقة الذين قالوا: إن الله تعالى وإبليس أخوان، فالله ~~خالق الناس والدواب، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب. وروى ذلك عن ~~الكلبي، ويقرب من هذا قول المجوس، فإنهم قالوا: للعالم صانعان هما الرب ~~سبحانه والشيطان. وهكذا القائلون: كل خير من النور، وكل شر من الظلمة، وهم ~~المانوية. قوله (وخلقهم) جملة حالية بتقدير قد: أي وقد علموا أن الله ~~خلقهم، أو خلق ما جعلوه شريكا لله. قوله (وخرقوا له بنين وبنات) قرأ نافع ~~بالتشديد على التكثير، لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى ~~ادعو أن المسيح ابن الله، واليهود ادعوا أن عزيرا ابن الله، فكثر ذلك من ~~كفرهم فشدد الفعل لمطابقة المعنى. وقرأ الباقون بالتخفيف. وقرئ (حرفوا) من ~~التحريف أي زوروا. قال أهل اللغة: معنى خرقوا اختلقوا وافتعلوا وكذبوا، ~~يقال اختلق الإفك واخترقه وخرقه، أو أصله من خرق الثوب: # إذا شقه: أي اشتقوا له بنين وبنات. قوله (بغير علم) متعلق بمحذوف هو حال: ~~أي كائنين بغير علم، بل قالوا ذلك عن جهل خالص، ثم بعد حكاية هذا الضلال ~~البين والبهت الفظيع ms1168 من جعل الجن شركاء لله، وإثبات بنين وبنات له نزه الله ~~نفسه، فقال (سبحانه وتعالى عما يصفون) وقد تقدم الكلام في معنى سبحانه. ~~ومعنى " تعالى ": تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذي وصفوه به. قوله (بديع ~~السماوات والأرض) أي مبدعهما، فيكف يجوز أن (يكون له ولد) وقد جاء البديع: ~~بمعنى المبدع كالسميع بمعنى المسمع كثيرا، ومنه قول عمرو بن معدي كرب: # أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع أي المسمع، وقيل هو من ~~إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل، والأصل بديع سماواته وأرضه. وأجاز الكسائي ~~خفضه على النعت لله. والظاهر أن رفعه على تقدير مبتدأ محذوف، أو على أنه ~~مبتدأ وخبره (أنى يكون له ولد) PageV02P147 # وقيل هو مرفوع على أنه فاعل " تعالى "، وقرئ بالنصب على المدح، ~~والاستفهام في (أنى يكون له ولد) للإنكار والاستبعاد: أي من كان هذا وصفه، ~~وهو أنه خالق السماوات والأرض وما فيهما كيف يكون له ولد؟ وهو من جملة ~~مخلوقاته، وكيف يتخذ ما يخلقه ولدا، ثم بالغ في نفي الولد، فقال (ولم تكن ~~له صاحبة) أي كيف يكون له ولد والحال أنه لم تكن له صاحبة، والصاحبة إذا لم ~~توجد استحال وجود الولد، وجملة (وخلق كل شئ) لتقرير ما قبلها، لأن من كان ~~خالقا كل شئ استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولدا (وهو بكل شئ عليم) لا ~~تخفى عليه من مخلوقاته خافية، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى الأوصاف السابقة، ~~وهو في موضع رفع على الابتداء وما بعده خبره، وهو الاسم الشريف، و (ربكم) ~~خبر ثان، و (لا إله إلا هو) خبر ثالث، و (خالق كل شئ) خبر رابع، ويجوز أن ~~يكون (الله ربكم) بدلا من اسم الإشارة، وكذلك (لا إله إلا هو خالق كل شئ) ~~خبر المبتدأ، ويجوز ارتفاع خالق على إضمار مبتدأ، وأجاز الكسائي والفراء ~~النصب فيه (فاعبدوه) أي من كانت هذه صفاته، فهو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ~~ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شئ. # قوله (لا تدركه الأبصار) الأبصار: جمع بصر، وهو الحاسة، ms1169 وإدراك الشئ ~~عبارة عن الإحاطة به. قال الزجاج: أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفي هو هذا ~~الإدراك لا مجرد الرؤية. فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترا لا شك فيه ~~ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلا عظيما، وأيضا قد تقرر ~~في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، فالمعنى لا تدركه ~~بعض الأبصار وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي ~~الرؤية، فالمراد به هذه الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم ~~السلب، والأول تخلفه الجزئية، والتقدير: لا تدركه كل الأبصار بل بعضها، وهي ~~أبصار المؤمنين. والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية ~~في الآخرة، واعتضادها بقوله تعالى - وجوه يومئذ ناضرة - الآية. قوله (وهو ~~يدرك الأبصار) أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا تخفى عليه منها خافية، وخص ~~الأبصار ليجانس ما قبله. وقال الزجاج: في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون ~~الأبصار: أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر وما الشئ الذي صار به الإنسان ~~يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى (وهو اللطيف) أي ~~الرفيق بعباده: يقال لطف فلان بفلان: أي رفق به، واللطف في العمل الرفق ~~فيه، واللطف من الله التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا: إذا أبره: والملاطفة: ~~المبارة، هكذا قال الجوهري وابن فارس، و (الخبير) المختبر بكل شئ بحيث لا ~~يخفى عليه شئ. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم) قال: والله خلقهم (وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم) قال: تخرصوا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (وخرقوا) قال: ~~جعلوا: وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال كذبوا. ~~وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم ~~والعقيلي وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ms1170 قوله (لا تدركه الأبصار) قال: لو أن ~~الإنس والجن والملائكة والشياطين منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما ~~أحاطوا بالله أبدا. قال الذهبي: # هذا حديث منكر انتهى. وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف. وأخرج الترمذي ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه ~~عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه، قال عكرمة: فقلت له أليس الله يقول (لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) قال: لا أم لك ذاك نوره إذا تجلى بنوره لا ~~يدركه شئ. PageV02P148 # وفى لفظ " إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر ". وأخرج ابن جرير ~~عنه قال: لا يحيط بصر أحد بالله. # وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في كتاب الرؤية عن الحسن في قوله (لا تدركه ~~الأبصار) قال: في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إسماعيل بن ~~علية مثله. سورة الأنعام الآية (104 - 108) البصائر جمع بصيرة، وهي في ~~الأصل: نور القلب، والمراد بها هنا الحجة البينة والبرهان الواضح، وهذا ~~الكلام وارد على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا قال في ~~آخره (وما أنا عليكم بحفيظ) ووصف البصائر بالمجئ تفخيما لشأنها وجعلها ~~بمنزلة الغائب المتوقع مجيئه كما يقال جاءت العافية، وانصرف المرض، وأقبلت ~~السعود، وأدبرت النحوس (فمن أبصر فلنفسه) أي فمن تعقل الحجة وعرفها وأذعن ~~لها فنفع ذلك لنفسه لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار (ومن عمى) عن ~~الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن لها، فضرر ذلك على نفسه لأنه يتعرض لغضب الله ~~في الدنيا ويكون مصيره النار (وما أنا عليكم بحفيظ) برقيب أحصى عليكم ~~أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم. قال الزجاج: ~~نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان (وكذلك ~~نصرف الآيات) أي مثل ذلك التصريف البديع نصرفها في الوعد والوعيد والوعظ ~~والتنبيه. قوله (وليقولوا درست) العطف على محذوف: أي نصرف الآيات لتقوم ~~الحجة وليقولوا درست، أو علة لفعل محذوف يقدر متأخرا: أي وليقولوا درست ~~صرفناها، ms1171 وعلى هذا تكون اللام للعاقبة أو للصيرورة. # والمعنى: ومثل ذلك التصريف نصرف الآيات وليقولوا درست، فإنه لا احتفال ~~بقولهم ولا اعتداد بهم فيكون معناه الوعيد والتهديد لهم وعدم الاكتراث ~~بقولهم. وقد أشار إلى مثل هذا الزجاج. وقال النحاس: وفي المعنى قول آخر ~~حسن، وهو أن يكون معنى (نصرف الآيات) نأتي بها آية بعد آية (ليقولوا درست) ~~علينا فيذكرون الأول بالآخر، فهذا حقيقته، والذي قاله أبو إسحاق: يعني ~~الزجاج مجاز، وفى (درست) قراءات، قرأ أبو عمرو وابن كثير " دارست " بألف ~~بين الدال والراء كفاعلت، وهي قراءة علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وعكرمة وأهل مكة. وقرأ ابن عامر " درست " بفتح السكين وإسكان التاء من غير ~~ألف كخرجت، وهي قراءة الحسن. وقرأ الباقون " درست " كضربت، فعلى القراءة ~~الأولى المعنى: دارست أهل الكتاب ودارسوك: # أي ذاكرتهم وذاكروك، ويدل على هذا ما وقع في الكتاب العزيز من إخبار الله ~~عنهم بقوله - وأعانه عليه قوم آخرون - أي أعان اليهود النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم على القرآن، ومثله قولهم - أساطير الأولين اكتتبها فهي ~~PageV02P149 # تملى عليه بكرة وأصيلا -، وقولهم - إنما يعلمه بشر -، والمعنى على ~~القراءة الثانية: قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت، وهو كقولهم - أساطير ~~الأولين -. والمعنى على القراءة الثالثة مثل المعنى على القراءة الأولى. ~~قال الأخفش: هي بمعنى دارست إلا أنه أبلغ. وحكى عن المبرد أنه قرأ ~~(وليقولوا) بإسكان اللام فيكون فيه معنى التهديد: أي وليقولوا ما شاءوا فإن ~~الحق بين، وفى هذا اللفظ أصله درس يدرس دراسة فهو من الدرس وهو القراءة، ~~وقيل من درسته: أي ذللته بكثرة القراءة، وأصله درس الطعام: أي داسه. ~~والدياس: الدارس بلغة أهل الشام، وقيل أصله من درست الثوب أدرسه درسا: أي ~~أخلقته، ودرست المرأة درسا: أي حاضت، ويقال: إن فرج المرأة يكنى أبا دراس ~~وهو من الحيض، والدرس أيضا: الطريق الخفي. وحكى الأصمعي: # بعير لم يدرس: أي لم يركب. وروى عن ابن عباس وأصحابه وأبي وابن مسعود ~~والأعمش أنهم قرءوا " درس " أي درس محمد الآيات، وقرئ " درست " وبه ms1172 قرأ زيد ~~بن ثابت: أي الآيات على البناء للمفعول، " ودارست " أي دارست اليهود محمدا، ~~واللام في (لنبينه) لام كي: أي نصرف الآيات لكي نبينه لقوم يعلمون، والضمير ~~راجع إلى الآيات لأنها في معنى القرآن، أو إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر، ~~لأنه معلوم من السياق أو إلى التبيين المدلول عليه بالفعل. قوله (اتبع ما ~~أوحى إليك من ربك) أمره الله باتباع ما أوحى إليه وأن لا يشغل خاطره بهم، ~~بل يشتغل باتباع ما أمره الله، وجملة (لا إله إلا هو) معترضة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه لقصد تأكيد إيجاب الاتباع (وأعرض) معطوف على (اتبع) أمره ~~الله بالإعراض عن المشركين بعدما أمره باتباع ما أوحى إليه، وهذا قبل نزول ~~آية السيف (ولو شاء الله ما أشركوا) أي لو شاء الله عدم إشراكهم ما أشركوا، ~~وفيه أن الشرك بمشيئة الله سبحانه، والكلام في تقرير هذا على الوجه الذي ~~يتعارف به أهل علم الكلام والميزان معروف فلا نطيل بإيراده (وما جعلناك ~~عليهم حفيظا) أي رقيبا (وما أنت عليهم بوكيل) أي قيم بما فيه نفعهم فتجلبه ~~إليهم، ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة. قوله (ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها ~~الكفار. والمعنى: لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون ~~الله، فيتسبب عن ذلك سبهم لله عدوانا وتجاوزا عن الحق وجهلا منهم. # وفى هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشى أن ~~يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد ~~كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه، وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها ~~لمن كان من الحاملين لحجج الله المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من ~~الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه وتركوا غيره من المعروف، وإذا ~~نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات عنادا للحق وبغضا لاتباع ~~المحقين وجراءة على الله ms1173 سبحانه سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، ~~وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجرؤ على ~~أهلها ديدنه وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق ~~وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من ~~البديعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع، وهم شر من ~~الزنادقة، لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع ويتظاهرون بذلك غير ~~خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام وتحاماهم أهله، وقد ~~ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم ~~وتحرز وخيفة ووجل، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة ~~غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه. وقرأ أهل ~~مكة " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء ~~وقتادة. وقرأ من PageV02P150 # عداهم بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو، ومعنى القراءتين واحد: أي ظلما ~~وعدوانا، وهو منتصب على الحال، أو على المصدر أو على أنه مفعول له (كذلك ~~زينا لكل أمة عملهم) أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم ~~من الخير والشر - يضل من يشاء ويهدى من يشاء - (ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ~~بما كانوا يعملون) في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها ولا قبلوا من ~~المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله (قد جاءكم بصائر) أي بينة (فمن أبصر فلنفسه) أي فمن اهتدى فإنما يهتدى ~~لنفسه (ومن عمى) أي من ضل (فعليها). وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس أنه كان يقرأ " دارست ~~" وقال: # قرأت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عنه (درست) قال: قرأت وتعلمت. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن ms1174 ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عنه أيضا قال (دارست) خاصمت جادلت تلوت. وأخرج أبو الشيخ عن السدي ~~(وأعرض عن المشركين) قال: كف عنهم، وهذا منسوخ نسخة القتال - فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم - وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ~~عن ابن عباس في قوله (ولو شاء الله ما أشركوا) يقول الله تبارك وتعالى: لو ~~شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وما ~~أنت عليهم بوكيل) أي بحفيظ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله) قال: ~~قالوا يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا ~~أوثانهم (فيسبوا الله عدوا بغير علم). وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " ملعون من سب والديه، قالوا يا رسول الله وكيف ~~يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه ". # سورة الأنعام الآية (109 - 113) قوله (وأقسموا بالله) أي الكفار مطلقا، ~~أو كفار قريش، وجهد الأيمان أشدها: أي أقسموا بالله أشد PageV02P151 # أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، ~~فلهذا أقسموا به، وانتصاب جهد على المصدرية وهو بفتح الجيم المشقة، وبضمها ~~الطاقة، ومن أهل اللغة من يجعلهما لمعنى واحد، والمعنى: # أنهم اقترحوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية من الآيات التي ~~كانوا يقترحونها وأقسموا لئن جاءتهم هذه الآية التي اقترحوها (ليؤمنن بها) ~~وليس غرضهم الإيمان، بل معظم قصدهم التحكم على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم والتلاعب بآيات الله، فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله ~~(إنما الآيات عند الله) هذه الآية التي يقترحونها وغيرها وليس عندي من ذلك ~~شئ، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها. # قوله (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون). قرأ أبو عمرو وابن ms1175 كثير بكسر ~~الهمزة من أنها وهي قراءة مجاهد، ويؤيد هذه القراءة قراءة ابن مسعود (وما ~~يشعركم إذا جاءت لا يؤمنون) قال مجاهد وابن زيد: المخاطب بهذا: # المشركون: أي وما يدريكم، ثم حكم عليهم بقوله (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) ~~وقال الفراء وغيره: الخطاب للمؤمنين، لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون، فقال الله تعالى ~~(وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) وقرأ أهل المدينة والأعمش وحمزة ~~والكسائي وعاصم وابن عامر " أنها إذا جاءت " بفتح الهمزة، قال الخليل: أنها ~~بمعنى لعلها، وفى التنزيل - وما يدريك لعله يزكى - أي أنه يزكى. وحكى عن ~~العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا: أي لعلك، ومنه قول عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي * إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد أي لعل ~~منيتي، ومنه قول دريد بن الصمة: # أريني جوادا مات هزلا لأنني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا أي لعلني، وقول ~~أبي النجم: # قلت لشيبان ادن من لقائه * أني بعد اليوم من سوائه أي لعلى، وقول جرير: # هل أنتم عائجون بنا لأن * نرى العرصات أو أثر الخيام أي لعلنا اه‍. وقد ~~وردت في كلام العرب كثيرا بمعنى لعل. وحكى الكسائي أنها كذلك في مصحف أبي ~~بن كعب. وقال الكسائي أيضا والفراء: إن " لا " زائدة، والمعنى: وما يشعركم ~~أنها: أي الآيات، إذا جاءت يؤمنون فزيدت كما زيدت في قوله تعالى - وحرام ~~على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون - وفى قوله - ما منعك أن لا تسجد - وضعف ~~الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة لا وقالوا: هو غلط وخطأ. وذكر النحاس وغيره ~~أن في الكلام حذفا والتقدير: أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، ثم حذف ~~هذا المقدر لعلم السامع. قوله (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) معطوف على " لا ~~يؤمنون " قيل والمعنى: تقليب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار ~~وحر الجمر (كما لم يؤمنوا) في الدنيا (ونذرهم) في الدنيا: أي نمهلهم ولا ~~نعاقبهم فعلى هذا بعض الآية في ms1176 الآخرة. وبعضها في الدنيا، وقيل المعنى: ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا: أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم ~~تلك الآية كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أول مرة عند ظهور المعجزة، ~~وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم ~~يؤمنوا، ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ونذرهم في طغيانهم يعمهون: أي يتحيرون، ~~والكاف في (كما لم يؤمنوا) نعت مصدر محذوف، وما مصدرية، و (يعمهون) في محل ~~نصب على الحال، PageV02P152 # قوله (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) أي لا يؤمنون ولو نزلنا إليهم ~~الملائكة كما اقترحوا بقولهم - لولا أنزل عليه ملك - (وكلمهم الموتى) الذين ~~يعرفونهم بعد إحيائنا لهم، فقالوا لهم إن هذا النبي صادق مرسل من عند الله ~~فآمنوا به لم يؤمنوا (وحشرنا عليهم كل شئ) مما سألوه من الآيات (قبلا) أي ~~كفلا وضمنا بما جئناهم به من الآيات البينات. هذا على قراءة من قرأ قبلا ~~بضم القاف وهم الجمهور. وقرأ نافع وابن عامر قبلا بكسرها: أي مقابلة. # وقال محمد بن يزيد المبرد: قبلا بمعنى ناحية كما تقول لي قبل فلان مال، ~~فقبلا نصب على الظرف، وعلى المعنى الأول ورد قوله تعالى - أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا - أي يضمنون كذا قال الفراء. وقال الأخفش: هو بمعنى قبيل ~~قبيل: أي جماعة جماعة. وحكى أبو زيد لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا كله ~~واحد بمعنى المواجهة، فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان. والحشر: ~~الجمع (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) إيمانهم، فإن ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن، والاستثناء مفرغ (ولكن أكثرهم يجهلون) جهلا يحول بينهم ~~وبين درك الحق والوصول إلى الصواب. قوله (وكذلك جعلنا لكل نبي) هذا الكلام ~~لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم ~~إيمانهم: أي مثل هذا الجعل (جعلنا لكل نبي عدوا) والمعنى: كما ابتليناك ~~بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار، فجعلنا لكل واحد منهم ~~عدوا من كفار زمنهم، و (شياطين الإنس والجن) ms1177 بدل من عدوا، وقيل هو المفعول ~~الثاني لجعلنا. وقرأ الأعمش الجن والإنس بتقديم الجن، والمراد بالشياطين ~~المردة من الفريقين، والإضافة بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، ~~والأصل الإنس والجن الشياطين، وجملة (يوحى بعضهم إلى بعض) في محل نصب على ~~الحال: أي حال كونه يوسوس بعضهم لبعض، وقيل إن الجملة مستأنفة لبيان حال ~~العدو، وسمى وحيا لأنه إنما يكون خفية بينهم، وجعل تمويههم زخرف القول ~~لتزيينهم إياه، والمزخرف: المزين، وزخارف الماء طرائقه، و (غرورا) منتصب ~~على المصدر، لأن معنى يوحى بعضهم إلى بعض يغرونهم بذلك غرورا، ويجوز أن ~~يكون في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولا له، والغرور: الباطل. قوله (ولو ~~شاء ربك ما فعلوه) الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقا من الأمور التي جرت من ~~الكفار في زمنه وزمن الأنبياء قبله: أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدم ذكره ~~ما فعلوه وأوقعوه، وقيل ما فعلوا الإيحاء المدلول عليه بالفعل (فذرهم) أي ~~اتركهم، وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله - ذرني ومن خلقت وحيدا - (وما ~~يفترون) إن كانت ما مصدرية فالتقدير: اتركهم وافتراءهم، وإن كانت موصولة ~~فالتقدير: اتركهم والذي يفترونه. قوله (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة) اللام في لتصغى لام كي، فتكون علة كقوله (يوحى) والتقدير: يوحى ~~بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى، وقيل هو متعلق بمحذوف يقدر متأخرا: أي لتصغى ~~(جعلنا لكل نبي عدوا) وقيل إن اللام للأمر وهو غلط، فإنها لو كانت لام ~~الأمر جزمت الفعل، والإصغاء: # الميل، يقال صغوت أصغو صغوا، وصغيت أصغى، ويقال صغيت بالكسر، ويقال أصغيت ~~الإناء: إذا أملته ليجتمع ما فيه، وأصله الميل إلى الشئ لغرض من الأغراض، ~~ويقال صغت النجوم: إذا مالت للغروب، وأصغت الناقة: إذا أمالت رأسها، ومنه ~~قول ذي الرمة: # تصغي إذا شدها بالكور جانحة * حتى إذا ما استوى في غرزها وثبت والضمير في ~~إليه لزخرف فإن القول، أو لما ذكر سابقا من زخرف القول وغيره: أي أوحى ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة) ms1178 من الكفار (وليرضوه) لأنفسهم بعد الإصغاء إليه (وليقترفوا ما هم ~~مقترفون) من الآثام، والاقتراف: الاكتساب، يقال خرج ليقترف لأهله: أي ~~PageV02P153 # ليكتسب لهم، وقارف فلان هذا الأمر: إذا واقعه، وقرفه: إذا رماه بالريبة، ~~واقترف: كذب، وأصله اقتطاع قطعة من الشئ. # وقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: نزلت (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) ~~في قريش (وما يشعركم) يا أيها المسلمون (أنها إذا جاءت لا يؤمنون). وأخرج ~~ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قريشا فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر، ~~وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن ثمود لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي شئ تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: ~~تجعل لنا الصفا ذهبا، قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم، والله لئن فعلت ~~لنتبعنك أجمعون، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو، فجاءه جبريل ~~فقال له: إن شئت أصبح ذهبا فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت ~~فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال: بل يتوب تائبهم، فأنزل الله (وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم) إلى قوله (يجهلون). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت ~~قلوبهم على شئ وردت عن كل أمر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه (وحشرنا ~~عليهم كل شئ قبلا) قال: معاينة (ما كانوا ليؤمنوا) أي أهل الشقاء (إلا أن ~~يشاء الله) أي أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان. ~~وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة (وحشرنا عليهم كل شئ قبلا) أي ~~فعاينوا ذلك معاينة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: أفواجا قبيلا وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن) قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، ~~فيلتقي شيطان الإنس وشيطان ms1179 الجن، فيقول هذا لهذا: أضلله بكذا وأضلله بكذا، ~~فهو (يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) وقال ابن عباس: # الجن هم الجان وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس وهم لا يموتون إلا مع ~~إبليس والجن يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن ~~مسعود قال: الكهنة هم شياطين الإنس. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (يوحى بعضهم إلى بعض) قال: شياطين الجن يوحون إلى شياطين ~~الإنس، فإن الله يقول (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم). وأخرج عبد ~~الرزاق وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: من الإنس شياطين ومن الجن ~~شياطين يوحى بعضهم إلى بعض. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس زخرف القول ~~قال: يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم. وقد أخرج أحمد وابن أبي ~~حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر ~~شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله الله وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم، ~~شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ". # وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر مرفوعا نحوه. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ولتصغى) لتميل. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وأبو الشيخ عنه (ولتصغى) تزيغ (وليقترفوا) يكتسبوا. # سورة الأنعام الآية (113 - 114) PageV02P154 # سورة الأنعام الآية (115 - 117) قوله (أفغير الله) الاستفهام للإنكار، ~~والفاء للعطف على فعل مقدر، والكلام هو على إرادة القول، والتقدير: # قل لهم يا محمد كيف أضل وأبتغي كما غير الله حكما؟ وغير مفعول لأبتغي ~~مقدم عليه، وحكما المفعول الثاني أو العكس. # ويجوز أن ينتصب حكما على الحال، والحكم أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل ~~هذه الصفة المشتقة. أمره الله سبحانه وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه من ~~أن يجعل بينه وبينهم حكما فيما اختلفوا فيه، وإن الله هو الحكم العدل بينه ~~وبينهم، وجملة (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) في محل نصب على ms1180 الحال: ~~أي كيف أطلب حكما غير الله وهو الذي أنزل عليكم القرآن مفصلا مبينا واضحا ~~مستوفيا لكل قضية على التفصيل، ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ~~أهل الكتاب وإن أظهروا الجحود والمكابرة، فإنهم يعلمون أن القرآن منزل من ~~عند الله بما دلتهم عليه كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل من أنه رسول ~~الله وأنه خاتم الأنبياء، و (بالحق) متعلق بمحذوف وقع حالا: أي متلبسا ~~بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة ثم نهاه الله عن أن يكون من الممترين في أن ~~أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله بالحق أو نهاه عن مطلق ~~الامتراء ويكون ذلك تعريضا لأمته عن أن يمتري أحد منهم، أو الخطاب لكل من ~~يصلح له: أي فلا يكونن أحد من الناس من الممترين ولا يقدح في ذلك كون ~~الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن خطابه خطاب لأمته. قوله ~~(وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) قرأ أهل الكوفة كلمة بالتوحيد، وقرأ الباقون ~~بالجمع، والمراد بالكلمات العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد. # والمعنى: أن الله قد أتم وعده ووعيده، فظهر الحق وانطمس الباطل، وقيل ~~المراد بالكلمة أو الكلمات القرآن، و (صدقا وعدلا) منتصبان على التمييز أو ~~الحال أو على أنهما نعت مصدر محذوف: أي تمام صدق وعدل (لا مبدل لكلماته) لا ~~خلف فيها ولا مغير لما حكم به، والجملة المنفية في محل نصب على الحال أو ~~مستأنفة (وهو السميع) لكل مسموع (العليم) بكل معلوم. قوله (وإن تطع أكثر من ~~في الأرض يضلوك عن سبيل الله) أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من ~~في الأرض أضلوه، لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين، وهم الطائفة التي لا ~~تزال على الحق ولا يضرها خلاف من يخالفها، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقيل المراد بالأكثر الكفار، وقيل المراد بالأرض مكة: ~~أي أكثر أهل مكة، ثم علل ذلك سبحانه بقوله (إن يتبعون إلا الظن) أي ما ~~يتبعون إلا ms1181 الظن الذي لا أصل له، وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة ~~وأنها تقربهم إلى الله (وإن هم إلا يخرصون) أي وما هم إلا يخرصون: أي ~~يحدسون ويقدرون. وأصل الخرص القطع، ومنه خرص النخل يخرص: إذا حزره ليأخذ ~~منه الزكاة، فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به إذ لا يقين منه، وإذا كان ~~هذا حال أكثر من في الأرض فالعلم الحقيقي هو عند الله، فاتبع ما أمرك به ~~ودع عنك طاعة غيره، وهو العالم بمن يضل عن سبيله ومن يهتدى إليه. قال بعض ~~أهل العلم: إن (أعلم) في الموضعين بمعنى يعلم، قال ومنه قول حاتم الطائي: # فحالفت طي من دوننا حلفا * والله أعلم ما كنا لهم خولا PageV02P155 # والوجه في هذا التأويل أن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر، فتكون من ~~منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائبا عنه، وقيل إن أفعل التفضيل على ~~بابه والنصب بفعل مقدر، وقيل إنها منصوبة بأفعل التفضيل أي إن ربك أعلم أي ~~الناس يضل عن سبيله، وقيل في محل نصب بنزع الخافض: أي بمن يضل قاله بعض ~~البصريين، وقيل في محل جر بإضافة أفعل التفضيل إليها. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (مفصلا) ~~قال: مبينا. وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (صدقا وعدلا) قال: صدقا فيما وعد، وعدلا فيما حكم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نصر السجزي في الإبانة عن محمد بن كعب القرظي في ~~قوله (لا مبدل لكلماته) قال: لا تبديل لشئ قاله في الدنيا والآخرة لقوله - ~~ما يبدل القول لدي -. وأخرج ابن مردويه وابن النجار عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا) قال: لا إله إلا ~~الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي اليمان عامر بن عبد الله قال: دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة، ولكل ~~قوم صنم ms1182 يعبدونه، فجعل يأتيها صنما صنما ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره، ~~فكلما طعن صنما أتبعه ضربا بالقوس حتى يكسروه و يطرحوه خارجا من المسجد، ~~والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل ~~لكلماته وهو السميع العليم). # سورة الأنعام الآية (118 - 120) لما تقدم ذكر ما يصنعه الكفار في الأنعام ~~من تلك السنن الجاهلية أمر الله المسلمين بأن يأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه، وقيل إنها نزلت في سبب خاص وسيأتي، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب، فكل ما ذكر الذابح عليه اسم الله حل إن كان مما أباح الله ~~أكله. وقال عطاء: في هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح وكل ~~مطعوم، والشرط في (إن كنتم بآياته مؤمنين) للتهييج والإلهاب: أي بأحكامه من ~~الأوامر والنواهي التي من جملتها الأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، ~~والاستفهام في (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) للإنكار: أي ما ~~المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن الله لكم بذلك (و) الحال أن ~~(قد فصل لكم ما حرم عليكم) أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة ~~بقوله (قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما إلى آخر الآية، ثم استثنى فقال (إلا ~~ما اضطررتم إليه) أي من جميع ما حرمه عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام، وقد ~~تقدم تحقيقه في البقرة. قرأ نافع ويعقوب (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) بفتح ~~الفعلين على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن ~~كثير بالضم فيهما على البناء للمفعول. وقرأ عطية العوفي " فصل " بالتخفيف: ~~أي أبان وأظهر. قوله (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم) هم الكفار الذين ~~كانوا يحرمون البحيرة والسائبة ونحوهما، فإنهم بهذه الأفعال المبنية على ~~الجهل كانوا يضلون الناس فيتبعونهم ولا يعلمون أن ذلك جهل PageV02P156 # وضلالة لا يرجع إلى شئ من العلم، ثم أمرهم الله أن يتركوا ظاهر الإثم ~~وباطنه. والظاهر: ما كان يظهر كأفعال الجوارح، والباطن: ms1183 ما كان لا يظهر ~~كأفعال القلب، وقيل ما أعلنتم وما أسررتم، وقيل الزنا الظاهر والزنا ~~المكتوم. وأضاف الظاهر والباطن إلى الإثم لأنه يتسبب عنهما، ثم توعد ~~الكاسبين للإثم بالجزاء بسبب افترائهم على الله سبحانه. # وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ~~فأنزل الله (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) إلى قوله (وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون). وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (فكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه) فإنه حلال (إن كنتم بآياته) يعني القرآن (مؤمنين) قال: مصدقين (وما ~~لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) يعني الذبائح (وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم) يعني ما حرم عليكم من الميتة (وإن كثيرا) يعني من مشركي العرب ~~(ليضلون بأهوائهم بغير علم) يعني في أمر الذبائح. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (إلا ما اضطررتم إليه) أي من الميتة والدم ولحم الخنزير. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وذروا ظاهر ~~الإثم) قال: هو نكاح الأمهات والبنات (وباطنه) قال: هو الزنا. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: ~~الظاهر منه - لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - و - حرمت عليكم أمهاتكم ~~وبناتكم وأخواتكم - الآية، والباطن: الزنا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: علانيته وسره. # سورة الأنعام الآية (120 - 121) نهى الله سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسم ~~الله عليه بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه. وفيه دليل على تحريم ~~أكل ما لم يذكر اسم الله عليه. # وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب ابن عمر ونافع مولاه ms1184 والشعبي وابن ~~سيرين وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل، وبه قال أبو ثور وداود الظاهري ~~أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد ~~والناسي لهذه الآية، ولقوله تعالى في آية الصيد - فكلوا مما أمسكن عليكم ~~واذكروا اسم الله عليه -، ويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه في هذه ~~الآية (وإنه لفسق). # وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية في الصيد وغيره. وذهب ~~الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد أن التسمية مستحبة لا ~~واجبة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء ابن أبي رباح، وحمل الشافعي ~~الآية على من ذبح لغير الله وهو تخصيص للآية بغير مخصص. وقد روى أبو داود ~~في المرسل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ذبيحة المسلم حلال، ذكر ~~اسم الله أو لم يذكر ". وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية، نعم حديث ~~عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن قوما يأتوننا بلحمان ~~لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا أنتم وكلوا " يفيد أن ~~التسمية عند الأكل تجزئ مع التباس وقوعها PageV02P157 # عند الذبح. وذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق ~~بن راهويه أن التسمية إن تركت نسيانا لم تضر، وإن تركت عمدا لم يحل أكل ~~الذبيحة. وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن ~~البصري وأبي مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلي وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن، واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " المسلم إن نسى أن يسمى حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله ~~" وهذا الحديث رفعه خطأ. وإنما هو من قول ابن عباس. وكذا أخرجه من قوله عبد ~~الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، نعم يمكن الاستدلال لهذا ~~المذهب بمثل قوله تعالى - ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا - كما سبق ~~تقريره، وبقوله ms1185 صلى الله عليه وآله وسلم " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " ~~وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اسم الله على كل مسلم " فهو حديث ضعيف ~~قد ضعفه البيهقي وغيره. قوله (وإنه لفسق) الضمير يرجع إلى (ما) بتقدير ~~مضاف: أي وإن أكل ما لم يذكر لفسق، ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا: أي فإن ~~الأكل لفسق. وقد تقدم تحقيق الفسق. # وقد استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله (وإنه لفسق) ووجه ~~الاستدلال أن الترك لا يكون فسقا، بل الفسق الذبح لغير الله. ويجاب عنه بأن ~~إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعا (وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم) أي يوسوسون لهم بالوساوس المخالفة للحق المباينة ~~للصواب قاصدين بذلك أن يجادلكم هؤلاء الأولياء بما يوسوسون لهم (وإن ~~أطعتموهم) فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه (إنكم لمشركون) مثلهم. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والنحاس والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: قال المشركون، وفي لفظ: قال اليهود: لا ~~تأكلوا مما قتل الله وتأكلوا مما قتلتم أنتم، فأنزل الله (ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه). وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عنه قال: لما نزلت (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) أرسلت فارس إلى ~~قريش أن خاصموا محمدا، فقالوا له: ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ~~ذبح الله بشمشار من ذهب يعني الميتة فهو حرام، فنزلت (وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم) قال: الشياطين من فارس وأوليائهم من قريش. وقد روى ~~نحو ما تقدم في حديث ابن عباس الأول من غير طريق. وأخرج ابن المنذر وأبو ~~الشيخ عنه أيضا في قوله ms1186 (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) قال: إبليس ~~أوحى إلى مشركي قريش. # وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عنه أيضا في قوله (ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) فنسخ، واستثنى من ذلك فقال - ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم -. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد ~~الخطمي قال: كلوا ذبائح المسلمين وأهل الكتاب مما ذكر اسم الله عليه. وروى ~~ابن أبي حاتم عن مكحول نحو قول ابن عباس في النسخ. # سورة الأنعام الآية (122) PageV02P158 # سورة الأنعام الآية (123 - 124) قوله (أو من كان ميتا فأحييناه). قرأ ~~الجمهور بفتح الواو بعد همزة الاستفهام. وقرأ نافع وابن أبي نعيم بإسكانها. ~~قال النحاس: يجوز أن يكون محمولا على المعنى: أي انظروا وتدبروا (أغير الله ~~أبتغي حكما. أو من كان ميتا فأحييناه) والمراد بالميت هنا الكافر أحياه ~~الله بالإسلام، وقيل معناه: كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح ~~فيه. والأول أولى، لأن السياق يشعر بذلك لكونه في تنفير المسلمين عن اتباع ~~المشركين، وكثيرا ما تستعار الحياة للهداية وللعلم، ومنه قول القائل: # وفى الجهل قبل الموت موت لأهله * فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم ~~يحي بالعلم ميت * فليس له حتى النشور نشور والنور عبارة عن الهداية ~~والإيمان، وقيل هو القرآن، وقيل الحكمة، وقيل هو النور المذكور في قوله ~~تعالى - يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم - والضمير في به راجع إلى النور ~~(كمن مثله في الظلمات) أي كمن صفته في الظلمات، ومثله مبتدأ والظلمات خبره، ~~والجملة صفة لمن، وقيل مثل زائدة، والمعنى: كمن في الظلمات كما تقول: أنا ~~أكرم من مثلك: أي منك، ومثله - فجزاء مثل ما قتل من النعم - ليس كمثله شئ - ~~وقيل المعنى: كمن مثله مثل من هو في الظلمات، و (ليس بخارج منها) في محل ~~نصب على الحال: أي حال كونه ليس بخارج منها بحال من الأحوال. قوله (وكذلك ~~جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها) أي مثل ذلك الجعل جعلنا في ~~كل قرية، والأكابر جمع ms1187 أكبر، قيل هم الرؤساء والعظماء، وخصهم بالذكر لأنهم ~~أقدر على الفساد، والمكر: # الحيلة في مخالفة الاستقامة. وأصله الفتل، فالماكر يفتل عن الاستقامة: أي ~~يصرف عنها (وما يمكرون إلا بأنفسهم) أي وبال مكرهم عائد عليهم (وما يشعرون) ~~بذلك لفرط جهلهم (وإذا جاءتهم آية) من الآيات (قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ~~ما أوتي رسل الله) يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء، وهذا نوع عجيب ~~من جهالاتهم الغريبة وعجرفتهم العجيبة، ونظيره - يريد كل امرئ منهم أن يؤتى ~~صحفا منشرة -. والمعنى: إذا جاءت الأكابر آية قالوا هذه المقالة، فأجاب ~~الله عنهم بقوله (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) أي إن الله أعلم بمن يستحق ~~أن يجعله رسولا ويكون موضعا لها وأمينا عليها، وقد اختار أن يجعل الرسالة ~~في محمد صفيه وحبيبه، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم، ثم توعدهم بقوله (سيصيب ~~الذين أجرموا صغار) أي ذل وهوان، وأصله من الصغر كأن الذل يصغر إلى المرء ~~نفسه، وقيل الصغار هو الرضا بالذل. روى ذلك عن ابن السكيت. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (أو من كان ~~ميتا فأحييناه) قال: كان كافرا ضالا فهديناه (وجعلنا له نورا) هو القرآن ~~(كمن مثله في الظلمات) الكفر والضلالة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~PageV02P159 # المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال: نزلت في عمار بن ~~ياسر: وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس) يعني عمر بن الخطاب (كمن مثله ~~في الظلمات ليس بخارج منها) يعني أبا جهل بن هشام. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم في الآية قال: نزلت في عمر بن الخطاب ~~وأبي جهل بن هشام كانا ميتين في ضلالتهما فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزه، ~~وأقر أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~دعا فقال " اللهم أعز الإسلام بأبي جهل ms1188 بن هشام، أو بعمر بن الخطاب ". ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها) قال: نزلت في المستهزئين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~الآية قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال ~~(أكابر مجرميها) عظماءها. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ~~(وإذا جاءتهم آية) الآية قال: قالوا لمحمد حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من ~~الحق: لو كان هذا حقا لكان فينا من هو أحق أن يؤتى به من محمد - وقالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم -. # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (سيصيب الذين أجرموا) قال: أشركوا ~~(صغار) قال: هوان. # سورة الأنعام الآية (125 - 128) قوله (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام) الشرح: الشق وأصله التوسعة، وشرحت الأمر بينته وأوضحته، والمعنى: ~~من يرد الله هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح، (ومن يرد) إضلاله ~~(يجعل صدره ضيقا حرجا). قرأ ابن كثير (ضيقا) بالتخفيف مثل هين ولين. وقرأ ~~الباقون بالتشديد وهما لغتان. وقرأ نافع (حرجا) بالكسر، ومعناه الضيق، كرر ~~المعنى تأكيدا، وحسن ذلك اختلاف اللفظ. وقرأ الباقون بالفتح، جمع حرجة وهي ~~شدة الضيق، والحرجة الغيظة، والجمع حرج وحرجات، ومنه فلان يتحرج: أي يضيق ~~على نفسه. وقال الجوهري: مكان حرج وحرج: أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه ~~الراعية، والحرج الإثم. وقال الزجاج: الحرج أضيق الضيق. وقال النحاس: حرج ~~اسم الفاعل وحرج مصدر وصف به كما يقال: رجل عدل. قوله (كأنما يصعد في ~~السماء). قرأ ابن كثير بالتخفيف من الصعود، شبه الكافر في ثقل الإيمان عليه ~~بمن PageV02P160 # يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء. وقرأ النخعي " يصاعد " وأصله يتصاعد. ~~وقرأ الباقون " يصعد " بالتشديد وأصله يتصعد، ومعناه: يتكلف ما لا يطيق مرة ~~بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء. وقيل المعنى على جميع ms1189 ~~القراءات: كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوا على الإسلام، وما في " كأنما " هي ~~المهيئة لدخول كأن على الجمل الفعلية. قوله (كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون): أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر ضيقا حرجا يجعل الله ~~الرجس. والرجس في اللغة: النتن، وقيل هو العذاب، وقيل هو الشيطان يسلطه ~~الله عليهم، وقيل هو ما لا خير فيه، والمعنى الأول هو المشهور في لغة ~~العرب، وهو مستعار لما يحل بهم من العقوبة وهو يصدق على جميع المعاني ~~المذكورة. والإشارة بقوله (وهذا صراط ربك) إلى ما عليه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومن معه من المؤمنين: أي هذا طريق دين ربك لا اعوجاج فيه، وقيل ~~الإشارة إلى ما تقدم مما يدل على التوفيق والخذلان: أي هذا هو عادة الله في ~~عبادته يهدى من يشاء ويضل من يشاء، وانتصاب (مستقيما) على الحال كقوله ~~تعالى - وهو الحق مصدقا، وهذا بعلي شيخا - (قد فصلنا الآيات) أي بيناها ~~وأوضحناها (لقوم يذكرون) ما فيها ويتفهمون معانيها (لهم دار السلام عند ~~ربهم) أي لهؤلاء المتذكرين الجنة لأنها دار السلامة من كل مكروه، أو دار ~~الرب السلام مدخرة لهم عند ربهم يوصلهم إليها (وهو وليهم) أي ناصرهم، ~~والباء في (بما كانوا يعملون) للسببية: أي بسبب أعمالهم. قوله (ويوم نحشرهم ~~جميعا) الظرف منصوب بمضمر يقدر متقدما: # أي واذكر يوم نحشرهم أو (ويوم نحشرهم) نقول (يا معشر الجن)، والمراد حشر ~~جميع الخلق في القيامة، والمعشر الجماعة: أي يوم الحشر نقول، يا جماعة الجن ~~(قد استكثرتم من الإنس) أي من الاستمتاع بهم كقوله (ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض) وقيل استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى صاروا في حكم الأتباع لكم ~~فحشرناهم معكم، ومثله قولهم: استكثر الأمير من الجنود، والمراد التقريع ~~والتوبيخ، وعلى الأول فالمراد بالاستمتاع التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ~~ودخولهم فيها يريدون منهم (وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض) ~~أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم، وأما استمتاع ~~الإنس بالجن فحيث قبلوا ms1190 منهم تحسين المعاصي فوقعوا فيها وتلذذوا بها، فذلك ~~هو استمتاعهم بالجن، وقيل استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مر الرجل بواد ~~في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر، يعني ربه ~~من الجن، ومنه قوله تعالى - وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا - وقيل استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون ~~من الأخبار الغيبية الباطلة، واستمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا يتلذذون بما ~~يلقونه إليهم من الأكاذيب وينالون بذلك شيئا من حظوظ الدنيا كالكهان ~~(وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) أي يوم القيامة اعترافا منهم بالوصول إلى ما ~~وعدهم الله به مما كانوا يكذبون به. ولما قالوا هذه المقالة أجاب الله ~~عليهم ف‍ (قال النار مثواكم) أي موضع مقامكم. والمثوى المقام، والجملة ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر. قوله (خالدين فيها إلا ما شاء الله) المعنى الذي ~~تقتضيه لغة العرب في هذا التركيب أنهم يخلدون في النار في كل الأوقات إلا ~~في الوقت الذي يشاء الله عدم بقائهم فيها. وقال الزجاج إن الاستثناء يرجع ~~إلى يوم القيامة أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من ~~قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب، وهو تعسف، لأن الاستثناء هو من الخلود ~~الدائم ولا يصدق على من لم يدخل النار، وقيل الاستثناء راجع إلى النار: أي ~~إلا ما شاء الله من تعذيبهم بغيرها في بعض الأوقات كالزمهرير، وقيل ~~الاستثناء لأهل الإيمان، وما بمعنى من: أي إلا من شاء الله إيمانه فإنه لا ~~يدخل النار، وقيل المعنى: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب. ~~وكل هذه التأويلات متكلفة، والذي ألجأ إليها ما ورد في الآيات القرآنية ~~والأحاديث النبوية من خلود الكفار في النار أبدا، ولكن لا تعارض بين عام ~~وخاص PageV02P161 # لا سيما بعد وروده في القرآن مكررا كما سيأتي في سورة هود - خالدين فيها ~~ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد - ولعله يأتي ~~هنالك إن شاء ms1191 الله زيادة تحقيق. # وقد أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~الأسماء والصفات، عن أبي جعفر المدائني رجل من بني هاشم، وليس هو محمد بن ~~علي قال " سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية (فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام) قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: نور ~~يقذف فيه فينشرح صدره له وينفسح له، قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ ~~قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ~~قبل لقاء الموت ". وأخرج عبد بن حميد عن فضيل نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا ~~عن الحسن نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو ~~الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نزلت هذه الآية فذكر نحوه. وأخرجه ~~ابن مردويه عنه مرفوعا من طريق أخرى. وأخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عن عبد الله ~~بن المستورد. وكان من ولد جعفر بن أبي طالب قال: تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم هذه الآية فذكر نحوه. وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا، والمتصل ~~يقوى المرسل، فالمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ ~~السماء، كذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد قلبه حتى يدخله الله في ~~قلبه. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه في الآية يقول: من أراد أن ~~يضله يضيق عليه حتى يجعل الإسلام عليه ضيقا والإسلام واسع وذلك حين يقول - ~~ما جعل عليكم في الدين من حرج - يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في ms1192 قوله (دار السلام) قال: الجنة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد قال: # السلام هو الله. وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: الله هو السلام، وداره ~~الجنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله (قد استكثرتم من الإنس) يقول: من ضلالتكم إياهم، يعني أضللتم منهم ~~كثيرا، وفي قوله (خالدين فيها إلا ما شاء الله) قال: إن هذه الآية لا ينبغي ~~لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارا. # سورة الأنعام الآية (129 - 132) قوله (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) أي ~~مثل ما جعلنا بين الجن والإنس ما سلف (كذلك نول بعض PageV02P162 # الظالمين بعضا) والمعنى: نجعل بعضهم يتولى البعض فيكونون أولياء لبعضهم ~~بعضا، ثم يتبرأ بعضهم من البعض، فمعنى نولي على هذا: نجعله وليا له. وقال ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: معناه نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس. # وروى عنه أيضا أنه فسر هذه الآية بأن المعنى: نسلط بعض الظلمة على بعض ~~فيهلكه ويذله، فيكون في الآية على هذا تهديد للظلمة بأن من لم يمتنع من ~~ظلمه منهم سلط الله عليه ظالما آخر. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ~~ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجبا، وقيل معنى نولي: نكل بعضهم إلى بعض فيما ~~يختارونه من الكفر، والباء في (بما كانوا يكسبون) للسببية: أي بسبب كسبهم ~~للذنوب ولينا بعضهم بعضا. قوله (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) ~~أي يوم نحشرهم نقول لهم (ألم يأتكم) أو هو شروع في حكاية ما سيكون في ~~الحشر، وظاهره أن الله يبعث في الدنيا إلى الجن رسلا منهم، كما يبعث إلى ~~الإنس رسلا منهم، وقيل معنى منكم: أي ممن هو مجانس لكم في الخلق والتكليف، ~~والقصد بالمخاطبة، فإن الجن والإنس متحدون في ذلك، وإن كان الرسل من الإنس ~~خاصة فهم من جنس الجن من تلك الحيثية، وقيل إنه من باب تغليب الإنس على ~~الجن كما يغلب الذكر على الأنثى، وقيل المراد ms1193 بالرسل إلى الجن هاهنا هم ~~النذر منهم، كما في قوله - ولوا إلى قومهم منذرين -. قوله (يقصون عليكم ~~آياتي) صفة أخرى لرسل، وقد نقدم بيان معنى القص. قوله (قالوا شهدنا على ~~أنفسنا) هذا إقرار منهم بأن حجة الله لازمة لهم بإرسال رسله إليهم، والجملة ~~جواب سؤال مقدر فهي مستأنفة، وجملة (وغرتهم الحياة الدنيا) في محل نصب على ~~الحال، أو هي جملة معترضة (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) هذه شهادة ~~أخرى منهم على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين في الدنيا بالرسل المرسلين إليهم ~~والآيات التي جاءوا بها. وقد تقدم ما يفيد أن مثل هذه الآية المصرحة ~~بإقرارهم بالكفر على أنفسهم، ومثل قولهم - والله ربنا ما كنا مشركين - ~~محمول على أنهم يقرون في بعض مواطن يوم القيامة وينكرون في بعض آخر لطول ~~ذلك اليوم، واضطراب القلوب فيه وطيشان العقول. وانغلاق الأفهام وتبلد ~~الأذهان، والإشارة بقوله (ذلك) إلى شهادتهم على أنفسهم أو إلى إرسال الرسل ~~إليهم. وأن في (أن لم يكن ربك مهلك القرى) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ~~ضمير شأن محذوف. والمعنى: ذلك أن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى، أو هي ~~المصدرية. والباء في (بظلم) سببية: أي لم أكن أهلك القرى بسبب ظلم من يظلم ~~منهم، والحال أن أهلها غافلون، لم يرسل الله إليهم رسولا. # والمعنى: أن الله أرسل الرسل إلى عباده لأنه لا يهلك من عصاه بالكفر من ~~القرى، والحال أنهم غافلون عن الإعذار والإنذار بإرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب، بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم، وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار ~~الأنبياء لهم - وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا -، وقيل المعنى: ما كان الله ~~مهلك أهل القرى بظلم منه، فهو سبحانه يتعالى عن الظلم بل إنما يهلكهم بعد ~~أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء، وقيل المعنى: أن الله ~~لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك، ~~فهو مثل قوله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - (ولكل درجات مما عملوا) أي لكل من ~~الجن والإنس ms1194 درجات متفاوتة مما عملوا فنجازيهم بأعمالهم. كما قال في آية ~~أخرى - ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون -، وفيه دليل ~~على أن المطيع من الجن في الجنة. والعاصي في النار (وما ربك بغافل عما ~~يعملون) من أعمال الخير والشر، والغفلة ذهاب الشئ عنك لاشتغالك بغيره. قرأ ~~ابن عامر (تعملون) بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا) قال: يولي الله بعض الظالمين بعضا في الدنيا يتبع ~~بعضهم بعضا في النار. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن PageV02P163 # عبد الرحمن بن زيد في الآية مثل ما حكينا عنه قريبا. وأخرج أبو الشيخ عن ~~الأعمش في تفسير الآية قال: سمعتهم يقولون إذا فسد الزمان أمر عليهم ~~شرارهم. وأخرج الحاكم في التاريخ والبيهقي في الشعب من طريق يحيى بن هاشم ~~حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " كما تكونون كذلك يؤمر عليكم " قال البيهقي، هذا منقطع ويحيى ضعيف. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (رسل منكم) قال: ليس في ~~الجن رسل، وإنما الرسل في الإنس، والنذارة في الجن، وقرأ - فلما قضى ولوا ~~إلى قومهم منذرين -. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة أيضا عن الضحاك ~~قال: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وأخرج أبو الشيخ في العظمة أيضا ~~عن ليث بن أبي سليم قال: مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن ~~الله أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده. وأخرج أبو الشيخ في ~~العظمة أيضا عن ابن عباس قال: الخلق أربعة فخلق في الجنة كلهم، وخلق في ~~النار كلهم، وخلقان في الجنة والنار، فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة. ~~وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالإنس ~~والجن، لهم الثواب وعليهم العقاب. # سورة الأنعام الآية (133 - 137) قوله (وربك الغني) أي عن خلقه لا يحتاج ~~إليهم ولا إلى ms1195 عبادتهم لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم ومع كونه غنيا ~~عنهم، فهو ذو رحمة بهم لا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم، وما أحسن هذا ~~الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا ~~المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول (إن يشأ ~~يذهبكم) أيها العباد العصاة فيستأصلكم بالعذاب المفضى إلى الهلاك (ويستخلف ~~(من بعد) إهلا ك‍) كم ما يشاء) من خلقه ممن هو أطوع له وأسرع إلى امتثال ~~أحكامه منكم (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) الكاف نعت مصدر محذوف، وما ~~مصدرية: أي ويستخلف استخلافا مثل إنشائكم من ذرية قوم آخرين. قيل: هم أهل ~~سفينة نوح، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم ولا استخلف غيرهم رحمة لهم ~~ولطفا بهم (إن ما توعدون) من البعث والمجازاة (لآت) لا محالة فإن الله لا ~~يخلف الميعاد (وما أنتم بمعجزين) أي بفائتين عن ما هو نازل بكم. وواقع ~~عليكم: # يقال أعجزني فلان: أي فاتني وغلبني. قوله (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) ~~المكانة: الطريقة. أي أثبتوا على ما أنتم عليه، فإني غير مبال بكم ولا ~~مكترث بكفركم، إني ثابت على ما أنا عليه (فسوف تعلمون) من هو على الحق ومن ~~هو على الباطل، وهذا وعيد شديد. فلا يرد ما يقال كيف يأمرهم بالثبات على ~~الكفر؟ و (عاقبة الدار) PageV02P164 # هي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها: أي من له النصر في دار ~~الدنيا، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة. وقال الزجاج: معنى ~~مكانتكم: تمكنكم في الدنيا، أي اعملوا على تمكنكم من أمركم، وقيل على ~~ناحيتكم وقيل على موضعكم. قرأ حمزة والكسائي من يكون بالتحتية، وقرأ ~~الباقون بالفوقية. والضمير في (إنه لا يفلح الظالمون) للشأن: أي لا يفلح من ~~اتصف بصفة الظلم، وهو تعريض لهم بعدم فلاحهم لكونهم المتصفين بالظلم. # قوله (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا)، وهو بيان نوع آخر من ~~أنواع كفرهم وجهلهم وتأثيرهم لآلهتهم على الله سبحانه: أي جعلوا لله ms1196 سبحانه ~~مما خلق من حرثهم ونتاج دوابهم نصيبا ولآلهتهم نصيبا من ذلك يصرفونه في ~~سدنتها والقائمين بخدمتها، فإذا ذهب ما لآلهتهم بانفاقه في ذلك عوضوا عنه ~~ما جعلوه لله، وقالوا: الله غني عن ذلك، والزعم الكذب. قرأ يحيى بن وثاب ~~والسلمي والأعمش والكسائي (بزعمهم) بضم الزاي، وقرأ الباقون بفتحها، وهما ~~لغتان (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله) أي إلى المصارف التي شرع الله ~~الصرف فيها كالصدقة وصلة الرحم، وقرى الضيف (وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم) أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها (ساء ما يحكمون) أي ساء ~~الحكم حكمهم في إيثار آلهتهم على الله سبحانه، وقيل معنى الآية: أنهم كانوا ~~إذا ذبحوا ما جعلوه لله ذكروا عليه اسم أصنامهم، وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم ~~يذكروا عليه اسم الله، فهذا معنى الوصول إلى الله، والوصول إلى شركائهم، ~~وقد قدمنا الكلام في ذرأ. قوله (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم) أي ومثل ذلك التزيين الذي زينه الشيطان لهم في قسمة أموالهم بين ~~الله وبين شركائهم زين لهم قتل أولادهم. قال الفراء والزجاج: شركاؤهم ها ~~هنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان، وقيل هم الغواة من الناس، وقيل هم ~~الشياطين، وأشار بهذا إلى الوأد، وهو دفن البنات مخافة السبي والحاجة، وقيل ~~كان الرجل يحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور لينحرن أحدهم كما فعله عبد ~~المطلب. قرأ الجمهور " زين " بالبناء للفاعل ونصب " قتل " على أنه مفعول ~~زين، وجر أولاد بإضافة قتل إليه، ورفع " شركاؤهم " على أنه فاعل زين، وقرأ ~~الحسن بضم الزاي ورفع قتل، وخفض أولاد، ورفع شركاؤهم على أن قتل هو نائب ~~الفاعل، ورفع شركاؤهم بتقدير يجعل يرجعه: أي زينة شركاؤهم، ومثله قول ~~الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط ما تطيح الطوائح أي يبكيه ضارع. وقرأ ابن ~~عامر وأهل الشام بضم الزاي، ورفع قتل. ونصب أولاد، وخفض شركائهم على أن قتل ~~مضاف إلى شركائهم، ومعموله أولادهم، ففيه الفصل بين المصدر وما هو مضاف ~~إليه بالمفعول، ومثله في الفصل ms1197 بين المصدر وما أضيف إليه قول الشاعر: # تمر على ما تستمر وقد شفت * علائل عبد القيس منها صدورها بجر صدورها، ~~والتقدير: شفت عبد القيس علائل صدورها. قال النحاس: إن هذه القراءة لا تجوز ~~في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه ~~بالظرف في الشعر لاتساعهم في الظروف، وهو أي الفصل بالمفعول به في الشعر ~~بعيد، فإجازته في القرآن أبعد. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: إن ~~قراءة ابن عامر هذه لا تجوز في العربية وهي زلة عالم، وإذا زل العالم لم ~~يجز اتباعه ورد قوله إلى الإجماع، وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق ~~بين المضاف والمضاف إليه بالظرف كقول الشاعر: # كما خط الكتاب بكف يوما * يهودي يقارب أو يزيل وقول الآخر: # لله در اليوم من لامها PageV02P165 # وقال قوم ممن انتصر لهذه القراءة: إنها إذا ثبتت بالتواتر عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فهي فصيحة لا قبيحة. قالوا: وقد ورد ذلك في كلام العرب ~~وفي مصحف عثمان رضي الله عنه " شركائهم " بالياء. # وأقول: دعوى التواتر باطلة بإجماع القراء المعتبرين كما بينا ذلك في ~~رسالة مستقلة، فمن قرأ بما يخالف الوجه النحوي فقراءته رد عليه. ولا يصح ~~الاستدلال لصحة هذه القراءة بما ورد من الفصل في النظم كما قدمنا، وكقول ~~الشاعر: # فزججتها بمزجة * زج القلوص أبي مزاده فإن ضرورة الشعر لا يقاس عليها، وفي ~~الآية قراءة رابعة وهي جد الأولاد والشركاء، ووجه ذلك أن الشركاء بدل من ~~الأولاد لكونهم شركاءهم في النسب والميراث. قوله (ليردوهم) اللام لام كي: ~~أي لكي يردوهم، من الإرداء وهو الإهلاك (وليلبسوا عليهم دينهم) معطوف على ~~ما قبله: أي فعلوا ذلك التزيين لإهلاكهم ولخلط دينهم عليهم (ولو شاء الله ~~ما فعلوه) أي لو شاء الله عدم فعلهم ما فعلوه، فما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن، وإذا كان ذلك بمشيئة الله (فذرهم وما يفترون) فدعهم وافتراءهم فذلك لا ~~يضرك. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبان بن ms1198 عثمان قال: الذرية الأصل، ~~والذرية النسل. وأخرجا أيضا عن ابن عباس (وما أنتم بمعجزين) قال: بسابقين. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (على مكانتكم) قال: على ~~ناحيتكم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه أيضا في ~~قوله (وجعلوا لله) الآية قال: جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيبا وللشيطان ~~والأوثان نصيبا، فإن سقط من ثمره ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن ~~سقط مما جعلوه للشياطين في نصيب الله ردوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من ~~سقى ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقى ما جعلوه ~~للشيطان في نصيب الله نزحوه، فهذا ما جعلوا لله من الحرث وسقى الماء. وأما ~~ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله - ما جعل الله من بحيرة الآية. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: جعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث جزءا ولشركائهم جزءا، فما ذهب به الريح مما سموا لله إلى جزء ~~أوثانهم تركوه وقالوا الله عن هذا غني، وما ذهب به الريح من جزء أوثانهم ~~إلى جزء الله أخذوه. والأنعام التي سموا لله: البحيرة والسائبة وأخرج ابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم) قال: شياطينهم ~~يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خوف العيلة. # سورة الأنعام الآية (138 - 139) PageV02P166 # سورة الأنعام الآية (140) هذا بيان نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم. ~~والحجر بكسر أوله وسكون ثانيه في قراءة الجمهور. وقرأ أبان بن عثمان " حجر ~~" بضم الحاء والجيم، وقرأ الحسن وقتادة بفتح الحاء وإسكان الجيم، وقرأ ابن ~~عباس وابن الزبير " حرج " بتقديم الراء على الجيم، وكذا في مصحف أبي، وهو ~~من الحرج، يقال فلان يتحرج: أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه. ~~والحجر على اختلاف القراءات فيه هو مصدر بمعنى اسم ms1199 المفعول: أي محجور، ~~وأصله المنع، فمعنى الآية: هذه أنعام وحرث ممنوعة، يعنون أنها لأصنامهم لا ~~يطعمها إلا من يشاءون بزعمهم وهم خدام الأصنام. والقسم الثاني قولهم ~~(وأنعام حرمت ظهورها) وهي البحيرة والسائبة والحام، وقيل إن هذا القسم ~~الثاني مما جعلوه لآلهتهم أيضا. والقسم الثالث (أنعام لا يذكرون اسم الله ~~عليها) وهي ما ذبحوا لآلهتهم فإنهم يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله. ~~وقيل إن المراد لا يحجون عليها افتراء على الله: أي للافتراء عليه (سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون) أي بافترائهم أو بالذي يفترونه، ويجوز أن يكون افتراء ~~منتصبا على أنه مصدر: أي افتروا افتراء أو حال: أي مفترين، وانتصابه على ~~العلة أظهر، ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم فقال (وقالوا ما في ~~بطون هذه الأنعام) يعنون البحائر والسوائب من الأجنة (خالصة لذكورنا) أي ~~حلال لهم (ومحرم على أزواجنا) أي على جنس الأزواج، وهن النساء فيدخل في ذلك ~~البنات والأخوات ونحوهن، وقيل هو اللبن جعلوه حلالا للذكور ومحرما على ~~الإناث، والهاء في خالصة للمبالغة في الخلوص كعلامة ونسابة، قاله الكسائي ~~والأخفش. وقال الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام. ورد بأن في بطون الأنعام ~~غير الأنعام، وتعقب هذا الرد بأن ما في بطون الأنعام أنعام، وهي الأجنة، ~~وما عبارة عنها، فيكون تأنيث خالصة باعتبار معنى ما، وتذكير محرم باعتبار ~~لفظها. وقرأ الأعمش " خالص " قال الكسائي: معنى خالص وخالصة واحد، إلا أن ~~الهاء للمبالغة كما تقدم عنه. وقرأ قتادة " خالصة " بالنصب على الحال من ~~الضمير في متعلق الظرف الذي هو صلة لما، وخبر المبتدأ محذوف كقولك: الذي في ~~الدار قائما زيد، هذا قول البصريين، وقال الفراء: إنه انتصب على القطع. ~~وقرأ ابن عباس " خالصة " بإضافة خالص إلى الضمير على أنه بدل من ما. وقرأ ~~سعيد بن جبير " خالصا " (وإن يكن ميتة). قرئ بالتحتية والفوقية: أي وإن يكن ~~الذي في بطون الأنعام (ميتة فهم فيه) أي في الذي في البطون (شركاء) يأكل ~~منه الذكور والإناث (سيجزيهم وصفهم) أي بوصفهم على أنه منتصب بنزع الخافض، ~~والمعنى: ms1200 سيجزيهم بوصفهم الكذب على الله، وقيل المعنى: سيجزيهم جزاء وصفهم. ~~ثم بين الله سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم فقال (قد خسر الذين قتلوا أولادهم ~~سفها) أي بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفها: أي لأجل السفه: وهو الطيش ~~والخفة لا لحجة عقلية ولا شرعية كائنا ذلك منهم (بغير علم) يهتدون به. # قوله (وحرموا ما رزقهم الله) من الأنعام التي سموها بحائر وسوائب (افتراء ~~على الله) أي للافتراء عليه أو افتروا افتراء عليه (قد ضلوا) عن طريق ~~الصواب بهذه الأفعال (وما كانوا مهتدين) إلى الحق، ولا هم من أهل الاستعداد ~~لذلك. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وقالوا هذه ~~أنعام وحرث حجر) قال: الحجر ما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد PageV02P167 # في قوله (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر) قال: ما جعلوا لله ولشركائهم. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة (وحرث حجر) قال: حرام. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: يقولون حرام أن يطعم الابن شيئا ~~(وأنعام حرمت ظهورها) قال: البحيرة والسائبة والحامي (وأنعام لا يذكرون اسم ~~الله عليها) إذا نحروها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وائل في قوله (وأنعام لا يذكرون اسم الله ~~عليها) قال: لم تكن يحج عليها وهي البحيرة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (وقالوا ~~ما في بطون هذه الأنعام) الآية قال: اللبن. وأخرج هؤلاء إلا ابن جرير عن ~~مجاهد في الآية قال: السائبة والبحيرة محرم على أزواجنا قال: النساء ~~(سيجزيهم وصفهم) قال: قولهم الكذب في ذلك. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ~~ابن عباس في الآية قال: كانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه، فكان للرجال دون ~~النساء وإن كانت أنثى تركوها فلم تذبح، وإن كانت ميتة كانوا ms1201 فيها شركاء. ~~وأخرج عبد بن حميد والبخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: إذا ~~سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام (قد ~~خسر الذين قتلوا أولادهم) إلى قوله (وما كانوا مهتدين) وأخرج ابن المنذر ~~وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال: نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر ~~وربيعة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ~~في الآية قال: هذا صنع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السبي ~~والفاقة ويغذو كلبه (وحرموا ما رزقهم الله) قال: جعلوه بحيرة وسائبة ووصيلة ~~وحاميا تحكما من الشيطان في أموالهم. # سورة الأنعام الآية (141 - 142) هذا فيه تذكير لهم ببديع قدرة الله وعظيم ~~صنعه (أنشأ) أي خلق، والجنات: البساتين (معروشات) مرفوعات على الأعمدة ~~(وغير معروشات) غير مرفوعات عليها، وقيل المعروشات، ما انبسط على وجه الأرض ~~مما يعرش مثل الكرم والزرع والبطيخ، وغير المعروشات: ما قام على ساق مثل ~~النخل وسائر الأشجار. وقيل المعروشات: ما أنبته الناس وعرشوه، وغير ~~المعروشات: ما نبت في البراري والجبال. قوله (والنخل والزرع) معطوف على ~~جنات، وخصهما بالذكر مع دخولهما في الجنات لما فيها من الفضيلة (مختلفا ~~أكله) أي حال كونه مختلفا أكله في الطعم والجودة والرداءة. قال الزجاج: ~~وهذه مسئلة مشكلة في النحو، يعني انتصاب مختلفا على الحال لأنه يقال قد ~~أنشأها ولم يختلف أكلها، فالجواب أن الله سبحانه أنشأنها مقدرا فيها ~~الاختلاف، وقد بين هذا سيبويه بقوله: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا: أي ~~مقدرا للصيد به غدا، كما تقول: لتدخلن الدار آكلين شاربين: أي مقدرين ذلك، ~~وهذه هي الحال المقدرة المشهورة عند النحاة المدونة في كتب النحو. وقال ~~(مختلفا أكله) ولم يقل أكلهما اكتفاء بإعادة الذكر على أحدهما كقوله - وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها - PageV02P168 # أو الضمير بمنزلة اسم الإشارة: أي أكل ذلك. قوله (والزيتون والرمان) ~~معطوف على جنات: أي وأنشأ الزيتون والرمان حال كونه متشابها وغير متشابه، ~~وقد تقدم الكلام ms1202 على تفسير هذا (كلوا من ثمره) أي من ثمر كل واحد منهما، أو ~~من ثمر ذلك (إذا أثمر) أي إذا حصل فيه الثمر وإن لم يدرك ويبلغ حد الحصاد. ~~قوله (وآتوا حقه يوم حصاده). # وقد اختلف أهل العلم هل هذه محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب، فذهب ~~ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن الآية محكمة، وأنه يجب على ~~المالك يوم الحصاد أن يعطى من حضر من المساكين القبضة والضغث ونحوهما. وذهب ~~ابن عباس ومحمد ابن الحنفية والحسن والنخعي وطاوس وأبو الشعثاء وقتادة ~~والضحاك وابن جريح أن هذه الآية منسوخة بالزكاة. واختاره ابن جرير، ويؤيده ~~أن هذه الآية مكية وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى ~~هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. وقالت طائفة من العلماء: إن ~~الآية محمولة على الندب لا على الوجوب. قوله (ولا تسرفوا) أي في التصدق، ~~وأصل الإسراف في اللغة: الخطأ، والإسراف في النفقة: التبذير، وقيل هو خطاب ~~للولاة يقول لهم لا تأخذوا فوق حقكم، وقيل المعنى: لا تأخذوا الشئ بغير حقه ~~وتضعونه في غير مستحقه. قوله (ومن الأنعام حمولة وفرشا) معطوف على جنات: أي ~~وأنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشا، والحمولة ما يحمل عليها، وهو يختص ~~بالإبل فهي فعولة بمعنى فاعلة، والفرش: # ما يتخذ من الوبر والصوف والشعر فراشا يفترشه الناس، وقيل: الحمولة ~~الإبل، والفرش: الغنم، وقيل الحمولة: # كل ما حمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش: الغنم، ~~وهذا لا يتم إلى على فرض صحة إطلاق اسم الأنعام على جميع هذه المذكورات، ~~وقيل الحمولة: ما تركب، والفرش: ما يؤكل لحمه (كلوا مما رزقكم) من هذه ~~الأشياء (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) كما فعل المشركون من تحريم ما لم يحرمه ~~الله وتحليل ما لم يحلله (إنه) أي الشيطان (لكم عدو مبين) مظهر للعداوة ~~ومكاشف بها. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وهو الذي أنشأ ~~جنات معروشات) قال: # المعروشات ما عرش الناس (وغير ms1203 معروشات) ما خرج في الجبال والبرية من ~~الثمار. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: معروشات بالعيدان والقصب وغير ~~معروشات قال: الضاحي. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (معروشات) قال: الكرم ~~خاصة. وأخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: ما ~~سقط من السنبل. وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر والنحاس ~~والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله ~~(وآتوا حقه يوم حصاده) قال: كانوا يعطون من اعتز بهم شيئا سوى الصدقة. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في الآية قال: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح ~~لهم من السنبل. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ~~ميمون بن مهران ويزيد الأصم قال: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون ~~بالعذق فيضعونه في المسجد فيجئ السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه، فهو قوله ~~(وآتوا حقه يوم حصاده). وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حماد بن أبي ~~سليمان في الآية قال: كانوا يطعمون منه رطبا. وأخرج أحمد وأبو داود في سننه ~~من حديث جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر من كل ~~حادي عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين. وإسناده جيد. # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال PageV02P169 # (وآتوا حقه يوم حصاده) نسخها العشر ونصف العشر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن السدي نحوه. وأخرج النحاس وأبو ~~الشيخ والبيهقي عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة نحوه. ~~وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك نحوه. ~~وأخرج سعيد بن منصور ms1204 وابن المنذر عن الشعبي قال: إن في المال حقا سوى ~~الزكاة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ~~العالية قال: ما كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة، ثم إنهم تباذروا وأسرفوا، ~~فأنزل الله (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جد نخلا فقال: لا ~~يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليس له تمرة، فأنزل الله ~~(ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لو ~~أنفقت مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله لم يكن إسرافا، ولو أنفقت صاعا من ~~معصية الله كان إسرافا، وللسلف في هذا مقالات طويلة. وأخرج الفريابي وأبو ~~عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود قال: الحمولة ما حمل عليه من الإبل، والفرش صغار الإبل ~~التي لا تحمل. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: # الحمولة الكبار من الإبل، والفرش الصغار من الإبل. وأخرج أبو الشيخ عنه ~~قال: الحمولة ما حمل عليه، والفرش ما أكل منه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: الحمولة الإبل والخيل والبغال والحمير وكل شئ ~~يحمل عليه، والفرش الغنم. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: الحمولة ~~الإبل والبقر، والفرش الضأن والمعز. # سورة الأنعام الآية (143 - 144) اختلف في انتصاب (ثمانية) على ماذا؟ فقال ~~الكسائي: بفعل مضمر، أي وأنشأ ثمانية أزواج - وقال الأخفش سعيد: هو منصوب ~~على البدل من حمولة وفرشا، وقال الأخفش علي بن سليمان: هو منصوب بكلوا، أي ~~كلوا لحم ثمانية أزواج، وقيل منصوب على أنه بدل من " ما " في " مما رزقكم ~~الله " والزوج خلاف الفرد، يقال زوج أو فرد، كما يقال شفع أو وتر، فقوله ~~(ثمانية أزواج) يعني ثمانية أفراد، وإنما سمى الفرد زوجا في هذه الآية لأن ~~كل واحد من الذكر والأنثى زوج بالنسبة إلى الآخر، ms1205 ويقع لفظ الزوج على ~~الواحد، فيقال هما زوج وهو زوج، ويقول اشتريت زوجي حمام: أي ذكرا وأنثى. ~~والحاصل أن الواحد إذا كان منفردا سواء كان ذكرا أو أنثى، قيل له فرد، وإن ~~كان الذكر مع أنثى من جنسه قيل لهما زوج، ولكل واحد على انفراده منهما زوج، ~~ويقال لهما أيضا زوجان، ومنه قوله تعالى - فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ~~-. قوله (ومن الضأن اثنين) بدل من ثمانية منتصب بناصبه على حسب الخلاف ~~السابق، والضأن ذوات الصوف من الغنم، وهو جمع ضائن، ويقال للأنثى ضائنة، ~~والجمع ضوائن، وقيل هو جمع لا واحد له، وقيل في جمعه ضئين كعبد وعبيد. وقرأ ~~طلحة PageV02P170 # ابن مصرف " الضأن " بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بسكونها. وقرأ أبان بن ~~عثمان (ومن الضأن اثنان ومن المعز اثنان) رفعا بالابتداء. قوله (ومن المعز ~~اثنين) معطوف على ما قبله مشارك له في حكمه. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وابن ~~كثير وأهل البصرة بفتح العين من المعز. وقرأ الباقون بسكونها. قال النحاس: ~~الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان، والمعز من الغنم خلاف الضأن. ~~وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم جنس، وواحد المعز ماعز، مثل صحب ~~وصاحب، وركب وراكب، وتجر وتاجر، والأنثى ماعزة. والمراد من هذه الآية: أن ~~الله سبحانه بين حال الأنعام وتفاصيلها إلى الأقسام المذكورة توضيحا ~~للامتنان بها على عباده، ودفعا لما كانت الجاهلية تزعمه من تحليل بعضها ~~وتحريم بعضها تقولا على الله سبحانه وافتراء عليه، والهمزة في (قل آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين) للإنكار. والمراد بالذكرين الكبش والتيس، وبالأنثيين ~~النعجة والعنز، وانتصاب الذكرين بحرم، والأنثيين معطوف عليه منصوب بناصبه. ~~والمعنى: الإنكار على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها، وقولهم (ما في ~~بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) أي قل لهم إن كان حرم ~~الذكور فكل ذكر حرام، وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام، وإن كان حرم ما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز فكل مولود حرام ذكرا كان ~~أو أنثى وكلها مولود، فيستلزم أن ms1206 كلها حرام. وقوله (نبئوني بعلم إن كنتم ~~صادقين) أي أخبروني بعلم لا بجهل إن كنتم صادقين. والمراد من هذا التبكيت ~~لهم وإلزام الحجة لأنه يعلم أنه لا علم عندهم، وهكذا الكلام في قوله (ومن ~~الإبل اثنين ومن البقر اثنين) إلى آخره. قوله (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله ~~بهذا) أم هي المنقطعة، والاستفهام للإنكار، وهي بمعنى بل والهمزة: أي بل ~~أكنتم شهداء حاضرين مشاهدين إذ وصاكم الله بهذا التحريم. والمراد التبكيت ~~وإلزام الحجة كما سلف قبله. قوله (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي لا ~~أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا فحرم شيئا لم يحرمه الله ونسب ذلك إليه ~~افتراء عليه كما فعله كبراء المشركين، واللام في (ليضل الناس بغير علم) ~~للعلة: أي لأجل يضل الناس بجهل وهو متعلق بافترى (إن الله لا يهدى القوم ~~الظالمين) على العموم، وهؤلاء المذكورون في السياق داخلون في ذلك دخولا ~~أوليا، وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن على الإبل والبقر مع كون ~~الإبل والبقر أكثر نفعا وأكبر أجساما وأعود فائدة، لا سيما في الحمولة ~~والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو الوجه الأوضح في إعراب ثمانية. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~سننه من طرق عن ابن عباس قال: # الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز. وليت شعري ما فائدة نقل ~~هذا الكلام عن ابن عباس من مثل هؤلاء الأئمة، فإنها تتعلق به فائدة، وكون ~~الأزواج الثمانية هي المذكورة هو هكذا في الآية مصرحا به تصريحا لا لبس ~~فيه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: الذكر والأنثى زوجان. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ثمانية ~~أزواج) قال: في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ليث بن أبي أسلم قال: الجاموس والبختي من الأزواج الثمانية. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن ms1207 عباس في قوله (ثمانية أزواج من ~~الضأن اثنين ومن المعز اثنين) قال: # فهذه أربعة (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين) يقول: لم أحرم شيئا من ذلك (أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين) PageV02P171 # يعني هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم يحرمون بعضا ويحلون بعضا؟ ~~(نبئوني بعلم إن كنتم صادقين) يقول كلها حلال: يعني ما تقدم ذكره مما حرمه ~~أهل الجاهلية. # سورة الأنعام الآية (144 - 145). # أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شئ مما أوحى إليه محرما غير ~~هذه المذكورات، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها مكية، وقد نزل ~~بعدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمر الأهلية ~~والكلاب ونحو ذلك. وبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من ~~الحيوانات كما يدل عليه السياق ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده ~~في الكتاب أو السنة مما يدل على تحريم شئ من الحيوانات - وإن كان هذا ~~العموم هو بالنسبة إلى كل شئ حرمه الله من حيوان وغيره فإنه يضم إليه كل ما ~~ورد بعده مما فيه تحريم شئ من الأشياء. وقد روى عن ابن عباس وابن عمر ~~وعائشة أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في هذه الآية، وروى ذلك عن مالك وهو ~~قول ساقط، ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها مما نزل بعدها من ~~القرآن، وإهمال ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قاله بعد نزول ~~هذه الآية بلا سبب يقتضى ذلك ولا موجب يوجبه. قوله (محرما) صفة لموصوف ~~محذوف: أي طعاما محرما (على) أي (طاعم يطعمه) من المطاعم، وفي (يطعمه) ~~زيادة تأكيد وتقرير لما قبله (إلا أن يكون ميتة) أي ذلك الشئ أو ذلك الطعام ~~أو العين أو الجثة أو النفس. وقرئ " يكون " بالتحتية والفوقية، وقرئ " ميتة ~~" بالرفع على أن يكون تامة. ms1208 والدم المسفوح: الجاري، وغير المسفوح معفو عنه ~~كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ ~~به اللحم من الدم. وقد حكى القرطبي الإجماع على هذا. قوله (أو لحم خنزير) ~~ظاهر تخصيص اللحم أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، والضمير في ~~(فإنه) راجع إلى اللحم أو إلى الخنزير. # والرجس: النجس، وقد تقدم تحقيقه. قوله (أو فسقا) عطف على لحم خنزير، و ~~(أهل به لغير الله) صفة فسق: أي ذبح على الأصنام، وسمى فسقا لتوغله في باب ~~الفسق - قيل ويجوز أن يكون (فسقا) مفعولا له لأهل: # أي أهل به لغير الله فسقا على عطف أهل على يكون، وهو تكلف لا حاجة إليه ~~(فمن اضطر غير باغ ولا عاد) قد تقدم تفسيره في سورة البقرة فلا نعيده (فإن ~~ربك غفور رحيم) أي كثير المغفرة والرحمة فلا يؤاخذ المضطر بما دعت إليه ~~ضرورته. # وقد أخرج عبد بن حميد عن طاوس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء ~~ويحلون أشياء، فنزلت (قل لا أجد) الآية. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان أهل ~~الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تعذرا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه ~~وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه ~~فهو عفو، ثم تلا هذه الآية (قل لا أجد) PageV02P172 # إلى آخرها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عنه أنه تلا هذه الآية فقال: ~~ما خلا هذا فهو حلال. وأخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر وأبو الشيخ عن ~~عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال قد كان يقول ذلك ~~الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ (قل لا أجد) الآية. وأقول: وإن ~~أبى ذلك ms1209 البحر فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتمسك بقول ~~صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سوء الاختيار وعدم ~~الإنصاف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ليس شئ من الدواب حرام إلا ~~ما حرم الله في كتابه (قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما) الآية. # وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر: ~~أنه سئل عن أكل القنفد، فقرأ (قل لا أجد فيها أوحى إلي محرما) الآية، فقال ~~شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال " خبيثة من الخبائث "، فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قاله فهو كما قال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن عائشة: أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من ~~الطير تلت (قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما) الآية. وأخرج أحمد والبخاري ~~والنساء وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: أن ~~شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت: # يا رسول الله ماتت فلانة: تعني الشاة، قال: فلولا أخذتم مسكها؟ قالت: يا ~~رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة) وأنتم لا ~~تطعمونه، وإنما تدبغونه حتى تستنفعوا به، فأرسلت إليها فسلختها ثم دبغته، ~~فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها. ومثل هذا حديث شاة ميمونة، وهو في ~~الصحيح. ومثله حديث " إنما حرم من الميتة أكلها " وهو أيضا في الصحيح. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (أو دما ~~مسفوحا) قال: مهراقا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كان أهل الجاهلية إذا ~~ذبحوا أو دجوا الدابة وأخذوا الدم فأكلوه، قال: هو دم مسفوح. وأخرج أبو ~~الشيخ عن الشعبي: أنه سئل ms1210 عن لحم الفيل والأسد فتلا (قل لا أجد فيما أوحى ~~إلي) الآية. والأحاديث الواردة بتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ~~والحمر الأهلية ونحوها مستوفاة في كتب الحديث: # سورة الأنعام الآية (146 - 147) قدم (على الذين هادوا) على الفعل للدلالة ~~على أن هذا التحريم مختص بهم لا يجاوزهم إلى غيرهم. والذين هادوا: اليهود، ~~ذكر الله ما حرمه عليهم عقب ذكر ما حرمه على المسلمين. والظفر: واحد ~~الأظفار، ويجمع أيضا على أظافير، وزاد الفراء في جموع ظفر أظافر وأظافرة ~~وذو الظفر ماله أصبع من دابة أو طائر، ويدخل PageV02P173 # فيه الحافر والخف والمخلب، فيتناول الإبل والبقر والغنم والنعام والإوز ~~والبط وكل ماله مخلب من الطير، وتسمية الحافر والخف ظفرا مجاز. والأولى حمل ~~الظفر على ما يصدق عليه اسم الظفر في لغة العرب، لأن هذا التعميم يأباه ما ~~سيأتي من قوله (ومن البقر والغنم) فإن كان في لغة العرب بحيث يقال على ~~البقر والغنم كان ذكرهما من بعد تخصيصا حرم الله ذلك عليهم عقوبة لهم على ~~ما وقعوا فيه من الظلم كما قال تعالى - فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم -. قوله (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) لا غير هذه ~~المذكورات كلحمهما، والشحوم يدخل فيها الثروب وشحم الكلية، وقيل الثروب جمع ~~ثرب، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش، ثم استثنى الله سبحانه من ~~الشحوم ما حملت ظهورهما من الشحم فإنه لم يحرمه الله عليهم، و (ما) في موضع ~~نصب على الاستثناء (أو الحوايا) معطوف على ظهورهما أي إلا ما حملت ظهورهما ~~أو حملت الحوايا، وهي المباعر التي يجتمع البعر فيها، فما حملته من الشحم ~~غير حرام عليهم، وواحدها حاوية، مثل ضاربة وضوارب، وقيل واحدها حاوياء، مثل ~~قاصعاء وقواصع، وقيل حوية: كسفينة وسفائن. وقال أبو عبيدة: الحوايا ما تحوي ~~من البطن: أي اسندار، وهي متحوية: أي مستديرة، وقيل الحوايا: خزائن اللبن، ~~وهي تتصل بالمباعر، وقيل الحوايا: الأمعاء التي عليها الشحوم. قوله (أو ما ~~اختلط بعظم معطوف على " ما " في ms1211 (ما حملت) كذا قال الكسائي والفراء وثعلب، ~~وقيل إن الحوايا وما اختلط بعظم معطوفة على الشحوم. والمعنى: حرمنا عليهم ~~شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم ~~ولا وجه لهذا التكلف ولا موجب له لأنه يكون المعنى إن الله حرم عليهم إحدى ~~هذه المذكورات. والمراد بما اختلط بعظم: ما لصق بالعظام من الشحوم في جميع ~~مواضع الحيوان، ومنه الإلية فإنها لاصقة بعجب الذنب، والإشارة بقوله (ذلك) ~~إلى التحريم المدلول عليه بحرمنا أي ذلك التحريم جزيناهم به بسبب بغيهم، ~~وقيل إن الإشارة إلى الجزاء المدلول عليه بقوله (جزيناهم) أي ذلك الجزاء ~~جزيناهم، وهو تحريم ما حرمه الله عليهم (وإنا لصادقون) في كل ما نخبر به، ~~ومن جملة ذلك هذا الخبر، وهو موجود عندهم في التوراة، ونصها " حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر وكل حوت ليس فيه ~~سفاسف " أي بياض انتهى. والضمير في (كذبوك) لليهود: أي فإن كذبك اليهود ~~فيما وصفت من تحريم الله عليهم تلك الأشياء (فقل ربكم ذو رحمة واسعة) ومن ~~رحمته حلمه عنكم وعدم معاجلته لكم بالعقوبة في الدنيا، وهو وإن أمهلكم ~~ورحمكم ف‍ (لا يرد بأسه عن القوم المجرمين) إذا أنزله بهم واستحقوا ~~المعاجلة بالعقوبة وقيل المراد: لا يرد بأسه في الآخرة عن القوم المجرمين. ~~والأول أولى، فإنه سبحانه قد عاجلهم بعقوبات منها تحريم الطيبات عليهم في ~~الدنيا: وقيل الضمير يعود إلى المشركين الذين قسموا الأنعام إلى تلك ~~الأقسام وحللوا بعضها وحرموا بعضها، وقيل المراد: أنه ذو رحمة للمطيعين ~~(ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين) ولا ملجئ لهذا، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (كل ذي ظفر) قال: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع، يعني ليس ~~بمشقوق الأصابع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~سننه عنه (كل ذي ظفر) قال: البعير والنعامة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: ~~هو كل شئ لم تنفرج قوائمه من البهائم، وما انفرج أكلته اليهود، ms1212 قال: انفرجت ~~قوائم الدجاج والعصافير فيهود تأكله، ولم ينفرج خف البعير ولا النعامة، ولا ~~قائمة الوزينة فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوزينة، ولا كل شئ لم ~~تنفرج قائمته كذلك، ولا تأكل حمار الوحش. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما) يعني ما علق بالظهر من الشحم (أو ~~الحوايا) هي المبعر، PageV02P174 # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله (إلا ما حملت ~~ظهورهما) قال: الألية (أو الحوايا) قال: # المبعر (أو ما اختلط بعظم) قال: الشحم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن المنذر عن مجاهد في قوله (أو الحوايا) قال: المباعر. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن أبي حاتم عن الضحاك (أو الحوايا) قال: المرائض والمباعر. وأخرج ~~ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس (أو ما اختلط بعظم) قال: الألية اختلط ~~شحم الألية بالعصعص فهو حلال وكل شحم القوائم والجنب والرأس والعين والأذن ~~يقولون قد اختلط ذلك بعظم فهو حلال لهم، إنما حرم عليهم الثرب وشحم الكلية ~~وكل شئ كان كذلك ليس في عظم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (فإن كذبوك) قال: اليهود. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدي قال: # كانت اليهود يقولون: إن ما حرمه إسرائيل فنحن نحرمه، فذلك قوله (فإن ~~كذبوك) الآية. # سورة الأنعام الآية (148 - 150) أخبر الله عن المشركين أنهم سيقولون هذه ~~المقالة، وهم كفار قريش أو جميع المشركين، يريدون أنه لو شاء الله عدم ~~شركهم ما أشركوا هم ولا آباؤهم ولا حرموا شيئا من الأنعام كالبحيرة ونحوها، ~~وظنوا أن هذا القول يخلصهم عن الحجة التي ألزمهم بها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأن ما فعلوه حق، ولو لم يكن حقا لأرسل الله إلى آبائهم ~~الذي ماتوا على الشرك، وعلى تحريم ما لم يحرمه الله رسلا يأمرونهم بترك ~~الشرك ms1213 وبترك التحريم لما لم يحرمه الله. والتحليل لما لم يحلله (كذلك كذب ~~الذين من قبلهم) أي مثل ما كذب هؤلاء كذب من قبلهم من المشركين أنبياء الله ~~(حتى ذاقوا بأسنا) أي استمروا على التكذيب حتى ذاقوا بأسنا الذي أنزلناه ~~بهم، ثم أمره الله أن يقول لهم (هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) أي هل عندكم ~~دليل صحيح بعد من العلم النافع فتخرجوه إلينا لننظر فيه ونتدبره، والمقصود ~~من هذا التبكيت لهم، لأنه قد علم أنه لا علم عندهم يصلح للحجة ويقوم به ~~البرهان ثم أوضح لهم أنهم ليسوا على شئ من العلم، وأنهم إنما يتبعون ~~الظنون: أي ما يتبعون إلا الظن الذي هو محل الخطأ ومكان الجهل (وإن أنتم ~~إلا تخرصون) أي تتوهمون مجرد توهم فقط كما يتوهم الخارص، وقد سبق تحقيقه ثم ~~أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أن لله الحجة البالغة على الناس: أي التي ~~تنقطع عندها معاذيرهم وتبطل شبههم وظنونهم وتوهماتهم. والمراد بها الكتب ~~المنزلة، والرسل المرسلة، وما جاءوا به من المعجزات (فلو شاء) هدايتكم ~~جميعا (لهداكم أجمعين) ولكنه لم يشأ ذلك، ومثله قوله تعالى - ولو شاء الله ~~ما أشركوا - وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - ومثله كثير. ثم أمره ~~الله أن يقول لهؤلاء المشركين (هلم شهداكم) أي هاتوهم وأحضروهم، وهو اسم ~~فعل PageV02P175 # يستوى فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والمجموع عند أهل الحجاز، ~~وأهل نجد يقولون: هلما هلمي هلموا، فينطقون به كما ينطقون بسائر الأفعال، ~~وبلغة أهل الحجاز نزل القرآن، ومنه قوله تعالى - والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا - والأصل عند الخليل ها ضمت إليها لم، وقال غيره: أصلها هل زيدت ~~عليها الميم، وفي كتاب العين للخليل: أن أصلها هل أؤم: أي هل أقصدك، ثم كثر ~~استعمالهم لها، وهذا أيضا من باب التبكيت لهم حيث يأمرهم بإحضار الشهود على ~~أن الله حرم تلك الأشياء مع علمه أن لا شهود لهم (فإن شهدوا) لهم بغير علم ~~بل مجازفة وتعصب (فلا تشهد معهم) أي فلا تصدقهم ولا تسلم لهم فإنهم كاذبون ms1214 ~~جاهلون، وشهادتهم باطلة (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا) أي وتتبع ~~أهواءهم، فإنهم رأس المكذبين بآياتنا. قوله (والذين لا يؤمنون بالآخرة) ~~معطوف على الموصول: أي لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا، وأهواء الذين لا ~~يؤمنون بالآخر (وهم بربهم يعدلون) أي يجعلون له عدلا من مخلوقاته كالأوثان، ~~والجملة إما في محل نصب على الحال، أو معطوفة على لا يؤمنون. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله (سيقول الذين أشركوا) ~~قال: هذا قول قريش إن الله حرم هذا: أي البحيرة والسائبة، والوصيلة والحام. ~~وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة (قل لله الحجة البالغة) قال: السلطان. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قيل له إن ناسا يقولون ليس ~~الشر بقدر، فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية (سيقول الذين ~~أشركوا) إلى قوله (فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) قال ابن ~~عباس: والعجز والكيس من القدر. وأخرج أبو الشيخ عن علي بن زيد قال: انقطعت ~~حجة القدرية عند هذه الآية (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (قل هلم شهداءكم) قال: ~~أروني شهداءكم. # سورة الأنعام الآية (151 - 153) قوله (قل تعالوا) أي تقدموا. قال ابن ~~الشجري: إن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا، فقيل له ~~تعال: أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي. ~~وهكذا قال الزمخشري في الكشاف: إنه من الخاص الذي صار عاما، وأصله أن يقوله ~~من كان في مكان عال لمن هو PageV02P176 # أسفل منه، ثم كثروا نسع فيه حتى عم. قوله (أتل ما حرم ربكم) أتل جواب ~~الأمر، وما موصولة في محل نصب به: أي أتل الذي حرمه ربكم عليكم. والمراد من ~~تلاوة ما حرم الله تلاوة الآيات المشتملة ms1215 عليه، ويجوز أن تكون ما مصدرية: ~~أي أتل تحريم ربكم. والمعنى: ما اشتمل على التحريم، قيل ويجوز أن تكون ما ~~استفهامية أي أتل أي شئ حرم ربكم على جعل التلاوة بمعنى القول، وهو ضعيف ~~جدا، وعليكم أن تعلق بأتل، فالمعنى: # أتل عليكم الذي حرم ربكم، وإن تعلق بحرم فالمعنى أتل الذي حرم ربكم ~~عليكم، وهذا أولى، لأن المقام مقام بيان ما هو محرم عليكم لا مقام بيان ما ~~هو محرم مطلقا، وقيل إن عليكم للإغراء ولا تعلق لها بما قبلها. والمعنى ~~عليكم أن لا تشركوا إلى آخره: أي الزموا ذلك كقوله تعالى - عليكم أنفسكم - ~~وهو أضعف مما قبله، وأن في (أن لا تشركوا) مفسرة لفعل التلاوة، وقال ~~النحاس: يجوز أن تكون في موضع نصب بدلا من ما: أي أتل عليكم تحريم الإشراك، ~~وقيل يجوز أن يكون في محل رفع بتقدير مبتدأ: أي المتلو أن لا تشركوا، وشيئا ~~مفعول أو مصدر أي لا تشركوا به شيئا من الأشياء، أو شيئا من الإشراك. قوله ~~(وبالوالدين إحسانا) أي أحسنوا بهما إحسانا، والإحسان إليهما البر بهما، ~~وامتثال أمرهما ونهيهما. وقد تقدم الكلام على هذا. قوله (ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق) لما ذكر حق الوالدين على الأولاد، ذكر حق الأولاد على ~~الوالدين، وهو أن لا يقتلوهم من أجل إملاق. # والإملاق الفقر، فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكر والإناث خشية الإملاق ~~وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، وحكى النقاش عن مؤرج أن الإملاق الجوع ~~بلغة لخم، وذكر منذر بن سعيد البلوطي أن الإملاق الإنفاق. يقال أملق ماله: ~~بمعنى أنفقه. والمعنى الأول هو الذي أطبق عليه أئمة اللغة، وأئمة التفسير ~~ها هنا (ولا تقربوا الفواحش) أي المعاصي، ومنه - ولا تقربوا الزنا إنه كان ~~فاحشة - وما في (ما ظهر) بدل من الفواحش، وكذا ما بطن. والمراد بما ظهر ما ~~أعلن به منها، وما بطن: ما أسر. وقد تقدم (ولا تقتلوا النفس) اللام في ~~النفس للجنس، و (التي حرم الله) صفة للنفس: أي لا تقتلوا شيئا من الأنفس ~~التي حرمها ms1216 الله (إلا بالحق) أي إلا بما يوجبه الحق، والاستثناء مفرغ: أي ~~لا تقتلوه في حال من الأحوال إلا في حال الحق، أو لا تقتلوها بسبب من ~~الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصا وقتلها بسبب زنا المحصن، ~~وقتلها بسبب الردة، ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، والإشارة ~~بقوله (ذلكم) إلى ما تقدم مما تلاه عليهم، وهو مبتدأ (ووصاكم به) خبره: أي ~~أمركم به، وأوجبه عليكم (ولا تقربوا مال اليتيم) أي لا تتعرضوا له بوجه من ~~الوجوه (إلا ب‍) الخصلة (التي هي أحسن) من غيرها، وهي ما فيه صلاحه وحفظه ~~وتنميته، فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله، ~~وقيل المراد بالتي هي أحسن التجارة (حتى يبلغ أشده) أي إلى غاية هي أن يبلغ ~~اليتيم أشده، فإن بلغ ذلك فادفعوا إليه ماله، كما قال تعالى - فإن آنستم ~~منه رشدا - فادفعوا إليهم أموالهم. # واختلف أهل العلم في الأشد، فقال أهل المدينة: بلوغه وإيناس رشده. وقال ~~أبو حنيفة: خمس وعشرون سنة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو البلوغ. ~~وقيل إنه انتهاء الكهولة، ومنه قول سحيم الرباحي: # أخو الخمسين مجتمع أشدى * وبحديثي مداورة الشؤون والأولى في تحقيق بلوغ ~~الأشد أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته ~~بما له سالكا مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه والتبذير، ويدل على هذا قوله ~~تعالى في سورة النساء - وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم - فجعل بلوغ النكاح، وهو بلوغ سن التكليف ~~مقيدا بإيناس الرشد، ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا، والأشد واحد لا جمع ~~له، وقيل واحدة شد كفلس وأفلس PageV02P177 # أصله من شد النهار: أي ارتفع. وقال سيبويه: واحده شدة. قال الجوهري: وهو ~~حسن في المعنى، لأنه يقال بلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل. ~~قوله (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط) أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند ~~البيع والشراء (لا نكلف نفسا إلا وسعها) ms1217 أي إلا طاقتها في كل تكليف من ~~التكاليف، ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن، فلا يخاطب المتولي لهما بما ~~لا يمكن الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان (وإذا قلتم فاعدلوا) أي إذا قلتم ~~بقول في خبر أو شهادة أو جرح أو تعديل فاعدلوا فيه وتحروا الصواب، ولا ~~تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد، ولا تميلوا إلى صديق ولا على عدو، بل ~~سووا بين الناس فإن ذلك من العدل الذي أمر الله به، والضمير في (ولو كان) ~~راجع إلى ما يفيده " وإذا قلتم " فإنه لابد للقول من مقول فيه، أو مقول له: ~~أي ولو كان المقول فيه، أو القول له (ذا قربى) أي صاحب قرابة لكم. وقيل إن ~~المعنى: ولو كان الحق على مثل قراباتكم والأول أولى، ومثل هذه الآية قوله - ~~ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين -. قوله (وبعهد الله أوفوا) أي أوفوا ~~بكل عهد عهده الله إليكم، ومن جملة ما عهده إليكم ما تلاه عليكم رسوله ~~بأمره في هذا المقام، ويجوز أن يراد به كل عهد ولو كان بين المخلوقين، لأن ~~الله سبحانه لما أمر بالوفاء به في كثير من الآيات القرآنية كان ذلك مسوغا ~~لإضافته إليه، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى ما تقدم ذكره (وصاكم به) أمركم به ~~أمرا مؤكدا (لعلكم تذكرون فتتعظون بذلك. قوله (وأن هذا صراطي مستقيما) أي ~~في موضع نصب: أي واتل أن هذا صراطي قاله الفراء والكسائي. قال الفراء: ~~ويجوز أن يكون خفضا: أي وصاكم به، وبأن هذا. وقال الخليل وسيبويه: إن ~~التقدير ولأن هذا صراطي مستقيما كما في قوله سبحانه - وأن المساجد لله -. ~~وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي (وإن هذا) بكسر الهمزة على الاستئناف، ~~والتقدير: الذي ذكر في هذه الآيات صراطي. وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب (وإن ~~هذا صراطي) بالتخفيف على تقدير ضمير الشأن. وقرأ الأعمش (وهذا صراطي) وفي ~~مصحف عبد الله بن مسعود (وهذا صراط ربكم) وفي مصحف أبي (وهذا صراط ربك) ~~والصراط: الطريق، وهو طريق دين الإسلام، ونصب مستقيما على الحال، والمستقيم ~~المستوى الذي لا ms1218 اعوجاج فيه، ثم أمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع سائر السبل: ~~أي الأديان المتباينة طرقها (فتفرق بكم) أي تميل بكم (عن سبيله) أي عن سبيل ~~الله المستقيم الذي هو دين الإسلام. قال ابن عطية: وهذه السبل تعم اليهودية ~~والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء ~~والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه ~~كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد، والإشارة ب‍ (ذلكم) إلى ما تقدم وهو ~~مبتدأ وخبره (وصاكم به) أي أكد عليكم الوصية به (لعلكم تتقون) ما نهاكم ~~عنه. # وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا (قل تعالوا) إلى ثلاث ~~آيات، ثم قال: فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله ~~في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه ~~وإن شاء عفا عنه ". وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب ~~الأحبار قال: أول ما أنزل في التوراة عشر آيات، وهي العشر التي أنزلت من ~~آخر الأنعام (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) إلى آخرها. وأخرج أبو الشيخ ~~عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي ابن الخيار قال: سمع كعب رجلا يقرأ (قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا) فقال كعب: والذي نفس كعب ~~بيده إنها لأول آية في التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم (قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم) إلى آخر الآيات PageV02P178 # انتهى. قلت: هي الوصايا العشر التي في التوراة، وأولها أنا الرب إلهك ~~الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك إله آخر غيري. ومنها: ~~أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تقتل، لا ~~تزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة ms1219 زور، لا تشته بنت قريبك، ولا تشته ~~امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك ~~فلعل مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة وقد كتبها ~~أهل الزبور في آخر زبورهم، وأهل الإنجيل في أول إنجيلهم. وهي مكتوبة في ~~لوحين، وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ~~قتادة (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) قال: من خشية الفاقة، قال: وكان أهل ~~الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبي (ولا تقربوا الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن) قال: سرها وعلانيتها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) قال: ~~خشية الفقر (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) قال: كانوا في ~~الجاهلية لا يرون بالزنا بأسا في السر ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله ~~الزنا في السر والعلانية. وأخرج عبد ابن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ~~(وأن هذا صراطي مستقيما) قال: اعلموا أن السبيل سبيل واحد جماعه الهدى ~~ومصيره الجنة، وأن إبليس اشترع سبلا متفرقة جماعه الضلالة ومصيرها النار. ~~وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود قال " خط رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن ~~يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان ~~يدعو إليه، ثم قرأ (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله). وأخرج أحمد وابن ماجة وابن مردويه من حديث جابر نحوه. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود أن رجلا سأله: ما الصراط ~~المستقيم؟ قال: تركنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في أدناه وطرفه الجنة، ~~وعن يمينه جواد وعن شماله جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك ms1220 ~~الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى ~~الجنة، ثم قرأ ابن مسعود (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) الآية. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ولا تتبعوا السبل) قال: الضلالات. # سورة الأنعام الآية (154 - 157) هذا الكلام مسوق لتقرير التوصية التي وصى ~~الله عباده بها، وقد استشكل العطف بثم مع كون قصة موسى وإيتائه الكتاب قبل ~~المعطوف عليه. وهو ما تقدم من قوله (ذلكم وصاكم به) فقيل: إن ثم ها هنا ~~بمعنى الواو، وقيل تقدير الكلام: ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا ~~القرآن على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل PageV02P179 # المعنى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ثم أتل إيتاء موسى الكتاب، ~~وقيل إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبي يوصي بها أمته، وقيل إن ~~ثم للتراخي في الإخبار كما تقول: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت بالأمس ~~أعجب. قوله (تماما) مفعول لأجله أو مصدر، و (على الذي أحسن) قرئ بالرفع وهي ~~قراءة يحيى ابن يعمر وابن أبي إسحاق، فيكون رفع أحسن على تقدير مبتدأ: أي ~~على الذي هو أحسن، ومنه ما حكى سيبويه عن الخليل أنه سمع: ما أنا بالذي ~~قائل لك شيئا. وقرأ الباقون بالنصب على أنه فعل ماض عند البصريين، وأجاز ~~الفراء والكسائي أن يكون اسما نعتا للذي، وهذا محال عند البصريين لأنه نعت ~~للاسم قبل أن يتم، والمعنى عندهم تماما على من أحسن قبوله والقيام به كائنا ~~من كان، ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ (تماما على الذين أحسنوا) وقال الحسن: ~~كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب تماما على المحسنين، وقيل ~~المعنى: أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله ~~قبل نزول التوراة عليه، وقيل المعنى: تماما على الذي أحسن به الله عز وجل ~~إلى موسى من الرسالة وغيرها، وقيل: تماما على إحسان موسى بطاعة الله عز وجل ~~قاله الفراء. قوله (وتفصيلا لكل شئ) معطوف على ms1221 تماما: أي ولأجل تفصيل كل شئ ~~وكذا (هدى ورحمة) معطوفتان عليه: أي وللهدى والرحمة، والضمير في لعلهم راجع ~~إلى بني إسرائيل المدلول عليه بذكر موسى، والباء في (بلقاء) متعلقة ~~بيؤمنون. # قوله (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) الإشارة إلى القرآن، واسم الإشارة مبتدأ ~~وخبره كتاب، وأنزلناه صفة لكتاب ومبارك صفة أخرى له، وتقديم صفة الإنزال ~~لكون الإنكار متعلقا بها، والمبارك كثير البركة لما هو مشتمل عليه من ~~المنافع الدنيوية والدينية (فاتبعوه) فإنه لما كان من عند الله وكان مشتملا ~~على البركة، كان اتباعه متحتما عليكم (واتقوا) مخالفته والتكذيب بما فيه ~~(لعلكم) إن قبلتموه ولم تخالفوه (ترحمون) برحمة الله سبحانه، وأن في (أن ~~تقولوا) في موضع نصب. قال الكوفيون: لئلا تقولوا. وقال البصريون: كراهة أن ~~تقولوا. وقال الفراء والكسائي: المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة (إنما ~~أنزل الكتاب): أي التوراة والإنجيل (على طائفتين من قبلنا) وهم اليهود ~~والنصارى ولم ينزل علينا كتاب (وإن كنا عن دراستهم) أي عن تلاوة كتبهم ~~بلغاتهم (لغافلين) أي لا ندري ما فيها، ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع ~~الاعتذار عن اتباع ما فيهما بعدم الدراية منهم والغفلة عن معناهما. قوله ~~(أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب) معطوف على (تقولوا) أي أو أن تقولوا ~~لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على الطائفتين من قبلنا (لكنا أهدى ~~منهم) إلى الحق الذي طلبه الله، فإن هذه المقالة والمعذرة منهم مندفعة ~~بإرسال محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليهم وإنزال القرآن عليه، ولهذا قال ~~(فقد جاءكم بينة من ربكم) أي كتاب أنزله الله على نبيكم، وهو منكم يا معشر ~~العرب، فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة وتعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة، فقد ~~أسفر الصبح لذي عينين (وهدى ورحمة) معطوف على (بينة) أي جاءكم البينة ~~الواضحة والهدى الذي يهتدى به كل من له رغبة في الاهتداء، ورحمة من الله ~~يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها. ولكنكم ظلمتم أنفسكم بالتكذيب بآيات ~~الله والصدوف عنها: أي الانصراف عنها، وصرف من أراد الإقبال إليها (فمن ~~أظلم ms1222 ممن كذب بآيات الله) التي هي رحمة وهدى للناس (وصدف عنها) فضل ~~بانصرافه عنها، وأضل بصرف غيره عن الإقبال إليها (سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب) أي العذاب السيئ ب‍ (سبب (ما كانوا يصدفون) وقيل معنى ~~صدف: أعرض، ويصدفون يعرضون، وهو مقارب لمعنى الصرف، وقد تقدم تحقيق معنى ~~هذا اللفظ، والاستفهام في فمن أظلم للإنكار: أي إنكار أن يكون أحد أظلم ممن ~~كذب بآيات الله وصدف عنها مع ما يفيده ذلك من التبكيت لهم. PageV02P180 # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ~~(تماما على الذي أحسن) قال: # على المؤمنين المحسنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر (تماما على الذي ~~أحسن) قال: تماما لما كان قد أحسن الله. وأخرج أيضا عن ابن زيد قال تماما ~~لنعمته عليهم وإحسانه إليهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (وهذا كتاب) قال: هو القرآن الذي أنزل الله ~~على محمد (فاتبعوه واتقوا) يقول: فاتبعوا ما أحل الله فيه واتقوا ما حرم. ~~وأخرج هؤلاء عن مجاهد في قوله (على طائفتين من قبلنا) قال: # اليهود والنصارى، خاف أن تقوله قريش. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال: هم اليهود والنصارى (وإن كنا عن دراستهم) قال: تلاوتهم. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (لكنا أهدى ~~منهم) قال: هذا قول كفار العرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (فقد ~~جاءكم بينة من ربكم) يقول: قد جاءتكم بينة لسان عربي مبين حين لم يعرفوا ~~دراسة الطائفتين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (صدف ~~عنها) قال: أعرض عنها. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله (يصدفون) قال: ~~يعرضون. # سورة الأنعام الآية (158) أي لما أقمنا عليهم الحجة وأنزلنا الكتاب على ~~رسولنا المرسل إليهم، فلم ينفعهم ذلك ولم يرجعوا به عن غوايتهم فما بقى بعد ~~هذا إلا أنهم (ينظرون) ms1223 أي ينتظرون (أن تأتيهم الملائكة) أي ملائكة الموت ~~لقبض أرواحهم، وعند ذلك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل (أو يأتي ~~ربك) يا محمد كما اقترحوه بقولهم - لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا - ~~وقيل معناه أو يأتي أمر ربك بإهلاكهم، وقيل المعنى: أو يأتي كل آيات ربك ~~بدليل قوله (أو يأتي بعض آيات ربك) وقيل هو من المتشابه الذي لا يعلم ~~تأويله إلا الله، وقد جاء في القرآن حذف المضاف كثيرا كقوله - واسأل القرية ~~- وقوله - وأشربوا في قلوبهم العجل - أي حب العجل، وقيل إتيان الله مجيئه ~~يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه كقوله - وجاء ربك والملك صفا صفا -. قوله ~~(يوم يأتي بعض آيات ربك). قرأ ابن عمر وابن الزبير (يوم تأتي) بالفوقية، ~~وقرأ الباقون بالتحتية. قال المبرد: التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على ~~الأصل ومنه قول جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع وقرأ ابن سيرين ~~لا تنفع بالفوقية. قال أبو حاتم: إن هذا غلط عن ابن سيرين. وقد قال الناس ~~في هذا شئ دقيق من النحو ذكره نفطويه، وذلك أن الإيمان والنفس كل واحد ~~منهما مشتمل على الآخر، فأنث الإيمان إذ هو من النفس. قال النحاس وفيه وجه ~~آخر وهو أن يؤنث الإيمان، لأنه مصدر كما يذكر المصدر المؤنث مثل - فمن جاءه ~~موعظة من ربه -. ومعنى (يوم يأتي بعض آيات ربك) يوم يأتي الآيات التي ~~اقترحوها، وهي التي تضطرهم إلى الإيمان (لا ينفع نفسا إيمانها) أو ما هو ~~أعم من ذلك فيدخل فيه ما ينتظرونه، وقيل هي الآيات التي هي علامات القيامة ~~المذكورة في الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي ~~التي إذا جاءت PageV02P181 # لا ينفع نفسا إيمانها. قوله (لم تكن آمنت من قبل) أي من قبل إتيان بعض ~~الآيات، فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجئ بعض الآيات فإيمانها ينفعها، ~~وجملة (لم تكن آمنت من قبل) في محل نصب على أنها صفة نفسا قوله (أو كسبت في ms1224 ~~إيمانها خيرا) معطوف على (آمنت) والمعنى: أنه لا ينفع نفسا إيمانها عند ~~حضور الآيات متصفة بأنها لم تكن آمنت من قبل، أو آمنت من قبل ولكن لم تكسب ~~في إيمانها خيرا، فحصل من هذا أنه لا ينفع إلا الجمع بين الإيمان من قبل ~~مجئ بعض الآيات مع كسب الخير في الإيمان، فمن آمن من قبل فقط ولم يكسب خيرا ~~في إيمانه أو كسب خيرا ولم يؤمن فإن ذلك غير نافعه، وهذا التركيب هو كقولك: ~~لا أعطي رجلا اليوم أتاني لم يأتني بالأمس أو لم يمدحني في إتيانه إلي ~~بالأمس، فإن المستفاد من هذا أنه لا يستحق العطاء إلا رجل أتاه بالأمس ~~ومدحه في إتيانه إليه بالأمس، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم انتظروا ما ~~تريدون إتيانه إنا منتظرون له، وهذا تهديد شديد ووعيد عظيم، وهو يقوى ما ~~قيل في تفسير (يوم يأتي بعض آيات ربك) أنها الآيات التي اقترحوها من إتيان ~~الملائكة وإتيان العذاب لهم من قبل الله كما تقدم بيانه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود (هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة) قال: عند الموت (أو يأتي ربك) قال: يوم القيامة. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في تفسير الآية ~~مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل (أو يأتي ربك) قال يوم القيامة في ظلل ~~من الغمام. وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله (يوم يأتي بعض آيات ربك) قال: طلوع الشمس من مغربها. قال ~~الترمذي غريب. ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي سعيد موقوفا. وأخرجه ~~الطبراني وابن عدي وابن مردويه من حديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه سعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حماد والطبراني عن ابن مسعود ~~موقوفا. فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من ms1225 وجه صحيح لا قادح فيه فهو واجب ~~التقديم له متحتم الأخذ به، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقوم الساعة حتى ~~تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ~~ينفع نفسا إيمانها، ثم قرأ الآية ". وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وغيرهم عن أبي ذر مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن عباس مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في ~~قوله (أو كسبت في إيمانها خيرا) يقول: كسبت في تصديقها عملا صالحا هؤلاء ~~أهل القبلة وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيرا فعملت بعد أن رأت الآية لم ~~يقبل منها، وإن عملت قبل الآية خيرا، ثم عملت بعد الآية خيرا قبل منها ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله (أو كسبت في إيمانها خيرا) ~~قال: يعني المسلم الذي لم يعمل في إيمانه خيرا وكان قبل الآية مقيما على ~~الكبائر. والآيات التي هي علامات القيامة قد وردت الأحاديث المتكاثرة في ~~بيانها وتعدادها، وهي مذكورة في كتب السنة. # سورة الأنعام الآية (159 - 160) PageV02P182 # قرأ حمزة والكسائي " فارقوا دينهم " وهي قراءة علي بن أبي طالب: أي تركوا ~~دينهم وخرجوا عنه. وقرأ الباقون فرقوا بالتشديد إلا النخعي فإنه قرأ ~~بالتخفيف. والمعنى: أنهم جعلوا دينهم متفرقا فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه قيل ~~المراد بهم اليهود والنصارى. وقد ورد في معنى هذا، في اليهود قوله تعالى - ~~وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة -، وقيل المراد ~~بهم المشركون عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة، وقيل الآية عامة في جميع ~~الكفار وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، وهذا هو الصواب لأن اللفظ ~~يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب وطوائف المشركين وغيرهم ممن ابتدع ~~من أهل الإسلام، ومعنى شيعا فرقا وأحزابا، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في ~~الدين واحدا مجتمعا، ثم اتبع كل ms1226 جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف ~~الصواب ويباين الحق (لست منهم في شئ) أي لست من تفرقهم، أو من السؤال عن ~~سبب تفرقهم والبحث عن موجب تحزبهم في شئ من الأشياء فلا يلزمك من ذلك شئ ~~ولا تخاطب به إنما عليك البلاغ، وهو مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم " من ~~غشنا فليس منا " أي نحن برآء منه، وموضع (في شئ) نصب على الحال. قال ~~الفراء: هو على حذف مضاف: أي لست من عقابهم في شئ، وإنما عليك الإنذار، ثم ~~سلاه الله تعالى بقوله (إنما أمرهم إلى الله) فهو مجاز لهم بما تقتضيه ~~مشيئته والحصر، بإنما هو في حكم التعليل لما قبله والتأكيد له (ثم) هو يوم ~~القيامة (ينبئهم) أي يخبرهم بما ينزله بهم من المجازاة (بما كانوا يعملون‍) ~~ه من الأعمال التي تخالف ما شرعه الله لهم وأوجبه عليهم، وهذه الآية من ~~جملة ما هو منسوخ بآية السيف. قوله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) لما ~~توعد سبحانه المخالفين له بما توعد بين عقب ذلك مقدار جزاء العاملين بما ~~أمرهم به الممتثلين لما شرعه لهم بأن من جاء بحسنة واحدة من الحسنات فله من ~~الجزاء عشر حسنات، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، فأقيمت الصفة مقام ~~الموصوف. قال أبو علي الفارسي: حسن التأنيث في عشر أمثالها لما كان الأمثال ~~مضافا إلى مؤنث، نحو ذهبت بعض أصابعه. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش ~~(فله عشر أمثالها) برفعهما. # وقد ثبت هذا التضعيف في السنة بأحاديث كثيرة، وهذا التضعيف هو أقل ما ~~يستحقه عامل الحسنة. وقد وردت الزيادة على هذا عموما وخصوصا، ففي القرآن ~~كقوله - كمثل حبة أنبتت سبع سنابل -. وورد في بعض الحسنات أن فاعلها يجازى ~~عليها بغير حساب، وورد في السنة المطهرة تضعيف الجزاء إلى ألوف مؤلفة. وقد ~~قدمنا تحقيق هذا في موضعين من هذا التفسير فليرجع إليهما (ومن جاء بالسيئة) ~~من الأعمال السيئة (فلا يجزى إلا مثلها) من دون زيادة عليها على قدرها في ~~الخفة والعظم، فالمشرك يجازى على ms1227 سيئة الشرك بخلوده في النار، وفاعل ~~المعصية من المسلمين يجازى عليها بمثلها مما ورد تقديره من العقوبات كما ~~ورد بذلك كثير من الأحاديث المصرحة بأن من عمل كذا فعليه كذا، وما لم يرد ~~لعقوبته تقدير من الذنوب فعلينا أن نقول يجازيه الله بمثله وإن لم نقف على ~~حقيقة ما يجازى به، وهذا إن لم يتب، أما إذا تاب أو غلبت حسناته سيئاته أو ~~تغمده الله برحمته وتفضل عليه بمغفرته فلا مجازاة، وأدلة الكتاب والسنة ~~مصرحة بهذا تصريحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب، (وهم) أي من جاء بالحسنة ومن ~~جاء بالسيئة (لا يظلمون) بنقص ثواب حسنات المحسنين ولا بزيادة عقوبات ~~المسيئين. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اختلفت اليهود والنصارى قبل أن ~~يبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد أنزل عليه (إن ~~الذين فرقوا دينهم) الآية. وأخرج النحاس عنه في ناسخه (إن الذين فرقوا ~~دينهم) قال: اليهود والنصارى تركوا الإسلام والدين الذي أمروا به (وكانوا ~~شيعا) فرقا أحزابا مختلفة (لست منهم في شئ) نزلت بمكة ثم نسخها - قاتلوا ~~المشركين -. وأخرج أبو الشيخ عنه (وكانوا شيعا) PageV02P183 # قال: مللا شتى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله ~~(إن الذين فرقوا دينهم) الآية قال: هم في هذه الأمة. وأخرج الحكيم الترمذي ~~وابن جرير والطبراني والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في الآية قال: # هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة، وفي إسناده عبد بن كثير، وهو متروك ~~الحديث ولم يرفعه غيره، ومن عداه وقفوه على أبي هريرة. وأخرج عبد بن حميد ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة في الآية قال: هم الحرورية وقد رواه ~~ابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعا ولا يصح ~~رفعه. وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن شاهين ~~وابن ms1228 مردويه وأبو نعيم في الحلية وأبو نصر السجزي في الإبانة والبيهقي في ~~شعب الإيمان عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة " يا ~~عائش إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ~~وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة ~~غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وهم مني برآء " قال ابن كثير: ~~هو غريب ولا يصح رفعه. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ~~(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) قال رجل من المسلمين: يا رسول الله لا ~~إله إلا الله حسنة؟ قال: نعم أفضل الحسنات، وهذا مرسل ولا ندري كيف إسناده ~~إلى سعيد؟. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في ~~الحلية عن ابن مسعود (من جاء بالحسنة). قال: لا إله إلا الله. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس مثله. وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة مثله أيضا. وقد ~~قدمنا الإشارة إلى أنها قد ثبتت الأحاديث الصحيحة بمضاعفة الحسنة إلى عشر ~~أمثالها فلا نطيل بذكرها، ووردت أحاديث كثيرة في الزيادة على هذا المقدار، ~~وفضل الله واسع، وعطاؤه جم. # سورة الأنعام الآية (161 - 163) لما بين سبحانه أن الكفار تفرقوا فرقا ~~وتحزبوا أحزابا أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم (إنني هداني ~~ربي) أي أرشدني بما أوحاه إلي (إلى صراط مستقيم) وهو ملة إبراهيم عليه ~~السلام، و (دينا) منتصب على الحال كما قال قطرب، أو على أنه مفعول هداني ~~كما قال الأخفش، وقيل منتصب بفعل يدل عليه هداني، لأن معناه عرفني: أي ~~عرفني دينا، وقيل إنه بدل من محل إلى صراط، لأن معناه هداني صراطا مستقيما ~~كقوله تعالى - - ويهديكم صراطا مستقيما - وقيل منصوب بإضمار فعل، كأنه قيل ~~اتبعوا دينا. قوله (قيما) قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف، والتخفيف ~~وفتح الياء. وقرأه الباقون بفتح القاف وكسر الياء المشددة، وهما لغتان: ~~ومعناه الدين المستقيم الذي لا ms1229 عوج فيه، وهو صفة لدينا وصف به مع كونه ~~مصدرا مبالغة، وانتصاب (ملة إبراهيم) على أنها عطف بيان لدينا، ويجوز نصبها ~~بتقدير أعني، و (حنيفا) منتصب على أنه حال من إبراهيم، قاله الزجاج. وقال ~~علي بن سليمان: هو منصوب بإضمار أعني. والحنيف المائل إلى الحق وقد تقدم ~~تحقيقه (وما كان من المشركين) في محل نصب معطوف على حنيفا، أو جملة معترضة ~~مقررة لما قبلها. قوله (قل إن صلاتي) أمره الله سبحانه أن PageV02P184 # يقول لهم بهذه المقالة عقب أمره بأن يقول لهم بالمقالة السابقة، قيل ووجه ~~ذلك أن ما تضمنه القول الأول إشارة إلى أصول الدين، وهذا إلى فروعها. ~~والمراد بالصلاة جنسها فيدخل فيه جميع أنواعها، وقيل المراد بها هنا صلاة ~~الليل، وقيل صلاة العيد. والنسك: جمع نسيكة، وهي الذبيحة كذا قال مجاهد ~~والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم: أي ذبيحتي في الحج والعمرة. وقال الحسن: ~~ديني. وقال الزجاج: عبادتي من قولهم: نسك فلان هو ناسك: إذا تعبد، وبه قال ~~جماعة من أهل العلم (ومحياي ومماتي) أي ما أعمله في حياتي ومماتي من أعمال ~~الخير، ومن أعمال الخير في الممات الوصية بالصدقات وأنواع القربات، وقيل ~~نفس الحياة ونفس الموت (لله) قرأ الحسن نسكي بسكون السين. وقرأ الباقون ~~بضمها. وقرأ أهل المدينة محياي بسكون الياء. وقرأ الباقون بفتحها لئلا ~~يجتمع ساكنان قال النحاس: لم يجزه، أي السكون أحد من النحويين إلا يونس، ~~وإنما أجازه لأن المدة التي في الألف تقوم مقام الحركة. وقرأ ابن إسحاق ~~وعيسى بن عمرو عاصم الجحدري محيى من غير ألف وهي لغة عليا مضر، ومنه قول ~~الشاعر: # سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم * فتخرموا ولكل جنب مصرع (لله رب العالمين) أي ~~خالصا له لا شريك له فيه، والإشارة (بذلك) إلى ما أفاده (لله رب العالمين ~~لا شريك له) من الإخلاص في الطاعة وجعلها لله وحده. قوله (وأنا أول ~~المسلمين) أي أول مسلمي أمته، وقيل أول المسلمين أجمعين، لأنه وإن كان ~~متأخرا في الرسالة فهو أولهم في الخلق، ومنه قوله تعالى - وإذ ms1230 أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح - الآية، والأول أولى. قال ابن جرير الطبري: ~~استدل بهذه الآية الشافعي على مشروعية افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله ~~أمر به نبيه وأنزله في كتابه، ثم ذكر حديث علي أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا وما أنا من المشركين " إلى قوله - وأنا أول المسلمين - قلت هذا هو في ~~صحيح مسلم مطولا، وهو أحد التوجهات الواردة، ولكنه مقيد بصلاة الليل كما في ~~الروايات الصحيحة، وأصح التوجهات الذي كان يلازمه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ويرشد إليه هو " اللهم باعد بيني وبين خطاياي " إلى آخره، وقد أوضحنا ~~هذا في شرحنا للمنتقى بمالا يحتاج إلى زيادة عليه هنا. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله (إن صلاتي) قال: يعني المفروضة ~~(ونسكي) يعني الحج. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير (ونسكي) ~~قال: ذبيحتي. وأخرجا أيضا عن قتادة (إن صلاتي ونسكي) قال: حجي وذبيحتي. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (ونسكي) قال: ذبيحتي في الحج والعمرة. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله. (ونكسي) قال: ضحيتي. وفي قوله ~~(وأنا أول المسلمين) قال: من هذه الأمة. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب ~~عملته، وقولي إن صلاتي إلي وأنا أول المسلمين، قلت يا رسول الله هذا لك ~~ولأهل بيتك خاصة، فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟ قال: لا بل للمسلمين ~~عامة ". PageV02P185 # سورة الأنعام الآية (164 - 165) الاستفهام في (أغير الله أبغي ربا) ~~للإنكار وهو جواب على المشركين لما دعوه إلى عبادة غير الله: أي كيف أبغي ~~غير الله ربا مستقلا وأترك عبادة الله أو شريكا ms1231 لله فأعبدهما معا، والحال ~~أنه رب كل شئ، والذي تدعونني إلى عبادته هو من جمله من هو مربوب له مخلوق ~~مثلي لا يقدر على نفع ولا ضر، وفى هذا الكلام من التقريع والتوبيخ لهم ما ~~لا يقادر قدره، وغير منصوب بالفعل الذي بعده، وربا تمييز أو مفعول ثان على ~~جعل الفعل ناصبا لمفعولين قوله (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) أي لا يؤاخذ ~~مما أتت من الذنب وارتكبت من المعصية سواها، فكل كسبها للشر عليها لا ~~يتعداها إلى غيرها، وهو مثل قوله تعالى - لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت - ~~وقوله - ولتجزى كل نفس بما تسعى. قوله (ولا تزر وزارة وزر أخرى) أصل الوزر ~~الثقل، ومنه قوله تعالى - ووضعنا عنك وزرك - وهو هنا الذنب - وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم - قال الأخفش، يقال وزر يوزر، ووزر يزر وزرا، ويجوز ~~إزرا، وفيه رد لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبه، ~~والواحد من القبيلة بذنب الآخر وقد قيل إن المراد بهذه الآية في الآخرة ~~وكذلك التي قبلها لقوله تعالى - واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة ومثله قول زينب بنت جحش: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم ~~إذا كثر الخبث، والأولى حمل الآية على ظاهرها: أعني العموم وما ورد من ~~المؤاخذة بذنب الغير كالدية التي تحملها العاقلة ونحو ذلك، فيكون في حكم ~~المخصص بهذا العموم ويقر في موضعه ولا يعارض هذه الآية قوله تعالى - ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم - فإن المراد بالأثقال التي مع أثقالهم ~~هي أثقال الذين يضلونهم كما في الآية الأخرى - ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم (ثم إلى ربكم مرجعكم) يوم ~~القيامة (فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) في الدنيا، وعند ذلك يظهر حق ~~المحقين وباطل المبطلين. قوله (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) خلائف جمع ~~خليفة: أي جعلكم خلفاء الأمم الماضية والقرون السالفة، قال الشماخ: # أصيبهم وتخطئني المنايا * وأخلف في ربوع عن ربوع أو المراد أنه يخلف ~~بعضهم بعضا، أو أن هذا ms1232 النوع الإنساني خلفاء الله في أرضه (ورفع بعضكم فوق ~~بعض درجات) في الخلق والرزق والقوة والفضل والعلم، ودرجات منصوب بنزع ~~الخافض: أي إلى درجات (ليبلوكم فيما آتاكم) أي ليختبركم فيما آتاكم من تلك ~~الأمور، أو ليبتلي بعضكم ببعض كقوله تعالى - وجعلنا بعضكم لبعض فتنه - ثم ~~خوفهم فقال (إن ربك سريع العقاب) فإنه وإن كان في الآخرة فكل آت قريب كما ~~قال - وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب - ثم رغب من يستحق الترغيب ~~من المسلمين فقال (وإنه لغفور رحيم) أي كثير الغفران والرحمة. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (ولا تزر وازرة) قال: # لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ~~(وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) قال: أهلك القرون الأولى فاستخلفنا فيها ~~بعدهم (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) قال: في الرزق PageV02P186 # تفسير سورة الأعراف هي مكية إلا ثمان آيات، وهي قوله - واسألهم عن القرية ~~- إلى قوله - وإذ نتقنا الجبل فوقهم -. وقد أخرج ابن الضريس والنحاس في ~~ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس، قال: سورة ~~الأعراف نزلت بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله. وأخرج ~~ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة: قال آية من الأعراف مدنية، وهي - واسألهم ~~عن القرية التي كانت حاضرة البحر - إلى آخر الآية، وسائرها مكية، وقد ثبت ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بها في المغرب يفرقها في ~~الركعتين. وآياتها مائتان وست آيات. # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأعراف الآية (1 - 7) قوله (المص) قد تقدم ~~في فاتحة سورة البقرة ما يغني عن الإعادة، وهو إما مبتدأ وخبره كتاب: أي " ~~المص " حروف (كتاب أنزل إليك) أو هو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا " المص " ~~أي المسمى به، وأما إذا كانت هذه الفواتح مسرودة على نمط التعديد فلا محل ~~له، وكتاب خبر المبتدأ على الوجه الأول أو خبر مبتدأ محذوف ms1233 على الثاني أي ~~هو كتاب. قال الكسائي: أي هذا كتاب، وأنزل إليك صفة له (فلا يكن في صدرك ~~حرج منه) الحرج: # الضيق: أي لا يكن في صدرك ضيق منه من إبلاغه إلى الناس مخافة أن يكذبوك ~~ويؤذوك فإن الله حافظك وناصرك: # وقيل المراد لا يضق صدرك حيث لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا لك (فإنما عليك ~~البلاغ)، وقال مجاهد وقتادة: الحرج هنا الشك، لأن الشاك ضيق الصدر: أي لا ~~تشك في أنه منزل من عند الله، وعلى هذا يكون النهي له صلى الله عليه وآله ~~وسلم من باب التعريض، والمراد أمته: أي لا يشك أحد منهم في ذلك، والضمير في ~~منه راجع إلى الكتاب، فعلى الوجه الأول يكون على تقدير مضاف محذوف: أي من ~~إبلاغه، وعلى الثاني يكون التقدير من إنزاله، والضمير في (لتنذر به) راجع ~~إلى الكتاب: أي لتنذر الناس بالكتاب الذي أنزلناه إليك، وهو متعلق بأنزل: ~~أي أنزل إليك لإنذارك للناس به، أو متعلق بالنهي، لأن انتفاء الشك في كونه ~~منزلا من عند الله أو انتفاء الخوف من قومه يقويه على الإنذار ويشجعه، لأن ~~المتيقن يقدم على بصيرة ويباشر بقوة نفس. قوله (وذكرى للمؤمنين) الذكرى ~~التذكير. قال البصريون: الذكرى في محل رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: ~~هي في محل رفع عطفا على PageV02P187 # كتاب، ويجوز النصب على المصدر: أي وذكر به ذكرى قاله البصريون. ويجوز ~~الجر حملا على موضع لتنذر أي للإنذار والذكرى، وتخصيص الذكرى بالمؤمنين ~~لأنهم الذين ينجع فيهم ذلك، وفيه إشارة إلى تخصيص الإنذار بالكافرين. قوله ~~(اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) يعني الكتاب ومثله السنة لقوله - وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا - ونحوها من الآيات، وهو أمر للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولأمته، وقيل هو أمر للأمة بعد أمره صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالتبليغ، وهو منزل إليهم بواسطة إنزاله إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم (ولا تتبعوا من دونه أولياء) نهى للأمة عن أن يتبعوا أولياء من ~~دون الله يعبدونهم ويجعلونهم ms1234 شركاء لله، فالضمير على هذا في (من دونه) يرجع ~~إلى رب، ويجوز أن يرجع إلى " ما " في ما أنزل إليكم: أي لا تتبعوا من دون ~~كتاب الله أولياء تقلدونهم في دينكم كما كان يفعله أهل الجاهلية من طاعة ~~الرؤساء فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم. قوله (قليلا ما تذكرون) انتصاب ~~قليلا على أنه صفة لمصدر محذوف للفعل المتأخر: أي تذكرا قليلا، وما مزيدة ~~للتوكيد أو هو منتصب على الحال من فاعل لا تتبعوا، وما مصدرية: أي لا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا تذكرهم قرئ (تذكرون) بالتخفيف بحذف إحدى ~~التاءين، وقرئ بالتشديد على الإدغام. قوله (وكم من قرية أهلكناها) كم هي ~~الخبرية المفيدة للتكثير وهي في موضع رفع على الابتداء و (أهلكناها) الخبر، ~~ومن قرية تمييز، ويجوز أن تكون في محل نصب بإضمار فعل بعدها لا قبلها، لأن ~~لها صدر الكلام، ولولا اشتغال أهلكناها بالضمير لجاز انتصاب كم به، والقرية ~~موضع اجتماع الناس: أي كم من قرية من القرى الكبيرة أهلكناها نفسها بإهلاك ~~أهلها، أو أهلكنا أهلها، والمراد أردنا إهلاكها. قوله (فجاءها بأسنا) معطوف ~~على أهلكنا بتقدير الإرادة كما مر، لأن ترتيب مجئ البأس على الإهلاك لا يصح ~~إلا بهذا التقدير، إذ الإهلاك هو نفس مجئ اليأس. وقال الفراء: إن الفاء ~~بمعنى الواو فلا يلزم التقدير، والمعنى: أهلكناها وجاءها بأسنا، والواو ~~لمطلق الجمع لا ترتيب فيها، وقيل إن الإهلاك واقع لبعض أهل القرية، فيكون ~~المعنى: وكم من قرية أهلكنا بعض أهلها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع، وقيل ~~المعنى: وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا، وقيل أهلكناها بإرسال ~~ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا، والبأس: هو العذاب. وحكى عن الفراء أنه ~~إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى: وكم ~~من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، مثل دنا فقرب وقرب فدنا (بياتا) أي ليلا، ~~لأنه يبات فيه، يقال بات يبيت بيتا وبياتا، وهو مصدر واقع موقع الحال: أي ~~بائتين. قوله (أو هم قائلون) معطوف على بياتا: أي بائتين أو قائلين، وجاءت ms1235 ~~الجملة الحالية بدون واو استثقالا لاجتماع الواوين واو العطف وواو الحال، ~~هكذا قال الفراء. واعترضه الزجاج فقال: هذا خطأ بل لا يحتاج إلى الواو، ~~تقول: جاءني زيد راكبا أو هو ماش لأن في الجملة ضميرا قد عاد إلى الأول، ~~وأو في هذا الموضع للتفصيل لا للشك. والقيلولة هي نوم نصف النهار. # وقيل هي مجرد الاستراحة في ذلك الوقت لشدة الحر من دون نوم، وخص الوقتين ~~لأنهما وقت السكون والدعة فمجئ العذاب فيهما أشد وأفظع. قوله (فما كان ~~دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين) الدعوى: # الدعاء: أي فما كان دعاؤهم ربهم عند نزول العذاب إلا اعترافهم بالظلم على ~~أنفسهم، ومثله - وآخر دعواهم - أي آخر دعائهم، وقيل الدعوى هنا بمعنى ~~الادعاء، والمعنى: ما كان ما يدعونه لدينهم وينتحلونه إلا اعترافهم ببطلانه ~~وفساده، واسم كان (إلا أن قالوا) وخبرها (دعواهم) ويجوز العكس، والمعنى: ما ~~كان دعواهم إلا قولهم إنا كنا ظالمين. قوله (فلنسألن الذين أرسل إليهم) هذا ~~وعيد شديد، والسؤال للقوم الذين أرسل الله إليهم الرسل من الأمم السالفة ~~للتقريع والتوبيخ، واللام لام القسم: أي لنسألنهم عما أجابوا به رسلهم عند ~~دعوتهم، PageV02P188 # والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية (ولنسألن المرسلين) ~~أي الأنبياء الذين بعثهم الله: أي نسألهم عما أجاب به أممهم عليهم ومن أطاع ~~منهم ومن عصى، وقيل المعنى: فلنسألن الذين أرسل إليهم: يعني الأنبياء، ~~ولنسألن المرسلين: يعني الملائكة، ولا يعارض هذا قول الله سبحانه - ولا ~~يسئل عن ذنوبهم المجرمون - لما قدمنا غير مرة أن الآخرة مواطن، ففي موطن ~~يسألون، وفي موطن لا يسألون، وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره التعارض بأن أثبت ~~تارة ونفى أخرى بالنسبة إلى يوم القيامة، فإنه محمول على تعدد المواقف مع ~~طول ذلك اليوم طولا عظيما (فلنقصن عليهم بعلم) أي على الرسل والمرسل إليهم ~~ما وقع بينهم عند الدعوة منهم لهم بعلم لا بجهل: # أي عالمين بما يسرون وما يعلنون (وما كنا غائبين) عنهم في حال من الأحوال ~~حتى يخفى علينا شئ مما ms1236 وقع بينهم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عن ابن عباس في قوله ~~(المص) قال: أنا الله أفصل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن هذا ونحوه من فواتح ~~السور قسم أقسم الله به، وهي من أسماء الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن السدي في قوله (المص) قال: هو المصور. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~محمد بن كعب القرظي في قوله (المص) قال: الألف من الله والميم من الرحمن ~~والصاد من الصمد. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال معناه أنا الله الصادق، ~~ولا يخفى عليك أن هذا كله قول بالظن وتفسير بالحدس، ولا حجة في شئ من ذلك، ~~والحق ما قدمنا في فاتحة سورة البقرة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (فلا يكن في صدرك حرج منه) قال: الشك، وقال لأعرابي: ما الحرج ~~فيكم؟ قال: # اللبس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن ~~الضحاك قال: ضيق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: ما هلك قوم حتى يعذروا ~~من أنفسهم، ثم قرأ (فما كان دعواهم) الآية. وأخرجه ابن جرير عنه مرفوعا. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس (فلنسألن ~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) قال: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين ~~ونسأل المرسلين عما بلغوا، فلنقصن عليهم بعلم، قال: بوضع الكتاب يوم ~~القيامة فنتكلم بما كانوا يعملون. وأخرج عبد بن حميد عن فرقد في الآية قال: ~~أحدهما الأنبياء، وأحدهما الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية ~~قال: نسأل الناس عن قول لا إله إلا الله ونسأل جبريل. # سورة الأعراف الآية (8 - 13) PageV02P189 # سورة الأعراف الآية (14 - 18) قوله (والوزن يومئذ الحق) الوزن مبتدأ ~~وخبره الحق: أي الوزن في هذا اليوم العدل الذي لا جور ms1237 فيه، أو الخبر يومئذ، ~~والحق وصف للمبتدأ، أي الوزن العدل كائن في هذا اليوم، وقيل إن الحق خبر ~~مبتدأ محذوف. # واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن الكائن في هذا اليوم، فقيل المراد ~~به وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزنا حقيقيا، وهذا هو الصحيح، وهو الذي ~~قامت عليه الأدلة، وقيل توزن نفس الأعمال وإن كانت أعراضا فإن الله يقلبها ~~يوم القيامة أجساما كما جاء في الخبر الصحيح: " إن البقرة وآل عمران يأتيان ~~يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف ". وكذلك ثبت ~~في الصحيح أنه يأتي القرآن في صورة شاب شاحب اللون ونحو ذلك، وقيل الميزان ~~الكتاب الذي فيه أعمال الخلق، وقيل الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، ~~وذكرهما من باب ضرب المثل كما تقول هذا الكلام في وزن هذا، قال الزجاج: هذا ~~سائغ من جهة اللسان، والأولى أن نتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر ~~الميزان. قال القشيري: وقد أحسن الزجاج فيما قال، إذ لو حمل الصراط على ~~الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين ~~والجن على الأخلاق المذمومة والملائكة على القوى المحمودة، ثم قال: وقد ~~أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل وإذا ~~أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر وصارت هذه الظواهر نصوصا انتهى. ~~والحق هو القول الأول. # وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فما يأتون في استبعادهم ~~بشئ من الشرع يرجع إليه، بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية، ~~وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي ~~أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل ~~المظلم وقال كل ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم وليتهم جاءوا بأحكام عقلية ~~يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها. بل كل فريق يدعى على العقل ما يطابق ~~هواه، ويوافق ما يذهب إليه هو أو من هو تابع له، فتتناقض عقولهم على حسب ما ~~تناقضت مذاهبهم، ms1238 يعرف هذا كل منصف ومن أنكره فليصف فهمه وعقله عن شوائب ~~التعصب والتمذهب فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه. # وقد ورد ذكر الوزن والموازين في مواضع من القرآن كقوله - ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا -، وقوله - فإذا نفخ في الصور فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وقوله - فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون -، ~~وقوله - إن الله لا يظلم مثقال ذرة -، وقوله - فأما من ثقلت موازينه فهو في ~~عيشة راضية. وأما من خفت موازينه فأمه هاوية -، والفاء PageV02P190 # في (فمن ثقلت موازينه) للتفصيل. والموازين: جمع ميزان، وأصله موزان قلبت ~~الواو ياء لكسر ما قبلها، وثقل الموازين هذا يكون بثقل ما وضع فيها من ~~صحائف الأعمال، وقيل إن الموازين جمع موزون: أي فمن رجحت أعماله الموزونة، ~~والأول أولى. وظاهر جمع الموازين المضافة إلى العامل أن لكل واحد من ~~العاملين موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله، وقيل هو ميزان واحد عبر ~~عنه بلفظ الجمع كما يقال: خرج فلان إلى مكة على البغال، والإشارة بقوله ~~(فأولئك) إلى من، والجمع باعتبار معناه كما رجع إليه ضمير (موازينه) ~~باعتبار لفظه وهو مبتدأ خبره (هم المفلحون) والكلام في قوله (ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) مثله، والباء في (بما كانوا بآياتنا ~~يظلمون) سببية، وما مصدرية. ومعنى (يظلمون) يكذبون. قوله (ولقد مكناكم في ~~الأرض) أي جعلنا لكم فيها مكانا وهيأنا لكم فيها أسباب المعايش. والمعايش ~~جمع معيشة: أي ما يتعايش به من المطعوم والمشروب وما تكون به الحياة، يقال ~~عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا. قال الزجاج: المعيشة ما يتوصلون به إلى ~~العيش، والمعيشة عند الأخفش وكثير من النحويين مفعلة. وقرأ الأعرج " معائش ~~" بالهمز، وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا ~~يجوز، لأن الواحدة معيشة والياء أصلية كمدينة ومداين وصحيفة وصحايف. قوله ~~(قليلا ما تشكرون) الكلام فيه كالكلام فيما تقدم قريبا من قوله تعالى - ~~قليلا ما تذكرون. # قوله ms1239 (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) هذا ذكر نعمة أخرى من نعم الله على ~~عبيده. والمعنى: خلقناكم نطفا ثم صورناكم بعد ذلك، وقيل المعنى: خلقنا آدم ~~من تراب ثم صورناكم في ظهره، وقيل (ولقد خلقناكم) يعني آدم ذكر بلفظ الجمع ~~لأنه أبو البشر (ثم صورناكم) راجع إليه، ويدل عليه (ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم) فإن ترتيب هذا القول على الخلق والتصوير يفيد أن المخلوق ~~المصور آدم عليه السلام. وقال الأخفش: إن ثم في (ثم صورناكم) بمعنى الواو، ~~وقيل المعنى: خلقناكم من ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق، قال ~~النحاس: وهذا أحسن الأقوال، وقيل المعنى: ولقد خلقنا الأرواح أولا، ثم ~~صورنا الأشباح، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي أمرناهم بذلك فامتثلوا ~~الأمر، وفعلوا السجود بعد الأمر (إلا إبليس) قيل الاستثناء متصل بتغليب ~~الملائكة على إبليس لأنه كان منفردا بينهم، أو كما قيل: لأن من الملائكة ~~جنسا يقال لهم الجن، وقيل غير ذلك، وقد تقدم تحقيقه في البقرة. قوله (لم ~~يكن من الساجدين، جملة مبينة لما فهم من معنى الاستثناء ومن جعل الاستثناء ~~منقطعا قال معناه: لكن إبليس لم يكن من الساجدين، وجملة (قال ما منعك ألا ~~تسجد) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال له الله؟ و " لا " في ~~(أن لا تسجد) زائدة للتوكيد بدليل قوله تعالى في سورة ص - ما منعك أن تسجد ~~-، وقيل إن منع بمعنى قال، والتقدير: من قال لك أن لا تسجد، وقيل منع بمعنى ~~دعا: أي ما دعاك إلى أن لا تسجد، وقيل في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك من ~~الطاعة وأحوجك إلى أن لا تسجد (إذ أمرتك): أي وقت أمرتك، وقد استدل به على ~~أن الأمر للفور، والبحث مقرر في علم الأصول، والاستفهام في (ما منعك) ~~للتقريع والتوبيخ، وإلا فهو سبحانه عالم بذلك، وجملة (قال أنا خير منه) ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فما قال إبليس؟ وإنما قال في الجواب أنا ~~خير منه، ولم يقل منعني كذا، لأن في هذه الجملة التي جاء ms1240 بها مستأنفة ما ~~يدل على المانع وهو اعتقاده أنه أفضل منه. والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول ~~مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله. ثم علل ما ~~ادعاه من الخيرية بقوله (خلقتني من نار وخلقته من طين) اعتقادا منه أن عنصر ~~النار أفضل من عنصر الطين. وقد أخطأ عدو الله فإن عنصر الطين أفضل من عنصر ~~النار من جهة رزانته وسكونه وطول بقائه وهي حقيقة مضطربة سريعة النفاد، ومع ~~هذا فهو موجود في الجنة دونها، وهي عذاب دونه، وهي محتاجة وكان إليه لتتحيز ~~فيه وهو مسجد وطهور، ولولا سبق شقاوته وصدق PageV02P191 # كلمة الله عليه لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة، ~~فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري، وجملة (قال فاهبط) استئنافية كالتي ~~قبلها، والفاء لترتيب الأمر بالهبوط على مخالفته للأمر: أي اهبط من السماء ~~التي هي محل المطيعين من الملائكة الذين لا يعصون الله فيما أمرهم إلى ~~الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع، فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر ويعصي أمر ~~ربه مثلك، ولهذا قال (فما يكون لك أن تتكبر فيها). ومن التفاسير الباطلة ما ~~قيل إن معنى (اهبط منها) أي اخرج من صورتك النارية التي افتخرت بها صورة ~~مظلمة مشوهة، وقيل المراد هبوطه من الجنة، وقيل من زمرة الملائكة، وجملة ~~(فاخرج) لتأكيد الأمر بالهبوط، وجملة (إنك من الصاغرين) تعليل للأمر: أي ~~إنك من أهل الصغار والهوان على الله وعلى صالحي عباده وهكذا كل من تردى ~~برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار. ومن ليس رداء التواضع ~~ألبسه الله رداء الترفع، وجملة (قال أنظرني إلى يوم يبعثون) استئنافية كما ~~تقدم في الجمل السابقة: أي أمهلني إلى يوم البعث، وكأنه طلب أن لا يموت، ~~لأن يوم البعث لا موت بعده، والضمير في (يبعثون) لآدم وذريته، فأجابه الله ~~بقوله (إنك من المنظرين) أي الممهلين إلى ذلك اليوم، ثم تعاقب بما قضاه ~~الله لك، وأنزله بك في دركات النار. قيل الحكمة في إنظاره ابتلاء العباد ~~ليعرف ms1241 من يطيعه ممن يعصيه، وجملة (قال فبما أغويتني) مستأنفة كالجمل ~~السابقة واردة جوابا لسؤال مقدر، والباء في (فبما) للسببية والفاء لترتيب ~~الجملة على ما قبلها، وقيل الباء للقسم كقوله (فبعزتك لأغوينهم أجمعين) أي ~~فباغوائك إياي (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) والإغواء: الإيقاع في الغي، ~~وقيل الباء بمعنى اللام، وقيل بمعنى مع. والمعنى: فمع إغوائك إياي، وقيل ~~(ما) في (فبما أغويتني) للاستفهام. والمعنى: فبأي شئ أغويتني والأول أولى. ~~ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سببا لما سيفعله مع العباد هو ترك السجود ~~منه وأن ذلك كان بإغواء الله له، حتى اختار الضلالة على الهدى، وقيل أراد ~~به اللعنة التي لعنه الله: أي فبما لعنتني فأهلكتني لأقعدن لهم ومنه - فسوف ~~يلقون غيا - أي هلاكا. وقال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي غيا: إذا ~~فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه، ومنه - وعصى آدم ربه فغوى - أي فسد عيشه ~~في الجنة (لأقعدن لهم) أي لأجهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت ~~بسبب تركي السجود لأبيهم. والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة، ~~وانتصابه على الظرفية: أي في صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر ~~والبطن، واللام في (لأقعدن) لام القسم، والباء في (بما أغويتني) متعلقة ~~بفعل القسم المحذوف: أي فبما أغويتني أقسم لأقعدن. قوله (ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) ذكر الجهات الأربع لأنها هي ~~التي يأتي منها العدو عدوه، ولهذا ترك ذكر جهة الفوق والتحت، وعدى الفعل ~~إلى الجهتين الأوليين بمن، وإلى الآخريين بعن، لأن الغالب فيمن يأتي من ~~قدام وخلف أن يكون متوجها إلى ما يأتيه بكلية بدنه، والغالب فيمن يأتي من ~~جهة اليمين والشمال أن يكون منحرفا، فناسب في الأوليين التعدية بحرف ~~الابتداء، وفى الأخريين التعدية بحرف المجاوزة، وهو تمثيل لوسوسته وتسويله ~~بمن يأتي حقيقة، وقيل المراد (من بين أيديهم) من دنياهم (ومن خلفهم) من ~~آخرتهم (وعن أيمانهم) من جهة حسناتهم (وعن شمائلهم) من جهة سيئاتهم ~~واستحسنه النحاس. قوله (ولا تجد أكثرهم شاكرين) أي ms1242 وعند أن أفعل ذلك لا تجد ~~أكثرهم شاكرين لتأثير وسوستي فيهم وإغوائي لهم، وهذا قاله على الظن ومنه ~~قوله تعالى - ولقد صدق عليهم إبليس ظنه -، وقيل إنه سمع ذلك من الملائكة ~~فقاله، وعبر بالشكر عن الطاعة أو هو على حقيقته وأنهم لم يشكروا الله بسبب ~~الإغواء، وجملة (قال اخرج منها) استئناف كالجمل التي قبلها أي من السماء أو ~~الجنة أو من بين الملائكة كما تقدم (مذءوما) أي مذموما من ذأمه إذا زمه ~~يقال ذأمته وذممته PageV02P192 # بمعنى، وقرأ الأعمش " مذموما ". وقرأ الزهري " مذوما " بغير همزة، وقيل ~~المذءوم: المنفي، والمدحور: المطرود. قوله (لمن تبعك منهم) قرأ الجمهور ~~بفتح اللام على أنها لام القسم، وجوابه (لأملأن جهنم منكم أجمعين) وقيل ~~اللام في (لمن تبعك) للتوكيد، وفى (لأملأن) لام القسم. والأول أولى، وجواب ~~القسم سد مسد جواب الشرط، لأن من شرطية، وفي هذا الجواب من التهديد ما لا ~~يقادر قدره. وقرأ عاصم في رواية عنه (لمن تبعك) بكسر اللام وأنكره بعض ~~النحويين. قال النحاس: وتقديره والله أعلم من أجل من اتبعك كما يقال أكرمت ~~فلانا لك، وقيل هو علة لا خرج، وضمير (منكم) له ولمن اتبعه، وغلب ضمير ~~الخطاب على ضمير الغيبة، والأصل منك ومنهم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله (والوزن يومئذ الحق) قال: # العدل (فمن ثقلت موازينه) قال: حسناته (ومن خفت موازينه) قال: حسناته. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي توزن الأعمال. وقد ورد في كيفية الميزان ~~والوزن والموزون أحاديث كثيرة. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم ~~القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فيقول: أتنكر من ~~هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر أو ~~حسنة؟ # فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك ms1243 عندنا حسنة وإنه لا ظلم ~~عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال إنك لا ~~تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " ~~وقد صححه أيضا الترمذي وإسناد أحمد حسن. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن عباس في قوله (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) قال: خلقوا في أصلاب ~~الرجال وصوروا في أرحام النساء. وأخرج الفريابي عنه أنه قال: خلقوا في ظهر ~~آدم ثم صوروا في الأرحام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: أما ~~خلقناكم فآدم، وأما ثم صورناكم فذريته. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في الآية ~~قال: خلق إبليس من نار العزة. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من ~~نار، وخلق آدم مما وصفه لكم ". وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: أول من قاس ~~إبليس في قوله: - خلقتني من نار وخلقته من طين - وإسناده صحيح إلى الحسن. ~~وأخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال ~~الله له اسجد لآدم، فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " قال ~~جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه ~~بالقياس. وينبغي أن ينظر في إسناده هذا الحديث فما أظنه يصح رفعه وهو لا ~~يشبه كلام النبوة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: (فبما أغويتني) أضللتي. وأخرج عبد بن حميد عنه في قوله (لأقعدن لهم ~~صراطك المستقيم) قال: طريق مكة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ~~ابن مسعود ms1244 مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~ابن عباس (ثم لآتينهم من بين أيديهم) قال: أشككهم في آخرتهم (ومن خلفهم) ~~قال: أرغبهم في دنياهم (وعن أيمانهم) أشبه عليهم أمر دينهم (وعن شمائلهم) ~~قال: أسن لهم المعاصي وأحق عليهم الباطل (ولا تجد أكثرهم شاكرين) قال ~~موحدين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (ثم لآتينهم من بين أيديهم) يقول ~~من حيث يبصرون (ومن خلفهم) من حيث لا يبصرون (وعن أيمانهم) من حيث يبصرون ~~PageV02P193 # (وعن شمائلهم) من حيث لا يبصرون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه أيضا ~~في الآية قال: لم يستطع أن يقول من فوقهم. وفي لفظ علم أن الرحمة تنزل من ~~فوقهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (مذءوما) قال: # ملوما، مدحورا: قال مقيتا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (مذءوما) قال: منفيا (مدحورا) قال: مطرودا. # سورة الأعراف الآية (19 - 25) قوله (ويا آدم) هو على تقدير القول: أي ~~وقلنا يا آدم. قال له هذا القول بعد إخراج إبليس من الجنة، أو من السماء، ~~أو من بين الملائكة كما تقدم. وقد تقدم معنى الإسكان، ومعنى (لا تقربا هذه ~~الشجرة) في البقرة. # ومعنى (من حيث شئتما) من أي نوع من أنواع الجنة شئتما أكله، ومثله ما ~~تقدم من قوله تعالى - وكلا منها رغدا حيث شئتما - وحذف النون من (فتكونا) ~~لكونه معطوفا على المجزوم أو منصوبا على أنه جواب النهي. قوله (فوسوس لهما ~~الشيطان) الوسوسة: الصوت الخفي، والوسوسة: حديث النفس، يقال وسوست إليه ~~نفسه وسوسة ووسواسا بكسر الواو، والوسوسة بالفتح الاسم: مثل الزلزلة ~~والزلزال، ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي وسواس. قال الأعشى * ~~تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت * والوسواس: اسم الشيطان. ومعنى وسوس له: ~~وسوس إليه أو فعل الوسوسة لأجله. قوله (ليبدي لهما) أي ليظهر لهما، واللام ~~للعاقبة كما في قوله - ليكون لهم عدوا وحزنا -، وقيل هي لام كي: أي فعل ذلك ~~ليتعقبه الإيذاء، أو لكي يقع ms1245 الإيذاء. قوله (ما ووري) أي ما ستر وغطى ~~(عنهما من سوآتهما) سمى الفرج سوءة، لأن ظهوره يسوء صاحبه، أراد الشيطان أن ~~يسوءهما بظهور ما كان مستورا عنهما من عوراتهما فإنهما كانا لا يريان عورة ~~أنفسهما ولا يراها أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو في (وورى) همزة، ~~لأن الثانية مدة، قيل إنما بدت عورتهما لهما لا لغيرهما، وكان عليهما نور ~~يمنع من رؤيتها (وقال) أي الشيطان لهما (ما نهاكما ربكما عن) أكل هذه ~~الشجرة (إلا أن تكونا ملكين) أن في PageV02P194 # موضع نصب، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: ولا كراهة أن تكونا ملكين هكذا ~~قال البصريون. وقال الكوفيون: التقدير لئلا تكونا ملكين (أو تكونا من ~~الخالدين) في الجنة أو من الذين لا يموتون. قال النحاس: # فضل الله الملائكة على جميع الخلق في غير موضع في القرآن، فمنها هذا، ~~ومنها - ولا أقول إني ملك -، ومنها - ولا الملائكة المقربون -. قال ابن ~~فورك: لا حجة في هذه الآية، لأنه يحتمل أن يريد ملكين في أن لا يكون لهما ~~شهوة في الطعام. # وقد اختلف الناس في هذه المسألة اختلافا كثيرا وأطالوا الكلام في غير ~~طائل، وليست هذه المسألة مما كلفنا الله بعلمه، فالكلام فيها لا يعنينا. ~~وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبي كثير والضحاك " ملكين " بكسر اللام، وأنكر أبو ~~عمرو بن العلاء هذه القراءة وقال: لم يكن قبل آدم ملك فيصيرا ملكين. وقد ~~احتج من قرأ بالكسر بقوله تعالى هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى -. ~~قال أبو عبيد: هذه حجة بينة لقراءة الكسر ولكن الناس على تركها فلهذا ~~تركناها. قال النحاس: هي قراءة شاذة، وأنكر على أبي عبيد هذا الكلام وجعله ~~من الخطأ الفاحش. قال وهل يجوز أن يتوهم على آدم عليم السلام أن يصل إلى ~~أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين، وإنما معنى - وملك لا يبلى - المقام ~~في ملك الجنة والخلود فيه. قوله (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) أي حلف ~~لهما فقال: أقسم قساما أي حلف، ومنه قول الشاعر: # وقاسمهما بالله ms1246 جهدا لأنتما * ألذ من السلوى ما إذا نشورها وصيغة ~~المفاعلة وإن كانت في الأصل تدل على المشاركة فقد جاءت كثيرا لغير ذلك. وقد ~~قدمنا تحقيق هذا في المائدة، والمراد بها هنا المبالغة في صدور الأقسام ~~لهما من إبليس، وقيل إنهما أقسما له بالقبول كما أقسم لهما على المناصحة. ~~قوله (فدلاهما بغرور) التدلية والإدلاء: إرسال الشئ من أعلى إلى أسفل، يقال ~~أدلي دلوه: أرسلها والمعنى: أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل ~~من الشجرة، وقيل معناه: أوقعهما في الهلاك، وقيل خدعهما، وأنشد نفطويه: # إن الكريم إذا تشاء خدعته * وترى اللئيم مجربا لا يخدع وقيل معنى ~~(دلاهما) دللهما من الدالة، وهي الجرأة: أي جرأهما على المعصية فخرجا من ~~الجنة. قوله (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما) أي لما طعماها ظهرت لهما ~~عوراتهما بسبب زوال ما كان ساترا لها وهو تقلص النور الذي كان عليها. وقد ~~تقدم في البقرة. قوله (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) طفق يفعل كذا: ~~بمعنى شرع بفعل كذا. وحكى الأخفش: طفق يطفق مثل ضرب يضرب: أي شرعا أو جعلا ~~يخصفان عليهما. قرأ الحسن " يخصفان " بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل ~~يختصفان فأدغم وكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن بريدة ويعقوب بفتح ~~الخاء. وقرأ الزهري " يخصفان " من أخصف. وقرأ الجمهور " يخصفان " من خصف. # والمعنى: أنهما أخذا يقطعان الورق ويلزقانه بعورتهما ليستراها، من خصف ~~النعل: إذا جعله طبقة فوق طبقة (وناداهما ربهما) قائلا لهما (ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة) التي نهيتكما عن أكلها، وهذا عتاب من الله لهما وتوبيخ حيث ~~لم يحذرا ما حذرهما منه (وأقل لكما) معطوف على " أنهكما " (إن الشيطان لكما ~~عدو مبين) أي مظهر للعداوة قوله (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) جملة استئنافية ~~مبنية على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قالا؟ وهذا منهما اعتراف بالذنب ~~وأنهما ظلما أنفسهما مما وقع منهما من المخالفة، ثم قالا (وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، وجملة (قال اهبطوا) استئناف كالتي قبلها، ~~والخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو لهما ولإبليس، وجملة (بعضكم ms1247 PageV02P195 # لبعض عدو) في محل نصب على الحال (ولكم في الأرض مستقر) أي موضع استقرار ~~(و) لكم (متاع) تتمتعون به في الدنيا وتنتفعون به من المطعم والمشرب ~~ونحوهما (إلى حين) أي إلى وقت، وهو وقت موتكم، وجملة (قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون) استئنافية كالتي قبلها: أي في الأرض تحيون، وفيها ~~يأتيكم الموت، ومنها تخرجون إلى دار الآخرة، ومثله قوله تعالى - منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى - واعلم أنه قد سبق شرح هذه ~~القصة مستوفى في البقرة فارجع إليه. # وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن عساكر عن وهب ابن منبه في قوله (ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوآتهما) قال: كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما سوءة ~~صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال: # أتاهما إبليس فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين ~~مثله، يعني مثل الله عز وجل، فلم يصدقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما. ~~وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في الآية (إلا أن تكونا ملكين) فإن أخطأكما أن ~~تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين فلا تموتان فيها أبدا (وقاسمهما) ~~قال: حلف لهما (إني لكما لمن الناصحين). وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~محمد بن كعب في قوله (فدلاهما بغرور) قال: مناهما بغرور. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي شيبة عن عكرمة قال: لباس كل دابة منها، ولباس الإنسان الظفر، ~~فأدركت آدم التوبة عند ظفره. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن ابن ~~عباس قال: كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما ~~إلا مثل الظفر (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) قال: ينزعان ورق التين ~~فيجعلانه على سوآتهما وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: لما أسكن الله آدم ms1248 الجنة ~~كساه سربالا من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقى في أطراف ~~أصابعه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: كان لباس ~~آدم في الجنة الياقوت، فلما عصى قلص فصار الظفر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ~~(وطفقا يخصفان) قال: يرقعان كهيئة الثوب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~(وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) قال آدم: رب إنه حلف لي بك ~~ولم أكن أعلم أن أحدا من خلقك يحلف بك إلا صادقا وأخرج عبد بن حميد عن ~~الحسن (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية قال: هي الكلمات التي تلقى آدم من ~~ربه. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله. # سورة الأعراف الآية (26 - 27) PageV02P196 # عبر سبحانه بالإنزال عن الخلق: أي خلقنا لكم لباسا يواري سوآتكم التي ~~أظهرها إبليس من أبويكم، والسوءة العورة كما سلف، والكلام في قدرها وما يجب ~~ستره منها مبين في كتب الفروع. قوله (وريشا) قرأ الحسن وعاصم من رواية ~~المفضل الضبي وأبو عمرو من رواية الحسن بن علي الجعفي " ورياشا " وقرأ ~~الباقون " وريشا " والرياش جمع ريش: وهو اللباس. قال الفراء: ريش ورياش كما ~~يقال لبس ولباس، وريش الطائر ما ستره الله به. # وقيل المراد بالريش هنا: الخصب ورفاهية العيش. قال القرطبي: والذي عليه ~~أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وحكى أبو حاتم عن أبي ~~عبيدة: وهبت له دابة وريشها: أي وما عليها من اللباس. وقيل المراد بالريش ~~هنا لباس الزينة لذكره بعد قوله (قد أنزلنا عليكم لباسا) وعطفه عليه. قوله ~~(ولباس التقوى) قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب لباس. وقرأ ~~الباقون بالرفع، فالنصب على أنه معطوف على لباس الأول، والرفع على أنه ~~مبتدأ، وجملة (ذلك خير) خبره، والمراد بلباس التقوى: لباس الورع واتقاء ~~معاصي الله، وهو ms1249 الورع نفسه والخشية من الله، فذلك خير لباس وأجمل زينة، ~~وقيل لباس التقوى الحياء، وقيل العمل الصالح، وقيل هو لباس الصوف والخشن من ~~الثياب لما فيه من التواضع لله، وقيل هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد ~~في سبيل الله، والأول أولى. وهو يصدق على كل ما فيه تقوى لله فيندرج تحته ~~جميع ما ذكر من الأقوال، ومثل هذه الاستعارة كثيرة الوقوع في كلام العرب، ~~ومنه: # إذ المرء لم يلبس ثيابا من التقى * تقلب عريانا وإن كان كاسيا ومثله: # تغط بأثواب السخاء فإنني * أرى كل عيب والسخاء غطاؤه والإشارة بقوله ~~(ذلك) إلى لباس التقوى: أي هو خير لباس، وقرأ الأعمش (ولباس التقوى خير) ~~والإشارة بقوله (ذلك من آيات الله) إلى الإنزال المدلول عليه بأنزلنا: أي ~~ذلك الإنزال من آيات الله الدالة على أن له خالقا ثم كرر الله سبحانه ~~النداء لبني آدم تحذيرا لهم من الشيطان، فقال (يا بني آدم لا يفتننكم ~~الشيطان) أي لا يوقعنكم في الفتنة، فالنهي وإن كان للشيطان فهو في الحقيقة ~~لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك، والكاف في (كما أخرج) نعت ~~مصدر محذوف: أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم من الجنة، وجملة (ينزع ~~عنهما لباسهما) في محل نصب على الحال، وقد تقدم تفسيره، واللام في (ليريهما ~~سوآتهما) لام كي: أي لكي يريهما، وقد تقدم تفسيره أيضا. قوله (إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم) هذه الجملة تعليل لما قبلها مع ما تتضمنه من ~~المبالغة في تحذيرهم منه، لأن من كان بهذه المثابة يرى بني آدم من حيث لا ~~يرونه، كان عظيم الكيد، وكان حقيقا بأن يحترس منه أبلغ احتراس (وقبيله) ~~أعوانه من الشياطين وجنوده. # وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ~~ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا ~~نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبدا، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته ~~لنا لا يستلزم ms1250 انتفاءها مطلقا، ثم أخبر الله سبحانه بأنه جعل الشياطين ~~أولياء للذين لا يؤمنون من عباده وهم الكفار. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم) قال: كان ~~ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، وفى قوله (وريشا) قال: # المال. وأخرج ابن جرير عن عروة بن الزبير في قوله (لباسا يوارى سوآتكم) ~~قال: الثياب (وريشا) قال: # المال (ولباس التقوى) قال: خشية الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن علي ~~في قوله (لباسا يوارى سوآتكم) PageV02P197 # قال: لباس العامة (وريشا) قال: لباس الزينة (ولباس التقوى) قال: الإسلام. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس ~~في قوله (وريشا) قال: المال واللباس والعيش والنعيم، وفى قوله (ولباس ~~التقوى) قال: الإيمان والعمل الصالح (ذلك خير) قال: الإيمان والعمل خير من ~~الريش واللباس وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (ورياشا) يقول: ~~المال. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ينزع عنهما لباسهما) قال: التقوى، وفى ~~قوله (إنه يراكم هو وقبيله) قال: الجن والشياطين. # سورة الأعراف الآية (28 - 30) الفاحشة: ما تبالغ في فحشه وقبحه من ~~الذنوب. قال أكثر المفسرين: هي طواف المشركين بالبيت عراة. # وقيل هي الشرك، والظاهر أنها تصدق على ما هو أعم من الأمرين جميعا، ~~والمعنى: أنهم إذا فعلوا ذنبا قبيحا متبالغا في القبح اعتذروا عن ذلك ~~بعذرين: الأول أنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم لما وجدوهم مستمرين على فعل ~~تلك الفاحشة، والثاني أنهم مأمورون بذلك من جهة الله سبحانه. وكلا العذرين ~~في غاية البطلان والفساد، لأن وجود آبائهم على القبح لا يسوغ لهم فعله، ~~والأمر من الله سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء، بل أمرهم باتباع الأنبياء ~~والعمل بالكتب المنزلة ونهاهم عن مخالفتهما، ومما نهاهم عنه فعل الفواحش، ~~ولهذا رد الله سبحانه عليهم بأن ms1251 أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول ~~لهم - إن الله لا يأمر بالفحشاء - فكيف تدعون ذلك عليه سبحانه، ثم أنكر ~~عليهم ما أضافوه إليه، فقال (أتقولون على الله ما لا تعلمون) وهو من تمام ~~أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقوله لهم، وفيه من التقريع ~~والتوبيخ أمر عظيم، فإن القول بالجهل إذا كان قبيحا في كل شئ فكيف إذا كان ~~في التقول على الله؟ وإن في هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر وأبلغ واعظ ~~للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من ~~الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق، فإنهم القائلون - إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون - والقائلون (وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها) والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه ~~الذي أمر الله به، وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة هي التي بقى بها ~~اليهودي على اليهودية والنصراني على النصرانية والمبتدع على بدعته، فما ~~أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية أو ~~البدعية وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به ولم ~~ينظروا لأنفسهم، ولا طلبوا الحق كما يجب وبحثوا عن دين الله كما ينبغي، ~~وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص، فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب ~~الإسلامية أنا لك النذير المبالغ في التحذير من أن تقول هذه PageV02P198 # المقالة وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الشر بالخير والصحيح بالسقيم ~~وفاسد الرأي بصحيح الرواية. ولم يبعث الله إلى هذه الأمة إلا نبيا واحدا ~~أمرهم باتباعه ونهى عن مخالفته فقال - ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا - ولو كان محض رأي أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد، لكان ~~لهذه الأمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي المكلفين للناس بما لم ~~يكلفهم الله به. وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلدة ~~لآراء الرجال مع وجود كتاب الله، ووجود سنة رسوله، ووجود من يأخذونهما عنه، ms1252 ~~ووجود آلة الفهم لديهم وملكة العقل عندهم. قوله (قل أمر ربي بالقسط) القسط: ~~العدل، وفيه أن الله سبحانه يأمر بالعدل لا كما زعموه من أن الله أمرهم ~~بالفحشاء، وقيل القسط هنا هو لا إله إلا الله، وفى الكلام حذف: أي قل أمر ~~ربي بالقسط فأطيعوه. # قوله (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) معطوف على المحذوف المقدر: أي توجهوا ~~إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم، أو في كل وقت سجود، أو في كل ~~مكان سجود، على أن المراد بالسجود الصلاة (وادعوه مخلصين له الدين) أي ~~ادعوه أو اعبدوه حال كونكم مخلصين الدعاء، أو العبادة له، وقيل وحدوه ولا ~~تشركوا به. # قوله (كما بدأكم تعودون) الكاف نعت مصدر محذوف. وقال الزجاج: هو متعلق ~~بما قبله. والمعنى: كما أنشأكم في ابتداء الخلق يعيدكم، فيكون المقصود ~~الاحتجاج على منكري البعث، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته، وقيل ~~كما أخرجكم من بطون أمهاتكم تعودون إليه كذلك ليس معكم شئ، فيكون مثل قوله ~~تعالى - ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة - وقيل كما بدأكم من تراب ~~تعودون إلى التراب (فريقا هدى) منتصب بفعل يفسره ما بعده، وقيل منتصب على ~~الحال من المضمر في تعودون: أي تعودون فريقين: سعداء وأشقياء ويقويه قراءة ~~أبي " فريقين فريقا هدى "، والفريق الذي هداه الله هم المؤمنون بالله ~~المتبعون لأنبيائه، والفريق الذي حقت عليه الضلالة هم الكفار. قوله (إنهم ~~اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله) تعليل لقوله (وفريقا حق عليهم ~~الضلالة) أي ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية الله، ومع هذا فإنهم ~~(يحسبون أنهم مهتدون) ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة، وهذا أشد في تمردهم ~~وعنادهم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله - والذين ~~إذا فعلوا فاحشة - قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فنهوا عن ذلك. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن السدي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: والله ما أكرم ms1253 الله عبدا ~~قط على معصيته ولا رضيها له ولا أمر بها، ولكن رضى لكم بطاعته ونهاكم عن ~~معصيته. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (أمر ربي بالقسط) قال: بالعدل (وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد) قال: إلى الكعبة حيث صليتم في كنيسة أو غيرها (كما ~~بدأكم تعودون) قال: شقي وسعيد وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (كما بدأكم تعودون) الآية قال: إن الله بدأ خلق بني آدم ~~مؤمنا وكافرا كما قال - هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن - ثم يعيدهم ~~يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا. وأخرج ابن جرير عن جابر في الآية ~~قال: يبعثون على ما كانوا عليه: المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه أنه ذكر القدرية فقال: قاتلهم الله ~~أليس قد قال الله تعالى (كما بدأكم تعودون. فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة). وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية: يقول كما خلقناكم أول مرة ~~كذلك تعودون. PageV02P199 # سورة الأعراف الآية (31 - 33) هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان واردا على ~~سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والزينة ما يتزين به الناس ~~من الملبوس، أمروا بالتزين عند الحضور إلى المساجد للصلاة والطواف. وقد ~~استدل بالآية على وجوب ستر العورة في الصلاة، وإليه ذهب جمهور أهل العلم، ~~بل سترها واجب في كل حال من الأحوال وإن كان الرجل خاليا كما دلت عليه ~~الأحاديث الصحيحة، والكلام على العورة وما يجب ستره منها مفصل في كتب ~~الفروع. قوله (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) أمر الله سبحانه عباده بالأكل ~~والشرب، ونهاهم عن الإسراف فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب، وتاركه بالمرة ~~قاتل لنفسه وهو من أهل النار، كما صح في الأحاديث الصحيحة والمقلل منه على ~~وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة أو سعى ~~على ms1254 نفسه، وعلى من يعول مخالفا لما أمر الله به وأرشد إليه، والمسرف في ~~إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه، والتبذير مخالف لما شرعه الله ~~لعباده واقع في النهي القرآني، وهكذا من حرم حلالا أو حلل حراما، فإنه يدخل ~~في المسرفين ويخرج عن المقتصدين. ومن الإسراف الأكل لحاجة، وفى وقت شبع. ~~قوله (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) الزينة ما يتزين به الإنسان ~~من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين ~~بها والجواهر ونحوها، وقيل الملبوس خاصة ولا وجه له، بل هو من جملة ما ~~تشمله الآية، فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن ~~مما حرمه الله، ولا حرج على من تزين بشئ من الأشياء التي لها مدخل في ~~الزينة ولم يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطا ~~بينا. وقد قدمنا في هذا ما يكفي، وهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ~~ونحوهما مما يأكله الناس فإنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية ~~هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرم ذلك على نفسه أو حرمه ~~على غيره. وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر ~~والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول ~~والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة. # وقد قدمنا نقل مثل هذا عنه مطولا. والطيبات المستلذات من الطعام، وقيل هو ~~اسم عام لما طاب كسبا ومطعما: # قوله (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) أي أنها لهم بالأصالة وإن ~~شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة (خالصة يوم القيامة) أي مختصة بهم ~~يوم القيامة لا يشاركهم فيها الكفار. وقرأ نافع " خالصة " بالرفع، وهي ~~قراءة ابن عباس على أنها خبر بعد خبر. وقرأ الباقون بالنصب على الحال. قال ~~أبو علي الفارسي: ولا يجوز الوقف على الدنيا لأن ما بعدها ms1255 متعلق بقوله ~~(للذين آمنوا) حال منه بتقدير: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~في حال خلوصها لهم يوم القيامة. قوله (كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) أي ~~مثل هذا التفصيل نفصل الآيات المشتملة PageV02P200 # على التحليل والتحريم. قوله (قل إنما حرم ربي الفواحش) جمع فاحشة. وقد ~~تقدم تفسيرها (ما ظهر منها وما بطن) أي ما أعلن منها وما أسر، وقيل هي خاصة ~~بفواحش الزنا ولا وجه لذلك، والإثم يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم، وقيل ~~هو الخمر خاصة، ومنه قول الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم تذهب بالعقول ومثله قول الآخر: يشرب ~~الإثم بالصواع جهارا * وقد أنكر جماعة من أهل العلم على من جعل الإثم خاصا ~~بالخمر. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقته أنه ~~جميع المعاصي، كما قال الشاعر: # إني وجدت الأمر أرشده * تقوى الإله وشره الإثم قال الفراء: الإثم ما دون ~~الحق والاستطالة على الناس انتهى. وليس في إطلاق الإثم على الخمر ما يدل ~~على اختصاصه به، فهو أحد المعاصي التي يصدق عليها. قال في الصحاح: وقد يسمى ~~الخمر إثما، وأنشد: # شربت الإثم * البيت، وكذا أنشده الهروي قبله في غريبته. قوله (والبغي ~~بغير الحق) أي الظلم المجاوز للحد، وأفرده بالذكر بعد دخوله فيما قبله ~~لكونه ذنبا عظيما كقوله - وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي - (وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا) أي وأن تجعلوا لله شريكا لم ينزل عليكم به ~~حجة. والمراد التهكم بالمشركين، لأن الله لا ينزل برهانا بأن يكون غيره ~~شريكا له (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) بحقيقته وأن الله قاله، وهذا ~~مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن ~~بها. # وقد أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وغيرهم عن ابن عباس أن النساء كن ~~يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله فنزلت (خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد). وأخرج ابن ms1256 جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في الآية قال: كان ~~الرجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة. والزينة: اللباس وما يواري ~~السوءة وما سوى ذلك من جيد البر والمتاع. وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " خذوا ~~زينة الصلاة، قالوا: وما زينة الصلاة؟ قال: البسوا نعالكم فصلوا فيها ". ~~وأخرج العقيلي وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قول الله (خذوا زينتكم عند كل مسجد) قال: صلوا في ~~نعالكم. والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل كثيرة جدا، وأما كون ذلك هو ~~تفسير الآية كما روى في هذين الحديثين فلا أدري كيف إسنادهما. وقد ورد ~~النهي عن أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ، وهو في ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل ~~والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~(إنه لا يحب المسرفين) قال: في الطعام والشراب. وأخرج عبد بن حميد والنسائي ~~وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ~~في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ". ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله (قل ~~من حرم زينة الله) PageV02P201 # فأمروا بالثياب أن يلبسوها (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة) قال: ينتفعون بها في الدنيا لا يتبعهم فيها مأثم يوم القيامة. ~~وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك (قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا) قال: ms1257 المشركون يشاركون المؤمنين في زهرة الدنيا وهي خالصة يوم ~~القيامة للمؤمنين دون المشركين. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (والطيبات من ~~الرزق) قال: الودك واللحم والسمن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه قال: كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، ~~وهو قول الله - قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~- وهذا هذا، فأنزل الله (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) يعنى شارك المسلمون الكفار في ~~الطيبات في الحياة الدنيا فأكلوا من طيبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها ~~ونكحوا من صالحي نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس ~~للمشركين فيها شئ. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما ظهر منها العرية، ~~وما بطن الزنا، وكانوا يطوفون بالبيت عراة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في ~~الآية قال: ما ظهر منها طواف الجاهلية عراة، وما بطن الزنا. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (والإثم) قال المعصية (والبغي) ~~قال: أن يبغي على الناس بغير حق. # سورة الأنعام الآية (34 - 39) قوله (ولكل أمة أجل) أي وقت معين محدود ~~ينزل فيه عذابهم من الله أو يميتهم فيه، ويجوز أن تحمل الآية على ما هو أعم ~~من الأمرين جميعا، والضمير في (أجلهم) لكل أمة: أي إذا جاء أجل كل أمة من ~~الأمم كان ما قدره عليهم واقعا في ذلك الأجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا ~~يستقدمون عنه ساعة. قال أبو السعود ما معناه: # إن قوله (ولا يستقدمون) عطف على (يستأخرون) لكن لا لبيان انتفاء التقدم ~~مع إمكانه في نفسه كالتأخر بل PageV02P202 # للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيل عقلا، وقيل المراد ~~بالمجئ الدنو بحيث يمكن التقدم في الجملة كمجئ اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة ~~منه وليس بذاك. وقرأ ابن سيرين (آجالهم) بالجمع. وخص الساعة بالذكر لأنها ~~أقل أسماء الأوقات. وقد استدل بالآية الجمهور ms1258 على أن كل ميت يموت بأجله وإن ~~كان موته بالقتل أو التردي أو نحو ذلك، والبحث في ذلك طويل جدا، ومثل هذه ~~الآية قوله تعالى - ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون -. قوله (يا بني آدم ~~إما يأتينكم) الآية، إن هي الشرطية وما زائدة للتوكيد، ولهذا لزمت الفعل ~~النون المؤكدة، والقصص قد تقدم معناه، والمعنى: إن أتاكم رسل كائنون منكم ~~يخبرونكم بأحكامي ويبينونها لكم (فمن اتقى وأصلح) أي اتقى معاصي الله وأصلح ~~حال نفسه باتباع الرسل، وإجابتهم (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وهذه ~~الجملة الشرطية هي الجواب للشرط الأول، وقيل جوابه ما دل عليه الكلام: أي ~~إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فأطيعوهم. والأول أولى، وبه قال ~~الزجاج (والذين كذبوا بآياتنا) التي يقصها عليهم رسلنا (واستكبروا) عن ~~إجابتها والعمل بما فيها (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لا يخرجون ~~منها بسبب كفرهم بتكذيب الآيات والرسل (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو كذب بآياته) أي لا أحد أظلم منه. وقد تقدم تحقيقه، والإشارة بقوله ~~(أولئك) إلى المكذبين المستكبرين (ينالهم نصيبهم من الكتاب) أي مما كتب ~~الله لهم من خير وشر، وقيل ينالهم من العذاب بقدر كفرهم، وقيل الكتاب هنا ~~القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه، وقيل هو اللوح المحفوظ. قوله (حتى إذا ~~جاءتهم رسلنا) أي إلى غاية هي هذه، وجملة (يتوفونهم) في محل نصب على الحال. ~~والمراد بالرسل هنا ملك الموت وأعوانه، وقيل حتى هنا هي التي للابتداء، ~~ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ينافي كونها غاية لما ~~قبلها، والاستفهام في قوله (أين ما كنتم تدعون من دون الله) للتقريع ~~والتوبيخ: أي أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها، وجملة ~~(قالوا ضلوا عنا) استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جوابا عنه: أي ذهبوا عنا ~~وغابوا فلا ندري أين هم؟ (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) أي أقروا ~~بالكفر على أنفسهم. قوله (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم) القائل هو ~~الله عز ms1259 وجل، " وفي " بمعنى مع: أي مع أمم، وقيل هي على بابها، والمعنى: ~~ادخلوا في جملتهم، وقيل هو قول مالك خازن النار، والمراد بالأمم التي قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس هم الكفار من الطائفتين من الأمم الماضية ~~(كلما دخلت أمة) من الأمم الماضية (لعنت أختها) أي الأمة الأخرى التي ~~سبقتها إلى النار، وجعلت أختا لها باعتبار الدين، أو الضلالة، أو الكون في ~~النار (حتى إذا اداركوا فيها) أي تداركوا، والتدارك: التلاحق والتتابع ~~والاجتماع في النار. وقرأ الأعمش " تداركوا " على الأصل من دون إدغام. وقرأ ~~ابن مسعود (حتى إذا أدركوا) أي أدرك بعضهم بعضا. وروى عن أبي عمرو أنه قرأ ~~بقطع ألف الوصل، فكأنه سكت على إذا للتذكر. فلما طال سكوته قطع ألف الوصل ~~كالمبتدئ بها، وهو مثل قول الشاعر: # يا نفس صبرا كل حي لاقى * وكل اثنين إلى افتراق (قالت أخراهم لأولاهم): ~~أي أخراهم دخولا لأولاهم دخولا، وقيل أخراهم: أي سفلتهم وأتباعهم (لأولاهم) ~~لرؤسائهم وكبارهم وهذا أول كما يدل عليه (ربنا هؤلاء أضلونا) فإن المضلين ~~هم الرؤساء. ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم لأنهم تبعوهم واقتدوا بدينهم من ~~بعدهم، فيصح الوجه الأول، لأن أخراهم تبعت دين أولاهم قوله (فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار) الضعف الزائد على مثله مرة أو مرات، ومثله قوله تعالى (ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كثيرا) وقيل الضعف هنا الأفاعي والحيات. ~~وجملة (قال لكل ضعف) استئنافية جوابا PageV02P203 # لسؤال مقدر، والمعنى لكل طائفة منكم ضعف من العذاب: أي الطائفة الأولى، ~~والطائفة الأخرى (ولكن لا تعلمون) بما لكل نوع من العذاب (وقالت أولاهم ~~لأخراهم) أي قال السابقون للاحقين، أو المتبوعون للتابعين (فما كان لكم ~~علينا من فضل) بل نحن سواء في الكفر بالله واستحقاق عذابه (فذوقوا) عذاب ~~النار كما ذقناه (بما كنتم تكسبون) من معاصي الله والكفر به. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب وابن ~~النجار عن أبي الدرداء قال: # تذاكرنا زيادة العمر عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا ms1260 من وصل ~~رحمه أنسئ في أجله فقال: إنه ليس بزائد في عمره، قال الله تعالى (فإذا جاء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة، ~~فيدعون الله من بعده فيبلغه ذلك، فذلك الذي ينسأ في أجله. وفى لفظ: فيلحقه ~~دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر. وهذا الحديث ينبغي أن يكشف عن إسناده ~~ففيه نكارة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما بخلافه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان الحسن يقول ما أحمق هؤلاء ~~القوم يقولون اللهم أطل عمره، والله يقول (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون). وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من ~~طريق الزهري عن ابن المسيب قال: لما طعن عمر قال كعب: لو دعا الله لأخر في ~~أجله، فقيل له: أليس قد قال الله (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون) فقال كعب: وقد قال الله - وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا ~~في كتاب -. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) قال: ما قدر لهم من خير وشر. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: من الأعمال من ~~عمل خيرا جزى به ومن عمل شرا جزى به. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أيضا ~~قال: نصيبهم من الشقاوة والسعادة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في الآية قال: ما سبق من الكتاب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في الآية قال: رزقه وأجله وعمله. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ~~صالح في الآية قال: من العذاب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (قد خلت) قال: ~~قد مضت (كلما ms1261 دخلت أمة لعنت أختها) قال: كلما دخلت أهل ملة لعنوا أصحابهم ~~على ذلك، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود. # والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة ~~الأولى (حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم) الذين كانوا في آخر ~~الزمان (لأولاهم) الذين شرعوا لهم ذلك الدين (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف) الأولى والآخرة (وقالت أولاهم لأخراهم ~~فما كان لكم علينا من فضل) وقد ضللتم كما ضللنا. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (عذابا ضعفا) ~~قال: مضاعفا (قال لكل ضعف) قال: مضاعف، وفى قوله (فما كان لكم علينا من ~~فضل) قال: تخفيف من العذاب. # سورة الأعراف الآية (40) PageV02P204 # سورة الأعراف الآية (41 - 43) قوله (لا تفتح لهم أبواب السماء) قرأ ابن ~~عباس وحمزة والكسائي بفتح التحتية لكون تأنيث الجمع غير حقيقي فجاز تذكيره. ~~وقرأ الباقون بالفوقية على التأنيث. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي تفتح ~~بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد، والمعنى: أنها لا تفتح أبواب السماء ~~لأرواحهم إذا ماتوا، وقد دل على هذا المعنى وأنه المراد من الآية ما جاء في ~~الأحاديث الصحيحة أن الملائكة إذا انتهوا بروح الكافر إلى السماء الدنيا ~~يستفتحون فلا تفتح لهم أبواب السماء، وقيل لا تفتح أبواب السماء لأدعيتهم ~~إذا دعوا قاله مجاهد والنخعي، وقيل لأعمالهم: أي لا تقبل، بل ترد عليهم ~~فيضرب بها في وجوههم، وقيل المعنى: أنها لا تفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها، ~~لأن الجنة في السماء، فيكون على هذا القول العطف لجملة (ولا يدخلون الجنة) ~~من عطف التفسير، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء ~~والأعمال، ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من ~~هذه، فإن ذلك لا يدل على فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية. قوله (ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) أي أن هؤلاء الكفار المكذبين ~~المستكبرين لا يدخلون الجنة بحال من الأحوال، ولهذا علقه بالمستحيل، فقال ms1262 ~~(حتى يلج الجمل في سم الخياط) وهو لا يلج أبدا، وخص الجمل بالذكر لكونه ~~يضرب به المثل في كبر الذات، وخص سم الخياط، وهو ثقب الإبرة بالذكر لكونه ~~غاية في الضيق، والجمل الذكر من الإبل والجمع جمال وأجمال وجمالات، وإنما ~~يسمى جملا إذا أربع. وقرأ ابن عباس " الجمل " بضم الجيم وفتح الميم مشددة، ~~وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس وهو حبال مجموعة قاله ثعلب، وقيل الحبل ~~الغليظ من القنب، وقيل الحبل الذي يصعد به في النخل. وقرأ سعيد بن جبير " ~~الجمل " بضم الجيم وتخفيف الميم: وهو القلس أيضا. وقرأ أبو السماك " الجمل ~~" بضم الجيم وسكون الميم. وقرئ أيضا بضمهما. وقرأ عبد الله بن مسعود " حتى ~~يلج الجمل الأصغر في سم الخياط " وقرئ (في سم) بالحركات الثلاث، والسم: كل ~~ثقب لطيف، ومنه ثقب الإبرة، والخياط ما يخاط به، يقال خياط ومخيط (وكذلك ~~نجزى المجرمين) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزى المجرمين: أي جنس من أجرم ~~وقد تقدم تحقيقه. والمهاد: الفراش، والغواش جمع غاشية: أي نيران تغشاهم من ~~فوقهم كالأغطية (وكذلك نجزى الظالمين) أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزى من ~~اتصف بصفة الظلم. قوله (لا نكلف نفسا إلا وسعها) أي لا نكلف العباد إلا بما ~~يدخل تحت وسعهم ويقدرون عليه، ولا نكلفهم ما لا يدخل تحت وسعهم، وهذه ~~الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ومثله - لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~- وقرأ الأعمش تكلف بالفوقية ورفع نفس، والإشارة بقوله (أولئك) إلى ~~الموصول، وخبره (أصحاب الجنة) والجملة خبر الموصول، وجملة و (هم فيها ~~خالدون) في محل نصب على الحال. قوله (ونزعنا ما في صدورهم من غل) هذا من ~~جملة ما ينعم الله به على أهل الجنة أن ينزع الله PageV02P205 # ما في قلوبهم من الغل على بعضهم بعضا حتى تصفوا قلوبهم ويود بعضهم بعضا، ~~فإن الغل لو بقي في صدورهم كما كان في الدنيا لكان في ذلك تنغيص لنعيم ~~الجنة، لأن المتشاحنين لا يطيب لأحدهم عيش مع وجود الآخر. والغل: # الحقد الكامن في ms1263 الصدور، وقيل نزع الغل في الجنة أن لا يحسد بعضهم بعضا ~~في تفاضل المنازل (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا) أي لهذا الجزاء ~~العظيم، وهو الخلود في الجنة ونزع الغل من صدورهم، والهداية هذه لهذا هي ~~الهداية لسببه من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا (وما كنا لنهتدي) قرأ ~~ابن عامر بإسقاط الواو، وقرأ الباقون بإثباتها، وما كنا نطيق أن نهتدي بهذا ~~الأمر لولا هداية الله لنا، والجملة مستأنفة أو حالية، وجواب لولا محذوف ~~يدل عليه ما قبله: أي لولا هداية الله لنا ما كنا لنهتدي. قوله (لقد جاءت ~~رسل ربنا بالحق) اللام لام القسم، قالوا هذا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه ~~من الجزاء العظيم اغتباطا بما صاروا فيه بسبب ما تقدم منهم من تصديق الرسل ~~وظهور صدق ما أخبروهم به في الدنيا من أن جزاء الإيمان والعمل الصالح هو ~~هذا الذي صاروا فيه. قوله (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون) أي وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقيل لهم تلكم ~~الجنة أورثتموها: أي ورثتم منازلها بعملكم. قال في الكشاف: بسبب أعمالكم لا ~~بالتفضل كما تقوله المبطلة انتهى. # أقول: يا مسكين هذا قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح عنه ~~" سد دوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا ~~رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " والتصريح بسبب لا ~~يستلزم نفي سبب آخر، ولولا التفضل من الله سبحانه وتعالى على العامل ~~باقداره على العمل لم يكن عمل أصلا، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار ~~لكان القائلون به محقة لا مبطلة، وفى التنزيل - ذلك الفضل من الله - وفيه - ~~فسيدخلهم في رحمة منه وفضل -. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا تفتح لهم أبواب ~~السماء) يعني لا يصعد إلى الله من عملهم شئ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال: لا تفتح لهم ms1264 لعمل ولا ~~لدعاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه أيضا في ~~الآية قال: لا تفتح لأرواحهم، وهي تفتح لأرواح المؤمنين. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عنه أيضا حتى يلج الجمل) قال: ذو القوائم (في سم الخياط) قال: ~~في خرت الإبرة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الكبير وأبو الشيخ عن ابن مسعود في ~~قوله (حتى يلج الجمل) قال: زوج الناقة. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ ~~الجمل بضم الجيم وتشديد الميم وقال: هو الحبل الغليظ أو هو من حبال السفن. ~~وأخرج عبد ابن حميد عن ابن عمر أنه سئل عن سم الخياط فقال: الجمل في ثقب ~~الإبرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: المهاد الفراش، والغواش اللحف. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: فينا ~~والله أهل بدر نزلت هذه الآية (ونزعنا ما في صدورهم من غل). وأخرج النسائي ~~وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كل أهل النار يرى منزله من ~~الجنة يقول لو هدانا الله فيكون حسرة عليهم، وكل أهل الجنة يرى منزله من ~~النار فيقول لولا أن هدانا الله فهذا شكرهم ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ~~وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ونودوا ~~أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) قال: نودوا أن صحوا فلا تسقموا، ~~وانعموا فلا تبأسوا، وشبوا فلا تهرموا، واخلدوا فلا تموتوا. PageV02P206 # سورة الأعراف الآية (44 - 49) مناداة أصحاب الجنة لأصحاب النار لم تكن ~~لقصد الإخبار لهم بما نادوهم به، بل ms1265 لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في قلوبهم، ~~و (أن قد وجدنا) هو نفس النداء: أي إنا قد وصلنا إلى ما وعدنا الله به من ~~النعيم فهل وصلتم إلى ما وعدكم الله به من العذاب الأليم، والاستفهام هو ~~للتقريع والتوبيخ، وحذف مفعول وعد الثاني لكون الوعد لم يكن لهم بخصوصهم، ~~بل لكل الناس كالبعث والحساب والعقاب، وقيل حذف لإسقاط الكفار عن رتبة ~~التشريف بالخطاب عند الوعد (قالوا نعم) أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. وقرأ ~~الأعمش والكسائي " نعم " بكسر العين. قال مكي: من قال نعم بكسر العين فكأنه ~~أراد أن يفرق بين نعم التي جواب وبين نعم التي هي اسم للبقر والغنم والإبل. ~~والمؤذن: المنادي، أي فنادى مناد بينهم: أي بين الفريقين، قيل هو من ~~الملائكة (أن لعنة الله على الظالمين) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والبزي ~~بتشديد أن وهو الأصل. وقرأ الباقون بالتخفيف على أنها المخففة من الثقيلة ~~أو المفسرة. وقرأ الأعمش بكسر همزة إن على إضمار القول، وجملة (الذين يصدون ~~عن سبيل الله) صفة للظالمين، ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم. أو أعني. ~~والصد: المنع: أي يمنعون الناس عن سلوك سبيل الحق (ويبغونها عوجا) أي ~~يطلبون اعوجاجها: أي ينفرون الناس عنها ويقدحون في استقامتها بقولهم إنها ~~غير حق وإن الحق ما هم فيه، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم يكن ~~منتصبا، وبالفتح ما كان في المنتصب كالرمح، وجملة (وهم بالآخرة كافرون) في ~~محل نصب على الحال، قوله (وبينهما حجاب) أي بين الفريقين أو بين الجنة ~~والنار، والحجاب هو السور المذكور في قوله تعالى - فضرب بينهم بسور -. قوله ~~(وعلى الأعراف رجال) الأعراف: جمع عرف، وهي شرفات السور المضروب بينهم، ~~ومنه عرف الفرس وعرف الديك والأعراف في اللغة: المكان المرتفع، وهذا الكلام ~~خارج مخرج المدح كما في قوله - رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~-. # وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف من هم؟ فقيل هم الشهداء، ذكره ~~القشيري وشرحبيل بن سعد، وقيل هم فضلاء المؤمنين فرغوا من شغل أنفسهم ~~وتفرغوا ms1266 لمطالعة أحوال الناس ذكره مجاهد، وقيل هم قوم أنبياء PageV02P207 # ذكره الزجاج، وقيل هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، قاله ابن مسعود وحذيفة ~~بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل هم العباس وحمزة ~~وعلي وجعفر الطيار يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها، حكى ذلك ~~عن ابن عباس، وقيل هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في ~~كل أمة، واختار هذا القول النحاس، وقيل هم أولاد الزنا، روى ذلك عن ابن ~~عباس، وقيل هم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل ~~إدخالهم الجنة والنار ذكره أبو مجلز، وجملة (يعرفون كلا بسيماهم) صفة ~~لرجال. والسيما العلامة: أي يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بعلاماتهم ~~كبياض الوجوه وسوادها، أو مواضع الوضوء من المؤمنين، أو علامة يجعلها الله ~~لكل فرق في ذلك الموقف يعرف رجال الأعراف بها السعداء من الأشقياء (ونادوا ~~أصحاب الجنة) أي نادى رجال الأعراف أصحاب الجنة حين رأوهم (أن سلام عليكم) ~~أي نادوهم بقولهم سلام عليكم تحية لهم وإكراما وتبشيرا، أو أخبروهم ~~بسلامتهم من العذاب. قوله (لم يدخلوها وهو يطمعون) أي لم يدخل الجنة أصحاب ~~الأعراف والحال أنهم يطمعون في دخولها، وقيل معنى (يطمعون) يعلمون أنهم ~~يدخلونها وذلك معروف عند أهل اللغة: أي طمع بمعنى علم ذكره النحاس. وهذا ~~القول أعني كونهم أهل الأعراف مروي عن جماعة منهم ابن عباس وابن مسعود. ~~وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة: أي أن أهل الأعراف قالوا لهم سلام عليكم حال ~~كون أهل الجنة لم يدخلوها والحال أنهم يطمعون في دخولها. قوله (وإذا صرفت ~~أبصارهم تلقاء أصحاب النار) أي إذا صرفت أبصار أهل الأعراف تلقاء أصحاب ~~النار: أي جهة أصحاب، وأصل معنى (تلقاء) جهة اللقاء، وهي جهة المقابلة ولم ~~يأت مصدر على تفعال بكسر أوله غير مصدرين، أحدهما هذا، والآخر تبيان، وما ~~عداهما بالفتح (قالوا) أي قال أهل الأعراف (ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين) سألوا الله أن لا يجعلهم منهم (ونادى أصحاب الأعراف رجالا) من ~~الكفار (يعرفونهم بسيماهم) أي ms1267 بعلاماتهم (قالوا) بدل من نادى (ما أغنى عنكم ~~جمعكم) الذي كنتم تجمعون للصد عن سبيل الله، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، ~~قوله (وما كنتم تستكبرون) " ما " مصدرية: أي وما أغنى عنكم استكباركم ~~(أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) هذا من كلام أصحاب الأعراف: أي ~~قالوا للكفار مشيرين إلى المسلمين الذين صاروا إلى الجنة هذه المقالة. وقد ~~كان الكفار يقسمون في الدنيا عند رؤيتهم لضعفاء المسلمين بهذا القسم، وهذا ~~تبكيت للكفار وتحسير لهم. قوله (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون) هذا تمام كلام أصحاب الأعراف: أي قالوا للمسلمين ادخلوا الجنة، فقد ~~انتفى عنكم الخوف والحزن بعد الدخول. وقرأ طلحة بن مصرف " أدخلوا " بكسر ~~الخاء. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن بن عباس في قوله (أن قد وجدنا ما ~~وعدنا ربنا حقا) قال: من النعيم والكرامة (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) قال: ~~من الخزي والهوان والعذاب. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وقف على قليب بدر تلا هذه ~~الآية: # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (وبينهما ~~حجاب) قال: هو السور وهو الأعراف، وإنما سمى الأعراف لأن أصحابه يعرفون ~~الناس. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حذيفة قال: # الأعراف سور بين الجنة والنار. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس قال: الأعراف هو الشئ المشرف. # وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عنه قال: الأعراف سور ~~له عرف كعرف الديك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن ~~جبير قال: الأعراف جبال بين الجنة والنار فهم على أعرافها، PageV02P208 # يقول على ذراها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنها تل بين الجنة والنار ~~حبس عليه ناس من أهل الذنوب. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ms1268 ابن جريج قال: زعموا أنه الصراط. وأخرج ابن جرير ~~عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار، ~~وهم آخر من يدخل الجنة، قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار. # وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود: أنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم يقفون على ~~الصراط. وأخرج ابن جرير عن حذيفة نحوه. وكذا أخرج نحوه عنه عبد الرزاق ~~وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد الله نحوه. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أصحاب الأعراف؟ # فقال: " هم آخر من يفصل بينهم من العباد، فإذا فرغ رب العالمين من الفصل ~~بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة فأنتم ~~عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم ". قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن وأخرج ~~البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " يجمع الناس يوم القيامة فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ويؤمر بأهل ~~النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظر أمرك، ~~فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها وحالت بينكم وبين الجنة ~~خطاياكم فادخلوا بمغفرتي ورحمتي ". وأخرج سعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي ~~في البعث عن عبد الرحمن المزني قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن أصحاب الأعراف؟ فقال: " هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم، ~~فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصيتهم آباءهم ". ~~وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه. ~~وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ~~الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن جرير ms1269 وابن مردويه عن عبد الله بن مالك ~~الهلالي عن أبيه مرفوعا نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه. ~~وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن رجل من مزينة مرفوعا نحوه. وأخرج أبو الشيخ ~~عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار أنه سئل عن قوله (لم يدخلوها وهم يطمعون) ~~قال: سلمت عليهم الملائكة وهم لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها حين سلمت. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي قال: أصحاب الأعراف يعرفون الناس ~~بسيماهم، أهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم، فإذا مروا بزمرة ~~يذهب بهم إلى الجنة قالوا سلام عليكم، وإذا مروا بزمرة يذهب بها إلى النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (ونادى أصحاب الأعراف رجالا) قال: في النار (يعرفونهم بسيماهم ~~قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) قال الله لأهل التكبر (أهؤلاء ~~الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) يعني أصحاب الأعراف (ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). # سورة الأعراف الآية (50 - 52) PageV02P209 # سورة الأعراف الآية (53 - 54) قوله (أن أفيضوا علينا من الماء) الإفاضة: ~~التوسعة، يقال أفاض عليه نعمه، طلبوا منهم أن يواسوهم بشئ من الماء أو بشئ ~~مما رزقهم الله من غيره من الأشربة أو الأطعمة، فأجابوا بقولهم (إن الله ~~حرمهما) أي الماء وما رزقهم الله من غيره (على الكافرين) فلا نواسيكم بشئ ~~مما حرمه الله عليكم، وقيل إن هذا النداء من أهل النار كان بعد دخول أهل ~~الأعراف الجنة، وجملة (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا) في محل جر صفة ~~الكافرين. # وقد تقدم تفسير اللهو واللعب والغرر. قوله (فاليوم ننساهم) أي نتركهم في ~~النار (كما نسوا لقاء يومهم هذا) الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية: أي ~~نسيانا كنسيانهم لقاء يومهم هذا. قوله (وما كانوا بآياتنا يجحدون) معطوف ~~على ما نسوا: أي كما نسوا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون: أي ينكرونها، واللام ~~في (ولقد جئناهم) جواب القسم، والمراد بالكتاب الجنس، إن كان الضمير للكفار ~~جميعا، ms1270 وإن كان للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالمراد بالكتاب ~~القرآن، والتفصيل التبيين، و (على علم) في محل نصب على الحال: أي عالمين ~~حال كونه (هدى) للمؤمنين (ورحمة) لهم. قال الكسائي والفراء: ويجوز " هدى ~~ورحمة " بالخفض على النعت لكتاب. قوله (هل ينظرون إلا تأويله بالهمز من آل، ~~وأهل المدينة يخفون الهمزة. والنظر الانتظار: أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا ~~به في الكتاب من العقاب الذي يئول الأمر إليه، وقيل تأويله جزاؤه، وقيل ~~عاقبته. والمعنى متقارب. ويوم ظرف ليقول: أي يوم يأتي تأويله، وهو يوم ~~القيامة (يقول الذين نسوه من قبل) أي تركوه من قبل أن يأتي تأويله (قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق) الذي أرسلهم الله به إلينا (فهل لنا من شفعاء) استفهام ~~منهم، ومعناه التمني (فيشفعوا لنا) منصوب لكونه جوابا للاستفهام. قوله (أو ~~نرد) قال الفراء: المعنى أو هل نرد (فنعمل غير الذي كنا نعمل) وقال الزجاج: ~~نرد عطف على المعنى: أي هل يشفع لنا أحد أو نرد. وقرأ ابن أبي إسحاق " أو ~~نرد فنعمل بنصبهما، كقول امرئ القيس: # فقلت له لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقرأ الحسن ~~برفعهما، ومعنى الآية: هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من العذاب، أو هل ~~نرد إلى الدنيا فنعمل صالحا غير ما كنا نعمل من المعاصي قد خسروا أنفسهم) ~~أي لم ينتفعوا بها فكانت أنفسهم بلاء عليهم ومحنة لهم فكأنهم خسروها كما ~~يخسر التاجر رأس ماله، وقيل خسروا النعيم وحظ الأنفس (وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون) أي افتراؤهم أو الذي كانوا يفترونه. والمعنى أنه بطل كذبهم الذي ~~كانوا يقولونه في الدنيا أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكا لله فلم ~~ينفعهم ولا حضر معهم. قوله (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام) هذا نوع من بديع صنع الله وجليل قدرته وتفرده بالإيجاد الذي يوجب على ~~العباد توحيده وعبادته PageV02P210 # وأصل ستة سدسة أبدلت التاء من أحد السينين وأدغم فيها الدال، والدليل على ~~هذا أنك تقول في ms1271 التصغير سديسة، وفى الجمع أسداس، وتقول جاء فلان سادسا. ~~واليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من ~~أيام الآخرة، وهذه الأيام الست أولها الأحد وآخرها الجمعة، وهو سبحانه قادر ~~على خلقها في لحظة واحدة يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد أن يعلم عباده ~~الرفق والتأني في الأمور، أو خلقها في ستة أيام لكون لكل شئ عنده أجلا، وفى ~~آية أخرى - ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب - قوله (ثم استوى على العرش). # قد اختلف العلماء في معنى هذا على أربعة عشر قولا، وأحقها وأولاها ~~بالصواب مذهب السلف الصالح أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف بل على الوجه ~~الذي يليق به مع تنزهه عما لا يجوز عليه، والاستواء في لغة العرب هو العلو ~~والاستقرار. قال الجوهري: استوى على ظهر دابته: أي استقر، واستوى إلى ~~السماء: أي صعد، واستوى: أي استولى وظهر، ومنه قول الشاعر: # قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق واستوى الرجل: أي انتهى ~~شبابه، واستوى: أي انتسق واعتدل. وحكى عن أبي عبيدة أن معنى (استوى) هنا: ~~علا، ومثله قول الشاعر: # فأورد بهم ماء ثقيفا بقفرة * وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي علا ~~وارتفع. والعرش. قال الجوهري: هو سرير الملك. ويطلق العرش على معان أخر ~~منها عرش البيت: # سقفه، وعرش البئر: طيها بالخشب، وعرش السماك: أربعة كواكب صغار، ويطلق ~~على الملك والسلطان والعز ومنه قول زهير: # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها * وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل وقول الآخر: ~~إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحرث بن شهاب وقول الآخر: رأوا ~~عرشي تثلم جانباه * فلما أن تثلم أفردوني وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة ~~عرش الرحمن وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما، وهو المراد ~~هنا. قوله (يغشى الليل النهار) أي يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطى بظلمته ~~ضياءه. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " يغشى " بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف ~~وهما لغتان، يقال أغشى يغشى، وغشى يغشى، والتغشية ms1272 في الأصل: إلباس الشئ ~~الشئ، ولم يذكر في هذه الآية يغشى الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن ~~الآخر كقوله تعالى - سرابيل تقيكم الحر -. وقرأ حميد بن قيس يغشى الليل ~~النهار " على إسناد الفعل إلى الليل، ومحل هذه الجملة النصب على الحال، ~~والتقدير: استوى على العرش مغشيا الليل النهار، وهكذا قوله (يطلبه حثيثا) ~~حال من الليل: أي حال كون الليل طالبا للنهار طلبا حثيثا لا يفتر عنه بحال، ~~وحثيثا صفة مصدر محذوف، أي يطلبه طلبا حثيثا: أو حال من فاعل يطلب. والحث: ~~الاستعجال والسرعة، يقال ولي حثيثا: أي مسرعا. قوله (والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره) قال الأخفش: معطوف على السماوات، وقرأ ابن عامر برفعها كلها ~~على الابتداء والخبر. والمعنى على الأول: وخلق الشمس والقمر والنجوم حال ~~كونها مسخرات، وعلى الثاني: الإخبار عن هذه بالتسخير. قوله (ألا له الخلق ~~والأمر) إخبار منه سبحانه لعباده بأنهما له، والخلق: المخلوق، والأمر: # كلامه، وهو كن في قوله - إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~- أو المراد بالأمر ما يأمر به PageV02P211 # على التفصيل، أو التصرف في مخلوقاته، ولما ذكر سبحانه في هذه الآية خلق ~~السماوات والأرض في ذلك الأمد اليسير، ثم ذكر استواءه على عرشه وتسخير ~~الشمس والقمر والنجوم، وأن له الخلق والأمر. قال (تبارك الله رب العالمين) ~~أي كثرت بركته واتسعت، ومنه بورك الشئ وبورك فيه، كذا قال ابن عرفة. وقال ~~الأزهري في (تبارك) معناه تعالى وتعاظم. وقد تقدم تفسير (رب العالمين) في ~~الفاتحة مستكملا. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة) الآية ~~قال: ينادي الرجل أخاه فيقول: يا أخي أغثني فإني قد احترقت فأفض على من ~~الماء، فيقال أجبه، فيقول، إن الله حرمهما على الكافرين. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (أفيضوا علينا من الماء أو مما ~~رزقكم الله) قال: من الطعام. وأخرج ابن جرير ms1273 وابن أبي حاتم عن ابن زيد في ~~الآية قال: يستسقونهم ويستطعمونهم، وفى قوله (إن الله حرمهما على الكافرين) ~~قال: طعام الجنة وشرابها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (فاليوم ننساهم كما نسوا ~~لقاء يومهم هذا) يقول: نتركهم في النار كما تركوا لقاء يومهم هذا. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فاليوم ننساهم) قال: ~~نؤخرهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله (هل ينظرون إلا تأويله) قال: عاقبته. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال (يوم يأتي ~~تأويله) جزاؤه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (يوم يأتي ~~تأويله) قال يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (ما كانوا ~~يفترون) قال: ما كانوا يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (خلق السماوات والأرض في ستة أيام) قال: ~~كل يوم مقداره ألف سنة. وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قال في قوله (استوى ~~على العرش) الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، ~~والجحود كفر. وأخرج اللالكائي عن مالك أن رجلا سأله كيف استوى على العرش؟ ~~فقال: الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال ~~عنه بدعة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء والخطيب في تاريخه عن الحسن ~~بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين آية في كل ليلة أن يعصمه الله من ~~كل سلطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضاري، ومن كل لص عادى: آية ~~الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض) ~~وعشرا من أول سورة الصافات، وثلاث آيات من الرحمن. أولها - يا معشر الجن ~~والإنس -، وخاتمة الحشر. وأخرج أبو الشيخ بن عبيد بن أبي مرزوق قال: # من قرأ ms1274 عند نومه (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض) الآية، بسط ~~عليه ملك جناحه حتى يصبح وعوفي من السرق. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن قيس ~~صاحب عمر بن عبد العزيز قال: مرض رجل من أهل المدينة فجاءه زمرة من أصحابه ~~يعودونه، فقرأ رجل منهم (إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض) الآية كلها، ~~وقد أصمت الرجل فتحرك ثم استوى جالسا، ثم سجد يومه وليلته حتى كان من الغد ~~من الساعة التي سجد فيها، قال له أهله: الحمد لله الذي عافاك، قال: بعث إلى ~~نفسي ملك يتوفاها، فلما قرأ صاحبكم الآية التي قرأ سجد الملك وسجدت بسجوده، ~~فهذا حين رفع رأسه، ثم مال فقضى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن السدي في قوله (يغشى الليل النهار) قال: يغشى الليل النهار فيذهب بضوئه ~~ويطلبه سريعا حتى يدركه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: يلبس الليل ~~النهار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (حثيثا) قال: سريعا. ~~PageV02P212 # وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في قوله (ألا له الخلق والأمر) ~~قال: الخلق ما دون العرش، والأمر ما فوق ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي ~~عنه قال: الخلق هو الخلق، والأمر هو الكلام. # سورة الأعراف الآية (55 - 58) أمرهم الله سبحانه بالدعاء، وقيد ذلك بكون ~~الداعي متضرعا بدعائه مخفيا له، وانتصاب (تضرعا وخفية) على الحال: أي ~~متضرعين بالدعاء مخفين له، أو صفة مصدر محذوف: أي ادعوه دعاء تضرع ودعاء ~~خفية. # والتضرع من الضراعة، وهي الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية: الإسرار به، ~~فإن ذلك أقطع لعرق الرياء، وأحسم لباب ما يخالف الإخلاص، ثم علل ذلك بقوله ~~(إنه لا يحب المعتدين) أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وفي كل شئ، فمن ~~جاوز ما أمره الله به في شئ من الأشياء فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين، ~~وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولا أوليا. ومن الاعتداء في ~~الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا، أو إدراك ms1275 ما هو محال ~~في نفسه، أو يطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة أو يرفع صوته ~~بالدعاء صارخا به. قوله (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) نهاهم الله ~~سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه قليلا كان أو كثيرا، ومنه قتل ~~الناس وتخريب منازلهم وقطع أشجارهم وتغوير أنهارهم. ومن الفساد في الأرض ~~الكفر بالله والوقوع في معاصيه، ومعنى (بعد إصلاحها): بعد أن أصلحها الله ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتقرير الشرائع. قوله (وادعوه خوفا وطمعا) ~~إعرابهما يحتمل الوجهين المتقدمين في (تضرعا وخفية) وفيه أنه يشرع للداعي ~~أن يكون عند دعائه خائفا وجلا طامعا في إجابة الله لدعائه، فإنه إذا كان ~~عند الدعاء جامعا بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه. والخوف: الانزعاج من ~~المضار التي لا يؤمن من وقوعها، والطمع: توقع حصول الأمور المحبوبة. قوله ~~(إن رحمت الله قريب من المحسنين) هذا إخبار من الله سبحانه بأن رحمته قريبة ~~من عباده المحسنين بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم، وفى هذا ترغيب للعباد ~~إلى الخير وتنشيط لهم، فإن قرب هذه الرحمة التي يكون بها الفوز بكل مطلب ~~مقصود لكل عبد من عبادة الله. # وقد اختلف أئمة اللغة والإعراب في وجه تذكير خبر رحمة الله حيث قال قريب ~~ولم يقل قريبة، فقال الزجاج: # إن الرحمة مؤولة بالرحم لكونها بمعنى العفو والغفران، ورجح هذا التأويل ~~النحاس، وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر بمعنى الترحم، وحق المصدر ~~التذكير. وقال الأخفش سعيد: أراد بالرحمة هنا المطر، وتذكير بعض المؤنث ~~جائز، وأنشد: PageV02P213 # فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل أبقالها وقال أبو عبيدة: تذكير قريب ~~على تذكير المكان: أي مكان قريب. قال علي بن سليمان الأخفش: وهذا خطأ، ولو ~~كان كما قال لكان قريب منصوبا كما تقول: إن زيدا قريبا منك. وقال الفراء: ~~إن القريب إذا كان بمعنى المسافة فيذكر ويؤنث، وإن كان بمعنى النسب فيؤنث ~~بلا اختلاف بينهم. وروى عن الفراء أنه قال: # يقال في النسب قريبة فلان، وفى غير النسب يجوز التذكير والتأنيث فيقال: ~~دارك عنا ms1276 قريب وفلان منا قريب قال الله تعالى - وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا - ومنه قول امرئ القيس: # لك الويل أن أمسى ولا أم هاشم * قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا وروى عن ~~الزجاج أنه خطأ الفراء فيما قاله وقال: إن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا ~~على أفعالهما، وقيل إنه لما كان تأنيث الرحمة غير حقيقي جاز في خبرها ~~التذكير، ذكر معناه الجوهري. قوله (وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي ~~رحمته) عطف على قوله (يغشى الليل النهار) يتضمن ذكر نعمة من النعم التي ~~أنعم بها على عباده مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته وثبوت إلاهيته. ~~ورياح جمع ريح، وأصل ريح روح، وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو " نشرا " بضم ~~النون والشين جمع ناشر على معنى النسب: أي ذات نشر. وقرأ الحسن وقتادة وابن ~~عامر " نشرا " بضم النون وإسكان الشين من نشر. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي ~~" نشرا " بفتح النون وإسكان الشين على المصدر ويجوز أن يكون مصدرا في موضع ~~الحال، ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النشر الذي هو خلاف الطي فكأن الريح مع ~~سكونها كانت مطوية ثم ترسل من طيها فتصير كالمنفتحة. وقال أبو عبيدة: معناه ~~متفرقة في وجوهها على معنى ننشرها هاهنا وهاهنا. وقرأ عاصم (بشرا) بالباء ~~الموحدة وإسكان الشين جمع بشير: أي الرياح تبشر بالمطر، ومثله قوله تعالى ~~(وهو الذي يرسل الرياح مبشرات). قوله (بين يدي رحمته) أراد بالرحمة هنا ~~المطر: أي قدام رحمته، والمعنى: أنه سبحانه يرسل الرياح ناشرات أو مبشرات ~~بين يدي المطر. قوله (حتى إذا أقلت سحابا ثقالا) أقل فلان الشئ: حمله ~~ورفعه، والسحاب يذكر ويؤنث، والمعنى: حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا ~~بالماء الذي صارت تحمله (سقناه) أي السحاب بلد ميت، أي مجدب ليس فيه نبات، ~~يقال سقته لبلد كذا، وإلى بلد كذا، وقيل اللام هنا لام العلة: أي لأجل بلد ~~ميت، والبلد هو الموضع العامر من الأرض (فأنزلنا به الماء) أي بالبلد الذي ~~سقناه لأجله أو بالسحاب: أي أنزلنا بالسحاب الماء الذي تحمله أو ms1277 بالريح: # أي فأنزلنا بالريح المرسلة بين يدي المطر الماء، وقيل إن الباء هنا بمعنى ~~من: أي فأنزلنا منه الماء (فأخرجنا به) أي بالماء (من كل الثمرات) أي من ~~جميع أنواعها. قوله (كذلك نخرج الموتى) أي مثل ذلك الإخراج، وهو إخراج ~~الثمرات نخرج الموتى من القبور يوم حشرهم (لعلكم تذكرون) أي تتذكرون ~~فتعلمون بعظيم قدرة الله وبديع صنعته، وإنه قادر على بعثكم كما قدر على ~~إخراج الثمرات التي تشاهدونها. قوله (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه) أي ~~التربة الطيبة يخرج نباتها بإذن الله وتيسيره إخراجا حسنا تاما وافيا ~~(والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) أي والتربة الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكدا: ~~أي لا خير فيه. وقرأ طلحة بن مصرف " نكدا " بسكون الكاف. وقرأ ابن القعقاع ~~" نكدا " بفتح الكاف: أي ذا نكد. وقرأ الباقون " نكد " بفتح النون وكسر ~~الكاف. وقرئ (يخرج) أي يخرجه البلد، قيل ومعنى الآية التشبيه شبه تعالى ~~السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالبلد الخبيث، ذكره النحاس، وقيل هذا ~~مثل للقلوب، فشبه القلب القابل للوعظ بالبلد الطيب، والنائي عنه بالبلد ~~الخبيث، قاله الحسن، وقيل هو مثل لقلب المؤمن والمنافق قاله قتادة، وقيل هو ~~مثل للطيب والخبيث من بني آدم، قاله مجاهد (كذلك نصرف الآيات) أي مثل ذلك ~~التصريف (لقوم يشكرون) الله ويعترفون بنعمته. PageV02P214 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس (ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية) قال: السر (إنه لا يحب المعتدين) في الدعاء ولا في غيره. وأخرج أبو ~~الشيخ عن قتادة قال: التضرع علانية والخفية سر. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير في قوله (ادعو ربكم تضرعا وخفية) يعنى مستكينا، وخفية: يعنى في خفض ~~وسكون في حاجاتكم من أمر الدنيا والآخرة (إنه لا يحب المعتدين) يقول: لا ~~تدعوا على المؤمن والمؤمنة بالشر: # اللهم اخزه والعنه ونحو ذلك فإن ذلك عدوان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن أبي مجلز في قوله (إنه لا يحب المعتدين) قال: لا تسألوا منازل الأنبياء. ~~وأخرج ابن المبارك وابن ms1278 جرير وأبو الشيخ عن الحسن قال: # لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا ~~بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) وذلك أن الله ~~ذكر عبدا صالحا فرضي قوله فقال - إذ نادى ربه نداء خفيا -. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن صالح في قوله (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) قال: بعد ما ~~أصلحها الأنبياء وأصحابهم. وأخرج أبو الشيخ عن أبي سنان في الآية قال: ~~أحللت حلالي وحرمت حرامي وحددت حدودي فلا تفسدوها. وأخرج أبو الشيخ عن أبي ~~عباس في قوله (ادعوه خوفا وطمعا) قال: خوفا منه وطمعا لما عنده (إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين) يعني المؤمنين، ومن لم يؤمن بالله فهو من المفسدين. ~~وأخرج ابن جريج وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (وهو الذي يرسل ~~الرياح) قال: إن الله يرسل الريح فيأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف السماء ~~والأرض من حيث يلتقيان فيخرجه من ثم، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ~~ثم يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (بشرا بيدي رحمته) قال: ~~يستبشر بها الناس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (بين يدي ~~رحمته) قال: هو المطر، وفى قوله (كذلك نخرج الموتى) قال: كذلك تخرجون، ~~وكذلك النشور كما يخرج الزرع بالماء. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (كذلك نخرج ~~الموتى) قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى يشقق عنهم ~~الأرض، ثم يرسل الأرواح فيهوى كل روح إلى جسده، فكذلك يحيى الله الموتى ~~بالمطر كإحيائه الأرض. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والبلد ~~الطيب) الآية قال: هو مثل ضربه الله للمؤمن، يقول هو طيب وعمله طيب، كما أن ~~البلد الطيب ms1279 ثمرها طيب (والذي خبث) ضرب مثلا للكافر كالبلد السبخة المالحة ~~التي لا تخرج منها البركة، فالكافر هو الخبيث وعمله خبيث، وقد روى نحو هذا ~~عن جماعة من التابعين. # سورة الأعراف الآية (59 - 62). PageV02P215 # سورة الأعراف الآية (63 - 64) لما بين سبحانه كمال قدرته وبديع صنعته في ~~الآيات السابقة ذكر هنا أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار ووعيدهم، ~~لتنبيه هذه الأمة على الصواب، وأن لا يقتدوا بمن خالف الحق من الأمم ~~السالفة. واللام جواب قسم محذوف. وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم، وقد ~~تقدم ذكر نوح في آل عمران فأغنى عن الإعادة هنا، وما قيل من أن إدريس قبل ~~نوح، فقال ابن العربي: إنه وهم. قال المازري: فإن صح ما ذكره المؤرخون كان ~~محمولا على أن إدريس كان نبيا غير مرسل، وجملة (فقال يا قوم اعبدوا الله) ~~استئنافية جواب سؤال مقدر. قوله (ما لكم من إله غيره) هذه الجملة في حكم ~~العلة لقوله (اعبدوا) أي اعبدوه لأنه لم يكن لكم إله غيره حتى يستحق منكم ~~أن يكون معبودا. قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة وابن كثير وابن عامر برفع ~~غيره على أنه نعت لإله على الموضع. وقرأ الكسائي بالخفض في جميع القرآن على ~~أنه نعت على اللفظ. وأجاز الفراء والكسائي النصب على الاستثناء: يعني ما ~~لكم من إله إلا إياه. وقال أبو عمرو: ما أعرف الجر ولا النصب، ويرده أن بعض ~~بني أسد ينصبون " غير " في جميع الأحوال، ومنه قول الشاعر: # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أرقال وجملة (إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) جملة متضمنة لتعليل الأمر بالعبادة: أي إن لم ~~تعبدوه فإني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة أو عذاب يوم الطوفان. قوله (قال ~~الملأ من قومه) جملة استئنافية جواب سؤال مقدر، والملأ أشراف القوم ~~ورؤساؤهم، وقيل هم الرجال، وقد تقدم بيانه في البقرة، والضلال: العدول عن ~~طريق الحق والذهاب عنه: أي إنا لنراك في دعائك إلى عبادة الله وحده في ضلال ~~عن ms1280 طريق الحق، وجملة (قال يا قوم) استئنافية أيضا جواب سؤال مقدر (ليس بي ~~ضلالة) كما تزعمون (ولكني رسول من رب العالمين): أرسلني إليكم لسوق الخير ~~إليكم ودفع الشر عنكم، نفى عن نفسه الضلالة، وأثبت لها ما هو أعلى منصبا ~~وأشرف رفعة وهو أنه رسول الله إليهم، وجملة (أبلغكم رسالات ربي) في محل رفع ~~على أنها صفة لرسول، أو هي مستأنفة مبينة لحال الرسول. والرسالات: ما أرسله ~~الله به إليهم مما أوحاه إليه (وأنصح لكم) عطف على (أبلغكم) يقال نصحته ~~ونصحت له، وفى زيادة اللام دلالة على المبالغة في إمحاض النصح. قال ~~الأصمعي: الناصح: الخالص من الغل، وكل شئ خلص فقد نصح، فمعنى أنصح هنا: ~~أخلص النية لكم عن شوائب الفساد، والاسم النصيحة وجملة (وأعلم من الله ما ~~لا تعلمون) معطوفة على الجملة التي قبلها مقررة لرسالته ومبينة لمزيد علمه. ~~وأنه يختص بعلم الأشياء التي لا يعلمونها بإخبار الله له بذلك. قوله (أو ~~عجبتم) فتحت الواو لكونها العاطفة ودخلت عليها همزة الاستفهام للإنكار ~~عليهم. والمعطوف عليه مقدر: كأنه قيل استبعدتم وعجبتم أو أكذبتم وعجبتم أو ~~أنكرتم وعجبتم (أن جاءكم ذكر من ربكم) أي وحي وموعظة (على رجل منكم) أي على ~~لسان رجل منكم تعرفونه، ولم يكن ذلك على لسان من لا تعرفونه أو لا تعرفون ~~لغته، وقيل على بمعنى مع: أي مع رجل منكم لأجل ينذركم به (ولتتقوا) ما ~~يخالفه (ولعلكم ترحمون) بسبب ما يفيده الإنذار لكم والتقوى منكم من التعرض ~~لرحمة الله سبحانه لكم ورضوانه عنكم (فكذبوه) أي فبعد ذلك كذبوه ولم يعملوا ~~بما جاء به من الإنذار (فأنجيناه والذين معه) من المؤمنين به PageV02P216 # المستقرين معه (في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) واستمروا على ذلك ~~ولم يرجعوا إلى التوبة، وجملة (إنهم كانوا قوما عمين) علة لقوله (وأغرقنا) ~~أي أغرقنا المكذبين لكونهم عمى القلوب لا تنجع فيهم الموعظة ولا يفيدهم ~~التذكير. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms1281 قال " أول نبي أرسل نوح ". وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم وابن عساكر عن يزيد الرقاشي قال: # إنما سمى نوح عليه السلام نوحا لطول ما ناح على نفسه. وأخرج ابن المنذر ~~عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كان بين ~~آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ~~مالك قال: الملأ يعني الأشراف من قومه. وأخرج أبو الشيخ عن السدي (أن جاءكم ~~ذكر من ربكم) يقول بيان من ربكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(إنهم كانوا قوما عمين) قال: كفارا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (إنهم كانوا قوما عمين) قال: عن ~~الحق. # سورة الأعراف الآية (65 - الرحمن 72) قوله (وإلى عاد أخاهم هودا) أي ~~وأرسلنا إلى قوم عاد أخاهم: أي واحدا من قبيلتهم أو صاحبهم أو سماه أخا ~~لكونه ابن آدم مثلهم وعاد من هو ولد سام بن نوح. قيل هو عاد بن عوص بن إرم ~~بن شالخ بن أرفخشذ بن سام ابن نوح، وهود هو ابن عبد الله بن رباح بن الخلود ~~بن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، و (هودا) عطف بيان (قال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). قد تقدم تفسير هذا قريبا، والاستفهام ~~في (أفلا تتقون) للإنكار. وقد تقدم أيضا تفسير الملأ، والسفاهة الخفة ~~والحمق. وقد تقدم بيان ذلك في البقرة، PageV02P217 # نسبوه إلى الخفة والطيش ولم يكتفوا بذلك حتى قالوا (إنا لنظنك من ~~الكاذبين) مؤكدين لظنهم كذبه فيما ادعاه من الرسالة ثم أجاب عليهم بنفي ~~السفاهة عنه، واستدرك من ذلك بأنه رسول رب العالمين. وقد تقدم بيان معنى ~~هذا قريبا، وكذلك سبق تفسير (أبلغكم رسالات ربي) وتقدم معنى الناصح، ~~والأمين المعروف بالأمانة، وسبق أيضا تفسير (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم) في قصة نوح ms1282 التي قبل هذه القصة. # قوله (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) أذكرهم نعمة من نعم الله ~~عليهم، وهي أنه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح: أي جعلهم سكان الأرض التي ~~كانوا فيها، أو جعلهم ملوكا، وإذ منصوب باذكر وجعل الذكر للوقت. والمراد ما ~~كان فيه من الاستخلاف على الأرض لقصد المبالغة، لأن الشئ إذا كان وقته ~~مستحقا للذكر، فهو مستحق له بالأولى (وزادكم في الخلق بسطة) أي طولا في ~~الخلق وعظم جسم زيادة على ما كان عليه آباؤهم في الأبدان. وقد ورد عن السلف ~~حكايات عن عظم أجرام قوم عاد. قوله (فاذكروا آلاء الله) الآلاء: جمع إلى ~~ومن جملتها نعمة الاستخلاف في الأرض، والبسطة في الخلق وغير ذلك مما أنعم ~~به عليهم، وكرر التذكير لزيادة التقرير، والآلاء النعم (لعلكم تفلحون) إن ~~تذكرتم ذلك لأن الذكر للنعمة بسبب باعث على شكرها، ومن شكر فقد أفلح. قوله ~~(قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده) هذا استنكار منهم لدعائه إلى عبادة الله ~~وحده دون معبوداتهم التي جعلوها شركاء لله، وإنما كان هذا مستنكرا عندهم ~~لأنهم وجدوا آباءهم على خلاف ما دعاهم إليه (ونذر ما كان يعبد آباؤنا) أي ~~نترك الذي كانوا يعبدونه، وهذا داخل في جملة ما استنكروه. قوله (فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين) هذا استعجال منهم للعذاب الذي كان هود يعدهم به، ~~لشدة تمردهم على الله ونكوصهم عن طريق الحق وبعدهم عن اتباع الصواب، ~~فأجابهم بقوله (قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب) جعل ما هو متوقع كالواقع ~~تنبيها على تحقق وقوعه، كما ذكره أئمة المعاني والبيان، وقيل معنى وقع وجب: ~~والرجس العذاب، وقيل هو هنا الرين على القلب بزيادة الكفر، ثم استنكر عليهم ~~ما وقع منهم من المجادلة، فقال (أتجادلونني في أسماء) يعني أسماء الأصنام ~~التي كانوا يعبدونها جعلها أسماء، لأن مسمياتها لا حقيقة لها بل تسميتها ~~بالآلهة باطلة فكأنها معدومة لم توجد بل الموجود أسماؤها فقط (سميتموها ~~أنتم وآباؤكم) أي سميتم بها معبوداتكم من جهة أنفسكم أنتم وآباؤكم ms1283 ولا ~~حقيقة لذلك (ما نزل الله بها من سلطان) أي من حجة تحتجون بها على ما تدعونه ~~لها من الدعاوي الباطلة ثم توعدهم بأشد وعيد فقال (فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين) أي فانتظروا ما طلبتموه من العذاب فإني معكم من المنتظرين له، ~~وهو واقع بكم لا محالة ونازل عليكم بلا شك، ثم أخبر الله سبحانه أنه نجى ~~هودا ومن معه من المؤمنين به من العذاب النازل بمن كفر به ولم تقبل رسالته، ~~وأنه قطع دابر القوم المكذبين: أي استأصلهم جميعا. وقد تقدم تحقيق معناه، ~~وجملة (وما كانوا مؤمنين) معطوفة على كذبوا: أي استأصلنا هؤلاء القوم ~~الجامعين بين التكذيب بآياتنا وعدم الإيمان. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وإلى عاد أخاهم هودا) قال: ليس ~~بأخيهم في الدين ولكنه أخوهم في النسب لأنه منهم فلذلك جعل أخاهم. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الربيع بن خيثم قال: كانت عاد ما بين اليمن إلى الشأم مثل ~~الذر. وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان الرجل من عاد ستين ذراعا بذراعهم، ~~وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة، وكان عين الرجل لتفرخ فيها السباع، ~~وكذلك مناخرهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثنى ~~عشر ذراعا طولا. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس قال: ~~كان الرجل منهم ثمانين باعا، وكانت البرة فيهم ككلية البقرة، والرمانة ~~الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر. PageV02P218 # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه (وزادكم في الخلق بسطة) قال شدة. ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن ~~كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من ~~هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل ~~فيها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (آلاء الله) قال: نعم الله، وفى قوله (رجس) قال: سخط. وأخرج ابن ms1284 عساكر ~~قال: لما أرسل الله الريح على عاد اعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ~~ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ به الأنفس، وإنها لتمر ~~بالعادي فتحمله بين السماء والأرض وتدمغه بالحجارة. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (وقطعنا دابر الذين كذبوا) قال: استأصلناهم ~~وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: قبر ~~هود بحضرموت في كثيب أحمر عند رأسه سدرة. وأخرج ابن عساكر عن عثمان بن أبي ~~العاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود. وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: ~~كان عمر هود أربعمائة سنة واثنتين وسبعين سنة. # سورة الأعراف الآية (73 - 79) قوله (وإلى ثمود أخاهم صالحا) معطوف على ما ~~تقدم: أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم، وثمود قبيلة سموا باسم أبيهم، وهو ثمود ~~بن عاد بن إرم بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وصالح عطف بيان، وهو صالح ~~بن عبيد بن أسف بن ما شح بن عبيد بن حاذر بن ثمود، وامتناع ثمود من الصرف ~~لأنه جعل اسما للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه أعجمي. قال النحاس: ~~وهو غلط لأنه من الثمد، وهو الماء القليل، وقد قرأ القراء - ألا إن ثمودا ~~كفروا ربهم - على أنه اسم للحي، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام ~~إلى وادي القرى. # قوله (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) قد تقدم تفسيره في قصة ~~نوح (قد جاءتكم بينة من ربكم) أي PageV02P219 # معجزة ظاهرة، وهي إخراج الناقة من الحجر الصلد، وجملة (هذه ناقة الله لكم ~~آية) مشتملة على بيان البينة المذكورة وانتصاب آية على الحال، والعامل فيها ~~معنى الإشارة، وفى إضافة الناقة إلى الله تشريف لها وتكريم. قوله (فذروها ~~تأكل في أرض الله) أي دعوها تأكل في أرض الله، فهي ناقة الله، والأرض أرضه ~~فلا تمنعوها مما ليس لكم ولا تملكونه (ولا تمسوها) بشئ من السوء: أي لا ~~تتعرضوا لها بوجه ms1285 من الوجوه التي تسوؤها. قوله (فيأخذكم عذاب أليم) هو جواب ~~النهي: أي إذا لم تتركوا مسها بشئ من السوء أخذكم عذاب أليم: أي شديد ~~الألم. قوله (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد) أي استخلفكم في الأرض أو ~~جعلكم ملوكا فيها، كما تقدم في قصة هود (وبوأكم في الأرض) أي جعل لكم فيها ~~مباءة، وهي المنزل الذي تسكنونه (تتخذون من سهولها قصورا) أي تتخذون من ~~سهولة الأرض قصورا، أو هذه الجملة مبينة لجملة. " وبوأكم في الأرض "، وسهول ~~الأرض ترابها يتخذون منه اللبن والآجر ونحو ذلك فيبنون به القصور (وتنحتون ~~الجبال بيوتا) أي تتخذون في الجبال التي هي صخور بيوتا تسكنون فيها، وقد ~~كانوا لقوتهم وصلابة أبدانهم ينحتون الجبال فيتخذون فيها، كهوفا يسكنون ~~فيها لأن الأبنية والسقوف كانت تفنى قبل فناء أعمارهم، وانتصاب بيوتا على ~~أنها حال مقدرة أو على أنها مفعول ثان لتنحتون على تضمينه معنى تتخذون. ~~قوله (فاذكروا آلاء الله) تقدم تفسيره في القصة التي قبل هذه. # قوله (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) العثى والعثو لغتان، وقد تقدم تحقيقه ~~في البقرة بما يغني عن الإعادة (قال الملأ الذين استكبروا من قومه): أي قال ~~الرؤساء المستكبرون من قوم صالح للمستضعفين الذين استضعفهم المستكبرون، و ~~(لمن آمن منهم) بدل من الذين استضعفوا بإعادة حرف الجر بدل البعض من الكل، ~~لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن هذا على عود ضمير " منهم " إلى الذين ~~استضعفوا، فإن عاد إلى قومه كان بدل كل من المستضعفين، ومقول القول ~~(أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه) قالوا هذا على طريق الاستهزاء والسخرية. ~~قوله (قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون) أجابوهم بأنهم مؤمنون برسالته مع كون ~~سؤال المستكبرين لهم إنما هو عن العلم منهم هل تعلمون برسالته أم لا مسارعة ~~إلى إظهار ما لهم من الإيمان وتنبيها على أن كونه مرسلا أمر واضح مكشوف لا ~~يحتاج إلى السؤال عنه، فأجابوا تمردا وعنادا بقولهم (إنا بالذي آمنتم به ~~كافرون) وهذه الجمل المعنوية يقال مستأنفة لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة ms1286 ~~كما سبق بيانه. قوله (فعقروا الناقة) العقر: الجرح، وقيل قطع عضو يؤثر في ~~تلف النفس، يقال عقرت الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف، وقيل أصل العقر: كسر ~~عرقوب البعير ثم قيل للنحر عقر، لأن العقر سبب النحر في الغالب، وأسند ~~العقر إلى الجميع مع كون العاقر واحدا منهم، لأنهم راضون بذلك موافقون ~~عليه. وقد اختلف في عاقر الناقة ما كان اسمه، فقيل قدار بن سالف، وقيل غير ~~ذلك (وعتوا عن أمر ربهم) أي استكبروا، يقال عتا يعتو عتوا: استكبر، وتعتى ~~فلان: إذا لم يطع، والليل العاتي: # الشديد الظلمة (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا) من العذاب (إن كنت من ~~المرسلين) هذا استعجال منهم للنقمة وطلب منهم لنزول العذاب وحلول البلية ~~بهم (فأخذتهم الرجفة) أي الزلزلة، يقال رجف الشئ يرجف رجفانا، وأصله حركة ~~مع صوت، ومنه - يوم ترجف الراجفة -، وقيل كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم ~~(فأصبحوا في دارهم) أي بلدهم (جاثمين) لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما ~~يجثم الطائر، وأصل الجثوم للأرنب وشبهها، وقيل للناس والطير. والمراد أنهم ~~أصبحوا في دورهم ميتين لا حراك بهم (فتولى عنهم) صالح عند اليأس من إجابتهم ~~(وقال) لهم هذه المقالة (لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين) ويحتمل أنه قال لهم هذه المقالة بعد موتهم على طريق الحكاية ~~لحالهم الماضية، كما وقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من PageV02P220 # التكليم لأهل قليب بدر بعد موتهم، أو قالها لهم عند نزول العذاب بهم، ~~وكأنه كان مشاهدا لذلك فتحسر على ما فاتهم من الإيمان والسلامة من العذاب، ~~ثم أبان عن نفسه أنه لم يأل جهدا في إبلاغهم الرسالة ومحض النصح، لكن أبوا ~~ذلك فلم يقبلوا منه فحق عليهم العذاب، ونزل بهم ما كذبوا به واستعجلوه. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الطفيل قال: قالت ثمود لصالح ائتنا بآية ~~إن كنت من الصادقين، قال: اخرجوا، فخرجوا إلى هضبة من الأرض فإذا ms1287 هي تمخض ~~كما تمخض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت الناقة من وسطها، فقال لهم صالح: ~~هذه ناقة الله لكم آية فلما ملوها عقروها - فقال تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام -. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة: ~~أن صالحا قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام ثم قال لهم: آية ~~هلاككم أن تصبح وجوهكم غدا مصفرة، وتصبح اليوم الثاني محمرة، ثم تصبح اليوم ~~الثالث مسودة، فأصبحت كذلك، فلما كان اليوم الثالث أيقنوا بالهلاك فتكفنوا ~~وتحنطوا، ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم. وقال عاقر الناقة: لا أقتلها حتى ~~ترضوا أجمعين، فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون أترضين؟ فتقول ~~نعم، والصبي حتى رضوا أجمعون، فعقرها. وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن ~~مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل ~~الحجر قام فخطب فقال " يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات. فإن قوم ~~صالح سألوا نبيهم أن يبعث إليهم آية فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من ~~هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون ~~من مائها يوم غبها وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فوعدهم ~~الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعد من الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة ~~فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلا كان في حرم ~~الله فمنعه حرم الله من عذاب الله، فقيل يا رسول الله من هو؟ فقال: أبو ~~رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه ". قال ابن كثير: هذا الحديث ~~على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من حديث أبي الطفيل ~~مرفوعا مثله. وأخرج أحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو بالحجر " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، ~~فإن لم تكونوا باكين فلا ms1288 تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم " وأصل ~~الحديث في الصحيحين من غير وجه، وفى لفظ لأحمد من هذا الحديث قال: لما نزل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود. ~~وأخرج أحمد وابن المنذر نحوه مرفوعا من حديث أبي كبشة الأنماري. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن جريج في قوله (ولا تمسوها بسوء) قال: لا تعقروها. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن السدي في قوله (وتنحتون من الجبال بيوتا) قال: كانوا ينقبون في ~~لجبال البيوت. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وعتوا عن أمر ربهم) قال: غلوا في ~~الباطل (فأخذتهم الرجفة) قال: الصيحة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن ابن زيد (فأصبحوا في دارهم جاثمين) قال: ميتين. وأخرج عبد بن حميد ~~عن قتادة مثله. # سورة الأعراف الآية (80 - 81) PageV02P221 # سورة الأعراف الآية (82 - 84) قوله (ولوطا) معطوف على ما سبق: أي وأرسلنا ~~لوطا أو منصوب بفعل مقدر: أي واذكر لوطا وقت قال لقومه. قال الفراء: لوط ~~مشتق من قولهم: هذا أليط بقلبي: أي ألصق قال الزجاج: زعم بعض النحويين أن ~~لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت الحوض إذا ملسته بالطين، وهذا غلط، لأن ~~الأسماء الأعجمية لا تشتق. # وقال سيبويه نوح ولوط أسماء أعجمية إلا أنها خفيفة، فلذلك صرفت، ولوط هو ~~ابن هاران بن تارخ، فهو ابن أخي إبراهيم، بعثه الله إلى أمة تسمى سدوم ~~(أتأتون الفاحشة) أي الخصلة الفاحشة المتمادية في الفحش والقبح، قال ذلك ~~إنكارا عليهم وتوبيخا لهم (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) أي لم يفعلها ~~أحد قبلكم، فإن اللواط لم يكن في أمة من الأمم قبل هذه الأمة، و " من " ~~مزيدة للتوكيد للعموم في النفي، وإنه مستغرق لما دخل عليه، والجملة مسوقة ~~لتأكيد النكير عليهم والتوبيخ لهم. قوله (إنكم لتأتون الرجال شهوة) قرأ ~~نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة. وقرأ الباقون بهمزتين على ms1289 ~~الاستفهام المقتضى للتوبيخ والتقريع واختار القراءة الأولى أبو عبيد ~~والكسائي وغيرهما، واختار الخليل وسيبويه القراءة الثانية، فعلى القراءة ~~الأولى تكون هذه الجملة مبينة لقوله (أتأتون الفاحشة) وكذلك على القراءة ~~الثانية مع مزيد الاستفهام وتكريره المفيد للمبالغة في التقريع والتوبيخ، ~~وانتصاب شهوة على المصدرية: أي تشتهونهم شهوة، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع ~~الحال: أي مشتهين، ويجوز أن يكون مفعولا له: أي لأجل الشهوة، وفيه أنه لا ~~غرض لهم بإتيان هذه الفاحشة إلا مجرد قضاء الشهوة من غير أن يكون لهم في ~~ذلك غرض يوافق العقل، فهم في هذا كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض لما ~~يتقاضاها من الشهوة (من دون النساء) أي متجاوزين في فعلكم هذا للنساء ~~اللاتي هن محل لقضاء الشهوة وموضع لطلب اللذة، ثم أضرب عن الإنكار المتقدم ~~إلى الاخبار بما هم عليه من الإسراف الذي تسبب عنه إتيان هذه الفاحشة ~~الفظيعة. # قوله (وما كان جواب قومه) الواقعين في هذه الفاحشة على ما أنكره عليهم ~~منها (إلا أن قالوا أخرجوهم) أي لوطا وأتباعه (من قريتكم): أي ما كان لهم ~~جواب إلا هذا القول المباين للإنصاف المخالف لما طلبه منهم وأنكره عليهم، ~~وجملة (إنهم أناس يتطهرون) تعليل لما أمروا به من الإخراج، ووصفهم بالتطهر ~~يمكن أن يكون على حقيقته، وأنهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه ~~الفاحشة فلا يساكنونا في قريتنا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق السخرية ~~والاستهزاء، ثم أخبر الله سبحانه أنه أنجى لوطا وأهله المؤمنين به، واستثنى ~~امرأته من الأهل لكونها لم تؤمن به، ومعنى (كانت من الغابرين) أنها كانت من ~~الباقين في عذاب الله، يقال غير الشئ إذا مضى، وغبر إذا بقى فهو من ~~الأضداد. وحكى ابن فارس في المجمل عن قوم أنهم قالوا: الماضي عابر بالعين ~~المهملة، والباقي غابر بالمعجمة. وقال الزجاج: (من الغابرين) أي من ~~الغائبين عن النجاة. وقال أبو عبيد: # المعنى (من الغابرين) أي من المعمرين وكانت قد هرمت، وأكثر أهل اللغة على ~~أن الغابر الباقي. قوله (وأمطرنا عليهم مطرا) ms1290 قيل أمطر بمعنى إرسال المطر. ~~وقال أبو عبيدة: مطر في الرحمة وأمطر في العذاب. والمعنى هنا: # أن الله أمطر عليهم مطرا غير ما يعتادونه وهو رميهم بالحجارة كما في قوله ~~- وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل - (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) هذا خطاب ~~لكل من يصلح له، أو لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وسيأتي في هود قصة لوط ~~بأبين مما هنا. PageV02P222 # وقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب ~~الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس في قوله (أتأتون الفاحشة) قال: أدبار ~~الرجال. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: إنما كان بدء عمل قوم لوط: أن ~~إبليس جاءهم في هيئة صبي، أجمل صبي رآه الناس، فدعاهم إلى نفسه فنكحوه ثم ~~جسروا على ذلك. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عنه في قوله (إنهم أناس يتطهرون) ~~قال: من أدبار الرجال ومن أدبار النساء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (إلا امرأته كانت من الغابرين) ~~قال: من الباقين في عذاب الله. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة قال: ~~كان قوم لوط أربعة آلاف ألف. # سورة الأعراف الآية (85 - 93) قوله (وإلى مدين أخاهم شعيبا) معطوف على ما ~~تقدم: أي وأرسلنا. ومدين اسم قبيلة، وقيل اسم بلد والأول أولى. وسميت ~~القبيلة باسم أبيهم: وهو مدين بن إبراهيم كما يقال بكر و تميم. قوله (أخاهم ~~شعيبا) شعيب PageV02P223 # عطف بيان، وهو شعيب بن ميكائيل بن يشجب بن مدين بن إبراهيم، قاله عطاء ~~وابن إسحاق وغيرهما. وقال الشرفي بن القطامي: إنه شعيب بن عيفاء بن ثويب بن ~~مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سمعان أنه شعيب بن حرة بن يشجب بن لاوي بن يعقوب ~~بن إسحاق بن إبراهيم. وقال قتادة: هو شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن ~~مدين بن إبراهيم. قوله (قال يا قوم) إلى قوله (بينة من ربكم) قد سبق شرحه ~~في قصة نوح. قوله (فأوفوا الكيل والميزان) ms1291 أمرهم بإيفاء الكيل والميزان ~~لأنهم كانوا أهل معاملة بالكيل والوزن، وكانوا لا يوفونهما، وذكر الكيل ~~الذي هو المصدر وعطف عليه الميزان الذي هو اسم للآلة. # واختلف في توجيه ذلك، فقيل المراد بالكيل المكيال فتناسب عطف الميزان ~~عليه، وقيل المراد بالميزان الوزن فيناسب الكيل، والفاء في " فأوفوا " ~~للعطف على اعبدوا. قوله (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) البخس النقص وهو يكون ~~بالتعييب للسلعة أو التزهيد فيها أو المخادعة لصاحبها والاحتيال عليه، وكل ~~ذلك من أكل أموال الناس بالباطل وظاهر قوله (أشياءهم) أنهم كانوا يبخسون ~~الناس في كل الأشياء، وقيل كانوا مكاسين يمكسون كل ما دخل إلى أسواقهم، ~~ومنه قول زهير: # أفي كل أسواق العراق إتاوة * وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم قوله (ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) قد تقدم تفسيره قريبا ويدخل تحته قليل الفساد ~~وكثيره ودقيقه وجليله، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى العمل بما أمرهم به وترك ~~ما نهاهم عنه، والمراد بالخيرية هنا الزيادة المطلقة، لأنه لا خير في عدم ~~إيفاء الكيل والوزن وفى بخس الناس وفي الفساد في الأرض أصلا. قوله (ولا ~~تقعدوا بكل صراط توعدون) الصراط الطريق: أي لا تقعدوا بكل طريق توعدون ~~الناس بالعذاب، قيل كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من ~~أراد المجئ إليه، ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه كما كانت قريش تفعله مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي ~~وغيرهم، وقيل المراد القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها، وليس ~~المراد به القعود على الطرق حقيقة، ويؤيده (وتصدون عن سبيل الله من آمن به) ~~وقيل المراد بالآية النهي عن قطع الطريق وأخذ السلب، وكان ذلك من فعلهم، ~~وقيل إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في الطرق من أموال الناس فنهوا عن ~~ذلك. والقول الأول أقربها إلى الصواب مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع ~~هذه الأقوال المذكورة وجملة " توعدون " في محل نصب على الحال، وكذلك ما عطف ~~عليها: أي لا تقعدوا بكل طريق موعدين لأهله ms1292 صادين عن سبيل الله باغين لها ~~عوجا، والمراد بالصد عن سبيل الله: صد الناس عن الطريق الذي قعدوا عليه ~~ومنعهم من الوصول إلى شعيب، فإن سلوك الناس في ذلك السبيل للوصول إلى نبي ~~الله هو سلوك سبيل الله، و (من آمن به) مفعول تصدون، والضمير في آمن به ~~يرجع إلى الله، أو إلى سبيل الله، أو إلى كل صراط أو إلى شعيب، (وتبغونها ~~عوجا) أي تطلبون سبيل الله أن تكون معوجة غير مستقيمة، وقد سبق الكلام على ~~العوج. قال الزجاج: كسر العين في المعاني وفتحها في الإحرام (واذكروا إذ ~~كنتم) أي وقت كنتم (قليلا) عددكم (فكثركم) بالنسل، وقيل كنتم فقراء فأغناكم ~~(وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) من الأمم الماضية فإن الله أهلكهم وأنزل ~~بهم من العقوبات ما ذهب بهم ومحا أثرهم (وإن كانت طائفة منكم آمنوا بالذي ~~أرسلت به) إليكم من الأحكام التي شرعها الله لكم (وطائفة) منكم (لم يؤمنوا ~~فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) هذا من باب التهديد والوعيد ~~الشديد لهم. وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر. وحكم الله بين ~~الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين، ومثله قوله تعالى - فتربصوا إنا ~~معكم متربصون - PageV02P224 # أو هو أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحل بهم من أذى الكفار حتى ينصرهم الله ~~عليهم (قال الملأ الذين استكبروا من قومه) أي قال الأشراف المستكبرون ~~(لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك) لم يكتفوا بترك الإيمان والتمرد عن ~~الإجابة إلى ما دعاهم إليه، بل جاوزوا ذلك بغيا وبطرا وأشرا إلى توعد نبيهم ~~ومن آمن به بالإخراج من قريتهم أو عوده هو ومن معه في ملتهم الكفرية: أي لا ~~بد من أحد الأمرين: إما الإخراج، أو العود. قال الزجاج: # يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء، يقال عاد إلى من فلان مكروه: أي صار ~~وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك فلا يرد ما يقال: كيف يكون شعيب على ملتهم ~~الكفرية من قبل أن يبعثه الله رسولا؟ ويحتاج إلى الجواب بتغليب قومه ~~المتبعين ms1293 له عليه في الخطاب بالعود إلى ملتهم، وجملة (قال أو لو كنا ~~كارهين) مستأنفة جواب عن سؤال مقدر، والهمزة لإنكار وقوع ما طلبوه من ~~الإخراج أو العود، والواو للحال: أي أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا ~~للعود إليها، أو أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهتنا للخروج منها، أو في ~~حال كراهتنا للأمرين جميعا، والمعنى: إنه ليس لكم أن تكرهونا على أحد ~~الأمرين ولا يصح لكم ذلك، فإن المكره لا اختيار له ولا تعد موافقته مكروها ~~موافقة ولا عوده إلى ملتكم مكرها عودا، وبهذا التقرير يندفع ما استشكله ~~كثير من المفسرين في هذا المقام حتى تسبب عن ذلك تطويل ذيول الكلام (قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم) التي هي الشرك (بعد إذ نجانا الله ~~منها) بالإيمان فلا يكون منا عود إليها أصلا (وما يكون لنا) أي ما يصح لنا ~~ولا يستقيم (أن نعود فيها) بحال من الأحوال (إلا أن يشاء الله) أي إلا حال ~~مشيئته سبحانه، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قال الزجاج: أي إلا ~~بمشيئة الله عز وجل، قال: وهذا قول أهل السنة، والمعنى: أنه لا يكون منا ~~العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك، فالاستثناء منقطع، وقيل إن ~~الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل كما في قوله - وما توفيقي إلا ~~بالله - وقيل هو كقولهم لا أكلمك حتى يبيض الغراب، وحتى يلج الجمل في سم ~~الخياط، والغراب لا يبيض: والجمل لا يلج، فهو من باب التعليق بالمحال. (وسع ~~ربنا كل شئ علما) أي أحاط علمه بكل المعلومات فلا يخرج عنه منها شئ، وعلما ~~منصوب على التمييز، وقيل المعنى (وما يكون لنا أن نعود فيها) أي القرية بعد ~~أن كرهتم مجاورتنا لهم (إلا أن يشاء الله) عودنا إليها (على الله توكلنا) ~~أي عليه اعتمدنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويحول بيننا وبين الكفر وأهله ~~ويتم علينا نعمته ويعصمنا من نقمته. قوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق وأنت خير الفاتحين) الفتاحة ms1294 الحكومة أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق ~~وأنت خير الحاكمين، دعوا الله سبحانه أن يحكم بينهم ولا يكون حكمه سبحانه ~~إلا بنصر المحقين على المبطلين: كما أخبرنا به في غير موضع من كتابه فكأنهم ~~طلبوا نزول العذاب بالكافرين وحلول نقمة الله بهم (وقال الملأ الذين كفروا ~~من قومه) معطوف على (قال الملأ الذين استكبروا) يحتمل أن يكون هؤلاء هم ~~أولئك، ويحتمل أن يكونوا غيرهم من طوائف الكفار الذين أرسل إليهم شعيب، ~~واللام في " لئن اتبعتم شعيبا " موطئة لجواب قسم محذوف: أي دخلتم في دينه ~~وتركتم دينكم (إنكم إذا لخاسرون) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط، وخسرانهم: ~~هلاكهم أو ما يخسرونه بسبب إيفاء الكيل والوزن وترك التطفيف الذي كانوا ~~يعاملون الناس به (فأخذتهم الرجفة) أي الزلزلة، وقيل الصيحة كما في قوله - ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة - (فأصبحوا في دارهم جاثمين) قد تقدم تفسيره في ~~قصة صالح. قوله (الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها) هذه الجملة مستأنفة ~~مبينة لما حل بهم من النعمة، والموصول مبتدأ، وكأن لم يغنوا خبره: يقال ~~غنيت بالمكان إذا أقمت به وغنى القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها والمغنى: ~~المنزل، والجمع المغاني. قال حاتم الطائي: PageV02P225 # غنينا زمانا بالتصعلك والغنى * وكلا سقاناه بكاسيهما الدهر فما زادنا ~~بغيا على ذي قرابة * غنانا ولا أزرى باحساننا الفقر ومعنى الآية: الذين ~~كذبوا شعيبا كأن لم يقيموا في دارهم، لأن الله سبحانه استأصلهم بالعذاب، ~~والموصول في الذين كذبوا شعيبا مبتدأ خبره (كانوا هم الخاسرين)، وهذه ~~الجملة مستأنفة كالأولى متضمنة لبيان خسران القوم المكذبين (فتولى عنهم) أي ~~شعيب لما شاهد نزول العذاب بهم (وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى) التي ~~أرسلني بها إليكم (ونصحت لكم) ببيان ما فيه سلامة دينكم ودنياكم (فكيف آسى) ~~أي أحزن (على قوم كافرين) بالله مصرين على كفرهم متمردين عن الإجابة أو ~~الأسى شدة الحزن، آسى على ذلك فهو آس. قال شعيب هذه المقالة تحسرا على عدم ~~إيمان قومه، ثم سلا نفسه بأنه كيف يقع منه الأسى على ms1295 قوم ليس بأهل للحزن ~~عليهم لكفرهم بالله وعدم قبولهم لما جاء به رسوله. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن عساكر عن عكرمة والسدي قالا: ما بعث الله نبيا ~~مرتين إلا شعيبا: مرة إلى مدين فأخذتهم الصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة ~~فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم) قال: لا تظلموا الناس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو ~~الشيخ عن قتادة (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) قال: لا تظلموهم (ولا تقعدوا ~~بكل صراط توعدون) قال: كانوا يوعدون من أتى شعيبا وغشيه وأراد الإسلام. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ولا تقعدوا بكل ~~صراط توعدون) قال: كانوا يجلسون في الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبا ~~كذاب فلا يفتننكم عن دينكم، وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (بكل صراط توعدون) قال: بكل ~~سبيل حق (وتصدون عن سبيل الله) قال: تصدون أهلها (وتبغونها عوجا) قال: # تلتمسون لها الزيغ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ~~(ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) قال: هو العاشر (وتصدون عن سبيل الله) قال: ~~تصدون عن الإسلام (وتبغونها عوجا) قال: هلاكا وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ~~قال: هم العشار. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره: شك ~~أبو العالية قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسرى به على خشبة ~~على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شئ إلا خرقته قال: ما هذا يا ~~جبريل؟ قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثم تلا (ولا ~~تقعدوا بكل صراط توعدون). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~السدى في قوله (وما يكون لنا أن نعود فيها) قال: ما ينبغي لنا أن نعود في ~~شرككم بعد إذ نجانا الله (إلا أن يشاء الله ربنا) والله لا يشاء الشرك، ~~ولكن يقول: ms1296 إلا أن يكون الله قد علم شيئا، فإنه قد وسع كل شئ علما. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء ~~والصفات وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال: ما ما كنت أدري ~~ما قوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) حتى سمعت ابنته ذي يزن تقول: ~~تعال أفاتحك، تعني أقاضيك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~في قوله (ربنا افتح) يقول: اقض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى قال: الفتح ~~القضاء لغة يمانية إذا قال أحدهم تعال أقاضيك القضاء قال: تعال أفاتحك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (لم يغنوا فيها) قال: لم يعيشوا ~~فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (فكيف آسى) قال: أحزن. وأخرج ابن عساكر ~~عن ابن عباس قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وقبر ~~شعيب فقبر إسماعيل PageV02P226 # في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه ~~أن شعيبا مات بمكة ومن معه من المؤمنين، فقبورهم في غربي الكعبة بين دار ~~الندوة وبين باب بنى سهم. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال: ~~ذكر لي يعقوب بن أبي مسلمة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ~~ذكر شعيبا قال: # ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يريدهم به، فلما كذبوه وتوعدوه ~~بالرجم والنفي من بلادهم وعتوا على الله أخذهم عذاب يوم الظلة ". # سورة الأعراف الآية (94 - 100) قوله (وما أرسلنا في قرية من نبي) لما فصل ~~الله سبحانه أحوال بعض الأنبياء مع أممهم، وهم المذكورون سابقا أجمل حال ~~سائر الأمم المرسل إليها: أي وما أرسلنا في قرية من القرى من نبي من ~~الأنبياء، وفى الكلام محذوف أي فكذب أهلها إلا أخذناهم، والاستثناء مفرغ: ~~أي ما أرسلنا في حال من الأحوال إلا في حال أخذنا ms1297 أهلها فمحل أخذنا النصب، ~~والبأساء: البؤس والفقر، والضراء: الضر، وقد تقدم تحقيق معنى البأساء ~~والضراء (لعلهم يضرعون) أي لكي يتضرعوا ويتذللوا، فيدعوا ما هم عليه من ~~الاستكبار وتكذيب الأنبياء. قوله (ثم بدلنا) معطوف على أخذنا: أي ثم بعد ~~الأخذ لأهل القرى بدلناهم (مكان السيئة) التي أصبناهم بها من البلاء ~~والامتحان (الحسنة) أي الخصلة الحسنة: فصاروا في خير وسعة وأمن (حتى عفوا) ~~يقال عفا كثر، وعفا درس، فهو من أسماء الأضداد. والمراد هنا: إنهم كثروا في ~~أنفسهم وفى أموالهم: أي أعطيناهم الحسنة مكان السيئة حتى كثروا (وقالوا قد ~~مس آباءنا الضراء والسراء) أي قالوا هذه المقالة عند أن صاروا في الحسنة ~~بعد السيئة: أي أن هذا الذي مسنا من البأساء والضراء، ثم من الرخاء والخصب ~~من بعد هو أمر وقع لآبائنا قبلنا مثله، فمسهم من البأساء والضراء ما مسنا ~~ومن النعمة والخير ما نلناه، ومعناهم: أن هذه العادة الجارية في السلف ~~والخلف، وأن ذلك ليس من الله سبحانه ابتلاء لهم واختبارا لما عندهم، وفى ~~هذا من شدة عنادهم وقوة تمردهم وعتوهم ما لا يخفى، ولهذا عاجلهم الله ~~بالعقوبة ولم يمهلهم فقال (فأخذناهم بغتة) أي فجأة عقب أن قالوا هذه ~~المقالة من دون تراخ ولا إمهال (و) الحال أن‍ (هم لا يشعرون) بذلك ولا ~~يترقبونه، واللام في (القرى) للعهد: أي (ولو أن أهل القرى) PageV02P227 # التي أرسلنا إليها رسلنا (آمنوا) بالرسل المرسلين إليهم (واتقوا) ما ~~صمموا عليه من الكفر ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح (لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض) أي يسرنا لهم خير السماء والأرض كما يحصل التيسير ~~للأبواب المغلقة بفتح أبوابها، قيل المراد بخير السماء: المطر، وخير الأرض ~~النبات، والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك، ويجوز أن تكون ~~اللام في القرى للجنس، والمراد: لو أن أهل القرى أين كانوا وفى أي بلاد ~~سكنوا آمنوا واتقوا إلى آخر الآية (ولكن كذبوا) بالآيات والأنبياء ولم ~~يؤمنوا ولا اتقوا (فأخذناهم) بالعذاب (ب‍) سبب (ما كانوا يكسبون) من ms1298 الذنوب ~~الموجبة لعذابهم، والاستفهام في (أفأمن أهل القرى) للتقريع والتوبيخ، وأهل ~~القرى هم أهل القرى المذكورة قبله، والفاء للعطف، وهو مثل - أفحكم الجاهلية ~~يبغون -، وقيل المراد بالقرى مكة وما حولها لتكذيبهم للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم والحمل على العموم أولى. قوله (أن يأتيهم بأسنا بياتا) أي وقت ~~بيات، وهو الليل على أنه منصوب على الظرفية، ويجوز أن يكون مصدرا: بمعنى ~~تبيتا، أو مصدرا في موضع الحال: أي مبيتين، وجملة (وهم نائمون) في محل نصب ~~على الحال، والاستفهام في (أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون) كالاستفهام الذي قبله، والضحى ضحوة النهار، وهو في الأصل اسم لضوء ~~الشمس إذا أشرقت وارتفعت. قرأ ابن عامر والحرميان (أو أمن) بإسكان الواو ~~وقرأ الباقون بفتحها، وجملة (وهم يلعبون) في محل نصب على الحال: أي يشتغلون ~~بما لا يعود عليهم بفائدة، والاستفهام في (أفأمنوا مكر الله) للتقريع ~~والتوبيخ وإنكار ما هم عليه من أمان مالا يؤمن من مكر الله بهم وعقوبته ~~لهم، وفى تكرير هذا الاستفهام زيادة تقرير لإنكار ما أنكره عليهم، ثم بين ~~حال من أمن مكر الله، فقال (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) أي ~~الذين أفرطوا في الخسران، ووقعوا في وعيده الشديد، وقيل مكر الله هنا هو ~~استدراجه بالنعمة والصحة. والأولى حمله على ما هو أعم من ذلك. قوله (أو لم ~~يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها) قرئ " نهد " بالنون وبالتحتية فعلى ~~القراءة بالنون يكون فاعل الفعل هو الله سبحانه ومفعول الفعل (أن لو نشاء ~~أصبناهم بذنوبهم) أي أن الشأن هو هذا، وعلى القراءة بالتحتية يكون فاعل يهد ~~هو (أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم) أي أخذناهم بكفرهم وتكذيبهم، والهداية هنا ~~بمعنى التبيين، ولهذا عديت باللام. قوله (ونطبع على قلوبهم) أي ونحن نطبع ~~على قلوبهم على الاستئناف ولا يصح عطفه على أصبنا لأنهم ممن طبع الله على ~~قلبه لعدم قبولهم للإيمان، وقيل هو معطوف على فعل مقدر دل عليه الكلام، ~~كأنه قيل يغفلون عن الهداية ونطبع، وقيل ms1299 معطوف على يرثون قوله (فهم لا ~~يسمعون) جواب لو: أي صاروا بسبب إصابتنا لهم بذنوبهم والطبع على قلوبهم لا ~~يسمعون ما يتلوه عليهم من أرسله الله إليهم من الوعظ والإعذار والإنذار. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ثم ~~بدلناه أي مكان السيئة الحسنة) قال مكان الشدة الرخاء (حتى عفوا) قال: ~~كثروا وكثرت أموالهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (حتى عفوا) قال: جموا. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (قد مس آباءنا الضراء والسراء) قال: ~~قالوا قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئا (فأخذناهم بغتة وهم لا ~~يشعرون). وأخرج عبد ابن حميد وابن أبي حاتم عنه في قوله (ولو أن أهل القرى ~~آمنوا) قال: بما أنزل الله (واتقوا) قال: ما حرمه الله (لفتحنا عليهم بركات ~~من السماء والأرض) يقول: أعطتهم السماء بركتها والأرض نباتها. وأخرج ابن ~~أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة عن موسى الطائفي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " أكرموا الخبز فإن الله PageV02P228 # أنزله من بركات السماء وأخرجه من بركات الأرض ". وأخرج البزار والطبراني، ~~قال السيوطي بسند ضعيف عن عبد الله ابن أم حرام قال: صليت القبلتين مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول " أكرموا الخبز فإن الله أنزله من بركات السماء وسخر له بركات الأرض، ~~ومن تتبع ما يسقط من السفرة غفر له ". وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: ~~كان أهل قرية أوسع الله عليهم حتى كانوا يستنجون بالخبر فبعث الله عليهم ~~الجوع. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (أو لم نهد) قال: أو ~~لم نبين. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ms1300 وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (للذين يرثون ~~الأرض من بعد أهلها) قال: المشركون. # سورة الأعراف الآية 101 - 102) قوله (تلك القرى) أي التي أهلكناها وهي ~~قرى قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب المتقدم ذكرها (نقص عليك) أي نتلو عليك ~~(من أنبائها) أي من أخبارها وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وللمؤمنين ونقص إما في محل نصب على أنه حال، و (تلك القرى) مبتدأ وخبر، أو ~~يكون في محل رفع على أنه الخبر، و (القرى) صفة لتلك، ومن في (من أنبائها) ~~للتبعيض: أي نقص عليك بعض أنبائها، واللام في (لقد جاءتهم رسلهم بالبينات) ~~جواب القسم. والمعنى: أن من أخبارهم أنها جاءتهم رسل الله ببيناته كما سبق ~~بيانه في قصص الأنبياء المذكورين قبل هذا (فما كانوا ليؤمنوا) عند مجئ ~~الرسل (بما كذبوا) به (من قبل) مجيئهم أو فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به ~~الرسل في حال من الأحوال ولا في وقت من الأوقات بما كذبوا به قبل مجيئهم، ~~بل هم مستمرون على الكفر متشبثون بأذيال الطغيان دائما، ولم ينجع فيهم مجئ ~~الرسل ولا ظهر له أثر، بل حالهم عند مجيئهم كحالهم قبله، وقيل المعنى: فما ~~كانوا ليؤمنوا بعد هلاكهم بما كذبوا به لو أحييناهم كقوله - ولو ردوا ~~لعادوا - وقيل سألوا المعجزات، فلما رأوها لم يؤمنوا بما كذبوا به من قبل ~~رؤيتها. والأول أولى، ومعنى تكذيبهم قبل مجئ الرسل: أنهم كانوا في الجاهلية ~~يكذبون بكل ما سمعوا به من إرسال الرسل، وإنزال الكتب. قوله (كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين) أي مثل ذلك الطبع الشديد يطبع الله على قلوب ~~الكافرين فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ ولا تذكير ولا ترغيب ولا ترهيب. قوله ~~(وما وجدنا لأكثرهم من عهد) الضمير يرجع إلى أهل القرى المذكورين سابقا أي ~~ما وجدنا لأكثر أهل هذه القرى من عهد: أي عهد يحافظون عليه ويتمسكون به، بل ~~دأبهم نقض العهود في كل حال، وقيل الضمير يرجع ms1301 إلى الناس على العموم: أي ما ~~وجدنا لأكثر الناس من عهد وقيل المراد بالعهد: هو المأخوذ عليهم في عالم ~~الذر، وقيل الضمير يرجع إلى الكفار على العموم من غير تقييد بأهل القرى: أي ~~الأكثر منهم لا عهد ولا وفاء، والقليل منهم قد يفي بعهده ويحافظ عليه، وإن ~~في (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) هي المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف: ~~أي أن الشأن وجدنا أكثرهم لفاسقين. أو هي النافية، واللام في (لفاسقين) ~~بمعنى إلا: أي إلا فاسقين خارجين عن الطاعة خروجا شديدا. PageV02P229 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بن كعب ~~في قوله (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) قال: كان في علم الله يوم ~~أقروا له بالميثاق من يكذب به ممن يصدق به. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) قال: مثل قوله - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~-. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (وما وجدنا لأكثرهم من عهد) قال: ~~الوفاء. وأخرج ابن أبي حاتم في الآية قال: هو ذاك العهد يوم أخذ الميثاق. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) قال: ذاك أن الله ~~إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به. سورة الأعراف الآية ~~(103 - 122) قوله (ثم بعثنا من بعدهم موسى) أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب: أي ثم أرسلنا موسى بعد إرسالنا لهؤلاء الرسل، وقيل الضمير في (من ~~بعدهم) راجع إلى الأمم السابقة: أي من بعد إهلاكهم (إلى فرعون وملائه) ~~فرعون هو لقب لكل من يملك أرض مصر بعد العمالقة وملأ فرعون: أشراف قومه ~~وتخصيصهم بالذكر مع عموم الرسالة لهم ولغيرهم، لأن من عداهم كالأتباع لهم. ~~قوله (فظلموا بها) أي كفروا بها، وأطلق PageV02P230 # الظلم على الكفر لكون كفرهم ms1302 بالآيات التي جاء بها موسى كان كفرا متبالغا ~~لوجود ما يوجب الإيمان من المعجزات العظيمة التي جاءهم بها والمراد بالآيات ~~هنا: هي الآيات التسع، أو معنى (فظلموا بها) ظلموا الناس بسببها لما صدوهم ~~عن الإيمان بها، أو ظلموا أنفسهم بسببها (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) أي ~~المكذبين بالآيات الكافرين بها وجعلهم مفسدين، لأن تكذيبهم وكفرهم من أقبح ~~أنواع الفساد. قوله (وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين) أخبره ~~بأنه مرسل من الله إليه وجعل ذلك عنوانا لكلامه معه، لأن من كان مرسلا من ~~جهة من هو رب العالمين أجمعين فهو حقيق بالقبول لما جاء به كما يقول من ~~أرسله الملك في حاجة إلى رعيته: أنا رسول الملك إليكم ثم يحكى ما أرسل به ~~فإن في ذلك من تربية المهابة وإدخال الروعة ما لا يقادر قدره. قوله (حقيق ~~على أن لا أقول على الله إلا الحق) قرئ حقيق على أن لا أقول: أي واجب علي ~~ولازم لي أن لا أقول فيما أبلغكم عن الله إلا القول الحق، وقرئ (حقيق علي ~~أن لا أقول) بدون ضمير في علي، قيل في توجيهه أن على معنى الباء: أي حقيق ~~بأن لا أقول، ويؤيده قراءة أبي والأعمش فإنهما قرآ " حقيق بأن لا أقول "، ~~وقيل إن (حقيق) مضمن معنى حريص، وقيل إنه لما كان لازما للحق كان الحق ~~لازما له، فقول الحق حقيق عليه وهو حقيق على قول الحق، وقيل إنه أغرق في ~~وصف نفسه في ذلك المقام حتى جعل نفسه حقيقة على قول الحق كأنه وجب على الحق ~~أن يكون موسى هو قائله. وقرأ عبد الله بن مسعود " حقيق أن لا أقول " بإسقاط ~~على، ومعناها واضح ثم قال: بعد هذا (قد جئتكم ببينة من ربكم) أي بما يتبين ~~به صدقي وأني رسول من رب العالمين. وقد طوى هنا ذكر ما دار بينهما من ~~المحاورة كما في موضع آخر أنه قال فرعون - فمن ربكما يا موسى - ثم قال بعد ~~جواب موسى - وما رب العالمين ms1303 - الآيات الحاكية لما دار بينهما. قوله (فأرسل ~~معي بني إسرائيل) أمره بأن يدع بني إسرائيل يذهبون معه ويرجعون إلى أوطانهم ~~وهي الأرض المقدسة. وقد كانوا باقين لديه مستعبدين ممنوعين من الرجوع إلى ~~وطنهم والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فلما قال ذلك (قال) له فرعون ~~(إن كنت جئت بآية) من عند الله كما تزعم (فائت بها) حتى نشاهدها وننظر فيها ~~(إن كنت من الصادقين) في هذه الدعوى التي جئت بها. قوله (فألقى عصاه فإذا ~~هي ثعبان مبين) أي وضعها على الأرض فانقلبت ثعبانا: أي حية عظيمة من ذكور ~~الحيات، ومعنى (مبين) أن كونها حية في تلك الحال أمر ظاهر واضح لا لبس فيه ~~(ونزع يده) أي أخرجها وأظهرها من جيبه أو من تحت إبطه وفى التنزيل - وأدخل ~~يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء - قوله (فإذا هي بيضاء للناظرين) أي ~~فإذا يده التي أخرجها بيضاء تتلألأ نورا يظهر لكل مبصر (قال الملأ) أي ~~الأشراف (من قوم فرعون) لما شاهدوا انقلاب العصى حية، ومصير يده بيضاء من ~~غير سوء (إن هذا) أي موسى (لساحر عليم) أي كثير العلم بالسحر ولا تنافى بين ~~نسبة هذا القول إلى الملأ هنا وإلى فرعون في سورة الشعراء فكلهم قد قالوه، ~~فكان ذلك مصححا لنسبته إليهم تارة وإليه أخرى، وجملة (يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم) وصف لساحر، والأرض المنسوبة إليهم هي أرض مصر: وهذا من كلام الملأ، ~~وأما (فماذا تأمرون) فقيل هو من كلام فرعون، قال للملأ لما قالوا بما تقدم: ~~أي بأي شئ تأمرونني، وقيل هو من كلام الملأ: أي قالوا لفرعون فبأي شئ ~~تأمرنا وخاطبوه بما تخاطب به الجماعة تعظيما له كما يخاطب الرؤساء أتباعهم، ~~وما في موضع نصب بالفعل الذي بعدها، ويجوز أن تكون ذا بمعنى الذي كما ذكره ~~النحاة في ماذا صنعت، وكون هذا من كلام فرعون هو الأولى بدليل ما بعده وهو ~~(قالوا أرجه وأخاه) قال الملأ جوابا لكلام فرعون حيث استشارهم وطلب ما ~~عندهم من الرأي أرجه: أي ms1304 أخره وأخاه يقال أرجأته وأرجيته: أخرته. قرأ عاصم ~~والكسائي وحمزة وأهل المدينة " ارجه " بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز ~~PageV02P231 # وقرأ أهل الكوفة إلا الكسائي أرجه بسكون الهاء. قال الفراء: هي لغة للعرب ~~يقفون على الهاء في الوصل، وأنكر ذلك البصريون، وقيل معنى أرجه: احبسه، ~~وقيل هو من رجا يرجو: أي أطمعه ودعه يرجوك، حكاه النحاس عن محمد بن يزيد بن ~~المبرد (وأرسل في المدائن حاشرين) أي أرسل جماعة حاشرين في المدائن التي ~~فيها السحرة، وحاشرين مفعول أرسل، وقيل هو منصوب على الحال، و (يأتوك) جواب ~~الأمر: أي يأتوك هؤلاء الذين أرسلتهم (بكل سحار عليم) أي بكل ماهر في السحر ~~كثير العلم بصناعته، قرأ أهل الكوفة إلى عاصم " سحار " وقرأ من عداهم " ~~ساحر ". قوله (وجاء السحرة فرعون) في الكلام طي: أي فبعث في المدائن حاشرين ~~وجاء السحرة فرعون. قوله (قالوا إن لنا لأجرا) أي فلما جاءوا فرعون قالوا ~~له إن لنا لأجرا، والجملة استئنافية جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: أي شئ قالوا ~~له لما جاءوه؟ والأجر الجائزة والجعل، ألزموا فرعون أن يجعل لهم جعلا إن ~~غلبوا موسى بسحرهم. قرأ نافع وابن كثير " إن لنا " على الإخبار، وقرأ ~~الباقون " أئن لنا " على الاستفهام، استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله ~~لهم على الغلبة، ومعنى الاستفهام التقرير. وأما على القراءة الأولى فكأنهم ~~قاطعون بالجعل وأنه لا بد لهم منه، فأجابهم فرعون بقوله (نعم وإنكم لمن ~~المقربين) أي إن لكم لأجرا وإنكم مع هذا الأجر المطلوب منكم لمن المقربين ~~لدينا. قوله (قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين) هذه ~~الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فما قالوا لموسى بعد أن قال لهم ~~فرعون نعم وإنكم لمن المقربين. والمعنى: أنهم خيروا موسى بين أن يبتدئ ~~بإلقاء ما يلقيه عليهم أو يبتدئوه هم بذلك تأدبا معه وثقة من أنفسهم بأنهم ~~غالبون وإن تأخروا، وأن في موضع نصب، قاله الكسائي والفراء: أي إما أن تفعل ~~الإلقاء أو نفعله نحن. فأجابهم موسى بقوله (ألقوا) اختار ms1305 أن يكونوا ~~المتقدمين عليه بإلقاء ما يلقونه غير مبال بهم ولا هائب لما جاءوا به. قال ~~الفراء: # في الكلام حذف. المعنى: قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا ~~آياته، وقيل هو تهديد: أي ابتدئوا بالالقاء فستنظرون ما يحل بكم من ~~الافتضاح والموجب لهذين التأويلين عند من قال بهما أنه لا يجوز على موسى أن ~~يأمرهم بالسحر (فلما ألقوا) أي حبالهم وعصيهم (سحروا أعين الناس) أي قلبوها ~~وغيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله ~~المشعوذون وأهل الخفة (واسترهبوهم) أي أدخلوا الرهبة في قلوبهم إدخالا ~~شديدا (وجاءوا بسحر عظيم) في أعين الناظرين لما جاءوا به، وإن كان لا حقيقة ~~له في الواقع. قوله (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك) أمره الله سبحانه عند ~~أن جاء السحرة بما جاءوا به من السحر أن يلقى عصاه (فإذا هي) أي العصا ~~(تلقف ما يأفكون) قرأ حفص (تلقف) بإسكان اللام وتخفيف القاف من لقف يلقف. # وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف من تلقف يتلقف، يقال لقفت الشئ ~~وتلقفته: إذا أخذته أو بلغته. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات تلقم ~~بالميم والتشديد، قال الشاعر: # أنت عصا موسى التي لم تزل * تلقم ما يأفكه الساحر و " ما " في (ما ~~يأفكون) مصدرية أو موصولة: أي إفكهم أو ما يأفكونه، سماه إفكا، لأنه لا ~~حقيقة له في الواقع بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة (فوقع الحق) أي ظهر وتبين ~~لما جاء به موسى (وبطل ما كانوا يعملون) من سحرهم: أي تبين بطلانه (فغلبوا) ~~أي السحرة (هنالك) أي في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم (وانقلبوا) من ذلك ~~الموقف (صاغرين) أذلاء مقهورين (وألقى السحرة ساجدين) أي خروا ساجدين كأنما ~~ألقاهم ملق على هيئة السجود أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا أنفسهم، ~~وجملة (قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون) مستأنفة جواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل ماذا قالوا عند سجودهم أو في سجودهم، وإنما قالوا هذه المقالة ~~وصرحوا PageV02P232 # بأنهم آمنوا برب العالمين، ثم لم ms1306 يكتفوا بذلك حتى قالوا: رب موسى وهارون ~~لئلا يتوهم متوهم من قوم فرعون المقرين بإلهيته أن السجود له. # وقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ثم بعثنا موسى) قال: إنما سمى ~~موسى، لأنه ألقى بين ماء وشجر فالماء بالقبطية مو والشجر سي. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن مجاهد: أن فرعون كان فارسيا من أهل إصطخر. # وأخرج أيضا عن ابن لهيعة: أنه كان من أبناء مصر. وأخرج أيضا وأبو الشيخ ~~عن محمد بن المنكدر قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~علي بن أبي طلحة أن فرعون كان قبطيا ولد زنا طوله سبعة أشبار. # وأخرج أيضا عن الحسن قال: كان علجا من همذان. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم ~~بن مقسم الهذلي قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم يصدع له رأس. وأخرج عبد بن ~~حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (فألقى عصاه) قال: # ذكر لنا أن تلك العصا عصا آدم أعطاه إياها ملك حين توجه إلى مدين، فكانت ~~تضئ بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار فتخرج له رزقه ويهش بها على غنمه (فإذا ~~هي ثعبان مبين) قال: حية تكاد تساوره. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~لقد دخل موسى على فرعون وعليه زرمانقة من صوف ما تجاوز مرفقيه، فاستأذن على ~~فرعون فقال أدخلوه، فدخل فقال: إن إلهي أرسلني إليك، فقال للقوم حوله: ما ~~علمت لكم من إله غيري، خذوه. قال إني قد جئتك بآية، قال: فائت بها إن كنت ~~من الصادقين، فألقى عصاه فصارت ثعبانا بين لحييه ما بين السقف إلى الأرض. ~~وأدخل يده في جيبه فأخرجها مثل البرق تلتمع الأبصار. فخروا على وجوههم وأخذ ~~موسى عصاه ثم خرج ليس أحد من الناس إلا نفر منه، فلما أفاق وذهب عن فرعون ~~الروع قال للملأ حوله: ماذا تأمروني (قالوا أرجه وأخاه) ولا تأتنا به ولا ~~يقربنا (وأرسل في المدائن حاشرين) وكانت السحرة يخشون من فرعون، فلما أرسل ~~إليهم قالوا: قد احتاج إليكم إلهكم؟ قال: إن هذا ms1307 فعل كذا وكذا، قالوا: إن ~~هذا ساحر سحر (إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن ~~المقربين). وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: عصى موسى اسمها ماشا. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عنه في قوله ~~(فإذا هي ثعبان مبين) قال: الحية الذكر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~السدي في قوله (فإذا هي ثعبان مبين) قال: الذكر من الحيات فاتحة فمها واضعة ~~لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، ~~فلما رآها ذعر منها ووثب، فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، فصاح يا موسى خذها ~~وأنا أو من بربك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فصارت عصا. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (أرجه) ~~قال: أخره. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: احبسه وأخاه. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس من طرق في قوله (وأرسل في المدائن حاشرين) قال: ~~الشرط. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عنه في قوله (وجاء السحرة) قال: كانوا سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا ~~شهداء. # وقد اختلفت كلمة السلف في عددهم، فقيل كانوا سبعين كما قال ابن عباس، ~~وقيل كانوا اثنى عشر، وقيل خمسة عشر ألفا. وقيل سبعة عشر ألفا، وقيل تسعة ~~عشر ألفا، وقيل ثلاثين ألفا، وقيل سبعين ألفا، وقيل ثمانين ألفا. وقيل ~~ثلاثمائة ألف، وقيل تسعمائة ألف. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله (إن لنا لأجرا) أي عطاء. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فلما ~~ألقوا) قال: ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، فأقبلت يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السد قال: ألقى موسى ~~PageV02P233 # عصاه فأكلت كل حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا. ms1308 وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن مجاهد في قوله ~~(تلقف ما يأفكون) قال: ما يكذبون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن الحسن في قوله (تلقف ما يأفكون) قال: تسترط حبالهم وعصيهم. وأخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: التقى موسى وأمير ~~السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟ ~~فقال الساحر: لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ~~ولأشهدن أنه حق، وفرعون ينظر إليهما وهو قول فرعون (إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة). وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: لما خر السحرة سجدا رفعت ~~لهم الجنة حتى نظروا إليها. # سورة الأعراف الآية (123 - 129) قوله (آمنتم به) قرئ بحذف الهمزة على ~~الإخبار وبإثباتها. أنكر على السحرة فرعون إيمانهم بموسى قبل أن يأذن لهم ~~بذلك، ثم قال بعد الإنكار عليهم مبينا لما هو الحامل لهم على ذلك في زعمه ~~(إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة) أي حيلة احتلتموها أنتم وموسى عن مواطأة ~~بينكم سابقة (لتخرجوا) من مدينة مصر (أهلها) من القبط وتستولوا عليها ~~وتسكنوا فيها أنتم وبنو إسرائيل، ومعنى (في المدينة) أن هذه الحيلة ~~والمواطأة كانت بينكم وأنتم بالمدينة مدينة مصر قبل أن تبرزوا أنتم وموسى ~~إلى هذه الصحراء، ثم هددهم بقوله (فسوف تعلمون) عاقبة صنعكم هذا وسوء ~~مغبته، ثم لم يكتف بهذا الوعيد المجمل بل فصله فقال (لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف) أي الرجل اليمنى واليد اليسرى، أو الرجل اليسرى واليد اليمنى، ثم ~~لم يكتف عدو الله بهذا، بل جاوزه إلى غيره فقال (ثم لأصلبنكم) في جذوع ~~النخل: أي أجعلكم عليها مصلوبين زيادة تنكيل بهم وإفراطا في تعذيبهم، وجملة ~~(قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) استئنافية جواب سؤال كما تقدم، ومعناه: إنك ~~وإن فعلت بنا هذا الفعل ms1309 فتعده يوم الجزاء سيجازيك PageV02P234 # الله بصنعك ويحسن إلينا بما أصابنا في ذاته، فتوعدوه بعذاب الله في ~~الآخرة لما توعدهم بعذاب الدنيا. ويحتمل أن يكون المعنى: (إنا إلى ربنا ~~منقلبون) بالموت: أي لا بد من الموت ولا يضرنا كونه بسبب منك. قوله (وما ~~تنقم منا) قرأ الحسن بفتح القاف. قال الأخفش: هي لغة، وقرأ الباقون بكسرها، ~~يقال نقمت الأمر أنكرته: أي لست تعيب علينا وتنكر منا (إلا أن آمنا بآيات ~~ربنا لما جاءتنا) مع أن هذا هو الشرف العظيم والخير الكامل، ومثله لا يكون ~~موضعا للعيب ومكانا للإنكار، بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ، ~~ثم تركوا خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العلى مفوضين ~~الأمر إليه طالبين منه عز وجل أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر قائلين ~~(ربنا أفرغ علينا صبرا) الإفراغ: الصب: أي اصببه علينا حتى يفيض ويغمرنا: ~~طلبوا أبلغ أنواع الصبر استعدادا منهم لما سينزل بهم من العذاب من عدو الله ~~وتوطينا لأنفسهم على التصلب في الحق وثبوت القدم على الإيمان، ثم قالوا ~~(وتوفنا مسلمين) أي توفنا إليك حال ثبوتنا على الإسلام غير محرفين ولا ~~مبدلين ولا مفتونين ولقد كان ما هم عليه من السحر والمهارة في علمه مع كونه ~~شرا محضا سببا للفوز بالسعادة، لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج ~~عن طوق البشر وأنه من فعل الله سبحانه فوصلوا بالشر إلى الخير ولم يحصل من ~~غيرهم ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون ما حصل منهم من الإذعان ~~والاعتراف والإيمان، وإذا كانت المهارة في علم الشر قد تأتي بمثل هذه ~~الفائدة فما بالك بالمهارة في علم الخير، اللهم انفعنا بما علمتنا، وثبت ~~أقدامنا على الحق، وأفرغ علينا سجال الصبر وتوفنا مسلمين. قوله (وقال الملأ ~~من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض) هذا الاستفهام منهم ~~للإنكار عليه: أي أتتركه وقومه ليفسدوا في الأرض بإيقاع الفرقة وتشتيت ~~الشمل. والمراد بالأرض هنا: أرض مصر. قوله (ويذرك وآلهتك) قرأ نعيم بن ~~ميسرة " ويذرك ms1310 " بالرفع على تقدير مبتدأ: أي وهو يذرك أو على العطف على ~~(أتذر موسى): أي أتذره ويذرك، وقرأ الأشهب العقيلي (ويذرك) بالجزم: إما على ~~التخفيف بالسكون لثقل الضمة، أو على ما قيل في - وأكن من الصالحين - في ~~توجيه الجزم. وقرأ أنس بن مالك " ونذرك " بالنون والرفع، ومعناه: أنهم ~~أخبروا عن أنفسهم بأنهم سيذرونه وآلهته. وقرأ الباقون " ويذرك " بالنصب بأن ~~مقدرة على أنه جواب الاستفهام والواو نائبة عن الفاء أو عطفا على (يفسدوا) ~~أي ليفسدوا، وليذرك لأنهم على الفساد في زعمهم، وهو يؤدي إلى ترك فرعون ~~وآلهته: # واختلف المفسرون في معنى (وآلهتك) لكون فرعون كان يدعى الربوبية كما في ~~قوله - ما علمت لكم من إله غيري -، وقوله - أنا ربكم - فقيل معنى وآلهتك: ~~وطاعتك، وقيل معناه: وعبادتك، ويؤيده قراءة علي وابن عباس والضحاك " وإلهتك ~~" وفى حرف أبى " أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك " ~~وقيل إنه كان يعبد بقرة، وقيل كان يعبد النجوم. وقيل كان له أصنام يعبدها ~~قومه تقربا إليه فنسبت إليه ولهذا قال - أنا ربكم الأعلى - قاله الزجاج، ~~وقيل كان يعبد الشمس. فقال فرعون مجيبا لهم ومثبتا لقلوبهم على الكفر ~~(سنقتل أبناءهم). قرأ نافع وابن كثير " سنقتل " بالتخفيف. وقرأ الباقون ~~بالتشديد: أي سنقتل الأبناء ونستحي النساء: # أي نتركهن في الحياة. ولم يقل سنقتل موسى لأنه يعلم أنه لا يقدر عليه ~~(وإنا فوقهم قاهرون) أي مستعلون عليهم بالقهر والغلبة أو هم تحت قهرنا وبين ~~أيدينا. ما شئنا أن نفعله بهم فعلناه، وجملة (قال موسى لقومه) مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر. لما بلغ موسى ما قاله فرعون أمر قومه بالاستعانة بالله والصبر ~~على المحنة، ثم أخبرهم (أن الأرض) يعني أرض مصر (لله يورثها من يشاء من ~~عباده) أو جنس الأرض، وهو وعد من موسى لقومه بالنصر على فرعون وقومه. وأن ~~الله سيورثهم أرضهم وديارهم. ثم بشرهم بأن العاقبة للمتقين: أي العاقبة ~~المحمودة PageV02P235 # في الدنيا والآخرة للمتقين من عباده، وهم موسى ومن معه. وعاقبة كل شئ ~~آخره. وقرئ " والعاقبة " بالنصب عطفا على ms1311 الأرض، وجملة (قالوا أوذينا من ~~قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) مستأنفة جواب سؤال مقدر كالتي قبلها: أي ~~أوذينا من قبل أن تأتينا رسولا وذلك بقتل فرعون أبناءنا عند مولدك لما أخبر ~~بأنه سيولد مولود يكون زوال ملكه على يده (ومن بعد ما جئتنا) رسولا بقتل ~~أبنائنا الآن، وقيل المعنى أوذينا من قبل أتأتينا باستعمالنا في الأعمال ~~الشاقة بغير جعل (ومن بعد ما جئتنا) بما صرنا فيه الآن من الخوف على أنفسنا ~~وأولادنا وأهلنا، وقيل إن الأذى من قبل ومن بعد واحد، وهو قبض الجزية منهم. ~~وجملة (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم) مستأنفة كالتي قبلها، وعدهم بإهلاك ~~الله لعدوهم، وهو فرعون وقومه. قوله (ويستخلفكم في الأرض) هو تصريح بما رمز ~~إليه سابقا من أن الأرض لله. وقد حقق الله رجاءه وملكوا مصر في زمان داود ~~وسليمان وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون، وأهلك فرعون وقومه بالغرق ~~وأنجاهم (فينظر كيف تعملون) من الأعمال بعد أن يمن عليكم بإهلاك عدوكم ~~(ويستخلفكم في الأرض) فيجازيكم بما عملتم فيه من خير وشر. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (إن هذا لمكر مكرتموه ~~في المدينة) إذا التقيتما لتظاهرا فتخرجا منها أهلها (لأقطعن أيديكم) ~~الآية، قال: فقتلهم وقطعهم كما قال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: كان أول من صلب فرعون، وهو أول من قطع الأيدي ~~والأرجل من خلاف. # وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله (من خلاف) قال: يدا من هاهنا ورجلا ~~من هاهنا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ~~(أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) قال: من قبل إرسال الله إياك ~~ومن بعده. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه في ~~الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى كان فرعون يكلفنا اللبن قبل أن تأتينا، ~~فلما جئت كلفنا اللبن مع التين أيضا، فقال موسى: ms1312 أي رب أهلك فرعون، حتى متى ~~تبقيه؟ فأوحى الله إليه إنهم لم يعملوا الذنب الذي أهلكهم به. وأخرج عبد بن ~~حميد عن قتادة في الآية قال: حزا لعدو الله حاز أنه يولد في العام غلام ~~يسلب ملكك، قال: فتتبع أولادهم في ذلك العام بذبح الذكر منهم، ثم ذبحهم ~~أيضا بعد ما جاءهم موسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن بنا أهل ~~البيت يفتح ويختم، ولا بد أن تقع دولة لبني هاشم فانظروا فيمن تكون من بني ~~هاشم؟ وفيهم نزلت (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف ~~تعملون) وينبغي أن ينظر في صحة هذا عن ابن عباس، فالآية نازلة في بني ~~إسرائيل لا في بني هاشم واقعة في هذه القصة الحاكية لما جرى بين موسى ~~وفرعون. # سورة الأعراف الآية (130 - 133) PageV02P236 # سورة الأعراف الآية (134 - 136) المراد بآل فرعون هنا قومه، والمراد ~~بالسنين الجدب، وهذا معروف عند أهل اللغة، يقولون أصابتهم سنة: # أي جدب سنة، وفى الحديث " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " وأكثر ~~العرب يعربون السنين إعراب جمع المذكر السالم، ومن العرب من يعربه إعراب ~~المفرد ويجرى الحركات على النون، وأنشد الفراء: # أرى مر السنين أخذن منى * كما أخذ السرار من الهلال بكسر النون من ~~السنين. قال النحاس: وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون. # أقول قد ورد مالا احتمال فيه وهو قول الشاعر: # وماذا تزدري الأقوام مني * وقد جاوزت حد الأربعين وبعده: أخو الخمسين ~~مجتمع أشدى * وتجذبني مداورة السنين فإن الأبيات قبله وبعده مكسورة. وأول ~~هذه الأبيات: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني وحكى الفراء عن بني ~~عامر أنهم يقولون: أقمت عنده سنينا مصروفا، قال: وبنو تميم لا يصرفونه، ~~ويقال أسنت القوم: أي أجدبوا، ومنه قول ابن الزبعري * ورجال مكة مسنتون ~~عجاف * (ونقص من الثمرات) بسبب عدم نزول المطر وكثرة العاهات (لعلهم ~~يذكرون) فيتعظون ويرجعون عن غوايتهم. قوله (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا ~~هذه) أي الخصلة الحسنة من الخصب بكثرة المطر وصلاح الثمرات ms1313 ورخاء الأسعار ~~(قالوا لنا هذه) أي أعطيناها باستحقاق، وهي مختصة بنا (وإن تصبهم سيئة) أي ~~خصلة سيئة من الجدب والقحط وكثرة الأمراض ونحوها من البلاء (يطيروا بموسى ~~ومن معه) أي تشاءموا بموسى ومن معه من المؤمنين به، والأصل يتطيروا أدغمت ~~التاء في الطاء. وقرأ طلحة (تطيروا) على أنه فعل ماض. وقد كانت العرب تتطير ~~بأشياء من الطيور والحيوانات، ثم استعمل بعد ذلك في كل من تشاءم بشئ، ومثل ~~هذا قوله تعالى (وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك) قيل: ووجه تعريف ~~الحسنة أنها كثيرة الوقوع، ووجه تنكير السيئة ندرة وقوعها. قوله (ألا إنما ~~طائرهم عند الله) أي سبب خيرهم وشرهم بجميع ما ينالهم من خصب وقحط وهو من ~~عند الله ليس بسبب موسى ومن معه، وكان هذا الجواب على نمط ما يعتقدونه وبما ~~يفهمونه، ولهذا عبر بالطائر عن الخير والشر الذي يجرى بقدر الله وحكمته ~~ومشيئته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) بهذا بل ينسبون الخير والشر إلى غير الله ~~جهلا منهم. وقرأ الحسن " طيرهم " قوله (وقالوا مهما تأتنا به من آية ~~لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين) قال الخليل: أصل مهما " ما " الشرطية زيدت ~~عليه " ما " التي للتوكيد كما تزاد في سائر الحروف مثل: حيثما وأينما ~~وكيفما ومتى ما، ولكنهم كرهوا PageV02P237 # اجتماع المثلين فأبدلوا ألف الأولى هاء. وقال الكسائي: أصله مه: أي اكفف ~~ما تأتينا به من آية، وزيدت عليها " ما " الشرطية، وقيل هي كلمة مفردة ~~يجازى بها، ومحل مهما الرفع على الابتداء، أو النصب بفعل يفسره ما بعدها، ~~ومن آية لبيان مهما، وسموها آية استهزاء بموسى كما يفيده ما بعده، وهو ~~(لتسحرنا بها) أي لتصرفنا عما نحن عليه كما يفعله السحرة بسحرهم، والضمير ~~في به عائد إلى مهما، والضمير في بها عائد إلى آية، وقيل إنهما جميعا ~~عائدان إلى مهما، وتذكير الأول باعتبار اللفظ، وتأنيث الثاني باعتبار ~~المعنى (فما نحن لك بمؤمنين) جواب الشرط: # أي فما نحن لك بمصدقين: أخبروا عن أنفسهم أنهم لا يؤمنون بشئ مما يجئ به ~~من ms1314 الآيات التي هي في زعمهم من السحر، فعند ذلك نزلت بهم العقوبة من الله ~~عز وجل المبينة بقوله (فأرسلنا عليهم الطوفان) وهو المطر الشديد. # قال الأخفش: واحدة طوفانة، وقيل هو مصدر كالرجحان والنقصان فلا واحد له، ~~وقيل الطوفان: الموت. # وقال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان مهلكا من موت أو سيل: أي ما يطيف ~~بهم فيهلكهم (والجراد) هو الحيوان المعروف أرسله الله لأكل زروعهم فأكلها ~~(والقمل) قيل: هي الدباء، والدباء الجراد قبل أن تطير، وقيل هي السوس، وقيل ~~البراغيث، وقيل دواب سود صغار، وقيل ضرب من القردان، وقيل الجعلان. قال ~~النحاس: يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم. وقرأ الحسن " القمل " ~~بفتح القاف وإسكان الميم. وقرأ الباقون بضم القاف وفتح الميم مشددة. وقد ~~فسر عطاء الخراساني " القمل " بالقمل (والضفادع) جمع ضفدع وهو الحيوان ~~المعروف الذي يكون في الماء (والدم) روى أنه سال النيل عليهم دما، وقيل هو ~~الرعاف. قوله (آيات مفصلات) أي مبينات، قال الزجاج: هو منصوب على الحال. ~~والمعنى: أرسلنا عليهم هذه الأشياء حال كونها آيات بينات ظاهرات ~~(فاستكبروا) أي ترفعوا عن الإيمان بالله (وكانوا قوما مجرمين) لا يهتدون ~~إلى حق ولا ينزعون عن باطل. قوله (ولما وقع عليهم الرجز) أي العذاب بهذه ~~الأمور التي أرسلها الله عليهم، وقرئ بضم الراء وهما لغتان، وقيل كان هذا ~~الرجز طاعونا مات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفا (قالوا يا موسى ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك) أي بما استودعك من العلم، أو بما اختصك به من ~~النبوة، أو بما عهد إليك أن تدعو به فيجيبك، والباء متعلقة بادع على معنى ~~أسعفنا إلى ما نطلب من الدعاء بحق ما عندك من عهد الله، أو ادع لنا متوسلا ~~إليه بعهده عندك، وقيل إن الباء للقسم، وجوابه لنؤمنن: أي أقسمنا بعهد الله ~~عندك (لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك) على أن جواب الشرط سد مسد جواب القسم، ~~وعلى أن الباء ليست للقسم تكون اللام في (لئن كشفت عنا الرجز) جواب قسم ms1315 ~~محذوف، و (لنؤمنن) جواب الشرط ساد مسد جواب القسم (ولنرسلن معك بني ~~إسرائيل) معطوف على لنؤمنن، وقد كانوا حابسين لبني إسرائيل عندهم يمتهنونهم ~~في الأعمال فوعدوه بإرسالهم معه (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه) ~~أي رفعنا عنهم العذاب عند أن رجعوا إلى موسى وسألوه بما سألوه، لكن لا رفعا ~~مطلقا، بل رفعا مقيدا بغاية هي الأجل المضروب لإهلاكهم بالغرق، وجواب لما ~~(إذا هم ينكثون) أي ينقضون ما عقدوه على أنفسهم، وإذا هي الفجائية: أي ~~فاجئوا النكث وبادروه (فانتقمنا منهم) أي أردنا الانتقام منهم لما نكثوا ~~بسبب ما تقدم لهم من الذنوب المتعددة (فأغرقناهم في اليم) أي في البحر، قيل ~~هو الذي لا يدرك قعره، وقيل هو لجته وأوسطه، وجملة (بأنهم كذبوا بآياتنا) ~~تعليل للإغراق (وكانوا عنها غافلين) معطوف على كذبوا: أي كانوا غافلين عن ~~النقمة المدلول عليها بانتقمنا، أو عن الآيات التي لم يؤمنوا بها بل كذبوا ~~بها وكانوا في تكذيبهم بمنزلة الغافلين عنها، والثاني أولى لأن الجملتين ~~تعليل للإغراق. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~ابن مسعود (ولقد أخذنا آل PageV02P238 # فرعون بالسنين) قال: السنين الجوع. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: السنين الجوائح ~~(ونقص من الثمرات) دون ذلك. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: لما أخذ الله آل فرعون بالسنين يبس كل شئ لهم، وذهبت ~~مواشيهم حتى يبس نيل مصر، واجتمعوا إلى فرعون، فقالوا: إن كنت كما تزعم ~~فائتنا في نيل مصر بماء، قال: غدوة يصبحكم الماء فلما خرجوا من عنده قال: ~~أي شئ صنعت إن لم أقدر على أن أجري في نيل مصر ماء غدوة كذبوني؟ فلما كان ~~جوف الليل قام فاغتسل ولبس مدرعة صوف ثم خرج حافيا حتى أتى نيل مصر فقال: # اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ms1316 ماء، ~~فما علم إلا بجزر الماء يقبل فخرج وأقبل النيل يزخ بالماء لما أراد الله ~~بهم من الهلكة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (فإذا جاءتهم الحسنة) قال: ~~العافية والرخاء (قالوا لنا هذه) نحن أحق بها (وإن تصبهم سيئة) قال: بلاء ~~وعقوبة (يطيروا بموسى) قال: يتشاءموا به. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله (ألا إنما طائرهم عند الله) قال: الأمر من قبل الله. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " الطوفان الموت " قال ابن كثير: هو حديث غريب. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الطوفان الغرق. وأخرج ~~هؤلاء عن مجاهد قال: الطوفان الموت على كل حال. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن ابن عباس قال: # الطوفان: مطروا دائما بالليل والنهار ثمانية أيام، والقمل: الجراد الذي ~~له أجنحة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: الطوفان أمر من أمر ~~ربك، ثم قرأ - فطاف عليها طائف من ربك -. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الطوفان ~~الماء والطاعون والجراد. قال يأكل مسامير أرتجهم: يعني أبوابهم وثيابهم، ~~والقمل الدباء والضفادع تسقط على فرشهم وفى أطعمتهم، والدم يكون في ثيابهم ~~ومائهم وطعامهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: # القمل الدباء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ~~كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف ~~نفسها في القدر وهي تغلي، وفى التنانير وهي تفور. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: سال النيل دما ~~فكان الإسرائيلي يستقى ماء طيبا، ويستقى الفرعوني دما، ويشتركان في إناء ~~واحد فيكون ما يلي ms1317 الإسرائيلي ماء طيبا وما يلي الفرعوني دما. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله (والدم) قال: سلط الله عليهم ~~الرعاف. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب ~~السحرة أربعين سنة يريهم الآيات والجراد والقمل والضفادع. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه في قوله (آيات مفصلات) قال: كانت آيات مفصلات يتبع بعضها بعضا ~~ليكون لله الحجة عليهم. وأخرج ابن المنذر عنه قال: يتبع بعضها بعضا تمكث ~~فيهم سبتا إلى سبت ثم ترفع عنهم شهرا. وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الرجز: العذاب " وأخرج عبد بن حميد عن سعيد ~~بن جبير قال: الرجز الطاعون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (إلى أجل هم بالغوه) قال: الغرق. وأخرج ابن أبي حاتم من طرق عن ابن ~~عباس قال: اليم البحر. وأخرج أيضا عن السدي مثله. PageV02P239 # سورة الأعراف الآية (137 - 141) قوله (وأورثنا القوم) يعنى بني إسرائيل ~~(الذين كانوا يستضعفون) أي يذلون ويمتهون بالخدمة لفرعون وقومه (مشارق ~~الأرض ومغاربها) منصوبان بأورثنا. وقال الكسائي والفراء: إن الأصل في مشارق ~~الأرض ومغاربها ثم حذفت " في " فنصبا، والأول أظهر لأنه يقال أورثته المال، ~~والأرض هي مصر والشام، ومشارقها جهات مشرقها. ومغاربها جهات مغاربها، وهي ~~التي كانت لفرعون وقومه من القبط، وقيل المراد جميع الأرض لأن داود وسليمان ~~من بني إسرائيل، وقد ملكا الأرض. قوله (التي باركنا فيها) صفة للمشارق ~~والمغارب، وقيل صفة الأرض والمباركة فيها إخراج الزرع والثمار منها على أتم ~~ما يكون وأنفع ما ينفق. قوله (وتمت كلمة ربك الحسنى) أي مضت واستمرت على ~~التمام والكلمة هي - ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين -، وهذا وعد من الله سبحانه بالنصر والظفر بالأعداء ~~والاستيلاء على أملاكهم، والحسنى: # صفة للكلمة، وهي تأنيث الأحسن، وتمام هذه الكلمة (على بني إسرائيل) بسبب ~~صبرهم على ما أصيبوا به من فرعون وقومه. قوله (ودمرنا ما ms1318 كان يصنع فرعون ~~وقومه) التدمير الإهلاك: أي أهلكنا بالخراب ما كانوا يصنعونه من العمارات ~~(وما كانوا يعرشون) قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم " يعرشون " بضم الراء. ~~قال الكسائي: هي لغة تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " يعرشون " بتشديد ~~الراء وضم حرف المضارعة. وقرأ الباقون بكسر الراء مخففة أي ما كانوا ~~يعرشونه من الجنات، ومنه قوله تعالى - وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات - وقيل معنى يعرشون يبنون، يقال عرش يعرش: أي بنى يبنى. قوله ~~(وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) هذا شروع في بيان ما فعله بنو إسرائيل بعد ~~الفراغ مما فعله فرعون وقومه. ومعنى جاوزنا ببني إسرائيل البحر جزناه بهم ~~وقطعناه. وقرئ " جوزنا " بالتشديد، وهو بمعنى قراءة الجمهور (فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم) قرأ حمزة والكسائي " يعكفون " بكسر الكاف، وقرأ ~~الباقون بضمها، يقال عكف يعكف ويعكف بمعنى أقام على الشئ ولزمه والمصدر ~~منهما عكوف، قيل هؤلاء القوم الذين أتاهم بنو إسرائيل هم من لخم كانوا ~~نازلين بالرقة، كانت أصنامهم تماثيل بقر، وقيل كانوا من الكنعانيين (قالوا) ~~أي بنو إسرائيل عند مشاهدتهم لتلك التماثيل (يا موسى اجعل لنا إلها) أي ~~صنما نعبده كائنا كالذي لهؤلاء القوم فالكاف متعلق بمحذوف وقع صفة لإلها، ~~فأجاب عليهم موسى، و (قال إنكم قوم تجهلون) وصفهم بالجهل لأنهم قد شاهدوا ~~من آيات الله ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير الله، ولكن هؤلاء ~~القوم: أعني بني إسرائيل أشد خلق الله عنادا وجهلا وتلونا وقد سلف في سورة ~~البقرة بيان PageV02P240 # ما جرى منهم من ذلك، ثم قال لهم موسى (إن هؤلاء) يعني القوم العاكفين على ~~الأصنام (متبر ما هم فيه) التبار الهلاك، وكل إناء منكسر فهو متبر: أي أن ~~هؤلاء هالك ما هم فيه مدمر مكسر، والذي هم فيه هو عبادة الأصنام أخبرهم بأن ~~هذا الدين الذي هؤلاء القوم عليه هالك مدمر لا يتم منه شئ. قوله (وباطل ما ~~كانوا يعملون) أي ذاهب مضمحل جميع ما كانوا يعملونه من الأعمال مع عبادتهم ms1319 ~~للأصنام. قال في الكشاف: وفى إيقاع هؤلاء اسما لإن وتقديم خبر المبتدأ من ~~الجملة الواقعة خبرا لها، وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتيار، ~~وأنه لا يعدوهم ألبتة، وأنه لهم ضربة لازب ليحذرهم عاقبة ما طلبوا وتبغض ~~إليهم ما أحبوا. قوله (أغير الله أبغيكم إلها) الاستفهام للإنكار والتوبيخ: ~~أي كيف أطلب لكم غير الله إلها تعبدونه وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي ~~البعض منه؟ والمعنى: أن هذا الذي طلبتم لا يكون أبدا، وإدخال الهمزة على ~~غير للإشعار بأن المنكر هو كون المبتغى غيره سبحانه إلها، وغير مفعول للفعل ~~الذي بعده، وإلها تمييز أو حال، وجملة (وهو فضلكم على العالمين) في محل نصب ~~على الحال: أي والحال أنه فضلكم على العالمين من أهل عصركم بما أنعم به ~~عليكم من إهلاك عدوكم واستخلافكم في الأرض وإخراجكم من الذل والهوان إلى ~~العز والرفعة فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره. قوله (وإذ أنجيناكم ~~من آل فرعون) أي واذكروا وقت إنجائنا لكم من آل فرعون بعد أن كانوا مالكين ~~لكم يستعبدونكم فيما يريدونه منكم ويمتهنونكم بأنواع الامتهانات، هذا على ~~أن هذا الكلام محكى عن موسى، وأما إذا كان في حكم الخطاب لليهود الموجودين ~~في عصر محمد، فهو بمعنى اذكروا إذ أنجينا أسلافكم من آل فرعون، وجملة ~~(يسومونكم سوء العذاب) في محل نصب على الحال: أي أنجيناكم من آل فرعون حال ~~كونهم (يسومونكم سوء العذاب)، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما كانوا فيه ~~مما أنجاهم منه، وجملة (يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم) مفسرة للجملة التي ~~قبلها، أو بدل منها. وقد سبق بيان ذلك، والإشارة بقوله (وفى ذلكم) إلى ~~العذاب: أي في هذا العذاب الذي كنتم فيه (بلاء) عليكم (من ربكم عظيم) وقيل ~~الإشارة إلى الإنجاء، والبلاء النعمة. والأول أولى. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن الحسن في قوله (مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) قال: ~~الشام. وأخرج هؤلاء عن قتادة مثله. وأخرج ابن عساكر ms1320 عن زيد بن أسلم نحوه. ~~وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن شوذب قال: هي فلسطين، وقد روى عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في فضل الشام أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (وتمت كلمة ربك الحسنى) قال: ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين ~~الله لهم في الأرض وما ورثهم منها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (وما كانوا يعرشون) قال: يبنون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) قال: لخم وجذام. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني ~~مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: تماثيل بقر من ~~نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أول شأن ~~العجل ليكون لله عليهم الحجة فينتقم منهم بعد ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة، فقلت: يا رسول الله ~~اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم ~~بسدرة ويعكفون حولها PageV02P241 # فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " الله أكبر هذا كما قالت بنو ~~إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم ~~". وأخرج نحوه ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق كثير بن عبد ~~الله بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا، وكثير ضعيف جدا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (متبر) قال: خسران. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال: هلاك. سورة الأعراف الآية (142) ~~هذا ms1321 من جملة ما كرم الله به موسى عليه السلام وشرفه. والثلاثين هي ذو ~~القعدة والعشر هي عشر ذي الحجة ضرب الله هذه المدة موعدا لمناجاة موسى ~~ومكالمته، قيل وكان التكليم في يوم النحر، والفائدة في (فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة) مع العلم بأن الثلاثين والعشر أربعون ليلا يتوهم وأن المراد ~~أتممنا الثلاثين بعشر منها فبين أن العشر غير الثلاثين، وأربعين ليلة منصوب ~~على الحال: أي فتم حال كونه بالغا أربعين ليلة. قوله (وقال موسى لأخيه ~~هارون اخلفني في قومي) أي كن خليفتي فيهم، قال موسى هذا لما أراد المضي إلى ~~المناجاة (وأصلح) أمر بني إسرائيل بحسن سياستهم والرفق بهم وتفقد أحوالهم ~~(ولا تتبع سبيل المفسدين) أي لا تسلك سبيل العاصين ولا تكن عونا للظالمين. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في ~~قوله (وواعدنا موسى) الآية قال ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في الآية قال: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه ~~وأخلف هارون فيكم، فما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا فكانت فتنتهم في ~~العشر التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري قد أبصر جبريل، ~~فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب، ثم ذكر قصة السامري. # سورة الأعراف الآية (143 - 145) PageV02P242 # سورة الأعراف الآية (146 - 147) اللام في (لميقاتنا) للاختصاص: أي كان ~~مجيئه مختصا بالميقات المذكور بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود (وكلمه ربه) ~~أي أسمعه كلامه من غير واسطة. قوله (أرني أنظر إليك) أي أرني نفسك أنظر ~~إليك: أي سأله النظر إليه اشتياقا إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. وسؤال موسى ~~للرؤية يدل على أنها جائزة عنده في الجملة، ولو كانت مستحيلة عنده لما ~~سألها، والجواب بقوله (لن تراني) يفيد أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب ~~رؤيته فيه، أو أنه لا يرى ما دام الرائي حيا في ms1322 دار الدنيا. وأما رؤيته في ~~الآخرة فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة ~~المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة، ومنهج الحق واضح، ~~ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه آباءه وأهل بلده مع عدم ~~التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب، ~~والمتعصب وإن كان بصره صحيحا فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع ~~الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلة منه ~~وجهلا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح وتلقى ما جاء به الكتاب والسنة ~~بالإذعان والتسليم، وما أقل المنصفين بعد ظهوره هذه المذاهب في الأصول ~~والفروع فإنه صار بها باب الحق مرتجا، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله ~~سبحانه، والهداية منه: # يأبى الفتى إلا اتباع الهوى * ومنهج الحق له واضح وجملة (قال لن تراني) ~~مستأنفة لكونها جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل: فما قال الله له؟ والاستدراك ~~بقوله (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) معناه أنك لا تثبت ~~لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوة، وهو الجبل فانظر ~~إليه (فإن استقر مكانه) ولم يتزلزل عنه رؤيتي له (فسوف تراني) وإن ضعف عن ~~ذلك فأنت منه أضعف، فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام ~~بالجبل، وقيل هو من باب التعليق بالمحال، وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في ~~الدنيا لما قدمنا. # وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتي المعتزلة والأشعرية: فالمعتزلة استدلوا ~~بقوله (لن تراني)، وبأمره بأن ينظر إلى الجبل، والأشعرية قالوا: إن تعليق ~~الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة، ولا يخفاك أن الرؤية ~~الأخروية هي بمعزل عن هذا كله، والخلاف بينهم هو فيها لا في الرؤية في ~~الدنيا فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة وكلامهم فيها معروف. قوله (فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا) تجلى معناه: ظهر، من قولك جلوت العروس: أي ~~أبرزتها، وجلوت السيف: أخلصته ms1323 من الصدأ، وتجلى الشئ: انكشف. والمعنى: فلما ~~ظهر ربه للجبل جعله دكا. وقيل المتجلى: هو أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره ~~والدك مصدر بمعنى المفعول: أي جعله مدكوكا مدقوقا فصار ترابا، هذا على ~~قراءة من قرأ دكا بالمصدر، وهم أهل المدينة وأهل البصرة، وأما على قراءة ~~أهل الكوفة (جعله دكاء) على التأنيث، والجمع دكاوات كحمراء وحمراوات، وهي ~~اسم للرابية الناشزة من الأرض أو للأرض المستوية، فالمعنى: أن الجبل صار ~~صغيرا كالرابية أو أرضا مستوية. قال الكسائي الدك: الجبال العراض واحدها ~~أدك. والدكاوات جمع دكاء، وهي رواب من طين ليست بالغلاظ، والدكادك: ما ~~التبد من الأرض PageV02P243 # فلم يرتفع، وناقة دكاء: لا سنام لها (وخر موسى صعقا) أي مغشيا عليه ~~مأخوذا من الصاعقة: والمعنى: أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه ~~عند إصابة الصاعقة له. يقال صعق الرجل فهو صعق ومصعوق: إذا أصابته الصاعقة ~~(فلما أفاق) من غشيته (قال سبحانك) أي أنزهك تنزيها من أن أسأل شيئا لم ~~تأذن لي به (تبت إليك) عن العود إلى مثل هذا السؤال. قال القرطبي: وأجمعت ~~الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية فإن الأنبياء معصومون، وقيل هي ~~توبة من قتله للقبطي، ذكره القشيري، ولا وجه له في مثل هذا المقام (وأنا ~~أول المؤمنين) بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك ~~وجلالك، وجملة (قال يا موسى) مستأنفة كالتي قبلها متضمنة لاكرام موسى ~~واختصاصه بما اختصه الله به. والاصطفاء: الاجتباء والاختيار: أي اخترتك على ~~الناس المعاصرين لك برسالتي كذا قرأ نافع وابن كثير بالإفراد، وقرأ الباقون ~~بالجمع. والرسالة مصدر، والأصل فيه الإفراد، ومن جمع فكأنه نظر إلى أن ~~الرسالة هي على ضروب فجمع لاختلاف الأنواع، والمراد بالكلام هنا: # التكليم. أمتن الله سبحانه عليه بهذين النوعين العظيمين من أنواع ~~الإكرام، وهما الرسالة والتكليم من غير واسطة ثم أمره بأن يأخذ ما آتاه: أي ~~أعطاه من هذا الشرف الكريم، وأمره بأن يكون من الشاكرين على هذا العطاء ~~العظيم والإكرام الجليل. قوله (وكتبنا له ms1324 في الألواح من كل شئ موعظة ~~وتفصيلا لكل شئ) من كل شئ: أي من كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في دينهم ~~ودنياهم، وهذه الألواح: هي التوراة، قيل كانت من زمردة خضراء، وقيل من ~~ياقوتة حمراء، وقيل من زبرجد، وقيل من صخرة صماء. وقد اختلف في عدد الألواح ~~وفى مقدار طولها وعرضها، والألواح: جمع لوح، وسمى لوحا لكونه تلوح فيه ~~المعاني، وأسند الله سبحانه الكتابة إلى نفسه تشريفا للمكتوب في الألواح، ~~وهي مكتوبة بأمره سبحانه، وقيل هي كتابة خلقها الله في الألواح، و (من كل ~~شئ) في محل نصب على أنه مفعول (كتبنا) و (موعظة وتفصيلا) بدل من محل كل شئ ~~أي موعظة لمن يتعظ بها من بني إسرائيل وغيرهم وتفصيلا للأحكام المحتاجة إلى ~~التفصيل (فخذها بقوة) أي خذ الألواح بقوة: أي بجد ونشاط وقيل الضمير عائد ~~إلى الرسالات، أو إلى كل شئ، أو إلى التوراة، قيل وهذا الأمر على إضمار ~~القول: أي فقلنا له خذها، وقيل إن (فخذها) بدل من قوله (فخذ ما آتيتك) ~~(وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) أي بأحسن ما فيها بما أجره أكثر من غيره، وهو ~~مثل قوله تعالى - اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم -، وقوله - فيتبعون ~~أحسنه -، ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه والعمل بالعزيمة دون ~~الرخصة، وبالفريضة دون النافلة، وفعل المأمور به، وترك المنهي عنه. قوله ~~(سأوريكم دار الفاسقين) قيل هي أرض مصر التي كانت لفرعون وقومه وقيل منازل ~~عاد وثمود، وقيل هي جهنم، وقيل منازل الكفار من الجبابرة والعمالقة ~~ليعتبروا بها، وقيل الدار: # الهلاك. والمعنى: سأريكم هلاك الفاسقين. وقد تقدم تحقيق معنى الفسق. قوله ~~(سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) قيل معنى (سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون) سأمنعهم فهم كتابي، وقيل سأصرفهم عن الإيمان بها، ~~وقيل سأصرفهم عن نفعها مجازاة على تكبرهم كما في قوله - فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم -، وقيل سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها ولا يعتبروا ~~بها. # واختلف في تفسير الآيات فقيل هي المعجزات، وقيل ms1325 الكتب المنزلة، وقيل هي ~~خلق السماوات والأرض وصرفهم عنها أن لا يعتبروا بها، ولا مانع من حمل ~~الآيات على جميع ذلك حمل الصرف على جميع المعاني المذكورة و (بغير الحق) ~~إما متعلق بقوله (يتكبرون) أي يتكبرون بما ليس بحق، أو بمحذوف وقع حالا: أي ~~يتكبرون متلبسين بغير الحق. قوله (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) معطوف ~~على " يتكبرون " منتظم معه في حكم الصلة. والمعنى PageV02P244 # سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات، ويدخل ~~تحت كل آية الآيات المنزلة، والآيات التكوينية، والمعجزات: أي لا يؤمنون ~~بآية من الآيات كائنة ما كانت. وقرأ مالك بن دينار " يروا " بضم الياء في ~~الموضعين، وجملة (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) معطوفة على ما ~~قبلها داخلة في حكمها، وكذلك جملة (وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) ~~والمعنى: أنهم إذا وجدوا سبيلا من سبل الرشد تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلا ~~من سبل الغي سلكوه واختاروه لأنفسهم. قرأ أهل المدينة وأهل البصرة " الرشد ~~" بضم الراء وإسكان الشين. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بفتح الراء والشين. ~~قال أبو عبيدة: فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال: # الرشد الصلاح والرشد في الدين. قال النحاس: سيبويه يذهب إلى أن الرشد ~~والرشد كالسخط والسخط. قال الكسائي: والصحيح عن أبي عمرو وغيره ما قال أبو ~~عبيدة. وأصل الرشد في اللغة: أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضد الخيبة، ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى الصرف: أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو الإشارة إلى ~~التكبر وعدم الإيمان بالآيات، وتجنب سبيل الرشد، وسلوك سبيل الغي، واسم ~~الإشارة مبتدأ، وخبره جملة (بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) أي ~~بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها، والموصول في (والذين كذبوا بآياتنا ~~ولقاء الآخرة) مبتدأ. وخبره (حبطت أعمالهم)، والمراد بلقاء الآخرة: لقاء ~~الدار الآخرة: أي لقائهم لها أو لقائهم ما وعدوا به فيها على أن الإضافة ~~إلى الظرف، وحباط الله الأعمال بطلانها: أي بطلان ما عملوه مما صورته صورة ~~الطاعة كالصدقة والصلة وإن كانوا في حال كفرهم ms1326 لا طاعات لهم، ويحتمل أن ~~يراد أنها تبطل بعد ما كانت مرجوة النفع على تقدير إسلامهم لما في الحديث ~~الصحيح " أسلمت على ما أسلفت من خير ". (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) من ~~الكفر بالله، والتكذيب بآياته، وتنكب سبيل الحق، وسلوك سبيل الغي. # وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال: لما كلم الله موسى ~~قال: يا رب أهكذا كلامك؟ # قال: يا موسى إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها، ولو ~~كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئا. # وأخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء ~~والصفات من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لما ~~كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ناداه فقال له ~~موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة ~~آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني ~~إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن، فقال: # لا تستطيعونه، ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقتل، في أحلا حلاوة ~~سمعتموه فذاك قريب منه وليس به ". # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن ~~بن معاوية قال: إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه ولو تكلم بكلامه ~~كله لم يطقه شئ. فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور رب ~~العالمين. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (قال رب أرني ~~أنظر إليك) يقول: # أعطني أنظر إليك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: ~~لما سمع الكلام طمع في الرؤية. # وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: حين قال موسى لربه تبارك وتعالى (رب ~~أرني أنظر إليك) قال الله: # يا موسى إنك لن تراني، قال يقول: ليس تراني ويكون ذلك أبدا، يا موسى إنه ~~لن يراني أحد فيحيا، قال موسى ms1327 رب إني أراك ثم أموت أحب إلي من أن لا أراك ~~ثم أحيا، فقال الله لموسى: يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد ~~(فإن استقر مكانه) يقول: فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهد لبعض ما يرى من ~~عظمتي (فسوف تراني) أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل انهد بقوته وشدته وعظمته ~~فأنت أضعف وأذل. وأخرج أحمد وعبد PageV02P245 # ابن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي ~~في الكامل وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في كتاب الرؤية ~~من طرق عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية ~~(فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) قال هكذا، وأشار بأصبعيه ووضع إبهاميه على ~~أنملة الخنصر، وفى لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل (وخر موسى ~~صعقا) وفى لفظ فساخ الجبل في الأرض فهو يهوى فيها إلى يوم القيامة، وهذا ~~الحديث حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الجبل ~~الذي أمره الله أن ينظر إليه الطور. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ والبيهقي في كتاب الرؤية عن ابن عباس (فلما تجلى ربه للجبل) قال: ما ~~تجلى منه إلا قدر الخنصر (جعله دكا) قال: ترابا (وخر موسى صعقا) قال: مغشيا ~~عليه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ~~والديلمي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لما تجلى الله ~~للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة بالمدينة: ~~أحد وورقان ورضوي، وبمكة: حراء وثبير وثور ". وأخرج الطبراني في الأوسط عن ~~أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لما تجلى الله لموسى ~~تطايرت سبعة أجبل، ففي الحجاز خمسة منها، وفى اليمن اثنان، في الحجاز: أحد ~~وثبير وحراء وثور وورقان، وفى اليمن: حضور وصبر ". وأخرج ابن جرير والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عن ابن عباس أن موسى لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه ~~فسأله فقال ms1328 (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل) قال: فحف حول الجبل الملائكة ~~وحف حول الملائكة بنار وحف حول النار بملائكة وحف حولهم بنار، ثم تجلى ربه ~~للجبل تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا، فلم يزل صعقا ما ~~شاء الله، ثم أفاق فقال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين من بني ~~إسرائيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن علي ابن أبي طالب قال: ~~كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في لوح. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: " الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان ~~طول اللوح اثنى عشر ذراعا ". وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير قال ~~كانوا يقولون كانت الألواح من ياقوتة. وأنا أقول: إنما كانت من زمرد ~~وكتابها الذهب، كتبها الله بيده، فسمع أهل السماوات صريف الأقلام. # أقول: رحم الله سعيدا ما كان أغناه عن هذا الذي قاله من جهة نفسه، فمثله ~~لا يقال بالرأي ولا بالحدس، والذي يغلب به الظن أن كثيرا من السلف رحمهم ~~الله كانوا يسألون اليهود عن هذه الأمور، فلهذا اختلف واضطربت فهذا يقول من ~~خشب، وهذا يقول من ياقوت، وهذا يقول من زمرد، وهذا يقول من زبرجد، وهذا ~~يقول من برد، وهذا يقول من حجر. وأخرج أبو الشيخ عن السدي (وكتبنا له في ~~الألواح من كل شئ) كل شئ أمروا به ونهوا عنه. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله. وقد اختلف السلف في المكتوب في ~~الألواح اختلافا كثيرا، ولا مانع من حمل المكتوب على جميع ذلك لعدم ~~التنافي. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (فخذها بقوة) قال بجد ~~وحزم (سأوريكم دار الفاسقين) قال: دار الكفار وأخرج ابن جرير عنه (وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها) قال: أمر موسى أن يأخذها بأشد مما أمر به قومه. وأخرج ~~عبد ms1329 بن حميد وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس (فخذها بقوة) قال: بطاعة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (فخذها بقوة) يعني بجد ~~واجتهاد (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) قال: بأحسن ما يجدون منها. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (سأوريكم دار ~~الفاسقين) قال: PageV02P246 # مصيرهم في الآخرة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ~~قال: منازلهم في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: ~~جهنم. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: مصر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن السدي في قوله (سأصرف عن آياتي) قال: عن أن يتفكروا في آياتي. وأخرج ابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج (عن آياتي) قال: عن خلق السماوات والأرض ~~والآيات التي فيها سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان بن عيينة في الآية قال: أنزع ~~عنهم فهم القرآن. # سورة الأعراف الآية (148 - 151) قوله (واتخذ قوم موسى من بعده) أي من بعد ~~خروجه إلى الطور (من حليهم) متعلق باتخذ أو بمحذوف وقع حالا، ومن للتبعيض، ~~أو للابتداء، أو للبيان، والحلى جمع حلى. وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة " ~~من حليهم " بضم الحاء وتشديد الياء. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بكسر الحاء. ~~وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء. قال النحاس: جمع حلي وحلى وحلى مثل ~~ثدي وثدى وثدى، والأصل حلوى أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها ~~الياء وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمها على الأصل، وأضيفت الحلي إليهم وإن ~~كانت لغيرهم لأن الإضافة تجوز لأدنى ملابسة، و (عجلا) مفعول اتخذ، وقيل هو ~~بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين ثانيهما محذوف: أي اتخذوا عجلا إلها، و ~~(جسدا) بدل من عجلا، وقيل وصف له، والخوار الصياح: يقال خار يخور خورا إذا ~~صاح، وكذلك خار يخار خوارا. ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعا مع أنه اتخذه ~~السامري وحده لكونه واحدا منهم وهم راضون ms1330 بفعله. روى أنه لما وعد موسى قومه ~~ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة، قال السامري لبني إسرائيل وكان ~~مطاعا فيهم: إن معكم حليا من حلي آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به ~~في العيد وخرجتم وهو معكم. وقد أغرق الله أهله من القبط فهاتوها، فدفعوها ~~إليه فاتخذ منها العجل المذكور. قوله (ألم يروا أنه لا يكلمهم) الاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ: أي ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلها لا يقدر على ~~تكليمهم فضلا عن أن يقدر على جلب نفع لهم أو دفع ضر منهم (ولا يهديهم ~~سبيلا) أي طريقا واضحة يسلكونها (اتخذوه وكانوا ظالمين) أي اتخذوه إلها ~~(وكانوا ظالمين) لأنفسهم في اتخاذه أو في كل شئ، ومن جملة ذلك هذا الاتخاذ، ~~PageV02P247 # قوله (ولما سقط في أيديهم) أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات، ~~يقال للنادم المتحير قد سقط في يده. قال الأخفش: يقال سقط في يده وأسقط، ~~ومن قال سقط في أيديهم على البناء للفاعل، فالمعنى عنده: سقط الندم وأصله ~~أن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها، لأن ~~فاه قد وقع فيها. وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم: معنى سقط في ~~أيديهم: أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالا ~~أن يكون في اليد تشبيها لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد، لأن ~~مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى - ذلك بما قدمت يداك - ~~وأيضا الندم وإن حل القلب فأثره يظهر في البدن، لأن النادم يعض يده ويضرب ~~إحدى يديه على الأخرى، قال الله تعالى - فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ~~- ومنه - ويوم يعض الظالم على يديه - أي من الندم، وأيضا النادم يضع ذقنه ~~في يده (ورأوا أنهم قد ضلوا) معطوف على سقط: أي تبينوا أنهم قد ضلوا ~~باتخاذهم العجل وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه (قالوا لئن لم يرحمنا ~~ربنا ويغفر لنا) قرأ حمزة والكسائي بالفوقية في الفعلين جميعا، وقرأ ~~الباقون بالتحتية، ms1331 واللام للقسم، وجوابه (لنكونن من الخاسرين) وفى هذا ~~الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال، وسيأتي ~~في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكى عنهم هنا وقع بعد ~~رجوع موسى، وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول ~~والفعل في موضع واحد. قوله (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) هذا بيان ~~لما وقع من موسى بعد رجوعه، وانتصاب غضبان وأسفا على الحال، والأسف شديد ~~الغضب. قيل هو منزلة وراء الغضب أشد منه، وهو أسف وأسيف وأسفان وأسوف، قال ~~ابن جرير الطبري: أخبره الله قبل رجوعه بأنهم قد فتنوا، فلذلك رجع وهو ~~غضبان أسفا (قال بئسما خلفتموني من بعدي) هذا ذم من موسى لقومه: أي بئس ~~العمل ما عملتموه من بعدي: أي من بعد غيبتي عنكم، يقال خلفه بخير وخلفه ~~بشر، استنكر عليهم ما فعلوه وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه ~~الانزجار والإيمان بالله وحده، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلون حالهم ~~واضطراب أفعالهم، ثم قال منكرا عليهم (أعجلتم أمر ربكم) والعجلة: التقدم ~~بالشيء قبل وقته، يقال عجلت الشئ سبقته وأعجلت الرجل حملته على العجلة، ~~والمعنى: أعجلتم عن انتظار أمر ربكم: أي ميعاده الذي وعدنيه، وهو الأربعون ~~ففعلتم ما فعلتم، وقيل معناه: تعجلتم سخط ربكم، وقيل معناه: أعجلتم بعبادة ~~العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم (وألقى الألواح) أي طرحها لما اعتراه من شدة ~~الغضب والأسف حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل. قوله (وأخذ ~~برأس أخيه يجره إليه) أي أخذ برأس أخيه هارون أو بشعر رأسه حال كونه يجره ~~إليه: فعل به ذلك لكونه لم ينكر على السامري ولا غيره ما رآه من عبادة بني ~~إسرائيل للعجل فقال هارون معتذرا منه (ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني) أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين الأمرين استضعافهم لي، ~~ومقاربتهم لقتلي وإنما قال ابن أم مع كونه أخاه من أبيه وأمه، لأنها ms1332 كلمة ~~لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة. وقال الزجاج: قيل كان هارون أخا موسى ~~لأمه لا لأبيه. قرئ " ابن أم " بفتح الميم تشبيها له بخمسة عشر، فصار كقولك ~~يا خمسة عشر أقبلوا. وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد: إن الفتح على تقدير ~~يا بن أما وقال البصريون هذا القول خطأ: لأن الألف خفيفة لا تحذف، ولكن جعل ~~الاسمين اسما واحدا كخمسة عشر، واختاره الزجاج والنحاس: وأما من قرأ بكسر ~~الميم فهو على تقدير ابن أمي، ثم حذفت الياء وأبقيت الكسرة لتدل عليها، ~~وقال الأخفش وأبو حاتم: ابن أم بالكسر كما تقول يا غلام أقبل، وهي لغة شاذة ~~والقراءة بها بعيده، وإنما PageV02P248 # هذا فيما يكون مضافا إليك. وقرئ (ابن أمي) بإثبات الياء. قوله (فلا تشمت ~~بي الأعداء) الشماتة: السرور من الأعداء بما يصيب من يعادونه مع المصائب، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم أني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك ~~الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء " وهو في الصحيح، ومنه قول الشاعر: # إذا ما الدهر جر على أناس * كلا كله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا ~~أفيقوا * سيلقى الشامتون كما لقينا والمعنى: لا تفعل بي ما يكون سببا ~~للشماتة منهم. وقرأ مجاهد ومالك بن دينار (فلا تشمت بي الأعداء) بفتح حرف ~~المضارعة وفتح الميم ورفع الأعداء على أن الفعل مسند إليهم: أي لا يكون ذلك ~~منهم لفعل تفعله بي. وروى عن مجاهد أنه قرأ (تشمت) كما تقدم عنه مع نصب ~~الأعداء. قال ابن جنى: والمعنى فلا تشمت بي أنت يا رب وجاز هذا كما في قوله ~~- الله يستهزئ بهم - ونحوه ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء ~~كأنه قال: ولا تشمت يا رب بي الأعداء، وما أبعد هذه القراءة عن الصواب ~~وأبعد تأويلها عن وجوه الإعراب. قوله (ولا تجعلني مع القوم الظالمين) أي لا ~~تجعلني بغضبك علي في عداد القوم الظالمين: يعني الذين عبدوا العجل أو لا ~~تعتقد أني منهم قوله (قال رب اغفر لي ولأخي) هذا كلام مستأنف ms1333 جواب سؤال ~~مقدر. كأنه قيل: فماذا قال موسى بعد كلام هارون هذا؟ فقيل (قال رب اغفر لي ~~ولأخي) طلب المغفرة له أولا، ولأخيه ثانيا ليزيل عن أخيه ما خافه من ~~الشماتة، فكأنه تذمم مما فعله بأخيه، وأظهر أنه لا وجه له، وطلب المغفرة من ~~الله مما فرط منه في جانبه، ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير ~~فيما يجب عليهم من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم، ثم طلب إدخاله وإدخال ~~أخيه في رحمة الله التي وسعت كل شئ فهو (أرحم الراحمين). # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله (واتخذ ~~قوم موسى) الآية، قال: # حين دفنوها ألقى عليها السامري قبضة من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية ~~قال: استعاروا حليا من آل فرعون، فجمعه السامري فصاغ منه (عجلا) فجعله ~~(جسدا) لحما ودما (له خوار). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (خوار) ~~قال: # الصوت. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: خار العجل خورة لم يئن ألم تر ~~أن الله قال (ألم يروا أنه لا يكلمهم) وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في ~~قوله (سقط في أيديهم) قال: ندموا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس (أسفا) قال: حزينا. وأخرج أبو الشيخ عن ~~أبي الدرداء قال: # الأسف منزلة وراء الغضب أشد من ذلك. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب ~~قال: الأسف الغضب الشديد وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن ابن عباس قال: لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها. ~~وأخرج أبو الشيخ عنه قال: رفع الله منها ستة أسباعها وبقى سبع. وأخرج أبو ~~نعيم في الحلية عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال: لما ألقاها موسى ذهب التفصيل ~~وبقى الهدى. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانت تسعة ms1334 رفع منها لوحان ~~وبقى سبعة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (ولا تجعلني مع القوم الظالمين) قال: مع أصحاب العجل. ~~PageV02P249 # سورة الأعراف الآية (153 - 154) الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا ~~بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب، والذلة هي التي ضربها ~~الله عليهم بقوله - ضربت عليهم الذلة -، وقيل هي إخراجهم من ديارهم، وقيل ~~هي الجزية، وفيه نظر لأنها لم تؤخذ منهم، وإنما أخذت من ذراريهم. والأولى ~~أن يقيد الغضب والذلة بالدنيا لقوله (في الحياة الدنيا) وإن ذلك مختص ~~بالمتخذين للعجل إلها لا لمن بعدهم من ذراريهم ومجرد ما أمروا به من قتل ~~أنفسهم هو غضب من الله عليهم، وبه يصيرون أذلاء، وكذلك خروجهم من ديارهم هو ~~من غضب الله عليهم، وبه يصبرون أذلاء وأما ما نال ذراريهم من الذلة فلا يصح ~~تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي، وهو لم ~~يتعذر هنا (وكذلك نجزى المفترين) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين، ~~والافتراء الكذب، فمن افترى على الله سيناله من الله غضب وذلة في الحياة ~~الدنيا. وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء، بل المراد ما يصدق عليه أنه من ~~غضب الله سبحانه وأن فيه ذلة بأي نوع كان (والذين عملوا السيئات) أي سيئة ~~كانت (ثم تابوا) عنها (من بعد) عمل‍ (ها وآمنوا) بالله (إن ربك من بعدها) ~~أي من بعد هذه التوبة، أو من بعد عمل هذه السيئات التي قد تاب عنها فاعلها ~~وآمن بالله (لغفور رحيم) أي كثير الغفران لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم. ~~قوله (ولما سكت عن موسى الغضب) أصل السكوت السكون والإمساك، يقال جرى ~~الوادي ثلاثا ثم سكن: أي أمسك عن الجري: قيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه ~~على ما فعل، ويقول له قل لقومك كذا وألق الألواح وجر برأس أخيك فترك ~~الاغراء وسكت، وقيل هذا الكلام فيه قلب، والأصل سكت موسى عن الغضب ms1335 كقولهم ~~أدخلت الأصبع الخاتم، والخاتم بن الأصبع، وأدخلت القلنسوة رأسي. ورأسي ~~القلنسوة. وقرأ معاوية بن قرة " ولما سكن عن موسى الغضب " وقرئ سكت وأسكت ~~(أخذ الألواح) التي ألقاها عند غضبه (وفى نسختها هدى ورحمة النسخ نقل ما في ~~كتاب إلى كتاب آخر، ويقال للأصل الذي كان النقل منه نسخة وللمنقول نسخة ~~أيضا. قال القشيري. والمعنى (وفى نسختها): أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة ~~ونقل إلى الألواح الجديدة (هدى ورحمة) وقيل المعنى: وفيما نسخ له منها: أي ~~من اللوح المحفوظ، وقيل المعنى: وفيما كتب له فيها هدى ورحمة، فلا يحتاج ~~إلى أصل ينقل عنه، وهذا كما يقال أنسخ ما يقول فلان: أي أثبته في كتابك ~~والنسخة فعلة، بمعنى مفعولة كالخطبة. # والهدى ما يهتدون به من الأحكام، والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم ~~بما فيها من الرحمة الواسعة، واللام في (للذين هم) متعلقة بمحذوف: أي كائنة ~~لهم أو لأجلهم، واللام في (لربهم يرهبون) للتقوية للفعل لما كان مفعوله ~~متقدما عليه فإنه يضعف بذلك بعض الضعف. وقد صرح الكسائي بأنها زائدة. وقال ~~الأخفش: هي لام الأجل أي لأجل ربهم يرهبون. وقال محمد بن يزيد المبرد: هي ~~متعلقة بمصدر الفعل المذكور، والتقدير: للذين هم رهبتهم لربهم يرهبون. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن أيوب قال: تلا أبو قلابة هذه الآية (إن الذين اتخذوا العجل) إلى قوله ~~(وكذلك نجزى المفترين) قال: هو جزاء كل مفتر يكون إلى يوم القيامة أن يذله ~~الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أعطى موسى التوراة في سبعة ~~ألواح من زبرجد، PageV02P250 # فيها تبيان لكل شئ وموعظة، ولما جاء فرأى بني إسرائيل عكوفا على العجل ~~رمى التوراة من يده فتحطمت، وأقبل على هارون فأخذ برأسه فرفع الله منها ستة ~~أسباع وبقي سبع (فلما ذهب عن موسى الغضب أخذ الألواح وفى نسختها هدى ورحمة) ~~قال: فيما بقى منها. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال: كانت ms1336 ~~الألواح من زمرد فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل، وبقي الهدى والرحمة، وقرأ " ~~وكتبنا له في الألواح موعظة وتفصيلا لكل شئ " وقرأ (ولما سكت عن موسى الغضب ~~أخذ الألواح وفى نسختها هدى ورحمة) قال: ولم يذكر التفصيل هاهنا. # سورة الأعراف الآية (155 - 157) قوله (واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا) هذا شروع في بيان ما كان من موسى ومن القوم الذين اختارهم، ~~وسبعين مفعول اختار، وقومه منصوب بنزع الخافض: أي من قومه على الحذف ~~والإيصال، ومثله قول الراعي: # اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم * واعتل من كان يرجى عنده السول يريد اخترتك ~~من الناس، ومعنى (لميقاتنا) للوقت الذي وقتناه له بعد أن وقع من قومه ما ~~وقع، والميقات الكلام الذي تقدم ذكره لأن الله أمره أن يأتي إلى الطور في ~~ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل كذا قيل، والرجفة ~~في اللغة: الزلزلة الشديدة، قيل إنهم زلزلوا حتى ماتوا، فلما رأى موسى أخذ ~~الرجفة لهم (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) قاله عليه السلام تحسرا ~~وتلهفا، لأن سبب أخذ الرجفة لهم ما حكى الله عنهم من قولهم - وإذ قلتم يا ~~موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة - على ما تقدم في ~~البقرة، وقيل هؤلاء السبعون غير من قالوا - أرنا الله جهرة - بل أخذتهم ~~الرجفة، بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل، وقيل إنهم قوم لم يرضوا بعبادة ~~العجل ولا نهوا السامري ومن معه عن عبادته، فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم ~~والمعنى لو شئت إهلاكنا لأهلكتنا بذنوبنا قبل هذا الوقت اعترافا منه عليه ~~السلام بالذنب، وتلهفا على ما فرط من قومه PageV02P251 # والاستفهام في قوله (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) للجحد: أي ليست ممن ~~يفعل ذلك، قاله ثقة منه برحمة الله، والمقصود منه الاستعطاف والتضرع، وقيل ~~معناه الدعاء والطلب: أي لا تهلكنا. قال المبرد: المراد بالاستفهام استفهام ~~الإعظام كأنه يقول: وقد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره، ولكنه كقول ~~عيسى - إن تعذبهم فإنهم عبادك -، وقيل المراد بالسفهاء: ms1337 السبعون، والمعنى: ~~أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم أرنا الله جهرة -، وقيل ~~المراد بهم: السامري وأصحابه. قوله (إن هي إلا فتنتك) أي ما الفتنة التي ~~وقع فيها هؤلاء السفهاء إلا فتنتك التي تختبر بها من شئت وتمتحن بها من ~~أردت، ولعله عليه السلام استفاد هذا من قوله سبحانه - إنا قد فتنا قومك من ~~بعدك - (تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء) أي تضل بهذه الفتنة من تشاء من ~~عبادك وتهدى بها من تشاء منهم، ومثله - ليبلوكم أيكم أحسن عملا -. ثم رجع ~~إلا الاستعطاف والدعاء فقال (أنت ولينا) أي المتولي لأمورنا (فاغفر لنا) ما ~~أذنبناه (وارحمنا) برحمتك التي وسعت كل شئ (وأنت خير الغافرين) للذنوب ~~(واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) بتوفيقنا للأعمال الصالحة، أو تفضل علينا ~~بإفاضة النعم في هذه الدنيا من العافية وسعة الرزق (وفى الآخرة) أي واكتب ~~لنا في الآخرة الجنة بما تجازينا به أو بما تتفضل به علينا من النعيم في ~~الآخرة، وجملة (إنا هدنا إليك) تعليل لما قبلها من سؤال المغفرة والرحمة ~~والحسنة في الدنيا وفى الآخرة أي إنا تبنا إليك ورجعنا عن الغواية التي ~~وقعت من بني إسرائيل. والهود: التوبة. وقد تقدم في البقرة، وجملة (قال ~~عذابي أصيب به من أشاء) مستأنفة كنظائرها فيما تقدم، قيل المراد بالعذاب ~~هنا: الرجفة: وقيل: أمره سبحانه لهم بأن يقتلوا أنفسهم: أي ليس هذا إليك يا ~~موسى، بل ما شئت كان، وما لم أشأ لم يكن. والظاهر أن العذاب هنا يندرج تحته ~~كل عذاب ويدخل فيه عذاب هؤلاء دخولا أوليا، وقيل المراد من أشاء من ~~المستحقين للعذاب أو من أشاء أن أضله وأسلبه التوفيق (ورحمتي وسعت كل شئ) ~~من الأشياء من المكلفين وغيرهم، ثم أخبر سبحانه أنه سيكتب هذه الرحمة ~~الواسعة (للذين يتقون) الذنوب (ويؤتون الزكاة) المفروضة عليهم (والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون) أي يصدقون بها ويذعنون لها، ثم بين سبحانه هؤلاء الذين كتب ~~لهم هذه الرحمة ببيان أوضح مما قبله وأصرح فقال (الذين يتبعون الرسول النبي ms1338 ~~الأمي) وهو محمد عليه الصلاة السلام، فخرجت اليهود والنصارى وسائر الملل. ~~والأمي: إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب: وهم العرب، أو ~~نسبة إلى الأم والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا يكتب ولا يقرأ ~~المكتوب، وقيل نسبة إلى أم القرى، وهي مكة (الذي يجدونه) يعني اليهود ~~والنصارى: أي يجدون نعته (مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) وهما مرجعهم ~~في الدين، وهذا الكلام منه سبحانه مع موسى هو قبل نزول الإنجيل فهو من باب ~~الإخبار بما سيكون، ثم وصف هذا النبي الذي يجدونه كذلك بأنه يأمر بالمعروف: ~~أي بكل ما تعرفه القلوب ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق ~~(وينهاهم عن المنكر) أي ما تنكره القلوب ولا تعرفه، وهو ما كان من مساوئ ~~الأخلاق، قيل إن قوله (يأمرهم بالمعروف) إلى قوله (أولئك هم المفلحون) كلام ~~يتضمن تفصيل أحكام الرحمة التي وعد بها ذكر معناه الزجاج. # وقيل هو في محل نصب على الحال من النبي، وقيل هو مفسر لقوله (مكتوبا) ~~قوله (يحل لهم الطيبات) أي المستلذات وقيل يحل لهم ما حرم عليهم من الأشياء ~~التي حرمت عليهم بسبب ذنوبهم (ويحرم عليهم الخبائث) أي المستخبئات كالحشرات ~~والخنازير (ويضع عنهم إصرهم) الإصر الثقل: أي يضع عنهم التكاليف الشاقة ~~الثقيلة. وقد تقدم بيانه في البقرة (والأغلال التي كانت عليهم) أي ويضع ~~عنهم الأغلال التي كانت عليهم: الأغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا ~~قد كلفوها (فالذين آمنوا به) أي بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (واتبعوه) ~~فيما PageV02P252 # جاء به من الشرائع (وعزروه) أي عظموه ووقروه، قاله الأخفش، وقيل: معناه ~~منعوه من عدوه، وأصل العزر: المنع، وقرأ الجحدري (وعزروه) بالتخفيف ~~(ونصروه) أي قاموا بنصره على من يعاديه (واتبعوا النور الذي أنزل معه) أي ~~اتبعوا القرآن الذي أنزل عليه مع نبوته، وقيل المعنى: واتبعوا القرآن ~~المنزل إليه مع اتباعه بالعمل بسنته مما يأمر به وينهى عنه، أو اتبعوا ~~القرآن مصاحبين له في اتباعه، والإشارة ب‍ (أولئك) إلى المتصفين بهذه ~~الأوصاف (هم ms1339 المفلحون) الفائزون بالخير والفلاح لا غيرهم من الأمم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(واختار موسى قومه) الآية. قال كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا، ~~فاختار سبعين رجلا فبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا الله أن قالوا: ~~اللهم أعطنا ما لم تعط أحدا من قبلنا ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك ~~من دعائهم فأخذتهم الرجفة (قال) موسى (رب لو شئت أهلكتهم من قبل. إن هي إلا ~~فتنتك) يقول: إن هي إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (لميقاتنا) قال: ~~لتمام الموعد وفى قوله (فلما أخذتهم الرجفة) قال: ماتوا ثم أحياهم. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله (إن هي إلا فتنتك) قال: ~~بليتك. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (إن هي إلا فتنتك) قال: مشيئتك وأخرج ~~عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن السبعين الذين اختارهم موسى من ~~قومه، إنما أخذتهم الرجفة، لأنهم لم يرضوا بالعمل ولم ينهوا عنه. وأخرج ~~سعيد بن منصور عنه في قوله (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة) فلم ~~يعطها موسى (قال عذابي أصيب به من أشاء) إلى قوله (المفلحون). وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن عكرمة في قوله (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة) قال: ~~فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة. # وأخرج عبد بن حميد وابن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ~~ابن عباس في قوله (إنا هدنا إليك) قال تبنا إليك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وجزة ~~السعدي، وكان من أعلم الناس بالعربية قال: لا والله ما أعلمها في كلام ~~العرب هدنا، قيل فكيف قال هدنا بكسر الهاء، يقول: ملنا. وأخرج عبد الرزاق ~~وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن ms1340 أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن وقتادة في ~~قوله (ورحمتي وسعت كل شئ) قال: وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم ~~القيامة للذين اتقوا خاصة. وأخرج مسلم وغيره عن سلمان عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " إن لله مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها ~~تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة ". وأخرج نحوه ~~أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم والضياء المقدسي من حديث جندب بن عبد ~~الله العجلي. وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: لما نزلت (ورحمتي وسعت كل شئ) ~~قال إبليس: وأنا من الشئ، فنسخها الله، فنزلت (فسأكتبها للذين يتقون) إلى ~~آخر الآية. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: لما نزلت (ورحمتي ~~وسعت كل شئ) قال إبليس: أنا من الشئ، قال الله تعالى (فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة) قالت اليهود: فنحن نتقي ونؤتي الزكاة، قال الله (الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي) فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ~~قتادة نحوه. وأخرج البزار في مسنده وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: سأل موسى ربه مسئلة فأعطاها محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. قوله ~~(واختار موسى قومه) إلى قوله (فسأكتبها للذين يتقون) فأعطى محمدا كل شئ سأل ~~موسى ربه في هذه الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله PageV02P253 # (فسأكتبها للذين يتقون) قال: كتبها الله لهذه الأمة. وأخرج ابن جرير عنه ~~في الآية قال: يتقون الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن النخعي في ~~قوله (النبي الأمي) قال: كان لا يقرأ ولا يكتب. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: هو نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان أميا لا يكتب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله ms1341 (الذي يجدونه مكتوبا عندهم) قال: يجدون نعته وأمره ونبوته مكتوبا ~~عندهم. وأخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن ~~يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له أخبرني عن صفة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض ~~صفته في القرآن " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا ~~للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في ~~الأسواق ولا تجزى بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن يقبضه الله حتى ~~يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به أعينا عميا ~~وآذانا صما وقلوبا غلفا ". وأخرج ابن سعيد والدارمي في مسنده والبيهقي في ~~الدلائل وابن عساكر عن عبد الله بن سلام مثله. وقد روى نحو هذا مع اختلاف ~~في بعض الألفاظ وزيادة في بعض ونقص في بعض عن جماعة. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن جريج في قوله (ويحل لهم الطيبات) قال: الحلال (ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم) قال: التثقيل الذي كان في دينهم. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (ويحرم عليهم الخبائث) ~~قال: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي ~~حرمها الله، وفى قوله (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) قال: هو ~~ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرم عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ~~(ويضع عنهم إصرهم) قال: ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا ~~أصابهم ونحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (وعزروه) يعني: عظموه ووقروه. # سورة الأعراف الآية (158) لما تقدم ذكر أوصاف رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم المكتوبة في التوراة والإنجيل: أمره سبحانه أن يقول هذا القول ~~المقتضى لعموم رسالته ms1342 إلى الناس جميعا لا كما كان غيره من الرسل عليهم ~~السلام، فإنهم كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة، وجميعا منصوب على الحال: أي ~~حال كونكم جميعا، و (الذي له ملك السماوات والأرض) إما في محل جر على الصفة ~~للاسم الشريف أو منصوب على المدح، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجملة ~~(لا إله إلا هو) بدل من الصلة مقرر لمضمونها مبين لها، لأن من ملك السماوات ~~والأرض وما فيهما هو الإله على الحقيقة، وهكذا ما كان يحيى ويميت هو ~~المستحق لتفرده بالربوبية ونفى الشركاء عنه. والأمر بالإيمان بالله وبرسوله ~~متفرع على ما قبله، وقد تقدم تفسير النبي الأمي، وهما وصفان لرسوله، وكذلك ~~(الذي يؤمن بالله وكلماته) وصف له، والمراد بالكلمات ما أنزله الله عليه ~~وعلى الأنبياء من قبله أو القرآن فقط، وجملة (واتبعوه) مقررة لجملة (فآمنوا ~~بالله)، و (لعلكم تهتدون) علة للأمر بالإيمان والاتباع. PageV02P254 # وقد أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى الأحمر والأسود فقال (يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا) والأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى مشهورة فلا نطيل ~~بذكرها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله (يؤمن بالله وكلماته) قال: آياته. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (وكلماته) قال: عيسى. # سورة الأعراف الآية (159 - 166) قوله (ومن قوم موسى) لما قص الله علينا ~~ما وقع من السامري وأصحابه وما حصل من بني إسرائيل من التزلزل في الدين: قص ~~علينا سبحانه أن من قوم موسى أمة مخالفة لأولئك الذين تقدم ذكرهم، ووصفهم ~~بأنهم (يهدون بالحق) أي يدعون الناس إلى الهداية حال كونهم متلبسين بالحق ~~(وبه) أي بالحق (يعدلون) بين الناس في الحكم، وقيل هم الذين آمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم منهم. قوله (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا) الضمير ~~يرجع إلى قوم موسى المتقدم ذكرهم: لا إلى هؤلاء الأمة منهم الذين يهدون ~~بالحق ms1343 وبه يعدلون، والمعنى: # صيرناهم قطعا متفرقة وميزنا بعضهم من بعض، وهذا من جملة ما قصه الله ~~علينا من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل والمعنى: أنه ميز بعضهم من ~~بعض حتى صاروا أسباطا كل سبط معروف على انفراده لكل سبط نقيب كما ~~PageV02P255 # في قوله تعالى - وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا - وقد تقدم. وقوله (اثنتي ~~عشرة) هو ثاني مفعولي قطعنا لتضمنه معنى التصيير، وأسباطا تمييز له أو بدل ~~منه، و (أمما) نعت للأسباط أو بدل منه، والأسباط جمع سبط: وهو ولد الولد، ~~صاروا اثنتي عشرة أمة من اثنى عشر ولدا، وأراد بالأسباط القبائل، ولهذا أنث ~~العدد كما في قول الشاعر: # وإن قريشا كلها عشر أبطن * وأنت برئ من قبائلها العشر أراد بالبطن ~~القبيلة، وقد تقدم تحقيق معنى الأسباط في البقرة، وروى المفضل عن عاصم أنه ~~قرأ (قطعناهم مخففا، وسماهم أمما، لأن كل سبط كان جماعة كثيرة العدد: ~~وكانوا مختلفي الآراء يؤم بعضهم غير ما يؤمه الآخر (وأوحينا إلى موسى إذ ~~استسقاه قومه) أي وقت استسقائهم له لما أصابهم العطش في التيه (أن اضرب ~~بعصاك الحجر تفسير لفعل الإيحاء (فانبجست) عطف على مقدر يدل على السياق: أي ~~فضرب فانبجست، والانبجاس: # الانفجار: أي فانفجرت (منه اثنتا عشرة عينا) بعدد الأسباط لكل سبط عين ~~يشربون منها (قد علم كل أناس مشربهم) أي كل سبط منهم العين المختصة به التي ~~يشرب منها، وقد تقدم في البقرة ما فيه كفاية مغنية عن الإعادة (وظللنا ~~عليهم الغمام) أي جعلناه ظللا عليهم في التيه يسير بسيرهم ويقيم بإقامتهم ~~(وأنزلنا عليهم المن والسلوى) أي الترنجبين والسماني كما تقدم تحقيقه في ~~البقرة (كلوا من طيبات ما رزقناكم) أي وقلنا لهم كلوا من المستلذات التي ~~رزقناكم (وما ظلمونا) بما وقع منهم من المخالفة وكفران النعم وعدم تقديرها ~~حق قدرها (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) أي كان ظلمهم مختصا بهم مقصورا عليهم ~~لا يجاوزهم إلى غيرهم (وإذ قيل لهم) أي واذكر وقت قيل لهم هذا القول وهو ~~(اسكنوا هذه القرية) أي بيت ms1344 المقدس أو أريحاء، وقيل غير ذلك مما تقدم بيانه ~~(وكلوا منها) أي من المأكولات الموجودة فيها (حيث شئتم) أي في أي مكان شئتم ~~من أمكنتها لا مانع لكم من الأكل فيه (وقولوا حطة) قد تقدم تفسيرها في ~~البقرة (وادخلوا الباب) أي باب القرية المتقدمة حال كونكم (سجدا) أمروا بأن ~~يجمعوا بين قولهم حطة وبين الدخول ساجدين، فلا يقال كيف قدم الأمر بالقول ~~هنا على الدخول وأخره في البقرة؟ وقد تقدم بيان معنى السجود الذي أمروا به ~~(تغفر لكم خطيئاتكم) جواب الأمر. وقرئ (خطيتكم) ثم وعدهم بقوله (سنزيد ~~المحسنين) أي سنزيدهم على المغفرة للخطايا بما يتفضل به عليهم من النعم، ~~والجملة استئنافية جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا لهم بعد المغفرة؟ (فبدل ~~الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم) قد تقدم بيان ذلك في البقرة ~~(فأرسلنا عليهم رجزا من السماء) أي عذابا كائنا منها (بما كانوا يظلمون) أي ~~بسبب ظلمهم. قوله (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) معطوف على ~~عامل إذ المقدر: أي أذكر إذ قيل لهم واسألهم، وهذا سؤال تقريع وتوبيخ، ~~والمراد من سؤال القرية: سؤال أهلها: أي أسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم ~~فيها المخالف لما أمرهم الله به. وفى ضمن هذا السؤال فائدة جليلة، وهي ~~تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ~~اطلاعه لا يكون إلا بإخبار له من الله سبحانه، فيكون دليلا على صدقه. # واختلف أهل التفسير في هذه القرية: أي قرية هي؟ فقيل أيلة، وقيل طبرية، ~~وقيل مدين، وقيل إيليا، وقيل قرية من قرى ساحل الشام التي كانت حاضرة ~~البحر: أي التي كانت بقرب البحر، يقال كنت بحضرة الدار: أي بقربها. ~~والمعنى: سل يا محمد هؤلاء اليهود الموجودين عن قصة أهل القرية المذكورة. ~~وقرئ " واسألهم " وقرئ " سلهم " (إذ يعدون) أي وقت يعدون وهو ظرف لمحذوف دل ~~عليه الكلام لأن السؤال هو عن حالهم وقصتهم وقت يعدون، وقيل إنه ظرف لكانت ~~أو لحاضرة. وقرئ " يعدون " بضم الياء ms1345 وكسر العين وتشديد الدال من الإعداد ~~للآلة. وقرأ الجمهور " يعدون " بفتح الياء وسكون العين وضم الدال مخففة: أي ~~يتجاوزون PageV02P256 # حدود الله بالصيد يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه، وقرئ " يعدون " ~~بفتح الياء والعين وضم الدال مشددة بمعنى يعتدون، أدغمت التاء في الدال. ~~والسبت هو اليوم المعروف وأصله السكون، يقال سبت إذا سكن وسبت اليهود تركوا ~~العمل في سبتهم، والجمع أسبت، وسبوت، وأسبات وقرأ ابن السمفع وكان في " ~~الأسبات " على الجمع (إذ تأتيهم حيتانهم) ظرف ليعدون. والحيتان: جمع حوت ~~وأضيفت إليهم لمزيد اختصاص لهم بما كان منها على هذه الصفة من الإتيان يوم ~~السبت دون ما عداه، و (يوم سبتهم) ظرف لتأتيهم. وقرئ " يوم أسباتهم و ~~(شرعا) حال، وهو جمع شارع: أي ظاهرة على الماء، وقيل رافعة رؤوسها، وقيل ~~إنها كانت تشرع على أبوابهم كالكباش البيض. قال في الكشاف: يقال شرع علينا ~~فلان إذا دنى منا وأشرف علينا، وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا ~~انتهى (ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) أي لا يفعلون السبت، وذلك عند خروج يوم ~~السبت لا تأتيهم الحيتان، كما كانت تأتيهم في يوم السبت (كذلك نبلوهم) أي ~~مثل ذلك البلاء العظيم نبلوهم بسبب فسقهم والابتلاء الامتحان والاختبار ~~(وإذ قالت أمة) معطوف على إذ يعدون معمول لعامله داخل في حكمه، والأمة ~~الجماعة: أي قالت جماعة من صلحاء أهل القرية لآخرين ممن كان يجتهد في وعظ ~~المتعدين في السبت حين أيسوا من قبولهم للموعظة، وإقلاعهم عن المعصية (لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم) أي مستأمل لهم بالعقوبة (أو معذبهم عذابا شديدا) ~~بما انتهكوا من الحرمة وفعلوا من المعصية، وقيل إن الجماعة القائلة لم ~~تعظون قوما؟ هم العصاة الفاعلون للصيد في يوم السبت، قالوا ذلك للواعظين ~~لهم حين وعظوهم. والمعنى: إذا علمتم أن الله مهلكنا كما تزعمون فلم تعظوننا ~~(قالوا معذرة إلى ربكم) أي قال الواعظون للجماعة القائلين لهم لم تعظون، ~~وهم طائفة من صلحاء القرية على الوجه الأول، أو الفاعلين على الوجه الثاني ~~(معذرة إلى ربكم) قرأ ms1346 عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف (معذرة) بالنصب، وهي قراءة ~~حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالرفع. قال الكسائي: ونصبه على وجهين: أحدهما ~~على المصدر، والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة: أي لأجل المعذرة. والرفع ~~على تقدير مبتدأ: أي موعظتنا معذرة إلى الله حتى لا يؤاخذنا بترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أوجبهما علينا، ولرجاء أن يتعظوا فيتقوا ~~ويقلعوا عما هم فيه من المعصية. # قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق: فرقة عصت وصادت ~~وكانت نحو سبعين ألفا، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعص، وفرقة اعتزلت ونهت ~~ولم تعص، فقالت الطائفة التي لم تنه ولم تعص للفرقة الناهية (لم تعظون ~~قوما) يريدون الفرقة العاصية (الله مهلكهم أو معذبهم) قالوا ذلك على غلبة ~~الظن لما جرت به عادة الله من إهلاك العصاة أو تعذيبهم من دون استئصال ~~بالهلاك، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله ولعلهم يتقون ولو كانوا ~~فرقتين فقط ناهية غير عاصية، وعاصية لقال: لعلكم تتقون. قوله (فلما نسوا ما ~~ذكروا به) أي لما ترك العصاة من أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون ~~عن المنكر ترك الناسي للشيء المعرض عنه كلية الإعراض (أنجينا الذين ينهون ~~عن السوء) أي الذين فعوا النهي، ولم يتركوه (وأخذنا الذين ظلموا) وهم ~~العصاة المعتدون في السبت (بعذاب بيس) أي شديد من بؤس الشئ يبؤس بأسا إذا ~~اشتد، وفيه إحدى عشرة قراءة للسبعة وغيرهم (بما كانوا يفسقون) أي بسبب ~~فسقهم والجار والمجرور متعلق بأخذنا (فلما عتوا عما نهوا عنه) أي تجاوزوا ~~الحد في معصية الله سبحانه تمردا وتكبرا (قلنا لهم كونوا قردة) أي أمرناهم ~~أمرا كونيا لا أمرا قوليا: أي مسخناهم قردة قيل إنه سبحانه عذبهم أولا بسبب ~~المعصية فلما يقلعوا مسخهم قردة، وقيل إن قوله (فلما عتوا عما نهوا عنه) ~~تكرير لقوله (فلما نسوا ما ذكروا به) للتأكيد والتقرير، وأن المسخ هو ~~العذاب البيس، والخاسئ الصاغر الذليل أو المباعد المطرود، يقال خسأته فخسئ: ~~أي باعدته فتباعد. واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو ms1347 أنه لم ينج من العذاب ~~PageV02P257 # إلا الفرقة الناهية التي لم تعص لقوله (أنجينا الذين ينهون عن السوء) ~~وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله (فلما عتوا عن ما نهوا عنه ~~قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) فإن كانت الطوائف منهم ثلاثا كما تقدم ~~فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية لأنها ~~قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي وعتت عما نهاها الله عنه من ترك النهي عن ~~المنكر، ويحتمل أنها لم تمسخ لأنها وإن كانت ظالمة لنفسها عاتية عن أمر ~~ربها ونهيه لكنها لم تظلم نفسها بهذه المعصية الخاصة، وهي صيد الحوت في يوم ~~السبت، ولا عتت عن نهيه لها عن الصيد، وأما إذا كانت الطائفة الثالثة ناهية ~~كالطائفة الثانية، وإنما جعلت طائفة مستقلة لكونها قد جرت المقاولة بينها ~~وبين الطائفة الأخرى من الناهين المعتزلين فهما في الحقيقة طائفة واحدة ~~لاجتماعهما في النهي والاعتزال والنجاة من المسخ. # وقد أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال موسى، يا رب أجد ~~أمة أناجيلهم في قلوبهم، قال: تلك أمة تكون بعدك: أمة أحمد، قال: يا رب أجد ~~أمة يصلون الخمس تكون كفارات لما بينهن، قال: # تلك أمة تكون بعدك: أمة أحمد، قال: يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ~~ترجع فيهم فيأكلون، قال: # تلك بعدك: أمة أحمد، قال: يا رب اجعلني من أمة أحمد، فأنزل الله كهيئة ~~المرضاة لموسى (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون). وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (ومن قوم موسى أمة) الآية، ~~قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثنى عشر ~~سبطا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ~~ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين فهم هنالك ~~حنفاء مسلمين يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله - ~~وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء ms1348 وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا - ووعد الآخرة عيسى ابن مريم. قال ابن عباس ساروا في السرب ستة ~~ونصفا. # أقول: ومثل هذا الخبر العجيب والنبأ الغريب محتاج إلى تصحيح النقل. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: افترقت بنو ~~إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، وافترقت ~~النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، ولتفترقن ~~أهل هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود ~~فإن الله يقول (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) فهذه التي تنجو، ~~وأما النصارى فإن الله يقول - منهم أمة مقتصدة - فهذه التي تنجو، وأما نحن ~~فيقول (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) فهذه التي تنجو من هذه ~~الأمة. وقد قدمنا أن زيادة كلها في النار لم تصح لا مرفوعة ولا موقوفة. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (فانبجست) ~~قال: فانفجرت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~عكرمة قال: # دخلت على ابن عباس، وهو يقرأ هذه الآية (واسألهم عن القرية التي كانت ~~حاضرة البحر) قال: يا عكرمة هل تدري أي قرية هذه؟ قلت لا، قال: هي أيلة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال: هي طبرية. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله (إذ يعدون في السبت) قال: يظلمون. وأخرج ابن جرير عنه في قوله ~~(شرعا) يقول: من كل مكان. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: ظاهرة على الماء. ~~وأخرج ابن المنذر عنه قال: # واردة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هي ~~قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة، فحرم الله عليهم ~~الحيتان يوم سبتهم فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر فإذا مضى يوم ~~السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا ~~الحيتان يوم سبتهم PageV02P258 # فنهتهم ms1349 طائفة فلم يزدادوا إلا غيا، فقالت طائفة من النهاة يعلمون أن ~~هؤلاء قوم حق عليهم العذاب (لم تعظون قوما الله مهلكهم) وكانوا أشد غضبا من ~~الطائفة الأخرى وكل قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان ~~اللتان قالوا (لم تعظون) والذين قالوا (معذرة إلى ربكم) وأهلك الله أهل ~~معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عنه أنهم ثلاث فرق: فرقة العصاة، وفرقة الناهون وفرقة القائلون ~~لم تعظون، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة ~~في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم ~~دورهم، فجعلوا يقولون إن للناس لشأنا فانظروا ما شأنهم؟ # فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، ~~والمرأة بعينها وإنها لقردة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في سننه عن عكرمة عن ابن عباس فذكر القصة، وفى آخرها أنه قال: ~~فأرى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا ~~نقول فيها. قال عكرمة: # فقلت جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم، وقالوا ~~(لم تعظون قوما الله مهلكهم) قال فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أيضا ~~قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين. وأخرج عبد بن ~~حميد وأبو الشيخ عنه قال: والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا (لم ~~تعظون قوما) نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلي مما عدل به. وفى لفظ: من ~~حمر النعم، ولكن أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعا. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ما أدري أنجا الذين ~~قالوا (لم تعظون قوما الله مهلكهم) أم لا؟ قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم ~~قد نجوا فكساني حلة. وأخرج عبد بن ms1350 حميد عن ليث بن أبي سليم قال: مسخوا ~~حجارة الذين قالوا (لم تعظون قوما الله مهلكهم). وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير عن ابن عباس في قوله (بعذاب بيس) قال: أليم وجيع. # سورة الأعراف الآية (167 - 170) قوله (وإذ تأذن ربك) معطوف على ما قبله: ~~أي واسألهم وقت تأذن ربك وتأذن تفعل من الإيذان، وهو الإعلام. قال أبو علي ~~الفارسي: آذن بالمد أعلم، وأذن بالتشديد نادى. وقال قوم: كلاهما بمعنى أعلم ~~كما يقال أيقن وتيقن. والمعنى في الآية: واسألهم وقت أن وقع الإعلام لهم من ~~ربك (ليبعثن عليهم) قيل وفى هذا الفعل PageV02P259 # معنى القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بما يجاب به القسم حيث قال ~~(ليبعثن عليهم) أي ليرسلن عليهم ويسلطن كقوله - بعثنا عليكم عبادا لنا أولى ~~بأس شديد - (إلى يوم القيامة) غاية لسومهم سوء العذاب ممن يبعثه الله عليهم ~~وقد كانوا أقماهم الله هكذا أذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل، وهكذا ~~هم في هذه الملة الإسلامية في كل قطر من أقطار الأرض في الذلة المضروبة ~~عليهم والعذاب والصغار، يسلمون الجزية بحقن دمائهم ويمتهنهم المسلمون فيما ~~فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها غيرهم من طوائف الكفار. ومعنى (يسومهم) ~~يذيقهم، وقد تقدم بيان أصل معناه، ثم علل ذلك بقوله (إن ربك لسريع العقاب) ~~يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء (وإنه لغفور رحيم) أي كثير الغفران ~~والرحمة (وقطعناهم في الأرض) أي فرقناهم في جوانبها، أو شتتا أمرهم فلم ~~تجتمع لهم كلمة، و (أمما) منتصب على الحال أو مفعول ثان لقطعنا على تضمينه ~~معنى صيرنا، وجملة (منهم الصالحون) بدل من " أمما "، قيل هم الذين آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن مات قبل البعثة المحمدية غير مبدل، ~~وقيل هم الذين سكنوا وراء الصين كما تقدم بيانه قبل هذا (ومنهم دون ذلك) أي ~~دون هذا الوصف الذي اتصفت به الطائفة الأولى وهو الصلاح، ومحل (دون ذلك) ~~الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ومنهم أناس دون ذلك، والمراد ~~بهؤلاء من لم يؤمن، ms1351 بل انهمك في المخالفة لما أمره الله به قال النحاس ~~(دون) منصوب على الظرف ولا نعلم أحدا رفعه (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) أي ~~امتحناهم بالخير والشر رجاء أن يرجعوا مما هم من الكفر والمعاصي (فخلف من ~~بعدهم خلف) المراد بهم أولاد الذين قطعهم الله في الأرض قال أبو حاتم الخلف ~~بسكون اللام الأولاد، الواحد والجمع سواء. والخلف بفتح اللام البدل ولدا ~~كان أو غيره. وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح الصالح، وبالسكون الطالح. ~~قال لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب ومنه قيل للردئ من ~~الكلام خلف بالسكون، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، ومنه قول حسان ~~ابن ثابت: # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا * لأولنا في طاعة الله تابع (ورثوا الكتاب) ~~أي التوراة من أسلافهم يقرؤونها ولا يعملون بها (يأخذون عرض هذا الأدنى) ~~أخبر الله عنهم بأنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم وقوة ~~نهمتهم، والأدنى مأخوذ من الدنو، وهو القرب: أي يأخذون عرض هذا الشئ ~~الأدنى، وهو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشاء وما هو مجعول لهم من السحت في ~~مقابلة تحريفهم لكلمات الله، وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة وكتمهم لما ~~يكتمونه منها، وقيل إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط: أي إنهم يأخذون ~~عرض الشئ الدنئ الساقط (ويقولوا سيغفر لنا) أي يعللون أنفسهم بالمغفرة مع ~~تماديهم في الضلالة وعدم رجوعهم إلى الحق، وجملة (يأخذون) يحتمل أن تكون ~~مستأنفة لبيان حالهم أو في محل نصب على الحال، وجملة (يقولون) معطوفة ~~عليها، والمراد بهذا الكلام: التقريع والتوبيخ لهم، وجملة (وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه) في محل نصب على الحال: أي يتعللون بالمغفرة، والحال أنهم إذا ~~أتاهم عرض مثل العرض الذي كانوا يأخذونه أخذوه غير مبالين بالعقوبة ولا ~~خائفين من التبعة، وقيل الضمير في (يأتهم) ليهود المدينة: أي وإن يأت هؤلاء ~~اليهود الذين هم في عصر محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرض مثل العرض الذي ~~كان يأخذه أسلافهم أخذوه كما أخذه أسلافهم (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب) ~~أي ms1352 التوراة (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) والاستفهام للتقريع والتوبيخ، ~~وجملة (ودرسوا ما فيه) معطوفة على (يؤخذ) على PageV02P260 # المعنى، وقيل على (ورثوا الكتاب)، والأولى أن تكون في محل نصب على الحال ~~بتقدير قد. والمعنى: أنهم تركوا العمل بالميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب، ~~والحال أن قد درسوا ما في الكتاب وعلموه فكان الترك منهم عن علم لا عن جهل، ~~وذلك أشد ذنبا وأعظم جرما. وقيل معنى (درسوا ما فيه) أي محوه بترك العمل به ~~والفهم له، من قولهم درست الريح الآثار: إذا محتها (والدار الآخرة خير) من ~~ذلك العرض الذي أخذوه وآثروه عليها (للذين يتقون) الله ويجتنبون معاصيه ~~(أفلا تعقلون) فتعلمون بهذا وتفهمونه، وفى هذا من التوبيخ والتقريع ما لا ~~يقادر قدره قوله (والذين يمسكون بالكتاب) قرأ الجمهور " يمسكون " بالتشديد ~~من مسك وتمسك: أي استمسك بالكتاب وهو التوراة. وقرأ أبو العالية وعاصم في ~~رواية أبي بكر بالتخفيف من أمسك يمسك. وروى عن أبي بن كعب أنه قرأ " مسكوا ~~" والمعنى: أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون بالكتاب ولا يعملون بما فيه ~~مع كونهم قد درسوه وعرفوه وهم من تقدم ذكره، وطائفة يتمسكون بالكتاب: أي ~~التوراة ويعملون بما فيه ويرجعون إليه في أمر دينهم فهم المحسنون الذين لا ~~يضيع أجرهم عند الله، والموصول مبتدأ، و (إنا لا نضيع أجر المصلحين) خبره: ~~أي لا نضيع أجر المصلحين منهم، وإنما وقع التنصيص على الصلاة مع كونها ~~داخلة في سائر العبادات التي يفعلها المتمسكون بالتوراة لأنها رأس العبادات ~~وأعظمها، فكان ذلك وجها لتخصيصها بالذكر، وقيل لأنها تقام في أوقات مخصوصة، ~~والتمسك بالكتاب مستمر فذكرت لهذا، وفيه نظر. فإن كل عبادة في الغالب تختص ~~بوقت معين، ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على الموصول الذي قبله وهو للذين ~~يتقون، ولكون (أفلا تعقلون) جملة معترضة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله (يسومهم سوء العذاب) قال محمد وأمته إلى يوم القيامة، وسوء العذاب: ~~الجزية. وأخرج ابن أبي حاتم ms1353 وأبو الشيخ عنه قال (سوء العذاب) الخراج، وفي ~~قوله (وقطعناهم) قال: هم اليهود بسطهم الله في الأرض فليس منها بقعة إلا ~~وفيها عصابة منهم وطائفة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله (ليبعثن عليهم) قال: # على اليهود والنصارى (إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) فبعث الله ~~عليهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأخذون منهم الجزية وهم صاغرون ~~(وقطعناهم في الأرض أمما) قال: يهود (منهم الصالحون) وهم مسلمة أهل الكتاب ~~(ومنهم دون ذلك) قال: اليهود (وبلوناهم بالحسنات) قال: الرخاء والعافية ~~(والسيئات) قال: البلاء والعقوبة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) بالخصب والجدب وأخرج أبو الشيخ عنه أنه ~~سئل عن هذه الآية (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى) ~~قال: أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن (ويقولون سيغفر ~~لنا) ولا يعرض لهم شئ من الدنيا إلا أخذوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فخلف من بعدهم ~~خلف) قال: النصارى (يأخذون عرض هذا الأدنى) قال: ما أشرف لهم من شئ من ~~الدنيا حلالا أو حراما يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا الغد مثله ~~يأخذوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (فخلف من بعدهم خلف) الآية يقول: ~~يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام (ويقولون سيغفر لنا). ~~وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق) فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا ~~يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي ~~زيد في قوله (ودرسوا ما فيه) قال: علموا ما في الكتاب لم يأتوه بجهالة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم PageV02P261 # وأبو الشيخ عن الحسن في قوله (والذين يمسكون بالكتاب) قال: هي لأهل ~~الإيمان منهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ms1354 بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (والذين يمسكون بالكتاب) قال: من ~~اليهود والنصارى. # سورة الأعراف الآية (170 - 171) قوله (وإذ) منصوب بفعل مقدر معطوف على ما ~~قبله: أي واسألهم إذ نتقنا الجبل: أي رفعنا الجبل (فوقهم) و (كأنه ظلة) أي ~~كأنه لارتفاعه سحابة تظلهم، والظلة: اسم لكل ما أظل، وقرئ " طلة " بالطاء ~~من أطل عليه إذا أشرف (وظنوا أنه واقع بهم) أي ساقط عليهم. قيل الظن هنا ~~بمعنى العلم، وقيل هو على بابه (خذوا ما آتيناكم بقوة) هو على تقدير القول: ~~أي وقلنا لهم خذوا، والقوة: الجد والعزيمة: أي أخذا كائنا بقوة (واذكروا ما ~~فيه) من الأحكام التي شرعها الله لكم ولا تنسوه (لعلكم تتقون) رجاء أن ~~تتقوا ما نهيتهم عنه وتعملوا بما أمرتم به، وقد تقدم تفسير ما هنا في ~~البقرة مستوفى فلا نعده. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإذ ~~نتقنا الجبل) يقول: رفعناه، وهو قوله - ورفعنا فوقهم الطور - فقال (خذوا ما ~~آتيناكم بقوة) وإلا أرسلته عليكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: ~~رفعته الملائكة فوق رؤوسهم، فقيل لهم (خذوا ما آتيناكم بقوة) فكانوا إذا ~~نظروا إلى الجبل قالوا سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا سمعنا ~~وعصينا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه أيضا قال: إني لأعلم لم تسجد ~~اليهود على حرف قال الله (وإذ نتقنا الجبل فوقهم) قال: لتأخذن أمري أو ~~لأرمينكم به، فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم، وكانت سجدة ~~رضيها الله سبحانه فاتخذوها سنة. وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة (وإذ نتقنا الجبل) قال: انتزعه الله من أصله، ثم ~~جعله فوق رؤوسهم، ثم قال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به. # سورة الأعراف الآية (172 - 174) قوله (وإذ) منصوب بفعل مقدر معطوف على ما ~~قبله كما تقدم. قوله (من بني آدم) استدل بهذا على أن المراد بالمأخوذين ~~هنا: هم ms1355 ذرية بني آدم، أخرجهم الله من أصلابهم نسلا بعد نسل. # وقد ذهب إلى هذا جماعة من المفسرين، قالوا: ومعنى (أشهدهم على أنفسهم) ~~دلهم بخلقه على أنه خالقهم فقامت هذه الدلالة مقام الاشهاد، فتكون هذه ~~الآية من باب التمثيل كما في قوله تعالى - فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين -. وقيل المعنى: أن الله سبحانه أخرج الأرواح قبل ~~خلق الأجساد وأنه جعل PageV02P262 # فيها من المعرفة ما فهمت به خطابه سبحانه، وقيل المراد ببني آدم هنا آدم ~~نفسه كما وقع في غير هذا الموضع. والمعنى أن الله سبحانه لما خلق آدم مسح ~~ظهره فاستخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد، وهؤلاء هم عالم الذر، وهذا هو ~~الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ولا المصير إلى غيره لثبوته مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وموقوفا على غيره من الصحابة ولا ملجئ ~~للمصير إلى المجاز، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وسنذكر آخر هذا البحث ~~إن شاء الله بعض ما ورد في ذلك. قوله (من ظهورهم) هو بدل من بني آدم بدل ~~بعض من كل، وقيل بدل اشتمال قوله (ذرياتهم)، قرأ الكوفيون وابن كثير " ~~ذريتهم " بالتوحيد، وهي تقع على الواحد والجمع، وقرأ الباقون " ذرياتهم " ~~بالجمع (وأشهدهم على أنفسهم) أي أشهد كل واحد منهم (ألست بربكم) أي قائلا ~~ألست بربكم فهو على إرادة القول (قالوا بلى شهدنا) أي على أنفسنا بأنك ~~ربنا. قوله (أن تقولوا)، قرأ أبو عمرو بالياء التحتية في هذا وفي قوله - أو ~~يقولوا - على الغيبة كما كان فيما قبله على الغيبة، وقرأ الباقون بالفوقية ~~على الخطاب. والمعنى: كراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا: أي فعلنا ذلك الأخذ ~~والاشهاد كراهة أن يقولوا (يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) أي عن كون ~~الله ربنا وحده لا شريك له. قوله (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) ~~معطوف على (تقولوا) الأول أي فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة أو تنسبوا ~~الشرك إلى آبائكم دونكم، و (أو) لمنع الخلو دون ms1356 الجمع، فقد يعتذرون بمجموع ~~الأمرين (من قبل) أي من قبل زماننا (وكنا ذرية من بعدهم) لا نهتدي إلى الحق ~~ولا نعرف الصواب (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) من آبائنا ولا ذنب لنا لجهلنا ~~وعجزنا عن النظر واقتفائنا آثار سلفنا بين الله سبحانه في هذه الحكمة التي ~~لأجلها أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم، وأنه فعل ذلك بهم لئلا ~~يقولوا هذه المقالة يوم القيامة، ويعتلوا بهذه العلة الباطلة ويعتذروا بهذه ~~المعذرة الساقطة (وكذلك) أي ومثل ذلك التفصيل (نفصل الآيات ولعلهم يرجعون) ~~إلى الحق ويتركون ما هم عليه من الباطل. # وقد أخرج مالك في الموطأ وأحمد في المسند وعبد بن حميد والبخاري في ~~تاريخه، وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن حبان في صحيحه، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في ~~الأسماء والصفات، والضياء في المختارة: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ~~(وإذ أخذ ربك) الآية فقال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل ~~عنها فقال " إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية. فقال: ~~خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، ~~فقال: # خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله ففيم ~~العمل؟ فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله ~~بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار ". وأخرج ~~أحمد والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله أخذ ~~الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة. فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنشرها ~~بين يديه، ثم كلمهم فقال (ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا) إلى قوله ~~(المبطلون) " وإسناده لا مطعن فيه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم موقوفا على ابن ms1357 ~~عباس. وأخرج ابن جرير وابن منده في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن ~~عمر قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذرياتهم، قال: أخذهم من ظهره كما يؤخذ المشط من الرأس، فقال لهم: ~~ألست بربكم؟ قالوا بلى، قالت الملائكة: شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين " وفي إسناده أحمد بن أبي ظبية أبو محمد الجرجاني قاضي ~~قومس كان أحد الزهاد، PageV02P263 # وأخرج له النسائي في سننه. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه. وقال ابن ~~عدي: حدث بأحاديث كثيرة غرائب. وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن ~~سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمر، وهؤلاء أئمة ثقات. ~~وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني وأبو الشيخ ~~في العظمة وابن مردويه عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " لما خلق الله الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء، ~~فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن ~~يمين، فقال: يا أصحاب اليمين، فاستجابوا له فقالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: ~~ألست بربكم قالوا بلى " الحديث والأحاديث في هذا الباب كثيرة بعضها مقيد ~~بتفسير هذه الآية، وبعضها مطلق يشتمل على ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره، وأخذ ~~العهد عليهم كما في حديث أنس مرفوعا في الصحيحين وغيرهما. وأما المروى عن ~~الصحابة في تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من صلبه في عالم الذر وأخذ ~~العهد عليهم وإشهادهم على أنفسهم فهي كثيرة، منها عن ابن عباس عند عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله (وإذ أخذ ربك ~~من بني آدم) الآية قال: خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه وكتب أجله ورزقه، ~~ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، فأخذ مواثيقهم أنه ربهم وكتب آجالهم ~~وأرزاقهم ومصيباتهم. وأخرج نحوه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم ms1358 وأخرج نحوه عنه ~~أيضا ابن جرير وابن المنذر. وأخرج نحوه عنه عبد الرزاق وابن المنذر. وأخرج ~~نحوه عنه عبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن منده، وهذا ~~المعنى مروى عنه من طرق كثيرة غير هذه موقوفة عليه. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله ~~بن عمر في قوله (وإذ أخذ ربك من بني آدم) الآية قال: أخذهم كما يأخذ المشط ~~من الرأس. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن ابن مسعود وناس من الصحابة في ~~تفسير الآية نحوه. وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في رواية ~~المسند وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن منده وابن مردويه والبيهقي ~~في الأسماء والصفات والضياء في المختارة وابن عساكر في تاريخه عن أبي بن ~~كعب في قوله (وإذ أخذ ربك من بني آدم) الآية قال: جمعهم جميعا فجعلهم ~~أرواحا في صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، ثم ~~أشهدهم على أنفسهم. # وقد روى عن جماعة ممن بعد الصحابة تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من ~~ظهره، وفيما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيرها مما قدمنا ~~ذكره ما يغنى عن التطويل. # سورة الأعراف الآية (175 - 178) PageV02P264 # قوله (واتل) معطوف على الأفعال المقدرة في القصص السابقة: وإيراد هذه ~~القصة منه سبحانه وتذكير أهل الكتاب بها لأنها كانت مذكورة عندهم في ~~التوراة. وقد اختلف في هذا الذي أوتى الآيات (فانسلخ منها) فقيل: # هو بلعم بن باعوراء، وكان قد حفظ بعض الكتب المنزلة، وقيل كان قد أوتى ~~النبوة وكان مجاب الدعوة، بعثه الله إلى مدين يدعوهم إلى الإيمان، فأعطوه ~~الأعطية الواسعة فاتبع دينهم وترك ما بعث به، فلما أقبل موسى في بني ~~إسرائيل لقتال الجبارين، سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على موسى، ~~فقام ليدعو عليه فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه، فقيل له في ذلك فقال: لا ~~أقدر على أكثر ms1359 مما تسمعون، واندلع لسانه على صدره فقال قد ذهبت مني الآن ~~الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة وسأمكر لكم، وإني أرى ~~أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنا، فإن وقعوا فيه هلكوا، فوقع ~~بنو إسرائيل في الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا، ~~وقيل إن هذا الرجل اسمه باعم وهو من بني إسرائيل، وقيل المراد به أمية بن ~~أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك، فلما ~~أرسل الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حسده وكفر به، وقيل هو أبو عامر ~~بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية، فكفر بمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقيل نزلت في قريش آتاهم الله آياته التي أنزلها على محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم فكفروا بها، وقيل نزلت في اليهود والنصارى انتظروا خروج ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكفروا به قوله (فانسلخ منها) أي من هذه ~~الآيات التي أوتيها كما تنسلخ الشاة عن جلدها فلم يبق له بها اتصال (فأتبعه ~~الشيطان) عند انسلاخه عن الآيات: أي لحقه فأدركه وصار قرينا له، أو فأتبعه ~~خطواته، وقرئ " فاتبعه " بالتشديد بمعنى تبعه (فكان من الغاوين) المتمكنين ~~في الغواية وهم الكفار. قوله (ولو شئنا لرفعناه بها) الضمير يعود إلى الذي ~~أوتى الآيات، والمعنى: لو شئنا رفعه: # بما آتيناه من الآيات لرفعناه بها: أي بسببها، ولكن لم نشأ ذلك لانسلاخه ~~عنها وتركه للعمل بها، وقيل المعنى ولو شئنا لأمتناه قبل أن يعصى فرفعناه ~~إلى الجنة بها: أي بالعمل بها (ولكنه أخلد إلى الأرض) أصل الإخلاد اللزوم، ~~يقال أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه، والمعنى هنا: أنه مال إلى ~~الدنيا ورغب فيها وآثرها على الآخرة (واتبع هواه) أي اتبع ما يهواه وترك ~~العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله وهو حطام الدنيا، وقيل كان هواه مع ~~الكفار، وقيل اتبع رضا زوجته، وكانت هي التي حملته على الانسلاخ من آيات ~~الله. قوله (فمثله كمثل الكلب: # أي ms1360 فصار لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطا إلى أسفل رتبة مشابها ~~لأخس الحيوانات في الدناءة ممائلا له في أقبح أوصافه، وهو أنه يلهث في كلا ~~حالتي قصد الإنسان له وتركه، فهو لاهث سواء زجر أو ترك طرد أو لم يطرد شد ~~عليه أو لم يشد عليه، وليس بعد هذا في الخسة والدناءة شئ، وجملة (إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث) في محل نصب على الحال: أي مثله كمثل الكلب حال ~~كونه متصفا بهذه الصفة، والمعنى: أن هذا المنسلخ عن الآيات لا يرعوي عن ~~المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ وذكره المذكر وزجره الزاجر أو لم ~~يقع شئ من ذلك. قال القتيبي: كل شئ يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا ~~الكلب فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال المرض، وحال الصحة، وحال ~~الري، وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته ضل وإن ~~تركته ضل، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث كقوله تعالى (وإن تدعوهم ~~إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) واللهث: إخراج ~~اللسان لتعب أو عطش أو غير ذلك. قال الجوهري: لهث الكلب بالفتح يلهث لهثا ~~ولهاثا بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش، وكذلك الرجل إذا أعيا قيل ~~معنى الآية: أنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا، وإن تركته شد عليك ~~PageV02P265 # ونبح، فيتعب نفسه مقبلا عليك ومديرا مع عنك، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه ~~عند العطش من إخراج اللسان، والإشارة بقوله ذلك إلى ما تقدم من التمثيل ~~بتلك الحالة الخسيسة. وهو مبتدأ وخبره (مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا) أي ~~ذلك المثل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود بعد أن علموا ~~بها وعرفوها فحرفوا وبدلوا وكتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وكذبوا بها (فاقصص القصص) أي فاقصص عليهم هذا القصص الذي هو صفة الرجل ~~المنسلخ عن الآيات فإن مثله المذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين من اليهود ~~الذين ms1361 تقص عليهم (لعلهم يتفكرون) في ذلك ويعملون فيه أفهامهم فينزجرون عن ~~الضلال ويقبلون على الصواب. قوله (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا) هذه ~~الجملة متضمنة لبيان حال هؤلاء القوم البالغة في القبح إلى الغاية: يقال ~~ساء الشئ قبح، فهو لازم، وساءه يسوؤه مساءة: فهو متعد وهو من أفعال الذم: ~~كبئس، وفاعله ضمير مستتر فيه، ومثلا تمييز مفسر له والمخصوص بالذم هو الذين ~~كذبوا بآياتنا، ولا بد من تقدير مضاف محذوف لأجل المطابقة أي ساء مثلا مثل ~~القوم الذين كذبوا. وقال الأخفش: جعل المثل القوم مجازا، والقوم مرفوع ~~بالابتداء أو على إضمار مبتدأ التقدير: ساء المثل مثلا هو مثل القوم، كذا ~~قال. وقدره أبو علي الفارسي: ساء مثلا مثل القوم كما قدمنا. وقرأ الجحدري ~~والأعمش (ساء مثل القوم). قوله (وأنفسهم كانوا يظلمون) أي ما ظلموا ~~بالتكذيب إلا أنفسهم لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا يتجاوزها، والجملة ~~معطوفة على التي قبلها على معنى أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم ~~أنفسهم (من يهد الله فهو المهتدى) لما أمر به وشرعه لعباده (ومن يضلل ~~فأولئك هم الخاسرون) الكاملون في الخسران، من هداه فلا مضل له، ومن أضله ~~فلا هادي له: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. # وقد أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود في ~~قوله (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال ~~له بلعم بن آبز. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من ~~طرق عن ابن عباس قال: # هو بلعم بن باعوراء، وفي لفظ: بلعام بن باعر الذي أوتى الاسم كان في بني ~~إسرائيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال ~~له بلعم، تعلم اسم الله الأكبر، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه ms1362 ~~فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، ~~فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن ~~معه مضت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا الله فسلخ ما كان فيه. وفي ~~قوله (إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) قال: إن حمل الحكمة لم يحملها، وإن ~~ترك لم يهتد لخير كالكلب إن كان رابضا لهث وإن يطرد لهث. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عنه في الآية قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، ~~وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها واحدة، قال: فلك واحدة ~~فما الذي تريدين؟ قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا ~~الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت ~~عنه وأرادت شيئا آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، ~~فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس ~~بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه فدعا الله فعادت كما ~~كانت فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس. وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد ~~الله بن عمرو في الآية قال: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وفي لفظ: نزلت في ~~صاحبكم أمية بن أبي الصلت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن ~~PageV02P266 # مردويه وابن عساكر عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الشعبي ~~في هذه الآية قال: قال ابن عباس هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام بن ~~باعوراء، وكانت الأنصار تقول: هو ابن الراهب الذي بني له مسجد الشقاق، ~~وكانت ثقيف تقول: هو أمية بن أبي الصلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: هو صيفي بن الراهب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عنه في ms1363 قوله (فانسلخ منها) قال: نزع منه العلم. # وفي قوله (ولو شئنا لرفعناه بها) قال: رفعه الله بعلمه. وأخرج مسلم ~~والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن ~~عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته يحمد الله ~~ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول " من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا ~~هادي له، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في ~~النار " ثم يقول " بعثت أنا والساعة كهاتين ". # سورة الأعراف الآية (178 - 179) (ولقد ذرأنا) أي خلقنا. وقد تقدم بيان ~~أصل معناه مستوفى، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها (لجهنم) أي للتعذيب ~~بها (كثيرا) أي خلقا كثيرا (من الجن والإنس) أي من طائفتي الجن والإنس ~~جعلهم سبحانه للنار بعد له وبعمل أهلها يعملون. وقد علم ما هم عاملون قبل ~~كونهم كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ثم وصف هؤلاء فقال (لهم قلوب لا يفقهون ~~بها) كما يفقه غيرهم بعقولهم، وجملة (لا يفقهون بها) في محل رفع على أنها ~~صفة لقلوب، وجملة (لهم قلوب) في محل نصب صفة لكثيرا جعل سبحانه قلوبهم لما ~~كانت غير فاقهة لما فيه نفعهم وإرشادهم غير فاقهة مطلقا وإن كانت تفقه في ~~غير ما فيه النفع والرشاد فهو كالعدم، وهكذا معنى (ولهم أعين لا يبصرون بها ~~ولهم آذان لا يسمعون بها) فإن الذي انتفى من الأعين هو إبصار ما فيه ~~الهداية بالتفكر والاعتبار وإن كانت مبصرة في غير ذلك، والذي انتقى من ~~الآذان هو سماع المواعظ النافعة، والشرائع التي اشتملت عليها الكتب ~~المنزلة، وما جاءت به رسل الله، وإن كانوا يسمعون غير ذلك، والإشارة بقوله ~~(أولئك) إلى هؤلاء المتصفين بهذه الأوصاف كالأنعام في انتفاء انتفاعهم بهذه ~~المشاعر، ثم حكم عليهم بأنهم أضل منها، لأنها تدرك بهذه الأمور ما ينفعها ~~ويضرها فتنتفع بما ينفع، وتجتنب ما يضر. وهؤلاء لا يميزون بين ms1364 ما ينفع وما ~~يضر باعتبار ما طلبه الله منهم وكلفهم به. ثم حكم عليهم بالغفلة الكاملة ~~لما هم عليه من عدم التمييز الذي هو من شأن من له عقل وبصر وسمع. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولقد ~~ذرأنا) قال: خلقنا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال خلقنا ~~لجهنم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن النجار ~~عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله ~~لما ذرأ لجهنم من ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم ". وأخرج ابن جرير عن ~~مجاهد في قوله (ولقد ذرأنا لجهنم) قال: لقد خلقنا لجهنم (لهم قلوب لا ~~يفقهون بها) قال: لا يفقهون شيئا من أمور الآخرة (ولهم أعين لا يبصرون بها) ~~الهدى (ولهم PageV02P267 # آذان لا يسمعون بها) الحق، ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم شرا من الأنعام، ~~فقال (بل هم أضل) ثم أخبر أنهم الغافلون. # سورة الأعراف الآية (180) هذه الآية مشتملة على الاخبار من الله سبحانه ~~بماله من الأسماء على الجملة دون التفصيل، والحسنى تأنيث الأحسن: أي التي ~~هي أحسن الأسماء لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول، ثم أمرهم بأن يدعوه ~~بها عند الحاجة فإنه إذا دعى بأحسن أسمائه كان ذلك من أسباب الإجابة، وقد ~~ثبت في الصحيح " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة " وسيأتي ~~ويأتي أيضا بيان عددها آخر البحث إن شاء الله. قوله (وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه) الإلحاد: الميل وترك القصد، يقال لحد الرجل في الدين وألحد: إذا ~~مال، ومنه اللحد في القبر لأنه في ناحية، وقرئ " يلحدون " وهما لغتان، ~~والإلحاد في أسمائه سبحانه يكون على ثلاثة أوجه، إما بالتغيير كما فعله ~~المشركون فإنهم أخذوا اسم اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من ~~المنان، أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها، ~~أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض. ms1365 ومعنى (وذروا الذين يلحدون) ~~أتركوهم قد ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم، وعلى هذا المعنى فالآية منسوخة ~~بآيات القتال، وقيل معناه الوعيد كقوله تعالى - ذرني ومن خلقت وحيدا -، ~~وقوله - ذرهم يأكلوا ويتمتعوا - وهذا أولى لقوله (سيجزون ما كانوا يعملون) ~~فإنه وعيد لهم بنزول العقوبة وتحذير للمسلمين أن يفعلوا كفعلهم. وقد ذكر ~~مقاتل وغيره من المفسرين أن هذه الآية نزلت في رجل من المسلمين كان يقول في ~~صلاته يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من المشركين أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم ~~يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ حكى ذلك القرطبي. # وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة ~~وأبو عوانة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه وأبو ~~نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب ~~الوتر ". وفي لفظ ابن مردويه وأبي نعيم " من دعى بها استجاب الله دعاءه " ~~وزاد الترمذي في سننه بعد قوله يحب الوتر " هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، ~~المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، ~~العليم، القابض، الباسط، الخافض الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، ~~الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي ~~الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع ~~الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوى، المتين، ~~الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيى، المميت، الحي، القيوم، ~~الواجد، الماجد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم المؤخر، الأول، ~~الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، ~~الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، ~~المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، ~~الصبور ". PageV02P268 # هكذا أخرج الترمذي هذه الزيادة عن الجوزجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد ~~بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد الأعرج عن أبي هريرة ms1366 مرفوعة ~~وقال: هذا حديث غريب. وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة، ولا يعلم في كثير ~~شئ من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. ورواه ابن حبان في صحيحه ~~وابن خزيمة والحاكم من طريق صفوان بإسناده السابق. ورواه ابن ماجة في سننه ~~من طريق أخرى عن موسى ابن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا فسرد الأسماء ~~المتقدمة بزيادة ونقصان. قال ابن كثير في تفسيره والذي عول عليه جماعة من ~~الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. وإنما ذلك كما رواه الوليد ~~بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد ~~من أهل العلم أنهم قالوا ذلك: أي أنهم جمعوها من القرآن كما روى عن جعفر بن ~~محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي. قال: ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ~~ليست منحصرة في التسعة والتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ~~يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك وأمتك، ~~ناصيتي بيدك ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ~~أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ~~أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، ~~إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجا، فقيل يا رسول الله ألا ~~نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها ". وقد أخرجه الإمام أبو ~~حاتم بن حبان في صحيحه بمثله انتهى. وأخرجه البيهقي أيضا في الأسماء ~~والصفات. قال ابن حزم: جاءت في إحصائها، يعني الأسماء الحسنى أحاديث مضطربة ~~لا يصح منها شئ أصلا. وقد أخرجها بهذا العدد الذي أخرجه الترمذي ابن مردويه ~~وأبو ms1367 نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكراه، ولا أدري كيف إسناده. ~~وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني كلاهما في الدعاء وأبو الشيخ والحاكم وابن ~~مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة: إن لله تسعة وتسعين اسما من ~~أحصاها دخل الجنة: أسأل الله الرحمن، الرحيم، الإله، الرب، الملك، القدوس، ~~السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، ~~الحليم، العليم، السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف الخبير، ~~الحنان، المنان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدئ المعيد، ~~النور، البارئ، وفي لفظ: القائم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العفو ~~الغفار، الوهاب، الفرد، وفي لفظ: القادر، الأحد الصمد، الوكيل، الكافي، ~~الباقي، المغيث، الدائم، المتعالى، ذا الجلال والإكرام، المولى البصير، ~~الحق، المتين، الوارث، المنير، الباعث، القدير، وفي لفظ: المجيب، المحيى ~~المميت الحميد، وفي لفظ: الجميل الصادق الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، ~~الرقيب، الفتاح التواب القديم الوتر، الفاطر، الرزاق، العلام، العلي، ~~العظيم، الغني، الملك، المقتدر، الأكرم، الرؤوف، المدبر، المالك، القاهر، ~~الهادي، الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا ~~الفضل، الخلاق، الكفيل، الجليل. # وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال: سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن ~~الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة؟ فقال: هي في القرآن، ~~ففي الفاتحة خمسة أسماء: يا الله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم يا ملك، وفي ~~البقرة ثلاثة وثلاثون اسما: يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا علي يا ~~عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رؤوف، يا بديع، يا ~~شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حي، PageV02P269 # يا قيوم، يا غني، يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب يا مجيب، ~~يا عزيز، يا نصير، يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير، وفى آل عمران: يا ~~وهاب، يا قائم، يا صادق، يا باعث، يا منعم، يا متفضل، وفي النساء: # يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، ms1368 يا مقيت، يا وكيل، يا علي، يا كبير، وفي ~~الأنعام: يا فاطر، يا قاهر، يا لطيف يا برهان، وفي الأعراف: يا محيي، يا ~~مميت، وفي الأنفال: يا نعم المولى، ويا نعم النصير، وفي هود: يا حفيظ يا ~~مجيد، يا ودود، يا فعال لما تريد، وفي الرعد: يا كبير: يا متعالي: وفى ~~إبراهيم: يا منان، يا وارث، وفي الحجر،: يا خلاق، وفي مريم: يا فرد، وفي ~~طه: يا غفار، وفي قد أفلح: يا كريم، وفي النور: يا حق يا مبين وفي الفرقان: ~~يا هادي، وفي سبأ: يا فتاح، وفي الزمر: يا عالم، وفي غافر: يا قابل التوب، ~~يا ذا الطول، يا رفيع وفي الذاريات: يا رزاق، يا ذا القوة، يا متين، وفي ~~الطور: يا بر، وفي اقتربت: يا مقتدر، يا مليك، وفي الرحمن: ذا الجلال ~~والإكرام، يا رب المشرقين، يا رب المغربين، يا باقي يا معين، وفي الحديد: ~~يا أول، يا آخر يا ظاهر، يا باطن، وفي الحشر: يا ملك، يا قدوس، يا سلام، يا ~~مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر يا خالق، يا بارئ، يا مصور، ~~وفي البروج: يا مبدئ، يا معيد، وفي الفجر: يا وتر، وفي الإخلاص: يا أحد يا ~~صمد انتهى. # وقد ذكر ابن حجر في التلخيص أنه تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حرر ها ~~منه تسعة وتسعين ثم سردها فابحثه. ويؤيد هذا ما أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس ~~وابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لله تسعة وتسعون ~~اسما من أحصاها دخل الجنة. وهي في القرآن ". وأخرج البيهقي عن عائشة أنها ~~قالت " يا رسول الله علمني اسم الله الذي إذا دعب به أجاب، قال لها: قومي ~~فتوضئ وادخلي المسجد فصلى ركعتين ثم ادعى حتى أسمع، ففعلت، فلما جلست ~~للدعاء قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم وفقها، فقالت: اللهم إني ~~أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، وأسألك باسمك ~~العظيم الأعظم الكبير الأكبر ms1369 الذي من دعاك به أجبته، ومن سألك به أعطيته، ~~قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أصبتيه أصبتيه ". # وقد أطال أهل العلم الكلام على الأسماء الحسنى حتى أن ابن العربي في شرح ~~الترمذي حكى عن بعض أهل العلم أنه جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف ~~اسم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه) قال: الإلحاد، أن يدعو اللات والعزى في أسماء الله. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: الإلحاد التكذيب. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في الآية قال: # اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~عطاء في الآية قال: الإلحاد المضاهاة وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش أنه قرأ ~~" يلحدون " من لحد، وقال تفسيرها: يدخلون فيها ما ليس منها. وأخرج عبد ~~الرزاق بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: يشركون. # سورة الأعراف الآية (181 - 184) PageV02P270 # سورة الأعراف الآية (185 - 186) قوله (وممن خلقنا) خبر مقدم و (أمة) ~~مبتدأ مؤخر و (يهدون) وما بعده صفة له، ويجوز أن يكون (وممن خلقنا) هو ~~المبتدأ كما تقدم في قوله - ومن الناس من يقول - والمعنى: أن من جملة من ~~خلقه الله أمة يهدون الناس متلبسين بالحق أو يهدونهم بما عرفوه من الحق (و) ~~بالحق (يعدلون) بينهم قيل هم من هذه الأمة، وإنهم الفرقة الذين لا يزالون ~~على الحق ظاهرين كما ورد في الحديث الصحيح، ثم لما بين حال هذه الأمة ~~الصالحة بين حال من يخالفهم فقال (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون) والاستدراج: هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، والدرج: كف ~~الشئ، يقال أدرجته ودرجته، ومنه إدراج الميت في أكفانه، وقيل هو من الدرجة، ~~فالاستدراج: أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود، ومنه درج الصبي: إذا قارب ~~بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئا بعد شئ، ودرج القوم: مات بعضهم في أثر ~~بعض، والمعنى: سنستدينهم قليلا قليلا إلى ما ms1370 يهلكهم، وذلك بإدرار النعم ~~عليهم وإنسائهم شكرها، فينهمكون في الغواية ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم ~~بذلك وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلة والزلفة. قوله ~~(وأملى لهم) معطوف على سنستدرجهم: أي أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر عنهم ~~العقوبة. وجملة (إن كيدي متين) مقررة لما قبلها من الاستدراج والإملاء ~~ومؤكدة له، والكيد: المكر، والمتين: الشديد القوي، وأصله من المتن وهو ~~اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب قال في الكشاف: سماء كيدا، لأنه شبيه ~~بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان، والاستفهام في (أولم ~~يتفكروا) للإنكار عليهم حيث لم يتفكروا في شأن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وفيما جاء به و " ما " في (ما بصاحبهم) للاستفهام الإنكاري، وهي ~~في محل رفع بالابتداء والخبر بصاحبهم، والجنة مصدر: أي وقع منهم التكذيب ~~ولم يتفكروا أي شئ من جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون، فإنهم لو تفكروا ~~لوجدوا زعمهم باطلا، وقولهم زورا وبهتا، وقيل إن " ما " نافية واسمها (من ~~جنة) وخبرها بصاحبهم: أي ليس بصاحبهم شئ مما يدعونه من الجنون، فيكون هذا ~~ردا لقولهم - يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون - ويكون الكلام قد تم ~~عند قوله (أو لم يتفكروا) والوقف عليه من الأوقاف الحسنة، وجملة (إن هو إلا ~~نذير مبين) مقررة لمضمون ما قبلها، ومبينة لحقيقة حال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم والاستفهام في (أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض) ~~للإنكار والتقريع والتوبيخ ولقصد التعجيب من إعراضهم عن النظر في الآيات ~~البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده بالإلهية، والملكوت من أبنية ~~المبالغة، ومعناه الملك العظيم وقد تقدم بيانه، والمعنى: إن هؤلاء لم ~~يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر، ولا نظروا في مخلوقات الله حتى يهتدوا بذلك ~~إلى الإيمان به، بل هم سادرون في ضلالتهم خائضون في غوايتهم لا يعملون فكرا ~~ولا يمعنون نظرا. قوله (وما خلق الله من شئ) أي لم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض ولا فيما خلق الله من شئ من الأشياء كائنا ms1371 ما كان، فإن في ~~كل مخلوقاته عبرة للمعتبرين وموعظة للمتفكرين، سواء كانت من جلائل مصنوعاته ~~كملكوت السماوات والأرض، أو من دقائقها من سائر مخلوقاته. قوله (وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم) معطوف على ملكوت وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ~~ضمير الشأن وخبرها عسى وما بعدها: أي أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى ~~أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتون عن قريب. والمعنى: إنهم إذا كانوا يجوزون ~~قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون PageV02P271 # به وينتفعون بالتفكر فيه والاعتبار به (فبأي حديث بعده يؤمنون) الضمير ~~يرجع إلى ما تقدم من التفكر والنظر في الأمور المذكورة: أي فبأي حديث بعد ~~هذا الحديث المتقدم بيانه يؤمنون؟ وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ~~مالا يقادر قدره، وقيل الضمير للقرآن، وقيل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقيل للأجل المذكور قبله، وجملة (من يضلل الله فلا هادي له) مقررة لما ~~قبلها: أي إن هذه الغفلة منهم عن هذه الأمور الواضحة البينة ليس إلا لكونهم ~~ممن أضله الله ومن يضلله فلا هادي له: أي فلا يوجد من يهديه إلى الحق ~~وينزعه عن الضلالة ألبتة (ويذرهم في طغيانهم يعمهون) قرئ بالرفع على ~~الاستئناف وبالجزم عطفا على محل الجزاء، وقرئ بالنون، ومعنى يعمهون: ~~يتحيرون، وقيل يترددون وهو في محل نصب على الحال. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (وممن ~~خلقنا أمة يهدون بالحق) قال: # ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " هذه أمتي بالحق يحكمون ~~ويقضون ويأخذون ويعطون ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~قتادة في الآية قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول " ~~إذا قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون ". وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن من أمتي قوما على الحق حتى ms1372 ينزل عيسى ~~ابن مريم متى نزل ". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ~~(سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) يقول: سنأخذهم من حيث لا يعلمون، قال: عذاب ~~بدر. وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن المثنى في الآية قال: كلما أحدثوا ذنبا ~~جددنا لهم نعمة تنسيهم الاستغفار. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان في الآية قال: نسبغ عليهم النعمة ~~ونمنعهم شكرها. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ثابت البناني أنه سئل عن ~~الاستدراج فقال: ذلك مكر الله بالعباد المضيعين. وأخرج أبو الشيخ في قوله ~~(وأملى لهم) يقول: أكف عنهم (إن كيدي متين) إن مكري شديد، ثم نسخها الله ~~فأنزل - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم -. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: كيد الله العذاب والنقمة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا " أن نبي الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قام على الصفا، فدعا قريشا فخذا فخذا: يا بني فلان يا بني ~~فلان، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائل إن صاحبكم هذا ~~لمجنون بات يصوت حتى أصبح، فأنزل الله (أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن ~~هو إلا نذير مبين) ". # سورة الأعراف الآية (187 - 188) PageV02P272 # سورة الأعراف الآية (189 - 192) قوله (يسألونك عن الساعة) السائلون: هم ~~اليهود، وقيل قريش، والساعة: القيامة وهي من الأسماء الغالبة، وإطلاقها على ~~القيامة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، وأيان ظرف زمان مبني على الفتح. قال ~~الراجز: # أيان تقضى حاجتي أيانا * أما ترى لنجحها أوانا ومعناه معنى متى، واشتقاقه ~~من أي: وقيل من أين. وقرأ السلمي " إيان " بكسر الهمزة وهو في موضع رفع على ~~الخبر، و (مرساها) المبتدأ عند سيبويه، ومرساها بضم الميم: أي وقت إرسائها ~~من أرساها الله: أي أثبها، وبفتح الميم من رست: أي ثبتت، ومنه - وقدور ~~راسيات -، ومنه رسا الجبل. والمعنى: متى يرسيها الله: أي يثبتها ويوقعها، ~~وظاهر (يسألونك عن الساعة) أن ms1373 السؤال عن نفس الساعة، وظاهر (أيان مرساها) ~~أن السؤال عن وقتها، فحصل من الجميع أن السؤال المذكور هو عن الساعة ~~باعتبار وقوعها في الوقت المعين لذلك، ثم أمره الله سبحانه بأن يجيب عنهم ~~بقوله (قل إنما علمها عند ربي) أي علمها باعتبار وقوعها عند الله لا يعلمها ~~غيره ولا يهتدى إليها سواه (لا يجليها لوقتها إلا هو) أي لا يظهرها لوقتها ~~ولا يكشف عنها إلا الله سبحانه، والتجلية: # إظهار الشئ، يقال جلى لي فلان الخبر: إذا أظهره وأوضحه، وفي استئثار الله ~~سبحانه بعلم الساعة حكمة عظيمة وتدبير بليغ كسائر الأشياء التي أخفاها الله ~~واستأثر بعلمها. وهذه الجملة مقررة لمضمون التي قبلها. قوله (ثقلت في ~~السماوات والأرض) قيل معنى ذلك: أنه لما خفى علمها على أهل السماوات والأرض ~~كانت ثقيلة، لأن كل ما خفى علمه ثقيل على القلوب، وقيل المعنى: لا تطيقها ~~السماوات والأرض لعظمها، لأن السماء تنشق، والنجوم تتناثر، والبحار تنضب، ~~وقيل عظم وصفها عليهم، وقيل ثقلت المسئلة عنها، وهذه الجملة مقررة لمضمون ~~ما قبلها أيضا (لا تأتيكم إلا بغتة) إلا فجأة على غفلة، والبغتة، مصدر في ~~موضع الحال، وهذه الجملة كالتي قبلها في التقرير. قوله (يسألونك كأنك حفي ~~عنها). قال ابن فارس: الحفي العالم بالشيء، والحفي المستقصي في السؤال، ~~ومنه قول الأعشى: # فإن تسألي عني فيارب سائل * حفي عن الأعشى به حيث أصعدا يقال أحفى في ~~المسئلة وفي الطلب فهو محف، وحفي على التكثير مثل مخصب وخصيب. والمعنى: ~~يسألونك عن الساعة كأنك عالم بها، أو كأنه مستقص للسؤال عنها ومستكثر منه، ~~والجملة التشبيهية في محل نصب على الحال أي يسألونك مشبها حالك حال من هو ~~حفي عنها، وقيل المعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بهم: أي حفي ببرهم وفرح ~~بسؤالهم. والأول هو معنى النظم القرآني على مقتضى المسلك العربي. قوله (قل ~~إنما علمها عند ربى) أمره الله سبحانه بأن يكرر ما أجاب به عليهم سابقا ~~لتقرير الحكم وتأكيده، وقيل ليس بتكرير، بل أحدهما معناه الاستئثار ~~بوقوعها، والآخر الاستئثار بكنهها نفسها ms1374 (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ~~باستئثار الله بهذا وعدم علم خلقه به، لم يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل. ~~قوله (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) هذه الجملة متضمنة ~~لتأكيد ما تقدم من عدم علمه بالساعة أيان تكون ومتى تقع، لأنه إذا كان لا ~~يقدر على جلب نفع له أو دفع PageV02P273 # ضر عنه إلا ما شاء الله سبحانه من النفع له والدفع عنه فبالأولى أن لا ~~يقدر على علم ما استأثر الله بعلمه، وفي هذا من إظهار العبودية والإقرار ~~بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد والاعتراف بالضعف عن انتحال ما ~~ليس له صلى الله عليه وآله وسلم ما فيه أعظم زاجر، وأبلغ واعظ لمن يدعى ~~لنفسه ما ليس من شأنها، وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل أو الطرق ~~بالحصا أو الزجر، ثم أكد هذا وقرره بقوله (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير) أي لو كنت أعلم جنس الغيب لتعرضت لما فيه الخير فجلبته إلى نفسي ~~وتوقيت ما فيه السوء حتى لا يمسني ولكني عبد لا أدري ما عند ربي، ولا ما ~~قضاه في وقدره لي، فكيف أدري غير ذلك وأتكلف علمه، وقيل المعنى لو كنت أعلم ~~ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته، وقيل لو كنت أعلم متى ~~يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب، وقيل لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن ~~كل ما أسأل عنه، والأولى حمل الآية على العموم فتندرج هذه الأمور وغيرها ~~تحتها، وقد قيل إن (وما مسني السوء) كلام مستأنف أي ليس بي ما تزعمون من ~~الجنون والأولى أنه متصل بما قبله والمعنى: لو علمت الغيب ما مسني السوء ~~ولحذرت عنه كما قدمنا ذلك. قوله (إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) أي ما ~~أنا إلا مبلغ عن الله لأحكامه أنذر بها قوما وأبشر بها آخرين ولست أعلم ~~بغيب الله سبحانه، واللام في (لقوم) متعلق بكلا الصفتين: أي بشير لقوم، ~~ونذير لقوم، وقيل ms1375 هو متعلق ببشير، والمتعلق بنذير محذوف: أي نذير لقوم ~~يكفرون، وبشير لقوم يؤمنون. قوله (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) هذا كلام ~~مبتدأ يتضمن ذكر نعم الله على عباده وعدم مكافأتهم لها مما يجب من الشكر ~~والاعتراف بالعبودية وأنه المنفرد بالإلهية. قال جمهور المفسرين: المراد ~~بالنفس الواحدة آدم، وقوله (وجعل منها زوجها) معطوف على (خلقكم) أي هو الذي ~~خلقكم من نفس آدم وجعل من هذه النفس زوجها، وهي حواء خلقها من ضلع من ~~أضلاعه، وقيل المعنى (جعل منها) من جنسها كما في قوله - جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا - والأول أولى (ليسكن إليها) علة للجعل: أي جعله منها لأجل يسكن ~~إليها يأنس إليها ويطمئن بها فإن الجنس بجنسه أسكن وإليه آنس، وكان هذا في ~~الجنة كما وردت بذلك الأخبار: ثم ابتدأ سبحانه بحالة أخرى كانت بينهما في ~~الدنيا بعد هبوطهما، فقال (فلما تغشاها)، والتغشي كناية عن الوقاع: أي فلما ~~جامعها (حملت حملا خفيفا) علقت به بعد الجماع، ووصفه بالخفة لأنه عند إلقاء ~~النطفة أخف منه عند كونه علقة، وعند كونه علقة أخف منه عند كونه مضغة وعند ~~كونه مضغة أخف مما بعده وقيل إنه خف عليها هذا الحمل من ابتدائه إلى ~~انتهائه، ولم تجد منه ثقلا كما تجده الحوامل من النساء لقوله (فمرت به) أي ~~استمرت بذلك الحمل تقوم وتقعد وتمضي في حوائجها لا تجد به ثقلا، والوجه ~~الأول أولى لقوله (فلما أثقلت) فإن معناه: فلما صارت ذات ثقل لكبر الولد في ~~بطنها، وقرئ " فمرت به " بالتخفيف: أي فجزعت لذلك، وقرئ " فمارت به " من ~~المور، وهو المجئ والذهاب، وقيل المعنى: فاستمرت به. وقد رويت قراءة ~~التخفيف عن ابن عباس ويحيى بن يعمر، ورويت قراءة " فمارت " عن عبد الله بن ~~عمر، وروى عن ابن عباس أنه قرأ " فاستمرت به " قوله (دعوا الله ربهما) جواب ~~لما: أي دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما (لئن آتيتنا صالحا) أي ولدا ~~صالحا، واللام جواب قسم محذوف، و (لنكونن من الشاكرين) جواب القسم ساد مسد ~~جواب الشرط: ms1376 أي من الشاكرين لك على هذه النعمة، وفي هذا الدعاء دليل على ~~أنهما قد علما أن ما حدث في بطن حواء من أثر ذلك الجماع هو من جنسهما وعلما ~~بثبوت النسل المتأثر عن ذلك السبب (فلما آتاهما) ما طلباه من الولد الصالح ~~وأجاب دعاءهما (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال كثير من المفسرين: إنه جاء ~~إبليس إلى حواء وقال لها: إن ولدت ولدا فسميه باسمي فقالت: وما اسمك؟ قال: ~~الحرث PageV02P274 # ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحرث فكان هذا شركا في التسمية ولم ~~يكن شركا في العبادة. وإنما قصدا أن الحرث كان سبب نجاة الولد كما يسمى ~~الرجل نفسه عبد ضيفه كما قال حاتم الطائي: # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا * وما في إلا تلك من شيمة العبد وقال جماعة ~~من المفسرين: إن الجاعل شركا فيما آتاهما هم جنس بني آدم كما وقع من ~~المشركين منهم ولم يكن ذلك من آدم وحواء، ويدل على هذا جمع الضمير في قوله ~~(فتعالى الله عما يشركون) وذهب جماعة من المفسرين إلى أن معنى (من نفس ~~واحدة) من هيئة واحدة وشكل واحد (وجعل منها زوجها) أي من جنسها (فلما ~~تغشاها) يعني جنس الذكر جنس الأنثى، وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر في ~~الآية وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين. وقد قدمنا الإشارة إلى نحو ~~هذا وذكرنا أنه خلاف الأولى لأمور منها (وجعل منها زوجها) بأن هذا إنما هو ~~لحواء، ومنها (دعوا الله ربهما) فإن كل مولود يولد بين الجنسين لا يكون ~~منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء. وقد قرأ أهل المدينة وعاصم " شركا " على ~~التوحيد، وقرأ أبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع. وأنكر الأخفش سعيد ~~القراءة الأولى، وأجيب عنه بأنها صحيحة على حذف المضاف: أي جعلا له ذا شرك، ~~أو ذوي شرك، والاستفهام في (أيشركون ما لا يخلق شيئا) للتقريع والتوبيخ: أي ~~كيف يجعلون لله شريكا لا يخلق شيئا ولا يقدر على نفع لهم ولا دفع عنهم. ~~قوله (وهم يخلقون) عطف على ms1377 (مالا يخلق) والضمير راجع إلى الشركاء الذين لا ~~يخلقون شيئا: أي وهؤلاء الذين جعلوهم شركاء من الأصنام أو الشياطين ~~مخلوقون، وجمعهم جمع العقلاء لاعتقاد من جعلهم شركاء أنهم كذلك (ولا ~~يستطيعون لهم) أي لمن جعلهم شركاء (نصرا) إن طلبه منهم (ولا أنفسهم ينصرون) ~~إن حصل عليهم شئ من جهة غيرهم، ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قال حمل بن ~~أبي قيس وشمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أخبرنا متى ~~الساعة إن كنت نبيا كما تقول فإنا نعلم ما هي؟ فأنزل الله (يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى) إلى قوله (ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة (أيان مرساها) أي متى ~~قيامها؟ (قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو) قال: قالت قريش ~~يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة؟ قال (يسألونك كأنك ~~حفي عنها قل إنما علمها عند الله) وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يقول " تهيج الساعة بالناس والرجل يسقى على ماشيته، والرجل يصلح ~~حوضه. والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، والرجل يقيم سلعته في السوق قضاء الله لا ~~تأتيكم إلا بغتة ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (أيان مرساها) قال: منتهاها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (لا يجليها لوقتها إلا ~~هو) يقول: لا يأتي بها إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~الآية قال: هو يجليها لوقتها لا يعلم ذلك إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ثقلت في السماوات والأرض) قال: ليس شئ من ~~الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن ms1378 أبي حاتم عن قتادة في قوله (ثقلت في السماوات والأرض) قال: ثقل ~~علمها على أهل السماوات والأرض يقول كبرت عليهم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (ثقلت في السماوات والأرض) قال: إذا ~~جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم. وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وما يصيب ~~الأرض، وكان ما قال الله سبحانه فذلك ثقلها فيهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (لا تأتيكم إلا بغتة) قال: فجأة آمنين. وأخرج ابن أبي شيبة ~~PageV02P275 # وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن ~~مجاهد في قوله (كأنك حفى عنها) قال: # استحفيت عنها السؤال حتى علمتها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس في قوله (كأنك حفى عنها) يقول: كأنك عالم بها: أي لست تعلمها. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عنه (كأنك حفى ~~عنها) قال: لطيف بها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~عنه أيضا (كأنك حفى عنها) يقول: كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ~~لما سأل الناس محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم ~~كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم، فأوحى الله إليه (إنما علمها عند الله) ~~استأثر بعلمها فلم يطلع ملكا ولا رسولا. وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ~~دينار قال: كان ابن عباس يقرأ " كأنك حفى بها " وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ~~عن ابن جريج (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) قال: الهدى والضلالة (ولو كنت ~~أعلم الغيب) متى أموت (لاستكثرت من الخير) قال: العمل الصالح. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير) قال: لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح فيه فلا أبيع شيئا لا ربح فيه ~~(وما مسني السوء) قال: ولا يصيبني الفقر. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن ~~زيد في قوله (وما مسني السوء) قال: لاجتنبت ما ms1379 يكون من الشر قبل أن يكون. ~~وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني ~~والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن سمرة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، ~~فقال: سميه عبد الحرث فإنه يعيش، فسمته عبد الحرث فعاش، فكان ذلك من وحى ~~الشيطان وأمره ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن سمرة في قوله ~~(فلما آتاهما صالحا جعلا له شركا) قال: سمياه عبد الحرث. وأخرج عبد بن حميد ~~وأبو الشيخ عن أبي بن كعب نحو حديث سمرة المرفوع موقوفا عليه. وأخرج سعيد ~~بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: حملت حواء فأتاها ~~إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعنني أو لأجعلن له ~~قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما، سمياه عبد الحرث، ~~فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما أيضا فقال مثل ذلك، فأبيا أن ~~يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد ~~الحرث، فذلك قوله (جعلا له شركاء فيما آتاهما). وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ~~عن الحسن في الآية قال: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم. وأخرج أبو ~~الشيخ وابن مردويه عن سمرة في قوله (حملت حملا خفيفا) لم يستبن (فمرت به) ~~لما استبان حملها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فمرت ~~به) قال: فشكت أحملت أم لا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال: سئل ~~الحسن عن قوله (فمرت به) قال: لو كنت عربيا لعرفتها إنما هي استمرت بالحمل. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (حملت حملا خفيفا) قال: هي ~~النطفة (فمرت به) يقول استمرت به. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله (فمرت به) قال: فاستمرت به. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن ~~مهران (فمرت به) ms1380 يقول: استخفته. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن أبي صالح في قوله (لئن آتيتنا صالحا) فقال: أشفقا أن يكون بهيمة، ~~فقالا لئن آتيتنا بشرا سويا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال غلاما ~~سويا، وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله (جعلا له شركاء) قال: كان ~~شريكا في طاعة ولم يكن شريكا في عبادة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~قال: ما أشرك آدم إن أولها شكر، وآخرها مثل ضربه لمن بعده. PageV02P276 # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (فتعالى الله عما يشركون) ~~هذا فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال هذا في الكفار ~~يدعون الله فإذا آتاهما صالحا هودا أو نصرا، ثم قال (أيشركون مالا يخلق ~~شيئا وهم يخلقون) يقول يطيعون مالا يخلق شيئا، وهي الشياطين لا تخلق شيئا ~~وهي تخلق (ولا يستطيعون لهم نصرا) يقول لمن يدعوهم. # سورة الأعراف الآية (193 - 198) قوله (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم) ~~هذا خطاب للمشركين: أي إن وتدعوا هؤلاء الشركاء إلى الهدى والرشاد بأن ~~تطلبوا منهم أن يهدوكم ويرشدوكم لا يتبعوكم ولا يجيبوكم إلى ذلك، وهو دون ~~ما تطلبونه منهم من جلب النفع ودفع الضر، والنصر على الأعداء. قال الأخفش ~~معناه وإن تدعوهم: أي الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم، وقيل المراد من سبق في ~~علم الله أنه لا يؤمن. وقرئ " لا يتبعوكم " مشددا ومخففا وهما لغتان، وقال ~~بعض أهل اللغة أتبعه مخففا: إذا مضى خلفه ولم يدركه، واتبعه مشددا: إذا مضى ~~خلفه فأدركه، وجملة (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) مقررة لمضمون ما ~~قبلها: أي دعاؤكم لهم عند الشدائد وعدمه سواء لا فرق بينهما، لأنهم لا ~~ينفعون ولا يضرون ولا يسمعون ولا يجيبون، وقال (أم أنتم صامتون) ms1381 مكان أصمتم ~~لما في الجلمة الإسمية من المبالغة. # وقال محمد بن يحيى: إنما جاء بالجملة الإسمية لكونها رأس آية، يعني ~~لمطابقة (ولا أنفسهم ينصرون) وما قبله قوله (إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم) أخبرهم سبحانه بأن هؤلاء الذين جعلتموهم آلهة هم عباد لله ~~كما أنتم عباد له مع أنكم أكمل منهم، لأنكم أحياء تنطقون وتمشون وتسمعون ~~وتبصرون، وهذه والأصنام ليست كذلك، ولكنها مثلكم في كونها مملوكة لله مسخرة ~~لأمره، وفي هذا تقريع لهم بالغ وتوبيخ لهم عظيم وجملة فادعوهم فليستجيبوا ~~لكم مقررة لمضمون ما قبلها من أنهم إن دعوهم إلى الهدى لا يتبعوهم، وأنهم ~~لا يستطيعون شيئا: أي ادعوا هؤلاء الشركاء، فإن كانوا كما تزعمون ~~(فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) فيما تدعونه لهم من قدرتهم على النفع ~~والضر، والاستفهام في قوله (ألهم أرجل) وما بعده للتقريع والتوبيخ: أي ~~هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء ليس لهم شئ من الآلات التي هي ثابتة لكم فضلا ~~عن أن يكونوا قادرين على ما تطلبونه منهم، فإنهم كما ترون هذه الأصنام التي ~~تعكفون على عبادتها ليست لهم (أرجل يمشون بها) في نفع أنفسهم فضلا عن أن ~~يمشوا في نفعكم وليس (لهم أيد يبطشون بها) كما يبطش غيرهم من الأحياء، وليس ~~(لهم أعين يبصرون بها) كما تبصرون، وليس PageV02P277 # (لهم آذان يسمعون بها) كما تسمعون، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من ~~سلب الأدوات، وبهذه المنزلة من العجز، وأم في هذه المواضع هي المنقطقة التي ~~بمعنى بل والهمزة كما ذكره أئمة النحو. وقرأ سعيد بن جبير (إن الذين تدعون) ~~بتخفيف إن ونصب عبادا: أي ما الذين تدعون (من دون الله عبادا أمثالكم) على ~~إعمال إن النافية عمل ما الحجازية وقد ضعفت هذه القراءة بأنها خلاف ما رجحه ~~سيبويه وغيره من اختيار الرفع في خبرها، وبأن الكسائي قال: إنها لا تكاد ~~تأتي في كلام العرب بمعنى " ما " إلا أن يكون بعدها إيجاب كما في قوله - إن ~~الكافرون إلا في غرور -، والبطش: الأخذ بقوة. وقرأ أبو جعفر ms1382 (يبطشون) بضم ~~الطاء، وهي لغة، ثم لما بين لهم حال هذه الأصنام، وتعاور وجوه النقص والعجز ~~لها من كل باب، أمره الله بأن يقول لهم ادعو شركاءكم الذين تزعمون أن لهم ~~قدرة على النفع والضر (ثم كيدوني) أنتم وهم جميعا بما شئتم من وجوه الكيد ~~(فلا تنظرون) أي فلا تمهلوني ولا تؤخرون إنزال الضرر بي من جهتها، والكيد: ~~المكر، وليس بعد هذا التحدي لهم والتعجيز لأصنامهم شئ ثم قال لهم (إن وليي ~~الله الذي نزل الكتاب) أي كيف أخاف هذه الأصنام التي هذه صفتها ولى ولي ~~ألجأ إليه وأستنصر به وهو الله عز وجل (الذي نزل الكتاب) وهذه الجملة تعليل ~~لعدم المبالاة بها وولي الشئ هو الذي يحفظه ويقوم بنصرته ويمنع منه الضرر ~~(وهو يتولى الصالحين) أي يحفظهم وينصرهم، ويحول ما بينهم وبين أعدائهم قال ~~الأخفش: وقرئ (إن ولي الله الذي نزل الكتاب) يعني جبرائيل. قال النحاس: هي ~~قراءة عاصم الجحدري والقراءة الأولى أبين لقوله (وهو يتولى الصالحين). قوله ~~(والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون) كرر سبحانه ~~هذا لمزيد التأكيد والتقرير، ولما في تكرار التوبيخ والتقريع من الإهانة ~~للمشركين والتنقص بهم، وإظهار سخف عقولهم، وركاكة أحلامهم (وتراهم ينظرون ~~إليك) جملة مبتدأة لبيان عجزهم، أو حالية: # أي والحال أنك تراهم ينظرون إليك حال كونهم لا يبصرون، والمراد: الأصنام ~~إنهم يشبهون الناظرين، ولا أعين لهم يبصرون بها، قيل: كانوا يجعلون للأصنام ~~أعينا من جواهر مصنوعة، فكانوا بذلك في هيئة الناظرين ولا يبصرون وقيل ~~المراد بذلك المشركون، أخبر الله عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا ~~بأبصارهم، وإن أبصروا بها غير ما فيه نفعهم. # وقد أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: يجاء بالشمس والقمر حتى يلقيا ~~بين يدي الله تعالى، ويجاء بمن كان يعبدهما، فيقال (أدعوهم فليستجيبوا لكم ~~إن كنتم صادقين). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في ~~قوله (وتراهم ينظرون إليك) قال: هؤلاء المشركون. وأخرج هؤلاء أيضا عن مجاهد ~~في قوله (وتراهم ms1383 ينظرون إليك وهم لا يبصرون) ما يدعوهم إليه من الهدى. # سورة الأعراف الآية (199 - 203) PageV02P278 # سورة الأعراف الآية (204 - 206) قوله (خذ العفو) لما عدد الله ما عدده من ~~أحوال المشركين وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم: أمر رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن يأخذ العفو من أخلاقهم، يقال أخذت حقي عفوا: أي سهلا، وهذا نوع من ~~التيسير الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في ~~الصحيح أنه كان يقول " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " والمراد ~~بالعفو هنا ضد الجهد، وقيل المراد: خذ العفو من صدقاتهم ولا تشدد عليهم ~~فيها وتأخذ ما يشق عليهم، وكان هذا قبل نزول فريضة الزكاة (وأمر بالعرف) أي ~~بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر " بالعرف " بضمتين، وهما لغتان، والعرف ~~والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس، ومنه ~~قول الشاعر: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس (وأعرض عن ~~الجاهلين) أي إذا أقمت الحجة في أمرهم بالمعروف فلم يفعلوا، فأعرض عنهم ولا ~~تمارهم ولا تسافههم وكان مكافأة لما يصدر منهم من المراء والسفاهة، قيل ~~وهذه الآية هي من جملة ما نسخ بآية السيف، قاله عبد الرحمن بن زيد وعطاء، ~~وقيل هي محكمة، قاله مجاهد وقتادة، قوله (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) ~~النزغ الوسوسة وكذا النغز والنخس. قال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون، ومن ~~الشيطان أدنى وسوسة، وأصل النزغ: الفساد، يقال نزغ بيننا: أي أفسد، وقيل ~~النزغ: الإغواء، والمعنى متقارب، أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا أدرك شيئا من وسوسة الشيطان أن يستعيذ بالله، وقيل إنه لما نزل ~~قوله (خذ العفو) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " كيف يا رب بالغضب " ~~فنزلت، وجملة (إنه سميع عليم) علة لأمره بالاستعاذة أي استعذ به والتجئ ~~إليه، فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به، وجملة (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا) مقررة لمضمون ما قبلها: أي إن شأن الذين يتقون الله وحالهم ms1384 ~~هو التذكر لما أمر الله به من الاستعاذة به والالتجاء إليه عند أن يمسهم ~~طائف من الشيطان وإن كان يسيرا. قرأ أهل البصرة (طيف) وكذا أهل مكة. وقرأ ~~أهل المدينة والكوفة (طائف). وقرأ سعيد بن جبير (طيف) بالتشديد. قال ~~النحاس: كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف. قال ~~الكسائي: هو مخفف مثل ميت وميت. قال النحاس ومعناه في اللغة ما يتخيل في ~~القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن طيف ~~فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو مصدرا ولكن يكون بمعنى ~~طائف، وقيل: الطيف والطائف معنيان مختلفان، فالأول التخيل، والثاني الشيطان ~~نفسه، فالأول من طاف الخيال يطوف طيفا، ولم يقولوا من هذا طائف. قال ~~السهيلي: لأنه تخيل لا حقيقة له، فأما قوله - فطاف عليها طائف من ربك - فلا ~~يقال فيه طيف لأنه اسم فاعل حقيقة. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، فطاف ~~الخيال يطيف. قال حسان: # فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني إذ ذهب العشاء وسميت الوسوسة طيفا لأنها ~~لمة من الشيطان تشبه لمة الخيال (فإذا هم مبصرون) بسبب التذكر: أي منتبهون ~~PageV02P279 # وقيل على بصيرة. وقرأ سعيد بن جبير (تذكروا) بتشديد الذال. قال النحاس: ~~ولا وجه له في الغريبة. قوله (وإخوانهم يمدونهم في الغى) قيل المعنى: ~~وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس على أن الضمير في إخوانهم يعود ~~إلى الشيطان المذكور سابقا، والمراد به الجنس، فجاز إرجاع ضمير الجمع إليه. ~~(يمدونهم في الغي) أي تمدهم الشياطين في الغي وتكون مددا لهم، وسميت الفجار ~~من الإنس إخوان الشياطين لأنه يقبلون منهم ويقتدون بهم، وقيل: إن المراد ~~بالإخوان الشياطين وبالضمير الفجار من الإنس، فيكون الخبر جاريا على من ~~هوله. وقال الزجاج: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: والذين تدعون من دونه ~~لا يستطيعون لكم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (وإخوانهم يمدونهم في الغي) لأن ~~الكفار إخوان الشياطين، (ثم لا يقصرون) الاقصار: الانتهاء عن الشئ: أي لا ~~تقصر الشياطين في ms1385 مد الكفار في الغي، قيل إن في الغي متصلا بقوله (يمدونهم) ~~وقيل بالإخوان، والغي: الجهل. قرأ نافع (يمدونهم) بضم حرف المضارعة وكسر ~~الميم. وقرأ الباقون بفتح حرف المضارعة وضم الميم، وهما لغتان: يقال مد ~~وأمد. قال مكي: ومد أكثر. وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة: فإنه يقال ~~إذا كثر شئ شيئا بنفسه مده، وإذا كثره بغيره، قيل أمده نحو - يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة - وقيل يقال مددت في الشر وأمددت في الخير. وقرأ ~~عاصم الجحدري (يمادونهم في الغى) وقرأ عيسى بن عمر (ثم لا يقصرون) بفتح ~~الياء وضم الصاد وتخفيف القاف. قوله (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا ~~اجتبيتها) اجتبى الشئ بمعنى جباه لنفسه: أي جمعه أي هلا اجتمعتها افتعالا ~~لها من عند نفسك، وقيل المعنى اختلقتها، يقال اجتبيت الكلام: انتحلته ~~واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك، كانوا يقولون لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا تراخى الوحي هذه المقالة، فأمره الله بأن يجيب ~~عليهم بقوله (إنما أتبع ما يوحى إلي) أي لست ممن يأتي بالآيات من قبل نفسه ~~كما تزعمون (بل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربى) فما أوحاه إلي وأنزله علي ~~أبلغته إليكم، وبصائر جمع بصيرة: أي هذا القرآن المنزل علي هو (بصائر من ~~ربكم) يتبصر بها من قبلها، وقيل البصائر الحجج والبراهين. وقال الزجاج: ~~البصائر الطرق (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) معطوف على بصائر أي هذا القرآن هو ~~بصائر وهدى يهتدى به المؤمنون ورحمة لهم. قوله (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له وأنصتوا) أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن والإنصات له عند قراءته ~~لينتفعوا به ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح، قيل: هذا الأمر خاص بوقت ~~الصلاة عند قراءة الإمام، ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقصر ~~على سببه، فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة وعلى أي ~~صفة مما يجب على السامع، وقيل هذا خاص بقراءة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم للقرآن دون غيره ولا وجه ms1386 لذلك (لعلكم ترحمون) أي تنالون الرحمة ~~وتفوزون بها بامتثال أمر الله سبحانه، ثم أمره الله سبحانه أن يذكره في ~~نفسه، فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأدعى للقبول، قيل المراد بالذكر هنا ما ~~هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر الله بها. وقال النحاس: لم ~~يختلف في معنى (واذكر ربك في نفسك) أنه الدعاء، وقيل هو خاص بالقرآن: أي ~~اقرأ القرآن بتأمل وتدبرا و (تضرعا وخيفة) منتصبان على الحال: أي متضرعا ~~وخائفا، والخيفة: الخوف، وأصلها خوفة قلبت الواو باء لانكسار ما قبلها. ~~وحكى الفراء أنه يقال في جمع خيفة خيف. قال الجوهري: والخيفة الخوف والجمع ~~خيف، وأصله الواو: أي خوف (ودون الجهر من القول) أي دون المجهور به من ~~القول وهو معطوف على ما قبله: # أي متضرعا، وخائفا، ومتكلما بكلام هو دون الجهر من القول، و (بالغدو ~~والآصال) متعلق باذكر أي أوقات الغدوات وأوقات الأصائل، والغدو: جمع غدوة، ~~والآصال: جمع أصيل، قاله الزجاج والأخفش، مثل PageV02P280 # يمين وأيمان، وقيل الآصال جمع أصل، والأصل جمع أصيل فهو على هذا جمع ~~الجمع. قاله الفراء. قال الجوهري الأصيل الوقت من بعد العصر إلى المغرب، ~~وجمعه أصل وآصال وأصائل كأنه جمع أصيلة. قال الشاعر: # لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفنائه بالأصائل ويجمع أيضا على ~~أصلان مثل بعير وبعران، وقرأ أبو مجلز " والإيصال " وهو مصدر. وخص هذين ~~الوقتين لشرفهما، والمراد دوام الذكر لله (ولا تكن من الغافلين) أي عن ذكر ~~الله (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) المراد بهم الملائكة. قال ~~القرطبي: بالإجماع. قال الزجاج: وقال عند ربك والله عز وجل بكل مكان لأنهم ~~قريبون من رحمته، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده. وقال غيره: لأنهم ~~في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله، وقيل إنهم رسل الله كما يقال عند ~~الخليفة جيش كثير، وقيل هذا على جهة التشريف والتكريم لهم، ومعنى (يسبحونه) ~~يعظمونه وينزهونه عن كل شين (وله يسجدون) أي يخصونه بعبادة السجود التي هي ~~أشرف عبادة، ms1387 وقيل المراد بالسجود الخضوع والذلة، وفي ذكر الملأ الأعلى ~~تعريض لبني آدم. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والنسائي ~~والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو ~~الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن الزبير في قوله (خذ ~~العفو) الآية قال: ما نزلت هذه الآية إلا في اختلاف الناس، وفي لفظ: أمر ~~الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وأخرج ~~ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ~~ابن عمر في قوله (خذ العفو) قال: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق ~~الناس. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن الشعبي قال: لما أنزل الله (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا يا جبريل؟ قال: ~~لا أدري حتى أسأل العالم، فذهب ثم رجع فقال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ~~ظلمك، وتعطى من حرمك، وتصل من قطعك. وأخرج ابن مردويه عن جابر نحوه. وأخرج ~~ابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال: والله لأمثلن بسبعين منهم، فجاءه ~~جبريل بهذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن عائشة في قوله (خذ العفو) قال: ما ~~عفا لك من مكارم الأخلاق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ~~(خذ العفو) قال: خذ ما عفا من أموالهم ما أتوك به من شئ فخذه، وهذا قبل أن ~~تنزل براءة بفرائض الصدقة وتفصيلها. وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن ~~السدي في الآية قال: الفضل من المال نسخته والزكاة. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~زيد قال: لما نزل (خذ العفو) الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" كيف بالغضب يا رب؟ فنزل (وإما ينزغنك من الشيطان ms1388 نزغ) ". وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (إن الذين اتقوا) قال هم المؤمنون. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله (إذا مسهم طيف من الشيطان) قال: الغضب. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الطيف الغضب. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن السدي في قوله (تذكروا) قال: إذا زلوا تابوا. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال الطائف: ~~اللمة من الشيطان (تذكروا فإذا هم مبصرون) يقول: فإذا هم منتهون عن المعصية ~~آخذون بأمر الله عاصون للشيطان (وإخوانهم) قال: إخوان الشياطين (يمدونهم في ~~الغي ثم لا يقصرون) قال: لا الإنس يمسكون عما يعملون من السيئات، ولا ~~الشياطين تمسك عنهم و (إذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها) يقول: ~~PageV02P281 # لولا أحدثتها لولا تلقيتها فأنشأتها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عنه (وإخوانهم يمدونهم في الغي) قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من ~~الإنس (ثم لا يقصرون) يقول: لا يسأمون (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا ~~اجتبيتها) يقول: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله (وإذا قرئ القرآن) ~~الآية قال: نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الصلاة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: ~~يعني في الصلاة المفروضة. وأخرج ابن مردويه والبيهقي عنه قال: صلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقرأ خلفه قوم فخلطوا، فنزلت (وإذا قرئ القرآن) ~~الآية، فهذه في المكتوبة. قال: وإن كنا لم نستمع لمن يقرأ بالأخفى من ~~الجهر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد نحوه. ~~وأخرج ابن ms1389 أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن عبد الله بن مغفل ~~نحوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن ~~ابن مسعود نحوه أيضا، وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف، وصرحوا بأن هذه ~~الآية نزلت في قراءة الصلاة من الإمام. # وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في الآية قال: عند الصلاة المكتوبة، وعند ~~الذكر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: في الصلاة ~~وحين ينزل الوحي. وأخرج البيهقي عنه في الآية أنه قال: هذا في الصلاة. ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (واذكر ربك في نفسك) الآية قال: أمره الله أن يذكره، ونهاه ~~عن الغفلة: أما بالغدو فصلاة الصبح، والآصال بالعشي وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~أبي صخر. قال: الآصال ما بين الظهر والعصر. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ~~ابن زيد في الآية قال: لا تجهر بذاك (بالغدو والآصال) بالبكر والعشي. وأخرج ~~ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد (بالغدو) قال: آخر الفجر صلاة الصبح، والآصال ~~آخر العشى صلاة العصر، والأحاديث والآثار عن الصحابة في سجود التلاوة، وعدد ~~المواضع التي يسجد فيها، وكيفية السجود وما يقال فيه مستوفاة في كتب الحديث ~~والفقه فلا نطول بإيراد ذلك هاهنا. # تفسير سورة الأنفال صرح كثير من المفسرين بأنها مدنية ولم يستثنوا منها ~~شيئا، وبه قال الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء، وقد روى مثل هذا عن ابن ~~عباس، أخرجه النحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه عنه قال: سورة الأنفال ~~نزلت بالمدينة. وأخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير. وأخرجه ابن ~~مردويه أيضا عن زيد بن ثابت. # وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ~~عباس أنه قال: نزلت في بدر، وفي لفظ تلك سورة بدر. قال القرطبي: قال ابن ~~عباس هي مدنية إلا سبع آيات من قوله - وإذ يمكر بك الذين كفروا ms1390 - إلى آخر ~~سبع آيات، وجملة آيات هذه السورة ست وسبعون آية، وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب كما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن ~~أبي أيوب. وأخرج أيضا عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~كان يقرأ في الركعتين من المغرب بسورة الأنفال. PageV02P282 # سورة الأنفال الآية (1) الأنفال جمع نفل محركا، وهو الغنيمة، ومنه قول ~~عنترة: # إنا إذا احمر الوغى نروي القنا * ونعف عند مقاسم الأنفال أي الغنائم، ~~وأصل النفل: الزيادة، وسميت الغنيمة به لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه ~~الأمة مما كان محرما على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهد من أجر ~~الجهاد، ويطلق النفل على معان أخر منها اليمين، والابتغاء ونبت معروف. ~~والنافلة التطوع لكونها زائدة على الواجب، والنافلة: ولد الولد، لأنه زيادة ~~على الولد وكان سبب نزول الآية: اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في يوم بدر ~~كما سيأتي بيانه فنزع الله ما غنموه من أيديهم وجعله لله والرسول، فقال (قل ~~الأنفال لله والرسول) أي حكمها مختص بهما يقسمها بينكم رسول الله عن أمر ~~الله سبحانه وليس لكم حكم في ذلك. # وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم خاصة ليس لأحد فيها شئ حتى نزل قوله تعالى - واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه -. ثم أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، ~~وطاعة الله والرسول بالتسليم لأمرهما، وترك الاختلاف الذي وقع بينهم، ثم ~~قال (إن كنتم مؤمنين) أي امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة إن كنتم مؤمنين ~~بالله، وفيه من التهييج والإلهاب مالا يخفى، مع كونهم في تلك الحال على ~~الإيمان فكأنه قال: إن كنتم مستمرين على الإيمان بالله، لأن هذه الثلاثة ~~الأمور التي هي تقوى الله، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، لا يكمل ~~الإيمان بدونها، بل لا يثبت أصلا لمن لم يمتثلها، فإن من ليس بمتق وليس ~~بمطيع لله ورسوله ليس بمؤمن. # وقد أخرج أحمد وعبد بن ms1391 حميد وابن جرير وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه ~~والبيهقي في سننه عن أبي أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: ~~فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله ~~من أيدينا وجعله إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقسمه رسول الله بين ~~المسلمين عن بواء يقول عن سواء. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في ~~سننه عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم ~~يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان ~~الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها ~~وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق ~~بها منا نحن نفينا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به، فنزلت (يسألونك ~~عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) قسمها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بين المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أغار في أرض ~~PageV02P283 # العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره ~~الأنفال ويقول: ليرد قوى المسلمين على ضعيفهم. وأخرج إسحاق بن راهويه في ~~مسنده وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم سرية فنصرها الله وفتح عليها، فكان من آتاه بشئ نفله ~~من الخمس، فرجع رجال كانوا يستقدمون ويقتلونه ويأسرون وتركوا الغنائم ~~خلفهم، فلم ينالوا من الغنائم شيئا، فقالوا: يا رسول الله ما بال رجال منا ~~يستقدمون ويأسرون، وتخلف رجال ms1392 لم يصلوا بالقتال فنفلتهم بالغنيمة؟ فسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزل (يسألونك عن الأنفال) الآية، ~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال " ردوا ما أخذتم واقتسموا ~~بالعدل والسوية فإن الله يأمركم بذلك، فقالوا: قد أنفقنا وأكلنا، فقال ~~احتسبوا ذلك " وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال قلت: يا رسول الله قد شفاني الله ~~اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: " إن هذا السيف لا لك ولا لي، ~~ضعه، فوضعته، ثم رجعت قلت عسى يعطي هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي إذا ~~رجل يدعوني من ورائي، قلت: قد أنزل الله في شيئا؟ قال: كنت سألتني هذا ~~السيف وليس هو لي، وإنه قد وهب لي فهو لك " وأنزل الله هذه الآية (يسألونك ~~عن الأنفال) وفي لفظ لأحمد أن سعدا قال: لما قتل أخي يوم بدر وقتلت سعيد بن ~~العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكنيفة فأتيت به رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ثم ذكر نحو ما تقدم وقد روى هذا الحديث عن سعد من وجوه أخر. ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن الناس ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغنائم يوم بدر فنزلت (يسألونك ~~عن الأنفال). وأخرج ابن مردويه عنه قال: لم ينفل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد إذ نزلت عليه (يسألونك عن الأنفال) إلا من الخمس فإنه نفل يوم ~~خيبر من الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم " من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا، فأما ~~المشيخة فثبتوا تحت الرايات، ms1393 وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم، ~~فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردءا، ولو كان منكم شئ ~~للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت (يسألونك ~~عن الأنفال) الآية، فقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغنائم بينهم ~~بالسوية ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه عن ابن عباس في قوله (يسألونك عن الأنفال) قال: الأنفال المغانم، ~~كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالصة ليس لأحد منها شئ ما أصاب ~~من سرايا المسلمين من شئ أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيهم منها شيئا فأنزل الله ~~(يسألونك عن الأنفال قل الأنفال) لي جعلتها لرسولي ليس لكم فيها شئ (فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم) إلى قوله (إن كنتم مؤمنين) ثم أنزل الله - واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ - الآية، ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولذي القربى واليتامى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وجعل أربعة ~~أخماس الناس فيه سواء، للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. وأخرج أبو ~~عبيد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (يسألونك عن الأنفال) قال: هي ~~الغنائم، ثم نسخها - واعلموا أنما غنمتم من شئ - الآية. وأخرج مالك وابن ~~أبي شيبة وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن القسم بن محمد قال: سمعت رجلا ~~PageV02P284 # يسأل ابن عباس عن الأنفال فقال: الفرس من النفل والسلب من النفل، فأعاد ~~المسئلة فقال ابن عباس: هذا مثل ضبيع الذي ضربه عمر، وفي لفظ: فقال ما ~~أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بضبيع أهل العراقي، وكان عمر ضربه حتى سالت ~~الدماء على عقبيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: الأنفال المغانم، ~~أمروا أن يصلحوا ذات بينهم فيها فيرد القوي على الضعيف. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر والنحاس ms1394 وأبو الشيخ عن عطاء في قوله (يسألونك عن ~~الأنفال) قال: هو ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو ~~دابة أو متاع فذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع به ما شاء وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن عمرو قال: أرسلنا إلى سعيد بن ~~المسيب نسأله عن الأنفال فقال: تسألوني عن الأنفال وإنه لا نفل بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد أيضا قال: ما ~~كانوا ينفلون إلا من الخمس وروي عبد الرزاق عنه أنه قال: لا نفل في غنائم ~~المسلمين إلا في خمس الخمس. وأخرج عبد الرزاق عن أنس أن أميرا من الأمراء ~~أراد أن ينفله قبل أن يخمسه فأبى أنس أن يقبله حتى يخمسه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله (يسألونك عن الأنفال) ~~قال: ما أصابت السرايا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس في ناسخه عن ~~مجاهد وعكرمة قال: كانت الأنفال لله والرسول حتى نسخها آية الخمس - واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ - الآية. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد، ~~وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله (وأصلحوا ذات ~~بينكم) قال: هذا تخريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات ~~بينهم حيث اختلفوا في الأنفال. وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: كان صلاح ~~ذات بينهم أن ردت الغنائم، فقسمت بين من ثبت عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبين من قاتل وغنم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله (وأطيعوا ~~الله ورسوله) قال: طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة. # سورة الأنفال الآية (2 - 4) الوجل الخوف والفزع، والمراد أن حصول الخوف ~~من الله والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين ~~لله، فالحصر باعتبار كمال الإيمان لا باعتبار أصل الإيمان. قال جماعة من ~~المفسرين: هذه الآية متضمنة للتحريض على طاعة رسول الله ms1395 صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيما أمر به من قسمة الغنائم، ولا يخفاك أن هذا وإن صح إدراجه تحت ~~معنى الآية، من جهة أن وجل القلوب عند الذكر وزيادة الإيمان عند تلاوة آيات ~~الله يستلزمان امتثال ما أمر به سبحانه من كون الأنفال لله والرسول، ولكن ~~الظاهر أن مقصود الآية هو إثبات هذه المزية لمن كمل إيمانه من غير تقييد ~~بحال دون حال، ولا بوقت دون وقت، ولا بواقعة دون واقعة، والمراد من تلاوة ~~آياته تلاوة الآيات المنزلة أو التعبير عن بديع صنعته وكمال قدرته في آياته ~~التكوينية بذكر خلقها البديع وعجائبها التي يخشع عند ذكرها المؤمنون. قيل ~~والمراد بزيادة الإيمان هو زيادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب وانثلاج ~~الخاطر عند تلاوة الآيات، وقيل المراد بزيادة الإيمان زيادة العمل، لأن ~~الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص، والآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ~~ترد ذلك وتدفعه (وعلى ربهم يتوكلون) لا على غيره، والتوكل PageV02P285 # على الله: تفويض الأمر إليه في جميع الأمور والموصول في قوله (الذين ~~يقيمون الصلاة) في محل رفع على أنه وصف للموصول الذي قبله، أو بدل منه أو ~~بيان له أو في محل نصب على المدح، وخص إقامة الصلاة والصدقة لكونهما أصل ~~الخير وأساسه، و " من " في (مما) للتبعيض والإشارة بقوله (أولئك) إلى ~~المتصفين بالأوصاف المتقدمة وهو مبتدأ وخبره (هم المؤمنون) أي أن هؤلاء هم ~~الكاملون الإيمان البالغون فيه إلى أعلا درجاته وأقصى غاياته و (حقا) مصدر ~~مؤكد لمضمون جملة هم المؤمنون: أي حق ذلك حقا أو صفة مصدر محذوف: أي هم ~~المؤمنون إيمانا حقا، ثم ذكر ما أعد لمن كان جامعا بين هذه الأوصاف من ~~الكرامة فقال (لهم درجات) أي منازل خير وكرامة وشرف في الجنة كائنة عند ~~ربهم وفي كونها عنده سبحانه زيادة تشريف لهم وتكريم وتعظيم وتفخيم، وجملة ~~(لهم درجات عند ربهم) خبر ثان ل‍ (أولئك) أو مستأنفة جوابا لسؤال مقدر، ~~(ومغفرة) معطوف على درجات أي مغفرة لذنوبهم (ورزق كريم) يكرمهم الله به من ~~واسع فضله وفائض جوده. ms1396 # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وجلت قلوبهم) قال: فرقت ~~قلوبهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: المنافقون لا ~~يدخل قلوبهم شئ من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشئ من آيات الله، ~~ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر ~~الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال (إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم) فأدوا فرائضه. وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وأبو ~~الشيخ من طريق شهر بن حوشب عن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في القلب ~~كاحتراق السعفة يا شهر بن حوشب، أما تجد قشعريرة؟ قلت بلى، قالت: فادع ~~عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. # وأخرج الحكيم الترمذي عن ثابت البناني قال: قال فلان: إني لأعلم متى ~~يستجاب لي؟ قالوا: ومن أين لك؟ # قال: إذا اقشعر جلدي ووجل قلبي وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. وأخرج ~~أيضا عن عائشة قالت ما الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة، فإذا وجل ~~أحدكم فليدع عند ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: هو الرجل يريد أن ~~يظلم أو يهم بمعصية فيقال له اتق الله فييجل قلبه. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (زادتهم إيمانا) قال: تصديقا. وأخرج ~~هؤلاء عن الربيع بن أنس في قوله (زادتهم إيمانا) قال: خشية. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وعلى ربهم يتوكلون) يقول: لا يرجون ~~غيره. وأخرجا عنه في قوله (أولئك هم المؤمنون حقا) قال: برئوا من الكفر. ~~وأخرج أبو الشيخ عنه (حقا) قال: خالصا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~في قوله (لهم درجات) يعني فضائل ورحمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله (لهم درجات) قال: أعمال رفيعة. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن ms1397 أبي حاتم عن الضحاك في قوله (لهم درجات) قال: أهل الجنة بعضهم فوق ~~بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه. # ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن ابن زيد في قوله (ومغفرة) قال: بترك الذنوب (ورزق كريم) قال: الأعمال ~~الصالحة. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال إذا سمعتم الله ~~يقول (ورزق كريم) فهي الجنة. # سورة الأنفال الآية (5 - 6) PageV02P286 # سورة الأنفال الآية (7 - 8) قوله (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، قال ~~الزجاج: الكاف في موضع نصب: أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق: أي مثل إخراج ربك، والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن ~~كرهوا، لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جعل ~~لكل من أتى بأسير شيئا قال: # بقى أكثر الناس بغير شئ، فموضع الكاف نصب كما ذكرنا، وبه قال الفراء وقال ~~أبو عبيدة: هو قسم: أي والذي أخرجك، فالكاف بمعنى الواو. وما بمعنى الذي. ~~وقال الأخفش سعيد بن مسعدة: المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك. ~~وقال عكرمة المعنى: أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك ربك، وقيل كما أخرجك ~~متعلق بقوله (لهم درجات) أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة (كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق) الواجب له، فأنجر وعدك وظفرك بعدوك وأوفى لك، ذكره ~~النحاس واختاره، وقيل الكاف في " كما " كاف التشبيه على سبيل المجازاة كقول ~~القائل لعبده: كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك ~~وأزحت علتك فخذهم الآن فعاقبهم، وقيل إن الكاف في محل رفع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت ~~من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، ذكره صاحب الكشاف وبالحق ~~متعلق بمحذوف، والتقدير: إخراجا متلبسا بالحق الذي لا شبهة فيه، وجملة (وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون) في محل نصب على الحال: أي كما ms1398 أخرجك في حال ~~كراهتهم لذلك، لأنه لما وعدهم الله إحدى الطائفتين، إما العير أو النفير، ~~رغبوا في العبر لما فيها من الغنيمة والسلامة من القتال كما سيأتي بيانه، ~~وجملة (يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم) إما في محل نصب على أنها حال بعد ~~حال، أو مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومجادلتهم لما ندبهم إلى إحدى الطائفتين، ~~وفات العير وأمرهم بقتال النفير ولم يكن معهم كثير أهبة، لذلك شق عليهم ~~وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة وأكملنا الأهبة، ومعنى (في الحق) ~~أي في القتال بعد ما تبين لهم أنك لا تأمر بالشيء إلا بإذن الله، أو بعد ما ~~تبين لهم أن الله وعدهم بالظفر بإحدى الطائفتين، وأن العير إذا فاتت ظفروا ~~بالنفير، و " بعد " ظرف ليجادلونك وما مصدرية أي يجادلونك بعد ما تبين الحق ~~لهم قوله (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) الكاف في محل نصب على الحال ~~من الضمير في (لكارهون) أي حال كونهم في شدة فزعهم من القتال يشبهون حال من ~~يساق ليقتل وهو مشاهد لأسباب قتله ناظر إليها لا يشك فيها. قوله (وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم) الظرف منصوب بفعل مقدر: أي واذكروا وقت وعد ~~الله إياكم إحدى الطائفتين وأمرهم بتذكير الوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه ~~من الحوادث لقصد المبالغة، والطائفتان: هما العير والنفير، وإحدى هو ثاني ~~مفعولي يعد، و (أنها لكم) بدل منه بدل اشتمال، ومعناه: أنها مسخرة لكم ~~وأنكم تغلبونها وتغنمون منها وتصنعون بها ما شئتم من قتل وأسر وغنيمة، لا ~~يطيقون لكم دفعا ولا يملكون لأنفسهم منكم ضرا ولا نفعا وفي هذه الجملة ~~تذكير لهم بنعمة من النعم التي أنعم الله بها عليهم. قوله (وتودون) معطوف ~~على (يعدكم) من جملة الحوادث التي أمروا بذكر وقتها (أن غير ذات الشوكة) من ~~الطائفتين، وهي طائفة العير (تكون لكم) دون PageV02P287 # ذات الشوكة، وهي طائفة النفير، قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحد، والشوكة: ~~السلاح، والشوكة: النبت الذي له حد، ومنه رجل شائك السلاح: أي ms1399 حديد السلاح، ~~ثم يقلب فيقال شاكي السلاح، فالشوكة مستعارة من واحدة الشوك، والمعنى: ~~وتودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح، وهي طائفة الغير لأنها ~~غنيمة صافية عن كدر القتال إذ لم يكن معها من يقوم بالدفع عنها. قوله ~~(ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) معطوف على (تودون) وهو من جملة ما أمروا ~~بذكر وقته: أي ويريد الله غير ما تريدون وهو أن يحق الحق بإظهاره لما قضاه ~~من ظفركم بذات الشوكة. وقتلكم لصناديدهم، وأسر كثير منهم، واغتنام ما غنمتم ~~من أموالهم التي أجلبوا بها عليكم وراموا دفعكم بها، والمراد بالكلمات: ~~الآيات التي أنزلها في محاربة ذات الشوكة، ووعدكم منه بالظفر بها (ويقطع ~~دابر الكافرين) الدابر الآخر، وقطعه عبارة عن الاستئصال. والمعنى: ~~ويستأصلهم جميعا. قوله (ليحق الحق ويبطل الباطل) هذه الجملة علة لما يريده ~~الله: أي أراد ذلك، أو يريد ذلك ليظهر الحق ويرفعه (ويبطل الباطل) ويضعه، ~~أو اللام متعلقة بمحذوف: أي فعل ذلك ليحق الحق، وقيل متعلق بيقطع، وليس في ~~هذه الجملة تكرير لما قبلها لأن الأولى لبيان التفاوت فيما بين الإرادتين، ~~وهذه لبيان الحكمة الداعية إلى ذلك. # والعلة المقتضية له، والمصلحة المترتبة عليه. وإحقاق الحق إظهاره، وإبطال ~~الباطل إعدامه - بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق - ومفعول ~~(ولو كره المجرمون) محذوف: أي ولو كرهوا أن يحق الحق ويبطل الباطل، ~~والمجرمون هم المشركون من قريش، أو جميع طوائف الكفار. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال: # قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير ~~أبي سفيان قد أقبلت فقال " ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا، فخرجنا ~~فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~نتعاد، ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر، فأخبرنا النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعدتنا، فسر بذلك وحمد الله وقال: عدة أصحاب طالوت، فقال: ما ~~ترون في قتال القوم ms1400 فإنهم قد أخبروا بمخرجكم، فقلنا: يا رسول الله، لا ~~والله ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا للعير، ثم قال: ما ترون في قتال ~~القوم؟ فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى لموسى - ~~اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون - فأنزل الله (كما أخرجك ربك) إلى ~~قوله (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) فلما وعدنا الله إحدى ~~الطائفتين، إما القوم وإما العير، طابت أنفسنا ثم إنا اجتمعنا مع القوم ~~فصففنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إني أنشدك وعدك، ~~فقال ابن رواحة: يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك ورسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أفضل من أن يشير عليه، إن الله أجل وأعظم من أن تنشده وعده، ~~فقال: يا ابن رواحة لأنشدن الله وعده، فإن الله لا يخلف الميعاد، فأخذ قبضة ~~من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجوه القوم ~~فانهزموا، فأنزل الله (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) فقلنا وأسرنا، فقال ~~عمر: يا رسول الله ما أرى أن يكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون، فقلنا: ~~يا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا، فنام رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثم استيقظ فقال: ادعوا لي عمر، فدعى له فقال: إن الله ~~قد أنزل علي - ما كان لنبي أن يكون له أسرى - الآية " وفي إسناده ابن ~~لهيعة، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن مردويه عن محمد ~~بن عمرو ابن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: كيف ~~ترون؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم كذا وكذا ثم خطب PageV02P288 # الناس فقال: كيف ترون؟ فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: كيف ~~ترون؟ فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إيانا تريد، ms1401 فوالذي أكرمك وأنزل عليك ~~الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي ~~يمن لنسيرن معك ولا نكونن كالذين قالوا لموسى - اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون - ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون ~~خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل ~~حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ~~ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) إلى قوله ~~(ويقطع دابر الكافرين) وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد ~~الغنيمة مع أبي سفيان فأحدث الله إليه القتال. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (كما أخرجك ~~ربك من بيتك بالحق) قال: كذلك يجادلونك في خروج القتال. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) ~~قال: خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر (وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون) قال: لطلب المشركين (يجادلونك في الحق بعد ما تبين) أنك لا تصنع ~~إلا ما أمرك الله به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله ~~(وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) قال: هي عير أبي سفيان ود أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن العير كانت لهم وأن القتال صرف عنهم. وأخرج عبد ~~بن حميد عن قتادة (ويقطع دابر الكافرين) أي شأفتهم. ووقعة بدر قد اشتملت ~~عليها كتب الحديث والسير والتاريخ مستوفاة فلا نطيل بذكرها. # سورة الأنفال الآية (9 - 10) قوله (إذ تستغيثون) الظرف متعلق بمحذوف: أي ~~واذكروا وقت استغاثتكم، وقيل بدل من - وإذ يعدكم الله - معمول لعامله، وقيل ~~متعلق بقوله (ليحق الحق) والاستغاثة: طلب الغوث، يقال: استغاثني فلان ~~فأغثته والاسم الغياث، والمعنى: أن المسلمين لما علموا أنه لا بد من قتال ms1402 ~~الطائفة ذات الشوكة وهم النفير كما أمرهم الله بذلك وأراده منهم ورأوا كثرة ~~عدد النفير وقلة عددهم استغاثوا بالله سبحانه، وقد ثبت في صحيح مسلم من ~~حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عدد المشركين يوم بدر ألف، وعدد ~~المسلمين ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~رأى ذلك استقبل القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما ~~وعدتني اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا ~~تعبد في الأرض " الحديث (فاستجاب لكم) عطف على تستغيثون داخل معه في ~~التذكير، وهو وإن كان مستقبلا فهو بمعنى الماضي، ولهذا عطف عليه استجاب. ~~قوله (أنى ممدكم بألف من الملائكة) أي بأني ممدكم فحذف حرف الجر وأوصل ~~الفعل إلى المفعول وقرئ بكسر الهمزة على إرادة القول، أو على أن في استجاب ~~معنى القول. قوله (مردفين) قرأ نافع بفتح الدال اسم مفعول، وقرأ الباقون ~~بكسرها اسم فاعل وانتصابه على الحال، والمعنى على القراءة الأولى: أنه جعل ~~بعضهم تابعا لبعض، وعلى القراءة الثانية: أنهم جعلوا بعضهم تابعا لبعض، ~~وقيل إن مردفين على القراءتين نعت لألف وقيل إنه على القراءة الأولى حال من ~~الضمير المنصوب في ممدكم: أي ممدكم في حال إردافكم بألف من الملائكة، ~~PageV02P289 # وقد قيل إن ردف وأردف بمعنى واحد، وأنكره أبو عبيدة قال: لقوله تعالى - ~~تتبعها الرادفة - ولم يقل المردفة قال سيبويه: وفى الآية قراءة ثالثة وهي " ~~مردفين " بضم الراء وكسر الدال مشددة. وقراءة رابعة بفتح الراء وتشديد ~~الدال. وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدري " بآلاف " جمع ألف، وهو الموافق ~~لما تقدم في آل عمران، والضمير في " وما جعله الله " راجع إلى الإمداد ~~المدلول عليه بقوله " أنى ممدكم " (إلا بشرى) أي إلا بشارة لكم بنصره، وهو ~~استثناء مفرغ: أي ما جعل إمدادكم لشئ من الأشياء إلا للبشرى لكم بالنصر ~~(ولتطمئن به) أي بالإمداد قلوبكم، وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، ~~بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم وتطمين ms1403 قلوبهم وتثبيتها، واللام في ~~لتطمئن متعلقة بفعل محذوف يقدر متأخرا: أي ولتطمئن قلوبكم فعل ذلك لا لشئ ~~آخر (وما النصر إلا من عند الله) لا من عند غيره ليس للملائكة في ذلك أثر، ~~فهو الناصر على الحقيقة، وليسوا إلا سببا من أسباب النصر التي سببها الله ~~لكم وأمدكم بها (إن الله عزيز) لا يغالب (حكيم) في كل أفعاله. # وقد أخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال: نزل جبريل في ألف من ~~الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ~~ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ~~في الميسرة. وأخرج سنيد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال: ما أمد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله في الأنفال، وما ~~ذكر الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف إلا بشرى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (مردفين) قال: ~~متتابعين. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (مردفين) يقول: المدد. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عنه أيضا في الآية قال: وراء كل ملك ملك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين، ~~فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ثغورهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (مردفين) قال: ~~مجدين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: متتابعين أمدهم الله ~~بألف ثم بثلاثة، ثم أكملهم خمسة آلاف (وما جعله الله إلا بشرى) لكم ~~(ولتطمئن به قلوبكم) قال: # يعني نزول الملائكة. قال: وذكر لنا أن عمر قال: أما يوم بدر فلا نشك أن ~~الملائكة كانوا معنا وأما بعد ذلك فالله أعلم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ~~عن ابن زيد (مردفين) قال: بعضهم على أثر بعض. # سورة الأنفال الآية (11 - 14) قوله (إذ يغشاكم) الظرف منصوب بفعل ms1404 مقدر ~~كالذي قبله، أو بدل ثان من إذ يعدكم، أو منصوب بالنصر المذكور قبله، وقيل ~~غير ذلك مما لا وجه له، و (يغشيكم) هي قراءة نافع وأهل المدينة على أن ~~الفاعل هو الله سبحانه، وهذه القراءة هي المطابقة لما قبلها: أعني قوله ~~(وما النصر إلا من عند الله) ولما بعدها أعني (وينزل PageV02P290 # عليكم) فيتشاكل الكلام ويتناسب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (يغشاكم) على أن ~~الفاعل النعاس، وقرأ الباقون (يغشيكم) يفتح الغين وتشديد الشين، وهي كقراءة ~~نافع وأهل المدينة في إسناد الفعل إلى الله، ونصب النعاس قال مكي: ~~والاختيار ضم الياء والتشديد، ونصب النعاس لأن بعده (أمنة منه) والهاء في ~~منه لله فهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه، وعلى القراءة الأولى ~~والثالثة يكون انتصاب أمنة على أنها مفعول له. ولا يحتاج في ذلك إلى تأويل ~~وتكلف، لأن فاعل الفعل المعلل والعلة واحد بخلاف انتصابها على العلة، ~~باعتبار القراءة الثانية فإنه يحتاج إلى تكلف، وأما على جعل الأمنة مصدرا ~~فلا إشكال، يقال أمن أمنة وأمنا وأمانا، وهذه الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم ~~الله بها عليهم، وهي أنهم مع خوفهم من لقاء العدو والمهابة لجانبه سكن الله ~~قلوبهم وأمنها حتى ناموا آمنين غير خائفين، وكان هذا النوم في اللية التي ~~كان القتال في غدها. قيل وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة ~~وجهان: أحدهما أنه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد، الثاني أنه أمنهم ~~بزوال الرعب من قلوبهم، وقيل إن النوم غشيهم في حال التقاء الصفين، وقد مضى ~~في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران. قوله (وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به) هذا المطر كان بعد النعاس، وقيل قبل النعاس. وحكى الزجاج أن ~~الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر، فنزلوا عليه وبقى المؤمنون لا ~~ماء لهم، فأنزل الله المطر ليلة بدر. والذي في سيرة ابن إسحاق وغيره أن ~~المؤمنين هم الذين سبقوا إلى ماء بدر وأنه منع قريشا من السبق إلى الماء ~~مطر عظيم ولم ms1405 يصب المسلمين منه إلا ما شد لهم دهس الوادي وأعانهم على ~~المسير، ومعنى (ليطهركم به) ليرفع عنكم الأحداث (ويذهب عنكم رجز الشيطان) ~~أي وسوسته لكم بما كان قد سبق إلى قلوبهم من الخواطر التي هي منه من الخوف ~~والفشل حتى كانت حالهم حال من يساق إلى الموت (وليربط على قلوبكم) فيجعلها ~~صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب، والضمير في (به) من قوله (ويثبت به ~~الأقدام) راجع إلى الماء الذي أنزله الله: أي يثبت بهذا الماء الذي أنزله ~~عليكم عند الحاجة إليه أقدامكم في مواطن القتال، وقيل الضمير راجع إلى ~~الربط المدلول عليه بالفعل. قوله (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم) ~~الظرف منصوب بفعل محذوف خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لا يقف ~~على ذلك سواه: أي واذكر يا محمد وقت إيحاء ربك إلى الملائكة، وقيل هو بدل ~~من (إذ يعدكم) كما تقدم ولكنه يأبى ذلك أن هذا لا يقف عليه المسلمون فلا ~~يكون من جملة النعم التي عددها الله عليهم، وقيل العامل فيه يثبت فيكون ~~المعنى: يثبت الأقدام وقت الوحي وليس لهذا التقييد معنى، وقيل العامل فيه ~~(ليربط) ولا وجه لتقييد الربط على القلوب بوقت الإيحاء، ومعنى الآية: أني ~~معكم بالنصر والمعونة، فعلى قراءة الفتح للهمزة هو مفعول (يوحى) وعلى قراءة ~~الكسر يكون بتقدير القول. ومعنى (فثبتوا الذين آمنوا) بشروهم بالنصر أو ~~ثبتوهم على القتال بالحضور معهم وتكثير سوادهم، وهذا أمر منه سبحانه ~~للملائكة الذين أوحى إليهم بأنه معهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها. قوله (سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب) قد تقدم بيان معنى إلقاء ~~الرعب في آل عمران، قيل هذه الجملة تفسير لقوله (أنى معكم). قوله (فاضربوا ~~فوق الأعناق) قيل المراد الأعناق أنفسها و (فوق) زائدة: قاله الأخفش وغيره. ~~وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ، لأن فوق يفيد معنى فلا يجوز زيادتها ولكن ~~المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها، وقيل المراد بما فوق ~~الأعناق: الرؤوس، وقيل المراد بفوق الأعناق: أعاليها ms1406 لأنها المفاصل الذي ~~يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع. قيل وهذا أمر للملائكة وقيل للمؤمنين، ~~وعلى الأول قيل هو تفسير لقوله (فثبتوا الذين آمنوا). قوله (واضربوا منهم ~~كل بنان) قال الزجاج: واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من ~~الأعضاء، والبنان مشتق من قولهم أبن الرجل بالمكان PageV02P291 # إذا أقام به، لأنه يعمل بها ما يكون للإقامة والحياة، وقيل المراد ~~بالبنان هنا: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين وهو عبارة عن الثبات في ~~الحرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال ~~عنترة: # وقد كان في الهيجاء يحمى ذمارها * ويضرب عند الكرب كل بنان وقال عنترة ~~أيضا: # وإن الموت طوع يدي إذا ما * وطئت بنانها بالهندواني قال ابن فارس: البنان ~~الأصابع، ويقال الأطراف، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما وقع عليهم من القتل ~~ودخل في قلوبهم من الرعب، وهو مبتدأ، و (بأنهم شاقوا الله ورسوله) خبره: أي ~~ذلك بسبب مشاقتهم، والشقاق أصله أن يصير كل واحد من الخصمين في شق، وقد ~~تقدم تحقيق ذلك (ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب) له يعاقبه ~~بسبب، ما وقع منه من الشقاق. قوله (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار) ~~الإشارة إلى ما تقدم من العقاب أو الخطاب هنا للكافرين كما أن الخطاب في ~~قوله (ذلكم) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح للخطاب. قال ~~الزجاج: ذلكم رفع بإضمار الأمر أو القصة: أي الأمر أو القصة ذلكم فذوقوه. # قال: ويجوز أن يضمر واعلموا. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون نصبا على: ~~عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك زيدا فاضربه. قال أبو حيان: لا يجوز تقدير عليكم ~~لأنه اسم فعل، وأسماء الأفعال لا تضمر، وتشبيهه بزيدا فاضربه غير صحيح لأنه ~~لم يقدر فيه عليك، بل هو من باب الاشتغال، وجملة (وأن للكافرين عذاب النار) ~~معطوفة على ما قبلها فتكون الإشارة على هذا إلى العقاب العاجل الذي أصيبوا ~~به ويكون (وأن للكافرين عذاب النار) إشارة إلى العقاب الآجل. # وقد أخرج أبو يعلى والبيهقي في ms1407 الدلائل عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم ~~بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يصلى تحت شجرة حتى أصبح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في ~~الآية قال: بلغنا أن هذه الآية أنزلت في المؤمنين يوم بدر فيما أغشاهم الله ~~من النعاس أمنة منه. وأخرج ابن أبي شبية وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (أمنة منه) قال: أمنا من الله. # وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (أمنة منه) قال: رحمة منه أمنة من ~~العدو. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال النعاس في الرأس، والنوم في القلب. ~~وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا قال: كان النعاس أمنة من الله، وكان النعاس ~~نعاسين: نعاس يوم بدر، ونعاس يوم أحد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب في قوله ~~(وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) قال: طش كان يوم بدر. وأخرج هؤلاء ~~عن مجاهد في الآية قال: المطر أنزله الله عليهم قبل النعاس فأطفأ بالمطر ~~الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وابن إسحاق عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي ~~دهسا، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ما لبد الأرض ولم ~~يمنعهم المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. وأخرج ابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن المشركين غلبوا المسلمين في أول ~~أمرهم على الماء، فضحى المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، فألقى الشيطان في ~~قلوبهم الحزن وقال أتزعمون أن فيكم نبيا و أنكم أولياء الله وتصلون مجنبين ~~محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء، فشرب المسلمون ~~وتطهروا، وثبتت أقدامهم، وذهبت وسوسته. وقد PageV02P292 # قدمنا أن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا المؤمنين ~~على ms1408 الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء، وهذا المروى عن ~~ابن عباس في إسناده العوفي، وهو ضعيف جدا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (رجز الشيطان) قال: وسوسته. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وليربط على قلوبكم) قال: بالصبر ~~(ويثبت به الأقدام) قال: كان بطن الوادي دهاسا، فلما مطروا اشتدت الرملة. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (ويثبت به ~~الأقدام) قال حتى تشتد على الرمل وهو كهيئة الأرض. وأخرج ابن جرير وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن علي قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يصلى تلك الليلة ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " وأصابهم تلك ~~الليلة مطر شديد فذلك قوله (ويثبت به الأقدام). وأخرج ابن أبي شيبة عن ~~مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. # وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال لي ~~أبى: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع ~~رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع ابن أنس ~~قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب على الأعناق ~~وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق به. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~عكرمة في قوله (فاضربوا فوق الأعناق) يقول: الرؤوس. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطية (فاضربوا فوق الأعناق) قال: اضربوا ~~الأعناق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك (فاضربوا فوق ~~الأعناق) يقول: اضربوا الرقاب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (واضربوا منهم كل بنان) قال: يعني بالبنان الأطراف. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~عطية (واضربوا منهم كل بنان) قال: كل مفصل. # سورة الأنفال الآية (15 - 18) الزحف: الدنو قليلا ms1409 قليلا، وأصله الاندفاع ~~على الإلية، ثم سمى كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا: # والتزاحف: التداني والتقارب. تقول زحف إلى العدو زحفا، وازدحف القوم: أي ~~مشى بعضهم إلى بعض وانتصاب زحفا إما على أنه مصدر لفعل محذوف: أي تزحفون ~~زحفا، أو على أنه حال من المؤمنين: أي حال كونكم زاحفين إلى الكفار، أو حال ~~من الذين كفروا: أي حال كون الكفار زاحفين إليكم، أو حال من الفريقين أي ~~متزاحفين (فلا تولوهم الأدبار) نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا ~~لقوهم وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال. فظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين ~~في كل زمن، وعلى كل حال إلا حالة التحرف والتحيز. وقد روى عن عمر وابن عمر ~~وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة وعكرمة ونافع والحسن وقتادة وزيد ~~PageV02P293 # ابن أبي حبيب والضحاك أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم ~~بدر، وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا إلى ~~المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ولا لهم فئة إلا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض، وبه قال أبو ~~حنيفة. قالوا: ويؤيده قوله (ومن يولهم يومئذ دبره) فإنه إشارة إلى يوم بدر، ~~وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية الضعف. وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية ~~محكمة عامة غير خاصة، وأن الفرار من الزحف محرم، ويؤيد هذا أن هذه الآية ~~نزلت بعد انقضاء العرب في يوم بدر. وأجيب عن قول الأولين بأن الإشارة في ~~(يومئذ) إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف كما يفيده السياق، ولا ~~منافاة بين هذه الآية وآية الضعف، بل هذه الآية مقيدة بها فيكون الفرار من ~~الزحف محرما بشرط ما بينه الله في آية الضعف، ولا وجه لما ذكروه من أنه لم ~~يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها فقد كان في المدينة إذ ذاك خلق ~~كثير لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وآله ms1410 وسلم بالخروج، لأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومن خرج معه لم يكونوا يرون في الابتداء أنه سيكون قتال. ويؤيد ~~هذا ورود الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر ~~كما في حديث " اجتنبوا السبع الموبقات، وفيه: والتولي يوم الزحف " ونحوه من ~~الأحاديث وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه، وهو مبين في مواطنه. قال ابن ~~عطية: والأدبار جمع دبر، والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في الفصاحة ~~لما في ذلك من الشناعة على الفار والذم له. قوله (إلا متحرفا لقتال) ~~التحرف: الزوال عن جهة الاستواء. والمراد به هنا التحرف من جانب إلى جانب ~~في المعركة طلبا لمكائد الحرب وخدعا للعدو، وكمن يوهم أنه منهزم ليتبعه ~~العدو فيكر عليه ويتمكن منه، ونحو ذلك من مكائد الحرب فإن الحرب خدعة. قوله ~~(أو متحيزا إلى فئة) أي إلى جماعة من المسلمين غير الجماعة المقابلة للعدو ~~وانتصاب متحرفا ومتحيزا على الاستثناء من المولين: أي ومن يولهم دبره إلا ~~رجلا منهم متحرفا أو متحيزا ويجوز انتصابهما على الحال، ويكون حرف ~~الاستثناء لغوا لا عمل له، وجملة (فقد باء بغضب من الله) جزاء للشرط. # والمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بغضب كائن من الله إلا المتحرف ~~والمتحيز (ومأواه جهنم) أي المكان الذي يأوى إليه هو النار فقراره أوقعه ~~إلى ما هو أشد بلاء مما فر منه وأعظم عقوبة. والمأوى: ما يأوى إليه الإنسان ~~(وبئس المصير) ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا ~~الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة. ~~قوله (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) الفاء جواب شرط مقدر: أي إذا عرفتم ما ~~قصه الله عليكم من إمداده لكم بالملائكة وإيقاع الرعب في قلوبهم فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر. قوله (وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى) اختلف المفسرون في هذا الرمي على أقوال: فروى ~~عن مالك أن المراد به ما كان منه ms1411 صلى الله عليه وآله وسلم في يوم حنين، ~~فإنه رمى المشركين بقبضة من حصباء الوادي فأصابت كل واحد منهم، وقيل المراد ~~به الرمية التي رمى رسول الله صلى الله عليه وآله وآله وسلم أبي بن خلف ~~بالحربة في عنقه فانهزم ومات منها، وقيل المراد به السهم الذي رمى به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في حصن خيبر، فسار في الهوى حتى أصاب ابن أبي ~~الحقيق وهو على فراشه وهذه الأقوال ضعيفة، فإن الآية نزلت عقب وقعة بدر. ~~وأيضا المشهور في كتب السير والحديث في قتل ابن أبي الحقيق أنه وقع على ~~صورة غير هذه الصورة. والصحيح كما قال ابن إسحاق وغيره أن المراد بالرمي ~~المذكور في هذه الآية هو ما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم في يوم بدر، ~~فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين فأصابت كل واحد منهم ~~ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه. قال ثعلب: المعنى (وما رميت) الفزع والرعب ~~في قلوبهم PageV02P294 # (إذ رميت) بالحصباء فانهزموا (ولكن الله رمى) أي أعانك وأظفرك. والعرب ~~تقول: رمى الله لك: أي أعانك وأظفرك وصنع لك. وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في ~~كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد المبرد: المعنى (وما رميت) بقوتك (إذ رميت) ~~ولكنك بقوة الله رميت، وقيل المعنى: إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي ~~رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما ~~يبلغه رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم. فأثبت ~~الرمية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن صورتها وجدت منه، ونفاها ~~عنه لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله عز وجل فكأن الله فاعل الرمية ~~على الحقيقة. وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلا ~~هكذا في الكشاف. قوله (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا) البلاء ها هنا ~~النعمة، والمعنى: # ولينعم على المؤمنين إنعاما جميلا. واللام متعلقة بمحذوف: أي وللإنعام ~~عليهم بنعمه الجميلة فعل ms1412 ذلك لا لغيره، أو الواو عاطفة لما بعدها على علة ~~مقدرة قبلها: أي ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي المؤمنين منه بلاء ~~حسنا (إن الله سميع عليم) لدعائهم عليم بأحوالهم، والإشارة بقوله ذلكم إلى ~~البلاء الحسن، وهو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي الغرض (ذلكم ~~وأن الله موهن كيد الكافرين) أي إن الغرض منه سبحانه بما وقع مما حكته ~~الآيات السابقة إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، وقيل المشار إليه ~~القتل والرمي. وقد قرئ بتشديد الهاء وتخفيفها مع التنوين. وقرأ الحسن ~~بتخفيف الهاء مع الإضافة. والكيد: المكر، وقد تقدم بيانه. # وقد أخرج البخاري في تاريخه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن نافع ~~أنه سأل ابن عمر قال: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفئة ~~أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي: الفئة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ~~إن الله يقول (إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار) قال: إنما ~~نزلت هذه الآية في أهل بدر لا قبلها ولا بعدها. وأخرج عبد بن حميد وأبو ~~داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو ~~الشيخ والحاكم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري في قوله (ومن يولهم يومئذ ~~دبره) الآية قال: # إنها كانت لأهل بدر خاصة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~عمر بن الخطاب قال: لا تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر وأنا فئة لكل ~~مسلم. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: # نزلت في أهل بدر خاصة ما كان لهم أن ينهزموا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ويتركوه. وقد روى اختصاص هذه الآية بأهل بدر عن جماعة من ~~التابعين ومن بعدهم. وقد قدمنا الإشارة إلى ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله (إلا متحرفا لقتال) يعني مستطردا يريد الكرة ~~على المشركين (أو متحيزا إلى فئة) يعني أو ينحاز إلى ms1413 أصحابه من غير هزيمة ~~(فقد باء بغضب من الله) يقول: استوجبوا سخطا من الله (ومأواه جهنم وبئس ~~المصير) فهذا يوم بدر خاصة كان شديدا على المسلمين يومئذ ليقطع دابر ~~الكافرين وهو أول قتال قاتل المشركين من أهل مكة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: # المتحرف المتقدم من أصحابه أن يرى عورة من العدو فيصيبها. والمتحيز: ~~الفار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك من فر اليوم إلى أميره ~~وأصحابه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح في ~~قوله (ومن يولهم يومئذ دبره) قال: هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال ~~- الآن خفف الله عنكم - الآية، وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة ~~وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد واللفظ له، وأبو داود ~~والترمذي وحسنه، وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ ~~وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: كنا في غزاة فحاص ~~الناس حيصة، قلنا: كيف نلقى رسول الله صلى الله عليه PageV02P295 # وآله وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب فأتينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون، ~~فقال: لا، بل أنتم العكارون. فقبلنا يده فقال: أنا فئتكم وأنا فئة ~~المسلمين، ثم قرأ (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة) وقد روى في تحريم ~~الفرار من الزحف، وأنه من الكبائر أحاديث، وورد عن جماعة من الصحابة أنه من ~~الكبائر كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر، ~~وأخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله (فلم تقتلوهم) قال لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: هذا ~~قتلت وهذا قتلت (وما رميت إذ رميت) قال لمحمد ms1414 صلى الله عليه وآله وسلم حين ~~حصب الكفار. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (وما ~~رميت إذ رميت) قال: رماهم بوم بدر بالحصباء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~والطبراني وابن مردويه عن حكيم ابن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا ~~من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بتلك الحصباء وقال: شاهت الوجوه، فانهزمنا، فذلك قوله تعالى ~~(وما رميت إذ رميت) الآية. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن جابر قال: سمعت ~~صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست. فلما اصطف الناس ~~أخذهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين ~~فانهزموا، فذلك قوله (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). وأخرج الطبراني ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وما رميت إذ رميت) قال: قال ~~رسول الله لعلي ناولني قبضة من حصباء، فناوله فرمى بها في وجوه القوم فما ~~بقى أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء فنزلت هذه الآية (وما رميت ~~إذ رميت) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب ~~قال: لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه، فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " استأخروا، فاستأخروا فأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حربته في يده فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعا ~~من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلا، فاحتملوه حين ولوا قافلين ~~فطفقوا يقولون لا بأس، فقال أبي حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس ~~لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ~~ببعض الطريق فدفنوه. قال ابن المسيب: وفي ذلك أنزل الله (وما رميت إذ رميت) ~~". وأخرج ms1415 ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهري ~~نحوه، وإسناده صحيح إليهما، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك. قال ابن كثير: ~~وهذا القول هذين الإمامين غريب جدا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناولهما ~~بعمومها، وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير كما سيأتي. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يؤم ابن أبي الحقيق دعا بقوس فرمى بها الحصن، فأقبل ~~السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه، فأنزل الله (وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى). وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير في قوله (ولكن ~~الله رمى) أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله من نصرك وما ألقى في ~~صدور عدوك حتى هزمهم (وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا) أي ليعرف المؤمنين من ~~نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك ~~حقه ويشكروا بذلك نعمته. PageV02P296 # سورة الأنفال الآية (18 - 19) الاستفتاح: طلب النصر، وقد اختلف في ~~المخاطبين بالآية من هم؟ فقيل إنها خطاب للكفار تهكما بهم، والمعنى: إن ~~تستنصروا الله على محمد فقد جاءكم النصر. وقد كانوا عند خروجهم من مكة ~~سألوا الله أن ينصر أحق الطائفتين بالنصر فتهكم الله بهم، وسمى ما حل بهم ~~من الهلاك نصرا، ومعنى بقية الآية على هذا القول (وإن تنتهوا) عما كنتم ~~عليه من الكفر والعداوة لرسول الله (فهو) أي الانتهاء (خير لكم وإن تعودوا) ~~إلى ما كنتم عليه من الكفر والعداوة (نعد) بتسليط المؤمنين عليكم ونصرهم ~~كما سلطناهم ونصرناهم في يوم بدر (ولن تغنى عنكم فئتكم) أي جماعتكم (شيئا ~~ولو كثرت) أي لا تغني عنكم في حال من الأحوال ولو في حال كثرتها، ثم قال ~~(وأن الله مع المؤمنين) ومن كان الله معه فهو المنصور، ومن كان الله عليه ~~فهو المخلول. قرئ بكسر إن وفتحها فالكسر على الاستئناف، والفتح على تقدير: ~~ولأن الله مع المؤمنين فعل ذلك. وقيل ms1416 إن الآية خطاب للمؤمنين، والمعنى إن ~~تستنصروا الله فقد جاءكم النصر في يوم بدر. وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتموه ~~من أخذ الغنائم وفداء الأسرى قبل الإذن لكم بذلك فهو خير لكم، وإن تعودوا ~~إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم كما في قوله - لولا كتاب من الله سبق - الآية، ~~ولا يخفى أنه يأبى هذا القول معنى (ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا) ويأباه أيضا ~~(وأن الله مع المؤمنين) وتوجيه ذلك لا يمكن إلا بتكلف وتعسف وقيل إن الخطاب ~~في (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) للمؤمنين وما بعده للكافرين، ولا يخفى ما ~~في هذا من تفكيك النظم وعود الضمائر الجارية في الكلام على نمط واحد إلى ~~طائفتين مختلفتين. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن منده والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير أن أبا جهل ~~قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة، ~~فكان ذلك استفتاحا منه فنزلت (إن تستفتحوا) الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية قال: قال أبو جهل يوم بدر: اللهم ~~انصر أهدى الفئتين، وأفضل الفئتين، وخير الفئتين، فنزلت الآية. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (إن تستفتحوا) يعني المشركين: ~~أي إن تستنصروا فقد جاءكم المدد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد (إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) قال: كفار قريش في قولهم: ربنا افتح بيننا وبين ~~محمد وأصحابه، ففتح بينهم يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن عكرمة في قوله (إن تستفتحوا) قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء ~~في يوم بدر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ~~(وإن تنتهوا) قال: عن قتال محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وإن تعودوا نعد) ~~قال: إن تستفتحوا الثانية أفتح ms1417 لمحمد (وأن الله مع المؤمنين) قال: مع محمد ~~وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة (وإن تعودوا نعد) يقول: نعد لكم ~~بالأسر والقتل. # سورة الأنفال الآية (19 - 20) PageV02P297 # سورة الأنفال الآية (21 - 23) أمر الله سبحانه المؤمنين بطاعته وطاعة ~~رسوله ونهاهم عن التولي عن رسوله، فالضمير في (عنه) عائد إلى الرسول، لأن ~~طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي من طاعة الله، ومن يطع الرسول ~~فقد أطاع الله - ويحتمل أن يكون هذا الضمير راجعا إلى الله وإلى رسوله كما ~~في قوله - والله ورسوله أحق أن يرضوه - وقيل الضمير راجع إلى الأمر الذي دل ~~عليه أطيعوا، وأصل تولوا تتولوا، فطرحت إحدى التاءين، هذا تفسير الآية على ~~ظاهر الخطاب للمؤمنين، وبه قال الجمهور، وقيل إنه خطاب للمنافقين، والمعنى: ~~يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية: وهذا وإن كان محتملا على ~~بعد فهو ضعيف جدا، لأن الله وصف من خاطبه في هذه الآية بالإيمان وهو ~~التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشئ، وأبعد من هذا من قال: ~~الخطاب لبني إسرائيل، فإنه أجنبي من الآية، وجملة (وأنتم تسمعون) في محل ~~نصب على الحال، والمعنى: وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين ~~وتصدقون بها ولستم كالصم البكم (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا) وهم ~~المشركون أو المنافقون أو اليهود أو الجميع من هؤلاء، فإنهم يسمعون بآذانهم ~~من غير فهم ولا عمل، فهم كالذي لم يسمع أصلا لأنه لم ينتفع بما سمعه. ثم ~~أخبر سبحانه ب‍ (إن شر الدواب) أي ما دب على الأرض (عند الله) أي في حكمه ~~(الصم البكم) أي الذين لا يسمعون ولا ينطقون، وصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمع ~~وينطق لعدم انتفاعهم بالسمع والنطق (الذين لا يعقلون) ما فيه النفع لهم ~~فيأتونه، وما فيه الضرر عليهم فيجتنبونه فهم شر الدواب عند الله، لأنها ~~تميز بعض تمييز، وتفرق بين ما ينفعها ويضرها (ولو علم الله فيهم) أي في ~~هؤلاء الصم البكم (خيرا لأسمعهم) سماعا ينتفعون به ويتعقلون عنده الحجج ~~والبراهين. قال ms1418 الزجاج (لأسمعهم) جواب كل ما سألوا عنه، وقيل (لأسمعهم) ~~كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ~~ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون) لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون وجملة (وهم معرضون) في محل نصب ~~على الحال. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وهم لا يسمعون) قال: غاضبون. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله (إن شر الدواب عند الله) الآية قال: إن ~~هذه الآية نزلت في فلان وأصحاب له. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله (إن شر الدواب عند الله) قال هم نفر من قريش من بني عبد ~~الدار. أخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (الصم البكم الذين لا يعقلون) قال: # لا يتبعون الحق. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في ~~النضر بن الحرث وقومه. ولعله المكني عنه بفلان فيما تقدم من قول علي رضي ~~الله عنه. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير في قوله (ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم، ولكن ~~القلوب خالفت ذلك منهم، وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في الآية قال: قالوا نحن ~~صم عما يدعونا إليه محمد لا نسمعه، بكم لا نجيبه فيه بتصديق قتلوا جميعا ~~بأحد، وكانوا أصحاب اللواء يوم أحد. PageV02P298 # سورة الأنفال الآية (24 - 25) الأمر هنا بالاستجابة مؤكد لما سبق من ~~الأمر بالطاعة، ووحد الضمير هنا حيث قال (إذا دعاكم) كما وحده في قوله (ولا ~~تتولوا عنه) وقد قدمنا الكلام في وجه ذلك، والاستجابة: الطاعة. قال أبو ~~عبيدة معنى استجيبوا: أجيبوا، وإن كان استجاب يتعدى باللام، وأجاب بنفسه ~~كما في قوله - يا قومنا أجيبوا داعي الله -، وقد يتعدى ms1419 استجاب بنفسه كما في ~~قول الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب (إذ دعاكم لما ~~يحييكم) اللام متعلقة بقوله (استجيبوا) أي استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم، ~~ولا مانع من أن تكون متعلقة بدعا: أي إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم من علوم ~~الشريعة، فإن العلم حياة كما أن الجهل موت، فالحياة هنا مستعارة للعلم. قال ~~الجمهور من المفسرين: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ~~ونواهي ففيه الحياة الأبدية والنعمة السرمدية، وقيل المراد بقوله (لما ~~يحييكم) الجهاد فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم يغز غزا، ~~ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله ~~أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائنا ما ~~كان ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم ~~باعث على العمل بنصوص الأدلة وترك التقيد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما ~~يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان. قوله (واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه) قيل معناه: بادروا إلى الاستجابة قبل أن لا تتمكنوا منها ~~بزوال القلوب التي تعقلون بها بالموت الذي كتبه الله عليكم، وقيل معناه: ~~إنه خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو، فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء ~~وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا، وقيل هو من ~~باب التمثيل لقربه سبحانه من العبد كقوله - ونحن أقرب إليه من حبل الوريد - ~~ومعناه: أنه مطلع على ضمائر القلوب لا تخفى عليه منها خافية. واحتار ابن ~~جرير أن هذا من باب الإخبار من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب عباده منهم، ~~وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئته عز ~~وجل، ولا يخفاك أنه لا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني (وأنه إليه ~~تحشرون) معطوف على (إن الله يحول بين المرء وقلبه) وأنكم محشورون إليه وهو ~~مجازيكم بالخير خيرا، وبالشر ms1420 شرا. قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت همزة ~~(إنه) لكان صوابا، ولعل مراده أن مثل هذا جائز في العربية. قوله (واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) أي اتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب ~~الصالح والطالح، ولا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم. # وقد اختلف النحاة في دخول هذه النون المؤكدة في (تصيبن) فقال الفراء: هو ~~بمنزلة قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك فهو جواب الأمر بلفظ النهي: أي إن ~~تنزل عنها لا تطرحنك، ومثله قوله تعالى - ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده - أي إن تدخلوا لا يحطمنكم، فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء. ~~وقال المبرد: إنه نهى بعد أمر. والمعنى: النهي للظالمين: أي لا يقربن ~~الظلم، ومثله ما روى عن سيبويه لا أرينك هاهنا، فإن PageV02P299 # معناه: لا تكن ها هنا، فإن من كان ها هنا رأيته. وقال الجرجاني: إن لا ~~تصيبن نهى في موضع وصف لقتنة، وقرأ علي وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود ~~(لتصيبن) على أن اللام جواب لقسم محذوف، والتقدير: اتقوا فتنة والله لتصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة، فيكون معنى هذه القراءة مخالفا لمعنى قراءة ~~الجماعة، لأنها تفيد أن الفتنة تصيب الظالم خاصة بخلاف قراءة الجماعة ~~(واعلموا أن الله شديد العقاب) ومن شدة عقابه أنه يصيب بالعذاب من لم يباشر ~~أسبابه، وقد وردت الآيات القرآنية بأنه لا يصاب أحد إلا بذنبه، ولا يعذب ~~إلا بجنايته، فيمكن حمل ما في هذه الآية على العقوبات التي تكون بتسليط ~~العباد بعضهم على بعض، ويمكن أن تكون هذه الآية خاصة بالعقوبات العامة، ~~والله أعلم، ويمكن أن يقال: إن الذين لم يظلموا قد تسببوا للعقوبة بأسباب ~~كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكون الإصابة المتعدية للظالم إلى ~~غيره مختصة بمن ترك ما يجب عليه عند ظهور الظلم. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله (إذا دعاكم لما يحييكم) قال: للحق. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ms1421 حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية: ~~قال هو هذا القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. ~~وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير في قوله (إذ دعاكم لما ~~يحييكم) أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ~~ومنعكم بها من العذاب بعد القهر منهم لكم. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي ~~سعيد بن المعلى قال " كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ألم ~~يقل الله تعالى استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ". الحديث، وفيه دليل على ~~ما ذكرنا من أن الآية تعم كل دعاء من الله أو من رسوله. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه من طرق عن ~~ابن عباس في قوله (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) قال: يحول بين ~~المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال علمه يحول بين المرء ~~وقلبه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~الآية قال: يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل. وأخرج عبد بن حميد عن ~~الحسن في الآية قال: # في القرب منه. وأخرج أحمد والبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن ~~مطرف قال: قلت للزبير يا أبا عبد الله ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم ~~تطلبون بدمه. قال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) ~~ولم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال: قرأ الزبير (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) قال: ~~البلاء والأمر الذي هو كائن. وأخرج ابن جرير وابن ms1422 المنذر عن الحسن في الآية ~~قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: ~~نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وأخرج ابن جرير وأبو ~~الشيخ عن السدي قال: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، ~~فكان من المقتولين طلحة والزبير وهما من أهل بدر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: تصيب الظالم ~~والصالح عامة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في ~~الآية قال: هي مثل (يحول بين المرء وقلبه) حتى يتركه لا يعقل. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: أمر الله ~~المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب وقد وردت ~~الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأن هذه الأمة إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن ~~المنكر عمهم الله بعذاب من عنده. PageV02P300 # سورة الأنفال الآية (26 - 28) الخطاب بقوله (واذكروا إذ أنتم قليل) ~~للمهاجرين: أي اذكروا وقت قلتكم، و (مستضعفون) خبر ثان للمبتدأ، والأرض: هي ~~أرض مكة، والخطف: الأخذ بسرعة، والمراد بالناس: مشركو قريش، وقيل فارس ~~والروم (فآواكم) يقال آوى إليه بالمد وبالقصر بمعنى: انضم إليه، فالمعنى: ~~ضمكم الله إلى المدينة أو إلى الأنصار (وأيدكم بنصره) أي قواكم بالنصر في ~~مواطن الحرب التي منها يوم بدر، أو قواكم بالملائكة يوم بدر (ورزقكم من ~~الطيبات) التي من جملتها الغنائم (لعلكم تشكرون) أي إرادة أن تشكروا هذه ~~النعم التي أنعم بها عليكم، والخون أصله كما في الكشاف: النقص كما أن ~~الوفاء التمام، ثم استعمل في ضد الأمانة الوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شئ ~~فقد أدخلت عليه النقصان، وقيل معناه: الغدر وإخفاء الشئ. ومنه قوله تعالى - ~~يعلم خائنة الأعين - نهاهم الله عن أن يخونوه بترك شئ مما افترضه عليهم، أو ~~يخونوا رسوله بترك شئ مما أمنهم عليه، أو بترك شئ مما سنه لهم، أو يخونوا ~~شيئا من الأمانات التي اؤتمنوا ms1423 عليها، وسميت أمانات لأنه يؤمن معها من منع ~~الحق، مأخوذة من الأمن، وجملة (وأنتم تعلمون) في محل نصب على الحال: أي ~~وأنتم تعلمون أن ذلك الفعل خيانة فتفعلون الخيانة عن عمد، أو وأنتم من أهل ~~العلم لا من أهل الجهل، ثم قال (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) لأنهم ~~سبب الوقوع في كثير من الذنوب، فصاروا من هذه الحيثية محنة يختبر الله بها ~~عباده، وإن كانوا من حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا كما في الآية الأخرى ~~(وأن الله عنده أجر عظيم) فآثروا حقه على أموالكم وأولادكم ليحصل لكم ما ~~عنده من الأجر المذكور. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (واذكروا إذ ~~أنتم قليل) قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه ~~بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالة، من عاش عاش شقيا، ومن مات منهم ردى في ~~النار يؤكلون ولا يأكلون لا والله ما نعلم قبيلا من حاضري الأرض يومئذ كان ~~أشر منزلا منهم حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في ~~الرزق وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ~~فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر وأهل الشكر في مزيد من الله عز ~~وجل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (يتخطفكم الناس) قال: في ~~الجاهلية بمكة (فآواكم) إلى الإسلام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب في قوله (يتخطفكم الناس) قال: الناس ~~إذ ذاك فارس والروم. وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي في مسند الفردوس ~~عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (واذكروا إذ ~~أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس) قيل يا رسول الله ~~ومن الناس؟ قال: أهل فارس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~السدي في قوله (فآواكم) قال: إلى الأنصار بالمدينة (وأيدكم بنصره) قال: يوم ~~بدر. وأخرج ابن جرير وابن ms1424 المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله أن أبا ~~سفيان خرج من مكة فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن ~~PageV02P301 # أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن ~~أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا، فكتب رجل من المنافقين ~~إلى أبي سفيان إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تخونوا الله والرسول) الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت هذه ~~الآية (لا تخونوا الله والرسول) في أبي لبابة بن عبد المنذر سألوه يوم ~~قريظة ما هذا الأمر؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح فنزلت. قال أبو لبابة: ما ~~زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله. وأخرج سنيد وابن جرير عن الزهري ~~نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث أبا لبابة إلى قريظة وكان حليفا لهم، فأومأ بيده أنه الذبح ~~فنزلت. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في هذه الآية أنها نزلت في أبي لبابة ~~ونسختها الآية التي في براءة - وآخرون اعترفوا بذنوبهم - وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا تخونوا الله) قال: بترك ~~فرائضه (والرسول) بترك سننه وارتكاب معصيته (وتخونوا أماناتكم) يقول: لا ~~تنقصوها والأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد. وأخرج ابن جرير ~~عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان، ولعل مراده أن من ~~جملة ما يدخل تحت عمومها قتل عثمان. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب ~~في الآية قال: هو الإخلال بالسلاح في المغازي، ولعل مراده أن هذا مما يندرج ~~تحت عمومها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: ما ~~منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة، لأن الله يقول (إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة) فمن استعاذ منكم ms1425 فليستعذ بالله من مضلات الفتن. وأخرج هؤلاء عن ابن ~~زيد في الآية قال: فتنة الإختبار اختبرهم، وقرأ - ولنبلونكم بالشر والخير ~~فتنة -. # سورة الأنفال الآية (28 - 29) جعل سبحانه التقوى شرطا في الجعل المذكور ~~مع سبق علمه بأنهم يتقون أو لا يتقون جريا على ما يخاطب به الناس بعضهم ~~بعضا، والتقوى: اتقاء مخالفة أوامره والوقوع في مناهيه، والفرقان ما يفرق ~~به بين الحق والباطل، والمعنى: أنه يجعل لهم من ثبات القلوب، وثقوب ~~البصائر، وحسن الهداية ما يفرقون به بينهما عند الالتباس، وقيل الفرقان ~~المخرج من الشبهات والنجاة من كل ما يخافونه، ومنه قول الشاعر: # مالك من طول الأسى فرقان * بعد قطين رحلوا وبانوا ومنه قول الآخر: # وكيف أرجى الخلد والموت طالبي * وما لي من كأس المنية فرقان وقال الفراء: ~~المراد بالفرقان الفتح والنصر. قال ابن إسحاق: الفرقان الفصل بين الحق ~~والباطل، وبمثله قال ابن زيد، وقال السدي: الفرقان النجاة، ويؤيد تفسير ~~الفرقان بالمخرج والنجاة قوله تعالى - ومن يتق الله يجعل له مخرجا - وبه ~~قال مجاهد ومالك بن أنس (ويكفر عنكم سيئاتكم) أي يسترها حتى تكون غير ظاهرة ~~(ويغفر لكم) ما اقترفتم من الذنوب، وقد قيل إن المراد بالسيئات الصغائر، ~~وبالذنوب التي تغفر الكبائر، وقيل المعنى أنه يغفر PageV02P302 # لهم ما تقدم من الذنوب وما تأخر (والله ذو الفضل العظيم) فهو المتفضل على ~~عباده بتكفير السيئات ومغفرة الذنوب). # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (يجعل ~~لكم فرقانا) قال: هو المخرج. # وأخرج ابن جرير عنه قال: هو النجاة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: هو النصر. # سورة الأنفال الآية (30 - 33) قوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الظرف ~~معمول لفعل محذوف. أي واذكر يا محمد وقت مكر الكافرين بك أو معطوف على ما ~~تقدم من قوله " واذكروا " ذكر الله رسوله هذه النعمة العظمى التي أنعم بها ~~عليه، وهي نجاته من مكر الكافرين وكيدهم كما سيأتي بيانه (ليثبتوك) أي ms1426 ~~يثبتوك بالجراحات كما قال ثعلب وأبو حاتم وغيرهما، وعنه قول الشاعر: # فقلت ويحكم ما في صحيفتكم * قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا وقيل المعنى ~~ليحبسوك، يقال أثبته: إذا حبسه، وقيل ليوثقوك، ومنه: - فشدوا الوثاق -. ~~وقرأ الشعبي (ليبيتوك) من البيات. وقرئ " ليثبتوك " بالتشديد (أو يخرجوك) ~~معطوف على ما قبله: أي يخرجوك من مكة التي هي بلدك وبلد أهلك، وجملة ~~(ويمكرون ويمكر الله) مستأنفة، والمكر: التدبير في الأمر في خفية. والمعنى: # أنهم يخفون ما يعدونه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المكايد ~~فيجازيهم الله على ذلك ويرد كيدهم في نحورهم، وسمى ما يقع منه تعالى مكرا ~~مشاكلة كما في نظائره (والله خير الماكرين) أي المجازين لمكر الماكرين بمثل ~~فعلهم فهو يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون، فيكون ذلك أشد ضررا عليهم ~~وأعظم بلاء من مكرهم. # قوله (وإذا تتلى عليهم آياتنا) أي التي تأتيهم بها وتتلوها عليهم (قالوا) ~~تعنتا وتمردا وبعدا عن الحق (قد سمعنا) ما تتلوه علينا (لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا) الذي تلوته علينا، قيل إنهم قالوا هذا توهما منهم أنهم يقدرون على ~~ذلك، فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه، ثم قال عنادا وتمردا (إن هذا ~~إلا أساطير الأولين) أي ما يستطره الوراقون من أخبار الأولين، وقد تقدم ~~بيانه مستوفى (وإذ قالوا) أي واذكر إذ قالوا (اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك) بنصب الحق على أنه خبر كان، والضمير للفصل، ويجوز الرفع. قال الزجاج: ~~ولا أعلم أحدا قرأ بها ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة ~~سنة، والمعنى: إن كان القرآن الذي جاءنا به محمد هو الحق (فأمطر علينا) ~~قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار. قال أبو عبيدة: يقال أمطر في ~~العذاب، ومطر PageV02P303 # في الرحمة. وقال في الكشاف: قد كثر الإمطار في معنى العذاب (أو ائتنا ~~بعذاب أليم) سألوا أن يعذبوا بالرجم بالحجارة من السماء أو بغيرها من أنواع ~~العذاب الشديد، فأجاب الله عليهم بقوله (وما كان الله ليعذبهم وأنت) يا ~~محمد (فيهم) موجود ms1427 فإنك ما دمت فيهم فهم في مهلة من العذاب الذي هو ~~الاستئصال (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) روى أنهم كانوا يقولون في ~~الطواف غفرانك: أي وما كان الله معذبهم في حال كونهم يستغفرونه، وقيل ~~المعنى: لو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفره لم يعذبهم، وقيل إن الاستغفار ~~راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم: أي وما كان الله ليعذبهم وفيهم من ~~يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم بيوم بدر وما بعده، ~~وقيل المعنى: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر الله. # وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو ~~الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عباس في قوله (وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا) قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح ~~فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال بعضهم: بل ~~اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي على فراش ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار فلما أصبحوا ثاروا إليه، ~~فلما رأوه عليا رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري، ~~فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار ~~فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على ~~بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس فذكر القصة بأطول مما هنا. وفيها ذكر ~~الشيخ النجدي: أي إبليس ومشورته عليهم عند اجتماعهم في دار الندوة للمشاورة ~~في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن أبا جهل أشار بأن يأخذوا من كل ~~قبيلة من قبائل قريش غلاما ويعطوا كل واحد منهم سيفا ثم يضربونه ضربة رجل ~~واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو ~~الرأي، فتفرقوا على ذلك. وأخرج سعيد ابن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم ms1428 وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال: لما ائتمروا بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ~~ما ائتمروا بك؟ قال: يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني، قال: من ~~حدثك بهذا؟ قال: ربي، قال: نعم الرب ربك استوص به خيرا، قال: أنا استوصى ~~به؟ بل هو يستوصى بي. وأخرجه ابن جرير من طريق أخرى عنه. وهذا لا يصح، فقد ~~كان أبو طالب مات قبل وقت الهجرة بسنين. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن ~~جريج في قوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا) قال: قال عكرمة هي مكية. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء في قوله (ليثبتوك) يعني ~~ليوثقوك. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: قتل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي والنضر ~~بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول ~~الله أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه كان يقول في كتاب ~~الله ما يقول، قال: وفيه أنزلت هذه الآية (وإذ تتلى عليهم آياتنا) وهذا ~~مرسل وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في النضر بن الحارث. ~~وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أنس بن ~~مالك قال: قال أبو جهل بن هشام (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) الآية ~~فنزلت (وما كان الله ليعذبهم) الآية. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنها نزلت ~~في أبي جهل وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية أنها ~~نزلت في النضر بن الحارث. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ ~~PageV02P304 # عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن عطاء نحوه وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ~~كان ms1429 المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك ~~هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله (وما كان الله ~~ليعذبهم) الآية. قال ابن عباس، كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبقي الاستغفار. ~~وأخرج الترمذي وضعفه عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم " أنزل الله علي أمانين لأمتي (وما كان الله ليعذبهم) الآية، ~~فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار " وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي ~~في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر ~~قال (وما كان الله ليعذبهم) الآية وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ~~نحوه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وابن عساكر ~~عن أبي موسى الأشعري نحوه أيضا، والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في مطلق الاستغفار كثيرة جدا معروفة في كتب الحديث. # سورة الأنفال الآية (34 - 37) قوله (وما لهم ألا يعذبهم الله) لما بين ~~سبحانه أن المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان وجود رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بين ظهورهم، ووقوع الاستغفار. ذكر بعد ذلك أن هؤلاء الكفار، ~~أعني كفار مكة مستحقون لعذاب الله لما ارتكبوا من القبائح. والمعنى: أي شئ ~~لهم يمنع من تعذيبهم؟ قال الأخفش: إن " أن " زائدة. قال النحاس: لو كان كما ~~قال لرفع يعذبهم، وجملة (وهم يصدون عن المسجد الحرام) في محل نصب على ~~الحال: أي وما يمنع من تعذيبهم؟ والحال أنهم يصدون الناس عن المسجد الحرام ~~كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه من البيت، وجملة (وما كانوا أولياءه) في محل نصب على أنها حال من ~~فاعل (يصدون)، وهذا كالرد لما كانوا يقولونه من أنهم ولاة البيت، وأن أمره ~~مفوض إليهم، ثم قال مبينا لمن له ذلك (إن أولياؤه إلا المتقون) أي ما ~~أولياؤه إلا من كان في ms1430 عداد المتقين للشرك والمعاصي (ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون) ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم ~~يعاندون. قوله (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) المكاء: الصفير ~~من مكا يمكو مكاء، ومنه قول عنترة: # وخليل غانية تركت مجندلا * تمكو فريصته كشدق الأعلم PageV02P305 # أي تصوت، ومنه مكت است الدابة: إذا نفخت بالريح، قيل المكاء: هو الصفير ~~على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء. قال الشاعر: # إذا غرد المكاء في غير دوحة * فويل لأهل الشاء والحمرات والتصدية: ~~التصفيق، يقال صدى يصدى تصدية: إذا صفق، ومنه قول عمر بن الأطنابة: # وظلوا جميعا لهم ضجة * مكاء لدى البيت بالتصدية أي بالتصفيق، وقيل ~~المكاء: الضرب بالأيدي، والتصدية: الصياح، وقيل المكاء: إدخالهم أصابعهم في ~~أفواههم، والتصدية: الصفير، وقيل التصدية: صدهم عن البيت، قيل والأصل على ~~هذا تصددة فأبدل من إحدى الدالين ياء. ومعنى الآية: أن المشركين كانوا ~~يصفرون ويصفقون عند البيت الذي هو موضع للصلاة والعبادة، فوضعوا ذلك موضع ~~الصلاة قاصدين به أن يشغلوا المصلين من المسلمين عن الصلاة، وقرئ بنصب ~~صلاتهم على أنها خبر كان، وما بعده اسمها. قوله (فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون) هذا التفات إلى مخاطبة الكفار تهديدا لهم ومبالغة في إدخال الروعة ~~في قلوبهم، والمراد به: عذاب الدنيا كيوم بدر وعذاب الآخرة. قوله (إن الذين ~~كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) لما فرغ سبحانه من شرح أحوال ~~هؤلاء الكفرة في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية. ~~والمعنى: أن غرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم هو الصد عن سبيل الحق ~~بمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمع الجيوش لذلك، وإنفاق ~~أموالهم عليها وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ~~فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش، ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب ~~على وجه الإعجاز فقال (فسينفقونها) أي سيقع منهم هذا الإنفاق (ثم تكون) ~~عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم وكأن ذات الأموال تنقلب حسرة تصير ~~ندما، (ثم) ms1431 آخر الأمر (يغلبون) كما وعد الله به في مثل قوله - كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي -. ومعنى (ثم) في الموضعين إما التراخي في الزمان لما بين ~~الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في ~~الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة ثم قال (والذين ~~كفروا إلى جهنم يحشرون) أي استمروا على الكفر، لأن من هؤلاء الكفار ~~المذكورين سابقا ما أسلم وحسن إسلامه: أي يساقون إليها لا إلى غيرها، ثم ~~بين العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعله فقال (ليميز الله الخبيث) أي الفريق ~~الخبيث من الكفار (من) الفريق (الطيب) وهم المؤمنون (ويجعل الخبيث بعضه على ~~بعض) أي يجعل فريق الكفار الخبيث بعضه على بعض (فيركمه جميعا) عبارة عن ~~الجمع والضم: أي يجمع بعضهم إلى بعض، ويضم بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ~~ازدحامهم، يقال ركم الشئ يركمه: إذا جمعه وألقى بعضه على بعض، والإشارة ~~بقوله (أولئك) إلى الفريق الخبيث (هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران، ~~وقيل الخبيث والطيب: صفة للمال، والتقدير يميز المال الخبيث الذي أنفقه ~~المشركون من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون، فيضم تلك الأموال الخبيثة ~~بعضها إلى بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كما في قوله تعالى - فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم -. قال في الكشاف: واللام على هذا متعلقة بقوله (ثم ~~تكون عليهم حسرة)، وعلى الأول بيحشرون، و (أولئك) إشارة إلى الذين كفروا ~~انتهى. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) ~~ثم استثنى أهل الشرك فقال (وما لهم ألا يعذبهم الله). وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله (وما لهم ألا يعذبهم الله) قال: ~~عذابهم فتح مكة. وأخرج ابن إسحاق وأبو حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير ~~(وما لهم ألا يعذبهم الله) PageV02P306 # وهم يجحدون بآيات الله ويكذبون رسله. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ~~عروة بن الزبير في قوله (وهم يصدون عن المسجد الحرام) أي من آمن بالله ms1432 ~~وعبده، أنت ومن اتبعك (وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون) الذين ~~يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده: أي أنت ومن آمن بك. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله (إن أولياؤه إلا المتقون) قال: من كانوا حيث كانوا. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الطواف ويستهزئون ويصفرون ويصفقون، فنزلت (وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية). وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~والضياء عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالكعبة عراة تصفر وتصفق، فأنزل ~~الله (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) قال: والمكاء الصفير، ~~إنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية: التصفيق وأنزل الله فيهم - قل من حرم زينة ~~الله - الآية. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس نحوه. وأخرج الفريابي وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عنه نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ~~عمر قال: المكاء الصفير. والتصدية التصفيق. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد: قال: المكاء إدخال ~~أصابعهم في أفواههم، والتصدية الصفير، يخلطون بذلك كله على محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم صلاته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: قال: المكاء ~~الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض الحجاز، والتصدية ~~التصفيق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد ابن جبير في ~~قوله (إلا مكاء) قال: كانوا يشبكون أصابعهم ويصفرون فيهن (وتصدية) قال: ~~صدهم الناس. # وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال، ~~وهو قوله (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) فالمكاء مثل نفخ ~~البوق، والتصدية طوافهم على الشمال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ms1433 ~~حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) قال: ~~يعني أهل بدر عذبهم الله بالقتل والأسر. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه: قال: حدثني ~~الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحسين بن عبد الرحمن ~~بن عمرو قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان ~~بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في ~~رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم، فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك ~~العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، ~~فأعينوا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثارا، ففعلوا، ففيهم كما ~~ذكر ابن عباس أنزل الله (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل ~~الله) إلى (والذين كفروا إلى جهنم يحشرون). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج هؤلاء وغيرهم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم بن عتيبة في الآية ~~قال: نزلت في أبي سفيان أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب ~~وكانت الوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالا من ذهب. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن شمر بن عطية في قوله ليميز الله الخبيث من الطيب) قال: يميز يوم ~~القيامة ما كان من عمل صالح في الدنيا، ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في ~~جهنم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (فيركمه جميعا) ~~قال: يجمعه جميعا. PageV02P307 # سورة الأنفال الآية (38 - 40) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى وسواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن ~~عطية: ولو كان كما قال الكسائي ms1434 إنه في مصحف عبد الله بن مسعود (قل للذين ~~كفروا إن تنتهوا) يعني بالتاء المثناة من فوق لما تأدت الرسالة إلا بتلك ~~الألفاظ بعينها. وقال في الكشاف: أي قل لأجلهم هذا القول، وهو (إن ينتهوا) ~~ولو كان بمعنى خاطبهم لقيل إن تنتهوا يغفر لكم، وهي قراءة ابن مسعود، ونحوه ~~- وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه - خاطبوا به ~~غيرهم لأجلهم ليسمعوه: أي إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام (يغفر لهم ما قد سلف) لهم ~~من العداوة انتهى، وقيل معناه: إن ينتهوا عن الكفر قال ابن عطية: والحامل ~~على ذلك جواب الشرط بيغفر لهم ما قد سلف، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا ~~لمنته عن الكفر. وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يجب ما قبله (وإن ~~يعودوا) إلى القتال والعداوة أو إلى الكفر الذي هم عليه ويكون العود بمعنى ~~الاستمرار (فقد مضت سنة الأولين) هذه العبارة مشتملة على الوعيد والتهديد ~~والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله: أي قد مضت سنة الله ~~فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب فليتوقعوا مثل ~~ذلك (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي كفر، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة ~~مستوفى (فإن انتهوا) عما ذكر (فإن الله بما يعملون بصير) لا يخفى عليه ما ~~وقع منهم من الانتهاء (وإن تولوا) عما أمروا به من الانتهاء (فاعلموا) أيها ~~المؤمنون (أن الله مولاكم) أي ناصركم عليهم (نعم المولى ونعم النصير) فمن ~~والاه فاز ومن نصره غلب. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (فقد مضت سنة الأولين) قال: في قريش وغيرها يوم بدر، ~~والأمم قبل ذلك. وأخرج أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص قال: # لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ~~ابسط يدك فلأبايعك، ms1435 فبسط يمينه فقبضت يدي، قال: مالك؟ قلت: أردت أن أشترط، ~~قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن تستغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان ~~قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وقد ثبت ~~في الصحيح من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها " وقد فسر كثير من السلف قوله ~~تعالى (فقد مضت سنة الأولين) بما مضى في الأمم المتقدمة من عذاب من قاتل ~~الأنبياء وصمم على الكفر. وقال السدي ومحمد بن إسحاق: المراد بالآية يوم ~~بدر. وفسر جمهور السلف الفتنة المذكورة هنا بالكفر. وقال محمد بن إسحاق: ~~بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا (حتى لا تكون فتنة) ~~حتى لا يفتن مسلم عن دينه. PageV02P308 # سورة الأنفال الآية (41 - 42) لما أمر الله سبحانه بالقتال بقوله ~~(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة ذكر حكم ~~الغنيمة والغنيمة قد قدمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدو، ثم استعملت في ~~كل ما يصاب منهم وقد تستعمل في كل ما ينال بسعي، ومنه قول الشاعر: # وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب ومثله قول الآخر: # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه * أني توجه والمحروم محروم وأما معنى ~~الغنيمة في الشرع، فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله تعالى ~~(واعلموا أنما غنمتم من شئ) مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه ~~الغلبة والقهر. قال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد ~~اللفظ بهذا النوع. وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية بعد ~~قوله - يسألونك عن الأنفال - وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، ~~وأن قوله - يسألونك عن الأنفال - نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر على ~~ما تقدم أول السورة، وقيل إنها أعني قوله - يسألونك عن الأنفال - محكمة غير ~~منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليست مقسومة بين ms1436 ~~الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماوردي عن كثير من المالكية. ~~قالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين وكان أبو عبيدة ~~يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة عنوة ومن على أهلها ~~فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا، وقد حكى الإجماع جماعة من أهل ~~العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن ~~عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي، والأحاديث الواردة ~~في قسمة الغنيمة بين الغانمين. وكيفيتها كثيرة جدا. قال القرطبي: ولم يقل ~~أحد فيما أعلم أن قوله تعالى - يسألونك عن الأنفال - الآية ناسخ لقوله ~~(واعلموا أنما غنمتم من شئ) الآية، بل قال الجمهور: إن قوله (واعلموا أنما ~~غنمتم من شئ) ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب ~~الله. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها، قال: وأما ~~قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا تعطي الغنائم قريشا وتتركنا وسيوفنا ~~تقطر من دمائهم نفسه، فقال لهم: أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيوتكم كما في مسلم وغيره، وليس ~~لغيره أن يقول هذا القول، بل ذلك خاص به. قوله (أنما غنمتم من شئ) يشمل كل ~~شئ يصدق عليه اسم الغنيمة و (من شئ) بيان لما الموصولة، وقد خصص الإجماع من ~~عموم الآية PageV02P309 # الأسارى، فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف، وكذلك سلب المقتول إذا ~~نادى به الإمام، وقيل كذلك الأرض المغنومة. ورد بأنه لا إجماع على الأرض. ~~قوله (فأن لله خمسة) قرأ النخعي (فإن لله) بكسر إن. وقرأ الباقون بفتحها ~~على أن أن وما بعدها مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فحق أو فواجب أن لله ~~خمسه. # وقد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة: الأول قالت طائفة: ~~يقسم الخمس على ستة فيجعل السدس للكعبة، وهو الذي لله، والثاني لرسول الله، ~~والثالث، لذوي القربى والرابع لليتامى، والخامس للمساكين، والسادس لابن ~~السبيل. ms1437 والقول الثاني قاله أبو العالية والربيع: إنها تقسم الغنيمة على ~~خمسة، فيعزل منها سهم واحد ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم ~~الذي عزله فما قبضه من شئ جعله للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على ~~خمسة للرسول ومن بعده الآية. القول الثالث روى عن زين العابدين علي بن ~~الحسين أنه قال: إن الخمس لنا، فقيل له: إن الله يقول (واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل) فقال: يتامانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. القول الرابع قول ~~الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة، وإن سهم الله وسهم رسوله واحد يصرف في ~~مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية. ~~القول الخامس قول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، ~~والمساكين، وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه، قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر وبناء ~~المساجد وأرزاق القضاة والجند. وروى نحو هذا عن الشافعي. القول السادس قول ~~مالك: إنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطي منه ~~الغزاة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي، وبه قال ~~الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وآله وسلم " مالي ~~مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم " فإنه لم يقسمه أخماسا ~~ولا أثلاثا. وإنما ذكر ما في الآية من ذكره على وجه التنبيه عليهم، لأنهم ~~من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجا لهذا القول: قال الله تعالى - ~~يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل - وجائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ~~ذلك. قوله (ولذي القربى) قيل إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم لدفع ~~توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد اختلف العلماء في القربى على أقوال: الأول أنهم قريش كلها، روى ذلك ~~عن بعض السلف، واستدل بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ms1438 لما ~~صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها قائلا: يا بني فلان يا بني فلان. وقال ~~الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد: هم بنو ~~هاشم وبنو المطلب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم " إنما بنو هاشم وبنو ~~المطلب شئ واحد، وشبك بين أصابعه " وهو في الصحيح وقيل هم بنو هاشم خاصة، ~~وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم، وهو مروى عن علي بن الحسين ومجاهد. # قوله (إن كنتم آمنتم بالله) قال الزجاج عن فرقة: إن المعنى فاعلموا أن ~~الله مولاكم إن كنتم آمنتم بالله، وقالت فرقة أخرى: إن (إن) متعلقة بقوله ~~(واعلموا أنما غنمتم) قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح لأن قوله (واعلموا) ~~يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم، فعلق إن بقوله ~~(واعلموا) على هذا المعنى: أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر ~~الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. وقال في الكشاف: إنه متعلق ~~بمحذوف يدل عليه (واعلموا) بمعنى إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من ~~الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطمامكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، ~~وليس المراد بالعلم المجرد، ولكن العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر ~~PageV02P310 # الله، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر انتهى. قوله (وما ~~أنزلنا على عبدنا) معطوف على الاسم الجليل: # أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا، و (يوم الفرقان) يوم بدر، لأنه فرق ~~بين أهل الحق وأهل الباطل (والجمعان) الفريقان من المسلمين والكافرين ~~(والله على كل شئ قدير) ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقل على الفريق ~~الأكثر. قوله (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى) قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو ويعقوب بكسر العين في العدوة في الموضعين، وقرأ الباقون بالضم ~~فيهما، و " إذ " بدل من يوم الفرقان، ويجوز أن يكون العامل محذوفا: أي ~~واذكروا إذ أنتم. والعدوة: جانب الوادي، والدنيا: تأنيث الأدنى، والقصوى: ~~تأنيث الأقصى، من دنا يدنو، وقصا يقصو، ويقال القصيا، والأصل الواو، وهي ~~لغة أهل الحجاز، والعدوة الدنيا كانت مما يلي المدينة، والقصوى ms1439 كانت مما ~~يلي مكة. والمعنى: وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة، ~~وعدوكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة. وجملة (والركب أسفل منكم) في محل ~~نصب على الحال، وانتصاب (أسفل) على الظرف، ومحله الرفع على الخبرية: أي ~~والحال أن الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه وأجاز الأخفش ~~والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشد سفلا منكم والركب: جمع راكب، ولا ~~تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس ~~وغيرها ركب، وكذا قال ابن فارس، وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة. ~~والمراد بالركب هاهنا ركب أبي سفيان، وهي المراد بالعير، فإنهم كانوا في ~~موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر. قيل وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا ~~عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منهم ~~الدلالة على قوة شأن العدو وشوكته، وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها ~~المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضا لا يابس بها، وأما العدوة الدنيا ~~فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها، وكانت العير وراء ظهر العدو مع ~~كثرة عددهم، فامتن الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه. قوله (ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) أي لو تواعدتم أنتم والمشركون من أهل مكة على ~~أن تلتقوا في هذا الموضع للقتال لخالف بعضكم بعضا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن ~~الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم (ولكن) جمع الله بينكم في هذا الموطن (ليقضى الله أمرا كان ~~مفعولا) أي حقيقا بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه وإعزاز دينه ~~وإذلال الكفر، فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم. وأخرج ~~الكافرين للمدافعة عنها. ولم يكن في حساب الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على ~~هذه الصفة، واللام في " ليقضى " متعلقة بمحذوف، والتقدير: جمعهم ليقضى، ~~وجملة (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي) بدل من الجملة التي قبلها: أي ~~ليموت من يموت عن بينة ويعيش عن بينة لئلا ms1440 يبقى لأحد على الله حجة، وقيل ~~الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام: أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح ~~بينة ويقين بأنه دين الحق، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة ~~شبهة. قرأ نافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي وأبو بكر (من حيى) بياءين على ~~الأصل وقرأ الباقون بياء واحدة على الإدغام، وهي اختيار أبي عبيد لأنها ~~كذلك وقعت في المصحف (وإن الله لسميع عليم) أي سميع بكفر الكافرين عليم به، ~~وسميع بإيمان المؤمنين عليم به. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ثم ~~وضع مقاسم الفئ، فقال (واعلموا أنما غنمتم من شئ) بعد الذي كان مضى من بدر ~~(فأن لله خمسه) إلى آخر الآية. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن قيس بن مسلم الجدلي قال: ~~سألت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية عن قول الله (واعلموا ~~أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) قال: PageV02P311 # هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة (وللرسول ولذي القربى) فاختلفوا بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذين السهمين. قال قائل منهم: ~~سهم ذي القربى لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال قائل منهم: ~~سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل منهم: سهم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الخليفة من بعده، واجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك ~~في خلافة أبي بكر وعمر. وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث سرية ~~فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك في خمسه، ثم قرأ (واعلموا أنما غنمتم) الآية، ~~قال قوله (فأن لله خمسه) مفتاح كلام، لله ما في السماوات وما في الأرض، ~~فجعل الله سهم الله والرسول واحدا ms1441 (ولذي القربى) فعجل هذين السهمين قوة في ~~الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم، ~~وجعل الأربعة الأسهم الباقية للفرس سهما ولراكبه سهما وللراجل سهما وأخرج ~~ابن جرير وأبو المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة ~~أخماس: فأربعة منها بين من قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس، ~~فربع لله وللرسول ولذي القربى، يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ~~يأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس شيئا، والربع الثاني لليتامى، ~~والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ~~ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن أبي العالية في قوله (واعلموا أنما غنمتم من شئ) الآية قال: كان يجاء ~~بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على خمسة أسهم، ~~فيعزل سهما منها ويقسم أربعة أسهم بين الناس، يعني لمن شهد الوقعة، ثم يضرب ~~بيده في جميع السهم الذي عزله، فما قبض عليه من شئ جعله للكعبة، فهو الذي ~~سمى الله لا تجعلوا لله نصيبا فأن لله الدنيا والآخرة - ثم يعمد إلى بقية ~~السهم فيقسمه على خمسة أسهم: سهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وسهم لذي ~~القربى وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وأخرج ابن المنذر ~~عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجعل سهم الله في ~~السلاح والكراع وفي سبيل الله وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه ~~الكعبة. # ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته ~~يضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم مع سهمهم مع الناس. ولليتامى ~~والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم يضعها رسول الله فيمن شاء حيث شاء، ليس ~~لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة الأسهم ولرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سهم مع سهام الناس. ms1442 # وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين المعلم قال: سألت عبد الله بن بريدة عن قوله ~~(فأن لله خمسه وللرسول) فقال: # الذي لله لنبيه والذي للرسول لأزواجه. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن ~~أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه عن ابن عباس أن نجدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، ~~فكتب إليه إنا كنا نرى أناهم فأبى ذلك علينا قومنا. وقالوا قريش كلها ذوو ~~قربى. وزيادة قوله وقالوا قريش كلها تفرد بها أبو معشر، وفيه ضعف وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس: أن نجدة الحروري أرسل إليه ~~يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول لمن تراه؟ فقال ابن عباس: هو لقربي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليهم وأبينا ~~أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضى عن غارمهم وأن يعطي ~~فقيرهم وأبي أن يزيدهم على ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: رغبت ~~لكم عن PageV02P312 # غسالة الأيدي، لأن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم ". رواه ابن أبي ~~حاتم عن إبراهيم بن مهدي المصيصي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش ~~عن عكرمة عنه مرفوعا. قال ابن كثير: هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن ~~مهدي هذا وثقه أبو حاتم. وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير. وأخرج ابن إسحاق ~~وابن أبي حاتم عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر عن جبير بن مطعم: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قسم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني ~~المطلب، قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه، فقلنا يا رسول الله ~~هؤلاء إخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك منهم، أرأيت إخواننا من بني ~~المطلب أعطيتهم دوننا فإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في ms1443 النسب؟ فقال: إنهم لم ~~يفارقونا في الجاهلية والإسلام. وقد أخرجه مسلم في صحيحه. وأخرج ابن مردويه ~~عن زيد بن أرقم قال: آل محمد الذين أعطوا الخمس: آل علي، وآل العباس، وآل ~~جعفر، وآل عقيل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم شئ واحد من المغنم يصطفيه لنفسه، إما خادم وإما فرس، ثم ~~يصيب بعد ذلك من الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن علي قال: قلت يا ~~رسول الله: ألا وليتني ما خصنا الله به من الخمس؟ فولانيه. وأخرج الحاكم ~~وصححه عنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس الخمس فوضعته ~~مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (يوم ~~الفرقان) قال: هو يوم بدر، وبدر ما بين مكة والمدينة وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ~~ابن عباس في قوله (يوم الفرقان) قال: هو يوم بدر فرق الله فيه بين الحق ~~والباطل. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: كانت ليلة الفرقان ليلة ~~التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، وأخرجه عنه ~~ابن جرير أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله (إذ أنتم بالعدوة الدنيا) قال: العدوة الدنيا شاطئ الوادي (والركب ~~أسفل منكم). قال أبو سفيان. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: العدوة الدنيا ~~شفير الوادي الأدنى، والعدوة القصوى شفير الوادي الأقصى. # سورة الأنفال الآية (43 - 44) إذ منصوب بفعل مقدر: أي أذكر أو هو بدل ثان ~~من يوم الفرقان. والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رآهم في منامه ~~قليلا فقص ذلك على أصحابه، فكان ذلك سببا لثباتهم، ولو رآهم في منامه كثيرا ~~لفشلوا وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر هل يلاقونهم أم لا؟ (ولكن ms1444 الله ~~سلم) أي سلمهم وعصمهم من الفشل والتنازع فقللهم في عين رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في المنام، وقيل عنى بالمنام محل النوم، وهو العين: أي في ~~موضع منامك وهو عينك، روى ذلك عن الحسن. قال الزجاج: هذا مذهب حسن ولكن ~~الأول أسوغ في العربية لقوله (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم) فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء وأن تلك رؤية النوم. ~~قوله (وإذ يريكموهم) الظرف منصوب بمضمر معطوف على الأول: أي واذكروا وقت ~~PageV02P313 # إراءتكم إياهم حال كونهم قليلا، حتى قال القائل من المسلمين لآخر: أتراهم ~~سبعين؟ قال: هم نحو المائة، وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى قال ~~قائلهم: إنما هم أكلة جزور، وكان هذا قبل القتال، فلما شرعوا فيه كثر الله ~~المسلمين في أعين المشركين، كما قال في آل عمران - يرونهم مثليهم رأى العين ~~-، ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلا أقدموا ~~على القتال غير خائفين، ثم يرونهم كثيرا فيفشلون وتكون الدائرة عليهم، ويحل ~~بهم عذاب الله وسوط عقابه، واللام في (ليقضى الله أمرا كان مفعولا) متعلقة ~~بمحذوف كما سبق مثله قريبا، وإنما كرره لاختلاف المعلل به (وإلى الله ترجع ~~الأمور) كلها يفعل فيها ما يريد ويقضى في شأنها ما يشاء. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (إذ يريكهم الله من منامك قليلا) قال: أراه الله إياهم في منامه ~~قليلا، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بذلك فكان ذلك تثبيتا ~~لهم، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (ولو أراكهم كثيرا ~~لفشلتم) يقول: لجبنتم (ولتنازعتم في الأمر) قال: لاختلفتم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (ولكن الله سلم) أي أتم وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه (ولكن الله سلم) يقول: سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ms1445 عن ابن مسعود ~~في قوله (وإذ يريكموهم) الآية قال: لقد قلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت ~~لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم ~~فسألناه قال: كنا أنفا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية ~~قال: حضض بعضهم على بعض. قال ابن كثير: إسناده صحيح. وأخرج ابن إسحاق عن ~~عباد بن عبد الله بن الزبير في قوله (ليقضى الله أمرا كان مفعولا) أي ليلف ~~بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد النعمة ~~عليه من أهل ولايته. # سورة الأنفال الآية (45 - 49) قوله (إذا لقيتم فئة) اللقاء الحرب، والفئة ~~الجماعة: أي إذا حاربتم جماعة من المشركين (فاثبتوا) لهم ولا تجبنوا عنهم، ~~وهذا لا ينافي الرخصة المتقدمة في قوله - إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة - فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة، والرخصة هي في حال الضرورة. وقد ~~لا يحصل الثبات إلا بالتحرف والتحيز (واذكروا الله) أي اذكروا الله عند جزع ~~قلوبكم فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد، وقيل المعنى: أثبتوا بقلوبكم ~~واذكروا PageV02P314 # بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمرهم بالذكر حتى ~~يجتمع ثبات القلب واللسان، قيل وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما ~~قاله أصحاب طالوت - ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين -. وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال، حتى في هذه ~~الحالة التي ترجف فيها القلوب وتزيغ عندها البصائر، ثم أمرهم بطاعة الله ~~فيما يأمرهم به وطاعة رسوله فيما يرشدهم إليه، ونهاهم عن التنازع وهو ~~الاختلاف في الرأي، فإن ذلك يتسبب عنه الفشل. وهو الجبن في الحرب. والفاء ~~جواب النهي، والفعل منصوب بإضمار أن، ويجوز أن يكون الفعل معطوفا على ~~تنازعوا مجزوما بجازمه. قوله (وتذهب ريحكم) قرئ بنصب الفعل، وجزمه عطفا على ~~تفشلوا على الوجهين، والريح: القوة والنصر، كما يقال الريح لفلان إذا كان ~~غالبا في الأمر، وقيل الريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها بالريح ms1446 في هبوبها، ~~ومنه قول الشاعر: # إذا هبت رياحك فاغتنمها * فعقبى كل خافقة سكون وقيل المراد بالريح ريح ~~الصبا، لأن بها كان ينصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمرهم بالصبر ~~على شدائد الحرب وأخبرهم بأنه مع الصابرين في كل أمر ينبغي الصبر فيه، ويا ~~حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب، ولا يؤتى صاحبها من جهة من ~~الجهات وإن كانت كثيرة ثم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة هؤلاء الذين خرجوا ~~من ديارهم بطرا ورئاء الناس وهم قريش، فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير ~~التي مع أبي سفيان ومعها القيان والمعازف، فلما بلغوا الجحفة بلغهم أن ~~العير قد نجت وسلمت، فلم يرجعوا بل قالوا لابد لهم من الوصول إلى بدر ~~ليشربوا الخمر وتغنى لهم القيان وتسمع العرب بمخرجهم، فكان ذلك منهم بطرا ~~وأشرا وطلبا للثناء من الناس وللتمدح إليهم والفخر عندهم وهو الرياء، قيل ~~والبطر في اللغة: التقوى بنعم الله على معاصيه وهو مصدر في موضع الحال: أي ~~خرجوا بطرين مرائين، وقيل هو مفعول له وكذا رياء: أي خرجوا للبطر والرياء. ~~وقوله (ويصدون) معطوف على بطرا، والمعنى كما تقدم: أي خرجوا بطرين مرائين ~~صادين عن سبيل الله أو للصد عن سبيل الله. # والصد: إضلال الناس والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية. ويجوز أن يكون ~~ويصدون معطوفا على يخرجون، والمعنى: يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصد ~~(والله بما يعملون محيط) لا تخفى عليه من أعمالهم خافية فهو مجازيهم عليها. ~~قوله (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) الظرف متعلق بمحذوف: أي واذكر يا محمد ~~وقت تزيين الشيطان لهم أعمالهم، والتزيين: التحسين، وقد روى أن الشيطان ~~تمثل لهم وقال لهم تلك المقالة وهي (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم) أي مجير لكم من كل عدو أو من بني كنانة، ومعنى الجار هنا: الدافع عن ~~صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار، وكان في صورة سراقة بن مالك بن ~~جشعم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش ms1447 تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ~~ورائهم، وقيل المعنى: إنه ألقى في روعهم هذه المقالة، وخيل إليهم أنهم لا ~~يغلبون ولا يطاقون (فلما تراءت الفئتان) أي فئة المسلمين والمشركين (نكص ~~على عقبيه) أي رجع القهقري، ومنه قول الشاعر: # ليس النكوص على الأعقاب مكرمة * إن المكارم إقدام على الأمل وقول الآخر: # وما نفع المستأخرين نكوصهم * ولا ضر أهل السابقات التقدم وقيل معنى نكص ~~هاهنا: بطل كيده وذهب ما خيله (وقال إني برئ منكم) أي تبرأ منهم لما رأى ~~أمارات النصر مع المسلمين بإمداد الله لهم بالملائكة، ثم علل ذلك بقوله ~~(إني أرى ما لا ترون) يعني الملائكة، ثم علل بعلة PageV02P315 # أخرى فقال (إني أخاف الله) قيل خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين ~~حضروا الوقعة، وقيل إن دعوى الخوف كذب منه، ولكنه رأى أنه لا قوة له ولا ~~للمشركين فاعتل بذلك، وجملة (والله شديد العقاب) يحتمل أن تكون من تمام ~~كلام إبليس، ويحتمل أن تكون كلاما مستأنفا من جهة الله سبحانه. قوله (إذ ~~يقول المنافقون) الظرف معمول لفعل محذوف هو أذكر، ويجوز أن يتعلق بنكص أو ~~بزين أو بشديد العقاب، قيل المنافقون هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا ~~الكفر (والذين في قلوبهم مرض) هم الشاكون من غير نفاق بل لكونهم حديثي عهد ~~بالإسلام فوافقوا المنافقين في قولهم بهذه المقالة، أعني (غر هؤلاء) أي ~~المسلمين (دينهم) حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش، وقيل الذين ~~في قلوبهم مرض هم المشركون، ولا يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون في ~~المدينة وما حولها، وأنهم هم والمنافقون من أهل المدينة قالوا هذه المقالة ~~عند خروج المسلمين إلى بدر لما رأوهم في قلة من العدد وضعف من العدد، فأجاب ~~الله عليهم بقوله (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز) لا يغلبه غالب، ولا ~~يذل من توكل عليه (حكيم) له الحكمة البالغة التي تقصر عندها العقول. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (واذكروا ~~الله) قال: افترض الله ms1448 ذكره عند أشغل ما يكونون: عند الضراب بالسيوف. وأخرج ~~الحاكم وصححه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~ثنتان لا يردان: الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضا " وأخرج ~~الحاكم وصححه عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره ~~الصوت عند القتال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) يقول: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب ~~نصركم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وتذهب ريحكم) قال: نصركم وقد ذهب ريح أصحاب ~~محمد حين نازعوه يوم أحد. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم) الآية، يعني المشركين الذين ~~قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر. وأخرج ابن جرير عن محمد ~~بن كعب القرظي قال: # لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله هذه ~~الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال أبو جهل ~~وأصحابه يوم بدر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في ~~الآية قال: كان مشركو قريش الذين قاتلوا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم بدر خرجوا ولهم بغى وفخر، وقد قيل لهم يومئذ ارجعوا فقد انطلقت عيركم ~~وقد ظفرتم فقالوا: لا والله حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا وذكر لنا ~~أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يومئذ " اللهم إن قريشا قد أقبلت ~~بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك " وذكر لنا أنه قال يومئذ " جاءت من مكة ~~أفلاذها ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في ~~صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال ~~الشيطان ms1449 (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم) وأقبل جبريل على إبليس ~~فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبرا ~~وشيعته فقال الرجل: يا سراقة إنك جار لنا فقال (إني أرى مالا ترون) وذلك ~~حين رأى الملائكة (إني أخاف الله والله شديد العقاب) قال: ولما دنا القوم ~~بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين وقلل المشركين في أعين ~~المسلمين فقال المشركون: وما هؤلاء غر هؤلاء دينهم وإنما قالوا ذلك من ~~قلتهم في أعينهم وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله (ومن ~~يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) PageV02P316 # أو خرج الطبراني وأبو نعيم عن رفاعة بن رافع الأنصاري قال: لما رأى إبليس ~~ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشيث به ~~الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم ~~خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك ~~إياي. وأخرج الواقدي وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (إني أرى ما لا ترون) قال: ذكر لنا أنه رأى ~~جبريل تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة وقال ~~(إني أخاف الله) وكذب عدو الله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ~~به ولا منعة له. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال: ذكروا أنهم ~~أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك، فأنكر أن يكون قال شيئا من ذلك. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إذ يقول المنافقون) قال: وهم يومئذ في ~~المسلمين. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ~~(والذين في قلوبهم مرض) قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا ~~منافقين. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي في قوله (والذين في ~~قلوبهم مرض) قال: هم قوم ms1450 كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة ثم خرجوا مع ~~المشركين يوم بدر، فلما رأوا المسلمين قالوا (غر هؤلاء دينهم)، وأخرج ابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي نحوه. # سورة الأنفال الآية (50 - 54) قوله (ولو ترى) الخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح له كما تقدم تحقيقه في غير موضع، والمعنى: ~~ولو رأيت، لأن لو تقلب المضارع ماضيا، و (إذ) ظرف لترى، والمفعول محذوف: أي ~~ولو ترى الكافرين وقت توفى الملائكة لهم، قيل أراد بالذين كفروا من لم يقتل ~~يوم بدر، وقيل هي فيمن قتل ببدر وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرا عظيما، ~~وجملة (يضربون وجوههم) في محل نصب على الحال، والمراد بأدبارهم أستاههم، ~~كنى عنها بالأدبار، وقيل ظهورهم، قيل هذا الضرب يكون عند الموت كما يفيده ~~ذكر التوفي، وقيل هو يوم القيامة حين يسيرون بهم إلى النار. قوله (وذوقوا ~~عذاب الحريق) قاله الفراء، المعنى: ويقولون ذوقوا عذاب الحريق، والجملة ~~معطوفة على يضربون، وقيل إنه يقول لهم هذه المقالة خزنة جهنم، والذوق قد ~~يكون محسوسا، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، وأصله من الذوق بالفم ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من الضرب والعذاب والباء في (بما قدمت ~~أيديكم) سببية: أي ذلك واقع بسبب ما كسبتم من المعاصي واقترفتم من الذنوب، ~~وجملة (وأن الله ليس بظلام للعبيد) في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي ~~PageV02P317 # والأمر أنه لا يظلمهم، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة الواقعة خبرا ~~لقوله (ذلك) وهي (بما قدمت أيديكم) أي ذلك العذاب بسبب المعاصي، وبسبب (أن ~~الله ليس بظلام للعبيد) لأنه سبحانه قد أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ~~وأوضح لهم السبيل، وهداهم النجدين كما قال سبحانه - وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون - قوله (كدأب آل فرعون) لما ذكر الله سبحانه ما أنزله بأهل ~~بدر أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين، والدأب: العادة، ~~والكاف في محل الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف: أي دأب هؤلاء مثل دأب آل ~~فرعون (والذين من ms1451 قبلهم). والمعنى: أنه جوزي هؤلاء كما جوزي أولئك، فكانت ~~العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية لله في تعذيب طوائف الكفر، وجملة ~~قوله (كفروا بآيات الله) مفسرة لدأب آل فرعون: أي دأبهم هذا هو أنهم كفروا ~~بآيات الله، فتسبب عن كفرهم أخذ الله سبحانه لهم، والمراد بذنوبهم: معاصيهم ~~المترتبة على كفرهم، فيكون الباء في " بذنوبهم " للملابسة: أي فأخذهم ~~متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها، وجملة (إن الله قوي شديد العقاب) معترضة ~~مقررة لمضمون ما قبلها، والإشارة بقوله (ذلك) إلى العقاب الذي أنزله الله ~~بهم، وهو مبتدأ وخبره ما بعده: # والجملة جارية مجرى التعليل لما حل بهم من عذاب الله. والمعنى: أن ذلك ~~العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعم بها عليهم ~~(حتى يغيروا ما بأنفسهم) من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله وغمط إحسانه ~~وإهمال أوامره ونواهيه، وذلك كما كان من آل فرعون ومن قبلهم ومن قريش ومن ~~يماثلهم من المشركين، فإن الله فتح لهم أبواب الخيرات في الدنيا ومن عليهم ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فقابلوا هذه النعم بالكفر فاستحقوا تغيير النعم ~~كما غيروا ما كان يجب عليهم سلوكه، والعمل به من شكرها وقبولها، وجملة (وأن ~~الله سميع عليم) معطوفة على (بأن الله لم يك مغيرا نعمة) داخلة معها في ~~التعليل: أي ذلك بسبب أن الله لم يك مغيرا الخ، وبسبب أن الله سميع عليم ~~يسمع ما يقولونه ويعلم ما يفعلونه. وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف، ثم كرر ~~ما تقدم، فقال (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم) لقصد ~~التأكيد مع زيادة أنه كالبيان للأخذ بالذنوب بأنه كان بالإغراق، وقيل إن ~~الأول باعتبار ما فعله آل فرعون ومن شبه بهم، والثاني باعتبار ما فعل بهم، ~~وقيل المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء، وقيل غير ذلك ~~مما لا يخلو عن تعسف، والكلام في (أهلكناهم بذنوبهم) كالكلام المتقدم في ~~فأخذهم الله بذنوبهم (وأغرقنا آل فرعون) معطوف على أهلكناهم عطف الخاص على ~~العام لفظاعته وكونه من أشد أنواع ms1452 الإهلاك، ثم حكم على كلا الطائفتين من آل ~~فرعون والذين من قبلهم، ومن كفار قريش بالظلم لأنفسهم، بما تسببوا به لعذاب ~~الله من الكفر بالله وآياته ورسله وبالظلم لغيرهم، كما كان يجرى منهم في ~~معاملاتهم للناس بأنواع الظلم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة) قال: الذين قتلهم الله ببدر من المشركين. وأخرج ابن جرير عن ~~الحسن قال: قال رجل يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك قال: ذلك ~~ضرب الملائكة. وهذا مرسل. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وأدبارهم) قال: وأستاههم، ولكن الله كريم ~~يكنى. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (ذلك بأن الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) قال: نعمة الله: محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنعم الله به على قريش فكفروا فنقله الله إلى ~~الأنصار. PageV02P318 # سورة الأنفال الآية (55 - 59) قوله (إن شر الدواب) أي شر ما يدب على وجه ~~الأرض (عند الله) أي في حكمه (الذين كفروا) أي المصرون على الكفر المتمادون ~~في الضلال، ولهذا قال (فهم لا يؤمنون) أي إن هذا شأنهم لا يؤمنون أبدا، ولا ~~يرجعون عن الغواية أصلا، وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم ~~عن الإنسانية ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان لعدم تعقلهم لما ~~فيه رشادهم. قوله (الذين عاهدت منهم) بدل من الذين كفروا أو عطف بيان أو في ~~محل نصب على الذم. والمعنى: أن هؤلاء الكافرين الذين هم شر الدواب عند الله ~~هم هؤلاء الذين عاهدت منهم: أي أخذت منهم عهدهم (ثم) هم (ينقضون عهدهم) ~~الذي عاهدتهم (في كل مرة) من مرات المعاهدة (و) الحال أن‍ (هم) لا يتقون) ~~النقض ولا يخافون عاقبته ولا يتجنبون أسبابه، وقيل إن " من " في قوله ~~(منهم) للتبعيض، ومفعول عاهدت محذوف: أي الذين عاهدتهم، وهم بعض أولئك ~~الكفرة: يعني الأشراف ms1453 منهم، وعطف المستقبل وهو ثم ينقضون على الماضي، وهو ~~عاهدت للدلالة على استمرار النقض منهم، وهؤلاء هم قريظة، عاهدهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يعينوا الكفار فلم يفوا بذلك كما سيأتي، ثم ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشدة والغلظة عليهم، فقال (فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) أي فإما تصادفنهم في ثقاف وتلقاهم في ~~حالة تقدر عليهم فيها وتتمكن من غلبهم (فشرد بهم من خلفهم) أي ففرق بقتلهم ~~والتنكيل بهم من خلفهم من المحاربين لك من أهل الشرك حتى يهابوا جانبك ~~ويكفوا عن حربك مخافة أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء. والثقاف في أصل اللغة: ما ~~يشد به القناة أو نحوها ومنه قول النابغة: # تدعو قعيبا وقد غص الحديد بها * غص الثقاف على ضم الأنابيب يقال ثقفته: ~~وجدته. وفلان ثقف: سريع الوجود لما يحاوله، والتشريد: التفريق مع الاضطراب. ~~وقال أبو عبيدة (شرد بهم) سمع بهم. وقال الزجاج: افعل بهم فعلا من القتل ~~تفرق به من خلفهم، يقال شردت بني فلان: قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى ~~فارقوها، قال الشاعر: # أطوف في الأباطح كل يوم * مخافة أن يشردني حكيم ومنه شرد البعير: إذا ~~فارق صاحبه، وروى عن ابن مسعود أنه قرأ (فشرذ بهم) بالذال المعجمة. قال ~~قطرب: التشريذ بالذال المعجمة هو التنكيل، وبالمهملة هو التفريق. وقال ~~المهدوي: الذال المعجمة لا وجه لها إلا أن تكون بدلا من الدال المهملة ~~لتقاربهما. قال: ولا يعرف فشبرذ في اللغة، وقرئ (من خلفهم) بكسر الميم ~~PageV02P319 # والفاء. قوله (وإما تخافن من قوم خيانة) أي غشا ونقضا للعهد من القوم ~~المعاهدين (فانبذ إليهم) أي فاطرح إليهم العهد الذي بينك وبينهم (على سواء) ~~على طريق مستوية. والمعنى: أنه يخبرهم إخبارا ظاهرا مكشوفا بالنقض ولا ~~يناجزهم الحرب بغتة، وقيل معنى (على سواء) على وجه يستوي في العلم بالنقض ~~أقصاهم وأدناهم، أو تستوي أنت وهم فيه. قال الكسائي: السواء العدل، وقد ~~يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله - في سواء الجحيم -، ومنه قول ms1454 حسان: # يا ويح أنصار النبي ورهطه * بعد المغيب في سواء الملحد ومن الأول قول ~~الشاعر: # فاضرب وجوه الغدر الأعداء * حتى يجيبوك إلى سواء وقيل معنى (فانبذ إليهم ~~على سواء) على جهر لا على سر والظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف ~~من وقوع النقض منه. قال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني ~~قريظة انقضى عند قوله (فشرد بهم من خلفهم) ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه ~~الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة، وجملة (إن الله ~~لا يحب الخائنين) تعليل لما قبلها، يحتمل أن تكون تحذيرا لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء، ويحتمل أن ~~تكون عائدة إلى القوم الذين تخاف منهم الخيانة. قوله (ولا تحسبن) قرأ ابن ~~عامر ويزيد وحمزة وحفص بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة من فوق. فعلى ~~القراءة الأولى يكون الذين كفروا فاعل الحسبان، ويكون مفعوله الأول محذوفا: ~~أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، ومفعوله الثاني سبقوا ومعناه: # فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم. وعلى القراءة الثانية يكون الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومفعوله الأول الذين كفروا، والثاني سبقوا، ~~وقرئ (إنهم سبقوا) وقرئ " يحسبن " بكسر الياء، وجملة (إنهم لا يعجزون) ~~تعليل لما قبلها: أي إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم. ~~وقرأ ابن عامر أنهم بفتح الهمزة، والباقون بكسرها، وكلا القراءتين مفيدة ~~لكون الجملة تعليلية، وقيل المراد بهذه الآية من أفلت من وقعة بدر من ~~المشركين، والمعنى: أنهم وإن أفلتوا من هذه الوقعة ونجوا فإنهم لا يعجزون، ~~بل هم واقعون في عذاب الله في الدنيا أو في الآخرة. وقد زعم جماعة من ~~النحويين منهم أبو حاتم أن قراءة من قرأ يحسبن بالتحتية لحن، لا تحل ~~القراءة بها لأنه لم يأت ليحسبن بمفعول، وهو يحتاج إلى مفعولين. قال ~~النحاس: وهذا تحامل شديد ومعنى هذه القراءة: ولا يحسبن من خلفهم الذين ~~كفروا سبقوا، فيكون الضمير يعود ms1455 على ما تقدم إلا أن القراءة بالتاء أبين. ~~وقال المهدوي: يحوز على هذه القراءة أن يكون الذين كفروا فاعلا، والمفعول ~~الأول محذوف. والمعنى ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. قال مكي: ويجوز ~~أن يضمر مع سبقوا " أن " فتسد مسد المفعولين، والتقدير: # ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فهو مثل - أحسب الناس أن يتركوا - في سد ~~أن مسد المفعولين، ثم أمر سبحانه بإعداد القوة للأعداء، والقوة كل ما يتقوى ~~به في الحرب، ومن ذلك السلاح والقسي. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث ~~عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر ~~يقول " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، قالها ثلاث مرات ~~". وقيل هي الحصون، والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم متعين. قوله (ومن رباط الخيل). قرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو ~~حيوة " ومن ربط الخيل " بضم الراء والباء ككتب: جمع كتاب. قال أبو حاتم: ~~الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، وهي الخيل التي ترتبط بإزاء العدو، ومنه ~~قول الشاعر: PageV02P320 # أمر الإله بربطها لعدوه * في الحرب إن الله خير موفق قال في الكشاف: ~~والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو ~~بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال انتهى. ومن فسر القوة ~~بكل ما يتقوى به في الحرب جعل عطف الخيل من عطف الخاص على العام، وجملة ~~(ترهبون به عدو الله وعدوكم) في محل نصب على الحال والترهيب التخويف، ~~والضمير في به عائد إلى " ما " في " ما استطعتم " أو إلى المصدر المفهوم من ~~" وأعدوا " وهو الإعداد. والمراد بعدو الله وعدوهم هم المشركون من أهل مكة ~~وغيرهم من مشركي العرب. قوله (وآخرين من دونهم) معطوف على عدو الله وعدوكم، ~~ومعنى من دونهم: من غيرهم، قيل هم اليهود، وقيل فارس والروم، وقيل الجن، ~~ورجحه ابن جرير. وقيل المراد بالآخرين من غيرهم كل من لا تعرف عداوته قاله ~~السهيلي. ms1456 وقيل هم بنو قريظة خاصة، وقيل غير ذلك، والأولى الوقف في تعيينهم ~~لقوله (لا تعلمونهم الله يعلمهم). قوله (وما تنفقوا من شئ في سبيل الله) أي ~~في الجهاد وإن كان يسيرا حقيرا (يوف إليكم) جزاؤه في الآخرة، فالحسنة بعشرة ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قررناه سابقا (وأنتم لا ~~تظلمون) في شئ من هذه النفقة التي تنفقونها في سبيل الله: أي من ثوابها بل ~~يصير ذلك إليكم وافيا وافرا كاملا - وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما - أنى لا أضيع عمل عامل منكم -. # وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: نزلت (إن شر الدواب عند الله) ~~الآية في ستة رهط من اليهود فيهم ابن تابوت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (الذين عاهدت منهم ثم ~~ينقضون عهدهم) قال: قريظة يوم الخندق ما لئوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أعداءه. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فشرد بهم من خلفهم) ~~قال: نكل بهم من بعدهم وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: نكل بهم من ~~وراءهم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن ~~جبير في الآية قال: أنذر بهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن قتادة قال: عظ بهم من سواهم من الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن زيد قال: أخفهم بهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (لعلهم ~~يذكرون) يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك. وأخرج أبو الشيخ ~~عن ابن شهاب قال: دخل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~قد وضعت السلاح وما زلنا في طلب القوم فاخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة، ~~وأنزل فيهم (وإما تخافن من قوم خيانة) الآية. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (إنهم لا ms1457 يعجزون) ~~قال: لا يفوتونا. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وأعدوا ~~لهم ما استطعتم من قوة) قال: الرمي والسيوف والسلاح. وأخرج ابن إسحاق وابن ~~أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير في قوله (وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة) قال: أمرهم بإعداد الخيل. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن عكرمة ~~في الآية قال: القوة ذكور الخيل، والرباط الإناث. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في الآية ~~قال: القوة الفرس إلى السهم فما دونه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن عكرمة قال: القوة الحصون. و (من رباط الخيل) قال: الإناث. ~~وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس في قوله (ترهبون به عدو الله وعدوكم) قال: تخزون به عدو الله وعدوكم. ~~وقد ورد في استحباب الرمي وما فيه من الأجر أحاديث كثيرة، وكذلك ورد في ~~استحباب اتخاذ الخيل وإعدادها وكثرة ثواب صاحبها أحاديث لا يتسع المقام ~~لبسطها. وقد أفرد ذلك جماعة من العلماء بمصنفات. PageV02P321 # سورة الأنفال الآية (61 - 63) الجنوح: الميل، يقال جنح الرجل إلى الرجل: ~~مال إليه، ومنه قيل للأضالع جوانح لأنها مالت إلى الحنوة، وجنحت الإبل: إذا ~~مالت أعناقها في السير، ومنه قول ذي الرمة: # إذا مات فوق الرحل أحييت روحه * بذكراك والعيس المراسيل جنح ومثله قول ~~عنترة: # جوانح قد أيقن أن قبيله * إذا ما التقى الجمعان أول غالب يعني الطير، ~~والسلم: الصلح. قرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل بكسر السين، وقرأ ~~الباقون بفتحها. # وقرأ العقيلي (فاجنح) بضم النون، وقرأ الباقون بفتحها. والأولى لغة قيس، ~~والثانية لغة تميم. قال ابن جنى: # ولغة قيس هي القياس، والسلم تؤنث كما تؤنث الحرب، أو هي مؤولة بالخصلة، ~~أو الفعلة. # وقد اختلف أهل العلم هل هذه الآية منسوخة أم محكمة؟ فقيل هي منسوخة بقوله ~~- فاقتلوا المشركين - وقيل ليست بمنسوخة، لأن المراد بها قبول ms1458 الجزية، وقد ~~قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصة بأهل الكتاب، وقيل إن المشركين ~~إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه، وتمسك المانعون من مصالحة المشركين ~~بقوله تعالى - ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم - ~~وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة وقوة لا إذا لم يكونوا ~~كذلك، فهو جائز كما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من مهادنة قريش، وما ~~زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وكلام أهل العلم في هذه المسئلة معروف مقرر ~~في مواطنه (وتوكل على الله) في جنوحك للسلم ولا تخف من مكرمهم، ف‍ (إنه) ~~سبحانه (هو السميع) لما يقولون (العليم) بما يفعلون (وإن يريدوا أن يخدعوك) ~~بالصلح، وهم مضمرون الغدر والخدع (فإن حسبك الله) أي كافيك ما تخافه من ~~شرورهم بالنكث والغدر، وجملة (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) تعليلية: أي ~~لا تخف من خدعهم ومكرهم فإن الله الذي قواك عليهم بالنصر فيما مضى، وهو يوم ~~بدر هو الذي سينصرك ويقويك عليهم عند حدوث الخدع والنكث. والمراد بالمؤمنين ~~المهاجرون والأنصار، ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال (وألف بين ~~قلوبهم) وظاهره العموم وأن ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر التي ~~أيد الله بها رسوله. وقال جمهور المفسرين: المراد الأوس والخزرج، فقد كان ~~بينهم عصبية شديدة وحروب عظيمة فألف الله بين قلوبهم بالإيمان برسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، ~~والحمل على العموم أولى، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم ~~بعضا ولا يحترم ماله ولا دمه، حتى جاء الإسلام فصاروا يدا واحدة، وذهب ما ~~كان بينهم من العصبية، وجملة (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم) مقررة لمضمون ما قبلها. والمعنى أن ما كان بينهم من العصبية ~~والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له ~~جميع ما في الأرض لم يتم له ما طلبه من التأليف، لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم ~~جدا ms1459 (ولكن الله ألف بينهم) بعظيم قدرته PageV02P322 # وبديع صنعه (إنه عزيز) لا يغالبه مغالب، ولا يستعصي عليه أمر من الأمور ~~(حكيم) في تدبيره ونفوذ نهيه وأمره. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وإن جنحوا للسلم) ~~قال: قريظة. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في الآية قال: نزلت في بني قريظة ~~نسختها - فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم - إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال: السلم الطاعة. وأخرج أبو الشيخ عنه في الآية قال: إن رضوا ~~فارض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: إن أرادوا الصلح فأرده. ~~وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~الآية قال: نسختها هذه الآية - قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر - إلى قوله - وهم صاغرون -. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس في ~~ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة قال: ثم نسخ ذلك - فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم -. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ~~(وإن يريدوا أن يخدعوك) قال: قريظة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ~~(وبالمؤمنين) قال: بالأنصار. # وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~نحوه أيضا. وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا ~~الله، أنا الله وحدي لا شريك لي، ومحمد عبدي ورسولي أيدته بعلمي، وذلك قوله ~~(هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن ~~أبي الدنيا والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود أن هذه الآية نزلت في ~~المتحابين في الله (لو أنفقت ما في الأرض جميعا) الآية. وأخرج أبو عبيد ~~وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، واللفظ له عن ابن عباس ~~قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب، يقول ~~الله (لو أنفقت ما في ms1460 الأرض جميعا) الآية. وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي عنه نحوه، وليس في هذا عن ابن ~~عباس ما يدل على أنه سبب النزول، ولكن الشأن في قول ابن مسعود رضي الله ~~عنه: إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله مع أن الواقع قبلها (هو الذي ~~أيدك بنصره وبالمؤمنين) والواقع بعدها (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك ~~من المؤمنين) ومع كون الضمير في قوله (ما ألفت بين قلوبهم) يرجع إلى ~~المؤمنين المذكورين قبله بلا شك ولا شبهة، وكذلك الضمير في قوله (ولكن الله ~~ألف بينهم) فإن هذا يدل على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد ~~الله بهم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. # سورة الأنفال الآية (64 - 66) قوله (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك ~~من المؤمنين) ليس هذا تكريرا لما قبله فإن الأول مقيد بإرادة PageV02P323 # الخدع - وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله - فهذه كفاية خاصة، وفي قوله ~~(يا أيها النبي حسبك الله) كفاية عامة غير مقيدة: أي حسبك الله في كل حال، ~~والواو في قوله (ومن اتبعك) يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الشريف. ~~والمعنى: حسبك الله وحسبك المؤمنون: أي كافيك الله وكافيك المؤمنون، ويحتمل ~~أن تكون بمعنى مع كما تقول: حسبك وزيدا درهم، والمعنى: كافيك وكافي ~~المؤمنين الله، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما ~~تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون. قال الفراء: ليس بكثير في كلامهم أن ~~تقول حسبك وأخيك، بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار، فلو ~~كان قوله (ومن اتبعك) مجرورا لقيل: حسبك الله وحسب من اتبعك، واختار النصب ~~على المفعول معه النحاس. وقيل يجوز أن يكون المعنى: ومن اتبعك من المؤمنين ~~حسبهم الله فحذف الخبر. قوله (حرض المؤمنين على القتال) أي حثهم وحضهم، ~~والتحريض في اللغة: المبالغة في الحث وهو كالتحضيض، مأخوذ من الحرض، وهو أن ~~ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك ms1461 لو تخلف ~~عن المأمور به، ثم بشرهم تثبيتا لقلوبهم وتسكينا لخواطرهم بأن الصابرين ~~منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار، فقال (إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين) ثم زاد هذا إيضاحا مفيدا لعدم اختصاص هذه البشارة ~~بهذا العدد، بل هي جارية في كل عدد فقال (وإن تكن منكم مائة يغلبوا ألفا) ~~وفي هذا دلالة على أن الجماعة من المؤمنين قليلا كانوا أو كثيرا لا يغلبهم ~~عشرة أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك، ~~فكم من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين، بل مثل ~~نصفهم بل مثلهم. وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا في الخارج لا يخالف ما في الآية ~~لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر، وقيل إن هذا ~~الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر كقوله تعالى - والوالدات يرضعن - ~~والمطلقات يتربصن - فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن تثبت ~~الجماعة منهم لعشرة أمثالهم، ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص ~~لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال (فإن تكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين) إلى آخر الآية. فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار. ~~وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ضعفا بفتح الضاد. وقوله (بأنهم قوم لا يفقهون) ~~متعلق بقوله (يغلبوا) أي إن هذا الغلب بسبب جهلهم وعدم فقههم، وأنهم ~~يقاتلون على غير بصيرة. # ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب. وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب ~~العشرين للمائتين، والمائة للألف أن سراياه التي كان يبعثها صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان لا ينقص عددها عن العشرين ولا يجاوز المائة، وقيل في التنصيص ~~فيما بعد ذلك على غلب المائة للمائتين والألف للألفين على أنه بشارة ~~للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف. ثم ~~أخبرهم بأن هذا الغلب هو بإذن الله وتسهيله وتيسيره لا بقوتهم وجلادتهم، ثم ~~بشرهم بأنه مع الصابرين، وفيه الترغيب إلى ms1462 الصبر والتأكيد عليهم بلزومه ~~والتوصية به. وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر، لأن من كان ~~الله معه لم يستقم لأحد أن يغلبه. وقد اختلف أهل العلم هل هذا التخفيف نسخ ~~أم لا؟ ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. # وقد أخرج البزار عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف ~~القوم منا اليوم. وأنزل الله (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين). وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: # لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعة وثلاثون رجلا وامرأة، ثم ~~إن عمر أسلم صاروا أربعين فنزل (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين). وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير ~~قال: # لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة وثلاثون وست نسوة ثم ~~أسلم عمر نزلت (يا أيها النبي حسبك الله PageV02P324 # وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن الزهري في الآية قال: نزلت في الأنصار. ~~وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي ~~في قوله (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) قال: # حسبك الله وحسب من اتبعك. وأخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لما نزلت (إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) فكتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، وأن ~~لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت (الآن خفف الله عنكم) الآية فكتب أن لا ~~يفر مائة من مائتين قال سفيان وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من ~~تركهم وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن ~~عباس قال: لما نزلت (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) شق ذلك على ~~المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من ms1463 عشرة، فجاء التخفيف (الآن خفف ~~الله عنكم) الآية قال: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما ~~خفف عنهم. # سورة الأنفال الآية (67 - 69) هذا حكم آخر من أحكام الجهاد. ومعنى (ما ~~كان لنبي) ما صح له وما استقام، قرأ أبو عمرو وسهيل ويعقوب ويزيد والمفضل ~~أن تكون بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية، وقرأ أيضا يزيد والمفضل " أسارى ~~" وقرأ الباقون " أسرى " والأسرى جمع أسير، مثل قتلى وقتيل، وجرحى وجريح، ~~ويقال في جمع أسير أيضا أسارى بضم الهمزة وبفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو ~~القد، لأنهم كانوا يشدون به الأسير، فسمى كل أخيذ وإن لم يشد بالقد أسيرا. ~~قال الأعشى: # وقيدني الشعر في بيته * كما قيدت الأسرات الحمارا وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون والأسارى هم الموثقون ربطا. ~~والإثخان: # كثرة القتل والمبالغة فيه، تقول العرب: أثخن فلان في هذا الأمر: أي بالغ ~~فيه فالمعنى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يبالغ في قتل الكافرين ~~ويستكثر من ذلك، وقيل معنى الإثخان: التمكن، وقيل هو القوة. أخبر الله ~~سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم ثم لما كثر ~~المسلمون رخص الله في ذلك فقال: # - فإما منا بعد وإما فداء - كما يأتي في سورة القتال إن شاء الله. قوله ~~(تريدون عرض) الحياة (الدنيا) أي نفعها ومتاعها بما قبضتم من الفداء، وسمى ~~عرضا لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابل الجواهر (والله يريد ~~الآخرة) أي يريد لكم الدار الآخرة بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان ~~بالقتل. وقرئ " يريد الآخرة " بالجر على تقدير مضاف وهو المذكور قبله: أي ~~والله يريد عرض الآخرة (والله عزيز) لا يغالب (حكيم) في كل أفعاله. قوله ~~(لولا كتاب الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) اختلف المفسرون في هذا ~~الكتاب الذي سبق ما هو؟ على أقوال: الأول ما سبق في علم الله من أنه سيحل ~~لهذه الأمة الغنائم بعد أن كانت محرمة على سائر الأمم. PageV02P325 # والثاني ms1464 أنه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر كما في ~~الحديث الصحيح " إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم ". القول الثالث هو أنه لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيهم كما قال سبحانه - وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم -. القول الرابع أنه ~~لا يعذب أحدا بذنب فعله جاهلا لكونه ذنبا. القول الخامس أنه ما قضاه الله ~~من محو الصغائر باجتناب الكبائر. القول السادس أنه لا يعذب أحدا إلا بعد ~~تأكيد الحجة وتقديم النهي ولم يتقدم نهي عن ذلك. وذهب ابن جرير الطبري إلى ~~أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمها (لمسكم) أي لحل بكم (فيما ~~أخذتم) أي لأجل ما أخذتم من الفداء (عذاب عظيم) والفاء في (فكلوا مما ~~غنمتم) لترتيب ما بعدها على سبب محذوف: أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما ~~غنمتم ويجوز أن تكون عاطفة على مقدر محذوف: أي اتركوا الفداء فكلوا مما ~~غنمتم من غيره، وقيل إن (ما) عبارة عن الفداء: أي كلوا من الفداء الذي ~~غنمتم فإنه من جملة الغنائم التي أحلها الله لكم و (حلالا طيبا) منتصبان ~~على الحال أو صفة المصدر المحذوف: أي أكلا حلالا طيبا (واتقوا الله) فيما ~~يستقبل فلا تقدموا على شئ لم يأذن الله لكم به (إن الله غفور) لما فرط منكم ~~(رحيم) بكم فلذلك رخص لكم في أخذ الفداء في مستقبل الزمان. # وقد أخرج أحمد عن أنس قال: استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس ~~في الأسارى يوم بدر فقال: # إن الله قد أمكنكم منهم. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب ~~أعناقهم. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم عاد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم ~~إخوانكم بالأمس، فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم عاد فقال مثل ms1465 ذلك فقام أبو بكر الصديق ~~فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل ~~منهم الفداء، فأنزل الله (لولا كتاب من الله سبق) الآية. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر ~~جئ بالأسارى وفيهم العباس فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ترون ~~في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم لعل ~~الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم ~~فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير ~~الحطب فأضرمه عليهم نارا فقال العباس وهو يسمع: قطعت رحمك فدخل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عليهم ولم يرد عليهم شيئا، فقال أناس: يأخذ بقول أبي ~~بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال قوم: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه ~~حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من ~~الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال - من تبعني فإنه منى ~~ومن عصاني فإنك غفور رحيم - ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام إذ قال ~~- إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم -، ومثلك يا ~~عمر مثل نوح عليه السلام إذ إذ قال - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا -، ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال - ربنا اطمس على ~~أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم - أنتم عالة ~~فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. فقال عبد الله: يا رسول الله ~~إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف ms1466 من أن تقع على الحجارة من السماء من ذلك ~~اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إلا سهيل بن بيضاء، ~~فأنزل الله (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) الآية. PageV02P326 # وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الأسارى يوم بدر " إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم ~~فاديتم واستمتعتم بالفداء. واستشهد منكم بعدتهم. فكان آخر السبعين ثابت بن ~~قيس استشهد باليمامة ". وأخرج عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة عن عبيدة ~~نحوه. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر قال: لما أسر الأسارى يوم ~~بدر أسر العباس فيمن أسره، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن ~~يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار ~~أنهم قاتلوه، فقال له عمر: فآتيهم؟ قال نعم، فأتى عمر الأنصار فقال: أرسلوا ~~العباس، فقالوا: لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم رضا، قالوا: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رضا فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له: يا عباس أسلم، فوالله ~~إن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله أبا بكر فقال ~~أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله، (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) الآية. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (حتى يثخن في الأرض) ~~يقول حتى يظهروا على الأرض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ~~مجاهد قال: الإثخان هو القتل. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد أيضا في الآية قال: ثم نزلت ~~الرخصة بعد، ms1467 إن شئت فمن، وإن شئت ففاد. وأخرج ابن المنذر عن قتادة (تريدون ~~عرض الدنيا) قال: أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر الفداء ~~ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة (تريدون عرض ~~الدنيا) قال: الخراج. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (لولا كتاب من ~~الله سبق) قال: سبق لهم المغفرة. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: ما سبق لأهل بدر من ~~السعادة. وأخرج النسائي وابن مردويه وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: سبقت لهم ~~من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية. وأخرج أبو حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد قال: سبق أن لا يعذب أحدا حتى يبين له ويتقدم إليه. # سورة الأنفال الآية (70 - 71) اختلاف القراء في أسرى والأسارى هو هنا كما ~~سبق في الآية قبل هذه. خاطب الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا: أي ~~قل لهؤلاء الأسرى الذين هم في أيديكم أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء ~~(إن يعلم الله في قلوبكم خيرا) من حسن إيمان، وصلاح نية، وخلوص طوية (يؤتكم ~~خيرا مما أخذ منكم) من الفداء: أي يعوضكم في هذه الدنيا رزقا خيرا منه، ~~وأنفع لكم، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة (ويغفر ~~لكم) ذنوبكم (والله غفور رحيم) شأنه المغفرة لعباده والرحمة لهم، ولما ذكر ~~ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه PageV02P327 # خيرا ذكر من هو على ضد ذلك منهم فقال (وإن يريدوا خيانتك) بما قالوه لك ~~بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدقوك ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية ~~خالصة، بل هو مما كرة ومخادعة، فليس ذلك بمستبعد منهم فإنهم قد فعلوا ما هو ~~أعظم منه، وهو أنهم خانوا الله من قبل أن تظفر بهم، فكفروا به وقاتلوا ~~رسوله (فأمكن منهم) بأن نصرك عليهم في يوم بدر فقتلت منهم من قتلت وأسرت من ~~أسرت (والله عليم) بما في ضمائرهم (حكيم) في أفعاله بهم. # وقد أخرج ms1468 الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة ~~في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فداء ~~أبي العاص وبعثت فيه بقلادة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~رق رقة شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وقال العباس: إني كنت ~~مسلما يا رسول الله، قال: الله أعلم بإسلامك، فإن تكن كما تقول فالله ~~يجزيك، فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب وحليفك ~~عتبة بن عمرو، قال: ما ذاك عندي يا رسول الله، قال: فأين المال الذي دفنت ~~أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبت فهذا المال لبني؟ فقال: والله يا رسول ~~الله إن هذا لشئ ما علمه غيري وغيرها، فاحسب لي ما أصبتم مني عشرون أوقية ~~من مال كان معي، قال: لا أفعل، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ونزلت (قل لمن ~~في أيديكم من الأسرى) الآية، فأعطاني مكان العشرين الأوقية في الإسلام ~~عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله. وأخرج ابن ~~سعد والحاكم وصححه عن أبي موسى أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بمال من البحرين ثمانين ألفا، فما أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مال أكثر منه، فنشر على حصير، وجاء الناس فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيهم، وما كان يومئذ عدد ولا وزن، فجاء ~~العباس فقال: يا رسول الله إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر أعطني من ~~هذا المال، فقال: خذ، فحثا في خميصته ثم ذهب ينصرف فلم يستطع، فرفع رأسه ~~وقال: # يا رسول الله ارفع علي، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذهب ~~وهو يقول: أما أحد للذين وعد الله فقد أنجزنا وما ندري ما يصنع في الأخرى ~~(قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما ~~أخذ منكم ويغفر ms1469 لكم) فهذا خير مما أخذ مني ولا أدرى ما يصنع في المغفرة. ~~والروايات في هذا الباب كثيرة وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس في ~~الآية قال: نزلت في الأسارى يوم بدر منهم العباس بن عبد المطلب. ونوفل بن ~~الحارث، وعقيل بن أبي طالب. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عنه في قوله (وإن ~~يريدوا خيانتك) إن كان قولهم كذبا (فقد خانوا الله من قبل) فقد كفروا ~~وقاتلوك (فأمكن‍) ك الله (منهم). # سورة الأنفال الآية (72 - 73) PageV02P328 # سورة الأنفال الآية (74 - 75) ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ~~ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة ~~بهذا الاسم، لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلبا لما عند الله، وإجابة ~~لداعيه (والذين آووا ونصروا) هم الأنصار والإشارة بقوله (أولئك) إشارة إلى ~~الموصول الأول والآخر، وهو مبتدأ وخبره الجملة المذكورة بعده، ويجوز أن ~~يكون (بعضهم) بدلا من اسم الإشارة، والخبر (أولياء بعض) أي بعضهم أولياء ~~بعض في النصرة والمعونة وقيل المعنى: إن بعضهم أولياء بعض في الميراث. وقد ~~كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه (وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض). قوله (والذين آمنوا) مبتدأ، وخبره (مالكم من ولايتهم من ~~شئ). قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " من ولايتهم " بكسر الواو. وقرأ ~~الباقون بفتحها: أي مالكم من نصرتهم وإعانتهم، أو من ميراثهم، ولو كانوا من ~~قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم (حتى يهاجروا) فيكون لهم ما كان للطائفة ~~الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة (وإن استنصروكم) أي هؤلاء الذين آمنوا ~~ولم يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين (فعليكم النصر) أي ~~فواجب عليكم النصر (إلا) أن يستنصروكم (على قوم بينكم وبينهم ميثاق) فلا ~~تنصروهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته. قال ~~الزجاج: ويجوز فعليكم النصر بالنصب على الإغراء. قوله (والذين كفروا) مبتدأ ~~خبره (بعضهم أولياء بعض) أي بعضهم ينصر بعضا ويتولاه في أموره، أو يرثه إذا ~~مات، وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم. ms1470 قوله (إلا ~~تفعلوه) الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم ~~على التفصيل المذكور، وترك موالاة الكافرين (تكن فتنة في الأرض) أي تقع ~~فتنة إن لم تفعلوا ذلك (وفساد كبير) أي مفسدة كبيرة في الدين والدنيا، ثم ~~بين سبحانه حكما آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله ~~والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار، فقال (أولئك هم ~~المؤمنون حقا) أي الكاملون في الإيمان، وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه ~~وارد في الثناء على هؤلاء، والأول وارد في إيجاب الموالاة والنصرة، ثم أخبر ~~سبحانه أن (لهم) منه (مغفرة) لذنوبهم في الآخرة (و) لهم في الدنيا (رزق ~~كريم) خالص عن الكدر طيب مستلذ، ثم أخبر سبحانه بأن من هاجر بعد هجرتهم ~~وجاهد مع المهاجرين الأولين والأنصار فهو من جملتهم: أي من جملة المهاجرين ~~الأولين والأنصار في استحقاق ما استحقوه من الموالاة والمناصرة وكمال ~~الإيمان والمغفرة والرزق الكريم، ثم بين سبحانه بأن أولى الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث، والمراد بهم ~~القرابات فيتناول كل قرابة، وقيل المراد بهم هنا العصبات، قالوا: ومنه قول ~~العرب: وصلتك رحم فإنهم لا يريدون قرابة الأم. قالوا: ومنه قول قتيلة: ظلت ~~سيوف بني أبيه تنوشه * لله أرحام هناك تشقق ولا يخفاك أنه ليس في هذا ما ~~يمنع من إطلاقه على غير العصبات، وقد استدل بهذه الآية من أثبت ميراث ذوي ~~الأرحام، وهم من ليس بعصبة ولا ذي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، ~~والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه، وقد قيل إن هذه الآية ناسخة للميراث ~~بالموالاة والنصرة عند من فسر ما تقدم من قوله PageV02P329 # (بعضهم أولياء بعض) وما بعده بالتوارث، وأما من فسرها بالنصرة والمعونة ~~فيجعل هذه الآية إخبارا منه سبحانه وتعالى بأن القرابات (بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله) أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن، ويدخل في هذه ~~الأولوية الميراث دخولا أوليا لوجود سببه، ms1471 أعني القرابة (إن الله بكل شئ ~~عليم) لا يخفى عليه شئ من الأشياء كائنا ما كان، ومن جملة ذلك ما تضمنته ~~هذه الآيات. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (إن الذين آمنوا ~~وهاجروا) الآية قال: إن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على ثلاث منازل، منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه، وفي قوله ~~(والذين آووا ونصروا) قال: آووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة وشهروا ~~السيوف على من كذب وجحد، فهذان مؤمنان جعل الله بعضهم أولياء بعض، وفي قوله ~~(والذين آمنوا ولم يهاجروا) قال: كانوا يتوارثون بينهم إذا توفى المؤمن ~~المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم ~~يهاجر ولم ينصر، فبرأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية ~~التي قال (ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين ~~فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) كان حقا على المؤمنين الذين ~~آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قوتلوا إلا أن يستنصروا ~~على قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميثاق، فلا نصر لهم ~~عليهم إلا على العدو الذي لا ميثاق لهم، ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحق كل ~~ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين آمنوا (والذين آمنوا ولم يهاجروا) فجعل لكل ~~إنسان من المؤمنين نصيبا مفروضا لقوله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) ~~الآية، وفي رواية لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (أولئك ~~بعضهم أولياء بعض) قال: يعني في الميراث جعل الله الميراث للمهاجرين ~~والأنصار دون الأرحام (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ) ~~ما لكم من ميراثهم من شئ (حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين) يعنى إن ~~استنصر الأعراب المسلمون المهاجرين والأنصار على عدو لهم فعليهم أن ينصروهم ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، فكانوا يعملون على ذلك حتى أنزل الله هذه ~~الآية (وأولوا الأرحام بعضهم ms1472 أولى ببعض) فنسخت الآية التي قبلها، وصارت ~~المواريث لذوي الأرحام. وأخرج أبو عبيد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في هذه الآيات قال: كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه ~~وهو مؤمن، ولا يرث الأعرابي المهاجر، فنسختها هذه الآية (وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عنه أيضا قال: قال رجل من المسلمين: لنورثن ذوي القربى منا من ~~المشركين، فنزلت (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير). وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جرير بن عبد ~~الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " المهاجرون بعضهم ~~أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم ~~أولياء بعض في الدنيا والآخرة ". وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أسامة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم ~~كافرا، ولا كافر مسلما، ثم قرأ (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) الآية ". ~~وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن الزبير بن ~~العوام قال: أنزل الله فينا خاصة معشر قريش (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله) وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال ~~لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم فآخونا، فآخى أبو ~~بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانا، وآخى عثمان بن عفان رجلا من بني زريق بن ~~أسعد الزرقي، قال الزبير: وآخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما ~~PageV02P330 # كان يوم أحد قيل لي قد قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته فوجدت ~~السلاح قد ثقلته فيما يرى، فوالله يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه ~~غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار فرجعنا إلى ~~مواريثنا. وأخرج أبو داود الطيالسي والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله ms1473 وسلم بين أصحابه وورث ~~بعضهم من بعض، حتى نزلت هذه الآية (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) فتركوا ~~ذلك وتوارثوا بالنسب. # تفسير سورة براءة هي مائة وثلاثون آية، وقيل مائة وسبع وعشرون آية. ولها ~~أسماء: منها سورة التوبة، لأن فيها التوبة على المؤمنين، وتسمى الفاضحة ~~لأنه ما زال ينزل فيها: ومنهم، ومنهم حتى كادت أن لا تدع أحدا، وتسمى ~~البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين، وتسمى المبعثرة، والبعثرة البحث، ~~وتسمى أيضا بأسماء أخر كالمقشقشة، لكونها تقشقش من النفاق: أي تبرئ منه، ~~والمخزية لكونها أخزت المنافقين، والمثيرة لكونها تثير أسرارهم، والحافرة ~~لكونها تحفر عنها، والمنكلة لما فيها من التنكيل لهم، والمدمدمة لأنها ~~تدمدم عليهم. # وهي مدنية. قال القرطبي باتفاق. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: نزلت ~~براءة بعد فتح مكة. وأخرج ابن مردويه عنه قال: نزلت سورة التوبة بالمدينة. ~~وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج ابن المنذر عن قتادة ~~نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن المنذر ~~والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء قال: آخر آية نزلت - يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة - وآخر سورة نزلت تامة براءة. # وقد اختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أولها على أقوال. الأول عن ~~المبرد وغيره: أنه كان من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد، فإذا ~~أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتابا ولم يكتبوا فيه بسملة، فلما نزلت براءة بنقض ~~العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين، بعث بها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي ابن أبي طالب فقرأها عليهم ولم يبسمل في ~~ذلك على ما جرت به عادة العرب، وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: سألت علي بن أبي طالب لم لا تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ ~~قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان. وبراءة نزلت بالسيف. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس ~~قال: ms1474 قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من ~~المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر ~~بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول ما حملكم على ذلك؟ فقال ~~عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو ~~ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب ~~فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت ~~الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت ~~قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولم يبين لنا أنها منها. فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ~~بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطول. وأخرج أبو الشيخ عن ~~PageV02P331 # أبي رجاء قال: سألت الحسن عن الأنفال وبراءة أسورتان أو سورة؟ قال: ~~سورتان. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة قال: ~~يسمون هذه السورة سورة التوبة، وهي سورة العذاب. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس ~~قال: في هذه السورة هي الفاضحة ما زالت تنزل، ومنهم حتى ظننا أنه لا يبقى ~~منا أحد إلا ذكر فيها. وأخرج أبو الشيخ عن عمر نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن ~~مردويه عن زيد بن أسلم أن رجلا قال لعبد الله بن عمر سورة التوبة، فقال ابن ~~عمر: وأيتهن سورة التوبة، ثم قال: وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي؟ ما كنا ~~ندعوها إلا المقشقشة. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: يسمونها سورة ~~التوبة، وإنها لسورة عذاب. وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق قال: كانت براءة ~~تسمى في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعده المبعثرة لما كشفت من ~~سرائر الناس. وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبيد بن عمير قال: كانت ~~براءة تسمى المنقرة نقرت عما في قلوب المشركين وأخرج أبو عبيد وسعيد بن ~~منصور وأبو الشيخ والبيهقي ms1475 في الشعب عن أبي عطية الهمداني قال: كتب عمر بن ~~الخطاب: تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور. ومن جملة الأقوال في ~~حذف البسملة أنها كانت تعدل سورة البقرة أو قريبا منها، وأنه لما سقط أولها ~~سقطت البسملة، روى هذا عن مالك بن أنس وابن عجلان. ومن جملة الأقوال في ~~سقوط البسملة أنهم لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلف الصحابة فقال ~~بعضهم: براءة والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم: هما سورتان، فتركت بينهما ~~فرجة لقول من قال هما سورتان، وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال ~~هما سورة واحدة، فرضي الفريقان. قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما. وقول من ~~جعلهما سورة واحدة أظهر، لأنهما جميعا في القتال، وتعدان جميعا سابعة السبع ~~الطوال. # سورة براءة الآية (1 - 3) قوله (براءة من الله ورسوله) برئت من الشئ أبرأ ~~براءة، وأنا منه برئ: إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه، وبراءة ~~مرتفعة على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي هذه براءة، ويجوز أن ترتفع على ~~الابتداء لأنها نكرة موصوفة، والخبر (إلى الذين عاهدتم). وقرأ عيسى بن عمر ~~(براءة) بالنصب على تقدير اسمعوا براءة، أو على تقدير التزموا براءة، لأن ~~فيها معنى الإغراء، و " من " في قوله (من الله) لابتداء الغاية متعلق ~~بمحذوف وقع صفة: # أي واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم. وقرأ روح وزيد بنصب رسوله، ~~وقرأ الباقون بالرفع. والعهد: # العقد الموثق باليمين. والخطاب في عاهدتم للمسلمين، وقد كانوا عاهدوا ~~مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله ومن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والمعنى: الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة بسبب ~~PageV02P332 # ما وقع من الكفار من النقض، فصار النبذ إليهم بعهدهم واجبا على المعاهدين ~~من المسلمين، ومعنى براءة الله سبحانه وقوع الإذن منه سبحانه بالنبذ من ~~المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم، وفي ذلك التفخيم لشأن البراءة ~~والتهويل لها والتسجيل على المشركين بالذل والهوان ما لا يخفى. قوله ~~(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) هذا أمر منه سبحانه ms1476 بالسياحة بعد الإخبار ~~بتلك البراءة، والسياحة: السير، يقال ساح فلان في الأرض يسيح سياحة وسيوحا ~~وسيحانا، ومنه سيح الماء في الأرض وسيح الخيل، ومنه قول طرفة بن العبد: # لو خفت هذا منك ما نلتني * حتى ترى خيلا أمامي تسيح ومعنى الآية أن الله ~~سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم أباح للمشركين الضرب في ~~الأرض والذهاب إلى حيث يريدون والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر، وليس ~~المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها، قال محمد بن إسحاق وغيره: إن ~~المشركين صنفان: صنف كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة ~~أشهر والآخر كانت أكثر من ذلك فقصر على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه، وهو حرب ~~بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد، وابتداء هذا الأجل يوم الحج ~~الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله ~~انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوما: عشرون من ذي الحجة وشهر محرم. وقال ~~الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عهد دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر ~~الله أن يتم له عهده بقوله " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " ورجح هذا ابن ~~جرير وغيره، وسيأتي في آخر البحث من الرواية ما يتضح به معنى الآية ~~(واعلموا أنكم غير معجزي الله) أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز، ولكن ~~لمصلحة ليتوب من تاب، وفي ذلك ضرب من التهديد كأنه قيل: # افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات، فإنكم لا ~~تفوتون الله وهو مخزيكم: أي مذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي ~~الآخرة بالعذاب، وفي وضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أن سبب هذا الإخزاء ~~هو الكفر، ويجوز أن يكون المراد جنس الكافرين فيدخل فيه المخاطبون دخولا ~~أوليا. قوله (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر) ارتفاع أذان ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ خبره ما ms1477 بعده على ما تقدم في ~~ارتفاع براءة، والجملة هذه معطوفة على جملة " براءة من الله ورسوله " وقال ~~الزجاج: إن قوله و " أذان " معطوف على قوله براءة. واعترض عليه بأن الأمر ~~لو كان كذلك لكن أذان مخبر عنه بالخبر الأول، وهو " إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين " وليس ذلك بصحيح، بل الخبر عنه هو " إلى الناس " والأذان بمعنى ~~الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، ومعنى ~~قوله (إلى الناس) التعميم في هذا: أي أنه إيذان من الله إلى كافة الناس غير ~~مختص بقوم دون قوم، فهذه الجملة متضمنة للإخبار بوجوب الإعلام لجميع الناس، ~~والجملة الأولى متضمنة للإخبار بالبراءة إلى المعاهدين خاصة، و (يوم الحج) ~~ظرف لقوله وأذان، ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس، أو لكون معظم أفعال ~~الحج فيه. # وقد اختلف العلماء في تعيين هذا اليوم المذكور في الآية، فذهب جمع منهم ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة ومجاهد أنه يوم ~~النحر، ورجحه ابن جرير. وذهب آخرون منهم عمر وابن عباس وطاوس أنه يوم عرفة. ~~والأول أرجح، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر من بعثه لإبلاغ هذا ~~إلى المشركين أن يبلغهم يوم النحر. قوله (أن الله برئ من المشركين ورسوله) ~~قرئ بفتح أن على تقدير بأن الله برئ من المشركين. فحذفت الباء تخفيفا. وقرئ ~~بكسرها، لأن في الإيذان معنى القول، وارتفاع رسوله على أنه معطوف ~~PageV02P333 # على موضع اسم أن، أو على الضمير في برئ، أو على أنه مبتدأ وخبره محذوف، ~~والتقدير: ورسوله برئ منهم. وقرأ الحسن وغيره (ورسوله) بالنصب عطفا على لفظ ~~اسم أن. وقرئ " ورسوله " بالجر على أن الواو للقسم، روى ذلك عن الحسن، وهي ~~قراءة ضعيفة جدا، إذ لا معنى للقسم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ها ~~هنا مع ما ثبت من النهي عن الحلف بغير الله، وقيل إنه مجرور على الجوار. ~~قوله (فإن تبتم) أي من الكفر، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، قيل ~~وفائدة هذا ms1478 الالتفات زيادة التهديد، والضمير في قوله (فهو) راجع إلى التوبة ~~المفهومة من تبتم (خير لكم) مما أنتم فيه من الكفر (وإن توليتم) أي أعرضتم ~~عن التوبة وبقيتم على الكفر (فاعلموا أنكم غير معجزي الله) أي غير فائتين ~~عليه، بل هو مدرككم فمجازيكم بأعمالكم. قوله (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) ~~هذا تهكم بهم، وفيه من التهديد ما لا يخفى. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) إلى أهل العهد ~~خزاعة ومدلج ومن كان له عهد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك ~~حين فرغ منها فأراد الحج، ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا ~~أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعليا فطافا في الناس بذي ~~المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها، أو بالموسم كله، فآذنوا أصحاب ~~العهد أن يأمنوا أربعة أشهر، وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات عشرون ~~من آخر ذي الحجة إلى عشر تخلو من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم وآذن الناس ~~كلهم بالقتال إلى أن يموتوا. وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد ~~المسند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي قال لما نزلت عشر آيات من براءة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني ~~فقال لي أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه فاقرأه على أهل مكة، ~~فلحقته فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر وقال: يا رسول الله نزل في شئ. قال ~~لا. # ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ وابن مردويه من حديث أنس نحوه. وأخرج ~~ابن مردويه من حديث سعد بن أبي وقاص نحوه أيضا. # وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كنت مع ~~علي حين بعثه رسول الله صلى ms1479 الله عليه وآله وسلم إلى أهل مكة ببراءة، فكنا ~~ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد فإن أجله وأمده إلى أربعة أشهر ~~فإذا مضت الأربعة أشهر فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت ~~بعد العام مشرك. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: بعثني أبو ~~بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد ~~هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم علي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن علي في يوم النحر ببراءة: ~~أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وأخرج الترمذي وحسنه ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء ~~الكلمات، ثم أتبعه عليا وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، فانطلقا فحجا، فقام ~~علي في أيام التشريق فنادى: إن الله برئ من المشركين ورسوله فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا ~~يدخل الجنة إلا مؤمن، فكان علي ينادي، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن المنذر ~~والنحاس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن زيد بن تبيع ~~قال: سألت عليا بأي شئ بعثت مع أبي بكر في PageV02P334 # الحج؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ولا يطوف بالبيت ~~عريان. ولا يجتمع مؤمن وكافر بالمسجد الحرام بعد عامهم هذا. ومن كان بينه ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لم يكن له ~~عهد فأجله أربعة أشهر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(براءة من الله ورسوله) الآية قال: ms1480 حد الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر ~~يسيحون فيها حيث شاءوا، وحد أجل من ليس له عهد انسلاخ الأربعة الأشهر الحرم ~~من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم خمسين ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره ~~أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام ونقض ما سمى لهم من العهد ~~والميثاق، وأذهب الشرط الأول (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) يعني ~~أهل مكة. وأخرج النحاس عنه نحو هذا، وقال: ولم يعاهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعد هذا أحدا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والنحاس عن الزهري (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) قال: نزلت في شوال فهي ~~الأربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن زيد في قوله (وأذان من الله ورسوله) قال: هو إعلام من الله ورسوله. # وأخرج الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم ابن مردويه عن علي قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر. ~~وأخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وأبو الشيخ عنه من قوله. وأخرج أبو داود ~~والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر ". وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " يوم ~~الأضحى هذا يوم الحج الأكبر ". وأخرج البخاري تعليقا وأبو داود وابن ماجة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في ~~الحلية عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقف يوم النحر ~~بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: ~~هذا يوم الحج الأكبر. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه ~~عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت ms1481 عريان، ويوم الحج الأكبر: يوم النحر، والحج ~~الأكبر: الحج، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو ~~بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مشرك، وأنزل الله في العام الذي نبذ فيه أبو بكر ~~إلى المشركين - يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس - الآية. وأخرج ~~الطبراني عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال زمن ~~الفتح " إن هذا عام الحج الأكبر، قال: اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ~~ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع النصارى واليهود في ثلاثة أيام متتابعات، ~~فاجتمع حج المسلمين والمشركين والنصارى واليهود في ستة أيام متتابعات، ولم ~~يجتمع منذ خلق السماوات والأرض كذلك قبل العام، ولا يجتمع بعد العام حتى ~~تقوم الساعة ". وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه ~~سئل عن يوم الحج الأكبر فقال: ما لكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حج فيه أبو بكر ~~استخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحج بالناس، واجتمع فيه ~~المسلمون والمشركون فلذلك سمى الحج الأكبر، ووافق عيد اليهود والنصارى. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: الحج الأكبر اليوم الثاني من ~~يوم النحر، ألم تر أن الإمام يخطب فيه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يوم عرفة هذا ~~يوم الحج الأكبر ". وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال: الحج الأكبر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير عن ~~أبي الصهباء البكري قال: سألت علي بن أبي طالب PageV02P335 # عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم عرفة. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن يوم عرفة يوم الحج الأكبر. وأخرج ابن ~~جرير عن الزبير نحوه. # ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة في كون يوم النحر هو ms1482 يوم الحج الأكبر هي ~~ثابتة في الصحيحين وغيرهم من طرق، فلا تقوى لمعارضتها هذه الروايات المصرحة ~~بأنه يوم عرفة. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي أنه سئل: # هذا الحج الأكبر، فما الحج الأصغر؟ قال: عمرة في رمضان. وأخرج ابن أبي ~~شيبة عن ابن إسحاق قال: سألت عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر فقال: الحج ~~الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر: العمرة. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ~~نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن مسعود قال: سئل سفيان بن عيينة عن ~~البشارة تكون في المكروه فقال: ألم تسمع قوله (وبشر الذين كفروا بعذاب ~~أليم). # سورة براءة الآية (4 - 6) الاستثناء بقوله (إلا الذين عاهدتم). قال ~~الزجاج: إنه يعود إلى قوله (براءة) والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى ~~المعاهدين من المشركين إلا الذين لم ينقضوا العهد منهم. وقال في الكشاف: ~~إنه مستثنى من قوله (فسيحوا) والتقدير: فقولوا لهم فسيحوا إلا الذين عاهدتم ~~ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم، قال: والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه ~~قيل بعد أن أمروا في الناكثين، ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ~~ولا تجروهم مجراهم. وقد اعترض عليه بأنه قد تخلل الفاصل بين المستثنى، ~~والمستثنى منه، وهو (وأذان من الله الخ). وأجيب بأن ذلك لا يضر لأنه ليس ~~بأجنبي، وقيل إن الاستثناء من المشركين المذكورين قبله فيكون متصلا وهو ~~ضعيف. # قوله (ثم لم ينقصوكم شيئا) أي لم يقع منهم أي نقص. وإن كان يسيرا، وقرأ ~~عكرمة وعطاء بن يسار " ينقضوكم " بالضاد المعجمة: أي لم ينقضوا عهدكم، وفيه ~~دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده. # ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بنقض ~~عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته (ولم يظاهروا عليكم أحدا) ~~المظاهرة: المعاونة: أي لم يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم (فأتموا إليهم ~~عهدهم) أي أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص (إلى مدتهم) التي عاهدتموهم ~~إليها وإن كانت أكبر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة ms1483 الناكثين من ~~القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقا، وهي أربعة أشهر أو خمسون يوما على ~~الخلاف السابق. قوله (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم) انسلاخ الشهر: تكامله جزءا فجزءا إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما ~~يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه، PageV02P336 # وأصله الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده، فاستعير لانقضاء الأشهر، يقال: ~~سلخت الشهر تسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجت منه، ومنه قول الشاعر: # إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله * كفى قاتلا سلخى الشهور وإهلالي ويقال ~~سلخت المرأة درعها: نزعته، وفي التنزيل - وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ~~-. # واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هاهنا، فقيل هي الأشهر ~~الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة وذو الحجة، ومحرم، ورجب: ثلاثة سرد، ~~وواحد فرد. ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من ~~المشركين في هذه الأشهر الحرم. وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم ~~يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين ~~يوما تنقضي بانقضاء شهر المحرم فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون، وبه ~~قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر. وروى عن ابن عباس واختاره ابن ~~جرير، وقيل المراد بها شهور العهد المشار إليها بقوله (فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم) وسميت حرما لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء ~~المشركين والتعرض لهم، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد وابن ~~إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب. وقيل هي الأشهر المذكورة في قوله (فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر). وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة، ورجحه ابن كثير، وحكاه ~~عن مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم، وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه ~~السورة إن شاء الله. ومعنى (حيث وجدتموهم) في أي مكان وجدتموهم من حل أو ~~حرم. ومعنى (خذوهم) الأسر فإن الأخيذ هو الأسير. ومعنى الحصر منعهم من ms1484 ~~التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه ~~العدو، يقال رصدت فلانا أرصده: أي رقبته، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ~~ترتقبونهم فيها. قال عامر ابن الطفيل: # ولقد علمت وما إخالك عالما * أن المنية للفتى بالمرصد وقال النابغة: ~~أعاذل إن الجهل من لذة الفتى * وإن المنايا للنفوس بمرصد وكل في (كل مرصد) ~~منتصب على الظرفية وهو اختيار الزجاج، وقيل هو منتصب بنزع الخافض: أي في كل ~~مرصد، وخطأ أبو علي الفارسي الزجاج في جعله ظرفا. وهذه الآية المتضمنة ~~للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك لا يخرج عنها ~~إلا من خصته السنة، وهو المرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل وكذلك يخصص ~~منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم، وهذه ~~الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. وقال ~~الضحاك وعطاء والسدي: هي منسوخة بقوله - فإما منا بعد وإما فداء - وأن ~~الأسير لا يقتل صبرا بل يمن عليه أو يفادى. وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة ~~لقوله - فإما منا بعد وإما فداء - وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا ~~القتل. وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان، قال القرطبي: وهو الصحيح لأن المن ~~والقتل والفداء لم تزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم من ~~أول حرب جاء بهم وهو يوم بدر. قوله (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة) أي تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل وحققوا التوبة بفعل ما هو من ~~أعظم أركان الإسلام، وهو إقامة الصلاة، وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما ~~يتعلق بالأبدان من العبادات لكونه رأسها، واكتفى بالركن الآخر المالي، وهو ~~إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات لأنه أعظمها (فخلوا ~~سبيلهم) أي اتركوهم وشأنهم فلا تأسروهم ولا PageV02P337 # تحصروهم ولا تقتلوهم (إن الله غفور) لهم (رحيم) بهم. قوله (وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره)، يقال استجرت فلانا: أي طلبت أن يكون جارا: أي ~~محاميا ومحافظا ms1485 من أن يظلمني ظالم، أو يتعرض لي معترض. # وأحد مرتفع بفعل مقدر يفسره المذكور بعده: أي وإن استجارك أحد استجارك، ~~وكرهوا الجمع بين المفسر والمفسر. والمعنى: وإن استجارك أحد من المشركين ~~الذين أمرت بقتالهم فأجره: أي كن جارا له مؤمنا محاميا (حتى يسمع كلام ~~الله) منك ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه (ثم أبلغه مأمنه) ~~أي إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم يسلم، ثم بعد أن ~~تبلغه مأمنه قاتله فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه، ~~ووجوب قتله حيث يوجد، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من الأمر بالإجارة ~~وما بعده (بأنهم قوم لا يعلمون) أي بسبب فقدانهم للعلم النافع المميز بين ~~الخير والشر في الحال والمآل. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إلا الذين عاهدتم) قال: هم ~~قريش. وأخرج أيضا عن قتادة قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن ~~الحديبية، وكان بقى من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر نبيه أن يوفي ~~بعهدهم هذا إلى مدتهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد ~~بن عباد ابن جعفر في قوله (إلا الذين عاهدتم) قال: هم بنو جذيمة بن عامر من ~~بني بكر بن كنانة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فأتموا إليهم ~~عهدهم إلى مدتهم) قال: كان بقى لبني مذحج وخزاعة عهد، فهو الذي قال الله ~~(فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله (إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين) قال: هؤلاء بنو ضمرة وبنو مدلج من بنى كنانة ~~كانوا حلفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة العسيرة من بطن ينبع ~~(ثم لم ينقصوكم شيئا) ثم لم ينقصوا عهدكم بغدر (ولم يظاهروا عليكم أحدا) ~~قال: لم يظاهروا عدوكم عليكم (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) يقول: أجلهم ~~الذي شرطتم لهم (إن الله يحب المتقين) يقول: الذين يتقون الله فيما حرم ms1486 ~~عليهم فيوفون بالعهد. قال: فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~هؤلاء الآيات أحدا. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) قال: هي ~~الأربعة عشرون من ذي الحجة والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع ~~الآخر. قلت: مراد السدي أن هذه الأشهر تسمى حرما لكون تأمين المعاهدين فيها ~~يستلزم تحريم القتال، لا أنها الأشهر الحرم المعروفة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الضحاك في الآية قال: هي عشر من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم، سبعون ~~ليلة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: هي الأربعة الأشهر التي قال (فسيحوا ~~في الأرض أربعة أشهر). وأخرج ابن المنذر عن قتادة نحو قول السدي السابق. ~~وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله (فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ثم نسخ واستثنى. فقال (فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، وقال (وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله). وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) يقول: من جاءك واستمع ما تقول. ~~واستمع ما أنزل إليك. فهو آمن حين يأتيك فيسمع كلام الله حتى يبلغ مأمنه من ~~حيث جاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (ثم أبلغه مأمنه) قال: إن ~~لم يوافقه ما يقص عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه. وهذا ليس بمنسوخ. وأخرج أبو ~~الشيخ عن قتادة في قوله (حتى يسمع كلام الله) أي كتاب الله. وأخرج أبو ~~الشيخ عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان الرجل يجئ إذا سمع كتاب الله وأقر به ~~وأسلم فذاك الذي دعى إليه، وإن أنكر ولم يقر به رد مأمنه، ثم نسخ ذلك. # فقال - وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة -: PageV02P338 # سورة براءة الآية (7 - 11) قوله (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند ~~رسوله) الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار، وعهد اسم يكون. وفي خبره ~~ثلاثة أوجه: الأول أنه كيف، وقدم للاستفهام، والثاني للمشركين، ms1487 وعند على ~~هذين ظرف للعهد، أو ليكون، أو صفة للعهد، والثالث أن الخبر عند الله، وفي ~~الآية إضمار. والمعنى: كيف يكون للمشركين عهد عند الله يأمنون به من عذابه، ~~وقيل معنى الآية: محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم مضمرون للغدر فلا ~~يطمعوا في ذلك ولا يحدثوا به أنفسهم، ثم استدرك، فقال (إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام) أي لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ولم ينقضوا ولم ~~ينكثوا فلا تقاتلوهم، فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ~~(فاستقيموا لهم) قيل هم بنو بكر، وقيل بنو كنانة وبنو ضمرة، وفي " ما " ~~وجهان: # أحدهما أنها مصدرية زمانية، والثاني أنها شرطية، وفي قوله (إن الله يحب ~~المتقين) إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين، ~~فيكون تعليلا للأمر بالاستقامة. قوله (كيف وإن يظهروا عليكم) أعاد ~~الاستفهام التعجيبي للتأكيد والتقرير، والتقدير: كيف يكون لهم عهد عند الله ~~وعند رسوله؟ والحال أنهم إن يظهروا عليكم بالغلبة لكم (لا يرقبوا) أي لا ~~يراعوا فيكم (إلا) أي عهدا (ولا ذمة). قال في الصحاح: الإل العهد والقرابة ~~ومنه قول حسان: # لعمرك أن إلك من قريش * كإل السقب من رئل النعام قال الزجاج: الإل عندي ~~على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدة، ومنه الإلة للحربة، ومنه أذن ~~مؤللة: # أي محددة، ومنه قوله طرفة بن العبد يصف أذني ناقته بالحدة والانتصاب: # مؤللتان يعرف العنق منهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد قال أبو عبيدة: الإل ~~العهد، والذمة والنديم. وقال الأزهري: هو اسم لله بالعبرانية، وأصله من ~~الأليل، وهو البريق، يقال أل لونه يول إلا: أي صفا ولمع، والذمة العهد، ~~وجمعها ذمم، فمن فسر الإل بالعهد كان التكرير للتأكيد مع اختلاف اللفظين، ~~وقال أبو عبيدة: الذمة التذمم. وقال أبو عبيد: الذمة الأمان كما في قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " ويسعى بذمتهم أدناهم " وروى عن أبي عبيدة أيضا ~~أن الذمة ما يتذمم به: أما يجتنب فيه الذم. قوله (يرضونكم بأفواههم) أي ~~يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ms1488 ومحاسنة لكم طلبا لمرضاتهم وتطييب قلوبكم ~~PageV02P339 # وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم، كما يفعله أهل ~~النفاق وذوو الوجهين، ثم حكم عليهم بالفسق، وهو التمرد والتجري، والخروج عن ~~الحق لنقضهم العهود، وعدم مراعاتهم للعقود، ثم وصفهم بقوله (اشتروا بآيات ~~الله ثمنا قليلا) أي استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه الأمر ~~بالوفاء بالعهود ثمنا قليلا حقيرا، وهو ما آثروه من حطام الدنيا (فصدوا عن ~~سبيله) أي فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق، أو صرفوا غيرهم عنه. # قوله (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) قال النحاس: ليس هذا تكريرا، ولكن ~~الأول لجميع المشركين، والثاني لليهود خاصة، والدليل على هذا (اشتروا بآيات ~~الله ثمنا قليلا) يعني اليهود، وقيل هذا فيه مراعاة حقوق المؤمنين على ~~الإطلاق، وفي الأول المراعاة لحقوق طائفة من المؤمنين خاصة (وأولئك هم ~~المعتدون) أي المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد، أو البالغون في الشر ~~والتمرد إلى الغاية القصوى (فإن تابوا) عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام ~~(فإخوانكم) أي فهم إخوانكم (في الدين) أي في دين الإسلام (ونفصل الآيات) أي ~~نبينها ونوضحها (لقوم يعلمون) بما فيها من الأحكام ويفهمونه، وخص أهل العلم ~~لأنهم المنتفعون بها، والمراد بالآيات ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال ~~المشركين على اختلاف أنواعهم. # وقد أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام) قال: قريش وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد نحوه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عاهد أناسا من بني ضمرة بني بكر وكنانة خاصة، عاهدهم عند المسجد الحرام ~~وجعل مدتهم أربعة أشهر، وهم الذين ذكر الله (إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) يقول: ما وفوا لكم بالعهد ففوا ~~لهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: هم بنو جذيمة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) قال: هو ~~يوم ms1489 الحديبية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس في قوله (إلا ولا ذمة) قال: الإل القرابة والذمة العهد. وأخرج ~~الفريابي وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد قال: الإل الله عز وجل. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة مثله. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (اشتروا بآيات ~~الله ثمنا قليلا) قال: أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(فإن تابوا) الآية يقول: إن تركوا اللات والعزى وشهدوا أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله فإخوانكم في الدين. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس قال: حرمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة. # سورة براءة الآية (12 - 14) PageV02P340 # سورة براءة الآية (15 - 16) قوله (وإن نكثوا) معطوف على " فإن تابوا " ~~والنكث: النقض، وأصله نقض الخيط بعد إبرامه، ثم استعمل في كل نقض، ومنه نقض ~~الأيمان والعهود على طريق الاستعارة. ومعنى (من بعد عهدهم) أي من بعد أن ~~عاهدوكم. والمعنى: أن الكفار إن نكثوا العهود التي عاهدوا بها المسلمين، ~~ووثقوا لهم بها وضموا إلى ذلك الطعن في دين الإسلام، والقدح فيه فقد وجب ~~على المسلمين قتالهم. وأئمة الكفر: جمع إمام، والمراد صناديد المشركين، ~~وأهل الرئاسة فيهم على العموم. وقرأ حمزة أإمة. وأكثر النحويين يذهب إلى أن ~~هذا لحن، لأن فيه الجمع بين همزتين في كلمة واحدة. وقرأ الجمهور بجعل ~~الهمزة الثانية بين بين: أي بين مخرج الهمزة والياء. وقرئ بإخلاص الياء وهو ~~لحن، كما قال الزمخشري. قوله (إنهم لا أيمان لهم) هذه الجملة تعليل لما ~~قبلها، والأيمان: جمع يمين في قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر " لا إيمان لهم ~~" بكسر الهمزة. والمعنى على قراءة الجمهور: أن أيمان الكافرين وإن كانت في ~~الصورة يمينا فهي في الحقيقة ليست بيمين، وعلى القراءة الثانية: أن هؤلاء ~~الناكثين للأيمان ms1490 الطاعنين في الدين ليسوا من أهل الإيمان بالله حتى ~~يستحقوا العصمة لدمائهم وأموالهم، فقتالهم واجب على المسلمين. قوله (لعلهم ~~ينتهون) أي عن كفرهم ونكثهم وطعنهم في دين الإسلام. والمعنى: أن قتالهم ~~يكون إلى الغاية هي الانتهاء عن ذلك. # وقد استدل بهذه الآية على أن الذمي إذا طعن في الدين لا يقتل حتى ينكث ~~العهد كما قال أبو حنيفة، لأن الله إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما نقض ~~العهد، والثاني الطعن في الدين، وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه إذا ~~طعن في الدين قتل لأنه ينتقض عهده بذلك، قالوا: وكذلك إذا حصل من الذمي ~~مجرد النكث فقط من دون طعن في الدين فإنه يقتل. قوله (ألا تقاتلون قوما ~~نكثوا أيمانهم) الهمزة الداخلة على حرف النفي للاستفهام التوبيخي مع ما ~~يستفاد منها من التحضيض على القتال والمبالغة في تحققه، والمعنى: أن من كان ~~حاله كحال هؤلاء من نقض العهد وإخراج الرسول من مكة والبداءة بالقتال، فهو ~~حقيق بأن لا يترك قتاله، وأن يوبخ من فرط في ذلك ثم زاد في التوبيخ فقال ~~(أتخشونهم) فإن هذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع: أي تخشون أن ينالكم منهم ~~مكروه فتتركون قتالهم لهذه الخشية، ثم بين ما يجب أن يكون الأمر عليه، فقال ~~(فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) أي هو أحق بالخشية منكم، فإنه الضار ~~النافع بالحقيقة، ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتاله، فإن قضية ~~الإيمان توجب ذلك عليكم، ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال (قاتلوهم) ~~ورتب على هذا الأمر فوائد: الأولى تعذيب الله للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل ~~والأسر، والثانية إخزاؤهم، قيل بالأسر، وقيل بما نزل بهم من الذل والهوان، ~~والثالثة نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم، والرابعة أن الله يشفى بالقتال ~~صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره، والخامسة أنه سبحانه يذهب ~~بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من الأمور ~~الجالبة للغيظ وحرج الصدر، فإن قيل شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب كلاهما ~~بمعنى فيكون PageV02P341 # تكرارا. قيل في ms1491 الجواب: إن القلب أخص من الصدر، وقيل إن شفاء الصدور ~~إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار لنجاز الوعد مع الثقة به ~~فيهما شفاء للصدر، وأن إذهاب غيظ القلوب إشارة إلى وقوع الفتح، وقد وقعت ~~للمؤمنين ولله الحمد هذه الأمور كلها، ثم قال (ويتوب الله على من يشاء) وهو ~~ابتداء كلام يتضمن الإخبار بما سيكون، وهو أن بعض الكافرين يتوب عن كفره ~~كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح، فإنهم أسلموا وحسن إسلامهم، وهذا على ~~قراءة الرفع في يتوب، وهي قراءة الجمهور، وقرئ بنصب يتوب بإضمار أن، ودخول ~~التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى. قرأ بذلك ابن أبي إسحاق ~~وعيسى الثقفي والأعرج. # فإن قيل: كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة؟ وأجيب بأن القتال قد يكون سببا ~~لها إذا كانت من جهة الكفار، وأما إذا كانت من جهة المسلمين فوجهه أن النصر ~~والظفر من جهة الله يكون سببا لخلوص النية والتوبة عن الذنوب. # قوله (أم حسبتم أن تتركوا) أم هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل، والهمزة ~~والاستفهام للتوبيخ، وحرف الإضراب للدلالة على الانتقال من كلام إلى آخر، ~~والمعنى: كيف يقع الحسبان منكم بأن تتركوا على ما أنتم عليه، وقوله " أن ~~تتركوا " في موضع مفعولي الحسبان عند سيبويه. وقال المبرد: إنه حذف الثاني، ~~والتقدير: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن ~~والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. وجملة (ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم) في محل نصب على الحال، والمراد من نفي العلم نفي ~~المعلوم، والمعنى كيف تحسبون أنكم تتركون ولما يتبين المخلص منكم في جهاده ~~من غير المخلص، وجملة (ولم يتخذوا) معطوفة على جاهدوا داخلة معه في حكم ~~النفي واقعة في حيز الصلة، والوليجة من الولوج: وهو الدخول. ولج يلج ولوجا: ~~إذا دخل. # فالوليجة: الدخيلة. قال أبو عبيدة: كل شئ أدخلته في شئ ليس منه فهو ~~وليجة. قال أبان بن ثعلب. # فبئس الوليجة للهاربين * والمعتدين وأهل الريب وقال الفراء: الوليجة ms1492 ~~البطانة من المشركين، والمعنى واحد: أي كيف تتخذون دخيلة أو بطانة من ~~المشركين تفشون إليهم بأسراركم وتعلمونهم أموركم من دون الله (والله خبير ~~بما تعملون) أي بجميع أعمالكم. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله (وإن نكثوا أيمانهم) ~~قال: عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: ~~يقول الله لنبيه وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم فقاتلهم إنهم أئمة ~~الكفر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن قتادة في قوله أئمة الكفر قال: أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف وعتبة بن ~~ربيعة وأبو جهل بن هشام وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا ~~بإخراج الرسول من مكة. وأخرج ابن عساكر عن مالك بن أنس مثله. وأخرج أبو ~~الشيخ عن ابن عباس (فقاتلوا أئمة الكفر) قال: رؤوس قريش. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: أبو سفيان بن حرب منهم. وأخرج ~~أبو الشيخ عن الحسن أنهم الديلم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن حذيفة أنهم ذكروا عنده هذه الآية فقال: ما قوتل أهل ~~هذه الآية بعد. # وأخرج ابن مردويه عن علي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه ~~عن حذيفة قال: ما بقي من أهل هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا ~~أربعة، فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبروننا لا ندري فما بال هؤلاء الذين ~~ينقرون بيوتنا ويسترقون أعلاقنا، قال: أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا ~~أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده. والأولى أن الآية ~~عامة في كل رؤساء الكفار من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتبارا ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد ~~الرحمن بن جبير بن PageV02P342 # نفير أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: ~~إنكم ms1493 ستجدون قوما مجوفة رؤوسهم، فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، ~~فوالله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن ~~الله يقول (فقاتلوا أئمة الكفر). وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة لا أيمان لهم ~~قال: لا عهود لهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمار مثله. ~~وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم) قال: قتال قريش حلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهمهم بإخراج ~~الرسول. زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العام ~~التابع للحديبية، نكثت قريش العهد عهد الحديبية، وجعلوا في أنفسهم إذا ~~دخلوا مكة أن يخرجوا منها، فذلك همهم بإخراجه، فلم تتابعهم خزاعة على ذلك، ~~فلما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة قالت قريش لخزاعة: عميتمونا ~~عن إخراجه، فقاتلوهم فقتلوا منهم رجالا. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: ~~نزلت في خزاعة (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم) الآية. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن السدي نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة نحوه أيضا، وقد ساق القصة ~~ابن إسحاق في سيرته، وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وأوله: # يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا وأخرج القصة البيهقي في ~~الدلائل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: # الوليجة: البطانة من غير دينهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ~~قال: وليجة أي خيانة. # سورة براءة الآية (17 - 22) قرأ الجمهور (يعمروا) بفتح حرف المضارعة وضم ~~الميم من عمر يعمر. وقرأ ابن السميفع بضم حرف المضارعة من أعمر يعمر: أي ~~يجعلون لها من يعمرها. وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ~~ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وسهم ويعقوب " مسجد الله ms1494 " ~~بالإفراد. وقرأ الباقون " مساجد " بالجمع، واختارها PageV02P343 # أبو عبيدة. قال النحاس: لأنها أعم، والخاص يدخل تحت العام. وقد يحتمل أن ~~يراد بالجمع المسجد الحرام خاصة، وهذا جائز فيما كان من أسماء الأجناس كما ~~يقال فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسا قال: وقد أجمعوا على الجمع في ~~قوله (إنما يعمر مساجد الله) وروى عن الحسن البصري أنه تعالى إنما قال " ~~مساجد " والمراد المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره ~~كعامر جميع المساجد. قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: ~~فلان كثير الدرهم وبالعكس كقولهم فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ~~ملكا واحدا والمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي، وهو ~~ملازمته والتعبد فيه، وكلاهما ليس للمشركين، أما الأول فلأنه يستلزم المنة ~~على المسلمين بعمارة مساجدهم، وأما الثاني فلكون الكفار لا عبادة لهم مع ~~نهيهم عن قربان المسجد الحرام، ومعنى (ما كان للمشركين) ما صح لهم وما ~~استقام أن يفعلوا ذلك، و (شاهدين على أنفسهم بالكفر) حال: أي ما كان لهم ~~ذلك حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر بإظهار ما هو كفر من نصب الأوثان ~~والعبادة لها وجعلها آلهة، فإن هذا شهادة منهم على أنفسهم بالكفر وإن أبوا ~~ذلك بألسنتهم، فيكف يجمعون بين أمرين متنافيين: عمارة المساجد التي هي من ~~شأن المؤمنين، والشهادة على أنفسهم بالكفر التي ليست من شأن من يتقرب إلى ~~الله بعمارة مساجده. وقيل المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم: لبيك لا ~~شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، وقيل شهادتهم على أنفسهم بالكفر: إن ~~اليهودي يقول هو يهودي والنصراني يقول هو نصراني والصابئ يقول هو صابئ، ~~والمشرك يقول هو مشرك (أولئك حبطت أعمالهم) التي يفتخرون بها ويظنون أنها ~~من أعمال الخير: أي بطلت ولم يبق لها أثر (وفي النار هم خالدون) وفي هذه ~~الجملة الاسمية مع تقديم الظرف المتعلق بالخبر تأكيد لمضمونها، ثم بين ~~سبحانه من هو حقيق بعمارة المساجد فقال (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر) ms1495 وفعل ما هو من لوازم الإيمان من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ~~(ولم يخش) أحدا (إلا الله) فمن كان جامعا بين هذه الأوصاف فهو الحقيق ~~بعمارة المساجد. لا من كان خاليا منها أو من بعضها، واقتصر على ذكر الصلاة ~~والزكاة والخشية تنبيها بما هو من أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه ~~الله على عباده، لأن كل ذلك من لوازم الإيمان، وقد تقدم الكلام في وجه جمع ~~المساجد وفي بيان ماهية العمارة، ومن جوز الجمع بين الحقيقة والمجاز حمل ~~العمارة هنا عليهما، وفي قوله (فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) حسم ~~لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان ~~اهتداؤهم مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشئ من تلك الصفات، وقيل ~~عسى من الله واجبة، وقيل هي بمعنى خليق: أي فخليق أن يكونوا من المهتدين، ~~وقيل إن الرجاء راجع إلى العباد، والاستفهام في (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام) للإنكار، والسقاية والعمارة مصدران كالسعاية والحماية، وفي ~~الكلام حذف، والتقدير: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وعمارة المسجد، أو أهلهما ~~(كمن آمن) حتى يتفق الموضوع والمحمول أو يكون التقدير في الخبر: أي جعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كعمل من آمن أو كإيمان من آمن. وقرأ ابن ~~أبي وجرة السعدي وابن الزبير وسعيد بن جبير أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد ~~الحرام، جمع ساق وعامر، وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير محذوف، ~~والمعنى: # أن الله أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي ~~صورتها صورة الخير، وإن لم ينتفعوا بها وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في ~~سبيل الله، وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة ويفضلونهما على عمل ~~المسلمين، فأنكر الله عليهم ذلك، ثم صرح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين ~~وتفاوتهم وعدم استوائهم فقال (لا يستوون عند الله) أي لا تساوى تلك الطائفة ~~الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام هذه الطائفة المؤمنة بالله ~~واليوم الآخر المجاهدة في سبيله، ودل سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة ~~التي يدعيها المشركون: أي ms1496 PageV02P344 # إذا لم تبلغ أعمال الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين، فكيف تكون ~~فاضلة عليها كما يزعمون، ثم حكم عليهم بالظلم وأنهم مع ظلمهم بما هم فيه من ~~الشرك لا يستحقون الهداية من الله سبحانه، وفي هذا إشارة إلى الفريق ~~المفضول، ثم صرح بالفريق الفاضل فقال (الذين آمنوا) إلى آخره: أي الجامعون ~~بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس (أعظم درجة عند الله) وأحق ~~بما لديه من الخير من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها المحيطة ~~الباطلة، وفي قوله (عند الله) تشريف عظيم للمؤمنين، والإشارة بقوله (أولئك) ~~إلى المتصفين بالصفات المذكورة (هم الفائزون) أي المختصون بالفوز عند الله، ~~ثم فسر الفوز بقوله (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم) والتنكير في الرحمة والرضوان والجنات للتعظيم، والمعنى أنها فوق وصف ~~الواصفين وتصور المتصورين. # والنعيم المقيم: الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه، وذكر الأبد بعد ~~الخلود تأكيد له، وجملة (إن الله عنده أجر عظيم) مؤكدة لما قبلها مع تضمنها ~~للتعليل: أي أعطاهم الله سبحانه هذه الأجور العظيمة لكون الأجر الذي عنده ~~عظيم يهب منه ما يشاء لمن يشاء، وهو ذو الفضل العظيم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) وقال (إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله واليوم الآخر) فنفى المشركين من المسجد (من آمن بالله) يقول: ~~من وحد الله وآمن بما أنزل الله (وأقام الصلاة) يعني الصلوات الخمس (ولم ~~يخش إلا الله) يقول: # لم يعبد إلا الله (فعسى أولئك) يقول: أولئك هم المهتدون كقوله لنبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم - عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا - يقول إن ربك سيبعثك ~~مقاما محمودا، وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة. # وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر ~~والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا ms1497 له بالإيمان " قال الله ~~تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر). وقد وردت أحاديث ~~كثيرة في استحباب ملازمة المساجد وعمارتها والتردد إليها للطاعات. وأخرج ~~مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا ~~أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد ~~الحرام، وقال آخر: بل جهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: ~~لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك يوم ~~الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله (أجعلتم سقاية الحاج) إلى قوله (لا ~~يهدى القوم الظالمين). وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(أجعلتم سقاية الحاج) الآية، وذلك أن المشركين قالوا عمارة بيت الله وقيام ~~على السقاية خير ممن آمن وجاهد، فكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل ~~أنهم أهله وعماره، فذكر الله سبحانه استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم ~~من المشركين - قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون. ~~مستكبرين به سامرا تهجرون - يعني أنهم كانوا يستكبرون بالحرم. # وقال به سامرا كانوا به يسمرون ويهجرون بالقرآن والنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فخير الإيمان بالله والجهاد مع نبي الله على عمران المشركين ~~البيت وقيامهم على السعاية ولم يكن لينفعهم عند الله مع الشرك به وإن كانوا ~~يعمرون بيته ويخدمونه قال الله (لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم ~~الظالمين) يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم ظالمين بشركهم فلم تغن ~~عنهم العمارة شيئا، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن PageV02P345 # أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا ms1498 ~~بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك ~~العاني، فأنزل الله (أجعلتم سقاية الحاج) الآية: يعني أن ذلك كان في الشرك ~~فلا أقبل ما كان في الشرك. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: نزلت ~~في علي بن أبي طالب والعباس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي قال: ~~تفاخر علي والعباس وشيبة في السقاية والحجابة فأنزل الله (أجعلتم سقاية ~~الحاج) الآية، وقد روى معنى هذا من طرق. # سورة براءة الآية (23 - 24) الخطاب للمؤمنين كافة، وهو حكم باق إلى يوم ~~القيامة يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. # وقالت طائفة من أهل العلم: إنها نزلت في الحضن على الهجرة ورفض بلاد ~~الكفر، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب، نهوا ~~بأن يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعا في سكنى البلاد الكفر إن ~~استحبوا: أي أحبوا، كما يقال استجاب بمعنى أجاب، وهو في الأصل طلب المحبة، ~~وقد تقدم تحقيق المقام في سورة المائدة في قوله تعالى - يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء - ثم حكم على من يتولى من استحب ~~الكفر على الإيمان من الآباء والإخوان بالظلم، فدل ذلك على أن تولى من كان ~~كذلك من أعظم الذنوب وأشدها، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأن يقول لهم (إن كان آباؤكم) إلى آخره، والعشيرة: # الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد، وعشيرة الرجل قرابته الأدنون، وهم الذين ~~يعاشرونه وهي اسم جمع. وقرأ أبو بكر وحماد (عشيراتكم) بالجمع. قال الأخفش: ~~لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات، وإنما يجمعونها على عشائر، وقرأ ~~الحسن (عشائركم). وقرأ الباقون (عشيرتكم) والاقتراف: الاكتساب، وأصله ~~اقتطاع الشئ من مكانه، والتركيب يدور على الدنو، والكاسب يدنى الشئ من نفسه ~~ويدخله تحت ملكه، والتجارة الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها. والكساد ~~عدم النفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان. ومن غرائب التفسير ما ~~روى عن ابن المبارك أنه قال: إن المراد بالتجارة في هذه الآية البنات ~~والأخوات ms1499 إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبا، واستشهد لذلك بقول الشاعر: # كسدن من الفقر في قومهن * وقد زادهن مقامي كسادا وهذا البيت وإن كان فيه ~~إطلاق الكساد على عدم وجود الخطاب لهن فليس فيه جواز إطلاق اسم التجارة ~~عليهن، والمراد بالمساكن التي يرضونها، المنازل التي تعجبهم وتميل إليها ~~أنفسهم ويرون الإقامة فيها أحب إليهم من PageV02P346 # المهاجرة إلى الله ورسوله، وأحب خبر كان: أي كانت هذه الأشياء المذكورة ~~في الآية أحب إليكم من الله ورسوله ومن الجهاد في سبيل الله (فتربصوا) أي ~~انتظروا (حتى يأتي الله بأمره) فيكم وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم، وقيل ~~المراد بأمر الله سبحانه: القتال، وقيل فتح مكة وفيه بعد، فقد روى أن هذه ~~السورة نزلت بعد الفتح. وفي هذا وعيد شديد ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح ~~به لتذهب أنفسهم كل مذهب وتتردد بين أنواع العقوبات (والله لا يهدى القوم ~~الفاسقين) أي الخارجين عن طاعته، النافرين عن امتثال أوامره ونواهيه. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ~~قال: أمروا بالهجرة فقال العباس ابن عبد المطلب: أنا أسقى الحاج. وقال طلحة ~~أخو بني عبد الدار: أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر، فأنزلت (لا تتخذوا آباءكم ~~وإخوانكم) الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في هذه الآية قال: هي ~~الهجرة. وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ~~(اقترفتموها) قال: أصبتموها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (حتى يأتي الله بأمره) قال: بالفتح في أمره ~~بالهجرة، هذا كله قبل فتح مكة. وأخرج البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب ~~قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة ~~يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله - لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر - وهي تؤكد معنى هذه الآية، وقد تقدم ~~بيان حكم الهجرة في سورة النساء. # سورة براءة ms1500 الآية (25 - 27) المواطن جمع موطن، ومواطن الحرب: مقاماتها، ~~والمواطن التي نصر الله المسلمين فيها هي يوم بدر وما بعد من المواطن التي ~~نصر الله المسلمين على الكفار فيها قبل يوم حنين، (ويوم حنين) معطوف على ~~مواطن بتقدير مضاف: إما في الأول وتقديره في أيام مواطن، أو في الثاني ~~وتقديره ومواطن يوم حنين، لئلا يعطف الزمان على المكان. ورد بأنه لا ~~استبعاد في عطف الزمان على المكان فلا يحتاج إلى تقدير، وقيل إن يوم حنين ~~منصوب بفعل مقدر معطوف على (نصركم) أي ونصركم يوم حنين، ورجح هذا صاحب ~~الكشاف، قال: وموجب ذلك أن قوله (إذ أعجبتكم) بدل من يوم حنين، فلو جعلت ~~ناصبة هذا الظاهر لم يصح، لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم ~~يكونوا كثيرا في جميعها. ورد بأن العطف لا يجب فيه تشارك المتعاطفين في ~~جميع ما ثبت للمعطوف، كما تقول: جاءني زيد وعمرو مع قومه، أو في ثيابه أو ~~على فرسه، وقيل إن (إذ أعجبتكم كثرتكم) ليس ببدل من يوم حنين، بل منصوب ~~بفعل مقدر: أي اذكروا إذ أعجبتكم كثرتكم، وحنين: واد بين مكة والطائف، ~~وانصرف على أنه اسم للمكان، ومن العرب من يمنعه على أنه اسم للبقعة، ومنه ~~قول الشاعر: PageV02P347 # نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين يوم تواكل الأبطال وإنما أعجب من أعجب من ~~المسلمين بكثرتهم لأنهم كانوا اثنى عشر ألفا، وقيل أحد عشر ألفا، وقيل ستة ~~عشر ألفا، فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فوكلوا إلى هذه الكلمة فلم ~~تغن الكثرة شيئا عنهم، بل انهزموا وثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وثبت معه طائفة يسيرة منهم عمه العباس وأبو سفيان بن الحارث، ثم تراجع ~~المسلمون فكان النصر والظفر. والإغناء: إعطاء ما يدفع الحاجة: أي لم تعطكم ~~الكثرة شيئا يدفع حاجتكم ولم تفدكم. قوله (بما رحبت) الرحب بضم الراء: ~~السعة، والرحب بفتح الراء: المكان الواسع، والباء بمعنى مع، وما مصدرية، ~~ومحل الجار والمجرور النصب على الحال. والمعنى: أن الأرض مع كونها واسعة ~~الأطراف ms1501 ضاقت عليهم بسبب ما حل بهم من الخوف والوجل، وقيل إن الباء بمعنى ~~على: أي على رحبها (ثم وليتم مدبرين) أي انهزمتم حال كونكم مدبرين: أي ~~مولين أدباركم جاعلين لها إلى جهة عدوكم. قوله (ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين) أي أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء ~~على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين: هم الذين لم ~~ينهزموا، وقيل الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ~~ذلك وقاتلوا وانتصروا، قوله (وأنزل جنودا لم تروها) هم الملائكة. # وقد اختلف في عددهم على أقوال: قيل خمسة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، وقيل ~~ستة عشر ألفا، وقيل غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا ~~أيضا هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا؟ وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل ~~إلا يوم بدر، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين، ~~وإدخال الرعب في قلوب المشركين (وعذب الذين كفروا) بما وقع عليهم من القتل ~~والأسر وأخذ الأموال وسبى الذرية، والإشارة بقوله (وذلك) إلى التعذيب ~~المفهوم من عذب، وسمى ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير ~~كاف بل لا بد من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم وتعظيما له (ثم ~~يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) أي من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن ~~هداه منهم إلى الإسلام (والله غفور) يغفر لمن أذنب فتاب (رحيم) بعباده ~~يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: حنين ما بين مكة ~~والطائف، قاتل نبي الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف ~~عبد يا ليل بن عمرو الثقفي. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: لما اجتمع أهل ~~مكة وأهل المدينة قالوا: الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم ~~أحد ms1502 منهم على أحد حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي أحياء ~~العرب: إلي إلي، فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى ~~الأنصار وهم ناحية فناداهم: يا أنصار الله وأنصار رسوله، إلي عباد الله أنا ~~رسول الله، فجثوا يبكون وقالوا: # يا رسول الله ورب الكعبة إليك والله، فنكسوا رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم ~~يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى فتح الله عليهم. ~~وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع أن رجلا قال يوم حنين: لن نغلب من قلة، ~~فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله (ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم) قال الربيع: وكانوا اثنى عشر ألفا، منهم ألفان من أهل مكة. ~~وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود ~~قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين، فولى عنه الناس ~~وبقيت PageV02P348 # معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا نحوا من ~~ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، ورسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدما، فقال: ناولني ~~كفا من تراب، فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا، وولى المشركون ~~أدبارهم. ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها فلان ~~نطول بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (وأنزل جنودا لم تروها) ~~قال: هم الملائكة (وعذب الذين كفروا) قال: قتلهم بالسيف. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن سعيد ابن جبير قال: في يوم حنين أمد الله رسوله بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين، ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال: فأنزل سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم ~~والبيهقي عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل ~~النجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود ~~مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ms1503 ولم تكن إلا هزيمة القوم. # سورة براءة الآية (28 - 29) النجس مصدر لا يثنى ولا يجمع، يقال رجل نجس، ~~وامرأة نجس، ورجلان نجس، وامرأتان نجس، ورجال نجس، ونساء نجس، ويقال نجس ~~ونجس بكسر الجيم وضمها، ويقال نجس بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف من ~~المحرك. قيل لا تستعمل إلا إذا قيل معه رجس، وقيل ذلك أكثري لا كلي. ~~والمشركون مبتدأ، وخبره المصدر مبالغة في وصفهم بذلك حتى كأنهم عين ~~النجاسة، أو على تقدير مضاف: أي ذوو نجس، لأن معهم الشرك وهو بمنزلة النجس. ~~وقال قتادة ومعمر وغيرهما: إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ~~ولا يتجنبون النجاسات. # وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية ~~والزيدية. وروى عن الحسن البصري وهو محكى عن ابن عباس. وذهب الجمهور من ~~السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات، لأن ~~الله سبحانه أحل طعامهم، وثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك من ~~فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم، فأكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها ~~وأنزلهم في مسجده. قوله (فلا يقربوا المسجد الحرام) الفاء للتفريع، فعدم ~~قربانهم للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم. والمراد بالمسجد الحرام جميع ~~الحرم، روى ذلك عن عطاء، فيمنعون عنده من جميع الحرم، وذهب غيره من أهل ~~العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه فلا يمنع المشرك من دخول سائر ~~الحرم. # وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد، فذهب ~~أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد. وقال الشافعي: الآية عامة في سائر ~~المشركين خاصة في المسجد الحرام، فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد. قال ~~ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر، لأن قوله تعالى (إنما المشركون نجس) ~~PageV02P349 # تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة، ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لثمامة بن أثال في مسجده، وإنزال وفد ثقيف فيه. ~~وروى عن أبي حنيفة مثل ms1504 قول الشافعي، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد ~~من غير حاجة، وقيده الشافعي بالحاجة. وقال قتادة: إنه يجوز ذلك للذمي دون ~~المشرك. وروى عن أبي حنيفة أيضا أنه يجوز لهم دخول الحرم والمسجد الحرام ~~وسائر المساجد، ونهى المشركين عن أن يقربوا المسجد الحرام هو نهى للمسلمين ~~عن أن يمكنوهم من ذلك، فهو من باب قولهم: لا أرينك هاهنا. قوله (بعد عامهم ~~هذا) فيه قولان: # أحدهما أنه سنة تسع، وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم. الثاني أنه ~~سنة عشر قاله قتادة، قال ابن العربي: وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ، ~~ومن العجب أن يقال إنه سنة تسع، وهو العام الذي وقع فيه الأذان، ولو دخل ~~غلام رجل داره يوما فقال له مولاه: لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن ~~المراد اليوم الذي دخل في انتهى. ويجاب عنه بأن الذي يعطيه مقتضى اللفظ هو ~~خلاف ما زعمه، فإن الإشارة بقوله (بعد علمهم هذا) إلى العام المذكور قبل ~~اسم الإشارة وهو عام النداء، وهكذا في المثال الذي ذكره المراد النهي عن ~~دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب، والأمر ظاهر لا يخفى، ولعله ~~أراد تفسير ما بعد المضاف إلى عامهم ولا شك أنه عام عشر، وأما تفسير العام ~~المشار إليه بهذا، فلا شك ولا ريب أنه عام تسع، وعلى هذا يحمل قول قتادة. ~~وقد استدل من قال بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد ~~بهذا القيد، أعني قوله (بعد عامهم هذا) قائلا إن النهي مختص بوقت الحج ~~والعمرة، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط لا عن مطلق الدخول. ويجاب عنه ~~بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام يفيد المنع من القربان في كل وقت ~~من الأوقات الكائنة بعده. وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج إلى مخصص. قوله (وإن ~~خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) العيلة الفقر، يقال عال الرجل يعيل: ~~إذا افتقر، قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل وقرأ علقمة ms1505 وغيره من ~~أصحاب ابن مسعود " عايلة! وهو مصدر كالقايلة والعافية والعاقبة، وقيل ~~معناه: # خصلة شاقة، يقال عالني الأمر يعولني: أي شق علي واشتد. وحكى ابن جرير ~~الطبري أنه يقال عال يعول: # إذا افتقر، وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون ~~إليه الأطعمة والتجارات. قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا: من ~~أين نعيش؟ فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله. قال الضحاك: # ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله) الآية. وقال عكرمة: أغناهم بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض، وأسلمت ~~العرب فحملوا إلى مكة ما أغناهم الله به. وقيل أغناهم بالفئ، وفائدة ~~التقييد بالمشيئة التعلم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له ~~تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع (إن الله عليم) ~~بأحوالكم (حكيم) في إعطائه ومنعه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قوله ~~(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) الآية، فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه ~~الأوصاف. قال أبو الوفاء بن عقيل: إن قوله (قاتلوا) أمر بالعقوبة، ثم قال ~~(الذين لا يؤمنون بالله) فبين الذنب الذي توجبه العقوبة، ثم قال (ولا ~~باليوم الآخر) فأكد الذنب في جانب الاعتقاد، ثم قال (ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله) فيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال، ثم قال (ولا يدينون دين ~~الحق) فيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن ~~الاستسلام، ثم قال (من الذين أوتوا الكتاب تأكيد للحجة عليهم لأنهم كانوا ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال (حتى يعطوا الجزية) فبين ~~الغاية التي تمتد إليها العقوبة انتهى. قوله (من الذين أوتوا الكتاب) بيان ~~PageV02P350 # للموصول مع ما في حيزه وهم أهل التوراة والإنجيل. قوله (حتى يعطوا الجزية ~~عن يد) الجزية وزنها فعلة من جزى يجزى: إذا كافأ عما أسدى إليه، فكأنهم ~~أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن، وقيل سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل ~~الذمة أن يجزوه: أي يقضوه، وهي في الشرع ما ms1506 يعطيه المعاهد على عهده، و (عن ~~يد) في محل نصب على الحال. والمعنى: عن يد مواتية غير ممتنعة وقيل معناه ~~يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدا، وقيل معناه: نقد غير نسيئة، وقيل ~~عن قهر، وقيل معناه، عن إنعام منكم عليهم، لأن أخذها منهم نوع من أنواع ~~الإنعام عليهم، وقيل معناه مذمومون. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم ~~الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأبو ثور إلى أنها لا تقبل ~~الجزية إلا من أهل الكتاب. وقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع ~~أجناس الكفرة كائنا من كان، ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس. ~~قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم. # واختلف أهل العلم في مقدار الجزية، فقال عطاء: لا مقدار لها، وإنما تؤخذ ~~على ما صولحوا عليه، وبه قال يحيى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال: ~~أقلها دينار وأكثرها لاحد له. وقال الشافعي: دينار على الغني والفقير من ~~الأحرار البالغين لا ينقص منه شئ، وبه قال أبو ثور. قال الشافعي: وإن ~~صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم. ~~وقال مالك: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق، ~~الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسيا لا يزيد ولا ينقص، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: اثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية ~~وأربعون والكلام في الجزية مقرر في مواطنه، والحق من هذه الأقوال قد قررناه ~~في شرحنا للمنتقى وغيره من مؤلفاتنا. قوله (وهم صاغرون) في محل نصب على ~~الحال، والصغار الذل والمعنى: إن الذمي يعطى الجزية حال كونه صاغرا، قيل ~~وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب ويسلمها وهو قائم، والمتسلم قاعد. ~~وبالجملة ينبغي للقابض للجزية أن يجعل المسلم لها حال قبضها صاغرا ذليلا. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~جابر بن عبد الله في قوله (إنما المشركون نجس) الآية قال: ms1507 إلا أن يكون عبدا ~~أو أحدا من أهل الذمة. وقد روى مرفوعا من وجه آخر أخرجه ابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن جابر قال:: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدخل ~~مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمكم. قال ابن كثير: تفرد ~~به أحمد مرفوعا. والموقوف أصح. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام ~~يتجرون به، فلما نهوا عن أن يأتوا البيت، قال المسلمون: فمن أين لنا ~~الطعام؟ فأنزل الله (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) قال: فأنزل ~~الله عليهم المطر، وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم. وأخرج ابن مردويه عنه ~~قال: فأغناهم الله من فضله وأمرهم بقتال أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (وإن خفتم عيلة) قال: الفاقة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (فسوف يغنيكم الله من فضله) ~~قال: بالجزية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك مثله. وأخرج نحوه ~~عبد الرزاق عن قتادة. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله (إنما المشركون ~~نجس) قال: قذر. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا قال: من صافحهم فليتوضأ. وأخرج ~~أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " من صافح مشركا فليتوضأ أو ليغسل كفيه ". وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن أبي حاتم PageV02P351 # وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله) قال: نزلت هذه الآية حين أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~بغزوة تبوك. وأخرج ابن المنذر عن ابن شهاب قال: نزلت في كفار قريش والعرب ~~(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وأنزلت في أهل الكتاب (قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله) الآية إلى قوله (حتى يعطوا الجزية) فكان أول من أعطى الجزية أهل ~~نجران. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ms1508 عن سعيد بن جبير في قوله (قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله) يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله (ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله) يعني الخمر والحرير (ولا يدينون دين الحق) يعني دين ~~الإسلام (من الذين أوتو الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) يعني ~~مذللون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (عن يد) قال: عن ~~قهر. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في قوله (عن يد) قال: من يده ولا ~~يبعث بها غيره. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سنان في قوله (عن يد) ~~قال عن قدرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وهم صاغرون) قال: ~~يمشون بها متلتلين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: يلكزون. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سلمان في الآية قال: غير محمودين. # سورة براءة الآية (30 - 33) قوله (وقالت اليهود عزير بن الله) كلام مبتدأ ~~لبيان شرك أهل الكتابين، وعزير مبتدأ وابن الله خبره، وقد قرأ عاصم ~~والكسائي " عزير " بالتنوين، وقرأ الباقون بترك التنوين لاجتماع العجمة ~~والعلمية فيه. ومن قرأ بالتنوين فقد جعله عربيا، وقيل إن سقوط التنوين ليس ~~لكونه ممتنعا بل لاجتماع الساكنين، ومنه قراءة من قرأ - قل هو الله أحد ~~الله الصمد -. قال أبو علي الفارسي وهو كثير في الشعر، وأنشد ابن جرير ~~الطبري: # * لتجديني بالأمير برا * وبالقناة لامرا مكرا * إذا غطيت السلمي فرا * ~~وظاهر قوله (وقالت اليهود) إن هذه المقالة لجميعهم، وقيل هو لفظ خرج على ~~العموم ومعناه الخصوص لأنه لم يقل ذلك إلا البعض منهم. وقال النقاش: لم يبق ~~يهودي يقولها؟ بل قد انقرضوا، وقيل إنه قال ذلك للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم جماعة منهم، فنزلت الآية متضمنة لحكاية ذلك عن اليهود، لأن قول بعضهم ~~لازم لجميعهم. # قوله (وقالت النصارى المسيح ابن الله) قالوا هذا لما رأوا من إحيائه ~~الموتى مع كونه من غير أب، فكان ذلك سببا لهذه المقالة، والأولى أن يقال: ~~إنهم قالوا هذه ms1509 المقالة لكون في الإنجيل وصفه تارة بابن الله وتارة بابن ~~الإنسان، كما رأينا ذلك في مواضع متعددة من الإنجيل، ولم يفهموا أن ذلك ~~لقصد التشريف والتكريم، أو لم PageV02P352 # يظهر لهم أن ذلك من تحريف سلفهم لغرض من الأغراض الفاسدة، قيل: وهذه ~~المقالة إنما هي لبعض النصارى لا لكلهم. قوله (ذلك قولهم بأفواههم) الإشارة ~~إلى ما صدر عنهم من هذه المقالة الباطلة. ووجه قوله بأفواههم مع العلم بأن ~~القول لا يكون إلا الفم. بأن هذا القول لما كان ساذجا ليس فيه بيان ولا ~~عضده برهان كان مجرد دعوى، لا معنى تحتها فارغة صادرة عنهم صدور المهملات ~~التي ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه، غير مفيدة لفائدة يعتد بها، ~~وقيل إن ذكر الأفواه لقصد التأكيد كما في كتبت بيدي ومشيت برجلي، ومنه قوله ~~تعالى - يكتبون الكتاب بأيديهم -. وقوله - ولا طائر يطير بجناحيه -. وقال ~~بعض أهل العلم: إن الله سبحانه لم يذكر قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن ~~إلا وكان قولا زورا كقوله - يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم -، وقوله - ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم - وقوله - يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم -. ~~قوله (يضاهئون قول الذين كفروا) المضاهاة: المشابهة، قيل ومنه قول العرب ~~امرأة ضهياء، وهي التي لا تحيض لأنها شابهت الرجال. قال أبو علي الفارسي: ~~من قال (يضاهئون) مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء فقوله خطأ، لأن الهمزة في ~~ضاهأ أصلية، وفي ضهياء زائدة كحمراء، وأصله يضاهئون وامرأة ضهياء. ومعنى ~~مضاهاتهم لقول الذين كفروا فيه أقوال لأهل العلم: الأول أنهم شابهوا بهذه ~~المقالة عبدة الأوثان في قولهم واللات والعزى ومناة بنات الله. القول ~~الثاني أنهم شابهوا قول من يقول من الكافرين: إن الملائكة بنات الله، ~~الثالث أنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزير ابن الله وأن المسيح ابن ~~الله. قوله (قاتلهم الله) دعاء عليهم بالهلاك، لأن من قاتله الله هلك، وقيل ~~هو تعجب من شناعة قولهم، وقيل معنى قاتلهم الله: لعنهم الله، ومنه قول أبان ~~بن ثعلب: # قاتلها الله تلحاني وقد علمت * أني لنفسي ms1510 إفسادي وإصلاحي وحكى النقاش أن ~~أصل قاتل الله: الدعاء، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير ~~والشر وهم لا يريدون الدعاء، وأنشد الأصمعي: # يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني * وأخبر الناس أني لا أباليها (أنى يؤفكون) ~~أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل. قوله (اتخذوا أحبار ورهبانهم أربابا من ~~دون الله) الأحبار: جمع حبر، وهو الذي يحسن القول، ومنه ثوب محبر، وقيل جمع ~~حبر بكسر الحاء. قال يونس: لم أسمعه إلا بكسر الحاء. وقال الفراء: الفتح ~~والكسر لغتان. وقال ابن السكيت: الحبر بالكسر العالم، والحبر بالفتح ~~العالم. والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهم علماء النصارى كما أن ~~الأحبار علماء اليهود، ومعنى الآية أنهم لما أطاعوهم فيما يأمرونهم به ~~وينهونهم عنه كانوا بمنزلة المتخذين لهم أربابا لأنهم أطاعوهم كما تطاع ~~الأرباب. قوله (والمسيح ابن مريم) معطوف على رهبانهم: أي اتخذه النصارى ربا ~~معبودا، وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزير ربا معبودا. وفى هذه ~~الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين ~~الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، ~~فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع ~~مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه ~~وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، ~~للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا ~~هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، ~~والتمرة بالتمرة، والماء بالماء فيا عباد الله ويا أتباع محمد بن عبد الله ~~ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد ~~الله لهم بهما وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاده، فعلتم بما جاءوا به ~~من الآراء التي لم تعمد PageV02P353 # بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين ونصوص الكتاب والسنة، تنادي بأبلغ نداء ~~وتصوت بأعلى صوت بما ms1511 يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموهما آذانا صما، وقلوبا ~~غلفا، وأفهاما مريضة، وعقولا مهيضة، وأذهانا كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم ~~بلسان الحال: # وما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد فدعوا أرشدكم الله ~~وإياي كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم ~~وخالقكم ومتعبدهم ومتعبدكم ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم ~~بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم وقدوتكم وقدوتهم، ~~وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. # دعوا كل قول عند قول محمد * فما آبن في دينه كمخاطر اللهم هادي الضال، ~~مراشد التائه، موضح السبيل، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب، وأوضح لنا ~~منهج الهداية. قوله (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) هذه الجملة في محل ~~نصب على الحال: أي اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا، والحال أنهم ما أمروا ~~إلا بعبادة الله وحده، أو وما أمر الذين اتخذوهم أربابا من الأحبار ~~والرهبان إلا بذلك، فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أربابا. قوله (لا ~~إله إلا هو) صفة ثانية لقوله إلها (سبحانه عما يشركون) أي تنزيها له عن ~~الإشراك في طاعته وعبادته. قوله (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) هذا ~~كلام يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق وهو ما راموه من ~~إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة التي هي مجرد كلمات ساذجة ومجادلات زائفة، ~~وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق ونبوة نبي الصدق، بحال من يريد ~~أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا وانقشعت به الظلمة ليطفئه ويذهب ~~أضواءه (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) أي دينه القويم، وقد قيل كيف دخلت إلا ~~الاستثنائية على يأبى، ولا يجوز كرهت أو بغضت إلا زيدا. قال الفراء: إنما ~~دخلت لأن في الكلام طرفا من الجحد. وقال الزجاج: إن العرب تحذف مع أبي، ~~والتقدير ويأبى الله كل شئ إلا أن يتم نوره. وقال علي بن سليمان: إنما جاز ~~هذا في أبى، لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي، ms1512 قال النحاس: وهذا أحسن كما ~~قال الشاعر: # وهل لي أم غيرها إن تركتها * أبى الله إلا أن أكون لها ابنا وقال صاحب ~~الكشاف: إن أبر قد أجرى مجرى لم يرد: أي ولا يريد إلا أن يتم نوره. قوله ~~(ولو كره الكافرون) معطوف على جملة قبله مقدرة: أي أبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو لم يكره الكافرون ذلك ولو كرهوا، ثم أكد هذا بقوله (هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى) أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي ~~شرعها الله لعباده (ودين الحق) وهو الإسلام (ليظهره) أي ليظهر رسوله، أو ~~دين الحق بما اشتمل عليه من الحجج والبراهين، وقد وقع ذلك ولله الحمد (ولو ~~كره المشركون) الكلام فيه كالكلام في - ولو كره الكافرون - كما قدمنا ذلك. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلام بن مشكم ونعمان ~~بن أوفى وأبو أنس وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: # كيف نتبعك وقت تركت قبلتنا وأنت لا تزعم عزير ابن الله؟ فأنزل الله ~~(وقالت اليهود عزير ابن الله) الآية. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عنه قال: كن نساء بني إسرائيل يجتمعن ~~بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله به بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم ~~سلط عليهم شر خلقه بختنصر، فحرق التوراة وخرب بيت المقدس، وعزير ~~PageV02P354 # يومئذ غلام، فقال عزير: أو كان هذا؟ فلحق بالجبال والوحش فجعل يتعبد ~~فيها، وجعل لا يخالط الناس، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي، ~~فقال: يا أمه اتقى الله واحتسبي واصبري أما تعلمين أن سبيل الناس إلى ~~الموت؟ فقالت: يا عزير أتنهاني أن أبكي وأنت قد خلفت بني إسرائيل ولحقت ~~بالجبال والوحش؟ ثم قالت: # إني لست بامرأة ولكني الدنيا، وإنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة، فاشرب ~~من ماء العين وكل من ثمر الشجرة، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما ~~أرادا، فلما كان من الغد ms1513 نبعت العين ونبتت الشجرة، فشرب من ماء العين وأكل ~~من ثمرة الشجرة، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها فألهمه ~~الله التوراة، فجاء فأملاه على الناس، فعند ذلك قالوا عزير ابن الله، تعالى ~~الله عن ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا فذكر قصة وفيها: أن عزير سأل ~~الله بعد ما أنسى بني إسرائيل التوراة ونسخها من صدورهم أن يرد الذي نسخ من ~~صدره، فبينما هو يصلي نزل نور من الله عز وجل فدخل جوفه، فعاد إليه الذي ~~كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله ~~التوراة وردها إلي. وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال: دعا عزير ربه أن يلقى ~~التوراة كما أنزل على موسى في قلبه، فأنزلها الله عليه، فبعد ذلك قالوا: ~~عزير ابن الله. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: ثلاث أشك ~~فيهن: فلا أدري عزير كان نبيا أم لا؟ ولا أدري ألعن تبع أم لا؟ # قال: ونسيت الثالثة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (يضاهئون) ~~قال: يشبهون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في ~~قوله (قاتلهم الله) قال: لعنهم الله وكل شئ في القرآن قتل فهو لعن. وأخرج ~~ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو يقرأ في سورة براءة (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله) فقال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم ~~شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه. وأخرجه أيضا أحمد وابن جرير. ~~وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي ~~في سننه عن أبي البحتري قال: سأل رجل حذيفة فقال: أرأيت قوله (اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا ولكنهم ~~كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا ms1514 حرموا عليهم شيئا حرموه. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: أحبارهم قراؤهم، ورهبانهم علماؤهم. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: الأحبار من اليهود، والرهبان من ~~النصارى. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله. وأخرج أيضا عن الفضيل بن عياض ~~قال: الأحبار العلماء، والرهبان العباد. # وأخرج أيضا عن السدي في قوله (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) قال: ~~يريدون أن يطفئوا الإسلام بأقوالهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ~~(يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) يقول: يريدون أن يهلك محمد وأصحابه. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: هم اليهود والنصارى. ~~وأخرج أبو الشيخ عن السدي (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) يعني بالتوحيد ~~والإسلام والقرآن. # سورة براءة الآية (34 - 35) PageV02P355 # لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أربابا ~~ذكر حال المتبوعين فقال (إن كثيرا من الأحبار) إلى آخره، ومعنى أكلهم ~~لأموال الناس بالباطل أنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة كالرشوة، وأثبت هذا ~~للكثير منهم، لأن فيهم من لم يتلبس بذلك، بل بقي على ما يوجبه دينه من غير ~~تحريف ولا تبديل ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار ~~والرهبان من علماء الإسلام من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، فالله ~~المستعان. قوله (ويصدون عن سبيل الله) أي عن الطريق إليه وهو دين الإسلام، ~~أو عن ما كان حقا في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل. ~~قوله (والذين يكنزون الذهب والفضة) قيل هم المتقدم ذكرهم من الأحبار ~~والرهبان، وإنهم كانوا يصنعون هذا الصنع، وقيل هم من يفعل ذلك من المسلمين، ~~والأولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو أوسع من ذلك، وأصل الكنز في اللغة ~~الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة. # قال ابن جرير: الكنز كل شئ مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ~~ظهرها انتهى. ومنه ناقة كناز: # أي مكتنزة اللحم، واكتنز الشئ: اجتمع. # واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل ms1515 يسمى كنزا أم لا؟ فقال ~~قوم: هو كنز، وقال آخرون: # ليس بكنز، ومن القائلين بالقول الأول أبو ذر، وقيده بما فضل عن الحاجة. ~~ومن القائلين بالقول الثاني عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو ~~هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة ~~بأن ما أديت زكاته فليس بكنز. قوله (ولا ينفقونها في سبيل الله) اختلف في ~~وجه إفراد الضمير مع كون المذكور قبله شيئين، هما الذهب والفضة، فقال ابن ~~الأنباري: إنه قصد إلى الأعم، الأغلب وهو الفضة قال: ومثله قوله تعالى - ~~واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة - رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم، ~~ومثله قوله - وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها - أعاد الضمير إلى ~~التجارة، لأنها الأهم، وقيل إن الضمير راجع إلى الذهب والفضة معطوفة عليه، ~~والعرب تؤنث الذهب وتذكره، وقيل إن الضمير راجع إلى الكنوز المدلول عليها ~~بقوله (يكنزون) وقيل إلى الأموال، وقيل للزكاة، وقيل إنه اكتفى بضمير ~~أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى. # وهو كثير في كلام العرب، وأنشد سيبويه: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف ولم يقل راضون، ومثله ~~قول الآخر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريا ومن أجل الطوى رماني ولم يقل بريين، ~~ومثله قول حسان: # إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاض كان جنونا ولم يقل يعاضا، وقيل ~~إن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون اللفظ، لأن كل واحد من الذهب ~~والفضة جملة وافية، وعدة كثيرة، ودنانير ودراهم، فهو كقوله - وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا - وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال ~~لكونهما أثمان الأشياء، وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم ~~الكنز. قوله (فبشرهم بعذاب أليم) هو خبر الموصول، وهو من باب التهكم بهم ~~كما في قوله: # * تحية بينهم ضرب وجيع * وقيل إن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون ~~البشرة لتأثيره في القلب، سواء كان من الفرح أو من الغم. ومعنى (يوم يحمى ~~عليها فني ms1516 نار جهنم) أن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحر شديد. ~~PageV02P356 # ولو قال يوم تحمى: أي الكنوز لم يعط هذا المعنى، فجعل الإحماء للنار ~~مبالغة، ثم حذف النار وأسند الفعل إلى الجار كما تقول رفعت القصة إلى ~~الأمير، فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر " تحمى " ~~بالمثناة الفوقية. وقرأ أبو حيوة " فيكوى " بالتحتية. وخص الجباه والجنوب ~~والظهور لكون التألم بكيها قبل أشد لما في داخلها من الأعضاء الشريفة، وقيل ~~ليكون الكي في الجهات الأربع: من قدام، وخلف، وعن يمين، وعن يسار، وقيل لأن ~~الجمال في الوجه، والقوة في الظهر والجنبين، والإنسان إنما يطلب المال ~~للجمال والقوة، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تكلف. قوله (هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم) أي يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم: أي كنزتموه لتنتفعوا به فهذا ~~نفعه على طريقة التهكم والتوبيخ (فذوقوا ما كنتم تكنزون) ما مصدرية أو ~~موصولة: أي ذوقوا وباله، وسوء عاقبته، وقبح مغبته، وشؤم فائدته. # وقد أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله (إن كثيرا من الأحبار والرهبان) ~~يعني علماء اليهود والنصارى (ليأكلون أموال الناس بالباطل) والباطل كتب ~~كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس، وذلك قول الله تعالى - فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله -. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله (والذين يكنزون الذهب والفضة) قال: هؤلاء الذين ~~لا يؤدون الزكاة من أموالهم، وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو ~~في بطنها فهو كنز، وكل مال أديت زكاته فليس بكنز، كان على ظهر الأرض أو في ~~بطنها، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ من وجه آخر. وأخرج ~~مالك وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر نحوه. ~~وأخرج ابن مردويه عنه نحوه مرفوعا. وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر نحوه ~~مرفوعا أيضا. وأخرجه ابن أبي شيبة عنه موقوفا. وأخرج أحمد في الزهد ~~والبخاري وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في ms1517 سننه عن ابن عمر في الآية قال: ~~إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة ~~للأموال، ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهبا أعلم عدده وأزكيه ~~وأعمل فيه بطاعات الله؟ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب ~~قال: ليس بكنز ما أدى زكاته. وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أم سلمة مرفوعا ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو داود وأبو يعلي وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه ~~الآية (والذين يكنزون الذهب والفضة) كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما ~~يستطيع أحد منا لولده مالا يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر ~~واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله إنه قد ~~كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما ~~بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم، فكبر عمر، ثم قال ~~له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة ~~الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته. ~~وقد أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن سالم بن أبي الجعد من غير وجه ~~عن ثوبان. وحكى البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله (والذين يكنزون الذهب والفضة) قال: هم أهل الكتاب، وقال: ~~هي خاصة وعامة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: ~~أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوقها كنز. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ~~أبي أمامة قال: حلية السيوف من الكنوز ما أحدثكم إلا ما سمعت. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا في ~~قوله (والذين يكنزون الذهب والفضة) إنها نسختها الآية الأخرى - خذ من ~~أموالهم صدقة - الآية. ms1518 وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال PageV02P357 # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى زكاتها إلا جعل لها يوم القيامة صفائح، ~~ثم أحمى عليها في نار جهنم، ثم يكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما ~~إلى النار ". وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عن زيد بن وهب قال: مررت على أبي ذر بالزبدة فقلت: ما أنزلك بهذه ~~الأرض؟ فقال: كنا بالشام فقرأت (والذين يكنزون الذهب والفضة) الآية، فقال ~~معاوية: ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب، قلت: إنها لفينا وفيهم. # سورة براءة الآية (36 - 37) قوله (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) ~~هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نوع آخر من قبائح الكفار وذلك أن الله سبحانه لما ~~حكم في كل وقت بحكم خاص غيروا تلك الأوقات بالنسئ والكبيسة فأخبرنا الله ~~بما هو حكمه فقال (إن عدة الشهور) أي عدد شهور السنة عند الله في حكمه ~~وقضائه وحكمته اثنا عشر شهرا. قوله (في كتاب الله) أي فيما أثبته في كتابه. ~~قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق في كتاب الله بقوله: عدة الشهور، ~~للفصل بالأجنبي وهو الخبر: أعني اثنا عشر شهرا، فقوله: في كتاب الله، ~~وقوله: يوم خلق بدل من قوله من عند الله، والتقدير: إن عدة الشهور عند الله ~~في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، وفائدة الإبدالين تقرير الكلام في ~~الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله في كتاب الله، وثابت في ~~علمه في أول ما خلق الله العالم. ويجوز أن يكون في كتاب الله صفة اثنا عشر: ~~أي اثنا عشر مثبتة في كتاب الله وهو اللوح المحفوظ. وفي هذه الآية بيان أن ~~الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم ~~خلق السماوات والأرض، وأن هذا هو ms1519 الذي جاءت به الأنبياء ونزلت به الكتب، ~~وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها ~~ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل. قوله (منها أربعة ~~حرم) هي ذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب: ثلاثة سرد، وواحد فرد، كما ~~ورد بيان ذلك في السنة المطهرة. قوله (ذلك الدين القيم) أي كون هذه الشهور ~~كذلك، ومنها أربعة حرم هو الدين المستقيم، والحساب الصحيح، والعدد ~~المستوفى. قوله (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) أي في هذه الأشهر الحرم بإيقاع ~~القتال فيها والهتك لحرمتها، وقيل إن الضمير يرجع إلى الشهور كلها الحرم ~~وغيرها، وإن الله نهى عن الظلم فيها، والأول أولى. وقد ذهب جماعة من أهل ~~العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ لهذه الآية، ~~ولقوله - يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام - ~~ولقوله - فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين - الآية. # وقد ذهب جماعة آخرون إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية ~~السيف. ويجاب عنه بأن الأمر PageV02P358 # بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية ~~المذكورة، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في ~~تحريم القتال في الأشهر الحرم، كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم للأدلة ~~الواردة في تحريم القتال فيه، وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما، فقد أجيب عنه أنه لم يبتدأ محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال، ~~والمحرم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه، وبهذا يحصل ~~الجمع. قوله (وقاتلوا المشركين كافة) أي جميعا، وهو مصدر في موضع الحال. ~~قال الزجاج: مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة ولا يثنى ولا يجمع (كما ~~يقاتلونكم كافة) أي جميعا. وفيه دليل على وجوب قتال المشركين، وأنه فرض على ~~الأعيان إن لم يقم به البعض (واعلموا أن الله مع المتقين) أي ينصرهم ~~ويثبتهم، ومن ms1520 كان الله معه فهو الغالب، وله العاقبة والغلبة. قوله (إنما ~~النسئ زيادة في الكفر) قرأ نافع في رواية ورش عنه النسئ بياء مشددة بدون ~~همز. وقرأ الباقون بياء بعدها همزة. قال النحاس: ولم يرو أحد عن نافع هذه ~~القراءة إلا ورش وحده، وهو مشتق من نسأه وأنسأه: إذا أخره، حكى ذلك ~~الكسائي. قال الجوهري: النسئ فعيل بمعنى مفعول من قولك نسأت الشئ فهو ~~منسوء: إذا أخرته، ثم تحول منسوء إلى نسئ كما تحول مقتول إلى قتيل. قال ابن ~~جرير: في النسئ بالهمزة معنى الزيادة يقال نسأ ينسأ: # إذا زاد، قال: ولا يكون بترك الهمزة إلا من النسيان كما قال تعالى - نسوا ~~الله فنسيهم -، ورد على نافع قراءته. # وكانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى ~~القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا غيرها، فإذا قاتلوا في المحرم حرموا بدله ~~شهر صفر. وهكذا في غيره. وكان الذي يحملهم على هذا أن كثيرا منهم إنما ~~كانوا يعيشون بالغارة على بعضهم البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من ~~يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة ~~يضر بهم تواليها وتشتد حاجتهم وتعظم فاقتهم، فيحللون بعضها ويحرمون مكانه ~~بقدره من غير الأشهر الحرم، فهذا هو معنى النسئ الذي كانوا يفعلونه. وقد ~~وقع الخلاف في أول من فعل ذلك فقيل هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن ~~عتيد، ويلقب القلمس، وإليه يشير الكميت بقوله: # ألسنا الناسئين على معد * شهور الحل نجعلها حراما وفيه يقول قائلهم * ~~ومنا ناسئ الشهر القلمس * وقيل هو عمرو بن لحي، وقيل هو نعيم بن ثعلبة من ~~بني كنانة، وسمى الله سبحانه النسئ زيادة في الكفر لأنه نوع من أنواع ~~كفرهم، ومعصية من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر. قوله (يضل به الذين كفروا) قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر ~~(يضل) على البناء للمعلوم. وقرأ الكوفيون على البناء للمجهول. ومعنى ~~القراءة الأولى أن الكفار يضلون بما يفعلونه من النسئ، ومعنى القراءة ms1521 ~~الثانية، أن الذي سن لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة. وقد اختار ~~القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد. وقرأ الحسن ~~وأبو رجاء ويعقوب (يضل) بضم الياء وكسر الضاد على أنه فاعله الموصول ~~ومفعوله محذوف، ويجوز أن يكون فاعله هو الله سبحانه ومفعوله الموصول. وقرئ ~~بفتح الياء والضاد من ضل يضل. وقرئ " نضل " بالنون. قوله (يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما) الضمير راجع إلى النسئ: أي يحلون النسئ عاما ويحرمونه عاما، ~~أو إلى الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه: أي يحلونه عاما بإبداله بشهر آخر ~~من شهور الحل، ويحرمون عاما: أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال، بل ~~يبقونه على حرمته. قوله (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي لكي يواطئوا، ~~والمواطأة الموافقة، يقال تواطأ القوم على كذا: أي توافقوا عليه واجتمعوا. ~~والمعنى: إنهم لم يحلوا شهرا إلا حرموا شهرا لتبقى الأشهر الحرم أربعة، ~~PageV02P359 # قال قطرب: معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم وقرنوه بالمحرم في ~~التحريم. وكذا قال الطبري: قوله (فيحلوا ما حرم الله) أي من الأشهر الحرم ~~التي أبدلوها بغيرها (زين لهم سوء أعمالهم) أي زين لهم الشيطان الأعمال ~~السيئة التي يعملونها، ومن جملتها النسيء. وقرئ على البناء للفاعل (والله ~~لا يهدى القوم الكافرين) أي المصرين على كفرهم المستمرين عليه فلا يهديهم ~~هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد ~~إليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكر أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم خطب في حجته فقال " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ". وأخرج نحوه ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث ابن عمر. وأخرج ~~نحوه ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من حديث ابن عباس. وأخرج نحوه أيضا ~~البزار وابن جرير وابن مردويه من حديث أبي ms1522 هريرة. وأخرجه أحمد وابن مردويه ~~من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه مرفوعا مطولا. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~مردويه عن ابن عباس (منها أربعة حرم) قال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو ~~الحجة، وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: إنما سمين حرما لئلا يكون فيهن حرب. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله) ثم اختص من ذلك أربعة ~~أشهر فجعلهن حرما، وعظم حرماتهن، وجعل الدين فيهن أعظم، والعمل الصالح ~~والأجر أعظم (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) قال: في كلهن (وقاتلوا المشركين ~~كافة) يقول جميعا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله ~~(وقاتلوا المشركين كافة) قال: نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة. وأخرج ~~الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت ~~العرب يحلون عاما شهرا وعاما شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل سنة وعشرين ~~سنة مرة، وهي النسئ الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر ~~بالناس وافق ذلك العام، فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من العام المقبل، واستقبل الناس الأهلة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات ~~والأرض ". # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال: وقف رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالعقبة فقال: إنما النسئ من الشيطان زيادة في الكفر يضل به ~~الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما، فكانوا يحرمون المحرم عاما ~~ويستحلون صفر، ويحرمون صفر عاما ويستحلون المحرم، وهي النسئ. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان جنادة بن ~~عوف الكناني يوافي الموسم كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادى ألا إن أبا ~~ثمامة لا يخاب ولا يعاب، ألا وإن صفر الأول العام حلال فيحله للناس، ms1523 فيحرم ~~صفر عاما، ويحرم المحرم عاما. فذلك قوله تعالى (إنما النسئ زيادة في الكفر) ~~الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: المحرم كانوا يسمونه صفر، ~~وصفر يقولون صفران الأول والآخر، يحل لهم مرة الأول، ومرة الآخر. وأخرج ابن ~~مردويه عنه قال: كانت النساءة حي من بني مالك من كنانة من بني فقيم، فكان ~~آخرهم رجلا يقال له القلمس، وهو الذي أنسأ المحرم؟ PageV02P360 # سورة براءة الآية (38 - 42) قوله (يا أيها الذين آمنوا) لما شرح معايب ~~أولئك الكفار عاد إلى ترغيب المؤمنين في قتالهم، والاستفهام في (ما لكم) ~~للإنكار والتوبيخ: أي أي شئ يمنعكم عن ذلك، ولا خلاف أن هذه الآية نزلت ~~عتابا لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، وكانت ~~سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام، والنفر: هو الانتقال بسرعة من مكان إلى ~~مكان لأمر يحدث. قوله (اثاقلتم إلى الأرض) أصله تثاقلتم أدغمت التاء في ~~الثاء لقربها منها، وجئ بألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، ومثله: ~~اداركوا، واطيرتم، واطيروا، وأنشد الكسائي: # توالى الضجيع إذا ما اشتاقها حضرا * عذب المذاق إذا ما اتابع القبل وقرأ ~~الأعمش (تثاقلتم) على الأصل، ومعناه تباطأتم، وعدى بإلى لتضمنه معنى الميل ~~والإخلاد، وقيل معناه: ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاءا فيها وقرئ ~~(آثاقلتم) على الاستفهام، ومعناه التوبيخ والعامل في الظرف ما في (ما لكم) ~~من معنى الفعل، كأنه قيل ما يمنعكم، أو ما تصنعون إذا قيل لكم؟ و (إلى ~~الأرض) متعلق باثاقلتم وكما مر، قوله (أرضيتم بالحياة الدنيا) أي بنعيمها ~~بدلا من الآخرة كقوله تعالى - ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ~~- أي بدلا منكم، ومثله قول الشاعر: # قلبت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان أي بدلا من ماء زمزم، ~~والطهيان عود ينصب في ناحية الدار للهواء يعلق عليه الماء ليبرد، ومعنى (في ~~الآخرة) أي في جنب الآخرة، وفي مقابلها (إلا قليل) أي إلا متاع حقير لا ~~يعبأ به، ويجوز أن يراد بالقليل العدم، ms1524 إذ PageV02P361 # لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي، والظاهر أن هذا ~~التثاقل لم يصدر من الكل، إذ من البعيد أن يطبقوا جميعا على التباطئ ~~والتثاقل، وإنما هو من باب نسبة ما يقع من البعض إلى الكل، وهو كثير شائع. ~~قوله (إلا تنفروا يعذبكم) هذا تهديد شديد، ووعيد مؤكد لمن ترك النفير مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يعذبكم عذابا أليما) أي يهلككم بعذاب ~~شديد مؤلم، قيل في الدنيا فقط، وقيل هو أعم من ذلك. قوله (ويستبدل قوما ~~غيركم) أي يجعل لرسله بدلا منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم. # واختلف في هؤلاء القوم من هم؟ فقيل أهل اليمن، وقيل أهل فارس، ولا وجه ~~للتعيين بدون دليل. قوله (ولا تضروه شيئا) معطوف على (يستبدل)، والضمير قيل ~~لله، وقيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي ولا تضروا الله بترك امتثال ~~أمره بالنفير شيئا، أو لا تضروا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئا ~~(والله على كل شئ قدير) ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم. قوله ~~(إلا تنصروه فقد نصره الله) أي إن تركتم نصره فالله متكفل به، فقد نصره في ~~مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر، أو فسينصره من نصره حين لم ~~يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين كفروا له حال كونه (ثاني اثنين) أي ~~أحد اثنين، وهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه. وقرئ بسكون الياء. قال ابن جنى: حكاها أبو عمرو بن العلاء، ~~ووجهها أن تسكن الياء تشبيها لها بالألف قال ابن عطية: فهي كقراءة الحسن ما ~~بقى من الربا، وكقول جرير: # هو الخليفة فارضوا ما رضيه لكم * ماضي العزيمة ما في حكمه جنف قوله (إذ ~~هما في الغار) بدل من (إذ أخرجه) بدل بعض، والغار: ثقب في الجبل المسمى ~~ثورا، وهو المشهور بغار ثور، وهو جبل قريب من مكة، وقصة خروجه صلى الله ~~عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ودخولهما الغار ms1525 مشهورة ~~مذكورة في كتب السير والحديث. قوله (إذ يقول لصاحبه) بدل ثان: أي وقت قوله ~~لأبي بكر (لا تحزن إن الله معنا) أي دع الحزن فإن الله بنصره وعونه وتأييده ~~معنا، ومن كان الله معه فلن يغلب، ومن لا يغلب فيحق له أن لا يحزن. قوله ~~(فأنزل الله سكينته عليه) السكينة: تسكين جأشه وتأمينه حتى ذهب روعه وحصل ~~له الأمن، على أن الضمير في (عليه) لأبي بكر، وقيل هو للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # ويكون المراد بالسكينة النازلة عليه عصمته عن حصول سبب من أسباب الخوف ~~له، ويؤيد كون الضمير في (عليه) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الضمير في ~~(وأيده بجنود لم تروها) فإنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه المؤيد ~~بهذه الجنود التي هي الملائكة كما كان في يوم بدر، وقيل إنه لا محذور في ~~رجوع الضمير من (عليه) إلى أبي بكر ومن (وأيده) إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فإن ذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب (وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى) أي كلمة الشرك، وهي دعوتهم إليه، ونداؤهم للأصنام (وكلمة الله هي ~~العليا) قرأ الأعمش ويعقوب بنصب كلمة حملا على جعل، وقرأ الباقون برفعها ~~على الاستئناف. وقد ضعف قراءة النصب الفراء وأبو حاتم، وفي ضمير الفصل، ~~أعني (هي) تأكيد لفضل كلمته في العلو وأنها المختصة به دون غيرها، وكلمة ~~الله هي كلمة التوحيد، والدعوة إلى الإسلام (والله عزيز حكيم) أي غالب قاهر ~~لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب، ثم لما توعد من لم ينفر مع الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم وضرب له من الأمثال ما ذكره عقبة بالأمر الجزم فقال (انفروا ~~خفافا وثقالا) أي حال كونكم خفافا وثقالا، قيل المراد منفردين أو مجتمعين، ~~وقيل نشاطا وغير نشاط، وقيل فقراء وأغنياء، وقيل شبابا وشيوخا، وقيل رجالا ~~وفرسانا، وقيل من لا عيال له ومن له PageV02P362 # عيال، وقيل من يسبق إلى الحرب كالطلائع، ومن يتأخر كالجيش، وقيل غير ذلك. ~~ولا مانع من حمل الآية ms1526 على جميع هذه المعاني، لأن معنى الآية: انفروا خفت ~~عليكم الحركة أو ثقلت. قيل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى - ليس على ~~الضعفاء ولا على المرضى -، وقيل الناسخ لها قوله - فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة - الآية. # وقيل هي محكمة وليست بمنسوخة، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله - ليس ~~على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج - وإخراج الضعيف والمريض بقوله - ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى - من باب التخصيص، لا من باب النسخ على فرض ~~دخول هؤلاء تحت قوله (خفافا وثقالا) والظاهر عدم دخولهم تحت العموم. قوله ~~(وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) فيه الأمر بالجهاد بالأنفس ~~والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء ~~بأموالهم وأنفسهم. والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان ~~البعض يقوم بجهاد العدو ويدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين ~~في قطر من الأرض أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين، والإشارة بقوله (ذلكم) ~~إلى ما تقدم من الأمر بالنفير والأمر بالجهاد (خير لكم) أي خير عظيم في ~~نفسه، وخير من السكون والدعة (إن كنتم تعلمون) ذلك وتعرفون الأشياء الفاضلة ~~وتميزونها عن المفضولة. قوله (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك. قال ~~الزجاج: لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه، والعرض: ما يعرض من ~~منافع الدنيا، والمعنى: غنيمة قريبة غير بعيدة (وسفرا قاصدا) عطف على ما ~~قبله: أي سفرا متوسطا بين القرب والبعد، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط ~~فهو قاصد ولكن (بعدت عليهم الشقة) قال أبو عبيدة وغيره: إن الشقة السفر إلى ~~أرض بعيدة، يقال منه شقة شاقة. قال الجوهري: الشقة بالضم من الثياب، والشقة ~~أيضا: السفر البعيد، وربما قالوه بالكسر، والمراد بهذا غزوه تبوك فإنها ~~كانت سفرة بعيده شاقة. وقرأ عيسى بن عمر " بعدت عليهم الشقة " بكسر العين ~~والشين (وسيحلفون بالله) أي المتخلفون عن عزوة تبوك حال كونكم قائلين (لو ~~استطعنا لخرجنا معكم) أي لو قدرنا على الخروج ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما ~~لا بد منه (لخرجنا ms1527 معكم) هذه الجملة سادة مسد جواب القسم والشرط. قوله ~~(يهلكون أنفسهم) هو بدل من قوله (سيحلفون) لأن من حلف كاذبا فقد أهلك نفسه ~~أو يكون حالا: أي مهلكين أنفسهم موقعين لها موقع الهلاك (والله يعلم إنهم ~~لكاذبون) في حلفهم الذي سيحلفون به لكم. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا) الآية، ~~قال هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وحين أمرهم بالنفير في الصيف وحين ~~خرفت النخل وطابت الثمار واشتهوا الظلال وشق عليهم المخرج، فأنزل الله ~~(انفروا خفافا وثقالا) وأخرج أبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في ~~قوله (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) قال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم استنفر حيا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأنزل الله هذه الآية ~~فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما ~~نزلت (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما). وقد كان تخلف عنه أناس في البدو ~~يفقهون قومهم، فقال المؤمنون: قد بقى ناس في البوادي وقالوا هلك أصحاب ~~البوادي، فنزلت (وما كان المؤمنون لينفروا كافة). وأخرج أبو داود وابن أبي ~~حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (إلا تنفروا) الآية ~~قال: نسختها - وما كان المؤمنون لينفروا كافة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (إلا تنصروه فقد نصره ~~الله) قال: ذكر ما كان من أول شأنه حين بعث، يقول: فأنا فاعل PageV02P363 # ذلك به، وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين. وأخرج أبو نعيم ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وعروة: # أنهم ركبوا في كل وجه يعني المشركين يطلبون النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون لهم الحمل العظيم، وأتوا على ~~ثور الجبل الذي ms1528 فيه الغار والذي فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ~~طلعوا فوقه، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر أصواتهم، ~~فأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم (لا تحزن إن الله معنا) ودعا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فنزلت عليه السكينة من الله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين الآية. وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر عن حبشي بن جنادة ~~قال: قال أبو بكر: يا رسول الله لو أن أحدا من المشركين رفع قدمه لأبصرنا، ~~فقال " يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا ". وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر ~~عن الزهري في قوله (إذ هما في الغار) قال: هو الغار الذي في الجبل الذي ~~يسمى ثورا وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ~~وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس في قوله (فأنزل الله سكينته عليه) قال: ~~على أبي بكر لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تزل معه السكينة. وأخرج ~~ابن مردويه عن أنس قال: دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر غار ~~حراء، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو أن أحدهم يبصر موضع ~~قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم " ما ظنك باثنين الله ~~ثالثهما يا أبا بكر؟ إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم يروها ". ~~وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت (فأنزل الله سكينته عليه) قال: # على أبي بكر، فأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كانت عليه السكينة. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى) قال: هي الشرك بالله (وكلمة الله هي العليا) قال: لا ~~إله إلا الله. وأخرج الفريابي وأبو الشيخ عن أبي الضحى قال: أول ما أنزل من ~~براءة (انفروا خفافا وثقالا) ثم نزل أولها وآخرها. وأخرج ms1529 ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر عن أبي مالك نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (خفافا ~~وثقالا) قال: نشاطا وغير نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن الحكم في الآية قال: مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن الحسن قال: في العسر واليسر وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم قال: ~~فتيانا وكهولا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: شبابا ~~وشيوخا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: قالوا إن فينا الثقيل ~~وذا الحاجة والضيعة والشغل فأنزل الله (انفروا خفافا وثقالا) وأبى أن ~~يعذرهم دون أن ينفروا خفافا وثقالا، وعلى ما كان منهم. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن السدي قال: جاء رجل زعموا أنه المقداد، وكان عظيما سمينا، ~~فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت (انفروا خفافا وثقالا) فلما نزلت ~~هذه الآية اشتد على الناس شأنها فنسخها الله، فقال - ليس على الضعفاء ولا ~~على المرضى - الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قيل له: ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم ~~الروم؟ فقال رجلان: قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة فلا تفتنا بهن ~~فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما: إن هو إلا شحمة لأول آكل، ~~فسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينزل عليه شئ في ذلك، فلما كان ~~ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك) ونزل عليه - عفا الله عنك لم أذنت لهم - ونزل عليه - إنما يستأذنك ~~الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر - ونزل عليه - إنهم رجس ومأواهم جهنم ~~جزاء بما كانوا يكسبون - وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (لو ~~كان عرضا قريبا) قال: غنيمة قريبة، (ولكن بعدت عليهم الشقة) PageV02P364 # قال المسير وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (والله ms1530 يعلم ~~إنهم لكاذبون) قال: لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند ~~أنفسهم وزهادة في الجهاد. # سورة براءة الآية (43 - 49) الاستفهام في (عفا الله عنك لم أذنت لهم) ~~للإنكار من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حيث وقع منه ~~الإذن لما استأذنه في القعود قبل أن يتبين من هو صادق منهم في عذره الذي ~~أبداه، ومن هو كاذب فيه. # وفي ذكر العفو عنه صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على أن هذا الإذن ~~الصادر منه كان خلاف الأولى، وفي هذا عتاب لطيف من الله سبحانه، وقيل إن ~~هذا عتاب له صلى الله عليه وآله وسلم في إذنه للمنافقين بالخروج معه، لا في ~~إذنه لهم بالقعود عن الخروج. والأول أولى، وقد رخص له سبحانه في سورة النور ~~بقوله - فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم - ويمكن أن يجمع بين ~~الآيتين بأن العتاب هنا متوجه إلى الإذن قبل الاستثبات حتى يتبين الصادق من ~~الكاذب، والإذن هنالك متوجه إلى الإذن بعد الاستثبات والله أعلم. وقيل إن ~~قوله (عفا الله عنك) هي افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك كيف ~~فعلت كذا، وكذا حكاه مكي والنحاس والمهدوي، وعلى هذا التأويل يحسن الوقف ~~على عفا الله عنك، وعلى التأويل الأول لا يحسن. ولا يخفاك أن التفسير الأول ~~هو المطابق لما يقتضيه اللفظ على حسب اللغة العربية، ولا وجه لإخراجه عن ~~معناه العربي. # وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وآله وسلم، والمسألة ~~مدونة في الأصول، وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة ~~والاغترار بظواهر الأمور، و " حتى " في (حتى يتبين لك الذين صدقوا) للغاية، ~~كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم، وهلا تأنيث حتى يتبين لك صدق من هو صادق ~~منهم في العذر الذي أبداه، وكذب من هو كاذب منهم في ذلك؟ ثم ذكر سبحانه أنه ~~ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~القعود عن الجهاد، بل ms1531 كان من عادتهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أذن ~~لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك. فقال (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر أن يجاهدوا) وهذا على أن معنى الآية PageV02P365 # أن لا يجاهدوا على حذف حرف النفي، وقيل المعنى: لا يستأذنك المؤمنون في ~~التخلف كراهة الجهاد، وقيل: إن معنى الاستئذان في الشئ الكراهة له، وأما ~~على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى: لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد بل دأبهم ~~أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك فضلا عن أن ~~يستأذنوك في التخلف. # قال الزجاج: أن يجاهدوا في موضع نصب بإضمار في: أي في أن يجاهدوا (والله ~~عليم بالمتقين) وهم هؤلاء الذين لم يستأذنوا (إنما يستأذنك) في القعود عن ~~الجهاد، والتخلف عنه (الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) وهم المنافقون، ~~وذكر الإيمان بالله أولا، ثم باليوم الآخر ثانيا في الموضعين، لأنهما ~~الباعثان على الجهاد في سبيل الله. # قوله (وارتابت قلوبهم) عطف على قوله (الذين لا يؤمنون) وجاء بالماضي ~~للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم، وهو الشك. قوله (فهم في ريبهم يترددون) ~~أي في شكهم الذي حل بقلوبهم يتحيرون، والتردد التحير. # والمعنى: فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين بل مرتابين حائرين لا ~~يهتدون إلى طريق الصواب، ولا يعرفون الحق. قوله (ولو أرادوا الخروج لأعدوا ~~لهم عدة) أي لو كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون ~~الجهاد معك، ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاج إليه لما تركوا ~~إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون، فمعنى هذا ~~الكلام: أنهم لم يريدوا الخروج أصلا ولا استعدوا للغزو. # والعدة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح. قوله (ولكن كره ~~الله انبعاثهم) أي ولكن كره الله خروجهم فتثبطوا عن الخروج، فيكون المعنى: ~~ما خرجوا ولكن تثبطوا، لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج، ~~والانبعاث الخروج: أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم، لأنهم قالوا: إن لم ~~يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا ms1532 على المؤمنين، وقيل المعنى: لو أرادوا ~~الخروج لأعدوا له عدة، ولكن ما أرادوه لكراهة الله له قوله (وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين) قيل القائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل ~~قاله بعضهم لبعض، وقيل قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضبا عليهم، ~~وقيل هو عبارة عن الخذلان: أي أوقع الله في قلوبهم القعود خذلانا لهم. ~~ومعنى (مع القاعدين) أي مع أولى الضرر من العميان والمرضى والنساء ~~والصبيان، وفيه من لذم لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى. قوله ~~(لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين، والخبال: الفساد والنميمة وإيقاع ~~الاختلاف والأراجيف. قيل هذا الاستثناء منقطع: أي ما زادوكم قوة، ولكن ~~طلبوا الخبال، وقيل المعنى: لا يزيدونكم فيما ترددون فيه من الرأي إلا ~~خبالا فيكون متصلا، وقيل هو استثناء من أعم العام: أي ما زادوكم شيئا إلا ~~خبالا، فيكون الاستثناء من قسم المتصل، لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه ~~الشئ. قوله (ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) الإيضاع: سرعة السير، ومنه ~~قوله ورقة بن نوفل: # يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع يقال أوضع البعير: إذا أسرع السير، ~~وقيل الإيضاع سير الخبب، والخلل الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال: أي ~~الفرج التي تكون بين الصفوف. والمعنى: لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه ~~من الأكاذيب المشتملة على الإرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذات البين. قوله ~~(يبغونكم الفتنة) يقال بغيته كذا: طلبته له، وأبغيته كذا أعنته على طلبه. ~~والمعنى: يطلبون لكم الفتنة في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد، ~~وقيل الفتنة هنا الشرك. وجملة - وفيكم سماعون لهم - في محل نصب على الحال: ~~أي والحال أن فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب فينقله إليكم فيتأثر من ~~ذلك الاختلاف بينكم، والفساد لإخوانكم (والله عليم بالظالمين) وبما يحدث ~~منهم لو خرجوا معكم، فلذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم، وكره ~~انبعاثهم معكم، ولا ينافي حالهم هذا PageV02P366 # لو خرجوا ms1533 مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما تقدم من عتابه على ~~الإذن لهم في التخلف، لأنه سارع إلى الإذن لهم، ولم يكن قد علم من أحوالهم ~~لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب صلى الله عليه وآله وسلم على ~~تسرعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب، ولهذا ~~قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة - فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ~~فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا - الآية، وقال في سورة الفتح - ~~سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم - إلى قوله - قل لن تتبعونا - قوله ~~(لقد ابتغوا الفتنة من قبل) أي لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة ~~المؤمنين وتشتيت شملهم من قبل هذه الغزوة التي تخلفوا عنك فيها. كما وقع من ~~عبد الله بن أبي وغيره - ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون -. ~~قوله (وقلبوا لك الأمور) أي صرفوها من أمر إلى أمر، ودبروا لك الحيل ~~والمكائد، ومنه قول العرب " حول قلب " إذا كان دائرا حول المكائد والحيل ~~يدير الرأي فيها ويتدبره. وقرئ " وقلبوا " بالتخفيف (حتى جاء الحق) أي إلى ~~غاية هي مجئ الحق، وهو النصر لك والتأييد (وظهر أمر الله) بإعزاز دينه ~~وإعلاء شرعه وقهر أعدائه، وقيل الحق القرآن (وهم كارهون) أي والحال أنهم ~~كارهون لمجئ الحق وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم منهم (ومنهم) أي من ~~المنافقين (من يقول) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ائذن لي) في ~~التخلف عن الجهاد (ولا تفتني) أي لا توقعني في الفتنة: أي الإثم إذا لم ~~تأذن لي فتخلفت بغير إذنك، وقيل معناه: لا توقعني في الهلكة بالخروج (ألا ~~في الفتنة سقطوا) أي في نفس الفتنة سقطوا، وهي فتنة التخلف عن الجهاد، ~~والاعتذار الباطل. والمعنى: أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم ~~يقعون في الفتنة، وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة. وفى التعبير ~~بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوى من أعلى إلى أسفل، ms1534 وذلك أشد ~~من مجرد الدخول في الفتنة، ثم توعدهم على ذلك فقال (وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين) أي مشتملة عليهم من جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصا، ولا ~~يتمكنون من الخروج منها بحال من الأحوال. # وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير عن عمرو بن ميمون قال: اثنتان ~~فعلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤمر فيهما بشئ: إذنه ~~للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله (عفا الله عنك لم أذنت لهم) وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عون بن عبد الله ~~قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة، فقال (عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم). وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله (عفا الله عنك) الآية قال: ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. وأخرج ~~النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله (عفا الله عنك لم أذنت لهم) الثلاث ~~الآيات، قال: نسخها - فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم -. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عنه في قوله (لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله) الآية قال: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا ~~في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين فقال - فإذا استأذنوك ~~لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم -. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي في سننه عنه أيضا في قوله (لا يستأذنك) الآيتين قال: ~~نسختها الآية التي في سورة النور - إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~- إلى - إن الله غفور رحيم - فجعل الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء ~~الله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله (ولكن كره الله ~~انبعاثهم) قال: خروجهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ms1535 عباس في قوله (فثبطهم) ~~قال: حبسهم. وأخرج PageV02P367 # ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله (لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا) قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ولا أوضعوا خلالكم) قال: لأسرعوا ~~بينكم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ~~في قوله (ولا أوضعوا خلالكم) قال: لأرفضوا (يبغونكم الفتنة) يبطئونكم عبد ~~الله بن نبتل، وعبد الله بن أبي ابن سلول، ورفاعة بن تابوت، وأوس بن قيظي ~~(وفيكم سماعون لهم) محدثون لهم بأحاديثكم غير منافقين، وهم عيون للمنافقين. ~~وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس ~~قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال ~~لجد بن قيس: يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول ~~الله إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأذن لي ولا ~~تفتني، فأنزل الله (ومنهم من يقول ائذن لي) الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن جابر بن عبد الله نحوه. وأخرج ابن مردويه عن عائشة نحوه أيضا. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا تفتني) قال: لا ~~تخرجني (ألا في الفتنة سقطوا) يعني في الخروج. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ ~~عن قتادة في قوله (ولا تفتني) قال: لا تؤثمني (ألا في الفتنة) قال: ألا في ~~الإثم، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها. # سورة براءة الآية (50 - 57) قوله (إن تصبك حسنة) أي حسنة كانت بأي سبب ~~اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في المصيبة، وتدخل الحسنة ~~والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولا أوليا، فمن جملة ما ~~تصدق عليه الحسنة الغنيمة والظفر. ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة الخيبة ~~والانهزام، وهذا ذكر نوع آخر من خبث ضمائر PageV02P368 # المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار ms1536 بعظيم عداوتهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ~~ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا إلى الغاية، ومعنى (تولوا) رجعوا إلى ~~أهلهم عن مقامات الاجتماع ومواطن التحدث حال كونهم فرحين بالمصيبة التي ~~أصابت المؤمنين، ومعنى قولهم (قد أخذنا أمرنا من قبل) أي احتطنا لأنفسنا ~~وأخذنا بالحزم، فلم نخرج إلى القتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم ما نالهم ~~من المصيبة، ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن يجيب عليهم بقوله (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) أي في اللوح ~~المحفوظ، أو في كتابه المنزل علينا، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم ~~أن ما قدره الله كائن، وأن كل ما ناله من خير أو شر إنما هو بقدر الله ~~وقضائه هانت عليه المصائب، ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة (هو ~~مولانا) أي ناصرنا وجاعل العاقبة لنا ومظهر دينه على جميع الأديان، والتوكل ~~على الله تفويض الأمور إليه، والمعنى: أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم ~~مختصا بالله سبحانه لا يتوكلون على غيره. وقرأ طلحة بن مصرف (يصيبنا) ~~بتشديد الياء. وقرأ أعين قاضي الري " يصيبنا " بنون مشددة، وهو لحن لأن ~~الخبر لا يؤكد، ورد بمثل قوله تعالى - هل يذهبن كيده ما يغيظ -. وقال ~~الزجاج: # معناه لا يصيبنا إلا ما اختصنا الله من النصرة عليكم أو الشهادة، وعلي ~~هذا القول يكون قوله (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) تكريرا لغرض ~~التأكيد، والأول أولى حتى يكون كل واحد من الجوابين اللذين أمر الله سبحانه ~~رسوله بأن يجيب عليهم بهما مفيدا لفائدة غير فائدة الآخر، والتأسيس خير من ~~التأكيد، ومعنى (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) هل تنتظرون بنا إلا إحدى ~~الخصلتين الحسنيين: إما النصرة أو الشهادة، وكلاهما مما يحسن لدينا، ~~والحسنى تأنيث الأحسن، ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ (ونحن نتربص بكم) ~~إحدى المساءتين لكم: إما (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) أي قارعة نازلة من ms1537 ~~السماء فيسحتكم بعذابه، (أو) بعذاب لكم (بأيدينا) أي بإظهار الله لنا عليكم ~~بالقتل والأسر والنهب والسبي. والفاء في فتربصوا فصيحة، والأمر للتهديد كما ~~في قوله - ذق إنك أنت العزيز الكريم - أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا ~~فنحن معكم متربصون ما هو عاقبتكم فستنظرون عند ذلك ما يسرنا ويسوؤكم. وقرأ ~~البزي وابن فليح " هل تربصون " بإظهار اللام وتشديد التاء. وقرأ الكوفيون ~~بإدغام اللام في التاء. وقرأ الباقون بإظهار اللام وتخفيف التاء. قوله (قل ~~أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم) هذا الأمر معناه الشرط والجزاء، لأن ~~الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم، والتقدير: إن أنفقتم طائعين أو ~~مكرهين فلن يتقبل منكم، وقيل هو أمر في معنى الخبر: أي أنفقتم طوعا أو كرها ~~لن يتقبل منكم، فهو كقوله - استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - وفيه الإشعار ~~بتساوي الأمرين في عدم القبول، وانتصاب طوعا أو كرها على الحال فهما مصدران ~~في موقع المشتقين: أي أنفقوا طائعين من غير أمر من الله ورسوله أو مكرهين ~~بأمر منهما. وسمى الأمر منهما إكراها لأنهم منافقون لا يأتمرون بالأمر، ~~فكانوا بأمرهم الذي لا يأتمرون به كالمكرهين على الإنفاق، أو طائعين من غير ~~إكراه من رؤسائكم أو مكرهين منهم، وجملة (إنكم كنتم قوما فاسقين) تعليل ~~لعدم قبول إنفاقهم. # والفسق: التمرد والعتو، وقد سبق بيانه لغة وشرعا، ثم بين سبحانه السبب ~~المانع من قبول نفقاتهم فقال (وما معهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله) أي كفرهم بالله وبرسوله جعل المانع من القبول ثلاثة ~~أمور: الأول الكفر، الثاني أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال ~~الكسل والتثاقل، لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا، فصلاتهم ليست إلا ~~رياء للناس وتظهرا بالإسلام الذي يبطنون خلافه، والثالث أنهم لا ينفقون ~~أموالهم إلا وهم كارهون، ولا ينفقونها طوعا لأنهم يعدون إنفاقها وضعا لها ~~في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله قوله (فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم) الإعجاب بالشيء: أن يسر به سرورا راض ms1538 به PageV02P369 # متعجب من حسنه، قيل مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، ~~والمعنى: لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد (إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الحياة الدنيا) بما يحصل معهم من الغم والحزن عند أن يغنمها ~~المسلمون ويأخذوها قسرا من أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرة أعينهم، وكذا ~~في الآخرة يعذبهم بعذاب النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك، وترك ~~ما يجب عليهم من الزكاة فيها، والتصدق بما يحق التصدق به وقيل في الكلام ~~تقديم وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم منافقون، فهم ينفقون كارهين ~~فيعذبون بما ينفقون. قوله (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) الزهوق: الخروج ~~بصعوبة، والمعنى: أن الله يريد أن تزهق أنفسهم وتخرج أرواحهم حال كفرهم ~~لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل، وتصميمهم على الكفر ~~وتماديهم في الضلالة، ثم ذكر الله سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين فقال ~~(ويحلفون بالله إنهم لمنكم) أي من جملتكم في دين الإسلام والانقياد لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكتاب الله سبحانه (وما هم منكم) في ذلك إلا ~~بمجرد ظواهرهم دون بواطنهم (ولكنهم قوم يفرقون) أي يخافون أن ينزل بهم ما ~~نزل بالمشركين من القتل والسبي، فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة ~~(لو يجدون ملجأ) يلتجئون إليه ويحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو غيره (أو ~~مغارات) جمع مغارة، من غار يغير. قال الأخفش: ويجوز أن يكون من أغار يغير، ~~والمغارات: الغيران والسراديب، وهي المواضع التي يستتر فيها، ومنه غار ~~الماء وغارت العين، والمعنى: لو وجدوا أمكنة يغيبون فيها أشخاصهم هربا منكم ~~(أو مدخلا) من الدخول: أي مكانا يدخلون فيه من الأمكنة التي ليست مغارات. ~~قال النحاس: الأصل فيه متدخل قلبت التاء دالا، وقيل أصله مدتخل. وقرأ أبي " ~~متدخلا " وروى عنه أنه قرا " مندخلا " بالنون. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ~~وابن محيصن " أو مدخلا " بفتح الميم وإسكان الدال. قال الزجاج: ms1539 ويقرأ " أو ~~مدخلا " بضم الميم وإسكان الدال. وقرأ الباقون بتشديد الدال مع ضم الميم ~~(لولوا إليه) أي لالتجئوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه (و) الحال أن‍ (هم ~~يجمحون) أي يسرعون إسراعا لا يردهم شئ، من جمح الفرس: إذا لم يرده اللجام، ~~ومنه قول الشاعر: # سبوح جموح وإحضارها * كمعمعة السعف الموقد والمعنى: لو وجدوا شيئا من هذه ~~الأشياء المذكورة لولوا إليه مسرعين هربا من المسلمين. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جعل المنافقون الذين ~~تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبار السوء ~~يقولون: إن محمدا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم ~~وعافية النبي وأصحابه، فساءهم ذلك فأنزل الله (إن تصبك حسنة تسؤهم) الآية. ~~وأخرج سنيد وابن جرير عن ابن عباس (إن تصبك حسنة تسؤهم) يقول: إن يصبك في ~~سفرك هذه الغزوة تبوك حسنة تسؤهم قال: الجد وأصحابه، يعني الجد بن قيس. ~~وأخرج أبو الشيخ عن السدي (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) قال: إلا ما ~~قضى الله لنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ~~(هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) قال: فتح أو شهادة. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن جريج في قوله (أو بأيدينا) قال: القتل بالسيوف وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال: قال الجد بن قيس إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن ~~أعينك بمالي، قال: ففيه نزلت (قل أنفقوا طوعا أو كرها) الآية. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (فلا تعجبك أموالهم) ~~قال: هذه من تقاديم الكلام، يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة ~~الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~عباس قال: إنما يريد الله ليعذبهم بها PageV02P370 # في الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون) قال: تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا (وهم كافرون) قال: هذه آية فيها ms1540 ~~تقديم وتأخير. وأخرج أبو حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله (فلا تعجبك) ~~يقول: لا يغررك (وتزهق) قال: تخرج أنفسهم، قال في الدنيا وهم كافرون. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (لو ~~يجدون ملجأ) الآية قال: الملجأ الحرز في الجبال، والمغارات: الغيران، ~~والمدخل: السرب. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي (وهم يجمحون) قال: ~~يسرعون. # سورة براءة الآية (58 - 60) قوله (ومنهم من يلمزك) هذا ذكر نوع آخر ~~قبائحهم، يقال لمزه يلمزه: إذا عابه. قال الجوهري: اللمز العيب، وأصله ~~الإشارة بالعين ونحوها، وقد لمزه يلمزه ويلمزه، ورجل لماز، ولمزة: أي عياب. ~~قال الزجاج: # لمزت الرجل ألمزه وألمزه، بكسر الميم وضمها: إذا عبته، وكذا همزته. ومعنى ~~الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها. وروى عن ~~مجاهد أنه قال: معنى (يلمزك) يرزؤك ويسألك، والقول عند أهل اللغة هو الأول ~~كما قال النحاس. وقرئ يلمزك بضم الميم، ويلمزك بكسرها مع التشديد. وقرأ ~~الجمهور بكسرها مخففة (فإن أعطوا منها) أي من الصدقات بقدر ما يريدون ~~(رضوا) بما وقع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعيبوه، وذلك ~~لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا، وليسوا من الدين في شئ (وإن لم يعطوا ~~منها) أي من الصدقات ما يريدونه ويطلبونه (إذا هم يسخطون) أي وإن لم يعطوا ~~فاجئوا السخط، وفائدة إذا الفجائية أن الشرط مفاجئ بكر للجزاء وهاجم عليه. ~~وقد نابت إذا الفجائية مناب فاء الجزاء (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله) أي ما فرضه الله لهم وما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~من الصدقات، وجواب لو محذوف: # أي لكان خيرا لهم فإن فيما أعطاهم الخير العاجل والآجل (وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله) أي قالوا هذه المقالة عند أن أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما هو لهم: أي كفانا الله، سيعطينا من ~~فضله ويعطينا رسوله بعد هذا ما نرجوه ونؤمله ms1541 (إنا إلى الله راغبون) في أن ~~يعطينا من فضله ما نرجوه. قوله (إنما الصدقات للفقراء) لما لمز المنافقون ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قسمة الصدقات بين الله لهم مصرفها ~~دفعا لطعنهم وقطعا لشغبهم، و (إنما) من صيغ القصر. وتعريف الصدقات للجنس: ~~أي جنس هذه الصدقات مقصور على هذه الأصناف المذكورة لا يتجاوزها، بل هي لهم ~~لا لغيرهم. # وقد اختلف أهل العلم هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية، أو ~~يجوز صرفها إلى البعض PageV02P371 # دون البعض على حسب ما يراه الإمام أو صاحب الصدقة؟ فذهب إلى الأول ~~الشافعي وجماعة من أهل العلم، وذهب إلى الثاني مالك وأبو حنيفة، وبه قال ~~عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران. قال ابن ~~جرير وهو قول عامة أهل العلم: احتج الأولون بما في الآية من القصر وبحديث ~~زياد بن الحرث الصدائي عند أبي داود والدارقطني قال: أتيت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله ~~لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، ~~فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك. وأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر ~~إنما هو لبيان الصرف والمصرف، لا لوجوب استيعاب الأصناف، وبأن في إسناد ~~الحديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف. # ومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى - إن تبدوا الصدقات فنعما هي ~~وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم - والصدقة تطلق على الواجبة كما ~~تطلق على المندوبة، وصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " أمرت أن آخذ ~~الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم ". وقد ادعى مالك الإجماع على القول ~~الآخر. قال ابن عبد البر: # يريد إجماع الصحابة فإنه لا يعلم له مخالفا منهم. قوله (للفقراء) قدمهم ~~لأنهم أحوج من البقية على المشهور لشدة فاقتهم وحاجتهم. # وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال: فقال يعقوب ms1542 ~~بن السكيت والقتيبي ويونس ابن حبيب: إن الفقير أحسن حالا من المسكين، ~~قالوا: لأن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شئ ~~له، وذهب إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة. وقال آخرون بالعكس، ~~فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير، واحتجوا بقوله تعالى - أما السفينة ~~فكانت لمساكين - فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر. # وربما ساوت جملة من المال، ويؤيده تعوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الفقر مع قوله " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " وإلى هذا ذهب الأصمعي ~~وغيره من أهل اللغة، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعي ~~وأكثر أصحابه، وقال قوم: إن الفقير والمسكين سواء لا فرق بينهما وهو أحد ~~قولي الشافعي، وإليه ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. ~~وقال قوم: الفقير المحتاج المتعفف، والمسكين السائل. قاله الأزهري، واختاره ~~ابن شعبان، وهو مروي عن ابن عباس. وقد قيل غير هذه الأقوال مما لا يأتي ~~الاستكثار منه بفائدة يعتد بها. والأولى في بيان ماهية المسكين ما ثبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ليس المسكين بهذا الطواف ~~الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، قالوا: فما ~~المسكين يا رسول الله؟ قال: # الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه. ولا يسأل الناس شيئا ". ~~قوله (والعاملين عليها) أي السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل ~~الزكاة فإنهم يستحقون منها قسطا. # وقد اختلف في القدر الذي يأخذونه منها، فقيل الثمن، روى ذلك عن مجاهد ~~والشافعي. وقيل على قدر أعمالهم من الأجرة، روى ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه. ~~وقيل يعطون من بيت المال قدر أجرتهم، روى ذلك عن مالك، ولا وجه لهذا، فإن ~~الله قد أخبر بأن لهم نصيبا من الصدقة فكيف يمنعون منها ويعطون من غيرها؟ ~~واختلفوا هل يجوز أن يكون العامل هاشميا أم لا؟ فمنعه ms1543 قوم، وأجازه آخرون. ~~قالوا: ويعطى من غير الصدقة. قوله (والمؤلفة قلوبهم) هم قوم كانوا في صدر ~~الإسلام، فقيل: هم الكفار الذين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتألفهم ~~ليسلموا، وكانوا لا يدخلون في الإسلام بالقهر والسيف، بل بالعطاء، وقيل: هم ~~قوم أسلموا في الظاهر PageV02P372 # ولم يحسن إسلامهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألفهم ~~بالعطاء، وقيل هم من أسلم من اليهود والنصارى، وقيل: هم قوم من عظماء ~~المشركين لهم أتباع أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتألفوا أتباعهم ~~على الإسلام. وقد أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة ممن أسلم ظاهرا ~~كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، أعطى ~~كل واحد منهم مائة من الإبل تألفهم بذلك، وأعطى آخرين دونهم. # وقد اختلف العلماء هل سهم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا؟ ~~فقال عمر والحسن والشعبي: قد انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهذا ~~مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي. وقد ادعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت ~~على ذلك. وقال جماعة من العلماء: سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يتألف ~~على الإسلام، وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. قال يونس: سألت ~~الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخ ذلك وعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر ~~الأصناف. قوله (وفي الرقاب) أي في فك الرقاب بأن يشترى رقابا ثم يعتقها. ~~روى ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ~~عبيد. وقال الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ~~والنخعي والزهري وابن زيد: إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال ~~الكتابة، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ورواية عن مالك، والأولى حمل ما في ~~الآية على القولين جميعا لصدق الرقاب على شراء العبد وإعتاقه، وعلى إعانة ~~المكاتب على مال الكتابة. قوله (والغارمين) هم الذين ركبتهم الذنوب ولا ~~وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين ms1544 في سفاهة فإنه لا يعطى ~~منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. وقد أعان النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها. # قوله (وفى سبيل الله) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في ~~غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء. # وهذا قول أكثر العلماء. وقال ابن عمر: هم الحجاج والعمار، وروى عن أحمد ~~وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى ~~الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به. قوله (وابن السبيل) هو المسافر، ~~والسبيل الطريق، ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، والمراد الذي انقطعت ~~به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده، ~~وإن وجد من يسلفه. وقال مالك: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى. قوله (فريضة من ~~الله) مصدر مؤكد، لأن قوله - إنما الصدقات للفقراء - معناه: فرض الله ~~الصدقات لهم. # والمعنى: أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازم فرضه الله ~~على عباده ونهاهم عن مجاوزته (والله عليم) بأحوال عباده (حكيم) في أفعاله، ~~وقيل إن " فريضة " منتصبة بفعل مقدر: أي فرض الله ذلك فريضة. قال في ~~الكشاف: فإن قلت لم عدل عن اللام إلى " في " في الأربعة الآخرة؟ قلت: ~~للإيذان بأنها أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، وقيل النكتة في ~~العدول أن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى ينصرفوا به كما ~~شاءوا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم، بل يصرف إلى جهات الحاجات ~~المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة. كذا قيل. # وقد أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: " بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التيمي فقال: اعدل يا ~~رسول الله، فقال: ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي ~~فأضرب عنقه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ms1545 دعه فإن له أصحابا يحقر ~~أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من PageV02P373 # الدين كما يمرق السهم من الرمية " الحديث حتى قال: وفيهم نزلت (ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات). وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~قوله (ومنهم من يلمزك) قال: يرزؤك يسألك. وأخرج ابن المنذري عن قتادة قال: ~~يطعن عليك. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: لما قسم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول: إن هذه لقسمة ما أريد بها الله، ~~فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكرت ذلك له، فقال " رحمة الله على ~~موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر، ونزل (ومنهم من يلمزك في الصدقات) " وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس قال: نسخت هذه الآية كل صدقة في القرآن (إنما ~~الصدقات للفقراء) الآية. # وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو ~~الشيخ عن حذيفة في قوله (إنما الصدقات للفقراء) الآية قال: إن شئت جعلتها ~~في صنف واحد من الأصناف الثمانية التي سمى الله أو صنفين أو ثلاثة. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن أبي العالية والحسن وعطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير نحوه. ~~وأخرج ابن المنذر والنحاس عن ابن عباس قال: الفقراء فقراء المسلمين، ~~والمساكين الطوافون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس ~~وأبو الشيخ عن قتادة قال: الفقير الذي به زمانة، والمسكين المحتاج الذي ليس ~~به زمانة. # وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر في قوله (إنما الصدقات للفقراء) قال: هم زمني ~~أهل الكتاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والعاملين عليها) ~~قال: السعاة أصحاب الصدقة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(والمؤلفة قلوبهم) قال: هم قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد أسلموا، وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا ~~منها خيرا قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه. وأخرج ~~البخاري ms1546 وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال: بعث علي بن أبي طالب ~~من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذهيبة فيها تربتها، فقسمها ~~بين أربعة من المؤلفة: الأقرع بن حابس الحنظلي وعلقمة بن علاثة العامري، ~~وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الخيل الطائي، فقالت قريش والأنصار: يقسم بين ~~صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنما أتألفهم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الزهري أنه ~~سئل عن المؤلفة قلوبهم قال: من أسلم من يهودي أو نصراني، قلت: # وإن كان موسرا؟ قال: وإن كان موسرا. وأخرج هؤلاء عن أبي جعفر قال: ليس ~~اليوم مؤلفة قلوبهم. وأخرج هؤلاء أيضا عن الشعبي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن مقاتل في قوله (وفي الرقاب) قال: هم المكاتبون. وأخرج ابن المنذر عن ~~النخعي نحوه. وأخرج أيضا عن عمر بن عبد الله قال: سهم الرقاب نصفان: نصف ~~لكل مكاتب ممن يدعى الإسلام، والنصف الآخر يشترى به رقاب ممن صلى وصام وقدم ~~إسلامه من ذكر وأنثى يعتقون لله وأخرج ابن أبي شيبة وأبو عبيد وابن المنذر ~~عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يعطى الرجل من زكاته في الحج وأن يعتق ~~منها رقبة. وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري أنه سئل عن الغارمين قال: أصحاب ~~الدين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ~~جعفر في قوله (والغارمين) قال: هو الذي يسأل في دم أو جائحة تصيبه (وفي ~~سبيل الله) قال: هم المجاهدون (وابن السبيل) قال: المنقطع به يعطى قدر ما ~~يبلغه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ابن السبيل هو الضيف الفقير ~~الذي ينزل بالمسلمين. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر ~~وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو الرجل اشتراها ~~بماله، أو غارم، ms1547 أو غاز في سبيل الله. # أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها لغني ". وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ~~والترمذي عن عبد الله بن عمر عن PageV02P374 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ~~". وأخرج أحمد عن رجل من بني بني هلال قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فذكر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبد الله ~~بن عدي بن الجيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر ~~وخفضه قرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي ~~مكتسب. # سورة براءة الآية (61 - 66) قوله (ومنهم) هذا نوع آخر بما حكاه الله من ~~فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم على وجه الطعن والذم هو أذن. قال الجوهري: يقال رجل أذن: إذا كان ~~يسمع مقال كل أحد، يستوى فيه الواحد والجمع ومرادهم، أقمأهم الله، أنهم إذا ~~آذوا النبي وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقبل ذلك منهم، لأنه ~~يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له ~~فيصدقه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن ~~جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم للربيئة عين، وإيذاؤهم له هو قوله (هو أذن) ~~لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل ~~اغترارا منهم بحلمه عنهم وصفحه عن جناياتهم كرما وحلما وتغاضيا، ثم أجاب ~~الله عن قولهم هذا، فقال (قل أذن خير لكم) بالإضافة على قراءة الجمهور. ~~وقرأ الحسن بالتنوين، وكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه، كأنه قيل: نعم ~~هو أذن، ولكن نعم الأذن هو لكونه أذن خير لكم وليس بأذن في غير ذلك، كقولهم ~~رجل صدق، يريدون الجودة والصلاح. والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشر. ~~وقرئ " أذن " بسكون الذال ms1548 وصمها، ثم فسر كونه أذن خير بقوله (يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين) أي يصدق بالله ويصدق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص ~~الإيمان. فتكون اللام في (للمؤمنين) للتقوية، كما قال الكوفيون، أو متعلقة ~~بمصدر محذوف، كما قال المبرد. وقرأ الجمهور " ورحمة " بالرفع عطف على أذن. ~~وقرأ حمزة بالخفض عطفا على خير. والمعنى على القراءة PageV02P375 # الأولى: هو أنه أذن خير وأنه هو رحمة للمؤمنين، وعلى القراءة الثانية: ~~أنه أذن خير وأذن رحمة. قال النحاس: # وهذا عند أهل العربية بعيد، يعني قراءة الجر لأنه قد تباعد بين الاسمين، ~~وهذا يقبح في المخفوض. والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن خير ~~للمنافقين (ورحمة) لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولا فضحهم، فكأنه قال: # هو أذن كما قلتم لكنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه إلا ~~أنه فسره بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير ~~بفطنته، ومعنى (للذين آمنوا منكم) أي الذين أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا ~~مؤمنين حقيقة (والذين يؤذون رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم بما تقدم ~~من قولهم: هو أذن، ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (لهم عذاب أليم) أي شديد الألم. وقرأ ابن أبي عبلة " ورحمة ~~للمؤمنين " بالنصب على أنها علة لمعلل محذوف: أي ورحمة لكم يأذن لكم. ثم ~~ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الإيمان الكاذبة، فقال (يحلفون ~~بالله لكم ليرضوكم) والخطاب للمؤمنين. وذلك أن المنافقين كانوا في خلواتهم ~~يطعنون على المؤمنين وعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا بلغ ذلك إلى ~~رسول الله وإلى المؤمنين جاء المنافقون فحلفوا على أنهم لم يقولوا ما بلغ ~~عنهم قاصدين بهذه الأيمان الكاذبة أن يرضوا رسول الله ومن معه من المؤمنين ~~فنعى الله ذلك عليهم، وقال (والله ورسوله أحق أن يرضوه) أي هما أحق بذلك من ~~إرضاء المؤمنين بالأيمان الكاذبة، فإنهم لو اتقوا الله وآمنوا به وتركوا ~~النفاق لكان ذلك أولى لهم، ms1549 وإفراد الضمير في يرضوه إما للتعظيم للجناب ~~الإلهي بإفراده بالذكر أو أو لكونه لا فرق بين إرضاء الله وإرضاء رسوله، ~~فإرضاء الله إرضاء لرسوله، أو المراد: الله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك كما ~~قال سيبويه، ورجحه النحاس: أو لأن الضمير موضوع موضع اسم الإشارة فإنه يشار ~~به إلى الواحد والمتعدد، أو الضمير راجع إلى المذكور، وهو يصدق عليهما. ~~وقال الفراء: المعنى ورسوله أحق أن يرضوه. والله افتتاح كلام كما تقول ما ~~شاء الله وشئت، وهذه الجملة أعني (والله ورسوله أحق أن يرضوه) في محل نصب ~~على الحال، وجواب (إن كانوا مؤمنين) محذوف: # أي إن كانوا مؤمنين فليرضوا الله ورسوله. قوله (ألم يعلموا أنه من يحادد ~~الله ورسوله فأن له نار جهنم). قرأ الحسن وابن هرمز ألم تعلموا بالفوقية. ~~وقرأ الباقون بالتحتية: والمحاددة وقوع هذا في حد، وذلك في حد كالمشاققة: ~~يقال حاد فلان فلانا: أي صار في حد غير حده (فإن له نار جهنم) قرأ الجمهور ~~بفتح الهمزة على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي فحق أن له نار جهنم. وقال الخليل ~~وسيبويه: إن " أن " الثانية مبدلة من الأولى، وزعم المبرد أن هذا القول ~~مردود، وأن الصحيح ما قال الجرمي أن الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام. ~~وقال الأخفش المعنى فوجوب النار له، وأنكره المبرد وقال: هذا خطأ من أجل أن ~~" أن " المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر. وقرئ بكسر الهمزة. قال ~~سيبويه، وهي قراءة جيدة، وأنشد: # وإني إذا ملت ركابي مناخها * فإني على حظى من الأمر جامح وانتصاب خالدا ~~على الحال، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكر من العذاب، وهو مبتدأ وخبره ~~(الخزي العظيم) أي الخزي البالغ إلى الغاية التي يبلغ إليها غيره، وهو الذل ~~والهوان. قوله (بحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة) قيل هو خبر وليس بأمر. ~~وقال الزجاج: معناه ليحذر. فالمعنى على القول الأول: أن المنافقين كانوا ~~يحذرون نزول القرآن فيهم، وعلى الثاني: الأمر لهم بأن يحذروا ذلك، وأن " ~~تنزل " في موضع نصب: أي من أن تنزل، ms1550 ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع ~~خفض على تقدير من وإعمالها. ويجوز أن يكون النصب على المفعولية. وقد أجاز ~~سيبويه حذرت زيدا، وأنشد: PageV02P376 # حذر أمورا لا تضير وآمن * ما ليس ينجيه من الأقدار ومنع من النصب على ~~المفعولية المبرد. ومعنى (عليهم) أي على المؤمنين في شأن المنافقين، على أن ~~الضمير للمؤمنين، والأولى أن يكون الضمير للمنافقين: أي في شأنهم (تنبئهم) ~~أي المنافقين (بما في قلوبهم) مما يسرونه فضلا عما يظهرونه، وهم وإن كانوا ~~عالمين بما في قلوبهم فالمراد من إنباء السورة لهم إطلاعهم على أن المؤمنين ~~قد علموا بما في قلوبهم، ثم أمر الله رسوله بأن يجيب عليهم، فقال (قل ~~استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون) هو أمر تهديد: أي افعلوا الاستهزاء إن ~~الله مخرج ما تحذرون من ظهوره حتى يطلع عليه المؤمنون، إما بإنزال سورة، أو ~~بإخبار رسوله بذلك أو نحو ذلك. قوله (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب) أي ولئن سألتهم عما قالوه من الطعن في الدين وثلب المؤمنين بعد أن ~~يبلغ إليك ذلك ويطلعك الله عليه ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، ولم نكن في شئ ~~من أمرك ولا أمر المؤمنين. ثم أمره الله أن يجيب عنهم فقال (قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزءون) والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وأثبت وقوع ذلك ~~منهم ولم يعبأ بإنكارهم، لأنهم كانوا كاذبين في الإنكار، بل جعلهم ~~كالمعترفين بوقوع ذلك منهم حيث جعل المستهزأ به، والباء لحرف النفي، فإن ~~ذلك إنما يكون بعد وقوع الاستهزاء وثبوته، ثم قال (لا تعتذروا) نهيا لهم عن ~~الاشتغال بالاعتذارات الباطنة، فإن ذلك غير مقبول منهم. وقد نقل الواحدي عن ~~أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب وقطعه، من قولهم اعتذر المنزل ~~إذا درس، واعتذرت المياه إذا انقطعت (فقد كفرتم) أي أظهرتم الكفر بما وقع ~~منكم من الاستهزاء المذكور (بعد إيمانكم) أي بعد إظهاركم (الإيمان مع كونكم ~~تبطنون الكفر (إن نعف عن طائفة منكم) وهم من أخلص الإيمان وترك النفاق وتاب ~~عنه. قال الزجاج: الطائفة ms1551 في اللغة الجماعة. قال ابن الأنباري: ويطلق لفظ ~~الجمع على الواحد عند العرب (بعذب طائفة ب‍) سبب (أنهم كانوا مجرمين) مصرين ~~على النفاق لم يتوبوا منه، قرئ نعذب بالنون وبالتاء الفوقية على البناء ~~للمفعول وبالتحتية على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان نبتل ~~بن الحارث يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجلس إليه فيسمع منه، ~~ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال لهم: إنما محمد أذن، من حدثه ~~بشئ صدقه، فأنزل الله فيه (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) الآية. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اجتمع ناس من المنافقين فيهم خلاس بن ~~سويد بن صامت ومخشى بن حمير ووديعة بن ثابت، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فنهى بعضهم بعضا وقالوا: إنا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع ~~بكم، فقال بعضهم: إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا، فنزل (ومنهم الذين يؤذون ~~النبي) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله (هو أذن) يعني أنه يسمع من كل أحد. قال الله تعالى (أذن ~~خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) يعني يصدق بالله ويصدق المؤمنين. وأخرج ~~الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن عمير بن سعد قال: في أنزلت هذه الآية ~~(ويقولون هو أذن) وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة، فيأتي ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيساره حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد ~~وكرهوا مجالسته، وقال (هو أذن) فأنزلت فيه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا ~~وأشرافنا، ولئن كان ما يقول محمد حقا لهم شر من الحمير، فسمعها رجل من ~~المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد لحق ولأنت شر من الحمار، فسعى بها ~~الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه PageV02P377 # وآله وسلم فأخبره، ms1552 فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: ما حملك على الذي قلت؟ ~~فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق ~~الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله في ذلك (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) الآية. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي مثله، وسمى الرجل المسلم عامر بن قيس من ~~الأنصار. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله) ~~يقول: يعادي الله ورسوله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (يحذر المنافقون) الآية قال: يقولون القول ~~فيما بينهم، ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا هذا. وأخرج أبو نعيم في ~~الحلية عن شريح بن عبيد أن رجلا قال لأبي الدرداء: # يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم وأعظم لقما إذا أكلتم؟ ~~فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه بشئ فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فانطلق ~~عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فقال بثوبه وخنقه وقاده إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فقال الرجل: إنما كنا نخوض ونلعب، فأوحى الله إلى نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب). وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله ابن عمر قال: قال ~~رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا ~~ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت ولكنك ~~منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحقب ~~ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول ~~الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزءون). وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي ~~في الضعفاء وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب في رواية مالك عن ms1553 ابن عمر، ~~فقال: رأيت عبد الله بن أبي وهو يشتد قدام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والأحجار تنكبه وهو يقول: يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون). وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: بينما رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين، ~~فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، ~~فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: احبسوا ~~على هؤلاء الركب، فأتاهم فقال: قلتم كذا، قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ~~ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون، وقد روى نحو هذا من طرق عن جماعة من ~~الصحابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن نعف عن طائفة) قال: ~~الطائفة الرجل والنفر. # سورة براءة الآية (67 - 68) PageV02P378 # سورة براءة الآية (69 - 70) قوله (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) ~~ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين، وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم، وأنهم متناهون ~~في النفاق والبعد عن الإيمان، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين، ~~ورد لقولهم ويحلفون بالله إنهم لمنكم -، ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة ~~حالهم لحال المنافقين فقال: (يأمرون بالمنكر) وهو كل قبيح عقلا أو شرعا ~~(وينهون عن المعروف) وهو كل حسن عقلا أو شرعا قال الزجاج: هذا متصل بقوله - ~~ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم - أي ليسوا من المؤمنين، ولكن بعضهم ~~من بعض: أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف (ويقبضون أيديهم) ~~أي يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة والصلة والجهاد فالقبض ~~كناية عن الشح، كما أن البسط كناية عن الكرم. والنسيان الترك: أي تركوا ما ~~أمرهم به، فتركهم من رحمته وفضله، لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على ~~الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان، ~~ثم حكم عليهم بالفسق: ms1554 أي الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه، وهذا التركيب ~~يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق. ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر بأنه ~~(نار جهنم) و (خالدين فيها) حال مقدرة: أي مقدرين الخلود، وفي هذه الآية ~~دليل على أن وعد يقال في الشر كما يقال في الخير (هي حسبهم) أي كافيتهم لا ~~يحتاجون إلى زيادة على عذابها، (و) مع ذلك فقد (لعنهم الله) أي طردهم ~~وأبعدهم من رحمته (ولهم عذاب مقيم) أي نوع آخر من العذاب دائم لا ينفك ~~عنهم. قوله (كالذين من قبلكم) شبه حال المنافقين بالكفار الذين كانوا من ~~قبلهم ملتفتا من الغيبة إلى الخطاب، والكاف محلها رفع على خبرية مبتدأ ~~محذوف: أي أنتم مثل الذين من قبلكم، أو محلها نصب: أي فعلتم مثل فعل الذين ~~من قبلكم من الأمم. وقال الزجاج: التقدير وعد الله الكفار نار جهنم وعدا ~~كما وعد الذين من قبلكم، وقيل المعنى: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في ترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحذف المضاف. ثم وصف حال أولئك الكفار ~~الذين من قبلهم، وبين وجه تشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم بأنهم كانوا أشد ~~من هؤلاء المنافقين والكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا) أي تمتعوا (بخلاقهم) أي نصيبهم الذي قدره ~~الله لهم من ملاذ الدنيا (فاستمتعتم) أنتم (بخلاقكم) أي نصيبكم الذي قدره ~~الله لكم (كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم) أي انتفعتم به كما انتفعوا ~~به، والغرض من هذا التمثيل ذم هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم لمن ~~قبلهم من الكفار في الاستمتاع بما رزقهم الله. وقد قيل ما فائدة ذكر ~~الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة، ثم في حق المنافقين ثانيا، ثم تكريره ~~في حق الأولين ثالثا؟ وأجيب بأنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من ~~حظوظ الدنيا، وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما ~~قرر تعالى هذا عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة. ~~قوله (وخضتم كالذي خاضوا) معطوف على ms1555 ما قبله: أي كالفوج الذي خاضوا، أو ~~كالخوض الذي خاضوا، وقيل أصله كالذين فحذفت النون، والأولى أن يقال إن الذي ~~اسم موصول مثل من PageV02P379 # وما، يعبر به عن الواحد والجمع، يقال: خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا، ~~والموضع مخاضة، وهو ما جاز الناس فيه مشاة وركبانا، وجمعها المخاض ~~والمخاوض، ويقال منه خاض القوم في الحديث وتخاوضوا فيه أي تفاوضوا فيه ~~والمعنى: خضتم في أسباب الدنيا واللهو واللعب، وقيل في أمر محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالتكذيب: أي دخلتم في ذلك، والإشارة بقوله (أولئك) إلى ~~المتصفين بهذه الأوصاف من المشبهين، والمشبه بهم (حبطت أعمالهم) أي بطلت، ~~والمراد بالأعمال ما عملوه مما هو في صورة طاعة، لا هذه الأعمال المذكورة ~~هنا فإنها من المعاصي، ومعنى (في الدنيا والآخرة) أنها باطلة على كل حال: ~~أما بطلانها في الدنيا فلأن ما يترتب على أعمالهم فيها لا يحصل لهم بل يصير ~~ما يرجونه من الغني فقرا، ومن العز ذلا، ومن القوة ضعفا، وأما في الآخرة ~~فلأنهم يصيرون إلى عذاب النار ولا ينتفعون بشئ مما عملوه من الأعمال التي ~~يظنونها طاعة وقربة (وأولئك هم الخاسرون) أي المتمكنون في الخسران الكاملون ~~فيه في الدنيا والآخرة (ألم يأتهم) أي المنافقين (نبأ الذين من قبلهم) أي ~~خبرهم الذي له شأن، وهو ما فعلوه وما فعل بهم، ولما شبه حالهم بحالهم فيما ~~سلف على الإجمال في المشبه بهم ذكر منهم ههنا ست طوائف قد سمع العرب ~~أخبارهم، لأن بلادهم وهي الشام قريبة من بلاد العرب، فالاستفهام للتقرير، ~~وأولهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، وثانيهم قوم عاد وقد أهلكوا بالريح ~~العقيم، وثالثهم قوم ثمود وقد أخذوا بالصيحة، ورابعهم قوم إبراهيم وقد سلط ~~الله عليهم البعوض، وخامسهم أصحاب مدين وهم قوم شعيب وقد أخذتهم الرجفة. # وسادسهم أصحاب المؤتفكات وهي قرى قوم لوط وقد أهلكهم الله بما أمطر عليهم ~~من الحجارة، وسميت مؤتفكات لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها ~~والائتفاك الانقلاب (أتتهم رسلهم بالبيات) أي رسل هذه الطوائف الست، وقيل ~~رسل أصحاب ms1556 المؤتفكات لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى كل قرية من قراهم رسولا، ~~والفاء في (فما كان الله ليظلمهم) للعطف على مقدر يدل عليه الكلام: أي ~~فكذبوهم فأهلكهم الله فما ظلمهم بذلك، لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم ~~وحذروهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وعدم ~~الانقياد لأنبيائه، وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان مستمرا. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (يأمرون بالمنكر) قال: هو ~~التكذيب، قال: وهو أنكر المنكر (وينهون عن المعروف) شهادة أن لا إله إلا ~~الله والإقرار بما أنزل الله، وهو أعظم المعروف. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ويقبضون أيديهم) قال: ~~لا يبسطونها بنفقة في في حق. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (نسوا الله فنسيهم) قال: تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (كالذين من قبلكم) قال: صنيع الكفار ~~كالكفار. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ~~ما أشبه الليلة بالبارحة (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة) إلى قوله ~~(وخضتم كالذي خاضوا) هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم، والذي نفسي بيده لنتبعنهم ~~حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في ~~قوله (بخلاقهم) قال: بدينهم وأخرجا أيضا عن أبي هريرة قال الخلاق الدين: ~~الدين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (فاستمتعوا بخلاقهم) قال: ~~بنصيبهم في الدنيا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (وخضتم ~~كالذي خاضوا) قال: لعبتم كالذي لعبوا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (والمؤتفكات) قال: قوم لوط ائتفكت ~~بهم أرضهم، فجعل عاليها سافلها. PageV02P380 # سورة براءة الآية (71 - 72) قوله (بعضهم أولياء بعض) أي قلوبهم متحدة في ~~التوادد والتحابب والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان ms1557 ~~بالله، ثم ببين أوصافهم الحميدة كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين ~~(يأمرون بالمعروف) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، ومن ذلك توحيد الله ~~سبحانه وترك عبادة غيره (وينهون عن المنكر) أي عما هو منكر في الدين غير ~~معروف، وخصص إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر من جملة العبادات لكونهما ~~الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان والأموال، وقد تقدم معنى هذا ~~(ويطيعون الله) في صنع ما أمرهم بفعله أو نهاهم عن تركه، والإشارة ب‍ ~~(أولئك) إلى المؤمنين والمؤمنات المتصفين بهذه الأوصاف، والسين في (سيرحمهم ~~الله) للمبالغة في إنجاز الوعد (إن الله عزيز) لا يغالب (حكيم) في أقواله ~~وأفعاله، ثم ذكر تفصيل ما يدخل تحت الرحمة إجمالا باعتبار الرحمة في الدار ~~الآخرة فقال (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار) ~~والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير، ومعنى جرى الأنهار من تحت الجنات ~~أنها تجرى تحت أشجارها وغرفها، وقد تقدم تحقيقه في البقرة (ومساكن طيبة) أي ~~منازل يسكنون فيها من الدر والياقوت، و (جنات عدن) يقال عدن بالمكان: إذا ~~أقام به، ومنه المعدن، قيل هي أعلى الجنة، وقيل أوسطها، وقيل قصور من ذهب ~~لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو شهيد. وصف الجنة بأوصاف: الأول جرى الأنهار ~~من تحتها، والثاني أنهم فيها خالدون، والثالث طيب مساكنها، والرابع أنها ~~دار عدن: أي إقامة غير منقطعة، هذا على ما هو معنى عدن لغة، وقيل هو علم، ~~والتنكير في رضوان للتحقير: أي (ورضوان) حقير يستر (من) رضوان (الله أكبر) ~~من ذلك كله الذي أعطاهم الله إياه، وفيه دليل على أنه لا شئ من النعم وإن ~~جلت وعظمت يماثل رضوان الله سبحانه، وأن أدنى رضوان منه لا يساويه شئ من ~~اللذات الجسمانية وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، اللهم ارض عنا رضا لا ~~يشوبه سخط ولا يكدره نكد، يا من بيده الخير كله دقه وجله، والإشارة بقوله ~~(ذلك) إلى ما تقدم مما وعد الله به المؤمنين والمؤمنات (هو الفوز العظيم) ~~دون كل فوز ms1558 مما يعده الناس فوزا. # وقد أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله (يأمرون بالمعروف) قال: يدعون إلى ~~الإيمان بالله ورسوله والنفقات في سبيل الله وما كان من طاعة الله (وينهون ~~عن المنكر) عن الشرك والكفر قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من ~~فرائض الله كتبها الله على المؤمنين. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ~~(بعضهم أولياء بعض) قال: إخاؤهم في الله يتحابون بحلال الله والولاية لله، ~~وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر من الأحاديث ما هو معروف. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن ~~قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير قوله تعالى (ومساكن طيبة في ~~جنات عدن) قالا: على الخبير PageV02P381 # سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قصر من لؤلؤة ~~في الجنة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا ~~من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل ~~لون، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، في كل ~~مائدة سبعون لونا من كل طعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطى المؤمن ~~من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله (جنات عدن) قال: معدن الرجل الذي يكون فيه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~قال: معدنهم فيها أبدا. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله (ورضوان ~~من الله أكبر) يعني: إذا أخبروا أن الله عنهم راض، فهو أكبر عندهم من التحف ~~والتسنيم. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، ~~فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ~~وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، ms1559 فيقول: ألا أعطيكم ~~أفضل من ذلك؟ قالوا: يا ربنا وأي شئ أفضل من ذلك؟ # قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا. # سورة براءة الآية (73 - 74) الأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا ~~الجهاد أمر لأمته من بعده، وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم حتى تسلموا، وجهاد ~~المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم حتى يخرجوا عنه ويؤمنوا بالله. وقال ~~الحسن: إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، واختاره قتادة. قيل في ~~توجيهه إن المنافقين كانوا أكثر من يفعل موجبات الحدود. # قال ابن العربي: إن هذه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما ~~المنافق بما يكون في قلبه من النفاق دائما لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا، ~~وأخبار المحدودين تشهد بسياقتها أنهم لم يكونوا منافقين. قوله (واغلظ ~~عليهم) الغلظ: نقيض الرأفة، وهو شدة القلب وخشونة الجانب، قيل وهذه الآية ~~نسخت كل شئ من العفو والصلح والصفح، ثم ذكر من خصال المنافقين أنهم يحلفون ~~الأيمان الكاذبة، فقال (يحلفون بالله ما قالوا). # وقد اختلف أئمة التفسير في سبب نزول هذه الآية، فقيل نزلت في الجلاس بن ~~سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت، وذلك أنه لما كثر نزول القرآن في غزوة تبوك ~~في شأن المنافقين وذمهم، فقالا: لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ~~ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير، فقال له عامر بن قيس: أجل والله إن ~~محمدا لصادق مصدق، وإنك لشر من الحمار، وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وجاء الجلاس فحلف بالله أن عامرا لكاذب، وحلف عامر لقد ~~قال، وقال: اللهم أنزل على نبيك شيئا فنزلت. وقيل إن الذي سمع ذلك ~~PageV02P382 # عاصم بن عدي، وقيل حذيفة، وقيل بل سمعه ولد امرأته: أي امرأة الجلاس، ~~واسمه عمير بن سعد، فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره. وقيل إن هذه الآية ~~نزلت في عبد الله بن أبي رأس المنافقين لما قال: ما مثلنا ومثل محمد إلا ~~كما قال القائل " سمن كلبك يأكلك "، و - لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ms1560 - فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فجاء عبد ~~الله بن أبي فحلف أنه لم يقله. وقيل إنه قول جميع المنافقين وأن الآية نزلت ~~فيهم، وعلى تقدير أن القائل واحد أو اثنان فنسبة القول إلى جميعهم هي ~~باعتبار موافقة من لم يقول ولم يحلف من المنافقين لمن قد قال وحلف. ثم رد ~~الله على المنافقين وكذبهم وبين أنهم حلفوا كذبا، فقال (ولقد قالوا كلمة ~~الكفر) وهي ما تقدم بيانه على اختلاف الأقوال السابقة (وكفروا بعد إسلامهم) ~~أي كفروا بهذه الكلمة بعد إظهارهم للإسلام وإن كانوا كفارا في الباطن. ~~والمعنى: أنهم فعلوا ما يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم. قوله (وهموا بما ~~لم ينالوا) قيل هو همهم بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ~~العقبة في غزوة تبوك، وقيل هموا بعقد التاج على رأس عبد الله بن أبي، وقيل ~~هو هم الجلاس بقتل من سمعه يقول تلك المقالة، فأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. قوله (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) أي ~~وما عابوا وأنكروا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء، وهو إغناء الله لهم من ~~فضله، والاستثناء مفرغ من أعم العام، وهو من باب قول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ومن باب قول ~~الشاعر: # ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا فهو من تأكيد المدح بما ~~يشبه الذم. وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من العيش، فلما قدم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم المدينة اتسعت معيشتهم وكثرت أموالهم. قوله (فإن ~~يتوبوا يك خيرا لهم) أي فإن تحصل منهم التوبة والرجوع إلى الحق يكن ذلك ~~الذي فعلوه من التوبة خير لهم في الدين والدنيا. وقد تاب الجلاس بن سويد ~~وحسن إسلامه، وفى ذلك دليل على قبول التوبة من المنافق والكافر. # وقد اختلف العلماء في قبولها من الزنديق، فمنع من قبولها مالك وأتباعه، ~~لأنه لا يعلم صحة توبته إذ هو في كل حين ms1561 يظهر التوبة والإسلام (وإن يتولوا) ~~أي يعرضوا عن التوبة والإيمان (يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا) بالقتل ~~والأسر ونهب الأموال (و) في (الآخرة) بعذاب النار (وما لهم في الأرض من ~~ولي) يواليهم (ولا نصير) ينصرهم وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن كعب ~~بن مالك قال: لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس والله لئن كان ~~هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعها عمير بن سعد، فقال والله يا ~~جلاس إنك لأحب الناس إلي وأحسنهم عندي أثرا وأعزهم على أن يدخل عليه شئ ~~يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن سكت عنها لتهلكني، ~~ولإحداهما أشد علي من الأخرى، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذكر له ما قال الجلاس، فحلف بالله ما قال ولكن كذب علي عمير، فأنزل الله ~~(يحلفون بالله ما قالوا) الآية وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك ~~قال: سمع زيد بن أرقم رجلا من المنافقين يقول والنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يخطب: إن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير، قال زيد: هو والله صادق ~~وأنت شر من الحمار، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله PageV02P383 # عليه وآله وسلم فجحد القائل، فأنزل الله (يحلفون بالله ما قالوا) الآية. ~~وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم ~~إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع ~~رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: علام تشتمني أنت ~~وأصحابك فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، ~~وأنزل الله (يحلفون بالله ما قالوا) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة ~~والآخر من غفار، ms1562 وكانت جهينة حلفاء الأنصار، فظهر الغفاري على الجهني، فقال ~~عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما ~~قال القائل " سمن كلبك يأكلك " والله - لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل - فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله (يحلفون ~~بالله) الآية، وفي الباب أحاديث مختلف في سبب نزول هذه الآية، وفيما ذكرناه ~~كفاية. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ~~في قوله (وهموا بما لم ينالوا) قال: هم رجل يقال له الأسود بقتل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ~~(وهموا بما لم ينالوا) قال: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج. وأخرج ~~ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه ~~عن ابن عباس قال: قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل ~~ديته اثنى عشر ألفا، وذلك قوله (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله) قال: بأخذهم الدية. # سورة براءة الآية (75 - 79) اللام الأولى، وهي (لئن آتانا) الله (من ~~فضله) لام القسم، واللام الثانية، وهي (لنصدقن) لام الجواب للقسم والشرط. ~~ومعنى (لنصدقن) لنخرج الصدقة، وهي أعم من المفروضة وغيرها (ولنكونن من ~~الصالحين) أي من جملة أهل الصلاح من المؤمنين القائمين بواجبات الدين ~~التاركين لمحرماته (فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون) أي لما ~~أعطاهم ما طلبوا من الرزق بخلوا به: أي بما آتاهم من فضله فلم يتصدقوا بشئ ~~منه كما حلفوا به (وتولوا) أي أعرضوا عن طاعة الله وإخراج صدقات ما أعطاهم ~~الله من فضله، (و) الحال أن‍ (هم معرضون) في جميع الأوقات قبل أن يعطيهم ~~الله ما أعطاهم من الرزق وبعده قوله (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى ~~PageV02P384 # يوم يلقونه) الفاعل هو الله سبحانه: أي فأعقبهم الله بسبب ms1563 البخل الذي وقع ~~منهم والإعراض نفاقا كائنا في قلوبهم، متمكنا منها، مستمرا فيها (إلى يوم ~~يلقون) الله عز وجل، وقيل إن الضمير يرجع إلى البخل: أي فأعقبهم البخل بما ~~عاهدوا الله عليه نفاقا كائنا في قلوبهم إلى يوم يلقون بخلهم: أي جزاء ~~بخلهم. ومعنى (فأعقبهم) أن الله سبحانه جعل النفاق المتمكن في قلوبهم إلى ~~تلك الغاية عاقبة ما وقع منهم من البخل، والباء في (بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه) للسببية: أي بسبب إخلافهم لما وعدوه من التصدق والصلاح، وكذلك الباء ~~في (وبما كانوا يكذبون) أي وبسبب تكذيبهم بما جاء به رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ثم أنكر عليهم فقال (ألم يعلموا) أي المنافقون، وقرئ ~~بالفوقية خطايا للمؤمنين (أن الله يعلم سرهم ونجواهم) أي جميع ما يسرونه من ~~النفاق وجميع ما يتناجون به فيما بينهم من الطعن على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعلى أصحابه، وعلى دين الإسلام (وأن الله علام الغيوب) فلا يخفى ~~عليه شئ من الأشياء المغيبة كائنا ما كان، ومن جملة ذلك ما يصدر عن ~~المنافقين. قوله (الذين يلمزون المطوعين) الموصول محله النصب، أو الرفع على ~~الذم، أو الجر بدلا من الضمير في سرهم ونجواهم ومعنى (يلمزون) يعيبون. وقد ~~تقدم تحقيقه، والمطوعين: أي المتطوعين، والتطوع: التبرع. والمعنى: أن ~~المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوعوا بشئ من أموالهم وأخرجوه للصدقة ~~فكانوا يقولون: ما أغنى الله عن هذا، ويقولون: ما فعلوا هذا إلا رياء، ولم ~~يكن لله خالصا، و (في الصدقات) متعلق بيلمزون: أي يعيبونهم في شأنها. قوله ~~(والذين لا يجدون إلا جهدهم) معطوف على المطوعين: أي يلمزون المتطوعين، ~~ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم، وقيل معطوف على المؤمنين: أي يلمزون ~~المتطوعين من المؤمنين، ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم، وقرئ " جهدهم " بفتح ~~الجيم، والجهد بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، وقيل هما لغتان ومعناهما واحد ~~وقد تقدم بيان ذلك. والمعنى: أن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين ~~الذين كانوا يتصدقون بما فضل عن كفايتهم. قوله (فيسخرون منهم) معطوف على ms1564 ~~يلمزون: أي يستهزءون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقل ~~وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه. قوله (سخر الله منهم) أي جازاهم على ما ~~فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك فسخر الله منهم بأن أهانهم وأذلهم ~~وعذبهم، والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره، وقيل هو دعاء عليهم ~~بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمسلمين (ولهم عذاب أليم) أي ثابت مستمر ~~شديد الألم. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال ~~والطبراني وابن منده والبارودي وأبو نعيم وابن مردويه وابن عساكر أبي أمامة ~~الباهلي قال: جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال: ويلك يا ثعلبة قليل تؤدي ~~شكره خير من كثير لا تطيقه، قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، ~~قال: ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي، فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال ~~معي ذهبا لسارت، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك ~~بالحق إن آتاني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، قال: ويحك يا ثعلبة قليل ~~تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه، قال: يا رسول الله ادع الله تعالى، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم ارزقه مالا، قال: فاتخذ غنما ~~فنمت كما تنمو الدود حتى ضاقت بها المدينة، فتنحى بها فكان يشهد الصلاة ~~بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يشهدها بالليل، ثم نمت ~~كما تنمو الدود فضاق بها، فمكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من ~~جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نمت كما تنمو ~~الدود فضاق بها مكانه، فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار، ~~PageV02P385 # وفقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأل ms1565 عنه: فأخبروه أنه اشترى ~~غنما، وأن المدينة ضاقت به وأخبروه خبره، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ويح ثعلبة بن حاطب ويح ثعلبه بن حاطب، ثم إن الله تعالى أمر ~~رسوله أن يأخذ الصدقات، وأنزل - خذ من أموالهم صدقة - الآية، فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلين، رجلا من جهينة ورجلا من بني سلمة ~~يأخذان الصدقات، وكتب لهما أسنان الإبل والغنم كيف يأخذانها وجوهها، ~~وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم، فخرجا فمرا بثعلبة ~~فسألا الصدقة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا جزية ~~انطلقا حتى تفرغا ثم مرا إلي، فانطلقا، وسمع بهما السلمي فاستقبلهما بخيار ~~إبله، فقالا: إنما عليك دون هذا، فقال: ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير ~~مالي، فقبلا، فلما فرغا مرا بثعلبة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ~~ما هذه إلا جزية انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما ~~رآهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبه بن ~~حاطب، ودعا للسلمي بالبركة، وأنزل الله (ومنهم من عاهد الله) الثلاث ~~الآيات، قال: فسمع بعض أقارب ثعلبه، فأتى ثعلبه فقال: ويحك يا ثعلبة أنزل ~~فيك كذا وكذا، قال: فقدم ثعلبه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: # يا رسول الله هذه صدقة مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن ~~الله قد منعني أن أقبل منك، فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني، فلم يقبل ~~منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مضى، ثم أتى أبا بكر، فقال: يا ~~أبا بكر: اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار، فقال أبو بكر: لم ~~يقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقبلها؟ # فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولى عمر بن الخطاب فأتاه فقال: يا أبا حفص يا ~~أمير المؤمنين اقبل منى ms1566 صدقتي، قال: # ويثقل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقال عمر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبو بكر أقبلها ~~أنا؟ فأبى أن يقبلها، ثم ولى عثمان فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ ~~فلم يقبلها منه، فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت (الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات) قال: وذلك في الصدقة، وهذا الحديث هو مروي من حديث ~~معاذ بن رفاعة عن علي بن زيد عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى ~~عبد الله بن يزيد ابن معاوية عن أبي أمامة الباهلي. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (ومنهم من ~~عاهد الله) الآية، وذلك أن رجلا كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلسا ~~فأشهدهم فقال: # لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، وجعلت منه ~~للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله فأخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ~~ما وعده، فقص الله شأنه في القرآن. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رجلا من ~~الأنصار هو الذي قال هذا، فمات ابن عم له فورث منه مالا فبخل به ولم يف بما ~~عاهد الله عليه، فأعقبه بذلك نفاقا في قلبه إلى أن يلقاه. قال ذلك (بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون). وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~ابن مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق ~~بشئ كثير، فقالوا: مراء، وجاء أبو عقيل بنصف صاع، فقال المنافقون: إن الله ~~لغني عن صدقة هذا، فنزلت (الذي يلمزون المطوعين) الآية، وفي الباب روايات ~~كثيرة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله (الذين يلمزون المطوعين) أي ~~يطعنون على المطوعين. PageV02P386 # سورة براءة الآية (80 - 83) أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين ms1567 وعدمه سواء، وذلك لأنهم ليسوا بأهل ~~لاستغفاره صلى الله عليه وآله وسلم ولا للمغفرة من الله سبحانه لهم، فهو ~~كقوله تعالى - قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم -، ثم قال (إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه ~~للمنافقين وإن أكثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاستغفار لهم، وليس ~~المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولا كما في سائر مفاهيم ~~الأعداد، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول. فقد كانت العرب تجرى ذلك ~~مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى: أنه لن يغفر الله لهم ~~وإن استغفرت لهم استغفارا بالغا في الكثرة غاية المبالغ. وقد ذهب بعض ~~الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه، ويدل ~~لذلك ما سيأتي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لأزيدن على ~~السبعين. وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجها فقال: إن السبعة عدد شريف، لأنها ~~عدد السماوات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام ~~الأسبوع، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة، لأن الحسنة بعشر أمثالها. # وقيل خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كبر على عمه ~~الحمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة بإذاء تكبيراتك ~~على حمزة. وانتصاب سبعين على المصدر كقولهم: ضربته عشرين ضربة. # ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله (ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله) أي ذلك ~~الامتناع بسبب كفرهم بالله ورسوله (والله لا يهدى القوم الفاسقين) أي ~~المتمردين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها، والمراد هنا الهداية ~~الموصلة إلى المطلوب، لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق. ثم ذكر ~~سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين فقال (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول ~~الله) المخلفون المتروكون، وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من المنافقين، فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين ~~خلفهم الله وثبطهم، أو الشيطان أو كسلهم أو المؤمنون، ومعنى (بمقعدهم) أي ms1568 ~~بقعودهم يقال قعد قعودا ومقعدا: أي جلس، وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهري ~~فهو متعلق بفرح: أي فرح المخلفون بقعودهم، وخلاف رسول الله منتصب على أنه ~~ظرف لمقعدهم. # قال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف: أي بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وذلك أن جهة PageV02P387 # الإمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف. وقال قطرب والزجاج: معنى ~~خلاف رسول الله مخالفة الرسول حين سار وأقاموا، فانتصابه على أنه مفعول له: ~~أي قعدوا لأجل المخالفة، أو على الحال مثل وأرسلها العراك: # أي مخالفين له، ويؤيد ما قاله الأخفش ويونس قراءة أبي حيوة خلف رسول ~~الله. قوله (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) سبب ذلك ~~الشح بالأموال والأنفس، وعدم وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص ووجود الصارف ~~عن ذلك، وهو ما هم فيه من النفاق، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله لوجود الداعي معهم وانتفاء الصارف عنهم (وقالوا لا ~~تنفروا في الحر) أي قال المنافقون لإخوانهم هذه المقالة تثبيطا لهم وكسرا ~~لنشاطهم وتواصيا بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، ثم أمر الله رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم (نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) ~~والمعنى: أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا الحر اليسير، ونار جهنم ~~التي ستدخلونها خالدين فيها أبدا أشد حرا مما فررتم منه فإنكم إنما قررتم ~~من حر يسير في زمن قصير، ووقعتم في حر كثير من زمن كبير، بل غير متناه أبد ~~الآبدين ودهر الداهرين. # فكنت كالساعي إلى مثعب * موائلا من سبل الراعد وجواب لو في (لو كانوا ~~يفقهون) مقدر: أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا. قوله ~~(فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) هذان الأمران معناهما الخبر، والمعنى، ~~فسيضحكون قليلا ويبكون كثيرا، وإنما جئ بهما على لفظ الأمر للدلالة على أن ~~ذلك أمر محتوم لا يكون غيره، وقليلا وكثيرا منصوبان على المصدرية أو ~~الظرفية: أي ضحكا قليلا وبكاء كثيرا، أو زمانا قليلا وزمانا كثيرا (جزاء ~~بما كانوا يكسبون) أي جزاء ms1569 بسبب ما كانوا يكسبونه من المعاصي، وانتصاب جزاء ~~على المصدرية: أي يجزون جزاء (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) الرجع متعد ~~كالرد والرجوع لازم، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها وإنما قال (إلى ~~طائفة) لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان فيهم غيرهم من ~~المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا، ~~وسيأتي بيان ذلك. وقيل إنما قال: إلى طائفة، لأن منهم من تاب عن النفاق ~~وندم على التخلف (فاستأذنوك للخروج) معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه (فقل) ~~لهم (لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) أي قل لهم ذلك عقوبة لهم، ~~ولما في استصحابهم من المفاسد كما تقدم في قوله - لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا -. وقرئ بفتح الياء من معي في الموضعين. وقرئ بسكونها فيهما، ~~وجملة (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة) للتعليل: أي لن تخرجوا معي ولن تقاتلوا ~~لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أول مرة، وهي غزوة تبوك، والفاء في (فاقعدوا ~~مع الخالفين) لتفريع ما بعدها على ما قبلها، والخالفين جمع خالف كأنهم ~~خلفوا الخارجين، والمراد بهم من تخلف عن الخروج. وقيل المعنى: فاقعدوا مع ~~الفاسدين، من قولهم فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم، من قولك خلف ~~اللبن: أي فسد بطول المكث في السقاء. ذكر معناه الأصمعي. وقرئ (فاقعدوا مع ~~الخلفين) وقال الفراء: معناه المخالفين. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة أن عبد الله بن أبي قال: لولا ~~أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل - ليخرجن الأعز ~~منها الأذل - فأنزل الله (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله - سواء عليهم استغفرت ~~لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم -، PageV02P388 # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير ms1570 ~~عن ابن عباس نحوه. وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن ~~أبي حاتم والنحاس وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ~~قال: سمعت عمر يقول: لما توفى عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم للصلاة عليه فقام عليه، فلما وقف قلت: أعلى عدو الله عبد الله بن ~~أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟ أعدد أيامه. # ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبسم حتى إذا أكثرت قال: يا عمر أخر ~~عني، إني قد خيرت، قد قيل لي (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت ~~عليها، ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومشى معه حتى قام ~~على قبره حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان ~~(ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) فما صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على منافق بعد حتى قبضه الله عز وجل. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (فرح المخلفون) الآية قال: عن غزوة تبوك. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: ~~يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفروا في الحر، فقال الله ~~(قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) فأمره بالخروج. وأخرج ابن مردويه عن ~~جابر بن عبد الله نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) قال: هم المنافقون والكفار ~~الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا، يقول الله: فليضحكوا قليلا في الدنيا ~~وليبكوا كثيرا في الآخرة. وأخرج ms1571 ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) قال: ذكر لنا أنهم كانوا ~~اثنى عشر رجلا من المنافقين وفيهم قيل ما قيل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (فاقعدوا مع الخالفين) قال: هم الرجال الذين ~~تخلفوا عن الغزو. # سورة براءة الآية (84 - 87) قوله (مات) صفة لأحد، و (أبدا) ظرف لتأبيد ~~النفي. قال الزجاج: معنى قوله (ولا تقم على قبره) أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع هاهنا منه، ~~وقيل معناه: لا تقم بمهمات إصلاح قبره، وجملة (إنهم كفروا) تعليل للنهي، ~~وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر، لأن الكافر قد يكون عدلا في دينه، ~~والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبحة في كل دين. ثم نهى رسوله عن ~~أن تعجبه أموالهم وأولادهم، وهو تكرير لما سبق في هذه السورة وتقرير ~~لمضمونه، وقيل إن الآية المتقدمة PageV02P389 # في قوم، وهذه في آخرين، وقيل هذه في اليهود، والأولى في المنافقين، وقيل ~~غير ذلك. وقد تقدم في الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية، ~~ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين، فقال (وإذا أنزلت سورة) أي من ~~القرآن، ويجوز أن يراد بعض السورة، وأن يراد تمامها، وقيل هي هذه السورة: ~~أي سورة براءة، و " أن " في " أن آمنوا بالله " مفسرة لما في الإنزال من ~~معنى القول، أو مصدرية حذف منها الجار: أي بأن آمنوا، وإنما قدم الأمر ~~بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان (استأذنك أولوا ~~الطول منهم) أي ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولا، كذا قال ابن عباس ~~والحسن، وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصهم بالذكر لأن ~~الذم لهم ألزم، إذ لا عذر لهم في القعود (وقالوا ذرنا) أي اتركنا (نكن من ~~القاعدين) أي المتخلفين عن الغزو من المعذورين كالضعفاء والزمني، والخوالف: ~~النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت، جمع خالفة، وجوز ms1572 بعضهم أن ~~يكون جمع خالف، وهو من لا خير فيه (وطبع على قلوبهم) هو كقوله - ختم الله ~~على قلوبهم - وقد مر تفسيره (فهم لا يفقهون) شيئا مما فيه نفعهم وضرهم، بل ~~هم كالأنعام. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: لما توفى عبد الله بن ~~أبي ابن سلول أتى ابنه عبد الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله ~~أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عمر فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله أتصلي ~~عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: إن ربي خيرني وقال - ~~استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم - ~~وسأزيد على السبعين، فقال: إنه منافق، فصلى عليه فأنزل الله (ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا) الآية، فترك الصلاة عليهم. وأخرج ابن ماجة والبزار وابن ~~جرير وابن مردويه عن جابر قال: مات رأس المنافقين بالمدينة فأوصى أن يصلي ~~عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن يكفنه في قميصه، فجاء ابنه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إن أبي أوصى أن يكفن في قميصك، ~~فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره، فأنزل الله (ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (أولوا الطول) قال: أهل الغنى. وأخرج هؤلاء عن ~~ابن عباس في قوله (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) قال: مع النساء. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن السدي في الآية قال: رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء. وأخرج ~~أبو الشيخ عن قتادة قال: الخوالف النساء. # سورة براءة الآية (88 - 89) المقصود من الاستدراك بقوله (لكن الرسول) إلى ~~آخره الإشعار بأن تخلف هؤلاء عير ضائر، فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو ~~خير منهم وأخلص نية كما في قوله - فإن يكفر بها هؤلاء ms1573 فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين -. وقد تقدم بيان الجهاد بالأموال والأنفس، ثم ذكر منافع ~~الجهاد فقال (وأولئك لهم الخيرات) وهي جمع خير فيشمل منافع الدنيا والدين، ~~وقيل المراد به: النساء الحسان كقوله تعالى - فيهن خيرات حسان - ومفرده ~~PageV02P390 # خيرة بالتشديد ثم خففت مثل هينة وهينة. وقد تقدم معنى الفلاح والمراد به ~~هنا الفائزون بالمطلوب وتكرير اسم الإشارة لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم، ~~والجنات: البساتين. وقد تقدم بيان جرى الأنهار من تحتها، وبيان الخلود ~~والفوز، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من الخيرات والفلاح ج، وإعداد ~~الجنات الموصوفة بتلك الصفة، ووصف الفوز بكونه عظيما يدل على أنه الفرد ~~الكامل من أنواع الفوز. وقد أخرج القرطبي في تفسيره عن الحسن أنه قال ~~الخيرات: هن النساء الحسان. # سورة براءة الآية (90) قرأ الأعرج والضحاك (المعذرون) بالتخفيف، من أعذر، ~~ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس. ~~قال في الصحاح: وكان ابن عباس يقرأ (وجاء المعذرون) مخففة من أعذر، ويقول: ~~والله هكذا أنزلت. قال النحاس: إلا أن مدارها على الكلبي، وهي من أعذر: إذا ~~بالغ في العذر، ومنه " من أنذر فقد أعذر " أي بالغ في العذر. وقرأ الجمهور ~~المعذرون بالتشديد ففيه وجها، أحدهما أن يكون أصله المعتذرون فأدغمت التاء ~~في الذال، وهم الذين لهم عذر، ومنه قول لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ~~فالمعذرون على هذا: هم المحقون في اعتذارهم. وقد روى هذا عن الفراء والزجاج ~~وابن الأنباري، وقيل هو من عذر، وهو الذي يعتذر ولا عذر له، يقال عذر في ~~الأمر: إذا قصر واعتذر بما ليس بعذر، ذكره الجوهري وصاحب الكشاف، فالمعذرون ~~على هذا: هم المبطلون، لأنهم اعتذروا بأعذار باطلة لا أصل لها. وروى عن ~~الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد أنه يجوز كسر العين لالتقاء الساكنين ~~وضمها للاتباع. والمعنى: أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاءوا به من الأعذار ~~بحق أو بباطل على كلا التفسيرين لأجل أن يأذن لهم رسول ms1574 الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالتخلف عن الغزو، وطائفة أخرى لم يعتذروا، بل قعدوا عن الغزو ~~لغير عذر، وهم منافقو الأعراب الذين كذبوا الله ورسوله ولم يؤمنوا ولا ~~صدقوا، ثم توعدهم الله سبحانه، فقال (سيصيب الذين كفروا منهم) أي من ~~الأعراب، وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة، والذين لم يعتذروا، بل كذبوا ~~بالله ورسوله (عذاب أليم) أي كثير الألم فيصدق على عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وجاء المعذرون من الأعراب) أي ~~أهل العذر منهم. وروى ابن أبي حاتم عنه نحو ذلك. وأخرج ابن الأنباري في ~~كتاب الأضداد عنه أيضا أنه كان يقول " لعن الله المعذرين " ويقرأ بالتشديد ~~كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد: هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن إسحاق في قوله (وجاء ~~المعذرون من الأعراب) قال ذكر لي أنهم نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا، ~~منهم خفاف بن إيماء، وقيل لهم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك ~~أغارت أعراب طيئ على أهالينا ومواشينا. PageV02P391 # سورة براءة الآية (91 - 93) لما ذكر سبحانه المعذرون ذكر بعدهم أهل ~~الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو، وبدأ بالعذر في أصل الخلقة. # فقال (ليس على الضعفاء) وهم أرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ونحو ~~ذلك، ثم ذكر العذر العارض فقال (ولا على المرضى) والمراد بالمرض: كل ما ~~يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعا، وقيل إنه يدخل في المرضى الأعمى والأعرج ~~ونحوهما. ثم ذكر العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن فقال (ولا على الذين ~~لا يجدون ما ينفقون) أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من ~~التجهز للجهاد، فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج، وأبان أن الجهاد مع هذه ~~الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم مقيدا بقوله (إذا نصحوا لله ورسوله) وأصل ~~النصح إخلاص العمل من الغش، ومنه التوبة النصوح. قال نفطويه نصح الشئ: إذا ~~خلص، ونصح له القول: أي أخلصه له. # والنصح لله: الإيمان به والعمل ms1575 بشريعته. وترك ما يخالفها كائنا ما كان، ~~ويدخل تحته دخولا أوليا نصح عباده. # ومحبة المجاهدين في سبيله وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة ~~لأعدائهم بوجه من الوجوه، ونصيحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: التصديق ~~بنبوته وبما جاء به، وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، وموالاة من ~~والاه ومعاداة من عاداه، ومحبته وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بما تبلغ ~~إليه القدرة. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " الدين النصيحة ثلاثا، قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم " وجملة (ما على المحسنين من سبيل) مقررة لمضمون ما سبق: ~~أي ليس على المعذورين الناصحين من سبيل: أي طريق عقاب ومؤاخذة، ومن مزيدة ~~للتأكيد، وعلى هذا فيكون لفظ (المحسنين) موضوعا في موضع الضمير الراجع إلى ~~المذكورين سابقا، أو يكون المراد: ما على جنس المحسنين من سبيل وهؤلاء ~~المذكورون سابقا من جملتهم، فتكون الجملة تعليلية، وجملة (والله غفور رحيم) ~~تذييلية، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها -، ~~وقوله - ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج -، ~~وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي ~~عذرهم الله عنه مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه، ومنه حديث أنس عند ~~أبي داود وأحمد، وأصله في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم ~~واديا إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم ~~بالمدينة؟ فقال: حبسهم العذر " وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر، ثم ذكر ~~الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله (ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) والعطف على حملة - ما على المحسنين - ~~أي ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخره PageV02P392 # من سبيل، ويجوز أن تكون عطفا على الضعفاء: ms1576 أي ولا على إذا ما أتوك إلى ~~آخره حرج. والمعنى: أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما ~~يركبون عليه في الغزو فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك. قيل وجملة (لا أجد ما ~~أحملكم عليه) في محل نصب على الحال من الكاف في أتوك بإضمار قد: أي إذا ما ~~أتوك قائلا لا أجد، وقيل هي بدل من أتوك، وقيل جملة معترضة بين الشرط ~~والجزاء، والأول أولى. وقوله (تولوا) جواب إذا، وجملة (وأعينهم تفيض من ~~الدمع) في محل نصب على الحال: أي تولوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما أحملكم ~~عليه حال كونهم باكين، و (حزنا) منصوب على المصدرية، أو على العلية، أو ~~الحالية، و (أن لا يجدوا) مفعول له، وناصبه (حزنا) وقال الفراء: أن لا ~~بمعنى ليس: أي حزنا أن ليس يجدوا، وقيل المعنى: حزنا على أن لا يجدوا، وقيل ~~المعنى حزنا أنهم لا يجدون ما ينفقون لا عند أنفسهم ولا عندك. ثم ذكر الله ~~سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين فقال (إنما السبيل) أي طريق العقوبة ~~والمؤاخذة (على الذين يستأذنونك) في التخلف عن الغزو، (و) الحال أن‍ (هم ~~أغنياء) أي يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به، وجملة (رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف) مستأنفة كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء. وقد تقدم تفسير ~~الخوالف قريبا. وجملة (وطبع الله على قلوبهم) معطوفة على (رضوا) أي سبب ~~الاستئذان مع الغنى أمران: أحدهما الرضا بالصفقة الخاسرة، وهي أن يكونوا مع ~~الخوالف والثاني الطبع من الله على قلوبهم (فهم) بسبب هذا الطبع (لا ~~يعلمون) ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الإفراد وابن مردويه عن زيد بن ثابت ~~قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت براءة، فكنت أكتب ~~ما أنزل عليه، فإني لواضع القلم عن أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إلى ما ينزل عليه إذ جاء أعمى فقال: ms1577 كيف بي ~~يا رسول الله وأنا أعمى؟ # فنزلت (ليس على الضعفاء) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: # أنزلت هذه الآية في عابد بن عمر المزني. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال: نزل من عند قوله - عفا الله عنك إلى قوله - ما على المحسنين من سبيل ~~والله غفور رحيم - في المنافقين. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله (ما ~~على المحسنين من سبيل) قال: ما على هؤلاء من سبيل بأنهم نصحوا لله ورسوله ~~ولم يطيقوا الجهاد، فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين، ألم ~~تسمع أن الله يقول - لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر - فجعل ~~الله للذين عذر من الضعفاء، وأولى الضرر، والذين لا يجدون ما ينفقون من ~~الأجر مثل ما جعل للمجاهدين. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ما على ~~المحسنين من سبيل قال: والله) لأهل الإساءة (غفور رحيم) وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله (ولا على الذين إذا ما أتوك) الآية، قال: أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابة من أصحابه ~~فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا، فقال: والله ~~ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء وعزيز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ~~ولا يجدون نفقة ولا محملا، فأنزل الله عذرهم (ولا على الذين إذا ما أتوك) ~~الآية. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال: ~~إني لا أجد الرهط الذين ذكر الله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) ~~الآية. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال: هم سبعة نفر من بني عمر بن عوف ~~سالم بن عمير، ومن بني واقف حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد ~~الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى سلمان بن صخر، ومن بني حارثة ~~عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة، ومن ms1578 بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو ~~PageV02P393 # المزني. وقد اتفق الرواة على بعض هؤلاء السبعة. واختلفوا في البعض ولا ~~يأتي التطويل في ذلك بكثير فائدة. # وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد ~~الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم أن رجالا من المسلمين أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار ~~وغيرهم، ثم ذكروا أسماءهم، وفيه فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وكانوا أهل حاجة. # قال (لا أجد ما أحملكم عليه). وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن الحسن قال: ~~كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله (ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم) الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله (لا أجد ما ~~أحملكم عليه) قال: الماء والزاد. وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال: ~~حدثني مشيخة من جهينة، قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الحملان، فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه في قوله (ولا على الذين ~~إذا ما أتوك لتحملهم) قال: ما سألوه الدواب ما سألوه إلا النعال. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن الحسن بن صالح في الآية قال: # استحملوه النعال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (إنما ~~السبيل على الذين يستأذنونك) قال: # هي وما بعدها إلى قوله (إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) في ~~المنافقين. # سورة براءة الآية (94 - 99) قوله (يعتذرون إليكم) إخبار من الله سبحانه ~~عن المنافقين المعتذرين بالباطل بأنهم يعتذرون إلى المؤمنين إذا رجعوا من ~~الغزو، وهذا كلام مستأنف، وإنما قال (إليهم) أي إلى المعتذرين بالباطل ولم ~~يقل إلى المدينة، لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى ~~المدينة، وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها، ثم أخبر الله ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه ms1579 وآله وسلم بما يجيب به عليهم، فقال (قل لا ~~تعتذروا لن نؤمن لكم) فنهاهم أولا عن الاعتذار بالباطل، ثم علله بقوله (لن ~~نؤمن لكم) أي لن نصدقكم، كأنهم ادعوا أنهم صادقون PageV02P394 # في اعتذارهم، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا عرف أنه لا ~~يصدق ترك الاعتذار. وجملة (قد نبأنا الله من أخباركم) تعليلية للتي قبلها: ~~أي لا يقع منا تصديق لكم لأن الله قد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق ~~اعتذاركم، وإنما خص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالجواب عليهم، فقال ~~(قل لا تعتذروا) مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين، لأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم رأسهم، والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير، ويحتمل ~~أن يكون المراد بالضمير في قوله (إليكم) هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~على التأويل المشهور في مثل هذا. قوله (وسيرى الله عملكم) أي ما ستفعلونه ~~من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر أم تبقون عليه؟. # وقوله (ورسوله) معطوف على الاسم الشريف، ووسط مفعول الرؤية إيذانا، بأن ~~رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شر هي التي يدور عليها الإثابة أو ~~العقوبة، وفي جملة (ثم تردون إلى عالم الغيب) إلى آخرها تخويف شديد، لما هي ~~مشتملة عليه من التهديد، ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع ~~المضمر، لإشعار ذلك بإحاطته بكل شئ يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به، ~~وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه، ثم ذكر أن هؤلاء المعتذرين بالباطل سيؤكدون ~~إن ما جاءوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من ~~الغزو، وغرضهم من هذا التأكيد هو أن يعرض المؤمنون عنهم فلا يوبخونهم ولا ~~يؤاخذونهم بالتخلف ويظهرون الرضا عنهم كما يفيده ذكر الرضا من بعد، وحذف ~~المحلوف عليه لكون الكلام يدل عليه، وهو اعتذارهم الباطل، وأمر المؤمنين ~~بالإعراض عنهم المراد به تركهم والمهاجرة لهم، لا الرضا عنهم والصفح عن ~~ذنوبهم، كما تفيده جملة (إنهم رجس) الواقعة علة للأمر بالإعراض. ms1580 والمعنى: ~~أنهم في أنفسهم رجس لكون جميع أعمالهم نجسة، فكأنها قد صيرت ذواتهم رجسا، ~~أو أنهم ذوو رجس: أي ذوو أعمال قبيحة، ومثله - إنما المشركون نجس - وهؤلاء ~~لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير والتحذير من ~~الشر، فليس لهم إلا الترك. وقوله (ومأواهم جهنم) من تمام التعليل، فإن من ~~كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير، والمأوى كل مكان يأوى إليه ~~الشئ ليلا أو نهارا. وقد أوى فلان إلى منزله يأوى أويا وإيواء، و (جزاء) ~~منصوب على المصدرية، أو على العلية، والباء في (بما كانوا يكسبون) للسببية، ~~وجملة (يحلفون لكم) بدل مما تقدم. وحذف هنا المحلوف به لكونه معلوما مما ~~سبق، والمحلوف عليه لمثل ما تقدم، وبين سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف هو رضا ~~المؤمنين عنهم، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء المعتذرين ~~بالباطل. فقال (فإن ترضوا عنهم) كما هو مطلوبهم مساعدة لهم (فإن الله لا ~~يرضى عن القوم الفاسقين) وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه من عدم ~~الرضا على هؤلاء الفسقة العصاة، فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا ~~خلاف ذلك بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان ~~غير معتد به ولا مفيد لهم، والمقصود من إخبار الله سبحانه بعدم رضاه عنهم ~~نهى المؤمنين عن ذلك لأن الرضا على من لا يرضى الله عليه مما لا يفعله مؤمن ~~قوله (الأعراب أشد كفرا ونفاقا) لما ذكر الله سبحانه أحوال المنافقين ~~بالمدينة ذكر حال من كان خارجا عنها من الأعراب، وبين أن كفرهم ونفاقهم أشد ~~من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم، لأنهم أقسى قلبا وأغلظ طبعا وأجفى قولا، ~~وأبعد عن سماع كتب الله وما جاءت به رسله. والأعراب: هم من سكن البوادي ~~بخلاف العرب، فإنه عام لهذا النوع من بني آدم سواء سكنوا البوادي أو القرى، ~~هكذا قال أهل اللغة، ولهذا قال سيبويه: إن الأعراب صيغة جمع وليست بصيغة ~~جمع العرب. # قال ms1581 النيسابوري: قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتا، ~~وجمعه عرب كالمجوسي والمجوس، واليهودي واليهود، فالأعرابي إذا قيل له يا ~~عربي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن PageV02P395 # القرى العربية فهو عربي، ومن نزل البادية فهو أعرابي، ولهذا لا يجوز أن ~~يقال للمهاجرين والأنصار أعراب. # وإنما هم عرب. قال: قيل إنما سمى العرب عربا لأن أولاد إسماعيل عليه ~~السلام نشئوا بالعرب، وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة ~~العرب وينطق بلسانهم فهو منهم، وقيل لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم، ~~ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة انتهى (وأجدر) معطوف على أشد، ومعناه ~~أخلق، يقال فلان جدير بكذا: أي خليق به، وأنت جدير أن تفعل كذا، والجمع جدر ~~أو جديرون، وأصله من جدر الحائط، وهو رفعه بالبناء. والمعنى: أنهم أحق ~~وأخلق ب‍ (أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله) من الشرائع والأحكام، لبعدهم عن ~~مواطن الأنبياء وديار التنزيل (والله عليم) بأحوال مخلوقاته على العموم، ~~وهؤلاء منهم (حكيم) فيما يجازيهم به من خير وشر. قوله (ومن الأعراب من يتخذ ~~ما ينفق مغرما) هذا تنويع لجنس إلى نوعين، الأول هؤلاء والثاني (ومن ~~الأعراب من يؤمن بالله) والمغرم الغرامة والخسران، وهو ثاني مفعولي يتخذ، ~~لأنه بمعنى الجعل، والمعنى: اعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة ~~وخسران، وأصل الغرم والغرامة ما ينفقه الرجل وليس بلازم له في اعتقاده ~~ولكنه ينفقه للرياء والتقية، وقيل أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه يلزمه ~~لأمر خارج لا تنبعث له النفس. و (الدوائر) جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة ~~عن النعمة إلى البلية، وأصلها ما يحيط بالشيء، ودوائر الزمان: توبه ~~وتصاريفه ودوله، وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه، ثم دعا سبحانه عليهم ~~قوله (عليهم دائرة السوء) وجعل ما دعا به عليهم مماثلا لما أرادوه ~~بالمسلمين، والسوء بالفتح عند جمهور القراء مصدر أضيفت إليه الدائرة ~~للملابسة كقولك رجل صدق. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بضم السين، وهو المكروه. ~~قال الأخفش: # أي ms1582 عليهم دائرة الهزيمة والشر. وقال الفراء (عليهم دائرة السوء) العذاب ~~والبلاء. قال: والسوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة، وبالضم اسم لا مصدر، ~~وهو كقولك دائرة البلاء والمكروه (والله سميع) لما يقولونه (عليم) بما ~~يضمرونه. قوله (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) هذا النوع الثاني ~~من أنواع الأعراب كما تقدم: # أي يصدق بهما (ويتخذ ما ينفق) أي يجعل ما ينفقه في سبيل الله (قربات) وهي ~~جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله سبحانه، تقول منه قربت لله قربانا، ~~والجمع قرب وقربات. والمعنى: أنه يجعل ما ينفقه سببا لحصول القربات (عند ~~الله و) سببا ل‍ (صلوات الرسول) أي لدعوات الرسول لهم، لأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يدعو للمتصدقين، ومنه قوله (وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم)، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم صل على آل أبي أوفى " ثم إنه ~~سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا النوع من الأعراب تقربا إلى الله مقبول واقع ~~على الوجه الذي أرادوه فقال (ألا إنها قربة لهم) فأخبر سبحانه بقبولها خبرا ~~مؤكدا باسمية الجملة وحرفي التنبيه والتحقيق، وفي هذا من التطييب لخواطرهم ~~والتطمين لقلوبهم ما لا يقادر قدره مع ما يتضمنه من النعي على من يتخذ ما ~~ينفق مغرما، والتوبيخ له بأبلغ وجه، والضمير في إنها راجع إلى " ما " في ما ~~ينفق وتأنيثه باعتبار الخبر. وقرأ نافع، في رواية عنه " قربة " بضم الراء، ~~وقرأ الباقون بسكونها تخفيفا، ثم فسر سبحانه القربة بقوله (سيدخلهم الله في ~~رحمته) والسين لتحقيق الوعد. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (قد نبأنا الله من ~~أخباركم) قال: أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالا، وفي قوله ~~(فأعرضوا عنهم) قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمؤمنين ~~لا تكلموهم ولا تجالسوهم، فأعرضوا عنهم كما أمر الله. وأخرج أبو الشيخ عن ~~الضحاك في قوله (لتعرضوا عنهم، قال: لتجاوزوا عنهم. وأخرج أبو الشيخ عنه في ~~قوله (الأعراب أشد كفرا ونفاقا) قال: ms1583 من منافقي PageV02P396 # المدينة (وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) يعني الفرائض ~~وما أمر به من الجهاد. وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أسد ~~وغطفان. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان ~~عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من سكن البادية جفا، ~~ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن " وإسناد أحمد هكذا: حدثنا عبد ~~الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن أبي موسى عن وهب بن منبه عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. قال في التقريب: وأبو موسى عن وهب بن ~~منبه مجهول من السادسة، ووهم من قال إنه إسرائيل بن موسى، وقال الترمذي بعد ~~إخراجه: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري. وأخرج أبو داود والبيهقي من ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من بدا جفا ~~ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من سلطانه ~~قربا إلا ازداد من الله بعدا ". وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله (ومن ~~الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما) قال: # يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ثوابا عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطى من ~~يعطى من الصدقات كرها (ويتربص بكم الدوائر) الهلكات. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء ~~اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرما. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ومن الأعراب من ~~يؤمن بالله) قال: هم بنو مقرن من مزينة، وهم الذين قال الله - ولا على ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم - الآية. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عبد ~~الرحمن بن معقل قال: كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا (ومن الأعراب من يؤمن ~~بالله) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن ms1584 عباس في قوله (وصلوات الرسول) يعني استغفار النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # سورة براءة الآية (100 - 106) PageV02P397 # لما ذكر سبحانه أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم ~~السابقين إلى الهجرة، وأن منهم التابعين لهم. وروى عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قرأ (والأنصار) بالرفع عطفا على (والسابقون) وقرأ سائر القراء ~~من الصحابة فمن بعدهم بالجر. قال: الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه، لأن ~~السابقين منهم يدخلون في قوله (والسابقون) وفي الآية تفضيل السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا القبلتين في قول سعيد بن ~~المسيب وطائفة، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان. وهي بيعة الحديبية في قول ~~الشعبي، أو أهل بدر في قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار، ولا مانع من حمل ~~الآية على هذه الأصناف كلها، قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على ~~أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ~~ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. قوله (والذين اتبعوهم بإحسان) قرأ عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه (الذين اتبعوهم) محذوف الواو وصفا للأنصار على قراءته ~~برفع الأنصار، فراجعه في ذلك زيد بن ثابت، فسأل أبي بن كعب فصدق زيدا فرجع ~~عمر عن القراءة المذكورة كما رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~مردويه، ومعنى الذين اتبعوهم بإحسان: الذين اتبعوا السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار، وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم ~~القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحا، وهم كل من أدرك الصحابة ولم ~~يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هم من جملة من يدخل تحت الآية، ~~فتكون " من " في قوله (من المهاجرين) على هذا للتبعيض، وقيل إنها للبيان، ~~فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة إلى ~~يوم القيامة، وقوله (بإحسان) قيد للتابعين: أي والذين اتبعوهم متلبسين ~~بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين الأولين. قوله (رضي الله ~~عنهم) خبر للمبتدأ وما عطف عليه، ومعنى رضاه سبحانه عنهم: أنه قبل طاعاتهم ~~وتجاوز عنهم ولم ms1585 يسخط عليهم (ورضوا عنه) بما أعطاهم من فضله، ومع رضاه عنهم ~~فقد (أعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار) في الدار الآخرة. وقرأ ابن كثير ~~(تجرى من تحتها الأنهار) بزيادة من. وقرأ الباقون بحذفها والنصب على ~~الظرفية، وقد تقدم تفسير جرى الأنهار من تحت الجنات وتفسير الخلود والفوز. ~~قوله (وممن حولكم من الأعراب منافقون) هذا عود إلى شرح أحوال المنافقين من ~~أهل المدينة ومن يقرب منها من الأعراب. وممن حولكم خبر مقدم، ومن الأعراب ~~بيان، وهو في محل نصب على الحال، ومنافقون هو المبتدأ، قيل وهؤلاء الذين هم ~~حول المدينة من المنافقين هم جهينة ومزينة وأشجع وغفار، وجملة (ومن أهل ~~المدينة مردوا على النفاق) معطوفة على الجملة الأولى عطف جملة على جملة. ~~وقيل إن من أهل المدينة عطف على الخبر في الجملة الأولى، فعلى الأول يكون ~~المبتدأ مقدرا: أي ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، وعلى الثاني يكون ~~التقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا، ولكون جملة ~~مردوا على النفاق مستأنفة لا محل لها، وأصل مرد وتمرد اللين والملاسة ~~والتجرد، فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه غصن أمرد: لا ورق عليه، وفرس أمرد: لا ~~شعر فيه. وغلام أمرد: # لا شعر بوجهه، وأرض مرداء: لا نبات فيها، وصرح ممرد: مجرد، فالمعنى: أنهم ~~أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه. قال ابن زيد: معناه لجوا ~~فيه وأتوا غيره، وجملة (لا تعلمهم) مبينة للجملة الأولى، وهي مردوا على ~~النفاق: أي ثبتوا عليه ثبوتا شديدا ومهروا فيه حتى خفى أمرهم على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكيف سائر المؤمنين؟ والمراد عدم علمه صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأعيانهم لا من حيث الجملة، فإن للنفاق دلائل لا تخفى عليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وجملة (نحن نعلمهم) مقررة لما قبلها لما فيها من ~~الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر، ولا ~~يظهر لغير الله سبحانه لعلمه بما يخفى وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه ~~السرائر، ثم توعدهم ms1586 سبحانه فقال (سنعذبهم مرتين) قيل المراد بالمرتين: عذاب ~~الدنيا بالقتل والسبي، وعذاب PageV02P398 # الآخرة، وقيل لفضيحة بانكشاف نفاقهم، والعذاب في الآخرة، وقيل المصائب في ~~أموالهم وأولادهم، وعذاب القبر، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل ~~على أنه المراد بعينه. والظاهر أن هذا العذاب المكرر هو في الدنيا بما يصدق ~~عليه اسم العذاب، وأنهم يعذبون مرة بعد مرة، ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب ~~الآخرة، وهو المراد بقوله (ثم يردون إلى عذاب عظيم) ومن قال إن العذاب في ~~المرة الثانية هو عذاب الآخرة قال معنى قوله (ثم يردون إلى عذاب عظيم) أنهم ~~يردون بعد عذابهم في النار كسائر الكفار إلى الدرك الأسفل منها، أو أنهم ~~يعذبون في النار عذابا خاصا بهم دون سائر الكفار، ثم يردون بعد ذلك إلى ~~العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار. ثم ذكر سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم ~~المخلطون في دينهم فقال (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) وهو معطوف على قوله ~~منافقون: أي وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة قوم آخرون، ويجوز أن ~~يكون آخرون مبتدأ، واعترفوا بذنوبهم صفته، وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ~~خبره، والمعنى: أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف ثم ~~ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل ~~تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم. والمراد بالعمل الصالح: ~~ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر ~~المواطن. والمراد بالعمل السيئ: هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا ~~العمل السيئ عملا صالحا، وهو الاعتراف به والتوبة عنه. وأصل الاعتراف ~~الإقرار بالشيء، ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على ~~الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا كما ~~سيأتي بيانه إن شاء الله. ومعنى الخلط: أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر ~~كقولك خلطت الماء باللبن واللبن بالماء. # ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء كقولك بعت الشاة شاة وردهما: أي بدرهم، ~~وفي قوله (عسى الله ms1587 أن يتوب عليهم) دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ~~ما يفيد التوبة، أو أن مقدمة التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة، وحرف ~~الترجي وهو عسى في كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع، لأن الإطماع من الله ~~سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين (إن الله غفور رحيم) أي يغفر الذنوب ~~ويتفضل على عباده. قوله (خذ من أموالهم صدقة) اختلف أهل العلم في هذه ~~الصدقة المأمور بها، فقيل: هي صدقة الفرض، وقيل هي مخصوصة بهذه الطائفة ~~المعترفة بذنوبها، لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية، و (من) للتبعيض على التفسيرين، ~~والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة، والصدقة مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل ~~على صدق مخرجها في إيمانه. قوله (تطهرهم وتزكيهم بها) الضمير في الفعلين ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: # أي تطهرهم وتزكيهم يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم. وقيل الضمير في ~~تطهرهم للصدقة: أي تطهرهم هذه الصدقة المأخوذة منهم، والضمير في تزكيهم ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي تزكيهم يا محمد بالصدقة المأخوذة، ~~والأول أولى لما في الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين، ~~وعلى الأول فالفعلان منتصبان على الحال، وعلى الثاني فالفعل الأول صفة ~~لصدقة، والثاني حال منه صلى الله عليه وآله وسلم. ومعنى التطهير: # إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية: المبالغة في التطهير. ~~قال الزجاج: والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي ~~فإنك يا محمد تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف، ويجوز الجزم على ~~جواب الأمر. والمعنى: أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم. وقد قرأ الحسن بجزم ~~تطهرهم. وعلى هذه القراءة فيكون (وتزكيهم) على تقدير مبتدأ: أي وأنت تزكيهم ~~بها. قوله (وصل عليهم): أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم. قال ~~النحاس: وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء، ~~ثم علل سبحانه أمره لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة على ms1588 من يأخذ ~~منه الصدقة فقال (إن صلواتك سكن PageV02P399 # لهم) قرأ حفص وحمزة والكسائي " صلاتك " بالتوحيد. وقرأ الباقون بالجمع، ~~والسكن ما تسكن إليه النفس وتطمئن به. قوله (ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده) لما تاب الله سبحانه على هؤلاء المذكورين سابقا. قال الله ~~(ألم يعلموا) أي غير التائبين، أو التائبون قبل أن يتوب الله عليهم ويقبل ~~صدقاتهم (أن الله هو يقبل التوبة) لاستغنائه عن طاعة المطيعين، وعدم ~~مبالاته بمعصية العاصين. وقرئ (ألم تعلموا) بالفوقية، وهو إما خطاب ~~للتائبين، أو لجماعة من المؤمنين، ومعنى (ويأخذ الصدقات): أي يتقبلها منهم، ~~وفي إسناد الأخذ إليه سبحانه بعد أمره لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأخذها تشريف عظيم لهذه الطاعة ولمن فعلها. وقوله (وأن الله هو التواب ~~الرحيم) معطوف على قوله (أن الله هو يقبل التوبة عن عباده) مع تضمنه لتأكيد ~~ما اشتمل عليه المعطوف عليه: أي أن هذا شأنه سبحانه. وفي صيغة المبالغة في ~~التواب وفي الرحيم مع توسيط ضمير الفصل، والتأكيد من التبشير لعباده ~~والترغيب لهم ما لا يخفى. قوله (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون) فيه تخويف وتهديد: أي إن عملكم لا يخفى على الله ولا على رسوله ~~ولا على المؤمنين، فسارعوا إلى أعمال الخير وأخلصوا أعمالكم لله عز وجل، ~~وفيه أيضا ترغيب وتنشيط، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء كان خير أو شرا ~~رغب إلى أعمال الخير، وتجنب أعمال الشر، وما أحسن قول زهير: # ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم والمراد ~~بالرؤية هنا العلم بما يصدر منهم من الأعمال، ثم جاء سبحانه بوعيد شديد ~~فقال (وستردون إلى عالم الغيب والشهادة) أي وستردون بعد الموت إلى الله ~~سبحانه الذي يعلم ما تسرونه وما تعلنونه وما تخفونه وما تبدونه، وفي تقديم ~~الغيب على الشهادة إشعار بسعة علمه عز وجل، وأنه لا يخفى عليه شئ ويستوي ~~عنده كل معلوم. # ثم ذكر سبحانه ما سيكون عقب ردهم إليه فقال (فينبئكم) أي يخبركم (بما ms1589 ~~كنتم تعملون) في الدنيا، فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته، ويتفضل على ~~من يشاء من عباده. قوله (وآخرون مرجون لأمر الله) ذكر سبحانه ثلاثة أقسام ~~في المتخلفين: الأول المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون ~~المعترفون بذنوبهم، الثالث الذين بقي أمرهم موقوفا في تلك الحال، وهم ~~المرجون لأمر الله، من أرجيته وأرجأته: إذا أخرته. قرأ حمزة والكسائي ونافع ~~وحفص (مرجون) بالواو من غير همز، وقرأ الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم. ~~والمعنى: # أنهم مؤخرون في تلك الحال لا يقطع لهم بالتوبة ولا بعدمها، بل هم على ما ~~يتبين من أمر الله سبحانه في شأنهم (إما يعذبهم) إن بقوا على ما هم عليه ~~ولم يتوبوا (وإما يتوب عليهم) إن تابوا توبة صحيحة وأخلصوا إخلاصا تاما، ~~والجملة في محل نصب على الحال، والتقدير (وآخرون مرجون لأمر الله) حال ~~كونهم، إما معذبين، وإما متوبا عليهم (والله عليم) بأحوالهم (حكيم) فيما ~~يفعله بهم من خير أو شر. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن أبي ~~موسى أنه سئل عن قوله (والسابقون الأولون) فقال: هم الذين صلوا القبلتين ~~جميعا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو ~~نعيم عن سعيد بن المسيب مثله. وأخرج ابن المنذر وأبو نعيم عن الحسن ومحمد ~~بن سيرين مثله أيضا. # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: هم أبو بكر وعمر وعلي وسلمان وعمار بن ~~ياسر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن الشعبي قال: هم من أدرك بيعة الرضوان وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (والذين اتبعوهم بإحسان) قال: التابعون. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: هم من بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم ~~الساعة. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن PageV02P400 # زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وإنما أريد ms1590 الفتن، قال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: ~~وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرؤون قوله تعالى ~~(والسابقون الأولون) الآية أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطا لم يشرطه فيهم - قلت: وما اشترط ~~عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان. يقول: يقتدون بهم في أعمالهم ~~الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها ~~قبل ذلك وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي بن كعب. وأخرج ابن مردويه من طريق ~~الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير والقسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة ~~وحسان بن عطية أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقولون لما أنزلت هذه الآية (والسابقون الأولون) إلى قوله (ورضوا عنه) قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا لأمتي كلهم، وليس بعد الرضا سخط. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عن ابن ابن عباس في قوله (وممن حولكم من الأعراب) الآية، قال: قام رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم جمعة خطيبا، فقال: قم يا فلان فاخرج فإنك ~~منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق، فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم، ولم يكن عمر بن ~~الخطاب يشهد تلك الجمعة لحاجة كانت له. فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد ~~فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا، واختبئوا ~~هم من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد فإذا الناس لم ~~ينصرفوا، فقال له رجل: أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم، فهو ~~العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في ~~قوله (وممن حولكم من الأعراب) قال جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (مردوا على النفاق) قال: أقاموا عليه ms1591 ولم ~~يتوبوا كما تاب آخرون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: ماتوا ~~عليه: عبد الله بن أبي، وأبو عامر الراهب، والجد بن قيس. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (سنعذبهم مرتين) قال: بالجوع ~~والقتل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك قال: ~~بالجوع وعذاب القبر. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن قتادة قال: عذاب في القبر، ~~وعذاب في النار. وقد روى عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين، ~~والظاهر ما قدمنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا ~~عملا صالحا) قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوثق ~~سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا رجع عليهم فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا: هذا أبو ~~لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم، قال: وأنا ~~أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، ورغبوا عني ~~وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا ~~حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فنزلت (عسى الله أن يتوب عليهم) وعسى من ~~الله واجب، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأطلقهم ~~وعذرهم، فجاءوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا ~~واستغفر لنا، قال: ما أمرت أن آخذ أموالكم، فأنزل الله عز وجل (خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم) يقول: استغفر لهم) إن صلواتك ~~سكن لهم) يقول: رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم، وكانوا ثلاثة نفر ~~لم يوثقوا أنفسهم PageV02P401 # بالسواري فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم؟ فأنزل الله عز وجل ~~- لقد ms1592 تاب الله على النبي - إلى قوله - وعلى الثلاثة الذين خلفوا إلى قوله ~~ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم - يعني: إن استقاموا. وأخرج ~~أبو الشيخ عن الضحاك مثله سواء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله (اعترفوا بذنوبهم) قال: هو أبو ~~لبابة إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمدا يذبحكم إن نزلتم على ~~حكمه، والقصة مذكورة في كتب السير. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ~~(خلطوا عملا صالحا) قال غزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وآخر ~~سيئا) قال: تخلفهم عنه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ~~(وصل عليهم) قال: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها (إن صلواتك سكن ~~لهم) قال: رحمة لهم. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أبي أوفى ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى بصدقة قال " اللهم صل ~~على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى ". # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله) قال: هذا وعيد من الله عز وجل. وأخرج أحمد وأبو ~~يعلي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا والضياء في ~~المختارة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لو أن ~~أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس كائنا ~~ما كان ". وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله (وآخرون مرجون لأمر الله) ~~قال: هم الثلاثة الذين خلفوا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في الآية قال: # هم هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (إما يعذبهم) يقول: يميتهم على ~~معصية (وإما يتوب عليهم) فأرجأ أمرهم ثم ms1593 نسخها فقال - وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا -. # سورة براءة الآية (107 - 110) لما ذكر الله أصناف المنافقين وبين طرائقهم ~~المختلفة عطف على ما سبق هذه الطائفة منهم، وهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا، ~~فيكون التقدير: ومنهم الذين اتخذوا على أن الذين مبتدأ، وخبره منهم ~~المحذوف، والجملة معطوفة على ما تقدمها، ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب ~~على الذم. وقرأ المدنيون وابن عامر (الذين اتخذوا) بغير واو، فتكون قصة ~~مستقلة، الموصول مبتدأ، وخبره (لا تقم) قاله الكسائي. وقال النحاس: إن ~~الخبر هو (لا يزال بنيانهم الذي بنوا) وقيل الخبر محذوف، والتقدير يعذبون، ~~وسيأتي بيان هؤلاء البانين لمسجد الضرار، PageV02P402 # و (ضرارا) منصوب على المصدرية، أو على العلية (وكفرا وتفريقا وإرصادا) ~~معطوفة على (ضرارا). فقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا ~~المسجد أمور أربعة: الأول الضرار لغيرهم، وهو المضاررة. الثاني الكفر بالله ~~والمباهاة لأهل الإسلام، لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق. الثالث ~~التفريق بين المؤمنين، لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة ~~المسلمين وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى. الرابع ~~الإرصاد لمن حارب الله ورسوله: أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله. قال ~~الزجاج: الإرصاد الانتظار. # وقال ابن قتيبة: الإرصاد الانتظار مع العداوة. وقال الأكثرون: هو ~~الإعداد، والمعنى متقارب، يقال أرصدت لكذا: إذا أعددته مرتقبا له به. وقال ~~أبو زيد: يقال رصدته وأرصدته في الخير، وأرصدت له في الشر. وقال ابن ~~الأعرابي: لا يقال إلا أرصدت ومعناه ارتقبت، والمراد بمن حارب الله ورسوله: ~~المنافقون، ومنهم أبو عامر الراهب: أي أعدوه لهؤلاء وارتقبوا به وصولهم ~~وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنين، وقوله (من قبل) متعلق ~~باتخذوا: أي اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار، أو ~~متعلق بحارب: أي لمن وقع منه الحرب لله ولرسوله من قبل بناء مسجد الضرار. ~~قوله (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا إلا الخصلة الحسنى، وهي ~~الرفق بالمسلمين، فرد الله عليهم بقوله (والله يشهد إنهم لكاذبون) فيما ms1594 ~~حلفوا عليه، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة ~~في مسجد الضرار، فقال (لا تقم فيه أبدا) أي في وقت من الأوقات، والنهي عن ~~القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه. وقد يعبر عن الصلاة بالقيام، يقال ~~فلان يقوم الليل: أي يصلي، ومنه الحديث الصحيح " من قام رمضان إيمانا به ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ". # ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام فيه بقوله (لمسجد أسس على التقوى ~~من أول يوم أحق أن تقوم فيه) واللام في (لمسجد) لام القسم، وقيل لام ~~الابتداء، وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة، وتأسيس البناء: تثبيته ورفعه. ~~ومعنى تأسيسه على التقوى: تأسيسه على الخصال التي تتقي بها العقوبة. # واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى، فقالت طائفة: هو مسجد ~~قباء كما روى عن ابن عباس والضحاك والحسن والشعبي وغيرهم. وذهب آخرون إلى ~~أنه مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والأول أرجح لما سيأتي قريبا إن ~~شاء الله، و (من أول يوم) متعلق بأسس: أي أسس على التقوى من أول يوم من ~~أيام تأسيسه. قال بعض النحاة: إن (من) هنا بمعنى منذ: أي منذ أول يوم ابتدئ ~~ببنائه، وقوله (أحق أن تقوم فيه) خبر المبتدأ. # والمعنى: لو كان القيام في غيره جائزا لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ~~ولذكر الله، لكونه أسس على التقوى من أول يوم، ولكون (فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا) وهذه الجملة مستأنفة لبيان أحقية قيامه صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيه: أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل فهو أولى من جهة الحال فيه، ~~ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال: أي حال كون فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا، ويجوز أن تكون صفة أخرى لمسجد. ومعنى محبتهم للتطهر: أنهم ~~يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه، وقيل معناه: يحبون التطهر من الذنوب ~~بالتوبة والاستغفار. والأول أولى. وقيل يحبون أن يتطهروا بالحمى المطهرة من ~~الذنوب فحموا جميعا، وهذا ضعيف ms1595 جدا. ومعنى محبة الله لهم الرضا عنهم، ~~والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه. ثم بين سبحانه أن بين الفريقين ~~بونا بعيدا. فقال (أفمن أسس بنيانه) والهمزة للإنكار التقريري، والبنيان ~~مصدر كالعمران، وأريد به المبنى، والجملة مستأنفة. والمعنى: أن من أسس بناء ~~دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي تقوى الله ورضوانه خير ممن أسس دينه على ضد ~~ذلك، وهو الباطل والنفاق، والموصول مبتدأ، وخبره خير، وقرئ " أسس بنيانه " ~~على PageV02P403 # بناء الفعل للفاعل، ونصب بنيانه، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وقرئ على ~~البناء المجهول، وقرئ " أساس بنيانه " بإضافة أساس إلى بنيانه، وقرئ " أس ~~بنيانه " والمراد: أصول البناء، وحكى أبو حاتم قراءة أخرى، وهي " آساس ~~بنيانه " على الجمع، ومنه: # أصبح الملك ثابت الآساس * بالبهاليل من بني العباس والشفا: الشفير، ~~والجرف: ما يتجرف بالسيول، وهي الجوانب التي تنجرف بالماء، والاجتراف: ~~اقتلاع الشئ من أصله، وقرئ بضم الراء من جرف وبإسكانها. والهار: الساقط، ~~يقال هار البناء: إذا سقط، وأصله هائر كما قالوا: شاك السلاح وشائك كذا قال ~~الزجاج. وقال أبو حاتم: إن أصله هاور. قال في شمس العلوم: # الجرف ما جرف السيل أصله، وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار اه‍، ~~جعل الله سبحانه هذا مثلا لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحل بسرعة، ثم ~~قال (فانهار به في نار جهنم) وفاعل فانهار ضمير يعود إلى الجرف: أي فانهار ~~الجرف بالبنيان في النار، ويجوز أن يكون الضمير في (به) يعود إلى من، وهو ~~الباني. والمعنى: أنه طاح الباطل بالبناء، أو الباني في نار جهنم، وجاء ~~بالانهيار الذي هو للجرف ترشيحا للمجاز، وسبحان الله ما أبلغ هذا الكلام، ~~وأقوى تراكيبه، وأوقع معناه، وأفصح مبناه، ثم ذكر سبحانه أن بنيانهم هذا ~~موجب لمزيد ريبهم، واستمرار ترددهم وشكهم فقال (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ~~ريبة في قلوبهم) أي شكا في قلوبهم ونفاقا، ومنه قول النابغة: حلفت فلم أترك ~~لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب وقيل معنى الريبة: الحسرة ~~والندامة، لأنهم ندموا على بنيانه. وقال المبرد: أي حرارة وغيظا. ms1596 وقد كان ~~هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم، ولكنهم ازدادوا بهدم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفاقا وتصميما ولا على الكفر، ومقتا ~~للإسلام لما أصابهم من الغيظ الشديد والغضب العظيم بهدمه، ثم ذكر سبحانه ما ~~يدل على استمرار هذه الريبة ودوامها، وهو قوله (إلا أن تقطع قلوبهم) أي لا ~~يزال هذا إلا أن تتقطع قلوبهم قطعا، وتتفرق أجزاء: إما بالموت أو بالسيف، ~~والمقصود أن هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء، ويجوز أن يكون ذكر ~~التقطع تصويرا لحال زوال الريبة. وقيل معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها ~~قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم. وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب وأبو جعفر ~~بفتح حرف المضارعة. وقرأ الجمهور بضمها. # وروى عن يعقوب أنه قرأ " تقطع " بالتخفيف، والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: أي إلا أن تقطع يا محمد قلوبهم. وقرأ أصحاب عبد الله بن مسعود " ~~ولو تقطعت قلوبهم ". وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم " إلى أن تقطع " على ~~الغاية. أي لا يزالون كذلك إلى أن يموتوا. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس في قوله (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا) قال: هم أناس من ~~الأنصار ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر الراهب: ابنوا مسجدكم واستمدوا ~~بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من ~~الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فيجب أن تصلي فيه وتدعو ~~بالبركة، فأنزل الله (لا تقم فيه أبدا). وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عنه قال: # لما بنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسجد قباء خرج رجال من ~~الأنصار منهم بجدح جد عبد الله بن حنيف ووديعة بن حزام ومجمع بن جارية ~~الأنصاري فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لبجدح: ويلك يا بجدح ما أردت إلى ما ms1597 أرى، فقال: يا رسول الله والله ما أردت ~~إلا الحسنى وهو كاذب، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأراد أن ~~يعذره، فأنزل الله تعالى (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا PageV02P404 # وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله) يعني رجلا ~~يقال له أبو عامر كان محاربا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان قد ~~انطلق إلى هرقل، وكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه، وكان قد خرج ~~من المدينة محاربا لله ولرسوله. وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عنه أيضا قال: ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك بن الدخشم، فقال مالك لعاصم: ~~أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار ثم ~~خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهل فحرقوه وهدموه، وخرج أهله فتفرقوا ~~عنه، فأنزل الله هذه الآية. ولعل في هذه الرواية حذفا بين قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم دعا رسول الله مالك بن الدخشم وبين قوله فقال مالك لعاصم، ~~ويبين ذلك ما أخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن أبي رهم كلثوم بن الحصين ~~الغفاري، وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة قال: أقبل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى نزل بذي أوان: بلد بينه وبين المدينة ساعة من ~~نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا يا ~~رسول الله إنا بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة ~~المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، قال: إني على جناح سفر، ولو ~~قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما نزل بذي أوان أتاه خبر ~~المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك بن الدخشم أخا بني ~~سالم بن عوف ومعن بن عدي، وأخاه عاصم بن عدي أحد بني العجلان، فقال: انطلقا ~~إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني ~~سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني ms1598 حتى أخرج ~~إليك، فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان، ~~وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل (والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا) إلى آخر القصة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~إن الذين بنوا مسجد الضرار كانوا اثنى عشر رجلا، وذكر أسماءهم. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان: رجل من بني ~~خدرة، وفي لفظ: # تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال ~~الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال العمري: هو مسجد ~~قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألاه عن ذلك فقال: هو هذا ~~المسجد لمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال في ذلك خير كثير، ~~يعني مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والزبير بن بكار في ~~أخبار المدينة وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم في الكنى وابن مردويه ~~عن سهل بن سعد الساعدي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وأبو ~~الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال " سألت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى قال: هو ~~مسجدي هذا ". وأخرج الطبراني والضياء المقدسي في المختارة عن زيد بن ثابت ~~مرفوعا مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني من طريق عروة بن ~~الزبير عن زيد بن ثابت قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال عروة: # مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير منه، إنما أنزلت في مسجد قباء. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال: المسجد الذي أسس على ~~التقوى: مسجد النبي ms1599 صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج المذكوران عن أبي سعيد ~~الخدري مثله. وقد روى عن جماعة غير هؤلاء مثل قولهم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه مسجد قباء. وأخرج ~~أبو الشيخ عن الضحاك مثله. ولا يخفاك أن النبي صلى PageV02P405 # الله عليه وآله وسلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه ~~مسجده صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ~~ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا غيرهم ولا يصح لإيراده في ~~مقابلة ما قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا فائدة في إيراد ما ~~ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء، فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس ~~على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده صلى الله عليه وآله وسلم أكثر ~~مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة تعم. وأخرج أبو داود والترمذي ~~وابن ماجة وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) ~~قال: وكانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية، وفي إسناده يونس بن ~~الحارث، وهو ضعيف. وأخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: لما نزلت هذه الآية (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى عويم بن ساعدة فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى ~~الله عليكم؟ فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا ~~غسل فرجه أو قال: مقعدته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو هذا. ~~وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عويم ابن ساعدة ~~الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال إن: ~~الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور ms1600 الذي ~~تتطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا ~~جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا، رواه ~~أحمد عن حسن بن محمد. حدثنا أبو أويس حدثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة فذكره. ~~وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن الجارود في المنتقى والدارقطني والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن ~~طلحة بن نافع قال: حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن هذه ~~الآية لما نزلت (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يا معشر الأنصار إن الله قد اثنى عليكم خيرا في الطهور فما ~~طهوركم هذا؟ # قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، قال: فهل مع ذلك غيره؟ قالوا: ~~لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء، قال: هو ذاك ~~فعليكموه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وابن جرير والبغوي ~~في معجمه والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن محمد بن عبد الله ~~بن سلام عن أبيه قال: # لما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الذي أسس على التقوى ~~مسجد قباء فقال: إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا تخبروني؟ يعني ~~قوله تعالى (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) فقالوا: # يا رسول الله إنا لنجده مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، ونحن ~~نفعله اليوم. وإسناد أحمد في هذا الحديث هكذا: حدثنا يحيى بن آدم حدثني ~~مالك يعني ابن مغول سمعت سيارا أبا الحكم عن شهر بن حوشب عن محمد بن عبد ~~الله بن سلام. وقد روى عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا ~~ولا يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله، وبعضها ~~ضعيف، وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ~~وعلى كل حال لا تقاوم تلك ms1601 الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى ~~هو مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحتها وصراحتها. وأخرج بن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فانهار به في نار جهنم) قال: يعني ~~قواعده في نار جهنم. وأخرج مسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: لقد رأيت الدخان ~~يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس PageV02P406 # في قوله (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) قال: يعني الشك (إلا ~~أن تقطع قلوبهم) يعني الموت. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ~~ثابت في قوله (ريبة في قلوبهم) قال: غيظا في قلوبهم (إلا أن تقطع قلوبهم) ~~قال: إلى أن يموتوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله (إلا أن تقطع ~~قلوبهم) قال: إلا أن يتوبوا. # سورة براءة الآية (111 - 112) لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب ~~تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم، وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به ~~عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه، وذكر الشراء تمثيل كما في قوله - ~~أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى - مثل سبحانه إثابة المجاهدين بالجنة ~~على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله بالشراء، وأصل الشراء بين العباد ~~هو إخراج الشئ عن الملك بشئ آخر مثله أو دونه أو أنفع منه، فهؤلاء ~~المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها للمؤمنين: أي بأن يكونوا ~~من جملة أهل الجنة، وممن يسكنها فقد جادوا بأنفسهم، وهي أنفس الأعلاق، ~~والجود بها غاية الجود: # يجود بالنفس إن ضن الجبان بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وجاد الله ~~عليهم بالجنة، وهي أعظم ما يطلبه العباد، ويتوسلون إليه بالأعمال، والمراد ~~بالأنفس هنا أنفس المجاهدين، وبالأموال ما ينفقونه في الجهاد. قوله ~~(يقاتلون في سبيل الله) بيان للبيع الذي يقتضيه الاشتراء المذكور كأنه قيل ms1602 ~~كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ فقيل يقاتلون في سبيل الله، ثم بين هذه ~~المقاتلة في سبيل الله بقوله (فيقتلون ويقتلون) والمراد أنهم يقدمون على ~~قتل الكفار في الحرب ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، ~~وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد والتعرض للموت بالإقدام على ~~الكفار. قرأ الأعمش والنخعي وحمزة والكسائي " وخلف " بتقديم المبني للمفعول ~~على المبني للفاعل. وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول. ~~وقوله (وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن) إخبار من الله سبحانه ~~أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة ~~والإنجيل كما وقع في القرآن، وانتصاب وعدا وحقا على المصدرية أو الثاني نعت ~~للأول، وفي التوراة متعلق بمحذوف: أي وعدا ثابتا فيها. قوله (ومن أوفى ~~بعهده من الله) في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد، والتنشيط لهم ~~على بذل الأنفس والأموال مالا يخفى فإنه أولا أخبر بأنه قد اشترى منهم ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وجاء بهذه العبارة الفخيمة، وهي كون الجنة ~~قد صارت ملكا لهم، ثم أخبر ثانيا بأنه قد وعد بذلك في كتبه المنزلة، ثم ~~أخبر بأنه بعد هذا الوعد الصادق لا بد من حصول الموعود به فإنه لا أحد أوفى ~~بعهده من الله سبحانه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، ثم زادهم سرورا ~~وحبورا، فقال PageV02P407 # (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به) أي أظهروا السرور بذلك، والبشارة هي ~~إظهار السرور، وظهوره يكون في بشرة الوجه، ولذا يقال أسارير الوجه: أي التي ~~يظهر فيها السرور. وقد تقدم إيضاح هذا، والفاء لترتيب الاستبشار على ما ~~قبله. والمعنى: أظهروا السرور بهذا البيع الذي بايعتم به الله عز وجل فقد ~~ربحتم فيه ربحا لم يربحه أحد من الناس إلا من فعل مثل فعلكم، والإشارة ~~بقوله (ذلك) إلى الجنة، أو إلى نفس البيع الذي ربحوا فيه الجنة، ووصف الفوز ~~وهو الظفر بالمطلوب بالعظم يدل على أنه فوز لا فوز مثله. قوله (التائبون) ~~خبر مبتدأ محذوف: أي ms1603 هم التائبون، يعني المؤمنون، والتائب الراجع: أي هم ~~الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة. وقال الزجاج: الذي عندي ~~أن قوله (التائبون العابدون) رفع بالابتداء وخبره مضمر: أي التائبون ومن ~~بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا: قال: وهذا أحسن، إذ لو ~~كانت هذه أوصافا للمؤمنين المذكورين في قوله (اشترى من المؤمنين) لكان ~~الوعد خاصا بمجاهدين. وقد ذهب إلى ما ذهب إليه الزجاج من أن هذا الكلام ~~منفصل عما قبله طائفة من المفسرين، وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة ~~إلى المؤمنين في الآية الأولى، وأنها على جهة الشرط: أي لا يستحق الجنة ~~بتلك المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف. # وفي مصحف عبد الله بن مسعود: التائبين العابدين إلى آخرها - وفيه وجهان: ~~أحدهما أنها أوصاف المؤمنين. # الثاني أن النصب على المدح. وقيل إن ارتفاع هذه الأوصاف على البدل من ~~ضمير يقاتلون، وجوز صاحب الكشاف أن يكون التائبون مبتدأ، وخبره العابدون، ~~وما بعده أخبار كذلك: أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه ~~الخصال، وفيه من البعد ما لا يخفى، والعابدون القائمون بما أمروا به من ~~عبادة الله مع الإخلاص. # و (الحامدون) الذين يحمدون الله سبحانه على السراء والضراء، و (السائحون) ~~قيل: هم الصائمون. وإليه ذهب جمهور المفسرين، ومنه قوله تعالى - عابدات ~~سائحات - وإنما قيل للصائم سائح، لأنه يترك اللذات كما يتركها السائح في ~~الأرض، ومنه قول أبي طالب بن عبد المطلب: # وبالسائحين لا يذوقون فطرة * لربهم والراكدات العوامل وقال آخر: تراه ~~يصلي ليله ونهاره * يظل كثير الذكر لله سائحا قال الزجاج: ومذهب الحسن أن ~~السائحين هاهنا هم الذين يصومون الفرض، وقيل إنهم الذين يديمون الصيام. # وقال عطاء: السائحون المجاهدون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ~~السائحون المهاجرون. وقال عكرمة: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم. ~~وقيل هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر، ~~والسياحة في اللغة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء، وهي مما ~~يعين العبد ms1604 على الطاعة لانقطاعه عن الخلق، ولما يحصل له من الاعتبار ~~بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه، و (الراكعون الساجدون) معناه المصلون، و ~~(الآمرون بالمعروف) القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة (والناهون ~~عن المنكر) القائمون بالإنكار على من فعل منكرا: أي شيئا ينكره الشرع ~~(والحافظون لحدود الله) القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها في كتبه وعلى ~~لسان رسله، وإنما أدخل الواو في الوصفين الآخرين، وهما (والناهون عن المنكر ~~والحافظون) الخ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنزلة خصلة واحدة، ~~ثم عطف عليه الحافظون بالواو لقربه، وقيل إن العطف في الصفات يجئ بالواو ~~وبغيرها كقوله - غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب -، وقيل إن الواو ~~زائدة، وقيل هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة، كما في قوله تعالى - ~~ثيبات وأبكارا -، وقوله - وفتحت أبوابها -، وقوله PageV02P408 # - سبعة وثامنهم كلبهم -، وقد أنكروا والثمانية أبو علي الفارسي وناظره في ~~ذلك ابن خالويه (وبشر المؤمنين) الموصوفين بالصفات السابقة. # وقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: " قال عبد الله بن ~~رواحة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: ~~أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، ~~قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت (إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم) الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: ~~أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد (إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) فكبر الناس في المسجد، فأقبل رجل من ~~الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ ~~قال: نعم، فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل. وقد أخرج ابن سعد ~~عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترط في بيعة العقبة ~~على من بايعه من الأنصار: أن يشهدوا أن لا إله إلا ms1605 الله وأنه رسول الله، ~~ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا ينازعوا في الأمر ~~أهله. # ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، قالوا: نعم، قال قائل الأنصار: ~~نعم، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ # قال: الجنة. وأخرجه ابن سعد أيضا من وجه آخر وليس في قصة العقبة ما يدل ~~على أنها سبب نزول الآية. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: من مات على هذه التسع ~~فهو في سبيل الله (التائبون العابدون) إلى آخر الآية. وأخرج بن جرير وأبو ~~الشيخ وابن المنذر عن ابن عباس قال: الشهيد من كان فيه التسع الخصال ~~المذكورة في هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: العابدون الذين يقيمون ~~الصلاة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضا ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أول من يدعى إلى الجنة ~~الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء ". وأخرج ابن جرير عن عبيد ~~بن عمير قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن السائحين فقال: هم ~~الصائمون. وأخرج الفريابي وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عبيد ~~بن عمير عن أبي هريرة مرفوعا مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه ~~وابن النجار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا مثله. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن مسعود مرفوعا مثله. وقد روى عن أبي هريرة موقوفا، وهو أصح من ~~المرفوع من طريقه، وحديث عبيد بن عمير مرسل، وقد أسنده من طريق أبي هريرة ~~في الرواية الثانية. وقد روى من قول جماعة من الصحابة مثل هذا: منهم عائشة ~~عند ابن جرير وابن المنذر، ومنهم ابن عباس عند ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ، ومنهم ابن مسعود عند هؤلاء المذكورين قبله. ~~وروى نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي أمامة أن رجلا استأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في السياحة فقال ms1606 " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " ~~وصححه عبد الحق. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في هذه الآية قال: هذه أعمال ~~قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله قضى على نفسه في ~~التوراة والإنجيل والقرآن لهذه الأمة أن من قتل منهم على هذه الأعمال كان ~~عند الله شهيدا، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله. وأخرج ابن ~~المنذر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: الشهيد من لو مات على فراشه دخل ~~الجنة. قال: وقال ابن عباس من مات وفيه تسع فهو شهيد. وقرأ هذه الآية. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في PageV02P409 # قوله (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) يعني بالجنة، ثم قال ~~(التائبون) إلى قوله (والحافظون لحدود الله) يعني القائمين على طاعة الله، ~~وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد، وإذا وفوا لله بشرطه وفي لهم بشرطهم. # سورة براءة الآية (113 - 114) لما بين الله سبحانه في أول السورة وما ~~بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك ~~تأكيدا، وصرح بأن ذلك متحتم، ولو كانوا أولى قربى، وأن القرابة في مثل هذا ~~الحكم لا تأثير لها. وقد ذكر أهل التفسير أن " ما كان " في القرآن يأتي على ~~وجهين: الأول على النفي نحو - ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله -، والآخر ~~على معنى النهي نحو - ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله - و (ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة ~~للكفار، وتحريم الاستغفار لهم، والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرا، ولا ~~ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد ~~حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، ~~لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار للمشركين، وعلى فرض ~~أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول، فإنه قبل يوم أحد بمدة ms1607 طويلة، ~~وسيأتي، فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن ~~تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله، قال: كأني أنظر إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن ~~وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وفي البخاري أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه، فجعل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يخبر عنه بأنه قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قوله (من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن ~~الاستغفار، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم ~~الاعتداء بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه - إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به - فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده. ~~قوله (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه) الآية: ذكر الله سبحانه السبب في ~~استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار ~~له، ولكنه ترك ذلك وتبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله، وأنه غير مستحق ~~للاستغفار، وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار، ~~ومن أعداء الله، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين أنه كيف ~~خفى ذلك على إبراهيم فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصر على الكفر ~~ومات عليه، وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدو الله، فإن ~~ثبوت هذه العداوة تدل على الكفر، وكذلك لم يعلم نبينا صلى الله عليه وآله ~~وسلم بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية، وهذا حكم إنما يثبت ~~بالسمع لا بالعقل. وقيل المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى ~~الإسلام، وهو ضعيف جدا. وقيل المراد بالاستغفار في هذه الآية النهي عن ~~الصلاة على جنائز الكفار، فهو كقوله - ولا تصل على أحد منهم مات أبدا - ولا ~~حاجة إلى تفسير الاستغفار ms1608 بالصلاة ولا ملجئ إلى ذلك ثم ختم الله سبحانه هذه ~~الآية بالثناء العظيم على إبراهيم، فقال (إن إبراهيم لأواه) وهو كثير ~~التأوه كما تدل على ذلك صيغة المبالغة. PageV02P410 # وقد اختلف أهل العلم في معنى الأواه، فقال ابن مسعود وعبيد بن عمير: إنه ~~الذي يكثر الدعاء. وقال الحسن وقتادة: إنه الرحيم بعباد الله. وروى عن ابن ~~عباس: أنه المؤمن بلغة الحبشة. وقال الكلبي: إنه الذي يذكر الله في الأرض ~~القفر. وروى مثله عن ابن المسيب، وقيل الذي يكثر الذكر لله من غير تقييد، ~~روى ذلك عن عقبة بن عامر. وقيل هو الذي يكثر التلاوة، حكى ذلك عن ابن عباس. ~~وقيل إنه الفقيه، قاله مجاهد والنخعي وقيل المتضرع الخاضع، روى ذلك عن عبد ~~الله بن شداد بن الهاد. وقيل هو الذي إذا ذكر خطاياه استغفر لها، روى ذلك ~~عن أبي أيوب. وقيل هو الشفيق قاله عبد العزيز بن يحيى. وقيل إنه المعلم ~~للخير. وقيل إنه الراجع عن كل ما يكرهه الله قاله عطاء. والمطابق لمعنى ~~الأواه لغة أن يقال إنه الذي يكثر التأوه من ذنوبه، فيقول مثلا: آه من ~~ذنوبي آه مما أعاقب به بسببها ونحو ذلك، وبه قال الفراء، وهو مروى عن أبي ~~ذر، ومعنى التأوه هو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء. قال في الصحاح: ~~وقد أوه الرجل تأويها، وتأوه تأوها إذا قال أوه، والاسم منه آهة بالمد، ~~قال: # إذا ما قمت أرحلها بليل * تأوه آهة الرجل الحزين و (الحليم) الكثير الحلم ~~كما تفيده صيغة المبالغة، وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى، وقيل ~~الذي لا يعاقب أحدا قط إلا لله. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت ~~الوفاة أبا طالب دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبو جهل وعبد ~~الله بن أمية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي عم قل لا إله إلا ~~الله أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: ms1609 يا أبا طالب ~~أترغب عن ملة عبد المطلب؟ # فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله ~~يعاندانه بتلك المقالة، فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب ~~وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت (ما كان للنبي) الآية وأنزل الله في ~~أبي طالب - إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء -. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ~~والضياء في المختارة عن علي قال: # سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ ~~فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فنزلت (ما كان للنبي) الآية. وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: ~~أخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب، فبكى، فقال: اذهب ~~فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه، ففعلت، وجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج منه من بيته حتى نزل عليه (ما كان ~~للنبي) الآية. وقد روى كون سبب نزول الآية استغفار النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأبي طالب من طرق كثيرة: منها عن محمد بن كعب عند ابن أبي حاتم ~~وأبي الشيخ وهو مرسل، ومنها عن عمرو بن دينار عند ابن جرير و هو مرسل أيضا. ~~ومنها عن سعيد بن المسيب عند ابن جرير، وهو مرسل أيضا. ومنها عن عمر بن ~~الخطاب عند ابن سعد وأبي الشيخ وابن عساكر. ومنها عن الحسن البصري عند ابن ~~عساكر وهو مرسل. # وروى أنها نزلت بسبب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقبر أمه ~~واستغفاره لها من طريق ابن عباس عند الطبراني وابن مردويه ومن طريق ابن ~~مسعود عند ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي ms1610 في الدلائل، وعن ~~بريدة عند ابن مردويه وما في الصحيحين مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض ~~أنه صحيح. فكيف وهو ضعيف PageV02P411 # غالبه. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله - وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه - إلى قوله - كما ربياني صغيرا - قال: ثم استثنى فقال (ما كان للنبي) ~~إلى قوله (إلا عن موعدة وعدها إياه). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (فلما تبين له أنه عدو لله) قال: تبين له حين مات وعلم أن ~~التوبة قد انقطعت منه. أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة عن ابن عباس ~~قال: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله ~~فتبرأ منه. وأخرج ابن مردويه عن جابر أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر، فقال ~~رجل: لو أن هذا خفض صوته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعه ~~فإنه أواه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال لرجل يقال له ذو النجادين: إنه أواه، وذلك أنه كان ~~يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء. وأخرجه أيضا أحمد قال: حدثنا موسى بن لهيعة ~~عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر فذكره. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن ~~شداد بن الهاد قال: قال رجل: # يا رسول الله ما الأواه؟ قال: الخاشع المتضرع الدعاء. وهذا إن ثبت وجب ~~المصير إليه وتقديمه على ما ذكره أهل اللغة في معنى الأواه، وإسناده عند ~~ابن جرير هكذا: حدثني المثنى، حدثني الحجاج بن منهال، حدثنا عبد الحميد بن ~~بهرام، حدثنا شهر بن حوشب عن عبد الله بن شداد فذكره. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (إن إبراهيم لأواه حليم) قال: كان من حلمه أنه كان إذا ~~أذاه الرجل من قومه قال ms1611 له: هداك الله. # سورة براءة الآية (115 - 119) لما نزلت الآية المتقدمة في النهي عن ~~الاستغفار للمشركين، خاف جماعة ممن كان يستغفر لهم العقوبة من الله بسبب ~~ذلك الاستغفار، فأنزل الله سبحانه (وما كان الله ليضل قوما) الخ: أي أن ~~الله سبحانه لا يوقع الضلال على قوم، ولا يسميهم ضلالا بعد أن هداهم إلى ~~الإسلام، والقيام بشرائعه ما لم يقدموا على شئ من المحرمات بعد أن يتبين ~~لهم أنه محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به، ~~ومعنى (حتى يتبين لهم ما يتقون) حتى يتبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من ~~محرمات الشرع (إن الله بكل شئ عليم) مما يحل لعباده ويحرم عليهم، ومن سائر ~~الأشياء التي خلقها، ثم بين لهم أن له سبحانه ملك السماوات والأرض لا ~~يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه PageV02P412 # منازع يتصرف في ملكه بما شاء من التصرفات التي من جملتها أنه يحيى من قضت ~~مشيئته بإحيائه، ويميت من قضت مشيئته بإماتته، وما لعباده من دونه من ولي ~~يواليهم ولا نصير ينصرهم، فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى، فإن ~~القرابة لا تنفع شيئا ولا تؤثر أثرا، بل التصرف في جميع الأشياء لله وحده. ~~قوله (لقد تاب الله على النبي) فيما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الإذن في التخلف، أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين. # وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أوله، لأن كل العباد ~~محتاج إلى التوبة والاستغفار. وقد تكون التوبة منه تعالى على النبي من باب ~~أنه ترك ما هو الأولى والأليق كما في قوله - عفا الله عنك لم أذنت لهم -، ~~ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأجل التعريض للمذنبين ~~بأن يتجنبوا الذنوب ويتوبوا عما قد لابسوه منها، وكذلك تاب الله سبحانه على ~~المهاجرين والأنصار فيما قد اقترفوه من الذنوب. ومن هذا القبيل ما صح عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم من قوله " إن الله اطلع على أهل ms1612 بدر فقال اعملوا ~~ما شئتم فقد غفرت لكم " ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم الذين ~~اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يتخلفوا عنه، وساعة العسرة هي ~~غزوة تبوك، فإنهم كانوا في عسرة شديدة، فالمراد بالساعة جميع أوقات تلك ~~الغزاة، ولم يرد ساعة بعينها، والعسرة صعوبة الأمر. قوله (من بعد ما كاد ~~تزيغ قلوب فريق منهم) في كاد ضمير الشأن، وقلوب مرفوع بتزيغ عند سيبويه، ~~وقيل هي مرفوعة بكاد، ويكون التقدير من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ. ~~وقرأ الأعمش وحمزة وحفص " يزيغ " بالتحتية. قال أبو حاتم: من قرأ بالياء ~~التحتية، فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد. قال النحاس: # والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجمع، ومعنى (تزيغ) تتلف بالجهد ~~والمشقة والشدة، وقيل معناه: # تميل عن الحق وتترك المناصرة والممانعة، وقيل معناه: تهم بالتخلف عن ~~الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة. وفي قراءة ابن مسعود " من بعد ما زاغت ~~" وهم المتخلفون على هذه القراءة. وفي تكرير التوبة عليهم بقوله (ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا) تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعا إلى من ~~تقدم ذكر التوبة عنهم. وإن كان الضمير إلى الفريق فلا تكرار. قوله (وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا) أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا: أي أخروا ولم تقبل ~~توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم. قال ابن ~~جرير: معنى خلفوا تركوا، يقال خلفت فلانا فارقته. وقرأ عكرمة بن خالد " ~~خلفوا " بالتخفيف: أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~والمؤمنين إلى الغزو. وقرأ جعفر بن محمد " خالفوا " وهؤلاء الثلاثة: هم كعب ~~بن مالك، ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي، ~~وكلهم من الأنصار لم يقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم توبتهم حتى نزل ~~القرآن بأن الله قد تاب عليهم، وقيل معنى خلفوا فسدوا، مأخوذ من خلوف الفم ~~قوله (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) معناه: أنهم أخروا عن قبول ~~التوبة ms1613 إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وما مصدرية: ~~أي برحبها، لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد، لأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى الناس أن يكالموهم، والرحب: الواسع، يقال: منزل رحب ~~ورحيب ورحاب، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم ~~لينزجروا عن المعاصي. ومعنى ضيق أنفسهم عليهم: أنها ضاقت صدورهم بما نالهم ~~من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة، وعبر بالظن في قوله وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه) عن العلم: أي علموا أن لا ملجأ يلجئون إليه قط إلا إلى الله ~~سبحانه بالتوبة والاستغفار. قوله (ثم تاب عليهم ليتوبوا) أي رجع عليهم ~~بالقبول والرحمة، وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة ~~فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة ليتوبوا عنها ويرجعوا إلى الله ~~فيها ويندموا على ما وقع PageV02P413 # منهم (إن الله هو التواب) أي الكثير القبول لتوبة التائبين، (الرحيم) أي ~~الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده. قوله (وكونوا مع الصادقين) هذا الأمر ~~بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل ~~لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم) قال: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى. قال: لم يكن ~~لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم، ولكن ما كان الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه (حتى ~~يبين لهم ما يتقون) قال: حتى ينهاهم قبل ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: بيان الله للمؤمنين في ~~الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته غامض ما فعلوا أو تركوا. ~~وأخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم ~~والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: حدثنا ~~من شأن ساعة ms1614 العسرة، فقال: خرجنا مع رسول الله إلى تبوك في قيظ شديد، ~~فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل ~~لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقى على كبده، فقال أبو بكر ~~الصديق: # يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، فرفع يديه فلم ~~يرجعهما حتى قالت السماء، فأهطلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر ~~فلم نجدها جاوزت العسكر. وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي ~~غزوة تبوك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن منده وأبو الشيخ وابن مردويه ~~وابن عساكر عن جابر بن عبد الله في قوله (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) قال: ~~كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار. وأخرج ~~ابن منده وابن عساكر عن ابن عباس مثله. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن كعب ~~بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها ~~قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف ~~عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد عير قريش حتى جمع ~~الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها ~~مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر منها في الناس وأشهر، ثم ذكر القصة الطويلة ~~المشهورة في كتب الحديث والسير، وهي معلومة عند أهل العلم فلا نطول بذكرها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله (وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا) قال: يعني خلفوا عن التوبة لم يتب عليهم حين تاب الله على أبي لبابة ~~وأصحابه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر عن ~~عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع في قوله ~~(وكونوا مع الصادقين) قال: # نزلت في الثلاثة الذين خلفوا، قيل ms1615 لهم كونوا مع محمد وأصحابه. وأخرج ابن ~~جرير عن سعيد بن جبير في قوله (وكونوا مع الصادقين) قال: مع أبي بكر وعمر. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الضحاك في الآية ~~قال: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: مع علي ~~بن أبي طالب. وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر قال: مع الثلاثة الذين خلفوا. ~~PageV02P414 # سورة براءة الآية (120 - 121) في قوله (ما كان لأهل المدينة الخ) زيادة ~~تأكيد لوجوب الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحريم التخلف ~~عنه: أي ما صح وما استقام لأهل المدينة (ومن حولهم من الأعراب) كمزينة ~~وجهينة وأشجع وأسلم وغفار (أن يتخلفوا عن رسول الله) صلى الله عليه وآله ~~وسلم في غزوة تبوك، وإنما خصهم الله سبحانه لأنهم قد استنفروا فلم ينفروا، ~~بخلاف غيرهم من العرب فإنهم لم يستنفروا مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق ~~بالنصرة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ولا يرغبوا بأنفسهم ~~عن نفسه) أي وما كان لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه فيشحون بها ويصونونها، ~~ولا يشحون بنفس رسول الله ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها، يقال رغبت ~~عن كذا: أي ترفعت عنه، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق، ويجاهدوا بين ~~يديه أهل الشقاق، ويبذلوا أنفسهم دون نفسه، وفي هذا الإخبار معنى الأمر لهم ~~مع ما يفيده إيراده على هذه الصيغة من التوبيخ لهم والتقريع الشديد، ~~والتهييج لهم، والإزراء عليهم، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما يفيده السياق ~~من وجوب المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي ذلك الوجوب عليهم ~~بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد. والظمأ: العطش، ~~والنصب: التعب، والمخمصة: المجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن. ~~وقرأ عبيد بن عمير " ظماء " بالمد. وقرأ غيره بالقصر، وهما لغتان مثل خطأ ~~وخطاء، و (لا) في هذه المواضع زائدة للتأكيد، ومعنى (في سبيل الله) في طاعة ~~الله. قوله (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار) أي لا ms1616 يدوسون مكانا من أمكنة ~~الكفار بأقدامهم أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف رواحلهم، فيحصل بسبب ذلك الغيظ ~~للكفار. # والموطئ: اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدرا (ولا ينالون من عدو نيلا) أي ~~يصيبون من عدوهم قتلا أو أسرا أو هزيمة أو غنيمة، وأصله من نلت الشئ أنال: ~~أي أصيب. قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل منه. # وليس هو من التناول، إنما التناول من نلته بالعطية. قال غيره: نلت أنول ~~من العطية، ونلته أناله: أدركته. # والضمير في (به) يعود إلى كل واحد من الأمور المذكورة، والعمل الصالح: ~~الحسنة المقبولة: أي إلا كتبه الله لهم حسنة مقبولة يجازيهم بها، وجملة (إن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين) في حكم التعليل لما سبق مع كونه يشمل كل محسن ~~ويصدق على المذكورين هنا صدقا أوليا. قوله (ولا ينفقون نفقة) معطوف على ما ~~قبله: أي ولا يقع منهم الإنفاق في الحرب وإن كان شيئا صغيرا يسيرا (ولا ~~يقطعون واديا) وهو في الأصل كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل، ~~والعرب تقول: واد وأودية على غير قياس. قال النحاس: ولا يعرف فيما علمت ~~فاعل وأفعلة (إلا كتب لهم) أي كتب لهم ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في ~~الجهاد (ليجزيهم الله) به (أحسن ما كانوا يعملون) أي أحسن جزاء ما كانوا ~~يعملون من الأعمال، ويجوز أن يكون في قوله (إلا كتب لهم) ضمير يرجع إلى عمل ~~صالح. وقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية المذكورة بعدها وهي ~~قوله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) فإنها تدل على جواز التخلف من البعض ~~مع القيام بالجهاد من البعض، وسيأتي. # وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمر بن مالك عن بعض الصحابة قال: لما نزلت ~~(ما كان لأهل المدينة) PageV02P415 # الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " والذي بعثني بالحق لولا ~~ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن زيد في قوله (ما كان لأهل المدينة) قال هذا حين ms1617 كان الإسلام قليلا لم ~~يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما كثر الإسلام ~~وفشا قال الله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة). وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وإبراهيم بن محمد الفزاري وعيسى بن يونس ~~السبيعي أنهم قالوا في قوله تعالى (ولا ينالون من عدو نيلا) قالوا: هذه ~~الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة. # سورة براءة الآية (122 - 123) اختلف المفسرون في معنى (وما كان المؤمنون ~~ليفروا كافة) فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد. # لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو كان المسلمون ~~إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية من الكفار ينفرون جميعا ~~ويتركون المدينة خالية، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك: أي ما صح ~~لهم ولا استقام أن ينفروا جميعا، بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة من تلك ~~الفرقة ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة. # قالوا: ويكون الضمير في قوله (ليتفقهوا) عائدا إلى الفرقة الباقية، ~~والمعنى: أن الطائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو، ومن بقى من الفرقة ~~يقفون لطلب العلم، ويعلمون الغزاة إذا رجعوا إليهم من الغزو، أو يذهبون في ~~طلبه إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه ليأخذوا عنه الفقه في الدين ~~وينذروا قومهم وقت رجوعهم إليهم. # وذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقل ~~بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم والتفقه في الدين، جعله الله سبحانه ~~متصلا بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد، فيكون السفر نوعين: الأول سفر ~~الجهاد، والثاني السفر لطلب العلم، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما ~~يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر. والفقه: هو ~~العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها من لغة ونحو وصرف ~~وبيان وأصول. ومعنى (فلولا نفر) فهلا نفر، والطائفة في اللغة الجماعة. وقد ~~جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو ms1618 التفقه في الدين، وإنذار من لم يتفقه. ~~فجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين الصحيحين، وهما تعلم العلم وتعليمه، ~~فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين، فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض ديني، فهو ~~كما قلت: # وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس * كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس ومعنى ~~(لعلهم يحذرون) الترجي لوقوع الحذر منهم عن التفريط فيما يجب فعله فيترك. ~~أو فيما يجب تركه فيفعل، ثم أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من ~~يليهم من الكفار، وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدة والجهاد واجب لكل ~~الكفار، وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم وأقدم، ثم الأقرب ~~فالأقرب، ثم أخبرهم الله بما يقوي عزائمهم ويثبت أقدامهم فقال (واعلموا أن ~~الله مع المتقين) أي بالنصرة لهم وتأييدهم على عدوهم ومن كان الله معه لم ~~يقم له شئ. PageV02P416 # وقد أخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: ~~نسخ هؤلاء الآيات - انفروا خفافا وثقالا - وإن لا تنفروا يعذبكم - قوله ~~(وما كان المؤمنون لينفروا كافة) يقول: لتنفر طائفة وتمكث طائفة مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالماكثون مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، ~~ولعلهم يحذرون ما نزل من بعدهم من قضاء الله في كتابه وحدوده. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عنه نحوه من طريق ~~أخرى بسياق أتم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في هذه الآية قال: ~~ليست هذه الآية في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يخلوا ~~بالمدينة من الجهد ويقبلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله يخبر رسوله أنهم ليسوا ~~بمؤمنين، فردهم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله ~~(ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ms1619 يحذرون) وفي الباب روايات عن جماعة ~~من التابعين. # وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ~~قال: الأدنى، فالأدنى. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عمر أنه سئل عن غزو الديلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) قال: الروم. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (وليجدوا فيكم غلظة) قال: شدة. # سورة براءة الآية (124 - 129) قوله (وإذا ما أنزلت سورة) حكاية منه ~~سبحانه لبقية فضائح المنافقين: أي إذا ما أنزل الله على رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم سورة من كتابه العزيز فمن المنافقين (من يقول) لإخوانه منهم ~~(أيكم زادته هذه) السورة النازلة (إيمانا) يقولون هذا استهزاء بالمؤمنين، ~~ويجوز أن يقولوه لجماعة من المسلمين قاصدين بذلك صرفهم عن PageV02P417 # الإسلام وتزهيدهم فيه، وأيكم مرفوع بالابتداء وخبره زادته. وقد تقدم بيان ~~معنى السورة. ثم حكى الله سبحانه بعد مقالتهم هذه أن المؤمنين زادتهم ~~إيمانا إلى إيمانهم، والحال أنهم يستبشرون مع هذه الزيادة بنزول الوحي وما ~~يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية (وأما الذين في قلوبهم مرض) وهم ~~المنافقون (فزادتهم) السورة المنزلة (رجسا إلى رجسهم) أي خبثا إلى خبثهم ~~الذين هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد، وإظهار غير ما يضمرونه وثبتوا على ~~ذلك واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفارا منافقين، والمراد بالمرض هنا الشك ~~والنفاق، وقيل المعنى: زادتهم إثما إلى إثمهم. قوله (أولا يرون أنهم يفتنون ~~في كل عام مرة أو مرتين) قرأ الجمهور " يرون " بالتحتية. وقرأ حمزة ويعقوب ~~بالفوقية خطابا للمؤمنين. وقرأ الأعمش " أو لم يروا ". وقرأ طلحة بن مصرف " ~~أولا ترى " خطابا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي قراءة ابن ~~مسعود. ومعنى (يفتنون) يختبرون، قاله ابن جرير وغيره أو يبتليهم الله ~~سبحانه بالقحط والشدة، قاله مجاهد. وقال ابن عطية بالأمراض والأوجاع. وقال ~~قتادة والحسن بالغزو والجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرون ما ~~وعد ms1620 الله من النصر (ثم لا يتوبون) بسبب ذلك (ولا هم يذكرون) وثم لعطف ما ~~بعدها على يرون، والهمزة في أو لا يرون للإنكار والتوبيخ، والواو للعطف على ~~مقدر: # أي لا ينظرون ولا يرون، وهذا تعجيب من الله سبحانه للمؤمنين من حال ~~المنافقين وتصلبهم في النفاق وإهمالهم للنظر والاعتبار، ثم ذكر الله سبحانه ~~ما كانوا يفعلونه عند نزول السورة بعد ذكره لما كانوا يقولونه، فقال (وإذا ~~ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض) أي نظر بعض المنافقين إلى البعض الآخر ~~قائلين (هل يراكم من أحد) من المؤمنين لننصرف عن المقام الذي ينزل فيه ~~الوحي، فإنه لا صبر لنا على استماعه، ولنتكلم بما نريد من الطعن والسخرية ~~والضحك، وقيل المعنى: وإذا أنزلت سورة ذكر الله فيها فضائح المنافقين ~~ومخازيهم قال بعض من يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للبعض ~~الآخر منهم: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا إلى منازلهم. # وحكى ابن جرير عن بعض أهل العلم أنه قال (نظر) في هذه الآية موضوع موضع ~~قال: أي قال بعضهم لبعض هل يراكم من أحد. قوله (ثم انصرفوا) أي على ذلك ~~المجلس إلى منازلهم، أو عن ما يقتضى الهداية والإيمان إلى ما يقتضى الكفر ~~والنفاق، ثم دعا الله سبحانه عليهم، فقال (صرف الله قلوبهم) أي صرفها عن ~~الخير وما فيه الرشد لهم والهداية، وهو سبحانه مصرف القلوب ومقلبها، وقيل ~~المعنى: أنه خذلهم عن قبول الهداية، وقيل هو دعاء لا يراد به وقوع مضمونه ~~كقولهم: قاتله الله. ثم ذكر سبحانه السبب الذي لأجله انصرفوا عن مواطن ~~الهداية، أو السبب الذي لأجله استحقوا الدعاء عليهم بقوله - صرف الله ~~قلوبهم - فقال (بأنهم قوم لا يفقهون) ما يسمعونه لعدم تدبرهم وإنصافهم، ثم ~~ختم الله سبحانه هذه السورة بما يهون عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف ~~الشاقة، فقال (لقد جاءكم) يا معشر العرب (رسول) أرسله الله إليكم له شأن ~~عظيم (من أنفسكم) من جنسكم في كونه عربيا وإلى كون هذه الآية خطابا للعرب ~~ذهب جمهور ms1621 المفسرين. وقال الزجاج: هي خطاب لجميع العالم. # والمعنى (لقد جاءكم رسول من) جنسكم في البشرية (عزيز عليه ما عنتم) ما ~~مصدرية. والمعنى: شاق عليه عنتكم لكونه من جنسكم ومبعوثا لهدايتكم، والعنت: ~~التعب لهم والمشقة عليهم بعذاب الدنيا بالسيف ونحوه، أو بعذاب الآخرة ~~بالنار، أو بمجموعهما (حريص عليكم) أي شحيح عليكم بأن تدخلوا النار، أو ~~حريص على إيمانكم. # والأول أولى، وبه قال الفراء. والرؤوف: الرحيم، قد تقدم بيان معناهما: أي ~~هذا الرسول (بالمؤمنين) منكم PageV02P418 # أيها العرب أو الناس (رؤوف رحيم) ثم قال مخاطبا لرسوله ومسليا له، ومرشدا ~~له إلى ما يقوله عند أن يعصى (فإن تولوا) أي أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت ~~به ولا قبلوه (فقل) يا محمد (حسبي الله) أي كافي الله سبحانه المنفرد ~~بالألوهية (عليه توكلت) أي فوضت جميع أموري (وهو رب العرش العظيم) وصفه ~~بالعظم، لأنه أعظم المخلوقات. # وقد قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة لعرش. وقرأ ابن محيصن بالرفع صفة لرب. ~~وقد رويت هذه القراءة عن ابن كثير. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (فأما ~~الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) قال: كان إذا نزلت سورة آمنوا بها فزادهم الله ~~إيمانا وتصديقا وكانوا بها يستبشرون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ~~(رجسا إلى رجسهم) قال: شكا إلى شكهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (أولا يرون أنهم يفتنون) قال: يقتلون. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه وقال: بالسنة والجوع. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بالعدو. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة قال: بالغزو في سبيل الله. وأخرج أبو الشيخ عن بكار بن ~~مالك قال: يمرضون في كل عام مرة أو مرتين. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد ~~قال: كانت لهم في كل عام كذبة أو كذبتان، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ms1622 حذيفة قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو ~~كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (نظر بعضهم إلى بعض) قال: هم المنافقون. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم ولكن ~~قولوا قضينا الصلاة. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر نحوه. وأقول الانصراف ~~يكون عن الخير كما يكون عن الشر، وليس في إطلاقه هنا على رجوع المنافقين عن ~~مجلس الخير ما يدل على أنه لا يطلق إلا على نحو ذلك وإلا لزم أن كل لفظ ~~يستعمل في لغة العرب في الأمور المتعددة إذا استعمل في القرآن في حكاية ما ~~وقع من الكفار لا يجوز استعماله في حكاية ما وقع عن أهل الخير كالرجوع ~~والذهاب والدخول والخروج والقيام والقعود. # واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله، ووجه الملازمة ظاهر لا يخفى. ~~وأخرج عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن المنذر وابن مردويه ~~وأبو نعيم في دلائل النبوة وابن عساكر عن ابن عباس في قوله (لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم) قال: ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم مضريها وربيعها ويمانيها. وأخرج ابن سعد عنه في قوله (من أنفسكم) قال: ~~قد ولدتموه يا معشر العرب. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في سننه وأبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله (لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم) قال: لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية، وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " وهذا فيه ~~انقطاع، ولكنه قد وصله الحافظ الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي ~~والواعي، فقال: حدثنا أبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد، حدثنا ابن أبي عمر، ~~حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: ms1623 أشهد على أبي يحدثني عن أبيه عن جده عن ~~علي بن أبي طالب قال: قال رسول PageV02P419 # الله صلى الله عليه وآله وسلم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن ~~آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ". # وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: " قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(لقد جاءكم رسول من أنفسكم) فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله ما معنى من ~~أنفسكم؟ قال: نسبا وصهرا وحسبا، ليس في ولا في آبائي من لدن آدم سفاح كلنا ~~نكاح ". وأخرج الحاكم عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قرأ (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) يعني من أعظمكم قدرا ". وأخرج ابن سعد عنه ~~نحو حديث على الأول. وأخرج الطبراني عنه أيضا نحوه. وأخرج ابن سعد وابن ~~عساكر عن عائشة نحوه. وفي الباب أحاديث بمعناه، ويؤيد ما في صحيح مسلم ~~وغيره من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، ~~واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ~~". وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن العباس بن ~~عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله حين خلق ~~الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفريقين، ثم حين خلق ~~القبائل جعلني من خيرهم قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم ~~حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا " وفي ~~الباب أحاديث وأخرج ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وابن منيع وابن جرير ~~وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق يوسف بن ~~مهران عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: آخر آية أنزلت على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وفي لفظ: آخر ما أنزل من القرآن (لقد جاءكم ms1624 رسول من أنفسكم ~~إلى آخر الآية، وروى عنه نحوه من طريق أخرى أخرجها عبد الله بن أحمد في ~~زوائد المسند، وابن الضريس في فضائله، وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والخطيب في تلخيص ~~المتشابه والضياء في المختارة. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: ~~لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له: ~~إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال: ولم سألتم هذا؟ قالوا: ~~نطلب الأمن، فأنزل الله هذه الآية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم). وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (فإن تولوا فقل حسبي ~~الله) يعني الكفار تولوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: إنما سمى العرش عرشا لارتفاعه، وقد رويت ~~أحاديث كثيرة في صفة العرش وماهيته وقدره. # وإلى هنا انتهى الثلث الأول من التفسير المسمى " فتح القدير " الجامع بين ~~فني الرواية والدراية من علم التفسير بقلم مؤلفه: محمد بن علي الشوكاني، ~~غفر الله لهما. وكان تمام هذا الثلث في نهار يوم الثلاثاء لعله يوم عشرين ~~من شهر محرم سنة 1227 ه‍. # والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه ~~أجمعين. # الحمد له: انتهى سماعا على مؤلفه. أطال الله مدته في شهر جمادي الأولى من ~~عام سنة 1235 ه‍. # يحيى بن علي الشوكاني غفر الله لهما آمين PageV02P420 # تفسير سورة يونس هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله - فإن كنت في شك - إلى ~~آخرهن، هكذا روى القرطبي في تفسيره عن ابن عباس، وحكى عن مقاتل أنها مكية ~~إلا آيتين، وهي قوله - فإن كنت في شك - فإنها نزلت في المدينة. وحكى عن ~~الكلبي أنها مكية إلا قوله - ومنهم من لا يؤمن به - فإنها نزلت بالمدينة. ~~وحكى عن الحسن وعكرمة وعطاء وجابر أنها مكية من غير استثناء. وأخرج النحاس ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ms1625 قال: نزلت سورة يونس بمكة. وأخرج أبو ~~الشيخ عن ابن سيرين قال: كانت سورة يونس بعد السابعة. وأخرج ابن مردويه عن ~~أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن الله أعطاني ~~الرائيات إلى الطواسين مكان الإنجيل " وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ~~الأحنف قال: صليت خلف عمر غداة فقرأ يونس وهود وغيرهما. # سورة يونس الآية (1 - 5) قوله (الر) قد تقدم الكلام مستوفى على هذه ~~الحروف الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة فلا نعيده، ففيه ما يغني ~~عن الإعادة. وقد قرأ بالإمالة أبو عمرو وحمزة وخلف وغيرهم. وقرأ جماعة من ~~غير إمالة، وقد قيل إن معنى (الر) أنا الله أرى. قال النحاس: ورأيت أبا ~~إسحاق يميل إلى هذا القول، لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب، وأنشد * ~~بالخير خيرات وإن شرافا * أي وإن شرا فشر. وقال الحسن وعكرمة (الر) قسم، ~~وقال سعيد عن قتادة (الر) اسم للسورة، وقيل غير ذلك مما فيه تكلف لعلم ما ~~استأثر الله بعلمه، وقد اتفق القراء على أن (الر) ليس بآية، وعلى أن طه ~~آية، وفي مقنع أبي عمرو الداني أن العادين لطه آية هم الكوفيون فقط، قيل ~~ولعل الفرق أن (الرآ) لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده، والإشارة بقوله (تلك) ~~إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، واسم الإشارة مبتدأ ~~وخبره ما بعده. وقال مجاهد وقتادة: أراد التوراة والإنجيل وسائر الكتب ~~PageV02P421 # المتقدمة، فإن تلك إشارة إلى غائب مؤنث، وقيل (تلك) بمعنى هذه: أي هذه ~~آيات الكتاب الحكيم، وهو القرآن، ويؤيد كون الإشارة إلى القرآن أنه لم يجر ~~للكتب المتقدمة ذكر، وأن الحكيم من صفات القرآن لا من صفات غيره، و ~~(الحكيم) المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام، قاله أبو عبيدة وغيره، ~~وقيل الحكيم معناه الحاكم فهو فعيل بمعنى فاعل كقوله - وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه -، وقيل الحكيم بمعنى المحكوم فيه ~~فهو فعيل بمعنى مفعول: أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان، قاله الحسن وغيره، ms1626 ~~وقيل الحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها والاستفهام في قوله (أكان للناس ~~عجبا) لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ، واسم كان (أن أوحينا) ~~وخبرها (عجبا) أي أكان إيحاؤنا عجبا للناس. وقرأ ابن مسعود " عجب " على أنه ~~اسم كان، على أن كان تامة، و (أن أوحينا) بدل من عجب. وقرئ بإسكان الجيم من ~~" رجل " في قوله (إلى رجل منهم) أي من جنسهم وليس في هذا الإيحاء إلى رجل ~~من جنسهم ما يقتضى العجب فإنه لا يلابس الجنس ويرشده ويخبره عن الله سبحانه ~~إلا من كان من جنسه، ولو كان من غير جنسهم لكان من الملائكة أو من الجن ~~ويتعذر المقصود حينئذ من الإرسال، لأنهم لا يأنسون إليه ولا يشاهدونه، ولو ~~فرضنا تشكله لهم وظهوره، فإما أن يظهر في غير شكل النوع الإنساني، وذلك ~~أوحش لقلوبهم وأبعد من أنسهم، أو في الشكل الإنساني فلا بد من إنكارهم ~~لكونه في الأصل غير إنسان، هذا إن كان العجب منهم لكونه من جنسهم، وإن كان ~~لكونه يتيما أو فقيرا، فذلك لا يمنع من أن يكون من كان كذلك جامعا من خصال ~~الخير والشرف ما لا يجمعه غيره وبالغا في كمال الصفات إلى حد يقصر عنه من ~~كان غنيا، أو كان غير يتيم، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قبل أن يصطفيه الله بإرساله من خصال الكمال عند قريش ما هو أشهر من الشمس ~~وأظهر من النهار، حتى كانوا يسمونه الأمين، قوله (أن أنذر الناس) في موضع ~~نصب بنزع الخافض: أي بأن أنذر الناس، وقيل هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى ~~القول، وقيل: هي المخففة من الثقيلة. قوله (قدم صدق) أي منزل صدق، وقال ~~الزجاج: درجة عالية، ومنه قول ذي الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها * مع الحسب العالي طمت على البحر وقال ابن ~~الأعرابي: القدم المتقدم في الشرف، وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من ~~خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الإسلام، وله عندي قدم ms1627 ~~صدق، وقدم خير، وقدم شر، ومنه قول العجاج: # زل بنو العوام عند آل الحكم * وتركوا الملك لملك ذي قدم وقال ثعلب: القدم ~~كل ما قدمت من خير، وقال ابن الأنباري: القدم كناية عن العمل الذي لا يقع ~~فيه تأخير ولا إبطاء، وقال قتادة: سلف صدق، وقال الربيع: ثواب صدق، وقال ~~الحسن: هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقال الحكيم الترمذي: قدمه صلى ~~الله عليه وآله وسلم في المقام المحمود، وقال مقاتل: أعمالا قدموها واختاره ~~ابن جرير، ومنه قول الوضاح: # صل لذي العرش واتخذ قدما * ينجيك يوم الحصام والزلل وقيل غير ما تقدم مما ~~لا حاجة إلى التطويل بإيراده. قوله (قال الكافرون إن هذا لسحر مبين). قرأ ~~ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش وابن محيصن " لساحر " على أنهم ~~أرادوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم الإشارة. وقرأ الباقون " ~~لسحر " على أنهم أرادوا القرآن، وقد تقدم معنى السحر في البقرة، وجملة (قال ~~الكافرون) مستأنفة كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجب، وقال القفال: فيه ~~إضمار، والتقدير: فلما أنذرهم قال PageV02P422 # الكافرون ذلك. تم إن الله سبحانه جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل ~~للكفار من الإيحاء إلى رجل منهم فقال (إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام) أي من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن ~~تصوره كيف يكون إرساله لرسول إلى الناس من جنسهم محلا للتعجب مع كون الكفار ~~يعترفون بذلك، فيكف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة بهذا الرسول، وقد تقدم ~~تفسير هذه الآية في الأعراف في قوله - إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش - فلا نعيده هنا، ثم ذكر ما يدل على ~~مزيد قدرته وعظيم شأنه فقال (يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه) وترك ~~العاطف، لأن جملة يدبر كالتفسير والتفصيل لما قبلها، وقيل هي في محل نصب ~~على الحال من ضمير استوى، وقيل مستأنفة جواب سؤال مقدر، وأصل التدبير النظر ~~في أدبار الأمور ms1628 وعواقبها لتقع على الوجه المقبول، وقال مجاهد: يقضيه ~~ويقدره وحده، وقيل يبعث الأمر، وقيل ينزل الأمر، وقيل يأمر به ويمضيه، ~~والمعنى متقارب، واشتقاقه من الدبر، والأمر الشأن، وهو أحوال ملكوت ~~السماوات والأرض والعرش وسائر الخلق، قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا ~~بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فرد الله عليهم بأنه ~~ليس لأحد أن يشفع إليه في شئ إلا بعد إذنه، لأنه أعلم بموضع الحكمة ~~والصواب. وقد تقدم معنى الشفاعة في البقرة، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور ~~في كل شئ سبحانه وتعالى، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى فاعل هذه الأشياء من ~~الخلق والتدبير: أي الذي فعل هذه الأشياء العظيمة (الله ربكم) واسم الإشارة ~~مبتدأ وخبره الاسم الشريف، وربكم بدل منه أو بيان له أو خبر ثان، وفي هذه ~~الجملة زيادة تأكيد لقوله (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض) ثم ~~أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه ~~وعظيم اقتداره، فكيف يعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا ~~تضر؟ والاستفهام في قوله (أفلا تذكرون) للإنكار والتوبيخ والتقريع، لأن من ~~له أدنى تذكر وأقل اعتبار يعلم بهذا ولا يخفى عليه، ثم بين لهم ما يكون آخر ~~أمرهم بعد الحياة الدنيا، فقال (إليه مرجعكم جميعا) وفي هذا من التهديد ~~والتخويف ما لا يخفى، وانتصاب (وعد الله) على المصدر، لأن في قوله (إليه ~~مرجعكم جميعا) معنى الوعد أو هو منصوب بفعل مقدر، والمراد بالمرجع الرجوع ~~إليه سبحانه إما بالموت أو بالبعث أو بكل واحد منهما، ثم أكد ذلك الوعد ~~بقوله (حقا) فهو تأكيد لتأكيد فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ~~ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة (وعد الله حق) على الاستئناف، ثم علل سبحانه ما ~~تقدم بقوله (إنه يبدأ الخلق ثم يعيده) أي إن هذا شأنه يبتدئ خلقه من التراب ~~ثم يعيده إلى التراب، أو معنى الإعادة الجزاء يوم القيامة. قال مجاهد: ~~ينشئه ثم يميته، ثم يحييه للبعث، وقيل ينشئه ms1629 من الماء ثم يعيده من حال إلى ~~حال. وقرأ يزيد بن القعقاع: أنه يبدأ الخلق بفتح الهمزة، فتكون الجملة في ~~موضع نصب بما نصب به وعد الله: أي وعدكم أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ويجوز أن ~~يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق، وأجاز الفراء أن تكون " أن " في موضع رفع ~~فتكون اسما. قال أحمد بن يحيى بن ثعلب يكون التقدير حقا إبداؤه الخلق، ثم ~~ذكر غاية ما يترتب على الإعادة فقال (ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~بالقسط) أي بالعدل الذي لا جور فيه (والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون) يحتمل أن يكون الموصول الآخر معطوفا على الموصول ~~الأول: أي ليجزى الذين آمنوا ويجزى الذين كفروا وتكون جملة (لهم شراب من ~~حميم) في محل نصب على الحال هي وما عطف عليها: أي وعذاب أليم ويكون التقدير ~~هكذا ويجزى الذين كفروا حال كون لهم هذا الشراب وهذا العذاب، ولكن يشكل على ~~ذلك أن هذا الشراب وهذا العذاب الأليم هما من الجزاء، ويمكن أن يقال: إن ~~الموصول في (والذين كفروا) مبتدأ وما بعده خبره، فلا يكون معطوفا ~~PageV02P423 # على الموصول الأول، والباء في (بما كانوا يكفرون) للسببية: أي بسبب ~~كفرهم، والحميم: الماء الحار، وكل مسخن عند العرب فهو حميم. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (الر) قال: فواتح أسماء من ~~أسماء الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي ~~في الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عنه قال: في قوله (الر) أنا الله ~~أرى. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ~~مثله أيضا. # وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (تلك آيات الكتاب) قال: يعني ~~هذه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (تلك آيات الكتاب) قال: الكتب ~~التي خلت قبل القرآن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدا صلى الله عليه ms1630 وآله وسلم رسولا أنكرت ~~العرب ذلك أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل ~~محمد، فأنزل الله (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم) الآية - وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم - الآية، فلما كرر الله سبحانه عليهم ~~الحج قالوا: وإذا كان بشرا، فغير محمد كان أحق بالرسالة، - فلولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم - يقول: أشرف من محمد، يعنون الوليد بن ~~المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردا عليهم - ~~أهم يقسمون رحمة ربك - الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عنه في قوله (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) قال: ~~ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: أجرا ~~حسنا بما قدموا من أعمالهم. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ~~القدم هو العمل الذي قدموا. قال الله سبحانه - سنكتب ما قدموا وآثارهم - ~~والآثار ممشاهم. قال: مشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أسطوانتين ~~من مسجدهم ثم قال: هذا أثر مكتوب. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري في ~~قوله (قدم صدق) قال: محمد صلى الله عليه وآله وسلم يشفع لهم. وأخرج ابن ~~مردويه عن علي بن ابن أبي طالب مثله. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي بن كعب ~~قال: سلف صدق. والروايات عن التابعين وغيرهم في هذا كثيرة، وقد قدمنا ~~أكثرها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله (يدبر الأمر) قال: يقضيه وحده، وفي قوله (إنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده) قال: يحييه ثم يميته ثم يحييه. # سورة يونس الآية (5 - 6) ذكر هاهنا بعض نعمه على المكلفين، وهي مما يستدل ~~به على وجوده ووحدته وقدرته وعلمه وحكمته بإتقان صنعه في هذين المتعاقبين ~~على الدوام بعد ما ذكر قبل هذا إبداعه للسموات والأرض، واستواءه على العرش ~~وغير ذلك. والضياء قيل ms1631 جمع ضوء كالسياط والحياض. وقرأ قنبل عن ابن كثير " ~~ضئاء " بجعل الياء همزة مع الهمزة، ولا وجه له لأن ياءه كانت واوا مفتوحة، ~~وأصله " ضواء " فقلبت ياء لكسر ما قبلها. قال المهدوي: PageV02P424 # ومن قرأ ضئاء بالهمزة فهو مقلوب قدمت الهمزة التي بعد الألف، فصارت قبل ~~الألف، ثم قلبت الياء همزة، والأولى أن يكون ضياء مصدرا لا جمعا، مثل قام ~~يقوم قياما، وصام يصوم صياما، ولا بد من تقدير مضاف: # أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة، وكأنهما ~~جعلا نفس الضياء والنور. قيل الضياء أقوى من النور، وقيل الضياء هو ما كان ~~بالذات، والنور ما كان بالعرض، ومن هنا قال الحكماء: إن نور القمر مستفاد ~~من ضوء الشمس. قوله (وقدره منازل) أي قدر مسيره في منازل، أو قدره ذا ~~منازل، والضمير راجع إلى القمر، ومنازل القمر: هي المسافة التي يقطعها في ~~يوم وليلة بحركته الخاصة به، وجملتها ثمانية وعشرون وهي معروفة، ينزل القمر ~~في كل ليلة منها منزلا لا يتخطاه، فيبدو صغيرا في أول منازله، ثم يكبر ~~قليلا قليلا حتى يبدو كاملا، وإذا كان في آخر منازله رق واستقوس، ثم يستتر ~~ليلتين إذا كان الشهر كاملا، أو ليلة إذا كان ناقصا، والكلام في هذا يطول، ~~وقد جمعنا فيه رسالة مستقلة جوابا عن سؤال أو رده علينا بعض الأعلام. وقيل ~~إن الضمير راجع إلى كل واحد من الشمس والقمر، كما قيل في قوله تعالى - وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها -، وفي قول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقد قدمنا تحقيق هذا ~~فيما سبق من هذا التفسير والأولى رجوع الضمير إلى القمر وحده، كما في قوله ~~تعالى - والقمر قدرناه منازل - ثم ذكر بعض المنافع المتعلقة بهذا التقدير، ~~فقال (لتعلموا عدد السنين والحساب) فإن في العلم بعدد السنين من المصالح ~~الدينية والدنيوية ما لا يحصى، وفى العلم بحساب الأشهر والأيام والليالي من ~~ذلك ما لا يخفى، ولولا هذا التقدير الذي قدره الله ms1632 سبحانه لم يعلم الناس ~~بذلك ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم. والسنة تتحصل من اثنى عشر ~~شهرا، والشهر يتحصل من ثلاثين يوما إن كان كاملا، واليوم يتحصل من ساعات ~~معلومة هي أربع وعشرون ساعة لليل والنهار قد يكون لكل واحد منهما اثنتا ~~عشرة ساعة في أيام الاستواء، ويزيد أحدهما على الآخر في أيام الزيادة وأيام ~~النقصان، والاختلاف بين السنة الشمسية والقمرية معروف، ثم بين سبحانه أنه ~~ما خلق الشمس والقمر واختلاف تلك الأحوال إلا بالحق والصواب دون الباطل ~~والعبث، فالإشارة بقوله (ذلك) إلى المذكور قبله، والاستثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال، ومعنى تفصيل الآيات تبيينها، والمراد بالآيات التكوينية أو ~~التنزيلية أو مجموعهما، وتدخل هذه الآيات التكوينية المذكورة هنا دخولا ~~أوليا في ذلك. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب " يفصل " بالتحتية. وقرأ ~~ابن السميفع " تفصل " بالفوقية على البناء للمفعول. وقرأ الباقون بالنون. ~~واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الأولى، ولعل وجه هذا الاختيار أن قبل ~~هذا الفعل (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) وبعده (وما خلق الله في السماوات ~~والأرض) ثم ذكر سبحانه المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وما خلق في ~~السماوات والأرض من تلك المخلوقات، فقال (إن في اختلاف الليل والنهار وما ~~خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون) أي الذين يتقون الله سبحانه ~~ويجتنبون معاصيه وخصهم بهذه الآيات لأنهم الذين يمعنون النظر والتفكير في ~~مخلوقات الله سبحانه حذر منهم عن الوقوع في شئ مما يخالف مراد الله سبحانه ~~ونظرا لعاقبة أمرهم، وما يصلحهم في معادهم. قال القفال: من تدبر في هذه ~~الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لبقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ما ~~أهملهم بل جعلها لها دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي. ~~PageV02P425 # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله تعالى (جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا) قال: # لم يجعل الشمس كهيئة القمر لكي يعرف الليل من النهار، وهو قوله (فمحونا ~~آية الليل) الآية. وأخرج أبو الشيخ وابن ms1633 مردويه عن ابن عباس في الآية قال: ~~وجوههما إلى السماوات، وأقفيتهما إلى الأرض. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله ~~بن عمرو مثله. وأخرج أبو الشيخ عن خليفة العبدي قال: لو أن الله تبارك ~~وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد، ولكن المؤمنون تفكروا في مجئ هذا ~~الليل إذا جاء فملأ كل شئ وغطى كل شئ، وفي مجئ سلطان النهار إذا جاء فمحا ~~سلطان الليل، وفى السحاب المسخر بين السماء والأرض، وفى النجوم، وفى الشتاء ~~والصيف، فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم تبارك وتعالى حتى ~~أيقنت قلوبهم بربهم. # سورة يونس الآية (7 - 10) شرع الله سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن ~~بالمعاد، ومن يؤمن به، وقدم الطائفة التي لم تؤمن، لأن الكلام في هذه ~~السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه، ويهملون النظر والتفكر فيما ~~لا ينبغي إهماله مما هو مشاهد لكل حي طول حياته، فيتسبب عن إهمال النظر، ~~والتفكر الصادق: عدم الإيمان بالمعاد، ومعنى الرجاء هنا الخوف، ومنه قول ~~الشاعر: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل وقيل يرجون: ~~يطمعون، ومنه قول الشاعر: # أترجو بني مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا فالمعنى على ~~الأول لا يخافون عقابا، وعلى الثاني لا يطمعون في ثواب إذا لم يكن المراد ~~باللقاء حقيقته، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى: لا يخافون رؤيتنا أو ~~لا يطمعون في رؤيتنا، وقيل المراد بالرجاء هنا التوقع فيدخل تحته الخوف ~~والطمع، فيكون المعنى (لا يرجون لقاءنا) لا يتوقعون لقاءنا فهم لا يخافونه ~~ولا يطمعون فيه (ورضوا بالحياة الدنيا) أي رضوا بها عرضا عن الآخرة، فعملوا ~~لها (واطمأنوا بها) أي سكنت أنفسهم إليها وفرحوا بها (والذين هم عن آياتنا ~~غافلون) لا يعتبرون بها ولا يتفكرون فيها (أولئك مأواهم) أي مثواهم ومكان ~~إقامتهم النار، والإشارة إلى المتصفين بالصفات السابقة من عدم الرجاء، ~~وحصول الرضا والاطمئنان، والغفلة (بما كانوا يكسبون) أي بسبب ما كانوا ~~يكسبون من الكفر والتكذيب بالمعاد فهذا ms1634 حال الذين لا يؤمنون بالمعاد، وأما ~~حال الذين يؤمنون به فقد بينه سبحانه بقوله (إن الذين آمنوا) أي فعلوا ~~الإيمان الذي طلبه الله منهم بسبب ما وقع منهم PageV02P426 # من التفكر والاعتبار فيما تقدم ذكره من الآيات (وعملوا الصالحات) التي ~~يقتضيها الإيمان، وهي ما شرعه الله لعباده المؤمنين (يهديهم ربهم بإيمانهم) ~~أي يرزقهم الهداية بسبب هذا الإيمان المضموم إليه العمل الصالح فيصلون بذلك ~~إلى الجنة، وجملة (تجرى من تحتهم الأنهار) مستأنفة أو خبر ثان أو في محل ~~نصب على الحال. ومعنى من تحتهم: # من تحت بساتينهم أو من بين أيديهم لأنهم على سرر مرفوعة. وقوله (في جنات ~~النعيم) متعلق بتجري أو بيهديهم أو خبر آخر أو حال من الأنهار. قوله ~~(دعواهم) أي دعاؤهم ونداؤهم، وقيل الدعاء العبادة كقوله تعالى - وأعتزلكم ~~وما تدعون من دون الله - وقيل معنى دعواهم هنا الادعاء الكائن بين ~~المتخاصمين. والمعنى: أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله ~~سبحانه من المعايب والإقرار له بالإلهية. قال القفال: أصله من الدعاء لأن ~~الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما، وقيل معناه: طريقتهم وسيرتهم، وذلك أن ~~المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن تجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم ~~يكن في قوله (سبحانك اللهم) دعوى ولا دعاء، وقيل معناه: # تمنيهم كقوله - ولهم ما يدعون - وكأن تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله ~~وتقديسه، وهو مبتدأ وخبره سبحانك اللهم، و (فيها) أي في الجنة. والمعنى على ~~القول الأول: أن دعاءهم الذي يدعون به في الجنة هو تسبيح الله وتقديسه، ~~والمعنى: نسبحك يا الله تسبيحا. قوله (وتحيتهم فيها سلام) أي تحية بعضهم ~~للبعض، فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، أو تحية الله أو الملائكة لهم، ~~فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول. وقد مضى تفسير هذا في سورة النساء، ~~قوله (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) أي وخاتمة دعائهم الذي هو ~~التسبيح أن يقولوا: # الحمد لله رب العالمين. قال النحاس: مذهب الخليل أن " أن " هذه مخففة من ~~الثقيلة. والمعنى: أنه الحمد لله. ms1635 # وقال محمد بن يزيد المبرد: ويجوز أن تعملها خفيفة عملها ثقيلة، والرفع ~~أقيس، ولم يحك أبو عبيد إلا التخفيف. # وقرأ ابن محيصن بتشديد أن ونصب الحمد. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (ورضوا بالحياة ~~الدنيا) قال: مثل قوله - من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعمالهم فيها - الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد أيضا في قوله (يهديهم ربهم بإيمانهم) قال: يكون لهم نور ~~يمشون به. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله (يهديهم ربهم بإيمانهم) قال: حدثنا الحسن قال: ~~بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن المؤمن إذا خرج من ~~قبره صور له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني ~~لأراك عين امرئ صدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، ~~وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيقول ~~له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك عين امرئ سوء، فيقول له: أنا عملك، فينطلق به ~~حتى يدخله النار ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج ~~نحوه. وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إذا قالوا سبحانك اللهم أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم ". ~~وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي الهذيل قال: الحمد أول الكلام وآخر ~~الكلام، ثم تلا (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). PageV02P427 # سورة يونس الآية (11 - 16) لما ذكر الله سبحانه الوعيد على عدم الإيمان ~~بالمعاد، ذكر أن هذا العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا. قال ~~القفال: لما وصفهم بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى ~~أنذرهم استعجلوا العذاب، فبين الله سبحانه أنه لا مصلحة في ms1636 إيصال الشر ~~إليهم، فلعلهم يتوبون ويخرج من أصلابهم من يؤمن، قيل معنى (ولو يعجل الله ~~للناس الشر استعجالهم بالخير) لو عجل الله للناس العقوبة كما يتعجلون ~~بالثواب والخير (لقضى إليهم أجلهم) أي ماتوا، وقيل المعنى: لو فعل الله مع ~~الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير ~~لأهلكهم، وقيل الآية خاصة بالكفار الذين أنكروا البعث وما يترتب عليه. قال ~~في الكشاف: # وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته وإسعافه ~~بطلبتهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل له، والمراد أهل مكة وقولهم - ~~فأمطر علينا حجارة من السماء - الآية. قيل والتقدير: ولو يعجل الله لهم ~~الشر عند استعجالهم به تعجيلا مثل تعجيله لهم الخير عند استعجالهم به، فحذف ~~ما حذف لدلالة الباقي عليه. قال أبو علي الفارسي: في الكلام حذف، والتقدير ~~(ولو يعجل الله للناس الشر) تعجيلا مثل (استعجالهم بالخير)، ثم حذف تعجيلا ~~وأقام صفته مقامه، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه قال: هذا مذهب ~~الخليل وسيبويه، وهو قول الأخفش والفراء، قالوا: وأصله كاستعجالهم، ثم حذف ~~الكاف ونصب. قال الفراء: كما تقول ضربت زيدا ضربك: أي كضربك، ومعنى (لقضى ~~إليهم أجلهم) لأهلكوا، ولكنه سبحانه لم يعجل لهم الشر فأمهلوا، وقيل معناه: ~~أميتوا. وقرأ ابن عامر " لقضى " على البناء للفاعل، وهي قراءة حسنة لمناسبة ~~ذلك لقوله (ولو يعجل الله). قوله (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم ~~يعمهون) الفاء للعطف على مقدر يدل عليه الكلام، لأن قوله (ولو يعجل الله) ~~يتضمن نفي التعجيل، فكأنه قيل: لكن لا يعجل لهم الشر ولا يقضى إليهم أجلهم ~~فنذرهم الخ: أي فنتركهم ونمهلهم، والطغيان: التطاول، وهو العلو والارتفاع، ~~ومعنى (يعمهون) يتحيرون: أي PageV02P428 # نتركهم يتحيرون في تطاولهم وتكبرهم وعدم قبولهم للحق استدراجا لهم منه ~~سبحانه وخذلانا، ثم بين الله سبحانه أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو ~~أصابهم ما طلبوه لأظهروا العجز والجزع فقال (وإذا مس الإنسان الضر) أي هذا ~~الجنس الصادق على كل ما يحصل التضرر به (دعانا لجنبه) ms1637 اللام للوقت كقوله ~~جئته لشهر كذا، أو في محل نصب على الحال بدلالة عطف قاعدا أو قائما عليه، ~~وتكون اللام بمعنى على: أي دعانا مضطجعا (أو قاعدا أو قائما) وكأنه قال: ~~دعانا في جميع الأحوال المذكورة وغيرها، وخص المذكورة بالذكر لأنها الغالب ~~على الإنسان، وما عداها نادر كالركوع والسجود، ويجوز أن يراد أنه يدعو الله ~~حال كونه مضطجعا غير قادر على القعود، وقاعدا غير قادر على القيام، وقائما ~~غير قادر على المشي، والأول أولى. قال الزجاج: إن تعديل أحوال الدعاء أبلغ ~~من تعديد أحوال المضرة، لأنه إذا كان داعيا على الدوام، ثم نسى في وقت ~~الرخاء كان أعجب. قوله (فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) أي ~~فلما كشفنا عنه ضره الذي مسه كما تفيده الفاء مضى على طريقته التي كان ~~عليها قبل أن يمسه الضر ونسي حالة الجهد والبلاء، أو مضى عن موقف الدعاء ~~والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به كأنه لم يدعنا عند أن مسه الضر إلى ~~كشف ذلك الضر الذي مسه. وقيل معنى (مر) استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ. ~~قال الأخفش: " أن " في (كأن لم يدعنا) هي المخففة من الثقيلة، والمعنى: ~~كأنه انتهى. والجملة التشبيهية في محل نصب على الحال، وهذه الحالة التي ~~ذكرها الله سبحانه للداعي لا تختص بأهل الكفر، بل تتفق لكثير من المسلمين ~~تلين ألسنتهم بالدعاء وقلوبهم بالخشوع والتذلل عند نزول ما يكرهون بهم. ~~فإذا كشفه الله عنهم غفلوا عن الدعاء والتضرع، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر ~~النعمة التي أنعم الله بها عليهم من إجابة دعائهم ورفع ما نزل بهم من الضر ~~ودفع ما أصابهم من المكروه. وهذا مما يدل على أن الآية تعم المسلم والكافر ~~كما يشعر به لفظ الناس ولفظ الإنسان، اللهم أوزعنا شكر نعمك، وأذكرنا ~~الأحوال التي مننت علينا فيها بإجابة الدعاء، حتى نستكثر من الشكر الذي لا ~~نطيق سواه ولا نقدر على غيره، وما أغناك عنه وأحوجنا في إليه و ms1638 - لئن شكرتم ~~لأزيدنكم - والإشارة بقوله (كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون) إلى مصدر ~~الفعل المذكور بعده كما مر غير مرة أي مثل ذلك التزيين العجيب زين للمسرفين ~~عملهم. والمسرف في اللغة: هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ~~ومحل كذلك النصب على المصدرية. والتزيين هو إما من جهة الله تعالى على ~~طريقة التحلية وعدم اللطف بهم، أو من طريق الشيطان بالوسوسة، أو من طريق ~~النفس الأمارة بالسوء. والمعنى: أنه زين لهم الإعراض عن الدعاء والغفلة عن ~~الشكر والاشتغال بالشهوات. ثم ذكر سبحانه ما يجرى مجرى الردع والزجر عما ~~صنعه هؤلاء فقال (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا) يعني الأمم ~~الماضية من قبل هؤلاء الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي ~~أهلكناهم من قبل زمانكم، وقيل الخطاب لأهل مكة على طريق الالتفات للمبالغة ~~في الزجر، و (لما) ظرف لأهلكنا: أي أهلكناهم حين فعلوا الظلم بالتكذيب، ~~والتجاري على الرسل، والتطاول في المعاصي من غير تأخير لإهلاكهم كما أخرنا ~~إهلاككم، والواو في (وجاءتهم رسلهم بالبيات) للحال بإضمار قد: أي وقد ~~جاءتهم رسلهم الذين أرسلناهم إليهم بالبينات: أي بالآيات البينات الواضحات ~~للدلالة على صدق الرسل، وقيل الواو للعطف على (ظلموا) والأول أولى، وقيل ~~المراد بالظلم هنا هو الشرك، والواو في (وما كانوا ليؤمنوا) للعطف على ~~ظلموا، أو الجملة اعتراضية، واللام لتأكيد النفي: أي وما صح لهم وما استقام ~~أن يؤمنوا لعدم استعدادهم لذلك وسلب الألطاف عنهم (كذلك نجزى القوم ~~المجرمين) أي مثل ذلك الجزاء نجزى القوم المجرمين، وهو الاستئصال الكلي لكل ~~مجرم، وهذا وعيد شديد لمن كان في عصره من الكفار. PageV02P429 # أو لكفار مكة على الخصوص، ثم خاطب سبحانه الذين بعث إليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال (ثم جعلناكم خلائف) أي استخلفناكم في الأرض بعد ~~تلك القرون التي تسمعون أخبارها وتنظرون آثارها، والخلائف جمع خليفة، وقد ~~تقدم الكلام عليه في آخر سورة الأنعام، واللام في (لننظر كيف تعملون) لام ~~كي: # أي لكي ننظر كيف تعملون من أعمال ms1639 الخير أو الشر، و (كيف) في محل نصب ~~بالفعل الذي بعده: أي لننظر أي عمل تعملونه، أو في محل نصب على الحالية: أي ~~على أي حالة تعملون الأعمال اللائقة بالاستخلاف، ثم حكى الله سبحانه نوعا ~~ثالثا من تعنتهم وتلاعبهم بآيات الله فقال (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) ~~وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم، والمراد بالآيات الآيات ~~التي في الكتاب العزيز: أي وإذا تلا التالي عليهم آياتنا الدالة على إثبات ~~التوحيد وإبطال الشرك حال كونها بينات: أي واضحات الدلالة على المطلوب (قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا) وهم المنكرون للمعاد، وقد تقدم تفسيره قريبا: أي ~~قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ائت بقرآن ~~غير هذا أو بدله) طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سمعوا ما ~~غاظهم فيما تلاه عليهم من القرآن من ذم عبادة الأوثان، والوعيد الشديد لمن ~~عبدها أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على ~~حاله، وإما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض آياته أو كلها ووضع أخرى مكانها مما ~~يطابق إرادتهم ويلائم غرضهم، فأمره الله أن يقول في جوابهم (ما يكون لي) أي ~~ما ينبغي لي ولا يحل لي أن أبدله من تلقاء نفسي، فنفى عن نفسه أحد القسمين، ~~وهو التبديل لأنه الذي يمكنه لو كان ذلك جائزا، بخلاف القسم الآخر وهو ~~الإتيان بقرآن آخر، فإن ذلك ليس في وسعه ولا يقدر عليه. وقيل إنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم نفى عن نفسه أسهل القسمين ليكون دليلا على نفي أصعبهما ~~بالطريق الأولى، وهذا منه صلى الله عليه وآله وسلم من باب مجاراة السفهاء، ~~إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء بعد أن أمره الله سبحانه بذلك. وهو ~~أعلم بمصالح عباده وبما يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة والسؤالات ~~الباردة، و (تلقاء) مصدر استعمل ظرفا، من قبل نفسي. # قال الزجاج: سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور، وقيل سألوه أن ~~يسقط ما ms1640 فيه من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وقيل سألوه أن يحول الوعد وعيدا ~~والحرام حلالا والحلال حراما، ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم من أنه ما ~~صح له ولا استقام أن يبدله من تلقاء نفسه بقوله (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) ~~أي ما أتبع شيئا من الأشياء إلا ما يوحى إلي من عند الله سبحانه من غير ~~تبديل ولا تحويل ولا تحريف ولا تصحيف، فقصر حاله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على اتباع ما يوحى إليه، وربما كان مقصد الكفار بهذا السؤال التعريض للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأن القرآن كلامه وأنه يقدر على الإتيان بغيره ~~والتبديل له، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم تكميلا للجواب عليهم (إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) فإن هذه الجملة كالتعليل لما قدمه من ~~الجواب قبلها. # واليوم العظيم هو يوم القيامة: أي (إني أخاف إن عصيت ربي) بفعل ما تطلبون ~~على تقدير إمكانه عذاب يوم القيامة، ثم أكد سبحانه كون هذا القرآن من عند ~~الله وأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما يبلغ إليهم منه ما أمره الله ~~بتبليغه لا يقدر على غير ذلك، فقال (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم) أي أن ~~هذا القرآن المتلو عليكم هو بمشيئة الله وإرادته ولو شاء الله أن لا أتلوه ~~عليكم ولا أبلغكم إياه ما تلوته، فالأمر كله منوط بمشيئة الله ليس لي في ~~ذلك شئ قوله (ولا أدراكم به) معطوف على ما تلوته، ولو شاء الله ما أدراكم ~~بالقرآن: أي ما أعلمكم به على لساني يقال: # دريت الشئ وأدراني الله به. هكذا قرأ الجمهور بالألف من أدراه يدريه ~~أعلمه يعلمه. وقرأ ابن كثير (ولأدراكم به) بغير ألف بين اللام والهمزة. ~~والمعنى: ولو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم، فتكون اللام لام ~~PageV02P430 # التأكيد دخلت على ألف أفعل. وقد قرئ " أدرؤكم " بالهمزة فقيل هي منقلبة ~~عن الألف لكونهما من واد واحد، ويحتمل أن يكون من درأته إذا دفعته، ms1641 وأدرأته ~~إذا جعلته داريا. والمعنى: لأجعلكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال ~~وتكذبونني. وقرأ ابن عباس والحسن (ولا أدراتكم به) قال أبو حاتم: أصله ولا ~~أدريتكم به، فأبدل من الياء ألفا. قال النحاس: وهذا غلط. والرواية عن الحسن ~~" ولا أدرأتكم " بالهمزة. قوله (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) تعليل لكون ~~ذلك بمشيئة الله ولم يكن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا التبليغ: أي ~~قد أقمت فيما بينكم عمرا من قبله: أي زمانا طويلا، وهو أربعون سنة من قبل ~~القرآن تعرفونني بالصدق والأمانة، لست ممن يقرأ ولا ممن يكتب (أفلا تعقلون) ~~الهمزة للتقريع والتوبيخ: أي أفلا تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي ~~لما عرفتم من العادة المستمرة إلى المدة الطويلة بالصدق والأمانة، وعدم ~~قراءتي للكتب المنزلة على الرسل وتعلمي لما عند أهلها من العلم، ولا طلبي ~~لشئ من هذا الشأن ولا حرصي عليه، ثم جئتكم بهذا الكتاب الذي عجزتم عن ~~الإتيان بسورة منه، وقصرتم عن معارضته وأنتم العرب المشهود لهم بكمال ~~الفصاحة المعترف لهم بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم؟ # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (ولو يعجل الله الناس الشر) الآية، قال: هو قولي الإنسان ~~لولده وماله إذا غضب عليهم: اللهم لا تبارك فيه والعنه (لقضى إليهم أجلهم) ~~قال: لأهلك من دعا عليه وأماته. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في الآية ~~قال: قول الرجل للرجل: اللهم العنه، اللهم اخزه، وهو يحب أن يستجاب له، ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هو دعاء الرجل على ~~نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له. وحكى القرطبي في تفسيره عن ابن إسحاق ~~ومقاتل في الآية قالا: هو قول النضر بن الحارث - اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء - فلو عجل لهم هذا لهلكوا. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله (دعانا ms1642 لجنبه) قال: # مضطجعا. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله (دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما) قال: على كل حال. وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال ادع الله يوم ~~سرائك يستجاب لك يوم ضرائك. # وأقول أنا: أكثر من شكر الله على السراء يدفع عنك الضراء، فإن وعده ~~للشاكرين بزيادة النعم مؤذن بدفعه عنهم النقم لذهاب حلاوة النعمة عند وجود ~~مرارة النقمة: اللهم اجمع لنا بين جلب النعم وسلب النقم، فإنا نشكرك عدد ما ~~شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان، ونحمدك عدد ما حمدك الحامدون بكل لسان ~~في كل زمان. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ~~(ثم جعلناكم خلائف في الأرض) الآية، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه ~~الآية فقال: صدق ربنا ما جعلنا خلائف في الأرض إلا لينظر إلى أعمالنا، ~~فأروا الله خير أعمالكم بالليل والنهار والسر والعلانية. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: (خلائف في الأرض) لأمة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ~~في قوله (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) قال: هذا قول مشركي أهل مكة للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن ابن عباس في قوله (ولا أدراكم به) أعلمكم به. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة ~~قال: (ولا أدراكم به) ولا أشعركم به. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن ابن ~~عباس أنه كان يقرأ (ولا أنذرتكم به). وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~السدي في قوله (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) قال: لم أتل عليكم ولم أذكر. ~~وأخرجا عنه قال: لبث أربعين سنة قبل أن يوحى إليه PageV02P431 # ورأى الرؤيا سنتين، وأوحى الله إليه عشر سنين بمكة، وعشرا بالمدينة، ~~وتوفى وهو ابن اثنتين وستين سنة. # وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي عن ابن عباس قال: بعث ms1643 رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاثة عشر يوحى إليه، ثم ~~أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. # سورة يونس الآية (17 - 19) قوله (فمن أظلم) استفهام فيه معنى الجحد أي لا ~~أحد أظلم (ممن افترى على الله) الكذب وزيادة (كذبا) مع أن الافتراء لا يكون ~~إلا كذبا لبيان أن هذا مع كونه افتراء على الله هو كذب في نفسه، فربما يكون ~~الافتراء كذبا في الإسناد فقط، كما إذا أسند ذنب زيد إلى عمرو، ذكر معنى ~~هذا أبو السعود في تفسيره، قيل وهذا من جملة رده صلى الله عليه وآله وسلم ~~على المشركين لما طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن، أو يبدله، فبين ~~لهم أنه لو فعل ذلك لكان من الافتراء على الله، ولا ظلم يماثل ذلك، وقيل ~~المفترى على الله الكذب هم المشركون، والمكذب بآيات الله هم أهل الكتاب ~~(إنه لا يفلح المجرمون) تعليل لكونه لا أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآياته: # أي لا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير، والضمير في (إنه) للشأن: أي إن ~~الشأن هذا. ثم نعى الله سبحانه عليهم عبادة الأصنام، وبين أنها لا تنفع من ~~عبدها ولا تضر من لا يعبدها فقال (ويعبدون من دون الله) أي متجاوزين الله ~~سبحانه إلى عبادة غيره لا بمعنى ترك عبادته بالكلية (مالا يضرهم ولا ~~ينفعهم) أي ما ليس من شأنه الضرر ولا النفع، ومن حق المعبود أن يكون مثيبا ~~لمن أطاعه معاقبا لمن عصاه، والواو لعطف هذه الجملة على جملة (وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا) و (ما) في (ما لا يضرهم) موصولة أو موصوفة، والواو في ~~(ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) للعطف على (ويعبدون) زعموا أنهم يشفعون ~~لهم عند الله فلا يعذبهم بذنوبهم، وهذا غاية الجهالة منهم حيث ينتظرون ~~الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال، وقيل أرادوا بهذه ~~الشفاعة إصلاح أحوال دنياهم، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه ms1644 وآله ~~وسلم بأن يجيب عنهم فقال (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا ~~الأرض) قرأ أبو السمال العدوي (تنبئون) بالتخفيف من أنبأ ينبئ. وقرأ من ~~عداه بالتشديد من نبأ ينبئ. والمعنى: أتخبرون الله أن له شركاء في ملكه ~~يعبدون كما يعبد، أو أتخبرونه أن لكم شفعاء بغير إذنه والله سبحانه لا يعلم ~~لنفسه شريكا ولا شفيعا بغير إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في سماواته وفي ~~أرضه؟ وهذا الكلام حاصله عدم وجود من هو كذلك أصلا، وفي هذا من التهكم ~~بالكفار ما لا يخفى، ثم نزه الله سبحانه نفسه عن إشراكهم، وهو يحتمل أن ~~يكون ابتداء كلام غير داخل في الكلام الذي أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب ~~به عليهم، ويحتمل أن يكون من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يقوله لهم جوابا عليهم. قرأ حمزة والكسائي PageV02P432 # (عما يشركون) بالتحتية. وقرأ الباقون بالفوقية، واختار القراءة الأولى ~~أبو عبيد. قوله (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) قد تقدم تفسيره في ~~البقرة، والمعنى: أن الناس ما كانوا جميعا إلا أمة واحدة موحدة لله سبحانه ~~مؤمنة به، فصار البعض كافرا وبقي البعض الآخر مؤمنا فخالف بعضهم بعضا. وقال ~~الزجاج: هم العرب كانوا على الشرك، وقال: كل مولود يولد على الفطرة، ~~فاختلفوا عند البلوغ، والأول أظهر. وليس المراد أن كل طائفة أحدثت ملة من ~~ملل الكفر مخالفة للأخرى، بل المراد كفر البعض وبقي البعض على التوحيد كما ~~قدمنا (ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي أنه سبحانه لا يقضى بينهم فيما اختلفوا ~~فيه إلا يوم القيامة (لقضى بينهم) في الدنيا (فيما) هم (فيه يختلفون) لكنه ~~قد امتنع ذلك بالكلمة التي لا تتخلف، وقيل معنى (لقضى بينهم) بإقامة الساعة ~~عليهم، وقيل لفرغ من هلاكهم، وقيل الكلمة إن الله أمهل هذه الأمة فلا ~~يهلكهم بالعذاب في الدنيا، وقيل الكلمة أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة، وهي ~~إرسال الرسل كما قال تعالى - وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا -، وقيل الكلمة ~~قوله ms1645 " سبقت رحمتي غضبي ". وقرأ عيسى بن عمر " لقضى " بالبناء للفاعل. وقرأ ~~من عداه بالبناء للمفعول. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال النضر: إذا كان يوم القيامة ~~شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم) الآية. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (وما كان الناس إلا ~~أمة واحدة فاختلفوا) قال ابن مسعود: كانوا على هدى. وروى أنه قرأ هكذا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (وما كان الناس إلا أمة واحدة) قال: آدم وحده (فاختلفوا) ~~قال: حين قتل أحدا بني آدم أخاه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية ~~قال: كان الناس أهل دين واحد على دين آدم فكفروا، فلولا أن ربك أجلهم إلى ~~يوم القيامة لقضى بينهم. # سورة يونس الآية (20 - 23) PageV02P433 # قوله (ويقولون) ذكر سبحانه هاهنا نوعا رابعا من مخازيهم، وهو معطوف على ~~قوله (ويعبدون) وجاء بالمضارع لاستحضار صورة ما قالوه. قيل والقائلون هم ~~أهل مكة، كأنهم لم يعتدوا بما قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة التي لو لم يكن منها إلا القرآن ~~لكفى به دليلا بينا ومصدقا قاطعا: أي هلا أنزلت عليه آية من الآيات التي ~~نقترحها عليه ونطلبها منه كإحياء الأموات وجعل الجبال ذهبا ونحو ذلك؟ ثم ~~أمره سبحانه أن يجيب عنهم فقال (قل إنما الغيب لله) أي أن نزول الآية غيب، ~~والله هو المختص بعلمه، المستأثر به، لا علم لي ولا لكم ولا لسائر مخلوقاته ~~(فانتظروا) نزول ما اقترحتموه من الآيات (إني معكم من المنتظرين) لنزولها، ~~وقيل المعنى: انتظروا قضاء الله بيني وبينكم بإظهار الحق على الباطل. قوله ~~(وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا) لما بين ~~سبحانه في الآية المتقدمة أنهم طلبوا آية ms1646 عنادا ومكرا ولجاجا، وأكد ذلك بما ~~ذكره هنا من أنه سبحانه إذا أذاقهم رحمة منه من بعد أن مستهم الضراء فعلوا ~~مقابل هذه النعمة العظيمة المكر منهم في آيات الله، والمراد بإذاقهم رحمته ~~سبحانه أنه وسع عليهم في الأرزاق، وأدر عليهم النعم بالمطر وصلاح الثمار ~~بعد أن مستهم الضراء بالجدب وضيق المعايش، فما شكروا نعمته ولا قدروها حق ~~قدرها، بل أضافوها إلى أصنامهم التي لا تنفع ولا تضر، وطعنوا في آيات الله ~~واحتالوا في دفعها بكل حيلة، وهو معنى المكر فيها. وإذا الأولى شرطية، ~~وجوابها إذا لهم مكر، وهي فجائية، ذكر معنى ذلك الخليل وسيبويه. # ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عنهم فقال (قل الله أسرع مكرا) أي أعجل ~~عقوبة، وقد دل أفعل التفضيل على أن مكرهم كان سريعا، ولكن مكر الله أسرع ~~منه. وإذا الفجائية يستفاد منها السرعة، لأن المعنى أنهم فاجئوا المكر: أي ~~أوقعوه على جهة الفجاءة والسرعة، وتسمية عقوبة الله سبحانه مكرا من باب ~~المشاكلة كما قرر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز (إن رسلنا يكتبون ما ~~تمكرون) قرأ يعقوب في رواية وأبو عمرو في رواية " يمكرون " بالتحتية، وقرأ ~~الباقون بالفوقية. والمعنى: أن رسل الله وهم الملائكة يكتبون مكر الكفار لا ~~يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة، فكيف يخفى على العليم الخبير؟ وفي ~~هذا وعيد لهم شديد، وهذه الجملة تعليلية للجملة التي قبلها، فإن مكرهم إذا ~~كان ظاهرا لا يخفى، فعقوبة الله كائنة لا محالة، ومعنى هذه الآية قريب من ~~معنى الآية المتقدمة وهي - وإذا مس الإنسان الضر - وفي هذه زيادة، وهي أنهم ~~لا يقتصرون على مجرد الإعراض، بل يطلبون الغوائل لآيات الله بما يدبرونه من ~~المكر (هو الذي يسيركم في البر والبحر) ضرب سبحانه لهؤلاء مثلا حتى ينكشف ~~المراد انكشافا تاما، ومعنى تسييرهم في البر أنهم يمشون على أقدامهم التي ~~خلقها لهم لينتفعوا بها ويركبون ما خلقه الله لركوبهم من الدواب، ومعنى ~~تسييرهم في البحر: أنه ألهمهم لعمل السفائن التي يركبون فيها في لجج ms1647 البحر ~~ويسر ذلك لهم ودفع عنهم أسباب الهلاك. وقد قرأ ابن عامر (وهو الذي ينشركم ~~في البحر) بالنون والشين المعجمة من النشر كما في قوله - فانتشروا في الأرض ~~- أي ينشرهم سبحانه في البحر فينجي من يشاء ويغرق من يشاء (حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم) الفلك يقع على الواحد والجمع ويذكر ويؤنث. وقد تقدم ~~تحقيقه (رجرين) أي السفن بهم: أي بالراكبين عليها، وحتى لانتهاء الغاية ~~والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: ~~أولها الكون في الفلك، والثاني جريها بهم بالريح الطيبة التي ليست بعاصفة، ~~وثالثها فرحهم، والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة: الأول - جاءتها - أي ~~جاءت الفلك ريح عاصف أو جاءت الريح الطيبة: أي تلقتها ريح عاصف، والعصوف ~~شدة هبوب الريح، والثاني - وجاءهم الموج من كل مكان - أي من جميع الجوانب ~~للفلك والمراد جاء الراكبين فيها، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر، ~~والثالث - ظنوا أنهم أحيط PageV02P434 # بهم - أي غلب على ظنونهم الهلاك، وأصله من إحاطة العدو بقوم أو ببلد، ~~فجعل هذه الإحاطة مثلا في الهلاك وإن كان بغير العدو كما هنا، وجواب إذا في ~~قوله (إذا كنتم في الفلك) قوله (جاءتها) إلى آخره ويكون قوله (دعوا الله) ~~بدلا من ظنوا لكون هذا الدعاء الواقع منهم إنما كان عند ظن الهلاك وهو ~~الباعث عليه، فكان بدلا منه بدل اشتمال لاشتماله عليه، ويمكن أن يكون جملة ~~دعوا مستأنفة كأنه قيل: ماذا صنعوا؟ فقيل دعوا الله، وفي قوله (وجرين بهم) ~~التفات من الخطاب إلى الغيبة، جعل الفائدة فيه صاحب الكشاف المبالغة. وقال ~~الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذا المقام دليل المقت ~~والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله - إياك نعبد - دليل الرضا والتقريب، ~~وانتصاب مخلصين على الحال: أي لم يشوبوا دعاءهم بشئ من الشوائب كما جرت ~~عادتهم في غير هذا الموطن أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء، وليس هذا لأجل ~~الإيمان بالله وحده، بل لأجل أن ينجيهم مما شارفوه من الهلاك لعلمهم أنه لا ~~ينجيهم سوى ms1648 الله سبحانه. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى ~~الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا. وفى هذه الآية بيان ~~أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما ~~يشابهها، فيا عجبا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات؟ فإذا ~~عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ولم يخلصوا الدعاء لله كما ~~فعله المشركون كما تواتر ذلك إلينا تواترا يحصل به القطع، فانظر هداك الله ~~ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية وأين وصل بها أهلها، وإلى أين رمى بهم ~~الشيطان، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم؟ حتى انقادوا له انقيادا ما كان يطمع في ~~مثله ولا في بعضه من عباد الأوثان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واللام في ~~(لئن أنجيتنا من هذه) هي اللام الموطئة للقسم: أي قائلين ذلك، والإشارة ~~بقوله (من هذه) إلى ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر، واللام في ~~(لنكونن) جواب القسم: # أي لنكونن في كل حال ممن يشكر نعمك التي أنعمت بها علينا، منها هذه ~~النعمة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا وتنجينا منها، وقيل إن هذه ~~الجملة مفعول دعوا (فلما نجاهم) الله من هذه المحنة التي وقعوا فيها، وأجاب ~~دعاءهم لم يفوا بما وعدوا من أنفسهم، بل فعلوا فعل الجاحدين لا فعل ~~الشاكرين، وجعلوا البغي في الأرض بغير الحق مكان الشكر. وإذا في (إذا هم ~~يبغون) هي الفجائية: أي فاجئوا البغي في الأرض بغير الحق، والبغي: هو ~~الفساد، من قولهم بغى الجرح: إذا ترامى في الفساد، وزيادة في الأرض للدلالة ~~على أن فسادهم هذا شامل لأقطار الأرض، والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق، ~~بل لا يكون إلا بالباطل، لكن زيادة بغير الحق إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك ~~بغير شبهة عندهم، بل تمردا وعنادا، لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع ~~كونها باطلة. قوله (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة ~~الدنيا) لما ذكر سبحانه أن هؤلاء المتقدم ذكرهم يبغون ms1649 في الأرض بغير الحق ~~ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته. قرأ ابن إسحاق وحفص والمفضل بنصب متاع، وقرأ ~~الباقون بالرفع. فمن قرأ بالنصب جعل ما قبله جملة تامة: أي بغيكم وبال على ~~أنفسكم، فيكون بغيكم مبتدأ وعلى أنفسكم خبره، ويكون متاع في موضع المصدر ~~المؤكد، كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا، ويكون المصدر مع الفعل ~~المقدر استئنافا، وقيل إن متاع على قراءة النصب ظرف زمان نحو مقدم الحاج: ~~أي زمن متاع الحياة الدنيا، وقيل هو مفعول له: أي لأجل متاع الحياة الدنيا، ~~وقيل منصوب بنزع الخافض: أي كمتاع، وقيل على الحال على أنه مصدر بمعنى ~~المفعول: أي ممتعين، وقد نوقش غالب هذه الأقوال في توجيه النصب. وأما من ~~قرأ برفع متاع فجعله خبر المبتدأ: أي بغيكم متاع الحياة الدنيا، ويكون على ~~أنفسكم متعلق بالمصدر، والتقدير: إنما بغيكم على PageV02P435 # أمثالكم والذين جنسهم جنسكم متاع الحياة الدنيا ومنفعتها التي لا بقاء ~~لها، فيكون المراد بأنفسكم على هذا الوجه أبناء جنسهم، وعبر عنهم بالأنفس ~~لما يدركه الجنس على جنسه من الشفقة، وقيل ارتفاع متاع على أنه خبر ثان، ~~وقيل على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي هو متاع. قال النحاس: على قراءة الرفع ~~يكون بغيكم مرتفعا بالابتداء وخبره الحياة الدنيا، وعلى أنفسكم مفعول ~~البغي، ويجوز أن يكون خبره على أنفسكم ويضمر مبتدأ: أي ذلك متاع الحياة ~~الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا انتهى. وقد نوقش أيضا بعض هذه الوجوه ~~المذكورة في توجيه الرفع بما يطول به البحث في غير طائل. والحاصل أنه إذا ~~جعل خبر المبتدأ على أنفسكم، فالمعنى، أن ما يقع من البغي على الغير هو بغي ~~على نفس الباغي باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه مجازاة على ~~بغيه، وإن جعل الخبر متاع فالمراد أن بغى هذا الجنس الإنساني على بعضه بعضا ~~هو سريع الزوال قريب الاضمحلال، كسائر أمتعة الحياة الدنيا فإنها ذاهبة عن ~~قرب متلاشية بسرعة ليس لذلك كثير فائدة ولا عظيم جدوى. ثم ذكر سبحانه ما ~~يكون على ذلك البغي ms1650 من المجازاة يوم القيامة مع وعيد شديد فقال (ثم إلينا ~~مرجعكم) وتقديم الخبر للدلالة على القصر، والمعنى: أنكم بعد هذه الحياة ~~الدنيا ومتاعها ترجعون إلى الله فيجازى المسئ بإساءته والمحسن بإحسانه ~~(فننبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا: أي فنخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا ~~من خير وشر والمراد بذلك المجازاة كما تقول لمن أساء: سأخبرك بما صنعت، ~~وفيه أشد وعيد وأفظع تهديد. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الربيت في قوله (فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين) قال: خوفهم عذابه وعقوبته وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وإذا أذقنا الناس رحمة ~~من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا) قال: استهزاء وتكذيب. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن جريج في قوله وظنوا أنهم أحيط بهم) قال: هلكوا. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص ما حاصله: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أهدر يوم الفتح دم جماعة، منهم عكرمة بن ~~أبي جهل، هرب من مكة وركب البحر فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل ~~السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني ~~في البحر الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني ~~مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما، فجاء ~~فأسلم. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والخطيب في تاريخه والديلمي ~~في مسند الفردوس عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ثلاث ~~هن رواجع على أهلها: المكر، والنكث، والبغي، ثم تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم - ولا يحيق المكر ~~السئ إلا بأهله - ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) وأخرج الحاكم وصححه ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لا تبغ ولا تكن ms1651 باغيا، فإن الله يقول: إنما بغيكم على أنفسكم ~~". وأخرج أبو الشيخ عن مكحول قال: ثلاث من كن فيه كن عليه: المكر، والبغي، ~~والنكث، قال الله سبحانه (إنما بغيكم على أنفسكم). # أقول أنا: وينبغي أن يلحق بهذه الثلاث التي دل القرآن على أنها تعود على ~~فاعلها: الخدع، فإن الله يقول يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم -. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما ". وأخرج ابن مردويه من ~~حديث ابن عمر مثله. PageV02P436 # سورة يونس الآية (24 - 30) لما ذكر الله سبحانه ما تقدم من متاع الدنيا ~~جاء بكلام مستأنف يضمن بيان حالها وسرعة تقضيها، وأنها تعود بعد أن تملأ ~~الأعين برونقها، وتجتلب النفوس ببهجتها. وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء ~~بعضهم بعضا، ويهتكوا حرمهم حبالها وعشقا لجمالها الظاهري، وتكالبا على ~~التمتع بها، وتهافتا على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من التشبيه المركب، ~~فقال (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) إلى آخر الآية. ~~والمعنى: أن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف بوصف يضاد ما كانت عليه ~~ويباينه، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه وذهاب بهجته ~~وسرعة تقضيه، بعد أن كان غضا مخضرا طريا قد تعانقت أغصانه المتمايلة، وزهت ~~أوراقه المتصافحة، وتلألأت أنوار نوره، وحاكت الزهر أنواع زهره، وليس ~~المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله (كماء أنزلناه من السماء) بل ما يفهم ~~من الكلام، والباء في (فاختلط به نبات الأرض) للسببية: أي فاختلط بسببه ~~نبات الأرض بأن اشتبك بعضه ببعض حتى بلغ إلى حد الكمال، ويحتمل أن يراد أن ~~النبات كان في أول بروزه ومبدأ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع فإذا نزل الماء ~~عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض (مما يأكل الناس والأنعام) من ~~الحبوب والثمار والكلأ والتبن وأخذت الأرض زخرفها. قال في الصحاح الزخرف: ~~الذهب، ثم يشبه به كل مموه مزور انتهى. والمعنى: أن الأرض أخذت ms1652 لونها الحسن ~~المشابه بعضه للون الذهب، وبعضه للون الفضة، وبعضه للون الياقوت، وبعضه ~~للون الزمرذ. وأصل ازينت: تزينت أدغمت التاء في الزاي وجئ بألف الوصل لأن ~~الحرف المدغم مقام حرفين أولهما ساكن، والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ~~ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت " على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو ~~العالية " وأزينت " على وزن أفعلت: أي أزينت بالزينة التي عليها، شبهها ~~بالعروس التي تلبس الثياب الجيدة المتلونة ألوانا كثيرة. وقال عوف بن أبي ~~جميلة: قرأ أشياخنا " وازيانت " PageV02P437 # على وزن اسوادت، وفي رواية المقدمي " وازانت " والأصل فيه تزاينت على وزن ~~تفاعلت. وقرأ الشعبي وقتادة " أزينت "، ومعنى هذه القراءات كلها هو ما ~~ذكرنا (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم ~~قادرون على حصادها والانتفاع بها، والضمير في عليها للأرض، والمراد النبات ~~الذي هو عليها (أتاها أمرنا) جواب إذا، أي جاءها أمرنا بإهلاكها واستئصالها ~~وضربها ببعض العاهات (فجعلناها حصيدا) أي جعلنا زرعها شبيها بالمحصود في ~~قطعه من أصوله. قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل (كأن لم تغن بالأمس) أي كأن ~~لم يكن زرعها موجودا فيها بالأمس مخضرا طريا، من غنى بالمكان بالكسر يغني ~~بالفتح إذا أقام به، والمراد بالأمس الوقت القريب، والمغاني في اللغة ~~المنازل. وقال قتادة: كأن لم تنعم، قال لبيد: # غنيت سنينا قبل مجرى داحس * لو كان للنفس اللجوج خلود وقرأ قتادة (كأن لم ~~يغن) بالتحتية بإرجاع الضمير إلى الزخرف. وقرأ من عداه (تغن) بالفوقية ~~بإرجاع الضمير إلى الأرض (كذلك) أي مثل ذلك التفصيل البديع (نفصل الآيات) ~~القرآنية التي من جملتها هذه الآية (لعلهم يتفكرون) فيما اشتملت عليه، ~~ويجوز أن يراد الآيات التكوينية. قوله (والله يدعو إلى دار السلام) لما نفر ~~عباده عن الميل إلى الدنيا بما ضربه لهم من المثل السابق رغبهم في الدار ~~الآخرة بإخبارهم بهذه الدعوة منه عز وجل إلى دار السلام، قال الحسن وقتادة: ~~السلام هو الله تعالى، وداره الجنة. وقال الزجاج: المعنى والله يدعو إلى ~~دار السلامة. ومعنى السلام والسلامة واحد كالرضاع ms1653 والرضاعة، ومنه قول ~~الشاعر: # تحيى بالسلامة أم بكر * وهل لك بعد قومك من سلام وقيل أراد دار السلام ~~الذي هو التحية، لأن أهلها ينالون من الله السلام بمعنى التحية كما في قوله ~~- تحيتهم فيها سلام -، وقيل السلام اسم لأحد الجنان السبع: أحدها دار ~~السلام، والثانية دار الجلال، والثالثة جنة عدن، والرابعة جنة المأوى، ~~والخامسة جنة الخلد، والسادسة جنة الفردوس، والسابعة جنة النعيم. وقيل ~~المراد دار السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة، وقد اتفقوا ~~على أن دار السلام هي الجنة، وإنما اختلفوا في سبب التسمية بدار السلام ~~(ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) جعل سبحانه الدعوة إلى دار السلام عامة، ~~والهداية خاصة بمن يشاء أن يهديه تكميلا للحجة وإظهارا للاستغناء عن خلقه، ~~ثم قسم سبحانه أهل الدعوة إلى قسمين، وبين حال كل طائفة فقال (للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة) أي الذين أحسنوا بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الأعمال ~~والكف عما نهاهم عنه من المعاصي، والمراد بالحسنى المثوبة الحسنى. قال ابن ~~الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها، ولذلك ~~ترك موصوفها، وقيل المراد بالحسنى الجنة، وأما الزيادة فقيل المراد بها ما ~~يزيد على المثوبة من التفضل كقوله - ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله - وقيل ~~الزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وقيل الزيادة هي مضاعفة الحسنة إلى عشر ~~أمثالها، وقيل الزيادة غرفة من لؤلؤ، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان، ~~وقيل هي أنه سبحانه يعطيهم في الدنيا من فضله ما لا يحاسبهم عليه، وقيل غير ~~ذلك مما لا فائدة في ذكره، وسيأتي بيان ما هو الحق في آخر البحث (ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة) معنى يرهق يلحق، ومنه قيل: # غلام مراهق إذا لحق بالرجال، وقيل يعلو، وقيل يغشى، والمعنى متقارب، ~~والقتر: الغبار، ومنه قول الفرزدق متوج برداء الملك يتبعه * موج ترى فوقه ~~الرايات والقترا وقرأ الحسن " قتر " بإسكان المثناة، والمعنى واحد، قاله ~~النحاس، وواحد القتر قترة، والذلة: ما يظهر على PageV02P438 # الوجه من الخضوع والانكسار والهوان، والمعنى: أنه لا ms1654 يعلو وجوههم غبرة ~~ولا يظهر فيها هوان، وقيل القتر الكآبة، وقيل سواد الوجوه، وقيل هو دخان ~~النار (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) الإشارة إلى المتصفين بالصفات ~~السابقة هم أصحاب الجنة الخالدون فيها المتنعمون بأنواع نعيمها (والذين ~~كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) هذا الفريق الثاني من أهل الدعوة، وهو ~~معطوف على (للذين أحسنوا) كأنه قيل وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، ~~أو يقدر وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها: أي يجازي سيئة واحدة ~~بسيئة واحدة لا يزاد عليها، وهذا أولى من الأول لكونه من باب العطف على ~~معمولي عاملين مختلفين، والمراد بالسيئة إما الشرك أو المعاصي التي ليست ~~بشرك، وهي ما يتلبس به العصاة من المعاصي، قال ابن كيسان: الباء زائدة، ~~والمعنى: جزاء سيئة مثلها، وقيل الباء مع ما بعدها الخبر، وهي متعلقة ~~بمحذوف قامت مقامه، والمعنى: جزاء سيئة كائن بمثلها كقولك إنما أنا بك، ~~ويجوز أن يتعلق بجزاء والتقدير جزاء سيئة بمثلها كائن فحذف خبر المبتدأ، ~~ويجوز أن يكون (جزاء) مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة فيكون مثل قوله - ~~فعدة من أيام أخر - أي فعليه عدة، والباء على هذا التقدير متعلقة بمحذوف ~~كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها، أو تكون مؤكدة أو زائدة. قوله (ترهقهم ~~ذلة) أي يغشاهم هوان وخزي. وقرئ " يرهقهم " بالتحتية (ما لهم من الله من ~~عاصم) أي لا يعصمهم أحد كائنا من كان من سخط الله وعذابه، أو ما لهم من جهة ~~الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين، والأول أولى، والجملة في محل ~~نصب على الحالية، أو مستأنفة (كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما) ~~قطعا جمع قطعة، وعلى هذا يكون مظلما منتصبا على الحال من الليل: أي أغشيت ~~وجوههم قطعا من الليل في حالة ظلمته. وقد قرأ بالجمع جمهور القراء. وقرأ ~~الكسائي وابن كثير (قطعا) بإسكان الطاء، فيكون مظلما على هذا صفة لقطعا، ~~ويجوز أن يكون حالا من الليل. قال ابن السكيت: القطع طائفة من الليل ~~(أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفات ms1655 الذميمة (أصحاب النار هم فيها خالدون) ~~وإطلاق الخلود هنا مقيد بما تواتر في السنة من خروج عصاة الموحدين: # قوله (ويوم نحشرهم جميعا) الحشر الجمع، وجميعا منتصب على الحال (ويوم) ~~منصوب بمضمر: أي أنذرهم يوم نحشرهم، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوالهم ~~القبيحة. والمعنى: أن الله سبحانه يحشر العابد والمعبود لسؤالهم (ثم نقول ~~للذين أشركوا) في حالة الحشر ووقت الجمع تقريعا لهم على رؤوس الأشهاد، ~~وتوبيخا لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة وحضور معبوداتهم (مكانكم) أي ~~الزموا مكانكم واثبتوا فيه وقفوا في موضعكم (أنتم وشركاؤكم) هذا الضمير ~~تأكيد للضمير الذي في مكانكم لسده مسد الزموا، وشركاؤكم معطوف عليه. وقرئ ~~بنصب شركاؤكم على أن الواو مع. قوله (فزيلنا بينهم): أي فرقنا وقطعنا ما ~~كان بينهم من التواصل في الدنيا: يقال زينته فتزيل: أي فرقته فتفرق، ~~والمزايلة المفارقة، يقال زايله مزايلة وزيالا إذا فارقه، والتزايل التباين ~~قال الفراء: وقرأ بعضهم (فزايلنا) والمراد بالشركاء هنا الملائكة، وقيل ~~الشياطين، وقيل الأصنام، وإن الله سبحانه ينطقها في هذا الوقت. وقيل ~~المسيح، وعزير، والظاهر أنه كل معبود للمشركين كائنا ما كان، وجملة (وقال ~~شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون) في محل نصب على الحال بتقدير قد، والمعنى: ~~وقد قال شركاؤهم الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه ما كنتم إيانا ~~تعبدون، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم وشياطينكم الذين أغووكم، وإنما أضاف ~~الشركاء إليهم مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه، لكونهم جعلوا لهم نصيبا من ~~أموالهم فهم شركاؤهم في أموالهم من هذا الحيثية، وقيل لكونهم شركاؤهم في ~~هذا الخطاب، وهذا الجحد من الشركاء وإن كان مخالفا لما قد وقع من المشركين ~~من عبادتهم، فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة (فكفى بالله ~~شهيدا بينا وبينكم) PageV02P439 # إن كنا أمرناكم بعبادتنا أو رضينا ذلك منكم (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) ~~إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والقائل ~~لهذا الكلام هم المعبودون. قالوا لمن عبدهم من المشركين: إنا كنا عن ~~عبادتكم لنا لغافلين، والمراد بالغفلة هنا: عدم الرضا ms1656 بما فعله المشركون من ~~العبادة لهم، وفي هذا دليل على أن هؤلاء المعبودين غير الشياطين لأنهم ~~يرضون بما فعله المشركون من عبادتهم، ويمكن أن يكونوا من الشياطين، ويحمل ~~هذا الجحد منهم على أنهم لم يجبروهم على عبادتهم ولا أكرهوهم عليها (هنالك ~~تبلو كل نفس ما أسلفت) أي في ذلك المكان وفي ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت ~~على استعارة اسم الزمان للمكان تذوق كل نفس وتختبر جزاء ما أسلفت من العمل، ~~فمعنى (تبلو) تذوق وتختبر، وقيل تعلم، وقيل تتبع، وهذا على قراءة من قرأ " ~~تبلو " بالمثناة الفوقية بإسناد الفعل إلى كل نفس، وأما على قراءة من قرأ " ~~نبلو " بالنون، فالمعنى: أن الله يبتلى كل نفس ويختبرها، ويكون ما أسلفت ~~بدلا من كل نفس. والمعنى: أنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها. ~~قوله وردوا إلى الله مولاهم الحق) معطوف على (زيلنا)، والضمير في ردوا عائد ~~إلى الذين أشركوا: أي ردوا إلى جزائه، وما أعد لهم من عقابه، ومولاهم: ~~ربهم، والحق صفة له: أي الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات ~~الباطلة، وقرئ " الحق " بالنصب على المدح كقولهم الحمد لله أهل الحمد (وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون) أي ضاع وبطل ما كانوا يفترون من أن الآلهة التي لهم ~~حقيقة بالعبادة لتشفع لهم إلى الله وتقربهم إليه. # والحاصل أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق، ويعترفون به، ~~ويقرون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلها، ولكن حين لا ينفعهم ذلك. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فاختلط به نبات ~~الأرض) قال: اختلط فنبت بالماء كل لون (مما يأكل الناس) كالحنطة والشعير، ~~وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما تأكله الأنعام والبهائم من الحشيش ~~والمراعي. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن قتادة في قوله (وازينت) قال: أنبتت وحسنت، وفي قوله (كأن لم تغن ~~بالأمس) قال: كأن لم تعش كأن لم تنعم. # وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب وابن عباس ومروان بن ms1657 الحكم أنهم كانوا ~~يقرءون بعد قوله (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) وما كان الله ليهلكها إلا ~~بذنوب أهلها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه ~~كان يقرأ وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها (كذلك نفصل الآيات). وأخرج ابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن أبي مجلز قال: كان مكتوب في سورة يونس إلى حيث هذه ~~الآية (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) إلى (يتفكرون)، ولو أن لابن آدم واديين ~~من مال لتمني واديا ثالثا، ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله ~~على من تاب، فمحيت. وأخرج أبو نعيم والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس في قوله (والله يدعوا إلى دار السلام) يقول: يدعو إلى ~~عمل الجنة. والله: السلام، والجنة: داره. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في ~~قوله (ويهدي من يشاء) قال: يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات. ~~وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق ~~الله كلهم إلا الثقلين: # يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت ~~شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير ~~الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا - والليل إذا يغشى والنهار ~~إذا تجلى PageV02P440 # إلى قوله - للعسرى -. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ~~في الدلائل عن سعيد بن أبي هلال سمعت أبا جعفر محمد بن علي وتلا (والله ~~يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) فقال: # حدثني جابر قال " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما ~~فقال: إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول ms1658 ~~أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما ~~مثلك ومثل أمتك مثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيها مأدبة، ~~ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من ترك، ~~فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول، فمن ~~أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها " ~~وقد روى معنى هذا من طرق. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (والله يدعوا إلى دار السلام) قال: ذكر لنا أن في التوراة ~~مكتوبا: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر اتقه. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن ~~أنه كان إذا قرأ (والله يدعو إلى دار السلام) قال: لبيك ربنا وسعديك. وأخرج ~~أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ وغيرهم عن صهيب " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~تلا هذه الآية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، ~~وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا ~~الجنة، ويزحزحنا عن النار، قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما ~~أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم ". وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الرؤية وابن مردويه عن أبي موسى عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي ~~بصوت يسمعه أولهم وآخرهم: إن الله وعدكم الحسنى وزيادة " فالحسنى الجنة، ~~والزيادة النظر إلى وجه الرحمن. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في ~~الرؤية عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة) قال: الزيادة النظر إلى وجه الرحمن. وأخرج هؤلاء ~~والدارقطني وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب أنه ms1659 سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله سلم عن قوله (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) قال: الذين أحسنوا: أهل ~~التوحيد، والحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عمر مرفوعا نحوه. وأخرج أبو الشيخ والدارقطني وابن مردويه والخطيب ~~وابن النجار عن أنس مرفوعا نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الشيخ والدارقطني وابن ~~مردويه والبيهقي عن أبي بكر الصديق في الآية قال: الحسنى الجنة، والزيادة ~~النظر إلى وجه الله. وأخرج ابن مردويه من طريق الحرث عن علي بن أبي طالب في ~~الآية مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ~~والدارقطني والبيهقي عن حذيفة في الآية قال: الزيادة النظر إلى وجه الله. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني والبيهقي ~~عن أبي موسى نحوه. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق ~~عكرمة عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي عن ابن مسعود نحوه. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والبيهقي عن علي قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب غرفها ~~وأبوابها من لؤلؤة واحدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وزيادة) ~~قال: هو مثل قوله - ولدينا مزيد - يقول يجزيهم بعملهم، ويزيدهم من فضله. # وقال - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها -. وقد روى عن التابعين ومن بعدهم ~~روايات في تفسير الزيادة غالبها PageV02P441 # أنها النظر إلى وجه الله سبحانه. وقد ثبت التفسير بذلك من قول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فلم يبق حينئذ لقائل مقال، ولا التفات إلى ~~المجادلات الواقعة بين المتمذهبة الذين لا يعرفون من السنة المطهرة ما ~~ينتفعون به، فإنهم لو عرفوا ذلك لكفوا عن كثير من هذيانهم، والله المستعان. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا يرهق ~~وجوههم) قال لا يغشاهم (قتر) قال: ms1660 سواد الوجوه. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في ~~الآية قال: القتر سواد الوجه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ~~خزي. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) قال: بعد نظرهم إليه عز وجل. وأخرج أبو ~~الشيخ عن السدي في قوله (والذين كسبوا السيئات) قال: الذين عملوا الكبائر ~~(جزاء سيئة بمثلها) قال: # النار (كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما) القطع: السواد نسختها ~~الآية في البقرة - بلى من كسب سيئة - الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله (وترهقهم ذلة) قال: تغشاهم ذلة وشدة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عنه في قوله (ما لهم من الله من عاصم) يقول: من مانع. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ويوم نحشرهم) قال: ~~الحشر الموت. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله (فزيلنا ~~بينهم) قال: فرقنا بينهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد قال: تنصب الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، ~~فيقول: هؤلاء الذين كنتم تعبدون من دون الله؟ فيقولون نعم هؤلاء الذين كنا ~~نعبد، فتقول لهم الآلهة: والله ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل ولا نعلم ~~أنكم كنتم تعبدوننا، فيقولون: بلى والله لإياكم كنا نعبد، فتقول لهم الآلهة ~~(فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين) وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يمثل ~~لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله، فيتبعونهم حتى يؤدوهم النار، ~~ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) ". ~~وأخرج أبو الشيخ عن السدي (هنالك تبلو) يقول تتبع. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال (تبلو) تختبر. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ms1661 عن ابن زيد (تبلو) قال: تعاين (كل نفس ما أسلفت) ~~ما عملت (وضل عنهم ما كانوا يفترون) ما كانوا يدعون معه من الأنداد. وأخرج ~~أبو الشيخ عن السدي في قوله (وردوا إلى الله مولاهم الحق) قال: نسخها قوله ~~- الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم -. # سورة يونس الآية (31 - 34) PageV02P442 # سورة يونس الآية (35 - 41) لما بين فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج ~~الدامغة من أحوال الرزق والحواس والموت والحياة والابتداء والإعادة ~~والإرشاد والهدى، وبنى سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى ~~المسؤولين ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس، فقال (قل) يا محمد ~~للمشركين احتجاجا لحقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الشرك (من يرزقكم من ~~السماء والأرض) من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات والمعادن، فإن اعترفوا ~~حصل المطلوب، وإن لم يعترفوا فلا بد أن يعترفوا بأن الله هو الذي خلقهما ~~(أم من يملك السمع والأبصار) أم هي المنقطعة، وفي هذا انتقال من سؤال إلى ~~سؤال، وخص السمع والبصر بالذكر لما فيهما من الصنعة العجيبة والقدرة ~~الباهرة العظيمة: أي من يستطيع ملكهما وتسويتهما على هذه الصفة العجيبة ~~والخلقة الغريبة حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم، ويحصلون بهما من ~~الفوائد ما لا يدخل تحت حصر الحاصرين، ثم انتقل إلى حجة ثالثة، فقال ومن ~~يخرج الحي من الميت) الإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والنبات من ~~الحبة، أو المؤمن من الكافر ويخرج الميت من الحي) أي النطفة من الإنسان أو ~~الكافر من المؤمن، والمراد من هذا الاستفهام عمن يحيى ويميت ثم انتقل إلى ~~حجة رابعة، فقال (ومن يدبر الأمر) أي يقدره ويقضيه، وهذا من عطف العام على ~~الخاص لأنه قد عم ما تقدم وغيره (فسيقولون الله) أي سيكون قولهم في جواب ~~هذه الاستفهامات إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا ~~على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم، وارتفاع الاسم الشريف على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، أي الله يفعل ذلك، ثم أمره الله ~~سبحانه بعد ms1662 أن يجيبوا بهذا الجواب أن يقول لهم (أفلا تتقون) والاستفهام ~~للإنكار، والفاء للعطف على مقدر: أي تعلمون ذلك أفلا تتقون وتفعلون ما ~~يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال (فذلكم الله ربكم ~~الحق) أي فذلكم الذي يفعل هذه الأفعال هو ربكم المتصف بأنه الحق لا ما ~~جعلتموهم شركاء له، والاستفهام في قوله (فماذا بعد الحق إلا الضلال) ~~للتقريع والتوبيخ إن كانت ما استفهامية، لا إن كانت نافية كما يحتمله ~~الكلام، والمعنى: أي شئ بعد الحق إلا الضلال، فإن ثبوت ربوبية الرب سبحانه ~~حق بإقرارهم فكان غيره باطلا لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحدا في ذاته ~~PageV02P443 # وصفاته (فأنى تصرفون) أي كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر وتقعون في ~~الضلال إذ لا واسطة بينهما؟ # فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر، والاستفهام للإنكار والاستبعاد والتعجب ~~(كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) أي كما حق وثبت أن ~~الحق بعده الضلال أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق كذلك حقت كلمة ربك: أي ~~حكمه وقضاؤه على الذين فسقوا: أي خرجوا من الحق إلى الباطل وتمردوا في ~~كفرهم عنادا ومكابرة، وجملة (أنهم لا يؤمنون) بدل من الكلمة. قاله الزجاج: ~~أي حقت عليهم هذه الكلمة، وهي عدم إيمانهم، ويجوز أن تكون الجملة تعليلية ~~لما قبلها بتقدير اللام: أي لأنهم لا يؤمنون. وقال الفراء: إنه يجوز إنهم ~~لا يؤمنون بالكسر على الاستئناف، وقد قرأ نافع وابن عامر (كلمات ربك) ~~بالجمع. وقرأ الباقون بالافراد. قوله (قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده) أورد سبحانه في هذا حجة خامسة على المشركين، أمر نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يقولها لهم، وهم وإن كانوا لا يعترفون بالمعاد، لكنه لما كان ~~أمرا ظاهرا بينا، وقد أقام الأدلة عليه في هذه السورة على صورة لا يمكن ~~دفعها عند من أنصف ولم يكابر كان كالمسلم عندهم الذي لا جحد له ولا إنكار ~~فيه، ثم أمره سبحانه أن يقول لهم (قل الله يبدؤا الخلق ms1663 ثم يعيده فأنى ~~تؤفكون) أي هو الذي يفعل ذلك لا غيره وهذا القول الذي قاله النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن أمر الله سبحانه له هو نيابة عن المشركين في الجواب، إما ~~على طريق التلقين لهم وتعريفهم كيف يجيبون وإرشادهم إلى ما يقولون، وإما ~~لكون هذا المعنى قد بلغ في الوضوح إلى غاية لا يحتاج معها إلى إقرار الخصم ~~ومعرفة ما لديه، وإما لكون المشركين لا ينطقون بما هو الصواب في هذا الجواب ~~فرارا منهم عن أن تلزمهم الحجة أو أن يسجل عليهم بالعناد والمكابرة إن ~~حادوا عن الحق - ومعنى (فأنى تؤفكون) فكيف تؤفكون: أي تصرفون عن الحق ~~وتنقلبون منه إلى غيره. ثم أمره الله سبحانه أن يورد عليهم حجة سادسة فقال ~~(قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق) والاستفهام هاهنا، كالاستفهامات ~~السابقة، والاستدلال بالهداية بعد الاستدلال بالخلق وقع كثيرا في القرآن ~~كقوله - الذي خلقني فهو يهدين - وقوله - الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى - ~~وقوله - الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى - وفعل الهداية يجئ متعديا باللام ~~وإلى، وهما بمعنى واحد. روى ذلك عن الزجاج. والمعنى: قل لهم يا محمد هل من ~~شركائكم من يرشد إلى دين الإسلام ويدعو الناس إلى الحق؟ فإذا قالوا لا، فقل ~~لهم: الله يهدي للحق دون غيره، ودليل ذلك ما تقدم من الأدلة الدالة على ~~اختصاصه سبحانه بهذا، وهداية الله سبحانه لعباده إلى الحق هي بما نصبه لهم ~~من الآيات في المخلوقات، وإرساله للرسل وإنزاله للكتب، وخلقه لما يتوصل به ~~العباد إلى ذلك من العقول والأفهام والأسماع والأبصار، والاستفهام في قوله ~~(أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدى إلا أن يهدى) للتقرير ~~وإلزام الحجة. # وقد اختلف القراء في (لا يهدى) فقرأ أهل المدينة إلا نافعا " يهدى " بفتح ~~الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال فجمعوا في قراءتهم هذه بين ساكنين. قال ~~النحاس: والجمع بين ساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به. قال محمد بن يزيد: لا ~~بد لمن رام مثل هذا ms1664 أن يحرك حركه خفيفة إلى الكسر، وسيبويه يسمى هذا ~~اختلاسا. وقرأ أبو عمرو وقالون في رواية بين الفتح والإسكان. وقرأ ابن عامر ~~وابن كثير وورش وابن محيصن بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال النحاس هذه ~~القراءة بينة في العربية، والأصل فيها يهتدى، أدغمت التاء في الدال وقلبت ~~حركتها إلى الهاء. وقرأ حفص ويعقوب والأعمش مثل قراءة ابن كثير إلا أنهم ~~كسروا الهاء، قالوا لأن الكسر هو الأصل عند التقاء الساكنين. # وقرأ أبو بكر عن عاصم (يهدى) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال وذلك ~~للاتباع. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب (يهدى) بفتح الياء وإسكان ~~الهاء وتخفيف الدال من هدى يهدى. قال النحاس: وهذه القراءة لها PageV02P444 # وجهان في العربية، وإن كانت بعيدة: الأول أن الكسائي والفراء قالا: إن ~~يهدي بمعنى يهتدى. الثاني أن أبا العباس قال: إن التقدير أم من لا يهدي ~~غيره، ثم تم الكلام وقال بعد ذلك (إلا أن يهدى) أي لكنه يحتاج أن يهدى، فهو ~~استثناء منقطع كما تقول فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع: أي لكنه يحتاج أن ~~يسمع. والمعنى على القراءات المتقدمة: أفمن يهدى الناس إلى الحق، وهو الله ~~سبحانه أحق أن يتبع ويقتدى به، أم الأحق بأن يتبع ويقتدى به من لا يهتدى ~~بنفسه إلا أن يهديه غيره فضلا عن أن يهدى غيره؟ والاستثناء على هذا استثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال. # قوله (فما لكم كيف تحكمون) هذا تعجيب من حالهم باستفهامين متواليين: أي ~~أي شئ لكم كيف تحكمون باتخاذ هؤلاء شركاء لله، وكلا الاستفهامين للتقريع ~~والتوبيخ، وكيف في محل نصب بتحكمون، ثم بين سبحانه ما هؤلاء عليه في أمر ~~دينهم، وعلى أي شئ بنوه، وبأي شئ اتبعوا هذا الدين الباطل، وهو الشرك فقال ~~(وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا) وهذا كلام مبتدأ ~~غير داخل في الأوامر السابقة - والمعنى: ما يتبع هؤلاء المشركون في إشراكهم ~~بالله وجعلهم له أندادا إلا مجرد الظن والتخمين والحدس، ولم يكن ذلك عن ~~بصيرة، ms1665 بل ظن من ظن من سلفهم أن هذه المعبودات تقربهم إلى الله، وأنها تشفع ~~لهم، ولم يكن ظنه هذا لمستند قط، بل مجرد خيال مختل وحدس باطل، ولعل تنكير ~~الظن هنا للتحقير: أي إلا ظنا ضعيفا لا يستند إلى ما تستند إليه سائر ~~الظنون. وقيل المراد بالآية إنه ما يتبع أكثرهم في الإيمان بالله والإقرار ~~به إلا ظنا. والأول أولى. ثم أخبرنا الله سبحانه بأن مجرد الظن لا يغني من ~~الحق شيئا، لأن أمر الدين إنما يبنى على العلم، وبه يتضح الحق من الباطل، ~~والظن لا يقوم مقام العلم، ولا يدرك به الحق، ولا يغني عن الحق في شئ من ~~الأشياء، ويجوز انتصاب شيئا على المصدرية أو على أنه مفعول به، ومن الحق ~~حال منه والجملة مستأنفة لبيان شأن الظن وبطلانه (إن الله عليم بما يفعلون) ~~من الأفعال القبيحة الصادرة لا عن برهان. قوله (وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله) لما فرغ سبحانه من دلائل التوحيد وحججه شرع في تثبيت ~~أمر النبوة: أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشتمل على الحجج ~~البينة والبراهين الواضحة يفترى من الخلق من دون الله، وإنما هو من عند ~~الله عز وجل، وكيف يصح أن يكون مفترى، وقد عجز عن الإتيان بسورة منه القوم ~~الذين هم أفصح العرب لسانا وأدقهم أذهانا (ولكن) كان هذا القرآن (تصديق ~~الذي بين يديه) من الكتب المنزلة على الأنبياء، ونفس هذا التصديق معجزة ~~مستقلة، لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة، مع أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه ولا اتصل بمن له علم ~~بذلك، وانتصاب تصديق على أنه خبر لكان المقدرة بعد لكن، ويجوز أن يكون ~~انتصابه على العلية لفعل محذوف: أي لكن أنزله الله تصديق الذي بين يديه. ~~قال الفراء: ومعنى الآية، وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله - وما كان ~~لنبي أن يغل - وما كان المؤمنون لينفروا كافة. وقيل إن " أن " بمعنى ms1666 اللام: # أي وما كان هذا القرآن ليفترى، وقيل بمعنى لا: أي لا يفترى. قال الكسائي ~~والفراء: إن التقدير في قوله (ولكن تصديق) ولكن كان تصديق، ويجوز عندهما ~~الرفع أي ولكن هو تصديق، وقيل المعنى: ولكن القرآن تصديق (الذي بين يديه) ~~من الكتب: أي أنها قد بشرت به قبل نزوله فجاء مصدقا لها، وقيل المعنى: ولكن ~~تصديق النبي الذي بين يدي القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم ~~شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن. قوله وتفصيل الكتاب) عطف على قوله (ولكن ~~تصديق الذي بين يديه) فيجئ فيه الرفع والنصب على الوجهين المذكورين في ~~تصديق، والتفصيل: التبيين، أي يبين ما في كتب الله المتقدمة، والكتاب ~~للجنس، وقيل أراد ما بين في القرآن من الأحكام، فيكون المراد بالكتاب: ~~القرآن. قوله (لا ريب فيه) الضمير عائد إلى القرآن، وهو PageV02P445 # داخل في حكم الاستدراك خبر ثالث، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب ~~على الحال من الكتاب ويجوز أن تكون الجملة استئنافية لا محل لها، و (من رب ~~العالمين) خبر رابع: أي كائن من رب العالمين، ويجوز أن يكون حالا من ~~الكتاب، أو من ضمير القرآن في قوله (لا ريب فيه) أي كائنا من رب العالمين، ~~ويجوز أن يكون متعلقا بتصديق وتفصيل، وجملة (لا ريب فيه) معترضة. قوله (أم ~~يقولون افتراه) الاستفهام للإنكار عليهم مع تقرير ثبوت الحجة، وأم هي ~~المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة: أي بل أيقولون افتراه واختلقه. وقال أبو ~~عبيدة: أم بمعنى الواو: أي ويقولون افتراه، وقيل الميم زائدة، والتقدير: ~~أيقولون افتراه، والاستفهام للتقريع والتوبيخ. # ثم أمره الله سبحانه أن يتحداهم حتى يظهر عجزهم ويتبين ضعفهم فقال (قل ~~فأتوا بسورة مثله) أي إن كان الأمر كما تزعمون من أن محمدا افتراه فأتوا ~~أنتم على جهة الافتراء بسورة مثله في البلاغة، وجودة الصناعة، فأنتم مثله ~~في معرفة لغة العرب وفصاحة الألسن وبلاغة الكلام (وادعوا) بمظاهريكم ~~ومعاونيكم (من استطعتم) دعاءه والاستعانة به من قبائل العرب، ومن آلهتكم ~~التي تجعلونهم شركاء لله. ms1667 وقوله (من دون الله) متعلق بادعوا: # أي ادعوا من سوى الله من خلقه (إن كنتم صادقين) في دعواكم أن هذا القرآن ~~مفترى. # وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها وأظهرها للعقول، فإنهم لما ~~نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية، قال لهم: هذا الذي ~~نسبتموه إلي وأنا واحد منكم ليس عليكم إلا أن تأتوا وأنتم الجمع الجم بسورة ~~مماثلة لسورة من سوره، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على ~~كثرتهم وتباين مساكنهم، أو من غيرهم من بني آدم، أو من الجن، أو من ~~الأصنام، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي فأنتم صادقون فيما نسبتموه إلي ~~وألصقتموه بي. فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف والتنزل البالغ بكلمة ~~ولا نطقوا ببنت شفة، بل كاعوا عن الجواب وتشبثوا بأذيال العناد البارد ~~والمكابرة المجردة عن الحجة، وذلك مما لا يعجز عنه مبطل، ولهذا قال سبحانه ~~عقب هذا التحدي البالغ (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) فأضرب عن الكلام ~~الأول، وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل أن يتدبروه ~~ويفهموا معانيه وما اشتمل عليه، وهكذا صنع من تصلب في التقليد ولم يبال بما ~~جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف، بل يرده بمجرد كونه لم يوافق ~~هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه ويعلم مبناه، كما تراه ~~عيانا وتعلمه وجدانا. والحاصل أن من كذب بالحجة النيرة والبرهان الواضح قبل ~~أن يحيط بعلمه، فهو لم يتمسك بشئ في هذا التكذيب إلا مجرد كونه جاهلا لما ~~كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب مناديا على نفسه بالجهل بأعلى صوت، ~~ومسجلا بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل، وليس على الحجة ولا على من جاء ~~بها من تكذيبه شئ: # ما يبلغ الأعداء من جاهل * ما يبلغ الجاهل من نفسه قوله (ولما يأتهم ~~تأويله) معطوف على (لم يحيطوا بعلمه) أي بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وبما ~~لم يأتهم تأويله، أو هذه الجملة في محل نصب على ms1668 الحال: أي كذبوا به حال ~~كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به ولا بلغته عقولهم. # والمعنى: أن التكذيب منهم وقع قبل الإحاطة بعلمه، وقبل أن يعرفوا ما يئول ~~إليه من صدق ما اشتمل عليه من حكاية ما سلف من أخبار الرسل المتقدمين ~~والأمم السابقين، ومن حكايات ما سيحدث من الأمور المستقبلة التي أخبر عنها ~~قبل كونها، أو قبل أن يفهموه حق الفهم وتتعقله عقولهم، فإنهم لو تدبروه ~~كلية التدبر لفهموه كما ينبغي، وعرفوا ما اشتمل عليه من الأمور الدالة أبلغ ~~دلالة على أنه كلام الله، وعلى هذا فمعنى تأويله ما يئول إليه PageV02P446 # لمن تدبره من المعاني الرشيقة واللطائف الأنيقة، وكلمة التوقع أظهر في ~~المعنى الأول (كذلك كذب الذين من قبلهم) أي مثل ذلك التكذيب كذب الذين من ~~قبلهم من الأمم عند أن جاءتهم الرسل بحجج الله وبراهينه، فإنهم كذبوا به ~~قبل أن يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله (فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين) من الأمم السالفة من سوء العاقبة بالخسف والمسخ ونحو ذلك من ~~العقوبات التي حلت بهم كما حكى ذلك القرآن عنهم، واشتملت عليه كتب الله ~~المنزلة عليهم. قوله (ومنهم من يؤمن به) أي ومن هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن ~~من يؤمن به في نفسه ويعلم أنه صدق وحق، ولكنه كذب به مكابرة وعنادا: وقيل ~~المراد: ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن كذب به في الحال، والموصول ~~مبتدأ، وخبره منهم (ومنهم من لا يؤمن به) ولا يصدقه في نفسه، بل كذب به ~~جهلا كما مر تحقيقه، أو لا يؤمن به في المستقبل، بل يبقى على جحوده ~~وإصراره، وقيل الضمير في الموضعين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد قيل ~~إن هذا التقسيم خاص بأهل مكة، وقيل عام في جميع الكفار (وربك أعلم ~~بالمفسدين) فيجازيهم بأعمالهم، والمراد بهم: المصرون المعاندون، أو بكلا ~~الطائفتين، وهم الذين يؤمنون به في أنفسهم ويكذبون به في الظاهر، والذين ~~يكذبون به جهلا، أو الذين يؤمنون به في المستقبل، والذين لا يؤمنون به. ثم ~~أمر الله ms1669 سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول لهم إن أصروا على ~~تكذيبه واستمروا عليه (لي عملي ولكم عملكم) أي لي جزاء عملي ولكم جزاء ~~عملكم فقد أبلغت إليكم ما أمرت بإبلاغه، وليس علي غير ذلك، ثم أكد هذا ~~بقوله (أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون) أي لا تؤاخذون بعملي، ~~ولا أؤاخذ بعملكم. وقد قيل إن هذا منسوخ بآية السيف كما ذهب إليه جماعة من ~~المفسرين. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (كذلك حقت كلمة ~~ربك) يقول: سبقت كلمة ربك. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال: صدقت. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ~~(أم من لا يهدى إلا أن يهدى) قال: الأوثان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (وإن كذبوك فقل لي عملي) الآية، قال: ~~أمره بهذا ثم نسخه فأمره بجهادهم. # سورة يونس الآية (42 - 49) PageV02P447 # قوله (ومنهم من يستمعون) الخ بين الله سبحانه في هذا أن في أولئك الكفار ~~من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد، وهي أنهم يستمعون إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر، ولكنهم لا ~~يسمعون في الحقيقة لعدم حصول أثر السماع، وهو حصول القبول والعمل بما ~~يسمعونه ولهذا قال (أفأنت تسمع الصم) يعني أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر ~~فهم صم، والصمم مانع من سماعهم، فكيف تطمع منهم بذلك مع حصول المانع، وهو ~~الصمم، فكيف إذا انضم إلى ذلك أنهم لا يعقلون، فإن من كان أصم غير عاقل لا ~~يفهم شيئا ولا يسمع ما يقال له. وجمع الضمير في يستمعون حملا على معنى من، ~~وأفرده في (ومنهم من ينظر) حملا على لفظه. قيل والنكتة: كثرة المستمعين ~~بالنسبة إلى الناظرين، لأن الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر من ~~المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع، والنور الموافق لنور البصر، ~~والتقدير في ms1670 قوله (ومنهم من يستمعون - ومنهم من ينظر) ومنهم ناس يستمعون، ~~ومنهم بعض ينظر، والهمزتان في (أفأنت تسمع - أفأنت تهدى) للإنكار والفاء في ~~الموضعين للعطف على مقدر كأنه قيل أيستمعون إليك فأنت تسمعهم؟ أينظرون إليك ~~فأنت تهديهم؟ والكلام في (ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا ~~لا يبصرون) كالكلام في (ومنهم من يستمعون) الخ، لأن العمى مانع فكيف يطمع ~~من صاحبه في النظر. وقد انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي ~~له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال ~~فهما يقوم مقام النظر، وكذلك الأصم العاقل قد يتحدس تحدسا يفيده بعض فائدة، ~~بخلاف من جمع له بين عمى البصر والبصيرة فقد تعذر عليه الإدراك. وكذا من ~~جمع له بين الصمم وذهاب العقل فقد انسد عليه باب الهدى، وجواب لو في ~~الموضعين محذوف دل عليهما ما قبلهما، والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج ~~أصلا أعرض عنه واستراح من الاشتغال به. قوله (إن الله لا يظلم الناس شيئا ~~ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع ~~والأبصار لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل ~~والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، ~~والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك، ولم ~~يظلمهم الله شيئا من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به ~~أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم ~~الدنيوية عليهم، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية، فعلى نفسها براقش نجتى. ~~وقرأ حمزة والكسائي (ولكن النساء) بتخفيف النون ورفع الناس، وقرأ الباقون ~~بتشديدها ونصب الناس. قال النحاس: # زعم جماعة من النحويين منهم الفراء، أن العرب إذا قالت " ولكن " بالواو ~~شددوا النون، وإذا حذفوا الواو خففوها. قيل والنكتة في وضع الظاهر ms1671 موضع ~~المضمر زيادة التعيين والتقرير، وتقديم المفعول على الفعل لإفادة القصر، أو ~~لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة. قوله (ويوم نحشرهم) الظرف منصوب بمضمر: ~~أي واذكر يوم نحشرهم (كأن لم يلبثوا) أي كأنهم لم يلبثوا، والجملة في محل ~~نصب على الحال: أي مشبهين من لم يلبث (إلا ساعة من النهار) أي شيئا قليلا ~~منه، والمراد باللبث هو اللبث في الدنيا، وقيل في القبور، استقلوا المدة ~~الطويلة إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا، فجعلوا وجودها كالعدم، أو ~~استقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في المحشر، أو لشدة ما هم فيه من ~~العذاب نسوا لذات الدنيا وكأنها لم تكن، ومثل هذا قولهم - لبثنا يوما أو ~~بعض يوم - وجملة (يتعارفون بينهم) في محل نصب على الحال، أو مستأنفة. ~~والمعنى: يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا، وذلك عند خروجهم من ~~القبور، ثم تنقطع التعاريف لما بين أيديهم من الأمور المدهشة PageV02P448 # للعقول المذهلة للأفهام. وقيل إن هذا التعارف هو تعارف التوبيخ والتقريع، ~~يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتني وأغويتني لا تعارف شفقة ورأفة كما قال تعالى ~~- ولا يسأل حميم حميما - وقوله - فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتساءلون - فيجمع بأن المراد بالتعارف، هو تعارف التوبيخ، وعليه يحمل ~~قوله - ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول -، ~~وقد جمع بين الآيات المختلفة في مثل هذا وغيره بأن المواقف يوم القيامة ~~مختلفة فقد يكون في بعض المواقف ما لا يكون في الآخر (قد خسر الذين كذبوا ~~بلقاء الله وما كانوا مهتدين) هذا تسجيل من الله سبحانه عليهم بالخسران، ~~والجملة في محل نصب على الحال، والمراد بلقاء الله يوم القيامة عند الحساب ~~والجزاء، ونفى عنهم أن يكونوا من جنس المهتدين لجهلهم وعدم طلبهم لما ~~ينجيهم وينفعهم. # قوله (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) أصله إن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى ~~الشرط وزيدت نون التأكيد، والمعنى إن حصلت منا الإراءة لك بعض الذي وعدناهم ~~من إظهار دينك في حياتك بقتلهم وأسرهم، وجواب الشرط ms1672 محذوف، والتقدير فتراه، ~~أو فذلك، وجملة (أو نتوفينك) معطوفة على ما قبلها، والمعنى: أو لا نرينك ~~ذلك في حياتك بل نتوفينك قبل ذلك (فإلينا مرجعهم) فعند ذلك نعذبهم في ~~الآخرة فنريك عذابهم فيها، وجواب (أو نتوفينك) محذوف أيضا، والتقدير: أو ~~نتوفينك قبل الإراءة فنحن نريك ذلك في الآخرة، وقيل إن جواب (أو نتوفينك) ~~هو قوله (فإلينا مرجعهم) لدلالته على ما هو المراد من إراءة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم تعذيبهم في الآخرة، وقيل العدول إلى صيغة المستقبل في ~~الموضعين لاستحضار الصورة، والأصل أريناك أو توفيناك، وفيه نظر فإن إراءته ~~صلى الله عليه وآله وسلم لبعض ما وعد الله المشركين من العذاب لم تكن قد ~~وقعت كالوفاة. # وحاصل معنى هذه الآية: إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا منهم آجلا. وقد ~~أراه الله سبحانه قتلهم وأسرهم وذلهم وذهاب عزهم وانكسار سورة كبرهم بما ~~أصابهم به في يوم بدر وما بعده من المواطن، فلله الحمد. قوله (ثم الله شهيد ~~على ما يفعلون) جاء بثم الدالة على التبعيد مع كون الله سبحانه شهيدا على ~~ما يفعلونه في الدارين للدلالة على أن المراد بهذه الأفعال ما يترتب عليها ~~من الجزاء أو ما يحصل من إنطاق الجوارح بالشهادة عليهم يوم القيامة، فجعل ~~ذلك بمنزلة شهادة الله عليهم كما ذكره النيسابوري (ولكل أمة) من الأمم ~~الخالية في وقت من الأوقات (رسول) يرسله الله إليهم، ويبين لهم ما شرعه ~~الله لهم من الأحكام على حسب ما تقتضيه المصلحة (فإذا جاء رسولهم) إليهم ~~وبلغهم ما أرسله الله به فكذبوه جميعا (قضى بينهم) أي بين الأمة ورسولها ~~(بالقسط) أي العدل فنجا الرسول وهلك المكذبون له كما قال سبحانه - وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا - ويجوز أن يراد بالضمير في بينهم الأمة على تقدير ~~أنه كذبه بعضهم وصدقه البعض الآخر، فيهلك المكذبون وينجو المصدقون (وهم لا ~~يظلمون) في ذلك القضاء فلا يعذبون بغير ذنب، ولا يؤاخذون بغير حجة، ومنه ~~قوله تعالى - وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم - وقوله - فكيف إذا جئنا ms1673 من ~~كل أمة شهيد - والمراد المبالغة في إظهار العدل والنصفة بين العباد، ثم ذكر ~~سبحانه شبهة أخرى من شبه الكفار، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان كلما هددهم بنزول العذاب كانوا (يقولون متى هذا الوعد) والاستفهام منهم ~~للإنكار والاستبعاد وللقدح في النبوة (إن كنتم صادقين) خطابا منهم للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، ~~ويحتمل أن يراد بالقائلين هذه المقالة جميع الأمم الذين لم يسلموا لرسلهم ~~الذين أرسلهم الله إليهم، ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم بما يحسم ~~مادة الشبهة ويقطع اللجاج فقال (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا) أي لا أقدر ~~على جلب نفع لها ولا دفع ضر عنها، فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري، وقدم ~~الضر، لأن السياق لإظهار العجز PageV02P449 # عن حضور الوعد الذي استعجلوه واستبعدوه، والاستثناء في قوله (إلا ما شاء ~~الله) منقطع كما ذكره أئمة التفسير أي ولكن ما شاء الله من ذلك كان، فكيف ~~أقدر على أن أملك لنفسي ضرا أو نفعا. وفي هذه أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ~~ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستغاثة به ~~عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك من صار ~~يطلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله ~~سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع ~~المخلوقين ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من ~~الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب ~~لرب الأرباب القادر على كل شئ الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك بما في ~~هذه الآية موعظة، فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول ~~لعباده: لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ~~ممن رتبته دون رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلا عن ms1674 أن يملكه ~~لغيره، فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق ~~الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل؟ كيف لا ~~يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى ~~لا إله إلا الله، ومدلول - قل هو الله أحد -؟ وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم ~~على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى ~~الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه ~~هو الخالق الرازق المحيى المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء ~~لهم عند الله ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، ~~وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه ~~والله ناصر دينه ومطهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد توسل ~~الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقربه عينه وينثلج به صدره من كفر ~~كثير من هذه الأمة المباركة - وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - إنا لله وإنا ~~إليه راجعون - ثم بين سبحانه أن لكل طائفة حدا محدودا لا يتجاوزونه فلا وجه ~~لاستعجال العذاب فقال (لكل أمة أجل) فإذا جاء ذلك الوقت أنجز وعده وجازى ~~كلا بما يستحقه. والمعنى: أن لكل أمة ممن قضى بينهم وبين رسولهم، أو بين ~~بعضهم البعض أجلا معينا ووقتا خاصا يحل بهم ما يريده الله سبحانه لهم عند ~~حلوله (إذا جاء أجلهم) أي ذلك الوقت المعين، والضمير راجع إلى كل أمة (فلا ~~يستأخرون) عن ذلك الأجل المعين (ساعة) أي شيئا قليلا من الزمان (ولا ~~يستقدمون) عليه، وجملة لا يستقدمون معطوفة على جملة لا يستأخرون، ومثله ~~قوله تعالى - ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون - والكلام على هذه الآية ~~المذكورة هنا قد تقدم في تفسير الآية التي في أول الأعراف فلا نعيده. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله (يتعارفون بينهم) ~~قال: يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه لا ms1675 يستطيع أن يكلمه. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وإما نرينك) الآية. # قال: سوء العذاب في حياتك (أو نتوفينك) قبل (فإلينا مرجعهم) وفي قوله ~~(ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم) قال: يوم القيامة. # سورة يونس الآية (50 - 51) PageV02P450 # سورة يونس الآية (52 - 58) قوله (قل أرأيتم ان أتاكم عذابه) هذا منه ~~سبحانه تزييف لرأي الكفار في استعجال العذاب بعد التزييف الأول: أي أخبروني ~~إن أتاكم عذاب الله (بياتا) أي وقت بيات، والمراد به الوقت الذي يبيتون فيه ~~وينامون ويغفلون عن التحرز، والبيات بمعنى التبييت اسم مصدر كالسلام بمعنى ~~التسليم، وهو منتصب على الظرفية، وكذلك نهارا: أي وقت الاشتغال بطلب المعاش ~~والكسب، والضمير في منه راجع إلى العذاب، وقيل راجع إلى الله، والاستفهام ~~في (ماذا يستعجل منه المجرمون) للإنكار المتضمن للنهي كما في قوله - أتى ~~أمر الله فلا تستعجلوه - ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم أن العذاب مكروه ~~تنفر منه القلوب وتأباه الطبائع فما المقتضى لاستعجالهم له؟ # والجملة المصدرة بالاستفهام جواب الشرط بحذف الفاء، وقيل إن الجواب ~~محذوف، والمعنى: تندموا على الاستعجال. أو تعرفوا الخطأ منكم فيه، وقيل إن ~~الجواب قوله (أثم إذا ما وقع) وتكون جملة (ماذا يستعجل منه المجرمون) ~~اعتراضا، والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم ~~الإيمان. والأول أولى. وإنما قال يستعجل منه المجرمون ولم يقل يستعجلون منه ~~للدلالة على ما يوجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام، لأن من حق المجرم أن يخاف ~~من العذاب بسبب إجرامه، فكيف يستعجله؟ كما يقال لمن يستوخم أمرا إذا طلبه: ~~ماذا تجني على نفسك. وحكى النحاس عن الزجاج أن الضمير في (منه) إن عاد إلى ~~العذاب كان لك في (ماذا) تقديران: # أحدهما أن تكون ما في موضع رفع بالابتداء، وذا بمعنى الذي، وهو خبر ما، ~~والعائد محذوف. والتقدير الآخر أن يكون (ماذا) اسما واحدا في موضع رفع ~~بالابتداء، والخبر ما بعده، وإن جعل الضمير في (منه) عائدا إلى الله تعالى ~~كان (ماذا) شيئا واحدا في موضع ms1676 نصب بيستعجل، والمعنى: أي شئ يستعجل منه ~~المجرمون: أي من الله عز وجل. ودخول الهمزة الاستفهامية في (أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به) على ثم كدخولها على الواو والفاء. # وهي لإنكار إيمانهم حيث لا ينفع الإيمان وذلك بعد نزول العذاب وهو يتضمن ~~معنى التهويل عليهم وتفظيع ما فعلوه في غير وقته مع تركهم له في وقته الذي ~~يحصل به النفع والدفع. وهذه الجملة داخلة تحت القول المأمور به وجئ بكلمة ~~ثم التي للتراخي دلالة على الاستبعاد، وجئ بإذا مع زيادة ما للتأكيد دلالة ~~على تحقق وقوع الإيمان منهم في غير وقته ليكون في ذلك زيادة استجهال لهم، ~~والمعنى: أبعد ما وقع عذاب الله عليكم، وحل بكم سخطه PageV02P451 # وانتقامه آمنتم حين لا ينفعكم هذا الإيمان شيئا، ولا يدفع عنكم ضرا، وقيل ~~إن هذه الجملة ليست داخلة تحت القول المأمور به، وأنها من قول الملائكة ~~استهزاء بهم، وإزراء عليهم. والأول أولى. وقيل إن ثم ها هنا هي بفتح الثاء ~~فتكون ظرفية بمعنى هناك. والأول أولى. قوله (الآن وقد كنتم به تستعجلون) ~~قيل هو استئناف بتقدير القول غير داخل تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم: أي قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب: ~~الآن آمنتم به وقد كنتم به تستعجلون: أي بالعذاب تكذيبا منكم واستهزاء، لأن ~~استعجالهم كان على جهة التكذيب والاستهزاء، ويكون المقصود بأمره صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يقول لهم هذا القول التوبيخ لهم والاستهزاء بهم والإزراء ~~عليهم، وجملة (وقد كنتم به تستعجلون) في محل نصب على الحال، وقرئ " الآن " ~~بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام. قوله (ثم قيل للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب الخلد) معطوف على الفعل المقدر، قيل الآن، والمراد منه: ~~التقريع والتوبيخ لهم: أي قيل للذين ظلموا أنفسهم بالكفر وعدم الإيمان: # إن هذا الذي تطلبونه ضرر محض، عار عن النفع من كل وجه، والعاقل لا يطلب ~~ذلك، ويقال لهم على سبيل الإهانة لهم: ذوقوا عذاب الخلد: أي ms1677 العذاب الدائم ~~الذي لا ينقطع، والقائل لهم هذه المقالة والتي قبلها قيل هم الملائكة الذين ~~هم خزنة جهنم، ولا يبعد أن يكون القائل لذلك هم الأنبياء على الخصوص، أو ~~المؤمنون على العموم (هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) في الحياة من الكفر ~~والمعاصي، والاستفهام للتقرير، وكأنه يقال لهم هذا القول عن استغاثتهم من ~~العذاب وحلول النقمة. ثم حكى الله سبحانه عنهم بعد هذه البيانات البالغة، ~~والجوابات عن أقوالهم الباطلة: أنهم استفهموا تارة أخرى عن تحقق العذاب، ~~فقال (ويستنبئونك أحق هو) أي يستخبرونك عن جهة الاستهزاء منهم والإنكار أحق ~~ما تعدنا به من العذاب في العاجل والآجل، وهذا السؤال منهم جهل محض، وظلمات ~~بعضها فوق بعض، فقد تقدم ذكره عنهم مع الجواب عليه، فصنيعهم في هذا التكرير ~~صنيع من لا يعقل ما يقول ولا ما يقال له، وقيل المراد بهذا الاستخبار منهم ~~هو عن حقية القرآن، وارتفاع حق على أنه خبر مقدم، والمبتدأ هو الضمير الذي ~~بعده، وتقديم الخبر للاهتمام، أو هو مبتدأ، والضمير مرتفع به ساد مسد ~~الخبر، والجملة في موضع نصب بيستنبئونك، وقرئ " آلحق هو " على أن اللام ~~للجنس، فكأنه قيل أهو الحق لا الباطل. # قوله (قل إي وربي إنه لحق) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقول لهم هذه المقالة جوابا عن استفهامهم الخارج مخرج الاستهزاء: ~~أي قل لهم يا محمد غير ملتفت إلى ما هو مقصودهم من الاستهزاء: إي وربي إنه ~~لحق: أي نعم وربي إن ما أعدكم به من العذاب لحق ثابت كائن لا محالة. وفي ~~هذا الجواب تأكيد من وجوه: # الأول القسم مع دخول الحرف الخاص بالقسم الواقع موقع نعم، الثاني دخول إن ~~المؤكدة، الثالث اللام في لحق، الرابع اسمية الجملة، وذلك يدل على أنهم قد ~~بلغوا في الإنكار والتمرد إلى الغاية التي ليس وراءها غاية، ثم توعدهم بأشد ~~توعد، ورهبهم بأعظم ترهيب، فقال (وما أنتم بمعجزين) أي فائتين العذاب ~~بالهرب والتحيل الذي لا ينفع والمكابرة التي لا تدفع من قضاء ms1678 الله شيئا، ~~وهذه الجملة إما معطوفة على جملة جواب القسم، أو مستأنفة لبيان عدم خلوصهم ~~من عذاب الله بوجه من الوجوه، ثم زاد في التأكيد، فقال (ولو أن لكل نفس ~~ظلمت ما في الأرض لافتدت به) أي ولو أن لكل نفس من الأنفس المتصفة بأنها ~~ظلمت نفسها بالكفر بالله وعدم الإيمان به ما في الأرض من كل شئ من الأشياء ~~التي تشتمل عليها من الأموال النفيسة والذخائر الفائقة لافتدت به: أي جعلته ~~فدية لها من العذاب، ومثله قوله تعالى - إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~فلن يقبل من أحد ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به - وقد تقدم قوله (وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب) الضمير راجع إلى الكفار الذين سياق الكلام معهم ~~PageV02P452 # وقيل راجع إلى الأنفس المدلول عليها بكل نفس. ومعنى أسروا: أخفوا: أي لم ~~يظهروا الندامة بل أخفوها لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب عقولهم، ~~وذهب بتجلدهم، ويمكن أنه بقي فيهم وهم على تلك الحالة عرق ينزعهم إلى ~~العصبية التي كانوا عليها في الدنيا، فأسروا الندامة لئلا يشمت بهم ~~المؤمنون، وقيل أسرها الرؤساء فيما بينهم دون أتباعهم خوفا من توبيخهم لهم ~~لكونهم هم الذين أضلوهم وحالوا بينهم وبين الإسلام، ووقوع هذا منهم كان عند ~~رؤية العذاب، وأما بعد الدخول فيه فهم الذين - قالوا ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا - وقيل معنى أسروا: أظهروا، وقيل وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم، لأن ~~الندامة لا يمكن إظهارها، ومنه قول كثير: # فأسررت الندامة يوم نادى * برد جمال عاضرة المنادى وذكر المبرد في ذلك ~~وجهين: الأول أنها بدت في وجوههم أسرة الندامة، وهي الانكسار، واحدها سرار، ~~وجمعها أسارير، والثاني ما تقدم، وقيل معنى (أسروا الندامة) أخلصوها، لأن ~~إخفاءها إخلاصها، و (لما) في قوله (لما رأوا العذاب) ظرف بمعنى حين منصوب ~~بأسروا، أو حرف شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه (وقضى بينهم بالقسط) ~~أي قضى الله بين المؤمنين وبين الكافرين أو بين الرؤساء والأتباع، أو بين ~~الظالمين من الكفار والمظلومين، وقيل معنى القضاء بينهم: إنزال ms1679 العقوبة ~~عليهم، والقسط: العدل، وجملة (وهم لا يظلمون) في محل نصب على الحال: أي لا ~~يظلمهم الله فيما فعله بهم من العذاب الذي حل بهم فإنه بسبب ما كسبوا، ~~وجملة (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) مسوقة لتقرير كمال قدرته لأن من ~~ملك ما في السماوات والأرض تصرف به كيف يشاء، وغلب غير العقلاء لكونهم أكثر ~~المخلوقات. قيل لما ذكر سبحانه افتداء الكفار بما في الأرض لو كان لهم ذلك ~~بين أن الأشياء كلها لله، وليس لهم شئ يتمكنون من الافتداء به، وقيل لما ~~أقسم على حقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يصحب ذلك ~~بدليل البرهان البين بأن ما في العالم على اختلاف أنواعه ملكه يتصرف به كيف ~~يشاء، وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه تنبيه للغافلين، وإيقاظ للذاهلين، ثم ~~أكد ما سبق بقوله (ألا إن وعد الله حق) أي كائن لا محالة، وهو عام يندرج ~~فيه ما استعجلوه من العذاب اندراجا أوليا، وتصدير الجملة بحرف التنبيه كما ~~قلنا في التي قبلها مع الدلالة على تحقق مضمون الجملتين (ولكن أكثر الناس) ~~أي الكفار (لا يعلمون) ما فيه صلاحهم فيعملون به، وما فيه فسادهم فيجتنبونه ~~(هو يحيى ويميت) يهب الحياة ويسلبها (وإليه ترجعون) في الدار الآخرة فيجازى ~~كلا بما يستحقه، ويتفضل على من يشاء من عباده. قوله (يا أيها الناس قد ~~جاءتكم موعظة من ربكم) يعني القرآن فيه ما يتعظ به من قرأه وعرف معناه، ~~والواعظ في الأصل: هو التذكير بالعواقب سواء كان بالترغيب أو الترهيب، ~~والواعظ هو كالطبيب ينهى المريض عما يضره، ومن في (من ربكم) متعلقة بالفعل، ~~وهو جاءتكم، فتكون ابتدائية، أو متعلقة بمحذوف، فتكون تبعيضية (وشفاء لما ~~في الصدور) من الشكوك التي تعتري بعض المرتابين لوجود ما يستفاد منه فيه من ~~العقائد الحقة، واشتماله على تزييف العقائد الباطلة، والهدى: الإرشاد لمن ~~اتبع القرآن وتفكر فيه وتدبر معانيه إلى الطريق الموصلة إلى الجنة، ~~والرحمة: هي ما يوجد في الكتاب العزيز من الأمور التي ms1680 يرحم الله بها عباده، ~~فيطلبها من أراد ذلك حتى ينالها، فالقرآن العظيم مشتمل على هذه الأمور، ثم ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل الخطاب معه بعد خطابا للناس ~~على العموم، فقال (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) المراد بالفضل من ~~الله سبحانه: هو تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحيط به الحصر، ~~والرحمة: رحمته لهم. وروى عن ابن عباس أنه قال فضل الله القرآن، ورحمته: ~~الإسلام. وروى عن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة أن فضل الله: الإيمان، ~~ورحمته: القرآن PageV02P453 # والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم، ويدخل في ذلك ما في القرآن منهما ~~دخولا أوليا، وأصل الكلام: قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم حذف هذا ~~الفعل لدلالة الثاني في قوله (فبذلك فليفرحوا) عليه، قيل والفاء في هذا ~~الفعل المحذوف داخله في جواب شرط مقدر كأنه قيل: إن فرحوا بشئ فليخصوا فضل ~~الله ورحمته بالفرح. # وتكرير الباء في برحمته للدلالة على أن كل واحد من الفضل والرحمة سبب ~~مستقل في الفرح، والفرح: هو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب، وقد ذم ~~الله سبحانه الفرح في مواطن كقوله - لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين - ~~وجوزه في قوله - فرحين بما آتاهم الله من فضله - وكما في هذه الآية، ويجوز ~~أن تتعلق الباء في " بفضل الله وبرحمته " بقوله (جاءتكم)، والتقدير: جاءتكم ~~موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك: أي فبمجيئها فليفرحوا، وقرأ يزيد بن ~~القعقاع ويعقوب " فلتفرحوا " بالفوقية، وقرأ الجمهور بالتحتية، والضمير في ~~" هو خير " راجع إلى المذكور من الفضل والرحمة، أو إلى المجئ على الوجه ~~الثاني، أو إلى اسم الإشارة في قوله (فبذلك) والمعنى: أن هذا خير لهم مما ~~يجمعونه من خطام الدنيا. وقد قرئ بالتاء الفوقية في (يجمعون) مطابقة ~~للقراءة بها في (فلتفرحوا). وقد تقرر في العربية أن لام الأمر تحذف مع ~~الخطاب إلا في لغة قليلة جاءت هذه القراءة عليها، وقرأ الجمهور بالمثناة ~~التحتية في يجمعون كما قرأوا في فليفرحوا. وروى عن ابن عامر أنه قرأ ~~بالفوقية في يجمعون، ms1681 والتحتية في فلتفرحوا. # وقد أخرج الطبراني وأبو الشيخ عن أبي الأحوص قال: جاء رجل إلى عبد الله ~~بن مسعود فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فوصف له الخمر، فقال: سبحان الله! ما ~~جعل الله في رجس شفاء، إنما الشفاء في شئ من القرآن والعسل، فهما شفاء لما ~~في الصدور وشفاء للناس. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال " إن الله جعل القرآن ~~شفاء لما في الصدور، ولم يجعله شفاء لأمراضكم ". وأخرج ابن المنذر وابن ~~مردويه عن أبي سعيد الخدري قال " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: إني أشتكي صدري، فقال: اقرأ القرآن، يقول الله: شفاء لما في ~~الصدور ". وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع أن رجلا شكا ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجع حلقه قال: " عليك بقراءة القرآن ~~والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء ". وأخرج أبو ~~داود والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي قال: أقرأني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالتاء يعني الفوقية، وقد روى نحو هذا من غير هذه الطريق. ~~وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم (قل بفضل الله وبرحمته) قال: بفضل الله القرآن، وبرحمته أن جعلكم من ~~أهله. وأخرج الطبراني في الأوسط عن البراء مثله من قوله. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~المنذر والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: بكتاب الله وبالإسلام. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عنه قال: فضله الإسلام، ~~ورحمته القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي عنه أيضا قال: بفضل الله القرآن، وبرحمته حين جعلهم من أهله. وقد ~~روى عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدمة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس هو ms1682 خير مما يجمعون من الأموال والحرث والأنعام. # سورة يونس الآية (59) PageV02P454 # سورة يونس الآية (60 - 64) أشار سبحانه بقوله (قل أرأيتم ما أنزل الله) ~~الخ إلى طريق أخرى غير ما تقدم في إثبات النبوة، وتقرير ذلك ما حاصله أنكم ~~تحكمون بتحليل البعض وتحريم البعض، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو مهجور ~~باتفاق العقلاء مسلمهم وكافرهم، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله فيكم وفيما ~~رزقكم فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله، ولا طريق يتبين بها الحلال ~~من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، ومعنى أرأيتم: ~~أخبروني، و (ما) في محل نصب بأرأيتم المتضمن لمعنى أخبروني - وقيل إن " ما ~~" في محل الرفع بالابتداء وخبرها " آلله أذن لكم " و " قل " في قوله (قل ~~آلله أذن لكم) تكرير للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر في محل ~~نصب بأرأيتم والمعنى: أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا، آلله أذن لكم في تحليله وتحريمه (أم على الله تفترون) وعلى ~~الوجهين، فمن في منه حراما للتبعيض، والتقدير: فجعلتم بعضه حراما وجعلتم ~~بعضه حلالا وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام حسبما سبق حكاية ذلك عنهم في ~~الكتاب العزيز، ومعنى إنزال الرزق: كون المطر ينزل من جهة العلو، وكذلك ~~يقضى الأمر في أرزاق العباد في السماء على ما قد ثبت في اللوح المحفوظ من ~~ذكره سبحانه وتعالى لكل شئ فيه. وروى عن الزجاج أن " ما " في موضع نصب ~~بأنزل - وأنزل بمعنى خلق كما قال - وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج - ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد - وعلى هذا القول والقول الأول يكون قوله (قل ~~آلله أذن لكم) مستأنفا، قيل ويجوز أن تكون الهمزة في (آلله أذن لكم) ~~للإنكار، وأم منقطعة بمعنى: # بل أتفترون على الله، وإظهار الاسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على ~~كمال الافتراء. وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء ~~لعباد الله في شريعته، بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه، مع كونهم من ~~المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله، ولا ms1683 يفهمونها ولا يدرون ما هي، ومبلغهم ~~من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، وجعلوه شارعا ~~مستقلا، ما عمل به من الكتاب والسنة فهو المعمول به عندهم، وما لم يبلغه أو ~~بلغه ولم يفهمه حق فهمه، أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه، فهو في ~~حكم المنسوخ عندهم المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبدا بهذه ~~الشريعة كما هم متعبدون بها ومحكوما عليه بأحكامها كما هو محكوم عليهم بها، ~~وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه. وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما ~~الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة، ودليلا معمولا به، وقد ~~أخطئوا في هذا خطأ بينا، وغلطوا غلطا فاحشا، فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد ~~رأيه يخصه وحده، ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره ~~أن يعمل به تقليدا له واقتداء به، وما جاء به المقلدة في تقوم هذا الباطل، ~~فهو من الجهل العاطل، اللهم كما PageV02P455 # رزقتنا من العلم ما نميز به بين الحق والباطل، فارزقنا من الإنصاف ما ~~نظفر عنده بما هو الحق عندك يا واهب الخير. # ثم قال (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة) أي أي شئ ظنهم ~~في هذا اليوم، وما يصنع بهم فيه، وهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة لتعظيم ~~الوعيد لهم غير داخلة تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقوله لهم، بل مبتدأة مسوقة لبيان ما سيحل بهم من عذاب الله، و " ~~يوم القيامة " منصوب بالظن، وذكر الكذب بعد الافتراء، مع أن الافتراء لا ~~يكون إلا كذبا لزيادة التأكيد. وقرأ عيسى بن عمر " وما ظن " على أنه فعل ~~(إن الله لذو فضل على الناس) يتفضل عليهم بأنواع النعم في الدنيا والآخرة ~~(ولكن أكثرهم لا يشكرون) الله على نعمه الواصلة إليهم منه سبحانه في كل وقت ~~من الأوقات، وطرفة من الطرفات. قوله (وما تكون في شأن) الخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وما نافية، ms1684 والشأن: الأمر بمعنى القصد، وأصله ~~الهمز، وجمعه شؤون. قال الأخفش: تقول العرب: ما شأنت شأنه: أي ما عملت عمله ~~(وما تتلوا منه من قرآن) قال الفراء والزجاج: الضمير في منه يعود على ~~الشأن، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف: أي تلاوة كائنة منه، إذ التلاوة ~~للقرآن من أعظم شؤونه صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: أنه يتلو من أجل ~~الشأن الذي حدث القرآن فيعلم كيف حكمه، أو يتلو القرآن الذي ينزل في ذلك ~~الشأن. وقال ابن جرير الطبري: الضمير عائد في منه إلى الكتاب: أي ما يكون ~~من كتاب الله من قرآن، وأعاده تفخيما له كقوله - إني أنا الله -، والخطاب ~~في (ولا تعملون من عمل) لرسول الله وللأمة، وقيل الخطاب لكفار قريش (إلا ~~كنا عليهم شهودا) استثناء مفرغ من أعم الأحوال للمخاطبين: أي شهودا عليكم ~~بعمله منكم، والضمير. في فيه من قوله (تفيضون فيه) عائد على العمل، يقال: ~~أفاض فلان في الحديث والعمل: إذا اندفع فيه. وقال الضحاك: الضمير في فيه ~~عائد على القرآن، والمعنى: إذ تشيعون في القرآن الكذب. قوله (وما يعزب عن ~~ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) قرأ الكسائي " يعزب " بكسر ~~الزاي، وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان فصيحتان، ومعنى يعزب: يغيب، وقيل ~~يبعد. # وقال ابن كيسان: يذهب، وهذه المعاني متقاربة، ومن في (من مثقال) زائدة ~~للتأكيد: أي وما يغيب عن ربك وزن ذرة: أي نملة حمراء، وعبر بالأرض والسماء ~~مع أنه سبحانه لا يغيب عنه شئ لا فيهما ولا فيما هو خارج عنهما، لأن الناس ~~لا يشاهدون سواهما وسوى ما فيهما من المخلوقات، وقدم الأرض على السماء ~~لأنها محل استقرار العالم فهم يشاهدون ما فيها من قرب، والواو في (ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر) للعطف على لفظ مثقال، وانتصبا لكونهما ممتنعين، ويجوز أن ~~يكون العطف على ذرة، وقيل انتصابهما بلا التي لنفي الجنس، والواو ~~للاستئناف، وليس من متعلقات وما يعزب، وخبر لا (إلا في كتاب) والمعنى: ولا ~~أصغر من مثقال الذرة ولا أكبر منه ms1685 إلا وهو في كتاب مبين فكيف يغيب عنه؟ ~~وقرأ يعقوب وحمزة برفع أصغر وأكبر، ووجه ذلك أنه معطوف على محل من مثقال، ~~ومحله الرفع، وقد أورد على توجيه النصب والرفع على العطف على لفظ مثقال ~~ومحله، أو على لفظ ذرة إشكال، وهو أنه يصير تقدير الآية: لا يعزب عنه شئ في ~~الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشئ الذي في ~~الكتاب خارجا عن علم الله وهو محال. وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن الأشياء ~~المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة ~~والسماوات والأرض، وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون ~~والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسلة العلية عن مرتبة ~~الأول، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده سبحانه شئ في الأرض ~~ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه صورة تلك المعلومات، والغرض: ~~الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزئيات. وأجيب أيضا بأن PageV02P456 # الاستثناء منقطع: أي لكن هو في كتاب مبين. وذكر أبو علي الجرجاني أن إلا ~~بمعنى الواو، على أن الكلام قد تم عند قوله (ولا أكبر) ثم وقع الابتداء ~~بقوله (إلا في كتاب مبين) أي وهو أيضا في كتاب مبين. والعرب قد تضع إلا ~~موضع الواو، ومنه قوله تعالى - إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم - يعنى ~~ومن ظلم، وقوله - لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا - أي والذين ~~ظلموا، وقدر هو بعد الواو التي جاءت إلا بمعناها كما في قوله - وقولوا حطة ~~- أي هي حطة، ومثله - ولا تقولوا ثلاثة - وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا ~~حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين -. وقال الزجاج: إن ~~الرفع على الابتداء في قراءة من قرأ بالرفع، وخبره (إلا في كتاب) واختاره ~~صاحب الكشاف، واختار في قراءة النصب التي قرأ بها الجمهور أنهما منصوبان ~~بلا التي لنفي الجنس، واستشكل العطف بنحو ms1686 ما قدمنا. ثم لما بين سبحانه ~~إحاطته بجميع الأشياء، وكان في ذلك تقوية لقلوب المطيعين، وكسر لقلوب ~~العاصين ذكر حال المطيعين، فقال (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون) الولي في اللغة: القريب، والمراد بأولياء الله: خلص المؤمنين كأنهم ~~قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته. وقد فسر سبحانه هؤلاء ~~الأولياء بقوله (الذين آمنوا وكانوا يتقون) أي يؤمنون بما يجب الإيمان به، ~~ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه، والمراد بنفي الخوف عنهم ~~أنهم لا يخافون أبدا كما يخاف غيرهم، لأنهم قد قاموا بما أوجب الله عليهم، ~~وانتهوا عن المعاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من أنفسهم وحسن ظن بربهم، ~~وكذلك لا يحزنون على فوت مطلب من المطالب، لأنهم يعلمون أن ذلك بقضاء الله ~~وقدره فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم عن الهم والكدر، فصدورهم ~~منشرحة، وجوارحهم نشطة، وقلوبهم مسرورة، ومحل الموصول النصب على أنه بدل من ~~أولياء أو الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ وخبره لهم البشرى، ~~فيكون غير متصل بما قبله، أو النصب أيضا على المدح أو على أنه وصف لأولياء. ~~قوله (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) تفسير لمعنى كونهم أولياء ~~الله: أي لهم البشرى من الله ما داموا في الحياة بما يوحيه إلي أنبيائه، ~~وينزله في كتبه، من كون حال المؤمنين عنده هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم، ~~كما وقع كثير من البشارات للمؤمنين في القرآن الكريم، وكذلك ما يحصل لهم من ~~الرؤيا الصالحة، وما يتفضل الله به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه من ~~التبشير لهم عند حضور آجالهم بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم: لا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة، وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة لهم ~~مبشرين بالفوز بالنعيم والسلامة من العذاب. # والبشرى مصدر أريد به المبشر به، والظرفان في محل نصب على الحال: أي حال ~~كونهم في الدنيا وحال كونهم في الآخرة، ومعنى (لا تبديل لكلمات الله) لا ~~تغيير لأقواله على العموم، فيدخل فيها ما ms1687 وعد به عباده الصالحين دخولا ~~أوليا، والإشارة بقوله (ذلك) إلى المذكور قبله من كونهم مبشرين بالبشارتين ~~في الدارين (هو الفوز العظيم) الذي لا يقادر قدره ولا يماثله غيره، ~~والجملتان: أعني (لا تبديل لكلمات الله) و (ذلك هو الفوز العظيم) اعتراض في ~~آخر الكلام عند من يجوزه، وفائدتهما تحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، أو ~~الأولى اعتراضية، والثانية تذييلية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق) قال: هم أهل الشرك ~~كانوا يحلون من الأنعام والحرث ما شاءوا ويحرمون ما شاءوا. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (إذ تفيضون فيه) ~~قال: إذ تفعلون. وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدي في قوله (وما يعزب عن ربك) قال: لا يغيب عنه PageV02P457 # وزن ذرة (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) قال: هو الكتاب ~~الذي عند الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (ألا إن ~~أولياء الله) قيل من هم يا رب؟ قال: هم الذين آمنوا وكانوا يتقون. وأخرج ~~أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: هم الذين إذا رؤوا ذكر الله. وأخرج ~~الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس مرفوعا ~~وموقوفا قال: هم الذين إذا رؤوا يذكر الله لرؤيتهم. # وأخرج عنه ابن المبارك والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه مرفوعا مثله. وأخرجه ابن ~~المبارك وابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير ~~مرفوعا وهو مرسل. وروى نحوه من طرق أخرى مرفوعا وموقوفا. وأخرج أحمد ~~والحكيم الترمذي عن عمرو بن الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول " لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله ~~وأبغض لله فقد استحق الولاء ms1688 من الله، وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي ~~الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم ". وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ ~~به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر ~~الله، وشرار عباده المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البرآء ~~العنت ". وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " خياركم من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم ~~منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله ". وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس مرفوعا ~~نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر مرفوعا " إن لله عبادا ليسوا ~~بالأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم ~~منه، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله صفهم لنا حلهم لنا؟ قال: ~~قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل، تصافوا في الله وتحابوا في الله، يضع ~~الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم، يخاف الناس ولا يخافون، هم ~~أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وأخرج أبو داود وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحوه. قال ~~ابن كثير: وإسناده جيد. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وأبو ~~الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد وابن أبي ~~الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري ~~مرفوعا نحوه. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال " سئل النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن قول الله (ألا إن أولياء الله) الآية فقال: الذين يتحابون في ~~الله ". وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعا مثله. وقد ورد في فضل المتحابين ~~في الله أحاديث ليس فيها أنهم المرادون بالآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والحكيم في نوادر الأصول وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي ms1689 حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر قال: # سألت أبا الدرداء عن معنى قوله (لهم البشرى في الحياة الدنيا) فقال: ما ~~سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال. ما سألني ~~عنها أحد غيرك منذ أنزلت علي: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، ~~فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة. وفي إسناده هذا الرجل ~~المجهول. وأخرج أبو داود الطيالسي وأحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة ~~والحكيم والترمذي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: " سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن قوله (لهم البشرى في الحياة الدنيا) قال: هي الرؤيا ~~الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ". وأخرج أحمد وابن جرير وأبو الشيخ وابن ~~مردويه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~PageV02P458 # في قوله (لهم البشرى في الحياة الدنيا) قال: الرؤيا الصالحة يبشر بها ~~المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها الحديث. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الآية قال " هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد ~~الصالح أو ترى له، وفي الآخرة الجنة ". # وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ وابن مردويه وابن منده من طريق أبي جعفر ~~عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسر البشرى في الحياة الدنيا ~~بالرؤيا الحبيبة، وفي الآخرة ببشارة المؤمن عند الموت: إن الله قد غفر لك ~~ولمن حملك إلى قبرك. وأخرج ابن مردويه عنه مرفوعا مثل حديث جابر. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن مسعود مرفوعا الشطر الأول من حديث جابر. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير عن ابن عباس مثله. وقد وردت أحاديث صحيحة بأن الرؤيا الصالحة من ~~المبشرات وأنها جزء من أجزاء النبوة، ولكنها ms1690 لم تقيد بتفسير هذه الآية. وقد ~~روى أن المراد بالبشرى في الآية هي قوله - وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا - أخرج ذلك ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بين أبي طلحة عن ~~ابن عباس. وأخرج ابن المنذر عنه من طريق مقسم أنها قوله - إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا -. وأخرج ابن جرير والحاكم والبيهقي عن نافع قال: ~~خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير بدل كتاب الله، فقال ابن عمر: لا تستطيع ~~ذلك أنت ولا ابن الزبير، لا تبديل لكلمات الله. # سورة يونس الآية (65 - 70) قوله (ولا يحزنك قولهم) نهى للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الحزن من قول الكفار المتضمن للطعن عليه وتكذيبه والقدح ~~في دينه، والمقصود التسلية له والتبشير. ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم معللا لما ذكره من النهي لرسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال (إن العزة لله جميعا) أي الغلبة والقهر له في مملكته ~~وسلطانه ليست لأحد من عباده، وإذا كان ذلك كله له فكيف يقدرون عليك حتى ~~تحزن لأقوالهم الكاذبة وهم لا يملكون من الغلبة شيئا. وقرئ " يحزنك " ما ~~أحزنه. وقرئ " أن العزة " بفتح الهمزة على معنى، لأن العزة لله، ولا ينافي ~~ما في هذه الآية من جعل العزة جميعها لله تعالى قوله سبحانه - فلله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين - لأن كل عزة بالله فهي كلها لله، ومنه قوله - كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي - إنا لننصر رسلنا - (ألا إن لله من في السماوات ومن في ~~الأرض) ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وإذا كانوا PageV02P459 # في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بما لا يأذن الله به وغلب العقلاء على غيرهم لكونهم أشرف. ~~وفي الآية نعي على عباد الشر والملائكة والجمادات، لأنهم عبدوا المملوك ~~وتركوا المالك، وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا عقبه بقوله (وما يتبع ~~الذين يدعون من دون الله شركاء) ms1691 والمعنى: أنهم وإن سموا معبوداتهم شركاء ~~لله فليست شركاء له على الحقيقة، لأن ذلك محال - لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا - وما في وما يتبع نافية وشركاء مفعول يتبع، وعلى هذا يكون ~~مفعول يدعون محذوفا، والأصل وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء ~~في الحقيقة: إنما هي أسماء لا مسميات لها، فحذف أحدهما لدلالة المذكور ~~عليه، ويجوز أن يكون المذكور مفعول يدعون، وحذف مفعول يتبع لدلالة المذكور ~~عليه، ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى أي شئ يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركاء، ويكون على هذا الوجه شركاء منصوبا بيدعون، والكلام خارج مخرج ~~التوبيخ لهم والإزراء عليهم. ويجوز أن تكون ما موصولة معطوفة على من في ~~السماوات: أي لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء، والمعنى: أن الله مالك لمعبوداتهم لكونها من جملة من في ~~السماوات ومن في الأرض. ثم زاد سبحانه في تأكيد الرد عليهم والدفع لأقوالهم ~~فقال (إن يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون يقينا إنما يتبعون ظنا، والظن لا ~~يغني من الحق شيئا (إن هم إلا يخرصون) أي يقدرون أنهم شركاء تقديرا باطلا ~~وكذبا بحتا، وقد تقدمت هذه الآية في الأنعام. ثم ذكر سبحانه طرفا من آثار ~~قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه فقال (هو الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا) أي جعل لعباده الزمان منقسما إلى قسمين: أحدهما ~~مظلم وهو الليل لأجل يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب ويريحون أنفسهم عن ~~الكد والكسب، والآخر مبصر لأجل يسعون فيه بما يعود على نفعهم وتوفير ~~معايشهم، ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضئ منير، لا يخفى عليهم فيه كبير ~~ولا حقير، وجعله سبحانه للنهار مبصرا مجاز. والمعنى: أنه مبصر صاحبه ~~كقولهم: نهاره صائم، والإشارة بقوله (إن في ذلك) إلى الجعل المذكور (لآيات) ~~عجيبة كثيرة (لقوم يسمعون) أي يسمعون ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية ~~المنبهة على الآيات التكوينية مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها ومن ms1692 غيرها ~~مما لم يذكره، فعند السماع منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون. # فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان. قوله (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ~~الغني) هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها، وهو زعمهم ~~بأن الله سبحانه اتخذ ولدا، فرد ذلك عليهم بقوله (سبحانه هو الغني) فنزه جل ~~وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غني عن ذلك وأن الولد ~~إنما يطلب للحاجة. # والغني المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة ~~انتفى الولد، وأيضا إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم ~~الولد مقامه، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ذلك. وقد تقدم تفسير الآية في ~~البقرة. # ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان، فقال (له ما في السماوات وما في ~~الأرض)، وإذا كان الكل له وفي ملكه فلا يصح أن يكون شئ مما فيهما ولدا له ~~للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة، ثم زيف دعواهم الباطلة وبين أنها بلا ~~دليل فقال (إن عندكم من سلطان بهذا) أي ما عندكم من حجة وبرهان بهذا القول ~~الذي تم لونه، و " من " في (من سلطان) زائدة للتأكيد، والجار والمجرور في ~~(بهذا) متعلق إما بسلطان لأنه بمعنى الحجة والبرهان، أو متعلق بما عندكم ~~لما فيه من معنى الاستقرار. ثم وبخهم على هذا القول العاطل على الدليل ~~الباطل عند العقلاء فقال (أتقولون على الله ما لا تعلمون)، ويستفاد من هذا ~~أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شئ، بل من الجهل المحض ثم أمر ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم قولا يدل على أن ما قالوه كذب، ~~وأن من كذب على الله PageV02P460 # لا يفلح فقال (قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) أي كل مفتر ~~هذا شأنه، ويدخل فيه هؤلاء دخولا أوليا. وذكر الكذب مع الافتراء للتأكيد ~~كما سبق في مواضع من الكتاب العزيز. والمعنى: أن هؤلاء الذين يكذبون على ~~ربهم لا يفوزون بمطلب من ms1693 المطالب. ثم بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز ~~صاحبه بشئ من المطالب العاجلة فهو متاع قليل في الدنيا، ثم يتعقبه الموت ~~والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري عذابا مؤبدا. فيكون متاع خبر مبتدأ محذوف، ~~والجملة مستأنفة لبيان أن ما يحصل للمفتري بافترائه ليس بفائدة يعتد بها، ~~بل هو متاع يسير في الدنيا يتعقبه العذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب ~~من جملتها الكذب على الله. وقال الأخفش: إن التقدير لهم متاع في الدنيا، ~~فيكون المحذوف على هذا هو الخبر. وقال الكسائي: التقدير ذلك متاع أو هو ~~متاع، فيكون المحذوف على هذا المبتدأ. # وقد أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال في قوله تعالى (ولا يحزنك) لما لم ~~ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم كبر ذلك على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فجاءه من الله فيما يعاتبه (ولا يحزنك قولهم إن العزة ~~لله جميعا هو السميع العليم) يسمع ما يقولون ويعلمه، فلو شاء بعزته لانتصر ~~منهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (والنهار مبصرا) قال: منيرا. ~~وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله (إن عندكم من سلطان بهذا) يقول: ما عندكم ~~سلطان بهذا. # سورة يونس الآية (71 - 74) لما بلغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ~~ودفع الشبهة المنهارة، شرع في ذكر قصص الأنبياء لما في ذلك من التسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (واتل عليهم) أي على الكفار ~~المعاصرين لك المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة (نبأ نوح) أي خبره، ~~والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن، والمراد: ما جرى له مع قومه الذين كفروا ~~بما جاء به كما فعله كفار قريش وأمثالهم (إذ قال لقومه) أي وقت قال لقومه، ~~والظرف منصوب بنبأ أو بدل منه بدل اشتمال، واللام في (لقومه) لام التبليغ ~~(يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي) أي عظم وثقل، والمقام بفتح الميم: الموضع ~~الذي يقام فيه، وبالضم الإقامة. وقد اتفق القراء على الفتح، وكنى بالمقام ~~عن نفسه كما يقال فعلته ms1694 لمكان فلان: أي لأجله، ومنه - ولمن خاف مقام ربه - ~~أي خاف ربه، ويجوز أن يراد بالمقام المكث: PageV02P461 # أي شق عليكم مكثي بين أظهركم. ويجوز أن يراد بالمقام القيام، لأن الواعظ ~~يقوم حال وعظه، والمعنى: إن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم، ~~وكبر عليكم تذكيري لكم (بآيات الله) التكوينية والتنزيلية (فعلى الله ~~توكلت) هذه الجملة جواب الشرط، والمعنى: إني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل ~~على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديما وحديثا. ويجوز أن يريد إحداث ~~مرتبة مخصوصة عن مراتب التوكل، ويجوز أن يكون جواب الشرط (فأجمعوا) وجملة ~~(فعلى الله توكلت) اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت علي شيئا فالله حسبي. # ومعنى (فأجمعوا أمركم) اعتزموا عليه، من أجمع الأمر: إذا نواه وعزم عليه ~~قاله الفراء: وروى عن الفراء أنه قال: أجمع الشئ: أعده. وقال مؤرج السدوسي: ~~أجمع الأمر أفصح من أجمع عليه، وأنشد: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع وقال أبو الهيثم: ~~أجمع أمره: جعله جميعا بعد ما كان متفرقا، وتفرقه أن تقول مرة أفعل كذا، ~~ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه: أي جعله جميعا، فهذا هو ~~الأصل في الإجماع، ثم صار بمعنى العزم. # وقد اتفق جمهور القراء على نصب " شركاءكم " وقطع الهمزة من أجمعوا. وقرأ ~~يعقوب وعاصم الجحدري بهمزة وصل في أجمعوا على أنه من جمع يجمع جمعا. وقرأ ~~الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب " وشركاؤكم " بالرفع. قال النحاس: وفي نصب ~~الشركاء على قراءة الجمهور ثلاثة أوجه: الأول بمعنى وادعوا شركاءكم، قاله ~~الكسائي والفراء: أي ادعوهم لنصرتكم، فهو على هذا منصوب بفعل مضمر. وقال ~~محمد بن يزيد المبرد: هو معطوف على المعنى كما قال الشاعر: # يا ليت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا والرمح لا يتقلد به، لكنه ~~محمول كالسيف. وقال الزجاج: المعنى مع شركائكم، فالواو على هذا واو مع. # وأما على قراءة اجمعوا بهمزة وصل فالعطف ظاهر: أي اجمعوا أمركم وأجمعوا ~~شركاءكم. وأما توجيه قراءة الرفع، فعلى ms1695 عطف الشركاء على الضمير المرفوع في ~~أجمعوا، وحسن هذا العطف مع عدم التأكيد بمنفصل كما هو المعتبر في ذلك أن ~~الكلام قد طال. قال النحاس وغيره: وهذه القراءة بعيده لأنه لو كان شركاءكم ~~مرفوعا لرسم في المصحف بالواو، وليس ذلك موجودا فيه. قال المهدوي: ويجوز أن ~~يرتفع الشركاء بالابتداء، والخبر محذوف: # أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، ونسبة ذلك إلى الشركاء مع كون الأصنام لا ~~تعقل لقصد التوبيخ والتقريع لمن عبدها. وروى عن أبي أنه قرأ: " وادعوا ~~شركاءكم " بإظهار الفعل. قوله (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) الغمة: # التغطية من قولهم، غم الهلال: إذا استتر: أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا. ~~قال طرفة: # لعمرك ما أمري علي بغمة * نهاري ولا ليلى علي بسرمد هكذا قال الزجاج. ~~وقال الهيثم: معناه لا يكن أمركم عليكم مبهما - وقيل إن الغمة: ضيق الأمر ~~كذا روى عن أبي عبيدة. والمعنى: لا يكن أمركم عليكم بمصاحبتي والمجاملة لي ~~ضيقا شديدا، بل ادفعوا هذا الضيق والشدة بما شئتم وقدرتم عليه، وعلى ~~الوجهين الأولين يكون المراد بالأمر الثاني هو الأمر الأول، وعلى الثالث ~~يكون المراد به غيره. قوله (ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) أي ذلك الأمر الذي ~~تريدونه بي، وأصل اقضوا من القضاء، وهو الإحكام. والمعنى: أحكموا ذلك ~~الأمر. قال الأخفش والكسائي: هو مثل - وقضينا إليه ذلك الأمر - أي أنهيناه ~~إليه وأبلغناه إياه، ثم لا تنظرون: أي لا تمهلون، بل عجلوا أمركم واصنعوا ~~ما بدا لكم، وقيل معناه: ثم امضوا PageV02P462 # إلي ولا تؤخرون. قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة، ومنه قضى الميت: ~~مضى. وحكى الفراء عن بعض القراء أنه قرأ ثم " أفضوا " بالفاء وقطع الهمزة: ~~أي توجهوا، وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدل على وثوقه بنصر ربه ~~وعدم مبالاته بما يتوعده به قومه. ثم بين لهم أن كل ما أتى به إليهم من ~~الإعذار والإنذار وتبليغ الشريعة عن الله ليس هو لطمع دنيوي، ولا لغرض ~~خسيس، فقال (فإن توليتم فما سألتكم من أجر) أي إن أعرضتم عن ms1696 العمل بنصحي ~~لكم وتذكيري إياكم، فما سألتكم في مقابلة ذلك من أجر تؤدونه إلي حتى ~~تتهموني فيما جئت به، والفاء في (فإن توليتم) لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها، والفاء في (فما سألتكم) جزائية (إن أجرى إلا على الله) أي ما ثوابي ~~في النصح والتذكير إلا عليه سبحانه فهو يثيبني آمنتم أو توليتم. قرأ أهل ~~المدينة وأبو عمر وابن عامر وحفص بتحريك الياء من أجري، وقرأ الباقون ~~بالسكون (وأمرت أن أكون من المسلمين) المنقادين لحكم الله الذين يجعلون ~~أعمالهم خالصة لله سبحانه لا يأخذون عليها أجرا ولا يطمعون في عاجل. قوله ~~(فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك) أي استمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك، ~~وليس المراد أنهم أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن، والمراد بمن معه من قد ~~أجابه وصار على دينه، والخلائف جمع خليفة، والمعنى: أنه سبحانه جعلهم خلفاء ~~يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق ويخلفونهم فيها (وأغرقنا الذين ~~كذبوا بآياتنا) من الكفار المعاندين لنوح الذين لم يؤمنوا به أغرقهم الله ~~بالطوفان (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) فيه تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتهديد للمشركين وتهويل عليهم (ثم بعثنا من بعده) أي من بعد ~~نوح (رسلا) كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب (فجاءوهم بالبينات) أي ~~بالمعجزات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها الله لقوم كل نبي ~~(فما كانوا ليؤمنوا) أي فما أحدثوا الإيمان بل استمروا على الكفر وأصروا ~~عليه. والمعنى: أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل ~~الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات (بما كذبوا به من قبل) أي من ~~قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجئ الرسل إليهم. والمعنى: أن كل قوم من ~~العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص ~~بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم، لأنهم كانوا غير مؤمنين بل مكذبين ~~بالدين ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولا، وهذا مبني على أن الضمير في ~~(فما كانوا ليؤمنوا) وفي ms1697 (بما كذبوا) راجع إلى القوم المذكورين في قوله ~~(إلى قومهم) وقيل ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح: أي فما كان قوم الرسل ~~ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام الذين جاءوا من ~~بعدهم (وجاءتهم رسلهم بالبينات) وقيل إن الباء في بما كذبوا به من قبل ~~للسببية: أي فما كانوا ليؤمنوا عند مجئ الرسل بسبب ما اعتادوه من تكذيب ~~الحق من قبل مجيئهم، وفيه نظر. وقيل المعنى: بما كذبوا به من قبل: أي في ~~عالم الذر فإن فيهم من كذب بقلبه، وإن آمنوا ظاهرا. قال النحاس: ومن أحسن ~~ما قيل إنه لقوم بأعيانهم (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) أي مثل ذلك الطبع ~~العظيم نطبع على قلوب المتجاوزين للحد المعهود في الكفر. وقد تقدم تفسير ~~هذا في غير موضع. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج في قوله (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) يقول: ~~فأحكموا أمركم وادعوا شركاءكم. وأخرج أيضا عن الحسن في الآية، أي فليجمعوا ~~أمرهم معكم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) قال: لا يكبر عليكم أمركم (ثم ~~اقضوا) ما أنتم قاضون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ~~(ثم اقضوا) قال: انهضوا (إلي ولا تنظرون) يقول: ولا تؤخرون. PageV02P463 # سورة يونس الآية (75 - 87) قوله (ثم بعثنا من بعدهم) معطوف على قوله (ثم ~~بعثنا من بعده رسلا) والضمير في من بعدهم راجع إلى الرسل المتقدم ذكرهم، ~~وخص موسى وهارون بالذكر مع دخولهما تحت الرسل لمزيد شرفهما وخطر شأن ما جرى ~~بينهما وبين فرعون، والمراد بالملأ الأشراف، والمراد بالآيات: المعجزات، ~~وهي التسع المذكورة في الكتاب العزيز (فاستكبروا) عن قبولها ولم يتواضعوا ~~لها ويذعنوا لما اشتملت عليه من المعجزات الموجبة لتصديق ما جاء بها ~~(وكانوا قوما مجرمين) أي كانوا ذوي إجرام عظام وآثام كبيرة، فبسبب ذلك ~~اجترءوا على ردها، لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق وإبصار ~~الصواب - قيل وهذه الجملة ms1698 معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. قوله (فلما جاءهم ~~الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين) أي فلما جاء فرعون وملأه الحق من ~~عند الله وهو المعجزات لم يؤمنوا بها بل حملوها على السحر مكابرة منهم، فرد ~~عليهم موسى قائلا (أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا) قيل في الكلام حذف، ~~والتقدير: أتقولون للحق سحر فلا تقولوا ذلك، ثم استأنف إنكارا آخر من جهة ~~نفسه فقال: (أسحر هذا) فحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني، والمجئ إلى هذا ~~أنهم لم يستفهموه عن السحر حتى يحكى قالوه بقوله (أسحر هذا) بل هم قاطعون ~~بأنه سحر، لأنهم قالوا (إن هذا لسحر مبين) فحينئذ لا يكون قوله PageV02P464 # (أسحر هذا) من قولهم، وقال الأخفش: هو من قولهم، وفيه نظر لما قدمنا، ~~وقيل معنى (أتقولون) أتعيبون الحق وتطعنون فيه وكان عليكم أن تذعنوا له، ثم ~~قال أسحر هذا منكرا لما قالوه، وقيل إن مفعول (أتقولون) محذوف، وهو ما دل ~~عليه قولهم (إن هذا لسحر) والتقدير: أتقولون ما تقولون، يعني قولهم إن هذا ~~لسحر مبين ثم قيل أسحر هذا، وعلى هذا التقدير والتقدير الأول فتكون جملة ~~(أسحر هذا) مستأنفة من جهة موسى عليه السلام، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ~~بعد الجملة الأولى المستأنفة الواقعة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ماذا قال ~~لهم موسى لما قالوا إن هذا لسحر مبين؟ فقيل: قال أتقولون للحق لما جاءكم، ~~على طريقة الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا ~~لسحر مبين، وهو أبعد شئ من السحر. ثم أنكر عليهم وقرعهم ووبخهم فقال (أسحر ~~هذا) فجاء موسى عليه السلام بإنكار بعد إنكار وتوبيخ بعد توبيخ وتجهيل بعد ~~تجهيل، وجملة (ولا يفلح الساحرون) في محل نصب على الحال: أي أتقولون للحق ~~إنه سحر، والحال أنه لا يفلح الساحرون فلا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير ~~ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند الله، وقد أيده ~~بالمعجزات والبراهين الواضحة؟ وجملة (قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ~~آباءنا) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه ms1699 قيل: فماذا قالوا بعد أن قال لهم موسى ~~ما قال؟ وفي هذا ما يدل على أنهم انقطعوا عن الدليل وعجزوا عن إبراز الحجة، ~~ولم يجحدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم، بل لجئوا إلى ما يلجأ إليه أهل ~~الجهل والبلادة، وهو الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر، وضموا إلى ذلك ~~ما هو غرضهم وغاية مطلبهم وسبب مكابرتهم للحق وجحودهم للآيات البينة، وهو ~~الرياسة الدنيوية التي خافوا عليها وظنوا أنها ستذهب عنهم إن آمنوا، وكم ~~بقى على الباطل، وهو يعلم أنه باطل بهذه الذريعة من طوائف هذا العالم في ~~سابق الدهر ولا حقه، فمنهم من حبسه ذلك عن الخروج من الكفر، ومنهم من حبسه ~~عن الخروج إلى السنة من البدعة، وإلى الرواية الصحيحة من الرأي البحت، يقال ~~لفته لفتا: إذا صرفه عن الشئ ولواه عنه، ومنه قول الشاعر: # تلفت نحو الحي حتى رأيتني * وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا أي تريد أن ~~تصرفنا عن الشئ الذي وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة الأصنام، والمراد ~~بالكبرياء الملك. قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر ~~الدنيا، وقيل سمى بذلك لأن الملك يتكبر. # والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد للآباء ~~والحرص على الرياسة الدنيوية، لأنهم إذا أجابوا النبي وصدقوه صارت مقاليد ~~أمر أمته إليه ولم يبق للملك رئاسة تامة، لأن التدبير للناس بالدين يرفع ~~تدبير الملوك لهم بالسياسات والعادات، ثم قالوا (وما نحن لكما بمؤمنين) ~~تصريحا منهم بالتكذيب وقطعا للطمع في إيمانهم، وقد أفرد الخطاب لموسى في ~~قولهم: أجئتنا لتلفتنا، ثم جمعوا بينه وبين هارون في الخطاب في قولهم ~~(وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين) ووجه ذلك أنهم أسندوا ~~المجئ والصرف عن طريق آبائهم إلى موسى، لكونه المقصود بالرسالة المبلغ عن ~~الله ما شرعه لهم، وجمعوا بينهما في الضميرين الآخرين، لأن الكبرياء شامل ~~لهما في زعمهم ولكون ترك الإيمان بموسى يستلزم ترك الإيمان بهارون، وقد مرت ~~القصة في الأعراف قوله (وقال فرعون ائتوني بكل ms1700 ساحر عليم) قال هكذا لما رأى ~~اليد البيضاء والعصا، لأنه اعتقد أنهما من السحر، فأمر قومه بأن يأتوه بكل ~~ساحر عليم، هكذا قرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش " سحار ". وقرأ ~~الباقون " ساحر " وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف. والسحار صيغة ~~مبالغة: أي كثير السحر كثير العلم بعمله وأنواعه (فلما PageV02P465 # جاء السحرة) في الكلام حذف، والتقدير هكذا: وقال فرعون ائتوني بكل سحار ~~عليم فأتوا بهم إليه، فلما جاء السحرة، فتكون الفاء للعطف على المقدر ~~المحذوف. قوله (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون) أي قال لهم هذه المقالة ~~بعد أن قالوا له: إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقون: أي اطرحوا على ~~الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم (فلما ألقوا) ما ألقوه من ذلك (قال) لهم ~~(موسى ما جئتم به السحر) أي الذي جئتم به السحر على أن ما موصولة مبتدأ ~~والخبر السحر، والمعنى أنه سحر، لا أنه آية من آيات الله. وأجاز الفراء نصب ~~السحر بجئتم، وتكون ما شرطية، والشرط جئتم، والجزاء " إن الله سيبطله " على ~~تقدير الفاء: أي فإن الله سيبطله، وقيل إن السحر منتصب على المصدر: أي ما ~~جئتم به سحرا، ثم دخلت الألف واللام فلا يحتاج على هذا إلى حذف الفاء، ~~واختاره النحاس. وقال: حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من الحويين إلا ~~في ضرورة الشعر. وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر " آلسحر " على أن الهمزة ~~للاستفهام، والتقدير: أهو السحر فتكون ما على هذه القراءة استفهامية. وقرأ ~~أبي " ما أتيتم به سحر إن الله سيبطله " أي سيمحقه فيصير باطلا بما يظهره ~~على يدي من الآيات المعجزة (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) أي عمل هذا ~~الجنس، فيشمل كل من يصدق عليه أنه مفسد ويدخل فيه السحر والسحرة دخولا ~~أوليا، والواو في (ويحق الله الحق) للعطف على سيبطله: أي يبينه ويوضحه ~~(بكلماته) التي أنزلها في كتبه على أنبيائه لاشتمالها على الحجج والبراهين ~~(ولو كره المجرمون) من آل فرعون أو المجرمون على العموم ويدخل تحتهم آل ~~فرعون ms1701 دخولا أوليا، والإجرام الآثام. قوله (فما آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه) الضمير يرجع إلى موسى: أي من قوم موسى، وهم طائفة من ذراري بني ~~إسرائيل، وقيل المراد طائفة من ذراري فرعون فيكون الضمير عائدا على فرعون، ~~قيل ومنهم مؤمن آل فرعون وامرأته وماشطة ابنته وامرأة خازنه، وقيل هم قوم ~~آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، روى هذا عن الفراء (على خوف من ~~فرعون وملأهم) الضمير لفرعون، وجمع لأنه لما كان جبارا جمعوا ضميره تعظيما ~~له، وقيل إن قوم فرعون سموا بفرعون مثل ثمود، فرجع الضمير إليهم بهذا ~~الاعتبار، وقيل إنه عائد على مضاف محذوف، والتقدير: على خوف من آل فرعون، ~~وروى هذا عن الفراء. ومنع ذلك الخليل وسيبويه فلا يجوز عندهما قامت هند ~~وأنت تريد غلامها. وروى عن الأخفش أن الضمير يعود على الذرية، وقواه النحاس ~~(أن يفتنهم) أي يصرفهم عن دينهم بالعذاب الذي كان ينزله بهم، وهو بدل ~~اشتمال. ويجوز أن يكون في موضع نصب بالمصدر (وإن فرعون لعال في الأرض) أي ~~عات متكبر متغلب على أرض مصر (وإنه لمن المسرفين) المجاوزين للحد في الكفر ~~وما يفعله من القتل والصلب وتنويع العقوبات. قوله (وقال موسى يا قوم إن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) قيل إن هذا من باب التكرير ~~للشرط. فشرط في التوكل على الله الإيمان به والإسلام: أي الاستسلام لقضائه ~~وقدره، وقيل إن هذا ليس من تعليق الحكم بشرطين بل المعلق بالإيمان هو وجوب ~~التوكل، والمشروط بالإسلام وجوده، والمعنى: أن يسلموا أنفسهم لله: أي ~~يجعلوها له سالمة خالصة لاحظ للشيطان فيها لأن التوكل لا يكون مع التخليط. ~~قال في الكشاف: ونظيره في الكلام إن ضربك زيد فاضربه إن كانت لك به قوة ~~(فقالوا) أي قوم موسى مجيبين له (على الله توكلنا) ثم دعوا الله مخلصين ~~فقالوا (ربنا لا تجعلنا فتنة) أي موضع فتنة (للقوم الظالمين) والمعنى: لا ~~تسلطهم علينا فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا فتنة لهم يفتنون ~~بنا غيرنا فيقولون لهم: ms1702 لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا عليهم وعذبناهم، ~~وعلى المعنى الأول تكون الفتنة بمعنى المفتون. ولما قدموا التضرع إلى الله ~~سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا (ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين) وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين ~~فوق اهتمامهم بسلامة PageV02P466 # أنفسهم. قوله (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا) أن هي ~~المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول أن تبوآ: أي اتخذا لقومكما بمصر بيوتا، ~~يقال بوأت زيدا مكانا وبوأت لزيد مكانا، والمبوأ: المنزل الملزوم، ومنه ~~بوأه الله منزلا: أي ألزمه إياه وأسكنه فيه، ومنه الحديث " من كذب علي ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " ومنه قول الراجز: # نحن بنو عدنان ليس شك * تبوأ المجد بنا والملك قيل ومصر في هذه الآية هي ~~الإسكندرية، وقيل هي مصر المعروفة لا الإسكندرية (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي ~~متوجهة إلى جهة القبلة، قيل والمراد بالبيوت هنا المساجد، وإليه ذهب جماعة ~~من السلف، وقيل المراد بالبيوت التي يسكنون فيها، أمروا بأن يجعلوها منا ~~قبلة، والمراد بالقبلة على القول الأول هي جهة بيت المقدس، وهو قبلة اليهود ~~إلى اليوم، وقيل جهة الكعبة، وأنها كانت قبلة موسى ومن معه، وقيل المراد ~~أنهم يجعلون بيوتهم مستقبلة للقبلة ليصلوا فيها سرا لئلا يصيبهم من الكفار ~~معرة بسبب الصلاة، ومما يؤيد هذا قوله (وأقيموا الصلاة) أي التي أمركم الله ~~بإقامتها فإنه يفيد أن القبلة هي قبلة الصلاة إما في المساجد أو في البيوت ~~لا جعل البيوت متقابلة، وإنما جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون، ثم ~~جعله لهما ولقومهما في قوله (واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة) ثم أفرد ~~موسى بالخطاب بعد ذلك، فقال (وبشر المؤمنين) لأن اختيار المكان مفوض إلى ~~الأنبياء، ثم جعل عاما في استقبال القبلة وإقامة الصلاة، لأن ذلك واجب على ~~الجميع لا يختص بالأنبياء، ثم جعل خاصا بموسى لأنه الأصل في الرسالة وهارون ~~تابع له، فكان ذلك تعظيما للبشارة وللمبشر بها، وقيل إن الخطاب في ms1703 وبشر ~~المؤمنين لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم على طريقة الالتفات ~~والاعتراض، والأول أولى. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (لتلفتنا) قال: لتلوينا. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: لتصدنا عن آلهتنا. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ~~(وتكون لكما الكبرياء في الأرض) قال: العظمة والملك والسلطان. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (فما آمن ~~لموسى إلا ذرية) قال: الذرية القليل. # وأخرج هؤلاء عنه في قوله (ذرية من قومه) قال: من بني إسرائيل. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد قال: هم أولاد الذين أرسل إليهم ~~موسى من طول الزمان ومات آباؤهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت ~~الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون منهم امرأة ~~فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور ونعيم بن حماد في الفتن وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (ربنا لا تجعلنا ~~فتنة للقوم الظالمين) قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال في تفسير الآية: لا تعذبنا ~~بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على الحق ما ~~عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو ~~الشيخ عن أبي قلابة في الآية قال: سأل ربه أن لا يظهر علينا عدونا فيحسبون ~~أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مجلز نحوه. وأخرج أبو ~~الشيخ عن قتادة في قوله (وأوحينا إلى موسى وأخيه) الآية، قال ذلك حين منعهم ~~فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم وأن يوجهوها نحو القبلة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ms1704 مجاهد في قوله ~~(أن تبوآ PageV02P467 # لقومكما بمصر) قال: مصر الإسكندرية، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال: كانوا لا يصلون إلا في ~~البيع حتى خافوا من آل فرعون فأمروا أن يصلوا في بيوتهم. وأخرج الفريابي ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ~~في الآية قال: أمروا أن يتخذوا في بيوتهم مساجد. وأخرج أبو الشيخ عن أبي ~~سنان قال: القبلة الكعبة، وذكر أن آدم فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (واجعلوا بيوتكم قبلة) قال: يقابل ~~بعضها بعضا. # سورة يونس الآية (88 - 92) لما بلغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات ~~وإقامة الحجج البينات، ولم يكن لذلك تأثير في من أرسل إليهم دعا عليهم بعد ~~أن بين سبب إصرارهم على الكفر وتمسكهم بالجحود والعناد، فقال مبينا للسبب ~~أولا (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا) قد تقدم ~~أن الملأ هم الأشراف، والزينة: اسم لكل ما يتزين به من ملبوس ومركوب وحلية ~~وفراش وسلاح غير ذلك، ثم كررا النداء للتأكيد فقال (ربنا ليضلوا عن سبيلك). # وقد اختلف في هذه اللام الداخلة على الفعل، فقال الخليل وسيبويه: إنها ~~لام العاقبة والصيرورة، والمعنى: # أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال صار كأنه سبحانه أعطاهم ما أعطاهم من ~~النعم ليضلوا، فتكون اللام على هذا متعلقة بآتيت، وقيل إنها لام كي: أي ~~أعطيتهم لكي يضلوا. وقال قوم: إن المعنى أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا. # فحذفت لا كما قال سبحانه - يبين الله لكم أن تضلوا -. قال النحاس: ظاهر ~~هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن، فموه صاحب هذا التأويل ~~بالاستدلال بقوله - يبين الله لكم أن تضلوا -. وقيل اللام للدعاء عليهم، ~~والمعنى: ابتلهم بالهلاك عن سبيلك، واستدل هذا القائل بقوله سبحانه بعد ~~هذا: اطمس واشدد. وقد أطال صاحب الكشاف في تقرير هذا بما لا طائل تحته، ~~والقول الأول هو ms1705 الأولى، وقرأ الكوفيون " ليضلوا " بضم حرف المضارعة: أي ~~يوقعوا الإضلال على غيرهم. وقرأ الباقون بالفتح: أي يضلون في أنفسهم (ربنا ~~اطمس على أموالهم). قال الزجاج: طمس الشئ إذهابه عن صورته، والمعنى: الدعاء ~~عليهم بأن يمحق الله أموالهم ويهلكها وقرئ بضم الميم من اطمس (واشدد على ~~قلوبهم) أي اجعلها قاسية مطبوعة لا تقبل الحق ولا تنشرح للإيمان. ~~PageV02P468 # قوله (فلا يؤمنوا) قال المبرد والزجاج: هو معطوف على ليضلوا، والمعنى: ~~آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا، ويكون ما بين المعطوف والمعطوف عليه ~~اعتراضا. وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: هو دعاء بلفظ النهي، والتقدير: ~~اللهم فلا يؤمنوا، ومنه قول الأعشى: # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى * ولا تلقني إلا وأنفك راغم وقال ~~الأخفش: إنه جواب الأمر: أي اطمس واشدد فلا يؤمنوا، فيكون منصوبا. وروى هذا ~~عن الفراء أيضا، ومنه: # يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فنستريحا (حتى يروا العذاب الأليم) ~~أي لا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم الله به، وعند ذلك لا ~~ينفع إيمانهم. وقد استشكل بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على ~~هؤلاء، وقال: إن الرسل إنما تطلب هداية قومهم وإيمانهم. وأجيب بأنه لا يجوز ~~لنبي أن يدعو على قومه إلا بإذن الله سبحانه، وإنما يأذن الله بذلك لعلمه ~~بأنه ليس فيهم من يؤمن، ولهذا لما أعلم الله نوحا عليه السلام بأنه لا يؤمن ~~من قومه إلا من قد آمن، قال - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا -. ~~(قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما) جعل الدعوة هاهنا مضافة إلى موسى وهارون ~~وفيما تقدم أضافها إلى موسى وحده فقيل إن هارون كان يؤمن على دعاء موسى ~~فسمى هاهنا داعيا، وإن كان الداعي موسى وحده ففي أول الكلام أضاف الدعاء ~~إلى موسى لكونه الداعي، وهاهنا أضافه إليهما تنزيلا للمؤمن منزلة الداعي، ~~ويجوز أن يكونا جميعا داعيين، ولكن أضاف الدعاء إلى موسى في أول الكلام ~~لأصالته في الرسالة. قال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على أن ~~الدعاء ms1706 لهما قول موسى ربنا ولم يقل رب. وقرأ علي والسلمي " دعاؤكما " وقرأ ~~ابن السميفع " دعوا كما " والاستقامة: الثبات على ما هما عليه من الدعاء ~~إلى الله. قال الفراء وغيره: أمرا بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه على ~~دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة أربعين سنة ثم ~~أهلكوا، وقيل معنى الاستقامة: ترك الاستعجال ولزوم السكينة والرضا والتسليم ~~لما يقضى به الله سبحانه. قوله (ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) بتشديد ~~النون للتأكيد وحركت بالكسر لكونه الأصل ولكونهما أشبهت نون التثنية. وقرأ ~~ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي لا على النهي. # وقرئ بتخفيف الفوقية الثانية من تتبعان. والمعنى: النهي لهما عن سلوك ~~طريقة من لا يعلم بعادة الله سبحانه في إجراء الأمور على ما تقتضيه المصالح ~~تعجيلا وتأجيلا. قوله (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) هو من جاوز المكان: # إذا خلفه وتخطاه، والباء للتعدية: أي جعلناهم مجاوزين البحر حتى بلغوا ~~الشط، لأن الله سبحانه جعل البحر يبسا فمروا فيه حتى خرجوا منه إلى البر. ~~وقد تقدم تفسير هذا في سورة البقرة في قوله سبحانه - وإذ فرقنا بكم البحر - ~~وقرأ الحسن " وجوزنا " وهما لغتان (فأتبعهم فرعون وجنوده) يقال تبع وأتبع ~~بمعنى واحد: إذا لحقه. وقال الأصمعي: يقال أتبعه بقطع الألف: إذا لحقه ~~وأدركه، واتبعه بوصل الألف: إذا اتبع أثره أدركه أو لم يدركه. # وكذا قال أبو زيد. وقال أبو عمرو: إن اتبعه بالوصل: اقتدى به، وانتصاب ~~بغيا وعدوا على الحال، والبغي: # الظلم، والعدو: الاعتداء، ويجوز أن يكون انتصابهما على العلة: أي للبغي ~~والعدو، وقرأ الحسن " وعدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو مثل علا يعلو ~~علوا، وقيل إن البغي: طلب الاستعلاء في القول بغير حق، والعدو في الفعل ~~(حتى إذا أدركه الغرق) أي ناله ووصله وألجمه. وذلك أن موسى خرج ببني ~~إسرائيل على حين غفلة من PageV02P469 # فرعون، فلما سمع فرعون بذلك لحقهم بجنوده، ففرق الله البحر لموسى وبنى ~~إسرائيل، فمشوا فيه حتى خرجوا من الجانب الآخر، وتبعهم فرعون والبحر باق ~~على الحالة التي ms1707 كان عليها عند مضى موسى ومن معه، فلما تكامل دخول جنود ~~فرعون وكادوا أن يخرجوا من الجانب الآخر انطبق عليهم فغرقوا كما حكى الله ~~سبحانه ذلك (قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) أي صدقت ~~أنه بفتح الهمزة على أن الأصل بأنه، فحذفت الباء، والضمير للشأن. وقرئ بكسر ~~إن على الاستئناف، وزعم أبو حاتم أن القول محذوف: أي آمنت، فقلت إنه ولم ~~ينفعه هذا الإيمان أنه وقع منه بعد إدراك الغرق كله كما تقدم في النساء، ~~ولم يقل للعين آمنت بالله أو برب العالمين، بل قال آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنو إسرائيل، لأنه بقي فيه عرق من دعوى الإلهية. قوله (وأنا ~~من المسلمين) أي المستسلمين لأمر الله المنقادين له الذين يوحدونه وينفون ~~ما سواه، وهذه الجملة إما في محل نصب على الحال أو معطوفة على آمنت. قوله ~~(الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) هو مقول قول مقدر معطوف على قال ~~آمنت: أي فقيل له أتؤمن الآن؟ # وقد اختلف من القائل لفرعون بهذه المقالة؟ فقيل هي من قول الله سبحانه، ~~وقيل من قول جبريل، وقيل من قول ميكائيل، وقيل من قول فرعون، قال ذلك في ~~نفسه لنفسه. وجملة وقد عصيت قبل في محل نصب على الحال من فاعل الفعل المقدر ~~بعد القول المقدر، وهو أتؤمن الآن، والمعنى: إنكار الإيمان منه عند أن ~~ألجمه الغرق والحال أنه قد عصى الله من قبل، والمقصود التقريع والتوبيخ له. ~~وجملة وكنت من المفسدين معطوفة على عصيت داخلة في الحال: أي كنت من ~~المفسدين في الأرض بضلالك عن الحق وإضلالك لغيرك. قوله (فاليوم ننجيك ~~ببدنك) قرئ " ننجيك " بالتخفيف، والجمهور على التثقيل. وقرأ اليزيدي: " ~~ننحيك " بالحاء المهملة من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود، ومعنى ~~ننجيك بالجيم: نلقيك على نجوة من الأرض، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن ~~فرعون غرق وقالوا: هو أعظم شأنا من ذاك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي ~~مكان مرتفع من الأرض ms1708 حتى شاهدوه وقيل المعنى: نخرجك مما وقع فيه قومك من ~~الرسوب في قعر البحر ونجعلك طافيا ليشاهدوك ميتا بالغرق، ومعنى ننحيك ~~بالمهملة: نطرحك على ناحية من الأرض وروي عن ابن مسعود أنه قرأ " بأبدانك ~~". # وقد اختلف المفسرون في معنى ببدنك، فقيل معناه: بجسدك بعد سلب الروح منه، ~~وقيل معناه: بدرعك، والدرع يسمى بدنا، ومنه قول كعب بن مالك: # ترى الأبدان فيها مسبغات * على الأبطال واليلب الحصينا أراد بالأبدان ~~الدروع، وقال عمرو بن معدي كرب: # ومضى نساؤهم بكل مضاضة * جدلاء سابغة وبالأبدان أي بدروع سابغة ودروع ~~قصيرة: وهي التي يقال لها أبدان كما قال أبو عبيدة. وقال الأخفش: وأما قول ~~من قال بدرعك فليس بشئ، ورجح أن البدن المراد به هنا الجسد. قوله (لتكون ~~لمن خلفك آية) هذا تعليل لتنجيته ببدنه، وفي ذلك دليل على أنه لم يطهر جسده ~~دون قومه إلا لهذه العلة لا سوى، والمراد بالآية العلامة: أي لتكون لمن ~~خلفك من الناس علامة يعرفون بها هلاكك، وأنك لست كما تدعي ويندفع عنهم الشك ~~في كونك قد صرت PageV02P470 # ميتا بالغرق، وقيل المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك دون المغرقين من ~~قومك آية من آيات الله، يعتبر بها الناس أو يعتبر بها من سيأتي من الأمم ~~إذا سمعوا ذلك حتى يحذروا من التكبر والتجبر والتمرد على الله سبحانه، فإن ~~هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلهية واستمر على ذلك دهرا طويلا ~~كانت له هذه العاقبة القبيحة. وقرئ " لمن خلفك " على صيغة الفعل الماضي أي ~~لمن يأتي بعدك من القرون أو من خلفك في الرياسة أو في السكون في المسكن ~~الذي كنت تسكنه (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا) التي توجب الاعتبار والتفكر ~~وتوقظ من سنة الغفلة (لغافلون) عما توجبه الآيات، وهذه الجملة تذييلية. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ربنا ~~اطمس على أموالهم) يقول: # دمر على أموالهم وأهلكها (واشدد على قلوبهم) قال: اطبع (فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم) ms1709 وهو الغرق. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: ~~سألني عمر بن عبد العزيز عن قوله (ربنا اطمس على أموالهم) فأخبرته أن الله ~~طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة، فقال عمر: # كما أنت حتى آتيك، فدعا بكيس مختوم ففكه، فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها ~~الحجارة والدنانير والدراهم وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها. وقد روى أن ~~أموالهم تحولت حجارة من طريق جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: قد أجيبت دعوتكما، قال: فاستجاب له وحال بين فرعون ~~وبين الإيمان. وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: كان موسى إذا دعا أمن ~~هارون على دعائه يقول آمين. قال أبو هريرة: وهو اسم من أسماء الله، فذلك ~~قوله (قد أجيبت دعوتكما). وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس نحوه. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه. وأخرج سعيد بن ~~منصور عن محمد بن كعب القرظي نحوه أيضا. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: ~~يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~جريج مثله. وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس فاستقيما فامضيا لأمري، وهي الاستقامة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عكرمة قال: العدو والعتو والعلو في كتاب الله التجبر. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون ~~أوحى الله إلى البحر أن انطبق عليهم، فخرجت أصبع فرعون بلا إله إلا الذي ~~آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: فعرفت أن الرب رحيم وخفت أن تدركه الرحمة، ~~فرمسته بجناحي وقلت: الآن وقد عصيت قبل؟ فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلف ~~من قوم فرعون: ما غرق فرعون ولا أصحابه، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، ~~فأوحى الله إلى البحر أن الفظ فرعون عريانا، فلفظه عريانا أصلع أخينس قصيرا ~~فهو قوله (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون ms1710 لمن خلفك آية) لمن قال: إن فرعون لم ~~يغرق، وكأن نجاة غيره لم تكن نجاة عافية، ثم أوحى الله إلى البحر أن الفظ ~~ما فيك فلفظهم على الساحل، وكان البحر لا يلفظ غريقا في بطنه حتى يأكله ~~السمك، فليس يقبل البحر غريقا إلى يوم القيامة. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أغرق الله فرعون فقال (آمنت أنه ~~لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني ~~وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة " وقد روى هذا ~~الحديث الترمذي من غير وجه، وقال حسن صحيح غريب، وصححه أيضا الحاكم. وروى ~~عن ابن عباس مرفوعا من طرق أخرى. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " قال لي جبريل: ما كان على الأرض شئ ~~أبغض إلي من فرعون، فلما آمن جعلت أحشو فاه حمأة وأنا أغطه PageV02P471 # خشية أن تدركه الرحمة ". وأخرج ابن جرير والبيهقي من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج أبو ~~الشيخ عن أبي أمامة مرفوعا نحوه أيضا، وفي إسناد حديث أبي هريرة رجل مجهول، ~~وباقي رجاله ثقات - والعجب كل العجب ممن لا علم له بفن الرواية من ~~المفسرين، ولا يكاد يميز بين أصح الصحيح من الحديث وأكذب الكذب منه، كيف ~~يتجارى على الكلام في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحكم ~~ببطلان ما صح منها، ويرسل لسانه وقلمه بالجهل البحت، والقصور الفاضح الذي ~~يضحك منه كل من له أدنى ممارسة لفن الحديث، فيا مسكين مالك ولهذا الشأن ~~الذي لست منه في شئ؟ ألا تستر نفسك وتربع على ضلعك، وتعرف بأنك بهذا العلم ~~من أجهل الجاهلين، وتشتغل بما هو علمك الذي لا تجاوزه، وحاصلك الذي ليس لك ~~غيره، وهو علم اللغة وتوابعه من ms1711 العلوم الآلية، ولقد صار صاحب الكشاف رحمه ~~الله بسبب ما يتعرض له في تفسيره من علم الحديث الذي ليس هو منه في ورد ولا ~~صدر سخرة للساخرين وعبرة للمعتبرين، فتارة يروي في كتابه الموضوعات وهو لا ~~يدري أنها موضوعات، وتارة يتعرض لرد ما صح، ويجزم بأنه من الكذب على رسول ~~الله والبهت عليه، وقد يكون في الصحيحين وغيرهما مما يلتحق بهما من رواية ~~جماعة من الصحابة بأسانيد كلها أئمة ثقات أثبات حجج، وأدنى نصيب من عقل ~~يحجر صاحبه عن التكلم في علم لا يعلمه ولا يدري به أقل دراية، وإن كان ذلك ~~العلم من علوم الاصطلاح التي يتواضع عليها طائفة من الناس، ويصطلحون على ~~أمور فيما بينهم، فما بالك بعلم السنة الذي هو قسيم كتاب الله، وقائله رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وراويه عنه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم ~~الذين يلونهم، وكل حرف من حروفه وكلمة من كلماته يثبت بها شرع عام لجميع ~~أهل الإسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فاليوم ننجيك ببدنك) ~~قال: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعد ما غرق. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ عن مجاهد في ~~الآية قال: بجسدك، قال: كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فألقى على ساحل ~~البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيرا كأنه ثور. وأخرج ابن الأنباري عن ~~محمد بن كعب في قوله (فاليوم ننجيك ببدنك) قال: بدرعك، وكان درعه من لؤلؤة ~~يلاقي فيها الحروب. # سورة يونس الآية (93 - 98) PageV02P472 # سورة يونس الآية (99 - 100) قوله (ولقد بوأنا) هذا من جملة ما عدده الله ~~سبحانه من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، ومعنى بوأنا: # أسكنا، يقال بوأت زيدا منزلا: أسكنته فيه، والمبوأ اسم مكان أو مصدر، ~~وإضافته إلى الصدق على ما جرت عليه قاعدة العرب، فإنهم كانوا إذا مدحوا ~~شيئا أضافوه إلى الصدق، والمراد به هنا المنزل المحمود المختار، قيل هو أرض ~~مصر. وقيل الأردن وفلسطين، ms1712 وقيل الشام (ورزقناهم من الطيبات) أي المستلذات ~~من الرزق (فما اختلفوا) في أمر دينهم وتشعبوا فيه شعبا بعد ما كانوا على ~~طريقة واحدة غير مختلفة (حتى جاءهم العلم) أي لم يقع منهم الاختلاف في ~~الدين إلا بعد ما جاءهم العلم بقراءتهم التوراة وعلمهم بأحكامها، وما ~~اشتملت عليه من الأخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم - وقيل المعنى: ~~أنهم لم يختلفوا حتى جاءهم العلم، وهو القرآن النازل على نبينا صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به من آمن منهم وكفر به من ~~كفر. فيكون المراد بالمختلفين على القول الأول هم اليهود بعد أن أنزلت ~~عليهم التوراة وعلموا بها، وعلى القول الثاني هم اليهود المعاصرين لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم (إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون) فيجازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته، والمحق بعمله بالحق ~~والمبطل بعمله بالباطل (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) الشك في أصل اللغة: ~~ضم الشئ بعضه إلى بعض، ومنه شك الجوهر في العقد، والشاك كأنه يضم إلى ما ~~يتوهمه شيئا آخر خلافه فيتردد ويتحير، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والمراد غيره كما ورد في القرآن في غير موضع. قال أبو عمر محمد بن ~~عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان: معنى (فإن كنت في ~~شك) أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك) يعني مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأمثاله، وقد كان عبدة ~~الأوثان يعترفون لليهود بالعلم ويقرون بأنهم أعلم منهم، فأمر الله سبحانه ~~نبيه أن يرشد الشاكين فيما أنزله الله إليه من القرآن أن يسألوا أهل الكتاب ~~الذين قد أسلموا، فإنهم سيخبرونهم بأنه كتاب الله حقا، وأن هذا رسوله، وأن ~~التوراة شاهدة بذلك ناطقة به، وفي هذا الوجه مع حسنه مخالفة للظاهر. # وقال القتيبي: المراد بهذه الآية من كان من الكفار غير قاطع بتكذيب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا بتصديقه، بل كان ms1713 في شك. وقيل المراد بالخطاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا غيره. والمعنى: لو كنت ممن يلحقه الشك ~~فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك، وقيل الشك هو ضيق ~~الصدر: أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك ~~يخبروك بصبر من قبلك من الأنبياء على أذى قومهم. # وقيل معنى الآية: الفرض والتقدير، كأنه قال له: فإن وقع لك شك مثلا وخيل ~~لك الشيطان خيالا منه تقديرا، فاسأل الذين يقرءون الكتاب، فإنهم سيخبرونك ~~عن نبوتك وما نزل عليك، ويعترفون بذلك لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم، وقد زال ~~فيمن أسلم منهم ما كان مقتضيا للكتم عندهم. قوله (لقد جاءك الحق من ربك فلا ~~تكونن من الممترين) في هذا بيان ما يقلع الشك من أصله ويذهب به بجملته، وهو ~~شهادة الله سبحانه بأن هذا الذي وقع PageV02P473 # الشك فيه على اختلاف التفاسير في الشاك هو الحق الذي لا يخالطه باطل ولا ~~تشوبه شبهة، ثم عقبه بالنهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الامتراء ~~فيما أنزل الله عليه، بل يستمر على ما هو عليه من اليقين وانتفاء الشك. ~~ويمكن أن يكون هذا النهي له تعريضا لغيره كما في مواطن من الكتاب العزيز، ~~وهكذا القول في نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن التكذيب بآيات الله، فإن ~~الظاهر فيه التعريض ولا سيما بعد تعقيبه بقوله - فتكون من الخاسرين - وفى ~~هذا التعريض من الزجر للممترين والمكذبين ما هو أبلغ وأوقع من النهي لهم ~~أنفسهم، لأنه إذا كان بحيث ينهى عنه من لا يتصور صدوره عنه، فكيف بمن يمكن ~~منه ذلك. قوله (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون) قد تقدم مثله في ~~هذه السورة، والمعنى: أنه حق عليهم قضاء الله وقدره بأنهم يصرون على الكفر ~~ويموتون عليه لا يقع منهم الإيمان بحال من الأحوال، وإن وقع منهم ما صورته ~~صورة الإيمان كمن يؤمن منهم عند معاينة العذاب فهو في حكم العدم (ولو ~~جاءتهم كل آية) من الآيات التكوينية ms1714 والتنزيلية، فإن ذلك لا ينفعهم لأن ~~الله سبحانه قد طبع على قلوبهم وحق منه القول عليهم (حتى يروا العذاب ~~الأليم) فيقع منهم ما صورته صورة الإيمان وليس بإيمان. # ولا يترتب عليه شئ من أحكامه. قوله (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها) لولا هذه هي التحضيضية التي بمعنى هلا كما قال الأخفش والكسائي ~~وغيرهما، ويدل على ذلك ما في مصحف أبي وابن مسعود " فهلا قرية " والمعنى: ~~فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به، وذلك ~~بأن يكون خالصا لله قبل معاينة عذابه ولم يؤخره كما أخره فرعون، والاستثناء ~~بقوله (إلا قوم يونس) منقطع، وهو استثناء من القرى لأن المراد أهلها: ~~والمعنى: لكن قوم يونس (لما آمنوا) إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب أو ~~عند أول المعاينة قبل حلوله بهم (كشفنا عنهم عذاب الخزي) وقد قال بأن هذا ~~الاستثناء منقطع جماعة من الأئمة منهم الكسائي والأخفش: # والفراء، وقيل يجوز أن يكون متصلا، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما ~~آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء. ~~وقرئ بالرفع على البدل. وقال الزجاج في توجيه الرفع: يكون المعنى غير قوم ~~يونس، ولكن حملت إلا عليها وتعذر جعل الإعراب عليها، فأعرب الاسم الذي ~~بعدها بإعراب غير قال ابن جرير: خص قوم يونس من بين الأمم بأن تيب عليهم من ~~بعد معاينة العذاب، وحكى ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: إنه لم ~~يقع العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب ~~لما نفعهم الإيمان، وهذا أولى من قول ابن جرير، والمراد بعذاب الخزي الذي ~~كشفه الله عنهم، وهو العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم ~~يروه، أو الذي قد رأوا علاماته دون عينه (ومتعناهم إلى حين) أي بعد كشف ~~العذاب عنهم متعهم الله في الدنيا إلى حين معلوم قدره لهم. ثم بين سبحانه ~~أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره، فقال (ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض ms1715 كلهم) بحيث لا يخرج عنهم أحد (جميعا) مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون ~~فيه ويختلفون، ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفا للمصلحة التي أرادها الله ~~سبحانه، وانتصاب جميعا على الحال كما قال سيبويه. قال الأخفش: جاء بقوله ~~جميعا بعد كلهم للتأكيد كقوله - لا تتخذوا إلهين اثنين - ولما كان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حريصا على إيمان جميع الناس أخبره الله بأن ذلك لا ~~يكون، لأن مشيئته الجارية على الحكمة البالغة والمصالح الراجحة لا تقتضي ~~ذلك، فقال (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) فإن ذلك ليس في وسعك يا ~~محمد ولا داخل تحت قدرتك، وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وآله وسلم ودفع ~~لما يضيق به صدره من طلب صلاح الكل، الذي لو كان لم يكن صلاحا محققا بل ~~يكون إلى الفساد أقرب، ولله الحكمة البالغة. ثم بين سبحانه ما تقدم بقوله ~~(وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) أي ما صح وما استقام لنفس ~~PageV02P474 # من الأنفس أن تؤمن بالله إلا بإذنه: أي بتسهيله وتيسيره ومشيئته لذلك فلا ~~يقع غير ما يشاؤه كائنا ما كان (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) أي ~~العذاب أو الكفر أو الخذلان الذي هو سبب العذاب. وقرأ الحسن وأبو بكر ~~والمفضل " ونجعل " بالنون. وفي الرجس لغتان ضم الراء وكسرها، والمراد ~~بالذين لا يعقلون: هم الكفار الذين لا يتعقلون حجج الله ولا يتفكرون في ~~آياته ولا يتدبرون فيما نصبه لهم من الأدلة. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ~~قتادة في قوله (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) قال: بوأهم الله الشام ~~وبيت المقدس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~الضحاك قال: منازل صدق مصر والشام. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد ~~في قوله (فما اختلفوا حتى جاءهم العلم) قال: العلم كتاب الله الذي أنزله ~~وأمره الذي أمرهم به. وقد ورد في الحديث أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين ~~فرقة، ms1716 وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ~~ثلاث وسبعين فرقة، وهو في السنن والمسانيد، والكلام فيه يطول. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله ~~(فإن كنت في شك) الآية، قال: لم يشك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ~~يسأل. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: لا أشك ولا أسأل. وهو مرسل. وأخرج ابن جرير وأبو ~~الشيخ عن ابن عباس في قوله (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) قال: ~~التوراة والإنجيل الذين أدركوا محمدا من أهل الكتاب وآمنوا به، يقول: # سلهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (إن الذين حقت عليهم ~~كلمة ربك لا يؤمنون) قال: حق عليهم سخط الله بما عصوه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (فلولا كانت قرية آمنت) يقول فما ~~كانت قرية آمنت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في الآية قال: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ~~ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس، فاستثنى الله قوم يونس. قال: وذكر ~~لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم قذف الله في ~~قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح وأخرجوا المواشي وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ~~فعجوا إلى الله أربعين صباحا، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة ~~والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد ما تدلي عليهم لم يكن بينهم ~~وبين العذاب إلا ميل. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: إن يونس دعا قومه، فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب، ~~فقال: إنه يأتيكم يوم كذا وكذا، ثم خرج عنهم، وكانت الأنبياء إذا وعدت ~~قومها ms1717 العذاب خرجت، فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها، ~~وبين السخلة وولدها، وخرجوا يعجون إلى الله، وعلم الله منهم الصدق فتاب ~~عليهم وصرف عنهم العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمر به رجل ~~فقال: ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا، فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم، ~~وانطلق مغاضيا: # يعني مراغما. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: # غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا دخل فيه صاحبه ومطرت ~~السماء دما. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس أن العذاب كان هبط ~~على قوم يونس لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشفه الله ~~عنهم. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ~~الجلد قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم. فقالوا ~~له ما ترى؟ قال: قولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي PageV02P475 # الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوا فكشف عنهم العذاب. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ويجعل الرجس) قال: السخط. وأخرج أبو ~~الشيخ عن قتادة قال: الرجس: الشيطان، والرجس العذاب. # سورة يونس الآية (101 - 109) قوله (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) ~~لما بين سبحانه أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله أمر بالنظر والاستدلال ~~بالدلائل السماوية والأرضية، والمراد بالنظر: التفكر والاعتبار: أي قل يا ~~محمد للكفار تفكروا واعتبروا بما في السماوات والأرض من المصنوعات الدالة ~~على الصانع ووحدته وكمال قدرته. وماذا مبتدأ، وخبره في السماوات والأرض. أو ~~المبتدأ ما، وذا بمعنى الذي، وفي السماوات والأرض صلته، والموصول وصلته خبر ~~المبتدأ: أي أي شئ الذي في السماوات والأرض، وعلى التقديرين فالجملة في محل ~~نصب بالفعل الذي قبلها، ثم ذكر سبحانه أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ~~ينفع في حق من استحكمت شقاوته فقال (وما تغني الآيات والنذر) ms1718 أي ما تنفع ~~على أن ما نافية، ويجوز أن تكون استفهامية: أي أي شئ ينفع، والآيات هي التي ~~عبر عنها بقوله (ماذا في السماوات والأرض) والنذر جمع نذير، وهم الرسل أو ~~جمع إنذار وهو المصدر (عن قوم لا يؤمنون) في علم الله سبحانه، والمعنى: أن ~~من كان هكذا لا يجدي فيه شئ ولا يدفعه عن لكفر دافع قوله (فهل ينتظرون إلا ~~مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) أي فهل ينتظر هؤلاء الكفار المعاصرون لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلا مثل وقائع الله سبحانه بالكفار الذين خلوا من ~~قبل هؤلاء. فقد كان الأنبياء المتقدمون PageV02P476 # يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم يكذبونهم ~~ويصممون على الكفر حتى ينزل الله عليهم عذابه ويحل بهم انتقامه، ثم قال ~~(قل) يا محمد لهؤلاء الكفار المعاصرين لك (فانتظروا) أي تربصوا لوعد ربكم ~~إني معكم من المتربصين لوعد ربي، وفي هذا تهديد شديد، ووعيد بالغ بأنه ~~سينزل بهؤلاء ما نزل بأولئك من الإهلاك، وثم في قوله (ثم ننجي رسلنا) للعطف ~~على مقدر يدل عليه ما قبله كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا المرسلين ~~إليهم. وقرأ يعقوب ثم " ننجي " مخففا. وقرأ كذلك أيضا في (حقا علينا ننج ~~المؤمنين). وروى كذلك عن الكسائي وحفص في الثانية. وقرأ الباقون بالتشديد، ~~وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجى تنجية بمعنى واحد (والذين ~~آمنوا) معطوف على رسلنا: أي نجيناهم ونجينا الذين آمنوا، والتعبير بلفظ ~~الفعل المستقبل لاستحضار صورة الحال الماضية تهويلا لأمرها (كذلك حقا ~~علينا) أي حق ذلك علينا حقا، أو إنجاء مثل ذلك الانجاء حقا (ننج المؤمنين) ~~من عذابنا للكفار، والمراد بالمؤمنين: الجنس، فيدخل في ذلك الرسل وأتباعهم، ~~أو يكون خاصا بالمؤمنين وهم أتباع الرسل، لأن الرسل داخلون في ذلك بالأولى. ~~قوله (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني) أمر سبحانه رسوله بأن يظهر ~~التباين بين طريقته وطريقة المشركين مخاطبا لجميع الناس، أو للكفار منهم، ~~أو لأهل مكة على الخصوص بقوله: إن كنتم ms1719 في شك من ديني الذي أنا عليه، وهو ~~عبادة الله وحده لا شريك له، ولم تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته، وأنه ~~الدين الحق الذي لا دين غيره، فاعلموا أني برئ من أديانكم التي أنتم عليها ~~(فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله) في حال من الأحوال (ولكن أعبد الله ~~الذين يتوفاكم) أي أخصه بالعبادة لا أعبد غيره من معبوداتكم من الأصنام ~~وغيرها، وخص صفة المتوفى من بين الصفات لما في ذلك من التهديد لهم: أي أعبد ~~الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، ولكونه يدل على ~~الخلق أولا، وعلى الإعادة ثانيا، ولكونه أشد الأحوال مهابة في القلوب، ~~ولكونه قد تقدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة، ~~فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله ~~بين أنه مأمور بالإيمان فقال (وأمرت أن أكون من المؤمنين) أي بأن أكون من ~~جنس من آمن بالله وأخلص له الدين، وجملة (وأن أقم وجهك للدين) معطوفة على ~~جملة (أن أكون من المؤمنين) ولا يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر لأن ~~المقصود من " أن " الدلالة على المصدر، وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية، ~~أو يكون المعطوف عليه في معنى الإنشاء، كأنه قيل: كن مؤمنا ثم أقم، ~~والمعنى: أن الله سبحانه أمره بالاستقامة في الدين والثبات فيه، وعدم ~~التزلزل عنه بحال من الأحوال. وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، أو أمره ~~باستقبال القبلة في الصلاة وعدم التحول عنها. وحنيفا حال من الدين، أو من ~~الوجه: أي مائلا عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام، ثم أكد الأمر ~~المتقدم للنهي عن ضده فقال (ولا تكونن من المشركين) وهو معطوف على أقم، وهو ~~من باب التعريض لغيره صلى الله عليه وآله وسلم. قوله (ولا تدع من دون الله ~~ما لا ينفعك ولا يضرك) معطوف على - قل يا أيها الناس - غير داخل تحت الأمر، ~~وقيل معطوف على " ولا تكونن " أي لا تدع من دون الله على حال من الأحوال ms1720 ما ~~لا ينفعك ولا يضرك بشئ من النفع والضر إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب ~~نفعا، ولا يقدر على ضر ضائع لا يفعله عاقل على تقدير أنه لا يوجد من يقدر ~~على النفع والضر غيره، فكيف إذا كان موجودا؟ # فإن العدول عن دعاء القادر إلى دعاء غير القادر أقبح وأقبح (فإن فعلت) أي ~~فإن دعوت، ولكنه كنى عن القول بالفعل (فإنك إذا من الظالمين) هذا جزاء ~~الشرط: أي فإن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإنك في عداد الظالمين ~~لأنفسهم، والمقصود من هذا الخطاب التعريض بغيره صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وجملة (وإن PageV02P477 # يمسسك الله بضر) إلى آخرها مقررة لمضمون ما قبلها. والمعنى أن الله ~~سبحانه هو الضار النافع، فإن أنزل بعبده ضرا لم يستطع أحد أن يكشفه كائنا ~~من كان، بل هو المختص بكشفه كما اختص بإنزاله (وإن يردك بخير) أي خير كان ~~لم يستطع أحد أن يدفعه عنك ويحول بينك وبينه كائنا من كان، وعبر بالفضل ~~مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم. قال ~~الواحدي: إن قوله (وإن يردك بخير) هو من القلب، وأصله وإن يرد بك الخير، ~~ولكن لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز أن يكون كل واحد منهما مكان الآخر. ~~قال النيسابوري: وفي تخصيص الإرادة بجانب الخير، والمس بجانب الشر دليل على ~~أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات، والشر بالعرض. قلت: وفي هذا نظر فإن المس ~~هو أمر وراء الإرادة فهو مستلزم لها، والضمير في يصيب به راجع إلى فضله: أي ~~يصيب بفضله من يشاء من عباده، وجملة (وهو الغفور الرحيم) تذييلية ثم ختم ~~هذه السورة بما يستدل به على قضائه وقدره، فقال (قل يا أيها الناس قد جاءكم ~~الحق من ربكم) أي القرآن (فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها) أي منفعة اهتدائه مختصة به، وضرر كفره مقصور عليه لا يتعداه. # وليس لله حاجة في شئ من ذلك، ولا غرض يعود إليه ms1721 (وما أنا عليكم بوكيل) أي ~~بحفيظ يحفظ أموركم وتوكل إليه: إنما أنا بشير ونذير. ثم أمره الله سبحانه ~~أن يتبع ما أوحاه إليه من الأوامر والنواهي التي يشرعها الله له ولأمته ثم ~~أمره بالصبر على أذى الكفار وما يلاقيه من مشاق التبليغ وما يعانيه من تلون ~~أخلاق المشركين وتعجرفهم. # وجعل ذلك الصبر ممتدا إلى غاية هي قوله (حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) ~~أي يحكم الله بينه وبينهم في الدنيا بالنصر له عليهم، وفي الآخرة بعذابهم ~~بالنار وهم يشاهدونه صلى الله عليه وآله وسلم هو وأمته، المتبعون له ~~المؤمنون به، العاملون بما يأمرهم به، المنتهون عما ينهاهم عنه، يتقلبون في ~~نعيم الجنة الذي لا ينفد، ولا يمكن وصفه. # ولا يوقف على أدنى مزاياه. # وقد أخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله (وما تغنى الآيات والنذر عن قوم) ~~يقول: عند قوم (لا يؤمنون) نسخت قوله - حكمة بالغة فما تغني النذر -. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (فهل ينتظرون إلا مثل ~~أيام الذين خلوا من قبلهم) قال: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح ~~وعاد وثمود. # وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في الآية قال: خوفهم عذابه ونقمته ~~وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا، ~~فقال (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا) الآية. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في ~~قوله (وإن يردك بخير) يقول: بعافية. وأخرج البيهقي في الشعب عن عامر بن قيس ~~قال: ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهن عن جميع الخلائق: أولهن (وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله)، والثانية - ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له -، والثالثة - ~~وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها -. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن ~~نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله (فلا راد لفضله) قال: هو الحق ~~المذكور في قوله ms1722 (قد جاءكم الحق من ربكم). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في ~~قوله (واصبر حتى يحكم الله) قال: هذا منسوخ، أمره بجهادهم والغلظة عليهم. ~~PageV02P478 # تفسير سورة هود هي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. قال ابن عباس ~~وقتادة: إلا آية وهي قوله - وأقم الصلاة طرفي النهار -. وأخرج النحاس في ~~ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: نزلت سورة هود بمكة. ~~وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله. وأخرج الدارمي وأبو داود في ~~مراسيله وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر والبيهقي في الشعب عن كعب قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " اقرءوا هود يوم الجمعة ". وأخرج ~~ابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر من طريق مسروق عن ~~أبي بكر الصديق قال " قلت يا رسول الله لقد أسرع إليك الشيب، فقال: شيبتني ~~هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت ". وأخرجه البزار ~~وابن مردويه من طريق أنس عنه مرفوعا بلفظ " قلت يا رسول الله عجل إليك ~~الشيب. قال: شيبتني هود وأخواتها، والواقعة، والحاقة، وعم يتساءلون، وهل ~~أتاك حديث الغاشية ". وأخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه عن أنس قال: " قال ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد عجل إليك الشيب، فقال: ~~شيبتني هود وأخواتها من المفصل ". وأخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور من طريق عكرمة عن ابن عباس ~~قال قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت، قال: شيبتني هود، والواقعة، ~~والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت ". وأخرج ابن عساكر من طريق عطاء ~~عنه أن الصحابة قالوا: " يا رسول الله لقد أسرع إليك الشيب، قال: أجل ~~شيبتني هود وأخواتها ". قال عطاء: أخواتها: اقتربت الساعة، والمرسلات، وإذا ~~الشمس كورت. وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال " قال عمر بن ~~الخطاب: يا رسول الله أسرع إليك الشيب، قال: شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، ~~وعم يتساءلون. وإذا الشمس كورت ". وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ms1723 سهل بن ~~سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " شيبتني هود ~~وأخواتها: # الواقعة، والحاقة، وإذا الشمس كورت ". وأخرجا أيضا عن ابن مسعود " أن أبا ~~بكر قال: يا رسول الله ما شيبك؟ قال: هود والواقعة ". وفي إسناده عمرو بن ~~ثابت وهو متروك. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عقبة بن عامر " ~~أن رجلا قال: يا رسول الله قد شبت، قال: شيبتني هود، وإذا الشمس كورت ~~وأخواتها ". وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وعبد الله بن أحمد في ~~زوائد الزهد وأبو يعلي والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ~~جحيفة قال " قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت، قال: شيبتي هود وأخواتها ". ~~وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عمران بن حصين " أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال له أصحابه: قد أسرع إليك الشيب. قال: شيبتني هود ~~وأخواتها من المفصل. وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " شيبتني هود وأخواتها وما فعل بالأمم قبل ". # سورة هود الآية (1 - 2) PageV02P479 # سورة هود الآية (3 - 8) قوله (الر) إن كان مسرودا على سبيل التعديد كما ~~في سائر فواتح السور فلا محل له، وإن كان اسما للسورة فهو في محل رفع على ~~أنه مبتدأ خبره ما بعده أو خبر مبتدأ محذوف، و (كتاب) يكون على هذا الوجه ~~خبرا لمبتدأ محذوف: أي هذا كتاب وكذا على تقدير أن (الر) لا محل له، ويجوز ~~أن يكون (الر) في محل نصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو: أذكر، أو اقرأ، ~~فيكون كتاب على هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف، والإشارة في المبتدأ المقدر إما ~~إلى بعض القرآن أو إلى مجموع القرآن، ومعنى (أحكمت آياته) صارت محكمة متقنة ~~لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم، وقيل معناه: إنها لم تنسخ بخلاف ~~التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكتاب باعتبار الغالب، وهو ~~المحكم الذي لم ينسخ، وقيل معناه: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ms1724 ثم فصلت ~~بالوعد والوعيد والثواب والعقاب، وقيل أحكمها الله من الباطل ثم فصلها ~~بالحلال والحرام، وقيل أحكمت جملته، ثم فصلت آياته، وقيل جمعت في اللوح ~~المحفوظ ثم فصلت بالوحي، وقيل أيدت بالحجج القاطعة الدالة على كونها من عند ~~الله، وقيل معنى إحكامها أن لا فساد فيها، أخذا من قولهم أحكمت الدابة: إذا ~~وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح، و (ثم فصلت) معطوف على أحكمت، ومعناه ~~ما تقدم، والتراخي المستفاد من ثم إما زماني إن فسر التفصيل بالتنجيم على ~~حسب المصالح، وإما رتبي إن فسر بغيره مما تقدم، والجمل في محل رفع على أنها ~~صفة لكتاب أو خبر آخر للمبتدأ أو خبر لمبتدأ محذوف، وفي قوله (من لدن حكيم ~~خبير) لف ونشر، لأن المعنى: # أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور. قوله (ألا تعبدوا إلا الله) ~~مفعول له حذف منه اللام: كذا في الكشاف، وفيه أنه ليس بفعل لفاعل الفعل ~~المعلل، وقيل أن هي المفسرة لما في التفصيل من معنى القول، وقيل هو كلام ~~مبتدأ منقطع عما قبله محكيا على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال ~~الكسائي والفراء: التقدير أحكمت بأن لا تعبدوا إلا الله. وقال الزجاج: ~~أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله، ثم أخبرهم رسول الله PageV02P480 # صلى الله عليه وآله وسلم بأنه نذير وبشير فقال (إنني لكم منه نذير وبشير) ~~أي ينذرهم ويخوفهم من عذابه لمن عصاه ويبشرهم بالجنة والرضوان لمن أطاعه، ~~والضمير في منه راجع إلى الله سبحانه: أي إنني لكم نذير وبشير من جهة الله ~~سبحانه، وقيل هو من كلام الله سبحانه كقوله - ويحذركم الله نفسه -. قوله ~~(وأن استغفروا ربكم) معطوف على ألا تعبدوا، والكلام في أن هذه كالكلام في ~~التي قبلها. وقوله (ثم توبوا إليه) معطوف على استغفروا، وقدم الإرشاد إلى ~~الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها، وقيل إن التوبة من متممات ~~الاستغفار، وقيل معنى استغفروا توبوا، ومعنى توبوا: أخلصوا التوبة ~~واستقيموا عليها، وقيل استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا من لاحقها، وقيل ~~استغفروا ms1725 من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة. قال الفراء: ثم هاهنا بمعنى ~~الواو: أي وتوبوا إليه لأن الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار، وقيل ~~إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب ~~إليها، وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب، وقيل استغفروا في ~~الصغائر وتوبوا إليه في الكبائر، ثم رتب على ما تقدم أمرين الأول (يمتعكم ~~متاعا حسنا) أصل الإمتاع الإطالة ومنه أمتع الله بك، فمعنى الآية: # بطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من سعة الرزق ورغد العيش (إلى ~~أجل مسمى) إلى وقت مقدر عند الله وهو الموت، وقيل القيامة، وقيل دخول ~~الجنة، والأول أولى، والأمر الثاني قوله (ويؤت كل ذي فضل فضله) أي يعط كل ~~ذي فضل في الطاعة والعمل فضله: أي جزاء فضله إما في الدنيا أو في الآخرة أو ~~فيهما جميعا، والضمير في فضله راجع إلى كل ذي فضل، وقيل راجع إلى الله ~~سبحانه على معنى أن الله يعطي كل من فضلت حسناته فضله الذي يتفضل به على ~~عباده. ثم توعدهم على مخالفة الأمر فقال (وإن تولوا) أي تتولوا وتعرضوا عن ~~الإخلاص في العبادة والاستغفار والتوبة (فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير) ~~وهو يوم القيامة، ووصفه بالكبر لما فيه من الأهوال، وقيل اليوم الكبير يوم ~~بدر. ثم بين سبحانه عذاب اليوم الكبير بقوله (إلى الله مرجعكم) أي رجوعكم ~~إليه بالموت، ثم البعث، ثم الجزاء، لا إلى غيره (وهو على كل شئ قدير) ومن ~~جملة ذلك عذابكم على عدم الامتثال، وهذه الجملة مقررة لما قبلها. ثم أخبر ~~الله سبحانه بأن هذا الإنذار والتحذير والتوعد لم ينجع فيهم، ولا لانت له ~~قلوبهم، بل هم مصرون على العناد مصممون على الكفر، فقال مصدرا لهذا الإخبار ~~بكلمة التنبيه الدالة على التعجب من حالهم، وأنه أمر ينبغي أن يتنبه له ~~العقلاء ويفهموه (ألا إنهم يثنون صدورهم) يقال ثنى صدره عن الشئ: إذا ازور ~~عنه وانحرف منه، فيكون في الكلام كناية عن الإعراض، لأن من أعرض عن ms1726 الشئ ~~ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه، وقيل معناه: يعطفون صدورهم على ما فيها من ~~الكفر والإعراض عن الحق، فيكون في الكلام كناية عن الإخفاء لما يعتقدونه من ~~الكفر كما كان دأب المنافقين. والوجه الثاني أولى، ويؤيده قوله (ليستخفوا ~~منه) أي ليستخفوا من الله فلا يطلع عليه رسوله والمؤمنين، أو ليستخفوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم كرر كلمة التنبيه مبينا للوقت الذي ~~يثنون فيه صدورهم فقال (ألا حين يستغشون ثيابهم) أي يستخفون في وقت استغشاء ~~الثياب، وهو التغطي بها، وقد كانوا يقولون إذا أغلقنا أبوابنا واستغشينا ~~ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ وقيل معنى حين يستغشون: ~~حين يأوون إلى فراشهم ويتدثرون بثيابهم، وقيل إنه حقيقة وذلك أن بعض الكفار ~~كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثنى صدره وولى ظهره ~~واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجملة ~~(يعلم ما يسرون وما يعلنون) مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء، ~~لأن الله سبحانه يعلم ما يسرونه في أنفسهم أو في ذات بينهم وما يظهرونه، ~~فالظاهر والباطن عنده سواء، والسر والجهر سيان، وجملة (إنه عليم بذات ~~الصدور) تعليل لما قبلها وتقرير له، PageV02P481 # وذات الصدور هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور، وقيل هي القلوب، ~~والمعنى: إنه عليم بجميع الضمائر، أو عليم بالقلوب وأحوالها في الإسرار ~~والإظهار، فلا يخفى عليه شئ من ذلك، ثم أكد كونه عالما بكل المعلومات بما ~~فيه غاية الامتنان ونهاية الإحسان فقال (وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها) أي الرزق الذي تحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان على اختلاف ~~أنواعه تفضلا منه وإحسانا، وإنما جئ به على طريق الوجوب كما تشعر به كلمة " ~~على " اعتبارا بسبق الوعد به منه، ومن زائدة للتأكيد، ووجه اتصال هذا ~~الكلام بما قبله أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما ~~قسمه له من الرزق، فكيف يغفل عن أحواله وأقواله ms1727 وأفعاله، والدابة كل حيوان ~~يدب (ويعلم مستقرها) أي محل استقرارها في الأرض أو محل قرارها في الأصلاب ~~(ومستودعها) موضعها في الأرحام، وما يجري مجراها كالبيضة ونحوها. وقال ~~الفراء: مستقرها حيث تأوى إليه ليلا ونهارا، ومستودعها موضعها الذي تموت ~~فيه، وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام، ووجه تقدم المستقر على المستودع ~~على قول الفراء ظاهر. وأما على القول الأول فلعل وجه ذلك أن المستقر أنسب ~~باعتبار ما هي عليه حال كونها دابة. والمعنى: # وما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله حيث كانت من أماكنها بعد كونها ~~دابة وقبل كونها دابة، وذلك حيث تكون في الرحم ونحوه، ثم ختم الآية بقوله ~~(كل في كتاب مبين) أي كل من ما تقدم ذكره من الدواب ومستقرها ومستودعها ~~ورزقها في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ: أي مثبت فيه. ثم أكد دلائل قدرته ~~بالتعرض لذكر خلق السماوات والأرض، وكيف كان الحال قبل خلقها فقال (وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) قد تقدم بيان هذا في الأعراف، قيل ~~والمراد بالأيام الأوقات: أي في ستة أوقات كما في قوله - ومن يولهم يومئذ ~~دبره - وقيل مقدار ستة أيام، ولا يستقيم أن يكون المراد بالأيام هنا الأيام ~~هنا الأيام المعروفة، وهي المقابلة لليالي، لأنه لم يكن حينئذ لا أرض ولا ~~سماء وليس اليوم إلا عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض، وكان خلق السماوات ~~في يومين والأرضين في يومين وما عليهما من أنواع الحيوان والنبات والجماد ~~في يومين كما سيأتي في حم السجدة. قوله (وكان عرشه على الماء) أي كان قبل ~~خلقهما عرشه على الماء، وفيه بيان تقدم خلق العرش والماء على السماوات ~~والأرضين. قوله (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) اللام متعلقة بخلق: أي خلق هذه ~~المخلوقات ليبتلي عباده بالاعتبار والتفكر والاستدلال على كمال قدرته وعلى ~~البعث والجزاء أيهم أحسن عملا فيما أمر به ونهى عنه، فيجازى المحسن بإحسانه ~~والمسئ بإساءته، ويوفر الجزاء لمن كان أحسن عملا من غيره، ويدخل في العمل ~~الاعتقاد، لأنه من أعمال القلب، ms1728 وقيل المراد بالأحسن عملا الأتم عقلا، وقيل ~~الأزهد في الدنيا، وقيل الأكثر شكرا، وقيل الأتقى لله. قوله (ولئن قلت إنكم ~~مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) ثم لما كان ~~الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك بذكره، والمعنى: لئن قلت لهم يا محمد ~~على ما توجبه قضية الابتلاء إنكم مبعوثون من بعد الموت فيجازى المحسن ~~بإحسانه والمسئ بإساءته، ليقولن الذين كفروا من الناس إن هذا الذي تقوله يا ~~محمد إلا باطل كبطلان السحر وخدع كخدعه. ويجوز أن تكون الإشارة بهذا إلى ~~القرآن، لأنه المشتمل على الإخبار بالبعث. وقرأ حمزة والكسائي (إن هذا إلا ~~ساحر) يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكسرت إن من قوله (إنكم) لأنها ~~بعد القول. وحكى سيبويه الفتح على تضمين قلت معنى ذكرت، أو على أن بمعنى ~~عل: أي ولئن قلت لعلكم مبعوثون، على أن الرجاء باعتبار حال المخاطبين: أي ~~توقعوا ذلك ولا تبتوا القول بإنكاره (ولئن أخرنا عنهم العذاب) أي الذي تقدم ~~ذكره في قوله (عذاب يوم كبير) وقيل عذاب يوم القيامة وما بعده، وقيل يوم ~~بدر (إلى أمة معدودة) أي إلى طائفة من الأيام قليلة، لأن ما يحصره العد ~~قليل، PageV02P482 # والأمة اشتقاقها من الأم: وهو القصد، وأراد بها الوقت المقصود لإيقاع ~~العذاب، وقيل هي في الأصل الجماعة من الناس، وقد يسمى الحين باسم ما يحصل ~~فيه كقولك كنت عند فلان صلاة العصر: أي في ذلك الحين، فالمراد على هذا إلى ~~حين تنقضي أمة معدودة من الناس (ليقولن ما يحبسه) أي أي شئ يمنعه من النزول ~~استعجالا له على جهة الاستهزاء والتكذيب، فأجابهم الله بقوله (ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم) أي ليس محبوسا عنهم، بل واقع بهم لا محالة، ويوم ~~منصوب بمصروفا (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) أي أحاط بهم العذاب الذي ~~كانوا يستعجلونه استهزاء منهم، ووضع يستهزءون مكان يستعجلون، لأن استعجالهم ~~كان استهزاء منهم، وعبر بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه فكأنه قد حاق ~~بهم. # وقد أخرج ms1729 ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قرأ (الر) كتاب أحكمت آياته) قال: ~~هي كلها محكمة يعني سورة هود (ثم فصلت) قال: ثم ذكر محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم فحكم فيها بينه وبين من خالفه وقرأ مثل الفريقين الآية كلها، ثم ~~ذكر قوم نوح ثم هود، فكان هذا تفصيل ذلك، وكان أوله محكما قال: وكان أبي ~~يقول ذلك، يعني زيد بن أسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن الحسن في قوله (كتاب أحكمت آياته) قال: أحكمت بالأمر والنهي، ~~وفصلت بالوعد والوعيد وأخرج هؤلاء عن مجاهد (فصلت) قال: # فسرت. وأخرج هؤلاء أيضا عن قتادة في الآية قال: أحكمها الله من الباطل ثم ~~فصلها بعلمه، فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، وفي قوله (من لدن حكيم) ~~يعني من عند حكيم، وفي قوله (يمتعكم متاعا حسنا) قال: فأنتم في ذلك المتاع ~~فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه، فإن الله منعم يحب الشاكرين وأهل الشكر في ~~مزيد من الله، وذلك قضاؤه الذي قضاء، وفي قوله (إلى أجل مسمى) يعني الموت، ~~وفي قوله (يؤت كل ذي فضل فضله) أي في الآخرة. وأخرج هؤلاء أيضا عن مجاهد في ~~قوله يؤت كل ذي فضل فضله: أي في الآخرة. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: يؤت ~~كل ذي فضل في الإسلام فضل الدرجات في الآخرة. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ~~في قوله (ويؤت كل ذي فضل فضله) قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل ~~حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له ~~عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت ~~له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره. وأخرج البخاري وغيره عن ~~ابن عباس في قوله (ألا انهم يثنون صدورهم) الآية قال: كانوا يستحيون أن ~~يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك ~~فيهم. قال البخاري - وعن ابن عباس (يستغشون) يغطون رؤوسهم. وروى ms1730 البخاري ~~أيضا عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، يعني به الشك في الله، وعمل السيئات ~~وكذا روى عن مجاهد والحسن وغيرهما: أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا ~~شيئا أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأعلمهم سبحانه أنه حين ~~يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل (يعلم ما يسرون) من القول (وما ~~يعلنون). وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن عبد الله ابن شداد بن الهاد في قوله (ألا إنهم يثنون صدورهم) قال: ~~كان المنافقون إذا مر أحدهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ثنى صدره وتغشى ~~ثوبه لكيلا يراه، فنزلت. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله (ألا حين يستغشون ~~ثيابهم) قال: في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رزين في الآية قال: كان أحدهم يحني ~~ظهره، ويستغشي بثوبه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن قتادة في الآية قال: كانوا يخبون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله. قال ~~تعالى (ألا حين PageV02P483 # يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون) وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا أحنى ظهره ~~واستغشى بثوبه وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى عليه ذلك. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في الآية: يكتمون ما في قلوبهم ألا حين ~~يستغشون ثيابهم يعلم ما عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (وما من دابة) الآية قال: يعني كل دابة. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وما من ~~دابة) الآية قال: يعني ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت ~~جوعا، ولكن ما كان لها من رزق لها فمن الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ويعلم مستقرها) ~~قال: حيث ms1731 تأوي، ومستودعها قال: حيث تموت. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (ويعلم ~~مستقرها) قال: يأتيها رزقها حيث كانت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: مستقرها في الأرحام ~~ومستودعها حيث تموت. ويؤيد هذا لتفسير الذي ذكره ابن مسعود ما أخرجه ~~الترمذي الحكيم في نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا كان أجل ~~أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة، حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض، فتقول ~~الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني. وأخرج عبد الرزاق في المصنف ~~والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله (وكان عرشه على ~~الماء) على أي شئ كان الماء؟ قال: على متن الريح. وقد وردت أحاديث كثيرة في ~~صفة العرش وفي كيفية خلق السماوات والأرض ليس هذا موضع ذكرها وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ~~فقال: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: ليبلوكم أيكم أحسن عقلا، ثم قال: ~~وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم الله وأعملكم بطاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن قتادة قال: # إنكم أتم عقلا. وأخرج أيضا عن سفيان قال: أزهدكم في الدنيا. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما نزلت - اقترب للناس حسابهم - قال ~~ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلا ثم عادوا إلى ~~أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله - أتى أمر الله فلا تستعجلوه - فقال ناس ~~من أهل الضلال: هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر ~~السوء، فأنزل الله هذه الآية (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه ms1732 عن ابن ~~عباس في قوله (إلى أمة معدودة) قال: إلى أجل معدود. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن قتادة (ليقولن ما يحبسه) يعني أهل النفاق. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدي في قوله (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) يقول: وقع بهم ~~العذاب الذي استهزءوا به. سورة هود الآية (9 - 11) PageV02P484 # سورة هود الآية (12 - 17) اللام في (ولئن أذقنا الإنسان) هي الموطئة ~~للقسم، والإنسان الجنس، فيشمل المؤمن والكافر، ويدل على ذلك الاستثناء ~~بقوله (إلا الذين صبروا) وقيل المراد جنس الكفار، ويؤيده أن اليأس والكفران ~~والفرح والفخر هي أوصاف أهل الكفر لا أهل الإسلام في الغالب، وقيل المراد ~~بالإنسان الوليد بن المغيرة، وقيل عبد الله بن أمية المخزومي: والمراد ~~بالرحمة هنا: النعمة من توفير الرزق والصحة والسلامة من المحن (ثم نزعناها ~~منه) أن سلبناه إياها (إنه ليئوس) أي آيس من الرحمة شديد القنوط من عودها ~~وأمثالها، والكفور: عظيم الكفران وهو الجحود بها قاله ابن الأعرابي، وفي ~~إيراد صيغتي المبالغة في (ليؤس كفور) ما يدل على أن الإنسان كثير اليأس، ~~وكثير الجحد عند أن يسلبه الله بعض نعمه فلا يرجو عودها، ولا يشكر ما قد ~~سلف له منها. وفي التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدنى ~~نعمة ينعم الله بها عليه، لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، ~~والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء ظهور أثر الإضرار على من أصيب ~~به. والمعنى: أنه إن أذاق الله سبحانه العبد نعماءه من الصحة والسلامة، ~~والغني بعد أن كان في ضر من فقر أو مرض أو خوف، لم يقابل ذلك بما يليق به ~~من الشكر لله سبحانه، بل يقول ذهب السيئات: أي المصائب التي ساءته من الضر ~~والفقر والخوف والمرض عنه وزال أثرها غير شاكر لله ولا مثن عليه بنعمه (إنه ~~لفرح فخور) أي كثير الفرح بطرا وأشرا، كثير الفخر على الناس والتطاول عليهم ~~بما يتفضل الله به عليه من النعم، وفي التعبير عن ملابسة الضر له بالمس ms1733 ~~مناسبة للتعبير في جانب النعماء بالإذاقة، فإن كلاهما لأدنى ما يطلق عليه ~~اسم الملاقاة، كما تقدم (إلا الذين صبروا) فإن عادتهم الصبر عند نزول ~~المحن، والشكر عند حصول المنن. قال الأخفش: هو استثناء ليس من الأول: أي ~~ولكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفراء، ~~هو استثناء من لئن أذقناه: أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس ~~يشمل الكافر والمؤمن، فهو استثناء متصل، والإشارة بقوله (أولئك) إلى ~~الموصول باعتبار اتصافه بالصبر وعمل الصالحات (لهم مغفرة) لذنوبهم (وأجر) ~~يؤجرون به لأعمالهم الحسنة (كبير) متناه في الكبر. ثم سلى الله سبحانه ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال (فلعلك تارك بعض ما يوحى PageV02P485 # إليك) أي فلعلك لعظم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب، واقتراح الآيات ~~التي يقترحونها عليه على حسب هواهم وتعنتهم تارك بعض ما يوحى إليك مما ~~أنزله الله عليك وأمرك بتبليغه، مما يشق عليهم سماعه أو يستشقون العمل به، ~~كسب آلهتهم وأمرهم بالإيمان بالله وحده. قيل وهذا الكلام خارج مخرج ~~الاستفهام: أي هل أنت تارك؟ وقيل هو في معنى النفي مع الاستبعاد: أي لا ~~يكون منك ذلك، بل تبلغهم جميع ما أنزل الله عليك، أحبوا ذلك أم كرهوه، ~~شاءوا أم أبوا (وضائق به صدرك) معطوف على تارك، والضمير في به راجع إلى ما ~~أو إلى بعض، وعبر بضائق دون ضيق لأن اسم الفاعل فيه معنى الحدوث والعروض ~~والصفة المشبهة فيها معنى اللزوم (أن يقولوا) أي كراهة أن يقولوا، أو مخافة ~~أن يقولوا أو لئلا يقولوا (لولا أنزل عليه كنز) أي هلا أنزل عليه كنز: أي ~~مال مكنوز مخزون ينتفع به (أو جاء معه ملك) يصدقه ويبين لنا صحة رسالته، ثم ~~بين سبحانه أن حاله صلى الله عليه وآله وسلم مقصور على النذارة، فقال (إنما ~~أنت نذير) ليس عليك إلا الإنذار بما أوحى إليك، وليس عليك حصول مطلوبهم ~~وإيجاد مقترحاتهم (والله على كل شئ وكيل) يحفظ ما يقولون وهو فاعل بهم ما ~~يجب أن يفعل. # قوله (أم ms1734 يقولون افتراه) أم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة، وأضرب ~~عما تقدم من تهاونهم بالوحي، وعدم قنوعهم بما جاء به من المعجزات الظاهرة، ~~وشرع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد من ذلك، وهو افتراؤهم عليه بأنه افتراه، ~~والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والضمير المستتر في افتراه للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم والبارز إلى ما يوحى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم ~~بما يقطعهم ويبين كذبهم ويظهر به عجزهم فقال (قل فأتوا بعشر سور مثله) أي ~~مماثلة له في البلاغة وحسن النظم وجزالة اللفظ وفخامة المعابي ووصف السور ~~بما يوصف به المفرد، فقال مثله، ولم يقل أمثاله، لأن المراد مماثلة كل واحد ~~من السور، أو لقصد الإيماء إلى وجه الشبه، ومداره المماثلة في شئ واحد، وهو ~~البلاغة البالغة إلى حد الإعجاز وهذا إنما هو على القول بأن المطابقة في ~~الجمع والتثنية والإفراد شرط، ثم وصف السور بصفة أخرى، فقال (مفتريات ~~وادعوا) للاستظهار على المعارضة بالعشر السور (من استطعتم) دعاءه وقدرتم ~~على الاستعانة به من هذا النوع الإنساني، وممن تعبدونه وتجعلونه شريكا لله ~~سبحانه. وقوله (من دون الله) متعلق بادعوا: أي ادعوا من استطعتم متجاوزين ~~الله تعالى (إن كنتم صادقين) فيما تزعمون من افترائي له (فإن لم يستجيبوا ~~لكم) أي فإن لم يفعلوا ما طلبته منهم وتحديتهم به من الإتيان بعشر سور مثله ~~ولا استجابوا إلى المعارضة المطلوبة منهم ويكون الضمير في لكم لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين أو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده ~~وجمع تعظيما وتفخيما (فاعلموا) أمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وللمؤمنين أو للرسول وحده على التأويل الذي سلف قريبا. ومعنى أمرهم بالعلم ~~أمرهم بالثبات عليه لأنهم عالمون بذلك من قبل عجز الكفار عن الإتيان بعشر ~~سور مثله، أو المراد بالأمر بالعلم الأمر بالازدياد منه إلى حد لا يشوبه شك ~~ولا تخالطه شبهة وهو علم اليقين، والأول أولى. ومعنى (أنما أنزل بعلم الله) ~~أنه أنزل متلبسا بعلم الله المختص به، الذي لا ms1735 تطلع على كنهه العقول ولا ~~تستوضح معناه الأفهام، لما اشتمل عليه من الإعجاز الخارج عن طوق البشر (وأن ~~لا إله إلا هو) أي واعلموا أن الله هو المتفرد بالألوهية لا شريك له، ولا ~~يقدر غيره على ما يقدر عليه. ثم ختم الآية بقوله (فهل أنتم مسلمون) أي ~~ثابتون على الإسلام مخلصون له مزدادون من الطاعات، لأنه قد حصل لكم بعجز ~~الكفار عن الإتيان بمثل عشر سور من هذا الكتاب طمأنينة فوق ما كنتم عليه ~~وبصيرة زائدة، وإن كنتم مسلمين من قبل - هذا فإن الثبوت عليه وزيادة ~~البصيرة فيه والطمأنينة به مطلوب منكم. وقيل إن الضمير في (فإن لم ~~يستجيبوا) للموصول في من استطعتم. # وضمير لكم للكفار الذين تحداهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك ~~ضمير فاعلموا - والمعنى: فإن PageV02P486 # لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاضدة والمناصرة على الإتيان بعشر سور من ~~سائر الكفار ومن يعبدونهم، ويزعمون أنهم يضرون وينفعون، فاعلموا أن هذا ~~القرآن الذي أنزله الله على هذا الرسول خارج عن قدرة غيره سبحانه وتعالى، ~~لما اشتمل عليه من الإعجاز الذي تتقاصر دونه قوة المخلوقين، وأنه أنزل بعلم ~~الله الذي لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأفهام، واعلموا أنه المنفرد ~~بالألوهية لا شريك له، فهل أنتم بعد هذا مسلمون؟ أي داخلون في الإسلام ~~متبعون لأحكامه مقتدون بشرائعه. وهذا الوجه أقوى من الوجه الأول من جهة ~~وأضعف منه من جهة، فأما جهة قوته فلا نتساق الضمائر وتناسبها وعدم احتياج ~~بعضها إلى تأويل، وأما ضعفه فلما في ترتيب الأمر بالعلم على عدم الاستجابة ~~ممن دعوهم واستعانوا بهم من الخفاء واحتياجه إلى تكلف، وهو أن يقال: إن عدم ~~استجابة من دعوهم واستعانوا بهم من الكفار والآلهة مع حرصهم على نصرهم ~~ومعاضدتهم ومبالغتهم في عدم إيمانهم واستمرارهم على الكفر يقيد حصول العلم ~~لهؤلاء الكفار بأن هذا القرآن من عند الله، وأن الله سبحانه هو الإله وحده ~~لا شريك له، وذلك يوجب دخولهم في الإسلام. واعلم أنه قد اختلف التحدي ~~للكفار بمعارضة القرآن، فتارة ms1736 وقع بمجموع القرآن كقوله - قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله - وبعشر سور كما ~~في هذه الآية، وذلك لأن العشرة أول عقد من العقود، وبسورة منه كما تقدم ~~وذلك لأن السورة أقل طائفة منه، ثم إن الله سبحانه توعد من كان مقصور الهمة ~~على الدنيا لا يطلب غيرها ولا يريد سواها فقال (من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها) قال الفراء: إن كان هذه زائدة، ولهذا جزم ~~الجواب. وقال الزجاج: " من كان " في موضع جزم بالشرط، وجوابه نوف إليهم: أي ~~من يكن يريد. # واختلف أهل التفسير في هذه الآية، فقال الضحاك: نزلت في الكفار واختاره ~~النحاس بدليل الآية التي بعدها - أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~-، وقيل الآية واردة في الناس على العموم كافرهم ومسلمهم. # والمعنى أن من كان يريد بعمله حظ الدنيا يكافأ بذلك، والمراد بزينتها: ما ~~يزينها ويحسنها من الصحة والأمن والسعة في الرزق وارتفاع الحظ ونفاذ القول ~~ونحو ذلك. وإدخال " كان " في الآية يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا ~~بأعمالهم لا يكادون يريدون الآخرة، ولهذا قيل إنهم مع إعطائهم حظوظ الدنيا ~~يعذبون في الآخرة لأنهم جردوا قصدهم إلى الدنيا ولم يعملوا للآخرة. وظاهر ~~قوله (نوف إليهم أعمالهم فيها) أن من أراد بعمله الدنيا حصل له الجزاء ~~الدنيوي ولا محالة، ولكن الواقع في الخارج يخالف ذلك، فليس كل متمن ينال من ~~الدنيا أمنيته وإن عمل لها وأرادها، فلا بد من تقييد ذلك بمشيئة الله ~~سبحانه. قال القرطبي: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة، وكذلك ~~الآية التي في الشورى - من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها -، وكذلك - من ~~كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها - قيدتها وفسرتها التي في سبحان - من كان ~~يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد - قوله (وهم فيها لا يبخسون) ~~أي وهؤلاء المريدون بأعمالهم الدنيا هم فيها: أي في الدنيا لا يبخسون: أي ~~لا ينقصون من جزائهم فيها بحسب أعمالهم ms1737 لها، وذلك في الغالب وليس بمطرد، بل ~~إن قضت به مشيئته سبحانه، ورجحته حكمته البالغة. وقال القاضي: معنى الآية: ~~من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم وافية ~~كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات ~~والمنافع، فخص الجزاء بمثل ما ذكره وهو حاصل لكل عامل للدنيا ولو كان قليلا ~~يسيرا. قوله (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) الإشارة إلى ~~المريدين المذكورين. ولا بد من تقييد هذا بأنهم لم يريدوا الآخرة بشئ من ~~الأعمال المعتد بها الموجبة للجزاء الحسن في الدار الآخرة، أو تكون الآية ~~خاصة بالكفار كما تقدم (وحبط ما صنعوا) أي ظهر في الدار الآخرة PageV02P487 # حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت صورتها صورة الطاعات الموجبة للجزاء ~~الأخروي، لولا أنهم أفسدوها بفساد مقاصدهم، وعدم الخلوص، وإرادة ما عند ~~الله في دار الجزاء، بل قصروا ذلك على الدنيا وزينتها، ثم حكم سبحانه ~~ببطلان عملهم فقال (وباطل ما كانوا يعملون) أي أنه كان عملهم في نفسه باطلا ~~غير معتد به، لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاء، ويترتب عليه ما يترتب ~~على العمل الصحيح. قوله (أفمن كان على بينة من ربه) بين سبحانه أن بين من ~~كان طالبا للدنيا فقط، ومن كان طالبا للآخرة تفاوتا عظيما، وتباينا بعيدا، ~~والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والإيمان بالله كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وقيل المراد بمن كان ~~على بينة من ربه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي أفمن كان معه بيان من ~~الله ومعجزة كالقرآن ومعه شاهد كجبريل، وقد بشرت به الكتب السالفة، كمن كان ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها. ومعنى البينة: البرهان الذي يدل على الحق، ~~والضمير في قوله (ويتلوه شاهد) راجع إلى البينة باعتبار تأويلها بالبرهان، ~~والضمير في منه راجع إلى القرآن، لأن قد تقدم ذكره في قوله - أم يقولون ~~افتراه - أو راجع إلى الله تعالى. والمعنى: ويتلو البرهان ms1738 الذي هو البينة ~~شاهد يشهد بصحته من القرآن، أو من الله سبحانه. والشاهد: هو الإعجاز الكائن ~~في القرآن، أو المعجزات التي ظهرت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن ~~ذلك من الشواهد التابعة للقرآن. وقال الفراء قال بعضهم: ويتلوه شاهد منه ~~الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق، والهاء في منه لله عز ~~وجل، وقيل المراد بمن كان على بينة من ربه: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله ~~بن سلام وأضرابه. قوله (ومن قبله كتاب موسى) معطوف على شاهد، والتقدير: ~~ويتلو الشاهد شاهد آخر من قبله هو كتاب موسى، فهو وإن كان متقدما في النزول ~~فهو يتلو الشاهد في الشهادة، وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه ~~متأخرا في الوجود لكونه وصفا لازما غير مفارق، فكان أغرق في الوصفية من ~~كتاب موسى. ومعنى شهادة كتاب موسى، وهو التوراة أنه بشر بمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأخبر بأنه رسول من الله. قال الزجاج: والمعنى ويتلوه من ~~قبله كتاب موسى، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم موصوف في كتاب موسى ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ ~~(ومن قبله كتاب موسى) بالنصب، وحكاه المهدوي عن الكلبي فيكون معطوفا على ~~الهاء في يتلوه. والمعنى: ويتلو كتاب موسى جبريل، وانتصاب إماما ورحمة على ~~الحال. # والإمام: هو الذي يؤتم به في الدين ويقتدى به، والرحمة: النعمة العظيمة ~~التي أنعم الله بها على من أنزله عليهم وعلى من بعدهم باعتبار ما اشتمل ~~عليه من الأحكام الشرعية الموافقة لحكم القرآن، والإشارة بقوله (أولئك) إلى ~~المتصفين بتلك الصفة الفاضلة، وهو الكون على البينة من الله، واسم الإشارة ~~مبتدأ وخبره (يؤمنون به) أي يصدقون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ~~بالقرآن (ومن يكفر به من الأحزاب) أي بالنبي أو بالقرآن. والأحزاب ~~المتحزبون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل مكة وغيرهم، أو ~~المتحزبون من أهل الأديان كلها (فالنار موعده) أي هو من أهل ms1739 النار لا ~~محالة، وفي جعل النار موعدا إشعار بأن فيها ما لا يحيط به الوصف من أفانين ~~العذاب، ومثله قول حسان: # أوردتموها حياض الموت صاحية * فالنار موعدها والموت لاقيها (فلا تك في ~~مرية منه) أي لا تك في شك من القرآن، وفيه تعريض بغيره صلى الله عليه وآله ~~وسلم لأنه معصوم عن الشك في القرآن، أو من الموعد (إنه الحق من ربك) فلا ~~مدخل للشك فيه بحال من الأحوال (ولكن أكثر PageV02P488 # الناس لا يؤمنون) بذلك مع وجوب الإيمان به، وظهور الدلائل الموجبة له، ~~ولكنهم يعاندون مع علمهم بكونه حقا، أو قد طبع على قلوبهم فلا يفهمون أنه ~~الحق أصلا. # وقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (فهل أنتم مسلمون) قال: ~~لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن أنس في قوله (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) ~~قال: نزلت في اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن معبد ~~قال: قام رجل إلى علي فقال: أخبرنا عن هذه الآية (من كان يريد الحياة ~~الدنيا) إلى قوله (وباطل ما كانوا يعملون) قال: ويحك، ذاك من كان يريد ~~الدنيا لا يريد الآخرة. وأخرج النحاس عن ابن عباس (من كان يريد الحياة ~~الدنيا) أي ثوابها (وزينتها) مالها (نوف إليهم) نوفر لهم بالصحة والسرور في ~~الأهل والمال والولد (وهم فيها لا يبخسون) لا ينقصون ثم نسخها - من كان ~~يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء - الآية. وأخرج أبو الشيخ عن السدي ~~مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: من عمل ~~صالحا: التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل لا يعمله إلا التماس ~~الدنيا، يقول الله أو فيه الذي التمس في الدنيا وحبط عمله الذي كان يعمل، ~~وهو في الآخرة من الخاسرين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية ~~في أهل الشرك. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله (نوف إليهم ms1740 أعمالهم) قال: ~~طيباتهم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في ~~قوله (وحبط ما صنعوا فيها) قال: حبط ما عملوا من خير وبطل في الآخرة ليس ~~لهم فيها جزاء. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال: هم أهل ~~الرياء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن ~~أبي طالب قال: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن، فقال له ~~رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينة من ربه وأنا شاهد منه. ~~وأخرج ابن عساكر وابن مردويه من وجه آخر عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " أفمن كان على بينة من ربه: أنا، ويتلوه شاهد منه: علي ". ~~وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله (أفمن كان على بينة من ربه) قال: ~~ذاك محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم نحوه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو ~~الشيخ عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: إن الناس يزعمون في قول ~~الله سبحانه (ويتلوه شاهد منه) أنك أنت التالي، قال: وددت أني أنا هو، ~~ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة عن ابن ~~عباس أن الشاهد جبريل ووافقه سعيد بن جبير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: جبريل فهو ~~شاهد من الله بالذي يتلوه من كتاب الله الذي أنزل على محمد (ومن قبله كتاب ~~موسى) قال: ومن قبله التوراة على لسان موسى كما تلا القرآن على لسان محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن عساكر عن الحسن بن علي في قوله ms1741 (ويتلوه شاهد منه) قال: # محمد هو الشاهد من الله. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم (ومن قبله كتاب ~~موسى) قال: ومن قبله جاء الكتاب إلى موسى. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن ~~قتادة (ومن يكفر به من الأحزاب) قال: الكفار أحزاب كلهم على الكفر. وأخرج ~~أبو الشيخ عن قتادة قال (ومن يكفر به من الأحزاب) قال: من اليهود والنصارى. ~~PageV02P489 # سورة هود الآية (18 - 24) قوله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي لا ~~أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا بقولهم لأصنامهم: هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله، وقولهم: الملائكة بنات الله، وأضافوا كلامه سبحانه إلى ~~غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضى إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده ~~الاستفهام الإنكاري، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم، فالمعنى على ~~هذا: لا أحد مثلهم في الظلم فضلا عن أن يوجد من هو أظلم منهم، والإشارة ~~بقوله أولئك إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ، وهو مبتدأ، وخبره يعرضون على ~~ربهم فيحاسبهم على أعمالهم، أو المراد بعرضهم: # عرض أعمالهم (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) الأشهاد: هم ~~الملائكة الحفظة، وقيل المرسلون، وقيل الملائكة والمرسلون والعلماء الذين ~~بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه، وقيل جميع الخلائق. والمعنى: أنه يقول هؤلاء ~~الأشهاد عند العرض: هؤلاء المعرضون أو المعروضة أعمالهم الذين كذبوا على ~~ربهم بما نسبوه إليه ولم يصرحوا بما كذبوا به كأنه كان أمرا معلوما عند أهل ~~ذلك الموقف. قوله (ألا لعنة الله على الظالمين) هذا من تمام كلام الأشهاد ~~أي يقولون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون: ألا لعنة الله على ~~الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه ~~قاله بعد ما قال الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. والأشهاد جمع شهيد، ~~ورجحه أبو علي بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله - ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا. فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا -، وقيل هو ~~جمع شاهد كأصحاب وصاحب، والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة ms1742 في ~~فضيحة الكفار، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد، ثم وصف هؤلاء الظالمين الذين ~~لعنوا بأنهم (الذين يصدون عن سبيل الله) أي يمنعون من قدروا على منعه عن ~~دين الله والدخول فيه (ويبغونها عوجا) أي يصفونها بالاعوجاج تنفيرا للناس ~~عنها، أو يبغون أهلها أن يكونوا معوجين بالخروج عنها إلى الكفر، يقال بغيتك ~~شرا: أي طلبته لك (و) الحال (أن‍ (هم بالآخرة هم كافرون) أي يصفونها ~~بالعوج، والحال أنهم بالآخرة غير مصدقين فكيف يصدون الناس عن طريق الحق وهم ~~على الباطل البحت؟ وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به، حتى كأن كفر ~~غيرهم غير معتد به بالنسبة إلى عظيم كفرهم (أولئك) الموصوفون بتلك الصفات ~~(لم يكونوا معجزين في الأرض) أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا إن أراد ~~عقوبتهم (وما كان لهم من دون الله PageV02P490 # من أولياء) يدفعون عنهم ما يريده الله سبحانه من عقوبتهم وإنزال بأسه ~~بهم، وجملة (يضاعف لهم العذاب) مستأنفة لبيان أن تأخير العذاب والتراخي عن ~~تعجيله لهم ليكون عذابا مضاعفا. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب " ~~يضعف " مشددا (ما كانوا يستطيعون السمع) أي أفرطوا في إعراضهم عن الحق ~~وبعضهم له، حتى كأنهم لا يقدرون على السمع ولا يقدرون على الإبصار لفرط ~~تعاميهم عن الصواب. ويجوز أن يراد بقوله (وما كان لهم من دون الله من ~~أولياء) أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله ولا ينفعهم ذلك، فما كان ~~هؤلاء الأولياء يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، فكيف ينفعونهم فيجلبون ~~لهم نفعا أو يدفعون عنهم ضررا، ويجوز أن تكون " ما " هي المدية. والمعنى: ~~أنه يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والبصر. قال الفراء: ما كانوا ~~يستطيعون السمع لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: لبغضهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفهموا عنه. قال النحاس: هذا ~~معروف في كلام العرب، يقال فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان: إذا كان ثقيلا ~~عليه (أولئك) المتصفون بتلك الصفات (الذين خسروا أنفسهم) بعبادة غير ms1743 الله. ~~والمعنى: اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله فكان خسرانهم في تجارتهم أعظم ~~خسران (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي ذهب وضاع ما كانوا يفترون من الآلهة ~~التي يدعون أنها تشفع لهم ولم يبق بأيديهم إلا الخسران قوله (لا جرم) قال ~~الخليل وسيبويه: " لا جرم " بمعنى حق فهي عندهما بمنزلة كلمة واحدة، وبه ~~قال الفراء. # وروى عن الخليل والفراء أنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة، ثم كثر ~~استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا. وقال الزجاج: إن جرم بمعنى كسب: أي كسب ذلك ~~الفعل لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، وأن منصوبة بجرم. قال الأزهري: وهذا من ~~أحسن ما نقل في هذه اللغة. وقال الكسائي: معنى لا جرم: لا صد ولا منع عن ~~أنهم في الآخرة هم الأخسرون. وقال جماعة من النحويين: إن معنى لا جرم لا ~~قطع قاطع (أنهم في الآخرة هم الأخسرون) قالوا: والجرم القطع، وقد جرم النخل ~~واجترمه: أي قطعه، وفي هذه الآية بيان أنهم في الخسران قد بلغوا إلى حد ~~يتقاصر عنه غيرهم ولا يبلغ إليه، وهذه الآيات مقررة لما سبق من نفي ~~المماثلة بين من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، وبين من كان على بينة من ~~ربه (إن الذين آمنوا) أي صدقوا بكل ما يجب التصديق به من كون القرآن من عند ~~الله وغير ذلك من خصال الإيمان (وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) أي ~~أنابوا إليه، وقيل خشعوا، وقيل خضعوا، قيل وأصل الإخبات الاستواء في الخبث: ~~وهو الأرض المستوية الواسعة فيناسب معنى الخشوع والاطمئنان. قال الفراء: ~~إلى ربهم، ولربهم واحد (أولئك) الموصوفون بتلك الصفات الصالحة (أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون). قوله (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) ضرب ~~للفريقين مثلا وهو تشبيه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وتشبيه فريق ~~المؤمنين بالبصير والسميع، على أن كل فريق شبه بشيئين، أو شبه بمن جمع بين ~~الشيئين، فالكافر شبه بمن جمع بين العمى والصمم، والمؤمن شبه بمن جمع بن ~~السمع والبصر، وعلى هذا تكون الواو في " والأصم "، وفي " والسميع " لعطف ~~الصفة على ms1744 الصفة، كما في قول الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام * والاستفهام في قوله (هل يستويان) للإنكار: ~~يعني الفريقين، وهذه الجملة مقررة لما تقدم من قوله (أفمن كان على بينة من ~~ربه) وانتصاب مثلا على التمييز من فاعل يستويان: أي هل يستويان حالا وصفة ~~(أفلا تذكرون) في عدم استوائهما وفيما بينهما من التفاوت الظاهر الذي لا ~~يخفى على من له تذكر، وعنده تفكر وتأمل، والهمزة لإنكار عدم التذكر ~~واستبعاد صدوره عن المخاطبين. # وقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (ومن أظلم) قال: ~~الكافر والمنافق (أولئك يعرضون PageV02P491 # على ربهم) فيسألهم عن أعمالهم (ويقول الأشهاد) الذين كانوا يحفظون ~~أعمالهم عليهم في الدنيا (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) شهدوا به عليهم يوم ~~القيامة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الأشهاد الملائكة. وأخرج أبو الشيخ ~~عن قتادة نحوه، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول " إن الله يدني المؤمن حتى يضع كنفه ويستره من الناس ~~ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، ~~حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في ~~الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطي كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق ~~فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ". ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (الذين يصدون عن سبيل ~~الله) قال: هو محمد يعني سبيل الله، صدت قريش عنه الناس. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن أبي مالك في قوله (ويبغونها عوجا) يعني يرجون بمكة غير الإسلام ~~دينا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (أولئك لم يكونوا ~~معجزين في الأرض) الآية قال: أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين ~~طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه قال (ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون) وأما في الآخرة فإنه قال - ولا يستطيعون خاشعة -. وأخرج ~~عبد الرزاق ms1745 وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (ما كانوا يستطيعون ~~السمع) قال: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيرا فينتفعوا به، ولا يبصروا ~~خيرا فيأخذوا به. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (أخبتوا) قال خافوا. وأخرج ابن جرير عنه قال: الإخبات الإنابة. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ قال الإخبات: الخشوع والتواضع. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال: اطمأنوا. وأخرج ابن جرير وأبو ~~الشيخ عن ابن عباس في قوله (مثل الفريقين كالأعمى والأصم) قال: الكافر ~~(والبصير والسميع) قال: المؤمن. # سورة هود الآية (25 - 31) PageV02P492 # سورة هود الآية (32 - 34) لما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنواع الدلائل التي هي أوضح من الشمس، أكد ذلك ~~بذكر القصص على طريقة التفنن في الكلام، ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون ~~الموعظة أظهر والحجة أبين، والقبول أتم، فقال (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~إني لكم نذير مبين) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الهمزة على تقدير ~~حرف الجر: أي أرسلناه بأني: أي أرسلناه متلبسا بذلك الكلام، وهو أني لكم ~~نذير مبين. وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول: أي قائلا إني لكم، والواو ~~في ولقد للابتداء، واللام هي الموطئة للقسم، واقتصر على النذارة دون ~~البشارة، لأن دعوته كانت لمجرد الإنذار، أو لكونهم لم يعملوا بما بشرهم به، ~~وجملة (أن لا تعبدوا إلا الله) بدل من إني لكم نذير مبين: أي أرسلناه بأن ~~لا تعبدوا إلا الله، أو تكون أن مفسرة متعلقة بأرسلنا، أو بنذير، أو بمبين، ~~وجملة (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) تعليلية. والمعنى: # نهيتكم عن عبادة غير الله لأني أخاف عليكم، وفيها تحقيق لمعنى الإنذار، ~~واليوم الأليم: هو يوم القيامة، أو يوم الطوفان، ووصفه بالأليم من باب ~~الإسناد المجازي مبالغة، ثم ذكر ما أجاب به قومه عليه وهذا الجواب يتضمن ~~الطعن منهم في نبوته من ثلاث جهات فقال (فقال الملأ الذين كفروا من قومه) ~~والملأ الأشراف كما تقدم ms1746 غير مرة، ووصفهم بالكفر ذما لهم، وفي دليل على أن ~~بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة (ما نراك إلا بشرا مثلنا) هذه الجهة الأولى ~~من جهات طعنهم في نبوته: أي نحن وأنت مشتركون في البشرية فلم يكن لك علينا ~~مزية تستحق بها النبوة دوننا، والجهة الثانية (وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا) ولم يتبعك أحد من الأشراف، فليس لك مزية علينا باتباع هؤلاء ~~الأراذل لك، والأراذل جمع أرذل وأرذل جمع رذل مثل أكالب وأكلب وكلب، وقيل ~~الأراذل جمع الأرذل كالأساود جمع أسود، وهم السفلة. قال النحاس: الأراذل: ~~الفقراء والذين لا حسب لهم، والحسب الصناعات. قال الزجاج: نسبوهم إلى ~~الحياكة، ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة. وقال ثعلب عن ابن ~~الأعرابي: السفلة هو الذي يصلح الدنيا بدينه، قيل له فمن سفلة السفلة؟ قال: ~~الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. والظاهر من كلام أهل اللغة أن السفلة هو ~~الذي يدخل في الحرف الدنية، والرؤية في الموضعين إن كانت القلبية فبشرا في ~~الأول واتبعك في الثاني هما المفعول الثاني، وإن كانت البصرية فهما منتصبان ~~على الحال وانتصاب بادي الرأي على الظرفية والعامل فيه اتبعك. والمعنى: في ~~ظاهر الرأي من غير تعمق، يقال بدا يبدو: # إذا ظهر. قال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي. والوجه الثالث من ~~جهات قدحهم في نبوته (وما نرى لكم علينا من فضل) خاطبوه في الوجهين الأولين ~~منفردا وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه أي: ما نرى لك ولمن اتبعك من ~~الأراذل علينا من فضل يتميزون به وتستحقون ما تدعونه، ثم أضربوا عن الثلاثة ~~المطاعن وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن البرهان الذي لا مستند له إلا مجرد ~~العصبية والحسد واستبقاء ما هم فيه من الرياسة الدنيوية، فقالوا (بل نظنكم ~~كاذبين) فيما تدعونه، ويجوز أن يكون هذا خطابا للأراذل وحدهم، والأول أولى، ~~لأن الكلام مع نوح لا معهم إلا بطريق التبعية له. ثم ذكر سبحانه ما أجاب به ~~نوح عليهم، فقال (قال يا قوم أرأيتم إن ms1747 كنت على بينة من ربي) أي أخبروني إن ~~كنت على برهان من ربي في النبوة يدل على صحتها ويوجب عليكم قبولها مع كون ~~PageV02P493 # ما جعلتموه قادحا ليس بقادح في الحقيقة، فإن المساواة في صفة البشرية لا ~~تمنع المفارقة في صفة النبوة، واتباع الأراذل كما تزعمون ليس مما يمنع من ~~النبوة فإنهم مثلكم في البشرية والعقل والفهم، فاتباعهم لي حجة عليكم لا ~~لكم، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة (وآتاني رحمة من عنده) هي النبوة، وقيل ~~الرحمة المعجزة، والبينة النبوة. # قيل ويجوز أن تكون الرحمة هي البينة نفسها، والأولى تفسير الرحمة بغير ما ~~فسرت به البينة، والإفراد في (فعميت) على إرادة كل واحدة منهما، أو على ~~إرادة البينة، لأنها هي التي تظهر لمن تفكر وتخفى على من لم يتفكر، ومعنى ~~عميت خفيت، وقيل الرحمة هي على الخلق، وقيل هي الهداية إلى معرفة البرهان، ~~وقيل الإيمان، يقال عميت عن كذا، وعمى علي كذا: إذا لم أفهمه. قيل وهو من ~~باب القلب، لأن البينة أو الرحمة لا تعمى وإنما يعمى عنها فهو كقولهم: ~~أدخلت القلنسوة رأسي. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وحفص " فعميت " بضم العين ~~وتشديد الميم على البناء للمفعول: أي فعماها الله عليكم، وفي قراءة أبي ~~(فعماها عليكم) والاستفهام في (أنلزمكموها) للإنكار: # أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها والحال أنكم لها كارهون، ~~والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي إلا أنها ~~خافية عليكم أيمكننا أن نضطركم إلى العلم بها، والحال أنكم لها كارهون غير ~~متدبرين فيها، فإن ذلك لا يقدر عليه إلا الله عز وجل. وحكى الكسائي والفراء ~~إسكان الميم الأولى في أنلزمكموها تخفيفا كما في قول الشاعر: # فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل فإن إسكان الباء في أشرب ~~للتخفيف. وقد قرأ أبو عمرو كذلك. قوله (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن ~~أجري إلا على الله) فيه التصريح منه عليه السلام بأنه لا يطلب على تبليغ ~~الرسالة مالا حتى يكون بذلك محلا للتهمة، ويكون ms1748 لقول الكافرين مجال بأنه ~~إنما ادعى ما ادعى طلبا للدنيا، والضمير في عليه راجع إلى ما قاله لهم فيما ~~قبل هذا. وقوله (وما أنا بطارد الذين آمنوا) كالجواب عما يفهم من قولهم ~~(وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) من التلميح منهم إلى إبعاد الأراذل ~~عنه، وقيل إنهم سألوه طردهم تصريحا لا تلميحا، ثم علل ذلك بقوله (إنهم ~~ملاقوا ربهم) أي لا أطردهم، فإنهم ملاقون يوم القيامة ربهم فهو يجازيهم على ~~إيمانهم لأنهم طلبوا بإيمانهم ما عنده سبحانه، وكأنه قال هذا على وجه ~~الإعظام لهم، ويحتمل أنه قاله خوفا من مخاصمتهم له عند ربهم بسبب طرده لهم، ~~ثم بين لهم ما هم عليه في هذه المطالب التي طلبوها منه والعلل التي اعتلوا ~~بها عن إجابته فقال (ولكني أراكم قوما تجهلون) كل ما ينبغي أن يعلم، ومن ~~ذلك استرذالهم للذين اتبعوه وسؤالهم له أن يطردهم. ثم أكد عدم جواز طردهم ~~بقوله (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم) أي من يمنعني من عذاب الله ~~وانتقامه إن طردتهم؟ فإن طردهم بسبب سبقهم إلى الإيمان والإجابة إلى الدعوة ~~التي أرسل الله رسوله لأجلها ظلم عظيم لا يقع من أنبياء الله المؤيدين ~~بالعصمة، ولو وقع ذلك منهم فرضا وتقديرا لكان فيه من الظلم ما لا يكون لو ~~فعله غيرهم من سائر الناس. وقوله (أفلا تذكرون) معطوف على مقدر، كأنه قيل: ~~أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل بما ذكر أفلا تذكرون من أحوالهم ما ~~ينبغي تذكره وتتفكرون فيه حتى تعرفوا ما أنتم عليه من الخطأ، وما هم عليه ~~من الصواب. قوله (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) بين لهم أنه كمالا يطلب ~~منهم شيئا من أموالهم على تبليغ الرسالة، كذلك لا يدعى أن عنده خزائن الله ~~حتى يستدلوا بعدمها على كذبه، كما قالوا (وما نرى لكم علينا من فضل) ~~والمراد بخزائن الله: خزائن رزقه (ولا أعلم الغيب) أي ولا أدعى أني أعلم ~~بغيب الله بل لم أقل لكم إلا أني نذير مبين، إني ms1749 أخاف عليكم عذاب يوم أليم ~~(ولا أقول) لكم (إني PageV02P494 # ملك) حتى تقولوا ما نراك إلا بشرا مثلنا. وقد استدل بهذا من قال إن ~~الملائكة أفضل من الأنبياء، والأدلة في هذه المسئلة مختلفة، وليس لطالب ~~الحق إلى تحقيقها حاجة، فليست مما كلفنا الله بعلمه (ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم) أي تحتقر، والازدراء مأخوذ من أزري عليه: إذا عابه، وزرى عليه: إذا ~~احتقره، وأنشد الفراء: # يباعده الصديق وتزدريه * خليلته وينهره الصغير والمعنى: إني لا أقول ~~لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين بالله الذين تعيبونهم وتحتقرونهم (لن يؤتيهم ~~الله خيرا) بل قد آتاهم الخير العظيم بالإيمان به واتباع نبيه، فهو مجازيهم ~~بالجزاء العظيم في الآخرة ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل، ولا يضرهم ~~احتقاركم لهم شيئا (الله أعلم بما في أنفسهم) من الإيمان به والإخلاص له ~~فمجازيهم على ذلك، ليس لي ولا لكم من أمرهم شئ (إني إذا لمن الظالمين) لهم ~~إن فعلت ما تريدونه بهم، أو من الظالمين لأنفسهم إن فعلت ذلك بهم، ثم ~~جاوبوه بغير ما تقدم من كلامهم وكلامه عجزا عن القيام بالحجة وقصورا عن ~~رتبة المناظرة وانقطاعا عن المباراة بقولهم (يا نوح قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا) أي خاصمتنا بأنواع الخصام، ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام، ~~ولم يبق لنا في هذا الباب مجال، فقد ضاقت علينا المسالك وانسدت أبواب الحيل ~~(فأتنا بما تعدنا) من العذاب الذي تخوفنا منه وتخافه علينا (إن كنت من ~~الصادقين) فيما تقوله لنا، فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو بمشيئة الله ~~وإرادته، و (قال إنما يأتيكم به الله إن شاء) فإن قضت مشيئته وحكمته ~~بتعجيله عجله لكم، وإن قضت مشيئته وحكمته بتأخيره أخره (وما أنتم بمعجزين) ~~بفائتين عما أراده الله بكم بهرب أو مدافعة (ولا ينفعكم نصحي) الذي أبذله ~~لكم وأستكثر منه قياما مني بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته، ولكم بإيضاح ~~الحق وبيان بطلان ما أنتم عليه (إن أردت أن أنصح لكم) وجواب هذا الشرط ~~محذوف، والتقدير: إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، ms1750 كما يدل عليه ما ~~قبله (إن كان الله يريد أن يغويكم) أي إن كان الله يريد إغواءكم فلا ينفعكم ~~النصح مني، فكان جواب هذا الشرط محذوفا كالأول، وتقديره ما ذكرنا، وهذا ~~التقدير إنما هو على مذهب من يمنع من تقدم الجزاء على الشرط، وأما على مذهب ~~من يجيزه، فجزاء الشرط الأول ولا ينفعكم نصحي. وجزاء الشرط الثاني الجملة ~~الشرطية الأولى وجزاؤها. قال ابن جرير: معنى يغويكم يهلككم بعذابه، وظاهر ~~لغة العرب أن الإغواء الإضلال، فمعنى الآية: لا ينفعكم نصحي إن كان الله ~~يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد ويخذلكم عن طريق الحق، وحكى عن طي أصبح فلان ~~غاويا: أي مريضا، وليس هذا المعنى هو المراد في الآية. وقد ورد الإغواء ~~بمعنى الإهلاك، ومنه - فسوف يلقون غيا - وهو غير ما في هذه الآية (هو ربكم) ~~فإليه الإغواء وإليه الهداية (وإليه ترجعون) فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي) قال: فيما ظهر لنا. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء ~~مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (إن كنت على بينة من ~~ربي) قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو، (وآتاني رحمة من ~~عنده) قال: # الإسلام الهدى والإيمان والحكم والنبوة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (أنلزمكموها) قال: # أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك ولم ~~يمكنه. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ " أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها ~~كارهون " وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال في قراءة أبي " أنلزمكموها من ~~شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون ". وأخرج ابن PageV02P495 # جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ " أنلزمكموها من شطر قلوبنا ". ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (وما أنا ms1751 بطارد الذين ~~آمنوا)، قال: قالوا له يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن ~~نكون نحن وهم في الأرض سواء، وفي قوله (إنهم ملاقوا ربهم) قال: فيسألهم عن ~~أعمالهم (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) التي لا يفنيها شئ، فأكون إنما ~~دعوتكم لتتبعوني عليها، لا أعطيكم بملكه لي عليها (ولا أعلم الغيب) لا ~~أقول: اتبعوني على علمي بالغيب (ولا أقول إني ملك) نزلت من السماء برسالة، ~~ما أنا إلا بشر مثلكم. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) قال: ~~حقرتموهم. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله (لن يؤتيهم الله خيرا) قال: ~~يعني إيمانا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (فأتنا بما ~~تعدنا) قال: تكذيبا بالعذاب وأنه باطل. # سورة هود الآية (35 - 44) قوله (أم يقولون افتراه) أنكر سبحانه عليهم ~~قولهم: إن ما أوحي إلى نوح مفترى، فقال (أم يقولون افتراه) ثم أمره أن يجيب ~~بكلام متصف، فقال (قل إن افتريته فعلى إجرامي) بكسر الهمزة على قراءة ~~الجمهور، مصدر أجرم: أي فعل ما يوجب الإثم، وجرم وأجرم بمعنى قاله النحاس، ~~والمعنى: فعلى إثمي أو جزاء كسبي. ومن قرأ بفتح الهمزة، قال: هو جمع جرم ~~ذكره النحاس أيضا (وأنا برئ مما تجرمون) أي من إجرامكم بسبب ما تنسبونه ~~PageV02P496 # إلي من الافتراء، قيل وفي الكلام حذف والتقدير: لكن ما افتريته، فالإجرام ~~وعقابه ليس إلا عليكم وأنا برئ منه. # وقد اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل إنها حكاية عن نوح وما قاله ~~لقومه، وقيل هي حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وكفار مكة. والأول أولى، لأن الكلام قبلها وبعدها مع نوح عليه ~~السلام. قوله (وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) أنه لن ~~يؤمن في محل رفع على أنه نائب الفاعل الذي لم يسم. ويجوز أن يكون في موضع ~~نصب بتقدير الباء: أي بأنه، وفي الكلام تأييس له من إيمانهم، وأنهم ms1752 مستمرون ~~على كفرهم، مصممون عليه، لا يؤمن أحد منهم إلا من قد سبق إيمانه (فلا تبتئس ~~بما كانوا يفعلون) البؤس: الحزن، أي فلا تحزن، والبائس: المستكين، فنهاه ~~الله سبحانه عن أن يحزن حزن مستكين لأن الابتئاس حزن في استكانة. ومنه قول ~~الشاعر: # وكم من خليل أو حميم رزئته * فلم أبتئس والرزء فيه جليل ثم إن الله ~~سبحانه لما أخبره أنهم لا يؤمنون ألبتة عرفه وجه إهلاكهم، وألهمه الأمر ~~الذي يكون به خلاصه وخلاص من آمن معه، فقال (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) ~~أي اعمل السفينة متلبسا بأعيننا: أي بمرأى منا، والمراد بحراستنا لك وحفظنا ~~لك، وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلهة الرؤية، والرؤية هي التي تكون بها ~~الحراسة والحفظ في الغالب، وجمع الأعين للتعظيم لا للتكثير، وقيل المعنى ~~(بأعيننا) أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على حفظك، وقيل (بأعيننا) ~~بعلمنا، وقيل بأمرنا. ومعنى بوحينا: بما أوحينا إليك من كيفية صنعتها (ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا) أي لا تطلب إمهالهم، فقد حان وقت الانتقام منهم، ~~وجملة (إنهم مغرقون) للتعليل: # أي لا تطلب منا إمهالهم، فإنه محكوم منا عليهم بالغرق وقد مضى به القضاء ~~فلا سبيل إلى دفعه ولا تأخيره، وقيل: # المعنى ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم مغرقون في الوقت المضروب لذلك، ~~لا يتأخر إغراقهم عنه، وقيل المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه (ويصنع ~~الفلك) أي وطفق يصنع الفلك، أو وأخذ يصنع الفلك، وقيل هو حكاية حال ماضية ~~لاستحضار الصورة، وجملة (وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه) في محل نصب ~~على الحال: أي استهزءوا به لعمله السفينة. قال الأخفش والكسائي: يقال سخرت ~~به ومنه. وفي وجه سخريتهم منه قولان: أحدهما أنهم كانوا يرونه يعمل ~~السفينة، فيقولون يا نوح صرت بعد النبوة نجارا. والثاني أنهم لما شاهدوه ~~يعمل السفينة، وكانوا لا يعرفونها قبل ذلك، قالوا: يا نوح ما تصنع بها؟ ~~قال: أمشى بها على الماء فعجبوا من قوله، وسخروا به. # ثم أجاب عليهم بقوله (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) ms1753 وهذا ~~الكلام مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ والمعنى: إن تسخروا ~~منا بسبب عملنا للسفينة اليوم فإنا نسخر منكم غدا عند الغرق. # ومعنى السخرية هنا: الاستجهال، أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما ~~تستجهلون، واستجهاله لهم باعتبار إظهاره لهم ومشافهتهم، وإلا فهم عنده جهال ~~قبل هذا وبعده، والتشبيه في قوله (كما تسخرون) لمجرد التحقق والوقوع، أو ~~التجدد والتكرر، والمعنى: إنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون منا ~~كذلك، أو متجددة متكررة كما تسخرون منا كذلك، وقيل معناه: نسخر منكم في ~~المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق، وفيه نظر فإن حالهم إذ ~~ذاك لا تناسبه السخرية إذ هم في شغل شاغل عنها، ثم هددهم بقوله (فسوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه) وهو عذاب الغرق في الدنيا (ويحل عليه عذاب ~~مقيم) وهو عذاب النار الدائم، ومعنى يحل: يجعل المؤجل حالا، مأخوذ من حلول ~~الدين المؤجل، ومن موصولة في محل نصب، ويجوز أن PageV02P497 # تكون استفهامية في محل رفع: أي أينا يأتيه عذاب يخزيه، وقيل في موضع رفع ~~بالابتداء، ويأتيه الحبر، ويخزيه صفة لعذاب. قال الكسائي: إن ناسا من أهل ~~الحجاز يقولون سوف تعلمون، قال: ومن قال ستعلمون أسقط الواو والفاء جميعا، ~~وجوز الكوفيون " سف تعلمون " ومنعه البصريون، والمراد بعذاب الخزي: العذاب ~~الذي يخزي صاحبه ويحل عليه العار. قوله (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) ~~حتى هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية وجعلت غاية لقوله: واصنع الفلك ~~بأعيننا. # والتنور اختلف في تفسيرها على أقوال: الأول أنها وجه الأرض والعرب تسمى ~~وجه الأرض تنورا، روى ذلك عن ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة. الثاني ~~أنه تنور الخبز الذي يخبزونه فيه، وبه قال مجاهد وعطية والحسن، وروى عن ابن ~~عباس أيضا. الثالث أنه موضع اجتماع الماء في السفينة، روى عن الحسن. الرابع ~~أنه طلوع الفجر، من قولهم تنور الفجر، روى عن علي بن أبي طالب. الخامس أنه ~~مسجد الكوفة، روى عن علي أيضا ومجاهد، قال مجاهد: كان ناحية التنور ~~بالكوفة. السادس ms1754 أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة، قاله قتادة. # السابع أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة، روى ذلك عن عكرمة. ~~الثامن أنه موضع بالهند، قال ابن عباس: # كان تنور آدم بالهند. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأن الله ~~سبحانه قد أخبر بأن الماء قد جاء من السماء والأرض، قال - ففتحنا أبواب ~~السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونا - فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان ~~علامة، هكذا قال، وفيه نظر، فإن القول الرابع ينافي هذا الجمع، ولا يستقيم ~~عليه التفسير بنبع الماء. # إلا إذا كان المراد مجرد العلامة كما ذكره آخرا. وقد ذكر أهل اللغة أن ~~الفور: الغليان، والتنور: اسم عجمي عربته العرب، وقيل معنى فار التنور: ~~التمثيل بحضور العذاب كقولهم: حمى الوطيس: إذا اشتد الحرب، ومنه قول ~~الشاعر: # تركتم قدركم لا شئ فيها * وقدر القوم حامية تفور * يريد الحرب قوله (قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين) أي قلنا يا نوح احمل في السفينة من كل زوجين ~~مما في الأرض من الحيوانات اثنين ذكرا وأنثى. وقرأ حفص " من كل " بتنوين ~~كل: أي من كل شئ زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن ~~الآخر، ويطلق على كل واحد منهما زوج كما يقال للرجل زوج وللمرأة زوج، ويطلق ~~الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلا للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف، ~~ومثله قوله تعالى - وأنبتت من كل زوج بهيج -، ومثله قول الأعشى: # وكل ضرب من الديباج يلبسه * أبو حذافة مخبو بذاك معا أراد كل صنف من ~~الديباج (وأهلك) عطف على زوجين، أو على اثنين على قراءة حفص، وعلى محل كل ~~زوجين، فإنه في محل نصب باحمل، أو على اثنين على قراءة الجمهور، والمراد: ~~امرأته وبنوه ونساؤهم (إلا من سبق عليه القول) أي من تقدم الحكم عليه بأنه ~~من المغرقين في قوله (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) على ~~الاختلاف السابق فيهم، فمن جعلهم جميع الكفار من أهله وغيرهم كان هذا ~~الاستثناء من جملة (احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك) ومن ms1755 قال المراد بهم ~~ولده كنعان وامرأته واعلة أم كنعان جعل الاستثناء من أهلك، ويكون متصلا إن ~~أريد بالأهل ما هو أعم من المسلم والكافر منهم، ومنقطعا إن أريد بالأهل ~~المسلمون منهم فقط. # قوله (ومن آمن) معطوف على أهلك: أي واحمل في السفينة من آمن من قومك، ~~وأفرد الأهل منهم لمزيد العناية PageV02P498 # بهم، أو للاستثناء منهم على القول الآخر. ثم وصف الله سبحانه قلة ~~المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به فقال (وما آمن معه إلا قليل) قيل هم ~~ثمانون إنسانا: منهم ثلاثة من بنيه، وهو سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم، ولما ~~خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين، وهي موجودة بناحية ~~الموصل، وقيل كانوا عشرة، وقيل سبعة، وقيل كانوا اثنين وسبعين، وقيل غير ~~ذلك. قوله (وقال اركبوا فيها) القائل نوح، وقيل الله سبحانه. # والأول أولى لقوله (إن ربي لغفور رحيم) والركوب: العلو على ظهر الشئ ~~حقيقة نحو ركب الدابة، أو مجازا نحو ركبه الدين، وفي الكلام حذف: أي اركبوا ~~الماء في السفينة فلا يرد أن ركب يتعدى بنفسه، وقيل إن الفائدة في زيادة ~~(في) أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا على ظهرها، وقيل إنها زيدت ~~لرعاية جانب المحلية في السفينة كما في قوله - فإذا ركبوا في الفلك -، ~~وقوله - حتى إذا ركبا في السفينة - قيل ولعل نوحا قال هذه المقالة بعد ~~إدخال ما أمر بحمله من الأزواج، كأنه قيل: فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك، ~~وقال للمؤمنين، ويمكن أن يقال إنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج ~~والأهل والمؤمنين، ولا يمتنع أن يفهم خطابه من لا يعقل من الحيوانات، أو ~~يكون هذا على طريقة التغليب. قوله (بسم الله) متعلق باركبوا، أو حال من ~~فاعله: أي مسمين الله، أو قائلين (بسم الله مجراها ومرساها) قرأ أهل ~~الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ منهم على أنهما اسما زمان، ~~وهما في موضع نصب على الظرفية: أي وقت مجراها ومرساها، ويجوز أن يكونا ~~مصدرين: أي وقت إجرائها ms1756 وإرسائها. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وحفص " ~~مجراها " بفتح الميم، ومرساها بضمها، وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها فيهما. وقرأ ~~مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي " مجريها ومرسيها ~~" على أنهما وصفان لله ويجوز أن يكونا في موضع رفع باضمار مبتدأ: أي هو ~~مجريها ومرسيها (إن ربي لغفور) للذنوب (رحيم) بعباده، ومن رحمته إنجاء هذه ~~الطائفة تفضلا منه لبقاء هذا الجنس الحيواني، وعدم استئصاله بالغرق قوله ~~(وهي تجري بهم في موج كالجبال) هذه الجملة متصلة بجملة محذوفة دل عليها ~~الأمر بالركوب والتقدير: فركبوا مسمين وهي تجري بهم، والموج جمع موجة، وهي ~~ما ارتفع عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح، وشبهها بالجبال المرتفعة ~~على الأرض. قوله (ونادى نوح ابنه) هو كنعان، قيل وكان كافرا، واستبعد كون ~~نوح ينادي من كان كافرا مع قوله - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~-، وأجيب بأنه كان منافقا فظن نوح أنه مؤمن، وقيل حملته شفقة الأبوة على ~~ذلك، وقيل إنه كان ابن امرأته ولم يكن بابنه، ويؤيده ما روى أن عليا قرأ ~~ونادى نوح ابنها، وقيل إنه كان لغير رشدة، وولد على فراش نوح. ورد بأن قوله ~~(ونادى نوح ابنه)، وقوله (إن ابني من أهلي) يدفع ذلك على ما فيه من عدم ~~صيانة منصب النبوة (وكان في معزل) أي في مكان عزل فيه نفسه عن قومه وقرابته ~~بحيث لم يبلغه قول نوح: اركبوا فيها، وقيل في معزل من دين أبيه، وقيل من ~~السفينة، قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق، بل كان في أول ~~فور التنور. قوله (يا بنى اركب معنا) قرأ عاصم بفتح الياء، والباقون ~~بكسرها، فأما الكسر فلجعله بدلا من ياء الإضافة، لأن الأصل يا بني، وأما ~~الفتح فلقلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف، ثم حذف الألف وبقيت الفتحة لتدل ~~عليه. قال النحاس: وقراءة عاصم مشكلة وقال أبو حاتم أصله يا بنياه ثم تحذف. ~~وقد جعل الزجاج للفتح وجهين، وللكسر وجهين. أما الفتح بالوجه الأول ما ~~ذكرناه، والوجه الثاني ms1757 أن تحذف الألف لالتقاء الساكنين. وأما الكسر فالوجه ~~الأول ما ذكرناه، والثاني أن تحذف لالتقاء الساكنين كذا حكى عنه النحاس. ~~وقرأ أبو عمرو والكسائي وحفص (اركب معنا) بإدغام الباء في الميم لتقاربهما ~~في المخرج. وقرأ الباقون بعدم الإدغام (ولا تكن PageV02P499 # مع الكافرين) نهاه عن الكون مع الكافرين: أي خارج السفينة، ويمكن أن يراد ~~بالكون معهم الكون على دينهم، ثم حكى الله سبحانه ما أجاب به ابن نوح على ~~أبيه فقال (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) أي يمنعني بارتفاعه من وصول ~~الماء إلي، فأجاب عنه نوح بقوله (لا عاصم اليوم من أمر الله) أي لا مانع ~~فإنه يوم قد حق فيه العذاب وجف القلم بما هو كائن فيه، نفى جنس العاصم ~~فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجا أوليا، وعبر عن الماء أو ~~عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره. والاستثناء قال ~~الزجاج: هو منقطع: # أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه، فيكون (من رحم) في موضع نصب، ويجوز أن ~~يكون الاستثناء متصلا على أن يكون عاصم بمعنى معصوم: أي لا معصوم اليوم من ~~أمر الله إلا من رحمه الله: مثل - ماء دافق - وعيشة راضية - ومنه قول ~~الشاعر: # دع المكارم لا تنهض لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي أي المطعم ~~المكسو، واختار هذا الوجه ابن جرير، وقيل العاصم بمعنى ذي العصمة، كلابن ~~وتامر، والتقدير: # لا عاصم قط إلا مكان من رحم الله وهو السفينة، وحينئذ فلا يرد ما يقال: ~~إن معنى من رحم من رحمه الله، ومن رحمه الله هو معصوم، فكيف يصح استثناؤه ~~عن العاصم؟ لأن في كل وجه من هذه الوجوه دفعا للإشكال. # وقرئ (إلا من رحم) على البناء للمفعول (وحال بينهما الموج) أي حال بين ~~نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق، وقيل بين ابن نوح وبين الجبل، والأول ~~أولى، لأن تفرع (فكان من المغرقين) عليه يدل على الأول لا على الثاني، لأن ~~الجبل ليس بعاصم. قوله (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) يقال: ms1758 بلع الماء يبلعه مثل ~~منع يمنع، وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء: والبلع ~~الشرب، ومنه البالوعة، وهي الموضع الذي يشرب الماء، والازدراد، يقال: بلع ~~ما في فمه من الطعام إذا ازدرده، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان ~~للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج (ويا ~~سماء أقلعي) الإقلاع الإمساك، يقال أقلع المطر إذا انقطع. والمعنى: أمر ~~السماء بإمساك الماء عن الإرسال، وقدم نداء الأرض على السماء لكون ابتداء ~~الطوفان منها (وغيض الماء) أي نقص، يقال غاض الماء وغضته أنا (وقضى الأمر) ~~أي أحكم وفرغ منه: # يعني أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام (واستوت على الجودي) أي استقرت ~~السفينة على الجبل المعروف بالجودي، وهو جبل بقرب الموصل، وقيل إن الجودي ~~اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: # سبحانه ثم سبحانا نعوذ به * وقبلنا سبح الجودي والجمد ويقال إنه من جبال ~~الجنة فلذا استوت عليه (وقيل بعدا للقوم الظالمين) القائل هو الله سبحانه ~~ليناسب صدر الآية، وقيل هو نوح وأصحابه. والمعنى: وقيل هلاكا للقوم ~~الظالمين، وهو من الكلمات التي تختص بدعاء السوء ووصفهم بالظلم للإشعار ~~بأنه علة الهلاك، وللإيماء إلى قوله - ولا تخاطبني في الذين ظلموا -. وقد ~~أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغة من الفصاحة والبلاغة ~~إلى محل يتقاصر عنه الوصف، وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على ~~فنون البلاغة، الثابتين الأقدام في علم البيان، الراسخين في علم اللغة، ~~المطلعين على ما هو مدون من خطب مصاقع خطباء العرب وأشعار بواقع شعرائهم، ~~المرتاضين بدقائق علوم العربية وأسرارها. # وقد تعرض لبيان بعض ما اشتملت عليه من ذلك جماعة منهم فأطالوا وأطابوا، ~~رحمنا الله وإياهم برحمته الواسعة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (فعلي إجرامي) قال عملي (وأنا ~~برئ مما تجرمون) أي مما تعملون. PageV02P500 # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (وأوحى إلى نوح أنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من ms1759 قد آمن) وذلك حين دعا عليهم نوح قال - لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا -. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ~~الحسن قال: إن نوحا لم يدع على قومه حتى نزلت الآية هذه، فانقطع عند ذلك ~~رجاؤه منهم فدعا عليهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فلا تبتئس) ~~قال: فلا تحزن. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عنه في قوله (واصنع ~~الفلك بأعيننا ووحينا) قال: بعين الله ووحيه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال: # لم يعلم نوح كيف يصنع الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها من جؤجؤ الطائر. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن عائشة ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان نوح مكث في قومه ألف ~~سنة إلا خمسين عاما يدعوهم، حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل ~~مذهب، ثم قطعها ثم جعل يعملها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول أعملها سفينة ~~فيسخرون منه ويقولون يعمل سفينة في البر، وكيف تجرى؟ قال: سوف تعلمون، فلما ~~فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيته أم الصبي عليه، وكانت تحبه ~~حبا شديدا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى ~~استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء، ~~فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي ". وقد ضعفه الذهبي في مستدركه على ~~مستدرك الحاكم. وقد روى في صفة السفينة وقدرها أحاديث وآثار ليس في ذكرها ~~هنا كثير فائدة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (من يأتيه عذاب ~~يخزيه) قال: هو الغرق (ويحل عليه عذاب مقيم) قال: هو الخلود في النار. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عنه ~~قال: كان بين دعوة نوح وبين هلاك قومه ثلاثمائة سنة، وكان فار التنور ~~بالهند وطافت سفينة نوح بالبيت أسبوعا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ~~التنور العين التي بالجزيرة ms1760 عين الوردة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: فار التنور من مسجد الكوفة من قبل ~~أبواب كندة. وقد روى عنه نحو هذا من طرق. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: التنور وجه الأرض، ~~قيل له إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. والعرب تسمى وجه ~~الأرض تنور الأرض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي (وفار التنور) قال: ~~طلع الفجر قيل له إذا طلع الفجر فاركب أنت وأصحابك. وقد روى في تفسير ~~التنور غير هذا، وقد قدمنا الإشارة إلى ذلك. # وروى في صفة القصة وما حمله نوح في السفينة، وكيف كان الغرق، وكم بقيت ~~السفينة على ظهر الماء روايات كثيرة لا مدخل لها في تفسير كلام الله ~~سبحانه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (بسم الله مجراها ومرساها) قال: ~~حين يركبون ويجرون ويرسون. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كان إذا أراد أن ~~ترسي قال بسم الله فأرست، وإذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت. وأخرج أبو ~~يعلي والطبراني وابن السني وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن الحسن بن ~~علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أمان لأمتي من الغرق إذا ~~ركبوا الفلك أن يقولوا: بسم الله الملك الرحمن. بسم الله مجراها ومرساها، ~~إن ربي لغفور رحيم، وما قدروا الله حق قدره إلى آخر الآية " وأخرجه ابن أبي ~~حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وأخرجه أيضا أبو الشيخ عنه مرفوعا من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~قتادة قال: كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: هو ~~ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~عكرمة في قوله ms1761 PageV02P501 # (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) قال: لا ناج إلا أهل السفينة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم بن أبي برة في قوله (وحال بينهما ~~الموج) قال: بين ابن نوح والجبل. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله (يا ~~أرض ابلعي) قال: هو بالحبشية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن وهب بن منبه في ابلعي قال بالحبشية: أي ازدرديه. وأخرج أبو الشيخ عن ~~جعفر بن محمد عن أبيه قال: معناه أشربي بلغة الهند. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. أقول: وثبوت ~~لفظ البلع وما يشتق منه في لغة العرب ظاهر مكشوف، فما لنا وللحبشة والهند. # سورة هود الآية (45 - 49) معنى (ونادى نوح ربه) دعاه، والمراد أراد دعاءه ~~بدليل الفاء في (فقال رب إن ابني من أهلي) وعطف الشئ على نفسه غير سائغ، ~~فلا بد من التقدير المذكور، ومعنى قوله (إن ابني من أهلي) أنه من الأهل ~~الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك: وأهلك. فإن قيل كيف طلب نوح عليه السلام ~~إنجاز ما وعده الله بقوله (وأهلك) وهو المستثنى منه، وترك ما يفيده ~~الاستثناء، وهو (إلا من سبق عليه القول)؟ فيجاب بأنه لم يعلم إذ ذاك أنه ~~ممن سبق عليه القول، فإنه كان يظنه من المؤمنين (وإن وعدك الحق) الذي لا ~~خلف فيه، وهذا منه (وأنت أحكم الحاكمين) أي أتقن المتقنين لما يكون به ~~الحكم، فلا يتطرق إلى حكمك نقض، وقيل أراد بأحكم الحاكمين أعلمهم وأعدلهم: # أي أنت أكثر علما وعدلا من ذوي الحكم، وقيل إن الحاكم بمعنى ذي الحكمة ~~كدارع، ثم أجاب الله سبحانه عن نوح ببيان أن ابنه غير داخل في عموم الأهل، ~~وأنه خارج بقيد الاستثناء ف‍ (قال يا نوح إنه ليس من أهلك) الذين آمنوا بك ~~وتابعوك وإن كان من أهلك باعتبار القرابة، ثم صرح بالعلة الموجبة لخروجه من ~~عموم الأهل المبينة له بأن المراد بالقرابة قرابة الدين لا قرابة النسب ~~وحده فقال (إنه عمل ms1762 غير صالح) قرأ الجمهور عمل على لفظ المصدر. # وقرأ ابن عباس وعكرمة والكسائي ويعقوب عمل على لفظ الفعل، ومعنى القراءة ~~الأولى المبالغة في ذمه كأنه جعل نفس العمل، وأصله ذو عمل غير صالح ثم حذف ~~المضاف وجعل نفس العمل، كذا قال الزجاج وغيره، ومعنى القراءة الثانية ظاهر: ~~أي إنه عمل عملا غير صالح، وهو كفره وتركه لمتابعة أبيه، ثم نهاه عن مثل ~~هذا السؤال، فقال (فلا تسألن ما ليس لك به علم) لما بين له بطلان ما اعتقده ~~من كونه من أهله فرع على ذلك النهي عن السؤال، وهو وإن كان نهيا عاما بحيث ~~يشمل كل سؤال لا يعلم صاحبه أن حصول مطلوبه منه صواب، PageV02P502 # فهو يدخل تحته سؤاله هذا دخولا أوليا، وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم ~~الإنسان مطابقته للشرع، وسمى دعاءه سؤالا لتضمنه معنى السؤال (إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين) أي أحذرك أن تكون من الجاهلين كقوله - يعظكم الله أن ~~تعودوا لمثله أبدا - وقيل المعنى: أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ابن ~~العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين ويعليه ~~بها إلى مقام العلماء العاملين، ثم لما علم نوح بأن سؤاله لم يطابق الواقع، ~~وأن دعاءه ناشئ عن وهم كان يتوهمه بادر إلى الاعتراف بالخطأ وطلب المغفرة ~~والرحمة، ف‍ (قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) أي أعوذ بك أن ~~أطلب منك ما لا علم لي بصحته وجوازه، (وإن لا تغفر لي) ذنب ما دعوت به على ~~غير علم مني (وترحمني) برحمتك التي وسعت كل شئ فتقبل توبتي (أكن من ~~الخاسرين) في أعمالي فلا أربح فيها. القائل هو الله، أو الملائكة (قيل يا ~~نوح اهبط) أي انزل من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى المنخفض من الأرض ~~فقد بلعت الأرض ماءها وجفت (بسلام منا) أي بسلامة وأمن، وقيل بتحية ~~(وبركات) أي نعم ثابتة، مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته، ومنه البركة لثبوت ~~الماء فيها، وفي ms1763 هذا الخطاب له دليل على قبول توبته ومغفرة زلته (وعلى أمم ~~ممن معك) أي ناشئة ممن معك، وهم المتشعبون من ذرية من كان معه في السفينة، ~~وقيل أراد من في السفينة، فإنهم أمم مختلفة وأنواع من الحيوانات متباينة. ~~قيل أراد الله سبحانه بهؤلاء الأمم الذين كانوا معه من صار مؤمنا من ~~ذريتهم، وأراد بقوله (وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم) من صار كافرا ~~من ذريتهم إلى يوم القيامة، وارتفاع أمم في قوله (وأمم سنمتعهم) على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف: # أي ومنهم أمم، وقيل على تقدير: ويكون أمم. وقال الأخفش: هو كما تقول: ~~كلمت زيدا وعمرو جالس، وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما سنمتعهم: أي ~~ونمتع أمما، ومعنى الآية: وأمم سنمتعهم في الدنيا بما فيها من المتاع، ~~ونعطيهم منها ما يعيشون به، ثم يمسهم منا في الآخرة عذاب أليم، وقيل يمسهم ~~إما في الدنيا أو في الآخرة، والإشارة بقوله (تلك) إلى قصة نوح، وهي مبتدأ ~~والجمل بعده أخبار (من أنباء الغيب) من جنس أنباء الغيب، والأنباء جمع نبأ ~~وهو الخبر: أي من أخبار الغيب التي مرت بك في هذه السورة، والضمير في ~~(نوحيها إليك) راجع إلى القصة، والمجئ بالمضارع لاستحضار الصورة (ما كنت) ~~يا محمد (تعلمها أنت ولا) يعلمها (قومك) بل هي مجهولة عندكم من قبل الوحي، ~~أو من قبل هذا الوقت (فاصبر) على ما تلاقيه من كفار زمانك، والفاء لتفريع ~~ما بعدها على ما قبلها (إن العاقبة) المحمودة في الدنيا والآخرة (للمتقين) ~~لله المؤمنين بما جاءت به رسله، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتبشير له بأن الظفر للمتقين في عاقبة الأمر، ولا اعتبار ~~بمباديه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: نادى نوح ربه فقال: رب ~~إن ابني من أهلي، وإنك قد وعدتني أن تنجي لي أهلي، وإن ابني من أهلي. وأخرج ~~عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ~~ابن عباس قال " ما بغت امرأة ms1764 نبي قط ". وقوله (إنه ليس من أهلك) يقول: # ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عنه قال: إن نساء الأنبياء لا يزنين، وكان يقرؤها (إنه عمل غير صالح) يقول: ~~مسألتك إياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (فلا تسألني ما ليس لك به علم) قال: بين الله لنوح أنه ~~ليس بابنه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد في قوله (يا نوح اهبط بسلام منا) ~~قال: أهبطوا والله عنهم راض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ~~ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك العذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم ~~القيامة. وأخرج ابن PageV02P503 # جرير عن الضحاك (وعلى أمم ممن معك) يعني ممن لم يولد، أوجب الله لهم ~~البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة (وأمم سنمتعهم) يعني متاع ~~الحياة الدنيا (ثم يمسهم منا عذاب أليم) لما سبق لهم في علم الله من ~~الشقاوة، وأخرج أبو الشيخ قال: ثم رجع إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها ولا قومك) يعني العرب ~~(من قبل هذا) القرآن. # سورة هود الآية (50 - 60) قوله (وإلى عاد أخاهم هودا) معطوف على وأرسلنا ~~نوحا: أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم: أي واحدا منهم، وهودا عطف بيان وقوم عاد ~~كانوا عبدة أوثان وقد تقدم مثل هذا في الأعراف. وقيل هم عاد الأولى وعاد ~~الأخرى، فهؤلاء هم عاد الأولى وعاد الأخرى هم شداد ولقمان وقومهما ~~المذكورون في قوله - إرم ذات العماد -، وأصل عاد: # اسم رجل ثم صار اسما للقبيلة كتميم وبكر ونحوهما (ما لكم من إله غيره) ~~قرئ غيره بالجر على اللفظ، وبالرفع على محل من إله، وقرئ بالنصب على ~~الاستثناء (إن أنتم إلا مفترون) أي ما أنتم باتخاذ إله غير الله إلا كاذبون ms1765 ~~على الله عز وجل ثم خاطبهم فقال (يا قوم لا أسألكم عليه أجرا) أي لا أطلب ~~منكم أجرا على ما أبلغه إليكم وأنصحكم به من الإرشاد إلى عبادة الله وحده ~~وأنه لا إله لكم سواه، فالضمير راجع إلى مضمون هذا الكلام. وقد تقدم معنى ~~هذا في قصة نوح (إن أجري إلا على الذي فطرني) أي ما أجري الذي أطلب إلا من ~~الذي فطرني: PageV02P504 # أي خلقني فهو الذي يثيبني على ذلك (أفلا تعقلون) أن أجر الناصحين إنما هو ~~من رب العالمين، قيل إنما قال فيما تقدم في قصة نوح: مالا، وهنا قال: أجرا ~~لذكر الخزائن بعده في قصة نوح، ولفظ المال بها أليق، ثم أرشدهم إلى ~~الاستغفار والتوبة. والمعنى: اطلبوا مغفرته لما سلف من ذنوبكم ثم توسلوا ~~إليه بالتوبة. وقد تقدم زيادة بيان لمثل هذا في قصة نوح، ثم رغبهم في ~~الإيمان بالخير العاجل، فقال (يرسل السماء) أي المطر (عليكم مدرارا) أي ~~كثير الدرور، وهو منصوب على الحال، درت السماء تدر وتدر فهي مدرار، وكان ~~قوم هود أهل بساتين وزرع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام ~~واليمن (ويزدكم قوة إلى قوتكم) معطوف على يرسل: أي شدة مضافة إلى شدتكم، أو ~~خصبا إلى خصبكم، أو عزا إلى عزكم. قال الزجاج: المعنى يزدكم قوة في النعم ~~(ولا تتولوا مجرمين) أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه وتقيموا على الكفر مصرين ~~عليه، والإجرام: الآثام كما تقدم، ثم أجابه قومه بما يدل على فرط جهالتهم، ~~وعظيم غباوتهم، ف‍ (قالوا يا يهود ما جئتنا ببينة) أي بحجة واضحة نعمل ~~عليها، ونؤمن لك بها غير معترفين بما جاءهم به من حجج الله وبراهينه عنادا ~~وبعدا عن الحق (وما نحن بتاركي آلهتنا) التي نعبدها من دون الله. ومعنى (عن ~~قولك) صادرين عن قولك، فالظرف في محل نصب على الحال (وما نحن لك بمؤمنين) ~~أي بمصدقين في شئ مما جئت به (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) أي ما ~~نقول إلا أنه أصابك بعض آلهتنا التي تعيبها وتسفه ms1766 رأينا في عبادتها بسوء ~~بجنون، حتى نشأ عن جنونك ما تقوله لنا وتكرره علينا من التنفير عنها، يقال ~~عراه الأمر واعتراه: إذا ألم به، فأجابهم بما يدل على عدم مبالاته بهم وعلى ~~وثوقه بربه وتوكله عليه، وأنهم لا يقدرون على شئ مما يريده الكفار به، بل ~~الله سبحانه هو الضار النافع ف‍ (قال إني أشهد الله واشهدوا) أنتم (أني برئ ~~مما تشركون) به (من دونه) أي من إشراككم من دون الله من غير أن ينزل به ~~سلطانا (فكيدوني جميعا) أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنها تقدر على ~~الإضرار بي وأنها اعترتني بسوء (ثم لا تنظرون) أي لا تمهلوني، بل عاجلوني ~~واصنعوا ما بدا لكم، وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي ~~يعبدونها ما يصك مسامعهم، ويوضح عجزهم وعدم قدرتهم على شئ (إني توكلت على ~~الله ربي وربكم) فهو يعصمني من كيدكم، وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي ~~كل مبلغ، فمن توكل على الله كفاه. ثم لما بين لهم توكله على الله وثقته ~~بحفظه وكلاءته وصفه بما يوجب التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته ~~عليه وعليهم، وأنه مالك للجميع، وأن ناصية كل دابة من دواب الأرض بيده، وفي ~~قبضته وتحت قهره، وهو تمثيل لغاية التسخير ونهاية التذليل، وكانوا إذا ~~أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه، والمن عليه جزوا ناصيته فجعلوا ذلك علامة ~~لقهره. قال الفراء: معنى آخذ بناصيتها مالكها والقادر عليها، وقال القتيبي: ~~قاهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، والناصية قصاص الشعر من مقدم الرأس، ~~ثم علل ما تقدم بقوله (إن ربي على صراط مستقيم) أي هو على الحق والعدل فلا ~~يكاد يسلطكم علي (فإن تولوا) أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين، والمعنى فإن ~~تستمروا على الإعراض عن الإجابة والتصميم على ما أنتم عليه من الكفر (فقد ~~أبلغتكم ما أرسلت به إليكم) ليس علي إلا ذلك. وقد لزمتكم الحجة (ويستخلف ~~ربي قوما غيركم) جملة مستأنفة لتقرير الوعيد بالهلاك: أي يستخلف في دياركم ~~وأموالكم قوما آخرين، ويجوز أن ms1767 يكون عطفا على فقد أبلغتكم. وروى حفص عن ~~عاصم أنه قرأ " ويستخلف " بالجزم حملا على موضع فقد أبلغتكم (ولا تضرونه ~~شيئا) أي بتوليكم، ولا تقدرون على كثير من الضرر ولا حقير (إن ربي على كل ~~شئ حفيظ) أي رقيب مهيمن عليه يحفظه من كل شئ، قيل وعلى بمعنى اللام، فيكون ~~المعنى: لكل شئ حفيظ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء (ولما جاء أمرنا) أي ~~عذابنا الذي PageV02P505 # هو إهلاك عاد (نجينا هودا والذين آمنوا معه) من قومه (برحمة منا) أي ~~برحمة عظيمة كائنة منا لأنه لا ينجو أحد إلا برحمة الله، وقيل هي الإيمان ~~(من عذاب غليظ) أي شديد قيل وهو السموم التي كانت تدخل أنوفهم (وتلك عاد) ~~مبتدأ وخبر، وأنت الإشارة اعتبارا بالقبيلة. قال الكسائي: إن من العرب من ~~لا يصرف عاد ويجعله اسما للقبيلة (جحدوا بآيات ربهم) أي كفروا بها وكذبوها ~~وأنكروا المعجزات (وعصوا رسله) أي هودا وحده، لأنه لم يكن في عصره رسول ~~سواه، وإنما جمع هنا لأن من كذب رسولا فقد كذب جميع الرسل، وقيل إنهم عصوا ~~هودا ومن كان قبله من الرسل، أو كانوا بحيث لو بعث الله إليهم رسلا متعددين ~~لكذبوهم (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) الجبار المتكبر، والعنيد: الطاغي الذي ~~لا يقبل الحق ولا يذعن له. قال أبو عبيدة: العنيد العنود والعاند والمعاند، ~~وهو المعارض بالخلاف منه، ومنه قيل للعرق الذي يتفجر بالدم عاند. قال ~~الراجز: * إني كبير لا أطيق العندا * (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) أي ~~ألحقوها، وهي الإبعاد من الرحمة والطرد من الخير، والمعنى أنها لازمة لهم ~~لا تفارقهم ما داموا في الدنيا (و) أتبعوها (يوم القيامة) فلعنوا هنالك كما ~~لعنوا في الدنيا (ألا إن عادا كفروا ربهم) أي بربهم. وقال الفراء: كفروا ~~نعمة ربهم، يقال كفرته وكفرت به: مثل شكرته وشكرت له (ألا بعدا لعاد قوم ~~هود) أي لا زالوا مبعدين من رحمة الله، والبعد: الهلاك، والبعد: التباعد من ~~الخير، يقال بعد يبعد بعدا: # إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعدا: إذا ms1768 هلك، ومنه قول الشاعر: # لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر وقال النابغة: # فلا تبعدن إن المنية منهل * وكل امرئ يوما به الحال زائل ومنه قول ~~الشاعر: # ما كان ينفعني مقال نسائهم * وقتلت دون رجالهم لا تبعد وقد تقدم أن العرب ~~تستعمله في الدعاء بالهلاك. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة (إلا ~~على الذي فطرني) أي خلقني. # وأخرج ابن عساكر عن الضحاك قال: أمسك الله عن عاد القطر ثلاث سنين، فقال ~~لهم هود (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا) فأبوا إلا ~~تماديا. وأخرج أبو الشيخ عن هارون التيمي في قوله (يرسل السماء عليكم ~~مدرارا) قال: المطر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (ويزدكم قوة إلى قوتكم) قال: شدة إلى شدتكم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله (ويزدكم قوة إلى قوتكم) قال: ولد ~~الولد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسوء) قال: أصابتك بالجنون. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد قال: ما من ~~أحد يخاف لصا عاديا، أو سبعا ضاريا، أو شيطانا ماردا فيتلو هذه الآية إلا ~~صرفه الله عنه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد (إن ربي على صراط ~~مستقيم) قال: الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (عذاب غليظ) ~~قال: شديد. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (كل جبار عنيد) قال: ~~المشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: العنيد المشاق. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) ~~PageV02P506 # قال: لم يبعث نبي بعد عاد إلا لعنت على لسانه. وأخرج ابن المنذر عن قتادة ~~في الآية قال: تتابعت عليهم لعنتان من الله: لعنة في الدنيا، ولعنة في ~~الآخرة. # سورة هود الآية (61 - 68) قوله (وإلى ثمود أخاهم صالحا) معطوف على ما ms1769 ~~تقدم، والتقدير: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، والكلام فيه، وفى قوله (يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) كما تقدم في قصة هود. وقرأ الحسن ~~ويحيى بن وثاب " وإلى ثمود " بالتنوين في جميع المواضع. واختلف سائر القراء ~~فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع، فالصرف باعتبار التأويل بالحي، ~~والمنع باعتبار التأويل بالقبيلة، وهكذا سائر ما يصح فيه التأويلان، وأنشد ~~سيبويه في التأنيث باعتبار التأويل بالقبيلة: # غلب المساميح الوليد جماعة * وكفى قريش المعضلات وسادها (هو أنشأكم من ~~الأرض) أي ابتدأ خلقكم من الأرض، لأن كل بني آدم من صلب آدم، وهو مخلوق من ~~الأرض (واستعمركم فيها) أي جعلكم عمارها وسكانها، من قولهم أعمر فلان فلانا ~~داره فهي له عمري، فيكون استفعل بمعنى أفعل: مثل استجاب بمعنى أجاب. وقال ~~الضحاك: معناه أطال أعماركم، وكانت أعمارهم من ثلاثمائة إلى ألف، وقيل ~~معناه أمركم بعمارتها من بناء المساكن وغرس الأشجار (فاستغفروه) أي سلوه ~~المغفرة لكم من عبادة الأصنام (ثم توبوا إليه) أي ارجعوا إلى عبادته (إن ~~ربي قريب مجيب) أي قريب الإجابة لمن دعاه، وقد تقدم القول فيه في البقرة ~~عند قوله تعالى - فإني قريب أجيب دعوة الداعي - (قالوا يا صالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا) أي كنا نرجو أن تكون فينا سيدا مطاعا ننتفع برأيك، ونسعد ~~بسيادتك قبل هذا الذي أظهرته من PageV02P507 # ادعائك النبوة ودعوتك إلى التوحيد، وقيل كان صالح يعيب آلهتهم وكانوا ~~يرجون رجوعه إلى دينهم، فلما دعاهم إلى الله قالوا انقطع رجاؤنا منك، ~~والاستفهام في قوله (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا) للإنكار أنكروا عليه ~~هذا النهي، وأن نعبد في محل نصب بحذف الجار: أي بأن نعبد، ومعنى ما يعبد ~~آباؤنا: ما كان يعبد آباؤنا، فهو حكاية حال ماضية لاستحضار الصورة (وإننا ~~لفي شك مما تدعونا إليه مريب) من أربته فأنا أريبه: إذا فعلت به فعلا يوجب ~~له الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة، أو من أراب الرجل: إذا كان ~~ذار ريبة، والمعنى: إننا لفي شك مما ms1770 تدعونا إليه من عبادة الله وحده وترك ~~عبادة الأوثان موقع في الريب (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) ~~أي حجة ظاهرة وبرهان صحيح (وآتاني منه) أي من جهته (رحمة) أي نبوة، وهذه ~~الأمور وإن كانت متحققة الوقوع، لكنها صدرت بكلمة الشك اعتبارا بحال ~~المخاطبين، لأنهم في شك من ذلك، كما وصفوه عن أنفسهم (فمن ينصرني من الله) ~~استفهام معناه النفي: أي لا ناصر لي يمنعني من عذاب الله (إن عصيته) في ~~تبليغ الرسالة وراقبتكم وفترت عما يجب علي من البلاغ (فما تزيدونني) ~~بتثبيطكم إياي (غير تخسير) بأن تجعلوني خاسرا بإبطال عملي، والتعرض لعقوبة ~~الله لي. قال الفراء: أي تضليل وإبعاد من الخير، وقيل المعنى: فما تزيدونني ~~باحتياجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم. قوله (ويا قوم هذه ناقة الله ~~لكم آية) قد مر تفسير هذه الآية في الأعراف، ومعنى لكم آية: معجزة طاهرة، ~~وهي منتصبة على الحال، ولكم في محل نصب على الحال من آية مقدمة عليها، ولو ~~تأخرت لكانت صفة لها، وقيل إن ناقة الله بدل من هذه، والخبر لكم، والأول ~~أولى، وإنما قال " ناقة الله " لأنه أخرجها لهم من جبل على حسب اقتراحهم، ~~وقيل من صخرة صماء (فذروها تأكل في أرض الله) أي دعوها تأكل في أرض الله ~~مما فيها من المراعي التي تأكلها الحيوانات. قال أبو إسحاق الزجاج: ويجوز ~~رفع تأكل على الحال والاستئناف، ولعله يعني في الأصل على ما تقتضيه لغة ~~العرب لا في الآية، فالمعتمد القراءات المروية على وجه الصحة (ولا تمسوها ~~بسوء) قال الفراء: بعقر، والظاهر أن النهي عما هو أعم من ذلك (فيأخذكم عذاب ~~قريب) جواب النهي: أي قريب من عقرها، وذلك ثلاثة أيام (فعقروها) أي فلم ~~يمتثلوا الأمر من صالح ولا النهي، بل خالفوا كل ذلك فوقع منهم العقر لها ~~(فقال) لهم صالح (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) أي تمتعوا بالعيش في منازلكم ~~ثلاثة أيام، فإن العقاب نازل عليكم بعدها، قيل إنهم عقروها يوم الأربعاء، ~~فأقاموا الخميس والجمعة والسبت ms1771 وأتاهم العذاب يوم الأحد، والإشارة بقوله ~~(ذلك) إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام (وعد غير مكذوب) أي غير ~~مكذوب فيه، فحذف الجار اتساعا، أو من باب المجاز كأن الوعد إذا وفي به صدق ~~ولم يكذب، ويجوز أن يكون مصدرا: أي وعد غير كذب (فلما جاء أمرنا) أي ~~عذابنا، أو أمرنا بوقوع العذاب (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) ~~قد تقدم تفسير هذا في قصة هود (ومن خزي يومئذ) أي ونجيناهم من خزي يومئذ ~~وهو هلاكهم بالصيحة، والخزي: الذل والمهانة، وقيل من عذاب يوم القيامة، ~~والأول أولى. وقرأ نافع والكسائي بفتح يوم على أنه اكتسب البناء من المضاف ~~إليه. وقر الباقون بالكسر (إن ربك هو القوي العزيز) القدر الغالب الذي لا ~~يعجزه شئ (وأخذ الذين ظلموا الصيحة أي في اليوم الرابع من عقر الناقة، صيح ~~بهم فماتوا، وذكر الفعل لأن الصيحة والصياح واحد مع كون التأنيث غير حقيقي، ~~قيل صيحة جبريل، وقيل صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وماتوا، وتقدم في ~~الأعراف - فأخذتهم الرجفة - قيل ولعلها وقعت عقب الصيحة (فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين) أي ساقطين على وجوههم موتى قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جثمت (كأن ~~لم يغنوا فيها) أي كأنهم لم يقيموا في بلادهم أو ديارهم، والجملة ~~PageV02P508 # في محل نصب على الحال والتقدير: مماثلين لمن لم يوجد ولم يقم في مقام قط ~~(ألا إن ثمودا كفروا ربهم) وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة البيان، وصرح ~~بكفرهم مع كونه معلوما تعليلا للدعاء عليهم بقوله (ألا بعدا لثمود) وقرأ ~~الكسائي بالتنوين. وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف بما يحتاج إلى ~~مراجعته ليضم ما في إحدى القصتين من الفوائد إلى الأخرى. # وقد أخرج أبو الشيخ عن السدي (هو أنشأكم من الأرض) قال: خلقكم من الأرض. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (واستعمركم فيها) قال: ~~أعمركم فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد (واستعمركم فيها) قال: ~~استخلفكم فيها. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد (فما تزيدونني غير ms1772 ~~تخسير) يقول: ما تزدادون أنتم إلا خسارا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~عطاء الخراساني نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين) قال: ميتين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (كأن ~~لم يغنوا فيها) قال: كأن لم يعيشوا فيها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عنه، قال: كأن لم يعمروا فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كأن لم ~~ينعموا فيها. # سورة هود الآية (69 - 76) هذه قصة لوط عليه السلام وقومه، وهو ابن عم ~~إبراهيم عليه السلام، وكانت قرى لوط بنواحي الشام وإبراهيم ببلاد فلسطين. ~~فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط، مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان ~~كل من نزل عنده يحسن قراه، وكان مرورهم عليه لتبشيره بهذه البشارة ~~المذكورة، فظنهم أضيافا، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل كانوا تسعة، ~~وقيل أحد عشر، والبشرى التي بشروه بها هي بشارته بالولد، وقيل بإهلاك قوم ~~لوط، والأولى أولى (قالوا سلاما) منصوب بفعل مقدر: أي سلمنا عليك سلاما ~~(قال سلام) ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي أمركم سلام، أو مرتفع على ~~أنه مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: عليكم سلام (فما لبث) أي إبراهيم (أن ~~جاء بعجل حنيذ) قال أكثر النحويين (أن) هنا بمعنى حتى: أي فما لبث حتى جاء، ~~وقيل PageV02P509 # إنها في محل نصب بسقوط حرف الجر، والتقدير فما لبث عن أن جاء: أي ما أبطأ ~~إبراهيم عن مجيئه بعجل وما نافيه قاله سيبويه. وقال الفراء فما لبث مجيئه ~~أي ما أبطأ مجيئه، وقيل إن ما موصولة وهي مبتدأ والخبر أن جاء بعجل حنيذ ~~والتقدير: فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه بعجل حنيذ، والحنيذ: المشوي مطلقا، ~~وقيل المشوي بحر الحجارة من غير أن تمسه النار، يقال حنذ الشاة يحنذها: ~~جعلها فوق حجارة محماة لتنضجها فهي حنيذ، وقيل معنى حنيذ: # سمين، وقيل الحنيذ هو السميط، وقيل النضيج، وهو فعيل بمعنى مفعول، وإنما ~~جاءهم بعجل، لأن البقر كانت أكثر أمواله (فلما رأى أيديهم لا تصل ms1773 إليه) أي ~~لا يمدونها إلى العجل كما يمد يده من يريد الأكل (نكرهم) يقال: نكرته ~~وأنكرته واستنكرته: إذا وجدته على غير ما تعهد، ومنه قول الشاعر: # فأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا فجمع بين ~~اللغتين، ومما جمع فيه بين اللغتين قول الشاعر: # إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها * خرجت مع البازي علي سواد وقيل يقال: أنكرت ~~لما تراه بعينك، ونكرت لما تراه بقلبك، قيل وإنما استنكر منهم ذلك، لأن ~~عادتهم أن الضيف إذا نزل بهم ولم يأكل من طعامهم ظنوا أنه قد جاء بشر ~~(وأوجس منهم) أي أحسن في نفسه منهم (خيفة) أي خوفا وفزعا، وقيل معنى أوجس: ~~أضمر في نفسه خيفة، والأول ألصق بالمعنى اللغوي، ومنه قول الشاعر: # جاء البريد بقرطاس يحث به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا وكأنه ظن أنهم قد ~~نزلوا به لأمر ينكره، أو لتعذيب قومه (قالوا لا تخف) قالوا له هذه المقالة ~~مع كونه لم يتكلم بما يدل على الخوف، بل أوجس ذلك في نفسه، فلعلهم استدلوا ~~على خوفه بأمارات كظهور أثره على وجهه، أو قالوه له بعد ما قال عقب ما أوجس ~~في نفسه من الخيفة قولا يدل على الخوف كما في قوله في سورة الحجر - قال إنا ~~منكم وجلون -، ولم يذكر ذلك هاهنا اكتفاء بما هنالك، ثم عللوا نهيه عن ~~الخوف بقولهم (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) أي أرسلنا إليهم خاصة، ويمكن أن ~~يكون إبراهيم عليه السلام قد قال قولا يكون هذا جوابا عنه - قال فما خطبكم ~~أيها المرسلون. قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين -، وجملة (وامرأته قائمة ~~فضحكت) في محل نصب على الحال، قيل كانت قائمة عند تحاورهم وراء الستر، وقيل ~~كانت قائمة تخدم الملائكة وهو جالس، والضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون ~~للتعجب أو للسرور كما قاله الجمهور. وقال مجاهد وعكرمة: إنه الحيض، ومنه ~~قول الشاعر: # وإني لآتي العرس عند طهورها * وأهجرها يوما إذا تك ضاحكا وقال الآخر: # وضحك الأرانب فوق الصفا * كمثل دم الخوف يوم اللقا ms1774 والعرب تقول ضحكت ~~الأرنب: إذا حاضت. وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى ~~حاضت (فبشرناها بإسحاق) ظاهره أن التبشير كان بعد الضحك. وقال الفراء: فيه ~~تقديم وتأخير. # والمعنى: فبشرناها فضحكت سرورا بالولد. وقرأ محمد بن زياد من قراء مكة ~~فضحكت بفتح الحاء. وأنكره PageV02P510 # المهدوي (ومن وراء إسحاق يعقوب) قرأ حمزة وابن عامر وحفص بنصب يعقوب على ~~أنه مفعول فعل دل عليه فبشرناها، كأنه قال: ووهبنا لها من رواء إسحاق ~~يعقوب. وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون يعقوب في موضع جر. وقال ~~الفراء: لا يجوز الجر إلا بإعادة حرفه. قال سيبويه: ولو قلت مررت بزيد أول ~~من أمس، وأمس عمر كان قبيحا خبيثا، لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه كما ~~يفرق بين الجار والمجرور. وقرأ الباقون برفع يعقوب على أنه مبتدأ وخبره ~~الظرف الذي قبله، وقيل الرفع بتقدير فعل محذوف: أي ويحدث لها، أو وثبت لها. ~~وقد وقع التبشير هنا لها، ووقع لإبراهيم في قوله تعالى - فبشرناه بغلام ~~حليم - وبشروه بغلام عليم -، لأن كل واحد منهما مستحق للبشارة به لكونه ~~منهما، وجملة (قالت يا ويلتا) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قالت؟ ~~قال الزجاج: أصلها يا ويلتي، فأبدل من الياء ألف لأنها أخف من الياء ~~والكسرة، وهي لم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تقع كثيرا على ~~أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وأصل الويل: # الخزي، ثم شاع في كل أمر فظيع، والاستفهام في قولها (أألد وأنا عجوز) ~~للتعجب: أي كيف ألد وأنا شيخة قد طعنت في السن، يقال عجزت تعجز مخففا ~~ومثقلا عجزا وتعجيزا: أي طعنت في السن. ويقال عجوز وعجوزة، وأما عجزت بكسر ~~الجيم: فمعناه عظمت عجيزتها، قيل كانت بنت تسع وتسعين، وقيل بنت تسعين ~~(وهذا بعلي شيخا) أي وهذا زوجي إبراهيم شيخا لا تحبل من مثله النساء، وشيخا ~~منتصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة. قال النحاس: وفي قراءة أبي ~~وابن مسعود شيخ بالرفع على أنه خبر المبتدأ، أو ms1775 خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ ~~محذوف، وعلى الأول يكون " بعلي " بدلا من اسم الإشارة، قيل كان إبراهيم ابن ~~مائة وعشرين سنة، وقيل ابن مائة، وهذه المبشرة هي سارة امرأة إبراهيم. وقد ~~كان ولد لإبراهيم من هاجر أمته إسماعيل، فتمنت سارة أن يكون لها ابن وأيست ~~منه لكبر سنها، فبشرها الله به على لسان ملائكته (إن هذا لشئ عجيب) أي ما ~~ذكرته الملائكة من التبشير بحصول الولد مع كونها في هذه السن العالية التي ~~لا يولد لمثلها شئ يقضى منه العجب، وجملة (قالوا أتعجبين من أمر الله) ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر، والاستفهام فيها للإنكار: أي كيف تعجبين من قضاء ~~الله وقدره، وهو لا يستحيل عليه شئ، وإنما أنكروا عليها مع كون ما تعجبت ~~منه من خوارق العادة لأنها من بيت النبوة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من ~~مقدوراته سبحانه، ولهذا قالوا (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) أي ~~الرحمة التي وسعت كل شئ والبركات وهي النمو والزيادة وقيل الرحمة: النبوة، ~~والبركات: الأسباط من بني إسرائيل لما فيهم من الأنبياء، وانتصاب أهل البيت ~~على المدح أو الاختصاص، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع لقصد ~~التعميم (إنه حميد) أي يفعل موجبات حمده من عباده على سبيل الكثرة (مجيد) ~~كثير الإحسان إلى عباده بما يفيضه عليهم من الخيرات، والجملة تعليل لقوله " ~~رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ". قوله (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) أي ~~الخيفة التي أوجسها في نفسه، يقال ارتاع من كذا: إذا خاف، ومنه قول ~~النابغة: # فارتاع من صوت كلاب فبات له * طوع الشوامت من خوف ومن حذر (وجاءته ~~البشرى) أي بالولد، أو بقولهم لا تخف. قوله (يجادلنا في قوم لوط). قال ~~الأخفش والكسائي: إن يجادلنا في موضع جادلنا، فيكون هو جواب لما، لما تقرر ~~من أن جوابها يكون بالماضي لا بالمستقبل. قال النحاس: جعل المستقبل مكانه ~~كما يجعل الماضي مكان المستقبل في الشرط، وقيل إن الجواب محذوف، ويجادلنا ~~في موضع نصب على الحال قاله الفراء، وتقديره: فلما ذهب ms1776 عنه الروع وجاءته ~~البشرى اجترأ على خطابنا حال PageV02P511 # كونه يجادلنا: أي يجادل رسلنا، وقيل إن المعنى: أخذ يجادلنا، ومجادلته ~~لهم قيل إنه لما سمع قولهم - إنا مهلكوا أهل هذه القرية - قال: أرأيتم إن ~~كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا لا - قال فأربعون؟ قالوا لا، ~~قال فعشرون؟ قالوا لا، ثم قال فعشرة فخمسة؟ قالوا لا. قال فواحد؟ قالوا لا ~~- قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله - الآية، فهذا ~~معنى مجادلته في قوم لوط: أي في شأنهم وأمرهم. ثم أثنوا على إبراهيم، أو ~~أثنى الله عليه فقال (إن إبراهيم لحليم) أي ليس بعجول في الأمور، ولا بموقع ~~لها على غير ما ينبغي. والأواه: # كثير التأوه، والمنيب: الراجع إلى الله. وقد تقدم في براءة الكلام على ~~الأواه. قوله (يا إبراهيم أعرض عن هذا) هذا قول الملائكة له: أي أعرض عن ~~هذا الجدال في أمر قد فرغ منه، وجف به القلم، وحق به القضاء (إنه قد جاء ~~أمر ربك) الضمير للشأن، ومعنى مجئ أمر الله: مجئ عذابه الذي قدره عليهم، ~~وسبق به قضاؤه (وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) أي لا يرده دعاء ولا جدال، بل ~~هو واقع بهم لا محالة، ونازل بهم على كل حال ليس بمصروف ولا مدفوع. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا ~~أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورافئيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (بعجل حنيذ) قال: نضيج. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: مشوي. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا قال: سميط. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك قال: الحنيذ الذي ~~أنضج بالحجارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي يزيد البصري في قوله ~~(فلما رأى أيديهم لا تصل إليه) قال: لم ير لهم أيديا فنكرهم، وأخرج عبد ~~الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (نكرهم) ~~قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من ms1777 طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير، وأنه ~~يحدث نفسه بشر، ثم حدثوه عند ذلك بما جاءوا فيه فضحكت امرأته. وأخرج ابن ~~المنذر عن المغيرة قال: في مصحف ابن مسعود " وامرأته قائمة وهو جالس ". ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد (وامرأته قائمة) قال: في خدمة أضياف إبراهيم. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ~~قال: لما أوجس إبراهيم في نفسه خيفة حدثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضحكت ~~امرأته تعجبا مما فيه قوم لوط من الغفلة، ومما أتاهم من العذاب. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (فضحكت) قال: ~~فحاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (فضحكت) ~~قال: حاضت وكانت ابنة بضع وتسعين سنة وكان إبراهيم ابن مائة سنة. وأخرج أبو ~~الشيخ عن عكرمة قال: حاضت. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ومن وراء إسحاق ~~يعقوب) قال: هو ولد الولد. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن ~~حسان بن أبجر قال: كنت عند ابن عباس فجاء رجل من هذيل، فقال له ابن عباس: # ما فعل فلان؟ قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء، فقال ابن ~~عباس (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) قال: ولد الولد. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن ~~عباس أنه كان ينهى عن أن يزاد في جواب التحية على قولهم: عليكم السلام ~~ورحمة الله وبركاته، ويتلو هذه الآية (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت). ~~وأخرج البيهقي عن ابن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) قال: الفرق ~~(يجادلنا في قوم لوط) قال: يخاصمنا. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة ~~في تفسير المجادلة قال: إنه قال لهم ms1778 يومئذ: PageV02P512 # أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: إن كان فيهم خمسون لم ~~نعذبهم قال أربعون؟ قالوا وأربعون، قال ثلاثون؟ قالوا وثلاثون حتى بلغوا ~~عشرة، قالوا: إن كان فيهم عشرة لم نعذبهم، قال: ما قوم لا يكون فيهم عشرة ~~فيهم خير؟ قال قتادة: إنه كان في قرية لوط أربعة آلاف ألف إنسان، أو ما شاء ~~الله من ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: لما جاءت ~~الملائكة إلى إبراهيم قالوا لإبراهيم: إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم ~~العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن ميمون قال: الأواه الرحيم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال: المنيب المقبل إلى طاعة الله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن قتادة قال: المنيب المخلص. # سورة هود الآية (77 - 83) لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم وكان بين ~~إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ جاءوا إلى لوط، فلما رآهم لوط وكانوا في ~~صورة غلمان حسان مرد (سئ بهم) أي ساءه مجيئهم، يقال ساءه يسوءه، وأصل سئ ~~بهم سوئ يقول بهم نقلت حركة الواو إلى السين فقلبت الواو ياء، ولما خففت ~~الهمزة ألقيت حركتها على الياء. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو عمرو ~~بإشمام السين الضم (وضاق بهم ذرعا) قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة، ~~وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوه: أي يبسطها، فإذا حمل ~~عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك، فجعل ضيق الذرع كناية عن قلة الوسع ~~والطاقة وشدة الأمر، وقيل هو من ذرعه القئ: # إذا غلبه وضاق عن حبسه. والمعنى أنه ضاق صدره لما رأى الملائكة في تلك ~~الصورة خوفا عليهم من قومه لما يعلم من فسقهم وارتكابهم لفاحشة اللواط ~~(وقال هذا يوم عصيب) أي شديد. قال الشاعر: # وإنك إن لم ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب يقال عصيب وعصيصب ~~وعصوصب على التكثير: أي يوم مكروه يجتمع فيه الشر، ومنه قيل عصبة وعصابة: ~~أي مجتمعو الكلمة، ورجل معصوب: أي مجتمع الخلق ms1779 (وجاءه قومه يهرعون إليه) أي ~~جاءوا لوطا، الجملة في محل نصب على الحال. ومعنى يهرعون إليه: يسرعون إليه. ~~قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: PageV02P513 # لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة، يقال أهرع الرجل إهراعا: أي أسرع في ~~رعدة من برد أو غضب أو حمى، قال مهلهل: # فجاءوا يهرعون وهم أسارى * نهودهم على رغم الأنوف وقيل يهرعون: يهرولون، ~~وقيل هو مشي بين الهرولة والعدو. والمعنى: أن قوم لوط لما بلغهم مجئ ~~الملائكة في تلك الصورة أسرعوا إليه كأنما يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من ~~أضيافه (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) أي ومن قبل مجئ الرسل في هذا الوقت ~~كانوا يعملون السيئات، وقيل ومن قبل لوط كانوا يعملون السيئات: أي كانت ~~عادتهم إتيان الرجال، فلما جاءوا إلى لوط، وقصدوا أضيافه لذلك العمل، قام ~~إليهم لوط مدافعا (وقال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) أي تزوجوهن، ودعوا ~~ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي، وقد كان له ثلاث بنات، وقيل اثنتان، وكانوا ~~يطلبون منه أن يزوجهم بهن فيمتنع لخبثهم، وكان لهم سيدان مطاعان فأراد أن ~~يزوجهما بنتيه، وقيل أراد بقوله (هؤلاء بناتي) النساء جملة، لأن نبي القوم ~~أب لهم، وقالت طائفة: إنما كان هذا القول منه على طريق المدافعة ولم يرد ~~الحقيقة. ومعنى (هن أطهر لكم) أي أحل وأنزه، والتطهر، التنزه عما لا يحل، ~~وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل، بل هي مثل " الله أكبر ". وقرأ الحسن ~~وعيسى بن عمر بنصب أطهر، وقرأ الباقون بالرفع، ووجه النصب أن يكون اسم ~~الإشارة مبتدأ وخبره بناتي، وهن ضمير فصل، وأطهر حال. وقد منع الخليل ~~وسيبويه والأخفش مثل هذا، لأن ضمير الفصل الذي يسمى عمادا إنما يكون بين ~~كلامين بحيث لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك (فاتقوا ~~الله ولا تخزون في ضيفي) أي اتقوا الله بترك ما تريدون من الفاحشة بهم، ولا ~~تذلوني وتجلبوا على العار في ضيفي، والضيف يطلق على الواحد والاثنين ~~والجماعة، لأنه في الأصل مصدر، ومنه قول ms1780 الشاعر: # لا تعدمي الدهر شفار الجازر * للضيف والضيف أحق زائر ويجوز فيه التثنية ~~والجمع، والأول أكثر يقال خزي الرجل خزاية: أي استحيا أو ذل أو هان، وخزى ~~خزيا: إذا افتضح، ومعنى في ضيفي: في حق ضيفي، فخزى الضيف خزي للمضيف، ثم ~~وبخهم فقال (أليس منكم رجل رشيد) يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح ويمنعكم ~~منه، فأجابوا عليه معرضين عما نصحهم به، وأرشدهم إليه بقولهم (ما لنا في ~~بناتك من حق) أي ما لنا فيهم من شهوة ولا حاجة، لأن من احتاج إلى شئ فكأنه ~~حصل له فيه نوع حق. ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة ~~على إتيان الذكور وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم ~~إلى النساء، ويمكن أن يريدوا: أنه لا حق لنا في نكاحهن، لأنه لا ينكحهن ~~ويتزوج بهن إلا مؤمن ونحن لا نؤمن أبدا، وقيل إنهم كانوا قد خطبوا بناته من ~~قبل فردهم، وكان من سنتهم أن من خطب فرد فلا تحل المخطوبة أبدا، (وإنك ~~لتعلم ما نريد) من إتيان الذكور، ثم إنه لما علم تصميمهم على الفاحشة وأنهم ~~لا يتركون ما قد طلبوه (قال لو أن لي بكم قوة) وجواب لو محذوف، والتقدير: # لدافعتكم عنهم ومنعتكم منهم، وهذا منه عليه السلام على طريق التمني: أي ~~لو وجدت معينا وناصرا، فسمى ما يتقوى به قوة (أو آوى إلى ركن شديد) عطف على ~~ما بعد لو لما فيه من معنى الفعل، والتقدير: لو قويت على دفعكم أو آويت إلى ~~ركن شديد. وقرئ " أو آوى " بالنصب عطفا على قوة كأنه قال: لو أن لي بكم ~~قوة. # أو إيواء إلى ركن شديد، ومراده بالركن الشديد: العشيرة، وما يمتنع به ~~عنهم هو ومن معه. وقيل أراد بالقوة: PageV02P514 # الولد، وبالركن الشديد: من ينصره من غير ولده وقيل أراد بالقوة: قوته في ~~نفسه، ولما سمعته الملائكة يقول هذه المقالة ووجدوا قومه قد غلبوه وعجز عن ~~مدافعتهم (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا ms1781 إليك) أخبروه أولا أنهم رسل ~~ربه ثم بشروه بقولهم (لن يصلوا إليك) وهذه الجملة موضحة لما قبلها، لأنهم ~~إذا كانوا مرسلين من عند الله إليه لم يصل عدوه إليه ولم يقدروا عليه، ثم ~~أمروه أن يخرج عنهم فقالوا له (فأسر بأهلك بقطع من الليل) قرأ نافع وابن ~~كثير بالوصل، وقرأ غيرهما بالقطع، وهما لغتان فصيحتان، قال الله تعالى - ~~والليل إذا يسر - وقال - سبحان الذي أسرى - وقد جمع الشاعر بين اللغتين ~~فقال: # حي النضير وربة الخدر * أسرت عليه ولم تكن تسري وقيل إن أسرى للمسير من ~~أول الليل، وسرى للمسير من آخره، والقطع من الليل: الطائفة منه. قال ابن ~~الأعرابي: بقطع من الليل: بساعة منه، وقال الأخفش: بجنح من الليل، وقيل ~~بظلمة من الليل، وقيل بعد هدو من الليل. قيل إن السرى لا يكون إلا في ~~الليل، فما وجه زيادة بقطع من الليل؟ قيل لو لم يقل بقطع من الليل لجاز أن ~~يكون في أوله قبل اجتماع الظلمة، وليس ذلك بمراد (ولا يلتفت منكم أحد) أي ~~لا ينظر إلى ما وراءه، أو يشتغل بما خلفه من مال أو غيره. قيل وجه النهي عن ~~الالتفات أن لا يروا عذاب قومهم، وهول ما نزل بهم فيرحموهم ويرقوا لهم، أو ~~لئلا ينقطعوا عن السير المطلوب منهم بما يقع من الالتفات، فإنه لابد ~~للملتفت من فترة في سيره (إلا امرأتك) بالنصب على قراءة الجمهور، وقرأ أبو ~~عمرو وابن كثير بالرفع على البدل، فعلى القراءة الأولى امرأته مستثناة من ~~قوله (فأسر بأهلك) أي أسر بأهلك جميعا إلا امرأتك فلا تسر بها، ف‍ (إنه ~~مصيبها ما أصابهم) من العذاب، وهو رميهم بالحجارة لكونها كانت كافرة، وأنكر ~~قراءة الرفع جماعة منهم أبو عبيد وقال: لا يصح ذلك إلا برفع يلتفت ويكون ~~نعتا، لأن المعنى يصير إذا أبدلت وجزمت أن المرأة أبيح لها الالتفات وليس ~~المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا العمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو ~~مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون، والرفع ms1782 على البدل له معنى ~~صحيح، وهو أن يكون استثناء من النهي عن الالتفات: أي لا يلتفت منكم أحد إلا ~~امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وقيل إن الرفع على البدل من أحد، ويكون الالتفات ~~بمعنى التخلف لا بمعنى النظر إلى الخلف، فكأنه قال: ولا يتخلف منكم أحد إلا ~~امرأتك، فإنها تتخلف، والملجئ إلى هذا التأويل البعيد الفرار من تناقض ~~القراءتين، والضمير في (إنه مصيبها ما أصابهم) للشأن، والجملة خبر إن (إن ~~موعدهم الصبح) هذه الجملة تقليل لما تقدم من الأمر بالإسراء والنهي عن ~~الالتفات، والمعنى: أن موعد عذابهم الصبح المسفر عن تلك الليلة، والاستفهام ~~في (أليس الصبح بقريب) للإنكار التقريري، والجملة تأكيد للتعليل. وقرأ عيسى ~~بن عمر (أليس الصبح) بضم الباء وهي لغة، ولعل جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم ~~لكون النفوس فيه أسكن والناس فيه مجتمعون لم يتفرقوا إلى أعمالهم (فلما جاء ~~أمرنا) أي الوقت المضروب لوقوع العذاب فيه، أو المراد بالأمر نفس العذاب ~~(جعلنا عاليها سافلها) أي عالي قرى قوم لوط سافلها، والمعنى: أنه قلبها على ~~هذه الهيئة، وهي كون عاليها صار سافلها وسافلها صار عاليها، وذلك لأن جبريل ~~أدخل جناحه تحتها فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء ثم قلبها ~~عليهم (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل) قيل إنه يقال أمطرنا في العذاب ومطرنا ~~في الرحمة، وقيل هما لغتان، يقال مطرت السماء وأمطرت حكى ذلك الهروي، ~~والسجيل: الطين المتحجر بطبخ أو غيره، وقيل هو الشديد الصلب من الحجارة، ~~وقيل السجيل الكثير، وقيل إن السجيل لفظة غير عربية، أصله سج وجيل، وهما ~~PageV02P515 # بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا، وقيل هو من لغة ~~العرب. وذكر الهروي: أن السجيل اسم لسماء الدنيا. قال ابن عطية: وهذا ضعيف ~~يرده وصفه بمنضود، وقيل هو بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض وقيل هي ~~جبال في السماء. وقال الزجاج: هو من التسجيل لهم: أي ما كتب لهم من العذاب ~~فهو في معني سجين ومنه قوله تعالى - وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم - وقيل ~~هو من ms1783 أسجلته إذا أعطيته، فكأنه عذاب. # أعطوه، ومنه قول الشاعر: # من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب ومعنى (منضود) أنه ~~نضد بعضه فوق بعض، وقيل بعضه في أثر بعض، يقال نضدت المتاع: إذا جعلت بعضه ~~على بعض، فهو منضود ونضيد، والمسومة: المعلمة أي التي لها علامة: قيل كان ~~عليها أمثال الخواتيم، وقيل مكتوب على كل حجر اسم من رمى به. وقال الفراء: ~~زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض، فذلك تسويمها، ومعنى (عند ربك) ~~في خزائنه (وما هي من الظالمين ببعيد) أي وما هذه الحجارة الموصوفة من ~~الظالمين وهم قوم لوط ببعيد، أو ما هي من كل ظالم من الظلمة ومنهم كفار ~~قريش ومن عاضدهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ببعيد، فهم ~~لظلمهم مستحقون لها. وقيل (وما هي) أي قرى (من الظالمين) من كفر بالنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم (ببعيد) فإنها بين الشام والمدينة. وفي إمطار الحجارة ~~قولان: أحدهما أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. والثاني أنها أمطرت ~~على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها. وتذكير البعيد على تأويل ~~الحجارة بالحجر أو إجراء له على موصوف مذكر: أي شئ بعيد، أو مكان بعيد، أو ~~لكونه مصدرا كالزفير والصهيل، والمصادر يستوى في الوصف بها المذكر والمؤنث. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ولما ~~جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا) قال: ساء ظنا بقومه، وضاق ذرعا ~~بأضيافه (وقال هذا يوم عصيب) يقول: شديد. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (يهرعون إليه) قال: يسرعون ~~(ومن قبل كانوا يعملون السيئات) قال: يأتون الرجال. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عنه أيضا قال (يهرعون إليه) يستمعون إليه. وأخرج أبو الشيخ عنه ~~أيضا في قوله (هؤلاء بناتي) قال: ما عرض لوط بناته على قومه لا سفاحا ولا ~~نكاحا، إنما قال هؤلاء نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهراني قوم فهو ~~أبوهم، قال ms1784 الله تعالى في القرآن - وأزواجه أمهاتهم وهو أبوهم - في قراءة ~~أبي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لم تكن بناته ولكن كن من ~~أمته، وكل نبي أبو أمته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن السدي نحوه. قال: وفي قراءة عبد ~~الله - النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم - وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان قال: عرض عليهم بناته تزويجا، وأراد أن ~~يقي أضيافه بتزويج بناته. # وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله (ولا تخزون في ضيفي) قال: لا تفضحوني. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك (أليس منكم رجل رشيد) قال: رجل يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ~~ابن عباس (أليس منكم رجل رشيد) قال: واحد يقول لا إله إلا الله. وأخرج أبو ~~الشيخ عن عكرمة مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي (وإنك لتعلم ~~ما نريد) قال: إنما نريد الرجال (قال) لوط (لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ~~ركن شديد) يقول: إلى جند شديد لمقاتلتكم. وأخرج ابن أبي حاتم PageV02P516 # عن ابن عباس أو آوى إلى ركن شديد قال: عشيرة. وقد ثبت في البخاري وغيره ~~من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يغفر الله للوط ~~إن كان يأوي إلى ركن شديد " وهو مروي في غير الصحيح من طريق غيره من ~~الصحابة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس (بقطع من ~~الليل) قال: # جوف الليل. وأخرجا عنه قال: بسواد الليل. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: ~~بطائفة من الليل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا يلتفت منكم ~~أحد) قال: لا يتخلف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (ولا يلتفت منكم أحد) قال: لا ينظر وراءه أحد (إلا امرأتك). وأخرج أبو ~~عبيد وابن ms1785 جرير عن هارون قال: في حرف ابن مسعود " فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~إلا امرأتك ". وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها) قال: لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم فقلعها من أركانها، ~~ثم أدخل جناحه ثم حملها على خوافي جناحه بما فيها ثم صعد بها إلى السماء ~~حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها، فكان أول ما سقط منها سرادقها، ~~فلم يصب قوما ما أصابهم، ثم إن الله طمس على أعينهم، ثم قلبت قريتهم، وأمطر ~~عليهم حجارة من سجيل. وقد ذكر المفسرون روايات وقصصا في كيفية هلاك قوم لوط ~~طويلة متخالفة، وليس في ذكرها فائدة لا سيما وبين مقال بشئ من ذلك وبين ~~هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له في مثله إسناد صحيح، وغالب ذلك مأخوذ عن ~~أهل الكتاب، وحالهم في الرواية معروف. وقد أمرنا بأنا لا نصدقهم ولا ~~نكذبهم، فاعرف هذا، فهو الوجه في حذفنا لكثير من هذه الروايات الكائنة في ~~قصص الأنبياء وقومهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (وما هي من الظالمين ببعيد) قال: يرهب بها قريش أن يصيبهم ~~ما أصاب القوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: من ظلمة العرب ~~إن لم يؤمنوا فيعذبوا بها. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي حاتم عن ~~قتادة قال: من ظالمي هذه الأمة. # سورة هود الآية (84 - 88) PageV02P517 # سورة هود الآية (89 - 95) أي وأرسلنا إلى مدين وهم قوم شعيب أخاهم في ~~النسب شعيبا، وسموا مدين باسم أبيهم، وهو مدين بن إبراهيم، وقيل باسم ~~مدينتهم. قال النحاس: لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة، وقد تقدم الكلام على ~~هذا في الأعراف بأبسط مما هنا، وقد تقدم تفسير (قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره) في أول السورة، وهذه الجملة مستأنفة، كأنه قيل: ماذا قال ~~لهم شعيب لما أرسله الله إليهم؟ وقد كان شعيب عليه السلام يسمى خطيب ~~الأنبياء لحسن ms1786 مراجعته لقومه، أمرهم أولا بعبادة الله سبحانه الذي هو الإله ~~وحده شريك له، ثم نهاهم عن أن ينقصوا المكيال والميزان، لأنهم كانوا مع ~~كفرهم أهل تطفيف، كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد وكذلك ~~إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ~~ناقص، وجملة (إني أراكم بخير) تعليل للنهي: أي لا تنقصوا المكيال والميزان ~~لأني أراكم بخير: أي بثروة وسعة من الرزق فلا تغيروا نعمة الله عليكم ~~بمعصيته والإضرار بعباده، ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس ~~بغير حقها، ثم ذكر بعد هذه العلة علة أخرى، فقال (وإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط) فهذه العلة فيها الإذكار لهم بعذاب الآخرة كما أن العلة الأولى فيها ~~الإذكار لهم بنعيم الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة والمراد العذاب، لأن العذاب ~~واقع في اليوم، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يشذ منهم أحد عنه ولا ~~يجدون منه ملجأ ولا مهربا، واليوم هو يوم القيامة، وقيل هو يوم الانتقام ~~منهم في الدنيا بالصيحة، ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله (ويا قوم ~~أوفوا المكيال والميزان بالقسط) والإيفاء هو الإتمام، والقسط العدل، وهو ~~عدم الزيادة والنقص وإن كان الزيادة على الإيفاء فضل وخير، ولكنها فوق ما ~~يفيده اسم العدل، والنهي عن النقص وإن كان يستلزم الإيفاء ففي تعاضد ~~الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن، ثم زاد ذلك تأكيدا فقال (ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم) قد مر تفسير هذا في الأعراف، وفيه النهي عن البخس على ~~العموم، والأشياء أعم مما يكال ويوزن فيدخل البخس بتطفيف الكيل والوزن في ~~هذا دخولا أوليا، وقيل البخس المكس خاصة، ثم قال (ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين) قد مر أيضا تفسيره في البقرة، والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها ~~من الإضرار بالناس فيدخل فيه ما في السياق من نقص المكيال والميزان، وقيده ~~بالحال وهو قوله (مفسدين) ليخرج ما كان صورته من العثي في الأرض، والمقصود ~~به الإصلاح كما وقع من الخضر في السفينة ms1787 (بقيت الله خير لكم) أي ما يبقيه ~~لكم من PageV02P518 # الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر خيرا وبركة مما تبقونه لأنفسكم من ~~التطفيف والبخس والفساد في الأرض، ذكر معناه ابن جرير وغيره من المفسرين. ~~وقال مجاهد: بقية الله طاعته. وقال الربيع: وصيته، وقال الفراء: # مراقبته، وإنما قيد ذلك بقوله (إن كنتم مؤمنين) لأن ذلك إنما ينتفع به ~~المؤمن لا الكافر، أو المراد بالمؤمنين هنا المصدقون لشعيب (وما أنا عليكم ~~بحفيظ) أحفظكم من الوقوع في المعاصي من التطفيف والبخس وغيرهما، أو أحفظ ~~عليكم أعمالكم وأحاسبكم بها وأجازيكم عليها، وجملة (قالوا يا شعيب أصلواتك ~~تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا ~~قالوا لشعيب؟ وقرئ (أصلاتك) بالإفراد، وأن نترك في موضع نصب. وقال الكسائي: ~~موضعها خفض على إضمار الباء، ومرادهم بما يعبد آباؤهم ما كانوا يعبدون من ~~الأوثان، والاستفهام للإنكار عليه والاستهزاء به، لأن الصلوات عندهم ليست ~~من الخير الذي يقال لفاعله عند إرادة تليين قلبه وتذليل صعوبته كما يقال ~~لمن كان كثير الصدقة إذا فعل ما لا يناسب الصواب: أصدقتك أمرتك بهذا، وقيل ~~المراد بالصلاة هنا القراءة، وقيل المراد بها الدين، وقيل المراد بالصلوات ~~أتباعه، ومنه المصلى الذي يتلو السابق، وهذا منهم جواب لشعيب عن أمره لهم ~~بعبادة الله وحده، وقولهم (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) جواب له عن ~~أمرهم بإيفاء الكيل والوزن، ونهيهم عن نقصهما وعن بخس الناس وعن العثي في ~~الأرض، وهذه الجملة معطوفة على " ما " في ما يعبد آباؤنا. والمعنى: أصلواتك ~~تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتأمرك أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ~~من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص. وقرئ (تفعل ما تشاء) بالفوقية فيهما. ~~قال النحاس: # فتكون أو على هذه القراءة للعطف على أن الأولى، والتقدير: أصلواتك تأمرك ~~أن تفعل في أموالنا ما تشاء. # وقرئ " نفعل " بالنون وما تشاء بالفوقية. ومعناه: أصلواتك تأمرك أن نفعل ~~نحن في أموالنا ما تشاؤه أنت وندع ما نشاؤه نحن وما يجري به التراضي ms1788 بيننا، ~~ثم وصفوه بوصفين عظيمين فقالوا (إنك لأنت الحليم الرشيد) على طريقة التهكم ~~به، لأنهم يعتقدون أنه على خلافهما، أو يريدون إنك لأنت الحليم الرشيد عند ~~نفسك وفي اعتقادك، ومعناهم: أن هذا الذي نهيتنا عنه وأمرتنا به يخالف ما ~~تعتقده في نفسك من الحلم والرشد، وقيل إنهم قالوا ذلك لا على طريقة ~~الاستهزاء بل هو عندهم كذلك، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف ~~الحلم والرشد في اعتقادهم. # وقد تقدم تفسير الحلم والرشد، وجملة (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي) مستأنفة كالجمل التي قبلها، والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحة ~~من عند ربي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه (ورزقني منه) أي من فضله وخزائن ~~ملكه (رزقا حسنا) أي كثيرا واسعا حلالا طيبا، وقد كان عليه السلام كثير ~~المال، وقيل أراد بالرزق النبوة، وقيل الحكمة وقيل العلم، وقيل التوفيق، ~~وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: # أترك أمركم ونهيكم أو أتقولون في شأني ما تقولون مما تريدون به السخرية ~~والاستهزاء (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) أي وما أريد بنهي لكم ~~عن التطفيف والبخس أن أخالفكم إلى ما نهيتكم عنه فأفعله دونكم، يقال خالفه ~~إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه، وخالفته عن كذا في عكس ذلك (إن أريد إلا ~~الإصلاح) أي ما أريد بالأمر والنهي إلا لإصلاح لكم ودفع الفساد في دينكم ~~ومعاملاتكم (ما استطعت) ما بلغت إليه استطاعتي، وتمكنت منه طاقتي (وما ~~توفيقي إلا بالله) أي ما صرت موفقا هاديا نبيا مرشدا إلا بتأييد الله ~~سبحانه وإقداري عليه ومنحي إياه (عليه توكلت) في جميع أموري التي منها ~~أمركم ونهيكم (وإليه أنيب) أي أرجع في كل ما نابني من الأمور وأفوض جميع ~~أموري إلى ما يختاره لي من قضائه وقدره، وقيل معناه: وإليه أرجع في الآخرة، ~~وقيل إن الإنابة الدعاء. ومعناه: وله ادعوا. قوله (ويا قوم لا يجرمنكم ~~شقاقي) قال الزجاج: معناه لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب PageV02P519 # إياكم كما أصاب من ms1789 كان قبلكم، وقيل معناه: لا يحملنكم شقاقي، والشقاق ~~العداوة، ومنه قول الأخطل: # ألا من مبلغ عني رسولا * فكيف وجدتم طعم الشقاق و (أن يصيبكم) في محل نصب ~~على أنه مفعول ثان ليجرمنكم (مثل ما أصاب قوم نوح) من الغرق (أو قوم هود) ~~من الريح (أو قوم صالح) من الصيحة، وقد تقدم تفسير يجرمنكم وتفسير الشقاق ~~(وما قوم لوط منكم ببعيد) يحتمل أن يريد ليس مكانهم ببعيد من مكانكم، أو ~~ليس زمانهم ببعيد من زمانكم أو ليسوا ببعيد منكم في السبب الموجب لعقوبتهم، ~~وهو مطلق الكفر، وأفرد لفظ (بعيد) لمثل ما سبق في (وما هي من الظالمين ~~ببعيد) ثم بعد ترهيبهم بالعذاب أمرهم بالاستغفار والتوبة فقال (واستغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود) وقد تقدم تفسير الاستغفار مع ترتيب ~~التوبة عليه في أول السورة، وتقدم تفسير الرحيم، والمراد هنا أنه عظيم ~~الرحمة للتائبين، والودود المحب. قال في الصحاح: وددت الرجل أوده ودا: إذا ~~أحببته، والودود المحب، والود والود والود: المحبة، والمعنى هنا: أنه يفعل ~~بعباده ما يفعله من هو بليغ المودة بمن يوده من اللطف به وسوق الخير إليه ~~ودفع الشر عنه. وفي هذا تعليل لما قبله من الأمر بالاستغفار والتوبة، وجملة ~~(قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول) مستأنفة كالجمل السابقة، والمعنى: ~~أنك تأتينا بما لا عهد لنا به من الإخبار بالأمور الغيبية كالبعث والنشور ~~ولا نفقه ذلك: أي نفهمه كما نفهم الأمور الحاضرة المشاهدة، فيكون نفي الفقه ~~على هذا حقيقة لا مجازا، وقيل قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، واحتقار الكلام ~~مع كونه مفهوما لديهم معلوما عندهم، فلا يكون نفي الفقه حقيقة بل مجازا، ~~يقال فقه يفقه: إذا فهم فقها وفقها، وحكى الكسائي فقهانا، ويقال فقه فقها: ~~إذا صار فقيها (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي لا قوة لك تقدر بها على أن تمنع ~~نفسك منا وتتمكن بها من مخالفتنا، وقيل المراد أنه ضعيف في بدنه قاله علي ~~بن عيسى، وقيل إنه كان مصابا ببصره. قال النحاس: وحكى ms1790 أهل اللغة أن حمير ~~تقول للأعمى ضعيف: أي قد ضعف بذهاب بصره كما يقال له ضرير: أي قد ضر بذهاب ~~بصره، وقيل الضعيف المهين، وهو قريب من القول الأول (ولولا رهطك لرجمناك) ~~رهط الرجل عشيرته الذين يستند إليهم ويتقوى بهم، ومنه الراهط لجحر اليربوع، ~~لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده، والرهط يقع على الثلاثة إلى العشرة، وإنما ~~جعلوا رهطه مانعا من إنزال الضرر به مع كونهم في قلة والكفار ألوف مؤلفة، ~~لأنهم كانوا على دينهم فتركوه احتراما لهم لا خوفا منهم، ثم أكدوا ما وصفوه ~~به من الضعف بقولهم (وما أنت علينا بعزيز) حتى نكف عنك لأجل عزتك عندنا، بل ~~تركنا رجمك لعزة رهطك علينا، ومعنى لرجمناك لقتلناك بالرجم وكانوا إذا ~~قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة وقيل معنى لرجمناك لشتمناك، ومنه قول الجعدي: # تراجمنا بمر القول حتى * نصير كأننا فرسا رهان ويطلق الرجم على اللعن، ~~ومنه الشيطان الرجيم، وجملة (قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله) مستأنفة، ~~وإنما قال أعز عليكم من الله، ولم يقل أعز عليكم مني، لأن نفي العزة عنه ~~وإثباتها لقومه كما يدل عليه إيلاء الضمير حرف النفي استهانة به، ~~والاستهانة بأنبياء الله استهانة بالله عز وجل، فقد تضمن كلامهم أن رهطه ~~أعز عليه من الله، فاستنكر ذلك عليهم وتعجب منه وألزمهم ما لا مخلص لهم عنه ~~ولا مخرج لهم منه بصورة الاستفهام، وفي هذا من قوة المحاجة ووضوح المجادلة ~~وإلقام الخصم الحجر ما لا يخفى، ولأمر ما سمى شعيب خطيب الأنبياء، والضمير ~~في (واتخذتموه) راجع إلى الله سبحانه. والمعنى: واتخذتم الله عز وجل بسبب ~~عدم اعتدادكم بنبيه PageV02P520 # الذي أرسله إليكم (وراءكم ظهريا) أي منبوذا وراء الظهر لا تبالون به، ~~وقيل المعنى: واتخذتم أمر الله الذي أمرني بإبلاغه إليكم، وهو ما جئتكم به ~~وراء ظهوركم، يقال: جعلت أمره بظهر: إذا قصرت فيه، و (ظهريا) منسوب إلى ~~الظهر، والكسر لتغيير النسب (إن ربي بما تعملون محيط) لا يخفى عليه شئ من ~~أقوالكم وأفعالكم (ويا قوم اعملوا على مكانتكم ms1791 إني عامل فسوف تعلمون) لما ~~رأى إصرارهم على الكفر وتصميمهم على دين آبائهم، وعدم تأثير الموعظة فيهم ~~توعدهم بأن يعملوا على غاية تمكنهم ونهاية استطاعتهم، يقال مكن مكانة: إذا ~~تمكن أبلغ تمكن، وأخبرهم أنه عامل على حسب ما يمكنه ويقدر الله له، ثم بالغ ~~في التهديد والوعيد بقوله (سوف تعلمون) أي عاقبة ما أنتم فيه من عبادة غير ~~الله والإضرار بعباده. وقد تقدم مثله في الأنعام (من يأتيه عذاب يخزيه) من ~~في محل نصب بتعلمون: أي سوف تعلمون من هو الذي يأتيه العذاب المخزي الذي ~~يتأثر عنه الذل والفضيحة والعار (ومن هو كاذب) معطوف على من يأتيه، ~~والمعنى: ستعلمون من هو المعذب ومن هو الكاذب؟ وفيه تعريض بكذبهم في قولهم: ~~" لولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز "، وقيل إن من مبتدأ وما بعدها ~~صلتها والخبر محذوف والتقدير: من هو كاذب فسيعلم كذبه ويذوق وبال أمره. قال ~~الفراء: إنما جاء بهو في " من هو كاذب " لأنهم لا يقولون من قائم: إنما ~~يقولون من قام، ومن يقوم، ومن القائم، فزادوا هو ليكون جملة تقوم مقام فعل ~~ويفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قول الشاعر: # من رسولي إلى الثريا فإني * ضقت ذرعا بهجرها والكتاب (وارتقبوا إني معكم ~~رقيب) أي انتظروا إني معكم منتظر لما يقضي به الله بيننا (ولما جاء أمرنا ~~نجينا شعيبا والذين آمنوا معه) أي لما جاء عذابنا أو أمرنا بعذابهم نجينا ~~شعيبا وأتباعه الذين آمنوا به (برحمة منا) لهم بسبب إيمانهم، أو برحمة منا ~~لهم: وهي هدايتهم للإيمان (وأخذت الذين ظلموا) غيرهم بما أخذوا من أموالهم ~~بغير وجه وظلموا أنفسهم بالتصميم على الكفر (الصيحة) التي صاح بهم جبرائيل ~~حتى خرجت أرواحهم من أجسادهم، وفي الأعراف - فأخذتهم الرجفة - وكذا في ~~العنكبوت. وقد قدمنا أن الرجفة الزلزلة، وأنها تكون تابعة للصيحة لتموج ~~الهوى المفضى إليها (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) أي ميتين. وقد تقدم تفسيره ~~وتفسير (كأن لم يغنوا فيها) قريبا، وكذا تفسير (ألا بعدا لمدين كما بعدت ~~ثمود) وحكى الكسائي أن ms1792 أبا عبد الرحمن السلمي قرأ (كما بعدت ثمود) بضم ~~العين. قال المهدوي: من ضم العين من بعدت فهي لغة يستعمل في الخير والشر، ~~وبعدت بالكسر على قراءة الجمهور يستعمل في الشر خاصة، وهي هنا بمعنى ~~اللعنة. # وقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (إني أراكم بخير) قال: ~~رخص السعر (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) قال: غلاء السعر. وأخرج ابن ~~جرير عنه (بقية الله) قال: رزق الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة (بقية الله خير لكم) يقول: حظكم من ربكم خير لكم. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: طاعة ~~الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش في ~~قوله (أصلواتك تأمرك) قال: أقراءتك. وأخرج ابن عساكر عن الأحنف: أن شعيبا ~~كان أكثر الأنبياء صلاة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله (أو ~~أن نفعل في أموالنا ما نشاء) قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم ~~فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها، وإن شئنا ~~أحرقناها، وإن شئنا طرحناها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن ~~PageV02P521 # كعب نحوه. وأخرجا عن زيد بن أسلم نحوه أيضا. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد ~~وابن المنذر وأبو الشيخ وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب نحوه أيضا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (إنك لأنت الحليم الرشيد) ~~قال: يقولون إنك لست بحليم ولا رشيد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة قال: # استهزاء به. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله (ورزقني منه رزقا ~~حسنا) قال: الحلال. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (وما ~~أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) قال: يقول لم أكن لأنهاكم عن أمرا ~~وأركبه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وإليه ~~أنيب) ms1793 قال: إليه أرجع. # وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال " قلت: يا رسول الله أوصني، قال: قل ~~الله ربي ثم استقم، قلت: ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب، قال: ليهنك العلم أبا الحسن، لقد شربت العلم شربا ونهلته نهلا " وفي ~~إسناده محمد بن يوسف الكديمي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة (لا يجرمنكم شقاقي) لا يحملنكم فراقي. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ~~قال: شقاقي عداوتي. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: لا ~~تحملنكم عداوتي. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله (وما قوم لوط ~~منكم ببعيد) قال: إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود. وأخرج أبو ~~الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير (وإنا لنراك فينا ضعيفا) قال: كان أعمى، ~~وإنما عمى من بكائه من حب الله عز وجل. وأخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد ~~بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " بكى شعيب عليه السلام ~~من حب الله حتى عمى ". وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والخطيب وابن ~~عساكر من طرق عن ابن عباس في قوله (وإنا لنراك فينا ضعيفا) قال: كان ضرير ~~البصر. وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح مثله. وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في ~~قوله (وإنا لنراك فينا ضعيفا) قال: كان أعمى، وكان يقال له خطيب الأنبياء. ~~وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: معناه إنما أنت واحد. وأخرج أبو الشيخ عن ~~علي بن أبي طالب أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب (وإنا لنراك فينا ضعيفا) ~~قال: كان مكفوفا، فنسبوه إلى الضعف (ولولا رهطك لرجمناك) قال علي: فوالله ~~الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم ما هابوا إلا العشيرة. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (واتخذتموه وراءكم ظهريا) قال: نبذتم أمره. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال في الآية: لا تخافونه. وأخرج ~~أبو الشيخ عن الضحاك قال: تهاونتم به. ms1794 # سورة هود الآية (96 - 102) PageV02P522 # سورة هو الآية (103 - 108) المراد بالآيات التوراة، والسلطان المبين: ~~المعجزات، وقيل المراد بالآيات هي التسع المذكورة في غير هذا الموضع، ~~والسلطان المبين: العصا، وهي وإن كانت من التسع لكنها لما كانت أبهرها ~~أفردت بالذكر، وقيل المراد بالآيات ما يفيد الظن، والسلطان المبين ما يفيد ~~القطع بما جاء به موسى، وقيل هما جميعا عبارة عن شئ واحد: أي أرسلناه بما ~~يجمع وصف كونه آية، وكونه سلطانا مبينا، وقيل إن السلطان المبين: ما أورده ~~موسى على فرعون في المحاورة بينهما (إلى فرعون وملائه) أي أرسلناه بذلك إلى ~~هؤلاء. وقد تقدم أن الملأ أشراف القوم، وإنما خصهم بالذكر دون سائر القوم، ~~لأنهم أتباع لهم في الإصدار والإيراد، وخص هؤلاء الملأ دون فرعون بقوله ~~(فاتبعوا أمر فرعون) أي أمره لهم بالكفر، لأن حال فرعون في الكفر أمر واضح، ~~إذ كفر قومه من الأشراف وغيرهم إنما هو مستند إلى كفره، ويجوز أن يراد بأمر ~~فرعون شأنه وطريقته فيعم الكفر وغيره (وما أمر فرعون برشيد) أي ليس فيه رشد ~~قط، بل هو غي وضلال، والرشيد بمعنى المرشد، والإسناد مجازي، أو بمعنى ذي ~~رشد، وفيه تعريض بأن الرشد في أمر موسى (يقدم قومه يوم القيامة) من قدمه ~~بمعنى تقدمه: أي يصير متقدما لهم يوم القيامة سابقا لهم إلى عذاب النار كما ~~كان يتقدمهم في الدنيا (فأوردهم النار) أي إنه لا يزال متقدما لهم وهم ~~يتبعونه حتى يوردهم النار، وعبر بالماضي تنبيها على تحقق وقوعه، ثم ذم ~~الورد الذي أوردهم إليه، فقال (وبئس الورد المورود) لأن الوارد إلى الماء ~~الذي يقول له الورد، إنما يرده ليطفئ حر العطش، ويذهب ظمأه، والنار على ضد ~~ذلك، ثم ذمهم بعد ذم المكان الذي يردونه، فقال (وأتبعوا في هذه لعنة) أي ~~أتبع قوم فرعون مطلقا، أو الملأ خاصة، أو هم وفرعون في هذه الدنيا لعنة ~~عظيمة: أي طردا وإبعادا (ويوم القيامة) أي وأتبعوا لعنة يوم القيامة يلعنهم ~~أهل المحشر جميعا، ثم إنه جعل اللعنة رفدا لهم على طريقة ms1795 التهكم، فقال (بئس ~~الرفد المرفود). قال الكسائي وأبو عبيدة: رفدته أرفده رفدا: أمنته وأعطيته، ~~واسم العطية الرفد: أي بئس العطاء، والإعانة ما أعطوهم إياه، وأعانوهم به، ~~والمخصوص بالذم محذوف: أي رفدهم، وهو اللعنة التي أتبعوها في الدنيا ~~والآخرة كأنها لعنة بعد لعنة تمد الأخرى الأولى وتؤبدها. وذكر الماوردي ~~حكاية عن الأصمعي أن الرفد بالفتح: القدح، وبالكسر: ما فيه من الشراب فكأنه ~~ذم ما يستقونه في النار، وهذا أنسب بالمقام، وقيل إن الرفد الزيادة: أي بئس ~~ما يرفدون به بعد الغرق، وهو الزيادة قاله الكلبي، والإشارة بقوله (ذلك من ~~أنباء القرى نقصه عليك) أي ما قصه الله سبحانه في هذه السورة من أخبار ~~الأمم السالفة وما فعلوه مع أنبيائهم: أي PageV02P523 # هو مقصوص عليك خبر بعد خبر، وقد تقدم تحقيق معنى القصص، والضمير في منها ~~عائد إلى القرى: أي من القرى قائم، ومنها حصيد، والقائم: ما كان قائما على ~~عروشه، والحصيد: ما لا أثر له، وقيل القائم: العامر، والحصيد: الخراب، وقيل ~~القائم: القرى الخاوية على عروشها، والحصيد: المستأصل بمعنى محصود، شبه ~~القرى بالزرع القائم على ساقه والمقطوع قال الشاعر: # والناس في قسم المنية بينهم * كالزرع منه قائم وحصيد (وما ظلمناهم) بما ~~فعلنا بهم من العذاب (ولكن ظلموا أنفسهم) بالكفر والمعاصي (فما أغنت عنهم ~~آلهتهم) أي فما دفعت عنهم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله شيئا من ~~العذاب (لما جاء أمر ربك) أي لما جاء عذابه (وما زادوهم غير تتبيب: الهلاك ~~والخسران: أي ما زادتهم الأصنام التي يعبدونها إلا هلاكا وخسرانا، وقد ~~كانوا يعتقدون أنها تعينهم على تحصيل المنافع (وكذلك أخذ ربك) قرأ الجحدري ~~وطلحة بن مصرف " أخذ " على أنه فعل. وقرأ غيرهما " أخذ " على المصدر (إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة) أي أهلها وهم ظالمون (إن أخذه) أي عقوبته للكافرين ~~(أليم شديد) أي موجع غليظ (إن في ذلك لآية) أي في أخذ الله سبحانه لأهل ~~القرى، أو في القصص الذي قصه على رسوله لعبرة وموعظة (لمن خاف عذاب الآخرة) ~~لأنهم الذين يعتبرون بالعبر، ms1796 ويتعظون بالمواعظ، والإشارة بقوله (ذلك يوم ~~مجموع له الناس) إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة أن يجمع فيه ~~الناس للمحاسبة والمجازاة (وذلك) أي يوم القيامة (يوم مشهود) أي يشهده أهل ~~المحشر، أو مشهود فيه الخلائق، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول (وما ~~نؤخره إلا لأجل معدود) أي وما نؤخر ذلك اليوم إلا لانتهاء أجل معدود معلوم ~~بالعدد، قد عين الله سبحانه وقوع الجزاء بعده (يوم يأت) قرأ أهل المدينة ~~وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الدرج، حذفها في الوقف. وقرأ أبي وابن ~~مسعود بإثباتها وصلا ووقفا. وقرأ الأعمش بحذفها فيهما، ووجه حذف الياء مع ~~الوقف ما قاله الكسائي أن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم فحذفت الياء كما ~~تحذف الضمة. # ووجه قراءة من قرأ بحذف الياء مع الوصل أنهم رأوا رسم المصحف كذلك. وحكى ~~الخليل وسيبويه أن العرب تقول لا أدر، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسر، وأنشد ~~الفراء في حذف الياء: # كفاك كف ما تليق درهما * جودا وأخرى تعط بالسيف الدما قال الزجاج: ~~والأجود في النحو إثبات الياء. والمعنى: حين يأتي يوم القيامة (لا تكلم ~~نفس) أي لا تتكلم حذفت إحدى التاءين تخفيفا: أي لا تتكلم فيه نفس إلا بما ~~أذن لها من الكلام، وقيل لا تكلم بحجة ولا شفاعة (إلا بإذنه) سبحانه لها في ~~التكلم بذلك، وقد جمع بين هذا وبين قوله - هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون - باختلاف أحوالهم باختلاف مواقف القيامة. وقد تكرر مثل هذا الجمع ~~في مواضع (فمنهم شقي وسعيد) أي من الأنفس شقي ومنهم سعيد، فالشقي من كتبت ~~عليه الشقاوة، والسعيد من كتبت له السعادة، وتقديم الشقي على السعيد لأن ~~المقام مقام تحذير (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق) أي ~~فأما الذين سبقت لهم الشقاوة فمستقرون في النار لهم فيها زفير وشهيق. قال ~~الزجاج: الزفير من شدة الأنين، وهو المرتفع جدا. قال: وزعم أهل اللغة من ~~البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير، والشهيق بمنزلة ~~آخره، وقيل الزفير: الصوت الشديد، ms1797 والشهيق: الصوت الضعيف، وقيل الزفير: ~~إخراج النفس، والشهيق: رد النفس، وقيل الزفير من الصدر، والشهيق من الحلق، ~~وقيل الزفير: ترديد النفس من شدة الخوف، والشهيق: النفس الطويل الممتد، ~~PageV02P524 # والجملة إما مستأنفة كأنه قيل ما حالهم فيها؟ أو في محل نصب على الحال ~~(خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) أي مدة دوامهما. # وقد اختلف العلماء في بيان معنى هذا التوقيت، لأنه قد علم بالأدلة ~~القطعية تأييد عذاب الكفار في النار وعدم انقطاعه عنهم، وثبت أيضا أن ~~السماوات والأرض تذهب عند انقضاء أيام الدنيا، فقالت طائفة: إن هذا الإخبار ~~جار على ما كانت العرب تعتاده إذا أرادوا المبالغة في دوام الشئ، قالوا: هو ~~دائم ما دامت السماوات والأرض، ومنه قولهم: لا آتيك ما جن ليل، وما اختلف ~~الليل والنهار، وما ناح الحمام ونحو ذلك. فيكون معنى الآية: # أنهم خالدون فيها أبدا لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له، وقيل إن المراد ~~سماوات الآخرة وأرضها، فقد ورد ما يدل على أن للآخرة سماوات وأرضا غير هذه ~~الموجودة في الدنيا، وهي دائمة بدوام دار الآخرة، وأيضا لا بد لهم من موضع ~~يقلهم وآخر يظلهم، وهما أرض وسماء. قوله (إلا ما شاء ربك) قد اختلف أهل ~~العلم في معنى هذا الاستثناء على أقوال: الأول أنه من قوله (ففي النار) ~~كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك. روى هذا أبو نضرة عن أبي ~~سعيد الخدري الثاني أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين، وأنهم يخرجون ~~بعد مدة من النار، وعلى هذا يكون قوله سبحانه (فأما الذين شقوا) عاما في ~~الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من خالدين، وتكون ما بمعنى من، وبهذا قال ~~قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم. وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا يفيد ~~العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد، فكان ذلك مخصصا لكل عموم، ~~الثالث أن الاستثناء من الزفير والشهيق: أي لهم فيها زفير وشهيق (إلا ما ~~شاء ربك) من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق قاله ابن الأنباري. # الرابع أن معنى الاستثناء: ms1798 أنهم خالدون فيها ما دامت السماوات والأرض لا ~~يموتون إلا ما شاء ربك، فإنه يأمر النار فتأكلهم حتى يفنوا، ثم يجدد الله ~~خلقهم، روى ذلك عن ابن مسعود، الخامس أن إلا معنى سوى والمعنى ما دامت ~~السماوات والأرض سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود، كأنه ذكر في خلودهم ما ليس ~~عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له حكاه الزجاج. ~~السادس ما روى عن الفراء وابن الأنباري وابن قتيبة من أن هذا لا ينافي عدم ~~المشيئة كقولك: والله لأضربنه إلا أن أرى غير ذلك، ونوقش هذا بأن معنى ~~الآية الحكم بخلودهم إلا المدة التي شاء الله، فالمشيئة قد حصلت جزما، وقد ~~حكى هذا القول الزجاج أيضا. السابع أن المعنى: # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم في ~~قبوركم وللحساب حكاه الزجاج أيضا. الثامن أن المعنى: خالدين فيها إلا ما ~~شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم، حكاه أيضا ~~الزجاج، واختاره الحكيم الترمذي التاسع أن إلا بمعنى الواو قاله الفراء، ~~والمعنى وما شاء ربك من الزيادة، قال مكي: وهذا القول بعيد عند البصريين أن ~~تكون إلا بمعنى الواو العاشر أن إلا بمعنى الكاف، والتقدير: كما شاء ربك ~~ومنه قوله تعالى - ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف - أي ~~كما قد سلف. الحادي عشر أن هذا الاستثناء إنما هو على سبيل الاستثناء الذي ~~ندب إليه الشارع في كل كلام فهو على حد قوله - لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين - روى نحو هذا عن أبي عبيد، وهذه الأقوال هي جملة ما وقفنا عليه ~~من أقوال أهل العلم. وقد نوقش بعضها بمناقشات، ودفعت بدفوعات. وقد أوضحت ~~ذلك في رسالة مستقلة جمعتها في جواب سؤال ورد من بعض الأعلام. (وأما الذين ~~سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض قرأ الأعمش وحفص ~~وحمزة والكسائي " سعدوا " بضم السين، وقرأ الباقون بفتح السين، واختار هذه ~~القراءة أبو ms1799 عبيد وأبو حاتم. قال سيبويه لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي ~~فلان لكونه مما لا يتعدى PageV02P525 # قال النحاس: ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي بضم السين مع ~~علمه بالعربية، وهذا لحن لا يجوز، ومعنى الآية كما مر في قوله (فأما الذين ~~شقوا). قوله (إلا ما شاء ربك) قد عرف من الأقوال المتقدمة ما يصلح لحمل هذا ~~الاستثناء عليه (عطاء غير مجذوذ) أي يعطيهم الله عطاء غير مجذوذ. والمجذوذ: ~~المقطوع، من جذه يجذه إذا قطعه، والمعنى: أنه ممتد إلى غير نهاية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (يقدم ~~قومه يوم القيامة) يقول: # أضلهم فأوردهم النار. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في ~~الآية قال: فرعون يمضي بين أيدي قومه حتى يهجم بهم على النار. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فأوردهم النار) قال: ~~الورود الدخول. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (بئس الرفد المرفود) قال: لعنة الدنيا والآخرة. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه (منها قائم وحصيد) يعني قرى عامرة وقرى خامدة. وأخرج أبو ~~الشيخ عن قتادة: منها قائم يرى مكانه، وحصيد لا يرى لي أثر. وأخرج أبو ~~الشيخ عن ابن جريج: منها قائم خاو على عروشه، وحصيد ملصق بالأرض. وأخرج أبو ~~الشيخ عن أبي عاصم (فما أغنت عنهم) قال: ما نفعت. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر في قوله (وما زادوهم غير تتبيب) أي هلكة. ~~وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال: تخسير. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة معناه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله سبحانه وتعالى ليملي للظالم ~~حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن ~~أخذه أليم شديد) ". وأخرج ابن جرير عن ms1800 ابن زيد في قوله (إن في ذلك لآية لمن ~~خاف عذاب الآخرة) يقول: # إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة كما وفينا للأنبياء أنا ننصرهم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (ذلك يوم مجموع له ~~الناس وذلك يوم مشهود) قال: يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ~~مجاهد مثله. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (يوم يأت) قال: ذلك ~~اليوم. وأخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: " لما نزلت (فمنهم شقي ~~وسعيد) قلت: يا رسول الله فعلام نعمل على شئ قد فرغ منه، أو على شئ لم يفرغ ~~منه؟ قال: # بل على شئ قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له ~~". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: هاتان من ~~المخبآت قول الله - فمنهم شقي وسعيد - و - يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا ~~أجبتم قالوا لا علم لنا - أما قوله (فمنهم شقي وسعيد) فهم قوم من أهل ~~الكتاب من أهل هذه القبلة يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم، ثم يأذن في ~~الشفاعة لهم فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة، فسماهم ~~أشقياء حين عذبهم في النار (وأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) حين أذن في الشفاعة ~~لهم وأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة وهم هم (وأما الذين سعدوا) يعني بعد ~~الشقاء الذي كانوا فيه (ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ~~ما شاء ربك) يعني الذين كانوا في النار. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عن قتادة أنه تلا هذه الآية (فأما الذين شقوا) فقال: # حدثنا أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يخرج قوم من النار ~~ولا نقول كما قال أهل حروراء: # إن من دخلها بقي ms1801 فيها ". وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: " قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (فأما الذين شقوا) إلى قوله (إلا ما شاء ربك) قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن شاء الله أن يخرج أناسا من ~~PageV02P526 # الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن خالد بن معدان في قوله (إلا ما شاء ربك) قال: إنها في التوحيد من أهل ~~القبلة. وأخرج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله، أو عن أبي ~~سعيد الخدري أو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (إلا ~~ما شاء ربك) قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله، يقول حيث كان في القرآن ~~خالدين فيها تأتي عليه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والبيهقي عن أبي نضرة قال: ينتهي القرآن كله إلى هذه الآية (إن ربك فعال ~~لما يريد). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ما دامت السماوات ~~والأرض) قال: لكل جنة سماء وأرض. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ~~نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن نحوه أيضا. وأخرج البيهقي في ~~البعث والنشور عن ابن عباس في قوله (إلا ما شاء ربك) قال: فقد شاء ربك أن ~~يخلد هؤلاء في النار وأن يخلد هؤلاء في الجنة. وأخرج ابن جرير عنه في قوله ~~(إلا ما شاء ربك) قال: استثنى الله من النار أن تأكلهم. وأخرج أبو الشيخ عن ~~السدي في الآية قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة ~~- إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا - إلى ~~آخر الآية، فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها، وأوجب لهم خلود الأبد. ~~وقوله (وأما الذين سعدوا) الآية. قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما ~~نسخها، فأنزل بالمدينة - والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ms1802 جنات - إلى ~~قوله - ظلا ظليلا - فأوجب لهم خلود الأبد. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: # قال عمر: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم ~~يخرجون فيه. وأخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة قال " سيأتي على جهنم يوم ~~لا يبقى فيها أحد، وقرأ (فأما الذين شقوا) الآية ". وأخرج ابن المنذر وأبو ~~الشيخ عن إبراهيم قال " ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية ~~(خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) " قال: وقال ابن ~~مسعود " ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها ". وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: ~~" جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا ". وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (إلا ما شاء ربك) قال الله أعلم بتثنيته ~~على ما وقعت. وقد روى عن جماعة من السلف مثل ما ذكره عمر وأبو هريرة وابن ~~مسعود كابن عباس وعبد الله بن عمر وجابر وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي ~~مجلز وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما من التابعين. وورد في ذلك حديث في ~~معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي، وإسناده ضعيف. ~~ولقد تكلم صاحب الكشاف في هذا الموضع بما كان له في تركه سعة، وفي السكوت ~~عنه غني، فقال: ولا يخدعنك قول المجبرة إن المراد بالاستثناء خروج أهل ~~الكبائر من النار. # فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم، وما ظنك بقوم ~~نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض الثوابت عن ابن عمرو: ليأتين على جهنم يوم ~~تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، ثم قال: وأقول ما كان لابن عمرو في سيفيه ~~ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث ~~انتهى. # وأقول: أما الطعن على من قال بخروج أهل الكبائر من النار، فالقائل بذلك ~~يا مسكين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صح عنه في دواوين الإسلام ~~التي هي دفاتر السنة المطهرة، ms1803 وكما صح عنه في غيرها من طريق جماعة من ~~الصحابة يبلغون عدد التواتر، فمالك والطعن على قوم عرفوا ما جهلته وعملوا ~~بما أنت عنه في مسافة بعيدة. وأي مانع من حمل الاستثناء على هذا الذي جاءت ~~به الأدلة الصحيحة الكثيرة كما ذهب إلى ذلك وقال به جمهور العلماء من السلف ~~والخلف، وأما ما ظننته من أن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل ~~بافترائهم فلا PageV02P527 # مناداة ولا مخالفة، وأي مانع من حمل الاستثناء في الموضعين على العصاة من ~~هذه الأمة، فالاستثناء الأول يحمل على معنى إلا ما شاء ربك من خروج العصاة ~~من هذه الأمة من النار، والاستثناء الثاني يحمل على معنى إلا ما شاء ربك من ~~عدم خلودهم في الجنة كما يخلد غيرهم، وذلك لتأخر خلودهم إليها مقدار المدة ~~التي لبثوا فيها في النار، وقد قال بهذا من أهل العلم من قدمنا ذكره، وبه ~~قال ابن عباس حبر الأمة. وأما الطعن على صاحب رسول الله وحافظ سنته وعابد ~~الصحابة عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، فإلى أين يا محمود، أتدري ما صنعت، ~~وفي أي واد وقعت، وعلى أي جنب سقطت؟ ومن أنت حتى تصعد إلى هذا المكان ~~وتتناول نجوم السماء بيديك القصيرة ورجلك العرجاء، أما كان لك في مكسري ~~رسول طلبتك من أهل النحو واللغة ما يردك عن الدخول فيما لا تعرف والتكلم ~~بما لا تدري، فيالله العجب ما يفعل القصور في علم الرواية والبعد عن ~~معرفتها إلى أبعد مكان من الفضيحة لمن لم يعرف قدر نفسه ولا أوقفها حيث ~~أوقفها الله سبحانه. # سورة هود الآية (109 - 115) لما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة وبيان ~~حال السعداء والأشقياء، سلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بشرح أحوال ~~الكفرة من قومه في ضمن النهي له عن الامتراء في أن ما يعبدونه غير نافع ولا ~~ضار ولا تأثير له في شئ. وحذف النون في " لا تك " لكثرة الاستعمال، ~~والمرية: الشك، والإشارة بهؤلاء إلى كفار عصره صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقيل ms1804 المعنى: لا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء، وقيل لا تك في شك من سوء ~~عاقبتهم. # ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وهذا النهي له صلى الله عليه ~~وآله وسلم هو تعريض لغيره ممن يداخله شئ من الشك، فإنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يشك في ذلك أبدا. ثم بين له سبحانه أن معبودات هؤلاء كمعبودات ~~آبائهم، أو أن عبادتهم كعبادة آبائهم من قبل، وفي هذا استثناء تعليل للنهي ~~عن الشك. والمعنى: # أنهم سواء في الشرك بالله وعبادة غيره، فلا يكن في صدرك حرج مما تراه من ~~قومك، فهم كمن قبلهم من طوائف الشرك وجاء بالمضارع في كما يعبد آباؤهم ~~لاستحضار الصورة، ثم بين له أنه مجازيهم بأعمالهم فقال (وإنا لموفوهم ~~نصيبهم) من العذاب كما وفينا آباءهم لا ينقص من ذلك شئ، وانتصاب غير الحال. ~~والتوفية لا تستلزم عدم PageV02P528 # النقص، فقد يجوز أن يوفى وهو ناقص كما يجوز أن يوفى وهو كامل، وقيل ~~المراد نصيبهم من الرزق، وقيل ما هو أعم من الخير والشر (ولقد آتينا موسى ~~الكتاب) أي التوراة (فاختلف فيه) أي في شأنه وتفاصيل أحكامه، فآمن به قوم ~~وكفر به آخرون، وعمل بأحكامه قوم، وترك العمل ببعضها آخرون، فلا يضق صدرك ~~يا محمد بما وقع من هؤلاء في القرآن (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم) ~~أي لولا أن الله سبحانه قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم في ~~ذلك من الصلاح لقضي بينهم: أي بين قومك، أو بين قوم موسى فيما كانوا فيه ~~مختلفين، فأثيب المحق وعذب المبطل، أو الكلمة هي أن رحمته سبحانه سبقت غضبه ~~فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك، وقيل إن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب ~~الاستئصال وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وآله وسلم. # ثم وصفهم بأنهم في شك من الكتاب فقال (وإنهم لفي شك منه مريب) أي من ~~القرآن إن حمل على قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو من التوراة إن حمل ms1805 ~~على قوم موسى عليه السلام، والمريب: الموقع في الريبة. ثم جمع الأولين ~~والآخرين في حكم توفية العذاب لهم، أو هو والثواب فقال (وإن كلا لما ~~ليوفينهم ربك أعمالهم) قرأ نافع وابن كثير وأبو بكر " وإن " بالتخفيف على ~~أنها إن المخففة من الثقيلة وعملت في كلا النصب، وقد جوز عملها الخليل ~~وسيبويه، وقد جوز البصريون تخفيف إن مع إعمالها، وأنكر ذلك الكسائي وقال: ~~ما أدري على أي شئ قرئ " وإن كلا "؟ وزعم الفراء أن انتصاب كلا بقوله ~~ليوفينهم، والتقدير وإن ليوفينهم كلا، وأنكر ذلك عليه جميع النحويين. وقرأ ~~الباقون بتشديد " إن " ونصبوا بها كلا. وعلى كلا القراءتين فالتنوين في كلا ~~عوض عن المضاف إليه: أي وإن كل المختلفين. وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر " لما ~~" بالتشديد، وخففها الباقون. # قال الزجاج: لام لما لام إن، وما زائدة مؤكدة، وقال الفراء: ما بمعنى من ~~كقوله - وإن منكم لمن ليبطئن - أي وإن كلا لمن ليوفينهم، وقيل ليست بزائدة ~~بل هي اسم دخلت عليها لام التوكيد، والتقدير: وإن كلا لمن خلق. # قيل وهي مركبة، وأصلها لمن ما، فقلبت النون ميما واجتمعت ثلاث ميمات ~~فحذفت الوسطى حكى ذلك النحاس عن النحويين. وزيف الزجاج هذا وقال: من اسم ~~على حرفين فلا يجوز حذف النون. وذهب بعض النحويين إلى أن لما هذه بمعنى ~~إلا، ومنه قوله تعالى - إن كل نفس لما عليها حافظ - وقال المازني: الأصل ~~لما المخففة ثم ثقلت. قال الزجاج: وهذا خطأ، إنما يخفف المثقل ولا يثقل ~~المخفف. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: # يجوز أن يكون التشديد من قولهم لمت الشئ ألمه: إذا جمعته، ثم بني منه ~~فعلى كما قرئ - ثم أرسلنا رسلنا تترى - وأحسن هذه الأقوال أنها بمعنى إلا ~~الاستثنائية. وقد روى ذلك عن الخليل وسيبويه وجميع البصريين ورجحه الزجاج ~~ويؤيده أن في حرف أبي " وإن كلا إلا ليوفينهم " كما حكاه أبو حاتم عنه. ~~وقرئ بالتنوين: أي جميعا. # وقرأ الأعمش " وإن كل لما " بتخفيف إن ورفع كل وتشديد لما، وتكون إن على ~~هذه القراءة نافية ms1806 (إنه بما يعملون) أيها المختلفون (خبير) لا يخفى عليه ~~منه شئ، والجملة تعليل لما قبلها، ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه فقال (فاستقم كما أمرت) أي كما ~~أمرك الله، فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه، لأنه قد أمره ~~بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله، وأمته أسوته في ذلك، ~~ولهذا قال (ومن تاب معك) أي رجع من الكفر إلى الإسلام وشاركك في الإيمان، ~~وهو معطوف على الضمير في فاستقم، لأن الفصل بين المعطوف والضمير المرفوع ~~المعطوف عليه يقوم مقام التأكيد: أي وليستقم من تاب معك وما أعظم موقع هذه ~~الآية وأشد أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس ~~المطهرة والذوات المقدسة، ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم " ~~شيبتني هود " كما تقدم (ولا تطغوا) الطغيان PageV02P529 # مجاوزة الحد، لما أمر الله سبحانه بالاستقامة المذكورة بين أن الغلو في ~~العبادة والإفراط في الطاعة على وجه تخرج به عن الحد الذي حده والمقدار ~~الذي قدره ممنوع منه منهي عنه وذلك كمن يصوم ولا يفطر ويقوم الليل ولا ينام ~~ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه، ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما ~~صح عنه " أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني " والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته تغليبا لحالهم عل ~~حاله، أو النهي عن الطغيان خاص بالأمة (إنه بما تعملون بصير) يجازيكم على ~~حسب ما تستحقون، والجملة تعليل لما قبلها. قوله (ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا) قرأ الجمهور بفتح الكاف. # وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما (تركنوا) بضم الكاف. قال الفراء: وهي ~~لغة تميم وقيس، قال أبو عمرو: وقراءة الجمهور هي لغة أهل الحجاز، قال: ولغة ~~تميم بكسر التاء وفتح الكاف، وهم يكسرون حرف المضارعة في كل ما كان من باب ~~علم يعلم. وقرأ ابن أبي عبلة بضم التاء وفتح الكاف على البناء ms1807 للمفعول من ~~أركنه. قال في الصحاح: ركن إليه يركن بالضم وحكى أبو زيد ركن إليه بالكسر ~~يركن ركونا فيهما: أي مال إليه وسكن قال الله تعالى - ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا. وأما ما حكى أبو زيد ركن يركن بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين ~~اللغتين انتهى. وقال في شمس العلوم: الركون السكون. يقال ركن إليه ركونا، ~~قال الله تعالى (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) انتهى. وقال في القاموس: ركن ~~إليه كنصر وعلم ومنع ركونا: مال وسكن انتهى، فهؤلاء الأئمة من رواة اللغة ~~فسروا الركون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد بما قيده به صاحب الكشاف ~~حيث قال: فإن الركون هو الميل اليسير، وهكذا فسره المفسرون بمطلق الميل ~~والسكون من غير تقييد إلا من كان من المتقيدين بما ينقله صاحب الكشاف، ومن ~~المفسرين من ذكر في تفسير الركون قيودا لم يذكرها أئمة اللغة. قال القرطبي ~~في تفسيره: الركون حقيقته الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشئ والرضا به. ~~ومن أئمة التابعين من فسر الركون بما هو أخص من معناه اللغوي. فروى عن ~~قتادة وعكرمة في تفسير الآية أن معناها: # لا تودوهم ولا تطيعوهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير الآية: ~~الركون هنا الإدهان، وذلك أن لا ينكر عليهم كفرهم: وقال أبو العالية: معناه ~~لا ترضوا أعمالهم. # وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية هل هي خاصة بالمشركين أو ~~عامة؟ فقيل خاصة، وإن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين، وأنهم ~~المرادون بالذين ظلموا، وقد روى ذلك عن ابن عباس، وقيل إنها عامة في الظلمة ~~من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من الآية، ولو فرضنا أن سبب ~~النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإن قلت: ~~وقد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر الثابتة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثبوتا لا يخفى على من له أدني تمسك بالسنة المطهرة ~~بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء حتى ورد في بعض ألفاظ ms1808 الصحيح " ~~أطيعوا السلطان وإن كان عبدا حبشيا رأسه كالزبيبة ". وورد وجوب طاعتهم ما ~~أقاموا الصلاة، وما لم يظهر منهم الكفر البواح، وما لم يأمروا بمعصية الله. ~~وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى مراتبه، وفعلوا أعظم أنواعه ~~مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح، فإن طاعتهم واجبة حيث لم يكن ما أمروا ~~به من معصية الله، ومن جملة ما يأمرون به تولي الأعمال لهم، والدخول في ~~المناصب الدينية التي ليس الدخول فيها من معصية الله، ومن جملة ما يأمرون ~~به الجهاد، وأخذ الحقوق الواجبة من الرعايا، وإقامة الشريعة بين المتخاصمين ~~منهم، وإقامة الحدود على من وجبت عليه، وبالجملة فطاعتهم واجبة على كل من ~~صار تحت أمرهم ونهيهم في كل ما يأمرون به مما لم يكن من معصية الله، ولا بد ~~في مثل PageV02P530 # ذلك من المخالطة لهم والدخول عليهم، ونحو ذلك مما لا بد منه، ولا محيص عن ~~هذا الذي ذكرناه من وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة ~~به، بل قد ورد به الكتاب العزيز - وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم - بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة، وإن منعوا ما هو عليهم ~~للرعايا كما في بعض الأحاديث الصحيحة " أعطوهم الذي لهم، واسألوا الله الذي ~~لكم " بل ورد الأمر بطاعة السلطان، وبالغ في ذلك النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى قال " وإن أخذ مالك وضرب ظهرك ". فإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون ~~فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون، وإن ~~اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا وباطنا فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال ~~إليهم في الظاهر لأمر يقتضي ذلك شرعا كالطاعة، أو للتقية ومخافة الضرر ~~منهم، أو لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، إذا لم يكن ~~له ميل إليهم في الباطن ولا محبة ولا رضا بأفعالهم. قلت: أما الطاعة على ~~عمومها بجميع أقسامها حيث لم تكن في معصية الله، فهي على فرض صدق مسمى ~~الركون ms1809 عليها مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا الإشارة إليها، ولا ~~شك في هذا ولا ريب، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شئ من الأعمال التي ~~أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها إذا وثق من ~~نفسه بالقيام بما وكل إليه، فذلك واجب عليه فضلا عن أن يقال جائز له، وأما ~~ما ورد من النهي عن عن الدخول في الإمارة، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن ~~تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعا بين الأدلة، أو مع ضعف ~~المأمور عن القيام بما أمر به كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة ~~بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة ~~عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ~~ميل النفس إليهم ومحبتها لهم، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو ~~دفع تلك المفسدة فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا، فهو مخصص بالأدلة ~~الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد. والأعمال بالنيات، وإنما لكل ~~امرئ ما نوى، ولا تخفى على الله خافية، وبالجملة فمن ابتلى بمخالطة من فيه ~~ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ ~~عن ذلك " فعلى نفسها براقش تجنى " ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من ~~جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به. # يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، اجعلنا من عبادك الصالحين ~~الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم، وقونا ~~على ذلك ويسره لنا، وأعنا عليه. قال القرطبي: في تفسيره: وصحبة الظالم على ~~التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار انتهى. وقال النيسابوري في تفسيره: ~~قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة، أو تحسين ~~الطريقة وتزيينها عند غيرهم، ومشاركتهم في شئ من تلك الأبواب، فأما ~~مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة، فغير داخلة في الركون. قال: وأقول ~~هذا من ms1810 طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية - ~~أليس الله بكاف عبده - انتهى. # قوله (فتمسكم النار) بسبب الركون إليهم، وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل ~~النار، أو كالنار، ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار، وجملة (وما لكم ~~من دون الله من أولياء) في محل نصب على الحال من قوله: # فتمسكم النار. والمعنى: أنها تمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم وينقذكم ~~منها (ثم لا تنصرون) من جهة الله سبحانه، إذ قد سبق في علمه أنه يعذبكم ~~بسبب الركون الذي نهيتم عنه فلم تنتهوا عنادا وتمردا. قوله (وأقم الصلاة ~~طرفي النهار) لما ذكر الله سبحانه الاستقامة خص من أنواعها إقامة الصلاة ~~لكونها رأس الإيمان، وانتصاب طرفي النهار على الظرفية، والمراد صلاة الغداة ~~والعشي، وهما الفجر والعصر، وقيل الظهر موضع العصر، وقيل الطرفان الصبح ~~والمغرب. وقيل هما الظهر والعصر. ورجح ابن جرير أنهما الصبح والمغرب قال: ~~والدليل عليه إجماع PageV02P531 # الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدل على أن الطرف الآخر المغرب (وزلفا ~~من الليل) أي في زلف من الليل، والزلف: الساعات القريبة بعضها من بعض، ومنه ~~سميت المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة. وقرأ ابن القعقاع وأبو إسحاق ~~وغيرهما " زلفا " بضم اللام جمع زليف، ويجوز أن يكون واحده زلفة. وقرأ ابن ~~محيصن بإسكان اللام. # وقرأ مجاهد " زلفى " مثل فعلى. وقرأ الباقون " زلفا " بفتح اللام كغرفة ~~وغرف. قال ابن الأعرابي: الزلف الساعات واحدتها زلفة. وقال قوم: الزلفة أول ~~ساعة من الليل بعد مغيب الشمس. قال الأخفش: معنى زلفا من الليل: صلاة الليل ~~(إن الحسنات يذهبن السيئات) أي إن الحسنات على العموم، ومن جملتها بل ~~عمادها الصلاة يذهبن السيئات على العموم، وقيل المراد بالسيئات: الصغائر، ~~ومعنى يذهبن السيئات: يكفرنها حتى كأنها لم تكن، والإشارة بقوله (ذلك ذكرى ~~للذاكرين) إلى قوله (فاستقم) وما بعده، وقيل إلى القرآن ذكرى للذاكرين: أي ~~موعظة للمتعظين (واصبر) على ما أمرت به من الاستقامة وعدم الطغيان والركون ~~إلى الذين ظلموا، وقيل إن المراد الصبر على ما أمر ms1811 به دون ما نهي عنه، لأنه ~~لا مشقة في اجتنابه وفيه نظر، فإن المشقة في اجتناب المنهي عنه كائنة، وعلى ~~فرض كونها دون مشقة امتثال الأمر فذلك لا يخرجها عن مطلق المشقة (فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين) أي يوفيهم أجورهم ولا يضيع منها شيئا فلا يهمله ولا ~~يبخسه بنقص. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~ابن عباس في قوله (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) قال: ما قدر لهم من خير ~~أو شر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: من العذاب. ~~وأخرجا عن أبي العالية. قال من الرزق. وأخرجا أيضا عن قتادة في قوله ~~(فاستقم كما أمرت) قال: أمر الله نبيه أن يستقيم على أمره، ولا يطغى في ~~نعمته، وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في الآية قال: استقم على القرآن. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية (فاستقم كما ~~أمرت) قال: شمروا شمروا فما رؤي ضاحكا. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج (ومن ~~تاب معك) قال: آمن. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن العلاء بن عبد الله بن بدر في قوله ~~(ولا تطغوا) قال: لم يرد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما عنى ~~الذين يجيئون من بعدهم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (ولا تطغوا) يقول: # لا تظلموا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الطغيان، خلاف أمره ~~وارتكاب معصيته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا) قال: يعني الركون إلى الشرك. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عنه (ولا تركنوا) قال: لا تميلوا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا قال (ولا تركنوا) لا تدهنوا. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في الآية ~~قال: أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) قال: صلاة ms1812 المغرب والغداة ~~(وزلفا من الليل) قال: صلاة العتمة وأخرجا عن الحسن قال الفجر والعصر ~~(وزلفا من الليل) قال: هما زلفتان: صلاة المغرب وصلاة العشاء. قال: وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هما زلفتا الليل ". وأخرج عبد الرزاق ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في الطرفين قال: صلاة الفجر، ~~وصلاتي العشي: يعني الظهر والعصر (وزلفا من الليل) قال: المغرب والعشاء. ~~وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وزلفا من الليل) قال: ساعة ~~بعد ساعة، يعني صلاة العشاء الآخرة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه كان يستحب تأخير ~~العشاء، ويقرأ زلفا من الليل. وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه عن ~~ابن مسعود في قوله (إن الحسنات يذهبن السيئات) قال: الصلوات الخمس، ~~PageV02P532 # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (إن الحسنات يذهبن السيئات) ~~قال: الصلوات الخمس، والباقيات الصالحات: الصلوات الخمس. وأخرج البخاري ~~ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها، فأنزلت ~~عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) ~~فقال الرجل: يا رسول الله إلى هذه؟ قال: هي لمن عمل بها من أمتي وأخرج أحمد ~~ومسلم وأبو داود وغيرهم عن أبي أمامة " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: يا رسول الله أقم في حد الله مرة أو مرتين، فأعرض عنه، ثم ~~أقيمت الصلاة، فلما فرغ قال: أين الرجل؟ قال: أنا ذا، قال أتممت الوضوء ~~وصليت معنا آنفا؟ قال نعم. قال: فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد، ~~وأنزل الله حينئذ على رسوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) ". وفي الباب أحاديث ~~كثيرة بألفاظ مختلفة، ووردت أحاديث أيضا " إن الصلوات الخمس كفارات ms1813 لما ~~بينهن ". وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (ذلك ذكرى للذاكرين) قال: هم ~~الذين يذكرون الله في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والعافية والبلاء. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما نزع الذي قبل المرأة تذكر فذلك قوله ~~(ذكرى للذاكرين). # سورة هود الآية (116 - 124) هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن ~~سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهى عن الفساد ويأمر ~~بالرشاد، فقال (فلولا) أي فهلا (كان من القرون) الكائنة (من قبلكم أولوا ~~بقية) من الرأي والعقل والدين (ينهون) قومهم (عن الفساد في الأرض) ~~ويمنعونهم من ذلك لكونهم ممن جمع الله له بين جودة العقل، وقوة الدين، وفي ~~هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى، والبقية في الأصل لما يستبقيه الرجل مما ~~يخرجه، PageV02P533 # وهو لا يستبقى إلا أجوده وأفضله، فصار لفظ البقية مثلا في الجودة، ~~والاستثناء في (إلا قليلا) منقطع: أي لكن قليلا (ممن أنجينا منهم) ينهون عن ~~الفساد في الأرض - وقيل هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي، فكأنه قال: ~~ما كان في القرون أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن ~~أنجينا منهم، ومن في ممن أنجينا بيانية لأنه لم ينج إلا الناهون، قيل هؤلاء ~~القليل هم قوم يونس لقوله فيما مر - إلا قوم يونس - وقيل هم أتباع الأنبياء ~~وأهل الحق من الأمم على العموم (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه) معطوف ~~على مقدر يقتضيه الكلام، تقديره: إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن ~~الفساد، والمعنى: أنه اتبع الذين ظلموا بسبب مباشرتهم الفساد وتركهم للنهي ~~عنه ما أترفوا فيه. والمترف: الذي أبطرته النعمة، يقال صبي مترف: منعم ~~البدن، أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ورفاهية ~~الحال وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا ~~أعمارهم في الشهوات النفسانية، وقيل المراد بالذين ظلموا تاركوا النهي. ورد ~~بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشد ظلما ممن لم يباشر، ~~وكان ذنبه ترك ms1814 النهي. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه " وأتبع الذين ظلموا " ~~على البناء المفعول، ومعناه: أتبعوا جزاء ما أترفوا فيه، وجملة (وكانوا ~~مجرمين) متضمنة لبيان سبب إهلاكهم، وهي معطوفة على أترفوا: أي وكان هؤلاء ~~الذين أتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين، والإجرام الأثام. والمعنى: أنهم أهل ~~إجرام بسبب اتباعهم الشهوات واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال ~~بها، ويجوز أن تكون جملة (وكانوا مجرمين) معطوفة على واتبع الذين ظلموا: أي ~~اتبعوا شهواتهم وكانوا بذلك الاتباع مجرمين (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون) أي ما صح ولا استقام أن يهلك الله سبحانه أهل القرى بظلم ~~يتلبسون به وهو الشرك، والحال أن أهلها مصلحون فيما بينهم في تعاطي الحقوق ~~لا يظلمون الناس شيئا. # والمعنى: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك وحده حتى ينضم إليه الفساد في الأرض، ~~كما أهلك قوم شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم، وأهلك قوم ~~لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء، وقيل إن قوله (بظلم) حال من الفاعل. ~~والمعنى: وما كان الله ليهلك القرى ظالما لهم حال كونهم مصلحين غير مفسدين ~~في الأرض. # ويكون المراد بالآية تنزيهه سبحانه وتعالى عن صدور ذلك منه بلا سبب يوجبه ~~على تصوير ذلك بصورة ما يستحيل منه، وإلا فكل أفعاله كائنة ما كانت لا ظلم ~~فيها، فإنه سبحانه ليس بظلام للعبيد. قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: وما ~~كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه، وإن كان على نهاية الصلاح لأن تصرفه في ~~ملكه، دليله قوله تعالى - إن الله لا يظلم الناس شيئا - وقيل المعنى: وما ~~كان ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون: أي مخلصون في الإيمان، فالظلم المعاصي على ~~هذا (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) أي أهل دين واحد، إما أهل ضلالة، ~~أو أهل هدى، وقيل معناه: جعلهم مجتمعين على الحق غير مختلفين فيه، أو ~~مجتمعين على دين الإسلام دون سائر الأديان ولكنه لم يشأ ذلك فلم يكن، ولهذا ~~قال (ولا يزالون مختلفين) في ذات بينهم على أديان شتى، أو لا يزالون ~~مختلفين في ms1815 الحق أو دين الإسلام، وقيل مختلفين في الرزق: فهذا غني. وهذا ~~فقير (إلا من رحم ربك) بالهداية إلى الدين الحق، فإنهم لم يختلفوا، أو إلا ~~من رحم ربك من المختلفين في الحق أو دين الإسلام، بهدايته إلى الصواب الذي ~~هو حكم الله، وهو الحق الذي لا حق غيره، أو إلا من رحم ربك بالقناعة. ~~والأولى تفسير لجعل الناس أمة واحدة بالمجتمعة على الحق حتى يكون معنى ~~الاستثناء في (إلا من رحم ربك) واضحا غير محتاج إلى تكلف (ولذلك) أي لما ~~ذكر من الاختلاف (خلقهم) أو ولرحمته خلقهم، وصح تذكير الإشارة إلى الرحمة ~~لكون تأنيثها غير حقيقي. # والضمير في خلقهم راجع إلى الناس، أو إلى من في من رحم ربك، وقيل الإشارة ~~بذلك إلى مجموع الاختلاف PageV02P534 # والرحمة، ولا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله - عوان بين ذلك. ~~وابتغ بين ذلك سبيلا - فبذلك فليفرحوا. قوله (وتمت كلمة ربك) معنى تمت ثبتت ~~كما قدره في أزله، وإذا تمت امتنعت من التغيير والتبديل وقيل الكلمة هي ~~قوله (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) أي ممن يستحقها من الطائفتين، ~~والتنوين في (وكلا) للتعويض عن المضاف إليه، وهو منصوب بنقص. والمعنى: وكل ~~نبأ من أنباء الرسل مما يحتاج إليه نقص عليك: # أي نخبرك به. وقال الأخفش (كلا) حال مقدمة كقولك: كلا ضربت القوم، ~~والأنباء الأخبار (ما نثبت به فؤادك) أي ما نجعل به فؤادك مثبتا بزيادة ~~يقينه بما قصصناه عليك ووفور طمأنينته، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ ~~في النفس وأقوى للعلم، وجملة (ما نثبت) بدل من أنباء الرسل، وهو بيان لكلا، ~~ويجوز أن يكون (ما نثبت) مفعولا لنقص، ويكون كلا مفعولا مطلقا، والتقدير: ~~كل أسلوب من أساليب الاقتصاص نقص عليك ما نثبت به فؤادك (وجاءك في هذه ~~الحق) أي جاءك في هذه السورة، أو في هذه الأنباء البراهين القاطعة الدالة ~~على صحة المبدأ والمعاد (وموعظة) يتعظ بها الواقف عليها من المؤمنين ~~(وذكرى) يتذكر بها من تفكر فيها منهم، وخص المؤمنين لكونهم المتأهلين ms1816 ~~للاتعاظ والتذكر، وقيل المعنى: وجاءك في هذه الدنيا الحق، وهو النبوة، وعلى ~~التفسير الأول يكون تخصيص هذه السورة بمجئ الحق فيها مع كونه قد جاء في ~~غيرها من السور لقصد بيان اشتمالها على ذلك، لا بيان كونه موجودا فيها دون ~~غيرها (وقل للذين لا يؤمنون) بهذا الحق ولا يتعظون ولا يتذكرون (اعملوا على ~~مكانتكم) على تمكنكم وحالكم وجهتكم، وقد تقدم تحقيقه (إنا عاملون) على ~~مكانتنا وحالنا وجهتنا من الإيمان بالحق والاتعاظ والتذكر، وفي هذا تشديد ~~للوعيد والتهديد لهم، وكذلك قوله (وانتظروا إنا منتظرون) فيه من الوعيد ~~والتهديد ما لا يخفى. والمعنى: انتظروا عاقبة أمرنا فإنا منتظرون عاقبة ~~أمركم وما يحل بكم من عذاب الله وعقوبته (ولله غيب السماوات والأرض) أي علم ~~جميع ما هو غائب عن العباد فيهما، وخص الغيب من كونه يعلم بما هو مشهود، ~~كما يعلم بما هو مغيب، لكونه من العلم الذي لا يشاركه فيه غيره، وقيل إن ~~غيب السماوات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض، والأول أولى، ~~وبه قال أبو علي الفارسي وغيره، وأضاف الغيب إلى المفعول توسعا (وإليه يرجع ~~الأمر كله) أي يوم القيامة فيجازي كلا بعمله. # وقرأ نافع وحفص " يرجع على البناء للمفعول. وقرأ الباقون على البناء ~~للفاعل (فاعبده وتوكل عليه) فإنه كافيك كل ما تكره، ومعطيك كل ما تحب، ~~والفاء لترتيب الأمر بالعبادة، والتوكل على كون مرجع الأمور كلها إلى الله ~~سبحانه (وما ربك بغافل عما تعملون) بل عالم بجميع ذلك ومجاز عليه إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر. وقرأ أهل المدينة والشام وحفص (تعملون) بالفوقية على ~~الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (فلولا) قال: فهلا. وأخرج ابن ~~مردويه عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية وأحلام ينهون عن الفساد في الأرض. ~~وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج (إلا قليلا ممن أنجينا منهم) يستقلهم الله من ~~كل قوم. # وأخرج ms1817 ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (واتبع ~~الذين ظلموا ما أترفوا فيه) قال: في ملكهم وتجبرهم وتركهم الحق. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس: أترفوا ~~فيه أبطروا فيه، وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير ~~قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسئل عن تفسير هذه الآية ~~(وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: وأهلها ينصف بعضهم بعضا ". وأخرجه ابن أبي حاتم والخرائطي ~~في مساوى PageV02P535 # الأخلاق موقوفا على جرير. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك (ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة) قال: # أهل دين واحد أهل ضلالة أو أهل هدى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (ولا ~~يزالون مختلفين) قال: أهل الحق وأهل الباطل (إلا من رحم ربك) قال: أهل الحق ~~(ولذلك خلقهم) قال: للرحمة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه (إلا من رحم ~~ربك) قال: إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: # لا يزالون مختلفين في الأهواء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن عطاء بن أبي رباح (ولا يزالون مختلفين) أي اليهود والنصارى والمجوس ~~والحنيفية، وهم الذين رحم ربك الحنيفية. وأخرج هؤلاء عن الحسن في الآية ~~قال: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف ~~(ولذلك خلقهم) قال: # للاختلاف. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد (ولا يزالون مختلفين) قال: ~~أهل الباطل (إلا من رحم ربك) قال: أهل الحق (ولذلك خلقهم) قال: للرحمة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة نحوه. وأخرجا عن الحسن قال: لا ~~يزالون مختلفين في الرزق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ولذلك ~~خلقهم قال: # خلقهم فريقين فريقا يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم يختلف، فذلك قوله - ~~فمنهم شقي وسعيد -. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ms1818 ابن جريج في ~~قوله (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) لتعلم يا محمد ما ~~لقيت الرسل قبلك من أممهم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ~~قال (وجاءك في هذه الحق) قال: في هذه السورة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن أبي موسى الأشعر مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد ~~ابن جبير مثله أيضا. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال في هذه الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة (اعملوا على مكانتكم) أي منازلكم. وأخرج ابن جرير ~~وأبو الشيخ عن ابن جريج (وانتظروا إنا منتظرين) قال: يقول انتظروا مواعيد ~~الشيطان إياكم على ما يزين لكم، وفي قوله (وإليه يرجع الأمر كله) قال: ~~فيقضي بينهم بحكم العدل. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن ~~الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وأبو الشيخ عن كعب قال: فاتحة التوراة ~~فاتحة الأنعام، وخاتمة التوراة خاتمة هود (ولله غيب السماوات والأرض) إلى ~~آخر الآية. # بحمد الله تعالى تم طبع الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث وأوله: تفسير ~~سورة يوسف عليه السلام PageV02P536 # فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير تأليف محمد ~~بن علي بن محمد الشوكاني وفاته بصنعاء 1250 ه‍ الجزء الثالث عالم الكتاب ~~PageV03P002 # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (قرآن كريم) بسم الله الرحمن ~~الرحيم تفسير سورة يوسف (1) عليه السلام قيل هي مائة وإحدى عشرة آية وهى ~~مكية كلها، وقيل نزلت ما بين مكة والمدينة وقت الهجرة. وقال ابن عباس في ~~رواية عنه وقتادة: # إلا أربع آيات. وأخرج النحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة يوسف بمكة. # وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن ~~رافع الزرقي: أنه خرج هو وابن خالته ms1819 معاذ بن عفراء حتى قدما مكة، وذكر قصة ~~وفي آخرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهما سورة يوسف. واقرأ باسم ~~ربك، ثم رجعا. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس " أن حبرا من اليهود دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف، فقال: يا محمد من علمكها؟ قال: الله علمنيها، ~~فعجب الحبر لما سمع منه، فرجع إلى اليهود، فقال لهم: والله إن محمدا ليقرأ ~~القرآن كما أنزل في التوراة، فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه ~~بالصفة، ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه فجعلوا سمعهم إلى قراءته لسورة ~~يوسف فتعجبوا منه، وأسلموا عند ذلك ". وأخرج الثعلبي عن أبي بن كعب قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " علموا أقاربكم سورة يوسف، فإنه أيما ~~مسلم تلاها أو علمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت، ~~وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلما ". وفي إسناده سلام بن سالم، ويقال ابن سليم ~~المدائني، وهو متروك عن هارون بن كثير. قال أبو حاتم: مجهول، وقد ذكر له ~~الحافظ ابن عساكر متابعا من طريق القاسم بن الحكم عن هارون بن كثير ومن ~~طريق شبابة عن مجلز بن عبد الواحد البصري # PageV03P003 # عن علي بن زيد بن جدعان، وعن عطاء بن ميمون عن ذر بن حبيش عن أبي بن كعب ~~مرفوعا فذكر نحوه. # وهو منكر من جميع طرقه. قال القرطبي: قال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: لو ~~حدثتنا، فنزل قوله تعالى - الله نزل أحسن الحديث - قال: قال العلماء: # وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة ~~بألفاظ متباينة على درجات البلاغة. # وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا ~~على معارضة غير المتكرر. # بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ms1820 (2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا ~~القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين (3) إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت ~~أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين (5) وكذلك ~~يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث و يتم عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها ~~على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6). # قوله (الر) قد تقدم الكلام فيه في فاتحة سورة يونس، والإشارة بقوله (تلك) ~~إلى آيات السورة. والكتاب المبين: السورة، أي تلك الآيات التي أنزلت إليك ~~في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، والمبين ~~من أبان بمعنى بان: أي الظاهر أمره في كونه من عند الله وفي إعجازه، أو ~~المبين بمعنى الواضح المعنى بحيث لا يلتبس على قارئه وسامعه، أو المبين لما ~~فيه من الأحكام (إنا أنزلناه) أي الكتاب المبين حال كونه (قرآنا عربيا)، ~~فعلى تقدير أن الكتاب السورة تكون تسميتها قرآنا باعتبار أن القرآن اسم جنس ~~يقع على الكل وعلى البعض، وعلى تقدير أن المراد بالكتاب كل القرآن، فتكون ~~تسميته قرآنا واضحة، وعربيا صفة لقرآنا: أي على لغة العرب (لعلكم تعقلون) ~~أي لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه (نحن نقص عليك أحسن القصص) القصص تتبع ~~الشئ، ومنه قوله تعالى - وقالت لأخته قصيه -، أي تتبعي أثره وهو مصدر، ~~والتقدير: نحن نقص عليك قصصا أحسن القصص، فيكون بمعنى الاقتصاص، أو هو ~~بمعنى المفعول: أي المقصوص (بما أوحينا إليك) أي بإيحائنا إليك (هذا ~~القرآن) وانتصاب القرآن على أنه صفة لاسم الإشارة، أو بدل منه، أو عطف ~~بيان. وأجاز الزجاج الرفع على تقدير مبتدأ، وأجاز الفراء الجر، ولعل وجهه ~~أن يقدر حرف الجر في بما أوحينا داخلا على اسم الإشارة، فيكون المعنى: نحن ~~نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) إن هي ~~المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة بينها وبين النافية، والضمير في ms1821 من ~~قبله عائد على الايحاء المفهوم من أوحينا المعنى: أنك قبل إيحائنا إليك من ~~الغافلين عن هذه القصة. PageV03P004 # واختلف في وجه كون ما في هذه السورة هو أحسن القصص، فقيل: لأن ما في هذه ~~السورة من القصص يتضمن من العبر والمواعظ والحكم ما لم يكن في غيرها، وقيل ~~لما فيها من حسن المحاورة وما كان من يوسف عليه من الصبر على أذاهم وعفوه ~~عنهم، وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والجن ~~والإنس والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال ~~والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، وقيل لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وما دار ~~بينهما، وقيل إن أحسن هنا بمعنى أعجب، وقيل إن كل من ذكر فيها كان مآله ~~السعادة. قوله (إذ قال يوسف لأبيه) إذ منصوب على الظرفية بفعل مقدر: أي ~~أذكر وقت قال يوسف. # قرأ الجمهور " يوسف " بضم السين. وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها مع الهمز مكان ~~الواو. وحكى ابن زيد الهمز وفتح السين، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية، ~~وقيل هو عربي. والأول أولى بدليل عدم صرفه (لأبيه) أي يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم (يا أبت) بكسر التاء في قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ونافع ~~وابن كثير وهي عند البصريين علامة التأنيث، ولحقت في لفظ أب في النداء خاصة ~~بدلا من الياء وأصله يا أبي، وكسرها للدلالة على أنها عوض عن حرف يناسب ~~الكسر. وقرأ ابن عامر بفتحها، لأن الأصل عنده يا أبتا، ولا يجمع بين العوض ~~والمعوض، فيقال يا أبتي، وأجاز الفراء يا أبت بضم التاء (إني رأيت) من ~~الرؤيا النومية لا من الرؤية البصرية كما يدل عليه (لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك). قوله (أحد عشر كوكبا) قرئ بسكون العين تخفيفا لتوالي الحركات. وقرأ ~~بفتحها على الأصل (والشمس والقمر) إنما أخرهما عن الكواكب لإظهار مزيتهما ~~وشرفهما كما في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وقيل إن الواو بمعنى مع، ~~وجملة (رأيتهم لي ساجدين) مستأنفة لبيان الحالة التي رآهم عليها، وأجريت ~~مجرى العقلاء في الضمير المختص بهم لوصفها ms1822 بوصف العقلاء، وهو كونها ساجدة ~~كذا قال الخليل وسيبويه، والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه ~~منزلته (قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك) الرؤيا مصدر رأي في المنام ~~رؤيا على وزن فعلي كالسقيا والبشرى، وألفه للتأنيث ولذلك لم يصرف، نهي ~~يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عن أن يقص رؤياه على إخوته، لأنه قد علم ~~تأويلها وخاف أن يقصها على إخوته فيفهمون تأويلها ويحصل منهم الحسد له، ~~ولهذا قال (فيكيدوا لك كيدا) وهذا جواب النهي وهو منصوب بإضمار أن: أي ~~فيفعلوا لك: أي لأجلك كيدا مثبتا راسخا لا تقدر على الخلوص منه أو كيدا ~~خفيا عن فهمك، وهذا المعنى الحاصل بزيادة اللام آكد من أن يقال فيكيدوا ~~كيدا، وقيل إنما جئ باللام لتضمينه معنى الاحتيال المتعدي باللام، فيفيد ~~هذا التضمين معنى الفعلين جميعا الكيد والاحتيال كما هو القاعدة في التضمين ~~أن يقدر أحدهما أصلا والآخر حالا. وجملة (إن الشيطان للإنسان عدو مبين) ~~مستأنفة، كأن يوسف عليه السلام قال: كيف يقع منهم، فنبهه بأن الشيطان ~~يحملهم على ذلك، لأنه عدو للإنسان مظهر للعداوة مجاهر بها. قوله (وكذلك ~~يجتبيك ربك) أي مثل ذلك الاجتباء البديع الذي رأيته في النوم من سجود ~~الكواكب والشمس والقمر يجتبيك ربك، ويحقق فيك تأويل تلك الرؤيا، فيجعلك ~~نبيا ويصطفيك على سائر العباد، ويسخرهم لك كما تسخرت لك تلك الأجرام التي ~~رأيتها في منامك فصارت ساجدة لك. قال النحاس: والاجتباء أصله من جبيت الشئ ~~حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض جمعته. ومعنى الاجتباء: الاصطفاء، وهذا ~~يتضمن الثناء على يوسف وتعديد نعم الله عليه، ومنها (ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث) أي تأويل الرؤيا. قال القرطبي: وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، ~~وقد كان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها، وقيل المراد: ويعلمك من ~~تأويل أحاديث الأمم والكتب، وقيل المراد به إحواج إخوته إليه، وقيل إنجاؤه ~~من كل مكروه، وقيل إنجاؤه من القتل خاصة (ويتم PageV03P005 # نعمته عليك) فيجمع لك بين النبوة والملك كما تدل عليه هذه الرؤيا ms1823 التي ~~أراك الله، أو يجمع لك بين خيري الدنيا والآخرة (وعلى آل يعقوب) وهم قرابته ~~من إخوته وأولاده ومن بعدهم، وذلك أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله ~~جماعة من المفسرين، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر ~~من النعم التي من جملتها كون الملك فيهم مع كونهم أنبياء (كما أتمها على ~~أبويك) أي إتماما مثل إتمامها على أبويك: وهي نعمة النبوة عليهما، مع كون ~~إبراهيم اتخذه الله خليلا، ومع كون إسحاق نجاه الله سبحانه من الذبح وصار ~~لهما الذرية الطيبة: وهم يعقوب، ويوسف، وسائر الأسباط، ومعنى (من قبل) من ~~قبل هذا الوقت الذي أنت فيه، أو من قبلك، وإبراهيم وإسحق عطف بيان لأبويك، ~~وعبر عنهما بالأبوين مع كون أحدهما جدا: وهو إبراهيم، لأن الجد أب (إن ربك ~~عليم) بكل شئ (حكيم) في كل أفعاله، والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ~~تعليلا له: أي فعل ذلك لأنه عليم حكيم، وكان هذا كلام من يعقوب مع ولده ~~يوسف تعبيرا لرؤياه على طريق الإجمال، أو علم ذلك من طريق الوحي، أو عرفه ~~بطريق الفراسة وما تقتضيه المخايل اليوسفية. # وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (تلك آيات الكتاب المبين) قال: بين ~~الله حلاله وحرامه. وأخرج ابن جرير عن معاذ قال: بين الله الحروب التي سقطت ~~عن ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف. وأخرج الحاكم عن جابر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم تلا قرآنا عربيا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما ". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال: نزل القرآن بلسان قريش. وهو كلامهم. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا يا رسول الله لو قصصت علينا، ~~فنزلت (نحن نقص عليك أحسن القصص). وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مثله. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (نحن نقص عليك أحسن القصص) ~~قال: من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم. (وإن كنت ms1824 من قبله) أي ~~من قبل هذا القرآن (لمن الغافلين). وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك (نحن نقص ~~عليك أحسن القصص) قال: القرآن. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (إني رأيت أحد عشر كوكبا) قال: رؤيا الأنبياء ~~وحى. وأخرج سعيد بن منصور والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والعقيلي وابن حبان في الضعفاء وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن ~~مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: " جاء بستاني اليهودي ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي ~~رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ~~يجبه بشئ، فنزل عليه جبريل فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى البستاني اليهودي فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال ~~نعم، قال: خرثان، والطارق، والذيال، وذو الكتفان، وقابس، ووثاب. وعمودان، ~~والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء والنور: رآها في أفق السماء ~~ساجدة له، فلما قص يوسف على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد. ~~فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها " هكذا ساقه السيوطي في الدر ~~المنثور، وأما ابن كثير فجعل قوله " فلما قص الخ " رواية منفردة وقال: تفرد ~~بها الحكم بن ظهيرة الفزاري: # وقد ضعفوه وتركه الأكثرون. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال ابن الجوزي: هو ~~موضوع. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (أحد عشر كوكبا) قال: إخوته، ~~والشمس قال: أمه، والقمر قال: أبوه. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ~~السدي نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس (وكذلك يجتبيك ربك) قال: PageV03P006 # يصطفيك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد (ويعلمك من تأويل الأحاديث) قال: عبارة ~~الرؤيا. ms1825 وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد (ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث) قال: تأويل العلم والحلم، وكان يوسف من أعبر الناس. وأخرج ابن ~~جرير عن عكرمة (كما أتمها على أبويك) قال: فنعمته على إبراهيم: أن نجاه من ~~النار، وعلى إسحاق: أن نجاه من الذبح. # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) قال قائل منهم لا ~~تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ~~(10). # أي (لقد كان) في قصتهم علامات دالة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه ~~(للسائلين) من الناس عنها. وقرأ أهل مكة آية على التوحيد. وقرأ الباقون على ~~الجمع، واختار قراءة الجمع أبو عبيد. قال النحاس: وآية ها هنا قراءة حسنة، ~~وقيل المعنى: لقد كان في يوسف وإخوته آيات دالة عل نبوة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم للسائلين له من اليهود، فإنه روى أنه قال له جماعة من اليهود وهو ~~بمكة: أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه ~~حتى عمى، ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب ولا من يعرف خبر الأنبياء، وإنما ~~وجهوا إليه من أهل المدينة من يسأله عن هذا، فأنزل الله سورة يوسف جملة ~~واحدة كما في التوراة. وقيل معنى (آيات للسائلين) عجب لهم، وقيل بصيرة. ~~وقيل عبرة. قال القرطبي: وأسماؤهم يعني إخوة يوسف: روبيل، وهو أكبرهم، ~~وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وريالون، ويشجر. وأمهم ليا بنت ليان وهي بنت خال ~~يعقوب، وولد له من سريتين أربعة، وهم: دان، ونفتالي، وجاد، وآشر. ثم ماتت ~~ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف، وبنيامين. وقال السهيلي: إن أم ~~يوسف اسمها وقفا، وراحيل ماتت من نفاس بنيامين وهو أكبر من يوسف (إذ قالوا ~~ليوسف وأخوه) أي وقت قالوا، والظرف متعلق بكان (أحب إلى أبينا منا) والمراد ~~بقوله (وأخوه) هو ms1826 بنيامين، وخصوه بكونه أخاه مع أنهم جميعا إخوته، لأنه ~~أخوه لأبويه كما تقدم، ووحد الخبر فقال: أحب مع تعدد المبتدأ، لأن أفعل ~~التفضيل يستوي فيه الواحد وما فوقه إذا لم يعرف، واللام في ليوسف هي ~~الموطئة للقسم، وإنما قالوا هذه لأنه بلغهم خبر الرؤيا فأجمع رأيهم على ~~كيده، وجملة (ونحن عصبة) في محل نصب عل الحال، والعصبة: الجماعة، قيل وهي ~~ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل إلى الخمسة عشر، وقيل من العشرة إلى ~~الأربعين ولا واحد لها من لفظها بل هي كالنفر والرهط، وقد كانوا عشرة (إن ~~أبانا لفي ضلال مبين) أي في ذهاب عن وجه التدبير بالترجيح لهما علينا ~~وإيثارهما دوننا مع استوائنا في الانتساب إليه ولا يصح أن يكون مرادهم أنه ~~في دينه في ضلال مبين (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا) أي قالوا: افعلوا به ~~أحد الأمرين: # إما القتل، أو الطرح في أرض. أو المشير بالقتل بعضه والمشير بالطرح البعض ~~الآخر، أو كان المتكلم بذلك واحد منهم فوافقه الباقون. فكانوا كالقائل في ~~نسبة هذا المقول إليهم. وانتصاب أرضا على الظرفية، والتنكير للإبهام: أي ~~أرضا مجهولة. وجواب الأمر (يخل لكم وجه أبيكم) أي يصف ويخلص فيقبل عليكم ~~ويحبكم حبا PageV03P007 # كاملا (وتكونوا) معطوف على يخل، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن (من ~~بعده) أي من بعد يوسف، والمراد بعد الفراغ من قتله أو طرحه، وقيل من بعد ~~الذنب الذي اقترفوه في يوسف (قوما صالحين) في أمور دينكم وطاعة أبيكم، أو ~~صالحين في أمور دنياكم لذهاب ما كان يشغلكم عن ذلك، هو الحسد ليوسف وتكدر ~~خواطركم بتأثيره عليكم هو وأخوه، أو المراد بالصالحين: التائبون من الذنب ~~(قال قائل منهم) أي من الإخوة، قيل هو يهوذا، وقيل روبيل، وقيل شمعون (لا ~~تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجب) قيل ووجه الإظهار في لا تقتلوا يوسف ~~استجلاب شفقتهم عليه. قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة وأهل الشام في ~~غيابة الجب بالإفراد. وقرأ أهل المدينة " في غيابات " بالجمع، واختار أبو ~~عبيد الإفراد وأنكر الجمع، ms1827 لأن الموضع الذي ألقوه فيه واحد. قال النحاس: ~~وهذا تضييق في اللغة، وغيابات على الجمع تجوز، والغيابة كل شئ غيب عنك ~~شيئا، وقيل للقبر غيابة، والمراد بها هنا غور البئر الذي لا يقع البصر ~~عليه، أو طاقة فيه. قال الشاعر: # ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث * إلى ذا كما قد غيبتني غيابيا والجب: ~~البئر التي لم تطو. ويقال لها قبل الطي ركية، فإذا طويت قيل لها بئر. سميت ~~جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا، وجمع الجب جبب وجباب وأجباب. وجمع بين ~~الغيابة والجب مبالغة في أن يلقوه في مكان من الجب شديد الظلمة حتى لا ~~يدركه نظر الناظرين. قيل وهذه البئر ببيت المقدس، وقيل بالأردن، وجواب ~~الأمر (يلتقطه بعض السيارة) قرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن وقتادة تلتقطه ~~بالمثناة الفوقية، ووجهه أن بعض السيارة سيارة. وحكى عن سيبويه سقطت بعض ~~أصابعه، ومنه قول الشاعر: # أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال * وقرأ الباقون " ~~يلتقطه " بالتحتية، والسيارة: الجمع الذي يسيرون في الطريق، والالتقاط: هو ~~أخذ شئ مشرف على الضياع، وكأنهم أرادوا أن بعض السيارة إذا التقطه حمله إلى ~~مكان بعيد بحيث يخفي عن أبيه ومن يعرفه، ولا يحتاجون إلى الحركة بأنفسهم ~~إلى المكان البعيد، فربما أن والدهم لا يأذن لهم بذلك، ومعنى (إن كنتم ~~فاعلين) إن كنتم عاملين بما أشرت به عليكم في أمره، كأنه لم يجزم بالأمر ~~وبل وكله إلى ما يجمعون عليه كما يفعله المشير مع من استشاره. وفي هذا دليل ~~على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء، فإن الأنبياء لا يجوز عليهم التواطؤ على ~~القتل لمسلم ظلما وبغيا، وقيل كانوا أنبياء، وكان ذلك منهم زلة قدم وأوقعهم ~~فيها التهاب نار الحسد في صدورهم واضطرام جمرات الغيظ في قلوبهم. ورد بأن ~~الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكثيرة المتبالغة في الكبر. # مع ما في ذلك من قطع الرحم وعقوق الوالد وافتراء الكذب، وقيل إنهم لم ~~يكونوا في ذلك الوقت أنبياء، بل صاروا أنبياء من بعد. # وقد أخرج ms1828 ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (آيات للسائلين) قال: عبرة. ~~وأخرج أيضا عن قتادة في الآية يقول: من سأل عن ذلك فهو هكذا ما قص الله ~~عليكم وأنبأكم به. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك نحوه. # وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: إنما قص الله على محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم خبر يوسف وبغي إخوته عليه وحسدهم إياه حين ذكر رؤياه لما رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بغي قومه عليه وحسدهم إياه حين أكرمه ~~الله بنبوته ليأتسى به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ~~(إذا قالوا ليوسف وأخوه) يعني بنيامين هو أخوه لأبيه وأمه، وفي قوله (ونحن ~~عصبة) قال: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين PageV03P008 # وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: العصبة الجماعة ~~(إن أبانا لفي ضلال مبين) قال: لفي خطأ من رأيه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وأبو الشيخ في قوله (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف) قال: قاله ~~كبيرهم الذي تخلف، قال: والجب بئر بالشام (يلتقطه بعض السيارة) قال: التقطه ~~ناس من الأعراب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (وألقوه في ~~غيابة الجب) يعني الركية. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال الجب البئر. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ قال: هي بئر ببيت المقدس، ~~يقول في بعض نواحيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الجب بحذاء طبرية ~~بينه وبينها أميال. # قالوا يأبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) أرسله معنا ~~غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف ~~أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا ~~إذا لخاسرون (14) فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب وأوحينا ~~إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجاؤوا أباهم عشاء يبكون (16) ~~قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب وما ms1829 أنت ~~بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18). # لما أجمع رأيهم على أن يلقوه في غيابات الجب جاءوا إلى أبيهم وخاطبوه ~~بلفظ الأبوة استعطافا له وتحريكا للحنو الذي جبلت عليه طبائع الآباء ~~للأبناء، وتوسلا بذلك إلى تمام ما يريدونه من الكيد الذي دبروه، واستفهموه ~~استفهام المنكر لأمر ينبغي أن يكون الواقع على خلافه، ف‍ (قالوا يا أبانا ~~مالك لا تأمنا على يوسف) أي أي شئ لك لا تجعلنا أمناء عليه، وكأنهم قد ~~كانوا سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبى. وقرأ يزيد بن القعقاع وعمرو ~~بن عبيد والزهري " لا تأمنا " بالإدغام بغير إشمام. وقرأ طلحة بن مصرف (لا ~~تأمننا) بنونين ظاهرتين على الأصل. وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين والأعمش " ~~لا تيمنا " وهو لغة تميم كما تقدم. وقرأ سائر القراء بالإدغام والإشمام ~~ليدل على حال الحرف قبل إدغامه (وإنا له لناصحون) في حفظه وحيطته حتى نرده ~~إليك (أرسله معنا غدا) أي إلى الصحراء التي أرادوا الخروج إليها، وغدا ظرف، ~~والأصل عند سيبويه غدوة. قال النضر بن شميل: # ما بين الفجر وطلوع الشمس، يقال له غدوة. وكذا يقال له بكرة (نرتع ونلعب) ~~هذا جواب الأمر. قرأ أهل البصرة وأهل مكة وأهل الشام بالنون وإسكان العين ~~كما رواه البعض عنهم. وقرأوا أيضا بالاختلاس، وقرأ الباقون بالنون وكسر ~~العين. والقراءة الأولى مأخوذة من قول العرب رتع الإنسان أو البعير: إذا ~~أكل كيف شاء، أو المعنى: نتسع في الخصب، وكل مخصب راتع: قال الشاعر * فارعي ~~فزارة لا هناك المرتع * ومنه قول الشاعر: PageV03P009 # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار والقراءة الثانية ~~مأخوذة من رعي الغنم. وقرأ مجاهد وقتادة (يرتع ويلعب) بالتحتية فيهما، ورفع ~~يلعب على الاستئناف، والضمير ليوسف. وقال القتيبي: معنى نرتع نتحارس ~~ونتحافظ ويرعى بعضنا بعضا، من قولهم رعاك الله: أي حفظك، ونلعب من اللعب. ~~قيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف قالوا ونلعب ms1830 وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا ~~يومئذ أنبياء، وقيل المراد به اللعب المباح من الأنبياء. وهو مجرد ~~الانبساط، وقيل هو اللعب الذي يتعلمون به الحرب ويتقوون به عليه كما في ~~قولهم (إنا ذهبنا نستبق) لا اللعب المحظور الذي هو ضد الحق. ولذلك لم ينكر ~~يعقوب عليهم لما قالوا ونلعب، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لجابر " ~~فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك " فأجابهم يعقوب بقوله (إني ليحزنني أن تذهبوا ~~به) أي ذهابكم به، واللام في (ليحزنني) لام الابتداء للتأكيد ولتخصيص ~~المضارع بالحال، أخبرهم أنه يحزن لغيبة يوسف عنه لفرط محبته له وخوفه عليه ~~(وأخاف أن يأكله الذئب) أي ومع ذلك أخاف أن يأكله الذئب. قال يعقوب هذا ~~تخوفا عليه منهم، فكنى عن ذلك بالذئب. وقيل إنه خاف أن يأكله الذئب حقيقة، ~~لأن ذلك المكان كان كثير الذئاب. ولو خاف منهم عليه أن يقتلوه لأرسل معهم ~~من يحفظه. # قال ثعلب: والذئب مأخوذ من تذأبت الريح: إذا هاجت من كل وجه. قال: والذئب ~~مهموز لأنه يجئ من كل وجه. وقد قرأ ابن كثير ونافع في رواية عنه بالهمز على ~~الأصل، وكذلك أبو عمرو في رواية عنه وابن عامر وعاصم وحمزة. وقرأ الباقون ~~بالتخفيف (وأنتم عنه غافلون) لاشتغالكم بالرتع واللعب. أو لكونهم غير ~~مهتمين بحفظه (قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة) اللام هي الموطئة للقسم. ~~والمعنى: والله لئن أكله الذئب والحال إن نحن عصبة أي جماعة كثيرة عشرة ~~(إنا إذا لخاسرون) أي إنما في ذلك الوقت. وهو أكل الذئب له لخاسرون هالكون ~~ضعفا وعجزا، أو مستحقون للهلاك لعدم الاعتداد بنا. وانتفاء القدرة على أيسر ~~شئ وأقله. أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخسار والدمار، وقيل لخاسرون ~~لجاهلون حقه، وهذه الجملة جواب القسم المقدر في الجملة التي قبلها (فلما ~~ذهبوا به) من عند يعقوب (وأجمعوا) أمرهم (أن يجعلوه في غيابة الجب) قد تقدم ~~تفسير الغيابة والجب قريبا، وجواب لما محذوف لظهوره ودلالة المقام عليه. ~~والتقدير: فعلوا به ما فعلوا، وقيل جوابه (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق) ms1831 ~~وقيل الجواب المقدر جعلوه فيها. وقيل الجواب أوحينا والواو مقحمة. ومثله ~~قوله تعالى - فلما أسلما وتله للجبين وناديناه - أي ناديناه (وأوحينا إليه) ~~أي إلى يوسف تيسيرا له وتأنيسا لوحشته مع كونه صغيرا اجتمع على إنزال الضرر ~~به عشرة رجال من إخوته. بقلوب غليظة فقد نزعت عنها الرحمة وسلبت منها ~~الرأفة، فإن الطبع البشري، دع عنك الدين يتجاوز عن ذنب الصغير ويغتفره ~~لضعفه عن الدفع وعجزه عن أيسر شئ يراد منه، فكيف بصغير لا ذنب له. بل كيف ~~بصغير هو أخ وله وهم أب مثل يعقوب. فلقد أبعد من قال إنهم كانوا أنبياء في ~~ذلك الوقت. فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين. وفي هذا دليل على أنه ~~يجوز أن يوحى الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى ~~ويحيى بن زكريا، وقد قيل إنه كان في ذلك الوقت قد بلغ مبالغ الرجال، وهو ~~بعيد جدا، فإن من كان قد بلغ مبالغ الرجال لا يخاف عليه أن يأكله الذئب ~~(لتنبئنهم بأمرهم هذا) أي لتخبرن إخوتك بأمرهم هذا الذي فعلوه معك بعد ~~خلوصك عليه مما أرادوه بك من الكيد وأنزلوه عليك من الضرر، وجملة (وهم لا ~~يشعرون) في محل نصب على الحال: أي لا يشعرون بأنك أخوهم يوسف لاعتقادهم ~~هلاكك بإلقائهم لك في غيابة الجب. ولبعد عهدهم بك. ولكونك قد صرت عند ذلك ~~في حال غير ما كنت عليه وخلاف ما عهدوه منك، وسيأتي ما قاله لهم عند دخولهم ~~عليه بعد أن صار إليه ملك مصر. PageV03P010 # قوله (وجاءوا أباهم عشاء يبكون) عشاء منتصب على الظرفية، وهو آخر النهار، ~~وقيل في الليل، ويبكون في محل نصب على الحال: أي باكين أو متباكين لأنهم لم ~~يبكوا حقيقة، بل فعلوا فعل من يبكي ترويجا لكذبهم وتنفيقا لمكرهم وغدرهم، ~~فلما وصلوا إلى أبيهم (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق) أي نتسابق في العدو ~~أو في الرمي، وقيل ننتضل، ويؤيده قراءة ابن مسعود " ننتضل " قال الزجاج: ~~وهو نوع من المسابقة. وقال الأزهري: # النضال ms1832 في السهام. والرهان في الخيل، والمسابقة تجمعهما. قال القشيري: ~~نستبق، أي في الرمي أو على الفرس أو على الأقدام. والغرض من المسابقة ~~التدرب بذلك في القتال (وتركنا يوسف عند متاعنا) أي عند ثيابنا ليحرمها ~~(فأكله الذئب) الفاء للتعقيب: أي أكله عقب ذلك. وقد اعتذروا عليه بما خافه ~~سابقا عليه، ورب كلمة تقول لصاحبها دعني (وما أنت بمؤمن لنا) بمصدق لنا في ~~هذا العذر الذي أبدينا، والكلمة التي قلناها (ولو كنا) عندك أو في الواقع ~~(صادقين) لما قد علق بقلبك من التهمة لنا في ذلك مع شدة محبتك له. قال ~~الزجاج: والمعنى ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا في هذه القضية ~~لشدة محبتك ليوسف. وكذا ذكره ابن جرير وغيره (وجاءوا على قميصه بدم كذب) ~~على قميصه في محل نصب على الظرفية: أي جاءوا فوق قميصه بدم، ووصف الدم بأنه ~~كذب مبالغة كما هو معروف في وصف اسم العين باسم المعنى، وقيل المعنى: بدم ~~ذي كذب أو بدم مكذوب فيه. وقرأ الحسن وعائشة " بدم كدب " بالدال المهملة: ~~أي بدم طري، يقال للدم الطري كدب. وقال الشعبي: إنه المتغير، والكذب أيضا ~~البياض الذي يخرج في أظفار الأحداث، فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص ~~بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اللونين. وقد استدل يعقوب على كذبهم ~~بصحة القميص. وقال لهم: متى كان هذا الذئب حكيما يأكل يوسف ولا يخرق ~~القميص؟ ثم ذكر الله سبحانه ما أجاب به يعقوب عليهم فقال (قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا) أي زينت وسهلت. قال النيسابوري: التسويل تقرير في معنى النفس ~~مع الطمع في تمامه. وهو تفعيل من السول وهو الأمنية. قال الأزهري: وأصله ~~مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة (فصبر جميل) قال الزجاج: أي فشأني ~~أو الذي أعتقده صبر جميل. وقال قطرب: # أي فصبري صبر جميل، وقيل فصبر جميل أولى بي. قيل والصبر الجميل هو الذي ~~لا شكوى معه. قال الزجاج: # قرأ عيسى بن عمر فيما زعم سهل بن يوسف " فصبرا جميلا ms1833 " قال: وكذا في مصحف ~~أنس. قال المبرد: فصبر جميل بالرفع أولى من النصب. لأن المعنى: قال رب عندي ~~صبر جميل، وإنما النصب على المصدر أي فلأصبرن صبرا جميلا. قال الشاعر: # شكا إلي جملي طول السرى * صبرا جميلا فكلانا مبتلى (والله المستعان) أي ~~المطلوب منه العون (على ما تصفون) أي على إظهار حال ما تصفون، أو على ~~احتمال ما تصفون، وهذا منه عليه السلام إنشاء لا إخبار. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أرسله معنا غدا ~~نرتع ونلعب) قال: نسعى و ننشط ونلهو. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والسلفي ~~في الطيوريات عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا ~~تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما ~~لقنهم أبوهم كذبوا، فقالوا أكله الذئب ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله PageV03P011 # (وأوحينا إليه) الآية قال: أوحى إلى يوسف وهو في الجب لتنبئن إخوتك بما ~~صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي. # وأخرج هؤلاء عن قتادة قال: أوحى الله إليه وحيا وهو في الجب أن سينبئهم ~~بما صنعوا وهم: أي إخوته لا يشعرون بذلك الوحي، فهون ذلك الوحي عليه ما صنع ~~به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (وهم لا يشعرون) ~~قال: لم يعلموا بوحي الله إليه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: لما ~~دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون جئ بالصواع فوضعه على يده، ثم ~~نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له ~~يوسف يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب فأتيتم أباكم ~~فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض: إن هذا ~~الجام ليخبره ويخبركم، فقال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا في ذلك ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون. وأخرج ابن أبي حاتم ms1834 وابن مردويه عن أبي ~~بكر بن عياش قال: كان يوسف في الجب ثلاثة أيام. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ~~(وما أنت بمؤمن لنا) قال: بمصدق لنا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (وجاءوا على قميصه بدم كذب قال: كان دم سخلة. وأخرج ابن ~~جرير عن مجاهد مثله. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس (وجاءوا على قميصه بدم كذب) قال: لما أتى يعقوب ~~بقميص يوسف فلم ير فيه خرقا قال: كذبتم لو كان كما تقولون أكله الذئب لخرق ~~القميص. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا) قال: أمرتكم أنفسكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن قتادة في قوله (بل سولت لكم أنفسكم أمرا) يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمرا ~~(فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) أي على ما تكذبون. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا في كتاب الصبر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبان بن أبي ~~حبلة قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله (فصبر جميل) ~~قال: لا شكوى فيه، من بث لم يصبر " وهو من طريق هشيم عن عبد الرحمن عن حبان ~~بن أبي حبلة، وهو مرسل. # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله (فصبر جميل) قال: ليس فيه جزع. # و جاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلم وأسروه بضعة ~~والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من ~~الزاهدين (20) وقال الذي اشتريه من مصر لامرأته أكرمي مثويه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله ~~غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ولما بلغ أشده آتيناه حكما ~~وعلما و كذلك نجزى المحسنين (22). # هذا شروع في حكاية خلاص يوسف وما كان بعد ذلك ms1835 من خبره وقد تقدم تفسير ~~السيارة والمراد بها هنا رفقة مارة تسير من الشام إلى مصر، فأخطئوا الطريق ~~وهاموا حتى نزلوا قريبا من الجب، وكان في قفرة بعيدة PageV03P012 # العمران. والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم، وكان اسمه فيما ذكر ~~المفسرون مالك بن ذعر من العرب العاربة (فأدلى دلوه) أي أرسله، يقال أدلى ~~دلوه: إذا أرسلها ليملأها، ودلاها: إذا أخرجها قاله الأصمعي وغيره. # فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج الدلو من البئر أبصره الوارد ف‍ (قال يا ~~بشراى) هكذا قرأ أهل المدينة وأهل مكة وأهل البصرة، وأهل الشام بإضافة ~~البشرى إلى الضمير. وقرأ أهل الكوفة (يا بشرى) غير مضاف، ومعنى مناداته ~~للبشرى: أنه أراد حضورها في ذلك الوقت، فكأنه قال: هذا وقت مجيئك وأوان ~~حضورك، وقيل إنه نادى رجلا اسمه بشرى. والأول أولى. قال النحاس: والمعنى من ~~نداء البشرى التبشير لمن حضر، وهو أوكد من قولك بشرته كما تقول يا عجبا: أي ~~يا عجب هذا من أيامك فاحضر. قال: وهذا مذهب سيبويه (وأسروه) أي أسر الوارد ~~وأصحابه الذين كانوا معه يوسف فلم يظهروه لهم، وقيل إنهم لم يخفوه، بل ~~أخفوا وجدانه لهم في الجب، وزعموا أنه دفعه إليهم أهل الماء ليبيعوه لهم ~~بمصر، وقيل ضمير الفاعل في أسروه لإخوة يوسف، وضمير المفعول ليوسف، وذلك ~~أنه كان يأتيه أخوه يهوذا كل يوم بطعام، فأتاه يوم خروجه من البئر فأخبر ~~إخوته فأتوا الرفقة وقالوا: هذا غلام أبق منا فاشتروه منهم، وسكت يوسف ~~مخافة أن يأخذوه فيقتلوه. والأول أولى. # وانتصاب بضاعة على الحال: أي أخفوه حال كونه بضاعة: أي متاعا للتجارة، ~~والبضاعة: ما يبضع من المال: # أي يقطع منه لأنها قطعة من المال الذي يتجر به، قيل قاله لهم الوارد ~~وأصحابه أنه بضاعة استبضعناها من الشام مخافة أن يشاركوهم فيه، وفي قوله ~~(والله عليم بما يعملون) وعيد شديد لمن كان فعله سببا لما وقع فيه يوسف من ~~المحن وما صار فيه من الابتذال بجري البيع والشراء فيه، وهو الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم ابن الكريم: ms1836 يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كما قال ~~نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في وصفه بذلك. قوله (وشروه بثمن بخس دراهم ~~معدودة) يقال شراه بمعنى اشتراه. وشراه بمعنى باعه. قال الشاعر: # وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه أي بعته. # وقال آخر * فلما شراها فاضت العين عبرة * أي اشتراها * والمراد هنا: ~~وباعوه: اي باعه الوارد وأصحابه (بثمن بخس) أي ناقص أو زائف، وقيل يعود إلى ~~إخوة يوسف على القول السابق، وقيل عائد إلى الرفقة، والمعنى: اشتروه، وقيل ~~بخس: ظلم، وقيل حرام. قيل باعوه بعشرين درهما، وقيل بأربعين، ودراهم بدل من ~~ثمن: أي دنانير. ومعدودة وصف لدراهم، وفيه إشارة إلى أنها قليلة تعد ولا ~~توزن، لأنهم كانوا لا يزنون ما دون أوقية وهى أربعون درهما (وكانوا فيه من ~~الزاهدين) يقال زهدت وزهدت بفتح الهاء وكسرها. قال سيبويه والكسائي: قال ~~أهل اللغة: يقال زهد فيه: أي رغب عنه، وزهد عنه: أي رغب فيه. والمعنى: أنهم ~~كانوا فيه من الراغبين عنه الذين لا يبالون به فلذلك باعوه بذلك الثمن ~~البخس، وذلك لأنهم التقطوه، والملتقط للشئ: متهاون به، والضمير من كانوا ~~يرجع إلى ما قبله على حسب اختلاف الأقوال فيه (وقال الذي اشتراه من مصر) هو ~~العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان وزيرا لملك مصر، وهو الريان بن الوليد ~~من العمالقة، وقيل إن الملك هو فرعون موسى، قيل اشتراه بعشرين دينارا، وقيل ~~تزايدوا في ثمنه فبلغ أضعاف وزنه مسكا وعنبرا وحريرا وورقا وذهبا ولآلئ ~~وجواهر، فلما اشتراه العزيز قال (لامرأته) واللام متعلقة باشتراه (أكرمي ~~مثواه) أي منزله الذي يثوي فيه بالطعام الطيب واللباس الحسن، يقال ثوى ~~بالمكان: أي أقام به (عسى أن ينفعنا) أي يكفينا بعض المهمات مما نحتاج إلى ~~مثله فيه (أو نتخذه ولدا) أي نتبناه فنجعله ولدا لنا. قيل كان العزيز حصورا ~~لا يولد له، وقيل كان لا يأتي النساء، وقد كان تفرس فيه أنه ينوب عنه فيما ~~إليه PageV03P013 # من أمر المملكة. قوله (وكذلك مكنا ليوسف) الكاف في ms1837 محل نصب على أنه نعت ~~مصدر محذوف، والإشارة إلى ما تقدم من إنجائه من إخوته وإخراجه من الجب، ~~وعطف قلب العزيز عليه: أي مثل ذلك التمكين البديع مكنا ليوسف حتى صار ~~متمكنا من الأمر والنهى، يقال مكنه فيه: أي أثبته فيه، ومكن له فيه: أي: أي ~~جعل له فيه مكانا، ولتقارب المعنيين يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر. قوله ~~(ولنعلمه من تأويل الأحاديث) هو علة لمعلل محذوف كأنه قيل فعلنا ذلك ~~التمكين لنعلمه من تأويل الأحاديث أو كان ذلك الإنجاء لهذه العلة، أو معطوف ~~على مقدر، وهو أن يقال: مكنا ليوسف ليترتب على ذلك ما يترتب مما جرى بينه ~~وبين امرأة العزيز، ولنعلمه من تأويل الأحاديث، ومعنى تأويل الأحاديث: ~~تأويل الرؤيا فإنها كانت من الأسباب التي بلغ بها ما بلغ من التمكن، وقيل ~~معنى تأويل الأحاديث فهم أسرار الكتب الإلهية وسنن من قبله من الأنبياء، ~~ولا مانع من حمل ذلك على الجميع (والله غالب على أمره) أي على أمر نفسه لا ~~يمتنع منه شئ، ولا يغالبه عليه غيره من مخلوقاته - إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون -، ومن جملة ما يدخل تحت هذا العام كما يفيد ذلك إضافة ~~اسم الجنس إلى الضمير ما يتعلق بيوسف عليه السلام من الأمور التي أرادها ~~الله سبحانه في شأنه، وقيل معنى (والله غالب على أمره) أنه كان من أمر ~~يعقوب أن لا يقص رؤيا يوسف على إخوته، فغلب أمر الله سبحانه حتى قصت عليهم ~~حتى وقع منهم ما وقع، وهذا بعيد جدا (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي لا ~~يطلعون على غيب الله وما في طيه من الأسرار العظيمة والحكم النافعة، وقيل ~~المراد بالأكثر: الجميع لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وقيل إن الله سبحانه ~~قد يطلع بعض عبيده على بعض غيبه كما في قوله - فلا يظهر على غيبه أحدا إلا ~~من ارتضى من رسول -، وقيل المعنى: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله غالب على أمره وهم المشركون ومن لا ms1838 ~~يؤمن بالقدر. قوله (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما) الأشد. قال سيبويه: ~~جمع واحده شدة. وقال الكسائي: واحده شد. وقال أبو عبيد: إنه لا واحد له من ~~لفظه عند العرب، ويرده قول الشاعر: # عهدي به شد النهار * كأنما خضب البنان ورأسه بالعظلم والأشد: هو وقت ~~استكمال القوة ثم يكون بعده النقصان قيل هو ثلاث وثلاثون سنة وقيل بلوغ ~~الحلم وقيل ثماني عشرة سنة، وقيل غير ذلك مما قد قدمنا بيانه في النساء ~~والأنعام. والحكم: هو ما كان يقع منه من الأحكام في سلطان ملك مصر. والعلم: ~~هو العلم بالحكم الذي كان يحكمه، وقيل العقل والفهم والنبوة، وقيل الحكم: ~~هو النبوة، والعلم: هو العلم بالدين، وقيل علم الرؤيا. ومن قال إنه أوتى ~~النبوة صبيا قال: المراد بهذا الحكم والعلم الذي آتاه الله هو الزيادة ~~فيهما (وكذلك نجزى المحسنين) أي ومثل ذلك الجزاء العجيب نجزي المحسنين، فكل ~~من أحسن في عمله أحسن الله جزاءه، وجعل عاقبة الخير من جملة ما يجزيه به، ~~وهذه عام يدخل تحته جزاء يوسف على صبره الحسن دخولا أوليا. قال الطبري: هذا ~~وإن كان مخرجه ظاهرا على كل محسن فالمراد به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~يقول الله تعالى كما فعل هذا بيوسف ثم أعطيته ما أعطيته كذلك أنجيك من ~~مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة وأمكن لك في الأرض. والأولى ما ذكرناه ~~من حمل العموم على ظاهره فيدخل تحته ما ذكره ابن جرير الطبري. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن الضحاك في ~~قوله (وجاءت سيارة) قال: # جاءت سيارة فنزلت على الجب (فأرسلوا واردهم) فاستسقى الماء فاستخرج يوسف، ~~فاستبشروا بأنهم أصابوا غلاما لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه، فزهدوا ~~فيه فباعوه، وكان بيعه حراما، وباعوه بدراهم معدودة PageV03P014 # وأخرج عبد الرزاق وابن بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ~~(فأرسلوا واردهم) يقول: فأرسلوا رسولهم (فأدلى دلوه) فنشب الغلام بالدلو، ~~فلما خرج (قال يا بشراي هذا غلام) تباشروا به حين استخرجوه، ms1839 وهى بئر ببيت ~~المقدس معلوم مكانها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن السدي في قوله (يا بشراى) قال: كان اسم صاحبه بشرى كما تقول يا زيد، ~~وهذا على ما فيه من البعد لا يتم إلا على قراءة من قرأ يا بشرى بدون إضافة. ~~وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~(وأسروه بضاعة) يعني إخوة يوسف أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف ~~شأنه مخافة أن يقتله إخوته واختار البيع فباعه إخوته بثمن بخس. وأخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال: أسره التجار بعضهم من بعض. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه (وأسروه بضاعة) ~~قال: # صاحب الدلو ومن معه، قالوا لأصحابهم: إنا استبضعناه خيفة أن يشركوهم فيه ~~إن علموا به، واتبعهم إخوته يقولون للمدلى وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق ~~حتى وقفوا بمصر، فقال: من يبتاعني ويبشر، فابتاعه الملك والملك مسلم. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (وشروه) قال: إخوة يوسف باعوه حين ~~أخرجه المدلي دلوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~قال: بيع بينهم بثمن بخس، قال: # حرام لم يحل لهم بيعه، ولا أكل ثمنه. وأخرج ابن جرير عن قتادة (وشروه ~~بثمن بخس) قال: هم السيارة وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه قضى في ~~اللقيط أنه حر، وقرأ (وشروه بثمن بخس). وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: البخس ~~القليل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي مثله. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنما ~~اشترى يوسف بعشرين درهما، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلاثمائة وتسعين ~~إنسانا: رجالهم أنبياء، ونساؤهم صديقات، والله ما خرجوا مع موسى حتى بلغوا ~~ستمائة ألف وسبعين ألفا. وقد روى في مقدار ثمن يوسف غير هذا المقدار مما لا ~~حاجة إلى التطويل بذكره. وأخرج ابن جرير ms1840 وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وقال الذي اشتراه من مصر) قال: # كان اسمه قطفير. وأخرج أبو الشيخ عن شعيب الجبائي: أن اسم امرأة العزيز ~~زليخا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: الذي اشتراه ~~أطيفير بن روحب، وكان اسم امرأته راعيل بنت رعاييل. # وأخرج ابن جرير وابن إسحاق وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: اسم الذي باعه من ~~العزيز مالك بن ذعر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله (أكرمي مثواه) ~~قال: منزلته. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة مثله وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين ~~تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، ~~والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف ~~عمر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن مجاهد في قوله (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) قال: عبارة الرؤيا. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد ~~والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ولما بلغ أشده) قال: ~~ثلاثا وثلاثين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: أربعين سنة. وأخرج عن ~~عكرمة قال: خمسا وعشرين سنة. وأخرج عن السدي قال: ثلاثين سنة. وأخرج عن ~~سعيد بن جبير قال: ثمانية عشر سنة. وأخرج عن ربيعة قال: الحلم. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن ~~جرير عن الضحاك قال: عشرين PageV03P015 # سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد (آتيناه حكما وعلما) قال: هو ~~الفقه والعلم والعقل قبل النبوة. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (وكذلك نجزى المحسنين) قال: المهتدين. # و رودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال ms1841 معاذ ~~الله إنه ربى أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها ~~لولا أن رآ برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين (24) و استبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب ~~قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي ~~روادتنى عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رآ ~~قميصه قد من دبر قال إنه من كيد كن إن كيد كن عطيم (28) يوسف أعرض عن هذا ~~واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29). # المراودة الإرادة والطلب برفق ولين - وقيل هي مأخوذة من الرود: أي الرفق ~~والتأني، يقال أرودني: # أمهلني، وقيل المراودة مأخوذة من راد يرود: إذا جاء وذهب، كأن المعنى: ~~أنها فعلت في مراودتها له فعل المخادع، ومنه الرائد لمن يطلب الماء والكلأ، ~~وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن ~~نفسه: إذا حاول كل واحد منهما الوطء والجماع، وهى مفاعلة، وأصلها أن تكون ~~من الجانبين، فجعل السبب هنا في أحد الجانبين قائما مقام المسبب، فكأن يوسف ~~عليه السلام لما كان ما أعطيه من كمال الخلق والزيادة في الحسن سببا ~~لمراودة امرأة العزيز له مراود. وإنما قال (التي هو في بيتها) ولم يقل ~~امرأة العزيز، وزليخا قصدا إلى زيادة التقرير مع استهجان التصريح باسم ~~المرأة والمحافظة على الستر عليها (وغلقت الأبواب) قيل في هذه الصيغة ما ~~يدل على التكثير، فيقال غلق الأبواب، ولا يقال غلق الباب، بل يقال أغلق ~~الباب، وقد يقال أغلق الأبواب، ومنه قول الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء: # ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها * حتى أتيت أبا عمرو بن عمار قيل وكانت ~~الأبواب سبعة. قوله (هيت لك). قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي وحمزة والأعمش ~~بفتح الهاء وسكون الياء وفتح التاء، وبها قرأ ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن ms1842 ~~جبير والحسن ومجاهد وعكرمة. قال ابن مسعود: لا تنطعوا في القراءة، فإنما هو ~~مثل قول أحدكم هلم وتعال. وقرأ ابن أبي إسحاق النحوي بفتح الهاء وكسر ~~التاء. وقرأ عبد الرحمن السلمي وابن كثير هيت بفتح الهاء وضم التاء، ومنه ~~قول طرفة: # ليس قومي بالأبعدين إذا ما * قال داع من العشيرة هيت وقرأ أبو جعفر ونافع ~~بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء. وقرأ علي وابن عباس في رواية عنه وهشام ~~بكسر PageV03P016 # الهاء وبعدها همزة ساكنة وضم التاء. وقرأ ابن عامر وأهل الشام بكسر الهاء ~~وبالهمزة وفتح التاء. ومعنى هيت على جميع القراءات معنى هلم وتعال، لأنها ~~من أسماء الأفعال إلا في قراءة من قرأ بكسر الهاء بعدها همزة وتاء مضمومة، ~~فإنها بمعنى: تهيأت لك. وأنكر أبو عمرو هذه القراءة. وقال أبو عبيدة: سئل ~~أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء والهمزة وضم التاء فقال: باطل جعلها ~~بمعنى تهيأت اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحدا يقول ~~هكذا؟ وأنكرها أيضا الكسائي، وقال النحاس: هي جيدة عند البصريين، لأنه ~~يقال: # هاء الرجل يهاء ويهىء هيئة، ورجح الزجاج القراءة الأولى، وأنشد بيت طرفة ~~المذكور هيتا بالفتح، ومنه قول الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # أبلغ أمير المؤمنين * أخا العراق إذا أتيتا إن العراق وأهله * سلم إليك ~~فهيت هيتا وتكون اللام في (لك) على القراءات الأولى التي هي فيها بمعنى اسم ~~الفعل للبيان: أي لك. أقول هذا كما في هلم لك. قال النحويون: هيت جاء ~~بالحركات الثلاث: فالفتح للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم تشبيها ~~بحيث، وإذا بين باللام نحو هيت لك فهو صوت قائم مقام المصدر كأف له: أي لك ~~أقول هذا وإن لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر الفعل فيكون اسم فعل، ~~إما خبر: أي تهيأت، وإما أمر: أي أقبل. وقال في الصحاح: يقال هوت به وهيت ~~به إذا صاح به ودعاه، ومنه قول الشاعر: * يحذو بها كل فتى هيات * وقد روى ~~عن ابن عباس ms1843 والحسن أنها كلمة سريانية معناها أنها تدعوه إلى نفسها. قال ~~أبو عبيدة: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز ~~معناها تعال. قال أبو عبيدة: فسألت شيخا عالما من حوران فذكر أنها لغتهم ~~(قال معاذ الله) أي أعوذ بالله معاذا مما دعوتني إليه. فهو مصدر منتصب بفعل ~~محذوف مضاف إلى اسم الله سبحانه، وجملة (إنه ربى أحسن مثواي) تعليل ~~للامتناع الكائن منه ببعض الأسباب التي هي أقرب إلى فهم امرأة العزيز، ~~والضمير للشأن: أي إن الشأن ربي، يعني العزيز: أي سيدي الذي رباني وأحسن ~~مثواي حيث أمرك بقوله (أكرمي مثواه)، فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما ~~تريدين من ذلك؟ وقال الزجاج: إن الضمير لله سبحانه: أي إن الله ربي تولاني ~~بلطفه فلا أركب ما حرمه. وجملة (إنه لا يفلح الظالمون) تعليل آخر للامتناع ~~منه عن إجابتها، والفلاح: الظفر. والمعنى: أنه لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ~~ومن جملة الظالمين الواقعون في مثل هذه المعصية التي تطلبها امرأة العزيز ~~من يوسف. قوله (ولقد همت به وهم بها) يقال هم بالأمر: إذا قصده وعزم عليه. ~~والمعنى: أنه هم بمخالطتها كما همت بمخالطته ومال كل واحد منهما إلى الآخر ~~بمقتضى الطبيعة البشرية والجبلة الخلقية، ولم يكن من يوسف عليه السلام ~~القصد إلى ذلك اختيارا كما يفيده ما تقدم من استعاذته بالله، وإن ذلك نوع ~~من الظلم. ولما كان الأنبياء معصومين عن الهم بالمعصية والقصد إليها شطح ~~أهل العلم في تفسير هذه الآية بما فيه نوع تكلف، فمن ذلك ما قاله أبو حاتم ~~قال: كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن، فلما أتيت على (ولقد همت به وهم ~~بها) قال: هذا على التقديم والتأخير: كأنه قال: ولقد همت به ولولا أن رأى ~~برهان ربه لهم بها، وقال أحمد بن يحيى ثعلب: أي همت زليخا بالمعصية وكانت ~~مصرة، وهم يوسف ولم يوقع ما هم به، فبين الهمين فرق، ومن هذا قول الشاعر: # هممت بهم من ثنية لؤلؤ * شفيت غليلات الهوى من فؤاديا فهذا ms1844 إنما هو حديث ~~نفس من غير عزم، وقيل هم بها: أي هم بضربها، وقيل هم بها بمعنى تمنى أن ~~PageV03P017 # يتزوجها. وقد ذهب جمهور المفسرين من السلف والخلف إلى ما قدمنا من حمل ~~اللفظ على معناه اللغوي، ويدل على هذا ما سيأتي من قوله - ذلك ليعلم أنى لم ~~أخنه بالغيب -، وقوله - وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء - ومجرد الهم ~~لا ينافي العصمة، فإنها قد وقعت العصمة عن الوقوع في المعصية، وذلك ~~المطلوب، وجواب لو في (لولا أن رأى برهان ربه) محذوف: أي لولا أن رأى برهان ~~ربه لفعل ما هم به. # واختلف في هذا البرهان الذي رآه ما هو؟ فقيل إن زليخا قامت عند أن همت به ~~وهم بها إلى صنم لها في زاوية البيت فسترته بثوب فقال: ما تصنعين؟ قالت: ~~أستحي من إلهي هذا أن يراني على هذه الصورة، فقال يوسف: # أنا أولى أن أستحي من الله تعالى. وقيل إنه رأى في سقف البيت مكتوبا - ~~ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة - الآية، وقيل رأى كفا مكتوب عليها - وإن ~~عليكم لحافظين - وقيل إن البرهان هو تذكره عهد الله وميثاقه وما أخذه على ~~عباده، وقيل نودي: يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟ وقيل ~~رأى صورة يعقوب على الجدار عاضا على أنملته يتوعده، وقيل غير ذلك مما يطول ~~ذكره. والحاصل أنه رأى شيئا حال بينه وبين ما هم به قوله (كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء) الكاف نعت مصدر محذوف، والإشارة بذلك إلى الإراءة المدلول ~~عليها بقوله (لولا أن رأى برهان ربه) أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك: أي ~~مثل تلك الإراءة أريناه، أو مثل ذلك التثبيت ثبتناه (لنصرف عنه السوء) أي ~~كل ما يسوؤه، والفحشاء كل أمر مفرط القبح، وقيل السوء: الخيانة للعزيز في ~~أهله، والفحشاء: الزنا، وقيل السوء: الشهوة، والفحشاء: المباشرة، وقيل ~~السوء: الثناء القبيح. # والأولى الحمل على العموم فيدخل فيه ما يدل عليه السياق دخولا أوليا، ~~وجملة (إنه من عبادنا المخلصين) تعليل لما قبله. قرأ ابن عامر ms1845 وابن كثير ~~وأبو عمرو " المخلصين " بكسر اللام. وقرأ الآخرون بفتحها، والمعنى على ~~القراءة الأولى أن يوسف عليه السلام كان ممن أخلص طاعته لله، وعلى الثانية ~~أنه كان ممن استخلصه الله للرسالة، وقد كان عليه السلام مخلصا مستخلصا ~~(واستبقا الباب) أي تسابقا إليه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بالمفعول، أو ~~ضمن الفعل معنى فعل آخر يتعدى بنفسه كابتدرا الباب، وهذا الكلام متصل بقوله ~~(ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) وما بينهما اعتراض، ووجه ~~تسابقهما أن يوسف يريد الفرار والخروج من الباب، وامرأة العزيز تريد أن ~~تسبقه إليه لتمنعه، ووحد الباب هنا وجمعه فيما تقدم، لأن تسابقهما كان إلى ~~الباب الذي يخلص منه إلى خارج الدار (وقدت قميصه من دبر) أي جذبت قميصه من ~~ورائه فانشق إلى أسفله، والقد: القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولا، ~~والقط بالطاء يستعمل فيما كان عرضا، وقع منها ذلك عند أن فر يوسف لما رأى ~~برهان ربه فأرادت أن تمنعه من الخروج بجذبها لقميصه (وألفيا سيدها لدى ~~الباب) أي وجدا العزيز هنالك، وعنى بالسيد: الزوج لأن القبط يسمون الزوج ~~سيدا، وإنما لم يقل سيدهما، لأن ملكه ليوسف لم يكن صحيحا فلم يكن سيدا له، ~~وجملة (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ~~فما كان منهما عند أن ألفيا سيدها لدى الباب، وما استفهامية، والمراد ~~بالسوء هنا الزنا، قالت هذه المقالة طلبا منها للحيلة وللستر على نفسها، ~~فنسبت ما كان منها إلى يوسف: أي جزاء يستحقه من فعل مثل فعل هذا، ثم أجابت ~~عن استفهامها بقولها (إلا أن يسجن) أي ما جزاؤه إلا أن يسجن، ويحتمل أن ~~تكون ما نافية: أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم، قيل والعذاب ~~الأليم هو الضرب بالسياط، والظاهر أنه ما يصدق عليه العذاب الأليم من ضرب ~~أو غيره، وفي الإبهام للعذاب زيادة تهويل، وجملة (قال هي راودتني عن نفسي) ~~مستأنفة كالجملة الأولى. وقد تقدم بيان معنى المراودة: أي هي التي ms1846 طلبت منى ~~ذلك ولم أرد بها سوءا (وشهد شاهد من أهلها) PageV03P018 # أي من قرابتها وسمى الحكم بينهما شهادة لما يحتاج فيه من التثبت والتأمل، ~~قيل لما التبس الأمر على العزيز احتاج إلى حاكم يحكم بينهما ليتبين له ~~الصادق من الكاذب. قيل كان ابن عم لها واقفا مع العزيز في الباب، وقيل ابن ~~خال لها، وقيل إنه طفل في المهد تكلم. قال السهيلي: وهو الصحيح للحديث ~~الوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر من تكلم في المهد، ~~وذكر من جملتهم شاهد يوسف، وقيل إنه رجل حكيم كان العزيز يستشيره في أموره، ~~وكان من قرابة المرأة (إن كان قميصه قد من قبل) أي فقال الشاهد هذه المقالة ~~مستدلا على بيان صدق الصادق منهما وكذب الكاذب بأن قميص يوسف إن كان مقطوعا ~~من قبل: أي من جهة القبل (فصدقت) أي فقد صدقت بأنه أراد بها سوءا (وهو من ~~الكاذبين) في قوله إنها راودته عن نفسه. وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ~~" من قبل " بضم اللام. وكذا قرأ (من دبر) قال الزجاج: جعلاهما غايتين كقبل ~~وبعد كأنه قيل من قبله ومن دبره، فلما حذف المضاف إليه: وهو مراد صار ~~المضاف غاية بعد أن كان المضاف إليه هو الغاية (وإن كان قميصه قد من دبر) ~~أي من ورائه (فكذبت) في دعواها عليه (وهو من الصادقين) في دعواه عليها، ولا ~~يخفى أن هاتين الجملتين الشرطيتين لا تلازم بين مقدميهما وتالييهما، لا ~~عقلا ولا عادة، وليس هاهنا إلا مجرد أمارة غير مطردة، إذ من الجائز أن ~~تجذبه إليها وهو مقبل عليها فينقد القميص من دبر، وأن تجذبه وهو مدبر عنها ~~فينقد القميص من قبل (فلما رأى) أي العزيز (قميصه) أي قميص يوسف (قد من دبر ~~قال إنه) أي هذا الأمر الذي وقع فيه الاختلاف بينكما، أو أن قولك: " ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا " (من كيدكن) أي من جنس كيدكن يا معشر النساء (إن ~~كيدكن عظيم) والكيد: المكر والحيلة، ثم خاطب ms1847 العزيز يوسف عليه السلام بقوله ~~(يوسف أعرض عن هذا) أي عن هذا الأمر الذي جرى واكتمه ولا تتحدث به، ثم أقبل ~~عليها بالخطاب فقال (واستغفري لذنبك) الذي وقع منك (إنك كنت) بسبب ذلك (من ~~الخاطئين) أي من جنسهم، والجملة تعليل لما قبلها من الأمر بالاستغفار ولم ~~يقل من الخاطئات تغليبا للمذكر على المؤنث كما في قوله - وكانت من القانتين ~~- ومعنى من الخاطئين من المتعمدين، يقال خطئ إذا أذنب متعمدا، وقيل إن ~~القائل ليوسف ولامرأة العزيز بهذه المقالة هو الشاهد الذي حكم بينهما. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (وراودته التي هو في ~~بيتها عن نفسه) قال: هي امرأة العزيز. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ~~راودته حين بلغ مبلغ الرجال. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (هيت لك) قال: هلم لك تدعوه إلى ~~نفسها، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: هلم لك ~~بالقبطية، وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: هي كلمة بالسريانية: أي عليك. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: معناها تعال. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد: إنها لغة عربية تدعوه بها إلى ~~نفسها وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ " هئت ~~لك " مكسورة الهاء مضمومة التاء مهموزة قال: تهيأت لك. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (إنه ربى) قال: # سيدي، قال: يعنى زوج المرأة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس ~~قال: لما همت به تزينت ثم استلقت على فراشها، وهم بها جلس بين رجليها يحل ~~ثيابه، فنودي من السماء يا بن يعقوب لا تكن كطائر نتف ريشه فبقى لا ريش له، ~~فلم يتعظ على النداء ms1848 شيئا حتى رأى برهان ربه جبريل في صورة يعقوب عاضا على ~~أصبعه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله PageV03P019 # فوثب إلى الباب فوجده مغلقا، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى ~~فانفرج له واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه ~~فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب في ~~قوله (همت به وهم بها) قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان فيه من الطمع أن هم ~~أن يحل التكة، فقامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت ~~فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شئ تصنعين؟ فقالت: أستحي من إلهي ~~أن يراني على هذه السوءة، فقال يوسف: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا ~~أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: لا تناليها ~~مني أبدا، وهو البرهان الذي رأى. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (لولا أن رأى برهان ربه) قال: مثل له ~~يعقوب، فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقد أطال المفسرون في ~~تعيين البرهان الذي رآه، واختلفت أقوالهم في ذلك اختلافا كثيرا، وأخرج ابن ~~جرير عن زيد بن ثابت: قال السيد: الزوج، يعنى في قوله (وألفيا سيدها لدى ~~الباب). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد نحوه. وأخرج أبو ~~الشيخ عن ابن عباس في قوله (إلا أن يسجن أو عذاب أليم) قال: القيد. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (وشهد شاهد ~~من أهلها) قال: صبي أنطقه الله كان في الدار. وأخرج أحمد وابن جرير ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن ~~مريم ". # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ms1849 في قوله (وشهد شاهد من أهلها) قال: كان رجلا ~~ذا لحية. وأخرج الفريابي وابن جرير وأبو الشيخ عنه قال: # كان من خاصة الملك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: هو رجل ~~له فهم وعلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: ابن عم لها كان ~~حكيما. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: إنه ليس ~~بإنسي ولا جنى هو خلق من خلق الله. قلت: ولعله لم يستحضر قوله تعالى (من ~~أهلها). PageV03P020 # يقال نسوة بضم النون، وهى قراءة الأعمش والفضل وسليمان، ويقال نسوة بكسر ~~النون، وهى قراءة الباقين، والمراد جماعة من النساء، ويجوز التذكير في ~~الفعل المسند إليهن كما يجوز التأنيث، قيل: وهن امرأة ساقى العزيز وامرأة ~~خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه، وامرأة حاجبه. والفتى في كلام ~~العرب: الشاب، والفتاة: الشابة، والمراد به هنا: غلامها يقال فتاي وفتاتي: ~~أي غلامي وجاريتي، وجمله (قد شغفها حبا) في محل رفع على أنها خبر ثان ~~للمبتدأ، أو في محل نصب على الحال، ومعنى شغفها حبا: غلبها حبه، وقيل دخل ~~حبه في شغافها. قال أبو عبيدة: وشغاف القلب غلافه وهو جلدة عليه، وقيل هو ~~وسط القلب، وعلى هذا يكون المعنى: دخل حبه إلى شغافها فغلب عليه، وأنشد ~~الأصمعي قول الراجز: * يتبعها وهى له شغاف * وقرأ جعفر بن محمد وابن محيصن ~~والحسن " شعفها " بالعين المهملة. قال ابن الأعرابي: معناه أجرى حبه عليها. ~~وقرأ غيرهم بالمعجمة. قال الجوهري: شعفه الحب أحرق قلبه. وقال أبو زيد: ~~أمرضه. قال النحاس: معناه عند أكثر أهل اللغة: قد ذهب بها كل مذهب، لأن ~~شعاف الجبال: أعاليها، وقد شغف بذلك شغفا باسكان الغين المعجمة: # إذا ولع به، وأنشد أبو عبيدة بيت امرئ القيس: # أتقتلني من قد شغفت فؤادها * كما شغف المهنوة الرجل الطالي قال: فشبهت ~~لوعة الحب بذلك. وقرأ الحسن " قد شغفها " بضم الغين، قال النحاس: وحكى قد ~~شغفها بكسر الغين، ولا يعرف ذلك في كلام العرب إلا شغفها بفتح الغين، ms1850 ويقال ~~إن الشغاف: الجلدة اللاصقة بالكبد التي لا ترى، وهى الجلدة البيضاء، فكأنه ~~لصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالكبد، وجملة (إنا لنراها في ضلال مبين) ~~مقررة لمضمون ما قبلها. والمعنى: إنا لنراها: أي نعلمها في فعلها هذا، وهو ~~المراودة لفتاها قبل في ضلال عن طريق الرشد والصواب مبين: واضح لا يلتبس ~~على من نظر فيه (فلما سمعت) امرأة العزيز (بمكرهن) أي بغيبتهن إياها، سميت ~~الغيبة مكرا لاشتراكهما في الإخفاء، وقيل أردن أن يتوسلن بذلك إلى رؤية ~~يوسف، فلهذا سمى قولهن مكرا، وقيل إنها أسرت عليهن فأفشين سرها فسمى ذلك ~~مكرا (أرسلت إليهن) أي تدعوهن إليها لينظرن إلى يوسف حتى يقعن فيما وقعت ~~فيه (وأعتدت لهن متكأ) أي هيأت لهن مجالس يتكئن عليها، وأعتدت من الاعتداد، ~~وهو كل ما جعلته عدة لشئ. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير " متكا " مخففا غير ~~مهموز، والمتك: هو الأترج بلغة القبط، ومنه قول الشاعر: # نشرب الإثم بالصواع جهارا * وترى المتك بيننا مستعارا وقيل إن ذلك هو لغة ~~أزدشنوءة، وقيل حكى ذلك عن الأخفش. وقال الفراء: إنه ماء الورد. وقرأ ~~الجمهور " متكأ " بالهمز والتشديد، وأصح ما قيل فيه إنه المجلس، وقيل هو ~~الطعام، وقيل المتكأ كل ما اتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث، وحكى ~~القتيبي أنه يقال اتكأنا عند فلان: أي أكلنا، ومنه قول الشاعر: # فظللنا بنعمة واتكأنا * وشربنا الحلال من قلله ويؤيد هذا قوله (وآتت كل ~~واحدة منهن سكينا) فإن ذلك إنما يكون لشئ يأكلنه بعد أن يقطعنه، والسكين ~~تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء. قال الجوهري: والغالب عليه التذكير، ~~والمراد من إعطائها لكل واحدة سكينا أن يقطعن ما يحتاج إلى التقطيع من ~~الأطعمة، ويمكن أنها أرادت بذلك ما سيقع منهن من تقطيع أيديهن (وقالت) ~~ليوسف (اخرج عليهن) أي في تلك الحالة التي هن عليها من الاتكاء والأكل ~~وتقطيع ما يحتاج إلى التقطيع من الطعام. قوله (فلما رأينه أكبرنه) أي ~~عظمنه، وقيل أمذين، ومنه قول الشاعر: PageV03P021 # إذا ما رأين الفحل من فوق قلة * صهلن وأكبرن ms1851 المنى المقطرا وقيل حضن. قال ~~الأزهري: أكبرن بمعنى حضن، والهاء للسكت، يقال أكبرت المرأة: أي دخلت في ~~الكبر بالحيض، وقع منهن ذلك دهشا وفزعا لما شاهدنه من جماله الفائق، وحسنه ~~الرائق، ومن ذلك قول الشاعر: # نأتي النساء على أطهارهن ولا * نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا وأنكر ذلك ~~أبو عبيدة وغيره وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب. قال الزجاج: يقال أكبرنه ~~ولا يقال حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض. وأجاب الأزهري فقال: يجوز أن ~~تكون هاء الوقف لا هاء الكناية. وقد زيف هذا بأن هاء الوقف تسقط في الوصل. ~~وقال ابن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل: أي أكبرن إكبارا بمعنى ~~حضن حيضا (وقطعن أيديهن) أي جرحنها، وليس المراد به القطع الذي تبين منه ~~اليد، بل المراد به الخدش والحز، وذلك معروف في اللغة كما قال النحاس، يقال ~~قطع يد صاحبه: إذا خدشها، وقيل المراد بأيديهن هنا: أناملهن، وقيل أكمامهن. ~~والمعنى: أنه لما خرج يوسف عليهن أعظمنه ودهشن وراعهن حسنه حتى اضطربت ~~أيديهن فوقع القطع عليها وهن في شغل عن ذلك بما دهمهن، مما تطيش عنده ~~الأحلام وتضطرب له الأبدان وتزول به العقول (وقلن حاشا لله) كذا قرأ أبو ~~عمرو بن العلاء بإثبات الألف في حاشا. وقرأ الباقون بحذفها. وقرأ الحسن " ~~حاش لله " بإسكان الشين. وروى عنه أنه قرأ " حاش الإله " وقرأ ابن مسعود ~~وأبي " حاشا الله ". قال الزجاج: وأصل الكلمة من الحاشية بمعنى الناحية، ~~تقول كنت في حاشية فلان: أي في ناحيته، فقولك حاشا لزيد من هذا: أي تباعد ~~منه. وقال أبو علي: هو من المحاشاة: وقيل إن حاش حرف. وحاشا فعل، وكلام أهل ~~النحو في هذه الكلمة معروف، ومعناها هنا التنزيه كما تقول: أسى القوم حاشا ~~زيدا، فمعنى حاشا لله: براءة لله وتنزيه له. قوله (ما هذا بشرا) إعمال " ما ~~" عمل ليس هي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن كهذه الآية، وكقوله سبحانه - ~~ما هن أمهاتهم -، وأما بنو تميم فلا يعملونها عمل ليس. وقال الكوفيون: أصله ~~ما هذا ببشر، ms1852 فلما حذفت الباء انتصب. قال أحمد بن يحيى ثعلب: إذا قلت ما ~~زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض. وأما الخليل ~~وسيبويه وجمهور النحويين فقد أعملوها عمل ليس، وبه قال البصريون والبحث ~~مقرر في كتب النحو بشواهده وحججه، وإنما نفين عنه البشرية لأنه قد برز في ~~صورة قد لبست من الجمال البديع ما لم يعهد على أحد من البشر، ولا أبصر ~~المبصرون ما يقاربه في جميع الصور البشرية ثم لما نفين عنه البشرية لهذه ~~العلة أثبتن له الملكية وإن كن لا يعرفن الملائكة لكنه قد تقرر في الطباع ~~أنهم على شكل فوق شكل البشر في الذات والصفات وأنهم فائقون في كل شئ. كما ~~تقرر أن الشياطين على العكس من ذلك، ومن هذا قول الشاعر: # فلست لإنسي ولكن لملأك * تنزل من جو السماء يصوت * وقرأ الحسن " ما هذا ~~بشراء " على أن الباء حرف جر، والشين مكسورة: أي ما هذا بعبد يشترى، وهذه ~~قراءة ضعيفة لا تناسب ما بعدها من قوله (إن هذا إلا ملك كريم). واعلم أنه ~~لا يلزم من قول النسوة هذا أن الملائكة صورهم أحسن من صور بني آدم، فإنهن ~~لم يقلنه لدليل، بل حكمن على الغيب بمجرد الاعتقاد المرتكز عند في طباعهن ~~وذلك ممنوع، فإن الله سبحانه يقول - لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم -. ~~وظاهر هذا أنه لم يكن شئ مثله من أنواع المخلوقات في حسن تقويمه وكمال ~~صورته، فما قاله صاحب الكشاف في هذا المقام هو من جملة تعصباته لما رسخ في ~~عقله من أقوال المعتزلة، على أن هذه المسألة: أعني مسألة المفاضلة بين ~~الملائكة والبشر ليست من مسائل PageV03P022 # الدين في ورد ولا صدر، فما أغنى عباد الله عنها وأحوجهم إلى غيرها من ~~مسائل التكليف (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه) الإشارة إلى يوسف. والخطاب ~~للنسوة: أي عيرتنني فيه. قالت لهن هذا لما رأت افتتانهن بيوسف إظهارا لعذر ~~نفسها، ومعنى فيه: أي في حبه، وقيل الإشارة إلى الحب، والضمير له أيضا، ~~والمعنى: فذلك الحب الذي ms1853 لمتنني فيه هو ذلك الحب، والأول أولى. ورجحه ابن ~~جرير. وأصل اللوم: الوصف بالقبيح. ثم لما أظهرت عذر نفسها عند النسوة بما ~~شاهدته مما وقعن فيه عند ظهوره لهن ضاق صدرها عن كتم ما تجده في قلبها من ~~حبه. فأقرت بذلك وصرحت بما وقع منها من المراودة له، فقالت (ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم) أي استعف وامتنع مما أريده طالبا لعصمة نفسه عن ذلك، ثم ~~توعدته إن لم يفعل ما تريده كاشفة لجلباب الحياء هاتكة لستر العفاف فقالت ~~(ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) أي لئن لم يفعل ما قد ~~أمرته به فيما تقدم ذكره عند أن غلقت الأبواب وقالت هيت لك ليسجنن: أي ~~يعتقل في السجن وليكونن من الصاغرين الأذلاء لما يناله من الإهانة. ويسلب ~~عنه من النعمة والعزة في زعمها، قرىء " ليكونن " بالتثقيل والتخفيف قيل ~~والتخفيف أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفا على حكم الوقف. وذلك لا يكون ~~إلا في الخفيفة، وأما ليسجنن فبالتثقيل لا غير. فلما سمع يوسف مقالها هذا، ~~وعرف أنها عزمة منها مع ما قد علمه من نفاذ قولها عند زوجها العزيز قال ~~مناجيا لربه سبحانه (رب السجن) أي يا رب السجن الذي أوعدتني هذه به (أحب ~~إلى مما يدعونني إليه) من مؤاتاتها والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب ~~بخير الدنيا والآخرة. قال الزجاج: أي دخول السجن، فحذف المضاف. وحكى أبو ~~حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ " السجن " بفتح السين. وقرأ كذلك ~~ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب، وهو مصدر سجنه سجنا، وإسناد ~~الدعوة إليهن جميعا، لأن النسوة رغبنه يكون في مطاوعتها وخوفنه من ~~مخالفتها، ثم جرى على هذا في نسبته الكيد إليهن جميعا، فقال (وإلا تصرف عنى ~~كيدهن) أما الكيد من امرأة العزيز فما قد قصه الله سبحانه في هذه السورة، ~~وأما كيد سائر النسوة فهو ما تقدم من الترغيب له في المطاوعة والتخويف من ~~المخالفة، وقيل إنها كانت كل واحدة تخلو به وحدها وتقول له: ms1854 يا يوسف اقض لي ~~حاجتي فأنا خير لك من امرأة العزيز، وقيل إنه خاطب امرأة العزيز بما يصلح ~~لخطاب جماعة النساء تعظيما لها، أو عدولا عن التصريح إلى التعريض، والكيد: ~~الاحتيال، وجزم (أصب إليهن) على أنه جواب الشرط: أي أمل إليهن، من صبا ~~يصبو: إذا مال واشتاق، ومنه قول الشاعر: # إلى هند صبا قلبي * وهند حبها يصبي (وأكن من الجاهلين) معطوف على أصب: أي ~~أكن ممن يجهل ما يحرم ارتكابه ويقدم عليه، أو ممن يعمل عمل الجهال. قوله ~~(فاستجاب له ربه) لما قال: وإلا تصرف عنى كيدهن كان ذلك منه تعرضا للدعاء، ~~وكأنه قال: اللهم اصرف عني كيدهن، فالاستجابة من الله تعالى له هي بهذا ~~الاعتبار، لأنه لم يتقدم دعاء صريح منه عليه السلام، والمعنى: أنه لطف به ~~وعصمه عن الوقوع في المعصية. لأنه إذا صرف عنه كيدهن لم يقع شئ مما رمنه ~~منه، ووجه إسناد الكيد قد تقدم، وجملة (إنه هو السميع العليم) تعليل لما ~~قبلها من صرف كيد النسوة عنه: # أي إنه هو السميع لدعوات الداعين له: العليم بأحوال الملتجئين إليه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (قد شغفها) قال: ~~غلبها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه (قد شغفها) قال: قتلها حب يوسف، ~~الشغف: الحب القاتل، والشعف: حب دون ذلك، والشغاف: حجاب القلب. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا (قد شغفها) قال: قد علقها. وأخرج PageV03P023 # ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (فلما سمعت بمكرهن) قال: ~~بحديثهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان (فلما سمعت بمكرهن) قال: بعملهن، وكل ~~مكر في القرآن فهو عمل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ في قوله (وأعتدت لهن متكأ) قال: هيأت لهن مجلسا، وكان سنتهم إذا ~~وضعوا المائدة أعطوا كل إنسان سكينا يأكل بها (فلما رأينه) قال: فلما خرج ~~عليهن يوسف (أكبرنه) قال: أعظمنه ونظرن إليه، وأقبلن يحززن أيديهن ~~بالسكاكين وهن يحسبن أنهن يقطعن الطعام. وأخرج ابن جرير ms1855 وابن مردويه عن ابن ~~عباس (وأعتدت لهن متكأ) قال: أعطتهن أترنجا، وأعطت كل واحدة منهن سكينا، ~~فلما رأين يوسف أكبرنه، وجعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترنج. ~~وأخرج مسدد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~عنه المتكأ: الأترنج. وكان يقرؤها خفيفة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر عن مجاهد (متكأ) قال: طعاما. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عنه ~~قال هو الأترنج. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: هو كل شئ يقطع بالسكين. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد ~~العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد قال حدثني أبي عن جدي يقول في قوله ~~(فلما رأينه أكبرنه) قال: أمنين. وأنشد: # ولما رأته الخيل من رأس شاهق * صهلن وأمنين المني المدفقا وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~عن أبيه عن جده ابن عباس في قوله (فلما رأينه أكبرنه) قال: لما خرج عليهن ~~يوسف حضن من الفرح وذكر قول الشاعر الذي قدمنا ذكره * نأتي النساء لدى ~~أطهارهن... * البيت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (أكبرنه) قال: أعظمنه (وقطعن أيديهن) ~~قال: حزا بالسكين حتى ألقينها (وقلن حاشا لله) قال: معاذ الله. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ~~(إن هذا إلا ملك كريم) قال: قلن ملك من الملائكة من حسنه. وأخرج أبو الشيخ ~~عن منبه عن أبيه قال: مات من النسوة التي قطعن أيديهن تسع عشرة امرأة كمدا. ~~وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: أعطى يوسف وأمه شطر الحسن وقد وردت روايات عن ~~جماعة من السلف في وصف حسن يوسف، والمبالغة في ذلك، ففي بعضها أنه أعطى نصف ~~الحسن، وفي ms1856 بعضها ثلثه، وفي بعضها ثلثيه، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (فاستعصم) قال: امتنع. وأخرج ابن جرير ~~وأبو الشيخ عن قتادة (فاستعصم) قال: فاستعصى. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله (وإلا تصرف عنى كيدهن) ~~قال: إن لا تكن منك أنت القوى والمنعة لا تكن مني ولا عندي. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ (أصب إليهن) قال: أتبعهن وأخرج أبو الشيخ عن ابن ~~عباس قال: أطاوعهن. # سورة يوسف الآية (35 36) PageV03P024 # سورة يوسف الآية (37 40) معنى (بدا لهم) ظهر لهم، والضمير للعزيز وأصحابه ~~الذين يدبرون الأمر معه ويشيرون عليه، وأما فاعل (بدا لهم) فقال سيبويه هو ~~ليسجننه: أي ظهر لهم أن يسجنوه. قال المبرد: وهذا غلط لأن الفاعل لا يكون ~~جملة، ولكن الفاعل ما دل عليه " بدا " وهو المصدر كما قال الشاعر: وحق لمن ~~أبو موسى أبوه * يوفقه الذي نصب الجبالا أي وحق الحق فحذف الفاعل لدلالة ~~الفعل عليه - وقيل الفاعل المحذوف هو رأي: أي وظهر لهم رأي لم يكونوا ~~يعرفونه من قبل، وهذا الفاعل حذف لدلالته ليسجننه عليه. واللام في ليسجننه ~~جواب قسم محذوف على تقدير القول: أي ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين ~~والله ليسجننه. وقرئ " لتسجننه " بالمثناة الفوقية على الخطاب. إما للعزيز ~~ومن معه، أو له وحده على طريق التعظيم. والآيات قيل هي القميص وشهادة ~~الشاهد وقطع الأيدي، وقيل هي البركات التي فتحها الله عليهم بعد وصول يوسف ~~إليهم ولم يجد ذلك فيهم بل كانت امرأته هي الغالبة على رأيه الفاعلة لما ~~يطابق هواها في يوسف. وإنفاذ ما تقدم منها من الوعيد له بقولها - ولئن لم ~~يفعل ما آمره به ليسجنن وليكونا من الصاغرين - قيل وسبب ظهور هذا الرأي لهم ~~في سجن يوسف أنهم أرادوا ستر القالة، وكتم ما شاع في الناس من قصة امرأة ~~العزيز معه، وقيل إن العزيز قصد بسجنه الحيلولة بينه وبين امرأته لما علم ~~أنها قد صارت بمكان من ms1857 حبه لا تبالي معه بحمل نفسها عليه على أي صفة كانت، ~~ومعنى قوله (حتى حين) إلى مدة غير معلومة كما قاله أكثر المفسرين، وقيل إلى ~~انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد بن جبير: إلى سبع سنين. وقيل إلى خمس. ~~وقيل إلى ستة أشهر، وقد تقدم في البقرة الكلام في تفسير الحين، وحتى بمعنى ~~إلى. # قوله (ودخل معه السجن فتيان، في الكلام حذف متقدم عليه، والتقدير: وبدا ~~لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين فسجنوه، ودخل معه السجن فتيان، ~~ومع للمصاحبة، وفتيان تثنية فتى، وذلك يدل على أنهما عبدان له، ويحتمل أن ~~يكون الفتى اسما للخادم وإن لم يكن مملوكا، وقد قيل إن أحدهما خباز الملك، ~~والآخر ساقيه، وقد كانا وضعا للملك سما لما ضمن لهما أهل مصر مالا في ~~مقابلة ذلك، ثم إن الساقي رجع عن ذلك وقال للملك: لا تأكل الطعام فإنه ~~مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب ~~PageV03P025 # فشرب فلم يضره، وقال للخباز كل فأبى، فجرب الطعام على حيوان فهلك مكانه ~~فحبسهما، وكان دخولهما السجن مع دخول يوسف، وقيل قبله، وقيل بعده. قال ابن ~~جرير: إنهما سألا يوسف عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا، فسألاه عن رؤياهما ~~كما قص الله سبحانه (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا) أي رأيتني، والتعبير ~~بالمضارع لاستحضار الصورة. والمعنى: إني أراني أعصر عنبا، فسماه باسم ما ~~يؤول إليه لكونه المقصود من العصر. # وفي قراءة ابن مسعود أعصر عنبا. قال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن سليمان ~~أنه لقى أعرابيا ومعه عنب، فقال له: # ما معك؟ فقال خمر. وقيل معنى أعصر خمرا: أي عنب خمر، فهو على حذف المضاف، ~~وهذا الذي رأى هذه الرؤيا هو الساقي، وهذه الجملة مستأنفة بتقدير سؤال، ~~وكذلك الجملة التي بعدها وهى (وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا) ثم ~~وصف الخبز هذا بقوله (تأكل الطير منه) وهذا الرائي لهذه الرؤيا هو الخباز، ~~ثم قالا ليوسف جميعا بعد أن قصا رؤياهما عليه (نبئنا ms1858 بتأويله) أي بتأويل ما ~~قصصناه عليك من مجموع المرئيين، أو بتأويل المذكور لك من كلامنا، وقيل إن ~~كل واحد منهما قال له ذلك عقب قص رؤياه عليه، فيكون الضمير راجعا إلى ما ~~رآه كل واحد منهما، وقيل إن الضمير في بتأويله موضوع موضع اسم الإشارة، ~~والتقدير بتأويل ذلك (إنا نراك من المحسنين) أي من الذين يحسنون عبارة ~~الرؤيا وكذا قال الفراء: إن معنى من المحسنين من العالمين الذين أحسنوا ~~العلم. وقال ابن إسحاق: من المحسنين إلينا إن فسرت ذلك، أو من المحسنين إلى ~~أهل السجن، فقد روى أنه كان كذلك، وجملة (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى ذلك أنه ~~يعلم شيئا من الغيب، وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام إلا أخبرهما بماهيته ~~قبل أن يأتيهما، وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه، بل جعله ~~عليه السلام مقدمة قبل تعبيره لرؤياهما بيانا لعلو مرتبته في العلم، وأنه ~~ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظن وتخمين، فهو كقول عيسى عليه ~~السلام - وأنبئكم بما تأكلون - وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل ~~الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من ~~الكفر، ومعنى ترزقانه: يجري عليهما من جهة الملك أو غيره، والجملة صفة ~~لطعام، أو يرزقكما الله سبحانه. # والاستثناء بقوله (إلا نبأتكما بتأويله) مفرغ من أعم الأحوال: أي لا ~~يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما: أي بينت لكما ماهيته ~~وكيفيته قبل أن يأتيكما، وسماه تأويلا بطريق المشاكلة، لأن الكلام في تأويل ~~الرؤيا، أو المعنى: إلا نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبركما ~~به للواقع، والإشارة بقوله (ذلكما) إلى التأويل، والخطاب للسائلين له عن ~~تعبير رؤياهما (مما علمني ربى) بما أوحاه إلي وألهمني إياه لا من قبيل ~~الكهانة والتنجيم ونحو ذلك مما يكثر فيه الخطأ، ثم بين لهما أن ذلك الذي ~~ناله من هذه الرتبة العلية والعلوم الجمة هو بسبب ms1859 ترك الملة التي لا يؤمن ~~أهلها بالله ولا بالآخرة واتباعه لملة الأنبياء من آبائه فقال (إني تركت ~~ملة قوم لا يؤمنون بالله) وهو كلام مستأنف يتضمن التعليل لما قبله، والمراد ~~بالترك هو عدم التلبس بذلك من الأصل، لا أنه قد كان تلبس به، ثم تركه كما ~~يدل عليه قوله (ما كان لنا أن نشرك بالله) ثم وصف هؤلاء القوم بما يدل على ~~تصلبهم في الكفر وتهالكهم عليه. فقال (وهم بالآخرة هم كافرون) أي هم مختصون ~~بذلك دون غيرهم لإفراطهم في الكفر بالله. # وقوله (واتبعت) معطوف على تركت، وسماهم آباء جميعا لأن الأجداد آباء، ~~وقدم الجد الأعلى، ثم الجد الأقرب ثم الأب لكون إبراهيم هو أصل هذه الملة ~~التي كان عليها أولاده ثم تلقاها عنه إسحاق ثم يعقوب. وهذا منه عليه السلام ~~لترغيب صاحبيه في الإيمان بالله (ما كان لنا أن نشرك بالله) أي ما صح لنا ~~ذلك فضلا عن وقوعه. # والضمير في لنا له وللأنبياء المذكورين، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ~~الإيمان المفهوم من قوله ما كان لنا أن نشرك PageV03P026 # بالله، و (من فضل الله علينا) خبر اسم الإشارة: أي ناشئ من تفضلات الله ~~علينا ولطفه بنا بما جعله لنا من النبوة المتضمنة للعصمة عن معاصيه، ومن ~~فضل الله على الناس كافة ببعثة الأنبياء إليهم وهدايتهم إلى ربهم وتبيين ~~طرائق الحق لهم (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) الله سبحانه على نعمه التي ~~أنعم بها عليهم فيؤمنون به ويوحدونه ويعملون بما شرعه لهم، قوله (يا صاحبي ~~السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) جعلهما مصاحبين للسجن ~~لطول مقامهما فيه، وقيل المراد: يا صاحبي في السجن، لأن السجن ليس بمصحوب ~~بل مصحوب فيه، وأن ذلك من باب يا سارق الليلة. وعلى الأول يكون من باب قوله ~~- أصحاب الجنة أصحاب النار - والاستفهام للإنكار مع التقريع والتوبيخ، ~~ومعنى التفرق هنا هو التفرق في الذوات والصفات والعدد: أي هل الأرباب ~~المتفرقون في ذواتهم المختلفون في صفاتهم المتنافون في عددهم خير لكما يا ~~صاحبي السجن، أم ms1860 الله المعبود بحق المتفرد في ذاته وصفاته الذي لا ضد له ~~ولا ند ولا شريك، القهار الذي لا يغالبه مغالب ولا يعانده معاند؟ أورد يوسف ~~عليه السلام على صاحبي السجن هذه الحجة القاهرة على طريق الاستفهام، لأنهما ~~كانا ممن يعبد الأصنام، وقد قيل إنه كان بين أيديهما أصنام يعبدونها عند أن ~~خاطبهما بهذا الخطاب، ولهذا قال لهما (ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها) أي إلا أسماء فارغة سميتموها ولا مسميات لها، وإن كنتم تزعمون أن ~~لها مسميات، وهى الآلهة التي تعبدونها، لكنها لما كانت لا تستحق التسمية ~~بذلك صارت الأسماء كأنها لا مسميات لها، وقيل المعنى: # ما تعبدون من دون الله إلا مسميات أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من تلقاء ~~أنفسكم، وليس لها من الإلهية شئ إلا مجرد الأسماء لكونها جمادات لا تسمع ~~ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، وإنما قال (ما تعبدون) على خطاب الجمع وكذلك ما ~~بعده من الضمائر، لأنه قصد خطاب صاحبي السجن ومن كان على دينهم، ومفعول ~~سميتموها الثاني محذوف: أي سميتموها آلهة من عند أنفسكم (ما أنزل الله بها) ~~أي بتلك التسمية (من سلطان) من حجة تدل على صحتها (إن الحكم إلا لله) أي ما ~~الحكم إلا لله في العبادة، فهو الذي خلقكم وخلق هذه الأصنام التي جعلتموها ~~معبودة بدون حجة ولا برهان، وجملة (أمر ألا تعبدوا إلا إياه) مستأنفة، ~~والمعنى: أنه أمركم بتخصيصه بالعبادة دون غيره مما تزعمون أنه معبود، ثم ~~بين لهم أن عبادته وحده دون غيره هي دين الله الذي لا دين غيره فقال (ذلك) ~~أي تخصيصه بالعبادة (الدين القيم) أي المستقيم الثابت (ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) أن ذلك هو دينه القويم، وصراطه المستقيم، لجهلكم وبعدكم عن ~~الحقائق. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: سألت ابن عباس عن قوله ~~(ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) فقال: ما سألني عنها أحد قبلك، من ~~الآيات قد القميص وأثرها في جسده، وأثر السكين، وقالت امرأة العزيز إن أنت ms1861 ~~لم تسجنه ليصدقنه الناس. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال: من الآيات كلام ~~الصبي. # وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: الآيات حزهن أيديهن وقد القميص. # وأقول: إن كان المراد بالآيات: الآيات الدالة على براءته فلا يصح عد قطع ~~أيدي النسوة منها، لأنه وقع منهن ذلك لما حصل لهن من الدهشة عند ظهوره لهن ~~مع ما ألبسه الله سبحانه من الجمال الذي تنقطع عند مشاهدته عري الصبر وتضعف ~~عند رؤيته قوى التجلد. وإن كان المراد الآيات الدالة على أنه قد أعطى من ~~الحسن ما يسلب عقول المبصرين، ويذهب بإدراك الناظرين، فنعم يصح عد قطع ~~الأيدي من جملة الآيات، ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن ~~عباس قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: أما أول مرة فبالحبس لما كامن همه بها، ~~والثانية لقوله PageV03P027 # - اذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين - عوقب بطول الحبس، والثالثة ~~حيث قال - أيتها العير إنكم لسارقون - فاستقبل في وجهه - إن يسرق فقد سرق ~~أخ له من قبل - وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ودخل معه السجن ~~فتيان قال أحدهما) خازن الملك على طعامه، والآخر ساقيه على شرابه. وأخرج ~~ابن جرير عنه في قوله (إني أراني أعصر خمرا) قال: عنبا. وأخرج ابن جرير ~~وأبو الشيخ عن مجاهد (نبئنا بتأويله) قال: # عبارته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (إنا ~~نراك من المحسنين) قال: كان إحسانه فيما ذكر لنا أنه كان يعزي حزينهم ~~ويداوي مريضهم، ورأوا منه عبادة واجتهادا فأحبوه. وأخرج سعيد ابن منصور ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن ~~الضحاك قال: كان إحسانه أنه إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق ~~عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: ~~دعا يوسف لأهل السجن فقال: اللهم لا تعم ms1862 عليهم الأخبار وهون عليهم مر ~~الأيام. # وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله ~~(لا يأتيكما طعام) الآية قال: # كره العبارة لهما فأجابهما بغير جوابهما ليريهما أن عنده علما، وكان ~~الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما فأرسل به إليه، فقال يوسف ~~(لا يأتيكما طعام ترزقانه) إلى قوله (يشكرون) فلم يدعه صاحبا الرؤيا حتى ~~يعبر لهما، فكره العبارة فقال (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون) إلى قوله ~~(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) قال: فلم يدعاه فعبر لهما. وأخرج ابن جرير ~~وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس) قال: إن ~~المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله، ويشكر ما بالناس من نعم الله، ذكر لنا أن ~~أبا الدرداء كان يقول: # يا رب شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري، ويا رب حامل فقه غير فقيه. وأخرج ~~ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (أأرباب متفرقون) الآية قال: لما عرف ~~يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما وإلى نصيبهما من آخرتهما. ~~وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله (ذلك الدين القيم) قال: العدل، فقال: # سورة يوسف الآية (41 42) هذا هو بيان ما طلباه منه من تعبير رؤياهما. ~~والمراد بقوله (أما أحدكما) هو الساقي، وإنما أبهمه لكونه مفهوما أو لكراهة ~~التصريح للخباز بأنه الذي سيصلب (فيسقى ربه خمرا) أي مالكه. وهى عهدته التي ~~كان قائما بها في خدمة الملك، فكأنه قال: أما أنت أيها الساقي فستعود فلا ~~إلى ما كنت عليه ويدعو بك الملك ويطلقك من الحبس (وأما الآخر) وهو الخباز ~~(فيصلب فتأكل الطير من رأسه) تعبيرا لما رآه من أنه يحمل فوق رأسه خبزا ~~فتأكل الطير منه (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان) وهو ما رأياه وقصاه عليه، ~~يقال استفتاه: إذا طلب منه بيان حكم شئ سأله عنه مما أشكل عليه، وهما قد ~~سألاه تعبير ما أشكل عليهما من الرؤيا (وقال للذي ظن أنه ناج ms1863 منهما) أي قال ~~يوسف، والظان هو أيضا يوسف، والمراد بالظن العلم لأنه قد علم من الرؤيا ~~نجاة الشرابي وهلاك الخباز، هكذا قال جمهور المفسرين - وقبل الظاهر على ~~معناه، لأن عابر الرؤيا إنما يظن ظنا، والأول أولى وأنسب بحال PageV03P028 # الأنبياء. ولا سيما وقد أخبر عن نفسه عليه السلام بأنه قد أطلعه الله على ~~شئ من علم الغيب كما في قوله لا يأتيكما طعام ترزقانه " الآية، وجملة ~~(اذكرني عند ربك) هي مقول القول أمره بأن يذكره عند سيده ويصفه بما شاهده ~~منه من جودة التعبير والاطلاع على شئ من علم الغيب، وكانت هذه المقالة منه ~~عليه السلام صادرة عن ذهول ونسيان عن ذكر الله بسبب الشيطان، فيكون ضمير ~~المفعول في أنساه عائدا إلى يوسف، هكذا قال بعض المفسرين ويكون المراد بربه ~~في قوله (ذكر ربه) هو الله سبحانه: أي إنساء الشيطان يوسف ذكر الله تعالى ~~في تلك الحال (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) يذكره عند سيده ليكون ذلك سببا ~~لانتباهه على ما أوقعه من الظلم البين عليه بسجنه بعد أن رأى من الآيات ما ~~يدل على براءته. وذهب كثير من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه ~~هو الذي نجا من الغلامين: وهو الشرابي، والمعنى: إنساء لشيطان الشرابي ذكر ~~سيده: أي ذكره لسيده فلم يبلغ إليه ما أوصاه به يوسف من ذكره عند سيده، ~~ويكون المعنى: فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف مع خلوصه من ~~السجن ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك، وقد رجح هذا بكون ~~الشيطان لا سبيل له على الأنبياء. وأجيب بأن النسيان وقع من يوسف، ونسبته ~~إلى الشيطان على طريق المجاز، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلا فيما ~~يخبرون به عن الله سبحانه وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " ورجح أيضا ~~بأن النسيان ليس بذنب، فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف لم ~~يستحق ms1864 العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين. وأجيب بأن النسيان هنا ~~بمعنى الترك، وأنه عوقب بسبب إستعانته بغير الله سبحانه، ويؤيد رجوع الضمير ~~إلى يوسف ما بعده من قوله (فلبث في السجن بضع سنين) ويؤيد رجوعه إلى الذي ~~نجا من الغلامين قوله فيما سيأتي (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة) سنة ~~(فلبث) أي يوسف (في السجن) بسبب ذلك القول الذي قاله للذي نجا من الغلامين، ~~أو بسبب ذلك الإنساء (بضع سنين) البضع: ما بين الثلاث إلى التسع كما حكاه ~~الهروي عن العرب، وحكى عن أبي عبيدة أن البضع: ما دون نصف العقد، يعني ما ~~بين واحد إلى أربعة، وقيل ما بين ثلاث إلى سبع، حكاه قطرب، وحكى الزجاج أنه ~~ما بين الثلاث إلى الخمس. وقد اختلف في تعيين قدر المدة التي لبث فيها يوسف ~~في السجن فقيل سبع سنين، وقيل اثنتا عشرة سنة، وقيل أربع عشرة سنة، وقيل ~~خمس سنين. # وقد أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله (أما أحدكما) قال: أتاه فقال: رأيت ~~فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب فنبتت، فخرج فيه عناقيد فعصرتهن ثم ~~سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمرا. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود ~~قال: # ما رأى صاحبا يوسف شيئا، إنما تحالما ليجربا علمه، فلما أول رؤياهما ~~قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئا، فقال (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان) ~~يقول: وقعت العبارة فصار الأمر على ما عبر يوسف. وأخرج أبو عبيد وابن ~~المنذر وأبو الشيخ عن أبي مجلز قال: كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا ~~كاذبا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن ساباط (وقال للذي ظن أنه ناج ~~اذكرني عند ربك) قال: عند ملك الأرض، وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ~~العقوبات وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " لو لم يقل يوسف ms1865 الكلمة التي قال ما لبث في السجن ~~طول ما لبث حيث يبتغى الفرج من عند غير الله " وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وأبو الشيخ عن عكرمة مرفوعا نحوه وهو مرسل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا نحوه وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم أبو الشيخ عن الحسن مرفوعا نحوه وهو مرسل. وأخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عن قتادة فذكر نحوه وهو مرسل PageV03P029 # أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أنس قال: أوحى إلى يوسف: من استنقذك من القتل ~~حين هم إخوتك أن يقتلوك؟ قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من الجب إذ ~~ألقوك فيه؟ قال: أنت يا رب، قال: فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك؟ قال: ~~أنت يا رب، قال: فما لك نسيتني وذكرت آدميا؟ قال: جزعا وكلمة تكلم بها ~~لساني، قال: فوعزتي لأخلدنك في السجن بضع سنين، فلبث فيه سبع سنين: وقد ~~اختلف السلف في تقدير مدة لبثه في السجن على حسب ما قدمنا ذكره، فلم نشتغل ~~هاهنا يذكر من قال بذلك ومن خرجه. # سورة يوسف الآية (43 49) المراد بالملك هنا: هو الملك الأكبر، وهو الريان ~~بن الوليد الذي كان العزيز وزيرا له. رأى في نومه لما دنى فرج يوسف عليه ~~السلام أنه خرج من نهر يابس (سبع بقرات سمان) جمع سمين وسمينة. في إثرهن ~~سبع عجاف: # أي مهازيل، وقد أقبلت العجاف على السمان فأكلتهن. والمعنى: إني رأيت. ~~ولكنه عبر بالمضارع لاستحضار الصورة وكذلك قوله (يأكلهن) عبر بالمضارع ~~للاستحضار. والعجاف جمع عجفاء، وقياس جمعه عجف. # لأن فعلاء وأفعل لا تجمع على فعال، ولكنه عدل عن القياس حملا على سمان ~~(وسبع سنبلات) معطوف على سبع بقرات، والمراد بقوله (خضر) أنه قد انعقد ~~حبها، واليابسات التي قد بلغت حد الحصاد، والمعنى: وأرى سبعا أنحر يابسات، ~~وكان قد رأى أن السبع السنبلات اليابسات قد أدركت الخضر ms1866 والتوت عليها حتى ~~غلبتها. ولعل عدم التعرض لذكر هذا في النظم القرآني للاكتفاء بما ذكر من ~~حال البقرات (يا أيها الملأ) خطاب للأشراف من قومه (أفتوني في رؤياي) أي ~~أخبروني بحكم هذه الرؤيا (إن كنتم للرؤيا تعبرون) أي تعلمون عبارة الرؤيا، ~~وأصل العبارة مشتقة من عبور النهر، فمعنى عبرت النهر بلغت شاطئه، فعابر ~~الرؤيا يخبر بما يؤول إليه أمرها. # قال الزجاج: اللام في للرؤيا للتبيين: أي إن كنتم تعبرون، ثم بين فقال " ~~للرؤيا " وقيل هو للتقوية، وتأخير الفعل العامل فيه لرعاية الفواصل، وجملة ~~(قالوا أضغاث أحلام) مستأنفة جواب سؤال مقدر، الأضغاث جمع PageV03P030 # ضغث، وهو كل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما، والمعنى: أخاليط أحلام، ~~والأحلام جمع حلم: وهى الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها كما يكون من حديث ~~النفس ووسواس الشيطان، والإضافة بمعنى من، وجمعوا الأحلام ولم يكن من الملك ~~إلا رؤيا واحدة مبالغة منهم في وصفها بالبطلان. ويجوز أن يكون رأى مع هذه ~~الرؤيا غيرها مما لم يقصه الله علينا (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) قال ~~الزجاج: المعنى بتأويل الأحلام المختلطة، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل ~~له، لا مطلق العلم بالتأويل، وقيل إنهم نفوا عن أنفسهم علم التعبير مطلقا، ~~ولم يدعوا أنه لا تأويل لهذه الرؤيا، وقيل إنهم قصدوا محوها من صدر الملك ~~حتى لا يشتغل بها، ولم يكن ما ذكروه من نفى العلم حقيقة (وقال الذي نجا ~~منهما) أي من الغلامين، وهو الساقي الذي قال له يوسف - اذكرني عند ربك - ~~(وادكر بعد أمة) بالدال المهملة على قراءة الجمهور، وهى القراءة الفصيحة: ~~أي تذكر الساقي يوسف وما شاهده منه من العلم بتعبير الرؤيا. وقرئ بالمعجمة، ~~ومعنى (بعد أمة): بعد حين، ومنه - إلى أمة معدودة - أي إلى وقت. قال ابن ~~درستويه: والأمة لا تكون على الحين إلا على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه، كأنه قال: والله أعلم وادكر بعد حين أمة أو بعد زمن أمة. والأمة: ~~الجماعة الكثيرة من الناس. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد ms1867 وفي المعنى جمع، ~~وكل جنس من الحيوان أمة. وقرأ ابن عباس وعكرمة " بعد أمة " بفتح الهمزة ~~وتخفيف الميم: أي بعد نسيان، ومنه قول الشاعر: # أممت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يودى بالعقول ويقال أمه يأمه أمها: ~~إذا نسي. وقرأ الأشهب العقيلي " بعد إمة " بكسر الهمزة: أي بعد نعمة: وهى ~~نعمة النجاة (أنا أنبئكم بتأويله) أي أخبركم به بسؤالي عنه من له علم ~~بتأويله، وهو يوسف (فأرسلون) خاطب الملك بلفظ التعظيم، أو خاطبه ومن كان ~~عنده من الملأ، طلب منهم أن يرسلوه إلى يوسف ليقص عليه رؤيا الملك حتى ~~يخبره بتأويلها فيعود بذلك إلى الملك (يوسف أيها الصديق أفتنا) أي يا يوسف، ~~وفي الكلام حذف، والتقدير: # فأرسلوه إلى يوسف فسار إليه، فقال له " يوسف أيها الصديق " إلى آخر ~~الكلام، والمعنى: أخبرنا في رؤيا من رأى سبع بقرات الخ وترك ذكر ذلك اكتفاء ~~بما هو واثق به من فهم يوسف بأن ذلك رؤيا، وأن المطلوب منه تعبيرها (لعلى ~~أرجع إلى الناس) أي إلى الملك ومن عنده من الملأ (لعلهم يعلمون) ما تأتي به ~~من تأويل هذه الرؤيا أو يعلمون فضلك ومعرفتك لفن التعبير، وجملة (قال ~~تزرعون) الخ مستأنفة جواب سؤال مقدر كغيرها مما يرد هذا المورد (سبع سنين ~~دأبا) أي متوالية متتابعة، وهو مصدر، وقيل هو حال: أي دائبين، وقيل صفة ~~لسبع: # أي دائبة، وحكى أبو حاتم عن يعقوب أنه قرأ (دأبا) بتحريك الهمزة، وكذا ~~روى حفص عن عاصم وهما لغتان قال الفراء: حرك لأن فيه حرفا من حروف الحلق. ~~وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله جائز في كلمات معروفة. فعبر يوسف ~~عليه السلام السبع البقرات السمان بسبع سنين فيها خصب، والعجاف بسبع سنين ~~فيها جدب وهكذا عبر السبع السنبلات الخضر والسبع السنبلات اليابسات، واستدل ~~بالسبع السنبلات الخضر على ما ذكره في التعبير من قوله (فما حصدتم فذروه في ~~سنبله) أي ما حصدتم في كل سنة من السنين المخصبة فذروا ذلك المحصود في ~~سنبله ولا تفصلوه عنها لئلا يأكله ms1868 السوس إلا قليلا مما تأكلون في هذه ~~السنين المخصبة فإنه لا بد لكم من فصله عن سنبله وإخراجه عنها، واقتصر على ~~استثناء المأكول دون ما يحتاجون إليه من البذر الذي يبذرونه في أموالهم ~~لأنه قد علم من قوله تزرعون (ثم يأتي من بعد ذلك) أي من بعد السبع السنين ~~المخصبة (سبع شداد) أي سبع سنين مجدبة يصعب أمرها على الناس (يأكلن ما ~~قدمتم لهن) من تلك الحبوب المتروكة في سنابلها، وإسناد الأكل إلى ~~PageV03P031 # السنين مجاز، والمعنى: يأكل الناس فيهن أو يأكل أهلهن ما قدمتم لهن: أي ~~ما ادخرتم لأجلهن فهو من باب: # نهاره صائم، ومنه قول الشاعر: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردى لك لازم (إلا قليلا مما ~~تحصنون) أي مما تحبسون من الحب لتزرعوا به، لأن في استبقاء البذر تحصين ~~الأقوات. # وقال أبو عبيدة: معنى تحصنون: تحرزون، وقيل تدخرون، والمعنى واحد. قوله ~~(ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) أي من بعد السنين ~~المجدبات، فالإشارة إليها، والعام السنة (فيه يغاث الناس) من الإغاثة أو ~~الغوث. والغيث المطر. وقد غاث الغيث الأرض: أي أصابها، وغاث الله البلاد ~~يغيثها غوثا: # أمطرها، فمعنى يغاث الناس: يمطرون (وفيه يعصرون) أي يعصرون الأشياء التي ~~تعصر كالعنب والسمسم والزيتون وقيل أراد حلب الألبان، وقيل معنى يعصرون، ~~ينجون. مأخوذ من العصرة وهى المنجاة. قال أبو عبيدة: والعصر بالتحريك ~~الملجأ والمنجاة، ومنه قول الشاعر: # صاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصره المنجود و اعتصرت بفلان: التجأت ~~به. وقرأ حمزة والكسائي (تعصرون) بتاء الخطاب. وقرئ " يعصرون " بضم حرف ~~المضارعة وفتح الصاد، ومعناه يمطرون، ومنه قوله تعالى - وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا -. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال يوسف للساقي: اذكرني ~~عند ربك: أي الملك الأعظم ومظلمتي وحبسي في غير شيء، فقال أفعل، فلما خرج ~~الساقي رد على ما كان عليه ورضى عنه صاحبه وأنساه الشيطان ذكر الملك الذي ~~أمره يوسف أن يذكره له، فلبث يوسف بعد ذلك ms1869 في السجن بضع سنين، ثم إن الملك ~~ريان بن الوليد رأى رؤياه التي أرى فيها فهالته وعرف أنها رؤيا واقعة ولم ~~يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته (إني أرى سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات) فلما سمع من الملك ما سمع ~~منه ومسألته عن تأويلها ذكر يوسف ما كان عبر له ولصاحبه وما جاء من ذلك على ~~ما قال فقال: أنا أنبئكم بتأويله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~(أضغاث أحلام) يقول: مشتبهة. وأخرج أبو يعلى وابن جرير عنه قال: من الأحلام ~~الكاذبة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله ~~(وادكر بعد أمة) قال: بعد حين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وعكرمة وعبد ~~الله بن كثير والسدي مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: بعد سنين. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: بعد أمة من الناس. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (أفتنا في سبع ~~بقرات) الآية، قال: أما السمان فسنون فيها خصب، وأما العجاف فسنون مجدبة، ~~وسبع سنبلات خضر هي السنون المخاصيب تخرج الأرض نباتها وزرعها وثمارها، ~~وآخر يابسات المحول الجدوب لا تنبت شيئا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات ~~العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط عليهم أن يخرجوني، ~~ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول، ولو كنت ~~مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكون له العذر ". وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس PageV03P032 # في قوله (إلا قليلا مما تحصنون) يقول: تخزنون، وفي قوله (وفيه يعصرون) ~~يقول: ms1870 الأعناب والدهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (فيه يغاث ~~الناس) يقول: يصيبهم فيه غيث (وفيه يعصرون) يقول: # يعصرون وفيه العنب ويعصرون فيه الزبيب ويعصرون من كل الثمرات. وأخرج سعيد ~~بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه أيضا (وفيه ~~يعصرون) قال: يحتلبون. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أيضا (ثم يأتي من بعد ~~ذلك عام) قال: أخبرهم بشئ لم يسألوه عنه كأن الله قد علمه إياه فيه يغاث ~~الناس بالمطر، وفيه يعصرون السمسم دهنا والعنب خمرا والزيتون زيتا. # سورة يوسف الآية (50 57) (وقال الملك ائتوني به) في الكلام حذف قبل هذا، ~~والتقدير: فذهب الرسول إلى الملك فأخبره بما أخبره به يوسف من تعبير تلك ~~الرؤيا، وقال الملك لمن بحضرته ائتوني به: أي بيوسف، رغب إلى رؤيته ومعرفة ~~حاله بعد أن علم من فضله ما علمه من وصف الرسول له ومن تعبيره لرؤياه (فلما ~~جاءه) أي جاء إلى يوسف (الرسول) واستدعاه إلى حضرة الملك وأمره بالخروج من ~~السجن (قال) يوسف للرسول (ارجع إلى ربك) أي سيدك (فاسأله ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن) أمره بأن يسأل الملك عن ذلك وتوقف عن الخروج من السجن، ~~ولم يسارع إلى إجابة الملك، ليظهر للناس براءة ساحته ونزاهة جانبه، وأنه ~~ظلم بكيد امرأة العزيز ظلما بينا، ولقد أعطى عليه السلام من الحلم والصبر ~~والأناة ما تضيق الأذهان عن تصوره، ولهذا ثبت في الصحيح من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " يعني ~~الرسول الذي جاء يدعوه إلى الملك. قال ابن عطية: هذا الفعل من يوسف أناة ~~وصبرا، وطلبا لبراءة ساحته، وذلك أنه خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة. # ويسكت عن أمر ذنبه فيراه الناس بتلك العين يقولون هذا الذي راود امرأة ~~العزيز، وإنما قال (فاسأله ما بال PageV03P033 # النسوة وسكت عن امرأة العزيز رعاية لذمام الملك العزيز، أو خوفا منه من ~~كيدها وعظيم شرها - وذكر السؤال عن تقطيع الأيدي ms1871 ولم يذكر مراودتهن له، ~~تنزها منه عن نسبة ذلك إليهن، ولذلك لم ينسب المراودة فيما تقدم إلى امرأة ~~العزيز إلا بعد أن رمته بدائها وانسلت. وقد اكتفى هنا بالإشارة الإجمالية ~~بقوله (إن ربى بكيدهن عليم) فجعل علم الله سبحانه بما وقع عليه من الكيد ~~منهن مغنيا عن التصريح، وجملة (قال فما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه) ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر. كأنه قيل: فماذا قال الملك بعد أن أبلغه الرسول ما ~~قال يوسف؟ # والخطب: الشأن العظيم الذي يحق له أن يخاطب فيه صاحبه خاصة. والمعنى: ما ~~شأنكن إذا راودتن يوسف عن نفسه. وقد تقدم معنى المراودة، وإنما نسب إليهن ~~المراودة، لأن كل واحدة منهن وقع منها ذلك كما تقدم، ومن جملة من شمله خطاب ~~الملك امرأة العزيز، أو أراد بنسبة ذلك إليهن وقوعه منهن في الجملة كما كان ~~من امرأة العزيز تحاشيا عن التصريح منه بنسبة ذلك إليها لكونها امرأة وزيره ~~وهو العزيز، فأجبن عليه بقولهن (قلن حاش لله) أي معاذ الله (ما علمنا عليه ~~من سوء) أي من أمر سئ ينسب إليه، فعند ذلك (قالت امرأة العزيز) منزهة ~~لجانبه مقرة على نفسها بالمراودة له (الآن حصحص الحق) أي تبين وظهر. وأصله ~~حص، فقيل حصحص كما قيل في كبوا كبكبوا، قاله الزجاج، وأصل الحص: استئصال ~~الشئ، يقال حص شعره: إذا استأصله، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت: # قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع والمعنى أنه انقطع الحق عن ~~الباطل بظهوره وبيانه، ومنه: # فمن مبلغ عني خداشا فإنه * كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم وقيل هو مشتق من ~~الحصة. والمعنى: بانت حصة الباطل. قال الخليل: معناه ظهر الحق بعد خفائه، ~~ثم أوضحت ذلك بقولها (أنا راودته عن نفسه) ولم تقع منه المراودة لي أصلا ~~(وإنه لمن الصادقين) فيما قاله من تبرئة نفسه ونسبة المراودة إليها، وأرادت ~~بالآن زمان تكلمها بهذا الكلام. قوله (ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب) ذهب ~~أكثر المفسرين إلى هذا من كلام يوسف عليه السلام. ms1872 قال الفراء: ولا يبعد وصل ~~كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق ~~به، والإشارة إلى الحادثة الواقعة منه، وهى تثبته وتأنيه: # أي فعلت ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه في أهله بالغيب، والمعنى بظهر ~~الغيب، والجار والمجرور في محل نصب على الحال: أي وهو غائب عني، أو وأنا ~~غائب عنه. قيل إنه قال ذلك وهو في السجن بعد أن أخبره الرسول بما قالته ~~النسوة، وما قالته امرأة العزيز، وقيل إنه قال ذلك وقد صار عند الملك، ~~والأول أولى. وذهب الأقلون من المفسرين إلى أن هذا من كلام امرأة العزيز، ~~والمعنى: ذلك القول الذي قلته في تنزيهه، والإقرار على نفسي بالمراودة ~~ليعلم يوسف أني لم أخنه فأنسب إليه ما لم يكن منه وهو غائب عني، أو وأنا ~~غائبة عنه (وأن الله لا يهدى كيد الخائنين) أي لا يثبته ويسدده، أولا ~~يهديهم في كيدهم حتى يوقعوه على وجه يكون له تأثير يثبت به ويدوم وإذا كان ~~من قول يوسف ففيه تعريض بامرأة العزيز حيث وقع منها الكيد له والخيانة ~~لزوجها، وتعريض بالعزيز حيث ساعدها على حبسه بعد أن علم براءته ونزاهته ~~(وما أبرئ نفسي) إن كان من كلام يوسف فهو من باب الهضم للنفس، وعدم التزكية ~~بها مع أنه قد علم هو وغيره من الناس أنه برئ وظهر ذلك ظهور الشمس، وأقرت ~~به المرأة التي ادعت عليه الباطل، ونزهته النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وإن ~~كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة، لأنها قد أقرت بالذنب، ~~واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف. وقد قيل إن هذا من قول العزيز ~~PageV03P034 # وهو بعيد جدا، ومعناه: وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف، والمساعدة على ~~حبسه بعد أن علمت ببراءته (إن النفس لأمارة بالسوء) أي إن هذا الجنس من ~~الأنفس البشرية شأنه الأمر بالسوء لميله إلى الشهوات، وتأثيرها بالطبع، ~~وصعوبة قهرها، وكفها عن ذلك (إلا ما رحم ربى) أي إلا من رحم من النفوس ~~فعصمها عن أن تكون ms1873 أمارة بالسوء، أو إلا وقت رحمة ربى وعصمته لها، وقيل ~~الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن رحمة ربي هي التي تكفها عن أن تكون أمارة ~~بالسوء وجملة (إن ربى غفور رحيم) تعليل لما قبلها: أي إن من شأنه كثرة ~~المغفرة لعباده والرحمة لهم. قوله (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي) ~~الملك هو الريان بن الوليد لا العزيز كما تقدم، ومعنى (أستخلصه لنفسي): ~~أجعله خالصا لي دون غيري، وقد كان قبل ذلك خالصا للعزيز، والاستخلاص: # طلب خلوص الشئ من شوائب الشركة، قال ذلك لما كان يوسف نفيسا، وعادة ~~الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم (فلما كلمه) في ~~الكلام حذف، وتقديره فأتوه به فلما كلمه: أي فلما كلم الملك يوسف ويحتمل أن ~~يكون المعنى: فلما كلم يوسف الملك. قيل والأول أولى، لأن مجالس الملوك لا ~~يتكلم فيها ابتداء إلا هم دون من يدخل عليهم، وقيل الثاني أولى لقول الملك ~~(قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) فإن هذا يفيد أنه لما تكلم يوسف في مقام ~~الملك جاء بما حببه إلى الملك، وقربه من قلبه، فقال له هذه المقالة، ومعنى ~~مكين: ذو مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك ويأمنه الملك على ما ~~يطلع عليه من أمره، أو على ما يكله إليه من ذلك، قيل إنه لما وصل إلى الملك ~~أجلسه على سريرة، وقال له: إني أحب أن أسمع منك تعبير رؤياي، فعبرها له ~~بأكمل بيان وأتم عبارة، فلما سمع الملك منه ذلك قال له (إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين) فلما سمع يوسف منه ذلك (قال اجعلني على خزائن الأرض) أي ولني ~~أمر الأرض التي أمرها إليك وهى أرض مصر، أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض، ~~وهي الأمكنة التي تخزن فيها الأموال طلب يوسف عليه السلام منه ذلك ليتوصل ~~به إلى نشر العدل ورفع الظلم، ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان ~~بالله وترك عبادة الأوثان وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل ~~في أمر من أمور ms1874 السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل طلب ~~ذلك لنفسه ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيبا فيما يرومه، ~~وتنشيطا لمن يخاطبه من الملوك بالقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به ~~ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من النهي ~~عن طلب الولاية والمنع من تولية من طلبها أو حرص عليها. والخزائن جمع ~~خزانة، وهى اسم للمكان الذي يخزن فيه الشئ والحفيظ الذي يحفظ الشئ: أي (إني ~~حفيظ) لما جعلته إلى من حفظ الأموال لا أخرجها في غير مخارجها، ولا أصرفها ~~في غير مصارفها (عليم) بوجود جمعها وتفريقها ومدخلها ومخرجها (وكذلك مكنا ~~ليوسف) أي ومثل ذلك التمكن العجيب مكنا ليوسف في الأرض: أي جعلنا له مكانا، ~~وهو عبارة عن كمال قدرته ونفوذ أمره ونهيه حتى صار الملك يصدر عن رأيه، ~~وصار الناس يعملون على أمره ونهيه (يتبوأ منها حيث يشاء) أي ينزل منها حيث ~~أراد ويتخذه مباءة، وهو عبارة عن كمال قدرته كما تقدم، وكأنه يتصرف في ~~الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر كما يتصرف الرجل في منزله. وقرأ ابن كثير ~~بالنون. وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان ~~الجائر بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. وقد قدمنا الكلام على هذا ~~مستوفى في قوله سبحانه - ولا تركنوا إلى الذين ظلموا - (نصيب برحمتنا من ~~نشاء) من العباد فنرحمه في الدنيا بالإحسان إليه والإنعام عليه، وفي الآخرة ~~بإدخاله الجنة وإنجائه من النار (ولا نضيع أجر المحسنين) في أعمالهم الحسنة ~~التي هي مطلوب الله منهم: أي لا نضيع ثوابهم فيها، ومجازاتهم عليها (ولأجر ~~الآخرة) أي أجرهم في الآخرة، وأضيف الأجر إلى الآخرة للملانسة لأن، ~~PageV03P035 # وأجرهم هو الجزاء الذي يجازيهم الله به فيها، وهو الجنة التي لا ينفد ~~نعيمها ولا تنقضي مدتها (خير للذين آمنوا) بالله (وكانوا يتقون) الوقوع ~~فيما حرمه عليهم، والمراد بهم المحسنون المتقدم ذكرهم، وفيه تنبيه على أن ~~الإحسان المعتد به هو الإيمان ms1875 والتقوى. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ما بال النسوة) قال: أراد يوسف ~~العذر قبل أن يخرج من السجن. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عنه قال: لما قالت امرأة العزيز: ~~أنا راودته، قال يوسف (ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب) فغمزه جبريل فقال: ~~ولا حين هممت بها؟ فقال (وما أبرئ نفسي) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا (حصحص الحق) قال: تبين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد ~~وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم ~~عن حكيم بن حزام في قوله (ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب) فقال له جبريل، ~~ولا حين حللت السراويل؟ فقال عند ذلك (وما أبرئ نفسي). وأخرج ابن عبد الحكم ~~في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله (وقال الملك ~~ائتوني به أستخلصه لنفسي) قال: فأتاه الرسول فقال: ألق عنك ثياب السجن ~~والبس ثيابا جددا وقم إلى الملك، فدعا له أهل السجن وهو يومئذ ابن ثلاثين ~~سنة. فلما أتاه رأى غلاما حدثا، فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة ~~والكهنة؟ وأقعده قدامه وقال لا تخف، وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير، وأعطاه ~~دابة مسروجة مزينة كدابة الملك، وضرب الطبل بمصر: إن يوسف خليفة الملك. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~قال: قال الملك ليوسف: إني أحب أن تخالطني في كل شئ إلا في أهلي. وأنا آنف ~~تأكل معي. فغضب يوسف وقال: أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم خليل الله، ~~وأنا ابن إسحاق ذبيح الله، وأنا ابن يعقوب نبي الله. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن شيبة بن نعامة الضبي في قوله (اجعلني على خزائن ~~الأرض) يقول على جميع الطعام (إني حفيظ) لما استودعتني (عليم) بسني ~~المجاعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ms1876 (وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض) قال: ملكناه فيها يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا يصنع ~~فيها ما يشاء. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أن يوسف تزوج امرأة العزيز ~~فوجدها بكرا، وكان زوجها عنينا. # سورة يوسف الآية (58 63) PageV03P036 # سورة يوسف الآية (64 - 66) قوله (وجاء إخوة يوسف) أي جاءوا إلى مصر من ~~أرض كنعان ليمتاروا لما أصابهم القحط (فدخلوا) على يوسف (فعرفهم) لأنه ~~فارقهم رجالا (وهم له منكرون) لأنهم فارقوه صبيا يباع بالدراهم في أيدي ~~السيارة بعد أن أخرجوه من الجب، ودخلوا عليه الآن وهو رجل عليه أبهة الملك، ~~ورونق الرئاسة، وعنده الخدم والحشم وقيل إنهم أنكروه لكونه كان في تلك ~~الحال على هيئة ملك مصر، ولبس تاجه وتطوق بطوقه - وقيل كانوا بعيدا منه فلم ~~يعرفوه، وقيل غير ذلك (ولما جهزهم بجهازهم) المراد به هنا أنه أعطاهم ما ~~طلبوه من الميرة وما يصلحون به سفرهم من العدة التي يحتاجها المسافر. يقال ~~جهزت القوم تجهيزا: إذا تكلفت لهم جهازا للسفر. قال الأزهري القراء كلهم ~~على فتح الجيم، والكسر لغة جيدة (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) قيل لابد من ~~كلام ينشأ عنه طلبه لهم بأن يأتوه بأخ لهم من أبيهم، فروى أنه لما رآهم ~~وكلموه بالعبرانية قال لهم: ما أنتم وما شأنكم فإني أنكركم؟ # فقالوا: نحن قوم من أهل الشام جئنا نمتار ولنا أب شيخ صديق نبي من ~~الأنبياء اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ # قالوا عشرة وقد كنا اثنى عشر، فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك، وكان أحبنا ~~إلى أبينا، وقد سكن بعده إلى أخ له أصغر منه هو باق لديه يتسلى به، فقال ~~لهم حينئذ (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) يعني أخاه بنيامين الذي تقدم ذكره، ~~وهو أخو يوسف لأبيه وأمه، فوعدوه بذلك، فطلب منهم أن يتركوا أحدهم رهينة ~~عنده حتى يأتوه بالأخ الذي طلبه، فاقترعوا فأصابت القرعة شمعون فخلفوه ~~عنده، ثم قال لهم (ألا ترون أنى أوفي الكيل) أي أتممه، وجاء بصيغة ~~الاستقبال مع كونه قال لهم هذه ms1877 المقالة بعد تجهيزهم للدلالة على أن ذلك ~~عادته المستمرة، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقا به وتصديقا لقوله، فقال (وأنا ~~خير المنزلين) أي والحال أني خير المنزلين لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن ~~الضيافة وحسن الإنزال. قال الزجاج: قال يوسف (وأنا خير المنزلين) لأنه حين ~~أنزلهم أحسن ضيافتهم، ثم توعدهم إذا لم يأتوه به فقال (فإن لم تأتوني به ~~فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) أي فلا أبيعكم شيئا فيما بعد، وأما في الحال ~~فقد أوفاهم كيلهم، ومعنى لا تقربون: لا تدخلون بلادي فضلا عن أن أحسن إليكم ~~وقيل معناه: لا أنزلكم عندي كما أنزلتكم هذه المرة، ولم يرد أنهم لا يقربون ~~بلاده، وتقربون مجزوم إما على أن لا ناهية أو على أنها نافية، وهو معطوف ~~على محل الجزاء داخل في حكمه كأنه قال: فإن لم تأتوني تحرموا ولا تقربوا ~~فلما سمعوا منه ذلك وعدوه بما طلبه منهم ف‍ (قالوا سنراود عنه أباه) أي ~~سنطلبه منه، ونجتهد في ذلك بما نقدر عليه وقيل معنى المراودة هنا: المخادعة ~~منهم لأبيهم والاحتيال عليه حتى ينتزعوه منه (وإنا لفاعلون هذه المراودة ~~غير مقصرين فيها. وقيل معناه: وإنا لقادرون على ذلك. لا نتعانى به ولا ~~نتعاظمه (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم PageV03P037 # في رحالهم) قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم من رواية شعبة وابن عامر " ~~لفتيته " واختار هذه القراءة أبو حاتم والنحاس وغيرهما. وقرأ سائر الكوفيين ~~" لفتيانه " وأختار هذه القراءة أبو عبيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ~~كالقراءة الآخرة. قال النحاس: لفتيانه مخالف للسواد الأعظم، ولا يترك ~~السواد المجمع عليه لهذا الإسناد المنقطع وأيضا فإن فتية أشبه من فتيان، ~~لأن فتية عند العرب لأقل العدد، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال ~~أشبه والجملة مستأنفة جواب سؤال كأنه قيل: فما قال يوسف بعد وعدهم له بذلك؟ ~~فأجيب بأنه قال لفتيته. قال الزجاج الفتية والفتيان في هذا الموضع ~~المماليك، وقال الثعلبي: هما لغتان جيدتان مثل الصبيان والصبية. والمراد ~~بالبضاعة هنا هي التي وصلوا بها من ms1878 بلادهم ليشتروا بها الطعام، وكانت نعالا ~~وأدما، فعل يوسف عليه السلام ذلك تفضلا عليهم، وقيل فعل ذلك ليرجعوا إليه ~~مرة أخرى لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمن، قاله الفراء، وقيل فعل ذلك ~~ليستعينوا بها على الرجوع إليه لشراء الطعام، وقيل إنه استقبح أن يأخذ من ~~أبيه وإخوته ثمن الطعام، ثم علل يوسف عليه السلام ما أمر به من جعل البضاعة ~~في رحالهم بقوله (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم) فجعل علة جعل ~~البضاعة في الرحال هي معرفتهم لها إذا انقلبوا إلى أهلهم، وذلك لأنهم لا ~~يعلمون برد البضاعة إليهم إلا عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام، ~~وهم لا يفرغونها إلا عند الوصول إلى أهلهم، ثم علل معرفتهم للبضاعة ~~المردودة إليهم المجعولة في رحالهم بقوله (لعلهم يرجعون) فإنهم إذا عرفوا ~~ذلك وعلموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن، وأن ما دفعوه عوضا عنه قد رجع ~~إليهم، وتفضل به من وصلوا إليه عليهم نشطوا إلى العود إليه، ولا سيما مع ما ~~هم فيه من الجدب الشديد والحاجة إلى الطعام وعدم وجوده لديهم، فإن ذلك من ~~أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع، وبهذا يظهر أن يوسف عليه السلام لم يرد البضاعة ~~إليهم إلا لهذا المقصد، وهو رجوعهم إليه فلا يتم تعليل ردها بغير ذلك، ~~والرحال جمع رحل. والمراد به هنا ما يستصحبه الرجل معه من الأثاث. قال ~~الواحدي: الرحل كل شئ معد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير ومجلس ورسن ~~انتهى. والمراد هنا الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من الطعام. قال ~~ابن الأنباري: يقال للوعاء رحل وللبيت رحل (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا ~~أبانا منع منا الكيل) أرادوا بهذا ما تقدم من قول يوسف لهم: (فإن لم تأتوني ~~به فلا كيل لكم عندي): أي منع منا الكيل في المستقبل، وفيه دلالة على أن ~~الامتيار فإن مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه، ولعلهم قالوا له بهذه ~~المقالة قبل أن يفتحوا متاعهم ويعلموا برد بضاعتهم كما يفيد ذلك قوله فيما ~~بعد ولما ms1879 فتحوا متاعهم - إلى آخره، ثم ذكروا له ما أمرهم به يوسف، فقالوا ~~(فأرسل معنا أخانا) يعنون بنيامين و (نكتل) جواب الأمر: أي نكتل بسبب ~~إرساله معنا ما نريده من الطعام. قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وابن عامر ~~وعاصم " نكتل " بالنون. وقرأ سائر الكوفيون بالياء التحتية. واختار أبو ~~عبيد القراءة الأولى قال: ليكونون كلهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا ~~كان بالياء كان للأخ وحده: أي يكتال أخونا بنيامين، واعترضه النحاس مما ~~حاصله أن إسناد الكيل إلى الأخ لا ينافي كونه للجميع. والمعنى: يكتال ~~بنيامين لنا جميعا. قال الزجاج: أي إن أرسلته اكتلنا وإلا منعنا الكيل ~~(وإنا له) أي لأخيهم بنيامين (لحافظون) من أن يصيبه سوء أو مكروه. وجملة ~~(قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل) مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر كما تقدم في نظائر ذلك في مواضع كثيرة، والمعنى: أنه لا يأمنهم على ~~بنيامين إلا كما أمنهم على أخيه يوسف وقد قالوا له في يوسف - وإنا له ~~لحافظون - كما قالوا هنا (وإنا له لحافظون) ثم خانوه في يوسف فهو إن أمنهم ~~في بنيامين خاف أن يخونوه فيه كما خانوه في يوسف (فالله خير حفظا وهو أرحم ~~الراحمين) لعل هنا إضمارا والتقدير فتوكل يعقوب على (الله ودفعه إليهم ~~وقال: فالله خير حفظا. قرأ أهل المدينة PageV03P038 # " حفظا " وهو منتصب على التمييز، وهى قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر. ~~وقرأ سائر الكوفيين " حافظا " منتصب على الحال. وقال الزجاج: على البيان ~~يعني التمييز، ومعنى الآية: أن حفظ الله إياه خير من حفظهم له، لما وكل ~~يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه، ولما قال في يوسف - وأخاف أن ~~يأكله الذئب - وقع له من الامتحان ما وقع. (ولما فتحوا متاعهم) أي أوعية ~~الطعام أو ما هو أعم من ذلك مما يطلق عليه لفظ المتاع سواء كان الذي فيه ~~طعاما أو غير طعام (وجدوا بضاعتهم ردت إليهم) أي البضاعة التي حملوها إلى ~~مصر ليمتاروا بها، وقد تقدم بيانها، وجملة (قالوا يا أبانا) ms1880 مستأنفة كما ~~تقدم (ما نبغي) ما استفهامية والمعنى: أي شئ نطلب من هذا الملك بعد أن صنع ~~معنا ما صنع من الإحسان برد البضاعة والإكرام عند القدوم إليه، وتوفير ما ~~أردناه من المبرة، ويكون الاستفهام للإنكار، وجملة (هذه بضاعتنا ردت إلينا) ~~مقررة لما دل عليه الاستفهام من الإنكار لطلب شئ مع كونها قد ردت إليهم. ~~وقيل إن " ما " في ما نبغي نافية أي ما نبغي في القول وما نتزيد فيما وصفنا ~~لك من إحسان الملك إلينا وإكرامه لنا. ثم برهنوا على ما لقوه من التزيد في ~~وصف الملك بقولهم (هذه بضاعتنا ردت إلينا) فإن من تفضل عليهم برد ذلك حقيق ~~بالثناء عليه منهم، مستحق لما وصفوه به، ومعنى (ونمير أهلنا) نجلب إليهم ~~الميرة وهى الطعام، والمائر الذي يأتي بالطعام. وقرأ السلمي بضم النون، وهو ~~معطوف على مقدر يدل عليه السياق والتقدير: هذه بضاعتنا ردت إلينا فنحن ~~نستعين بها على الرجوع ونمير أهلنا (ونحفظ أخانا) بنيامين مما تخافه عليه ~~(ونزداد) بسبب إرساله معنا (كيل بعير) أي حمل بعير زائد على ما جئنا به هذه ~~المرة، لأنه كان يكال لكل رجل وقر بعير، ومعنى (ذلك كيل يسير) أن زيادة كيل ~~بعير لأخينا يسهل على الملك، ولا يمتنع علينا من زيادته له لكونه يسيرا لا ~~يتعاظمه ولا يضايقنا فيه، وقيل إن المعنى: ذلك المكيل لأجلنا قليل نريد أن ~~ينضاف إليه حمل بعير لأخينا. واختار الزجاج الأول. وقيل إن هذا من كلام ~~يعقوب جوابا على ما قاله أولاده: (ونزداد كيل بعير) يعني إن حمل بعير شئ ~~يسير لا يخاطر لأجله بالولد وهو ضعيف، لأن جواب يعقوب هو (قال لن أرسله ~~معكم حتى تؤتون موثقا من الله) أي حتى تعطوني ما أثق به وأركن إليه من جهة ~~الله سبحانه، وهو الحلف به، واللام في (لتأتنني به) جواب القسم: لأن معنى ~~(حتى تؤتون موثقا من الله): حتى تحلفوا بالله لتأتني به: أي لتردن بنيامين ~~إلى. والاستثناء بقوله (إلا أن يحاط بكم) هو من أعم العام، لأن ms1881 (لتأتنني ~~به) وإن كان كلاما مثبتا فهو في معنى النفي. فكأنه قال: لا تمنعون من ~~إتياني به في حال من الأحوال لعله من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم، والإحاطة ~~مأخوذة من إحاطة العدو. ومن أحاط به العدو فقد غلب أو هلك. فأخذ يعقوب ~~عليهم العهد بأن يأتوه ببنيامين إلا أن تغلبوا عليه أو تهلكوا دونه، فيكون ~~ذلك عذرا لكم عندي (فلما آتوه موثقهم) أي أعطوه ما طلبه منهم من اليمين ~~(قال الله على ما نقول وكيل) أي قال يعقوب: الله على ما قلناه من طلبي ~~الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته منكم مطلع رقيب لا يخفى عليه منه خافية، ~~فهو المعاقب لمن خاس في عهده وفجر في الحلف به، أو موكول إليه القيام بما ~~شهد عليه منا. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن إخوة ~~يوسف لما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون، جاء بصواع الملك الذي كان يشرب ~~فيه، فوضعه على يده فجعل ينقره ويطن وينقره ويطن، فقال: إن هذا الجام ~~ليخبرني عنكم خبرا، هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف؟ وكان أبوه يحبه ~~دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في الجب وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله، ~~وجئتم على قميصه بدم كذب؟ قال: فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويعجبون. وأخرج أبو ~~الشيخ عن وهيب قال: لما جعل يوسف ينقر الصواع ويخبرهم قام PageV03P039 # إليه بعض إخوته فقال: أنشدك بالله أن لا تكشف لنا عورة. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) قال: يعني ~~بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس في قوله (وأنا خير المنزلين) قال: خير من يضيف بمصر. وأخرج ابن جرير ~~عن قتادة في قوله (لفتيته) أي لغلمانه (اجعلوا بضاعتهم) أي أوراقهم. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (ما نبغي هذه بضاعتنا ~~ردت إلينا) يقولون ما نبغي وراء ms1882 هذا (ونزداد كيل بعير) أي حمل بعير. وأخرج ~~أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد (ونزداد كيل بعير) قال: حمل حمار، ~~قال وهى لغة، قال أبو عبيد: # يعنى مجاهدا أن الحمار يقال له في بعض اللغات بعير. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (إلا أن ~~يحاط بكم) قال: تهلكوا جميعا، وفي قوله (فلما آتوه موثقهم) قال: # عهدهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله (إلا أن يحاط بكم) قال إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك. # سورة يوسف الآية (67 - 76) لما تجهز أولاد يعقوب للمسير إلى مصر خاف ~~عليهم أبوهم أن تصيبهم العين لكونهم كانوا ذوي جمال ظاهر وثياب حسنة مع ~~كونهم أولاد رجل واحد، فنهاهم أن يدخلوا مجتمعين من باب واحد لأن في ذلك ~~مظنة لإصابة الأعين لهم، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، ولم يكتف بقوله ~~(لا تدخلوا من باب واحد) عن قوله PageV03P040 # (وادخلوا من أبواب متفرقة) لأنهم لو دخلوا من بابين مثلا كانوا قد ~~امتثلوا النهي عن الدخول من باب واحد، ولكنه لما كان في الدخول من بابين ~~مثلا نوع اجتماع يخشى معه أن تصيبهم العين أمرهم أن يدخلوا من أبواب ~~متفرقة، قيل وكانت أبواب مصر أربعة. # وقد أنكر بعض المعتزلة كأبي هاشم والبلخي أن للعين تأثيرا، وقالا: لا ~~يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشئ وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن ~~يغير الله ذلك الشئ، حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقا به. وليس هذا ~~بمستنكر من هذين وأتباعهما. فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنة بمجرد ~~الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأي مانع من إصابة العين بتقدير الله ~~سبحانه لذلك؟ وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حق، وأصيب بها جماعة في ~~عصر النبوة، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأعجب من إنكار ~~هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من ms1883 الإزراء على من ~~يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي والتنطع في العبارات ~~كالزمخشري في تفسيره، فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع دليل الشرع ~~بالاستبعاد الذي يدعيه على العقل حتى يضم إلى ذلك الوقاحة في العبارة على ~~وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة والمذاهب الزائفة. وبالجملة فقول ~~هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتد به من هذه الأمة سلفا وخلفا، ~~وبما هو مشاهد في الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع ~~الحيوان هلك بهذا السبب، وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين، فقال ~~قوم: يمنع من الاتصال بالناس دفعا لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته - وقيل ~~ينفى، وأبعد من قال إنه يقتل إلا إذا كان يتعمد ذلك وتتوقف إصابته على ~~اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك، فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل. ثم قال ~~يعقوب لأولاده (وما أغنى عنكم من الله من شئ) أي لا أدفع عنكم ضررا ولا ~~أجلب إليكم نفعا بتدبيري هذا، بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة. # قال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع ~~الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم. وقال آخرون: ما كان يغنى عنهم يعقوب شيئا ~~قط حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم، ثم صرح يعقوب ~~بأنه لا حكم إلا لله سبحانه فقال (إن الحكم إلا لله) لا لغيره ولا يشاركه ~~فيه مشارك في ذلك (عليه توكلت) في كل إيراد وإصدار لا على غيره: أي اعتمدت ~~ووثقت (وعليه) لا على غيره (فليتوكل المتوكلون) على العموم، ويدخل فيه ~~أولاده دخولا أوليا (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) أي من الأبواب ~~المتفرقة ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد. وجواب لما (ما كان يغنى عنهم) ~~ذلك الدخول (من الله) أي من جهته (من شئ) من الأشياء مما قدره الله عليهم ~~لأن الحذر لا يدفع القدر. والاستثناء بقوله (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) ~~منقطع، والمعنى: ولكن حاجة كانت في ms1884 نفس يعقوب. وهى شفقته عليهم ومحبته ~~لسلامتهم قضاها يعقوب: أي أظهرها لهم ووصاهم بها غير معتقد أن للتدبير الذي ~~دبره لهم تأثيرا في دفع ما قضاه الله عليهم - وقيل إنه خطر ببال يعقوب أن ~~الملك إذا رآهم مجتمعين مع ما يظهر فيهم من كمال الخلقة، وسيما الشجاعة ~~أوقع بهم حسدا وحقدا أو خوفا منهم. فأمرهم بالتفرق لهذه العلة. وقد اختار ~~هذا النحاس وقال: لا معنى للعين ها هنا، وفيه أن هذا لو كان هو السبب ~~لأمرهم بالتفرق ولم يخص النهي عن ذلك بالاجتماع عند الدخول من باب واحد، ~~لأن هذا الحسد أو الخوف يحصل باجتماعهم داخل المدينة كما يحصل باجتماعهم ~~عند الدخول من باب واحد. وقيل إن فاعل في قضاها ضمير يعود إلى الدخول لا ~~إلى يعقوب. والمعنى: ما كان الدخول يغني عنهم من جهة الله شيئا، و لكنه قضى ~~ذلك الدخول حاجة في نفس يعقوب لوقوعه حسب إرادته (وإنه لذو علم لما علمناه) ~~أي وإن PageV03P041 # يعقوب لصاحب علم لأجل تعليم الله إياه بما أوحاه الله من أن الحذر لا ~~يدفع القدر. وأن ما قضاه الله سبحانه فهو كائن لا محالة (ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون) بذلك كما ينبغي، وقيل لا يعلمون أن الحذر مندوب إليه وإن كان لا ~~يغني من القدر شيئا، والسياق يدفعه، وقيل المراد بأكثر الناس المشركون ~~(ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه) أي ضم إليه أخاه بنيامين، قيل إنه أمر ~~بإنزال كل اثنين في منزل فبقى أخوه منفردا فضمه إليه و (قال إني أنا أخوك) ~~يوسف، قال له ذلك سرا، من دون أن يطلع عليه إخوته (فلا تبتئس) أي فلا تحزن ~~(بما كانوا يعملون) أي إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها، وقيل إنه لم ~~يخبره بأنه يوسف، بل قال له: إني أخوك مكان أخيك يوسف فلا تحزن بما كنت ~~تلقاه منهم من الجفاء حسدا وبغيا، وقيل إنه أخبره بما سيدبره هو معهم من ~~جعل السقاية في رحله، فقال لا أبالي، وقيل إنه لما أخبر يوسف ms1885 أخاه بنيامين ~~بأنه أخوه قال: لا تردني إليهم، فقال قد علمت اغتمام أبينا يعقوب فإذا ~~حبستك عندي ازداد غمه، فأتى بنيامين فقال له يوسف: لا يمكن حبسك عندي إلا ~~بأن أنسبك إلى مالا يجمل بك، فقال لا أبالي. فدس الصاع في رحله، وهو المراد ~~بالسقاية وأصلها المشربة التي يشرب بها جعلت صاعا يكال به، وقيل كانت تسقى ~~بها الدواب ويكال بها الحب، وقيل كانت من فضة وقيل كانت من ذهب. وقيل غير ~~ذلك. وقد تقدم تفسير الجهاز والرحل. والمعنى: أنه جعل السقاية التي هو ~~الصواع في رحل أخيه الذي هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من ~~مصر (ثم) بعد ذلك (أذن مؤذن) أي نادى مناد قائلا (أيتها العير) قال الزجاج: ~~معناه يا أصحاب العير. وكل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو ~~عير، وقيل هي قافلة الحمير. وقال أبو عبيدة: العير الإبل المرحولة المركوبة ~~(إنكم لسارقون) نسبة السرق إليهم على حقيقتها، لأن المنادي غير عالم بما ~~دبره يوسف. وقيل إن المعنى: إن حالكم حال السارقين كون الصواع صار لديكم من ~~غير رضا من الملك (قالوا) أي إخوة يوسف (وأقبلوا عليهم) أي حال كونهم ~~مقبلين على من نادى منهم المنادي من أصحاب الملك (ماذا تفقدون) أي ما الذي ~~فقدتموه. يقال فقدت الشئ إذا عدمته بضياع أو نحوه، فكأنهم قالوا ماذا ضاع ~~عليكم؟ وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة (قالوا) في جوابهم (نفقد صواع ~~الملك) قرأ يحيى بن يعمر " صواغ " بالغين المعجمة. وقرأ أبو رجاء " صوع " ~~بضم الصاد المهملة وسكون الواو بعدها عين مهملة. وقرأ أبي " صياع ". وقرأ ~~أبو جعفر صاع. وبها قرأ أبو هريرة. وقرأ الجمهور " صواع " بالصاد والعين ~~المهملتين. قال الزجاج: الصواع هو الصاع بعينه. وهو يذكر ويؤنث، وهو ~~السقاية، ومنه قول الشاعر: نشرب الخمر بالصواع جهارا (ولمن جاء به حمل ~~بعير) أي قالوا: ولمن جاء بالصواع من جهة نفسه حمل بعير. والبعير الجمل، ~~وفي لغة بعض العرب أنه الحمار، والمراد بالحمل ها هنا ما يحمله البعير من ms1886 ~~الطعام، ثم قال المنادي (وأنا به زعيم) أي بحمل البعير الذي جعل لمن جاء ~~بالصواع قبل التفتيش للأوعية، والزعيم هو الكفيل، ولعل القائل نفقد صواع ~~الملك هو المنادى، وإنما نسب القول إلى الجماعة لكونه واحدا منهم، ثم رجع ~~الكلام إلى نسبة القول إلى المنادى وحده لأنه القائل بالحقيقة (قالوا تالله ~~لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض) التاء بدل من واو القسم عند الجمهور، ~~وقيل من الباء، وقيل أصل بنفسها، ولا تدخل إلا على هذا الاسم الشريف دون ~~سائر أسمائه سبحانه، وقد دخلت نادرا على الرب، وعلى الرحمن، والكلام على ~~هذا مستوفى في علم الإعراب، وجعلوا المقسم عليه هو علم يوسف وأصحابه بنزاهة ~~جانبهم وطهارة ذيلهم عن التلوث بقذر الفساد في الأرض الذي من أعظم أنواعه ~~السرقة، لأنهم قد شاهدوا منهم في قدومهم عليه المرة الأولى، وهذه المرة من ~~التعفف والزهد عما هو دون السرقة بمراحل ما يستفاد منه العلم الجازم بأنهم ~~ليسوا بمن يتجارأ على هذا PageV03P042 # النوع العظيم من أنواع الفساد، ولو لم يكن من ذلك إلا ردهم لبضاعتهم التي ~~وجدوها في رحالهم، والمراد بالأرض هنا أرض مصر، ثم أكدوا هذه الجملة التي ~~أقسموا بالله عليها بقولهم (وما كنا سارقين) لزيادة التبري مما قرفوهم به ~~والتنزه عن هذه النقيصة الخسيسة والرذيلة الشنعاء (قالوا فما جزاؤه إن كنتم ~~كاذبين) هذه الجملة مستأنفة كما تقدم غير مرة في نظائرها. والقائلون هم ~~أصحاب يوسف، أو المنادى منهم وحده كما مر، والضمير في جزاؤه للصواع على حذف ~~مضاف: أي فما جزاء سرقة الصواع عندكم، أو الضمير للسارق، أي فما جزاء سارق ~~الصواع عندكم (إن كنتم كاذبين) فيما تدعونه لأنفسكم من البراءة عن السرقة، ~~وذلك بأن يوجد الصواع معكم، فأجاب أخوة يوسف و (قالوا جزاؤه من وجد في رحله ~~فهو جزاؤه) أي جزاء سرقة الصواع أو جزاء سارق الصواع وجزاؤه مبتدأ، والجملة ~~الشرطية: وهى من وجد في رحله فهو جزاؤه خبر المبتدأ على إقامة الظاهر مقام ~~المضمر فيها، والأصل جزاؤه من وجد في رحله ms1887 فهو، فيكون الضمير الثاني عائد ~~إلى المبتدأ، والأول إلى من، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ من وجد في رحله، ~~والتقدير: جزاء السرقة للصواع أخذ من وجد في رحله، وتكون جملة فهو جزاؤه ~~لتأكيد الجملة الأولى وتقريرها، قال الزجاج: وقوله (فهو جزاؤه) زيادة في ~~البيان: أي جزاؤه أخذ السارق فهو جزاؤه لا غير. قال المفسرون: وكان حكم ~~السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوهم في جزائه (كذلك نجزى ~~الظالمين) أي مثل ذلك الجزاء الكامل نجزي الظالمين لغيرهم من الناس بسرقة ~~أمتعتهم، وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها إذا كانت من كلام إخوة يوسف، ويجوز ~~أن تكون من كلام أصحاب يوسف: أي كذلك نحن نجزي الظالمين بالسرق. ثم لما ~~ذكروا جزاء السارق أرادوا أن يفتشوا أمتعتهم حتى يتبين الأمر، فأقبل يوسف ~~على ذلك (فبدأ) تفتيش (أوعيتهم) أي أوعية الإخوة العشرة (قبل وعاء أخيه) أي ~~قبل تفتيشه لوعاء أخيه بنيامين دفعا للتهمة ورفعا لما دبره من الحيلة (ثم ~~استخرجها) أي السقاية أو الصواع، لأنه يذكر ويؤنث (كذلك كدنا ليوسف) أي مثل ~~ذلك الكيد العجيب كدنا ليوسف: يعني علمناه إياه وأوحيناه إليه. والكيد ~~مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في ~~أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه، وهو محمول في حق الله سبحانه على النهاية لا ~~على البداية. قال القتيبي: معنى كدنا دبرنا. وقال ابن الأنباري: أردنا. وفي ~~الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة ~~والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) أي ~~ما كان يوسف ليأخذ أخاه بنيامين في دين الملك: أي ملك مصر، وفي شريعته التي ~~كان عليها، بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون ~~الاستعباد سنة كما هو دين يعقوب وشريعته. وحاصله أن يوسف ما كان يتمكن من ~~إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفا لدين الملك وشريعته لولا ما كاد ~~الله له ودبره وأراده حتى وجد ms1888 السبيل إليه: وهو ما أجراه على ألسن إخوته من ~~قولهم: إن جزاء السارق الاسترقاق. فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله وتدبيره. ~~وهو معنى قوله (إلا أن يشاء الله) أي إلا حال مشيئته وإذنه بذلك وإرادته ~~له. وهذه الجملة: أعني ما كان ليأخذ أخاه الخ تعليل لما صنعه الله من الكيد ~~ليوسف أو تفسير له (نرفع درجات من نشاء) بضروب العلوم والمعارف والعطايا ~~والكرامات كما رفعنا درجة يوسف بذلك (وفوق كل ذي علم) ممن رفعه الله بالعلم ~~(عليم) أرفع رتبة منهم وأعلى درجة لا يبلغون مداه ولا يرتقون شأوه. # وقيل معنى ذلك: أن فوق كل أهل العلم عليم وهو الله سبحانه وقد أخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وقال يا بنى لا تدخلوا من باب ~~واحد) قال: # رهب يعقوب عليهم العين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ~~محمد بن كعب قال: خشي عليهم العين. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو ~~الشيخ عن النخعي في قوله (وادخلوا من أبواب متفرقة) قال: PageV03P043 # أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (إلا حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها) قال: خيفة العين على بنيه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن قتادة في قوله (وإنه لذو علم لما علمناه) قال: إنه لعامل بما علم، ومن ~~لا يعمل لا يكون عالما. وأخرج هؤلاء عنه في قوله (آوى إليه أخاه) قال: ضمه ~~إليه. وفى قوله (فلا تبتئس) قال: # لا تحزن ولا تيأس، وفى قوله (فلما جهزهم بجهازهم) قال: قضى حاجتهم وكال ~~لهم طعامهم، وفي قوله (جعل السقاية) قال: هو إناء الملك الذي يشرب منه (في ~~رحل أخيه) قال: في متاع أخيه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف ~~عن ابن عباس في قوله (جعل السقاية) قال: هو الصواع. وكل شئ يشرب منه فهو ~~صواع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ms1889 وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (أيتها العير) قال: كانت العير حميرا. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (ولمن جاء ~~به حمل بعير) قال: حمل حمار طعام، وهى لغة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (وأنا به زعيم) يقول: كفيل. # وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله (ما جئنا لنفسد في ~~الأرض) يقول: ما جئنا لنعصي في الأرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~زيد في قوله (فما جزاؤه) قال: عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا من وجد في رحله ~~فهو جزاؤه، وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته ~~عبدا يسترق. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن قتادة في قوله (فبدأ بأوعيتهم) قال: ذكر لنا أنه كان كلما فتح ~~متاع رجل استغفر تأثما مما صنع حتى بقي متاع الغلام قال ما أظن أن هذا أخذ ~~شيئا. قالوا بلى فاستبره، وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن الضحاك في قوله (كذلك كدنا ليوسف) قال: # كذلك صنعنا ليوسف (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) يقول: في سلطان ~~الملك. قال: كان في دين ملكهم أنه من سرق أخذت منه السرقة ومثلها معها من ~~ماله فيعطيه المسروق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) يقول: في سلطان الملك. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (إلا أن يشاء ~~الله) قال: إلا بعلة كادها الله ليوسف فاعتل بها. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو ms1890 الشيخ عنه في قوله (نرفع درجات من نشاء) قال: يوسف وإخوته ~~أوتوا علما فرفعنا يوسف في العلم فوقهم درجة. وأخرج الفريابي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن ~~عباس فحدث بحديث. فقال رجل عنده (وفوق كل ذي علم عليم) فقال ابن عباس: بئس ~~ما قلت، الله العليم الخبير، وهو فوق كل عالم. وأخرج ابن جرير عن محمد بن ~~كعب قال: # سأل رجل عليا عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل ليس هكذا ولكن كذا وكذا، ~~قال علي: أصبت وأخطأت (وفوق كل ذي علم عليم). وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عكرمة في قوله ~~(وفوق كل ذي علم عليم) قال: علم الله فوق كل عالم. # سورة يوسف الآية (77) PageV03P044 # سورة يوسف الآية (78 82) قوله (قالوا إن يسرق) أي بنيامين (فقد سرق أخ له ~~من قبل) يعنون يوسف. وقد اختلف المفسرون في هذه السرقة التي نسبوها إلى ~~يوسف ما هي؟ فقيل إنه كان ليوسف عمة هي أكبر من يعقوب. وكانت عندها منطقة ~~إسحاق لكونها أسن أولاده وكانوا يتوارثونها فيأخذها الأكبر سنا من ذكر أو ~~أنثى. وكانت قد حضنت يوسف وأحبته حبا شديدا. فلما ترعرع قال لها يعقوب: ~~سلمي يوسف إلي فأشفقت من فراقه واحتالت في بقائه لديها، فجعلت المنطقة تحت ~~ثيابه وحزمته بها، ثم قالت: قد سرقت منطقة إسحاق فانظروا من سرقها. فبحثوا ~~عنها فوجدوها مع يوسف فأخذته عندها كما هو شرع الأنبياء في ذلك الوقت من آل ~~إبراهيم. وقد سبق بيان شريعتهم في السرقة - وقيل إن يوسف أخذ صنما كان لجده ~~أبي أمه فكسره وألقاه على الطريق تغييرا للمنكر. وحكى عن الزجاج أنه كان ~~صنما من ذهب. وحكى الواحدي عن الزجاج أنه قال: الله أعلم. # أسرق أخ له أم لا؟ وحكى القرطبي في تفسيره عن الزجاج أنه قال: كذبوا عليه ~~فيما نسبوه إليه. قلت: وهذا أولى. فما هذه الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ms1891 ~~ما يدفع قول من قال إنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم. قوله ~~(فأسرها يوسف في نفسه) قال الزجاج وغيره: الضمير في أسرها يعود إلى الكلمة ~~أو الجملة. # كأنه قيل فأسر الجملة في نفسه (ولم يبدها لهم) ثم فسرها بقوله (قال أنتم ~~شر مكانا) وقد رد أبو علي الفارسي هذا فقال: إن هذا النوع من الإضمار على ~~شريطة التفسير غير مستعمل، وقيل الضمير عائد إلى الإجابة: أي أسر يوسف ~~إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر، وقيل أسر في نفسه قولهم: إن يسرق فقد ~~سرق أخ له من قبل، وهذا هو الأولى، ويكون معنى (ولم يبدها لهم) أنه لم يبد ~~لهم هذه المقالة التي أسرها في نفسه بأن يذكر لهم صحتها أو بطلانها، وجملة ~~(قال أنتم شر مكانا) مفسرة على القول الأول، ومستأنفة على القولين الآخرين، ~~كأنه قيل: # فماذا قال يوسف لما قالوا هذه المقالة؟ أي أنتم شر مكانا: أي موضعا ~~ومنزلا ممن نسبتموه إلى السرقة وهو برئ، فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء ~~يوسف إلى الجب والكذب على أبيكم وغير ذلك من أفاعيلكم، ثم قال (والله أعلم ~~بما تصفون) من الباطل بنسبة السراق إلى يوسف، وأنه لا حقيقة لذلك، ثم ~~أرادوا أن يستعطفوه ليطلق له أخاهم بنيامين يكون معهم يرجعون به إلى أبيهم ~~لما تقدم من أخذه الميثاق عليهم بأن يردوه إليه، (فقالوا يا أيها العزيز إن ~~له أبا شيخا كبيرا) أي إن لبنيامين هذا أبا متصفا بهذه الصفة، وهى كونه ~~شيخا كبيرا لا يستطيع فراقه ولا يصبر عنه ولا يقدر على الوصول إليه (فخذ ~~أحدنا مكانه) يبقى لديك، فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا فلا ~~يتضرر بفراق أحدنا كما لا يتضرر بفراق بنيامين، ثم عللوا ذلك بقوله (إنا ~~نراك من المحسنين) إلى الناس كافة. PageV03P045 # وإلينا خاصة، فتمم إحسانك إلينا بإجابتنا إلى هذا المطلب، فأجاب يوسف ~~عليهم بقوله (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) أي نعوذ بالله ~~معاذا، أنه فهو ms1892 مصدر منصوب بفعل محذوف، والمستعيذ بالله هو المعتصم به. وأن ~~نأخذ منصوب بنزع الخافض، والأصل من أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، وهو ~~بنيامين لأنه الذي وجد الصواع في رحله فقد حل لنا استعباده بفتواكم التي ~~أفتيتمونا بقولكم - جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه -، (إنا إذا لظالمون) ~~أي إنا إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده لظالمون في دينكم وما تقتضيه ~~فتواكم (فلما استيئسوا منه) أي يئسوا من يوسف وإسعافهم منه إلى مطلبهم الذي ~~طلبوه. والسين والتاء للمبالغة (خلصوا نجيا) أي انفردوا حال كونهم متناجين ~~فيما بينهم، وهو مصدر يقع على الواحد والجمع كما في قوله - وقربناه نجيا -. ~~قال الزجاج: معناه انفردوا وليس معهم أخوهم متناجين فيما يعملون به في ~~ذهابهم إلى أبيهم من غير أخيهم (قال كبيرهم)، قيل هو روبيل لأنه الأسن، ~~وقيل يهوذا لأنه الأوفر عقلا، وقيل شمعون لأنه رئيسهم (ألم تعلموا أن أباكم ~~قد أخذ عليكم موثقا من الله) أي عهدا من الله في حفظ ابنه ورده إليه. ومعنى ~~كونه من الله أنه بإذنه (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) معطوف على ما قبله، ~~والتقدير: ألم تعلموا أن أباكم وتعلموا تفريطكم في يوسف، ذكر هذا النحاس ~~وغيره، ومن قبل متعلقة بتعلموا: أي وتعلموا تفريطكم في يوسف من قبل، على أن ~~ما مصدرية، ويجوز أن تكون زائدة، وقيل ما فرطتم مرفوع المحل على الابتداء، ~~وخبره من قبل، وقيل إن ما موصولة أو موصوفة، وكلاهما في محل النصب أو ~~الرفع، وما ذكرناه هو الأولى، ومعنى فرطتم: قصرتم في شأنه، ولم تحفظوا عهد ~~أبيكم فيه (فلن أبرح الأرض)، يقال برح براحا وبروحا: أي زال، فإذا دخله ~~النفي صار مثبتا: # أي لن أبرح من الأرض، بل ألزمها ولا أزال مقيما فيها (حتى يأذن لي أبى) ~~في مفارقتها والخروج منها. وإنما قال ذلك لأنه يستحى من أبيه أن يأتي إليه ~~بغير ولده الذي أخذ عليهم الموثق بإرجاعه إليه إلا أن يحاط بهم كما تقدم ~~(أو يحكم الله لي) بمفارقتها والخروج ms1893 منها، وقيل المعنى: أو يحكم الله لي ~~بخلاص أخي من الأسر حتى يعود إلى أبي وأعود معه، وقيل المعنى: أو يحكم الله ~~لي بالنصر على من أخذ أخي فأحاربه وآخذ أخي منه. أو أعجز فأنصرف بعد ذلك ~~(وهو خير الحاكمين) لأن أحكامه لا تجرى إلا على ما يوافق الحق. ويطابق ~~الصواب. ثم قال كبيرهم مخاطبا لهم (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ~~ابنك سرق) قرأ الجمهور " سرق " على البناء للفاعل، وذلك لأنهم قد شاهدوا ~~استخراج الصواع من وعائه. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو رزين على البناء ~~للمفعول. وروى ذلك النحاس عن الكسائي. قال الزجاج: إن سرق يحتمل معنيين: ~~أحدهما علم منه السرق. والآخر اتهم بالسرق (وما شهدنا إلا بما علمنا) من ~~استخراج الصواع من وعائه: وقيل المعنى: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق ~~إلا بما علمنا من شريعتك وشريعة آبائك (وما كنا للغيب حافظين) حتى يتضح لنا ~~هل الأمر على ما شاهدناه أو على خلافه؟ وقيل المعنى: ما كنا وقت أخذنا له ~~منك ليخرجا معنا إلى مصر للغيب حافظين بأنه سيقع منه السرق الذي افتضحنا ~~به، وقيل الغيب هو الليل، ومرادهم أنه سرق وهم نيام. وقيل مرادهم أنه فعل ~~ذلك وهو غائب عنهم، فخفي عليهم فعله (واسأل القرية التي كنا فيها) هذا من ~~تمام قول كبيرهم لهم: أي قولوا لأبيكم اسأل القرية التي كنا فيها: أي مصر، ~~والمراد أهلها: أي اسأل أهل القرية: وقيل هي قرية من قرى مصر نزلوا فيها و ~~امتاروا منها، وقيل المعنى: واسأل القرية نفسها وإن كانت جمادا فإنك نبي ~~الله، والله سبحانه سينطقها فتجيبك، ومما يؤيد هذا أنه قال سيبويه: لا يجوز ~~كلم هندا وأنت تريد غلام هند (والعير التي أقبلنا فيها) أي وقولوا لأبيكم ~~اسأل العير التي أقبلنا فيها: أي أصحابها وكانوا قوما معروفين من جيران ~~يعقوب (وإنا لصادقون) فيما قلنا، جاءوا PageV03P046 # بهذه الجملة مؤكدة هذا التأكيد لأن ما قد تقدم منهم مع أبيهم يعقوب يوجب ~~كمال الريبة في خبرهم هذا عند ms1894 السامع. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (إن يسرق فقد سرق أخ له ~~من قبل) قال: يعنون يوسف. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: سرق مكحلة ~~لخالته، يعنى يوسف. وأخرج أبو الشيخ عن عطية قال: سرق في صباه ميلين من ~~ذهب. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~سرق يوسف صنما لجده أبي أمه من ذهب وفضة فكسره وألقاه على الطريق فعيره ~~بذلك إخوته ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~سعيد بن جبير مثله غير مرفوع. وقد روى نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فأسرها يوسف في نفسه) قال: ~~أسر في نفسه قوله (أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون) وأخرج عبد الرزاق ~~وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~إسحاق في قوله (فلما استيئسوا منه) قال: أيسوا منه. ورأوا شدته في أمره. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (خلصوا نجيا) قال: وحدهم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في قوله (قال كبيرهم) قال: شمعون الذي تخلف أكبرهم عقلا، وأكبر منه ~~في الميلاد روبيل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة (قال ~~كبيرهم) هو روبيل، وهو الذي كان نهاهم عن قتله وكان أكبر القوم. وأخرج ابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله (أو يحكم الله لي) قال: أقاتل بسيفي حتى أقتل. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن عكرمة (وما كنا للغيب حافظين) قال: ما كنا نعلم أن ابنك ~~يسرق. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (واسأل ~~القرية) قال: يعنون مصر. ms1895 وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ~~مثله. # سورة يوسف الآية (83 88) قوله (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا) أي زينت. ~~والأمر هنا قولهم (إن ابنك سرق) وما سرق في الحقيقة. # وقيل المراد بالأمر إخراجهم بنيامين. والمضي به إلى مصر طلبا للمنفعة ~~فعاد ذلك بالمضرة، وقيل التسويل: # التخييل: أي خيلت لكم أنفسكم أمرا لا أصل له، وقيل الأمر الذي سولت لهم ~~أنفسهم فتياهم بأن السارق يؤخذ بسرقته. والإضراب هنا هو باعتبار ما أثبتوه ~~من البراءة لأنفسهم، لا باعتبار أصل الكلام فإنه صحيح، والجملة PageV03P047 # مستأنفة مبنية على سؤال مقدر كغيرها، وجملة (فصبر جميل) خبر مبتدأ محذوف ~~أو مبتدأ خبره محذوف: أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل بي وأولى لي ~~والصبر الجميل هو الذي لا يبوح صاحبه بالشكوى بل يفوض أمره إلى الله ~~ويسترجع، وقد ورد أن الصبر عند أول الصدمة (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) ~~أي بيوسف وأخيه بنيامين، والأخ الثالث الباقي بمصر، وهو كبيرهم كما تقدم، ~~وإنما قال هكذا لأنه قد كان عنده أن يوسف لم يمت، وأنه باق على الحياة وإن ~~غاب عنه خبره (إنه هو العليم) بحالي (الحكيم) فيما يقضي به (وتولى عنهم) أي ~~أعرض عنهم، وقطع الكلام معهم (وقال يا أسفا على يوسف). قال الزجاج: الأصل ~~يا أسفي. فأبدل من الياء ألفا لخفة الفتحة، والأسف: شدة الجزع، وقيل شدة ~~الحزن، ومنه قول كثير: # فيا أسفا للقلب كيف انصرافه * وللنفس لما سليت فتسلت قال يعقوب هذه ~~المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف، وانضمام فراقه ~~لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرا عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه، ~~وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير. وقد روى عن سعيد بن ~~جبير أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع والصبر على ~~المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال: يا أسفا على يوسف. ومعنى المناداة ~~للأسف طلب حضوره، كأنه قال: # تعال يا أسفي وأقبل إلى ms1896 (وابيضت عيناه من الحزن) أي انقلب سواد عينيه ~~بياضا من كثرة البكاء. قيل إنه زال إدراكه بحاسة البصر بالمرة، وقيل كان ~~يدرك إدراكا ضعيفا. وقد قيل في توجيه ما وقع من يعقوب عليه السلام من هذا ~~الحزن العظيم المفضي إلى ذهاب بصره كلا أو بعضا بأنه إنما وقع منه ذلك لأنه ~~علم أن يوسف حي، فخاف على دينه مع كونه بأرض مصر وأهلها حينئذ كفار، وقيل ~~إن مجرد الحزن ليس بمحرم، وإنما المحرم ما يفضى منه إلى الوله وشق الثياب ~~والتكلم بما لا ينبغي، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند موت ولده ~~إبراهيم " تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا ~~إبراهيم لمحزونون ". ويؤيد هذا قوله (فهو كظيم) أي مكظوم، فإن معناه: أنه ~~مملوء من الحزن ممسك له لا يبثه، ومنه كظم الغيظ وهو إخفاؤه، فالمكظوم ~~المسدود عليه طريق حزنه، من كظم السقاء: إذا سده على ما فيه، والكظم بفتح ~~الظاء: مخرج النفس، يقال أخذ بأكظامه وقيل الكظيم بمعنى الكاظم: أي المشتمل ~~على حزنه الممسك له، ومنه: # فإن أك كاظما لمصاب ناس * فإني اليوم منطلق لساني ومنه - والكاظمين الغيظ ~~-. وقال الزجاج: معنى كظيم: محزون. وروى عن ابن عباس أنه قال: معناه مغموم ~~مكروب. قال بعض أهل اللغة: الحزن بالضم والسكون: البكاء، وبفتحتين: ضد ~~الفرح. وقال أكثر أهل اللغة: هما لغتان بمعنى (قالوا تالله تفتؤا تذكر ~~يوسف) أي لا تفتؤ، فحذف حرف النفي لعدم اللبس. قال الكسائي: فتأت وفتئت ~~أفعل كذا: أي ما زلت. وقال الفراء: إن لا مضمرة: أي لا تفتأ. قال النحاس: ~~والذي قال صحيح. وقد روى عن الخليل وسيبويه مثل قول الفراء، وأنشد الفراء ~~محتجا على ما قاله: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ويقال فتئ وفتأ ~~لغتان، ومنه قول الشاعر: # فما فتئت حتى كأن غبارها * سرادق يوم ذي رياح ترفع (حتى تكون حرضا) الحرض ~~مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والصفة المشبهة، حرض ~~PageV03P048 # بكسر الراء ms1897 كدنف ودنف، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو ~~العشق أو الهرم، حكى ذلك عن أبي عبيدة وغيره، ومنه قول الشاعر: # سرى همي فأمرضني * وقد ما زادني مرضا * كذاك الحب قبل اليوم * مما يورث ~~الحرضا وقيل الحرض: ما دون الموت، وقيل الهرم، وقيل الحارض: البالي الدائر. ~~وقال الفراء: الحارض: الفاسد الجسم والعقل، وكذا الحرض. وقال مؤرج: هو ~~الذائب من الهم، ويدل عليه قول الشاعر: # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني * حتى بليت وحتى شفني السقم ويقال رجل محرض، ~~ومنه قول الشاعر: # طلبته الخيل يوما كاملا * ولو ألفته لأضحى محرضا قال النحاس: وحكى أهل ~~اللغة أحرضه الهم: إذا أسقمه. ورجل حارض: أي أحمق. وقال الأخفش: # الحارض الذاهب. وقال ابن الأنباري: هو الهالك. والأولى تفسير الحرض هنا ~~بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة حتى يكون لقوله (أو تكون من ~~الهالكين) معنى غير معنى الحرض، فالتأسيس أولى من التأكيد، ومعنى من ~~الهالكين: من الميتين، وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه وإن ~~كانوا هم سبب أحزانه ومنشأ همومه وغمومه (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله) هذه الجملة مستأنفة، كأنه قيل فما قال يعقوب لما قالوا له ما قالوا؟ ~~والبث: ما يرد على الإنسان من الأشياء التي يعظم حزن صاحبها بها حتى لا ~~يقدر على إخفائها. # كذا قال أهل اللغة، وهو مأخوذ من بثثته: أي فرقته، فسميت المصيبة بثا ~~مجازا. قال ذو الرمة: # وقفت على ربع لمية يا فتى * فما زلت أبكى عنده وأخاطبه * وأسقيه حتى كاد ~~مما أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه وقد ذكر المفسرون أن الإنسان إذا قدر على ~~كتم ما نزل به من المصائب كان ذلك حزنا، وإن لم يقدر على كتمه كان ذلك بثا، ~~فالبث على هذا: أعظم الحزن وأصعبه، وقيل البث: الهم، وقيل هو الحاجة، وعلى ~~هذا القول يكون عطف الحزن على البث واضح المعنى. وأما على تفسير البث ~~بالحزن العظيم، فكأنه قال: إنما أشكو حزني العظيم وما دونه من الحزن إلى ~~الله لا ms1898 إلى غيره من الناس. وقد قرئ " حزني " بضم الحاء وسكون الزاي " ~~وحزني " بفتحهما (وأعلم من الله ما لا تعلمون) أي أعلم من لطفه وإحسانه ~~وثوابه على المصيبة ما لا تعلمونه أنتم، وقيل أراد علمه بأن يوسف حي، وقيل ~~أراد علمه بأن رؤياه صادقة، وقيل أعلم من إجابة المضطرين إلى الله مالا ~~تعلمون (يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) التحسس بمهملات: طلب الشئ ~~بالحواس، مأخوذ من الحس، أو من الإحساس: أي اذهبوا فتعرفوا خبر يوسف وأخيه ~~وتطلبوه. وقرئ بالجيم، وهو أيضا التطلب (ولا تيأسوا من روح الله) أي لا ~~تقنطوا من فرجه وتنفيسه. قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم ~~الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة. فكل ما يهتز الإنسان ~~بوجوده ويلتذ به فهو روح وحكى الواحدي عن الأصمعي أيضا أنه قال: الروح ~~الاستراحة من غم القلب. وقال أبو عمرو: الروح الفرج، وقيل الرحمة (إنه لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) لكونهم لا يعلمون بقدرة الله سبحانه، ~~وعظيم صنعه، 7 - فتح القدير - 3 - PageV03P049 # وخفى ألطافه. قوله (فلما دخلوا عليه) أي على يوسف. وفي الكلام حذف، ~~والتقدير: فذهبوا كما أمرهم أبوهم إلى مصر ليتحسسوا من يوسف وأخيه. فلما ~~دخلوا على يوسف (قالوا يا أيها العزيز) أي الملك الممتنع القادر (مسنا ~~وأهلنا الضر) أي الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة ~~إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من ~~العلة. وهذه المرة التي دخلوا فيها مصر هي المرة الثالثة كما يفيده ما تقدم ~~من سياق الكتاب العزيز (وجئنا ببضاعة مزجاة) البضاعة هي القطعة من المال ~~يقصد بها شراء شئ، يقال أبضعت الشئ واستبضعته: إذا جعلته بضاعة، وفي المثل ~~" كمستبضع التمر إلى هجر ". # والإزجاء: السوق بدفع. قال الواحدي: الإزجاء في اللغة السوق والدفع قليلا ~~قليلا، ومنه قوله تعالى - ألم تر أن الله يزجى سحابا -، والمعنى: أنها ~~بضاعة تدفع ولا يقبلها التجار. قال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير ms1899 ~~التامة. # قال أبو عبيدة: إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير ~~مقبولة. # واختلف في هذه البضاعة ما هي؟ فقيل كانت قديدا وحيسا. وقيل صوف وسمن. ~~وقيل الحبة الخضراء والصنوبر، وقيل دراهم رديئة، وقيل النعال والأدم. ثم ~~طلبوا منه بعد أن أخبروه بالبضاعة التي معهم أن يوفى لهم الكيل: أي يجعله ~~تاما لا نقص فيه، وطلبوا منه أن يتصدق عليهم إما بزيادة يزيدها لهم على ما ~~يقابل بضاعتهم. # أو بالإغماض عن رداءة البضاعة التي جاءوا بها، وأن يجعلها كالبضاعة ~~الجيدة في إيفاء الكيل لهم بها. وبهذا قال أكثر المفسرين، وقد قيل كيف ~~يطلبون التصدق عليهم وهم أنبياء والصدقة محرمة على الأنبياء. وأجيب باختصاص ~~ذلك بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله يجزى المتصدقين) بما ~~يجعله لهم من الثواب الأخروي، أو التوسيع عليهم في الدنيا. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (عسى الله ~~أن يأتيني بهم جميعا) قال: # يوسف وأخيه وروبيل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: يوسف ~~وأخيه وكبيرهم الذي تخلف وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ~~عن ابن عباس في قوله (يا أسفا على يوسف) قال: يا حزنا وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر عن قتادة مثله. وأخرجوا عن مجاهد قال: يا جزعا. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فهو كظيم) قال: حزين. وأخرج ابن ~~المبارك وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة قال كظم على الحزن فلم يقل إلا خيرا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~عطاء الخراساني قال: كظيم مكروب. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك قال: الكظيم ~~الكمد. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن الجرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (تالله تفتؤا تذكر ~~يوسف ms1900 قال: لا تزال تذكر يوسف (حتى تكون حرضا) قال: دنفا من المرض (أو تكون ~~من الهالكين) قال: الميتين. وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه وأخرج عبد الرزاق ~~وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (تفتؤا تذكر يوسف) قال: ~~لا تزال تذكر يوسف (حتى تكون حرضا) قال: هرما (أو تكون من الهالكين) قال: ~~أو تموت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن الضحاك (حتى تكون حرضا) قال: الحرض البالي (أو تكون من الهالكين) ~~قال: من الميتين. وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مسلم بن يسار يرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من بث لم يصبر، ثم قرأ (إنما أشكو ~~بثي وحزني إلى الله) " وأخرج ابن منده في المعرفة عن مسلم بن يسار عن ابن ~~مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. وأخرج ابن ~~PageV03P050 # مردويه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا مثله. وأخرجه ابن المنذر وابن ~~مردويه عن عبد الرحمن بن يعمر مرفوعا مرسلا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (إنما أشكو بثي) قال: همى. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عنه في قوله (وأعلم من الله ما لا تعلمون) قال: أعلم أن رؤيا ~~يوسف صادقة وأنى سأسجد له. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله (ولا تيأسوا من روح الله قال: من رحمة الله. ~~وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: ~~من فرج الله يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن قتادة في قوله (مسنا وأهلنا الضر) قال أي الضر في المعيشة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ببضاعة) قال: دراهم (مزجاة) قال: ~~كاسدة. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عنه قال: مزجاة ms1901 رثة المتاع خلقة الحبل والغرارة والشئ. ~~وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عنه أيضا مزجاة قال: الورق الزيوف التي لا تنفق حتى يوضع منها. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جرير في قوله (وتصدق علينا) قال: ~~أردد علينا أخانا. # سورة يوسف الآية (89 - 98) الاستفهام في قوله (هل علمتم) للتوبيخ ~~والتقريع، وقد كانوا عالمين بذلك، ولكنه أراد ما ذكرناه، ويستفاد منه تعظيم ~~الواقعة لكونه في قوة: ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وأخيه، وما أقبح ~~ما أقدمتم عليه؟ كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت؟ والذي فعلوا بيوسف هو ~~ما تقدم مما قصه الله سبحانه علينا في هذه السورة وأما ما فعلوا بأخيه. ~~فقال جماعة من المفسرين هو ما أدخلوه عليه من الغم بفراق أخيه يوسف، وما ~~كان يناله منهم من الاحتقار والإهانة، ولم يستفهمهم عما فعلوا بأبيهم يعقوب ~~مع أنه قد نالهم منهم ما قصه الله فيما سبق من صنوف الأذى. قال الواحدي: ~~ولم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيما له ورفعا من ~~قدره، PageV03P051 # وعلما بأن ذلك كان بلاء له من الله عز وجل ليزيد في درجته عنده (إذ أنتم ~~جاهلون) نفى عنهم العلم وأثبت لهم صفة الجهل، لأنهم لم يعملوا بما يقتضيه ~~العلم - وقيل إنه أثبت لهم صفة الجهل لقصد الاعتذار عنهم وتخفيف الأمر ~~عليهم، فكأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر وقت عدم علمكم ~~بما فيه من الإثم وقصور معارفكم عن عاقبته، وما يترتب عليه، أو أراد أنهم ~~عند ذلك في أوان الصبا وزمان الصغر، اعتذارا لهم ودفعا لما يدهمهم من الخجل ~~والحيرة مع علمه وعلمهم بأنهم كانوا في ذلك الوقت كبارا (قالوا أإنك لأنت ~~يوسف) قرأ ابن كثير " إنك " على الخبر بدون استفهام. وقرأ الباقون على ~~الاستفهام التقريري، وكان ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب: قيل سبب ~~معرفتهم له بمجرد قوله لهم (ما فعلتم بيوسف وأخيه) ms1902 أنهم لما قال لهم ذلك ~~تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو، وقيل إنه لما قال لهم بهذه ~~المقالة وضع التاج عن رأسه فعرفوه، وقيل إنه تبسم فعرفوا ثناياه (قال أنا ~~يوسف وهذا أخي) أجابهم بالاعتراف بما سألوه عنه، قال ابن الأنباري: أظهر ~~الاسم فقال أنا يوسف ولم يقل أنا هو. تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته. كأنه ~~قال: أنا المظلوم المستحل منه المحرم المراد قتله. # فاكتفى باظهار الاسم عن هذه المعاني. وقال: وهذا أخي مع كونهم يعرفونه ~~ولا ينكرونه. لأن قصده وهذا أخي المظلوم كظلمي (قد من الله علينا) بالخلاص ~~عما ابتلينا به، وقيل من الله علينا بكل خير في الدنيا والآخرة. # وقيل بالجمع بيننا بعد التفرق. ولا مانع من إرادة جميع ذلك (إنه من يتق ~~ويصبر) قرأ الجمهور بالجزم على أن من شرطية. وقرأ ابن كثير بإثبات الياء في ~~يتقي. كما في قول الشاعر: # ألم يأتيك والأنباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد وقيل إنه جعل من ~~موصولة لا شرطية، وهو بعيد. والمعنى: إنه من يفعل التقوى أو يفعل ما يقيه ~~عن الذنوب ويصبر على المصائب (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) على العموم، ~~فيدخل فيه ما يفيده السياق دخولا أوليا، وجاء بالظاهر، وكان المقام مقام ~~المضمر: أي أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان ~~(قالوا تالله لقد آثرك الله علينا) أي لقد اختارك وفضلك علينا بما خصك به ~~من صفات الكمال. وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره، ولا يلزم من ذلك أن لا ~~يكونوا أنبياء. فإن درج الأنبياء متفاوتة، قال الله تعالى - تلك الرسل ~~فضلنا بعضهم على بعض - (وإن كنا لخاطئين) أي وإن الشأن ذلك. قال أبو عبيدة: ~~خطئ وأخطأ بمعنى واحد. وقال الأزهري: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره. ~~ومنه قولهم: المجتهد يخطئ ويصيب، والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي. قالوا هذه ~~المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلابا لعفوه واستجذابا لصفحه ~~(قال لا تثريب عليكم) التثريب التعيير والتوبيخ: أي لا ms1903 تعيير ولا توبيخ. ~~ولا لوم عليكم. قال الأصمعي ثربت عليه: قبحت عليه فعله. وقال الزجاج: ~~المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة. ولكم عندي الصلح ~~والعفو، وأصل التثريب الإفساد، وهى لغة أهل الحجاز. وقال ابن الأنباري: ~~معناه قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب. قال ثعلب: ثرب فلان على ~~فلان إذا عدد عليه ذنوبه، وأصل التثريب من الثرب، وهو الشحم الذي هو غاشية ~~الكرش، ومعناه إزالة التثريب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع ~~وانتصاب اليوم بالتثريب: أي لا أثرب عليكم أو منتصب بالعامل المقدر في ~~عليكم وهو مستقر أو ثابت أو نحوهما أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم. وقد ~~جوز الأخفش الوقف على عليكم. فيكون اليوم متعلق بالفعل الذي بعده. وقد ذكر ~~مثل هذا ابن الأنباري، ثم دعا لهم بقوله (يغفر الله لكم) على تقدير الوقف ~~على اليوم، PageV03P052 # أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على عليكم (وهو ~~أرحم الراحمين) يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازى محسنهم ~~ويغفر لمسيئهم. قوله (اذهبوا بقميصي هذا) قيل هذا القميص هو القميص الذي ~~ألبسه الله إبراهيم لما ألقى في النار وكساه إبراهيم إسحاق وكساه إسحاق ~~يعقوب. وكان يعقوب أدرج هذا القميص في قضيبه وعلقه في عنق يوسف لما كان ~~يخاف عليه من العين، فأخبر جبريل يوسف أن يرسل به إلى يعقوب ليعود عليه ~~بصره لأن فيه ريح الجنة. وريح الجنة لا يقع على سقيم إلا شفى ولا مبتلى إلا ~~عوفي (فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا) أي يصر بصيرا على أن " يأت " هي التي ~~من أخوات كان. قال الفراء: يرجع بصيرا. وقال السدي: # يعد بصيرا. وقيل معناه: يأت إلى إلى مصر وهو بصير قد ذهب عنه العمى. ~~ويؤيده قوله (وأتوني بأهلكم أجمعين) أي جميع من شمله لفظ الأهل من النساء ~~والذراري، قيل كانوا نحو سبعين. وقيل ثلاثة وتسعين (ولما فصلت العير) أي ~~خرجت منطلقة من مصر إلى الشام، يقال فصل فصولا، ms1904 وفصلته فصلا، لازم ومتعد، ~~ويقال فصل من البلد فصولا: إذا انفصل عنه وجاوز حيطانه (قال أبوهم) أي ~~يعقوب لمن عنده في أرض كنعان من أهله (إني لأجد ريح يوسف) قيل إنها هاجت ~~ريح فحملت ريح القميص إلى يعقوب مع طول المسافة، فأخبرهم بما وجد، ثم قال ~~(لولا أن تفندون) لولا أن تنسبوني إلى الفند. وهو ذهاب العقل من الهرم. ~~يقال أفند الرجل: إذا خرف وتغير عقله. وقال أبو عبيدة: لولا أن تسفهون، ~~فجعل الفند السفه. وقال الزجاج: لولا أن تجهلون، فجعل الفند الجهل. ويؤيد ~~قول من قال إنه السفه قول النابغة: # إلا سليمان إذ قال المليك له * قم في البرية فاحددها عن الفند أي امنعها ~~عن السفه. وقال أبو عمرو الشيباني: التفنيد التقبيح، ومنه قول الشاعر: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيد * فليس ما فات من أمري بمردود وقيل هو الكذب، ~~ومنه قول الشاعر: # هل في افتخار الكريم من أود * أم هل لقول الصديق من فند وقال ابن ~~الأعرابي (لولا أن تفندون) لولا أن تضعفوا رأيي. وروى مثله عن أبي عبيدة. ~~وقال الأخفش: # التفنيد اللوم وضعف الرأي. وكل هذه المعاني راجع إلى التعجيز وتضعيف ~~الرأي. يقال فنده تفنيدا: إذا عجزه، وأفند: إذا تكلم بالخطأ. والفند: الخطأ ~~من الكلام، ومما يدل على إطلاقه على اللوم قول الشاعر: # يا عاذلي دعا الملام وأقصرا * طال الهوى وأطلتما التفنيدا أخبرهم يعقوب ~~بأن الصبا قد حملت إليه ريح حبيبه. وأنه لولا ما يخشاه من التفنيد لما شك ~~في ذلك: # فإن الصبا ريح إذا ما تنفست * على نفس مهموم تجلت همومها إذا قلت هذا حين ~~أسلو يهيجني * نسيم الصبا من حيث ما يطلع الفجر ولقد تهب لي الصبا من أرضها ~~* فيلذ مس هبوبها ويطيب (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) أي قال ~~الحاضرون عنده من أهله: إنك يا يعقوب لفي ذهابك عن طريق الصواب الذي كنت ~~عليه قديما من إفراط حبك ليوسف لا تنساه، ولا تفتر عنه، ولسان حال يعقوب ~~يقول لهم: # لا يعرف الشوق إلا من ms1905 يكابده * ولا الصبابة إلا من يعانيها PageV03P053 # لا تعذل المشتاق في أشواقه * حتى تكون حشاك في أحشائه وقيل المعنى: إنك ~~لفي جنونك القديم، وقيل في محبتك القديمة. قالوا له ذلك لأنه لم يكن قد ~~بلغهم قدوم البشير (فلما أن جاء البشير) قال المفسرون البشير: هو يهوذا بن ~~يعقوب قال لإخوته: أنا جئته بالقميص ملطخا بالدم، فأعطني اليوم قميصك ~~لأخبره أنك حي، فأفرحه كما أحزنته (ألقاه على وجهه) أي ألقى البشير قميص ~~يوسف على وجه يعقوب، أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه (فارتد بصيرا) الارتداد: ~~انقلاب الشئ إلى حال قد كان عليها، والمعنى: عاد ورجع إلى حالته الأولى من ~~صحة بصره (قال ألم أقل لكم) أي قال يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين قال ~~لهم: إني لأجد ريح يوسف: ألم أقل لكم هذا القول فقلتم ما قلتم، ويكون قوله ~~(إني أعلم من الله ما لا تعلمون) كلاما مبتدأ لا يتعلق بالقول، ويجوز أن ~~تكون جملة (إني أعلم من الله ما لا تعلمون) مقول القول، ويريد بذلك إخبارهم ~~بما قاله لهم سابقا - إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون - (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين) طلبوا منه أن ~~يستغفر لهم، واعترفوا بالذنب، وفي الكلام حذف، والتقدير: ولما رجعوا من مصر ~~ووصلوا إلى أبيهم قالوا هذا القول، فوعدهم بما طلبوه منه و (قال سوف استغفر ~~لكم ربى) قال الزجاج: أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر، لأنه أخلق ~~بإجابة الدعاء، لا أنه بخل عليهم بالاستغفار، وقيل أخره إلى ليلة الجمعة، ~~وقيل أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف، ولم يعلم أنه قد عفا عنهم، وجملة (إنه ~~هو الغفور الرحيم) تعليل لما قبله. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله (لا تثريب) قال: لا ~~تعيير، وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال " لما فتح ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة التفت إلى الناس ms1906 فقال: ماذا تقولون ~~وماذا تظنون؟ فقالوا: ابن عم كريم، فقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله ~~لكم " وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل ~~عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء ~~الخراساني قال: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ، ألم تر إلى ~~قول يوسف لا تثريب عليكم اليوم؟. وقال يعقوب (سوف أستغفر لكم ربى). # أقول: وفى هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم: لقد ~~آثرك الله علينا، فقال: # لا تثريب عليكم اليوم، لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم، وطلبوا من أبيهم ~~يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله عز وجل، ~~وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلا عليهم بسؤال الله لهم، ولا ~~سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة. فإنه لو طلبه لهم في ~~الحال لم يحصل له علم بالقبول وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن ~~منبه قال: لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان، كتب يعقوب إلى يوسف وهو لا ~~يعلم أنه يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى ~~عزيز آل فرعون، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما ~~بعد: فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء. # كان جدي إبراهيم خليل الله ألقى في النار في طاعة ربه. فجعلها الله عليه ~~بردا وسلاما. وأمر الله جدي أن يذبح له أبي ففداه الله بما فداه، وكان لي ~~ابن وكان من أحب الناس إلي ففقدته، فأذهب حزني عليه نور بصرى، وكان له أخ ~~من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب عني بعض وجدي. وهو المحبوس عندك ~~في السرقة. # وإني أخبرك أنى لم أسرق، ولم ألد سارقا، فلما قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح ~~وقال (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا) وأخرج أبو الشيخ ms1907 عن ~~أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في قوله (اذهبوا PageV03P054 # بقميصي هذا) أن نمروذ لما ألقى إبراهيم في النار نزل إليه جبريل بقميص من ~~الجنة وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يتحدث، ~~فأوحى الله إلى النار - كوني بردا وسلاما -. ولولا أنه قال و سلاما لأذاه ~~البرد. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعا " إن الله كسا إبراهيم ثوبا من ~~الجنة، فكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، فأخذه يعقوب فجعله في قصبة ~~من حديد وعلقه في عنق يوسف، ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه، فلما ~~أراد الله أن يرد يوسف على يعقوب كان بين رؤياه وتعبيره أربعون سنة أمر ~~البشير أن يبشره من ثمان مراحل، فوجد يعقوب ريحه فقال: إني لأجد ريح يوسف ~~لولا أن تفندون، فلما ألقاه على وجهه ارتد بصيرا، وليس يقع شئ من الجنة على ~~عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله ". وأخرج عبد الرزاق والفريابي ~~وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (ولما فصلت العير) قال: لما خرجت العير هاجت، ~~الريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون) ~~تسفهون، فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عنه قال: وجد ريحه من مسيرة عشرة أيام. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عنه ~~قال: وجده من مسيرة ثمانين فرسخا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أيضا ~~(لولا أن تفندون) قال: تجهلون. وأخرج ابن جرير عنه أيضا: قال تكذبون. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: تهرمون، يقولون قد ذهب ~~عقلك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع قال: لولا أن تحمقون. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (إنك لفي ضلالك القديم) ~~يقول: خطئك القديم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير قال: جنونك ms1908 ~~القديم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: حبك القديم. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: البشير البريد. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك ~~مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان قال: ~~البشير هو يهوذا بن يعقوب. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أن جاء ~~البشير إلى يعقوب فألقى عليه القميص قال: على أي دين خلفت يوسف؟ قال: على ~~الإسلام. قال: الآن تمت النعمة. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله (سوف أستغفر لكم ~~ربى) قال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: أخرهم إلى السحر، وكان يصلي بالسحر. وأخرج أبو الشيخ وابن ~~مردويه عنه قال: أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب. وأخرج ابن جرير ~~وأبو الشيخ عنه أيضا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصه " هو ~~قول أخي يعقوب لبنيه: سوف أستغفر لكم ربى " يقول حتى تأتي ليلة الجمعة سورة ~~يوسف الآية (99 - 100) PageV03P055 # سورة يوسف الآية (101) قوله (فلما دخلوا على يوسف) لعل في الكلام محذوفا ~~مقدرا. وهو فرحل يعقوب وأولاده وأهله إلى مصر فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أبويه: أي ضمهما وأنزلهما عنده. قال المفسرون: المراد بالأبوين هنا يعقوب ~~وزوجته خالة يوسف. لأن أمه قد كانت ماتت في ولادتها لأخيه بنيامين كما ~~تقدم، وقيل أحيا الله له أمه تحقيقا للرؤيا حتى سجدت له (وقال ادخلوا مصر ~~إن شاء الله آمنين) مما تكرهون، وقد كانوا فيما مضى يخافون ملوك مصر، ولا ~~يدخلونها إلا بجواز منهم. قيل والتقييد بالمشيئة عائد إلى الأمن، ولا مانع ~~من عوده إلى الجميع. لأن دخولهم لا يكون إلا بمشيئة الله سبحانه، كما أنهم ~~لا يكونون آمنين إلا بمشيئته، وقيل إن التقييد بالمشيئة راجع إلى قوله (سوف ~~أستغفر لكم ربى) وهو بعيد. وظاهر النظم القرآني: أن يوسف قال لهم هذه ms1909 ~~المقالة: أي ادخلوا مصر قبل دخولهم، وقد قيل في توجيه ذلك أنه تلقاهم إلى ~~خارج مصر، فوقف منتظرا لهم في مكان أو خيمة. # فدخلوا عليه ف (آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر) فلما دخلوا مصر ودخلوا ~~عليه دخولا أخر في المكان الذي له بمصر (رفع أبويه على العرش) أي أجلسهما ~~معه على السرير الذي يجلس عليه كما هو عادة الملوك (وخروا له سجدا) أي ~~الأبوان والأخوة، والمعنى: أنهم خروا ليوسف سجدا، وكان ذلك جائزا في ~~شريعتهم منزلا منزلة التحية، وقيل لم يكن ذلك سجودا بل هو مجرد إيماء. ~~وكانت تلك تحيتهم. وهو يخالف معنى: وخروا له سجدا. فإن الخرور في اللغة ~~المقيد بالسجود لا يكون إلا بوضع الوجه على الأرض، وقيل الضمير في قوله " ~~له " راجع إلى الله سبحانه أي وخروا لله سجدا، وهو بعيد جدا، وقيل إن ~~الضمير ليوسف، واللام للتعليل: أي وخروا لأجله، وفيه أيضا بعد وقال يوسف ~~(يا أبت هذا تأويل رؤياي) يعنى التي تقدم ذكرها (من قبل) أي من قبل هذا ~~الوقت (قد جعلها ربى حقا) بوقوع تأويلها على ما دلت عليه (وقد أحسن ربى إذ ~~أخرجني من السجن) الأصل أن يتعدى فعل الإحسان بإلى، وقد يتعدى بالباء كما ~~في قوله تعالى - وبالوالدين إحسانا - وقيل إنه ضمن أحسن معنى لطف: أي لطف ~~بي محسنا، ولم يذكر إخراجه من الجب، لأن في ذكره نوع تثريب للإخوة، وقد ~~قال: لا تثريب عليكم. # وقد تقدم سبب سجنه ومدة بقائه فيه، وقد قيل إن وجه عدم ذكر إخراجه من ~~الجب أن المنة كانت في إخراجه من السجن أكبر من المنة في إخراجه من الجب. ~~وفيه نظر (وجاء بكم من البدو) أي البادية. وهى أرض كنعان بالشام، وكانوا ~~أهل مواش وبرية، وقيل إن الله لم يبعث نبيا من البادية، وأن المكان الذي ~~كان فيه يعقوب يقال له بدا، وإياه عنى جميل بقوله: # وأنت الذي حببت شعبا إلى بدا * إلى وأوطاني بلاد سواهما وفيه نظر (من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين ms1910 إخوتي) أي أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض، يقال ~~نزغه إذا نحسه، فأصله من نحس الدابة ليقوى مشيها، وأحال يوسف ذنب إخوته على ~~الشيطان تكرما منه وتأدبا (إن ربى لطيف لما يشاء) اللطيف الرفيق، قال ~~الأزهري: اللطيف من أسماء الله تعالى معناه الرفيق بعباده. يقال لطف فلان ~~بفلان يلطف: إذا رفق به، وقال عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك ~~أربك في لطف. قال الخطابي: اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا ~~يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون PageV03P056 # وقيل اللطيف العالم بدقائق الأمور، ومعنى لما يشاء: لأجل ما يشاء حتى يجئ ~~على وجه الصواب (إنه هو العليم الحكيم) أي العليم بالأمور الحكيم في ~~أفعاله، ولما أتم الله نعمته على يوسف عليه السلام بما خلصه منه من المحن ~~العظيمة وبما خوله من الملك وعلمه من العلم، تاقت نفسه إلى الخير الأخروي ~~الدائم الذي لا ينقطع، فقال (رب قد آتيتني من الملك) من للتبعيض: أي بعض ~~الملك، لأنه لم يؤت كل الملك، وإنما أوتي ملكا خاصا، وهو ملك مصر في زمن ~~خاص (وعلمتني من تأويل الأحاديث) أي بعضها، لأنه لم يؤت جميع علم التأويل ~~سواء أريد به مطلق العلم والفهم، أو مجرد تأويل الرؤيا، وقيل من للجنس كما ~~في قوله - فاجتنبوا الرجس من الأوثان - وقيل زائدة: # أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث (فاطر السماوات والأرض) منتصب ~~على أنه صفة لرب، لكونه منادى مضافا. ويجوز أن يكون انتصابه على أنه منادى ~~بحرف مقدر: أي يا فاطر، والفاطر الخالق المنشي والمخترع والمبدع (أنت وليي) ~~أي ناصري ومتولي أموري (في الدنيا والآخرة) تتوالاني فيهما (توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين) أي توفني على الإسلام لا يفارقني حتى أموت، وألحق ~~بالصالحين من النبيين من آبائي وغيرهم فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك. ~~قيل إنه لما دعا بهذا الدعاء توفاه الله عز وجل. قيل كان عمره عند أن ألقى ~~في الجب سبع عشرة سنة، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة إلى قدوم ~~أبيه ms1911 يعقوب عليه، ثم عاش بعد اجتماع شملهم حتى كمل عمره المقدار الذي سيأتي ~~وتوفاه الله. قيل لم يتمن الموت أحد غير يوسف لا نبي ولا غيره. وذهب ~~الجمهور إلى أنه لم يتمن الموت بهذا الدعاء. وإنما دعا ربه أن يتوفاه على ~~الإسلام ويلحقه بالصالحين من عباده عند حضور أجله. # وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: دخل يعقوب مصر في ملك يوسف وهو ابن ~~مائة وثلاثين سنة، وعاش في ملكه ثلاثين سنة، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين ~~سنة. قال أبو هريرة: وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة ~~وتسعين سنة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (آوى إليه ~~أبويه) قال: أبوه وأمه ضمهما. وأخرجا عن وهب قال أبوه وخالته. وكانت توفيت ~~أم يوسف في نفاس أخيه بنيامين وأخرج أبو الشيخ نحوه عن سفيان بن عيينة. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ورفع أبويه على العرش) ~~قال: السرير. وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم في قوله (وخروا له سجدا) ~~قال: # كانت تحية من كان قبلكم فأعطاكم الله السلام مكانها. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال: ذلك سجود تشرفة كما سجدت ~~الملائكة تشرفة لآدم. وليس سجود عبادة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ~~(إن ربى لطيف لما يشاء) قال: لطيف ليوسف وصنع له حين أخرجه من السجن. وجاء ~~بأهله من البدو. ونزع من قلبه نزغ الشيطان وتحريشه على إخوته. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما سأل نبي الوفاة غير يوسف. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وأبو الشيخ عنه قال: اشتاق إلى لقاء الله وأحب أن يلحق به ~~وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه، وأن يلحقه بهم. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ~~في قوله (وألحقني بالصالحين) قال: يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. # وأخرج عبد ms1912 بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: يعني أهل ~~الجنة. # سورة يوسف الآية (102 - 103) 8 - فتح القدير - 3 PageV03P057 # سورة يوسف الآية (104 - 108). # الخطاب بقوله (ذلك) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مبتدأ خبره ~~(من أنباء الغيب)، و (نوحيه إليك) خبر ثان. قال الزجاج: ويجوز أن يكون ذلك ~~بمعنى الذي ونوحيه إليك خبره: أي الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك: والمعنى: ~~الإخبار من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذا الذي قصه ~~عليه من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فأوحاه الله إليه وأعلمه به ولم يكن عنده قبل الوحي شئ من ~~ذلك، وفيه تعريض بكفار قريش، لأنهم كانوا مكذبين له صلى الله عليه وآله ~~وسلم بما جاء به جحودا وعنادا وحسدا مع كونهم يعلمون حقيقة الحال (وما كنت ~~لديهم) أي لدى إخوة يوسف (إذ أجمعوا أمرهم) إجماع الأمر: العزم عليه: أي ~~وما كانت لدى إخوة يوسف إذ عزموا جميعا على إلقائه في الجب (وهم) في تلك ~~الحالة (يمكرون) به: أي بيوسف في هذا الفعل الذي فعلوه به ويبغونه الغوائل ~~- وقيل الضمير ليعقوب: أي يمكرون بيعقوب حين جاءوه بقميص يوسف ملطخا بالدم ~~وقالوا أكله الذئب. وإذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لديهم ~~عند أن فعلوا ذلك، انتفى علمه بذلك مشاهدة، ولم يكن بين قوم لهم علم بأحوال ~~الأمم السالفة ولا خالطهم ولا خالطوه، فانتفى علمه بذلك بطريق الرواية عن ~~الغير، فلم يبق لعلمه بذلك طريق إلا مجرد الوحي من الله سبحانه، فهذا ~~يستلزم الإيمان بما جاء به، فلما لم يؤمن بذلك من عاصره من الكفار، قال ~~الله سبحانه ذاكرا لهذا (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) أي وما أكثر ~~الناس المعاصرين لك يا محمد، أو ما أكثر الناس على العموم ولو حرصت على ~~هدايتهم وبالغت في ذلك بمؤمنين بالله لتصميمهم على الكفر الذي هو دين ~~آبائهم، يقال حرص يحرص ms1913 مثل ضرب يضرب. وفى لغة ضعيفة حرص يحرص مثل حمد يحمد. ~~والحرص طلب الشئ باجتهاد. قال الزجاج: ومعناه وما أكثر الناس بمؤمنين ولو ~~حرصت على أن تهديهم، لأنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. قال ~~ابن الأنباري: إن قريشا واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~قصة يوسف وإخوته فشرحهما ابن شرحا شافيا وهو يؤمل أن يكون ذلك سببا ~~لإسلامهم، فخالفوا ظنه، وحزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فعزاه ~~الله بقوله (وما أكثر الناس) الآية (وما تسألهم عليه من أجر) أي على القرآن ~~وما تتلوه عليهم منه، أو على الإيمان وحرصك على وقوعه منهم أو على ما ~~تحدثهم به من هذا الحديث من أجر من مال يعطونك إياه ويجعلونه لك كما يفعله ~~أحبارهم (إن هو) أي القرآن أو الحديث الذي حدثتهم به (إلا ذكر للعالمين) أي ~~ما هو إلا ذكر للعالمين كافة لا يختص بهم وحدهم (وكأين من آية في السماوات ~~والأرض) قال الخليل وسيبويه: والأكثرون أن كأين أصلها أي دخل عليها كاف ~~التشبيه، لكنه انمحى عن الحرفين المعنى الإفرادى، وصار المجموع كاسم واحد ~~بمعنى كم الخبرية، والأكثر إدخال من في مميزه، وهو تمييز عن الكاف لا عن أي ~~كما في مثلك رجلا وقد مر الكلام على هذا المستوفى في آل عمران. والمعنى: كم ~~من آية تدلهم على توحيد الله كائنة في السماوات من كونها منصوبة بغير عمد، ~~مزينة بالكواكب النيرة السيارة والثوابت، وفى الأرض PageV03P058 # من جبالها وقفارها وبحارها ونباتها وحيواناتها تدلهم على توحيد الله ~~سبحانه، وأنه الخالق لذلك، الرزاق له المحيى والمميت، ولكن أكثر الناس ~~يمرون على هذه الآيات غير متأملين لها، ولا مفكرين فيها، ولا ملتفتين إلى ~~ما تدل عليه من وجود خالقها، وأنه المتفرد بالألوهية مع كونهم مشاهدين لها ~~(يمرون عليها وهم عنها معرضون) وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو ~~الثمرة للنظر بالحدقة، وهى التفكر والاعتبار والاستدلال. وقرأ عكرمة وعمرو ~~بن فايد برفع الأرض على أنه ms1914 مبتدأ. وخبره يمرون عليها. وقرأ السدي بنصب ~~الأرض بتقدير فعل. وقرأ ابن مسعود " يمشون عليها " (وما يؤمن أكثرهم بالله) ~~أي وما يصدق ويقر أكثر الناس بالله من كونه الخالق الرزاق المحيى المميت ~~(إلا وهم مشركون) بالله يعبدون معه غيره كما كانت تفعله الجاهلية، فإنهم ~~مقرون بالله سبحانه وبأنه الخالق لهم - ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله - لكنهم كانوا يثبتون له ~~شركاء فيعبدونهم ليقربوهم إلى الله - إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله - ومثل ~~هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله المعتقدون في ~~الأموات بأنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه كما يفعله كثير ~~من عباد القبور، ولا ينافي هذا ما قيل من أن الآية نزلت في قوم مخصوصين ~~فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ لا بما يفيده السبب من الاختصاص بمن كان سببا ~~لنزول الحكم (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) الاستفهام للإنكار. ~~والغاشية ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب كقوله تعالى - يوم يغشاهم العذاب من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم - وقيل هي الساعة. وقيل الصواعق والقوارع، ولا مانع ~~من الحمل على العموم (أو تأتيهم الساعة بغتة) أي فجأة، وانتصاب بغتة على ~~الحال. قال المبرد: جاء عن العرب حال بعد نكرة، وهو قولهم وقع أمر بغتة. ~~يقال بغتهم الأمر بغتا وبغتة: إذا فاجأهم (وهم لا يشعرون) بإتيانه، ويجوز ~~انتصاب بغتة على أنها صفة مصدر محذوف (قل هذه سبيلي) أي قل يا محمد ~~للمشركين هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي: أي ~~طريقتي وسنتي. فاسم الإشارة مبتدأ وخبره سبيلي، وفسر ذلك بقوله (أدعو إلى ~~الله على بصيرة) أي على حجة واضحة. والبصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق ~~من الباطل والجملة في محل نصب على الحال (أنا ومن اتبعني) أي ويدعو إليها ~~من اتبعني واهتدى بهديي. قال الفراء: والمعنى ومن اتبعني يدعو إلى الله كما ~~أدعو. وفى هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms1915 حق ~~عليه أن يقتدى به في الدعاء إلى الله: أي الدعاء إلى الإيمان به وتوحيده ~~والعمل بما شرعه لعباده (وسبحان الله وما أنا من المشركين) أي وقل يا محمد ~~لهم سبحان الله وما أنا من المشركين بالله الذين يتخذون من دونه أندادا. ~~قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله (ادعوا إلى الله) ثم ~~ابتدأ. فقال (على بصيرة أنا ومن اتبعني). # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في ~~قوله (وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) قال: هم بنو يعقوب إذ ~~يمكرون بيوسف. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في الآية يقول: وما كنت ~~لديهم وهم يلقونه في غيابة الجب وهم يمكرون بيوسف. وأخرج أبو الشيخ عن ~~الضحاك (وكأين من آية) قال: كم من آية في السماء يعنى شمسها وقمرها ونجومها ~~وسحابها، وفى الأرض ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) قال: سلهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض ~~فسيقولون الله، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء في قوله (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون) قال: كانوا يعلمون أن الله ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم، وكانوا ~~PageV03P059 # مع ذلك يشركون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: ~~كانوا يشركون به في تلبيتهم يقولون لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا ~~هو لك تملكه وما ملك. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: # ذلك المنافق يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (غاشية من عذاب الله) قال: ~~وقيعة تغشاهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (هذه سبيلي) قل هذه ~~دعوتي. وأخرج أبو الشيخ عنه (قل هذه سبيلي) قال: ms1916 صلاتي. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: أمري ومشيئتي ومنهاجي، وأخرجا عن ~~قتادة في قوله (على بصيرة) أي على هدى (أنا ومن اتبعني): # سورة يوسف الآية (109 - 111). # قوله (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) هذا رد على من قال - لولا أنزل عليه ~~ملك -: أي لم نبعث من الأنبياء إلى من قبلهم إلا رجالا لا ملائكة، فكيف ~~ينكرون إرسالنا إياك. وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من ~~النساء ولا من الجن، وهذا يرد على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، ~~وآسية، وأم موسى، ومريم. # وقد كان بعثة الأنبياء من الرجال دون النساء أمرا معروفا عند العرب، حتى ~~قال قيس بن عاصم في سجاح المتنبئة: # أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها * وأصبحت أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله ~~والأقوام كلهم * على سجاح ومن باللوم أغرانا (نوحي إليهم) كما نوحي إليك ~~(من أهل القرى) أي المدائن دون أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على البدو ~~ولكون أهل الأمصار أتم عقلا وأكمل حلما وأجل فضلا (أفلم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) يعنى المشركين المنكرين لنبوة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أي أفلم يسر المشركون هؤلاء فينظروا إلى مصارع ~~الأمم الماضية فيعتبروا بهم حتى ينزعوا عما هم فيه من التكذيب (ولدار ~~الآخرة خير للذين اتقوا) أي لدار الساعة الآخرة، أو الحالة الآخرة على حذف ~~الموصوف. وقال الفراء: إن الدار هي الآخرة، وأضيف الشئ إلى نفسه لاختلاف ~~اللفظ كيوم الجمعة وصلاة الأولى ومسجدا لجامع، والكلام في ذلك مبين في كتب ~~الإعراب، والمراد بهذه الدار: الجنة: أي هي خير للمتقين من دار الدنيا. ~~وقرئ وللدار الآخرة " وقرأ نافع وعاصم ويعقوب (أفلا تعقلون) بالتاء الفوقية ~~على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية (حتى إذا استيأس الرسل) هذه الغاية ~~لمحذوف دل عليه الكلام، وتقديره: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا ولم ~~نعاجل له أممهم الذين لم PageV03P060 # يؤمنوا بما جاءوا به بالعقوبة (حتى إذا استيأس الرسل) ms1917 من النصر بعقوبة ~~قومهم، أو حتى إذ استيأس الرسل من إيمان قومهم لانهماكهم في الكفر (وظنوا ~~أنهم قد كذبوا). قرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر ~~بن القعقاع والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى ~~بن وثاب والأعمش وخلف " كذبوا " بالتخفيف: أي ظن القوم أن الرسل قد كذبوهم ~~فيما أخبروا به من العذاب ولم يصدقوا - وقيل المعنى: ظن القوم أن الرسل قد ~~كذبوا فيما ادعوا من نصرهم، وقيل المعنى: وظن الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم ~~حين حدثتهم بأنهم ينصرون عليهم، أو كذبهم رجاؤهم للنصر. وقرأ الباقون " ~~كذبوا " بالتشديد، والمعنى عليها واضح: أي ظن الرسل بأن قومهم قد كذبوهم ~~فيما وعدوهم به من العذاب، ويجوز في هذا أن يكون فاعل ظن القوم المرسل ~~إليهم على معنى أنهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد ~~والوعيد. وقرأ مجاهد وحميد " قد كذبوا " بفتح الكاف والذال مخففتين على ~~معنى: وظن قوم الرسل أن الرسل قد كذبوا، وقد قيل إن الظن في هذه الآية ~~بمعنى اليقين، لأن الرسل قد تيقنوا أن قومهم كذبوهم، وليس ذلك مجرد ظن ~~منهم. والذي ينبغي أن يفسر الظن باليقين في مثل هذه الصورة ويفسر بمعناه ~~الأصلي فيما يحصل فيه مجرد ظن فقط من الصور السابقة (جاءهم نصرنا، أي فجاء ~~الرسل نصر الله سبحانه فجأة. أو جاء قوم الرسل الذين كذبوهم نصر الله لرسله ~~بإيقاع العذاب على المكذبين (فننجي من نشاء) قرأ عاصم " فنجى " بنون واحدة. ~~وقرأ الباقون " فننجى " بنونين. واختار أبو عبيدة القراءة الأولى، لأنها في ~~مصحف عثمان كذلك. وقرأ ابن محيصن " فنجا " على البناء للفاعل، فتكون من على ~~القراءة الأولى في محل رفع على أنها نائب الفاعل، وتكون على القراءة ~~الثانية في محل نصب على أنها مفعول، وعلى القراءة الثالثة في محل رفع على ~~أنها فاعل، والذين نجاهم الله هم الرسل ومن آمن معهم. وهلك المكذبون (ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين) عند نزوله بهم. وفيه بيان من يشاء الله ms1918 نجاته ~~من العذاب وهم من عدا هؤلاء المجرمين (لقد كان في قصصهم) أي قصص الرسل ومن ~~بعثوا إليه من الأمم، أو في قصص يوسف وإخوته وأبيه (عبرة لأولي الألباب ) ~~والعبرة: الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة. وقيل هي نوع من ~~الاعتبار، وهى العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، وأولوا الألباب ~~هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم فيدرون ذلك ما فيه مصالح ~~دينهم، وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة ~~للواقع مع بعد المدة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الرسل الذين ~~قص حديثهم. ومنهم يوسف وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل ~~بأحبارهم (ما كان حديثا يفترى) أي ما كان هذا المقصوص الذي يدل عليه ذكر ~~القصص وهو القرآن المشتمل على ذلك حديثا يفترى (ولكن تصديق الذي بين يديه) ~~أي ما قبله من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور. وقرئ برفع " تصديق ~~" على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هو تصديق وتفصيل كل شئ من الشرائع المجملة ~~المحتاجة إلى تفصيلها، لأن الله سبحانه لم يفرط في الكتاب من شئ، وقيل ~~تفصيل كل شئ من قصة يوسف مع إخوته وأبيه. قيل وليس المراد به ما يقتضيه من ~~العموم، بل المراد به الأصول والقوانين وما يؤول إليها (وهدى) في الدنيا ~~يهتدى به كل من أراد الله هدايته (ورحمة) في الآخرة يرحم الله بها عباده ~~العاملين بما فيه شرط الإيمان الصحيح. ولهذا قال (لقوم يؤمنون) أي يصدقون ~~به وبما تضمنه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائعه وقدره. وأما ~~من عداهم فلا ينتفع به ولا يهتدى بما اشتمل عليه من الهدى، فلا يستحق ما ~~يستحقونه. PageV03P061 # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا) قال: أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: ما نعلم أن الله أرسل رسولا قط إلا ~~من أهل القرى، لأنهم ms1919 كانوا أعلم وأحلم من أهل المعمور. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الحسن في قوله (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) قال: كيف عذب الله قوم ~~نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذب الله. وأخرج البخاري وغيره من طريق ~~عروة أنه سأل عائشة عن قول الله سبحانه (يعنى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم ~~قد كذبوا) قال: قلت أكذبوا أم كذبوا؟ يعنى على هذه الكلمة مخففة أم مشددة، ~~فقالت: بل كذبوا تعني بالتشديد، قلت: # والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن. قالت: أجل لعمري لقد ~~استيقنوا بذلك، فقلت: لعلها وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة. قالت: معاذ الله لم ~~تكن الرسل لتظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين ~~آمنوا بهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عليهم النصر، حتى إذا استيأس ~~الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله ~~عند ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ~~عبد الله بن أبي مليكة أن ابن عباس قرأها عليه (وظنوا أنهم قد كذبوا) مخففة ~~يقول: # أخلفوا. وقال ابن عباس: كانوا بشرا، وتلا - حتى يقول الرسول والذين آمنوا ~~معه متى نصر الله - قال ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ~~ذلك وأبته، وقالت: والله ما وعد الله رسوله من شئ إلا علم أنه سيكون قبل أن ~~يموت، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد ~~كذبوهم، وكانت تقرؤها مثقلة. وأخرج ابن مردويه من طريق عروة عن عائشة أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ: وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة. وأخرج أبو ~~عبيد وسعيد بن منصور والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ (قد كذبوا) مخففة، قال: ~~يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم بما ~~جاءوا به (جاءهم نصرنا) قال: جاء الرسل ms1920 نصرنا. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن تميم بن حذلم قال: ~~قرأت على ابن مسعود القرآن فلم يأخذ علي إلا حرفين - كل آتوه داخرين - ~~فقال: أتوه مخففة. وقرأت عليه (وظنوا أنهم قد كذبوا) فقال: كذبوا مخففة، ~~قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر ~~أنهم قد كذبوا. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الأحوص عنه قال: حفظت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في سورة يوسف (وظنوا أنهم قد كذبوا) خفيفة. ~~وللسلف في هذا كلام يرجع إلى ما ذكرناه من؟؟؟؟؟ # عن الصحابة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (فننجى من نشاء) قال: فننجي ~~الرسل ومن نشاء (ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) وذلك أن الله بعث الرسل ~~يدعون قومهم، فأخبروهم أن من أطاع الله نجا ومن عصاه؟؟؟؟ # وغوى. وأخرج أبو الشيخ عنه قال (جاءهم نصرنا) العذاب. وأخرج أبو الشيخ عن ~~السدي (ولا يرد بأسنا) قال: عذابه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد في قوله (لقد كان في قصصهم) قال: # يوسف وإخوته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ (عبرة لأولي ~~الألباب) قال: معروفة لذوي العقول. # وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة (ما كان حديثا يفترى) قال: الفرية ~~الكذب (ولكن تصديق الذي بين يديه) قال: القرآن يصدق الكتب التي كانت قبله ~~من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والزبور. # ويصدق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله (وتفصيل كل شئ) فصل ~~الله بين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته PageV03P062 # تفسير سورة الرعد قد وقع الخلاف هل هي مكية أو مدنية؟ فروى النحاس في ~~ناسخه عن ابن عباس أنها نزلت بمكة. وروى أبو الشيخ وابن مردويه عنه أنها ~~نزلت بالمدينة. وممن ذهب إلى أنها مكية سعيد بن جبير والحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر بن زيد. وممن ذهب إلى أنها نزلت بالمدينة ابن الزبير والكلبي ومقاتل. ~~وقول ثالث أنها ms1921 مدنية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا بمكة، وهما قوله تعالى - ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال - وقيل قوله - ولا يزال الذين كفروا تصيبهم ~~بما صنعوا قارعة -. وقد روى هذا عن ابن عباس أيضا وقتادة. وقد أخرج ابن أبي ~~شيبة والمروزي في الجنائز عن جابر بن زيد قال: كان يستحب إذا حضر الميت أن ~~يقرأ عنده سورة الرعد فإن ذلك يخفف عن الميت وإنه أهون لقبضه وأيسر لشأنه. # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الرعد الآية (1 - 4) قوله (المر) قد تقدم ~~الكلام في هذه الحروف الواقعة في أوائل السور بما يغني عن الإعادة. وهو اسم ~~للسورة مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه مبتدأ خبره ما ~~بعده. والتقدير على الأول هذه السورة اسمها هذا، والإشارة بقوله (تلك) إلى ~~آيات هذه السورة، والمراد بالكتاب السورة: أي تلك الآيات آيات السورة ~~الكاملة العجيبة الشأن، ويكون قوله (والذي أنزل إليك من ربك الحق) مرادا به ~~القرآن كله: أي هو الحق البالغ في اتصافه بهذه الصفة، أو تكون الإشارة ~~بقوله (تلك) إلى آيات القرآن جميعه على أن المراد بالكتاب جميع القرآن ~~ويكون قوله (والذي أنزل إليك من ربك الحق) جملة مبينة لكون هذا المنزل هو ~~الحق. قال الفراء: والذي رفع بالاستئناف وخبره الحق. قال: وإن شئت جعلت ~~الذي خفضا نعتا للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما في قوله: * إلى الملك القرم ~~وابن الهمام * ويجوز أن يكون محل والذي أنزل إليك الجر على تقدير: وآيات ~~الذي أنزل إليك، فيكون الحق على هذا خبرا لمبتدأ محذوف (ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون) بهذا الحق الذي أنزله الله عليك PageV03P063 # قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق ~~بالخالق فقال (الله الذي رفع السماوات بغير عمد) والعمد: الأساطين جمع ~~عماد: أي قائمات بغير عمد تعتمد عليه، وقيل لها عمد ولكن لا نراه. قال ~~الزجاج العمد قدرته التي يمسك بها السماوات، وهى غير مرئية لنا، وقرئ " عمد ~~" على أنه جمع عمود يعمد به: أي يسند ms1922 إليه. قال النابغة: # وخبر الجن أنى قد أذنت لهم * يبنون تذمر بالصفاح والعمد وجملة ترونها ~~مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك، وقيل هي صفة لعمد، وقيل في الكلام ~~تقديم وتأخير، والتقدير: رفع السماوات ترونها بغير عمد، ولا ملجئ إلى مثل ~~هذا التكلف (ثم استوى على العرش) أي استولى عليه بالحفظ والتدبير، أو استوى ~~أمره، أو أقبل على خلق العرش، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى، والاستواء ~~على العرش صفة لله سبحانه بلا كيف كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام ~~(وسخر الشمس والقمر) أي ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح ~~العباد (كل يجرى إلى أجل مسمى) أي كل من الشمس والقمر يجري إلى وقت معلوم: ~~وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي تكور عندها الشمس ويخسف القمر وتنكدر ~~النجوم وتنتثر. وقيل المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي تنتهيان ~~إليها لا يجاوزنها. وهى سنة للشمس، وشهر للقمر (يدبر الأمر) أي يصرفه على ~~ما يريد. وهو أمر ملكوته وربوبيته (يفصل الآيات) أي يبينها: وهى الآيات ~~الدالة على كمال قدرته وربوبيته، ومنها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد ~~وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى والجملتان محل نصب على الحال أو خبر ~~إن لقوله (الله الذي رفع) على أن الموصول صفة للمبتدأ. والمراد من هذا ~~تنبيه العباد أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة. ولذا ~~قال (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) أي لعلكم عند مشاهدة هذه الآيات توقنون بذلك ~~لا تشكون فيه ولا تمترون في صدقه. ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر ~~الدلائل الأرضية فقال (وهو الذي مد الأرض) قال الفراء: بسطها طولا وعرضا. ~~وقال الأصم: # إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا المد الظاهر للبصر لا ~~ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها (وجعل فيها رواسي) أي جبالا ثوابت. ~~واحدها راسية لأن الأرض ترسو بها: أي تثبت، والإرساء: الثبوت. قال عنترة: # فصرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع وقال جميل: # أحبها والذي أرسى ms1923 قواعده * حتى إذا ظهرت آياته بطنا (وأنهارا) أي مياها ~~جارية في الأرض فيها منافع الخلق، أو المراد جعل فيها مجاري الماء (ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) من كل الثمرات متعلق بالفعل الذي بعده: أي ~~جعل فيها من كل الثمرات زوجين اثنين. # الزوج يطلق على الاثنين، وعلى الواحد المزاوج لآخر، والمراد هنا بالزوج ~~الواحد، ولهذا أكد الزوجين بالاثنين لدفع توهم أنه أريد بالزوج هنا ~~الاثنين. وقد تقدم تحقيق هذا مستوفى. أي جعل كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا ~~صنفين، إما في اللونية: كالبياض والسواد ونحوهما. أو في الطعمية كالحلو ~~والحامض ونحوهما، أو في القدر كالصغر والكبر، أو في الكيفية كالحر والبرد. ~~قال الفراء: يعني بالزوجين هنا الذكر والأنثى، والأول أولى (يغشى الليل ~~النهار) أي يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلما بعدما كان أبيض منيرا شبه إزالة ~~نور الهدى بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها، وقد سبق ~~تفسير هذه في الأعراف (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) PageV03P064 # أي فيما ذكر من مد الأرض وإثباتها بالجبال، وما جعله الله فيها من ~~الثمرات المتزاوجة، وتعاقب النور والظلمة آيات بينة للناظرين المتفكرين ~~المعتبرين (وفى الأرض قطع متجاورات) هذا كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع آخر ~~من أنواع الآيات، قيل وفى الكلام حذف: أي قطع متجاورات، وغير متجاورات كما ~~في قوله - سرابيل تقيكم الحر - أي وتقيكم البرد. قيل والمتجاورات: المدن ~~وما كان عامرا، وغير المتجاورات: الصحارى وما كان غير عامر وقيل المعنى: ~~متجاورات متدانيات، ترابها واحد وماؤها واحد، وفيها زرع وجنات، ثم تتفاوت ~~في الثمار فيكون البعض حلوا والبعض حامضا، والبعض طيبا والبعض غير طيب، ~~والبعض يصلح فيه نوع والبعض الآخر نوع آخر (وجنات من أعناب) الجنات: ~~البساتين، قرأ الجمهور برفع جنات على تقدير: وفى الأرض جنات، فهو معطوف على ~~قطع متجاورات، أو على تقدير: وبينها جنات. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير: ~~وجعل فيها جنات، وذكر سبحانه الزرع بين الأعناب والنخيل، لأنه يكون في ~~الخارج كثيرا كذلك، ومثله في قوله سبحانه - جعلنا لأحدهما جنتين ms1924 من أعناب ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا - (صنوان وغير صنوان) قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وحفص (وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) برفع هذه الأربع عطفا على جنات. ~~وقرأ الباقون بالجر عطفا على أعناب وقرأ مجاهد والسلمي بضم الصاد من صنوان ~~وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان. قال أبو عبيدة صنوان: جمع صنو، وهو أن ~~يكون الأصل واحدا، ثم يتفرع فيصير نحيلا، ثم يحمل، وهذا قول جميع أهل اللغة ~~والتفسير. قال ابن الأعرابي: الصنو: المثل: ومنه قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " عم الرجل صنو أبيه " فمعنى الآية على هذا: أن أشجار النخيل قد تكون ~~متماثلة وقد لا تكون. قال في الكشاف: والصنوان جمع صنو، وهى النخلة لها ~~رأسان وأصلها واحد، وقيل الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المفترق. النحاس: ~~وهو كذلك في اللغة، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر: صنوان. ~~والصنو: المثل، ولا فرق بين التثنية والجمع إلا بكسر النون في المثنى، وبما ~~يقتضيه الإعراب في الجمع (يسقى بماء واحد) قرأ عاصم وابن عامر: يسقى ~~بالتحتية: أي يسقى ذلك كله. وقرأ الباقون بالفوقية بإرجاع الضمير إلى جنات. ~~واختاره أبو حاتم وأبو عبيد وأبو عمرو. قال أبو عمرو: # التأنيث أحسن لقوله (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) ولم يقل بعضه. وقرأ ~~حمزة والكسائي " يفضل " بالتحتية كما في قوله - يدبر الأمر يفصل الآيات - ~~وقرأ الباقون بالنون على تقدير: ونحن نفضل وفى هذه الدلالة على بديع صنعه ~~وعظيم قدرته ما لا يخفى على من له عقل - فإن القطع المتجاورة والجنات ~~المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد وتتفاضل في ~~الثمرات في الأكل، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر حامضا، وهذا في غاية ~~الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه. وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر ~~واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع ~~الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه، لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ~~ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين: إما ms1925 اختلاف المكان الذي هو ~~المنبت، أو اختلاف الماء الذي تسقى به، فإذا كان المكان متجاورا، وقطع ~~الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحدا، لم يبق سبب للاختلاف في نظر ~~العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب، ولهذا قال الله سبحانه (إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون) أي يعملون على قضية العقل وما يوجبه غير مهملين لما ~~يقتضيه من التفكر في المخلوقات والاعتبار في العبر الموجودات وقد أخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (المر) قال: أنا الله أرى. وأخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عن مجاهد " المر " فواتح يفتتح بها كلامه وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عنه في قوله (تلك آيات الكتاب) PageV03P065 # قال: التوراة والإنجيل (والذي أنزل إليك من ربك الحق) قال: القرآن. وأخرج ~~ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله (رفع السماء بغير عمد ترونها) قال: وما يدريك لعلها بعمد لا ~~ترونها. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عنه في الآية قال: يقول ~~لها عمد ولكن لا ترونها يعني الأعماد. وأخرج ابن جرير عن إياس بن معاوية في ~~الآية قال: السماء مقببة على الأرض مثل القبة وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك. وأخرج ابن جرير ~~وأبو الشيخ في قوله (لأجل مسمى) قال: الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (يدبر الأمر) قال: يقضيه وحده وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: الدنيا مسيرة خمسمائة عام: # أربعمائة خراب، ومائة عمران في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة. وقد روى ~~عن جماعة من السلف في ذلك تقديرات لم يأت عليها دليل يصح. وأخرج ابن جرير ~~عن علي بن أبي طالب قال: لما خلق الله الأرض قمصت وقالت: أي رب تجعل علي ~~بني آدم يعملون علي الخطايا ويجعلون على الخبث، فأرسل الله فيها من الجبال ~~ما ترون وما لا ms1926 ترون فكان إقرارها كاللحم ترجرج. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ~~في قوله (وجعل فيها زوجين اثنين) قال: ذكرا وأنثى من كل صنف. وأخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (يغشى الليل النهار) أي يلبس الليل ~~النهار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ~~في قوله (وفى الأرض قطع متجاورات) قال: يريد الأرض الطيبة العذبة التي يخرج ~~نباتها بإذن ربها تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا تخرج، وهما أرض ~~واحدة، وماؤها شئ واحد، ملح أو عذب، ففصلت إحداهما على الأخرى. وأخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: قرئ " متجاورات " قريب بعضها من ~~بعض. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: الأرض تنبت حلوا، والأرض ~~تنبت حامضا، وهى متجاورات تسقى بماء واحد. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن ~~عازب في قوله (صنوان وغير صنوان) قال: الصنوان ما كان أصله واحدا وهو ~~متفرق، وغير صنوان التي تنبت وحدها، وفى لفظ: صنوان النخلة في النخلة ~~ملتصقة، وغير صنوان النخل المتفرق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (صنوان) قال: مجتمع النخل في أصل واحد (وغير صنوان) قال: ~~النخل المتفرق. وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ~~(ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: الدقل والفارسي والحلو والحامض وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هذا حامض، وهذا حلو، ~~وهذا دقل، وهذا فارسي. # سورة الرعد الآية (5 - 7) PageV03P066 # سورة الرعد (8 - 11) قوله (وإن تعجب فعجب قولهم) أي إن تعجب يا محمد من ~~تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم من الصادقين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، والله ~~تعالى لا يجوز عليه التعجب، لأنه تغير النفس بشئ تخفى أسبابه وإنما ذكر ذلك ~~ليعجب منه رسوله وأتباعه. قال ms1927 الزجاج: أي هذا موضوع عجب أيضا أنهم أنكروا ~~البعث، وقد بين لهم من خلق السماوات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في ~~القدرة، وقيل الآية في منكري الصانع: أي إن تعجب من إنكارهم الصانع مع ~~الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من مغير، فهو محل التعجب، والأول أولى ~~لقوله (أإذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد) وهذه الجملة في محل رفع على ~~البدلية من قولهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على أنها مقول القول والعجب ~~على الأول كلامهم، وعلى الثاني تكلمهم بذلك، والعامل في " إذا " ما يفيده ~~قوله (أئنا لفي خلق جديد) وهو نبعث أو نعاد، والاستفهام منهم للإنكار ~~المفيد لكمال الاستبعاد، وتقديم الظرف في قوله (لفي خلق) لتأكيد الإنكار ~~بالبعث، وكذلك تكرير الهمزة في قوله: أئنا. ثم لما حكى الله سبحانه ذلك ~~عنهم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول (أولئك الذين كفروا بربهم) أي أولئك ~~المنكرون لقدرته سبحانه على البعث هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه. ~~والثاني (وأولئك الأغلال في أعناقهم) الأغلال: جمع غل، وهو طوق تشد به اليد ~~إلى العنق: أي يغلون بها يوم القيامة. وقيل الأغلال أعمالهم السيئة التي هي ~~لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق: # والثالث (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لا ينفكون عنها بحال من ~~الأحوال، وفى توسيط ضمير الفصل دلالة على تخصيص الخلود بمنكري البعث ~~(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) السيئة العقوبة المهلكة، والحسنة: # العافية والسلامة، قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدة تصميمهم وتهالكهم ~~على الكفر، وقيل معنى الآية: أنهم طلبوا العقوبة قبل الحسنة، وهى الإيمان ~~(وقد خلت من قبلهم المثلات) قرأ الجمهور " مثلات " بفتح الميم وضم المثلثة ~~جمع مثلة كسمرة، وهى العقوبة. قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقى ~~في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه من قولهم: مثل فلان بفلان إذا شان خلقه ~~بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه. وقرأ الأعمش بفتح الميم وإسكان المثلثة ~~تخفيفا لثقل الضمة، وفى لغة تميم بضم الميم والمثلثة جميعا، واحدتها على ~~لغتهم: مثلة، بضم الميم وسكون ms1928 المثلثة مثل غرفة وغرفات. وحكى عن الأعمش في ~~رواية أخرى أنه قرا هذا الحرف بضمها على لغة تميم. والمعنى: أن هؤلاء ~~يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم، وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من ~~المكذبين، فما لهم لا يعتبرون بهم ويحذرون من حلول ما حل بهم، والجملة في ~~محل نصب على الحال، وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم ~~(اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) الآية (وإن ربك لذو مغفرة) أي لذو ~~تجاوز عظيم (للناس على ظلمهم) أنفسهم باقترافهم الذنوب ووقوعهم في المعاصي ~~إن تابوا عن ذلك، ورجعوا إلى الله سبحانه، والجار PageV03P067 # والمجرور: أي على ظلمهم في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين، وعلى ~~بمعنى مع: أي مع ظلمهم وفى الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير، لأن من المعلوم ~~أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائبا، ولهذا قيل إنها في عصاة ~~الموحدين خاصة، وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلى الآخرة ليطابق ~~ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة، وكما تفيده الجملة المذكورة بعد ~~هذه الآية، وهى (وإن ربك لشديد العقاب) يعاقب العصاة المكذبين من الكافرين ~~عقابا شديدا على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة (ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه) أي هلا أنزل عليه آية غير ما قد جاء به من الآيات، ~~وهؤلاء الكفار القائلون هذه المقالة هم المستعجلون للعذاب. قال الزجاج: ~~طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى، فقال الله ~~تعالى (إنما أنت منذر) تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شئ انتهى، وهذا ~~مكابرة من الكفار وعناد، وإلا فقد أنزل الله على رسوله من الآيات ما يغني ~~البعض منه وجاء في - إنما أنت منذر - بصيغة الحصر لبيان أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم مرسل لإنذار العباد، وبيان ما يحذرون عاقبته، وليس عليه غير ذلك، ~~وقد فعل ما هو عليه، وأنذر أبلغ إنذار، ولم يدع شيئا مما يحصل به ذلك إلا ~~أتى به وأوضحه وكرره، فجزاه الله عن ms1929 أمته خيرا (ولكل قوم هاد) أي نبي ~~يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم ورشادهم، وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم ~~يقبلوها، وآيات الرسل مختلفة هذا يأتي بآية أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ~~ما يعطيه الله منها، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في ~~التعنت إلى مكان عظيم، فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة ~~لكونها معجزة خارجة عن القدرة البشرية، وذلك لا يختص بفرد منها، ولا بأفراد ~~معينة. وقيل إن المعنى ولكل قوم هاد، وهو الله عز وجل فإنه القادر على ذلك، ~~وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) الجملة ~~مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته بالعلم سبحانه، وعلمه بالغيب الذي هذه الأمور ~~المذكورة منه. قيل ويجوز أن يكون الاسم الشريف خبرا لمبتدأ محذوف: أي ولكل ~~قوم هاد وهو الله، وجملة (يعلم ما تحمل كل أنثى) تفسير لهاد على الوجه ~~الأخير. # وهذا بعيد جدا، وما موصولة: أي يعلم الذي تحمله كل أنثى في بطنها من ~~علقة، أو مضغة، أو ذكر، أو أنثى، أو صبيح، أو قبيح، أو سعيد، أو شقي. ويجوز ~~أن تكون استفهامية: أي يعلم أي شئ في بطنها، وعلى أي حال هو. ويجوز أن تكون ~~مصدرية: أي يعلم حملها (وما تغيض الأرحام وما تزداد) الغيض النقص: أي يعلم ~~لذي تغيضه الأرحام: أي تنقصه، ويعلم ما تزداده. فقيل المراد نقص خلقة الحمل ~~وزيادته كنقص أصبع أو زيادتها: # وقيل إن المراد نقص مدة الحمل على تسعة أشهر، أو زيادتها، وقيل إذا حاضت ~~المرأة في حال حملها كان ذلك نقصا في ولدها، وقيل الغيض: ما تنقصه الأرحام ~~من الدم، والزيادة ما تزداده منه، و " ما في ما تغيض وما تزداد تحتمل ~~الثلاثة الوجوه المتقدمة في ما تحمل كل أنثى (وكل شئ عنده بمقدار) أي كل شئ ~~من الأشياء التي من جملتها الأشياء المذكورة عند الله سبحانه بمقدار، ~~والمقدار: القدر الذي قدره الله، وهو معنى قوله سبحانه - إنا كل شئ خلقناه ms1930 ~~بقدر - أي كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ ~~منه، لا يخرج عن ذلك شئ (عالم الغيب والشهادة) أي عالم كل غائب عن الحس، ~~وكل مشهود حاضر، أو كل معدوم وموجود ولا مانع من حمل الكلام على ما هو أعم ~~من ذلك (الكبير المتعال) أي العظيم الذي كل شئ دونه، المتعالى عما يقوله ~~المشركون، أو المستعلى على كل شئ بقدرته وعظمته وقهره، ثم لما ذكر سبحانه ~~أنه يعلم تلك المغيبات لا يغادره شئ منها، بين أنه عالم بما يسرونه في ~~أنفسهم وما يجهرون به لغيره، وأن ذلك لا يتفاوت عنده فقال (سواء منكم من ~~أسر القول ومن جهر به) فهو يعلم ما أسره الإنسان كعلمه بما جهر به من خير ~~وشر وقوله منكم متعلق PageV03P068 # بسواء على معنى يستوى منكم من أسر ومن جهر، أو سر من أسر وجهر من جهر ~~(ومن هو مستخف بالليل) أي مستتر في الظلمة الكائنة في الليل متوار عن ~~الأعين، يقال خفى الشئ واستخفى: أي أستتر وتوارى (وسارب بالنهار) قال ~~الكسائي: سرب يسرب سربا وسروبا إذا ذهب، ومنه قول الشاعر. # وكل أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيده فهو سارب أي ذهب. وقال ~~القتيبي: سارب بالنهار متصرف في حوائجه بسرعة، من قولهم: أسرب الماء. قال ~~الأصمعي حل سربه: أي طريقته. وقال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه، ~~والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات علم الله فيهم ~~جميعا سوى، وهذا ألصق بمعنى الآية كما تفيده المقابلة بين المستخفي والسارب ~~فالمستخفي المستتر، والسارب البارز الظاهر (له معقبات) الضمير في " له " ~~راجع إلى من في قوله: من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف: أي لكل من ~~هؤلاء معقبات، والمعقبات المتناوبات أبي التي يخلف كل واحد منها صاحبه ~~ويكون بدلا منه، وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين. قال الزجاج: ~~المعقبات ملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض، وإنما قال: معقبات مع كون الملائكة ~~ذكورا لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة، ms1931 ثم جمع معقبة على معقبات: ~~ذكر معناه الفراء، وقيل أنث لكثرة ذلك منهم نحو نسابة وعلامة. قال الجوهري: # والتعقب العود بعد البدء. قال الله تعالى - ولى مدبرا ولم يعقب - وقرئ " ~~معاقيب " جمع معقب (من بين يديه ومن خلفه) أي من بين يدي من له المعقبات ~~والمراد إن الحفظة من الملائكة من جميع جوانبه، وقيل المراد بالمعقبات ~~الأعمال، ومعنى من بين يديه ومن خلفه: ما تقدم منها وما تأخر (يحفظونه من ~~أمر الله) أي من أجل أمر الله، وقيل يحفظونه من يأس الله إذا أذنب ~~بالاستمهال له والاستغفار حتى يتوب. قال الفراء: في هذا قولان: أحدهما أنه ~~على التقديم والتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ~~ومن خلفه. والثاني أن كون الحفظة يحفظونه هو مما أمر الله به. قال الزجاج: ~~المعنى حفظهم إياه من أمر الله: أي مما أمرهم به لا أنهم يقدرون أن يدفعوا ~~أمر الله. قال ابن الأنباري: وفى هذا قول آخر، وهو أن " من " بمعنى الباء: ~~أي يحفظونه بأمر الله، وقيل إن من بمعنى عن: أي يحفظونه عن أمر الله بمعنى ~~من عند الله، لا من عند أنفسهم، كقوله - أطعمهم من جوع - أي عن جوع، وقيل ~~يحفظونه من ملائكة العذاب، وقيل يحفظونه من الجن. واختار ابن جرير أن ~~المعقبات المواكب بين أيدي الأمراء، على معنى أن ذلك لا يدفع عنه القضاء ~~(إن الله لا يغير ما بقوم) من النعمة والعافية (حتى يغيروا ما بأنفسهم) من ~~طاعة الله. والمعنى: أنه لا يسلب قوما نعمة أنعم بها عليهم حتى يغيروا الذي ~~بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة، أو يغيروا الفطرة التي فطرهم الله ~~عليها. قيل وليس المراد أنه لا ينزل بأحد من عباده عقوبة حتى يتقدم له ذنب، ~~بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما في الحديث إنه " سأل رسول الله سائل ~~فقال: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث " (وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا) أي هلاكا وعذابا (فلا مرد له) أي فلا رد له، وقيل ms1932 المعنى: إذا ~~أراد الله بقوم سوءا أعمى قلوبهم حتى يختاروا ما فيه البلاء (وما لهم من ~~دونه من وال) يلي أمرهم ويلتجئون إليه، فيدفع عنهم ما ينزل بهم من الله ~~سبحانه من العقاب. أو من ناصر ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله. والمعنى: أنه ~~لا راد لعذاب الله ولا ناقص لحكمه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله (وإن تعجب فعجب ~~قولهم) قال: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك فعجب قولهم. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال: إن تعجب يا محمد من ~~تكذيبهم، وهم رأوا من قدرة الله وأمره، وما ضرب لهم من الأمثال وأراهم من ~~حياة الموتى والأرض PageV03P069 # الميتة (فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد) أو لا يرون أنه ~~خلقهم من نطفة، فالخلق من نطفة أشد من الخلق من تراب وعظام. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله وقد خلت من ~~قبلهم المثلات) قال: العقوبات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في المثلات قال: وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: المثلات ما أصاب القرون الماضية من العذاب. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية (وإن ~~ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب) قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش: ولولا ~~وعيده وعقابه لاتكل كل أحد ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~ابن عباس (ولكل قوم هاد) قال: داع. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد) قال: المنذر محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (ولكل قوم هاد) نبي يدعوهم ~~إلى الله. وأخرج ابن جرير وابن منذر ms1933 وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: ~~محمد المنذر والهادي الله عز وجل. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ~~نحوه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه أيضا. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو المنذر وهو الهادي. # وأخرج ابن جرير عن عكرمة وأبي الضحى نحوه. وأخرج ابن جرير وابن مردويه ~~وأبو نعيم في المعرفة والديلمي وابن عساكر وابن النجار عن ابن عباس قال: ~~لما نزلت (إنما أنت منذر ولكل هاد) " وضع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب على فقال: أنت ~~الهادي يا علي بك يهتدى المهتدون من بعدي " قال ابن كثير في تفسيره: وهذا ~~الحديث فيه نكارة شديدة. وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحوه. وأخرج ابن مردويه والضياء في ~~المختارة عن ابن عباس مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد ~~المسند وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه وابن ~~عساكر عن علي بن أبي طالب في الآية نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن الضحاك ~~(الله يعلم ما تحمل كل أنثى) قال: كل أنثى من خلق الله، وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في الآية قال: يعلم ذكرا هو أو ~~أنثى (وما تغيض الأرحام) قال: هي المرأة ترى الدم في حملها. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله (وما تغيض ~~الأرحام) قال: خروج الدم (وما تزداد) قال: استمساكه. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (وما تغيض الأرحام) قال: أن ترى الدم في حملها (وما ~~تزداد) قال: في التسعة أشهر: وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عنه في ~~الآية قال: ما تزداد على تسعة، وما تنقص من التسعة. وأخرج ابن المنذر وأبو ~~الشيخ عنه أيضا ms1934 في الآية (ما تغيض الأرحام) قال: السقط (وما تزداد) ما زادت ~~في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما. # وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من ~~تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله، وكل ذلك يعلمه تعالى. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا قوله (عالم الغيب والشهادة) قال: السر والعلانية. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في قوله (ومن ~~هو مستخف بالليل) قال: راكب رأسه في المعاصي (وسارب بالنهار) قال: ظاهر ~~بالنهار بالمعاصي. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن ~~عباس (وسارب بالنهار) قال: الظاهر: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~الآية قال: هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه برئ ~~من الإثم. وأخرج PageV03P070 # ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن مردويه وأبو نعيم في ~~الدلائل من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس أن سبب نزول الآية قدوم عامر بن ~~الطفيل، وأربد بن قيس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القصة ~~المشهورة، وأنه لما أصيب عامر بن الطفيل بالغدة نزل قوله تعالى (الله يعلم ~~ما تحمل كل أنثى) إلى قوله معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ~~الله) قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ~~ذكر أربد بن قيس وما قتله، فقال (هو الذي يريكم البرق) إلى قوله (وهو شديد ~~المحال). # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله (معقبات) الآية قال هذه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه (يحفظونه من أمر الله) قال: ذلك الحفظ من أمر الله ~~بأمر الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (من أمر ~~الله) قال: بإذن الله. # وأخرج ابن جرير عن قتادة مثله. وأخرج ابن جرير عن ms1935 ابن عباس في الآية قال: ~~ولي السلطان يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، يقول: يحفظونه ~~من أمري، فإني إذا أردت بقوم سوءا فلا مرد له. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في الآية قال: ~~الملوك يتخذون الحرس يحفظونه من أمامه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ~~يحفظونه من القتل: ألم تسمع أن الله يقول (إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد ~~له) أي إذا أراد سوءا لم يغن الحرس عنه شيئا. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في ~~الآية قال: هؤلاء الأمراء وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~هم الملائكة تعقب بالليل تكتب على ابن آدم. وأخرج عبد الرزاق والفريابي ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: ملائكة يحفظونه من ~~بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. وأخرج ابن المنذر وأبو ~~الشيخ عن علي في الآية قال: ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن تقع ~~عليه حائط. أو ينزوي في بئر، أو يأكله سبع أو غرق أو حرق، فإذا جاء القدر ~~خلوا بينه وبين القدر، وقد ورد في ذكر الحفظة الموكلين بالإنسان أحاديث ~~كثيرة مذكورة في كتب الحديث. # سورة الرعد الآية (12 - 16) PageV03P071 # سورة الرعد الآية (17 - 18) لما خوف سبحانه عباده بإنزال ما لا مرد له ~~أتبعه بأمور ترجى من بعض الوجوه ويخاف من بعضها، وهى البرق والسحاب والرعد ~~والصاعقة وقد مر في أول البقرة تفسير هذه الألفاظ وأسبابها: # وقد اختلف في وجه انتصاب (خوفا وطمعا) فقيل على المصدرية: أي لتخافوا ~~خوفا ولتطمعوا طمعا - وقيل على العلة بتقدير إرادة الخوف والطمع لئلا يختلف ~~فاعل الفعل المعلل وفاعل المفعول له، أو على الحالية من البرق، أو من ~~المخاطبين بتقدير ذوي خوف - وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه. قيل والمراد ~~بالخوف هو الحاصل من الصواعق، وبالطمع هو الحاصل في المطر. وقال الزجاج: ~~الخوف للمسافر لم يتأذى به المطر. والطمع للحاضر، لأنه إذا ms1936 رأى البرق طمع ~~في المطر الذي هو سبب الخصب (وينشئ السحاب الثقال) التعريف للجنس والواحدة ~~سحابة، والثقال جمع ثقيلة. والمراد أن الله سبحانه يجعل السحاب التي ينشئها ~~ثقالا بما يجعله فيها من الماء (ويسبح الرعد بحمده) أي يسبح الرعد نفسه ~~بحمد الله: أي متلبسا بحمده، وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله ~~بذلك - وإن من شئ إلا يسبح بحمده -، وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة ~~فلا استبعاد في ذلك. # ويكون ذكره على الإفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له، وعناية ~~به، وقيل المراد ويسبح سامعوا الرعد: # أي يقولون: سبحان الله والحمد لله (والملائكة من خيفته) أي ويسبح ~~الملائكة من خيفة الله سبحانه، وقيل من خيفة الرعد. وقد ذكر جماعة من ~~المفسرين أن هؤلاء الملائكة هم أعوان الرعد. وأن الله سبحانه جعل له أعوانا ~~(ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) من خلقه فيهلكه، وسياق هذه الأمور هنا ~~للغرض الذي سيقت له الآيات التي قبلها، وهى الدلالة على كمال قدرته (وهم ~~يجادلون في الله) الضمير راجع إلى الكفار المخاطبين في قوله (هو الذي يريكم ~~البرق) أي وهؤلاء الكفرة مع هذه الآيات التي أراهم الله يجادلون في شأن ~~الله سبحانه فينكرون البعث تارة و يستعجلون العذاب آخري، ويكذبون الرسل ~~ويعصون الله. وهذه الجملة في محل نصب على الحال. ويجوز أن تكون مستأنفة ~~(وهو شديد المحال) قال ابن الأعرابي: المحال المكر، والمكر من الله: ~~التدبير بالحق. وقال النحاس: المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من ~~حيث لا يشعر. وقال الأزهري: المحال القوة والشدة، والميم أصلية، وما حلت ~~فلانا محالا أينا أشد. وقال أبو عبيد: المحال العقوبة والمكروه قال الزجاج: ~~يقال ما حلته محالا: إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحل في اللغة: ~~الشدة. وقال ابن قتيبة: أي شديد الكيد، وأصله من الحيلة جعل الميم كميم ~~المكان، وأصله من الكون، ثم يقال تمكنت قال الأزهري: غلط ابن قتيبة أن ~~الميم فيه زائدة بل هي أصلية، وإذا رأيت الحرف على ms1937 مثال فعال أوله ميم ~~مكسورة فهي أصلية مثل مهاد وملاك ومراس وغير ذلك من الحروف وقرأ الأعرج ~~(وهو شديد المحال) بفتح الميم، وقد فسرت هذه القراءة بالحول. PageV03P072 # وللصحابة والتابعين في تفسير المحال هنا أقوال ثمانية: الأول العداوة، ~~الثاني الحول، الثالث الأخذ، الرابع الحقد، الخامس القوة، السادس الغضب، ~~السابع الهلاك، الثامن الحيلة (له دعوة الحق) إضافة الدعوة إلى الحق ~~للملابسة: أي الدعوة الملابسة للحق المختصة به التي لا مدخل للباطل فيها ~~بوجه من الوجوه كما يقال كلمة الحق، والمعنى أنها دعوة مجابة واقعة في ~~موقعها، لا كدعوة من دونه. وقيل الحق هو الله سبحانه، والمعنى: أن لله ~~سبحانه دعوة المدعو الحق وهو الذي يسمع فيجيب. وقيل المراد بدعوة الحق ها ~~هنا كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى: لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له. ~~وقيل دعوة الحق دعاؤه سبحانه عند الخوف فإنه لا يدعى فيه سواه كما قال ~~تعالى - ضل من تدعون إلا إياه -. وقيل الدعوة العبادة، فإن عبادة الله هي ~~الحق والصدق (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ) أي والآلهة الذين ~~يدعونهم يعني الكفار من دون الله عز وجل لا يستجيبون لهم بشئ مما يطلبونه ~~منهم كائنا ما كان إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد ~~فإنه لا يجيبه. لأنه جماد لا يشعر بحاجته إليه. ولا يدري أنه طلب منه أن ~~يبلغ فاه. ولهذا قال (وما هو) أي الماء (ببالغه) أي يبالغ فيه. قال الزجاج: ~~إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا ~~يستجيب، أعلم الله سبحانه أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان إلى الماء يدعوه ~~إلى بلوغ فمه، وما الماء ببالغه. وقيل المعنى: أنه كباسط كفيه إلى الماء ~~ليقبض عليه فلا يحصل في كفه شئ منه. وقد ضربت العرب لمن سعى فيما لا يدركه ~~مثلا بالقبض على الماء كما قال الشاعر: # فأصبحت مما كان بيني وبينها * من الود مثل القابض الماء باليد وقال ~~الآخر: # ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض * على ms1938 الماء خانته فروج الأصابع وقال ~~الفراء: إن المراد بالماء هنا ماء البئر لأنها معدن للماء، وأنه شبهه بمن ~~مد يده إلى البئر بغير رشاء، ضرب الله سبحانه هذا مثلا لمن يدعو غيره من ~~الأصنام (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي يضل عنهم ذلك الدعاء فلا يجدون ~~منه شيئا. ولا ينفعهم بوجه من الوجوه بل هو ضائع ذاهب (ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها) إن كان المراد بالسجود معناه الحقيقي، وهو وضع ~~الجبهة على الأرض للتعظيم مع الخضوع والتذلل. فذلك ظاهر في المؤمنين ~~والملائكة ومسلمي الجن، وأما في الكفار فلا يصح تأويل السجود بهذا في حقهم. ~~فلا بد أن يحمل السجود المذكور في الآية على معنى حق لله السجود ووجب حتى ~~يناول السجود بالفعل وغيره. أو يفسر للسجود بالانقياد. لأن الكفار وإن لم ~~يسجدوا لله سبحانه فهم منقادون لأمره، وحكمه فيهم بالصحة والمرض والحياة ~~والموت والفقر والغنى، ويدل على إرادة هذا المعنى قوله (طوعا وكرها) فإن ~~الكفار ينقادون كرها كما ينقاد المؤمنون طوعا، وهما منتصبان على المصدرية: ~~أي انقياد طوع وانقياد كره، أو على الحال: أي طائعين وكارهين. وقال الفراء: ~~الآية خاصة بالمؤمنين فإنهم يسجدون طوعا، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا ~~كالمنافقين. فالآية محمولة على هؤلاء، وقيل الآية في المؤمنين، فمنهم من ~~سجد طوعا لا يثقل عليه السجود، ومنهم من يثقل عليه لأن التزام التكليف مشقة ~~ولكنهم يتحملون المشقة إيمانا بالله وإخلاصا له (وظلالهم بالغدو والآصال) ~~وظلالهم جمع ظل. والمراد به ظل الإنسان الذي يتبعه، جعل ساجدا بسجوده حيث ~~صار لازما له لا ينفك عنه. قال الزجاج وابن الأنباري: ولا يبعد أن يخلق ~~الله للظلال أفهاما تسجد بها لله سبحانه كما جعل للجبال أفهاما حتى اشتغلت ~~بتسبيحه. فظل المؤمن يسجد لله طوعا، وظل الكافر يسجد لله كرها وخص الغدو ~~والآصال بالذاكر لأنه يزداد ظهور الظلال فيهما، وهما ظرف للسجود المقدر: أي ~~ويسجد ظلالهم PageV03P073 # في هذين الوقتين. وقد تقدم تفسير الغدو والآصال في الأعراف. وفى معنى هذه ~~الآية قوله ms1939 سبحانه - أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون - وجاء بمن في من في السماوات والأرض ~~تغليبا للعقلاء على غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعا لسجودهم، ومما يؤيد حمل ~~السجود على الانقياد ما يفيده تقديم لله على الفعل من الاختصاص، فإن سجود ~~الكفار لأصنامهم معلوم. ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله في الأمور التي ~~يقرون على أنفسهم بأنها من الله، كالخلق والحياة والموت ونحو ذلك (قل من رب ~~السماوات والأرض، أمر الله سبحانه رسوله أن يسأل الكفار من رب السماوات ~~والأرض؟ ثم لما كانوا يقرون بذلك ويعترفون به كما حكاه الله سبحانه في قوله ~~- ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم - وقوله ~~- ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله - أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يجيب، فقال (قل الله) فكأنه حكى جوابهم وما يعتقدونه. لأنهم ربما ~~تلعثموا في الجواب حذرا مما يلزمهم، ثم أمره بأن يلزمهم الحجة ويبكتهم فقال ~~(قل أفتخذتم الله من دونه أولياء) والاستفهام للإنكار: أي إذا كان رب ~~السماوات والأرض هو الله كما تقرون بذلك وتعترفون به كما حكاه سبحانه عنكم ~~بقوله - قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم. # سيقولون لله - فما بالكم اتخذتم لأنفسكم من دونه أولياء عاجزين (لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا) ينفعونها به (ولا ضرا) يضرون به غيرهم أو يدفعونه عن ~~أنفسهم، فكيف ترجون منهم النفع والضر وهم لا يملكونهما لأنفسهم والجملة في ~~محل نصب على الحال، ثم ضرب الله سبحانه لهم مثلا وأمر رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يقوله لهم، فقال (قل هل يستوى الأعمى والبصير) أي هل يستوى ~~الأعمى في دينه وهو الكافر، والبصير فيه وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما ~~يجب عليه وما يلزمه، والثاني عالم بذلك. قرأ بن محيصن وأبو بكر والأعمش ~~وحمزة والكسائي (أم هل يستوى الظلمات والنور) بالتحتية، وقرأ الباقون ~~بالفوقية، واختار القراءة الثانية أبو عبيد. والمراد بالظلمات الكفر، ~~وبالنور الإيمان، والاستفهام للتقريع والتوبيخ: ms1940 أي كيف يكونان مستويين ~~وبينهما من التفاوت ما بين الأعمى والبصير، وما بين الظلمات والنور، ووحد ~~النور وجمع الظلمة، لأن طريق الحق واحدة لا تختلف، وطرائق الباطل كثيرة غير ~~محصرة (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه) أم هي المنقطعة التي بمعنى بل ~~والهمزة: # أي بل أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه والاستفهام لإنكار الوقوع. قال ابن ~~الأنباري: معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق ~~الشركاء بخلق الله عندهم: أي ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر عليهم. بل ~~إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون ~~شيئا، وجملة: خلقوا كخلقه في محل نصب صفة لشركاء. والمعنى: أنهم لم يجعلوا ~~لله شركاء متصفين بأنهم خلقوا كخلقه (فتشابه) بهذا السبب (الخلق عليهم) حتى ~~يستحقوا بذلك العبادة منهم. بل إنما جعلوا له شركاء الأصنام ونحوها. وهى ~~بمعزل عن أن تكون كذلك، ثم أمره الله سبحانه بأن يوضح لهم الحق ويرشدهم إلى ~~الصواب فقال (قل الله خالق كل شئ) كائنا ما كان ليس لغيره في ذلك مشاركة ~~بوجه من الوجوه. قال الزجاج: والمعنى أنه خالق كل شئ مما يصح أن يكون ~~مخلوقا، ألا ترى أنه تعالى شئ وهو غير مخلوق (وهو الواحد) أي المتفرد ~~بالربوبية (القهار) لما عداه. فكل ما عداه مربوب مقهور مغلوب، ثم ضرب ~~سبحانه مثلا آخر للحق وذويه، وللباطل ومنتحليه فقال (أنزل من السماء ماء) ~~أي من جهتها والتنكير للتكثير أو للنوعية (فسالت أودية) جمع واد. وهو كل ~~منفرج بين جبلين أو نحوهما. قال أبو علي الفارسي: لا نعلم فاعلا جمع على ~~أفعلة إلا هذا، وكأنه حمل على فعيل فجمع على أفعلة مثل جريب وأجربة. كما أن ~~فعيلا حمل على فاعل، فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف، كأصحاب ~~PageV03P074 # وأنصار في صاحب وناصر قال: وفى قوله (فسالت أودية) توسع: أي سال ماؤها. ~~قال: ومعنى (بقدرها) بقدر مائها، لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها. قال ~~الواحدي: والقدر مبلغ الشئ. والمعنى: بقدرها من الماء، فإن ms1941 صغر الوادي قل ~~الماء وإن اتسع كثر، وقال في الكشاف: بقدرها بمقدارها الذي يعرف الله أنه ~~نافع للممطور عليهم غير ضار. قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع ~~للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، ~~وشبه الأودية بالقلوب: إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن ~~والإيمان في قلوب المؤمنين (فاحتمل السيل زبدا رابيا) الزبد: هو الأبيض ~~المرتفع المنتفخ على وجه السيل. ويقال له الغثاء والرغوة، والرابي: العالي ~~المرتفع فوق الماء. قال الزجاج: هو الطافي فوق الماء. وقال غيره: هو الزائد ~~بسبب انتفاخه، من ربا يربو إذا زاد. والمراد من هذا تشبيه الكفر بالزبد ~~الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الوادي وتدفعه الرياح، فكذلك ~~يذهب الكفر ويضمحل. وقد تم المثل الأول، ثم شرح سبحانه في ذكر المثل الثاني ~~فقال (ومما يوقدون عليه في النار) من لابتداء الغاية: أي ومنه ينشأ زبد مثل ~~زبد الماء، أو للتبعيض بمعنى: وبعضه زبد مثله، والضمير للناس، أضمر مع عدم ~~سبق الذكر لظهوره، هذا على قراءة يوقدون بالتحتية، وبها قرأ حميد وابن ~~محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وحفص. وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب، ~~واختار القراءة الأولى أبو عبيد. والمعنى: ومما توقدون عليه في النار فيذوب ~~من الأجسام المنطرقة الذائبة (ابتغاء حلية) أي لطلب اتخاذ حلية تتزينون بها ~~وتتجملون في كالذهب والفضة (أو متاع) أي أو طلب متاع تتمتعون به من الأواني ~~والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص (زبد مثله) المراد ~~بالزبد هنا الخبث. فإنه يعلو فوق ما أذيب من تلك الأجسام كما يعلو الزبد ~~على الماء فالضمير في مثله يعود إلى زبدا رابيا، وارتفاع زبد على الابتداء ~~وخبره مما يوقدون (كذلك يضرب الله الحق والباطل) أي مثل ذلك الضرب البديع ~~يضرب لله مثل الحق ومثل الباطل. ثم شرع في تقسيم المثل فقال: (فأما الزبد ~~فيذهب جفاء) يقال جفأ الوادي بالهمز جفاء: إذا رمى بالقذر والزبد. قال ~~الفراء: الجفاء الرمي. يقال: جفأ الوادي غثاء جفاء: إذا رمى به، والجفاء ms1942 ~~بمنزلة الغثاء. وكذا قال أبو عمرو بن العلاء، وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة ~~يقرأ جفالا. قال أبو عبيدة: # يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها. وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته. قال ~~أبو حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر. واعلم أن وجه ~~المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام ~~المنطرقة أن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبدا رابيا فوقه. ~~وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام المنطرقة، فإن أصله من ~~المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب، فإذا أذيبت صار ذلك التراب ~~الذي خالطها خبثا مرتفعا فوقها (وأما ما ينفع الناس) منهما وهو الماء ~~الصافي، والذائب الخالص من الخبث (فيمكث في الأرض) أي يثبت فيها. أما الماء ~~فإنه يسلك في عروق الأرض فتنتفع الناس به، وأما ما أذيب من تلك الأجسام ~~فإنه يصاغ حلية وأمتعة. وهذان مثلان ضربهما الله سبحانه للحق والباطل. ~~يقول: إن الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه. فإن الله سبحانه ~~سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه ~~الماء ويضمحل وكخبث هذه الأجسام فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ~~ويدفعه، فهذا مثل الباطل، وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعى فيمكث ~~في الأرض، وكذلك الصفو من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل ~~الحق. قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء ~~المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شئ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر ~~الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعا PageV03P075 # بها، ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء. وكمثل خبث الحديد وما ~~تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به. وقد حكينا عن ابن ~~الأنباري فيما تقدم أنه شبه نزول القرآن إلى آخر ما ذكرناه فجعل ذلك مثلا ~~ضربه الله للقرآن (كذلك يضرب الله الأمثال) أي مثل ذلك الضرب العجيب يضرب ~~الله الأمثال في كل باب لكمال العناية بعباده ms1943 واللطف بهم، وهذا تأكيد ~~لقوله: كذلك يضرب الله الحق والباطل، ثم بين سبحانه من ضرب له مثل الحق ~~ومثل الباطل من عباده، فقال فيمن ضرب له مثل الحق (للذين استجابوا لربهم) ~~أي أجابوا دعوته إذ دعاهم إلى توحيده وتصديق أنبيائه والعمل بشرائعه، ~~والحسنى صفة موصوف محذوف. أي المثوبة الحسنى وهى الجنة، وقال سبحانه فيمن ~~ضرب له مثل الباطل (والذين لم يستجيبوا) لدعوته إلى ما دعاهم إليه، ~~والموصول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية، وهى (لو أن لهم ما في الأرض جميعا) ~~من أصناف الأموال التي يتملكها العباد ويجمعونها بحيث لا يخرج عن ملكهم ~~منها شئ (ومثله معه) أي مثل ما في الأرض جميعا كائنا معه ومنضما إليه ~~(لافتدوا به) أي بمجموع ما ذكر وهو ما في الأرض ومثله. والمعنى: ليخلصوا به ~~مما هم فيه من العذاب الكبير والهول العظيم، ثم بين الله سبحانه ما أعده ~~لهم فقال (أولئك) يعنى الذين لم يستجيبوا (لهم سوء الحساب) قال الزجاج: لأن ~~كفرهم أحبط أعمالهم، وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه، وقيل هو أن يحاسب ~~الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شئ (ومأواهم جهنم) أي مرجعهم إليها (وبئس ~~المهاد) أي المستقر الذي يستقرون فيه. والمخصوص بالذم محذوف. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~قتادة في قوله (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا) قال: خوفا للمسافر يخاف ~~أذاه ومشقته، وطمعا للمقيم يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته. ~~وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: خوفا لأهل البحر وطمعا لأهل البر. وأخرج أبو ~~الشيخ عن الضحاك قال: الخوف ما يخاف من الصواعق والطمع: الغيث. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخرائطي في ~~مكارم الأخلاق والبيهقي في سننه من طرق عن علي بن أبي طالب قال: البرق ~~مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب يزجرون به السحاب. وروى عن جماعة من ~~السلف ما يوافق هذا ويخالفه. ولعلنا قد قدمنا في سورة البقرة شيئا من ms1944 ذلك. ~~وأخرج أحمد عن شيخ من بني غفار قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: سمعت رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن الله ينشئ السحاب ~~فتنطق أحسن النطق وتضحك أحسن الضحك " قيل والمراد بنطقها الرعد، وبضحكها ~~البرق. وقد ثبت عند أحمد والترمذي والنسائي في اليوم والليلة والحاكم في ~~مستدركه من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~سمع الرعد والصواعق قال " اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، ~~وعافنا قبل ذلك ". وأخرج العقيلي وضعفه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ينشئ الله السحاب ثم ينزل فيه الماء. ~~فلا شئ أحسن من ضحكه، ولا شئ أحسن من نطقه، ومنطقه الرعد وضحكه البرق ". ~~وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله " أن خزيمة بن ثابت، وليس بالأنصاري، ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن منشأ السحاب فقال: إن ملكا موكلا ~~يلم القاصية ويلحم الدانية في يده مخراق، فإذا رفع برقت وإذا زجر رعدت، ~~وإذا ضرب صعقت ". وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في ~~المختارة عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن ~~عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ PageV03P076 # إسرائيل على بنيه إذ قال الله على ما نقول وكيل، قال هاتوا، قالوا: ~~أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه، قالوا: أخبرنا كيف ~~تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: يلتقى الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة ~~أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت، قالوا: أخبرنا عما حرم إسرائيل ~~على نفسه؟ قال: كان يشتكى عرق النساء، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا ~~وكذا: يعنى الإبل، فحرم لحومها، قالوا: صدقت، قالوا أخبرنا ما هذا ms1945 الرعد؟ ~~قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب ~~يسوقه حيث أمره الله، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته. قالوا: ~~صدقت إنما بقيت واحدة، وهى التي نتابعك إن أخبرتنا، إنه ليس من نبي إلا له ~~ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل، قالوا: جبريل ذاك ينزل ~~بالخراب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات ~~والقطر لكان، فأنزل الله - قل من كان عدوا لجبريل - إلى آخر الآية. وأخرج ~~البخاري في الأدب المفرد وابن أبي الدنيا في المطر وابن جرير عن ابن عباس ~~أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان الذي سبحت له، وقال: إن الرعد ملك ~~ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه. وقد روى نحو هذا عنه من طرق. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن أبي هريرة أن الرعد صوت الملك، وكذا أخرج نحوه أبو الشيخ عن ~~ابن عمر. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: الرعد ملك اسمه ~~الرعد، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره احتك السحاب واضطرم من خوفه فتخرج ~~الصواعق من بينه. # وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي وأبو الشيخ في العظمة عن أبي عمران الجوني ~~قال: إن بحورا من نار دون العرش يكون منها الصواعق. وأخرج أبو الشيخ عن ~~السدى قال: الصواعق نار. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس (وهو ~~شديد المحال) قال: شديد القوة. وأخرج ابن جرير عن علي قال: شديد الأخذ. ~~وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه في قوله (له دعوة الحق) قال: التوحيد: لا ~~إله إلا الله. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات من طرق عن ابن عباس في قوله ~~دعوة الحق قال: شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير عن علي في قوله ~~(إلا كباسط كفيه إلى السماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) قال: كان الرجل ~~العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه ms1946 وما هو ببالغه. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: هذا ~~مثل المشرك الذي عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلى ~~خياله في الماء من بعيد وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه. وأخرج أبو ~~الشيخ عنه في قوله (هل يستوى الأعمى والبصير) قال: المؤمن والكافر. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه أيضا في قوله (أنزل من ~~السماء ماء) الآية قال: هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر ~~يقينها وشكها. فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به ~~أهله. وهو قوله (فأما الزبد فيذهب جفاء) وهو الشك (وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض) وهو اليقين، وكما يجعل الحلى في النار فيؤخذ خالصه ويترك ~~خبثه، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. وأخرج هؤلاء عنه أيضا (فسالت ~~أودية بقدرها) قال: الصغير قدر صغره، والكبير قدر كبره. # سورة الرعد الآية (19 - 20) PageV03P077 # سورة الرعد الآية (21 - 25) الهمزة في قوله (أفمن يعلم) للإنكار على من ~~يتوهم المماثلة بين من يعلم أنما أنزله الله سبحانه إلى رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، وهو القرآن. وبين من هو ~~أعمى لا يعلم ذلك، فإن الحال بينهما متباعد جدا كالتباعد الذي بين الماء ~~والزبد. وبين الخبث والخالص من تلك الأجسام، ثم بين سبحانه أنه إنما يقف ~~على تفاوت المنزلتين، وتباين الرتبتين أهل العقول الصحيحة. فقال (إنما ~~يتذكر أولو الألباب) ثم وصفهم بهذه الأوصاف المادحة، فقال (الذين يوفون ~~بعهد الله) أي بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم ~~وبين العباد (ولا ينقضون الميثاق) الذي وثقوه على أنفسهم. وأكدوه بالأيمان ~~ونحوها، وهذا تعميم بعد التخصيص، لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد ~~على نفسه كالنذور ونحوها، ويحتمل أن يكون الأمر بالعكس فيكون من التخصيص ~~بعد التعميم على أن يراد بالعهد جميع عهود الله. وهى ms1947 أوامره ونواهيه التي ~~وصى بها عبيده، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه. ويراد ~~بالميثاق ما أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذر ~~المذكور في قوله سبحانه - وإذ أخذ ربك من بني آدم - الآية (والذين يصلون ما ~~أمر الله به أن يوصل) ظاهره شمول كل ما أمر الله بصلته * ونهى عن قطعه من ~~حقوق الله وحقوق عباده. ويدخل تحت ذلك صلة الأرحام دخولا أوليا. وقد قصره ~~كثير من المفسرين على صلة الرحم. واللفظ أوسع من ذلك (ويخشون ربهم) خشية ~~تحملهم على فعل ما وجب. واجتناب ما لا يحل (ويخافون سوء الحساب) وهو ~~الاستقصاء فيه والمناقشة للعبد، فمن نوقش الحساب عذب. ومن حق هذه الخيفة أن ~~يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) قيل هو كلام ~~مستأنف. وقيل معطوف على ما قبله والتعبير عنه بلفظ المضي للتنبيه على أنه ~~ينبغي تحققه. والمراد بالصبر الصبر على الإتيان بما أمر الله به. واجتناب ~~ما نهى عنه، وقيل على الرزايا والمصائب، ومعنى كون ذلك الصبر لابتغاء وجه ~~الله: أن يكون خالصا له. لا شائبة فيه لغيره (وأقاموا الصلاة) أي فعلوها في ~~أوقاتها على ما شرعه الله سبحانه في أذكارها وأركانها مع الخشوع والإخلاص. ~~والمراد بها الصلوات المفروضة، وقيل أعم من ذلك (وأنفقوا مما رزقناهم) أي ~~أنفقوا بعض ما رزقناهم. والمراد بالسر: صدقة النفل. # والعلانية: صدقة الفرض، وقيل السر لمن لم يعرف بالمال. أو لا يتهم بترك ~~الزكاة. والعلانية لمن كان يعرف بالمال أو يتهم بترك الزكاة (ويدرؤن ~~بالحسنة السيئة) أي يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه كما في قوله ~~تعالى - ادفع بالتي هي أحسن -، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السئ، أو ~~يدفعون الشر بالخير. أو المنكر PageV03P078 # بالمعروف. أو الظلم بالعفو، أو الذنب بالتوبة. ولا مانع من حمل الآية على ~~جميع هذه الأمور، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة ~~(لهم عقبى الدار) العقبى مصدر كالعاقبة، والمراد بالدار الدنيا، وعقباها ~~الجنة، وقيل المراد بالدار: ms1948 الدار الآخرة، وعقباها الجنة للمطيعين. والنار ~~للعصاة (جنات عدن يدخلونها) بدل من عقبى الدار أي لهم جنات عدن، ويجوز أن ~~يكون مبتدأ، وخبره يدخلونها. والعدن أصله الإقامة، ثم صار علما لجنة من ~~الجنان. قال القشيري: وجنات عدن: وسط الجنة وقصبتها وسقفها عرش الرحمن، ~~ولكن في صحيح البخاري وغيره " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ~~الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". (ومن صلح ~~من آبائهم) يشمل الآباء والأمهات (وأزواجهم وذرياتهم) معطوف على الضمير في ~~يدخلون. وجاز ذلك للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه: أي ويدخلها أزواجهم ~~وذرياتهم. وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من ~~قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون ~~صلاح (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) أي من جميع أبواب المنازل التي ~~يسكنونها، أو المراد من كل باب من أبواب التحف والهدايا من الله سبحانه ~~(سلام عليكم) (أي قائلين سلام عليكم: أي سلمتم من الآفات أو دامت لكم ~~السلامة (بما صبرتم) أي بسبب صبركم وهو متعلق بالسلام: # أي إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم أو متعلق بعليكم. أو بمحذوف: ~~أي هذه الكرامة بسبب صبركم أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر (فنعم عقبى ~~الدار) جاء سبحانه بهذه الجملة المتضمنة لمدح ما أعطاهم من عقبى الدار ~~المتقدم ذكرها للترغيب والتشويق، ثم اتبع أحوال السعداء بأحوال الأشقياء. ~~فقال (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل) وقد مر تفسير عدم النقض وعدم القطع فعرف منهما تفسير النقض والقطع. ~~ولم يتعرض لنفى الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف المتقدمة لدخولها ~~في النقض والقطع (ويفسدون في الأرض) بالكفر وارتكاب المعاصي والأضرار ~~بالأنفس والأموال (أولئك) الموصوفون بهذه الصفات الذميمة (لهم) بسبب ذلك ~~(اللعنة): أي الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه (ولهم سوء الدار) أي سوء ~~عاقبة دار الدنيا، وهى النار أو عذاب النار. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ms1949 وأبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى ~~(أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق) قال: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا ~~من كتاب الله وعقلوه ووعوه (كمن هو أعمى) قال: عن الحق فلا يبصره ولا يعقله ~~(إنما يتذكر أولوا الألباب) فبين من هم؟ فقال (الذين يوفون بعهد الله). ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أولوا الألباب قال: من كان له لب: أي ~~عقل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أن الله ذكر الوفاء ~~بالعهد والميثاق في بضع وعشرين آية من القرآن. وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن البر والصلة ~~ليخففان سوء الحساب يوم القيامة، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب). ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله (والذين يصلون ما ~~أمر الله به أن يوصل) يعنى من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها (ويخشون ربهم) ~~يعنى يخافون من قطيعة ما أمر الله به أن يوصل (ويخافون سوء الحساب) يعنى ~~شدة الحساب. # وقد ورد في صلة الرحم وتحريم قطعها أحاديث كثيرة. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك (ويدرءون بالحسنة السيئة) ~~قال: يدفعون بالحسنة السيئة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي PageV03P079 # وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود ~~في قوله (جنات عدن) قال: بطنان الجنة، يعنى وسطها. وأخرج عبد بن حميد عن ~~الحسن أن عمر قال لكعب، ما عدن؟ قال: هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو ~~صديق أو شهيد أو حكم عدل. وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " جنة عدن قضيب غرسه الله بيده، ثم قال له كن فكان ". ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ms1950 ~~مجاهد (ومن صلح من آبائهم) قال: من آمن في الدنيا، وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله (سلام عليكم ~~بما صبرتم) قال: على دينكم (فنعم عقبى الدار) قال: نعم ما أعقبكم الله من ~~الدنيا في الجنة. وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان ~~وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب ~~الإيمان عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~أول من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور، ~~وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء. فيقول ~~الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم. فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان ~~سمائك وخيرتك من خلقك. أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال الله: إن ~~هؤلاء عبادي كانوا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا. وتسد بهم الثغور، وتتقى ~~بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم ~~الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة " إن المؤمن ليكون ~~متكئا على أريكة إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين باب ~~مبوب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول ~~الذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن، فيقول ائذنوا له، فيقول أقربهم ~~إلى المؤمن: ائذنوا له. ويقول الذي يليه للذي يليه ائذنوا له حتى يبلغ ~~أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل ويسلم عليه، ثم ينصرف ". وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (ولهم سوء الدار) قال: سوء العاقبة. # سورة الرعد الآية (26 - 30) لما ذكر الله سبحانه عاقبة المشركين بقوله ~~(ولم سوء الدار) كان لقائل أن يقول: قد نرى كثيرا منهم قد وفر الله له ~~الرزق وبسط له فيه، فأجاب عن ذلك بقوله (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) ms1951 ~~فقد يبسط الرزق لمن كان كافرا. ويقتره على من كان مؤمنا ابتلاء وامتحانا. ~~ولا يدل البسط على الكرامة ولا القبض على الإهانة، PageV03P080 # ومعنى يقدر: يضيق، ومنه - ومن قدر عليه رزقه - أي ضيق، وقيل معنى يقدر: ~~يعطى بقدر الكفاية، ومعنى الآية: أنه الفاعل لذلك وحده القادر عليه دون ~~غيره (وفرحوا بالحياة الدنيا) أي مشركو مكة فرحوا بالدنيا وجهلوا ما عند ~~الله، قيل وفى هذه الآية تقديم وتأخير، والتقدير: الذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا ~~بالحياة الدنيا، فيكون وفرحوا معطوفا على يفسدون (وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع) أي ما هي إلا شئ يستمتع به، وقيل المتاع واحد الأمتعة ~~كالقصعة والسكرجة ونحوهما، وقيل المعنى: شئ قليل ذاهب، من متع النهار: إذا ~~ارتفع فلا بد له من زوال، وقيل زاد كزاد الراكب يتزود به منها إلى الآخرة ~~(ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه) أي يقول أولئك المشركون من ~~أهل مكة هلا أنزل على محمد آية من ربه؟ وقد تقدم تفسير هذا قريبا، وتكرر في ~~مواضع (قل إن الله يضل من يشاء) أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بهذا، وهو ~~أن الضلال بمشيئة الله سبحانه، من شاء أن يضله ضل كما ضل هؤلاء القائلون " ~~لولا أنزل عليه آية من ربه " (ويهدى إليه من أناب) أي ويهدى إلى الحق، أو ~~إلى الإسلام، أو إلى جنابه عز وجل (من أناب): أي من رجع إلى الله بالتوبة ~~والإقلاع عما كان عليه، وأصل الإنابة الدخول في نوبة الخير، كذا قال ~~النيسابوري، ومحل الذين آمنوا النصب على البدلية من قوله " من أناب " أي ~~أنهم هم الذين هداهم الله وأنابوا إليه، ويجوز أن يكون الذين آمنوا خبر ~~مبتدأ محذوف: أي هم الذين آمنوا، أو منصوب على المدح (وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله) أي تسكن وتستأنس بذكر الله سبحانه بألسنتهم كتلاوة القرآن والتسبيح ~~والتحميد والتكبير والتوحيد، أو بسماع ذلك من غيرهم، وقد سمى سبحانه القرآن ~~ذكرا ms1952 قال - وهذا ذكر مبارك أنزلناه -، وقال - إنا نحن نزلنا الذكر - قال ~~الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين بخلاف من وصف بقوله - ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة - وقيل تطمئن ~~قلوبهم بتوحيد الله، وقيل المراد بالذكر هنا الطاعة، وقيل بوعد الله، وقيل ~~بالحلف بالله، فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه، وقيل بذكر رحمته، وقيل بذكر ~~دلائله الدالة على توحيده (ألا بذكر الله) وحده دون غيره (تطمئن القلوب) ~~والنظر في مخلوقات الله سبحانه وبدائع صنعه وإن كان يفيد طمأنينة في ~~الجملة، لكن ليست كهذه الطمأنينة، وكذلك النظر في المعجزات من الأمور التي ~~لا يطيقها البشر، فليس إفادتها للطمأنينة كإفادة ذكر الله، فهذا وجه ما ~~يفيده هذا التركيب من القصر (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن ~~مآب) الموصول مبتدأ خبره الجملة الدعائية، وهى طوبى لهم على التأويل ~~المشهور، ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على المدح، وطوبى لهم خبر مبتدأ ~~محذوف، ويجوز أن يكون الموصول بدلا من القلوب على حذف مضاف: أي قلوب الذين ~~آمنوا. قال أبو عبيدة والزجاج وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب. قال ابن ~~الأنباري: وتأويلها الحال المستطابة، وقيل طوبى شجرة في الجنة، وقيل هي ~~الجنة، وقيل هي البستان بلغة الهند، وقيل معنى طوبى لهم: حسنى لهم، وقيل ~~خير لهم، وقيل كرامة لهم، وقيل غبطة لهم. قال النحاس: وهذه الأقوال ~~متقاربة، والأصل طيبي فصارت الياء واوا لسكونها وضم ما قبلها، واللام في ~~لهم للبيان مثل سقيا لك ورعيا لك. وقرئ " حسن مآب " بالنصب والرفع، من آب ~~إذا رجع: أي وحسن مرجع، وهو الدار الآخرة (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من ~~قبلها أمم) أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المشتمل على المعجزة الباهرة ~~أرسلناك يا محمد. وقيل شبه الأنعام على من أرسل إليه محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالأنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله، ومعنى (في أمة قد خلت ~~من قبلها أمم) في قرن قد مضت من قبله ms1953 قرون، أو في جماعة من الناس قد مضت من ~~قبلها جماعات (لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك) أي لتقرأ عليهم القرآن، ~~PageV03P081 # (و) الحال أن (هم يكفرون بالرحمن) أي بالكثير الرحمة لعباده، ومن رحمته ~~لهم إرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم كما قال سبحانه - وما أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين - وجملة (قل هو ربى) مستأنفة بتقدير سؤال كأنهم قالوا: # وما الرحمن؟ فقال سبحانه (قل) يا محمد (هو ربى) أي خالقي (لا إله إلا هو) ~~أي لا يستحق العبادة له والإيمان به سواه (عليه توكلت) في جميع أموري ~~(وإليه) لا إلى غيره (متاب) أي توبتي، وفيه تعريض بالكفار وحث. # لهم على الرجوع إلى الله والتوبة من الكفر والدخول في الإسلام. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن سابط في ~~قوله (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع) قال: كزاد الراعي يزوده أهله ~~الكف من التمر أو الشئ من الدقيق أو الشئ يشرب عليه اللبن. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل يخرج في الزمان الأول في إبله، ~~أو غنمه فيقول لأهله متعوني فيمتعونه فلقة الخبز أو التمر، فهذا مثل ضربه ~~الله للدنيا. وأخرج الترمذي وصححه عن عبد الله بن مسعود قال " نام رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا ~~رسول الله لو اتخذنا لك؟ # فقال مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح ~~وتركها ". وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن المستورد قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل ~~أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع، وأشار بالسبابة ". وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله) قال: هشت إليه واستأنست به. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في الآية ~~قال: إذا حلف لهم بالله صدقوا (ألا بذكر الله تطمئن ms1954 القلوب) قال: تسكن. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ~~مجاهد في الآية قال، بمحمد وأصحابه. وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه حين نزلت هذه الآية " (ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب) هل تدرون ما معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: من أحب ~~الله ورسوله وأحب أصحابي ". وأخرج ابن مردويه عن علي " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الآية (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) قال: ~~ذلك من أحب الله ورسوله، وأحب أهل بيتي صادقا غير كاذب، وأحب المؤمنين ~~شاهدا وغائبا، ألا بذكر الله يتحابون ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله (طوبى لهم) قال: فرح وقرة عين. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن عكرمة في قوله (طوبى لهم) قال نعم ما لهم. # وقد روى عن جماعة من السلف نحو ما قدمنا ذكره من الأقوال، والأرجح تفسير ~~الآية بما روى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أخرجه أحمد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن عتبة ~~بن عبد قال " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ~~رسول الله في الجنة فاكهة؟ # قال: نعم فيها شجرة تدعى طوبى " الحديث. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن حبان والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " أن رجلا قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك ~~وآمن بك، قال: طوبى لمن آمن بي ورآني، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ~~ولم يرني، فقال رجل: # وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسير مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من ~~أكمامها " وفى باب أحاديث وآثار عن السلف، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما ms1955 من ~~حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " في الجنة شجرة يسير ~~الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم - وظل ممدود - " وفى بعض الألفاظ ~~" إنها شجرة PageV03P082 # الخلد ". وأخرج أبو الشيخ عن السدي (وحسن مآب) قال: حسن منقلب. وأخرج ابن ~~جرير عن الضحاك مثله وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وهم ~~يكفرون بالرحمن) قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زمن ~~الحديبية حين صالح قريشا كتب في الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت ~~قريش: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال ~~أصحابه: دعنا نقاتلهم، فقال لا، ولكن اكتبوا كما يريدون ". وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن ابن جريج في هذه الآية نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ~~(وإليه متاب) قال: توبتي. # سورة الرعد الآية (31 - 35) قوله (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) قيل هذا ~~متصل بقوله - لولا أنزل عليه آية من ربه - وأن جماعة من الكفار سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسير لهم جبال مكة حتى تنفسح فإنها أرض ~~ضيقة، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم بهذا الجواب المتضمن لتعظيم شأن ~~القرآن وفساد رأي الكفار حيث لم يقنعوا به وأصروا على تعنتهم وطلبهم ما لو ~~فعله الله سبحانه لم يبق ما تقتضيه الحكمة الإلهية من عدم إنزال الآيات ~~التي يؤمن عندها جميع العباد. ومعنى سيرت به الجبال: أي بإنزاله وقراءته ~~فسارت عن محل استقرارها (أو قطعت به الأرض) أي صدعت حتى صارت قطعا متفرقة ~~(أو كلم به الموتى) أي صاروا أحياء بقراءته عليهم. فكانوا يفهمونه عند ~~تكليمهم به كما يفهمه الأحياء. # وقد اختلف في جواب لو ماذا هو؟ فقال الفراء: هو محذوف. وتقديره: لكان هذا ~~القرآن. وروى عنه أنه قال: إن الجواب لكفروا بالرحمن: أي لو فعل بهم هذا ~~لكفروا بالرحمن، وقيل جوابه لما آمنوا كما سبق في قوله PageV03P083 # - وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - وقيل الجواب متقدم، ms1956 وفى الكلام ~~تقديم وتأخير: أي وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآنا إلى آخره، وكثيرا ما تحذف ~~العرب جواب لو إذا دل عليه سياق الكلام، ومنه قول امرئ القيس فلو أنها نفس ~~تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا أي لهان علي ذلك (بل لله الأمر جميعا) ~~أي لو أن قرآنا فعل به ذلك لكان هذا القرآن، ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه ~~الشأن الآن، فلو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وإذا لم يشأ أن يؤمنوا لم ينفع تسيير ~~الجبال وسائر ما اقترحوه من الآيات، فالإضراب متوجه إلى ما يؤدى إليه كون ~~الأمر لله سبحانه ويستلزمه من توقف الأمر على ما تقتضيه حكمته ومشيئته، ~~ويدل على أن هذا هو المعنى المراد من ذلك قوله (أفلم ييأس الذين آمنوا أن ~~لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) * قال الفراء: قال الكلبي أفلم ييأس بمعنى ~~أفلم يعلم، وهى لغة النخع. قال في الصحاح: وقيل هي لغة هوازن، وبهذا قال ~~جماعة من السلف. قال أبو عبيدة: أفلم يعلموا ويتبينوا. قال الزجاج: وهو ~~مجاز لأن اليائس من الشئ عالم بأنه لا يكون، نظيره استعمال الرجاء في معنى ~~الخوف، والنسيان في الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة على وابن عباس ~~وجماعة: أفلم يتبين، ومن هذا قول رباح بن عدي: # ألم ييأس الأقوام أنى أنا ابنه * وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا أي ألم ~~يعلم، وأنشد في هذا أبو عبيدة قول مالك بن عوف النضري: # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني الرحمن * ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم أي ~~ألم تعلموا، فمعنى الآية على هذا: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله ~~لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا الآيات، وقيل إن الإياس على معناه ~~الحقيقي: أي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار، لعلمهم أن الله ~~تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم، لأن المؤمنين تمنوا نزول الآيات التي ~~اقترحها الكفار طمعا في إيمانهم (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة) هذا وعيد للكفار على العموم أو لكفار مكة ms1957 على الخصوص: أي لا يزال ~~الذين كفروا تصيبهم بسبب ما صنعوا من الكفر والتكذيب للرسل قارعة: أي داهية ~~تفجؤهم، يقال قرعه الأمر إذا أصابه، والجمع قوارع، والأصل في القرع الضرب. ~~قال الشاعر: # أفنى تلادى وما جمعت من نشب * قرع القراقير أفواه الأباريق والمعنى: أن ~~الكفار لا يزالون كذلك حتى تصيبهم داهية مهلكة من قتل أو أسر أو جدب أو نحو ~~ذلك من العذاب، وقد قيل إن القارعة: النكبة، وقيل الطلائع والسرايا، ولا ~~يخفى أن القارعة تطلق على ما هو أعم من ذلك (أو تحل) أي القارعة (قريبا من ~~دارهم) فيفزعون منها ويشاهدون من آثارها ما ترجف له قلوبهم وترعد منه ~~بوادرهم، وقيل إن الضمير في (تحل) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمعنى: ~~أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم محاصرا لهم آخذا بمخانقهم كما وقع منه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الطائف (حتى يأتي وعد الله) وهو موتهم، أو ~~قيام الساعة عليهم، فإنه إذا جاء وعد الله المحتوم حل بهم من عذابه ما هو ~~الغاية في الشدة، وقيل المراد بوعد الله هنا الإذن منه بقتال الكفار. ~~والأول أولى (إن الله لا يخلف الميعاد) فما جرى به وعده فهو كائن لا محالة ~~(ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا) التنكير في رسل للتكثير: أي ~~برسل كثيرة، والإملاء: # الإمهال، وقد مر تحقيقه في الأعراف (ثم أخذتهم) بالعذاب الذي أنزلته بهم ~~(فكيف كان عقاب) الاستفهام للتقريع والتهديد: أي فكيف كان عقابي لهؤلاء ~~الكفار الذين استهزءوا بالرسل، فأمليت لهم ثم أخذتهم. ثم استفهم ~~PageV03P084 # سبحانه استفهاما آخر للتوبيخ والتقريع يجرى مجرى الحجاج للكفار واستركاك ~~صنعهم والإزراء عليهم، فقال (أفمن هو قائم على كل نفس) القائم الحفيظ ~~والمتولي للأمور، وأراد سبحانه نفسه، فإنه المتولي لأمور خلقه المدبر ~~لأحوالهم بالآجال والأرزاق، وإحصاء الأعمال على كل نفس من الأنفس كائنة ما ~~كانت، والجواب محذوف: # أي أفمن هو بهذه الصفة كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تنفع ولا ~~تضر. قال الفراء: كأنه في ms1958 المعنى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ~~كشركائهم الذين اتخذوهم من دون الله، والمراد من الآية إنكار المماثلة ~~بينهما، وقيل المراد بمن هو قائم على كل نفس الملائكة الموكلون ببني آدم، ~~والأول أولى، وجملة (وجعلوا لله شركاء) معطوفة على الجواب المقدر مبينة له ~~أو حالية بتقدير قد: أي وقد جعلوا، أو معطوفة على (ولقد استهزئ) أي ~~استهزءوا وجعلوا (قل سموهم) أي قل يا محمد جعلتم له شركاء فسموهم من هم؟ ~~وفى هذا تبكيت لهم وتوبيخ، لأنه إنما يقال هكذا في الشئ المستحقر الذي لا ~~يستحق أن يلتفت إليه، فيقال: سمه إن شئت: يعنى أنه أحقر من أن يسمى، وقيل ~~إن المعنى سموهم بالآلهة كما تزعمون، فيكون ذلك تهديدا لهم (أم تنبئونه) أي ~~بل أتنبئون الله (بما لا يعلم في الأرض) من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه ~~العالم بما في السماوات والأرض (أم بظاهر من القول) أي بل أتسمونهم شركاء ~~بظاهر من القول من غير أن تكون له حقيقة، وقيل المعنى: قل لهم أتنبئون الله ~~بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه؟ فإن قالوا بباطن لا يعلمه فقد جاءوا بدعوى ~~باطلة، وإن قالوا بظاهر يعلمه فقل لهم سموهم، فإذا سموا اللات والعزى ~~ونحوهما، فقل لهم إن الله لا يعلم لنفسه شريكا، وإنما خص الأرض بنفي الشريك ~~عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض، لأنهم ادعوا له شريكا في الأرض، ~~وقيل معنى (أم بظاهر من القول) أم بزائل من القول باطل، ومنه قول الشاعر: # أعيرتنا ألبانها ولحومها * وذلك عار يا بن ريطة ظاهر حديث أي زائل باطل، ~~وقيل بكذب من القول، وقيل معنى بظاهر من القول بحجة من القول ظاهرة على ~~زعمهم (بل زين للذين كفروا مكرهم) أي ليس لله شريك، بل زين للذين كفروا ~~مكرهم. وقرأ ابن عباس " زين " على البناء للفاعل على أن الذي زين لهم ذلك ~~هو مكرهم. وقرأ من عداه بالبناء عند للمفعول، والمزين هو الله سبحانه، أو ~~الشيطان ويجوز أن يسمى المكر كفرا، لأن ms1959 مكرهم برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان كفرا، وأما معناه الحقيقي فهو الكيد، أو التمويه بالأباطيل ~~(وصدوا عن السبيل) قرأ حمزة والكسائي وعاصم (صدوا) على البناء للمفعول: أي ~~صدهم الله، أو صدهم الشيطان. وقرأ الباقون على البناء للفاعل: أي صدوا ~~غيرهم، واختار هذه القراءة أبو حاتم وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الصاد (ومن ~~يضلل الله فما له من هاد) أي يجعله ضالا وتقتضي مشيئته إضلاله، فما له من ~~هاد يهديه إلى الخير. قرأ الجمهور (هاد) من دون إثبات الياء على اللغة ~~الكثيرة الفصيحة. وقرئ بإثباتها على اللغة القليلة، ثم بين سبحانه ما ~~يستحقونه، فقال (لهم عذاب في الحياة الدنيا) بما يصابون به من القتل والأسر ~~وغير ذلك (ولعذاب الآخرة أشق) عليهم من عذاب الحياة الدنيا (وما لهم من ~~الله من واق) يقيهم عذابه، ولا عاصم يعصمهم منه، ثم لما ذكر سبحانه ما ~~يستحقه الكفار من العذاب في الأولى والأخرى، ذكر ما أعده للمؤمنين، فقال ~~(مثل الجنة التي وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار) أي صفقتها العجيبة ~~الشأن التي هي في الغرابة كالمثل، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل ~~اللغة، ثم قد يصير بمعنى صورة الشئ وصفته، يقال مثلت لك كذا: أي صورته ~~ووصفته، فأراد هنا بمثل الجنة صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال (تجرى من ~~تحتها الأنهار) وهو كالتفسير للمثل. قال سيبويه: وتقديره فيما قصصنا عليك ~~مثل الجنة. وقال الخليل وغيره: إن مثل الجنة مبتدأ PageV03P085 # والخبر تجرى، وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد. ومعناه مثل الجنة ~~جنة تجرى من تحتها الأنهار، وقيل إن فائدة الخبر ترجع إلى (أكلها دائم) أي ~~لا ينقطع، ومثله قوله سبحانه - لا مقطوعة ولا ممنوعة - وقال الفراء: المثل ~~مقحم للتأكيد، والمعنى: الجنة التي وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار، ~~والعرب تفعل ذلك كثيرا (وظلها) أي كذلك دائم لا يتقلص ولا تنسخه الشمس، ~~والإشارة بقوله (تلك) إلى الجنة الموصوفة بالصفات المتقدمة، وهو مبتدأ خبره ~~(عقبى الذين اتقوا) أي عاقبة الذين اتقوا المعاصي. ومنتهى أمرهم (وعقبى ms1960 ~~الكافرين النار) ليس لهم عاقبة ولا منتهى إلا ذلك. # وقد أخرج الطبراني وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: إن كان كما تقول فأرنا أشياخنا الأول من الموتى نكلمهم، ~~وافسح لنا هذه الجبال جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت - ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال - الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عطية ~~العوفي قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: لو سيرت لنا جبال مكة ~~حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح. ~~أو أحييت لنا الموتى كما كان يحيى عيسى الموتى لقومه، فأنزل الله - ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال - الآية إلى قوله (أفلم ييأس الذين آمنوا) قال: أفلم ~~يتبين الذين آمنوا. قالوا هل تروى هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم؟ قال: عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحرث، ~~أخبرنا بشر بن عمارة. حدثنا عمر بن حسان عن عطية العوفي فذكره. وأخرج ابن ~~جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه مختصرا. وأخرج أبو يعلى ~~وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه عن الزبير بن العوام في ذكر سبب نزول ~~الآية نحو ما تقدم مطولا. # وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بل لله الأمر جميعا) ~~لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء ولم يكن ليفعل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس (أفلم ييأس) يقول يعلم، وأخرج ابن جرير وأبو ~~الشيخ من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد نحوه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية (أفلم ييأس) قال: قد يئس الذين آمنوا ~~أن يهدوا ولو شاء الله لهدى الناس جميعا. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (تصيبهم ms1961 بما صنعوا قارعة) قال: السرايا. وأخرج ~~الطيالسي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عنه نحوه. وزاد (أو تحل قريبا من دارهم) قال: أنت يا ~~محمد حتى يأتي وعد الله. قال: فتح مكة. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد نحوه. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (قارعة) قال: ~~نكبة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عنه قارعة قال: عذاب من ~~السماء. أو تحل قريبا من دارهم: يعنى نزول رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بهم وقتاله آباءهم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا في قوله ~~(أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) قال: يعنى بذلك نفسه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ عن عطاء في الآية قال: الله تعالى قائم بالقسط والعدل على ~~كل نفس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن مجاهد في قوله (أم بظاهر من القول) قال: الظاهر من القول هو ~~الباطل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله (مثل الجنة) قال: ~~نعت الجنة، ليس للجنة مثل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم ~~التيمي في قوله (أكلها دائم) قال: لذاتها دائمة في أفوائهم. PageV03P086 # سورة الرعد الآية (36 - 39) اختلف المفسرون في تفسير الكتاب المذكور ~~فقيل: هو التوراة والإنجيل، والذين يفرحون بما أنزل إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم هم من أسلم من اليهود والنصارى. وقيل الذين يفرحون هم أهل ~~الكتابين لكون ذلك موافقا لما في كتبهم مصدقا له، فعلى الأول يكون المراد ~~بقوله (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) من لم يسلم من اليهود والنصارى، وعلى ~~الثاني يكون المراد به المشركين من أهل مكة ومن يماثلهم، أو يكون المراد به ~~البعض من أهل الكتابين: أي من أحزابهما، فإنهم أنكروه لما يشتمل عليه من ~~كونه ناسخا لشرائعهم فيتوجه فرح من فرح به منهم إلى ما هو موافق لما ms1962 في ~~الكتابين، وإنكار من أنكر منهم إلى ما خالفهما، وقيل المراد بالكتاب ~~القرآن، والمراد بمن يفرح به المسلمون، والمراد بالأحزاب المتحزبون على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين واليهود والنصارى. والمراد ~~بالبعض الذي أنكروه من خالف ما يعتقدونه على اختلاف اعتقادهم. واعترض على ~~هذا بأن فرح المسلمين بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره. وأجيب عنه بأن ~~المراد زيادة الفرح والاستبشار. وقال كثير من المفسرين: إن عبد الله بن ~~سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع ~~كثرة ذكره في التوراة. فأنزل الله (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) ففرحوا ~~بذلك، ثم لما بين ما يحصل بنزول القرآن من الفرح للبعض والإنكار للبعض صرح ~~بما عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره أن يقول لهم ذلك، فقال ~~(قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به) أي لا أشرك به بوجه من الوجوه: أي ~~قل لهم يا محمد إلزاما للحجة وردا للإنكار إنما أمرت فيما أنزل إلى بعبادة ~~الله وتوحيده، وهذا أمر اتفقت عليه الشرائع وتطابقت على عدم إنكاره جميع ~~الملل المقتدية بالرسل، وقد اتفق القراء على نصب ولا أشرك به عطفا على ~~أعبد. وقرأ أبو خليد بالرفع على الاستئناف. وروى هذه القراءة عن نافع (إليه ~~ادعوا) أي إلى الله لا إلى غيره أو إلى ما أمرت به وهو عبادة الله وحده. ~~والأول أولى لقوله (وإليه مآب) فإن الضمير لله سبحانه: أي إليه وحده: لا ~~إلى غيره مرجعي. ثم ذكر بعض فضائل القرآن. وأوعد على الإعراض عن اتباعه مع ~~التعرض لرد ما أنكروه من اشتماله على نسخ بعض شرائعهم فقال (وكذلك أنزلناه ~~حكما عربيا) أي مثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا القرآن مشتملا على أصول ~~الشرائع وفروعها، وقيل المعنى: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك ~~أنزلنا عليك القرآن بلسان العرب، ونريد بالحكم ما فيه من الأحكام أو حكمة ~~عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصاب حكما على الحال (ولئن اتبعت أهواءهم) ms1963 ~~التي يطلبون منك موافقتهم عليها كالاستمرار منك على التوجه إلى قبلتهم وعدم ~~مخالفتك لشئ مما يعتقدونه (بعد PageV03P087 # ما جاءك من العلم) الذي علمك الله إياه (مالك من الله) أي من جنابه (من ~~ولى) يلي أمرك وينصرك (ولا واق) يقيك من عذابه، والخطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم تعريض لأمته، واللام في ولئن اتبعت هي الموطئة للقسم، ~~ومالك ساد مسد جواب القسم والشرط (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية) أي إن الرسل الذين أرسلناهم قبلك هم من جنس البشر لهم أزواج ~~من النساء ولهم ذرية توالدوا منهم ومن أزواجهم، ولم نرسل الرسل من الملائكة ~~الذين لا يتزوجون ولا يكون لهم ذرية. وفى هذا رد على من كان ينكر على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوجه بالنساء: أي أن هذا شأن رسل الله ~~المرسلين قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون عليه ما كانوا عليه (وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) أي لم يكن لرسول من الرسل أن يأتي بآية ~~من الآيات، ومن جملتها ما اقترحه عليه الكفار إلا بإذن الله سبحانه. وفيه ~~رد على الكفار حيث اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الآيات ما اقترحوا بما سبق ذكره (لكل أجل كتاب) أي لكل أمر مما قضاه الله، ~~أو لكل وقت من الأوقات التي قضى الله بوقوع أمر فيها كتاب عند الله يكتبه ~~على عباده ويحكم به فيهم. وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير. والمعنى: لكل ~~كتاب أجل: أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤجل ووقت معلوم كقوله سبحانه - لكل ~~نبأ مستقر - وليس الأمر على حسب إرادة الكفار واقتراحاتهم: بل على حسب ما ~~يشاؤه ويختاره (يمحو الله ما يشاء ويثبت) أي يمحو من ذلك الكتاب ويثبت ما ~~يشاء منه، يقال محوت الكتاب محوا إذا أذهبت أثره. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وعاصم " ويثبت " بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد، واختار هذه القراءة أبو ~~حاتم وأبو عبيد. # وظاهر النظم القرآني العموم في كل ms1964 شئ مما في الكتاب فيمحو ما يشاء محوه ~~من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شر، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا ~~مكان هذا - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وعبد ~~الله بن مسعود وابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم، وقيل ~~الآية خاصة بالسعادة والشقاوة، وقيل يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ما ~~ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه الثواب والعقاب، وقيل يمحو ما يشاء من ~~الرزق، وقيل يمحو من الأجل، وقيل يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه ويثبت ما ~~يشاء فلا ينسخه، وقيل يمحو ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء، وقيل يمحو ~~ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة، وقيل يمحو ~~الآباء ويثبت الأبناء، وقيل يمحو القمر ويثبت الشمس كقوله - فمحونا آية ~~الليل وجعلنا آية النهار مبصرة - وقيل يمحو ما يشاء من الأرواح التي يقبضها ~~حال النوم فيميت صاحبه ويثبت ما يشاء فيرده إلى صاحبه، وقيل يمحو ما يشاء ~~من القرون ويثبت ما يشاء منها، وقيل يمحو الدنيا ويثبت الآخرة، وقيل غير ~~ذلك مما لا حاجة إلى ذكره، والأول أولى كما تفيده ما في قوله: ما يشاء من ~~العموم مع تقدم ذكر الكتاب في قوله (لكل أجل كتاب) ومع قوله (وعنده أم ~~الكتاب) أي أصله، وهو اللوح المحفوظ، فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء ~~مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم، ويثبت ما يشاء مما فيه فيجرى فيه قضاؤه ~~وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته، وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم من قوله " جف القلم " وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما ~~قضاه الله سبحانه، وقيل إن أم الكتاب هو علم الله تعالى بما خلق وما هو ~~خالق وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في ~~قوله (يفرحون بما أنزل إليك) قال: أولئك أصحاب محمد ms1965 صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرحوا بكتاب الله وبرسله وصدقوا به (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) يعنى ~~اليهود والنصارى والمجوس. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية: ~~قال هؤلاء من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب يفرحون ~~بذلك، ومنهم من يؤمن به، ومنهم من PageV03P088 # لا يؤمن به (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) قال: الأحزاب الأمم اليهود ~~والنصارى والمجوس. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ عن قتادة في قوله (وإليه مآب) قال: إليه مصير كل عبد. # وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن ~~مردويه من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن التبتل. وقرأ قتادة (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) الآية. # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة ~~فقلت: إني أريد أن أتبتل؟ قالت لا تفعل، أما سمعت الله يقول (ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) وقد ورد في النهي عن التبتل ~~والترغيب في النكاح ما هو معروف. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل (ما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله) ما نراك يا محمد تملك من شئ. ولقد فرغ من الأمر، ~~فأنزلت هذه الآية تخويفا لهم ووعيدا لهم (يمحو الله ما يشاء ويثبت) إنا إن ~~شئنا أحدثنا له من أمرنا شيئا، ويحدث الله في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ~~من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم. وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وابن جرير وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب ~~عن ابن عباس في قوله (يمحو الله ما يشاء ويثبت) قال: ينزل الله في كل شهر ~~رمضان إلى سماء الدنيا. فيدبر أمر السنة إلى السنة فيمحو ما يشاء ويثبت إلا ~~الشقاوة والسعادة والحياة ms1966 والموت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~الآية قال: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت ~~على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله وقد سبق له ~~خير حتى يموت على طاعة الله. وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه عنه أيضا في الآية قال: هما كتابان يمحو الله ما ~~يشاء من أحدهما ويثبت، وعنده أم الكتاب: أي جملة الكتاب. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا قال " إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له ~~دفتان من ياقوت، والدفتان لوحان: لله كل يوم ثلاث وستون لحظة يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت عنده أم الكتاب ". وإسناده عند ابن جرير: هكذا حدثنا محمد بن ~~شهر بن عسكر حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس فذكره. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني عن أبي الدرداء قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله ينزل في ثلاث ساعات يبقين ~~من الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر ~~فيه أحد غيره فيمحو الله ما يشاء ويثبت الحديث ". وأخرج الطبراني في الأوسط ~~وابن مردويه بإسناد. قال السيوطي: ضعيف عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول " يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة ~~والحياة والممات ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه وأخرج الحاكم ~~وصححه عن ابن عباس قال " لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ~~ما يشاء من القدر ". وأخرج ابن جرير عن قيس بن عباد قال " العاشر من رجب ~~وهو يوم يمحو الله فيه ما يشاء ". # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عنه نحوه بأطول منه. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال وهو ~~يطوف بالبيت " اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ms1967 ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما ~~تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة ". وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله (يمحو الله ~~ما يشاء ويثبت) قال: يبدل الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء ~~فلا يبدله (وعنده أم الكتاب) يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ ~~والمنسوخ، ما يبدل. وما يثبت كل ذلك PageV03P089 # في كتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (وعنده أم الكتاب) قال: الذكر. ~~وأخرج ابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن يسار عن ~~ابن عباس أنه سأل كعبا عن أم الكتاب؟ فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه ~~عالمون، فقال لعلمه كن كتابا، فكان كتابا. # سورة الرعد الآية (40 - 43) (وإما نرينك) ما زائدة وأصله: وإن نرك (بعض ~~الذي نعدهم) من العذاب كما وعدناهم بذلك بقولنا - لهم عذاب في الحياة ~~الدنيا -، وبقولنا - ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة -. ~~والمراد أريناك بعض ما نعدهم قبل موتك، أو توفيناك قبل إراءتك لذلك (فإنما ~~عليك البلاغ) أي فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول ~~الإجابة منهم لما بلغته إليهم (وعلينا الحساب) أي محاسبتهم بأعمالهم ~~ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك، وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به، وليس عليه ~~غيره، وأن من لم يجب دعوته، ويصدق نبوته فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم ~~واجترأ عليه من ذلك (أو لم يروا) يعنى أهل مكة، والاستفهام للإنكار: أي أو ~~لم ينظروا (أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) أي نأتي أرض الكفر كمكة ~~ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها شيئا فشيئا. قال الزجاج: أعلم ~~الله أن بيان ما وعد المشركين من قهرهم قد ظهر، يقول أو لم يروا أنا فتحنا ~~على المسلمين من الأرض ما قد تبين ms1968 لهم، فكيف لا يعتبرون؟ وقيل إن معنى ~~الآية: موت العلماء والصلحاء. قال القشيري: وعلى هذا فالأطراف الأشراف، وقد ~~قال ابن الأعرابي: الطرف الرجل الكريم. قال القرطبي: وهذا القول بعيد، لأن ~~مقصود الآية: أنا أريناهم النقصان في أمرهم ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ~~ليس عن عجز إلا أن يحمل على موت أحبار اليهود والنصارى وقيل المراد من ~~الآية: خراب الأرض المعمورة حتى يكون العمران في ناحية منها، وقيل المراد ~~بالآية: هلاك من هلك من الأمم، وقيل المراد: نقص ثمرات الأرض، وقيل المراد: ~~جور ولاتها حتى تنقص (والله يحكم لا معقب لحكمه) أي يحكم ما يشاء في خلقه، ~~فيرفع هذا ويضع هذا، ويحيى هذا ويميت هذا، ويغني هذا ويفقر هذا، وقد حكم ~~بعزة الإسلام وعلوه على الأديان، وجملة (لا معقب لحكمه) في محل نصب على ~~الحال، وقيل معترضة: # والمعقب: الذي يكر على الشئ فيبطله، وحقيقته الذي يقفيه بالرد والإبطال. ~~قال الفراء: معناه لا راد لحكمه: # قال: والمعقب الذي يتبع الشئ فيستدركه، ولا يستدرك أحد عليه، والمراد من ~~الآية أنه لا يتعقب أحد حكم الله سبحانه بنقص ولا تغيير (وهو سريع الحساب) ~~فيجازى المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته على السرعة (وقد مكر الذين من قبلهم ~~فلله المكر جميعا) أي قد مكر الكفار الذين من قبل كفار مكة بمن أرسله الله ~~إليهم من الرسل PageV03P090 # فكادوهم وكفروا بهم، وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل الله ~~سبحانه، ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم، وأن المكر كله لله، فقال (فلله ~~المكر جميعا) لا اعتداد بمكر غيره، ثم فسر سبحانه هذا المكر الثابت له دون ~~غيره، فقال (يعلم ما تكسب كل نفس) من خير وشر فيجازيها على ذلك، ومن علم ما ~~تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها كان المكر كله له، لأنه يأتيهم من حيث لا ~~يشعرون. وقال الواحدي: إن مكر الماكرين مخلوق فلا يضر إلا بإرادته، وقيل ~~المعنى: فلله جزاء مكر الماكرين ms1969 (وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار) قرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو " الكافر " بالإفراد، وقرأ الباقون " الكفار " بالجمع: ~~أي سيعلم جنس الكافر لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا، أو ~~في الدار الآخرة، أو فيهما، وقيل المراد بالكافر: أبو جهل (ويقول الذين ~~كفروا لست مرسلا) أي يقول المشركون أو جميع الكفار: لست يا محمد مرسلا إلى ~~الناس من الله، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم، فقال (قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم) فهو يعلم صحة رسالتي، وصدق دعواتي، ويعلم كذبكم (ومن ~~عنده علم الكتاب) أي علم جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل، فإن أهلهما ~~العالمين بهما يعلمون صحة رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ~~أخبر بذلك من أسلم منهم كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري ~~ونحوهم، وقد كان المشركون من العرب يسألون أهل الكتاب ويرجعون إليهم، ~~فأرشدهم الله سبحانه في هذه الآية إلى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك، وقيل ~~المراد بالكتاب القرآن ومن عنده علم منه هم المسلمون، وقيل المراد من عنده ~~علم اللوح المحفوظ، وهو الله سبحانه واختار هذا الزجاج وقال: لأن الأشبه أن ~~الله لا يستشهد على خلقه بغيره. # وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قوله (ننقصها من أطرافها) قال: ذهاب العلماء. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (ننقصها من أطرافها) قال: موت علمائها ~~وفقهائها وذهاب خيار أهلها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في ~~تفسير الآية قال: موت العلماء. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: ~~أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من ~~طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: يعنى أن نبي الله صلى الله ~~عليه ms1970 وآله وسلم كان ينتقص له ما حوله من الأرضين ينظرون إلى ذلك فلا ~~يعتبرون. وقال الله في سورة الأنبياء - نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم ~~الغالبون -، بل نبي الله وأصحابه هم الغالبون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: نقصان أهلها وبركتها. # وأخرج ابن المنذر عنه قال: إنما تنقص الأنفس والثمرات وأما الأرض فلا ~~تنقص. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: أولم يروا ~~إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية منها. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد (والله يحكم لا معقب ~~لحكمه) ليس أحد يتعقب حكمه فيرده كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض ~~فيرده. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أسقف من اليمن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هل ~~تجدني في الإنجيل؟ قال لا، فأنزل الله (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن ~~عنده علم الكتاب) " يقول عبد الله بن سلام. # وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب قال: جاء عبد الله ~~بن سلام حتى أخذ بعضادتي باب المسجد. ثم قال: أنشدكم بالله أتعلمون أنى ~~الذي أنزلت في (ومن عنده علم الكتاب)؟ قالوا: اللهم نعم. وأخرج PageV03P091 # ابن جرير وابن مردويه من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير من طريق ~~العوفي عن ابن عباس (ومن عنده علم الكتاب) قال: أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في الآية ~~قال: كان قوم من أهل الكتاب يشهدون بالحق ويعرفونه، منهم عبد الله بن سلام ~~والجارود وتميم الداري وسلمان الفارسي. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن ~~مردويه وابن عدي بسند ضعيف عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قرأ (ومن عنده علم الكتاب) قال ومن عند الله علم الكتاب. وأخرج أبو عبيد ms1971 ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ومن عنده ~~علم الكتاب) يقول: ومن عند الله علم الكتاب. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير أنه سئل عن ~~وقوله (ومن عنده علم الكتاب) أهو عبد الله بن سلام؟ قال: كيف وهذه السورة ~~مكية؟ وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال " ما نزل في عبد الله بن سلام شئ من ~~القرآن ". وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (ومن عنده علم ~~الكتاب) قال: جبريل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال: هو الله. # تفسير سورة إبراهيم عليه السلام اثنتان وخمسون آية. وقيل إحدى وخمسون وهى ~~مكة كما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس. وأخرجه ابن مردويه أيضا عن الزبير: ~~وحكاه القرطبي عن الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة إلا آيتين منها وقيل ~~إلا ثلاث آيات نزلت في الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهى ~~قوله - ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا - إلى قوله - فإن مصيركم إلى ~~النار -. وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس قال: هي مكية سوى آيتين منها ~~نزلتا بالمدينة، وهى - ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا - الآيتين ~~نزلتا في قتلى بدر من المشركين: # بسم الله الرحمن الرحيم سورة إبراهيم الآية (1 - 4) PageV03P092 # سورة إبراهيم الآية (5) قوله (الر) قد تقدم الكلام في أمثال هذا، وبيان ~~قول من قال إنه متشابه، وبيان قول من قال إنه غير متشابه وهو إما مبتدأ ~~خبره كتاب، أو خبر مبتدأ محذوف، ويكون (كتاب) خبر المحذوف مقدر أو خبرا ~~ثانيا لهذا المبتدأ أو يكون (الر) مسرودا على نمط التعديد فلا محل له. و ~~(أنزلناه إليك) صفة لكتاب: أي أنزلنا الكتاب إليك يا محمد، ومعنى (لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور) لتخرجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلالة إلى ~~نور الإيمان والعلم والهداية، جعل الكفر بمنزلة الظلمات، والإيمان بمنزلة ms1972 ~~النور على طريق الاستعارة. واللام في لتخرج للغرض والغاية، والتعريف في ~~الناس للجنس، والمعنى: أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخرج بالكتاب المشتمل ~~على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه من الظلمات إلى ما صاروا ~~إليه من النور، وقيل إن الظلمة مستعارة للبدعة، والنور مستعار للسنة، وقيل ~~من الشك إلى اليقين، ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور، والباء في (بإذن ~~ربهم) متعلقة بتخرج، وأسند الفعل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه ~~الداعي والهادي والمنذر قال الزجاج: بما أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى ~~الإيمان (إلى صراط العزيز الحميد) هو بدل من إلى النور بتكرير العامل كما ~~يقع مثله كثيرا: أي لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد، وهو ~~طريقة الله الواضحة التي شرعها لعباده، وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها، ~~ويجوز أن يكون مستأنفا بتقدير سؤال كأنه قيل ما هذا النور الذي أخرجه إليه؟ ~~فقيل صراط العزيز الحميد. والعزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في ~~استحقاق الحمد (الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) قرأ نافع وابن ~~عامر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هو الله المتصف بملك ما في ~~السماوات وما في الأرض. وقرأ الجمهور بالجر على أنه عطف بيان لكونه من ~~الأعلام الغالبة، فلا يصح وصف ما قبله به، لأن العلم لا يوصف به، وقيل يجوز ~~أن يوصف به من حيث المعنى. وقال أبو عمرو: إن قراءة الجر محمولة على ~~التقديم والتأخير، والتقدير: إلى صراط الله العزيز الحميد. وكان يعقوب إذا ~~وقف على الحميد رفع، وإذا وصل خفض. قال ابن الأنباري: من خفض وقف على وما ~~في الأرض. ثم توعد من لا يعترف بربوبيته فقال (وويل للكافرين من عذاب شديد) ~~قد تقدم بيان معنى الويل، وأصله النصب كسائر المصادر، ثم رفع للدلالة على ~~الثبات. قال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهلكة، فدعا سبحانه وتعالى بذلك ~~على من لم يخرج من الكفار بهداية رسول الله صلى الله عليه وآله ms1973 وسلم له بما ~~أنزله الله عليه مما هو فيه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان و (من عذاب ~~شديد) متعلق بويل على معنى يولولون ويضجون من العذاب الشديد الذي صاروا ~~فيه. ثم وصف هؤلاء الكفار بقوله (الذين يستحبون الحياة الدنيا) أي يؤثرونها ~~لمحبتهم لها (على الآخرة) الدائمة والنعيم الأبدي، وقيل إن الموصول في موضع ~~رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هم الذين، وقيل الموصول مبتدأ وخبره ~~أولئك، وجملة (ويصدون) وكذلك ويبغون معطوفتان على يستحبون، ومعنى الصد (عن ~~سبيل الله) صرف الناس عنه ومنعهم منه، وسبيل الله دينه الذي شرعه لعباده ~~(ويبغونها عوجا) أي يطلبون لها زيغا وميلا لموافقة أهوائهم وقضاء حاجاتهم ~~وأغراضهم، والعوج بكسر العين في المعاني وبفتح العين في الأعيان وقد سبق ~~تحقيقه. والأصل يبغون لها فحذف الحرف وأوصل الفعل إلى الضمير، واجتماع هذه ~~الخصال نهاية PageV03P093 # الضلال، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق فقال (أولئك في ضلال بعيد)، ~~والإشارة إلى الموصوفين بتلك الصفات القبيحة والبعد وإن كان من صفة الضال ~~لكنه يجوز وصف الضلال به مجازا لقصد المبالغة، ثم لما من على المكلفين ~~بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر من كمال تلك النعمة أن ذلك المرسل بلسان ~~قومه فقال (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) أي متلبسا بلسانهم متكلما ~~بلغتهم لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم وسهل عليهم ~~ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول ولا يفهمون ما ~~يخاطبهم به حتى يتعلموا ذلك اللسان دهرا طويلا ومع ذلك فلا بد أن يصعب ~~عليهم فهم ذلك بعض صعوبة، ولهذا علل سبحانه ما أمتن به على العباد بقوله ~~(ليبين لهم) أي ليوضح لهم ما أمرهم الله به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد ~~اللسان لأن المراد بها اللغة. وقد قيل في هذه الآية إشكال، لأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أرسل إلى الناس جميعا بل إلى الجن والإنس ولغاتهم ~~متباينة وألسنتهم مختلفة. وأجيب بأنه وإن كان صلى الله عليه ms1974 وآله وسلم ~~مرسلا إلى الثقلين كما مر لكن لما كان قومه العرب وكانوا أخص به وأقرب إليه ~~كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم، وهم يبينونه لمن كان على ~~غير لسانهم ويوضحونه حتى يصير فاهماله كفهمهم إياه، ولو نزل القرآن بجميع ~~لغات من أرسل إليهم، وبينه رسول الله لكل قوم بلسانهم لكان ذلك مظنة ~~للاختلاف وفتحا لباب التنازع لأن كل أمة قد تدعى من المعاني في لسانها ما ~~لا يعرفه غيرها، وربما كان ذلك أيضا مفضيا إلى التحريف والتصحيف بسبب ~~الدعاوي الباطلة التي يقع فيها المتعصبون وجملة (فيضل الله من يشاء ويهدى ~~من يشاء) مستأنفة: أي يضل من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته. قال ~~الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول فالرفع ~~على الاستئناف هو الوجه، فيكون معنى هذه الآية: وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها، ومع ذلك فإن ~~المضل والهادي هو الله عز وجل، والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله ~~الله سبحانه واسطة وسببا، وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدم عليها، إذ ~~هو إبقاء على الأصل والهداية إنشاء ما لم يكن (وهو العزيز) الذي لا يغالبه ~~مغالب (الحكيم) الذي يجرى أفعاله على مقتضى الحكمة، ثم لما بين أن المقصود ~~من بعثة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى ~~النور أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلا ذلك، وخص موسى ~~بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة المحمدية فقال (ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا) أي متلبسا بها. والمراد بالآيات: المعجزات التي ~~لموسى، ومعنى (أن أخرج) أي أخرج، لأن الإرسال فيه معنى القول، ويجوز أن ~~يكون التقدير بأن أخرج، والمراد بقومه بنو إسرائيل بعد ملك فرعون (من ~~الظلمات) من الكفر أو من الجهل الذي قالوا بسببه: - اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة - (إلى النور) إلى الإيمان أو إلى العلم (وذكرهم بأيام الله) ms1975 أي ~~بوقائعه. قال ابن السكيت: العرب تقول الأيام في معنى الوقائع، يقال فلان ~~عالم بأيام العرب: # أي بوقائعها. وقال الزجاج: أي ذكرهم بنعم الله عليهم وبنقم منه أيام الله ~~التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود. # والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد (إن في ذلك) أي في ~~التذكير بأيام الله أو في نفس أيام الله (لآيات) لدلالات عظيمة دالة على ~~التوحيد وكمال القدرة (لكل صبار) أي كثير الصبر على المحن والمنح (شكور) ~~كثير الشكر للنعم التي أنعم الله بها عليه، وقيل المراد بذلك كل مؤمن، وعبر ~~عنه بالوصفين المذكورين لأنهما ملاك الإيمان، وقدم الصبار على الشكور، لكون ~~الشكر عاقبة الصبر. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور) قال: من الضلالة إلى الهدى. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن أبي مالك في قوله (يستحبون) قال: يختارون. وأخرج PageV03P094 # عبد بن حميد وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمدا على أهل ~~السماء وعلى الأنبياء، قيل ما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل ~~السماء - ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم - وقال - لمحمد ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - فكتب له براءة من النار، قيل فما ~~فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله يقول (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ~~وقال لمحمد - وما أرسلناك إلا كافة للناس - فأرسله إلى الإنس والجن. وأخرج ~~ابن مردويه عن عثمان بن عفان (إلا بلسان قومه) قال: نزل القرآن بلسان قريش. ~~وأخرج ابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير في قوله (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) قال: ~~بالآيات التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ~~ونقص من الثمرات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (أن أخرج قومك ms1976 ~~من الظلمات إلى النور) قال: من الضلالة إلى الهدى. وأخرج النسائي وعبد الله ~~بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في قوله (وذكرهم بأيام الله) قال: بنعم الله وآلائه. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~المنذر عن ابن عباس (وذكرهم بأيام الله) قال: نعم الله. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد (وذكرهم بأيام الله) قال: وعظهم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن الربيع في الآية قال: بوقائع الله في القرون الأولى. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور) قال: # نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر، وإذا أعطى شكر. # سورة إبراهيم الآية (6 - 10) PageV03P095 # سورة إبراهيم الآية (11 - 12) قوله (وإذ قال موسى) الظرف متعلق بمحذوف هو ~~أذكر: أي أذكر وقت قول موسى و (إذ أنجاكم) متعلق باذكروا: أي اذكروا إنعامه ~~عليكم وقت إنجائه لكم من آل فرعون، أو بالنعمة، أو بمتعلق عليكم: أي مستقرة ~~عليكم وقت إنجائه، وهو بدل اشتمال من النعمة مرادا بها الإنعام أو العطية ~~(يسومونكم سوء العذاب) أي يبغونكم، يقال سامه ظلما، وأصل السوم الذهاب في ~~طلب الشئ وسوء العذاب: مصدر ساء يسوء، والمراد حبس العذاب السيئ، وهو ~~استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة، وعطف (يذبحون أبناءكم) على ~~(يسومونكم سوء العذاب) وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجا له عن ~~مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة، ومع طرح الواو ~~كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيرا لسوء العذاب (ويستحيون نساءكم) أي ~~يتركونهن في الحياة لإهانتهن وإذلالهن (وفى ذلكم) المذكور من أفعالهم (بلاء ~~من ربكم عظيم) أي ابتلاء لكم، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة ~~مستوفى (وإذ تأذن ربكم) تأذن بمعنى أذن قاله الفراء. قال في الكشاف: ولا بد ~~في تفعل من زيادة معنى ليست في أفعل، ms1977 كأنه قيل: وإذ أذن ربكم إيذانا بليغا ~~تنتفي عنه الشكوك وتنزاح الشبه. والمعنى: وإذ تأذن ربكم فقال (لئن شكرتم) ~~أو أجرى تأذن مجرى قال. # لأنه ضرب من القول انتهى، وهذا من قول موسى لقومه، وهو معطوف على نعمة ~~الله: أي اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم، وقيل هو معطوف على ~~قوله: إذ أنجاكم: أي اذكروا نعمة الله تعالى في هذين الوقتين، فإن هذا ~~التأذن أيضا نعمة - وقيل هو من قول الله سبحانه: أي واذكر يا محمد إذ تأذن ~~ربكم. وقرأ ابن مسعود " وإذ قال ربكم " والمعنى واحد كما تقدم، واللام في ~~لئن شكرتم غير الموطئة للقسم، وقوله (لأزيدنكم) ساد مسد جوابي الشرط ~~والقسم، وكذا اللام في (ولئن كفرتم) وقوله (إن عذابي لشديد) ساد مسد ~~الجوابين أيضا، والمعنى: لأن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر لأزيدنكم نعمة إلى ~~نعمة تفضلا منى، وقيل لأزيدنكم من طاعتي، وقيل لأزيدنكم من الثواب، والأول ~~أظهر فالشك سبب المزيد، ولئن كفرتم ذلك وجحدتموه إن عذابي لشديد، فلا بد أن ~~يصيبكم منه ما يصيب، وقيل إن الجواب محذوف: أي ولئن كفرتم لأعذبنكم، ~~والمذكور تعليل للجواب المحذوف (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض ~~جميعا) أي إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم تشكروها (فإن الله) ~~سبحانه (لغنى) عن شكركم لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص (حميد) أي مستوجب ~~للحمد لذاته لكثرة إنعامه، وإن لم تشكروه، أو يحمده غيركم من الملائكة (ألم ~~يأتكم نبأ الذين من قبلكم) يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه، فيكون ~~داخلا تحت التذكير بأيام الله، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء ~~خطابا لقوم موسى وتذكيرا لهم بالقرون الأولى وأخبارهم ومجئ رسل الله إليهم، ~~ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله سبحانه لقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~تحذيرا لهم عن مخالفته، النبأ: الخبر، والجمع الأنباء ومنه قول الشاعر: # ألم تأتيك والأنباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد و (قوم نوح) بدل من ~~الموصول، أو عطف بيان ms1978 (وعاد وثمود والذين من بعدهم) أي من بعد هؤلاء ~~PageV03P096 # المذكورين (لا يعلمهم إلا الله) أي لا يحصى عددهم ويحيط بهم علما إلا ~~الله سبحانه، والموصول مبتدأ وخبره لا يعلمهم إلا الله والجملة معترضة، أو ~~يكون الموصول معطوفا على ما قبله ولا يعلمهم إلا الله اعتراض، وعدم العلم ~~من غير الله إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم: ~~أي هذه الأمور لا يعلمها إلا الله ولا يعلمها غيره، أو يكون راجعا إلى ~~ذواتهم: أي أنه لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلا الله سبحانه وجملة ~~(جاءتهم رسلهم بالبينات) مستأنفة لبيان النبأ المذكور في (ألم يأتكم نبأ ~~الذين من قبلكم) أي جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرة وبالشرائع الواضحة ~~(فردوا أيديهم في أفواههم) أي جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظا ~~مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى - عضوا عليكم الأنامل من الغيظ - لأن ~~الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم، وقيل إن المعنى: أنهم أشاروا ~~بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات: أي اسكتوا واتركوا هذا ~~الذي جئتم به تكذيبا لهم ورد لقولهم، وقيل المعنى أنهم أشاروا إلى أنفسهم ~~وما يصدر عنها من المقالة، وهى قولهم (إنا كفرنا بما أرسلتم به) أي لا جواب ~~لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتنا هذه، وقيل وضعوا أيديهم على أفواههم ~~استهزاء وتعجبا كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه، وقيل المعنى: ~~ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل والثاني ~~للكفار، وقيل جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم، فالضمير الأول على ~~هذا للكفار والثاني للرسل، وقيل معناه: أومئوا إلى الرسل أن اسكتوا، وقيل ~~أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، وقيل ~~إن الأيدي هنا النعم: أي ردوا نعم الرسل بأفواههم: أي بالنطق والتكذيب، ~~والمراد بالنعم هنا ما جاءهم به من الشرائع. وقال أبو عبيدة: ونعم ما قال: ~~هو ضرب مثل: أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن ~~الجواب وسكت: قد ms1979 رد يده في فيه. وهكذا قال الأخفش، واعترض ذلك القتيبي ~~فقال: لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده في فيه: إذا ترك ما أمر به. وإنما ~~المعنى عضوا على الأيدي حنقا وغيظا، كقول الشاعر: # يردن في فيه غيظ الحسود * حتى يعض على الأكفا وهذا هو القول الذي قدمناه ~~على جميع هذه الأقوال، ومنه قول الشاعر: # لو أن سلمى أبصرت تجددي بعد * عضت من الوجد بأطراف اليد وهو أقرب ~~التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره أبو عبيدة والأخفش، فإن صح ما ~~ذكراه فتفسير الآية به أقرب (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) أي قال ~~الكفار للرسل إنا كفرنا بما أرسلتم به من البينات على زعمكم (وإنا لفي شك ~~مما تدعوننا إليه) أي في شك عظيم مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله وحده ~~وترك ما سواه (مريب) أي موجب للريب. يقال أربته: إذا فعلت أمرا أوجب ريبة ~~وشكا، والريب قلق النفس وعدم سكونها. وقد قيل كيف صرحوا بالكفر ثم أمرهم ~~على الشك. وأجيب بأنهم أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام ~~فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم. ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف ~~بنبوتكم، وجملة (قالت رسلهم أفي الله شك) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ~~فماذا قالت لهم الرسل؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ: أي أفي وحدانيته ~~سبحانه شك. وهى في غاية الوضوح والجلاء، ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على ~~الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده ~~سبحانه ووحدانيته. فقالوا (فاطر السماوات والأرض) أي خالقهما ومخترعهما ~~ومبدعهما وموجدهما بعد العدم (يدعوكم) إلى الإيمان به وتوحيده (ليغفر لكم ~~من ذنوبكم) قال 13 - فتح القدير - 3 PageV03P097 # أبو عبيدة: من زائدة، ووجه ذلك قوله في موضع آخر - إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا - وقال سيبويه: هي للتبعيض. # ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع، وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم ~~من غفران جميع الذنوب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ms1980 غفران جميعها ~~لغيرهم، وبهذه الآية احتج من جوز زيادة من في الإثبات، وقيل من للبدل وليست ~~بزائدة ولا تبعيضية: أي لتكون المغفرة بدلا من الذنوب (ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى) أي إلى وقت مسمى عنده سبحانه، وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا (قالوا ~~إن أنتم إلا بشر مثلنا أي ما أنتم إلا بشر مثلنا في الهيئة والصورة، تأكلون ~~وتشربون كما نأكل ونشرب ولستم ملائكة (تريدون أن تصدونا) وصفوهم بالبشر ~~أولا، ثم بإرادة الصد لهم عما كان يعبد آباؤهم ثانيا: أي تريدون أن تصرفونا ~~عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها (فأتونا إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون ~~من عند الله (بسلطان مبين) أي بحجة ظاهرة تدل على صحة ما تدعونه، وقد ~~جاءوهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة، ولكن هذا النوع من تعنتاتهم، ولون ~~من تلوناتهم (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم) أي ما نحن في الصورة ~~والهيئة إلا بشر مثلكم كما قلتم (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) أي ~~يتفضل على من يشاء منهم بالنبوة، وقيل بالتوفيق والهداية (وما كان لنا أن ~~نأتيكم بسلطان) أي ما صح ولا استقام لأن لنا أن نأتيكم بحجة من الحجج (إلا ~~بإذن الله) أي إلا بمشيئته وليس ذلك في قدرتنا. قيل المراد بالسلطان هنا هو ~~ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت، وقيل أعم من ذلك، فإن ما شاءه ~~الله كان وما لم يشأه لم يكن (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أي عليه وحده، ~~وهذا أمر منهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون من عداه، وكأن الرسل قصدوا ~~بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصدا أوليا، ولهذا قالوا (وما لنا ~~ألا نتوكل على الله) أي وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه سبحانه (وقد هدانا ~~سبلنا) أي والحال أنه قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه من هدايتنا إلى ~~الطريق الموصل إلى رحمته، وهو ما شرعه لعباده وأوجب عليهم سلوكه (ولنصبرن ~~على ما آذيتمونا) بما يقع منكم من التكذيب لنا والاقتراحات الباطلة (وعلى ~~الله) وحده ms1981 دون من عداه (فليتوكل المتوكلون) قيل المراد بالتوكل الأول ~~استحداثه، وبهذا السعي في بقائه وثبوته، وقيل معنى الأول: إن الذين يطلبون ~~المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا علينا، فإن ~~شاء سبحانه أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني: إبداء التوكل على الله ~~في دفع شر الكفار وسفاهتهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم ~~لأزيدنكم) قال: أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شكروا النعمة زادهم من فضله ~~وأوسع لهم من الرزق وأظهرهم على العالم. وأخرج ابن جرير عن الحسن لأزيدنكم ~~قال: من طاعتي. وأخرج ابن المبارك وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الشعب عن علي ابن صالح مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري ~~في الآية قال: لا تذهب أنفسكم إلى الدنيا فإنها أهون عند الله من ذلك، ولكن ~~يقول لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي. وأخرج أحمد والبيهقي عن أنس قال " أتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها، وأتاه آخر ~~فأمر له بتمرة فقبلها وقال: تمرة من رسول الله، فقال للجارية: اذهبي إلى أم ~~سلمة فأعطيه الأربعين درهما التي عندها " وفى إسناد أحمد عمارة بن زاذان، ~~وثقه أحمد ويعقوب بن سفيان وابن حبان. وقال ابن معين: صالح، وقال أبو زرعة: ~~لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين، وقال ~~البخاري: ربما يضطرب في حديثه، وقال أحمد: روى عنه أحاديث منكرة، وقال أبو ~~داود: ليس بذلك، وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: لا بأس به. وأخرج البخاري ~~في تاريخه والضياء المقدسي في المختارة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " من ألهم خمسة PageV03P098 # لم يحرم خمسة، وفيها: ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة ". وأخرج الحكيم ~~الترمذي في نوادر الأغر أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أربع من أعطيهن لم يمنع من الله ~~أربعا، وفيها: ومن أعطى ms1982 الشكر لم يمنع الزيادة؟ ولا وجه لتقييد الزيادة ~~بالزيادة في الطاعة بل الظاهر من الآية العموم كما يفيده جعل الزيادة جزاء ~~للشكر، فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله عليه في رزقه، ومن شكر الله على ~~ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته، ومن شكره على ما أنعم عليه به من ~~الصحة زاده الله صحة ونحو ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه كان يقرأ (والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله) ويقول: كذب النسابون. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمرو بن ~~ميمون مثله. وأخرج ابن الضريس عن أبي مجلز قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب: ~~أنا أنسب الناس، قال: إنك لا تنسب الناس، فقال بلى، فقال له على: أرأيت ~~قوله - وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا - قال أنا أنسب ذلك ~~الكثير، قال: أرأيت قوله (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) فسكت. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن ~~عدنان. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس قال: # بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (فردوا أيديهم في أفواههم) قال: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ~~ورجعوا بأيديهم إلى أفواهم (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك ~~مما تدعوننا إليه مريب) يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به فإن عندنا فيه شكا ~~قويا. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود: فردوا أيديهم في أفواههم ~~قال: عضوا عليها. وفى لفظ: على أناملهم غيظا على رسلهم. # سورة إبراهيم الآية (13 - 18) قوله (وقال الذين كفروا) هؤلاء القائلون هم ~~طائفة من المتمردين عن إجابة الرسل، واللام في " لنخرجنكم " هي الموطئة ~~للقسم: ms1983 أي والله لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، لم يقنعوا بردهم ~~لما جاءت به الرسل وعدم امتثالهم لما دعوهم إليه حتى اجترؤا عليهم بهذا. ~~وخيروهم بين الخروج من أرضهم، أو العود في ملتهم الكفرية وقد قيل إن " أو " ~~في " أو لتعودن " بمعنى حتى أو: يعنى إلا أن تعودوا كما قاله بعض المفسرين، ~~ورد بأنه لا حاجة إلى ذلك. بل أو على بابها للتخيير بين أحد الأمرين، وقد ~~تقدم تفسير الآية في سورة الأعراف. قيل والعود هنا بمعنى الصيرورة لعصمة ~~الأنبياء عن أن يكونوا على ملة الكفر قبل النبوة وبعدها، وقيل إن الخطاب ~~للرسل ولمن PageV03P099 # آمن بهم فغلب الرسل على أتباعهم (فأوحى إليهم ربهم) أي إلى الرسل (لنهلكن ~~الظالمين) أي قال لهم: لنهلكن الظالمين (ولنسكننكم الأرض) أي أرض هؤلاء ~~الكفار الذين توعدوكم بما توعدوا من الإخراج أو العود، ومثل هذه الآية قوله ~~سبحانه - وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها -، وقال ~~- وأورثكم أرضهم وديارهم -. وقرئ ليهلكن وليسكننكم بالتحتية في الفعلين ~~اعتبارا بقوله فأوحى، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من إهلاك الظالمين ~~وإسكان المؤمنين في مساكنهم (لمن خاف مقامي) أي موقفي، وذلك يوم الحساب، ~~فإنه موقف الله سبحانه، والمقام بفتح الميم مكان الإقامة، وبالضم فعل ~~الإقامة: وقيل إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام: أي لمن خاف قيامي عليه ~~ومراقبتي له كقوله تعالى - أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت - وقال ~~الأخفش: ذلك لمن خاف مقامي: أي عذابي (وخاف وعيد) أي خاف وعيدي بالعذاب، ~~وقيل بالقرآن وزواجره، وقيل هو نفس العذاب، والوعيد الاسم من الوعد ~~(واستفتحوا) معطوف على أوحى، والمعنى: # أنهم استنصروا بالله على أعدائهم، أو سألوا الله القضاء بينهم، من ~~الفتاحة وهى الحكومة، ومن المعنى الأول قوله - إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ~~- أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، ومن المعنى الثاني قوله - ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق - أي احكم، والضمير في استفتحوا للرسل، وقيل ~~للكفار، وقيل للفريقين (وخاب كل جبار عنيد) الجبار المتكبر الذي لا يرى ~~لأحد ms1984 عليه حقا، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة، والعنيد المعاند للحق ~~والمجانب له، وهو مأخوذ من العند، وهو الناحية أي أخذ في ناحية معرضا. قال ~~الشاعر: # إذا نزلت فاجعلوني وسطا * إني كبير لا أطيق العندا قال الزجاج: العنيد ~~الذي يعدل عن القصد، وبمثله قال الهروي. وقال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى، ~~وقال بن كيسان: هو الشامخ بأنفه، وقيل المراد به العاصي، وقيل الذي أبى أن ~~يقول لا إله إلا الله، ومعنى الآية: أنه خسر وهلك من كان متصفا بهذه الصفة ~~(من ورائه جهنم) أي من بعده جهنم، والمراد بعد هلاكه على أن وراء ها هنا ~~بمعنى بعد، ومنه قول النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب أي ليس بعد الله، ~~ومثله قوله (ومن ورائه عذاب غليظ) أي من بعده. كذا قال الفراء، وقيل من ~~ورائه: # أي من أمامه. قال أبو عبيد: هو من أسماء الأضداد، لأن أحدهما ينقلب إلى ~~الآخر، ومنه قول الشاعر: # ومن ورائك يوم أنت بالغه * لا حاضر معجز عنه ولا بادي وقال آخر: أترجو ~~بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا أي أمامي، ومنه قوله ~~تعالى - وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا - أي أمامهم، وبقول أبي عبيدة ~~هذا قال قطرب. وقال الأخفش: هو كما يقال: هذا الأمر من ورائك: أي سوف ~~يأتيك، وأنا من وراء فلان أي في طلبه. وقال النحاس: من ورائه: أي من أمامه، ~~وليس من الأضداد، ولكنه من توارى: أي استتر فصارت جهنم من ورائه، لأنها لا ~~ترى، وحكى مثله ابن الأنباري (ويسقى من ماء صديد) معطوف على مقدر جوابا عن ~~سؤال سائل، كأنه قيل فماذا يكون إذن؟ قيل يلقي فيها ويسقى، والصديد ما يسيل ~~من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد. لأنه يصد الناظرين عن رؤيته، وهو دم ~~مختلط بقيح، والصديد صفة لماء، وقيل عطف بيان منه (ويتجرعه في محل على أنه ~~صفة لماء. أو في محل نصب على أنه حال، وقيل هو استئناف مبني على ms1985 سؤال، ~~والتجرع التحسي: أي يتحساه مرة بعد مرة لا مرة واحدة لمرارته وحرارته (ولا ~~يكاد يسيغه) أي PageV03P100 # يبتلعه، يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا: إذا كان سهلا، والمعنى: ولا ~~يقارب إساغته، فكيف تكون الإساغة؟ بل يغص به فيطول عذابه بالعطش تارة، ~~ويشربه على هذه الحال أخرى، وقيل إنه يسيغه بعد شدة وإبطاء، كقوله - وما ~~كادوا يفعلون - أي يفعلون بعد إبطاء، كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى ~~- يصهر به ما في بطونهم - (ويأتيه الموت من كل مكان) أي تأتيه أسباب الموت ~~من كل جهة من الجهات، أو من كل موضع من مواضع بدنه. وقال الأخفش: المراد ~~بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتا لشدتها (وما هو ~~بميت) أي والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح، وقيل تعلق نفسه في حنجرته فلا ~~تخرج من فيه فيموت. # ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا. ومثله قوله تعالى - لا يموت فيها ولا ~~يحيا -، وقيل معنى وما هو بميت: # لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه. والأولى تفسير الآية بعدم ~~الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله سبحانه لا يموت فيها ولا يحيا - وقوله - لا ~~يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها - (ومن ورائه عذاب غليظ) أي من ~~أمامه، أو من بعده عذاب شديد، وقيل هو الخلود، وقيل حبس النفس (مثل الذين ~~كفروا بربهم أعمالهم كرماد) قال سيبويه: مثل مرتفع على الابتداء، والخبر ~~مقدر: أي فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا وبه قال الزجاج. وقال الفراء: ~~التقدير مثل أعمال الذين كفروا فحذف المضاف. وروى عنه أنه قال بإلغاء مثل، ~~والتقدير الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد. وقيل هو: أعني مثل مبتدأ وخبره ~~أعمالهم كرماد على أن معناه الصفة، فكأنه قال صفتهم العجيبة أعمالهم كرماد. ~~والمعنى: أن أعمالهم باطلة غير مقبولة، والرماد ما يبقى بعد احتراق الشئ ~~ضرب الله سبحانه هذه الآية مثلا لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق ~~الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف. ومعنى اشتدت به الريح: حملته بشدة ms1986 ~~وسرعة، والعصف شدة الريح، وصف به زمانها مبالغة كما يقال: يوم حار ويوم ~~بارد، والبرد والحر فيهما لا منهما (لا يقدرون مما كسبوا على شئ) أي لا ~~يقدر الكفار مما كسبوا من تلك الأعمال الباطلة على شئ منها، ولا يرون له ~~أثرا في الآخرة يجازون به ويثابون عليه، بل جميع ما عملوه في الدنيا باطل ~~ذاهب كذهاب الريح بالرماد عند شدة هبوبها، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما دل ~~عليه التمثيل: أي هذا البطلان لأعمالهم وذهاب أثرها (هو الضلال البعيد) عن ~~طريق الحق المخالف لمنهج الصواب، لما كان هذا خسرانا لا يمكن تداركه سماه ~~بعيدا. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(لنخرجنكم من أرضنا) الآية، قال كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ~~ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسوله ~~والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن ~~يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز لهم ما ~~وعدهم، واستفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: وعدهم النصر في الدنيا ~~والجنة في الآخرة، فبين الله من يسكنها من عباده فقال - ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان - وإن لله مقاما هو قائمه، وإن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا ~~ودأبوا الليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله (واستفتحوا) قال: للرسل كلها يقول استنصروا، وفى قوله (وخاب كل ~~جبار عنيد) قال: معاند للحق مجانب له، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: استنصرت الرسل على قومها ~~(وخاب كل جبار عنيد) يقول: عنيد عن الحق معرض عنه، أبى أن يقول لا إله إلا ~~الله. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: العنيد الناكب عن الحق. وأخرج ~~أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن ~~PageV03P101 # المنذر ms1987 وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (ويسقى من ~~ماء صديد يتجرعه) قال: يقرب إليه فيتكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت ~~فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. يقول الله تعالى - ~~وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم - وقال - وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ~~يشوى الوجوه -. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس في قوله (من ماء صديد) قال: ~~يسيل من جلد الكافر ولحمه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال ~~(من ماء صديد) هو القيح والدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(ويأتيه الموت من كل مكان) قال: أنواع العذاب، وليس منها نوع إلا الموت ~~يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لأن الله يقول - لا يقضى عليهم ~~فيموتوا -. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران (ويأتيه الموت من كل ~~مكان) قال: من كل عظم وعرق وعصب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم ~~التيمي قال: من موضع كل شعرة في جسده (ومن ورائه عذاب غليظ) قال: الخلود. # وأخرج ابن المنذر عن الفضيل بن عياض (ومن ورائه عذاب غليظ) قال: حبس ~~الأنفاس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (مثل الذين ~~كفروا بربهم) الآية قال: مثل الذين عبدوا غيره فأعمالهم يوم القيامة كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون على شئ من أعمالهم ينفعهم كما لا ~~يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف. # سورة إبراهيم الآية (19 - 23) قوله (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض ~~بالحق) الرؤية هنا هي القلبية. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~تعريضا لأمته، أو الخطاب لكل من يصلح له. وقرأ حمزة والكسائي " خالق ~~السماوات " ومعنى بالحق: بالوجه الصحيح الذي يحق ms1988 أن يخلقها عليه ليستدل بها ~~على كمال قدرته. ثم بين كمال قدرته سبحانه واستغناءه عن كل واحد من خلقه ~~فقال (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد) فيعدم الموجودين ويوجد المعدومين ~~PageV03P102 # ويهلك العصاة ويأتي بمن يطيعه من خلقه، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق ~~الجديد من نوع الإنسان، ويحتمل أن يكون من نوع آخر (وما ذلك على الله ~~بعزيز) أي بممتنع، لأنه سبحانه قادر على كل شئ، وفيه أن الله تعالى هو ~~الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخاف عقابه، فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال ~~(وبرزوا لله جميعا) أي برزوا من قبورهم يوم القيامة، والبروز الظهور، ~~والبراز المكان الواسع لظهوره، ومنه امرأة برزة: أي تظهر للرجال، فمعنى ~~برزوا ظهروا من قبورهم. وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه ~~كما هو مقرر في علم المعاني، وإنما قال: وبرزوا لله مع كونه سبحانه عالما ~~بهم لا تخفى عليه خافية من أحوالهم برزوا أو لم يبرزوا، لأنهم كانوا ~~يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى، ~~فالكلام خارج على ما يعتقدونه (فقال الضعفاء للذين استكبروا) أي قال ~~الأتباع الضعفاء للرؤساء الأقوياء المتكبرين لما هم فيه من الرياسة (إنا ~~كنا لكم تبعا) أي في الدنيا، فكذبنا الرسل وكفرنا بالله متابعة لكم، والتبع ~~جمع تابع، أو مصدر وصف به للمبالغة أو على تقدير ذوي تبع، قال الزجاج: ~~جمعهم في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع، فقال الضعفاء للذين استكبروا من ~~أكابرهم عن عبادة الله إنا كنا لكم تبعا جمع تابع مثل خادم وخدم وحارس وحرس ~~وراصد ورصد (فهل أنتم مغنون عنا) أي دافعون عنا من عذاب الله من شئ، من ~~الأولى للبيان، والثانية للتبعيض: أي بعض الشئ الذي هو عذاب الله، يقال ~~أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع (قالوا لو هدانا ~~الله لهديناكم) أي قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين، والجملة ~~مستأنفة بتقدير سؤال كأنه قيل كيف أجابوا؟ أي لو هدانا الله إلى الإيمان ~~لهديناكم إليه، وقيل لو ms1989 هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها، وقيل: ~~لو نجانا فإن الله من العذاب لنجيناكم منه (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما ~~لنا من محيض) أي مستو علينا الجزع والصبر، والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما ~~في قوله - سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم - (ما لنا من محيص) أي من منجا ~~ومهرب من العذاب، يقال: حاص فلان عن كذا: أي فر وزاغ يحيص حيصا وحيوصا ~~وحيصانا، والمعنى: ما لنا وجه نتباعد به عن النار. ويجوز أن يكون هذا من ~~كلام الفريقين. وإن كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين (وقال الشيطان لما ~~قضى الأمر) أي قال للفريقين هذه المقالة، ومعنى لما قضى الأمر: لما دخل أهل ~~الجنة الجنة وأهل النار النار على ما يأتي بيانه في سورة مريم (إن الله ~~وعدكم وعد الحق) وهو وعده سبحانه بالبعث والحساب، ومجازاة المحسن بإحسانه ~~والمسئ بإساءته (ووعدتكم فأخلفتكم) أي وعدتكم وعدا باطلا. بأنه لا بعث ولا ~~حساب ولا جنة ولا نار فأخلفتكم ما وعدتكم به من ذلك. قال الفراء: وعد الحق ~~هو من إضافة الشئ إلى نفسه كقولهم: مسجد الجامع وقال البصريون: وعدكم وعد ~~اليوم الحق (وما كان لي عليكم من سلطان) أي تسلط عليكم باظهار حجة على ما ~~وعدتكم به وزينته لكم (إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) أي إلا مجرد دعائي لكم ~~إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان، ودعوته إياهم ليست من جنس السلطان ~~حتى تستثنى منه، بل الاستثناء منقطع: أي لكن دعوتكم فاستجبتم لي: # أي فسارعتم إلى إجابتي، وقيل المراد بالسلطان هنا القهر: أي ما كان لي ~~عليكم من قهر يضطركم النبي إلى إجابتي، وقيل هذا الاستثناء هو من باب * ~~تحية بينهم ضرب وجيع * مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه كأنه قال: إنما يكون ~~لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من السلطان، وليس منه قطعا (فلا ~~تلوموني) بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافى لهذا الموعد (ولوموا ~~أنفسكم) باستجابتكم كما لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة، فإن ms1990 ~~من قبل المواعيد الباطلة والدعاوى الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى، ~~ولمارنه قطع ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة وموعدي الفاسد وقعا معارضين لوعد ~~الله لكم وعد الحق ودعوته لكم إلى الدار السلام مع قيام الحجة PageV03P103 # التي لا تخفى على عاقل ولا تلتبس إلا على مخذول. وقريب من هذا من يقتدى ~~بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله سبحانه، ولما في سنة رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ويؤثرها على ما فيهما، فإنه قد استجاب للباطل الذي لم ~~تقم عليه حجة ولا دل عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره كما يفعله ~~كثير من المقتدين بالرجال المتنكبين طريق الحق بسوء اختيارهم، اللهم غفرا ~~(ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) يقال صرخ فلان إذا استغاث يصرخ صراخا ~~وصرخا، واستصرخ بمعنى صرخ، والمصرخ المغيث، والمستصرخ المستغيث، يقال ~~استصرخنى فأصرخته والصريخ: صوت المستصرخ، والصريخ أيضا: الصارخ وهو المغيث ~~والمستغيث، وهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح. قال ابن الأعرابي: الصارخ ~~المستغيث، والمصرخ: المغيث. ومعنى الآية: ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من ~~العذاب، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه، وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في ~~تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما ~~هو فيه، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه؟ ومما ورد مورد هذه ~~الأقوال من قول العرب قول أمية بن أبي الصلت: # فلا تجزعوا إني لكم غير مصرخ * وليس لكم عندي غناء ولا نفر و " مصرخي " ~~بفتح الياء في قراءة الجمهور. وقرأ الأعمش وحمزة بكسر الياء على أصل التقاء ~~الساكنين. قال الفراء: قراءة حمزة وهم منه، وقل من سلم عن خطأ. وقال ~~الزجاج: هي قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف يعنى ما ذكرناه من أنه ~~كسرها على الأصل في التقاء الساكنين. وقال قطرب: هذه لغة بنى يربوع يزيدون ~~على ياء الإضافة ياء، وأنشد الفراء فيما ورد على هذه القراءة قول الشاعر: # قلت لها يا تاء هل لك في ms1991 * قالت له ما أنت بالمرضى (إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل) لما كشف لهم القناع بأنه لا يغنى عنهم من عذاب الله شيئا، ~~ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في ~~الربوبية من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما ~~كان منهم في الدنيا من جعله شريكا، ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم ~~مقاما يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولا أن مواعيده التي كان يعدهم ~~بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله سبحانه وأنه أخلفهم ما وعدهم ~~من تلك المواعيد ولم يف لهم بشئ منها، ثم أوضح لهم ثانيا بأنهم قبلوا قوله ~~بما لا يوجب القبول، ولا ينفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بد للعاقل ~~منها في قبول قول غيره، ثم أوضح ثالثا بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة ~~العاطلة عن البرهان الخالية عن أيسر شئ مما يتمسك به العقلاء، ثم نعى عليهم ~~رابعا ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم، لأنهم هم ~~الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل، ثم ~~أوضح لهم خامسا بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ولا يستطيع لهم نفعا ولا يدفع ~~عنهم ضرا، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه ~~المحنة، ثم صرح لهم سادسا بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له فتضاعفت ~~عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب وإذا كان جملة (إن الظالمين لم عذاب ~~أليم) من تتمة كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم ~~به، فأثبت لهم الظلم، ثم ذكر ما هو جزاؤهم عليه من العذاب الأليم، لا على ~~قول من قال: إنه ابتداء كلام من جهة الله سبحانه. وقد ذهب جمهور المفسرين ~~إلى أن ما مصدرية في " ما أشركتمون " وقيل يجوز أن تكون موصولة على معنى ~~إني كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل، ms1992 ويكون هذا حكاية لكفره بالله ~~عند أن أمره بالسجود لآدم (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من ~~تحتها الأنهار) لما أخبر سبحانه بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة. وقرأ ~~الجمهور PageV03P104 # " أدخل " على البناء للمفعول، وقرأ الحسن " وأدخل " على الاستقبال ~~والبناء للفاعل: أي وأنا أدخل الذين آمنوا، ثم ذكر سبحانه خلودهم في الجنات ~~وعدم انقطاع نعيمهم، ثم ذكر أن ذلك بإذن ربهم: أي بتوفيقه ولطفه وهدايته، ~~هذا على قراءة الجمهور، وأما على قراءة الحسن فيكون " بإذن ربهم " متعلقا ~~بقوله (تحيتهم فيها سلام) أي تحية الملائكة في الجنة سلام بإذن ربهم. وقد ~~تقدم تفسير هذا في سورة يونس وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في ~~قوله (ويأت بخلق جديد) قال: بخلق آخر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~جريج في قوله (وقال الضعفاء) قال: الأتباع (للذين استكبروا) قال: للقادة. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) ~~قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~والطبراني وابن مردويه عن كعب بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قوله (سواء علينا) الآية قال: يقول أهل النار هلموا فلنصبر، ~~فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: هلموا فلنجزع، فبكوا ~~خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ~~ما لنا من محيص. والظاهر أن هذه المراجعة كانت بينهم بعد دخولهم النار كما ~~في قوله تعالى - وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا ~~كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار. قال الذين استكبروا إنا ~~كل فيها إن الله قد حكم بين العباد -. وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن عقبة بن عامر ~~يرفعه، وذكر فيه حديث الشفاعة، ثم قال: ويقول الكافر عند ذلك: قد وجد ~~المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو ms1993 إلا إبليس فهو الذي أضلنا، ~~فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم قم أنت فاشفع لنا فإنك ~~أنت أضللتنا، فيقوم إبليس فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم ~~يعظهم بجهنم، ويقول عند ذلك (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) ~~الآية، وضعف السيوطي إسناده، ولعل سبب ذلك كون في إسناده رشدين بن سعد عن ~~عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن دجين الحجزى عن عقبة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال " إذا كان يوم القيامة قام إبليس خطيبا ~~على منبر من نار فقال (إن الله وعدكم) إلى قوله (وما أنتم بمصرخي) قال: ~~بناصري (إني كفرت بما أشركتموني من قبل) قال: بطاعتكم إياي في الدنيا. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في هذه الآية قال " خطيبان يقومان ~~يوم القيامة: إبليس، وعيسى، فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول هذا القول: ~~يعنى المذكور في الآية، وأما عيسى فيقول - ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن ~~اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد -. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) قال: ما أنا بنافعكم وما أنتم ~~بنافعي (إني كفرت ما أشركتموني من قبل) قال شركه: عبادته. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن المنذر عن قتادة (ما أنا بمصرخكم) قال: ما أنا بمغيثكم. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله (تحيتهم فيها سلام) قال: الملائكة ~~يسلمون عليهم في الجنة. # سورة إبراهيم الآية (24 - 25) PageV03P105 # سورة إبراهيم الآية (26 - 27) لما ذكر سبحانه مثل أعمال الكفار، وأنها ~~كرماد اشتدت به الريح، ثم ذكر نعيم المؤمنين، وما جازاهم الله به من ~~إدخالهم الجنة خالدين فيها، وتحية الملائكة لهم ذكر تعالى ها هنا مثلا ~~للكلمة الطيبة، وهى كلمة الإسلام: أي لا إله إلا الله، أو ما هو أعم من ذلك ~~من كلمات الخير، وذكر مثلا ms1994 للكلمة الخبيثة، وهى كلمة الشرك، أو ما هو أعم ~~من ذلك من كلمات الشر، فقال مخاطبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو ~~مخاطبا لمن يصلح للخطاب (ألم تر كيف ضرب الله مثلا) أي اختار مثلا وضعه في ~~موضعه اللائق به، وانتصاب مثلا على أنه مفعول ضرب وكلمة بدل منه. ويجوز أن ~~تنتصب الكلمة على أنها عطف بيان لمثلا. ويجوز أن تنتصب الكلمة بفعل مقدر: ~~أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، وحكم بأنها مثلها، ومحل كشجرة النصب على أنها ~~صفة لكلمة، أو الرفع على تقدير مبتدإ: أي هي كشجرة، ويجوز أن تكون كلمة أول ~~مفعولي ضرب، وأخرت عن المفعول الثاني، وهو مثلا لئلا تبعد عن صفتها، والأول ~~أولى، وكلمة وما بعدها تفسير للمثل، ثم وصف الشجرة بقوله (أصلها ثابت أي ~~راسخ آمن من الانقلاع بسبب تمكنها من الأرض بعروقها (وفروعها في السماء) أي ~~أعلاها ذاهب إلى جهة السماء مرتفع في الهواء، ثم وصفها سبحانه بأنها (تؤتى ~~أكلها كل حين) كل وقت (بإذن ربها) بإرادته ومشيئته، قيل وهى النخلة، وقيل ~~غيرها. قيل والمراد بكونها تؤتى أكلها كل حين: أي كل ساعة من الساعات من ~~ليل أو نهار في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف، وقيل المراد في ~~أوقات مختلفة من غير تعيين، وقيل كل غدوة وعشية، وقيل كل شهر، وقيل كل ستة ~~أشهر. قال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة لأن الخبر عند جميع ~~أهل اللغة إلا من شذ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره، وأنشد ~~الأصمعي قول النابغة: # * تطلقه حينا وحينا تراجع * قال النحاس: وهذا يبين لك أن الحين بمعنى ~~الوقت. وقد ورد الحين في بعض المواضع يراد به أكثر كقوله - هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر -. وقد تقدم بيان أقوال العلماء في الحين في سورة ~~البقرة في قوله - ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين -. وقال الزجاج: الحين ~~الوقت طال أم قصر (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) يتفكرون أحوال ~~المبدأ والمعاد، وبدائع صنعه ms1995 سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته، وفى ضرب ~~الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني (ومثل كلمة خبيثة) قد تقدم ~~تفسيرها، وقيل هي الكافر نفسه، والكلمة الطيبة: المؤمن نفسه (كشجرة خبيثة) ~~أي كمثل شجرة خبيثة، قيل هي شجرة الحنظل، وقيل هي شجرة الثوم، وقيل الكمأة، ~~وقيل الطحلبة، وقيل هي الكشوث بالضم وآخره مثلثة، وهى شجرة لا ورق لها ولا ~~عروق في الأرض. قال الشاعر: * وهى كشوث فلا أصل ولا ثمر * وقرئ " ومثلا ~~كلمة " بالنصب عطفا على كلمة طيبة (اجتثت من فوق الأرض) أي استؤصلت واقتلعت ~~من أصلها، ومنه قول الشاعر: * هو الجلاء الذي يجتث أصلكم * قال المؤرخ: ~~أخذت جثتها وهى نفسها، والجثة شخص الإنسان، يقال جثة: قلعه، واجتثه: ~~اقتلعه، ومعنى من فوق الأرض: أنه ليس لها أصل راسخ وعروق متمكنة من الأرض ~~(ما لها من قرار) أي من استقرار على الأرض. وقيل من ثبات على الأرض، كما أن ~~الكافر وكلمته لا حجة له ولا ثبات فيه ولا خير يأتي منه أصلا، ولا يصعد له ~~قول طيب ولا عمل طيب (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) أي بالحجة ~~الواضحة، وهى الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها وقد ثبت في الصحيح PageV03P106 # أنها كلمة الشهادة " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ~~وذلك إذا قعد المؤمن في قبره قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فذلك قوله ~~تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت)، وقيل معنى تثبيت الله لهم هو ~~أن يدوموا على القول الثابت، ومنه قول عبد الله بن رواحة: # يثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا ومعنى (في ~~الحياة الدنيا) أنهم يستمرون على القول الثابت في الحياة الدنيا، قال ~~جماعة: المراد بالحياة الدنيا في هذه الآية القبر لأن الموتى في الدنيا حتى ~~يبعثوا، ومعنى (وفى الآخرة) وقت الحساب. وقيل المراد بالحياة الدنيا: # وقت المسألة في القبر، وفى الآخرة: وقت المسألة يوم القيامة: والمراد ~~أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم ~~ولا تردد ms1996 ولا جهل، كما يقول من لم يوفق: لا أدرى، فيقال له لا دريت ولا ~~تليت (ويضل الله الظالمين) أي يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت فلا ~~يقدرون على التكلم بها في قبورهم ولا عند الحساب، كما أضلهم عن اتباع الحق ~~في الدنيا. قيل والمراد بالظالمين هنا الكفر، وقيل كل من ظلم نفسه ولو ~~بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة فإنه لا يثبت في مواقف الفتن ولا يهتدى ~~إلى الحق، ثم ذكر سبحانه أنه يفعل ما يشاء من التثبيت والخذلان لا راد ~~لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، قال الفراء: أي لا تنكر له قدرة ولا يسأل عما ~~يفعل، والإظهار في محل الإضمار في الموضعين لتربية المهابة كما قيل والله ~~أعلم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في ~~قوله (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة) قال: شهادة أن لا إله إلا الله ~~(كشجرة طيبة) وهو المؤمن (أصلها ثابت) يقول: لا إله إلا الله ثابت في قلب ~~المؤمن (وفرعها في السماء) يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء (ومثل ~~كلمة خبيثة) وهى الشرك (كشجرة خبيثة) يعنى الكافر (اجتثت من فوق الأرض ما ~~لها من قرار) يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا يقبل ~~الله مع الشرك عملا. وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. ~~وأخرج الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس قال " أتى رسول الله صلى الله وآله ~~وسلم بقناع من بسر فقال (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة) حتى بلغ (تؤتى أكلها كل ~~حين بإذن ربها) قال: هي النخلة (ومثل كلمة خبيثة) حتى بلغ (ما لها من قرار) ~~قال: هي الحنظلة ". وروى موقوفا على أنس. قال الترمذي: الموقوف أصح. وأخرج ~~أحمد وابن مردويه. قال السيوطي بسند جيد عن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله (كشجرة طيبة): قال هي التي لا ينقص ms1997 ورقها قال: # هي النخلة. وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوما لأصحابه " إن شجرة من الشجر لا يطرح ورقها مثل ~~المؤمن، قال: فوقع الناس في شجرة البوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة، ~~فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هي النخلة " وفى لفظ ~~للبخاري قال: # " أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا تؤتى أكلها كل حين، ~~فذكر نحوه ". وفى لفظ لابن جرير وابن مردويه من حديث ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " هل تدرون ما الشجرة الطيبة؟، ثم قال: هي ~~النخلة " وروى نحو هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها) قال: كل ساعة بالليل ~~والنهار والشتاء والصيف، وذلك مثل المؤمن يطيع ربه بالليل والنهار والشتاء ~~والصيف. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: يكون أخضر ثم يكون أصفر. ~~وأخرج عنه أيضا في قوله (كل حين) قال: جذاذ النخل. وأخرج الفريابي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن PageV03P107 # أبى حاتم عنه أيضا (تؤتى أكلها كل حين) قال: تطعم في كل ستة أشهر. وأخرج ~~أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال: الحين هنا ~~سنة، وأخرج البيهقي عنه أيضا قال: الحين قد يكون غدوة وعشية. # وقد روى عن جماعة من السلف في هذا أقوال كثيرة. وأخرج البخاري ومسلم وأهل ~~السنن وغيرهم عن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~فذلك قوله سبحانه (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفى الآخرة). وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن البراء بن عازب في قوله (يثبت ~~الله الذين آمنوا) الآية قال: التثبيت في الحياة الدنيا إذا جاء الملكان ~~إلى الرجل في القبر فقالا من ربك؟ فقال ms1998 ربى الله، قال: وما دينك؟ قال ديني ~~الإسلام، قال: ومن نبيك؟ # قال نبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك التثبيت في الحياة الدنيا. ~~وأخرج البيهقي عن ابن عباس نحوه. # وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي سعيد في الآية قال: في ~~الآخرة القبر. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت " قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا) الآية قال: هذا في القبر ~~" وأخرج البيهقي من حديثها نحوه. وأخرج البزار عنها أيضا قالت " قلت يا ~~رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة؟ قال (يثبت ~~الله الذين آمنوا) الآية "، وقد وردت أحاديث كثيرة في سؤال الملائكة للميت ~~في قبره، وفى جوابه عليهم وفى عذاب القبر وفتنته، وليس هذا موضع بسطها، وهى ~~معروفة. # سورة إبراهيم الآية (28 - 34) قوله (ألم تر) هذا خطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له، وهو تعجيب من حال الكفار حيث جعلوا ~~بدل نعمة الله عليهم الكفر: أي بدل شكرها الكفر بها، وذلك بتكذيبهم محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثه الله منهم وأنعم عليهم به. وقد ذهب جمهور ~~المفسرين إلى أنهم كفار مكة وأن الآية نزلت فيهم وقيل نزلت في الذين قاتلوا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، وقيل نزلت في بطنين من بطون ~~قريش بنى مخزوم وبنى أمية، وقيل نزلت في متنصرة العرب، وهم جبلة بن الأيهم ~~وأصحابه، وفيه نظر، فإن جبلة وأصحابه لم يسلموا إلا في خلافة عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، وقيل إنها عامة في جميع المشركين، وقيل PageV03P108 # المراد بتبديل نعمة الله كفرا أنهم لما كفروها سلبهم الله ذلك فصاروا ~~متبدلين بها الكفر (وأحلوا قومهم دار البوار) أي أنزلوا قومهم بسبب ما ~~زينوه لهم من الكفر دار البوار، وهي جهنم، والبوار الهلاك، وقيل هم قادة ~~قريش أحلوا قومهم يوم بدر دار البوار: أي الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا به، ~~ومنه قول الشاعر: ms1999 # فلم أر مثلهم أبطال حرب * غداة الحرب إذ خيف البوار والأول أولى لقوله ~~(جهنم) فإنه عطف بيان لدار البوار، و (يصلونها) في محل نصب على الحال، أو ~~هو مستأنف لبيان كيفية حلولهم فيها (وبئس القرار) أي بئس القرار قرارهم ~~فيها، أو بئس المقر جهنم، فالمخصوص بالذم محذوف (وجعلوا لله أندادا) معطوف ~~على: وأحلوا: أي جعلوا لله شركاء في الربوبية، أو في التسمية وهى الأصنام، ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو " ليضلوا " بفتح الياء، أي ليضلوا أنفسهم عن سبيل ~~الله، وتكون اللام للعاقبة: # أي ليتعقب جهلهم لله أندادا ضلالهم، لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه، وحسن ~~استعمال لام العاقبة هنا لأنها تشبه الغرض والغاية من جهة حصولها في آخر ~~المراتب، والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز. وقرأ الباقون بضم الياء ~~ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل الله، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أندادا. ~~ثم هد دهم سبحانه، فقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (قل تمتعوا) بما ~~أنتم فيه من الشهوات، وما زينته لكم أنفسكم من كفران النعم وإضلال الناس ~~(فإن مصيركم إلى النار) أي مردكم ومرجعكم إليها ليس إلا، ولما كان هذا ~~حالهم، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه وانهماكهم فيه لا يقلعون عنه، ولا ~~يقبلون فيه نصح الناصحين جعل الأمر بمباشرته مكان النهى قربانه إيضاحا لما ~~تكون عليه عاقبتهم، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار فلا بد لهم من تعاطى ~~الأسباب المقتضية ذلك، فجملة (فإن مصيركم إلى النار) تعليل للأمر بالتمتع، ~~وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره، ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف ~~دل عليه سياق الكلام، كأنه قيل، فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار، ~~والأول أولى والنظم القرآني عليه أدل، وذلك كما يقال لما يسعى في مخالفة ~~السلطان: اصنع ما شئت من المخالفة، فإن مصيرك إلى السيف (قل لعبادي الذين ~~آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) لما أمره بأن يقول ~~للمبدلين نعمة الله كفرا الجاعلين لله أندادا ما قاله لهم أمره سبحانه أن ~~يقول ms2000 للطائفة المقابلة لهم، وهى طائفة المؤمنين هذا القول والمقول محذوف دل ~~عليه المذكور أي قل لعبادي أقيموا وأنفقوا ويقيموا وينفقوا، فجزم يقيموا ~~على أنه جواب الأمر المحذوف، وكذلك ينفقوا، ذكر معنى هذا الفراء. وقال ~~الزجاج: إن يقيموا مجزوم بمعنى اللام: أي ليقيموا فأسقطت اللام: ثم ذكر ~~وجها آخر للجزم مثل ما ذكره الفراء: وانتصاب سرا وعلانية، إما على الحال: ~~أي مسرين ومعلنين، أو على المصدر: أي إنفاق سر وإنفاق علانية، أو على ~~الظرف: أي وقت سر ووقت علانية. قال الجمهور: السر ما خفى، والعلانية ما ~~ظهر: وقيل السر التطوع، العلانية الفرض، وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله ~~- إن تبدوا الصدقات فنعما هي - (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) ~~قال أبو عبيدة: البيع ها هنا الفداء والخلال المخالة، وهو مصدر. قال ~~الواحدي: هذا قول جميع أهل اللغة. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون جمع ~~خلة مثل برمة وبرام وعلبة وعلاب، والمعنى: أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى ~~يفتدى المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك، وليس هناك ~~مخاللة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه من العذاب، فأمرهم سبحانه بالإنفاق ~~في وجوه الخير مما رزقهم الله ما داموا في الحياة الدنيا قادرين على إنفاق ~~أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة. فإنهم لا يقدرون على ذلك بل لا مال ~~لهم إذ ذاك، فالجملة أعني " من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال " ~~لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، ويمكن أن يكون فيها أيضا ~~تأكيد PageV03P109 # لمضمون الأمر بإقامة الصلاة، وذلك لأن تركها كثيرا ما يكون بسبب الاشتغال ~~بالبيع ورعاية حقوق الأخلاء، وقد تقدم في البقرة تفسير البيع والخلال (الله ~~الذي خلق السماوات والأرض) أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال وخلق ما ~~فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، والاسم الشريف مبتدأ وما بعده خبره ~~(وأنزل من السماء ماء) المراد بالسماء هنا جهة العلو، فإنه يدخل في ذلك ~~الفلك عند من قال إن ms2001 ابتداء المطر منه، ويدخل فيه السحاب عند من قال إن ~~ابتداء المطر منها، وتدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح، وتنكير ~~الماء هنا للنوعية: أي نوعا من أنواع الماء، وهو ماء المطر (فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم) أي أخرج بذلك الماء من الثمرات المتنوعة رزقا لبنى آدم ~~يعيشون به، و " من " في الثمرات للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم، وقيل ~~للتبعيض لأن الثمرات منها ما هو رزق لبنى آدم، ومنها ما ليس برزق لهم، وهو ~~ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به (وسخر لكم الفلك) فجرت على إرادتكم ~~واستعملتموها في مصالحكم، ولذا قال (لتجرى في البحر) كما تريدون وعلى ما ~~تطلبون (بأمره) أي بأمر الله ومشيئته، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة (وسخر ~~لكم الأنهار) أي ذللها لكم بالركوب عليها والإجراء لها إلى حيث تريدون ~~(وسخر لكم الشمس والقمر) لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما، وانتصاب ~~(دائبين، على الحال، والدؤوب مرور الشئ في العمل على عادة جارية: أي دائبين ~~في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، وقيل دائبين في السير امتثالا لأمر ~~الله، والمعنى: يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران ولا ينقطع سيرهما (وسخر ~~لكم الليل والنهار) يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون ~~إليه من أمور دنياكم، والليل لتسكنوا كما قال سبحانه - ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله - (وآتاكم من كل ما سألتموه) ~~قال الأخفش: أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئا فحذف شيئا، وقيل المعنى: ~~وآتاكم من كل ما سألتموه ومن كل ما لم تسألوه، فحذفت الجملة الأخرى قاله ~~ابن الأنباري، وقيل من زائدة: أي آتاكم كل ما سألتموه، وقيل للتبعيض: أي ~~آتاكم بعض كل ما سألتموه. وقرأ ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة " من كل " ~~بتنوين كل، وعلى هذه القراءة يجوز أن تكون " ما " نافية: أي آتاكم من جميع ~~ذلك حال كونكم غير سائلين له، ويجوز أن تكون موصولة: أي آتاكم من كل شئ ~~الذي سألتموه (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) أي وإن تتعرضوا ms2002 لتعداد نعم ~~الله التي أنعم بها عليكم إجمالا فضلا عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه ~~من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال، وأصل الإحصاء أن الحاسب ~~إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها ومعلوم أنه لو رام ~~فرد من أفراد العباد أن يحصى ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه. ~~أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط ولا أمكنه أصلا، فكيف بما عدا ذلك من ~~النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه، فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة ~~إليه في كل وقت على تنوعها واختلاف أجناسها. اللهم إنا نشكرك على كل نعمة ~~أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه شكرا لا يحيط به حصر ~~ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان (إن الإنسان ~~لظلوم) لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان. وقال ~~الزجاج: # إن الإنسان اسم جنس يقصد به الكافر خاصة كما قال - إن الإنسان لفي خسر - ~~(كفار) أي شديد كفران نعم الله عليه جاحد لها غير شاكر لله سبحانه عليها، ~~كما ينبغي ويجب عليه. # وقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في قوله (ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا) قال: هم كفار أهل مكة. وأخرج البخاري في تاريخه وابن ~~جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمر بن الخطاب في قوله (ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا) PageV03P110 # قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة ~~فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس عن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في ~~الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن علي في الآية نحوه أيضا، وأخرج ~~عبد الرزاق والفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي ms2003 حاتم وابن الأنباري ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا ~~عن الذين بدلوا نعمة الله كفرا قال: هو الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر. ~~قال: فمن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا؟ قال: منهم أهل حروراء، وقد روى ~~في تفسير هذه الآية عن علي من طرق نحو هذا. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: هم جبلة بن الأيهم والذين ~~اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس (وأحلوا قومهم دار البوار) قال: ~~الهلاك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (وجعلوا لله ~~أندادا) قال: أشركوا بالله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد (وسخر لكم الأنهار) قال: بكل فائدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~(وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) قال: دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عكرمة (وآتاكم من كل ما سألتموه) قال من كل شئ رغبتم إليه فيه. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: # من كل الذي سألتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن سليمان ~~التيمي قال: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم. ~~وأخرجا أيضا عن بكر بن عبد الله المزني قال: يا بن آدم إن أردت أن تعلم قدر ~~ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: من لم ~~يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل عمله وحضر عذابه. وأخرج ~~ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال قال داود ~~عليه السلام " رب أخبرني ما أدنى نعمتك علي. فأوحى إلي: يا داود تنفس ~~فتنفس. فقال هذا أدنى نعمتي عليك ". وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب ~~أنه قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري فقال قائل: # يا أمير المؤمنين هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: إن الإنسان ms2004 لظلوم كفار. # سورة إبراهيم الآية (35 - 41) PageV03P111 # قوله (وإذ قال إبراهيم) متعلق بمحذوف: أي أذكر وقت قوله، ولعل المراد ~~بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم ~~الخاصة بهم، وهى إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم العامة، وقيل إن ذكر ~~قصة إبراهيم ها هنا لمثال الكلمة الطيبة، وقيل لقصد الدعاء إلى التوحيد، ~~وإنكار عبادة الأصنام (رب اجعل هذا البلد آمنا) المراد بالبلد هنا مكة: دعا ~~إبراهيم ربه أن يجعله آمنا: أي ذا أمن، وقدم طلب الأمن على سائر المطالب ~~المذكورة بعده، لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشئ آخر من أمور ~~الدين والدنيا، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى - ~~رب اجعل هذا بلدا آمنا -، والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد ~~الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن (واجنبني وبنى أن نعبد ~~الأصنام)، يقال جنبته كذا وأجنبته وجنبته: أي باعدته عنه، والمعنى: باعدني، ~~وباعد بنى عن عبادة الأصنام، قيل أراد بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، وقيل ~~أراد من كان موجودا حال دعوته من بنيه وبنى بنيه، وقيل أراد جميع ذريته ما ~~تناسلوا، ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنما، ~~والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها ~~فيعبدونه. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر " وأجنبني " بقطع الهمزة على أن أصله ~~أجنب (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها ~~جمادات لا تعقل، لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم، وهذه الجملة تعليل ~~لدعائه لربه، ثم قال (فمن تبعني) أي من تبع ديني من الناس فصار مسلما موحدا ~~(فإنه منى) أي من أهل ديني: جعل أهل ملته كنفسه مبالغة (ومن عصاني) فلم ~~يتتابعني ويدخل في ملتي (فإنك غفور رحيم) قادر على أن تغفر له، قيل قال هذا ~~قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو ~~مشرك، كذا قال ابن الأنباري، ms2005 وقيل المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك، وقيل ~~إن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك، ثم قال (ربنا إني أسكنت من ذريتي) ~~قال الفراء: من للتبعيض: أي بعض ذريتي. # وقال ابن الأنباري: إنها زائدة: أي أسكنت ذريتي، والأول أولى، لأنه إنما ~~أسكن إسماعيل وهو بعض ولده (بواد غير ذي زرع) أي لا زرع فيه، وهو وادى مكة ~~(عند بيتك المحرم) أي الذي يحرم فيه ما يستباح في غيره، وقيل إنه محرم على ~~الجبابرة، وقيل محرم من أن تنتهك حرمته، أو يستخف به. وقد تقدم في سورة ~~المائدة ما يغنى عن الإعادة، ثم قال (ربنا ليقيموا الصلاة) اللام متعلقة ~~بأسكنت: أي أسكنتهم ليقيموا الصلاة فيه، متوجهين إليه، متبركين به، وخصها ~~دون سائر العبادات لمزيد فضلها، ولعل تكرير النداء لإظهار العناية الكاملة ~~بهذه العبادة (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم) الأفئدة جمع فؤاد، وهو ~~القلب، عبر به عن جميع البدن، لأنه أشرف عضو فيه. وقيل هو جمع وفد والأصل ~~أوقدة رسول فقدمت الفاء، وقلبت الواو ياء، فكأنه قال: وجعل وفودا من الناس ~~تهوى إليهم، و " من " في من الناس للتبعيض، وقيل زائدة ولا يلزم منه أن يحج ~~اليهود والنصارى بدخولهم تحت لفظ الناس، لأن المطلوب توجيه قلوب الناس ~~إليهم للسكون معهم والجلب إليهم لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مرادا ~~لقال تهوى إليه، وقيل من للابتداء كقولك: القلب منى سقيم، يريد قلبي، ومعنى ~~تهوى إليهم: تنزع إليهم، يقال هوى نحوه: إذا مال، وهوت الناقة تهوى هويا ~~فهي هاوية: إذا عدت عدوا شديدا كأنها تهوى في بئر، ويحتمل أن يكون المعنى: ~~تجئ إليهم أو تسرع إليهم، والمعنى متقارب (وارزقهم من الثمرات) أي ارزق ~~ذريتي الذين أسكنتهم هنالك أو هم ومن يساكنهم من الناس من أنواع الثمرات ~~التي تنبت فيه، أو تجلب إليه (لعلهم يشكرون) نعمك التي أنعمت بها عليهم ~~(ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن) أي ما نكتمه وما نظهره، لأن الظاهر ~~والمضمر بالنسبة إليه سبحانه سيان، قيل والمراد هنا بما ms2006 نخفى ما يقابل ما ~~نعلن، فالمعنى ما نظهره PageV03P112 # وما لا نظهره، وقدم ما نخفى على ما نعلن للدلالة على أنهما مستويان في ~~علم الله سبحانه. وظاهر النظم القرآني عموم كل ما لا يظهر وما يظهر من غير ~~تقييد بشئ معين من ذلك، وقيل المراد ما يخفيه إبراهيم من وجده بإسماعيل ~~وأمه حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، وما يعلنه من ذلك، وقيل ما يخفيه ~~إبراهيم من الوجد ويعلنه من البكاء والدعاء، والمجئ بضمير الجماعة يشعر بأن ~~إبراهيم لم يرد نفسه فقط، بل أراد جميع العباد، فكأن المعنى: أن الله ~~سبحانه يعلم بكل ما يظهره العباد وبكل ما لا يظهرونه. وأما قوله (وما يخفى ~~على الله من شئ في الأرض ولا في السماء) فقال جمهور المفسرين: هو من كلام ~~الله سبحانه تصديقا لما قاله إبراهيم من أنه سبحانه يعلم بما يخفيه العباد ~~وما يعلنونه، فقال سبحانه: وما يخفى على الله شئ من الأشياء الموجودة كائنا ~~ما كان، وإنما ذكر السماوات والأرض لأنها المشاهدة للعباد، وإلا فعلمه ~~سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم، وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه ~~منه خافية. قيل ويحتمل أن يكون هذا من قول إبراهيم تحقيقا لقوله الأول، ~~وتعميما بعد التخصيص، ثم حمد الله سبحانه على بعض نعمه الواصلة إليه فقال ~~(الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) أي وهب لي على كبر سنى ~~وسن امرأتي، قيل ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ~~ابن مائة واثنتي عشرة سنة، قيل و " على " هنا بمعنى مع: أي وهو لي مع كبرى ~~ويأسى عن الولد (إن ربى لسميع الدعاء) أي لمجيب ولا الدعاء من قولهم سمع ~~كلامه: إذا أجابه واعتد به وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة ~~للمبالغة إلى المفعول، والمعنى: إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك. ثم سأل ~~الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظا عليها غير مهمل لشئ منها، ثم قال ~~(ومن ذريتي) أي بعض ذريتي: ms2007 أي اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة، وإنما ~~خص البعض من ذريته، لأنه علم أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي. قال الزجاج: ~~أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة، ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على ~~العموم، ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولا أوليا. قيل والمراد ~~بالدعاء هنا العبادة، فيكون المعنى: وتقبل عبادتي التي أعبدك بها، ثم طلب ~~من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله وإن لم يكن ~~كبيرا لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر. ثم طلب من الله سبحانه أن ~~يغفر لوالديه. وقد قيل إنه دعا لهما بالمغفرة لم قبل أن يعلم أنهما عدوان ~~لله سبحانه كما في قوله سبحانه - وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه -. وقيل كانت أمه ~~مسلمة، وقيل أراد بوالديه آدم وحواء. وقرأ سعيد بن جبير " ولوالدي " ~~بالتوحيد على إرادة الأب وحده. وقرأ إبراهيم النخعي " ولولدي " يعنى ~~إسماعيل وإسحاق، وكذا قرأ يحيى بن يعمر. ثم استغفر للمؤمنين. وظاهره شمول ~~كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن منهم، وقيل أراد المؤمنين من ذريته ~~فقط (يوم يقوم الحساب) أي يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ ~~يقوم الذي هو حقيقته في قيام الرجل للدلالة على أنه في غاية الاستقامة، ~~وقيل إن المعنى يوم يقوم الناس للحساب، والأول أولى: # وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (وإذ قال إبراهيم) الآية قال: ~~فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، ~~واستجاب الله له، وجعل هذا البلد آمنا، ورزق أهله من الثمرات، وجعله إماما، ~~وجعل من ذريته من يقيم الصلاة، وتقبل دعاءه فأراه مناسكه وتاب عليه. وأخرج ~~أبو نعيم في الدلائل عن عقيل بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما أتاه الستة النفر من الأنصار جلس إليهم عند جمرة العقبة، فدعاهم ms2008 إلى ~~الله وإلى عبادته والمؤازرة على دينه، فسألوه أن يعرض عليهم ما أوحى إليه، ~~فقرأ من سورة إبراهيم (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني ~~وبنى أن نعبد الأصنام) إلى آخر السورة، فرق PageV03P113 # القوم وأخبتوا حين سمعوا منه ما سمعوا وأجابوه. وأخرج الواقدي وابن عساكر ~~من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال: كانت سارة تحت إبراهيم، فمكثت تحته دهرا ~~لا ترزق منه ولدا، فلما رأت ذلك وهبت له هاجر أمة لها قبطية، فولدت له ~~إسماعيل، فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع ~~منها ثلاثة أطراف، فقال لها إبراهيم: هل لك أن تبرى يمينك؟ قالت: كيف أصنع؟ ~~قال: اثقبي أذنيها واخفضيها، والخفض: هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر ~~في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسنا. # فقالت سارة: أراني إنما زدتها جمالا فلم تقاره على كونه معها ووجد بها ~~إبراهيم وجدا شديدا، فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على ~~البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~(إني أسكنت من ذريتي) قال: أسكن إسماعيل وأمه مكة. وأخرج ابن المنذر عنه ~~قال: إن إبراهيم حين قال (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم) لو قال أفئدة ~~الناس تهوى إليهم لازدحمت عليه فارس والروم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم قال: سألت عكرمة وطاوسا وعطاء بن أبي ~~رباح عن هذه الآية (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم فقالوا البيت تهوى ~~إليه قلوبهم يأتونه، وفى لفظ قالوا هواهم إلى مكة أن يحجوا. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (تهوى إليهم) قال: تنزع ~~إليهم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي أن إبراهيم لما ~~دعا للحرم (وارزق أهله من الثمرات) نقل الله الطائف من فلسطين. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن الزهري قال " إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف ms2009 ~~لدعوة إبراهيم ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان قال ~~السيوطي بسند حسن عن ابن عباس قالوا: لو كان إبراهيم عليه السلام قال فاجعل ~~أفئدة الناس تهوى إليهم لحج اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال أفئدة ~~من الناس فخص به المؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (ما نخفى وما ~~نعلن) قال: من الحزن. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله (ربنا ~~إنك تعلم ما نخفى) قال: من حب إسماعيل وأمه (وما نعلن) قال: ما نظهر لسارة ~~من الجفاء لهما. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) قال: هذا بعد ذلك ~~بحين. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة سنة ~~ومائة سنة. # سورة إبراهيم الآية (42 - 46) قوله (ولا تحسبن خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وهو تعريض لأمته. فكأنه قال: ولا تحسب أمتك PageV03P114 # يا محمد، ويجوز أن يكون خطابا لكل من يصلح له من المكلفين، وإن كان ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير تعريض لأمته فمعناه التثبيت ~~على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله - ولا تكونن من المشركين - ونحوه، ~~وقيل المراد: ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة ~~الرقيب عليهم، أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان الإيذان بأنه عالم بذلك لا ~~تخفى عليه منه خافية. وفى هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم، بل سنة الله ~~سبحانه في إمهال العصاة (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) أي يؤخر ~~جزاءهم ولا يؤاخذهم بظلمهم. وهذه الجملة تعليل للنهي السابق. # وقرأ الحسن والسلمي وهو رواية عن أبي عمرو بالنون في نؤخرهم. وقرأ ~~الباقون بالتحتية. واختارها أبو عبيد وأبو حاتم لقوله (ولا تحسبن الله) ~~ومعنى (ليوم تشخص فيه الأبصار) أي ترفع فيه أبصار أهل الموقف، ولا تغمض من ~~هول ما ms2010 تراه في ذلك اليوم، هكذا قال الفراء. يقال: شخص الرجل بصره وشخص ~~البصر نفسه إلى السماء من هول ما يرى، والمراد أن الأبصار بقيت مفتوحة لا ~~تتحرك من شدة الحيرة والدهشة (مهطعين) أي مسرعين من أهطع يهطع إهطاعا: إذا ~~أسرع، وقيل المهطع: الذي ينظر في ذل وخشوع. ومنه: # بدجلة دارهم ولقد أراهم * بدجلة مهطعين إلى السماء وقيل المهطع: الذي ~~يديم النظر. قال أبو عبيدة: قد يكون الوجهان جميعا، يعنى الإسراع مع إدامة ~~النظر، وقيل المهطع الذي لا يرفع رأسه. وقال ثعلب: المهطع الذي ينظر في ذل ~~وخضوع، وقيل هو الساكت. قال النحاس: والمعروف في اللغة أهطع: إذا أسرع ~~(مقنعي رؤوسهم) أي رافعي رؤوسهم، وإقناع الرأس: رفعه، وأقنع صوته: إذا ~~رفعه، والمعنى: أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع ~~وذل ولا ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل إن إقناع الرأس نكسه، وقيل يقال أقنع: ~~إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ ذلة وخضوعا، والآية محتملة للوجهين. قال ~~المبرد: والقول الأول أعرف في اللغة. قال الشاعر: # أنغض نحوي رأسه وأقنعا * كأنما أبصر شيئا أطمعا (لا يرتد إليهم طرفهم) أي ~~لا ترجع إليهم أبصارهم. وأصل الطرف: تحريك الأجفان، وسميت العين طرفا لأنه ~~يكون بها. ومن إطلاق الطرف على العين قول عنترة: # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي * حتى توارى جارتي مأواها (وأفئدتهم هواء) ~~الهواء في اللغة: المجرف الخالي الذي لم تشغله الأجرام، والمعنى: أن قلوبهم ~~خالية عن العقل والفهم لما شاهدوا من الفزع والحياة والدهش، وجعلها نفس ~~الهوى مبالغة، ومنه قيل للأحمق والجبان قلبه هواء: # أي لا رأى فيه ولا قوة، وقيل معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها ~~فصارت في الحناجر. وقيل المعنى: # إن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير، وقيل المعنى: وأفئدتهم ذات ~~هواء. ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى - وأصبح فؤاد أم موسى فارغا أي ~~خاليا من كل شئ إلا من هم موسى (وأنذر الناس) هذا رجوع إلى خطاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، أمره ms2011 الله سبحانه بأن ينذر الناس، والمراد الناس ~~على العموم، وقيل المراد كفار مكة، وقيل الكفار على العموم. والأول أولى ~~لأن الإنذار كما يكون للكافر يكون أيضا للمسلم. ومنه قوله تعالى - إنما ~~تنذر من اتبع الذكر - ومعنى (يوم يأتيهم العذاب) يوم القيامة: أي خوفهم هذا ~~اليوم، وهو يوم إتيان العذاب. وإنما اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع ~~كونه يوم إتيان الثواب، لأن المقام مقام تهديد، وقيل المراد به يوم موتهم، ~~فإنه أول أوقات إتيان العذاب، وقيل المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، ~~وانتصاب يوم PageV03P115 # على أنه مفعول ثان لأنذر (فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب) ~~المراد بالذين ظلموا ها هنا هم الناس: # أي فيقولون، والعدول إلى الإظهار مكان الإضمار للإشعار بأن الظلم هو ~~العلة فيما نزل بهم. هذا إذا كان المراد بالناس هم الكفار. وعلى تقدير كون ~~المراد بهم من يعم المسلمين، فالمعنى: فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار ~~ربنا أخرنا أمهلنا إلى أجل قريب إلى أمد من الزمان معلوم غير بعيد (نجب ~~دعوتك) أي دعوتك لعبادك على ألسن أنبيائك إلى توحيدك (ونتبع الرسل) ~~المرسلين منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك، ونتدارك له ما فرط ~~منا من الإهمال، وإنما جمع الرسل، لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة، فاتباع ~~واحد منهم اتباع لجميعهم، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم ~~الحق في الآخرة - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - ثم حكى سبحانه ما يجاب به ~~عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة. فقال (أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم ~~من زوال) أي فيقال لهم هذا القول توبيخا وتقريعا: أي أو لم تكونوا أقسمتم ~~من قبل هذا اليوم ما لكم من زوال من دار الدنيا، وقيل إنه لا قسم منهم ~~حقيقة، وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات وإخلادهم إلى ~~الحياة الدنيا، وقيل قسمهم هذا هو ما حكاه الله عنهم في قوله - وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت -. وجواب القسم (ما لكم من ms2012 زوال ~~وإنما جاء بلفظ الخطاب في ما لكم من زوال لمراعاة أقسمتم ولولا ذلك لقال: ~~ما لنا من زوال (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) أي استقررتم، يقال ~~سكن الدار وسكن فيها، وهى بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر بالله والعصيان له (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) قرأ عبد الرحمن السلمي ~~نبين بالنون والفعل المضارع. وقرأ من عداه بالتاء الفوقية والفعل الماضي: ~~أي تبين لكم بمشاهدة الآثار كيف فعلنا بهم من العقوبة والعذاب الشديد بما ~~فعلوه من الذنوب، وفاعل تبين ما دلت عليه الجملة المذكورة بعده: أي تبين ~~لكم فعلنا العجيب بهم (وضربنا لكم الأمثال) في كتب الله وعلى ألسن رسله ~~إيضاحا لكم وتقريرا وتكميلا للحجة عليكم (وقد مكروا مكرهم) الجملة في محل ~~نصب على الحال: أي فعلنا بهم ما فعلنا، والحال أنهم قد مكروا في رد الحق ~~وإثبات الباطل مكرهم العظيم، الذي استفرغوا فيه وسعهم (وعند الله مكرهم) أي ~~وعند الله جزاء مكرهم، أو وعند الله مكتوب مكرهم فهو مجازيهم، أو وعند الله ~~مكرهم الذي يمكرهم به على أن يكون المكر مضافا إلى المفعول، قيل والمراد ~~بهم قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكروا بالنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حين هموا بقتله أو نفيه، وقيل المراد ما وقع من النمرود حيث حاول ~~الصعود إلى السماء، فاتخذ لنفسه تابوتا وربط قوائمه بأربعة نسور (وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال) قرأ عمر وعلي وابن مسعود وأبى " وإن كاد مكرهم " ~~بالدال المهملة مكان النون. # وقرأ غيرهم من القراء " وإن كان " بالنون. وقرأ ابن محيصن وابن جريج ~~والكسائي " لتزول " بفتح اللام على أنها لام الابتداء. وقرأ الجمهور بكسرها ~~على أنها لام الجحود. قال ابن جرير: الاختيار هذه القراءة، يعنى قراءة ~~الجمهور لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة، فعلى قراءة الكسائي ومن معه تكون ~~إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم ~~وشدته: أي وإن الشأن كان مكرهم معدا لذلك. قال الزجاج: وإن ms2013 كان مكرهم يبلغ ~~في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصر دينه، وعلى قراءة الجمهور. يحتمل ~~وجهين: أحدهما أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة، والمعنى كما مر. والثاني ~~أن تكون نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله - وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم - والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أن الجبال مثل لآيات ~~الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهر، فالجملة على هذا حال من الضمير ~~في مكروا لا من قوله (وعند الله مكرهم) أي والحال أن مكرهم لم يكن لتزول ~~منه الجبال. PageV03P116 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق ~~عن ميمون بن مهران في قوله (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) قال: ~~هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله (ليوم تشخص فيه الأبصار) قال: شخصت فيه والله أبصارهم فلا ~~ترتد إليهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (مهطعين) ~~قال: يعنى بالإهطاع النظر من غير أن يطرف (مقنعي رؤوسهم) قال: الإقناع رفع ~~رؤوسهم (لا يرتد إليهم طرفهم) قال: شاخصة أبصارهم (وأفئدتهم هواء) ليس فيها ~~شئ من الخير، فهي كالخربة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد مهطعين ~~قال: مديمي النظر. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة مهطعين ~~قال: مسرعين. وأخرج هؤلاء عن قتادة في قوله (وأفئدتهم هواء) قال: ليس فيها ~~شئ، خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مرة وأفئدتهم ~~هواء قال: منخرقة لا تعي شيئا. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب) يقول: أنذرهم في الدنيا من قبل أن يأتيهم ~~العذاب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال (يوم يأتيهم العذاب) هو يوم القيامة. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس (ما لكم من زوال) قال: عما أنتم فيه إلى ms2014 ما ~~تقولون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في قوله (ما لكم من زوال) قال: بعث ~~بعد الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله (وسكنتم في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم) قال: عملتم بمثل أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في قوله (وإن كان مكرهم) يقول: ما كان مكرهم (لتزول منه الجبال). ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وإن كان مكرهم) ~~يقول شركهم كقوله - تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ~~- وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ~~علي ابن أبي طالب أنه قرأ هذه الآية (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ثم ~~فسرها فقال: إن جبارا من الجبابرة قال: # لا انتهى حتى أنظر إلى ما في السماء، فأمر بفراخ النسور تعلف اللحم حتى ~~شبت وغلظت. وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين، ثم جعل في وسطه خشبة، ثم ربط ~~أرجلهن بأوتاد، ثم جوعهن، ثم جعل على رأس الخشبة لحما، ثم دخل هو وصاحبه في ~~التابوت، ثم ربطهن إلى قوائم التابوت، ثم خلى عنهن يردن اللحم، فذهبن به ما ~~شاء الله، ثم قال لصاحبه افتح فانظر ماذا ترى، ففتح فقال: انظر إلى الجبال ~~كأنها الذباب، قال أغلق فأغلق، فطرن به ما شاء الله، ثم قال افتح ففتح، ~~فقال انظر ماذا ترى، فقال: ما أرى إلا السماء وما أراها تزداد إلا بعدا، ~~قال صوب الخشبة فصوبها فانقضت تريد اللحم، فسمع الجبال هدتها فكادت تزول عن ~~مراتبها. وقد روى نحو هذه القصة لبختنصر وللنمرود من طرق ذكرها في الدر ~~المنثور. # سورة إبراهيم الآية (47 - 50) PageV03P117 # سورة إبراهيم الآية (51 - 52) (مخلف) منتصب على أنه مفعول تحسبن. وانتصاب ~~رسله على أنه مفعول وعده، قيل وذلك على الاتساع، والمعنى: مخلف رسله وعده. ~~قال القتيبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير، والمؤخر الذي يوضحه التقديم ~~وسواء في ذلك مخلف وعده رسله ومخلف رسله وعده، ومثل ما في الآية قول ~~الشاعر: # ترى ms2015 الثور فيها مدخل الظل رأسه * وسائره باد إلى الشمس أجمع وقال ~~الزمخشري: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله - إن الله لا يخلف ~~الميعاد - ثم قال رسله ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا، وليس من شأنه ~~إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته والمراد بالوعد هنا ~~هو ما وعدهم سبحانه بقوله - إنا لننصر رسلنا - و - كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي - وقرئ " مخلف وعده رسله " بجر رسله ونصب وعده. قال الزمخشري: وهذه ~~القراءة في الضعف كمن قرأ: قتل أولادهم شركائهم (إن الله عزيز) غالب لا ~~يغالبه أحد (ذو انتقام) ينتقم من أعدائه لأوليائه والجملة تعليل للنهي، وقد ~~مر تفسيره في أول آل عمران (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قال الزجاج: انتصاب ~~يوم على البدل من يوم يأتيهم، أو على الظرف للانتقام انتهى، ويجوز أن ينتصب ~~بمقدر يدل عليه الكلام: أي واذكر أو وارتقب، والتبديل قد يكون في الذات كما ~~في بدلت الدراهم دنانير، وقد يكون في الصفات كما في بدلت الحلقة خاتما، ~~والآية تحتمل الأمرين، وقد قيل المراد تغير صفاتها، وبه قال الأكثر، وقيل ~~تغير ذاتها، ومعنى (والسماوات) أي وتبدل السماوات غير السماوات على ~~الاختلاف الذي مر (وبرزوا لله الواحد القهار) أي برز العباد لله أو ~~الظالمون كما يفيده السياق: أي ظهروا من قبورهم. أو ظهر من أعمالهم ما ~~كانوا يكتمونه، والتعبير على المستقبل بلفظ الماضي للتنبيه على تحقق وقوعه ~~كما في قوله - ونفخ في الصور - والواحد القهار المتفرد بالألوهية الكثير ~~القهر لمن عانده (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد) معطوف على برزوا ~~أو على تبدل، والمجئ بالمضارع لاستحضار الصورة، والمجرمون هم المشركون، ~~ويومئذ يعنى يوم القيامة، و (مقرنين) أي مشدودين إما بجعل بعضهم مقرونا مع ~~بعض، أو قرنوا مع الشياطين كما في قوله - نقيض له شيطانا فهو له قرين - أو ~~جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم، والأصفاد: الأغلال، والقيود، والجار ~~والمجرور متعلق بمقرنين أو حال من ضميره، يقال صفدته صفدا: أي قيدته، ~~والاسم الصفد، فإذا أردت ms2016 التكثير قلت صفدته. قال عمرو بن كلثوم: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا * وأبنا بالملوك مصفدينا وقال حسان بن ثابت: # من بين مأسور يشد صفاده * صقر إذا لاقى الكريهة حامى ويقال صفدته ~~وأصفدته: إذا أعطيته، ومنه قول النابغة: * ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد * ~~(سرابيلهم من قطران) السرابيل: القمص، وأحدها سربال، ومنه قول كعب بن مالك: # تلقاكم عصب حول النبي لهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل والقطران: هو ~~قطران الإبل الذي تهنأ به: أي قمصانهم من قطران تطلى به جلودهم حتى يعود ~~ذلك الطلاء PageV03P118 # كالسرابيل، وخص القطران لسرعة اشتعال النار فيه مع نتن رائحته. وقال ~~جماعة هو النحاس: أي قمصانهم من نحاس. وقرأ عيسى بن عمر " من قطران " بفتح ~~القاف وتسكين الطاء. وقرئ بكسر القاف وسكون الطاء، وقرئ بفتح القاف والطاء، ~~رويت هذه القراءة عن ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير ويعقوب، ~~وهذه الجملة في محل نصب على الحال (وتغشى وجوههم النار) أي تعلو وجوههم ~~وتضربها، وخص الوجوه لأنها أشرف ما في البدن، وفيها الحواس المدركة، ~~والجملة في محل نصب على الحال أيضا، و (ليجزى الله) متعلق بمحذوف: أي بفعل ~~ذلك بهم ليجزى (كل نفس ما كسبت) من المعاصي: أي جزاء موافقا لما كسبت من ~~خير أو شر (إن الله سريع الحساب) لا يشغله عنه شئ. وقد تقدم تفسيره (هذا ~~بلاغ) أي هذا الذي أنزل إليك بلاغ: أي تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير. ~~قيل إن الإشارة إلى ما ذكره سبحانه هنا من قوله - ولا تحسبن الله غافلا - ~~إلى سريع الحساب - أي هذا فيه كفاية من غير ما انطوت عليه السورة، وقيل ~~الإشارة إلى جميع السورة، وقيل إلى القرآن، ومعنى (للناس) للكفار، أو لجميع ~~الناس على ما قيل في قوله - وأنذر الناس -، (ولينذروا به) معطوف على محذوف: ~~أي لينصحوا ولينذروا به، والمعنى: وليخوفوا به، وقرئ " ولينذروا " بفتح ~~الياء التحتية والذال المعجمة، يقال نذرت بالشئ أنذر: إذا علمت به فاستعددت ~~له (وليعلموا أنما هو إله واحد) أي ليعلموا بالأدلة التكوينية المذكورة ~~سابقا وحدانية ms2017 الله سبحانه، وأنه لا شريك له (وليذكر أولوا الألباب) أي ~~وليتعظ أصحاب العقول، وهذه اللامات متعلقة بمحذوف، والتقدير: وكذلك أنزلنا، ~~أو متعلقة بالبلاغ المذكور: # أي كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله من الحجج ~~والبراهين وحدانيته سبحانه وأنه لا شريك له، وليتعظ بذلك أصحاب العقول التي ~~تعقل وتدرك. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (إن الله عزيز ذو ~~انتقام) قال: عزيز والله في أمره، يملى وكيده متين، ثم إذا انتقم انتقم ~~بقدرة. وأخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان قال " جاء رجل من اليهود إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في الظلمة دون الجسر ". ~~وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث عائشة. قالت " أنا أول من سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قلت: أين ~~الناس يومئذ؟ قال: على الصراط ". وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني في ~~الأوسط وابن مردويه والبيهقي في البعث وابن عساكر عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " في قول الله (يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض) قال: أرض بيضاء، كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل بها ~~خطيئة ". وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه ~~والبيهقي في البعث عنه موقوفا نحوه، قال البيهقي: الموقوف أصح. وأخرج ابن ~~جرير وابن مردويه عن زيد ابن ثابت قال " أتى اليهود النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: جاءوني يسألونني وسأخبرهم قبل أن يسألوني (يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض) قال: أرض بيضاء كالفضة، فسألهم فقالوا: أرض بيضاء كالنقي ". ~~وأخرج ابن مردويه مرفوعا عن علي نحو ما تقدم عن ابن مسعود. وأخرج ابن جرير ~~وابن مردويه عن أنس موقوفا نحوه، وقد روى نحو ذلك عن ms2018 جماعة من الصحابة، ~~وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقى ". ~~وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها PageV03P119 # الجبار بيده " الحديث. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (مقرنين ~~في الأصفاد) قال: الكبول. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة (في الأصفاد) قال: القيود والأغلال. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: في السلاسل. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (في الأصفاد) يقول: في وثاق. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن السدى (سرابيلهم) قال: قمصهم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ~~(من قطران) قال: قطران الإبل. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: ~~هذا القطران يطلى به حتى يشتعل نارا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: هو النحاس المذاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن ~~جبير أنه قرأ (من قطران) فقال القطر: الصفر، والآن: الحار. وأخرج أبو عبيد ~~وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة نحوه، وأخرج مسلم وغيره عن ~~أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " النائحة ~~إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب ~~". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (هذا بلاغ للناس) قال: ~~القرآن (ولينذروا به) قال القرآن. # تفسير سورة الحجر وهى تسع وتسعون آية وهى مكية بالاتفاق كما قال القرطبي. ~~وأخرج النحاس في ناسخه وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة الحجر بمكة. ~~وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله بسم الله الرحمن الرحيم سورة ~~الحجر الآية ms2019 (1 - 12) PageV03P120 # سورة الحجر الآية (13 - 15) قوله (الر) قد تقدم الكلام في محله مستوفى، ~~والإشارة بقوله (تلك) إلى ما تضمنته السورة من الآيات والتعريف في الكتاب. ~~قيل هو للجنس، والمراد جنس الكتب المتقدمة، وقيل المراد به القرآن، ولا ~~يقدح في هذا ذكر القرآن بعد الكتاب، فقد قيل إنه جمع له بين الاسمين، وقيل ~~المراد بالكتاب هذه السورة، وتنكير القرآن للتفخيم: أي القرآن الكامل (ربما ~~يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) قرأ نافع وعاصم بتخفيف الباء من ربما. # وقرأ الباقون بتشديدها، وهما لغتان. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون، ~~ومنه قول الشاعر: # * ربما ضربة بسيف صقيل * بين بصرى وطعنة نجلاء وتيم وربيعة يثقلونها. وقد ~~تزداد التاء الفوقية، وأصلها أن تستعمل في القليل. وقد تستعمل في الكثير. ~~قال الكوفيون أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين. ومنه قول ~~الشاعر: # رب رفد هرقته ذلك اليو * م وأسرى من معشر أقيال وقيل هي هنا للتقليل ~~لأنهم ودوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها لشغلهم بالعذاب. قيل وما هنا ~~لحقت رب لتهيئها للدخول على الفعل، وقيل هي نكرة بمعنى شئ، وإنما دخلت رب ~~هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل إلا على الماضي، لأن المترقب في أخباره ~~سبحانه كالواقع المتحقق، فكأنه قيل: ربما ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ~~أي منقادين لحكمه مذعنين له من جملة أهله. وكانت هذه الودادة منهم عند ~~موتهم أو يوم القيامة. والمراد أنه لما انكشف لهم الأمر واتضح بطلان ما ~~كانوا عليه من الكفر وأن الدين عند الله سبحانه هو الإسلام لا دين غيره ~~حصلت منهم هذه الودادة التي لا تسمن ولا تغنى من جوع. بل هي لمجرد التحسر ~~والتندم ولوم النفس على ما فرطت في جنب الله، وقيل كانت هذه الودادة منهم ~~عند معاينة حالهم وحال المسلمين، وقيل عند خروج عصاة الموحدين من النار، ~~والظاهر أن هذه الودادة كائنة منهم في كل وقت مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف ~~الأمر لهم (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) هذا تهديد لهم: ms2020 أي دعهم عما أنت بصدده من ~~الأمر لهم والنهى. فهم لا يرعوون أبدا ولا يخرجون من باطل ولا يدخلون في ~~حق، بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة الدنيا، فإنهم ~~كالأنعام التي لا تهتم إلا بذلك ولا تشتغل بغيره، والمعنى: اتركهم على ما ~~هم عليه من الاشتغال بالأكل ونحوه من متاع الدنيا ومن إلهاء الأمل لهم عن ~~اتباعك فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم. وفى هذا من التهديد والزجر ما ~~لا يقدر قدره، يقال ألهاه كذا: أي شغله، ولهى هو عن الشئ يلهى: أي شغلهم ~~الأمل عن اتباع الحق، وما زالوا في الآمال الفارغة والتمنيات الباطلة حتى ~~أسفر الصبح لذي عينين وانكشف الأمر ورأوا العذاب يوم القيامة، فعند ذلك ~~يذوقون وبال ما صنعوا. والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر، وهذه ~~الآية منسوخة بآية السيف (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) أي وما ~~أهلكنا قرية من القرى بنوع من أنواع العذاب (إلا ولها) أي لتلك القرية ~~(كتاب) أي أجل مقدر لا تتقدم عليه ولا تتأخر عنه (معلوم) غير مجهول ولا ~~منسى فلا يتصور التخلف عنه بوجه من الوجوه. وجملة (لها كتاب) في محل نصب ~~على الحال من قرية وإن كانت نكرة لأنها قد صارت بما فيها من العموم في حكم ~~الموصوفة، والواو للفرق بين كون هذه الجملة حالا، أو صفة فإنها تعينها ~~للحالية PageV03P121 # كقولك حالي رجل على كتفه سيف، وقيل إن الجملة صفة لقرية، والواو لتأكيد ~~اللصوق بين الصفة والموصوف (ما تسبق من أمة أجلها) أي ما تسبق أمة من الأمم ~~أجلها المضروب لها المكتوب في اللوح المحفوظ، والمعنى: أنه لا يأتي هلاكها ~~قبل مجئ أجلها (وما يستأخرون) أي وما يتأخرون عنه. فيكون مجئ هلاكهم بعد ~~مضى الأجل المضروب له وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر للحمل على المعنى ~~مع التغليب ولرعاية الفواصل، ولذلك حذف الجار والمجرور والجملة مبينة لما ~~قبلها، فكأنه قيل إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العقلاء، فإن لكل أمة ms2021 ~~وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر. وقد تقدم تفسير الأجل في ~~أول سورة الأنعام. ثم لما فرغ من تهديد الكفار شرع في بيان بعض عتوهم في ~~الكفر، وتماديهم في الغى مع تضمنه لبيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب بعد ~~بيان كفرهم بالكتاب، فقال (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر) أي قال: ~~كفار مكة مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومتهكمين به حيث ~~أثبتوا له إنزال الذكر عليه مع إنكارهم لذلك في الواقع أشد إنكار ونفيهم له ~~أبلغ نفى، أو أرادوا: بيا أيها الذي نزل عليه الذكر في زعمه، وعلى وفق ما ~~يدعيه (إنك لمجنون) أي إنك بسبب هذه الدعوى التي تدعيها من كونك رسولا لله ~~مأمورا بتبليغ أحكامه لمجنون، فإنه لا يدعى مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم ~~من كان عاقلا، فقولهم هذا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو كقول فرعون - ~~إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون - (لو ما تأتينا بالملائكة) لوما حرف ~~تحضيض مركب من لو المفيدة للتمني ومن ما المزيدة، فأفاد المجموع الحث على ~~الفعل الداخلة هي عليه، والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ~~(إن كنت من الصادقين). قال الفراء: الميم في لوما بدل من اللام في لولا. ~~وقال الكسائي: لولا ولوما سواء في الخبر والاستفهام. # قال النحاس: لوما ولولا وهلا واحد، وقيل المعنى: لوما تأتينا بالملائكة ~~فيعاقبونا على تكذيبنا لك (ما ننزل الملائكة إلا بالحق) قرئ " ما ننزل " ~~بالنون مبينا للفاعل، وهو الله سبحانه فهو على هذا من التنزيل، والمعنى على ~~هذه القراءة: قال الله سبحانه مجيبا على الكفار لما طلبوا إتيان الملائكة ~~إليهم ما ننزل نحن (الملائكة إلا بالحق) أي تنزيلا متلبسا بالحق الذي يحق ~~عنده تنزيلنا لهم فيما تقتضيه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية وليس هذا ~~الذي اقترحتموه مما يحق عنده تنزيل الملائكة وقرئ " ننزل " مخففا من ~~الإنزال: أي ما ننزل نحن الملائكة إلا بالحق، وقرئ " ما تنزل " بالمثناة من ~~فرق مضارعا مثقلا مبنيا للفاعل من التنزيل بحذف إحدى ms2022 التاءين: أي تتنزل، ~~وقرئ أيضا بالفوقية مضارعا مبنيا للمفعول، وقيل معنى إلا بالحق: إلا ~~بالقرآن، وقيل بالرسالة، وقيل بالعذاب (وما كانوا إذا منظرين) في الكلام ~~حذف، والتقدير: ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة وما كانوا إذا ~~منظرين: فالجملة المذكورة جزاء للجملة الشرطية المحذوفة، ثم أنكر على ~~الكفار استهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم (يا أيها الذي ~~نزل عليه الذكر إنك لمجنون)، فقال سبحانه (إنا نحن نزلنا الذكر) أي نحن ~~نزلنا ذلك الذكر الذي أنكروه ونسبوك بسببه إلى الجنون (وإنا له لحافظون) عن ~~كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك وفيه وعيد شديد ~~للمكذبين به المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل الضمير ~~في له لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والأول أولى بالمقام. ثم ذكر ~~سبحانه أن عادة أمثال هؤلاء الكفار مع أنبيائهم كذلك تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقال (ولقد أرسلنا من قبلك) أي رسلا وحذف لدلالة ~~الإرسال عليه: أي رسلا كائنة من قبلك (في شيع الأولين) في أممهم وأتباعهم ~~وسائر فرقهم وطوائفهم. قال الفراء: # الشيع الأمة التابعة بعضهم بعضا فيما يجتمعون عليه، وأصله من شاعه إذا ~~تبعه، وإضافته إلى الأولين من إضافة الصفة إلى الموصوف عند بعض النحاة، أو ~~من حذف الموصوف عند آخرين منهم (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا PageV03P122 # به يستهزءون) أي ما يأتي رسول من الرسل شيعته إلا كانوا به يستهزءون كما ~~يفعله هؤلاء الكفار مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجملة إلا كانوا به ~~يستهزءون في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها صفة رسول، أو في ~~محل جر على أنها صفة له على اللفظ لا على المحل (كذلك نسلكه في قلوب ~~المجرمين) أي مثل ذلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم (نسلكه) ~~أي الذكر (في قلوب المجرمين)، فالإشارة إلى ما دل عليه الكلام السابق من ~~إلقاء الوحي مقرونا بالاستهزاء، والسلك إدخال الشئ في الشئ كالخيط ms2023 في ~~المخيط، قاله الزجاج. # قال: والمعنى كما فعل بالمجرمين الذين استهزءوا نسلك الضلال في قلوب ~~المجرمين. وجملة (لا يؤمنون به) في محل نصب على الحال من ضمير نسلكه: أي لا ~~يؤمنون بالذكر الذي أنزلناه، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما قبلها فلا محل ~~لها، وقيل إن الضمير في نسلكه للاستهزاء، وفى لا يؤمنون به للذكر، وهو ~~بعيد، والأولى أن الضميرين للذكر (وقد خلت سنة الأولين) أي مضت طريقتهم ~~التي سنها الله في إهلاكهم، حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء. ~~وقال الزجاج: وقد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضلال في ~~قلوبهم. ثم حكى الله سبحانه إصرارهم على الكفر وتصميمهم على التكذيب ~~والاستهزاء، فقال (ولو فتحنا عليهم) أي على هؤلاء المعاندين لمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم المكذبين له المستهزئين به (بابا من السماء) أي من أبوابها ~~المعهودة ومكناهم من الصعود إليه (فظلوا فيه) أي في ذلك الباب (يعرجون) ~~يصعدون بآلة أو بغير آلة حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت التي ~~لا يجحدها جاحد ولا يعاند عند مشاهدتها معاند، وقيل الضمير في فظلوا ~~للملائكة: # أي فظل الملائكة يعرجون في ذلك الباب، والكفار يشاهدونهم وينظرون صعودهم ~~من ذلك الباب (لقالوا) أي الكفار لفرط عنادهم وزيادة عتوهم (إنما سكرت ~~أبصارنا) قرأ ابن كثير سكرت بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد وهو من سكر ~~الشراب، أو من السكر، وهو سدها عن الإحساس، يقال سكر النهر: إذا سده وحبسه ~~عن الجري، ورجع الثاني بقراءة التخفيف. وقال أبو عمرو بن العلاء: سكرت غشيت ~~وغطيت، ومنه قول الشاعر: # وطلعت شمس عليها مغفر * وجعلت عين الجزور تسكر وبه قال أبو عبيد وأبو ~~عبيدة. وروى عن أبي عمرو أيضا أنه من سكر الشراب: أي غشيهم ما غطى أبصارهم ~~كما غشى السكران ما غطى عقله، وقيل معنى سكرت حبست كما تقدم، ومنه قول أوس ~~بن حجر: # فصرت على ليلة ساهره * فليست بطلق ولا ساكره قال النحاس: وهذه الأقوال ~~متقاربة (بل نحن قوم مسحورون) أضربوا عن قولهم سكرت ms2024 أبصارنا ثم ادعوا أنهم ~~مسحورون: أي سحرهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وفى هذا بيان لعنادهم ~~العظيم الذي لا يقلعهم عنه شئ من الأشياء كائنا ما كان، فإنهم إذا رأوا آية ~~توجب عليهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله نسبوا إلى أبصارهم أن ~~إدراكها غير حقيقي لعارض السكر، أو أن عقولهم قد سحرت فصار إدراكهم غير ~~صحيح، ومن بلغ في التعنت إلى هذا الحد فلا تنفع فيه موعظة، ولا يهتدى بآية. # وقد أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (تلك آيات الكتاب) قال: التوراة ~~والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في (تلك ~~آيات الكتاب) قال: الكتب التي كانت قبل القرآن (وقرآن مبين) قال: مبين ~~والله هداه ورشده وخيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وابن مسعود وناس ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين) قال: ود المشركون يوم بدر حين PageV03P123 # ضربت أعناقهم فعرضوا على النار أنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية قال: هذا في الجهنميين ~~إذا رأوهم يخرجون من النار. وأخرج سعيد بن منصور وهناد بن السرى في الزهد ~~وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن ~~عباس قال: ما يزال الله يشفع ويدخل ويشفع ويرحم حتى يقول: من كان مسلما ~~فليدخل الجنة، فذلك قوله (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين). وأخرج ~~ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في ~~البعث عن ابن عباس وأنس أنهما تذاكرا هذه الآية (ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين) فقالا: هذا حيث يجمع الله من أهل الخطايا من المسلمين ~~والمشركين في النار، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضب ~~الله لهم فيخرجهم بفضله ورحمته. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه ~~بسند، قال السيوطي صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ms2025 صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء ~~الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون ما نرى ما كنتم فيه من ~~تصديقكم نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار، ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) " وأخرج ~~ابن أبي عاصم في السنة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مرفوعا نحوه. وأخرج إسحاق بن ~~راهويه وابن حبان والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه ~~أيضا. وأخرج هناد بن السرى والطبراني في الأوسط وأبو نعيم عن أنس مرفوعا ~~نحوه أيضا. وفى الباب أحاديث في تعيين هذا السبب في نزول هذه الآية. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) الآية قال: هؤلاء ~~الكفرة. وأخرج أيضا عن أبي مالك في قوله (ذرهم) قال: خل عنهم. وأخرج ابن ~~جرير عن الزهري في قوله (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) قال: نرى أنه ~~إذا حضره أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم، وأما ما لم يحضر أجله فإن الله ~~يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء. قلت: وكلام الزهري هذا لا حاصل له ولا مفاد فيه. ~~وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) قال: ~~القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله (ما ننزل الملائكة إلا بالحق) قال: بالرسالة والعذاب. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن السدى في قوله (وما كانوا إذا منظرين) قال: وما كانوا لو نزلت ~~الملائكة بمنظرين من أن يعذبوا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد (وإنا له لحافظون) قال: عندنا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (في شيع الأولين) قال: أمم ~~الأولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في ms2026 قوله (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين) ~~قال: الشرك نسلكه في قلوب المشركين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~المنذر عن الحسن مثله أيضا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة (وقد خلت سنة الأولين) قال: وقائع الله فيمن خلا من ~~الأمم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله (فظلوا فيه يعرجون) ~~قال ابن جريج: قال ابن عباس: فظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم لقالوا (إنما ~~سكرت أبصارنا) قال: قريش تقوله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم في الآية عن ابن عباس أيضا يقول: ولو فتحنا عليهم بابا من ~~أبواب السماء فظلت الملائكة تعرج فيه يختلفون فيه ذاهبين وجائين لقال أهل ~~الشرك: إنما أخذ أبصارنا وشبه علينا، وإنما سحرنا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد سكرت أبصارنا: قال سدت. وأخرج ابن جرير عن ~~قتادة نحوه قال: ومن قرأ " سكرت " مخففة، فإنه يعنى سحرت. PageV03P124 # سورة الحجر الآية (16 - 25) لما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم وعجز ~~أصنامهم، ذكر قدرته الباهرة وخلقه البديع ليستدل بذلك على وحدانيته، فقال ~~(ولقد جعلنا في السماء بروجا) الجعل إن كان بمعنى الخلق، ففي السماء متعلق ~~به، وإن كان بمعنى التصيير ففي السماء خبره، والبروج في اللغة: القصور ~~والمنازل، والمراد بها هنا منازل الشمس والقمر والنجوم السيارة، وهى الاثنا ~~عشر المشهورة كما تدل على ذلك لتجربة، والعرب تعد المعرفة بمواقع النجوم ~~ومنازلها من أجل العلوم، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب، ~~وقالوا الفلك اثنا عشر برجا، وأسماء هذه البروج: الحمل، الثور، الجوزاء، ~~السرطان، الأسد، السنبلة، الميزان، العقرب، والقوس، الجدي، الدلو، الحوت. ~~كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة المشتغلين بهذا العلم، ~~ويسمون الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة ~~أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت ~~مثلثة مائية. وأصل البروج الظهور. ومنه ms2027 تبرج المرأة بإظهار زينتها. وقال ~~الحسن وقتادة: البروج النجوم، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها - وقيل: السبعة ~~السيارة منها قاله أبو صالح: # وقيل: هي قصور وبيوت في السماء فيها حرس، والضمير في وزيناها راجع إلى ~~السماء: أي وزينا السماء بالشمس والقمر والنجوم والبروج للناظرين إليها: أو ~~للمتفكرين المعتبرين المستدلين إذا كان من النظر. وهو الاستدلال (وحفظناها) ~~أي السماء (من كل شيطان رجيم) قال أبو عبيدة الرجيم المرجوم بالنجوم، كما ~~في قوله - رجوما للشياطين - والرجم في اللغة هو الرمي بالحجارة، ثم قيل ~~للعن والطرد والإبعاد رجم، لأن الرامي بالحجارة يوجب هذه المعاني (إلا من ~~استرق السمع) استثناء متصل: أي إلا ممن استرق السمع، ويجوز أن يكون منقطعا: ~~أي ولكن من استرق السمع (فأتبعه شهاب مبين) والمعنى: حفظنا السماء من ~~الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنها تتبعه ~~الشهب فتقتله أو تخبله: ومعنى فأتبعه: تبعه ولحقه أو أدركه. والشهاب: ~~الكوكب أو النار المشتعلة الساطعة كما في قوله - بشهاب قبس - قال ذو الرمة: ~~* كأنه كوكب في إثر عفريت * وسمى الكوكب شهابا لبريقه شبه النار، والمبين: ~~الظاهر للمبصرين يرونه لا يلتبس عليهم. قال القرطبي: واختلف في الشهاب هل ~~يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس: الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن ~~وطائفة: يقتل. PageV03P125 # فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما ~~أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم فلا تصل أخبار ~~السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني أنهم يقتلون بعد ~~إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، قال ذكره الماوردي، ثم ~~قال: والقول الأول أصح. قال: واختلف هل كان رمى بالشهب قبل المبعث، فقال ~~الأكثرون نعم، وقيل لا وإنما ذلك بعد المبعث. قال الزجاج: والرمي بالشهب من ~~آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما حدث بعد مولده لأن الشعراء في ~~القديم لم يذكروه في أشعارهم. # قال كثير من أهل العلم: نحن نرى انقضاض الكواكب. فيجوز أن يكون ms2028 ذلك كما ~~نرى، ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان. ويجوز أن يقال يرمون بشعلة من نار ~~الهواء فيخيل إلينا أنه نجم يسرى (والأرض مددناها) أي بسطناها وفرشناها كما ~~في قوله - والأرض بعد ذلك دحاها - وفى قوله - والأرض فرشناها فنعم الماهدون ~~- وفيه رد على من زعم أنها كالكرة (وألقينا فيها رواسي) أي جبال ثابتة لئلا ~~تحرك بأهلها، وقد تقدم بيان ذلك في سورة الرعد (وأنبتنا فيها من كل شئ ~~موزون) أي أنبتنا في الأرض من كل شئ مقدر معلوم، فعبر عن ذلك بالوزن لأنه ~~مقدار تعرف به الأشياء ومنه قول الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه وقيل معنى موزون ~~مقسوم، وقيل معدود، والمقصود من الإثبات الإنشاء والإيجاد، وقيل الضمير ~~راجع إلى الجبال: أي أنبتنا في الجبال من كل شئ موزون من الذهب والفضة ~~والنحاس والرصاص ونحو ذلك، وقيل موزون بميزان الحكمة، ومقدر بقدر الحاجة، ~~وقيل الموزون هو المحكوم بحسنه كما يقال كلام موزون. أي حسن (وجعلنا لكم ~~فيها معايش) تعيشون بها من المطاعم والمشارب جمع معيشة، وقيل هي الملابس. ~~وقيل هي التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة. قال الماوردي: وهو الظاهر. قلت: ~~بل القول الأول أظهر، ومنه قول جرير: # تكلفني معيشة آل زيد * ومن لي بالمرقق والضباب (ومن لستم له برازقين) ~~معطوف على معايش: أي وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين: وهم المماليك ~~والخدم والأولاد الذين رازقهم في الحقيقة هو الله. وإن ظن بعض العباد أنه ~~الرازق لهم باعتبار استقلاله بالكسب، ويجوز أن يكون معطوفا على محل لكم: أي ~~جعلنا لكم فيها معايش وجعلنا لمن لستم له برازقين فيها معايش، وهم من تقدم ~~ذكره، ويدخل في ذلك الدواب على اختلاف أجناسها. ولا يجوز العطف على الضمير ~~المجرور في لكم لأنه لا يجوز عند الأكثر إلا بإعادة الجار، وقيل أراد الوحش ~~(وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) إن هي النافية ومن مزيدة للتأكيد، وهذا ~~التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من، ومع لفظ ms2029 شئ المتناول ~~لكل الموجودات الصادق على كل فرد منها. فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند الله ~~خزائنها لا يخرج منها شئ: والخزائن جمع خزانة: وهى المكان الذي يحفظ فيه ~~نفائس الأمور. وذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور، والمعنى: # أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجوب بمقدار كيف ~~شاء. وقال جمهور المفسرين: إن المراد بما في هذه الآية هو المطر. لأنه سبب ~~الأرزاق والمعايش، وقيل الخزائن المفاتيح: أي ما من شئ إلا عندنا في السماء ~~مفاتيحه. والأولى ما ذكرناه من العموم لكل موجود. بل قد يصدق الشئ على ~~المعدوم على الخلاف المعروف في ذلك (وما ننزله إلا بقدر معلوم) أي ما ننزله ~~من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد إلا بقدر معلوم. # والقدر والمقدار، والمعنى: أن الله سبحانه لا يوجد للعباد شيئا من تلك ~~الأشياء المذكورة إلا متلبسا ذلك الإيجاد PageV03P126 # بمقدار معين حسبما تقتضيه مشيئته على مقدار حاجة العباد إليه كما قال ~~سبحانه - ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ~~- وقد فسر الإنزال بالإعطاء، وفسر بالإنشاء، وفسر بالإيجاد، والمعنى ~~متقارب، وجملة وما ننزله معطوفة على مقدر: أي وإن من شئ إلا عندنا خزائنه ~~ننزله وما ننزله، أو في محل نصب على الحال (وأرسلنا الرياح لواقح) معطوف ~~على (وجعلنا لكم فيها معايش) وما بينهما اعتراض. قرأ حمزة " الريح " ~~بالتوحيد. وقرأ من عداه " الرياح " بالجمع، وعلى قراءة حمزة فتكون اللام في ~~الريح للجنس قال الأزهري (وجعل الرياح لواقح) لأنها تحمل السحاب: أي تقله ~~وتصرفه، ثم تمر به فتنزله. قال الله سبحانه - حتى إذا أقلت سحابا ثقالا -: ~~أي حملت. وناقة لاقح: إذا حملت الجنين في بطنها، وبه قال الفراء وابن ~~قتيبة، وقيل لواقح بمعنى ملقحة. قال ابن الأنباري: تقول العرب: أبقل النبت ~~فهو بأقل: أي مبقل، والمعنى: أنها تلقح الشجر: أي بقوتها: وقيل معنى لواقح: ~~ذوات لقح. قال الزجاج: معناه وذات لقحة، لأنها تعصر السحاب وتدره الله كما ~~تدر اللقحة، يقال رامح: أي ذو ms2030 رمح، ولابن: أي ذو لبن، وتامر: أي ذو تمر. ~~قال أبو عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح، ذهب إلى أنها جمع ملقحة. وفى هذه الآية ~~تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل، ولقاح الشجر بلقاح الحمل (وأنزلنا ~~من السماء ماء) أي من الحساب وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، وقيل من جهة ~~السماء، والمراد بالماء هنا ماء المطر (فأسقيناكموه) أي جعلنا ذلك المطر ~~لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم. # قال أبو علي: يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروى، وأسقيته نهرا: أي ~~جعلته شربا له، وعلى هذا فأسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه: قال وقيل سقى ~~وأسقى بمعنى واحد (وما أنتم له بخازنين) أي ليست خزائنه عندكم، بل خزائنه ~~عندنا. ونحن الخازنون له، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه في قوله - وإن ~~من شئ إلا عندنا خزائنه - وقيل المعنى: إن ما أنتم له بخازنين بعد أن ~~أنزلناه عليكم: أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والغدران والعيون، بل نحن ~~الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه (وإنا لنحن نحيى ونميت) ~~أي نوجد الحياة في المخلوقات و نسلبها عنها متى شئنا. والغرض من ذلك ~~الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته عز وجل، وأنه القادر على البعث ~~والنشور والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه وتقتضيه مشيئته، ولهذا قال ~~(ونحن الوارثون) أي للأرض ومن عليها. لأنه سبحانه الباقي بعد فناء خلقه، ~~الحي الذي لا يموت. الدائم الذي لا ينقطع وجوده، - ولله ميراث السماوات ~~والأرض - (ولقد علمنا المستقدمين منكم) هذه اللام هي الموطئة للقسم، وهكذا ~~اللام في (ولقد علمنا المستأخرين). والمراد من تقدم ولادة وموتا. ومن تأخر ~~فيهما، وقيل من تقدم طاعة ومن تأخر فيها، وقيل من تقدم في صف القتال ومن ~~تأخر، وقيل المراد بالمستقدمين الأموات، وبالمستأخرين الأحياء، وقيل ~~المستقدمين هم الأمم المتقدمون على أمة محمد. والمستأخرون هم أمة محمد، ~~وقيل المستقدمون من قتل في الجهاد، والمستأخرون من لم يقتل (وإن ربك هو ~~يحشرهم) أي هو المتولي لذلك القادر عليه دون غيره كما يفيده ضمير الفصل من ms2031 ~~الحصر. # وفيه أنه سبحانه يجازى المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته. لأنه الأمر ~~المقصود من الحشر (إنه حكيم) يجرى الأمور على ما تقتضيه حكمته البالغة ~~(عليم) أحاط علمه بجميع الأشياء لا يخفى عليه شئ منها، ومن كان كذلك فله ~~القدرة البالغة على كل شئ مما وسعه علمه، وجرى فيه حكمه سبحانه لا إله إلا ~~هو. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (ولقد ~~جعلنا في السماء بروجا) قال: # كواكب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن أبي صالح قال: الكواكب العظام. وأخرج أيضا عن عطية قال: قصورا في السماء ~~فيها الحرس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن PageV03P127 # أبى حاتم عن قتادة قال الرجيم: الملعون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (إلا من استرق السمع) أراد أن يخطف السمع كقوله - إلا من ~~خطف الخطفة -. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان ابن عباس " ~~يقول إن الشهب لا تقتل، ولكن تحرق وتخبل وتجرح من غير أن تقتل ". وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عنه في قوله (وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) قال: معلوم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (من كل شئ موزون) قال: بقدر. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال الأشياء التي توزن. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ما أنبتت ~~الجبال مثل الكحل وشبهه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (ومن لستم له برازقين) قال: الدواب والأنعام. وأخرج هؤلاء عن ~~منصور قال: الوحش. وأخرج البزار وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " خزائن الله الكلام، ~~فإذا أراد شيئا قال له كن فكان ". وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله (إلا ~~عندنا خزائنه) قال: المطر خاصة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ms2032 ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال " ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن ~~تمطر أرض أكثر مما تمطر أخرى ثم قرأ وما ننزله إلا بقدر معلوم ". وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال " ما من عام بأمطر من عام. ~~ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ - وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم ". # وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني عن ابن مسعود في قوله (وأرسلنا الرياح لواقح) قال: يرسل الله ~~الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال: يبعث الله ~~المبشرة فتقم الأرض قما. ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب فتجعله كسفا ثم يبعث ~~المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركاما، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فتمطر. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف ~~عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ريح ~~الجنوب من الجنة. وهى الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه ". وأخرج ~~الطيالسي وسعيد ابن منصور وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه ~~عن ابن عباس قال " كانت امرأة تصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~حسناء من أحسن النساء، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا ~~يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، ~~فأنزل الله - ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين " وهذا ~~الحديث هو من رواية أبى الجوزاء عن ابن عباس. وقد رواه عبد الرزاق وابن ~~المنذر من قول أبى الجوزاء قال الترمذي: وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ابن ~~كثير: في ms2033 هذا الحديث نكارة شديدة. وأخرج الحاكم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~الآية قال: المستقدمين الصفوف المقدمة، والمستأخرين: الصفوف المؤخرة. وقد ~~وردت أحاديث كثيرة في أن خبر صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف ~~النساء آخرها، وشرها أولها. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ومقاتل بن حبان أن ~~الآية في صفوف القتال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: ~~المستقدمين في طاعة الله، والمستأخرين في معصية الله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: يعنى بالمستقدمين من ~~مات، وبالمستأخرين من هو حي لم يمت. PageV03P128 # وأخرج هؤلاء عنه أيضا قال: المستقدمين آدم ومن مضى من ذريته، والمستأخرين ~~في أصلاب الرجال. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة نحوه. # سورة الحجر الآية (26 - 44) المراد بالإنسان في قوله (ولقد خلقنا ~~الإنسان) هو آدم لأنه أصل هذا النوع، والصلصال قال أبو عبيدة: # هو الطين المخلوط بالرمل الذي يتصلصل إذا حرك. فإذا طبخ في النار فهو ~~الفخار. وهذا قول أكثر المفسرين. # وقال الكسائي: هو الطين المنن، مأخوذ من قول العرب صل اللحم وأصل: إذا ~~أنتن، مطبوخا كان أو نيئا. # قال الحطيئة: ذاك فتى يبذل ذا قدرة * لا يفسد اللحم لديه الصلول والحمأ: ~~الطين الأسود المتغير. أو الطين الأسود من غير تقييد بالمتغير. قال ابن ~~السكيت: تقول منه حمأت البئر حمأ بالتسكين: إذا نزعت حمأتها. وحمئت البئر ~~حمأ بالتحريك: كثرت حمأتها، وأحميتها إحماء: ألقيت فيها الحمأة. قال أبو ~~عبيدة: الحمأة بسكون الميم مثل الحمأة يعنى بالتحريك، والجمع حمء مثل تمرة ~~وتمر، والحمأ المصدر مثل الهلع والجزع. ثم سمى به. والمسنون قال الفراء: هو ~~المتغير، وأصله من سننت الحجر على الحجر: # إذا حككته، وما يخرج بين الحجرين يقال له السنانة والسنين، ومنه قول عبد ~~الرحمن بن حسان: # ثم حاصرتها إلى القبة الحمرا * تمشى في مرمر وسنون أي محكوك، ويقال: أسن ~~الماء إذا تغير. ومنه قوله - لم يتسنه - وقوله - ماء غير آسن - وكلا ~~الاشتقاقين يدل على التغير، لأن ما ms2034 يخرج بين الحجرين لا يكون إلا منتنا. ~~وقال أبو عبيدة: المسنون المصوب، وهو من قول PageV03P129 # العرب سننت الماء على الوجه: إذا صببته، والسن الصب. وقال سيبويه: ~~المسنون المصور، مأخوذ من سنة الوجه، وهى صورته، ومنه قول ذي الرمة: # تريك سنة وجه غير مقرفة * ملساء ليس بها خال ولا ندب وقال الأخفش: ~~المسنون المنصوب القائم، من قولهم وجه مسنون: إذا كان فيه طول. والحاصل على ~~هذه الأقوال أن التراب لما بل صار طينا، فلما أنتن صار حمأ مسنونا، فلما ~~يئس صار صلصالا. فأصل الصلصال: # هو الحمأ المسنون، ولهذا وصف بهما (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) ~~الجان أبو الجن عند جمهور المفسرين. وقال عطاء والحسن وقتادة ومقاتل: هو ~~إبليس. وسمى جانا لتواريه عن الأعين. يقال: جن الشئ إذا ستره. فالجان يستر ~~نفسه عن أعين بني آدم، ومعنى من قبل: من قبل خلق آدم، والسموم: الريح ~~الحادة النافذة في المسام، تكون بالنهار وقد تكون بالليل، كذا قال أبو ~~عبيدة، وذكر خلق الإنسان والجان في هذا الموضع للدلالة على كمال القدرة ~~الإلهية، وبيان أن القادر على النشأة الأولى قادر على النشأة الأخرى (وإذ ~~قال ربك للملائكة) الظرف منصوب بفعل مقدر: أي أذكر، بين سبحانه بعد ذكره ~~لخلق الإنسان ما وقع عند خلقه له وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة، والبشر ~~مأخوذ من البشرة، وهى ظاهر الجلد، وقد تقدم تفسير الصلصال والحمأ المسنون ~~قريبا مستوفى (فإذا سويته) أي سويت خلقه وعدلت صورته الإنسانية وكملت ~~أجزاءه (ونفخت فيه من روحي) النفخ: إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، فمن قال ~~إن الروح جسم لطيف كالهواء فمعناه ظاهر: # ومن قال: إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز. فمعنى النفخ عنده ~~تهيئة البدن لتعلق النفس الناطقة به. قال النيسابوري: ولا خلاف في أن ~~الإضافة في روحي للتشريف والتكريم، مثل ناقة الله، وبيت الله. قال القرطبي: ~~والروح: جسم لطيف أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم. ~~وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح ms2035 خلق من خلقه اضافه إلى نفسه تشريفا ~~وتكريما، قال: ومثله - وروح منه -. وقد تقدم في النساء (فقعوا له ساجدين) ~~الفاء تدل على أن سجودهم واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير تراخ، وهو ~~أمر بالوقوع من وقع يقع. وفيه دليل على أن المأمور به هو السجود لا مجرد ~~الانحناء كما قيل، وهذا السجود هو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة ولله أن ~~يكرم من يشاء من مخلوقاته كيف يشاء بما يشاء، وقيل كان السجود لله تعالى ~~وكان آدم قبله لهم (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) أخبر سبحانه بأن الملائكة ~~سجدوا جميعا عند أمر الله سبحانه لهم بذلك من غير تراخ، قال المبرد: قوله ~~كلهم أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجد، وقوله أجمعون توكيد بعد توكيد، ~~ورجح هذا الزجاج. قال النيسابوري: وذلك لأن أجمع معرفة فلا يقع حالا ولو صح ~~أن يكون حالا لكان منتصبا، ثم استثنى إبليس من الملائكة فقال (إلا إبليس ~~أبى أن يكون مع الساجدين) قيل هذا الاستثناء متصل لكونه كان من جنس ~~الملائكة ولكنه أبى ذلك استكبارا واستعظاما لنفسه وحسدا لآدم فحقت عليه ~~كلمة الله، وقيل إنه لم يكن من الملائكة ولكنه كان معهم فغلب اسم الملائكة ~~عليه وأمر بما أمروا به، فكان الاستثناء بهذا الاعتبار متصلا، وقيل إن ~~الاستثناء منفصل بناء على عدم كونه منهم، وعدم تغليبهم عليه: أي ولكن إبليس ~~أبى أن يكون مع الساجدين وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة، وجملة ~~(أبى أن يكون مع الساجدين) استئناف مبين لكيفية ما فيهم من الاستثناء من ~~عدم السجود، لأن عدم السجود قد يكون مع التردد فبين سبحانه أنه كان على وجه ~~الإباء، وجملة (قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين) مستأنفة أيضا ~~جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله سبحانه لإبليس بعد أن أبى ~~السجود؟ وهذا الخطاب له ليس للتشريف والتكريم، بل للتقريع والتوبيخ. ~~والمعنى: PageV03P130 # أي غرض لك في الامتناع، وأي سبب حملك عليه على أن لا تكون مع الساجدين ~~لآدم ms2036 مع الملائكة وهم في الشرف وعلو المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي ~~قد علمتها، وجملة (قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون) ~~مستأنفة كالتي قبلها، جعل العلة لترك سجوده كون آدم بشرا مخلوقا من صلصال ~~من حمأ مسنون زعما منه أنه مخلوق من عنصر أشرف من عنصر آدم، وفيه إشارة ~~إجمالية في كونه خيرا منه. وقد صرح بذلك في موضع آخر. فقال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين - وقال في موضع آخر - أأسجد لمن خلقت طينا - ~~واللام في لأسجد لتأكيد النفي: أي لا يصح ذلك منى، فأجاب الله سبحانه عليه ~~بقوله (قال فأخرج منها فإنك رجيم) والضمير في منها، قيل عائد إلى الجنة، ~~وقيل إلى السماء، وقيل إلى زمرة الملائكة: أي فأخرج من زمرة الملائكة فإنك ~~رجيم أي مرجوم بالشهب. وقيل معنى رجيم ملعون: أي مطرود لأن من يطرد يرجم ~~بالحجارة (وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين) أي عليك الطرد والإبعاد من رحمة ~~الله سبحانه مستمرا عليك لازما لك إلى يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وجعل ~~يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت، لأن المراد دوامها ~~من غير انقطاع، وذكر يوم الدين للمبالغة كما في قوله تعالى - ما دامت ~~السماوات والأرض - أو أن المراد أنه في يوم الدين وما بعده يعذب بما هو أشد ~~من اللعن من أنواع العذاب. فكأنه لا يجد له ما كان يجده قبل أن يمسه العذاب ~~(قال رب فأنظرني) أي أخرني وأمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعثون: أي آدم ~~وذريته. طلب أن يبقى حيا إلى هذا اليوم لما سمع ذلك علم أن الله قد أخر ~~عذابه إلى الدار الآخرة وكأنه طلب أن لا يموت أبدا، لأنه إذا أخر موته إلى ~~ذلك اليوم فهو يوم لا موت فيه، وقيل إنه لم يطلب أن لا يموت، بل طلب أن ~~يؤخر عذابه إلى يوم القيامة ولا يعذب في الدنيا (قال فإنك من المنظرين) لما ~~سأل الإنظار أجابه الله سبحانه ms2037 إلى ما طلبه وأخبره بأنه من جملة من أنظره ~~ممن أخر آجالهم من مخلوقاته، أو من جملة من أخر عقوبتهم بما اقترفوا، ثم ~~بين سبحانه الغاية التي أمهله إليها. فقال (إلى يوم الوقت المعلوم) وهو يوم ~~القيامة فإن يوم الدين ويوم يبعثون ويوم الوقت المعلوم كلها عبارات عن يوم ~~القيامة، وقيل المراد بالوقت المعلوم هو الوقت القريب من البعث، فعند ذلك ~~يموت (قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض) الباء للقسم، وما مصدرية، ~~وجواب القسم لأزينن لهم: أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم في الأرض: أي ما ~~داموا في الدنيا، والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وأيقاعهم فيها - أو ~~يشغلهم بزينة الدنيا عن فعل ما أمرهم الله به فلا يلتفتون إلى غيرها. ~~وإقسامه ها هنا باغواء الله له لا ينافي أقسامه في موضع آخر بعزة الله التي ~~هي سلطانه وقهره، لأن الإغراء له هو من جملة ما تصدق عليه العزة (ولأغوينهم ~~أجمعين) أي لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في طريق الغواية وأحملهم عليها ~~(إلا عبادك منهم المخلصين) قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام: أي ~~الذين استخلصتهم من العباد. وقرأ الباقون بكسر اللام: أي الذين أخلصوا لك ~~العبادة فلم يقصدوا بها غيرك (قال هذا صراط على مستقيم) أي حق على أن ~~أراعيه. وهو أن لا يكون لك على عبادي سلطان. قال الكسائي: هذا على الوعيد ~~والتهديد، كقولك لمن تهدده: طريقك على ومصيرك إلي. وكقوله - إن ربك ~~لبالمرصاد - فكأن معنى هذا الكلام هذا طرق مرجعه إلى فأجازي كلا بعمله وقيل ~~على هنا بمعنى إلي، وقيل المعنى على أن الصراط المستقيم بالبيان والحجة، ~~وقيل بالتوفيق والهداية. وقرأ ابن سيرين وقتادة والحسن وقيس بن عباد وأبو ~~رجاء وحميد ويعقوب " هذا صراط على " على أنه صفة مشبهة، ومعناه رفيع (إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان) المراد بالعباد هنا هم المخلصون، والمراد أنه لا ~~تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به ولا يتوبون منه. فلا ينافي هذا ما ~~وقع من آدم وحواء ونحوهما، ms2038 فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه (إلا من اتبعك ~~من الغاوين) استثنى سبحانه من عباده هؤلاء، وهم المتبعون لإبليس ~~PageV03P131 # من الغاوين عن طريق الحق الواقعين في الضلال، وهو موافق لما قاله إبليس ~~اللعين من قوله لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، ويمكن أن يقال: ~~إن بين الكلامين فرقاه (فكلام الله سبحانه فيه نفى سلطان إبليس على جميع ~~عباده إلا من اتبعه من الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع ~~إبليس من الغاوين، وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلا المخلصين ~~فدخل فيهم من لم يكن مخلصا ولا تابعا لإبليس غاويا. والحاصل أن بين ~~المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن مخلصة ولا غاوية تابعة ~~لإبليس، وقد قيل إن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون، ويدل على ذلك ~~قوله تعالى - إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون -، ثم قال ~~الله سبحانه متوعدا لأتباع إبليس (وإن جهنم لموعدهم أجمعين). أي موعد ~~المتبعين الغاوين، وأجمعين تأكيد للضمير أو حال (لها سبعة أبواب) يدخل أهل ~~النار منها وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها (لكل باب منهم أي من الأتباع ~~الغواة (جزء مقسوم) أي قدر معلوم متميز عن غيره، وقيل المراد بالأبواب ~~الأطباق طبق فوق طبق، وهى: جهنم، ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير، ثم سقر ثم ~~الجحيم، ثم الهاوية، فأعلاها للموحدين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، ~~والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين والسابعة ~~للمنافقين، فجهنم أعلى الطباق، ثم ما بعدها تحتها، ثم كذلك، كذا قيل: # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: ~~خلق الإنسان من ثلاث من طين لازب وصلصال وحمأ مسنون، فالطين اللازب: اللازم ~~الجيد، والصلصال: المدقق الذي يصنع منه الفخار، والحمأ المسنون: الطين الذي ~~فيه الحمأة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عنه قال: الصلصال الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتشقق ثم ~~تصير مثل الخزف الرقاق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ms2039 عنه أيضا ~~قال: الصلصال هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا: قال الصلصال طين خلط برمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا. قال: ~~الصلصال الذي إذا ضربته صلصل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا. قال: الصلصال ~~الطين تعصر بيدك فيخرج الماء من بين أصابعك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (من حمأ مسنون) قال، من طين رطب: # وأخرج هؤلاء عنه أيضا (من حمأ مسنون) قال: من طين منتن. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا قال: الجان مسيخ الجن كالقردة والخنازير مسيخ الإنس. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الجان. هو ~~إبليس خلق من قبل آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والجان ~~خلقناه من قبل من نار السموم) قال: من أحسن النار. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: نار السموم الحارة التي تقتل. وأخرج ~~الطيالسي والفريابي وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن مسعود قال: السموم. التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءا من ~~نار جهنم، ثم قرأ (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) وأخرجه ابن مردويه ~~عنه مرفوعا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون) قال: أراد إبليس لا يذوق الموت فقيل إنك من ~~المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، قال: النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين ~~النفخة والنفخة أربعون سنة. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~سيرين (هذا صراط على مستقيم) أي رفيع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لها سبعة أبواب) بعدد ~~أطباق جهنم كما قدمنا. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد ~~وهناد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم ms2040 ~~PageV03P132 # والبيهقي في البعث من طرق عن علي قال: أطباق جهنم سبعة بعضها فوق بعض، ~~فيملأ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث حتى: تملأ كلها، وأخرج البخاري في ~~تاريخه والترمذي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " بجهنم سبعة أبواب: باب منها لمن سل السيف على أمتي ". وقد ورد ~~في صفة النار أحاديث وآثار. وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " في قوله تعالى (لكل باب منهم ~~جزء مقسوم) قال: جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله ~~". # سورة الحجر الآية (45 - 66) قوله (إن المتقين في جنات وعيون) أي المتقين ~~للشرك بالله كما قاله جمهور الصحابة والتابعين، وقيل هم الذين اتقوا جميع ~~المعاصي في جنات وهى البساتين، وعيون وهى الأنهار. قرئ بضم العين من عيون ~~على الأصل، وبالكسر مراعاة للياء. والتركيب يحتمل أن يكون لجميع المتقين ~~جنات وعيون، أو لكل واحد منهم جنات وعيون، أو لكل واحد منهم جنة وعين ~~(ادخلوها) قرأ الجمهور بلفظ الأمر على تقدير القول: أي قيل لهم أدخلوها. ~~وقرأ الحسن وأبو العالية وروى عن يعقوب بضم الهمزة مقطوعة. وفتح الخاء على ~~أنه فعل مبنى للمفعول أي أدخلهم الله إياها. وقد قيل إنهم إذا كانوا في ~~جنات وعيون. فكيف يقال لهم بعد ذلك ادخلوها على قراءة الجمهور؟ فإن الأمر ~~لهم بالدخول يشعر بأنهم لم يكونوا فيها. وأجيب بأن المعنى أنهم لما صاروا ~~في الجنات، فإذا PageV03P133 # انتقلوا من بعضها إلى بعض يقال لهم عند الوصول إلى التي أرادوا الإنتقال ~~إليها ادخلوها، ومعنى (بسلام آمنين) بسلامة من الآفات، وأمن من المخافات، ~~أو مسلمين على بعضهم بعضا، أو مسلما عليهم من الملائكة، أو من الله عز وجل ~~(ونزعنا ما في صدروهم من غل) الغل: الحقد والعداوة، وقد مر تفسيره في ~~الأعراف، وانتصاب (إخوانا) على الحال: أي إخوة في الدين والتعاطف (على سرر ~~متقابلين) أي حال كونهم على سرر، وعلى صورة مخصوصة وهى ms2041 التقابل، ينظر بعضهم ~~إلى وجه بعض، والسرر جمع سرير، وقيل هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور، ومنه ~~قولهم: سر الوادي لأفضل موضع منه (لا يمسهم فيها نصب) أي تعب وإعياء لعدم ~~وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة، لأنها نعيم خالص، ولذة محضة تحصل لهم ~~بسهولة، وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد، بل بمجرد خطور شهوة الشئ ~~بقلوبهم يحصل ذلك الشئ عندهم صفوا عفوا (وما هم منها بمخرجين) أبدا، وفى ~~هذا الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم، فإن علم من هو في ~~نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغص نعيمه وتكدر لذته. ثم قال ~~سبحانه بعد أن قص علينا ما للمتقين عنده من الجزاء العظيم والأجر الجزيل ~~(نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم) أي أخبرهم يا محمد أنى أنا الكثير ~~المغفرة لذنوبهم، الكثير الرحمة لهم، كما حكمت به على نفسي " إن رحمتي سبقت ~~غضبى " اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة، وأدخلتهم تحت ~~واسع الرحمة. ثم إنه سبحانه لما أمر رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة ~~العظيمة، أمره بأن يذكر لهم شيئا مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع ~~الرجاء والخوف، ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال (وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم) أي الكثير الإيلام، وعند أن جمع الله لعباده بين ~~هذين الأمرين من التبشير والتحذير صاروا في حالة وسطا بين اليأس والرجاء، ~~وخير الأمور أوساطها، وهى القيام على قدمي الرجاء والخوف، وبين حالتي الأنس ~~والهيبة، وجملة (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) معطوفة على جملة نبئ عبادي: أي ~~أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف. ~~والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة الله ~~سبحانه في عباده. وأيضا لما اشتملت القصة على إنجاء المؤمنين وإهلاك ~~الظالمين كان في ذلك تقريرا لكونه الغفور الرحيم وأن عذابه هو العذاب ~~الأليم، وقد مر تفسير هذه القصة في سورة هود، وانتصاب (إذ دخلوا عليه) بفعل ~~مضمر معطوف على " نبئ عبادي " أي واذكر لهم ms2042 دخولهم عليه، أو في محل نصب على ~~الحال، والضيف في الأصل مصدر، ولذلك وحد وإن كانوا جماعة، وسمى ضيفا ~~لإضافته إلى المضيف (فقالوا سلاما) أي سلمنا سلاما (قال إنا منكم وجلون) أي ~~فزعون خائفون، وإنما قال هذا بعد أن قرب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون منه ~~كما تقدم في سورة هود - فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~-. # وقيل أنكر السلام منهم لأنه لم يكن في بلادهم، وقيل أنكر دخولهم عليه ~~بغير استئذان (قالوا لا توجل) أي قالت الملائكة لا، تخف وقرئ لا تاجل ولا ~~توجل من أوجله: أي أخافه، وجملة (إنا نبشرك بغلام عليم) مستأنفة لتعليل ~~النهى عن الوجل، والعليم: كثير العلم، وقيل هو الحليم كما وقع في موضع آخر ~~من القرآن، وهذا الغلام: # هو إسحاق كما تقدم في هود، ولم يسمه هنا ولا ذكر التبشير بيعقوب اكتفاء ~~بما سلف (قال أبشرتموني) قرأ الجمهور بألف الاستفهام. وقرأ الأعمش " ~~بشرتموني " بغير الألف (على أن مسني الكبر) في محل نصب على الحال: أي مع ~~حالة الكبر والهرم (فبم تبشرون) استفهام تعجب، كأنه عجب من حصول الولد له ~~مع ما قد صار إليه من الهرم الذي جرت العادة بأنه لا يولد لمن بلغ إليه، ~~والمعنى: فبأي شئ تبشرون، فإن البشارة بما لا يكون عادة لا تصح. وقرأ نافع ~~" تبشرون " بكسر النون والتخفيف وإبقاء الكسرة لتدل على الياء المحذوفة. ~~وقرأ ابن كثير PageV03P134 # وابن محيصن بكسر النون مشددة على إدغام النون في النون، وأصله تبشرونني. ~~وقرأ الباقون " تبشرون " بفتح النون (قالوا بشرناك بالحق) أي باليقين الذي ~~لا خلف فيه، فإن ذلك وعد الله وهو لا يخلف الميعاد ولا يستحيل عليه شئ، ~~فإنه القادر على كل شئ (فلا تكن من القانطين) هكذا قرأ الجمهور بإثبات ~~الألف وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب " من القنطين " بغير ألف، وروى ذلك عن أبي ~~عمرو: أي من الآيسين من ذلك الذي بشرناك به (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضالون) قرئ بفتح النون من يقنط وبكسرها ms2043 وهما لغتان. وحكى فيه ضم النون: ~~والضالون المكذبون، أو المخطئون الذاهبون عن طريق الصواب: أي إنما استبعدت ~~الولد لكبر سنى لا لقنوطي من رحمة ربى، ثم سألهم عما لأجله أرسلهم الله ~~سبحانه ف (قال فما خطبكم أيها المرسلون) الخطب: الأمر الخطير والشأن ~~العظيم: أي فما أمركم وشأنكم وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به، ~~وكأنه قد فهم أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا ~~(قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أي إلى قوم له إجرام، فيدخل تحت ذلك ~~الشرك وما هو دونه، وهؤلاء القوم: هم قوم لوط، ثم استثنى منهم من ليسوا ~~مجرمين فقال (إلا آل لوط) وهو استثناء متصل، لأنه من الضمير في مجرمين، ولو ~~كان من قوم لكان منقطعا لكونهم قد وصفوا بكونهم مجرمين، وليس آل لوط ~~مجرمين، ثم ذكر ما سيختص به آل لوط من الكرامة لعدم دخولهم مع القوم في ~~إجرامهم فقال (إنا لمنجوهم أجمعين) أي آل لوط، وهم أتباعه وأهل دينه، وهذه ~~الجملة مستأنفة على تقدير كون الاستثناء متصلا كأنه قيل ماذا يكون حال آل ~~لوط؟ فقال: إنا لمنجوهم أجمعين، وأما على تقدير كون الاستثناء منقطعا فهي ~~خبر: أي لكن آل لوط ناجون من عذابنا. وقرأ حمزة والكسائي " لمنجوهم " ~~بالتخفيف من أنجا. وقرأ الباقون بالتشديد من نجى، واختار هذه القراءة ~~الأخيرة أبو عبيدة وأبو حاتم، والتنجية والإنجاء التخليص مما وقع فيه غيرهم ~~(إلا امرأته) هذا الاستثناء من الضمير في منجوهم إخراجا لها من التنجية: أي ~~إلا امرأته فليست ممن ننجيه بل ممن نهلكه، وقيل إن الاستثناء من آل لوط ~~باعتبار ما حكم لهم به من التنجية، والمعنى: # قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم إلا آل لوط إنا لمنجوهم إلا ~~امرأته فإنها من الهالكين، ومعنى (قدرنا أنها لمن الغابرين) قضينا وحكمنا ~~أنها من الباقين في العذاب مع الكفرة، والغابر الباقي، قال الشاعر: # لا تكسح الشول بأغبارها * إنك لا تدرى من الناتج والإغبار: بقايا اللبن، ~~قال الزجاج: معنى قدرنا دبرنا ms2044 وهو قريب من معنى قضينا وأصل التقدير: جعل ~~الشئ على مقدار الكفاية. وقرأ عاصم من رواية أبى بكر والمفضل " قدرنا " ~~بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد. # قال الهروي: هما بمعنى، وإنما أسند التقدير إلى الملائكة مع كونه من فعل ~~الله سبحانه لما لهم من القرب عند الله (فلما جاء آل لوط المرسلون) هذه ~~الجملة مستأنفة لبيان وإهلاك من يستحق الهلاك وتنجية من يستحق النجاة (قال ~~إنكم قوم منكرون) أي قال لوط مخاطبا لهم إنكم قوم منكرون: أي لا أعرفكم بل ~~أنكركم (قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) أي بالعذاب الذي كانوا يشكون ~~فيه، فالإضراب هو عن مجيئهم بما ينكره، كأنهم قالوا: ما جئناك بما خطر ~~ببالك من المكروه، بل جئناك بما فيه سرورك، وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه ~~وهم يكذبونك (وأتيناك بالحق) أي باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد، وهو ~~العذاب النازل بهم لا محالة (وإنا لصادقون) في ذلك الخبر الذي أخبرناك، وقد ~~تقدم تفسير قوله (فاسر بأهلك بقطع من الليل) في سورة هود (واتبع أدبارهم) ~~أي كن من ورائهم تذودهم لئلا يختلف منهم أحد فيناله العذاب (ولا يلتفت منكم ~~أحد) أي لا تلتفت أنت ولا يلتفت أحد منهم فيرى ما نزل بهم من العذاب، ~~فيشتغل بالنظر في ذلك ويتباطأ عن سرعة السير والبعد عن ديار PageV03P135 # الظالمين، وقيل معنى لا يلتفت: لا يتخلف (وامضوا حيث تؤمرون) أي إلى ~~الجهة التي أمركم الله سبحانه بالمضي إليها، وهى جهة الشام، وقيل مصر، وقيل ~~قرية من قرى لوط، وقيل أرض الخليل (وقضينا إليه) أي أوحينا إلى لوط (ذلك ~~الأمر) وهو إهلاك قومه، ثم فسره بقوله (أن دابر هؤلاء مقطوع) قال الزجاج: ~~موضع أن نصب، وهو بدل من ذلك الأمر: والدابر هو الآخر: أي أن آخر من يبقي ~~منهم يهلك وقت الصبح، وانتصاب (مصبحين) على الحال: أي حال كونهم داخلين في ~~وقت الصبح، ومثله - فقطع دابر القوم الذين ظلموا -. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله (آمنين) قال: آمنوا الموت فلا ms2045 ~~يموتون ولا يكبرون ولا يسقمون ولا يعرون ولا يجوعون. وأخرج ابن جرير عن علي ~~(ونزعنا ما في صدورهم من غل) قال: العداوة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن المنذر وابن مردويه عن الحسن البصري قال: قال علي بن أبي طالب: فينا ~~والله أهل الجنة نزلت (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين). وأخرج ابن عساكر وابن مردويه عنه في الآية قال: نزلت في ثلاثة ~~أحياء من العرب: في بني هاشم، وبني تميم، وبني عدي، في وفى أبي بكر وعمر. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن كثير النواء. قال: قلت لأبي جعفر إن ~~فلانا حدثني عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي ~~(ونزعنا ما في صدورهم من غل) قال: والله إنها لفيهم أنزلت، وفيمن تنزل إلا ~~فيهم؟ قلت: وأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية، إن بني تميم وبني عدي وبني هاشم ~~كان بينهم في الجاهلية، فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر ~~الخاصرة، فجعل علي يسخن يده فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وابن مردويه عن علي من طرق أنه قال لابن طلحة: إني لأرجو أن أكون ~~أنا وأبوك من الذين قال الله فيهم (ونزعنا ما في صدورهم) الآية، فقال رجل ~~من همدان: الله أعدل من ذلك، فصاح علي عليه صيحة تداعى لها القصر وقال: ~~فيمن إذن إن لم نكن نحن أولئك. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ~~والطبراني وابن مردويه عن علي قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان والزبير ~~وطلحة فيمن قال الله (ونزعنا ما في صدورهم من غل). وأخرج ابن مردويه وابن ~~عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية قال: نزلت في ~~عشرة: أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وسعيد، وعبد الرحمن ~~بن عوف، وعبد الله بن مسعود. وأخرجه ابن ms2046 المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح ~~موقوفا عليه. # وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (على ~~سرر متقابلين) قال: لا يرى بعضهم قفا بعض. وأخرجه ابن المنذر وابن مردويه ~~عن مجاهد عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو القاسم البغوي ~~وابن مردويه وابن عساكر عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فتلا هذه الآية (إخوانا على سرر متقابلين) قال: ~~المتحابون في الله في الجنة ينظر بعضهم إلى بعض. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (لا يمسهم فيها نصب) قال: المشقة ~~والأذى. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اطلع علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: ألا أراكم تضحكون، ~~ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقري فقال: إني لما خرجت جاء جبريل ~~فقال: يا محمد إن الله عز وجل يقول: لم تقنط عبادي؟ (نبئ عبادي أنى أنا ~~الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم). وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مصعب بن ثابت قال: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ناس من ~~أصحابه يضحكون فقال: PageV03P136 # اذكروا الجنة واذكروا النار، فنزلت (نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم). ~~وأخرج الطبراني والبزار وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: مر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحوه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله خلق الرحمة يوم ~~خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة ~~واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته لم ييأس من الرحمة، ولو ~~يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار " وأخرج ابن أبي ~~حاتم ms2047 عن عكرمة (قالوا لا توجل) لا تخف. وأخرج بن أبي حاتم عن السدي (من ~~القانطين) قال: الآيسين. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة (إنها لمن الغابرين) ~~يعني الباقين في عذاب الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (إنكم قوم منكرون) قال: أنكرهم لوط، وفى قوله (بما كانوا فيه ~~يمترون) قال: بعذاب قوم لوط. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة (بما كانوا فيه يمترون) قال: ~~يشكون. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (واتبع ~~أدبارهم) قال: أمر أن يكون خلف أهله يتبع أدبارهم في آخرهم إذا مشوا. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي (وامضوا حيث تؤمرون) قال: أخرجهم الله إلى ~~الشام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد (وقضينا إليه ذلك الأمر) ~~قال: أوحيناه إليه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (أن دابر هؤلاء مقطوع) يعنى ~~استئصال هلاكهم. # سورة الحجر الآية (67 - 77) ذكر سبحانه ما كان من قوم لوط عند وصول ~~الملائكة إلى قريتهم فقال (وجاء أهل المدينة يستبشرون) أي أهل مدينة قوم ~~لوط، وهى سلوم كما سبق، وجملة يستبشرون في محل نصب على الحال: أي مستبشرون ~~بأضياف لوط طمعا في ارتكاب الفاحشة منهم ف (قال) لهم لوط (إن هؤلاء ضيفي) ~~وحد الضيف لأنه مصدر كما تقدم، والمراد أضيافي، وسماهم ضيفا لأنه رآهم على ~~هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مردا حسان الوجوه، فلذلك طمعوا فيهم (فلا ~~تفضحون) يقال: فضحه يفضحه وفضحا إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار باظهاره، ~~والمعنى: لا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فيعلمون أني عاجز عن حماية ~~من نزل بي، أو لا تفضحون بفضيحة ضيفي، فإن من فعل ما يفضح الضيف فقد فعل ما ~~يفضح المضيف (واتقوا الله) في أمرهم (ولا تخزون) يجوز أن تكون من الخزي: ~~وهو الذل والهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية وهى الحياء والخجل، وقد تقدم ~~تفسير ذلك في هود (قالوا) أي قوم لوط مجيبين له (أو لم ننهك عن ms2048 العالمين) ~~الاستفهام للإنكار، والواو للعطف على مقدر: أي ألم نتقدم إليك وننهك عن أن ~~تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ وقيل نهوه PageV03P137 # عن ضيافة الناس، ويجوز حمل ما في الآية على ما هو أعم من هذين الأمرين ~~(قال هؤلاء بناتي) فتزوجوهن (إن كنتم فاعلين) ما عزمتم عليه من فعل الفاحشة ~~بضيفي فهؤلاء بناتي تزوجوهن حلالا ولا تركبوا الحرام، وقيل أراد ببناته ~~نساء قومه، لكون النبي بمنزلة الأب لقومه، وقد تقدم تفسير هذا في هود ~~(لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) العمر والعمر بالفتح والضم واحد، لكنهم ~~خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فإنه كثير الدور على ألسنتهم، ذكر ذلك ~~الزجاج. قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل ~~جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا حكى إجماع المفسرين ~~على هذا المعنى أبو بكر بن العربي فقال: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله ~~تعالى هاهنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له. قال أبو الجوزاء: # ما أقسم الله سبحانه بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه ~~أكرم البرية عنده. قال ابن العربي: ما الذي يمتنع أن يقسم الله سبحانه ~~بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكل ما يعطيه الله تعالى للوط من ~~فضل يؤتى ضعفه من شرف لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه أكرم على الله ~~منه أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلة وموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم؟ فإذا أقسم الله سبحانه بحياة لوط فحياة محمد ~~أرفع. قال القرطبي ما قاله حسن فإنه يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم كلاما معترضا في قصة لوط فإن قيل قد أقسم الله سبحانه ~~بالتين والزيتون وطور سينين، ونحو ذلك فما فيهما من فضل. وأجيب بأنه ما من ~~شئ أقسم الله به إلا وفى ذلك دلالة على فضله على جنسه، وذكر صاحب الكشاف ~~وأتباعه أن هذا القسم هو من الملائكة ms2049 على إرادة القول: أي قالت الملائكة ~~للوط لعمرك، ثم قال: وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه ~~أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له انتهى. وقد كره كثير من ~~العلماء القسم بغير الله سبحانه وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة في النهي عن ~~القسم بغير الله فليس لعباده أن يقسموا بغيره، وهو سبحانه يقسم بما شاء من ~~مخلوقاته - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون -، وقيل الإقسام منه سبحانه بالتين ~~والزيتون وطور سينين والنجم والضحى والشمس والليل ونحو ذلك هو على حذف مضاف ~~هو المقسم به: أي وخالق التين وكذلك ما بعده، وفى قوله (لعمرك) أي وخالق ~~عمرك، ومعنى " أنهم لفي سكرتهم يعمهون ": لفي غوايتهم يتحيرون، جعل الغواية ~~لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة والضمير لقريش على أن ~~القسم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو القوم لوط على أن القسم للرسول ~~عليه السلام (فأخذتهم النصيحة) العظيمة أو صيحة جبريل حال كونهم (مشرقين) ~~أي داخلين في وقت الشروق، يقال أشرقت الشمس: أي أضاءت وشرقت إذا طلعت وقيل ~~هما لغتان بمعنى واحد وأشرق القوم إذا دخلوا في وقت شروق الشمس، وقيل أراد ~~شروق الفجر، وقيل أول العذاب كان عند شروق الفجر وامتد إلى طلوع الشمس. ~~والصيحة العذاب (فجعلنا عاليها سافلها) أي عالي المدينة سافلها (وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل) من طين متحجر، وقد تقدم الكلام مستوفى على هذا في ~~سورة هود (إن في ذلك) أي في المذكور من قصتهم وبيان ما أصابهم (لآيات) ~~لعلامات يستدل بها (للمتوسمين) للمتفكرين الناظرين في الأمر ومنه قول زهير: # وفيهن ملهى للصديق ومنظر * أنيق لعين الناظر المتوسم وقال الآخر: أو كلما ~~وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلي عريفهم يتوسم وقال أبو عبيدة: للمتبصرين، وقال ~~ثعلب: الواسم الناظر إليك من قرنك إلى قدمك، والمعنى متقارب، وأصل التوسم ~~التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير (وإنها ~~لسبيل مقيم) يعني قرى PageV03P138 # قوم لوط أو مدينتهم لأنه على طريق ثابت وهى الطريق ms2050 من المدينة إلى الشام ~~فإن السالك في هذه الطريق يمر بتلك القرى (إن في ذلك) المذكور من المدينة ~~أو القرى (لآية للمؤمنين) يعتبرون بها فإن المؤمنين من العباد هم الذين ~~يعتبرون بما يشاهدونه من الآثار. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وجاء أهل المدينة ~~يستبشرون) قال: استبشروا بأضياف نبي الله لوط حين نزلوا به لما أرادوا أن ~~يأتوا إليهم من المنكر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله (أو لم ننهك عن العالمين) قال: يقولون أو لم ننهك أن تضيف ~~أحدا أو تؤويه. # (قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين) أمرهم لوط بتزويج النساء وأراد أن يبقى ~~أضيافه ببناته. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما ~~برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما سمعت الله أقسم ~~بحياة أحد غيره قال (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) يقول: وحياتك يا محمد ~~وعمرك وبقائك في الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (لعمرك) ~~قال: لعيشك. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: ما حلف الله بحياة أحد إلا ~~بحياة محمد قال (لعمرك) الآية، وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: ~~كانوا يكرهون أن يقول الرجل لعمري يرونه كقوله وحياتي. ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن قتادة (إنهم لفي سكرتهم يعمهون) أي في ضلالهم يلعبون. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن الأعمش في الآية لفي غفلتهم يترددون. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن جريج فأخذتهم الصيحة مثل الصاعقة، وكل شئ أهلك به قوم فهو ~~صاعقة وصيحة. وأخرج ابن جرير عنه (مشرقين) قال: حين أشرقت الشمس. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله (إن في ذلك ~~لآية) قال: علامة أما ترى الرجل يرسل خاتمه إلى أهله، فيقول هاتوا كذا ms2051 ~~وكذا، فإذا رأوه عرفوا أنه حق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه (للمتوسمين) قال: للناظرين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة قال: للمعتبرين. وأخرج ابن ~~جريج وابن المنذر عن مجاهد قال: للمتفرسين، وأخرج البخاري في التاريخ ~~والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه ~~والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ (إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين) ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (وإنها لبسبيل مقيم) يقول ~~لبهلاك. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~قال: لبطريق مقيم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لبطريق ~~واضح. # سورة الحجر الآية (78 - 86) PageV03P139 # قوله (وإن كان أصحاب الأيكة) إن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير ~~الشأن المحذوف: أي وإن الشأن كان أصحاب الأيكة. والأيكة الغيضة، وهى جماع ~~الشجر، والجمع الأيك. ويروى أن شجرهم كان دوما، وهو المقل، فالمعنى: وإن ~~كان أصحاب الشجر المجتمع، وقيل الأيكة اسم القرية التي كانوا فيها. قال أبو ~~عبيدة الأيكة: وليكة مدينتهم كمكة وبكة، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وقد ~~تقدم خبرهم، واقتصر الله سبحانه هنا على وصفهم بالظلم، وقد فصل ذلك الظلم ~~فيما سبق، والضمير في (وإنهما لبإمام مبين) يرجع إلى مدينة قوم لوط، ومكان ~~أصحاب الأيكة: أي وإن المكانين لبطريق واضح، والإمام اسم لما يؤتم به، ومن ~~جملة ذلك الطريق التي تسلك. قال الفراء والزجاج: سمى الطريق إماما لأنه ~~يؤتم ويتبع. وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي ~~يريده، وقيل الضمير للأيكة ومدين لأن شعيبا كان ينسب إليهما. ثم إن الله ~~سبحانه ختم القصص بقصة ثمود فقال (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) الحجر ~~اسم لديار ثمود. قاله الأزهري، وهى ما بين مكة وتبوك. وقال ابن جرير: هي ~~أرض بين الحجاز ms2052 والشام. وقال: المرسلين، ولم يرسل إليهم إلا صالح، لأن من ~~كذب واحدا من الرسل فقد كذب الباقين لكونهم متفقين في الدعوة إلى الله، ~~وقيل كذبوا صالحا ومن تقدمه من الأنبياء، وقيل كذبوا صالحا ومن معه من ~~المؤمنين (وآتيناهم آياتنا) أي الآيات المنزلة على نبيهم، ومن جملتها ~~الناقة فإن فيها آيات جمة كخروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند خروجها وعظمها ~~وكثرة لبنها (فكانوا عنها معرضين) أي غير معتبرين، ولهذا عقروا الناقة ~~وخالفوا ما أمرهم به نبيهم (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا) النحت في كلام ~~العرب: البري والنجر، نحته ينحته بالكسر نحتا: أي براه، وفى التنزيل - ~~أتعبدون ما تنحتون - أي تنجرون، وكانوا يتخذون لأنفسهم من الجبال بيوتا: أي ~~يخرقونها في الجبال، وانتصاب (آمنين) على الحال قال الفراء: آمنين من أن ~~يقع عليهم، وقيل آمنين من الموت، وقيل من العذاب ركونا منهم على قوتها ~~ووثاقتها (فأخذتهم الصيحة مصبحين) أي داخلين في وقت الصبح، وقد تقدم ذكر ~~الصيحة في الأعراف وفى هود، وتقدم أيضا قريبا (فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون) أي لم يدفع عنهم شيئا من عذاب الله ما كانوا يكسبون من الأموال ~~والحصون في الجبال (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) أي ~~متلبسة بالحق، وهو ما فيهما من الفوائد والمصالح، وقيل المراد بالحق مجازاة ~~المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته كما في قوله سبحانه - ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى - ~~وقيل المراد بالحق الزوال لأنها مخلوقة وكل مخلوق زائل (وإن الساعة لآتية) ~~وعند إتيانها ينتقم الله ممن يستحق العذاب، ويحسن إلى من يستحق الإحسان، ~~وفيه وعيد للعصاة وتهديد، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن يصفح عن قومه، فقال (فاصفح الصفح الجميل) أي تجاوز عنهم واعف عفوا ~~حسنا، وقيل فأعرض عنهم إعراضا جميلا ولا تعجل عليهم، وعاملهم معاملة الصفوح ~~الحليم. قيل وهذا منسوخ بآية السيف (إن ربك هو الخلاق العليم) أي الخالق ~~للخلق جميعا العليم بأحوالهم وبالصالح يكون ms2053 والطالح منهم. # وقد أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا ". ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، ~~والأيكة ذات آجام وشجر كانوا فيها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: الأيكة الغيضة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: أصحاب ~~الأيكة أهل مدين، والأيكة الملتفة من الشجر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال: الأيكة مجمع الشئ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~PageV03P140 # عنه أيضا قال في قوله (وإنهما لبإمام مبين) طريق ظاهر. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في أصحاب الحجر قال: أصحاب ~~الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: كان أصحاب الحجر ثمود وقوم صالح. ~~وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحاب الحجر " لا تدخلوا على ~~هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن ~~يصيبكم مثل ما أصابهم ". وأخرج ابن مردويه عنه قال: نزل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من مياه ~~الآبار التي كانت تشرب منها ثمود وعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم، فأمره ~~بإهراق القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم على البئر التي كانت ~~تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، فقال: إني أخشى ~~أن يصيبكم مثل الذي أصابهم فلا تدخلوا عليهم. وأخرج ابن مردويه عن سبرة بن ~~معبد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال بالحجر لأصحابه " من عمل من هذا ~~الماء شيئا فليلقه " قال: ومنهم من عجن العجين، ومنهم من حاس الحيس. وأخرج ~~ابن مردويه وابن النجار عن علي في قوله (فاصفح الصفح الجميل) قال: الرضا ~~بغير عتاب. # وأخرج ms2054 البيهقي في الشعب عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~مجاهد قال: هذه الآية قبل القتال. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة مثله. # سورة الحجر الآية (87 - 99) اختلف أهل العلم في السبع المثاني ماذا هي؟ ~~فقال جمهور المفسرين: إنها الفاتحة. قال الواحدي وأكثر المفسرين على أنها ~~فاتحة الكتاب، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والربيع ~~والكلبي. # وزاد القرطبي أبا هريرة وأبا العالية، وزاد النيسابوري الضحاك وسعيد بن ~~جبير، وقد روى ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي ~~بيانه فتعين المصير إليه. وقيل هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، ~~والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة الأنفال والتوبة، لأنها ~~كسورة واحدة إذ ليس بينهما تسمية روى هذا القول عن ابن عباس. وقيل المراد ~~بالمثاني السبعة الأحزاب فإنها سبع صحائف، والمثاني جمع مثناة من ~~PageV03P141 # التثنية أو جمع مثنية. وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها. فعلى ~~القول الأول يكون وجه تسمية الفاتحة مثاني أنها تثنى: أي تكرر في كل صلاة، ~~وعلى القول بأنها السبع الطوال فوجه التسمية إن العبر والأحكام والحدود ~~كررت فيها. وعلى القول بأنها السبعة الأحزاب يكون وجه التسمية هو تكرير ما ~~في القرآن من القصص ونحوها وقد ذهب إلى أن المراد بالسبع المثاني القرآن ~~كله الضحاك وطاوس وأبو مالك، وهو رواية عن ابن عباس واستدلوا بقوله تعالى - ~~كتابا متشابها مثاني - وقيل المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن: وهى ~~الأمر، والنهى، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعريف النعم، وأنباء ~~قرون ماضية. قاله زياد بن أبي مريم، ولا يخفى عليك أن تسمية الفاتحة مثاني ~~لا تستلزم نفى تسمية غيرها بهذا الاسم، وقد تقرر أنها المرادة بهذه الآية، ~~فلا يقدح في ذلك صدق وصف المثاني على غيرها (والقرآن العظيم) معطوف على ~~سبعا من المثاني، ويكون من عطف العام على الخاص لأن الفاتحة بعض من القرآن، ~~وكذلك إن أريد بالسبع المثاني السبع الطوال لأنها بعض من القرآن، وأما إذا ~~أريد بها السبعة الأحزاب أو جميع القرآن ms2055 أو أقسامه، فيكون من باب عطف أحد ~~الوصفين على الآخر، كما قيل في قول الشاعر: * إلى الملك القرم وابن الهمام ~~* ومما يقوى كون السبع المثاني هي الفاتحة أن هذه السورة مكية، وأكثر السبع ~~الطوال مدنية، وكذلك أكثر القرآن وأكثر أقسامه، وظاهر قوله (ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني) أنه قد تقدم إيتاء السبع على نزول هذه الآية، و " من " في ~~من المثاني للتبعيض أو البيان على اختلاف الأقوال، ذكر معنى ذلك الزجاج ~~فقال: هي للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إذا أردت ~~الإشباع. ثم لما بين لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما أنعم به عليه من ~~هذه النعمة الدينية نفره عن اللذات العاجلة الزائلة فقال (لا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم) أي لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة ~~فيها وتمن لها، والأزواج الأصناف، قاله ابن قتيبة. وقال الجوهري: الأزواج ~~القرناء. قال الواحدي: إنما يكون مادا عينيه إلى الشئ إذا أدام النظر نحوه، ~~وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه. وقال بعضهم: معنى الآية لا ~~تحسدن أحدا على ما أوتى من الدنيا، ورد بأن الحسد منهى عنه مطلقا، وإنما ~~قال في هذه السورة لا تمدن بغير واو، لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة ~~طه، ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم ~~فقال (ولا تحزن عليهم) حيث لم يؤمنوا وصمموا على الكفر والعناد، وقيل ~~المعنى: لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا فلك الآخرة. والأول أولى، ثم ~~لما نهاه عن أن يمد عينيه إلى أموال الكفار ولا يحزن عليهم. وكان ذلك ~~يستلزم التهاون بهم وبما معهم أمره أن يتواضع للمؤمنين، فقال (واخفض جناحك ~~للمؤمنين) وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب، ومنه قوله سبحانه - ~~واخفض لهما جناح الذل -، وقول الكميت: # خفضت لهم منى جناحي مودة * إلى كنف عطفاه أهل ومرحب وأصله أن الطائر إذا ~~ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه، ثم قبضه على الفرخ فجعل ذلك وصفا ms2056 لتواضع ~~الإنسان لأتباعه، ويقال فلان خافض الجناح: أي وقور ساكن، والجناحان من ابن ~~آدم جانباه، ومنه - واضمم يدك إلى جناحك -، ومنه قول الشاعر: # وحسبك فتنة لزعيم قوم * يمد على أخي سقم جناحا (وقل إني أنا النذير ~~المبين) أي المنذر المظهر لقومه ما يصيبهم من عذاب الله (كما أنزلنا على ~~المقتسمين) قيل PageV03P142 # المفعول محذوف: أي مفعول أنزلنا، والتقدير: كما أنزلنا على المقتسمين ~~عذابا، فيكون المعنى: إني أنا النذير المبين لكم من عذاب مثل عذاب ~~المقتسمين الذي أنزلناه عليهم كقوله تعالى - أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود -، وقيل إن الكاف زائدة، والتقدير: إني أنا النذير المبين أنذرتكم ما ~~أنزلنا على المقتسمين من العذاب، وقيل هو متعلق بقوله - ولقد آتيناك - أي ~~أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون، والأولى أن يتعلق ~~بقوله (إني أنا النذير المبين) لأنه في قوة الأمر بالإنذار. وقد اختلف في ~~المقتسمين من هم؟ فقال الفراء: # هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا أنقاب ~~مكة وفجاجها يقولون لمن دخلها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا فإنه مجنون، ~~وربما قالوا ساحر وربما قالوا شاعر وربما قالوا كاهن، فقيل لهم مقتسمين ~~لأنهم اقتسموا هذه الطرق، وقيل إنهم قوم من قريش اقتسموا كتاب الله، فجعلوا ~~بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين. قاله قتادة، ~~وقيل هم أهل الكتاب، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا يقتسمون القرآن استهزاء، ~~فيقول بعضهم هذه السورة لي وهذه لك، روى هذا عن ابن عباس. وقيل إنهم قسموا ~~كتابهم وفرقوه وبددوه وحرفوه، وقيل المراد قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا ~~مقتسمين كما قال تعالى - تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله - وقيل تقاسموا ~~أيمانا تحالفوا عليها، قاله الأخفش، وقيل إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبه بن ~~الحجاج ذكره الماوردي (الذين جعلوا القرآن عضين) جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة ~~من عضي الشاة إذا جعلها أجزاء، فيكون المعنى على هذا: الذين جعلوا القرآن ~~أجزاء متفرقة، ms2057 بعضه شعر، وبعضه سحر، وبعضه كهانة ونحو ذلك، وقيل هو مأخوذ ~~من عضته إذا بهته، فالمحذوف منه الهاء لا الواو، وجمعت العضة على المعنيين ~~جمع العقلاء لما لحقها من الحذف فجعلوا ذلك عوضا عما لحقها من الحذف، وقيل ~~معنى عضين إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، ومما يؤيد، أن معنى عضين ~~التفريق، قول رؤبة: * وليس دين الله بالعضين *: أي بالمفرق، وقيل العضة ~~والعضين في لغة قريش السحر: وهم يقولون للساحر عاضه، وللساحرة عاضهة، ومنه ~~قول الشاعر: # أعوذ بربي من النافثات * في عقد العاضهة والعضه وفى الحديث أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لعن العاضهة والمستعضهة، وفسر بالساحرة والمستسحرة ~~والمعنى: أنهم أكثروا البهت على القرآن، وسموه سحرا وكذبا وأساطير الأولين، ~~ونظير عضة في النقصان شفة، والأصل شفهة، وكذلك سنة، والأصل سنهة. قال ~~الكسائي: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون. وقال الفراء: إنه مأخوذ من ~~العضاه، وهي شجر يؤذى ويجرح كالشوك، ويجوز أن يراد بالقرآن التوراة ~~والإنجيل لكونهما مما يقرأ، ويراد بالمقتسمين هم اليهود والنصارى: أي ~~جعلوهما أجزاء متفرقة، وهو أحد الأقوال المتقدمة (فوربك لنسألنهم أجمعين) ~~أي لنسألن هؤلاء الكفرة أجمعين يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا من ~~الأعمال التي يحاسبون عليها ويسألون عنها، وقيل إن المراد سؤالهم عن كلمة ~~التوحيد، والعموم في عما كانوا يعملون، يفيد ما هو أوسع من ذلك، وقيل إن ~~المسؤولين ها هنا هم جميع المؤمنين والعصاة والكفار، ويدل عليه قوله - ثم ~~لتسألن يومئذ عن النعيم - وقوله - وقفوهم إنهم مسؤولون -، وقوله - إن إلينا ~~إيابهم ثم إن علينا حسابهم -، ويمكن أن يقال: إن قصر هذا السؤال على ~~المذكورين في السياق وصرف العموم إليهم لا ينافي سؤال غيرهم (فاصدع بما ~~تؤمر) قال الزجاج: يقول أظهر ما تؤمر به، أخذ من الصديع وهو الصبح انتهى. ~~وأصل الصدع الفرق والشق يقال صدعته فانصدع: أي انشق، وتصدع القوم: أي ~~تفرقوا ومنه - يومئذ يصدعون - أي يتفرقون. قال PageV03P143 # الفراء: أراد فاصدع بالأمر: أي أظهر دينك فما مع الفعل على هذا بمنزلة ~~المصدر: وقال ابن ms2058 الأعرابي: معنى اصدع بما تؤمر: أي اقصد، وقيل فاصدع بما ~~تؤمر: أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون، والأولى ~~أن الصدع الإظهار، كما قاله الزجاج والفراء وغيرهم. قال النحويون: المعنى ~~بما تؤمر به من الشرائع، وجوزوا أن تكون مصدرية: أي بأمرك وشأنك. قال ~~الواحدي: قال المفسرون: أي اجهر بالأمر: # أي بأمرك بعد إظهار الدعوة، وما زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، ثم أمره سبحانه بعد أمره بالصدع بالإعراض وعدم ~~الالتفات إلى المشركين، فقال (وأعرض عن المشركين) أي لا تبال بهم ولا تلتفت ~~إليهم إذا لاموك قد على إظهار الدعوة، ثم أكد هذا الأمر وثبت قلب رسوله ~~بقوله (إنا كفيناك المستهزئين) مع كونهم كانوا من أكابر الكفار، وأهل ~~الشوكة فيهم فإذا كفاه الله أمرهم بقمعهم وتدميرهم كفاه أمر من هو دونهم ~~بالأولى، وهؤلاء المستهزئون كانوا خمسة من رؤساء أهل مكة: الوليد بن ~~المغيرة، والعاص بن وائل والأسود بن المطلب بن الحرث بن زمعة، والأسود بن ~~عبد يغوث، والحرث بن الطلاطلة. كذا قال القرطبي ووافقه غيره من المفسرين. ~~وقد أهلكهم الله جميعا وكفاهم أمرهم في يوم واحد، ثم وصف هؤلاء المستهزئين ~~بالشرك فقال (الذين يجعلون مع الله إلها آخر) فلم يكن ذنبهم مجرد ~~الاستهزاء، بل لهم ذنب آخر وهو الشرك بالله سبحانه، ثم توعدهم فقال (فسوف ~~يعلمون) كيف عاقبتهم في الآخرة وما يصيبهم من عقوبة الله سبحانه، ثم ذكر ~~تسلية أخرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد التسلية الأولى بكفايته ~~شرهم ودفعه لمكرهم فقال (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) من الأقوال ~~الكفرية المتضمنة للطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر ~~والجنون والكهانة والكذب، وقد كان يحصل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني، ثم أمره سبحانه بأن ~~يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه وحمده فقال (فسبح ~~بحمد ربك) أي متلبسا بحمده: أي افعل التسبيح ms2059 المتلبس بالحمد (وكن من ~~الساجدين) أي المصلين فإنك إذا فعلت ذلك كشف الله همك وأذهب غمك وشرح صدرك، ~~ثم أمره بعبادة ربه: أي بالدوام عليها إلى غاية هي قوله (حتى يأتيك اليقين) ~~أي الموت. قال الواحدي. قال جماعة المفسرين: يعنى الموت لأنه موقن به. قال ~~الزجاج المعنى أعبد ربك أبدا، لأنه لو قيل اعبد ربك بغير توقيت لجاز إذا ~~عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعا، فإذا قال حتى يأتيك اليقين، فقد أمره ~~بالإقامة على العبادة أبدا ما دام حيا. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر في قوله (ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني) قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب. وأخرجه سعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي من طرق عن علي ~~بمثله. وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود مثله وزاد: ~~والقرآن العظيم سائر القرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: فاتحة الكتاب ~~استثناها الله لأمة محمد. فرفعها في أم الكتاب فادخرها لهم حتى أخرجها ولم ~~يعطها أحد قبل، قيل فأين الآية السابعة؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم. وروى ~~عنه نحو هذا من طرق. وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة ~~قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب. وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: السبع ~~المثاني الحمد لله رب العالمين. وروى نحو قول هؤلاء الصحابة عن جماعة من ~~التابعين. # وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد، ~~فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخرج فذكرت، فقال: الحمد PageV03P144 # لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم ". وأخرج البخاري أيضا ~~من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أم القرآن ~~هي السبع المثاني والقرآن العظيم " فوجب بهذا المصير إلى القول بأنها ms2060 فاتحة ~~الكتاب، ولكن تسميتها بذلك لا ينافي تسمية غيرها به كما قدمنا. وأخرج ابن ~~مردويه عن عمر قال في الآية: هي السبع الطوال. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ~~مثله. وأخرج الفريابي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال في ~~الآية: هي السبع الطوال. وأخرج الدارمي وابن مردويه عن أبي بن كعب مثله. ~~وروى نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس قال: هي فاتحة الكتاب والسبع الطوال. وأخرج ابن جرير عنه في ~~الآية قال: مائتي من القرآن، ألم تسمع لقول الله - الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني -. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: المثاني القرآن يذكر ~~الله القصة الواحدة مرارا. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي عن زياد بن أبي مريم في الآية قال: أعطيتك سبعة أجزاء: ~~مر، وانه، وبشر وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واتل نبأ القرآن. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا تمدن عينيك) قال: نهى ~~الرجل أن يتمنى مال، صاحبه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ~~(أزواجا منهم) قال: الأغنياء الأمثال والأشباه. وأخرج ابن المنذر عن سفيان ~~بن عيينة قال: من أعطى القرآن فمد عينه إلى شئ مما صغر القرآن فقد خالف ~~القرآن، ألم يسمع إلى قوله (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) وإلى قوله (ورزق ~~ربك خير وأبقى) وقد فسر ابن عيينة أيضا الحديث الصحيح " ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن " فقال: # إن المعنى يستغنى به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (واخفض ~~جناحك) قال: اخضع. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله (كما ~~أنزلنا على المقتسمين) الآية قال: هم أهل الكتاب جزؤه أجزاء فآمنوا ببعضه ~~وكفروا ببعضه. ms2061 وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: عضين فرقا. ~~وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس أنها نزلت ~~في نفر من قريش كانوا يصدون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~منهم الوليد بن المغيرة. وأخرج الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (فوربك ~~لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) قال: عن قول لا إله إلا الله. # وأخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أنس ~~موقوفا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (فاصدع بما ~~تؤمر) فامضه، وفي علي بن أبي طلحة مقال معروف. وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة ~~بن عبد الله بن مسعود قال: ما زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستخفيا ~~حتى نزل (فاصدع بما تؤمر فخرج هو وأصحابه. # وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هذا أمر من الله ~~لنبيه بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه. وأخرج ابن المنذر عنه (فاصدع ~~بما تؤمر) قال: أعلن بما تؤمر. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (وأعرض عن المشركين) قال: نسخه قوله تعالى - فاقتلوا المشركين -. ~~وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه وأبو نعيم والضياء في المختارة عن ~~ابن عباس في قوله (إنا كفيناك المستهزئين) قال: # المستهزئون الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب ~~والحارث بن عيطل السهمي والعاص ابن وائل، وذكر قصة هلاكهم. وقد روى هذا عن ~~جماعة من الصحابة مع زيادة في عددهم ونقص على طول PageV03P145 # في ذلك. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم في التاريخ وابن مردويه ~~والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" ما أوحى ms2062 إلى أن أجمع المال وأكن من التاجرين، ولكن أوحى إلى أن سبح بحمد ~~ربك وكن من الساجدين، وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن مسعود مرفوعا مثله. وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء مرفوعا ~~نحوه. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق من طريق عبيد الله بن أبان بن عثمان ~~بن حذيفة ابن أوس الطائفي قال: حدثني أبان بن عثمان عن أبيه عن جده يرفعه ~~مثل حديث أبي مسلم الخولاني. وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد الله بن ~~عمر (حتى يأتيك اليقين) قال الموت. وأخرج ابن المبارك عن الحسن مثله. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن زيد مثله. # تفسير سورة النحل آياتها مائة آية وثمان وعشرون آية وهى مكية كلها في قول ~~الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ورواه ابن مردويه عن ابن عباس وعن أبي الزبير. # وأخرج النحاس من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: سورة النحل نزلت بمكة سوى ~~ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من أحد، قيل وهى قوله - وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به - الآية، وقوله - واصبر وما صبرك إلا بالله - في شأن التمثيل ~~بحمزة وقتلى أحد، وقوله - ثم إن ربك للذين هاجروا - الآية، وقيل الثالثة - ~~ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا - إلى قوله - بأحسن ما كانوا يعملون وتسمى ~~هذه السورة سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها. # بسم الله الرحمن الرحيم سورة النحل الآية (1 - 9) قوله (أتى أمر الله) أي ~~عقابه للمشركين، وقال جماعة من المفسرين: القيامة. قال الزجاج: هو ما وعدهم ~~PageV03P146 # به من المجازاة على كفرهم، وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق ~~وقوعه، وقيل إن المراد بأمر الله حكمه بذلك، وقد وقع وأتى، فأما المحكوم به ~~فإنه لم يقع، لأنه سبحانه حكم بوقوعه في وقت معين، فقبل مجئ ذلك الوقت لا ~~يخرج إلى الوجود، وقيل إن المراد بإتيانه إتيان مباديه ومقدماته (فلا ~~تستعجلوه) نهاهم عن استعجاله: # أي فلا ms2063 تطلبوا حضوره قبل ذلك الوقت، وقد كان المشركون يستعجلون عذاب الله ~~كما قال النضر بن الحارث - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك - الآية، ~~والمعنى: قرب أمر الله فلا تستعجلوه، وقد كان استعجالهم له على طريقة ~~الاستهزاء من دون استعجال على الحقيقة، وفى نهيهم عن الاستعجال تهكم بهم ~~(سبحانه وتعالى عما يشركون) أي تنزه وترفع عن إشراكهم. أو عن أن يكون له ~~شريك، وشركهم ههنا هو ما وقع منهم من استعجال العذاب، أو قيام الساعة ~~استهزاء وتكذيبا، فإنه يتضمن وصفهم له سبحانه بأنه لا يقدر على ذلك، وأنه ~~عاجز عنه والعجز وعدم القدرة من صفات المخلوق لا من صفات الخالق، فكان ذلك ~~شركا (ينزل الملائكة بالروح من أمره) قرأ المفضل عن عاصم تنزل الملائكة، ~~والأصل تتنزل، فالفعل مسند إلى الملائكة. وقرأ الأعمش تنزل على البناء ~~للمفعول، وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم " ننزل " بالنون، والفاعل هو الله ~~سبحانه. وقرأ الباقون " ينزل الملائكة " بالياء التحتية إلا أن ابن كثير ~~وأبا عمرو يسكنان النون، والفاعل هو الله سبحانه، ووجه اتصال هذه الجملة ~~بما قبلها أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما أخبرهم عن الله أنه قد قرب ~~أمره، ونهاهم عن الاستعجال ترددوا في الطريق التي علم بها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك، فأخبر أنه علم بها بالوحي على ألسن رسل الله ~~سبحانه من ملائكته، والروح: الوحي، ومثله (يلقى الروح من أمره على من يشاء ~~من عباده) وسمى الوحي روحا لأنه يحيى قلوب المؤمنين، فإن من جملة الوحي ~~القرآن، وهو نازل من الدين منزلة الروح من الجسد، وقيل المراد أرواح ~~الخلائق، وقيل الروح الرحمة، وقيل الهداية لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا ~~الأبدان بالأرواح. قال الزجاج: # الروح ما كان فيه من الله حياة بالإرشاد إلى أمره. وقال أبو عبيد: الروح ~~هنا جبريل، وتكون الباء على هذا بمعنى مع، " ومن " في " من أمره " بيانية: ~~أي بأشياء أو مبتدئا من أمره أو صفة للروح، أو متعلق بينزل، ومعنى " على من ms2064 ~~يشاء من عباده " على من اختصه بذلك، وهم الأنبياء (أن أنذروا). قال الزجاج ~~" أن أنذروا " بدل من الروح أي ينزلهم بأن أنذروا، وأن إما مفسرة لأن تنزل ~~الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر: أي بأن ~~الشأن أقول لكم أنذروا: أي أعلموا الناس (أنه لا إله إلا أنا) أي مروهم ~~بتوحيدي وأعلموهم ذلك مع تخويفهم. لأن في الإنذار تخويفا وتهديدا، والضمير ~~في أنه للشأن (فاتقون) الخطاب للمستعجلين على طريق لالتفات، وهو تحذير لهم ~~من الشرك بالله، ثم إن الله سبحانه لما أرشدهم إلى توحيده ذكر دلائل ~~التوحيد فقال (خلق السماوات والأرض بالحق) أي أوجدهما على هذه الصفة التي ~~هما عليهما بالحق: أي للدلالة على قدرته ووحدانيته، وقيل المراد بالحق هنا ~~الفناء والزوال (تعالى) الله (عما يشركون) أي ترفع وتقدس عن إشراكهم أو عن ~~شركة الذي يجعلونه شريكا له، ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع المخلوقات ~~السفلية قدمه وخصه بالذكر فقال (خلق الإنسان) وهو اسم لجنس هذا النوع (من ~~نطفة) من جماد يخرج من حيوان، وهو المنى فنقله أطوارا إلى أن كملت صورته، ~~ونفخ فيه الروح وأخرجه من بطن أمه إلى هذه الدار فعاش فيها (فإذا هو) بعد ~~خلقه على هذه الصفة (خصيم) أي كثير الخصومة والمجادلة. والمعنى: أنه ~~كالمخاصم لله سبحانه في قدرته، ومعنى (مبين) ظاهر الخصومة واضحها، وقيل ~~يبين عن نفسه ما يخاصم به من الباطل، والمبين هو المفصح عما في ضميره ~~بمنطقه ومثله قوله تعالى - أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو ~~خصيم مبين -، ثم عقب ذكر خلق الإنسان بخلق PageV03P147 # الأنعام لما فيها من النفع لهذا النوع، فالامتنان بها أكمل من الامتنان ~~بغيرها، فقال (والأنعام خلقها لكم) وهى الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يقال ~~نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع، ولا يقال للغنم مفردة، ومنه قول حسان: # وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فعطف الشاء على النعم، ~~وهى هنا الإبل خاصة. قال الجوهري: والنعم واحد الأنعام، وأكثر ما ms2065 يقع هذا ~~الاسم على الإبل. ثم لما أخبر سبحانه بأنه خلقها لبنى آدم بين المنفعة التي ~~فيها لهم فقال (فيها دفء) الدفء: # السخانة، وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها، والجملة في محل ~~النصب على الحال (ومنافع) معطوف على دفء، وهى درها وركوبها ونتاجها ~~والحراثة بها ونحو ذلك. وقد قيل إن الدفء: النتاج واللبن. # قال في الصحاح: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، ثم قال: ~~والدفء أيضا السخونة، وعلى هذا فإن أريد بالدفء المعنى الأول فلا بد من حمل ~~المنافع على ما عداه مما ينتفع به منها، وإن حمل على المعنى الثاني كان ~~تفسير المنافع بما ذكرناه واضحا، وقيل المراد بالمنافع النتاج خاصة، وقيل ~~الركوب (ومنها تأكلون) أي من لحومها وشحومها، وخص هذه المنفعة بالذكر مع ~~دخولها تحت المنافع لأنها أعظمها، وقيل خصها لأن الانتفاع بلحمها وشحمها ~~تعدم عنده عينها بخلاف غيره من المنافع التي فيها، وتقديم الظرف المؤذن ~~بالاختصاص للإشارة إلى أن الأكل منها هو الأصل، وغيره نادر (ولكم فيها ~~جمال) أي لكم فيها مع ما تقدم ذكره جمال، والجمال: # ما يتجمل به ويتزين، والجمال: الحسن، والمعنى هنا: لكم فيها تجمل وتزين ~~عند الناظرين إليها (حين تريحون وحين تسرحون) أي في هذين الوقتين، وهما وقت ~~ردها من مراعيها، ووقت تسريحها إليها، فالرواح رجوعها بالعشي من المراعى، ~~والسراح: مسيرها إلى مراعيها بالغداة، يقال سرحت الإبل أسرحها سرحا وسروحا: ~~إذا غدوت بها إلى المرعى، وقدم الإراحة على التسريح لأن منظرها عند الإراحة ~~أجمل، وذواتها أحسن لكونها في تلك الحالة قد نالت حاجتها من الأكل والشرب، ~~فعظمت بطونها وانتفخت ضروعها، وخص هذين الوقتين لأنهما وقت نظر الناظرين ~~إليها لأنها عند استقرارها في الحظائر لا يراها أحد، وعند كونها في مراعيها ~~هي متفرقة غير مجتمعة كل واحد منها يرعى في جانب (وتحمل أثقالكم) الأثقال ~~جمع ثقل، وهو متاع المسافر من طعام وغيره وسمى ثقلا لأنه يثقل الإنسان ~~حمله، وقيل المراد أبدانهم (إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) أي ms2066 ~~لم تكونوا واصلين إليه لو لم يكن معكم إبل تحمل أثقالكم إلا بشق الأنفس ~~لبعده عنكم، وعدم وجود ما يحمل ما لا بد لكم منه في السفر. وظاهره يتناول ~~كل بلد بعيدة من غير تعيين، وقيل المراد بالبلد مكة. وقيل اليمن ومصر ~~والشام لأنها متاجر العرب، وشق الأنفس: مشقتها. قرأ الجمهور بكسر الشين، ~~وقرأ أبو جعفر بفتحها. قال الجوهري: # والشق المشقة، ومنه قوله (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) وحكى أبو ~~عبيدة بفتح الشين، وهما بمعنى، ويجوز أن يكون المفتوح مصدرا من شققت عليه ~~أشق شقا، والمكسور بمعنى النصف، يقال أخذت شق الشاة وشقة الشاة، ويكون ~~المعنى على هذا في الآية: لم تكونوا بالغيه إلا بذهاب نصف الأنفس من التعب، ~~وقد أمتن الله سبحانه على عباده بخلق الأنعام على العموم، ثم خص الإبل ~~بالذكر لما فيها من نعمة حمل الأثقال دون البقر والغنم، والاستثناء من أعم ~~العام: أي لم تكونوا بالغيه بشئ من الأشياء إلا بشق الأنفس (والخيل والبغال ~~والحمير) بالنصب عطفا على الأنعام: أي وخلق لكم هذه الثلاثة الأصناف، وقرأ ~~ابن أبي عبلة بالرفع فيها كلها، وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها، ~~وواحد الخيل خائل كضائن واحد الضأن، وقيل لا واحد له. ثم علل سبحانه خلق ~~هذه الثلاثة الأنواع بقوله (لتركبوها) وهذه العلة هي باعتبار معظم منافعها ~~لأن الانتفاع بها في غير PageV03P148 # الركوب معلوم كالتحميل عليها (و) عطف (زينة) على محل " لتركبوها " لأنه ~~في محل نصب على أنه علة لخلقها ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها، ~~لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن ~~الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم ~~العالية لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن ~~أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس ~~الأمر ولكنه غير مقصود بالذات، وقد استدل بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم ~~الخيل قائلين بأن التعليل بالركوب يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون ms2067 ~~غيرها، قالوا: ويؤيد ذلك إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر وإخراجها عن ~~الأنعام فيفيد ذلك اتحاد حكمها في تحريم الأكل. قالوا: ولو كان أكل الخيل ~~جائز لكان ذكره والامتنان به أولى من ذكر الركوب، لأنه أعظم فائدة منه، وقد ~~ذهب إلى هذا مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم. ~~وذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين وغيرهم إلى حل لحوم الخيل، ولا حجة لأهل ~~القول والأول في التعليل بقوله " لتركبوها " لأن ذكر ما هو الأغلب من ~~منافعها لا ينافي غيره، ولا نسلم أن الأكل أكثر فائدة من الركوب حتى يذكر ~~ويكون ذكره أقدم من ذكر الركوب، وأيضا لو كانت هذه الآية تدل على تحريم ~~الخيل لدلت على تحريم الحمر الأهلية، وحينئذ لا يكون ثم حاجة لتحديد ~~التحريم لها عام خيبر، وقد قدمنا أن هذه السورة مكية. والحاصل أن الأدلة ~~الصحيحة قد دلت على حل أكل لحوم الخيل، فلو سلمنا أن في هذه الآية متمسكا ~~للقائلين بالتحريم لكانت السنة المطهرة الثابتة رافعة لهذا الاحتمال، ~~ودافعة لهذا الاستدلال، وقد أوضحنا هذه المسئلة في مؤلفاتنا بما لا يحتاج ~~الناظر فيه إلى غيره (ويخلق ما لا تعلمون) أي يخلق مالا يحيط علمكم به من ~~المخلوقات غير ما قد عدده ها هنا، وقيل المراد من أنواع الحشرات والهوام في ~~أسافل الأرض، وفى البحر مما لم يره البشر ولم يسمعوا به، وقيل هو ما أعد ~~الله لعباده في الجنة وفى النار مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر ~~على قلب بشر، وقيل هو خلق السوس في النبات والدود في الفواكه، وقيل عين تحت ~~العرش، وقيل نهر من النور، وقيل أرض بيضاء، ولا وجه للاقتصار في تفسير هذه ~~الآية على نوع من هذه الأنواع، بل المراد أنه سبحانه يخلق ما لا يعلم به ~~العباد، فيشمل كل شئ لا يحيط علمهم به، والتعبير هنا بلفظ المستقبل ~~لاستحضار الصورة، لأنه سبحانه قد خلق ما لا يعلم به العباد (وعلى الله قاصد ~~السبيل) القصد مصدر بمعنى الفاعل، فالمعنى ms2068 وعلى الله قاصد السبيل: أي هداية ~~قاصد الطريق المستقيم بموجب وعده المحتوم وتفضله الواسع، وقيل هو على حذف ~~مضاف، والتقدير: وعلى الله بيان قصد السبيل، والسبيل: الإسلام، وبيانه ~~بإرسال الرسل وإقامة الحجج والبراهين، والقصد في السبيل هو كونه موصلا إلى ~~المطلوب، فالمعنى: وعلى الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب (ومنها جائر) ~~الضمير في " منها " راجع إلى السبيل بمعنى الطريق، لأنها تذكر وتؤنث، وقيل ~~راجع إليها بتقدير مضاف: أي ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل عنه، ~~فلا يهتدى به، ومنه قول امرئ القيس: # ومن الطريقة جائر وهدى * قصد السبيل ومنه ذو دخل وقيل إن الطريق كناية عن ~~صاحبها، والمعنى: ومنهم جائر عن سبيل الحق: أي عادل عنه، فلا يهتدى إليه ~~قيل وهم أهل الأهواء المختلفة، وقيل أهل الملل الكفرية، وفى مصحف عبد الله ~~" ومنكم جائر " وكذا قرأ على (ولو شاء لهداكم أجمعين) أي ولو شاء أن يهديكم ~~جميعا إلى الطريق الصحيح، والمنهج الحق لفعل ذلك، ولكنه لم PageV03P149 # يشأ، بل اقتضت مشيئته سبحانه إراءة الطريق والدلالة عليها - وهديناه ~~النجدين -، وأما الإيصال إليها بالفعل فذلك يستلزم أن لا يوجد في العباد ~~كافر، ولا من يستحق النار من المسلمين، وقد اقتضت المشيئة الربانية أنه ~~يكون البعض مؤمنا والبعض كافرا كما نطق بذلك القرآن في غير موضع. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال " لما نزل أتى أمر الله ذعر أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نزلت (فلا تستعجلوه) فسكنوا ". وأخرج عبد ~~الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص ~~قال " لما نزلت (أتى أمر الله) قاموا، فنزلت (فلا تستعجلوه) ". وأخرج ابن ~~مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس (أتى أمر الله) قال: خروج محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال " لما نزلت ~~هذه الآية (أتى أمر الله) قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض إن هذا يزعم أن ~~أمر الله أتى، فأمسكوا عن بعض ms2069 ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما ~~رأوا أنه لا ينزل شئ قالوا: ما نراه نزل شئ، - فنزلت - اقترب للناس حسابهم ~~-، فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضا، فلما رأوا أنه لا ينزل شئ قالوا: ما ~~نراه نزل شئ، فنزلت - ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة - الآية ". # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله (أتى أمر ~~الله) قال: الأحكام والحدود والفرائض. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله ~~(ينزل الملائكة بالروح) قال: بالوحي. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وبن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي عنه قال الروح: أمر من ~~أمر الله وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم، وما ينزل من السماء ~~ملك إلا ومعه واحد من الروح، ثم تلا يوم يقوم الروح والملائكة صفا -. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الحسن (ينزل الملائكة بالروح) قال: القرآن. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لكم فيها ~~دفء) قال: الثياب (ومنافع) قال: ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وأخرج ~~عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ~~نسل كل دابة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ~~(وتحمل أثقالكم إلى بلد) يعنى مكة (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) قال: ~~لو تكلفتموه لم تطيقوه إلا بجهد شديد. # وقد ورد في حل أكل لحوم الخيل أحاديث منها في الصحيحين وغيرهما من حديث ~~أسماء قالت " نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأكلناه ". وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن جابر قال " أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية "، وأخرج أبو داود نحوه من ~~حديثه أيضا، وهما على شرط مسلم. وثبت أيضا في الصحيحين عن حديث جابر قال " ~~نهى رسول الله صلى الله عليه ms2070 وآله وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في ~~الخيل ". وأما ما أخرجه أبو عبيد وأبو داود والنسائي من حديث خالد بن ~~الوليد قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير "، ففي إسناده صالح بن يحيى بن أبي ~~المقدام وفيه مقال. ولو فرضنا أن الحديث صحيح لم يقو على معارضة أحاديث ~~الحل على أنه يكون أن هذا الحديث المصرح بالتحريم متقدم على يوم خيبر فيكون ~~منسوخا. وأخرج الخطيب وابن عساكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قوله (ويخلق ما لا تعلمون) قال: البراذين. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن مما خلق الله أرضا ~~من لؤلؤة بيضاء ". ثم ساق من أوصافها ما يدل على أن الحديث موضوع، ثم قال ~~في آخره " فذلك قوله ويخلق ما لا تعلمون ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن PageV03P150 # ابن عباس (وعلى الله قصد السبيل) يقول: على الله أن يبين الهدى والضلالة ~~(ومنها جائر) قال السبل المتفرقة. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(وعلى الله قصد السبيل) قال: على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته ~~(ومنها جائر) قال: من السبل ناكب عن الحق، قال: وفى قراءة ابن مسعود " ~~ومنكم جائر ". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ~~علي أنه كان يقرأ هذه الآية " ومنكم جائر ". # سورة النحل الآية (10 - 19) لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته ~~وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب ~~بغرائب أحوال النبات فقال (هو الذي أنزل من السماء) أي من جهة السماء، وهى ~~السحاب (ماء) أي نوعا من أنواع الماء، وهو المطر (لكم منه شراب) يجوز أن ~~يتعلق لكم بأنزل أو هو خبر مقدم، وشراب مبتدأ مؤخر، والجملة صفة لما (ومنه) ~~في محل نصب على الحال، والشراب اسم لما ms2071 يشرب كالطعام لما يطعم، والمعنى: أن ~~الماء النازل من السماء قسمان: قسم يشربه الناس، ومن جملته ماء الآبار ~~والعيون، فإنه من المطر لقوله - فسلكه ينابيع في الأرض - وقسم يحصل منه شجر ~~ترعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر، لأن التركيب يدل ~~على الاختلاط، ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى ~~الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد من ~~الشجر في الآية الكلأ، وقيل الشجر كل ماله ساق كقوله تعالى - والنجم والشجر ~~يسجدان - والعطف يقتضى التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون ~~الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز (فيه تسيمون) أي في ~~الشجر ترعون مواشيكم، يقال سامت السائمة تسوم سوما رعت فهي سائمة، وأسمتها: ~~أي أخرجتها إلى الرعى فأنا مسيم وهى مسامة وسائمة، وأصل السوم الإبعاد في ~~المرعى. قال الزجاج: أخذ من السومة وهى العلامة، لأنها تؤثر PageV03P151 # في الأرض علامات برعيها (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب) ~~قرأ أبو بكر عن عاصم " ننبت " بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية: أي ~~ينبت الله لكم بذلك الماء الذي أنزله من السماء، وقدم الزرع لأنه أصل ~~الأغذية التي يعيش بها الناس. وأتبعه بالزيتون لكونه فاكهة من وجه وإداما ~~من وجه لكثرة ما فيه من الدهن، وهو جمع زيتونة، ويقال للشجرة نفسها زيتونة، ~~ثم ذكر النخيل لكونه غذاء وفاكهة وهو مع العنب أشرف الفواكه، وجمع الأعناب ~~لاشتمالها على الأصناف المختلفة، ثم أشار إلى سائر الثمرات فقال (ومن كل ~~الثمرات) كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها فيما سبق بقوله - ويخلق مالا ~~تعلمون -، وقرأ أبى ابن كعب " ينبت لكم به الزرع " يرفع الزرع وما بعده (إن ~~في ذلك) أي الإنزال والإنبات (لآية) عظيمة دالة على كمال القدرة والتفرد ~~بالربوبية (لقوم يتفكرون) في مخلوقات الله ولا يهملون النظر في مصنوعاته ~~(وسخر لكم الليل والنهار) معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب ما ~~تقتضيه مصالحهم وتستدعيه حاجاتهم، يتعاقبان دائما ms2072 كالعبد الطائع لسيده لا ~~يخالف ما يأمره به ولا يخرج عن إرادته ولا يهمل السعي في نفعه، وكذا الكلام ~~في تسخير الشمس والقمر والنجوم، فإنها تجرى على نمط متحد يستدل بها العباد ~~على مقادير الأوقات، ويهتدون بها ويعرفون أجزاء الزمان، ومعنى مسخرات ~~مذللات. وقرأ ابن عامر وأهل الشام (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) بالرفع ~~على الابتداء والخبر. # وقرأ الباقون بالنصب عطفا على الليل والنهار. وقرأ حفص عن عاصم برفع ~~النجوم على أنه مبتدأ وخبره مسخرات (بأمره) وعلى قراءة النصب في مسخرات ~~يكون حالا مؤكدة. لأن التسخير قد فهم من قوله " وسخر "، وقرأ حفص في رواية ~~برفع مسخرات مع نصب ما قبله على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هي مسخرات (إن في ~~ذلك) التسخير (لآيات لقوم يعقلون) أي يعملون عقولهم في هذه الآثار الدالة ~~على وجود الصانع وتفرده وعدم وجود شريك له، وذكر الآيات لأن الآثار العلوية ~~أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة، وجمعها ~~ليطابق قوله مسخرات، وقيل: إن وجه الجمع هو أن كلا من تسخير الليل والنهار ~~والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها بخلاف ما تقدم من الإنبات فإنه آية ~~واحدة، ولا يخلو كل هذا عن تكلف، والأولى أن يقال: إن هذه المواضع الثلاثة ~~التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها كل واحد منها يصلح للجمع باعتبار ~~وللإفراد باعتبار، فلم يجرها على طريقة واحدة افتنانا وتنبيها على جواز ~~الأمرين وحسن كل واحد منهما (وما ذرأ لكم في الأرض) أي خلق: يقال ذرأ الله ~~الخلق يذرؤهم ذرءا: خلقهم. فهو ذارئ، ومنه الذرية، وهى نسل الثقلين، وقد ~~تقدم تحقيق هذا، وهو معطوف على النجوم رفعا ونصبا: أي وسخر لكم ما ذرأ في ~~الأرض. # فالمعنى: أنه سبحانه سخر لهم تلك المخلوقات السماوية والمخلوقات الأرضية، ~~وانتصاب مختلفا ألوانه على الحال، وألوانه: هيئاته ومناظره، فإن ذرء هذه ~~الأشياء على اختلاف الألوان والأشكال مع تساوى الكل في الطبيعة الجسمية آية ~~عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرده (إن في ذلك) التسخير لهذه الأمور ms2073 ~~(لآية) واضحة (لقوم يذكرون) فإن من تذكر اعتبر، ومن اعتبر استدل على ~~المطلوب، قيل وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، ~~وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإراحة العلة، فمن لم ~~يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له، وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد ~~الدلالة، فمن شك بعد ذلك فلا حس له، وفى هذا من التكلف ما لا يخفى. والأولى ~~أن يقال هنا كما قلنا فيما تقدم في إفراد الآية في البعض وجمعها في البعض ~~الآخر، وبيانه أن كلا من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر ولذكر ~~التعقل ولذكر التذكر لاعتبارات PageV03P152 # ظاهرة غير خفية، فكان في التعبير في كل موضع بواحد منها افتنان حسن لا ~~يوجد في التعبير بواحد منها في جميع المواضع الثلاثة (وهو الذي سخر البحر) ~~أمتن الله سبحانه بتسخير البحر بامكان الركوب عليه واستخراج ما فيه من صيد ~~وجواهر، لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده مع ما فيه من ~~الدلالة على وحدانية الرب سبحانه وكمال قدرته، وقد جمع الله سبحانه لعباده ~~في هذا المقام بين التذكير لهم بآياته الأرضية والسماوية والبحرية، فأرشدهم ~~إلى النظر والاستدلال بالآيات المتنوعة المختلفة الأمكنة إتماما للحجة، ~~وتكميلا للإنذار، وتوضيحا لمنازع الاستدلال، ومناطات البرهان، ومواضع النظر ~~والاعتبار، ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال (لتأكلوا منه لحما طريا) ~~المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة ~~بأكله لكونه مما يفسد بسرعة (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) أي لؤلؤا ~~ومرجانا كما في قوله سبحانه - يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان - وظاهر قوله " ~~تلبسونها " أنه يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان: أي يجعلونه حلية ~~لهم كما يجوز للنساء، ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله ~~" تلبسونها " بقوله تلبسه نساؤهم، لأنهن من جملتهم، أو لكونهن يلبسنها ~~لأجلهم، وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضى منع الرجال من التحلي باللؤلؤ ~~والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة، فإن ذلك ~~ممنوع من جهة كونه تشبها بهن، ms2074 وقد ورد الشرع بمنعه لا من جهة كونه حلية ~~لؤلؤ أو مرجان (وترى الفلك مواخر فيه) أي ترى السفن شواق للماء تدفعه ~~بصدرها. # ومخر السفينة: شقها الماء بصدرها. قال الجوهري: مخر السابح: إذا شق الماء ~~بصدره، ومخر الأرض: شقها للزراعة، وقيل مواخر: جواري، وقيل معترضة، وقيل ~~تذهب وتجئ، وقيل ملججة. قال ابن جرير: المخر في اللغة: صوت هبوب الريح، ولم ~~يقيد بكونه في ماء (ولتبتغوا من فضله) معطوف على تستخرجوا، وما بينهما ~~اعتراض، أو على علة محذوفة تقديره لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا، أو على تقدير ~~فعل ذلك لتبتغوا: أي لتتجروا فيه فيحصل لكم الربح من فضل الله سبحانه ~~(ولعلكم تشكرون) أي إذا وجدتم فضله عليكم وإحسانه إليكم اعترفتم بنعمته ~~عليكم فشكرتم بعد ذلك باللسان والأركان. قيل ولعل وجه تخصيص هذه النعمة ~~بالتعقيب بالشكر من حيث أن فيها قطعا لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة من غير ~~مزاولة أسباب السفر، بل من غير حركة أصلا مع أنها في تضاعيف المهالك، ويمكن ~~أن يضم إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر ~~من كون فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوس وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من ~~أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له، ثم أردف هذه النعم الموجبة ~~للتوحيد المفيدة للاستدلال على المطلوب بنعمة أخرى وآية كبرى فقال (وألقى ~~في الأرض رواسي) أي جبالا ثابتة، يقال رسا يرسو: إذا ثبت وأقام، قال ~~الشاعر: # فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع (أن تميد بكم) أي كراهة ~~أن تميد بكم على ما قاله البصريون، أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون. ~~والميد: # الاضطراب يمينا وشمالا، ماد الشئ يميد ميدا تحرك، ومادت الأغصان تمايلت، ~~وماد الرجل تبختر (وأنهارا) أي وجعل فيها أنهارا، لأن الإلقاء ها هنا بمعنى ~~الجعل والخلق كقوله - وألقيت عليك محبة منى - (وسبلا) أي وجعل فيها سبلا ~~وأظهرها وبيتها لأجل تهتدون بها في أسفاركم إلى مقاصدكم. والسبل: الطرق ~~(وعلامات) أي وجعل فيها علامات وهى معالم الطرق. والمعنى: أنه ms2075 سبحانه جعل ~~للطرق علامات يهتدون بها (وبالنجم هم يهتدون) المراد بالنجم الجنس: أي ~~يهتدون به في سفرهم ليلا. وقرأ ابن وثاب وبالنجم بضم النون والجيم، ومراده ~~النجوم فقصره، أو هو جمع نجم كسقف وسقف، وقيل المراد بالنجم هنا الجدي ~~والفرقدان قاله الفراء، وقيل الثريا، وقيل العلامات PageV03P153 # الجبال، وقيل هي النجوم، لأن من النجوم ما يهتدى به، ومنها ما يكون علامة ~~لا يهتدى بها. وذهب الجمهور إلى أن المراد في الآية الاهتداء في الأسفار، ~~وقيل هو الاهتداء إلى القبلة، ولا مانع من حمل ما في الآية على ما هو أعم ~~من ذلك. قال الأخفش: ثم الكلام عند قوله وعلامات، وقوله (وبالنجم هم ~~يهتدون) كلام منفصل عن الأول، ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ~~ووحدانيته وكمال قدرته أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال (أفمن يخلق) ~~هذه المصنوعات العظيمة ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة (كمن لا يخلق) شيئا منها ~~ولا يقدر على إيجاد واحد منها، وهو هذه الأصنام التي تعبدونها وتجعلونها ~~شركاء لله سبحانه، وأطلق عليها لفظ " من " إجراء لها مجرى أولى العلم جريا ~~على زعمهم بأنها آلهة، أو مشاكلة لقوله " أفمن يخلق " لوقوعها في صحبته، ~~وفى هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ للكفار ما لا يخفى، وما أحقهم بذلك، ~~فإنهم جعلوا بعض المخلوقات شريكا لخالقه - تعالى الله عما يشركون - (أفلا ~~تذكرون) مخلوقات الله الدالة على وجوده وتفرده بالربوبية وبديع صنعته ~~فتستدلون بها على ذلك، فإنها لوضوحها يكفي في الاستدلال بها مجرد التذكر ~~لها، ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم قال ~~(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وقد مر تفسير هذا في سورة إبراهيم، قال ~~العقلاء: إن كل جزء من أجزاء الانسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص ~~النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك ~~الخلل، فهو سبحانه يدير بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن ~~الإنسان لا علم له بوجود ذلك فكيف يطيق حصر ms2076 بعض نعم الله عليه أو يقدر على ~~إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها؟ # يا ربنا هذه نواصينا بيدك خاضعة لعظيم نعمك معترفة بالعجز عن بادية الشكر ~~لشئ منها، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق التعبير ~~بالشكر لك، فتجاوز عنا واغفر لنا وأسبل ذيول سترك على عوراتنا فإنك إن لا ~~تفعل ذلك نهلك بمجرد التقصير في شكر نعمك، فكيف بما قد فرط منا من التساهل ~~في الائتمار بأوامرك والانتهاء عن مناهيك، وما أحسن ما قال من قال: # العفو يرجى من بني آدم * فكيف لا يرجى من الرب فقلت مذيلا لهذا البيت ~~الذي هو قصر مشيد: # فإنه أرءف بي منهم * حسبي به حسبي به حسبي وما أحسن ما ختم به هذا ~~الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال ~~(إن الله لغفور رحيم) أي كثير المغفرة والرحمة لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر ~~نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها ~~عليكم وإدرارها في كل لحظة وعند كل نفس تتنفسونه وحركة تحتركون بها. # اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان وعدد ما ~~سيشكرك تعالى الشاكرون بكل لسان في كل زمان، فقد خصصتني بنعم لم أرها على ~~كثير من خلقك، وإن رأيت منها شيئا على بعض خلقك لم أر عليه بقيتها، فأنى ~~أطيق شكرك وكيف أستطيع بادية أدنى شكر أدناها فكيف أستطيع أعلاها؟ فكيف ~~أستطيع شكر نوع من أنواعها؟ ثم بين لعباده بأنه عالم بجميع ما يصدر منهم لا ~~تخفى عليه منه خافية فقال (والله يعلم ما تسرون) أي تضمرونه من الأمور (وما ~~تعلنون) أي تظهرونه منها، وفيه وعيد وتعريض وتوبيخ، وتنبيه على أن الإله ~~يجب أن يكون عالما بالسر والعلانية لا كالأصنام التي يعبدونها، فإنها ~~جمادات لا شعور لها بشئ من الظواهر فضلا عن السرائر فكيف يعبدونها؟. ~~PageV03P154 # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (وما ذرأ ms2077 لكم في الأرض) قال: ما خلق لكم في الأرض مختلفا من الدواب، ~~والشجر والثمار نعم من الله متظاهرة فاشكروها لله. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله (لتأكلوا منه لحما طريا) يعنى حيتان البحر (وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها) قال: هذا اللؤلؤ. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في قوله (وهو ~~الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا) قال: # هو السمك وما فيه من الدواب. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: ليس في ~~الحلى زكاة، ثم قرأ (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها). أقول: وفى هذا ~~الاستدلال نظر. والذي ينبغي التعويل عليه أن الأصل البراءة من الزكاة حتى ~~يرد الدليل بوجوبها في شئ من أنواع المال فتلزم، وقد ورد في الذهب والفضة ~~ما هو معروف، ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدل على وجوب ~~الزكاة فيها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس مواخر قال: جواري. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة (مواخر) ~~قال: تشق الماء بصدرها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك (مواخر) ~~قال: السفينتان تجريان بريح واحدة مقبلة ومدبرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~السدى في قوله (ولتبتغوا من فضله) قال: هي التجارة، وأخرج عبد الرازق وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (رواسي) قال: الجبال (أن ~~تميد بكم) قال: حتى لا تميد بكم، كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقر، ~~فأصبحوا صبحا وقد جعل الله الجبال، وهى الرواسي أوتادا في الأرض. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن السدى في قوله (وسبلا) قال: السبل هي الطرق بين الجبال. وأخرج ~~عبد الرازق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب عن قتادة (وسبلا) ~~قال: طرقا (وعلامات) قال: هي النجوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في الآية ~~قال: علامات النهار الجبال. وأخرج عبد الرازق وابن جرير وابن المنذر عن ~~الكلبي وعلامات قال: الجبال: وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن ms2078 مردويه عن ابن عباس (وعلامات) يعنى معالم الطرق بالنهار (وبالنجم هم ~~يهتدون) يعنى بالليل. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(أفمن يخلق كمن لا يخلق) قال: الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي ~~تعبد من دون الله تخلق ولا تخلق شيئا ولا تملك لأهلها ضرا ولا نفعا. # سورة النحل الآية (20 - 26) PageV03P155 # شرع سبحانه في تحقيق كون الأصنام التي أشار إليها بقوله (كمن لا يخلق) ~~عاجزة على أن يصدر منها خلق شئ فلا تستحق عبادة فقال (والذين تدعون من دون ~~الله) أي الآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله سبحانه صفتهم هذه الصفات ~~المذكورة، وهى أنهم (لا يخلقون شيئا) من المخلوقات أصلا لا كبيرا ولا صغيرا ~~ولا جليلا ولا حقيرا (وهم يخلقون) أي وصفتهم أنهم يخلقون، فكيف يتمكن ~~المخلوق من أن يخلق غيره؟ ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه أثبت لهم صفة ~~النقصان بعد أن سلب عنهم صفة الكمال، بخلاف قوله (أفمن يخلق كمن لا يخلق) ~~فإنه اقتصر على مجرد سلب صفة الكمال. وقراءة الجمهور والذين تدعون بالمثناة ~~الفوقية على الخطاب مطابقة لما قبله. # وروى أبو بكر عن عاصم، وروى هبيرة عن حفص يدعون بالتحية، وهى قراءة ~~يعقوب، ثم ذكر صفة أخرى من صفاتهم فقال (أموات غير أحياء) يعنى أن هذه ~~الأصنام أجسادها ميتة لا حياة بها أصلا، فزيادة " غير أحياء " لبيان أنها ~~ليست كبعض الأجساد التي تموت بعد ثبوت الحياة لها بل لا حياة لهذه أصلا، ~~فكيف يعبدونها وهم أفضل منها؟ لأنهم أحياء (وما يشعرون أيان يبعثون) الضمير ~~في يشعرون للآلهة، وفى يبعثون للكفار الذين يعبدون الأصنام، والمعنى: ما ~~تشعر هذه الجمادات من الأصنام أبان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على ~~طريقة التهكم بهم، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة فضلا ~~عن الأمور التي لا يعلمها إلا الله سبحانه، وقيل يجوز أن يكون الضمير في ~~يبعثون للآلهة: أي وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث، ويؤيد ذلك ما ms2079 روى أن ~~الله يبعث الأصنام ويخلق لها أرواحا معها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، ~~ويدل على هذا قوله - إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - وقيل قد تم ~~الكلام عند قوله (وهو يخلقون) ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، فيكون الضميران على هذا للكفار، وعلى القول ~~بأن الضميرين أو أحدهما للأصنام يكون التعبير عنها مع كونها لا تعقل بما هو ~~للعقلاء جريا على اعتقاد من يعبدها بأنها تعقل. وقرأ السلمي " إيان " بكسر ~~الهمزة، وهما لغتان، وهو في محل نصب بالفعل الذي قبله (إلهكم إله واحد) لما ~~زيف سبحانه طريقة عبدة الأوثان صرح بما هو الحق في نفس الأمر، وهو وحدانيته ~~سبحانه، ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال (فالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة قلوبهم منكرة) للوحدانية لا يؤثر فيها وعظ ولا ينجع فيها تذكير ~~(وهم مستكبرون) عن قبول الحق، متعظمون عن الإذعان للصواب، مستمرون على ~~الجحد (لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) قال الخليل: لا جرم كلمة ~~تحقيق ولا تكون إلا جوابا: أي حقا أن الله يعلم ما يسرون من أقوالهم ~~وأفعالهم وما يعلنون من ذلك، وقد مر تحقيق الكلام في لا جرم (إنه لا يحب ~~المستكبرون) أي لا يحب هؤلاء الذين يستكبرون عن توحيد الله والاستجابة ~~لأنبيائه، والجملة تعليل لما تضمنه الكلام المتقدم (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ~~ربكم) أي وإذا قال لهؤلاء الكفار المنكرين المستكبرين قائل ماذا أنزل ربكم؟ ~~أي أي شئ أنزل ربكم؟ # أو ماذا الذي أنزل؟ قيل القائل النضر بن الحارث والآية نزلت فيه، فيكون ~~هذا القول منه على طريق التهكم، وقيل القائل هو من يفد عليهم، وقيل القائل ~~المسلمون، فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون ف‍ (قالوا أساطير الأولين) ~~بالرفع: أي ما تدعونه أيها المسلمون نزوله أساطير الأولين، أو أن المشركين ~~أرادوا السخرية بالمسلمين فقالوا المنزل عليكم أساطير الأولين. وعلى هذا ~~فلا يرد ما قيل من أن هذا لا يصلح أن يكون جوابا من المشركين، وإلا ms2080 لكان ~~المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأولين والكفار لا يقرون بالإنزال، ووجه ~~عدم وروده هو ما ذكرناه، وقيل هو كلام مستأنف: أي ليس ما تدعون إنزاله أيها ~~المسلمون منزلا بل هو أساطير الأولين، وقد جوز على مقتضى علم النحو نصب ~~أساطير وإن لم تقع القراءة به، ولا بد في النصب من التأويل الذي ذكرنا: أي ~~أنزل PageV03P156 # على دعواكم أساطير الأولين، أو يقولون ذلك من أنفسهم على طريق السخرية. ~~والأساطير: الأباطيل والترهات التي يتحدث الناس بها عن القرون الأولى. وليس ~~من كلام الله في شئ ولا مما أنزله الله أصلا في زعمهم (ليحملوا أوزارهم ~~كاملة) أي قالوا هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم كاملة. لم يكفر منها شئ ~~لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب، وقيل إن اللام هي لام العاقبة، ~~لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل يحملون الأوزار، ولكن لما كان ~~عاقبتهم ذلك حسن التعليل به كقوله - ليكون لهم عدوا وحزنا - وقيل هي لام ~~الأمر (ومن أوزار الذين يضلونهم) أي ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم لأن من ~~سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، وقيل من للجنس لا للتبعيض: أي ~~يحملون كل أوزار الذين يضلونهم، ومحل (بغير علم) النصب على الحال من فاعل " ~~يضلونهم " أي يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه، ولا عارفين ~~بما يلزمهم من الآثام، وقيل إنه حال من المفعول: أي يضلون من لا علم له، ~~ومثل هذه الآية - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم -. # وقد تقدم في الأنعام الكلام على قوله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - (ألا ~~ساء ما يزرون) أي بئس شيئا يزرونه ذلك. ثم حكى سبحانه حال أضرابهم من ~~المتقدمين فقال (قد مكر الذين من قبلهم) ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد ~~به نمروذ بن كنعان حيث بنى بناء عظيما ببابل، ورام الصعود إلى السماء ~~ليقاتل أهلها، فأهب الله الريح، فخر ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا، ~~والأولى أن الآية عامة في جميع المبطلين من المتقدمين الذين يحاولون إلحاق ~~الضر بالمحقين، ms2081 ومعنى المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق، وفى ~~هذا وعيد للكفار المعاصرين له صلى الله عليه وآله وسلم بأن مكرهم سيعود ~~عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم (فأتى الله بنيانهم) أي أتى أمر ~~الله، وهو الريح التي أخربت بنيانهم. قال المفسرون: أرسل الله ريحا فألقت ~~رأس الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي (من القواعد) قال الزجاج: من ~~الأساطين، والمعنى: أنه أتاها أمر الله من جهة قواعدها فزعزعها (فخر عليهم ~~السقف من فوقهم) قرأ ابن أبي هريرة وابن محيصن " السقف " بضم السين والقاف ~~جميعا. وقرأ مجاهد بضم السين وسكون القاف، وقرأ الباقون " السقف " بفتح ~~السين وسكون القاف، والمعنى: أنه سقط عليهم السقف، لأنه بعد سقوط قواعد ~~البناء يسقط جميع ما هو معتمد عليها. قال ابن الأعرابي، وإنما قال من فوقهم ~~(ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته، والعرب تقول خر علينا سقف، ووقع علينا حائط ~~إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه، فجاء بقوله (من فوقهم) ليخرج هذا الشك ~~الذي في كلام العرب، لقال (من فوقهم) أي عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا، ~~وما أفلتوا، وقيل إن المراد بالسقف السماء: أي أتاهم العذاب من السماء التي ~~فوقهم، وقيل إن هذه الآية تمثيل لهلاكهم، والمعنى: أهلكهم فكانوا بمنزلة من ~~سقط بنيانه عليه. # وقد اختلف في هؤلاء الذين خر عليهم السقف، فقيل هو نمروذ كما تقدم، وقيل ~~إنه بختنصر وأصحابه، وقيل هم المقسمون الذين تقدم ذكرهم في سورة الحجر ~~(وأتاهم العذاب) أي الهلاك (من حيث لا يشعرون) به، بل من حيث أنهم في أمان، ~~ثم بين سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا. فقال (ثم يوم القيامة ~~يخزيهم) بإدخالهم النار، ويفضحهم بذلك ويهينهم، وهو معطوف على مقدر: أي هذا ~~عذابهم في الدنيا، ثم يوم القيامة يخزيهم (ويقول) لهم مع ذلك توبيخا ~~وتقريعا (أين شركائي) كما تزعمون وتدعون، قرأ ابن كثير من رواية البزي " ~~شركاى " من دون همز، وقرأ الباقون بالهمز، ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله ~~(الذين كنتم تشاقون فيهم) قرأ ms2082 نافع بكسر النون على الإضافة، وقرأ الباقون ~~بفتحها، أي تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم، وعلى قراءة نافع تخاصمونني ~~فيهم وتعادونني: ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم. PageV03P157 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله (لا جرم) يقول: بلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك (لا ~~جرم) قال: يعنى لحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لا كذب. وأخرج مسلم ~~وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا ~~يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فقال رجل: يا رسول الله ~~الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، ~~الكبر بطر الحق وغمص الناس " وفى ذم الكبر ومدح التواضع أحاديث كثيرة، ~~وكذلك في إخراج محبة حسن الثوب وحسن النعل، ونحو ذلك من الكبر أحاديث ~~كثيرة. والحاصل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين ماهية الكبر أنه ~~بطر الحق وغمص الناس، فهذا هو الكبر المذموم. وقد ساق صاحب الدر المنثور ~~عند تفسيره لهذه الآية: أعني قوله سبحانه (إنه لا يحب المستكبرين) أحاديث ~~كثيرة ليس هذا مقام إيرادها، بل المقام مقام ذكر ما له علاقة بتفسير الكتاب ~~العزيز، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (قالوا أساطير الأولين) أن ~~ناسا من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتى نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فإذا مروا سألوهم فأخبروهم بما سمعوا من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالوا إنما هو أساطير الأولين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (ليحملوا أوزارهم) الآية يقول يحملون مع ذنوبهم ذنوب ~~الذين يضلونهم بغير علم وذلك مثل قوله سبحانه - وأثقالا مع أثقالهم -. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ms2083 نحوه، ~~وزاد ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئا. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (قد مكر الذين من قبلهم) قال: نمروذ بن كنعان حين ~~بنى الصرح. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن أسلم أنه النمرود أيضا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله - فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد) قال: أتاها أمر الله من أصلها (فخر عليهم السقف من ~~فوقهم) والسقف: أعالي البيوت فائتكفت بهم بيوتهم، فأهلكهم الله ودمرهم ~~(وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (تشاقون فيهم) قال: تخالفوني. # سورة النحل الآية (27 - 32). PageV03P158 # قوله (قال الذين أوتوا العلم) قيل هم العلماء قالوه لأممهم الذين كانوا ~~يعظونهم ولا يلتفتون إلى وعظهم، وكان هذا القول منهم على طريق الشماتة، ~~وقيل هم الأنبياء، وقيل الملائكة، والظاهر الأول لأن ذكرهم بوصف العلم يفيد ~~ذلك وإن كان الأنبياء والملائكة هم من أهل العلم، بل هم أعرق فيه لكن لهم ~~وصف يذكرون به هو أشرف من هذا الوصف، وهو كونهم أنبياء أو كونهم ملائكة، ~~ولا يقدح في هذا جواز الإطلاق، لأن المراد الاستدلال على الظهور فقط (إن ~~الخزي اليوم) أي الذل والهوان والفضيحة يوم القيامة (والسوء) أي العذاب ~~(على الكافرين) مختص بهم (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) قد تقدم ~~تفسيره، والموصول في محل الجر على أنه نعت للكافرين، أو بدل منه، أو في محل ~~نصب على الاختصاص، أو في محل رفع على تقدير مبتدأ: أي هم الذين تتوفاهم، ~~وانتصاب ظالمي أنفسهم على الحال (فألقوا السلم) معطوف على " فيقول أين ~~شركائي " وما بينهما اعتراض أي أقروا بالربوبية، وانقادوا عند الموت، ~~ومعناه الاستسلام قاله قطرب، وقيل معناه المسالمة: أي سالموا وتركوا ~~المشاقة قاله الأخفش، وقيل معناه الإسلام أي أقروا بالإسلام وتركوا ما ~~كانوا فيه من الكفر، ms2084 وجملة (أما كنا نعمل من سوء) يجوز أن تكون تفسيرا ~~للسلم على أن يكون المراد بالسلم الكلام الدال عليه، ويجوز أن يكون المراد ~~بالسوء هنا الشرك، ويكون هذا القول منهم على وجه الجحود والكذب، ومن لم ~~يجوز الكذب على أهل القيامة حمله على أنهم أرادوا أنهم لم يعملوا سوءا في ~~اعتقادهم وعلى حسب ظنونهم، ومثله قولهم - والله ربنا ما كنا مشركين - فلما ~~قالوا هذا أجاب عليهم أهل العلم بقولهم (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون) ~~أي بلى كنتم تعملون السوء إن الله عليم بالذي كنتم تعملونه فمجازيكم عليه ~~ولا ينفعكم هذا الكذب شيئا (فأدخلوا أبواب جهنم) أي يقال لهم ذلك عند ~~الموت. وقد تقدم ذكر أبواب جهنم وأن جهنم درجات بعضها فوق بعض، و (خالدين ~~فيها) حال مقدرة لأن خلودهم مستقبل (فلبئس مثوى المتكبرين) المخصوص بالذم ~~محذوف، والتقدير، لبئس مثوى المتكبرين جهنم، والمراد بتكبرهم هنا هو تكبرهم ~~عن الإيمان والعبادة كما في قوله - إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون - ثم أتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء، فقال (وقيل للذين ~~اتقوا) وهم المؤمنون (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) أي أنزل خيرا. قال ~~الثعلبي: فإن قيل لم ارتفع الجواب في قوله " أساطير الأولين " وانتصب في ~~قوله " خيرا " فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا الذي ~~يقولونه محمد هو أساطير الأولين، والمؤمنون آمنوا بالنزول، فقال أنزل خيرا ~~(للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) قيل هذا من كلام الله عز وجل، وقيل هو ~~حكاية لكلام الذين اتقوا، فيكون على هذا بدلا من خيرا، وعلى الأول يكون ~~كلاما مستأنفا مسوقا للمدح للمتقين، والمعنى: للذين أحسنوا أعمالهم في ~~الدنيا حسنة: أي مثوبة حسنة (ولدار الآخرة) أي مثوبتها (خير) مما أوتوا في ~~الدنيا (ولنعلم دار المتقين) دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لدلالة ما ~~قبله عليه، وارتفاع (جنات عدن) على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، أو خبر ~~مبتدأ محذوف، وقيل يجوز أن تكون هي المخصوص بالمدح (يدخلونها) هو إما خبر ~~المبتدأ، أو خبر ms2085 بعد خبر، وعلى تقدير تنكير عدن تكون صفة لجنات وكذلك (تجرى ~~من تحتها الأنهار) وقيل يجوز أن تكون الجملتان في محل نصب على الحال على ~~تقدير أن لفظ عدن علم، وقد تقدم معنى جرى الأنهار من تحت الجنات (لهم فيها ~~ما يشاءون) أي لهم في الجنات ما تقع عليه مشيئتهم صفوا عفوا يحصل لهم بمجرد ~~ذلك (كذلك يجزى الله المتقين) أي مثل ذلك الجزاء يجزيهم، والمراد بالمتقين ~~كل من يتقى الشرك وما يوجب النار من المعاصي، والموصول في قوله (الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين) في محل نصب نعت للمتقين المذكور قبله، قرأ الأعمش ~~وحمزة " تتوفاهم " في هذا الموضع، وفى الموضع الأول بالياء التحتية، وقرأ ~~الباقون بالمثناة الفوقية. واختار PageV03P159 # القراءة الأولى أبو عبيد مستدلا بما روى عن ابن مسعود أنه قال: إن قريشا ~~زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم. # وطيبين فيه أقوال: طاهرين من الشرك، أو الصالحين، أو زاكية أفعالهم ~~وأقوالهم، أو طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله، أو طيبة نفوسهم ~~بالرجوع إلى الله، أو طيبين الوفاة: أي هي عليهم سهلة لا صعوبة فيها، وجملة ~~(يقولون سلام عليكم) في محل نصب على الحال من الملائكة: أي قائلين سلام ~~عليكم، ومعناه يحتمل وجهين: # أحدهما أن يكون السلام إنذارا لهم بالوفاة. الثاني أن يكون تبشيرا لهم ~~بالجنة لأن السلام أمان. وقيل إن الملائكة يقولون: السلام عليك ولى الله إن ~~الله يقرأ عليك السلام (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) أي بسبب عملكم، قيل ~~يحتمل هذا وجهين: الأول أن يكون تبشيرا بدخول الجنة عند الموت، الثاني أن ~~يقولوا ذلك لهم في الآخرة. ولا ينافي هذا دخول الجنة بالتفضل كما في الحديث ~~الصحيح " سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله قيل ولا أنت ~~يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " وقد قدمنا البحث ~~عن هذا. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (وقيل للذين اتقوا) قال: # هؤلاء المؤمنون، يقال لهم ms2086 (ماذا أنزل ربكم) فيقولون (خيرا للذين أحسنوا) ~~أي آمنوا بالله وكتبه وأمروا بطاعته وحثوا عباد الله على الخير ودعوهم ~~إليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين) قال: أحياء وأمواتا قدر الله لهم ذلك. # سورة النحل الآية (33 - 40) قوله (هل ينظرون) الآية هذا جواب شبهة أخرى ~~لمنكري النبوة، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV03P160 # أن ينزل عليهم ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال: هل ~~ينظرون في تصديق نبوتك (إلا أن تأتيهم الملائكة) شاهدين بذلك، ويحتمل أن ~~يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أو عدهم الله بقوله ~~(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) لقبض أرواحهم (أو يأتي أمر ربك) أي ~~عذابه في الدنيا المستأصل لهم، أو المراد بأمر الله القيامة، وقرأ الأعمش ~~وابن وثاب وحمزة والكسائي وخلف " إلا أن يأتيهم الملائكة " بالياء التحتية ~~وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية، والمراد بكونهم ينظرون: أي ينتظرون إتيان ~~الملائكة أو إتيان أمر الله على التفسير الآخر أنهم قد فعلوا فعل من وجب ~~عليه العذاب وصار منتظرا له، وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقة، فإنهم لا ~~يؤمنون بذلك ولا يصدقونه (كذلك فعل الذين من قبلهم) أي مثل فعل هؤلاء من ~~الإصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء فعل الذين خلوا من قبلهم من طوائف ~~الكفار فأتاهم أمر الله فهلكوا (وما ظلمهم الله) بتدميرهم بالعذاب فإنه ~~أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بما ارتكبوه من ~~القبائح، وفيه أن ظلمهم مقصور عليهم باعتبار ما إليه يؤول، وجملة (فأصابهم ~~سيئات ما عملوا) معطوفة على فعل الذين من قبلهم، وما بينهما اعتراض، وقيل ~~في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ~~ما عملوا وما ظلمهم الله، والمعنى: فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، أو جزاء ~~أعمالهم السيئة (وحاق بهم) أي نزل بهم على وجه الإحاطة (ما كانوا به ~~يستهزئون) أي العذاب الذي كانوا به يستهزئون أو عقاب استهزائهم (وقال ms2087 الذين ~~أشركوا) هذا نوع آخر من كفرهم الذي حكاه الله عنهم، والمراد بالذين أشركوا ~~هنا أهل مكة (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ) أي لو شاء عدم عبادتنا ~~لشئ غيره ما عبدنا ذلك (نحن ولا آباؤنا) الذين كانوا على ما نحن عليه الآن ~~من دين الكفر والشرك بالله، قال الزجاج: إنهم قالوا هذا على جهة الاستهزاء، ~~ولو قالوه عن اعتقاد لكانوا مؤمنين، وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة ~~الأنعام (ولا حرمنا من دونه من شئ) من السوائب والبحائر ونحوهما، ومقصودهم ~~بهذا القول المعلق بالمشيئة الطعن في الرسالة: أي لو كان ما قاله الرسول ~~حقا من المنع من عبادة غير الله، والمنع من تحريم ما لم يحرمه الله حاكيا ~~ذلك عن الله لم يقع منا ما يخالف ما أراده منا فإنه قد شاء ذلك، وما شاءه ~~كان وما لم يشأه لم يكن، فلما وقع منا العبادة لغيره وتحريم ما لم يحرمه ~~كان ذلك دليلا على أن ذلك هو المطابق لمراده والموافق لمشيئته، مع أنهم في ~~الحقيقة لا يعترفون بذلك ولا يقرون به لكنهم قصدوا ما ذكرنا من الطعن على ~~الرسل (كذلك فعل الذين من قبلهم) من طوائف الكفر فإنهم أشركوا بالله وحرموا ~~ما لم يحرمه وجادلوا رسله بالباطل واستهزءوا بهم، ثم قال (فهل على الرسل) ~~الذين يرسلهم الله إلى عباده بما شرعه لهم من شرائعه التي رأسها توحيده، ~~وترك الشرك به (إلا البلاغ) إلى من أرسلوا إليهم بما أمروا بتبليغه بلاغا ~~واضحا يفهمه المرسل إليهم ولا يلتبس عليهم، ثم إنه سبحانه أكد هذا وزاده ~~إيضاحا فقال (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) كما بعثنا في هؤلاء لإقامة الحجة ~~عليهم - وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا - و " أن " في قوله (أن اعبدوا ~~الله) إما مصدرية: أي بعثنا بأن اعبدوا الله، أو مفسرة لأن في البعث معنى ~~القول (واجتنبوا الطاغوت) أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن ~~والصنم وكل من دعا إلى الضلال (فمنهم) أي من هذه ms2088 الأمم التي بعث الله إليها ~~رسله (من هدى الله) أي أرشده إلى دينه وتوحيده وعبادته واجتناب الطاغوت ~~(ومنهم من حقت عليه الضلالة) أي وجبت وثبتت لإصراره على الكفر والعناد. قال ~~الزجاج: أعلم الله أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة وهو من وراء الإضلال ~~والهداية، ومثل هذه الآية قوله تعالى - فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ~~- وفى هذه الآية التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته، واجتناب الشيطان ~~وكل ما يدعو إلى الضلال، وأنهم بعد ذلك PageV03P161 # فريقان فمنهم من هدى ومنهم من حقت عليه الضلالة، فكان في ذلك دليل على أن ~~أمر الله سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان، ولا ~~يريد الهداية إلا للبعض، إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد، وهذا معنى ما ~~حكيناه عن الزجاج هنا (فسيروا في الأرض) سير معتبرين (فانظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين) من الأمم السابقة عند مشاهدتكم لآثارهم كعاد وثمود: أي كيف ~~صار آخر أمرهم إلى خراب الديار بعد هلاك الأبدان بالعذاب ثم خصص الخطاب ~~برسوله صلى الله عليه وآله وسلم مؤكدا لما تقدم فقال (إن تحرص على هداهم) ~~أي تطلب بجهدك ذلك (فإن الله لا يهدى من يضل) قرأ ابن مسعود وأهل الكوفة " ~~لا يهدى " بفتح حرف المضارعة على أنه فعل مستقبل مسند إلى الله سبحانه: أي ~~فإن الله لا يرشد من أضله، و " من " في موضع نصب على المفعولية. وقرأ ~~الباقون " لا يهدى " بضم حرف المضارعة على أنه مبنى للمجهول، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد وأبو حاتم على معنى أنه لا يهديه هاد كائنا من كان، ومن ~~في موضع رفع على أنها نائب الفاعل المحذوف، فتكون هذه الآية على هذه ~~القراءة كقوله في الآية الأخرى - من يضلل الله فلا هادي له - والعائد على ~~القراءتين محذوف: أي من يضله. # وروى أبو عبيد عن الفراء على القراءة الأولى أن معنى (لا يهدى) لا يهتدى ~~كقوله تعالى - أمن لا يهدى إلا أن يهدى - بمعنى يهتدى. قال أبو عبيد: ولا ~~نعلم أحدا روى هذا غير ms2089 الفراء وليس بمتهم فيما يحكيه. قال النحاس: حكى عن ~~محمد بن يزيد المبرد، كأن معنى (لا يهدى من يضل) من علم ذلك منه وسبق له ~~عنده (وما لهم من ناصرين) ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله أو ينصرونهم ~~بدفع العذاب عنهم، ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال (وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم) مصدر في موضع الحال: أي جاهدين (لا يبعث الله من يموت) من ~~عباده، زعموا أن الله سبحانه عاجز عن بعث الأموات، فرد الله عليهم ذلك ~~بقوله (بلى وعدا عليه حقا) هذا إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم، ووعدا ~~مصدر مؤكدا لما دل عليه بلى وهو يبعثهم لأن البعث وعد من الله وعد عباده ~~به، والتقدير وعد البعث وعدا عليه حقا لا خلف فيه، وحقا صفة لوعد، وكذا ~~عليه فإنه صفة لوعد: أي كائنا عليه، أو نصب حقا على المصدرية: أي حق حقا ~~(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أن ذلك يسير عليه سبحانه غير عسير. وقوله ~~(ليبين لهم) أي ليظهر لهم، وهو غاية لما دل عليه بلى من البعث، والضمير في ~~(لهم) راجع إلى من يموت، والموصول في قوله (الذي يختلفون فيه) في محل نصب ~~على أنه مفعول ليبين: أي الأمر الذي وقع الخلاف بينهم فيه، وبيانه إذ ذاك ~~يكون بما جاءتهم به الرسل، ونزلت عليهم فيه كتب الله، وقيل إن ليبين متعلق ~~بقوله (ولقد بعثنا) أي بعثنا في كل أمة رسولا ليبين وهو بعيد (وليعلم الذين ~~كفروا) بالله سبحانه وأنكروا البعث (أنهم كانوا كاذبين) في جدالهم وإنكارهم ~~البعث بقولهم (لا يبعث الله من يموت) وجملة (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون) مستأنفة لبيان كيفية الإبداء والإعادة بعد بيان سهولة ~~البعث عليه سبحانه. قال الزجاج: أعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه فأخبر أنه ~~متى أراد الشئ كان، وهذا كقوله - وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون - ~~وقرأ ابن عامر والكسائي " فيكون " بالنصب عطفا على أن نقول. قال الزجاج: ~~يجوز أن يكون نصبا على جواب ms2090 كن. وقرأ الباقون بالرفع على معنى: فهو يكون. ~~قال ابن الأنباري: أوقع لفظ الشئ على المعلوم عند الله تعالى قبل الخلق، ~~لأنه بمنزلة ما قد وجد وشوهد. وقال الزجاج: إن معنى لشئ لأجل شئ فجعل اللام ~~سببية، وقيل هي لام التبليغ، كما في قولك قلت له قم فقام، و (إنما قولنا) ~~مبتدأ (وأن نقول له كن) خبره، وهذا الكلام من باب التمثيل على معنى: أنه لا ~~يمتنع عليه شئ، وأن وجوده عند إرادته كوجود المأمورية عند أمر الآمر المطاع ~~PageV03P162 # إذا ورد على المأمور المطيع، وليس هناك قول ولا مقول له ولا أمر ولا ~~مأمور حتى يقال إنه يلزم منه أحد محالين إما خطاب المعدوم، أو تحصيل لحاصل. ~~وقد مضى تفسير ذلك في سورة البقرة مستوفى. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) قال: بالموت، وقال في آية أخرى - ~~ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة - وهو ملك الموت، وله رسل (أو يأتي ~~أمر ربك) وذاكم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عكرمة في قوله (فإن الله لا يهدى من يضل) قال: من يضله الله لا ~~يهديه أحد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ~~العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه ~~فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا، فقال له المشرك: ~~إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت، فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من ~~يموت، فأنزل الله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) الآية. ~~وأخرج ابن العقيلي وابن مردويه عن علي في قوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم ~~لا يبعث الله من يموت) قال: نزلت في. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~المنذر عن أبي هريرة قال: " قال الله تعالى سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ms2091 ~~أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، أما تكذيبه إياي، فقال: ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، وقلت: بلى وعدا عليه حقا. ~~وأما سبه إياي، فقال: إن الله ثالث ثلاثة، وقلت هو الله أحد الله الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " هكذا ذكره أبو هريرة موقوفا وهو في ~~الصحيحين مرفوعا بلفظ آخر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله (ليبين لهم الذي يختلفون فيه) يقول: للناس عامة. # سورة النحل الآية (41 - 50) قد تقدم تحقيق معنى الهجرة في سورة النساء، ~~وهى ترك الأهل والأوطان، ومعنى (هاجروا في الله) PageV03P163 # في شأن الله سبحانه وفى رضاه، وقيل (في الله) في دين الله، وقيل في بمعنى ~~اللام: أي لله (من بعد ما ظلموا) أي عذبوا وأهينوا فإن أهل مكة عذبوا جماعة ~~من المسلمين حتى قالوا ما أرادوا منهم، فلما تركوهم هاجروا. وقد اختلف في ~~سبب نزول الآية، فقيل نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار. واعترض بأن السورة ~~مكية، وذلك يخالف قوله (والذين هاجروا). وأجيب بأنه يمكن أن تكون هذه الآية ~~من جملة الآيات المدنية في هذه السورة كما قدمنا في عنوانها، وقيل نزلت في ~~أبى جندل بن سهيل، وقيل نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة (لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة). # اختلف في معنى هذا على أقوال، فقيل المراد نزولهم المدينة قاله ابن عباس ~~والحسن والشعبي وقتادة، وقيل المراد الرزق الحسن قاله مجاهد، وقيل النصر ~~على عدوهم قاله الضحاك، وقيل ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها ~~من الولايات، وقيل ما بقي لهم فيها من الثناء وصار لأولادهم من الشرف. ولا ~~مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور، ومعنى " لنبوئنهم في الدنيا حسنة " ~~لنبوئنهم مباءة حسنة أو تبوئة حسنة، فحسنة صفة مصدر محذوف (ولأجر الآخرة) ~~أي جزاء أعمالهم في الآخرة (أكبر) من أن ms2092 يعلمه أحد من خلق الله قبل أن ~~يشاهده، ومنه قوله تعالى - وإذا رأيت ثم رأيت نعيما فيه وملكا كبيرا -. (لو ~~كانوا يعلمون) أي لو كان هؤلاء الظلمة يعلمون ذلك، وقيل إن الضمير في " ~~يعلمون " راجع إلى المؤمنين: أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه ~~أكبر من حسنة الدنيا (الذين صبروا) الموصول في محل نصب على المدح، أو الرفع ~~على تقدير مبتدأ، أو هو بدل من الموصول الأول، أو من الضمير في " لنبوئنهم ~~" (وعلى ربهم يتوكلون) أي على ربهم خاصة يتوكلون في جميع أمورهم معرضين عما ~~سواه، والجملة معطوفة على الصلة أو في محل نصب على الحال (وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) قرأ حفص عن عاصم " نوحي " بالنون، وقرأ الباقون ~~" يوحى " بالياء التحتية، وهذه الآية رد على قريش حيث زعموا أن الله سبحانه ~~أجل من أن يرسل رسولا من البشر، فرد الله عليهم بأن هذه عادته وسنته أن لا ~~يرسل إلا رجالا من البشر يوحى إليهم. وزعم أبو علي الجبائي أن معنى الآية ~~أن الله سبحانه لم يرسل إلى الأنبياء بوحيه إلا من هو على صورة الرجال من ~~الملائكة. ويرد عليه بأن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على صور مختلفة، ولما كان كفار مكة مقرين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم ~~بما أنزل الله في التوراة والإنجيل صرف الخطاب إليهم وأمرهم أن يرجعوا إلى ~~أهل الكتاب، فقال (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أي فاسألوا أيها ~~المشركون مؤمن أهل الكتاب إن كنتم لا تعلمون فإنهم سيخبرونكم أن جميع ~~الأنبياء كانوا بشرا، أو اسألوا أهل الكتاب من غير تقييد بمؤمنيهم كما ~~يفيده الظاهر فإنهم كانوا يعترفون بذلك ولا يكتمونه، وقيل المعنى: فاسألوا ~~أهل القرآن، و (بالبينات والزبر) يتعلق بأرسلنا، فيكون داخلا في حكم ~~الاستثناء مع رجالا، وأنكر الفراء ذلك، وقال: إن صفة ما قبل إلا لا تتأخر ~~إلى ما بعدها، لأن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته، كما لو ms2093 قيل ~~أرسلنا إلا رجالا بالبينات، فلما لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه امتنع ~~إدخال الاستثناء عليه، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما أرسلنا ~~من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا، وقيل يتعلق بمحذوف دل عليه المذكور: أي ~~أرسلناهم بالبينات والزبر. ويكون جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل لماذا ~~أرسلهم؟ فقال: أرسلناهم بالبينات والزبر: وقيل متعلق بتعلمون على أنه ~~مفعوله والباء زائدة: أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، وقيل متعلق ~~برجالا: وقال أي رجالا متلبسين بالبينات والزبر، وقيل بنوحي: أي نوحي إليهم ~~بالبينات والزبر، وقيل منصوب بتقدير أعني. والباء زائدة، وأهل الذكر هم أهل ~~PageV03P164 # الكتاب كما تقدم. وقال الزجاج: اسألوا كل من يذكر بعلم، والبينات: الحجج ~~والبراهين، والزبر: الكتب. # وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران (وأنزلنا إليك الذكر) أي القرآن، ثم ~~بين الغاية المطلوبة من الإنزال فقال (لتبين للناس) جميعا (ما نزل إليهم) ~~في هذا الذكر من الأحكام الشرعية والوعد والوعيد (ولعلهم يتفكرون) أي إرادة ~~أن يتأملوا ويعملوا أفكارهم فيتعظوا (أفأمن الذين مكروا السيئات) يحتمل أن ~~تكون السيئات صفة مصدر محذوف: أي مكروا المكرات السيئات، وأن تكون مفعولة ~~للفعل المذكور على تضمينه معنى العمل: أي عملوا السيئات، أو صفة لمفعول ~~مقدر: أي أفأمن الماكرون العقوبات السيئات، أو على حذف حرف الجر: # أي مكروا بالسيئات (أن يخسف الله بهم الأرض) هو مفعول أمن، أو بدل من ~~مفعوله على القول بأن مفعوله محذوف، وأن السيئات صفة للمحذوف، والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ، ومكر السيئات: سعيهم في إيذاء رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وإيذاء أصحابه على وجه الخفية، واحتيالهم في إبطال الإسلام، وكيد ~~أهله (أن يخسف الله بهم) كما خسف بقارون، يقال خسف المكان يخسف خسوفا: ذهب ~~في الأرض: وخسف الله به الأرض خسوفا: أي غاب به فيها، ومنه قوله - فخسفنا ~~به وبداره الأرض - وخسف هو في الأرض وخسف به (أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون) به في حال غفلتهم عنه كما فعل بقوم لوط وغيرهم، وقيل يريد يوم بدر ms2094 ~~فإنهم أهلكوا ذلك اليوم ولم يكن في حسبانهم (أو يأخذهم في تقلبهم). # ذكر المفسرون فيه وجوها، فقيل المراد في أسفارهم ومتاجرهم فإنه سبحانه ~~قادر على أن يهلكهم في السفر كما يهلكهم في الحضر، وهو لا يفوتونه بسبب ~~ضربهم في الأرض، وبعدهم عن الأوطان، وقيل المراد في حال تقلبهم في قضاء ~~أوطارهم بوجود الحيل، فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم، وقيل المراد ~~في حال تقلبهم في الليل على فرشهم، وقيل في حال إقبالهم وإدبارهم، وذهابهم ~~ومجيئهم بالليل والنهار، والقلب بالمعنى الأول مأخوذ من قوله - لا يغرنك ~~تقلب الذين كفروا في البلاد -، وبالمعنى الثاني مأخوذ من قوله - وقلبوا لك ~~الأمور - (فما هم بمعجزين) أي بفائتين ولا ممتنعين (أو يأخذهم على تخوف) أي ~~حال تخوف وتوقع للبلايا بأن يكونوا متوقعين للعذاب حذرين منه غير غافلين ~~عنه، فهو خلاف ما تقدم من قوله " أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون "، ~~وقيل معنى " على تخوف " على تنقص. قال ابن الأعرابي: أي على تنقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم. قال الواحدي: قال عامة المفسرين: على ~~تخوف قال تنقص: إما بقتل أو بموت، يعنى بنقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذهم ~~الأول فالأول حتى يأتي الأخذ على جميعهم. قال، والتخوف التنقص، يقال هو ~~يتخوف المال: أي يتنقصه. ويأخذ من أطرافه انتهى، يقال تخوفه الدهر وتخونه ~~بالفاء والنون: تنقصه، قال ذو الرمة: # لا بل هو الشوق من دار تخوفها * مرا سحاب ومرا بارح ترب وقال لبيد: * ~~تخوفها نزولي وارتحالي * أي تنقص لحمها وشحمها. قال الهيثم بن عدي: # التخوف بالفاء التنقص لغة لأزد شنودة، وأنشد: # تخوف عدوهم مالي وأهدى * سلاسل في الحلوق لها صليل وقيل على تخوف: على ~~عجل قاله الليث بن سعد، وقيل على تقريع بما قدموه من ذنوبهم، روى ذلك عن ~~ابن عباس، وقيل على تخوف: أن يعاقب ويتجاوز قاله قتادة (فإن ربكم لرءوف ~~رحيم، لا يعاجل، بل يمهل رأفة بكم ورحمة لكم مع استحقاقهم للعقوبة (أو لم ~~يروا إلى ما خلق الله من شئ) لما خوف سبحانه ms2095 الماكرين PageV03P165 # بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي ~~والسفلى ومكانهما، والاستفهام في " أو لم يروا " للإنكار، وما مبهمة مفسرة ~~بقوله " من شئ "، قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب والأعمش " تروا " ~~بالمثناة الفوقية على أنه خطاب لجميع الناس، وقرأ الباقون بالتحتية بإرجاع ~~الضمير إلى الذين مكروا السيئات. وقرأ أبو عمرو ويعقوب (تتفيؤا ضلاله) ~~بالمثناة الفوقية. وقرأ الباقون بالتحتية، واختارها أبو عبيد: أي يميل من ~~جانب إلى جانب، ويكون أول النهار على حال ويتقلص. ثم يعود في آخر النهار ~~على حالة أخرى. قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، ~~فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي وما انصرف عنه الشمس والقمر، والذي يكون ~~بالغداة هو الظل. وقل ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت ~~عليه الشمس فزالت عنه فهو فئ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، ومعنى (من شئ) ~~من شئ له ظل، وهى الأجسام فهو عام أريد به الخاص، وظلاله جمع ظل، وهو مضاف ~~إلى مفرد لأنه واحد يراد به الكثرة (عن اليمين والشمائل) أي عن جهة أيمانها ~~وشمائلها: أي عن جانبي كل واحد منها. قال الفراء: وحد اليمين، لأنه أراد ~~واحدا من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها، لأن ما خلق الله لفظه ~~مفرد ومعناه جمع، وقال الواحدي: وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازا في ~~اللفظ كقوله - ويولون الدبر -، ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع، وقيل ~~إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله - وجعل ~~الظلمات والنور -، و - ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم -، وقيل المراد ~~باليمين: النقطة التي هي مشرق الشمس، وأنها واحدة. والشمائل عبارة عن ~~الانحراف في فلك الإظلال بعد وقوعها على الأرض وهى كثيرة، وإنما عبر عن ~~المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه، ومنه تظهر الحركة القوية ~~(سجدا لله) منتصب على الحال: أي حال كون الظلال سجدا لله. قال الزجاج: يعنى ~~أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة. وقال ms2096 أيضا: سجود الجسم انقياده وما يرى ~~من أثر الصنعة (وهم داخرون) في محل نصب على الحال: أي خاضعون صاغرون، ~~والدخور: الصغار والذل، يقال دخر الرجل فهو داخر وأدخره الله. قال الشاعر: # فلم يبق إلا داخر في مخيس * ومتحجر في غير أرضك في حجر ومخيس: اسم سجن ~~كان بالعراق (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة) أي له وحده ~~يخضع وينقاد لا لغيره ما في السماوات جميعا، وما في الأرض من دابة تدب على ~~الأرض، والمراد كل دابة. قال الأخفش: # هو كقولك ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله. وقد دخل في ~~عموم ما في السماوات وما في الأرض جميع الأشياء الموجودة فيهما، وإنما خص ~~الدابة بالذكر لأنه قد علم من قوله (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ) ~~انقياد الجمادات، وعطف الملائكة على ما قبلهم تشريفا لهم، وتعظيما لدخولهم ~~في المعطوف عليه (وهم لا يستكبرون) أي والحال أنهم لا يستكبرون عن عبادة ~~ربهم والمراد الملائكة، ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة. وفى هذا رد على ~~قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله، ويجوز أن تكون حالا من فاعل يسجد ~~وما عطف عليه: أي يسجد لله ما في السماوات وما في الأرض والملائكة وهم ~~جميعا لا يستكبرون عن السجود (يخافون ربهم من فوقهم) هذه الجملة في محل نصب ~~على الحال: أي حال كونهم يخافون ربهم من فوقهم، أو جملة مستأنفة لبيان نفى ~~استكبارهم، ومن آثار الخوف عدم الاستكبار، ومن فوقهم متعلق بيخافون على حذف ~~مضاف: أي يخافون عذاب ربهم من فوقهم، أو يكون حالا من الرب: أي يخافون ربهم ~~حال كونه من فوقهم، وقيل معنى (يخافون ربهم من فوقهم) يخافون الملائكة ~~فيكون على حذف المضاف: أي يخافون ملائكة ربهم كائنين من فوقهم وهو تكلف لا ~~حاجة إليه، وإنما PageV03P166 # اقتضى مثل هذه التأويلات البعيدة المحاماة على مذاهب قد رسخت في الأذهان، ~~وتقررت في القلوب، قيل وهذه المخافة هي مخافة الإجلال، واختاره الزجاج فقال ~~(يخافون ربهم) ms2097 خوف مجلين، ويدل على صحة هذا المعنى قوله - وهو القاهر فوق ~~عباده -، وقوله إخبارا عن فرعون - وإنا فوقهم قاهرون - (ويفعلون ما يؤمرون) ~~أي ما يؤمرون به من طاعة الله: يعنى الملائكة: أو جميع من تقدم ذكره، وحمل ~~هذه الجمل على الملائكة أولى، لأن في مخلوقات الله من يستكبر عن عبادته، ~~ولا يخافه ولا يفعل ما يؤمر به، كالكفار والعصاة الذين لا يتصفون بهذه ~~الصفات وإبليس وجنوده. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) قال: هم قوم من أهل مكة هاجروا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ظلمهم. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن داود بن أبي هند قال: نزلت هذه الآية في ~~أبى جندل ابن سهيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله (والذين هاجروا في الله) الآية قال: هؤلاء أصحاب محمد ~~ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم ~~بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من ~~المؤمنين (ولأجر الآخرة أكبر) قال: # أي والله لما يصيبهم الله من جنته ونعمته أكبر (لو كانوا يعلمون). وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله (في الدنيا حسنة) قال: المدينة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية ~~قال: لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال " لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك، فأنزل الله - وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم -. " وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله (فاسألوا أهل ~~الذكر) الآية، يعنى مشركي قريش أن محمدا رسول الله في التوراة والإنجيل. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: # نزلت ms2098 في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (بالبينات) قال: الآيات ~~(والزبر) قال: الكتب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ~~في قوله (أفأمن الذين مكروا السيئات) قال: نمروذ بن كنعان وقومه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أي الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الضحاك قال: تكذيبهم الرسل، وإعمالهم بالمعاصي. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (أو يأخذهم في تقلبهم) قال: في اختلافهم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (في تقلبهم) قال: إن شئت أخذته في سفره ~~(أو يأخذهم على تخوف) يقول على أثر موت صاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(على تخوف) قال: تنقص من أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن عمر أنه سألهم عن هذه ~~الآية " أو يأخذهم على تخوف " فقالوا ما نرى إلا أنه عند تنقص ما يردده من ~~الآيات فقال عمر ما أرى إلا أنه على ما يتنقصون من معاصي الله، فخرج رجل ~~ممن كان عند عمر فلقى أعرابيا، فقال يا فلان: ما فعل ربك؟ قال قد تخيفته، ~~يعنى انتقصته، فرجع إلى عمر فأخبره، فقال قد رأيته ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (أو يأخذهم على تخوف) قال: يأخذهم ~~بنقص بعضهم بعضا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(يتفيؤا) قال: يتميل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (وهم ~~داخرون) قال: صاغرون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ولله يسجد) الآية ~~قال: لم يدع شيئا من PageV03P167 # خلقه إلا عبده له طائعا أو كارها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية ~~قال: يسجد من في السماوات طوعا ومن في الأرض طوعا وكرها. # سورة النحل الآية (51 ms2099 - 62) لما بين سبحانه أن مخلوقاته السماوية ~~والأرضية منقادة له، خاضعة لجلاله، أتبع ذلك بالنهي عن الشرك بقوله (وقال ~~الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد) فنهى سبحانه عن اتخاذ إلهين، ~~ثم أثبت أن الإلهية منحصرة في إله واحد وهو الله سبحانه، وقد قيل إن ~~التثنية في إلهين قد دلت على الاثنينية، والإفراد في إله قد دل على الوحدة، ~~فما وجه وصف إلهين باثنين، ووصف إله واحد؟ فقيل في الجواب: إن في الكلام ~~تقديما وتأخيرا. # والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين إنما هو واحد إله، وقيل إن التكرير لأجل ~~المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك، وقيل إن فائدة زيادة اثنين هي أن ~~يعلم أن النهى راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، وفائدة زيادة واحد دفع توهم ~~أن المراد إثبات الإلهية دون الواحدية، مع أن الإلهية له سبحانه مسلمة في ~~نفسها، وإنما خلاف المشركين في الواحدية ثم نقل الكلام سبحانه من الغيبة ~~إلى التكلم على طريقة الالتفات لزيادة الترهيب، فقال (فإياي فارهبون) أي إن ~~كنتم راهبين شيئا فإياي فارهبون لا غيري، وقد مر مثل هذا في أول البقرة. ثم ~~لما قرر سبحانه وحدانيته، وأنه الذي يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه، ~~ذكر أن الكل في ملكه وتحت تصرفه فقال (وله ما في السماوات والأرض) وهذه ~~الجملة مقررة لمن تقدم في قوله - ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض - ~~إلى آخره، وتقديم PageV03P168 # الخبر لإفادة الاختصاص (وله الدين واصبا) أي ثابتا واجبا دائما لا يزول، ~~والدين هو الطاعة والإخلاص. # قال الفراء (واصبا) معناه دائما، ومنه قول الدؤلي: # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * بذم يكون الدهر أجمع واصبا أي دائما. وروى ~~عن الفراء أيضا أنه قال: الواصب الخالص، والأول أولى، ومنه قوله سبحانه - ~~ولهم عذاب واصب - أي دائم. وقال الزجاج: أي طاعته واجبة أبدا. ففسر الواصب ~~بالواجب. وقال ابن قتيبة في تفسير الواصب: أي ليس أحد يطاع إلا انقطع ذلك ~~بزوال أو بهلكة غير الله تعالى فإن الطاعة تدوم له، ففسر الواصب ms2100 بالدائم، ~~وإذا دام الشئ دواما لا ينقطع فقد وجب وثبت، يقال وصب الشئ يصب وصوبا فهو ~~واصب: إذا دام، ووصب الرجل على الأمر: إذا واظب عليه، وقيل الوصب التعب ~~والإعياء: أي يجب طاعة الله سبحانه وإن تعب العبد فيها وهو غير مناسب لما ~~في الآية، والاستفهام في قوله (أفغير الله تتقون) للتقريع والتوبيخ، وهو ~~معطوف على مقدر كما في نظائره، والمعنى: إذا كان الدين: أي الطاعة واجبا له ~~دائما لا ينقطع كان المناسب لذلك تخصيص التقوى به وعدم إيقاعها لغيره. ثم ~~أمتن سبحانه عليهم بأن جميع ما هم متقلبون فيه من النعم هو منه لا من غيره ~~فقال (وما بكم من نعمة) أي ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فمن ~~الله: أي فهي منه، فتكون ما شرطية، ويجوز أن تكون موصولة متضمنة معنى ~~الشرط، وبكم صلتها، ومن نعمة حال من الضمير في الجار والمجرور، أو بيان ~~لما. وقوله (فمن الله) الخبر، وعلى كون ما شرطية يكون فعل الشرط محذوفا أي ~~ما يكن، والنعمة إما دينية وهى معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل ~~به، وإما دنيوية نفسانية، أو بدنية أو خارجية كالسعادات المالية وغيرها، ~~وكل واحدة من هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها، والكل من الله سبحانه فعلى ~~العاقل أن لا يشكر إلا إياه، ثم بين تلون الإنسان بعد استغراقه في بحر ~~النعم فقال (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون) أي إذا مسكم الضر أي مس فإلى ~~الله سبحانه لا إلى غيره تتضرعون في كشفه فلا كاشف له إلا هو، يقال جأر ~~يجأر جؤورا: إذا رفع صوته في تضرع. قال الأعشى يصف بقرة: # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النكير أن تطيف وتجأرا والضر: المرض ~~والبلاء والحاجة والقحط وكل ما يتضرر به الإنسان (ثم إذا كشف الضر عنكم إذا ~~فريق منكم بربهم يشركون) أي إذا رفع عنكم ما نزل بكم من الضر - إذا فريق أي ~~جماعة منكم بربهم الذين رفع الضر عنهم يشركون فيجعلون معه إلها آخر من ms2101 صنم ~~أو نحوه. والآية مسوقة للتعجيب من فعل هؤلاء حيث يضعون الإشراك بالله الذي ~~أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر مكان الشكر له، وهذا المعنى قد تقدم في ~~الأنعام ويونس، ويأتي في سبحان. قال الزجاج: هذا خاص بمكر وكفر، وقابل كشف ~~الضر عنه بالجحود والكفر، وعلى هذا فتكون من في منكم للتبعيض حيث كان ~~الخطاب للناس جميعا، والفريق هم الكفرة وإن كان الخطاب موجها إلى الكفار ~~فمن للبيان، واللام في (ليكفروا بما آتيناهم) لام كي: أي لكي يكفروا بما ~~آتيناهم من نعمة كشف الضر، حتى كأن هذا الكفر منهم الواقع في موضع الشكر ~~الواجب عليهم غرض لهم ومقصد من مقاصدهم. وهذا غاية في العتو والعناد ليس ~~وراءها غاية، وقيل اللام للعاقبة: يعنى ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا هذا ~~الكفر. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والترهيب ملتفتا من الغيبة إلى ~~الخطاب (فتمتعوا) بما أنتم فيه من ذلك (فسوف تعلمون) عاقبة أمركم وما يحل ~~بكم في هذه الدار وما تصيرون إليه في الدار الآخرة. ثم حكى سبحانه نوعا آخر ~~من قبائح أعمالهم فقال (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم) أي يقع ~~منهم هذا الجعل بعد ما وقع منهم الجؤار إلى الله سبحانه في كشف الضر عنهم ~~وما يعقب كشفه عنهم من الكفر منهم بالله والإشراك PageV03P169 # به، ومع ذلك يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات والشياطين نصيبا ~~مما رزقناهم من أموالهم يتقربون به إليه. # وقيل المعنى: أنهم أي الكفار يجعلون للأصنام وهم لا يعلمون شيئا لكونهم ~~جمادات، ففاعل يعلمون على هذا هي الأصنام وأجراها مجرى العقلاء في جمعها ~~بالواو والنون جريا على اعتقاد الكفار فيها. وحاصل المعنى: ويجعل هؤلاء ~~الكفار للأصنام التي لا تعقل شيئا نصيبا من أموالهم التي رزقهم الله إياها ~~(تالله لتسألن عما كنتم تفترون) هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وهذا ~~السؤال سؤال تقريع وتوبيخ (عما كنتم تفترون) تختلقونه من الكذب على الله ~~سبحانه في الدنيا (ويجعلون لله البنات) هذا نوع آخر من فضائحهم ms2102 وقبائحهم، ~~وقد كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله (سبحانه) نزه سبحانه نفسه ~~عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة ولا أفهام مستقيمة - ~~إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل - وفى هذا التنزيه تعجيب من حالهم (ولهم ما ~~يشتهون) أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهوونه من البنين على أن " ما " في محل ~~نصب بالفعل المقدر، ويجوز أن تكون في محل رفع على الابتداء. وأنكر النصب ~~الزجاج قال: لأن العرب لا يقولون جعل له كذا وهو يعنى نفسه، وإنما يقولون ~~جعل لنفسه كذا، فلو كان منصوبا لقال ولأنفسهم ما يشتهون. وقد أجاز النصب ~~الفراء. ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال (وإذا ~~بشر أحدهم بالأنثى) أي إذا أخبر أحدهم بولادة بنت له (ظل وجهه مسودا) أي ~~متغيرا، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض، بل المراد الكناية بالسواد ~~عن الانكسار والتغير بما يحصل من الغم، والعرب تقول لكل من لقى مكروها قد ~~اسود وجهه غما وحزنا قاله الزجاج. وقال الماوردي: بل المراد سواد اللون ~~حقيقة، قال: وهو قول الجمهور، والأول أولى، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب ~~وحزن واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير وظهور الكآبة والانكسار لا ~~السواد الحقيقي، وجملة (وهو كظيم) في محل نصب على الحال: أي ممتلئ من الغم ~~غيظا وحنقا. قال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره، وقيل إنه المغموم ~~الذي يطبق فاه من الغم، مأخوذ من الكظامة وهو سد فم البئر قاله علي بن ~~عيسى، وقد تقدم في سورة يوسف (يتوارى من القوم) أي يتغيب ويختفي (من سوء ما ~~بشر به) أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب حدوث البنت له ~~(أيمسكه على هون) أي لا يزال مترددا بين الأمرين: وهو إمساك البنت التي بشر ~~بها، أو دفنها في التراب (على هون) أي هوان، وكذا قرأ عيسى الثقفي. قال ~~اليزيدي: والهون الهوان بلغة قريش، وكذا حكاه أبو عبيد عن الكسائي، وحكى عن ~~الكسائي أنه البلاء والمشقة، ms2103 قالت الخنساء، نهين النفوس وهون النفو * س يوم ~~الكريهة أبقى لها * وقال الفراء: الهون القليل بلغة تميم. وحكى النحاس عن ~~الأعمش أنه قرأ " أيمسكه " " على سوء (أم يدسه في التراب) أي يخفيه في ~~التراب بالوأد كما كانت تفعله العرب، فلا يزال الذي بشر بحدوث الأنثى ~~مترددا بين هذين الأمرين، والتذكير في يمسكه ويدسه مع كونه عبارة عن الأنثى ~~لرعاية اللفظ. وقرأ الجحدري " أم يدسها في التراب " ويلزمه أن يقرأ ~~أيمسكها، وقيل دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس لإخفائه عن ~~الأبصار (ألا ساء ما يحكمون) حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى الله ~~سبحانه وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم ومثل هذا قوله تعالى - ~~ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى - (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء) أي لهؤلاء الذين وصفهم الله سبحانه بهذه القبائح الفظيعة مثل السوء: ~~أي صفة السوء من الجهل والكفر بالله، وقيل هو وصفهم لله سبحانه بالصاحبة ~~والولد، وقيل هو حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم ووأد البنات لدفع العار ~~وخشية الإملاق، وقيل العذاب والنار (ولله المثل الأعلى) وهو أضداد صفة ~~المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل PageV03P170 # والعلم الواسع، أو التوحيد وإخلاص العبادة، أو أنه خالق رازق قادر مجاز، ~~وقيل شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل - الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~- (وهو العزيز) الذي لا يغالب فلا يضره نسبتهم إليه ما لا يليق به (الحكيم) ~~في أفعاله وأقواله. ثم لما حكى سبحانه عن القوم عظيم كفرهم بين سعة كرمه ~~وحلمه حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ولم يؤاخذهم بظلمهم، فقال (ولو يؤاخذ الله ~~الناس بظلمهم) والمراد بالناس هنا الكفار أو جميع العصاة (ما ترك عليها) أي ~~على الأرض وإن لم يذكر فقد دل عليها ذكر الناس وذكر الدابة، فإن الجميع ~~مستقرون على الأرض، والمراد بالدابة الكافر، وقيل كل ما دب، وقد قيل على ~~هذا كيف يعم بالهلاك مع أن فيهم من لا ذنب له؟ وأجيب بإهلاك الظالم انتقاما ~~منه، وإهلاك غيره إن كان من أهل التكليف ms2104 فلأجل توفير أجره، وإن كان من ~~غيرهم فبشؤم ظلم الظالمين، ولله الحكمة البالغة - لا يسأل عما يفعل وهو ~~يسألون -، ومثل هذا قوله - واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة -. ~~وفى معنى هذا أحاديث منها ما عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إذا أراد الله بقوم عذابا ~~أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم " وكذلك حديث الجيش " الذين ~~يخسف بهم في البيداء " وفى آخره: أنهم يبعثون على نياتهم " وقد قدمنا عند ~~تفسير قوله سبحانه - واتقوا فتنة - الآية تحقيقا حقيقا بالمراجعة له (ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى) معلوم عنده وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم أو أجل ~~عذابهم، وفى هذا التأخير حكمة بالغة منها الإعذار إليهم وإرخاء العنان ~~معهم، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم (فإذا جاء أجلهم) الذي سماه ~~لهم حقت عليهم كلمة الله سبحانه في ذلك الوقت من دون تقدم عليه ولا تأخر ~~عنه، والساعة المدة القليلة، وقد تقدم تفسيرها هذا وتحقيقه. # ثم ذكر نوعا آخر من جهلهم وحمقهم فقال (ويجعلون لله ما يكرهون) أي ينسبون ~~إليه سبحانه ما يكرهون نسبته إلى أنفسهم من البنات، وهو تكرير لما قد تقدم ~~لقصد التأكيد والتقرير ولزيادة التوبيخ والتقريع (وتصف ألسنتهم الكذب) هذا ~~من النوع الآخر الذي ذكره سبحانه من قبائحهم وهو: أي هذا الذي تصفه ألسنتهم ~~من الكذب هو قولهم (أن لهم الحسنى) أي الخصلة الحسنى، أو العاقبة الحسنى، ~~قال الزجاج: يصفون أن لهم مع قبح قولهم من الله الجزاء الحسن. قال الزجاج ~~أيضا والفراء: أبدل من قوله وتصف ألسنتهم الكذب قوله أن لهم الحسنى، والكذب ~~منصوب على أنه مفعول تصف. وقرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن محيصن ~~الكذب برفع الكاف والذال والباء على أنه صفة للألسن وهو جمع كذب، فيكون ~~المفعول على هذا هو أن لهم الحسنى. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله (لا جرم ~~أن لهم النار) أي حقا أن لهم مكان ما جعلوه ms2105 لأنفسهم من الحسنى النار، وقد ~~تقدم تحقيق هذا (وأنهم مفرطون) قال ابن الأعرابي وأبو عبيدة: أي متروكون ~~منسيون في النار، وبه قال الكسائي والفراء فيكون مشتقا من أفرطت فلانا ~~خلفي: إذا خلفته ونسيته. وقال قتادة والحسن: معجلون إليها مقدمون في دخولها ~~من أفرطته: أي قدمته في طلب الماء، والفارط هو الذي يتقدم إلى الماء، ~~والفراط المتقدمون في طلب الماء، والوراد المتأخرون، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " أنا فرطكم على الحوض " أي متقدمكم. قال القطامي: # فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا * كما تعجل فراط لوراد وقرأ نافع في رواية ~~ورش " مفرطون " بكسر الراء وتخفيفها، وهى قراءة ابن مسعود وابن عباس، ~~ومعناه: # مسرفون في الذنوب والمعاصي، يقال أفرط فلان على فلان: إذا أربى عليه وقال ~~له أكثر مما قال من الشر. وقرأ أبو جعفر القارى " مفرطون " بكسر الراء ~~وتشديدها: أي مضيعون أمر الله، فهو من التفريط في الواجب. وقرأ الباقون " ~~مفرطون " بفتح الراء مخففا، ومعناه: مقدمون إلى النار. PageV03P171 # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (وله الدين واصبا) قال: # الدين الإخلاص، وواصبا دائما. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح (وله الدين ~~واصبا) قال: لا إله إلا الله، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (واصبا) قال: دائما. وأخرج الفريابي وابن جرير عنه قال واجبا، ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (تجأرون) ~~قال: تتضرعون دعاء، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى قال: تصيحون بالدعاء، ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (فتمتعوا فسوف تعلمون) قال: وعيد، ~~وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (ويجعلون لما لا يعلمون الآية) قال: ~~يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ~~ولا ينفعهم (نصيبا مما رزقناهم). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في الآية قال: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم مما ~~رزقهم الله وجزءوا ms2106 من أموالهم جزءا فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم، وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن السدى في الآية قال: هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ويجعلون ~~لله البنات) الآية يقول: يجعلون لي البنات يرتضونهن لي ولا يرتضونهن ~~لأنفسهم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على ~~هوان أو دسها في التراب وهى حية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ~~(ولهم ما يشتهون) قال: يعنى به البنين، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~جريج (أم يدسه في التراب) قال: يئد ابنته. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في ~~قوله (ألا ساء ما يحكمون) قال: بئس ما حكموا، يقول شئ لا يرضونه لأنفسهم ~~فكيف يرضونه لي، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (ولله المثل الأعلى) قال: شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس (ولله المثل الأعلى) قال: ~~يقول ليس كمثله شئ. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (ما ترك ~~عليها من دابة) قال: ما سقاهم المطر. وأخرج أيضا عن السدى نحوه. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: قد فعل ~~ذلك في زمن نوح، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حمل في سفينته. ~~وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ~~ثم قال: أي والله زمن غرق قوم نوح. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عنه قال: كاد الجعل أن ~~يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك ~~عليها من دابة). وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا عن أنس نحوه. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن أبي ms2107 الدنيا وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أنه سمع ~~رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال أبو هريرة: بلى والله إن ~~الحبارى لتموت هزالا في وكرها من ظلم الظالم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ~~(ويجعلون لله ما يكرهون) قال: يجعلون لي البنات ويكرهون ذلك لأنفسهم. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وتصف ~~ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى) قال: قول كفار قريش لنا البنون وله البنات. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد (وأنهم مفرطون) قال: ~~منسيون. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير نحوه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ~~معجلون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه. PageV03P172 # سورة النحل الآية (63 - 69) بين سبحانه أن مثل صنيع قريش قد وقع من سائر ~~الأمم، فقال مسليا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (تالله لقد أرسلنا ~~إلى أمم من قبلك) أي رسلا (فزين لهم الشيطان أعمالهم) الخبيثة (فهو وليهم ~~اليوم) يحتمل أن يكون اليوم عبارة عن زمان الدنيا، فيكون المعنى: فهو ~~قرينهم في الدنيا، ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده، ~~فيكون للحال الآتية. ويكون الولي بمعنى الناصر، والمراد نفى الناصر عنهم ~~على أبلغ الوجوه، لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلا في الدار الآخرة، ~~وإذا كان الناصر منحصرا فيه لزم أن لا نصرة من غيره، ويحتمل أن يراد باليوم ~~بعض زمان الدنيا، وهو على وجهين: الأول أن يراد البعض الذي قد مضى، وهو ~~الذي وقع فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية فيكون على طريق الحكاية ~~للحال الماضية. الثاني أن يراد البعض الحاضر، وهو وقت نزول الآية. والمراد ~~تزيين الشيطان لكفار قريش فيكون الضمير في " وليهم " لكفار قريش: أي فهو ~~ولى هؤلاء اليوم. أو على ms2108 حذف مضاف: أي فهو ولى أمثال أولئك الأمم اليوم ~~(ولهم عذاب أليم) أي في الآخرة وهو عذاب النار. ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك ~~من هلك إلا بعد إقامة الحجة عليهم وإزاحة العلة منهم فقال (وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) وهذا خطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، والمراد بالكتاب القرآن. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال: ~~أي ما أنزلناه عليك لحال من الأحوال ولا لعلة من العلل إلا لعلة التبيين ~~لهم: أي للناس الذي اختلفوا فيه من التوحيد وأحوال البعث وسائر الأحكام ~~الشرعية، (و) انتصاب (هدى ورحمة) على أنهما مفعول لهما معطوفان على محل ~~لتبين، ولا حاجة إلى اللام، لأنهما فعلا فاعل الفعل المعلل، بخلاف التبيين ~~فإنه فعل المخاطب لافعل المنزل (لقوم يؤمنون) بالله سبحانه ويصدقون ما جاءت ~~به الرسل ونزلت به الكتب. ثم عاد سبحانه إلى تقرير وجوده وتفرده بالإلهية ~~بذكر آياته العظام فقال (والله أنزل من السماء ماء) أي من السحاب. أو من ~~جهة العلو كما مر: أي نوعا من أنواع الماء (فأحيا به الأرض بعد موتها) أي ~~PageV03P173 # أحياها بالنبات بعد أن كانت يابسة لا حياة بها (إن في ذلك) الإنزال ~~والإحياء (لآية) أي علامة دالة على وحدانيته وعلى بعثه للخلق ومجازاتهم ~~(لقوم يسمعون) كلام الله ويفهمون ما يتضمنه من العبر، ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض (وإن لكم في الأنعام لعبرة) الأنعام هي الإبل والبقر ~~والغنم ويدخل في الغنم المعز، والعبرة أصلها تمثيل الشئ بالشئ ليعرف حقيقته ~~بطريق المشاكلة، ومنه - فاعتبروا يا أولي الأبصار - وقال أبو بكر الوارق: ~~العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم، والظاهر أن العبرة هي ~~قوله (نسقيكم مما في بطونه) فتكون الجملة مستأنفة لبيان العبرة. قرأ أهل ~~المدينة وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر " نسقيكم " بفتح النون من سقى ~~يسقى. وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بضم النون من أسقى يسقى، قيل هما لغتان. ~~قال لبيد: # سقى قومي بنى مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال وقرئ بالتاء الفوقية ms2109 ~~على أن الضمير راجع إلى الأنعام، وقرئ بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الله ~~سبحانه، وهما ضعيفتان، وجميع القراء على القراءتين الأوليين، والفتح لغة ~~قريش، والضم لغة حمير، وقيل إن بين سقى وأسقى فرقا، فإذا كان الشراب من يد ~~الساقي إلى فم المسقى فيقال سقيته، وإن كان بمجرد عرضه عليه وتهيئته له قيل ~~أسقاه. # والضمير في قوله " مما في بطونه " راجع إلى الأنعام. قال سيبويه: العرب ~~تخبر عن الأنعام بخبر الواحد. وقال الزجاج لما كان لفظ الجمع يذكر ويؤنث، ~~فيقال هو الأنعام، وهى الأنعام جاز عود الضمير بالتذكير. وقال الكسائي ~~معناه مما في بطون ما ذكرنا فهو على هذا عائد إلى المذكور. قال الفراء: وهو ~~صواب. وقال المبرد: هذا فاش في القرآن كثير مثل قوله للشمس - هذا ربى - ~~يعنى هذا الشئ الطالع، وكذلك - وإني مرسلة إليهم بهدية - ثم قال - فلما جاء ~~سليمان - ولم يقل جاءت لأن المعنى جاء الشئ الذي ذكرنا انتهى، ومن ذلك قوله ~~- إن هذه تذكرة فمن شاء ذكره - ومثله قول الشاعر: * مثل الفراخ نيفت حواصله ~~* ولم يقل حواصلها، وقول الآخر: # * وطاب إلقاح اللبان وبرد * ولم يقل وبردت. وحكى عن الكسائي أن المعنى ~~مما في بطون بعضه وهى الإناث، لأن الذكور لا ألبان لها، وبه قال أبو عبيدة ~~وحكى عن الفراء أنه قال: النعم والأنعام واحد يذكر ويؤنث، ولهذا تقول ~~العرب: هذه نعم وارد فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام، وهو ~~كقول الزجاج ورجحه ابن العربي فقال: إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع، ~~والتأنيث إلى معنى الجماعة، فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع وأنثه في سورة ~~المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة (من بين فرث ودم) الفرث: الزبل الذي ينزل إلى ~~الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثا: يقال أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. ~~والمعنى: أن الشئ الذي تأكله يكون منه ما في الكرش، وهو الفرث ويكون منه ~~الدم، فيكون أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه (لبنا) فيجرى الدم في العروق ~~واللبن في الضروع، ويبقى الفرث كما هو (خالصا) ms2110 يعنى من حمرة الدم وقذارة ~~الفرث بعد أن جمعهما وعاء واحد (سائغا للشاربين) أي لذيذا هنيئا لا يغص به ~~من شربه: يقال ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق (ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب) قال ابن جرير: التقدير، ومن ثمرات النخيل والأعناب ما ~~تتخذون، فحذف ما ودل على حذفه قوله منه وقيل هو معطوف على الأنعام، ~~والتقدير: وإن لكم من ثمرات النخيل والأعناب لعبرة، ويجوز أن يكون معطوفا ~~على مما في بطونه: أي نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل، ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل، ويكون على ~~هذا (تتخذون منه سكرا) بيانا للإسقاء له وكشفا عن حقيقته، ويجوز أن يتعلق ~~بتتخذون تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا، ويكون ~~تكرير الظرف، وهو قوله منه للتأكيد كقولك زيد في الدار فيها، وإنما ذكر ~~الضمير PageV03P174 # في منه لأنه يعود إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف: وهو العصير كأنه ~~قيل ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، والسكر ما يسكر من الخمر، ~~والرزق الحسن جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالثمر والدبس والزبيب والخل، ~~وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر، وقيل إن السكر الخل بلغة الحبشة، ~~والرزق الحسن الطعام من الشجرتين، وقيل السكر العصر الحلو الحلال، وسمى ~~سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. والقول الأول أولى ~~وعليه الجمهور، وقد صرح أهل اللغة بأن السكر اسم للخمر، ولم يخالف في ذلك ~~إلا أبو عبيدة فإنه قال: السكر الطعم، ومما يدل على ما قاله جمهور أهل ~~اللغة قول الشاعر: # بئس الصحاب وبئس الشرب شربهم * إذا جرى فيهم الهذي والسكر ومما يدل على ~~ما قاله أبو عبيدة ما أنشده: * جعلت عيب الأكرمين سكرا * أي جعلت ذمهم ~~طعما، ورجح هذا ابن جرير فقال: إن السكر ما يطعم من الطعام ويحل شربه من ~~ثمار النخيل والأعناب وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل - ~~إنما أشكو بثي وحزني إلى الله - قال ms2111 الزجاج: قول أبى عبيدة هذا لا يعرف، ~~وأهل التفسير على خلافه ولا حجة في البيت الذي أنشده لأن معناه عند غيره ~~أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس، وقد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما لا ~~يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ، قالوا: وإنما يمتن الله على ~~عباده بما أحله لهم لا بما حرمه عليهم وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة ~~المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر اه‍ (إن في ذلك لآية لقوم ~~يعقلون) أي لدلالة لمن يستعمل العقل ويعمل بما يقتضيه عند النظر في الآيات ~~التكوينية (وأوحى ربك إلى النحل) قد تقدم الكلام في الوحي وأنه يكون بمعنى ~~الإلهام، وهو ما يخلقه في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، ومنه قوله سبحانه ~~- ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها - ومن ذلك إلهام البهائم لفعل ما ~~ينفعها وترك ما يضرها، وقرأ يحيى بن وثاب " إلى النحل " بفتح الحاء. قال ~~الزجاج: وسمى نحلا لأن الله سبحانه نحله العسل الذي يخرج منه. قال الجوهري: ~~والنحل والنحلة الدبر يقع على الذكر والأنثى (أن اتخذي من الجبال بيوتا) أي ~~بأن اتخذي على أن " أن " هي المصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية لأن في ~~الإيحاء معنى القول، وأنث الضمير في اتخذي لكونه أحد الجائزين كما تقدم، أو ~~للحمل على المعنى أو لكون النحل جمعا، وأهل الحجاز يؤنثون النحل " ومن " في ~~من الجبال بيوتا (و) كذا في (من الشجر و) كذا في (مما يعرشون) للتبعيض: أي ~~مساكن توافقها وتليق بها في كوى الجبال وتجويف محمد الشجر، وفى العروش التي ~~يعرشها بنو آدم من الأجناح والحيطان وغيرها، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من ~~الخشب، يقال عرش يعرش بكسر الراء وضمها. وبالضم قرأ ابن عامر وشعبة. وقرأ ~~الباقون بالكسر. وقرئ أيضا بيوتا بكسر الباء وضمها (ثم كلى من كل الثمرات) ~~من للتبعيض لأنها تأكل النور من الأشجار فإذا أكلتها (فاسلكي سبل ربك) أي ~~الطرق التي فهمك الله وعلمك، وأضافها إلى الرب لأنه خالقها وملهم النحل أن ~~تسلكها: أي ms2112 ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر، أو اسلكي ما ~~أكلت في سبل ربك: أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور عسلا أو إذا ~~أكلت الثمار في الأمكنة البعيدة فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين ~~فيها، وانتصاب (ذللا) على الحال من السبل، وهى جمع ذلول: أي مذللة غير ~~متوعرة، واختار هذا الزجاج وابن جرير، وقيل حال من النحل: يعنى: مطيعة ~~للتسخير وإخراج العسل من بطونها، واختار هذا ابن قتيبة، وجملة (يخرج من ~~بطونها) مستأنفة عدل به عن خطاب النحل، تعديدا للنعم، وتعجيبا لكل سامع، ~~وتنبيها على الغير، وإرشادا إلى الآيات العظيمة الحاصلة من هذا الحيوان ~~الشبيه بالذباب، والمراد با (شراب) في الآية هو العسل، PageV03P175 # ومعنى (مختلف ألوانه) أن بعضه أبيض وبعضه أحمر وبعضه أزرق وبعضه أصفر ~~باختلاف ذوات النحل وألوانها ومأكولاتها. وجمهور المفسرين على أن العسل ~~يخرج من أفواه النحل، وقيل من أسفلها، وقيل لا يدرى من أين يخرج منها، ~~والضمير في قوله (فيه شفاء للناس) راجع إلى الشراب الخارج من بطون النحل ~~وهو العسل. وإلى هذا ذهب الجمهور. وقال الفراء وابن كيسان وجماعة من السلف: ~~إن الضمير راجع إلى القرآن، ويكون التقدير فيما قصصنا عليكم من الآيات ~~والبراهين شفاء للناس، ولا وجه للعدول عن الظاهر ومخالفة المرجع الواضح ~~والسياق البين. # وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله الله في العسل عام لكل داء ~~أو خاص ببعض الأمراض، فقالت طائفة: هو على العموم، وقالت طائفة: إن ذلك خاص ~~ببعض الأمراض، ويدل على هذا أن العسل نكرة في سياق الإثبات فلا يكون عاما، ~~وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض أو ~~أمراض، لا لكل مرض، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم، والظاهر المستفاد من ~~التجربة ومن قوانين علم الطب، أنه إذا استعمل منفردا كان دواء لأمراض خاصة ~~وإن خلط مع غيره كالمعاجين ونحوها كان مع ما خلط به دواء لكثير من الأمراض. ~~وبالجملة فهو من أعظم الأغذية ms2113 وأنفع الأدوية، وقليلا ما يجتمع هذان الأمران ~~في غيره (إن في ذلك) المذكور من أمر النحل (لآية لقوم يتفكرون) أي يعملون ~~أفكارهم عند النظر في صنع الله سبحانه وعجائب مخلوقاته فإن أمر النحل من ~~أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والحاكم وصححه والبيهقي في سننه ~~وابن مردويه عن ابن عباس أنه سئل عن قوله (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) ~~قال: السكر ما حرم من ثمرتهما، والرزق الحسن ما حل. وأخرج الفريابي وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عنه قال: السكر الحرام، والرزق الحسن زبيبه وخله ~~وعنبه ومنافعه. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا قال: السكر النبيذ. والرزق الحسن الزبيب، فنسختها هذه الآية - إنما ~~الخمر والميسر -. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عنه ~~أيضا في الآية قال: فحرم الله بعد ذلك السكر منع تحريم الخمر لأنه منه، ثم ~~قال (ورزقا حسنا) فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك. فأقره ~~الله وجعله حلالا للمسلمين. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ~~ابن عمر أنه سئل عن السكر، فقال: # الخمر بعينها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود ~~قال: السكر خمر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (وأوحى ربك إلى النحل) ~~قال: ألهمها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (فاسلكي سبل ربك ذللا) قال: طرقا لا يتوعر عليها مكان سلكته. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ذللا قال: ~~مطيعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى قال: # ذليلة: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (يخرج من بطونها شراب) قال: ~~العسل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ~~هو العسل فيه الشفاء وفى القرآن. وأخرج ابن أبي ms2114 شيبة وابن جرير عن ابن ~~مسعود قال: إن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه عن ابن مسعود قال: عليكم بالشفاءين العسل والقرآن. وأخرج ابن ماجة ~~والحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في الشعب وابن السني وأبو نعيم والخطيب ~~عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " عليكم ~~بالشفاءين العسل والقرآن ". وقد وردت PageV03P176 # أحاديث في كون العسل شفاء: منها ما أخرجه البخاري من حديث ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وآله سلم قال " الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة ~~عسل أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرها من ~~حديث أبي سعيد " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ~~رسول الله إن أخي استطلق بطنه، فقال: اسقه عسلا فسقاه عسلا، ثم جاء فقال: ~~سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا، قال اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه، ثم جاء ~~فقال: ما زاده إلا استطلاقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صدق ~~الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا، فذهب فسقاه عسلا فبرأ ". # سورة النحل الآية (70 - 74). # لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة، ~~وخصائص القدرة القاهرة، أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال ~~(والله خلقكم) ولم تكونوا شيئا (ثم يتوفاكم) عند انقضاء آجالكم (ومنكم من ~~يرد إلى أرذل العمر) يقال رذل يرذل رذالة، والأرذل والرذالة أرادأ الشئ ~~وأوضعه. # قال النيسابوري: واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: ~~أولاها سن النشوء. وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب. وثالثها سن الانحطاط ~~اليسير، وهو سن الكهولة. ورابعها سن الانحطاط الظاهر، وهو سن الشيخوخة. قيل ~~وأرذل العمر هو عند أن يصير الإنسان إلى الخرف، وهو أن يصير بمنزلة الصبي ~~الذي لا عقل له، وقيل خمس وسبعون سنة، وقيل تسعون سنة، ومثل هذه ms2115 الآية قوله ~~سبحانه - لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين - ثم علل ~~سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله (لكيلا يعلم بعد علم) كان قد حصل ~~له (شيئا) من العلم لا كثيرا ولا قليلا أو شيئا من المعلومات إذا كان العلم ~~هنا بمعنى المعلوم، وقيل المراد بالعلم هنا العقل، وقيل المراد لئلا يعلم ~~زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك. ثم لما بين سبحانه خلق الإنسان ~~وتقلبه في أطوار العمر ذكر طرفا من أحواله لعله يتذكر عند ذلك فقال (والله ~~فضل بعضكم على بعض في الرزق) فجعلكم متفاوتين فيه فوسع على بعض عباده حتى ~~جعل له من الرزق ما يكفي ألوفا مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده حتى ~~صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول ~~العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها، وكما جعل التفاوت بين عباده ~~في المال جعله بينهم في العقل PageV03P177 # والعلم والفهم وقوة البدن وضعفه والحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك من ~~الأحوال، وقيل معنى الآية: # أن الله سبحانه أعطى الموالي أفضل مما أعطى مماليكهم بدليل قوله (فما ~~الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم) أي فما الذين فضلهم الله ~~بسعة الرزق على غيرهم برادي رزقهم الذي رزقهم الله إياه على ما مكلت ~~أيمانهم من المماليك (فهم) أي المالكون والمماليك (فيه) أي في الرزق (سواء) ~~أي لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم، فالفاء على هذا للدلالة على أن التساوي ~~مترتب على التراد: أي لا يردونه عليهم ردا مستتبعا للتساوي، وإنما يردون ~~عليهم منه شيئا يسيرا، وهذا مثل ضربه الله سبحانه بعبدة الأصنام: أي إذا لم ~~يكونوا عبيدكم معكم سواء ولا ترضون بذلك فكيف تجعلون عبيدي معي سواء والحال ~~أن عبيدكم مساوون لكم في البشرية والمخلوقية، فلما لم تجعلوا عبيدكم ~~مشاركين لكم في أموالكم، فيكف تجعلون بعض عباد الله سبحانه شركاء له ~~فتعبدونهم معه، أو كيف تجعلون بعض مخلوقاته كالأصنام شركاء له في ms2116 العبادة ~~ذكر معنى هذا ابن جرير، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم هل لكم مما ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم - وقيل إن الفاء ~~في " فهم فيه سواء " بمعنى حتى (أفبنعمة الله تجحدون) حيث تفعلون ما تفعلون ~~من الشرك، والنعمة هي كونه سبحانه جعل المالكين مفضلين على المماليك، وقد ~~قرئ " يجحدون " بالتحتية والفوقية. قال أبو عبيدة وأبو حاتم: # وقراءة الغيبة أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطابا لكان ظاهره ~~للمسلمين، والاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدر: أي يشركون به ~~فيجحدون نعمته، ويكون المعنى على قراءة الخطاب أن المالكين ليسوا برادي ~~رزقهم على مماليكهم، بل أنا الذي أرزقهم وإياهم فلا يظنوا أنهم يعطونهم ~~شيئا، وإنما هو رزقي أجريه على أيديهم وهم جميعا في ذلك سواء لا مزية لهم ~~على مماليكهم، فيكون المعطوف عليه المقدر فعلا يناسب هذا المعنى كأن يقال: ~~لا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله. ثم ذكر سبحانه الحالة الأخرى من أحوال ~~الانسان فقال (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) قال المفسرون: يعنى النساء ~~فإنه خلق حواء من ضلع آدم، أو المعنى: خلق لكم من جنسكم أزواجا لتستأنسوا) ~~بها، لأن الجنس يأنس إلى جنسه ويستوحش من غير جنسه، وبسبب هذه الأنسة يقع ~~بين الرجال والنساء ما هو سبب للنسل الذي هو المقصود بالزواج، ولهذا قال ~~(وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) الحفدة جمع حافد، يقال حفد يحفد حفدا ~~وحفودا: إذا أسرع، فكل من أسرع في الخدمة فهو حافد قال أبو عبيد: الحفد ~~العمل والخدمة: قال الخليل بن أحمد: الحفدة عند العرب الخدم، ومن ذلك قول ~~الشاعر وهو الأعشى: # كلفت مجهولنا نوقا يمانية * إذ الحداة على أكتافها حفدوا أي الخدم ~~والأعوان. وقال الأزهري: قيل الحفدة أولاد الأولاد، وروى عن ابن عباس، وقيل ~~الأختان، قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي، ~~ومنه قول الشاعر: # فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت * لها حفد مما تعد كثير ولكنها نفس على أبية ~~* عيوف لأصهار اللئام قذور ms2117 وقيل الحفدة الأصهار. قال الأصمعي: الختن من كان ~~من قبل المرأة كابنها وأخيها وما أشبههما، والأصهار منهما جميعا، يقال أصهر ~~فلان إلى بني فلان وصاهر، وقيل هم أولاد امرأة الرجل من غيره، وقيل الأولاد ~~الذين يخدمونه، وقيل البنات الخادمات لأبيهن. ورجح كثير من العلماء أنهم ~~أولاد الأولاد، لأنه سبحانه أمتن على PageV03P178 # عباده بأن جعل لهم من الأزواج بنين وحفدة، فالحفدة في الظاهر معطوفون على ~~البنين وإن كان يجوز أن يكون المعنى: جعل لكم من أزواجكم بنين وجعل لكم ~~حفدة، ولكن لا يمتنع على هذا المعنى الظاهر أن يراد بالبنين من لايخدم، ~~وبالحفدة من يخدم الأب منهم، أو يراد بالحفدة البنات فقط، ولا يفيد أنهم ~~أولاد الأولاد إلا إذا كان تقدير الآية: وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن ~~البنين حفدة (ورزقكم من الطيبات) التي تستطيبونها ما وتستلذونها ومن ~~للتبعيض لأن الطيبات لا تكون مجتمعة إلا في الجنة، ثم ختم سبحانه الآية ~~بقوله (أفبالباطل يؤمنون) والاستفهام للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على ~~مقدر: أي يكفرون بالله فيؤمنون بالباطل، وفى تقدم " بالباطل " على الفعل ~~دلالة على أنه ليس لهم إيمان إلا به، والباطل هو اعتقادهم في أصنامهم أنها ~~تضر وتنفع، وقيل الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة ~~ونحوهما. قرأ الجمهور " يؤمنون " بالتحتية، وقرأ أبو بكر بالفوقية على ~~الخطاب (وبنعمة الله هم يكفرون) أي ما أنعم به عليهم مما لا يحيط به حصر، ~~وفى تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل دليل على أن كفرهم مختص بذلك لا ~~يتجاوزه لقصد المبالغة والتأكيد (ويعبدون من دون الله) هو معطوف على يكفرون ~~داخل تحت الإنكار التوبيخي إنكارا منه سبحانه عليهم حيث يعبدون الأصنام، ~~وهى لا تنفع ولا تضر، ولهذا قال (ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~شيئا) قال الأخفش: إن شيئا بدل من الرزق. وقال الفراء: هو منصوب بإيقاع ~~الرزق عليه، فجعل رزقا مصدرا عاملا في شيئا، والأخفش جعله اسما للرزق، وقيل ~~يجوز أن يكون تأكيدا لقوله " لا يملك " أي لا يملك شيئا من ms2118 الملك، والمعنى: ~~أن هؤلاء الكفار يعبدون معبودات لا تملك لهم رزقا أي رزق، ومن السماوات ~~والأرض صفة لرزق: أي كائنا منهما، والضمير في (ولا يستطيعون) راجع إلى ما، ~~وجمع جمع العقلاء بناء على زعمهم الباطل، والفائدة في نفى الاستطاعة عنهم ~~أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة التملك بطريق من الطرق، فبين ~~سبحانه أنها لا تملك ولا تستطيع، وقيل يجوز أن يكون الضمير في يستطيعون ~~للكفار: أي لا يستطيع هؤلاء الكفار مع كونهم أحياء متصرفين، فكيف بالجمادات ~~التي لا حياة لها ولا تستطيع التصرف؟ ثم نهاهم سبحانه عن أن يشبهوه بخلقه، ~~فقال (فلا تضربوا لله الأمثال) فإن ضارب المثل يشبه حالا بحال وقصة بقصة. ~~قال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلا لأنه واحد لا مثل له، وكانوا يقولون: إن ~~إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام ~~والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر ~~يخدمون الملك فنهوا عن ذلك، وعلل النهى بقوله (إن الله) عليم (يعلم) ما ~~عليكم من العبادة (وأنتم لا تعلمون) ما في عبادتها من سوء العاقبة، والتعرض ~~لعذاب الله سبحانه، أو أنتم لا تعلمون بشئ من ذلك، وفعلكم هذا هو عن توهم ~~فاسد وخاطر باطل وخيال مختل، ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال إن الله ~~يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك. # وقد أخرج ابن جرير عن علي في قوله (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) قال: ~~خمس وسبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى قال: هو الخرف. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: من قرأ ~~القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ (لكيلا يعلم بعد علم شيئا). وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن طاوس قال: العالم لا يخرف. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الصحيح وغيره أنه كان يتعوذ بالله أن يرد إلى أرذل العمر. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ms2119 ابن عباس في قوله (والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق) قال: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون ~~عبيدي معي في سلطاني. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في الآية قال: هذا مثل لآلهة الباطل مع الله. وأخرج عبد بن حميد ~~PageV03P179 # وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا) قال: خلق آدم، ثم خلق زوجته منه. وأخرج الفريابي وسعيد بن ~~منصور والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ~~والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله (بنين وحفدة) قال: الحفدة الأختان. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الحفدة الأصهار. وأخرجا عنه ~~قال: الحفدة الولد وولد الولد وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: الحفدة بنو ~~البنين. وأخرج ابن جرير عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن قوله (بنين ~~وحفدة) قال: من أعابك فقد حفدك، أما سمعت الشاعر يقول: # حفد الولائد حولهن وأسلمت * بأكفهن أزمة الأجمال وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا قال: الحفدة بنو امرأة الرجل ليسوا منه. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن قتادة (أفبالباطل يؤمنون) قال: الشرك. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال ~~هو الشيطان (وبنعمة الله) قال: محمد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ويعبدون من دون الله) الآية قال: ~~هذه الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها (رزقا من السماوات ~~والأرض) ولا خيرا ولا حياة ولا نشورا (فلا تضربوا لله الأمثال) فإنه أحد ~~صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه (فلا تضربوا لله الأمثال) يعنى ~~اتخاذهم الأصنام، يقول لا تجعلوا معي إلها غيري. فإنه لا إله غيري. # سورة النحل الآية (75 - 79) قوله (ضرب الله مثلا) لما قال سبحانه إن الله ms2120 ~~يعلم: أي بالمعلومات التي من جملتها كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون، ~~علمهم سبحانه كيف تضرب الأمثال فقال: ضرب الله مثلا: أي ذكر شيئا يستدل به ~~على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه، وبين ما جعلوه شريكا له من ~~الأصنام، ثم ذكر ذلك فقال (عبدا مملوكا) والمثل في الحقيقة هي حالة للعبد ~~عارضة له، وهى المملوكية والعجز عن التصرف، فقوله (عبدا مملوكا لا يقدر ~~PageV03P180 # على شئ) تفسير للمثل وبدل منه. ووصفه بكونه مملوكا لأن العبد والحر ~~مشتركان في كون كل واحد منهما عبدا لله سبحانه، ووصفه بكونه لا يقدر على شئ ~~لأن المكاتب والمأذون يقدران على بعض التصرفات، فهذا الوصف لتمييزه عنهما ~~(ومن رزقناه) من هي الموصولة، وهى معطوفة على عبدا: أي والذي رزقناه (منا) ~~أي من جهتنا (رزقا حسنا) من الأحرار الذين يملكون الأموال ويتصرفون بها كيف ~~شاءوا. والمراد بكون الرزق حسنا أنه مما يحسن في عيون الناس، لكونه رزقا ~~كثيرا مشتملا على أشياء مستحسنة نفيسة تروق الناظرين إليها، والفاء في قوله ~~(فهو ينفق منه) لترتيب الإنفاق على الرزق: أي ينفق منه في وجوه الخير ويصرف ~~منه إلى أنواع البر والمعروف، وانتصاب (سرا وجهرا) على الحال: أي ينفق منه ~~في حال السر وحال الجهر، والمراد بيان عموم الإنفاق للأوقات، وتقديم السر ~~على الجهر مشعر بفضيلته عليه، وأن الثواب فيه أكثر، وقيل أن " من " في " ~~ومن رزقناه " موصوفة كأنه قيل: وحرا رزقناه ليطابق عبدا (هل يستوون) أي ~~الحر والعبد الموصوفان بالصفات المتقدمة، وجمع الضمير لمكان من، لأنه اسم ~~مبهم يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، وقيل إنه أريد ~~بالعبد والموصول الذي هو عبارة عن الحر الجنس: أي من اتصف بتلك الأوصاف من ~~الجنسين، والاستفهام للإنكار: أي هل يستوى العبيد والأحرار الموصوفون بتلك ~~الصفات مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله سبحانه من جملة البشر، ومن المعلوم ~~أنهم لا يستوون عندهم، فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضرا ولا ~~نفعا، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه؟ وحاصل المعنى: أنه ms2121 كما لا ~~يستوى عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شئ ورجل حر قد رزقه الله رزقا ~~حسنا فهو ينفق منه، كذلك لا يستوى الرب الخالق الرازق والجمادات من الأصنام ~~التي تعبدونها وهى لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وقيل المراد بالعبد ~~المملوك في الآية هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر هو ~~المؤمن، والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف، وقيل العبد هو الصنم، ~~والثاني عابد الصنم، والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف، لأن ~~الأول جماد، والثاني إنسان (الحمد لله) أي الحمد لله كله، لأنه المنعم لا ~~يستحق غيره من العباد شيئا منه، فكيف تستحق الأصنام منه شيئا ولا نعمة منها ~~أصلا لا بالأصالة ولا بالتوسط، وقيل أراد الحمد لله على ما أنعم به على ~~أوليائه من نعمة التوحيد، وقيل أراد قل الحمد لله، والخطاب إما لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم أو لمن رزقه الله رزقا حسنا، وقيل إنه لما ذكر مثلا ~~مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود قال الحمد لله: أي على قوة هذه الحجة (بل ~~أكثرهم لا يعلمون) ذلك حتى يعبدوا من تحق له العبادة ويعرفوا المنعم عليهم ~~بالنعم الجليلة، ونفى العلم عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون ~~بسببها ما يجب عليهم، أو هم يتركون الحق عنادا مع علمهم به فكانوا كمن لا ~~علم له، وخص الأكثر بنفي العلم، إما لكونه يريد الخلق جميعا، وأكثرهم ~~المشركون، أو ذكر الأكثر وهو يريد الكل، أو المراد أكثر المشركين، لأن فيهم ~~من يعلم ولا يعمل بموجب العلم. ثم ذكر سبحانه مثلا ثانيا ضربه لنفسه، ولما ~~يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ~~ولا تنفع فقال (وضرب الله مثلا) أي مثلا آخر أوضح مما قبله وأظهر منه، و ~~(رجلين) بدل من مثل وتفسير له، والأبكم العيي المفحم، وقيل هو الأقطع ~~اللسان الذي لا يحسن الكلام، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ~~ولا يبصر، ثم وصف ms2122 الأبكم فقال (لا يقدر على شئ) من الأشياء المتعلقة بنفسه ~~أو بغيره لعدم فهمه وعدم قدرته على النطق. ومعنى (كل على مولاه) ثقيل على ~~وليه وقرابته وعيال على من يلي أمره ويعوله ووبال على إخوانه، وقد يسمى ~~اليتيم كلا لثقله على من يكلفه، ومنه قول الشاعر: PageV03P181 # أكول لمال الكل قبل شبابه * إذا كان عظم الكل غير شديد وفى هذا بيان لعدم ~~قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شئ مطلقا. ثم وصفه بصفة ~~رابعة فقال (أينما يوجهه لا يأت بخير) أي إذا وجهه إلى أي جهة لا يأت بخير ~~قط، لأنه لا يفهم ولا يعقل ما يقال له ولا يمكنه أن يقول. وقرأ يحيى بن ~~وثاب " أينما يوجه " على البناء للمجهول، وقرأ ابن مسعود " أينما توجه " ~~على صيغة الماضي (هل يستوى هو) في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها (ومن ~~يأمر بالعدل) أي يأمر الناس بالعدل مع كونه في نفسه ينطق بما يريد النطق به ~~ويفهم، ويقدر على التصرف في الأشياء (وهو) في نفسه (على صراط مستقيم) على ~~دين قويم وسيرة صالحة ليس فيه ميل إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط. قابل ~~أوصاف الأول بهذين الوصفين المذكورين للآخر، لأن حاصل أوصاف الأول عدم ~~استحقاقه لشئ، وحاصل وصفى هذا أنه مستحق أكمل استحقاق، والمقصود الاستدلال ~~بعدم تساوى هذين المذكورين على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه ~~شريكا له. ولما فرغ سبحانه من ذكر المثلين مدح نفسه بقوله (ولله غيب ~~السماوات والأرض أي يختص ذلك به لا يشاركه فيه غيره ولا يستقل به، والمراد ~~علم ما غاب عن العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن ~~العباد، ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما. والمعنى: التوبيخ للمشركين ~~والتقريع لهم: # أي أن العبادة إنما يستحقها من كانت هذه صفته لا من كان جاهلا عاجزا لا ~~يضر ولا ينفع ولا يعلم بشئ من أنواع العلم (وما أمر الساعة) التي هي أعظم ~~ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به ms2123 سبحانه (إلا كلمح البصر) اللمح ~~النظر بسرعة، ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان ~~قابل للتجزئة، ولذا قال (أو هو) أي أمرهما (أقرب) وليس هذا من قبيل ~~المبالغة، بل هو كلام في غاية الصدق، لأن مدة ما بين الخطاب وقيام الساعة ~~متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي، ~~أو يقال: إن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب كلمح البصر. وقال ~~الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتى في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على ~~الإتيان بها، لأنه يقول للشئ كن فيكون: وقيل المعنى: هي عند الله كذلك وإن ~~لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة، ومثله قوله سبحانه - إنهم يرونه بعيدا ~~ونراه قريبا - ولفظ أو في " أو هو أقرب " ليس للشك بل للتمثيل، وقيل دخلت ~~لشك المخاطب، وقيل هي بمنزلة بل (إن الله على كل شئ قدير) ومجئ الساعة ~~بسرعة من جملة مقدوراته. ثم إنه سبحانه ذكر حالة أخرى للإنسان دالة على ~~غاية قدرته ونهاية رأفته فقال (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا) وهذا معطوف على قوله (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) منتظم معه في ~~سلك أدلة التوحيد: أي أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشئ، وجملة ~~لا تعلمون شيئا في محل نصب على الحال، وقيل المراد لا تعلمون شيئا مما أخذ ~~عليكم من الميثاق، وقيل لا تعلمون شيئا مما قضى به عليكم من السعادة ~~والشقاوة، وقيل لا تعلمون شيئا من منافعكم. والأولى التعميم لتشمل الآية ~~هذه الأمور وغيرها اعتبارا بعموم اللفظ. فإن شيئا نكرة واقعة في سياق ~~النفي. وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة " إمهاتكم " بكسر الهمزة والميم هنا، ~~وفى النور والزمر والنجم. وقرأ الكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. وقرأ ~~الباقون بضم الهمزة وفتح الميم (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي ركب ~~فيكم هذه الأشياء، وهو معطوف على أخرجكم، وليس فيه دلالة على تأخير هذا ~~الجعل عن الإخراج لما أن مدلول الواو هو ms2124 مطلق الجمع، والمعنى: جعل لكم هذه ~~الأشياء لتحصلوا بها العلم الذي كان مسلوبا عنكم عند إخراجكم من بطون ~~أمهاتكم وتعملوا بموجب العلم من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه، ~~والأفئدة جمع فؤاد، وهو وسط القلب منزل منه بمنزلة القلب من الصدر، وقد ~~PageV03P182 # قدمنا الوجه في إفراد السمع وجمع الأبصار والأفئدة، وهو أن إفراد السمع ~~لكونه مصدرا في الأصل يتناول القليل والكثير (لعلكم تشكرون) أي لكي تصرفوا ~~كل آلة فيما خلقت له، فعند ذلك تعرفون مقدار ما أنعم الله به عليكم ~~فتشكرونه. أو أن هذا الصرف هو نفس الشكر. ثم ذكر سبحانه دليلا آخر على كمال ~~قدرته، فقال (ألم يروا إلى الطير مسخرات) أي ألم ينظروا إليها حال كونها ~~مسخرات: أي مذللات للطيران بما خلق الله لها من الأجنحة وسائر الأسباب ~~المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامها بسط الجناح وقبضه كما يفعل السابح ~~في الماء (في جو لسماء) أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو، ~~وإضافته إلى السماء لكونه في جانبها (ما يمسكهن) في الجو (إلا الله) سبحانه ~~بقدرته الباهرة، فإن ثقل أجسامها ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها، لأنها ~~لم تتعلق بشئ من فوقها ولا اعتمدت على شئ تحتها. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش ~~وابن عامر وحمزة ويعقوب " ألم تروا " بالفوقية على الخطاب، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد. وقرأ الباقون بالتحتية (إن في ذلك لآيات) * أي إن في ذلك ~~التسخير على تلك الصفة لآيات ظاهرات تدل على وحدانية الله سبحانه وقدرته ~~الباهرة (لقوم يؤمنون) بالله سبحانه وبما جاءت به رسله من الشرائع التي ~~شرعها الله. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ضرب الله مثلا ~~عبدا مملوكا) الآية قال: يعنى الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل ~~الله (ومن رزقناه منا رزقا حسنا) الآية قال: يعنى المؤمن وهذا المثل في ~~النفقة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم نحوه بأطول ~~منه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ms2125 وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~الآية، وفى قوله (مثلا رجلين أحدهما أبكم) قال: كل هذا مثل إله الحق وما ~~تدعون من دونه الباطل. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: ~~في المثل الأول يعنى بذلك الآلهة التي لا تملك ضرا ولا نفعا ولا تقدر على ~~شئ ينفعها (ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا) قال: علانية ~~الذي ينفق سرا وجهرا لله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن ~~عساكر عنه قال: نزلت هذه الآية (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا) في رجل من قريش ~~وعبدة بن هشام بن عمرو، وهو الذي ينفق سرا وجهرا، وفى عبدة أبى الجوزاء ~~الذي كان ينهاه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أيضا في قوله (وضرب الله ~~مثلا رجلين أحدهما أبكم) الآية قال: يعنى بالأبكم الذي هو كل على مولاه ~~الكافر (ومن يأمر بالعدل) المؤمن، وهذا المثل في الأعمال. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عنه أيضا قال: نزلت هذه ~~الآية - وضرب الله مثلا رجلين - الآية في عثمان بن عفان ومولى له كافر، وهو ~~أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه ~~المؤنة، وكان لآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما. وأخرج ابن سعد ~~وابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في ~~المختارة عنه أيضا في قوله (ومن يأمر بالعدل) قال: عثمان بن عفان. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (كل) قال: الكل العيال، كانوا ~~إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول، وجعلوا معه نفرا يمسكونه خشية أن يسقط ~~عليهم، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم (هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم) يعنى نفسه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر) هو أن يقول: كن فهو ~~كلمح البصر (أو هو ms2126 أقرب) فالساعة كلمح البصر أو هي أقرب. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدى في قوله (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) قال: # من الرحم، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (في جو السماء) ~~أي في كبد السماء. PageV03P183 # سورة النحل الآية (80 - 83) قوله (والله جعل لكم) معطوف على ما قبله وهذا ~~المذكور من جملة أحوال الإنسان، ومن تعديد نعم الله عليه، والسكن مصدر يوصف ~~به الواحد والجمع، وهو بمعنى مسكون: أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من ~~الحركة، وهذه نعمة، فإن الله سبحانه لو شاء لخلق العبد مضطربا دائما ~~كالأفلاك، ولو شاء لخلقه ساكنا أبدا كالأرض (وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا) لما ذكر سبحانه بيوت المدن، وهى التي للإقامة الطويلة عقبها بذكر ~~بيوت البادية والرحلة: أي جعل لكم من جلود الأنعام، وهى الأنطاع والأدم ~~بيوتا كالخيام والقباب (تستخفونها) أي يخف عليكم حملها في الأسفار وغيرها، ~~ولهذا قال (يوم ظعنكم) والظعن بفتح العين وسكونها، وقرئ بهما: سير أهل ~~البادية للانتجاع والتحول من موضع إلى موضع. ومنه قول عنترة: # ظعن الذين فراقهم أتوقع * وجرى ببيتهم الغراب الأبقع والظعن الهودج أيضا ~~(ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا) معطوف على " جعل " أي وجعل لكم من ~~أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها، والأنعام تعم الإبل والبقر والغنم كما ~~تقدم. والأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز، وهى من جملة الغنم، ~~فيكون ذكر هذه الثلاثة على وجه التنويع كل واحد منها لواحد من الثلاثة، ~~أعني الإبل، ونوعي الغنم، والأثاث متاع البيت. وأصله الكثرة والاجتماع، ~~ومنه شعر أثيث: أي كثير مجتمع، قال الشاعر: # وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النخلة المتعثكل قال الخليل ~~أثاثا: أي منضما بعضه إلى بعض، من أث إذا أكثر، قال الفراء: لا واحد له، ~~والمتاع: ما يتمتع به بأنواع التمتع، وعلى قول أبى زيد الأنصاري: إن الأثاث ~~المال أجمع: الإبل والغنم والعبيد والمتاع، يكون عطف المتاع على الأثاث من ~~عطف الخاص على العام، وقيل إن الأثاث ما يكتسي به الإنسان ويستعمله من ~~الغطاء والوطاء، ms2127 والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به، ومعنى (إلى حين) ~~إلى أن تقضوا أوطاركم منه، أو إلى أن يبلى ويفنى، أو إلى الموت، أو إلى ~~القيامة، ثم لما كان الإنسان قد لا يكون له خيام، أو أبنية يستظل بها لفقر، ~~أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام أو نحو ذلك نبه ~~سبحانه على ذلك فقال (وجعل لكم مما خلق ظلالا) أي أشياء تستظلون بها ~~كالأشياء المذكورة. والحاصل أن الظلال تعم الأشياء التي تظل، ثم لما كان ~~PageV03P184 # المسافر قد يحتاج إلى ركن يأوى إليه في نزوله. وإلى ما يدفع به عن نفسه ~~آفات الحر والبرد، نبه سبحانه على ذلك فقال (وجعل لكم من الجبال أكنانا) ~~وهى جمع كن: وهو ما يستكن به من المطر، وهى هنا الغيران في الجبال، جعلها ~~الله سبحانه عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها ~~(وجعل لكم سرابيل) جمع سربال، وهى القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان ~~وغيرها. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال، ومعنى (تقيكم الحر) تدفع عنكم ~~ضرر الحر، وخص الحر ولم يذكر البرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن ذكر الآخر، ~~لأن ما وقي من الحر وقى من البرد. ووجه تخصيص الحر بالذكر أن الوقاية منه ~~كانت أهم عندهم من الوقاية من البرد لغلبة الحر في بلادهم (وسرابيل تقيكم ~~بأسكم) وهى الدروع والجواشن يتقون بها الطعن والضرب والرمي. # والمعنى: أنها تقيم البأس الذي يصل من بعضهم إلى بعض في الحرب (كذلك يتم ~~نعمته عليكم) أي مثل ذلك الإتمام البالغ يتم نعمته عليكم، فإنه سبحانه قد ~~من على عباده بصنوف النعم المذكورة هاهنا وبغيرها. وهو بفضله وإحسانه سيتم ~~لهم نعمة الدين والدنيا (لعلكم تسلمون) إرادة أن تسلموا. فإن من أمعن النظر ~~في هذه النعم لم يسعه إلا الإسلام والانقياد للحق. وقرأ ابن محيصن وحميد " ~~تتم نعمته " بتاءين فوقيتين على أن فاعله نعمته. وقرأ الباقون بالتحتية على ~~أن الفاعل هو الله سبحانه. وقرأ ابن عباس وعكرمة " تسلمون " بفتح ms2128 التاء ~~واللام من السلامة من الجراح، وقرأ الباقون بضم التاء وكسر اللام من ~~الإسلام. قال أبو عبيد: والاختيار قراءة العامة، لأن ما أنعم الله به علينا ~~من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح، وقيل الخطاب لأهل مكة: ~~أي لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية، والأولى الحمل على العموم، ~~وإفراد النعمة هنا لأن المراد بها المصدر (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين) أي إن تولوا عنك ولم يقبلوا ما جئت به فقد تمهد عذرك، فإنما عليك ~~البلاغ لما أرسلت به إليهم المبين: أي الواضح، وليس عليك غير ذلك، وصرف ~~الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسلية له، وجملة (يعرفون ~~نعمة الله ثم ينكرونها) استئناف لبيان توليهم: أي هو يعرفون نعمة الله التي ~~عددها، ويعترفون بأنها من عند الله سبحانه ثم ينكرونها بما يقع من أفعالهم ~~القبيحة من عبادة غير الله وبأقوالهم الباطلة، حيث يقولون هي من الله ~~ولكنها بشفاعة الأصنام، وحيث يقولون إنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم، وأيضا ~~كونهم لا يستعملون هذه النعم في مرضاة الرب سبحانه، وفى وجوه الخير التي ~~أمرهم الله بصرفها فيها، وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوته (وأكثرهم الكافرون) أي الجاحدون لنعم الله ~~أو الكافرون بالله، وعبر هنا بالأكثر عن الكل، أو أراد بالأكثر العقلاء دون ~~الأطفال ونحوهم، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر ~~بعضهم كفر جهل، وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع ~~اعترافهم بالله وعدم الجحد لربوبيته، ومثل هذه الآية قوله تعالى - وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين -. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~سكنا قال: تسكنون فيها، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى نحوه قال (وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا) وهى خيام العرب (تستخفونها) يقول: # في الحمل (ومتاعا) يقول بلاغا (إلى حين) قال: ms2129 إلى الموت. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (تستخفونها يوم ظعنكم) قال: بعض بيوت السيارة بنيانه في ~~ساعة، وفى قوله (وأوبارها) قال: الإبل (وأشعارها) قال الغنم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه في قوله (أثاثا) قال: الأثاث المتاع. وأخرج ابن جرير عنه أيضا ~~قال: الأثاث المال (ومتاعا إلى حين) يقول: تنتفعون به إلى حين. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم PageV03P185 # عن قتادة في قوله (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) قال: من الشجر ومن غيرها ~~(وجعل لكم من الجبال أكنانا) قال: غارات يسكن فيها (وجعل لكم سرابيل تقيكم ~~الحر) قال: من القطن والكتان والصوف (وسرابيل تقيكم بأسكم) من الحديد (كذلك ~~يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم. وأخرج ~~أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (سرابيل ~~تقيكم الحر) قال: يعنى الثياب. # (وسرابيل تقيكم بأسكم) قال: يعنى الدروع والسلاح (كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون) يعنى من الجراحات وكان ابن عباس يقرؤها تسلمون كما قدمنا، ~~وإسناده ضعيف. # سورة النحل الآية (84 - 90) لما بين سبحانه من حال هؤلاء أنهم عرفوا نعمة ~~الله ثم أنكروها، وأن أكثرهم كافرون أتبعه بأصناف وعيد يوم القيامة، فقال ~~(ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) أي واذكر يوم نبعث. أو يوم نبعث وقعوا فيما ~~وقعوا فيه، وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإيمان والتصديق، وعليهم بالكفر ~~والجحود والتكذيب (ثم لا يؤذن للذين كفورا) أي في الاعتذار، إذ لا حجة لهم ~~ولا عذر كقوله سبحانه - ولا يؤذن لهم فيعتذرون - أو في كثرة الكلام. أو في ~~الرجوع إلى دار الدنيا، وإيراد ثم ها هنا للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع ~~عن الاعتذار المنبئ عن الإقناط الكلى أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء (ولا ~~هم يستعتبون) لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم ~~السخط فلا فائدة في العتاب. والمعنى: أنهم لا يسترضون: أي لا يكلفون أن ~~يرضوا ربهم. لأن الآخرة ليست بدار ms2130 تكليف، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا ~~فيتوبون، وأصل الكلمة من العتب وهو الموجد، يقال عتب عليه يعتب: إذا وجد ~~عليه، فإذا أفاض عليه ما عتب فيه عليه قيل عاتبه، فإذا رجع إلى مسرته قيل ~~أعتبه، والاسم العتبي، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاتب قاله ~~الهروي، ومنه قول النابغة: # فان كنت مظلوما فعبدا ظلمته * وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب PageV03P186 # (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب) أي وإذا رأى الذين أشركوا العذاب الذي ~~يستحقونه بشركهم، وهو عذاب جهنم (فلا يخفف) ذلك العذاب (عنهم ولا هم ~~ينظرون) أي ولا هم يمهلون ليتوبوا إذ لا توبة هنالك (وإذا رأى الذين أشركوا ~~شركاءهم) أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها، لما تقرر من أنهم يبعثون مع ~~المشركين ليقال لهم من كان يعبد شيئا فليتبعه، كما ثبت في الصحيح من قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من ~~دونك) أي الذين كنا نعبدهم من دونك. قال أبو مسلم الأصفهاني: مقصود ~~المشركين بهذا القول إحالة الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك واسترواحا مع ~~كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع ~~يده عليه (فألقوا إليهم القول) أي ألقى أولئك الأصنام والأوثان والشياطين ~~ونحوهم إلى المشركين القول (إنكم لكاذبون) أي قالوا لهم إنكم أيها المشركون ~~لكاذبون فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا الذي هو مقصودكم من هذا القول. ~~فإن قيل إن المشركين أشاروا إلى الأصنام ونحوها أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ~~ندعوا من دونك، وقد كانوا صادقين في ذلك، فكيف كذبتهم الأصنام ونحوها؟ ~~فالجواب بأن مرادهم من قولهم هؤلاء شركاؤنا: هؤلاء شركاء الله في ~~المعبودية، فكذبتهم الأصنام في دعوى هذه الشركة، والأصنام والأوثان وإن ~~كانت لا تقدر على النطق فإن الله سبحانه ينطقها في تلك الحال لتخجيل ~~المشركين وتوبيخهم، وهذا كما قالت الملائكة - بل كانوا يعبدون الجن - يعنون ~~أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لهم (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) ~~أي ألقى المشركون يوم القيامة ms2131 الاستسلام والانقياد لعذابه والخضوع لعزته، ~~وقيل استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم (وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون) أي ضاع وبطل ما كانوا يفترونه من أن لله سبحانه شركاء وما كانوا ~~يزعمون من شفاعتهم لهم، وأن عبادتهم لهم تقربهم إلى الله سبحانه (الذين ~~كفروا) في أنفسهم (وصدوا) غيرهم (عن سبيل الله) أي عن طريق الحق، وهى طريق ~~الإسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها وحملوهم على الكفر، وقيل المراد ~~بالصد عن سبيل الله: الصد عن المسجد الحرام، والأولى العموم. ثم أخبر عن ~~هؤلاء الذين صنعوا هذا الصنع بقوله (زدناهم عذابا فوق العذاب) أي زادهم ~~الله عذابا لأجل الإضلال لغيرهم فوق العذاب الذي استحقوه لأجل ضلالهم، وقيل ~~المعنى: زدنا القادة عذابا فوق عذاب أتباعهم أي أشد منه، وقيل إن هذه ~~الزيادة هي إخراجهم من النار إلى الزمهرير، وقيل غير ذلك (ويوم نبعث في كل ~~أمة شهيدا عليهم) أي نبيا يشهد عليهم (من أنفسهم) من جنسهم، إتماما للحجة ~~وقطعا للمعذرة، وهذا تكرير لما سبق لقصد التأكيد والتهديد (وجئنا بك) يا ~~محمد (شهيدا على هؤلاء) أي تشهد على هذه الأمم وتشهد لهم، وقيل على أمتك. ~~وقد تقدم مثل هذا في البقرة والنساء (ونزلنا عليك الكتاب) أي القرآن، ~~والجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال بتقدير قد (تبيانا لكل شئ) أي ~~بيانا له، والتاء للمبالغة، ونظيره من المصادر التلقاء، ولم يأت غيرهما. ~~ومثل هذه الآية قوله سبحانه - ما فرطنا في الكتاب من شئ -، ومعنى كونه ~~تبيانا لكل شئ أن فيه البيان الكثير من الأحكام، والإحالة فيما بقي منها ~~على السنة، وأمرهم باتباع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتي به من ~~الأحكام. وطاعته كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك، وقد صح عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال " إني أوتيت القرآن ومثله معه " (وهدى) للعباد ~~(ورحمة) لهم (وبشرى للمسلمين) خاصة دون غيرهم، أو يكون الهدى والرحمة ~~والبشرى خاصة بهم، لأنهم المنتفعون بذلك. ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن ~~تبيان كل شئ ms2132 ذكر عقبة آية جامعة لأصول التكليف كلها تصديقا لذلك فقال (إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان). # وقد اختلف أهل العلم في تفسير العدل والإحسان، فقيل: العدل لا إله إلا ~~الله، والإحسان أداء الفرائض، PageV03P187 # وقيل العدل الفرض، والإحسان النافلة. وقيل العدل استواء العلانية ~~والسريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وقيل العدل الإنصاف، ~~والإحسان التفضل. والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي وهو التوسط بين طرفي ~~الإفراط والتفريط، فمعنى أمره سبحانه بالعدل أن يكون عباده في الدين على ~~حالة متوسطة، ليست بمائله إلى جانب الإفراط وهو الغلو المذموم في الدين، ~~ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشئ مما هو من الدين، وأما الإحسان ~~فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضل بما لم يجب كصدقة التطوع، ومن الإحسان ~~فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله عليه في العبادات وغيرها، وقد صح ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه فسر الإحسان بأن يعبد الله العبد حتى ~~كأنه يراه، فقال في حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين " والإحسان أن تعبد ~~الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وهذا هو معنى الإحسان شرعا ~~(وإيتاء ذي القربى) أي إعطاء القرابة ما تدعو إليه حاجتهم، وفى الآية إرشاد ~~إلى صلة الأقارب وترغيب في التصدق عليهم، وهو من باب عطف الخاص على العام ~~إن كان إعطاء الأقارب قد دخل تحت العدل والإحسان، وقيل من باب عطف المندوب ~~على الواجب، ومثل هذه الآية قوله - وآت ذا القربى حقه - وإنما خص ذوي ~~القربى لأن حقهم آكد، فإن الرحم قد اشتق الله اسمها من اسمه. # وجعل صلتها من صلته وقطيعتها من قطيعته (وينهى عن الفحشاء) هي الخصلة ~~المتزايدة في القبح من قول أو فعل، وقيل هي الزنا، وقيل البخل (والمنكر) ما ~~أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعم جميع المعاصي على اختلاف أنواعها وقيل هو ~~الشرك (و) أما (البغي) هو الكبر، وقيل الظلم، وقيل الحقد وقيل التعدي، ~~وحقيقته تجاوز الحد فيشمل هذه المذكورة ويندرج بجميع أقسامه تحت المنكر، ~~وإنما خص ms2133 بالذكر اهتماما به لشدة ضرره ووبال عاقبته، وهو من الذنوب التي ~~ترجع على فاعلها لقوله سبحانه - إنما بغيكم على أنفسكم - وهذه الآية هي من ~~الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم ختم سبحانه ~~هذه الآية بقوله (يعظكم لعلكم تذكرون) أي يعظكم بما ذكره في هذه الآية مما ~~أمركم به ونهاكم عنه. فإنها كافية في باب الوعظ والتذكير، لعلكم تذكرون ~~إرادة أن تتذكروا ما ينبغي تذكره فتتعظوا بما وعظكم الله به. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) قال: شهيدها نبيها على أنه قد بلغ رسالات ~~ربه. قال الله (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فألقوا إليهم القول) قال: ~~حدثوهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) قال: ~~استسلموا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السرى وأبو يعلى وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث ~~والنشور عن ابن مسعود في قوله (زدناهم عذابا فوق العذاب) قال: # زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال. وأخرج ابن مردويه والخطيب عن ~~البراء " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قول الله تعالى -: ~~زدناهم عذابا فوق العذاب -. فقال: عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في ~~جهنم " وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(زدناهم عذابا فوق العذاب) قال: خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم يعذبون ~~ببعضها بالليل، وببعضها بالنهار. وقد روى ابن مردويه من حديث جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " الزيادة خمسة أنهار تجرى من تحت العرش على ~~رؤس أهل النار: ثلاثة ms2134 أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار " ~~فذلك قوله (زدناهم عذابا فوق العذاب). وأخرج ابن جرير PageV03P188 # وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إن الله أنزل في هذا الكتاب تبيانا لكل ~~شئ، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن، ثم قرأ (ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شئ). وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في ~~زوائد الزهد وابن الضريس في فضائل القرآن ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ~~والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فليثور ~~القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص ~~قال: " كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا إذ شخص بصره فقال: ~~أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة (إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان) الآية ". وفى إسناده شهر بن حوشب. وقال ابن كثير في ~~تفسيره: إسناده لا بأس به. وقد أخرجه مطولا أحمد والبخاري في الأدب وابن ~~أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من حديث ابن عباس، وحسن ابن كثير إسناده. ~~وأخرج الباوردي وابن السكن وابن منده وأبو نعيم في معرفة الصحابة عن عبد ~~الملك بن عمير أن هذه الآية لما بلغت أكثم بن صيفي حكيم العرب قال: إني ~~أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، ثم قال لقومه: كونوا في هذا ~~الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا، وكونوا فيه أولا ولا تكونوا فيه آخرا. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ~~ابن عباس في قوله (إن الله يأمر بالعدل) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ~~والإحسان أداء الفرائض (وإيتاء ذي القربى) قال: إعطاء ذوي الأرحام الحق ~~الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم (وينهى عن الفحشاء) قال: الزنا ~~(والمنكر) قال الشرك (والبغي) قال: الكبر والظلم (يعظكم) قال: يوصيكم ~~(لعلكم تذكرون) وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب ومحمد بن نصر في ~~الصلاة وابن جرير وابن المنذر وابن ms2135 أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب قال: أعظم آية في كتاب الله - الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم - وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل (إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان) وأكثر أية في كتاب الله تفويضا - ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب - وأشد آية في كتاب الله رجاء - يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم - الآية. وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن أنه قرأ ~~هذه الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) إلى آخرها ثم قال: إن الله عز ~~وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل ~~والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من ~~معصية الله شيئا إلا جمعه. # وأخرج البخاري في تاريخه من طريق الكلبي عن أبيه قال: مر علي بن أبي طالب ~~بقوم يتحدثون فقال: فيم أنتم؟ قالوا: نتذاكر المروءة. فقال: أو ما كفاكم ~~الله عز وجل ذلك في كتابه إذ يقول (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) فالعدل ~~الإنصاف. والإحسان التفضل، فما بقي بعد هذا؟ # سورة النحل الآية (91 - 93) PageV03P189 # سورة النحل الآية (94 - 96) خص سبحانه من جملة المأمورات التي تضمنها ~~قوله - إن الله يأمر بالعدل - الوفاء بالعهد فقال (وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم) وظاهره العموم في كل عهد يقع من الإنسان من غير فرق بين عهد البيعة ~~وغيره، وخص هذا العهد المذكور في هذه الآية بعض المفسرين بالعهد الكائن في ~~بيعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإسلام وهو خلاف ما يفيده العهد ~~المضاف إلى اسم الله سبحانه من العموم الشامل لجميع عهود الله، ولو فرض أن ~~السبب خاص بعهد من العهود لم يكن ذلك موجبا لقصره على السبب، فالاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفسره بعضهم باليمين، وهو مدفوع بذكر الوفاء ~~بالأيمان بعده حيث قال سبحانه (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) أي بعد ~~تشديدها وتغليظها وتوثيقها، وليس المراد اختصاص النهى عن النقض بالأيمان ~~المؤكدة. ms2136 لا بغيرها مما لا تأكيد فيه، فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن ~~في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد منها، ~~يقال وكد وأكد توكيدا وتأكيدا، وهما لغتان. وقال الزجاج: الأصل الواو ~~والهمزة بدل منها، وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وليكفر عن يمينه " حتى بالغ في ذلك صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال " والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ~~وكفرت عن يميني " وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما، ويخص أيضا من ~~هذا العموم يمين اللغو لقوله سبحانه - لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم - ~~ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هنا لإخراج أيمان اللغو، وقد تقدم بسط ~~الكلام على الأيمان في البقرة (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) أي شهيدا، وقيل ~~حافظا، وقيل ضامنا، وقيل رقيبا لأن الكفيل يراعى حال المكفول به، وقيل إن ~~توكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشئ الواحد مرارا. وحكى القرطبي عن ابن ~~عمر أن التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه (إن الله ~~يعلم ما تفعلون) فيجازيكم بحسب ذلك، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وفيه ترغيب ~~وترهيب. ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض فقال (ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها) أي لا تكونوا فيما تصنعون من النقض بعد التوكيد كالتي نقضت غزلها: ~~أي ما غزلته (من بعد قوة) أي من بعد إبرام الغزل وإحكامه، وهو متعلق بنقضت ~~(أنكاثا) جمع نكث بكسر النون ما ينكث فتله. قال الزجاج: # انتصب أنكاثا على المصدر، لأن معنى نقضت نكثت، ورد بأن أنكاثا ليس بمصدر، ~~وإنما هو جمع كما ذكرنا. # وقال الواحدي: هو منصوب على أنه مفعول ثان كما تقول كسرته أقطاعا وأجزاء: ~~أي جملته أقطاعا وأجزاء، ويحتمل أن يكون حالا. قال ابن قتيبة: هذه الآية ~~متعلقة بما قبلها، والتقدير: وأوفوا بعهد الله ms2137 ولا تنقضو الأيمان، فإنكم إن ~~فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلا وأحكمته ثم جعلته أنكاثا. وجملة ~~(تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) في محل نصب على الحال. قال الجوهري: والدخل ~~المكر والخديعة، وقال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن PageV03P190 # صحيحا فهو دخل. وقيل الدخل ما أدخل في الشئ على فساده. وقال الزجاج غشا ~~وغلا (أن تكون أمة هي أربى من أمة) أي بأن تكون جماعة هي أربى من جماعة: أي ~~أكثر عددا منها وأوفر مالا. يقال ربا الشئ يربو إذا كثر، قال الفراء: ~~المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم وقد عزرتموهم ~~بالأيمان. قيل وقد كانت قريش إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم ~~وحالفوا أعداءهم، وقيل هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة ~~أموالهم فينقضوا بيعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنما يبلوكم الله به) ~~أي يختبركم بكونكم أكثر وأوفر لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء أو تنقضون ~~اغترار بالكثرة؟ فالضمير في به راجع إلى مضمون جملة: # أن تكون أمة هي أربى من أمة: أي إنما يبلوكم الله بتلك الكثرة ليعلم ما ~~تصنعون، أو إنما يبلوكم الله بما يأمركم وينهاكم (وليبينن لكم يوم القيامة ~~ما كنتم فيه تختلفون) فيوضح الحق والمحقين ويرفع درجاتهم، ويبين الباطل ~~والمبطلين فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه، وفى هذا إنذار وتحذير من ~~مخالفة الحق والركون إلى الباطل، أو يبين لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث ~~والجنة والنار. ثم بين سبحانه أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على ~~الوفاء أو على الإيمان فقال (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) متفقة على ~~الحق (ولكن) بحكم الإلهية (يضل من يشاء) بخذلانه إياهم عدلا منه فيهم ~~(ويهدى من يشاء) بتوفيقه إياهم فضلا منه عليهم - لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون - ولهذا قال (ولتسألن عما كنتم تعملون) من الأعمال في الدنيا، ~~واللام في وليبينن لكم، وفى ولتسألن هما الموطئتان للقسم. ثم لما نهاهم ~~سبحانه عن نقض مطلق الأيمان نهاهم عن نقض أيمان مخصوصة فقال ms2138 (ولا تتخذوا ~~أيمانكم دخلا بينكم) وهى أيمان البيعة. قال الواحدي: قال المفسرون: وهذا في ~~نهى الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نقض العهد على ~~الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله (فتزل قدم بعد ~~ثبوتها) من المبالغة، وبما في قوله (وتذوقوا السوء بما صددتم) لأنهم إذا ~~نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدوا غيرهم عن الدخول في ~~الإسلام. وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال جماعة ~~من المفسرين: إن هذا تكرير لما قبله لقصد التأكيد والتقرير، ومعنى فتزل قدم ~~بعد ثبوتها فتزل قدم من اتخذ يمينه دخلا عن محجة الحق بعد ثبوتها عليها ~~ورسوخها فيها. قيل وأفرد القدم للإيذان بأن زلل قدم واحد أي قدم كانت عزت ~~أو هانت محذور عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ وهذا استعارة للمستقيم الحال يقع ~~في شر عظيم ويسقط فيه لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال ~~شر، ويقال لمن أخطأ في شئ زلت به قدمه، ومنه قول الشاعر: # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها * وذبيان قد زلت بأقدامها النعل (وتذوقوا ~~السوء بما صددتم) أي تذوقوا العذاب السئ في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما ~~بما صددتم (عن سبيل الله) أي بسبب صدودكم أنتم عن سبيل الله وهو الإسلام. ~~أو بسبب صدكم لغيركم عن الإسلام، فإن من نقض البيعة وارتد اقتدى به غيره في ~~ذلك فكان فعله سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها ولهذا قال (ولكم عذاب ~~عظيم) أي متبالغ في العظم، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب ~~الدنيا. ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله ~~فقال (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) أي لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضا ~~يسيرا حقيرا، وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيرا فهو لكونه ذاهبا زائلا ms2139 ~~يسير، ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال (إنما ~~عند الله هو خير لكم) أي ما عنده من النصر PageV03P191 # في الدنيا والغنائم والرزق الواسع، وما عنده في الآخرية من نعيم الجنة ~~الذي لا يزول ولا ينقطع هو خير لهم، ثم علل النهى عن أن يشتروا بعهد الله ~~ثمنا قليلا وأن ما عند الله هو خير لهم بقوله (إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم ~~من أهل العلم والتمييز بين الأشياء. ثم ذكر دليلا قاطعا على حقارة عرض ~~الدنيا وخيرية ما عند الله فقال (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) ومعلوم ~~لكل عاقل أن ما ينفد ويزول وإن بلغ في الكثرة إلى أي مبلغ فهو حقير يسير، ~~وما كان يبقى ولا يزول فهو كثير جليل، أما نعيم الآخرة فظاهر، وأما نعيم ~~الدنيا الذي أنعم الله به على المؤمنين فهو وإن كان زائلا لكنه لما كان ~~متصلا بنعيم الآخرة كان من هذه الحيثية في حكم الباقي الذي لا ينقطع، ثم ~~قال (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) اللام هي الموطئة: ~~أي لنجزينهم بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف وجهاد الكافرين ~~والصبر على ما ينالهم منهم من الإيذاء بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات. ~~قيل وإنما خص أحسن أعمالهم، لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون ~~على الطاعة، وقيل المعنى: ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله - من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم على ~~معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة ~~الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطى الأجر بحسب أفرادها ~~المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزى الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن ~~بالأحسن، كذا قيل. قرأ عاصم وابن كثير " لنجزين " بالنون. وقرأ الباقون ~~بالياء التحتية. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر في قوله (وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم) قال: أنزلت هذه الآية في بيعة رسول ms2140 الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، كأن من أسلم بايع على الإسلام، فقال (وأوفوا بعهد الله) الآية ~~فلا يحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم ~~على الإسلام، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ~~(ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) يقول: بعد تغليظها، وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. ~~وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن سعيدة الأسدية ~~كانت تجمع الشعر والليف، فنزلت فيها هذه الآية (ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص مثله، وفى الروايتين جميعا ~~أنها كانت مجنونة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدى في سبب نزول ~~الآية قال: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها ~~نقضته. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير معناه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أن تكون أمة هي أربى من أمة) ~~قال: ناس أكثر من ناس وأخرجوا عن مجاهد في الآية قال: كانوا يحالفون ~~الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم ~~أعز فنهوا عن ذلك. # سورة النحل الآية (97 - 100) PageV03P192 # سورة النحل الآية (101 - 105). # هذا شروع في ترغيب كل مؤمن في كل عمل صالح. وتعميم للوعد، ومعنى (من عمل ~~صالحا) من عمل عملا صالحا أي عمل كان، وزيادة التمييز بذكر أو أنثى مع كون ~~لفظ " من " شاملا لهما لقصد التأكيد والمبالغة في تقرير الوعد، وقيل إن لفظ ~~" من " ظاهر في الذكور، فكان في التنصيص على الذكر والأنثى بيان لشموله ~~للنوعين وجملة (وهو مؤمن) في محل نصب على الحال. جعل سبحانه الإيمان قيدا ~~في الجزاء المذكور لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه - وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا - ثم ذكر سبحانه الجزاء لمن عمل ذلك ~~العمل ms2141 الصالح فقال (فلنحيينه حياة طيبة) وقد وقع الخلاف في الحياة الطيبة ~~بماذا تكون؟ فقيل بالرزق الحلال، وروى ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء ~~والضحاك. وقيل بالقناعة، قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ووهب بن منبه. وروى ~~أيضا عن علي وابن عباس. وقيل بالتوفيق إلى الطاعة قاله الضحاك. وقيل الحياة ~~الطيبة هي حياة الجنة، روى عن مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ~~وحكى عن الحسن أنه قال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، وقيل الحياة ~~الطيبة هي السعادة، روى ذلك عن ابن عباس. وقيل هي المعرفة بالله، حكى ذلك ~~عن جعفر الصادق. وقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. وقال سهل بن عبد ~~الله التستري: هي أن ينزع عن العبد تدبير نفسه ويرد تدبيره إلى الحق. وقيل ~~هي الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق، وأكثر المفسرين على أن هذه ~~الحياة الطيبة هي في الدنيا لا في الآخرة، لأن حياة الآخرة قد ذكرت بقوله ~~(ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وقد قدمنا قريبا تفسير الجزاء ~~بالأحسن، ووحد الضمير في لنحيينه وجمعه في ولنجزينهم حملا على لفظ من، وعلى ~~معناه. ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة ~~التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية فقال (فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل ~~الصالح، وقيل هذه الآية متصلة بقوله - ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ - ~~والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ. قال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: ~~معناه إذا أردت. أن تقرأ القرآن فاستعذ وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ ~~القرآن، ومثله: إذا أكلت فقل بسم الله. قال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن ~~الاستعاذة قبل القراءة، إلا ما روى عن أبي هريرة وابن سيرين وداود ومالك ~~وحمزة من القراء فإنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة، ذهبوا إلى ظاهر ~~الآية، ومعنى فاستعذ بالله: أسأله سبحانه أن يعيذك من الشيطان الرجيم: أي ~~من وساوسه، وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة ms2142 بالاستعاذة عند ~~إرادتها للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم، لأنه إذا ~~وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه PageV03P193 # كانت عند إرادة غيره أولى، كذا قيل. وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة، لأنه إذا ~~أمر بها لدفع وساوس الشيطان مع عصمته، فكيف بسائر أمته؟ وقد ذهب الجمهور ~~إلى أن الأمر في الآية للندب. وروى عن عطاء الوجوب أخذا بظاهر الأمر. وقد ~~تقدم الكلام في الاستعاذة مستوفى في أول هذا التفسير، والضمير في (إنه ليس ~~له سلطان) للشأن أو للشيطان: أي ليس له تسلط (على) إغواء (الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون) وحكى الواحدي عن جميع المفسرين أنهم فسروا السلطان بالحجة. # وقالوا: المعنى ليس له حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة. ~~ومعنى (وعلى ربهم يتوكلون) يفوضون أمورهم إليه في كل قول وفعل، فإن الإيمان ~~بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم، وإن وسوس لأحد منهم لا ~~تؤثر فيه وسوسته وهذه الجملة تعليل للأمر بالاستعاذة، وهؤلاء الجامعون بين ~~الإيمان والتوكل هم الذين قال فيهم إبليس: - إلا عبادك عنهم المخلصين - ~~وقال الله فيهم: - إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين - ~~ثم حصر سبحانه سلطان الشيطان - فقال (إنما سلطانه) أي تسلطه على الإغواء ~~(على الذين يتولونه) أي يتخذونه وليا ويطيعونه في وساوسه (والذين هم به ~~مشركون) الضمير في به يرجع إلى الله تعالى: أي الذين هم بالله مشركون، وقيل ~~يرجع إلى الشيطان، والمعنى: والذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون بالله ~~(وإذا بدلنا آية مكان آية) هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها. ~~ومعنى التبديل: # رفع الشئ مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بأخرى غيرها، وهو نسخها ~~بآية سواها، وقد تقدم الكلام في النسخ في البقرة (قالوا) أي كفار قريش ~~الجاهلون للحكمة في النسخ (إنما أنت) يا محمد (مفتر) أي كاذب مختلق على ms2143 ~~الله متقول عليه بما لم يقل حيث تزعم أنه أمرك بشئ. ثم تزعم أنه أمرك ~~بخلافه، فرد الله سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم فقال (بل أكثرهم لا يعلمون) ~~شيئا من العلم أصلا، أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ، فإنه مبنى على المصالح ~~التي يعلمها الله سبحانه، فقد يكون في شرع هذا الشئ مصلحة مؤقتة بوقت، ثم ~~تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره، ولو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة ~~لعرفوا أن ذلك وجه الصواب ومنهج العدل والرفق واللطف. ثم بين سبحانه لهؤلاء ~~المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله، وأن رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم افتراه فقال (قل نزله) أي القرآن المدلول عليه ~~بذكر الآية (روح القدس) أي جبريل. # والقدس التطهير، والمعنى: نزله الروح المطهر من أدناس البشرية. فهو من ~~إضافة الموصوف إلى الصفة (من ربك) أي ابتداء تنزيله من عنده سبحانه، و ~~(بالحق) في محل نصب على الحال: أي متلبسا بكونه حقا ثابتا لحكمة بالغة ~~(ليثبت الذين آمنوا) على الإيمان، فيقولون: كل من الناسخ والمنسوخ من عند ~~ربنا، ولأنهم أيضا إذا عرفوا ما في النسخ من المصالح ثبتت أقدامهم على ~~الإيمان ورسخت عقائدهم. وقرئ " ليثبت " من الإثبات (وهدى وبشرى للمسلمين) ~~وهما معطوفان على محل ليثبت: أي تثبيتا لهم وهداية وبشارة، وفيه تعريض ~~بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبههم فقال ~~(ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) اللام هي الموطئة: أي ولقد نعلم أن ~~هؤلاء الكفار يقولون إنما يعلم محمدا القرآن بشر من بني آدم غير ملك. وقد ~~اختلف أهل العلم في تعيين هذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا، فقيل هو ~~غلام الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانيا فأسلم، وكان كفار قريش ~~إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبار القرون الأولى مع كونه ~~أميا، قالوا: إنما يعلمه جبر، وقيل اسمه يعيش، عبد لبنى الحضرمي، وكان يقرأ ~~الكتب الأعجمية. وقيل غلام لبنى عامر بن ms2144 لؤي. وقيل هما غلامان: اسم أحدهما ~~يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان PageV03P194 # السيوف، وكانا يقرآن كتابا لهم. وقيل كانا يقرآن التوراة والإنجيل. وقيل ~~عنوا سلمان الفارسي. وقيل عنوا نصرانيا بمكة اسمه بلعام، وكان يقرأ ~~التوراة. وقيل عنوا رجلا نصرانيا كان اسمه أبا ميسرة يتكلم بالرومية، وفى ~~رواية اسمه عداس. قال النحاس: وهذه الأقوال غير متناقضة، لأنه يجوز أنهم ~~زعموا أنهم جميعا يعلمونه، ولكن لا يمكن الجمع باعتبار قول من قال إنه ~~سلمان، لأن هذه الآية مكية، وهو إنما أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالمدينة. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال (لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي) الإلحاد: الميل، يقال لحد وألحد: أي مال عن القصد. وقد تقدم في ~~الأعراف. وقرأ حمزة والكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء. وقرأ من عداهما بضم ~~الياء وكسر الحاء: أي لسان الذين يميلون إليه ويزعمون أنه يعلمك أعجمي، ~~يقال: رجل أعجم وامرأة عجماء: أي لا يفصحان، والعجمة الإخفاء، وهى ضد ~~البيان، والعرب تسمى كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بها أعجميا. قال ~~الفراء: الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، والأعجمي: هو العجمي ~~الذي أصله من العجم. وقال أبو علي الفارسي: العجمي المنسوب إلى العجم الذي ~~لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم، وكذلك الأعجم، والأعجمي المنسوب ~~إلى العجم وإن كان فصيحا (وهذا لسان عربي مبين) الإشارة إلى القرآن، وسماه ~~لسانا لأن العرب تقول للقصيدة والبيت لسانا، ومنه قول الشاعر: # لسان الشر تهديها إلينا * وخنت وما حسبتك أن تخونا أو أراد باللسان ~~البلاغة فكأنه قال: وهذا القرآن ذو بلاغة عربية وبيان واضح، فكيف تزعمون أن ~~بشرا يعلمه من العجم. وقد عجزتم أنتم عن معارضة سورة منه. وأنتم أهل اللسان ~~العربي ورجال الفصاحة وقادة البلاغة وهاتان الجملتان مستأنفتان سيقتا ~~لابطال طعنهم ودفع كذبهم. ولما ذكر سبحانه جوابهم وبخهم وهددهم فقال (إن ~~الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي لا يصدقون بها (لا يهديهم الله) إلى الحق ~~الذي هو سبيل ms2145 النجاة هداية موصلة إلى المطلوب لما علم من شقاوتهم (ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم) بسبب ما هم عليه من الكفر والتكذيب بآيات الله. # ثم لما وقع متهم نسبة الافتراء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رد ~~عليهم بقوله (إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) فكيف يقع ~~الافتراء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو رأس المؤمنين بها، ~~والداعين إلى الإيمان بها، وهؤلاء الكفار هم الذين لا يؤمنون بها، فهم ~~المفترون للكذب. قال الزجاج: المعنى إنما يفترى الكذب الذين إذا رأوا ~~الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها هؤلاء أكذب الكذبة، ثم سماهم ~~الكاذبين، فقال (وأولئك) أي المتصفون بذلك (هم الكاذبون) أي إن الكذب نعت ~~لازم لهم وعادة من عادتهم فهم الكاملون في الكذب. إذ لا كذب أعظم من ~~تكذيبهم بآيات الله. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الحياة الطيبة المذكورة في الآية ~~فقال: الحياة الطيبة الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا، وإذا صار إلى ربه ~~جازاه بأحسن ما كان يعمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الكسب الطيب والعمل ~~الصالح. وأخرج العسكري في الأمثال عن علي في الآية قال: القناعة. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طرق عن ~~ابن عباس قال: القنوع، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو " ~~اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير ". وأخرج ~~أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه ". وأخرج ~~الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله PageV03P195 # وسلم يقول " قد أفلح من هدى إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع به ". ~~وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر ms2146 عن عطاء قال: الاستعاذة واجبة لكل ~~قراءة في الصلاة وغيرها من أجل قوله (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم) وقد ورد في مشروعية الاستعاذة عند التلاوة ما لعلنا قد ~~قدمنا ذكره. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه) يقول سلطان الشيطان على من تولى الشيطان وعمل ~~بمعصية الله. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن ~~عباس في قوله (وإذا بدلنا آية مكان آية) وقوله (ثم إن ربك للذين هاجروا من ~~بعد ما فتنوا) قال: عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن ~~يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأجاره. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله (وإذا بدلنا آية مكان آية) قال: هو كقوله - ما ننسخ من آية أو ~~ننسها -. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف ~~عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بمكة قينا ~~أسمه بلعام، وكان أعجميا، فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله (ولقد ~~نعلم أنهم يقولون) الآية. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عنه ~~في الآية. قال: قالوا إنما يعلم محمدا عبد بن الحضرمي وهو صاحب الكتب، ~~فأنزل الله هذه الآية. وأخرج آدم بن أبي إياس وسعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان ~~لنا عبدان من أهل عين التمر، يقال لأحدهما يسار والآخر جبر، وكانا يصنعان ~~السيوف بمكة، وكانا يقرآن الإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهما يقرآن فيقف ويستمع، فقال المشركون: إنما يتعلم منهما، فنزلت ms2147 هذه ~~الآية. # سورة النحل الآية (106 - 111). # قوله (من كفر بالله من بعد إيمانه) قد اختلف أهل العلم في إعرابه فذهب ~~الأكثرون على أنه بدل، إما - من الذين لا يؤمنون بآيات الله - وما بينهما ~~اعتراض، والمعنى: إنما يفترى الكذب من كفر، واستثنى منهم المكره فلم يدخل ~~تحت حكم الافتراء. ثم قال (ولكن من شرح بالكفر صدرا) أي اعتقده وطابت به ~~نفسه واطمأن إليه PageV03P196 # (فعليهم غضب) وإما من المبتدأ الذي هو - أولئك - أو من الخبر الذي هو - ~~الكاذبون - وذهب الزجاج إلى الأول وقال الأخفش: إن من مبتدأ وخبره محذوف ~~اكتفى منه بخبر من الثانية كقولك: من يأتنا منكن نكرمه، وقيل هو: أي " من " ~~في " من كفر " منصوب على الذم وقيل إن من شرطية والجواب محذوف لأن جواب " ~~من شرح " دال عليه، وهو كقول الأخفش، وإنما خالفه في إطلاق لفظ الشرط على ~~من والجواب على خبرها فكأنه قيل على هذا من كفر بالله فعليهم غضب إلا من ~~أكره، ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب، وإنما صح استثناء المكره من ~~الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما لا يظهر إلا من ~~الكافر لولا الإكراه. قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من أكره على ~~الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن ~~بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، وحكى عن محمد بن ~~الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله على ~~الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات ~~مسلما، وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة، وذهب الحسن ~~البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة المذكورة في هذه الآية ~~إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة، مثل أن يكره على السجود لغير ~~الله ويدفعه ظاهر الآية، فإنها عامة فيمن أكره من غير فرق بين القول ~~والفعل، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول ms2148 وخصوص السبب لا اعتبار ~~به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول، وجملة (وقلبه مطمئن بالإيمان) في ~~محل نصب على الحال من المستثنى: أي إلا من كفر بإكراه، والحال أن قلبه ~~مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته، وليس بعد هذا الوعيد العظيم وهو الجمع ~~للمرتدين بين غضب الله وعظيم عذابه، والإشارة بقوله (ذلك) إلى الكفر بعد ~~الإيمان، أو إلى الوعيد بالغضب والعذاب، والباء في (بأنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا) للسببية: أي ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا (على الآخرة وأن الله ~~لا يهدي القوم الكافرين) معطوف على - أنهم استحبوا - أي ذلك بأنهم استحبوا، ~~وبأن الله لا يهدي القوم الكافرين إلى الإيمان به، ثم وصفهم بقوله (أولئك) ~~أي الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة (الذين طبع الله على قلوبهم ~~وسمعهم وأبصارهم) فلم يفهموا المواعظ ولا سمعوها، ولا أبصروا الآيات التي ~~يستدل بها على الحق، وقد سبق تحقيق الطبع في أول البقرة، ثم أثبت لهم صفة ~~نقص غير الصفة المتقدمة فقال (وأولئك هم الغافلون) عما يراد بهم، وضمير ~~الفصل يفيد أنهم متناهون في الغفلة، إذ لا غفلة أعظم من غفلتهم هذه (لا جرم ~~أنهم في الآخرة هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران البالغون إلى غاية منه ~~ليس فوقها غاية، وقد تقدم تحقيق الكلام في معنى - لا جرم - في مواضع منها ~~ما هو في هذه السورة (ثم إن ربك للذين هاجروا) من دار الكفر إلى دار ~~الإسلام، وخبر إن محذوف، والتقدير لغفور رحيم، وإنما حذف لدلالة خبر إن ربك ~~المتأخرة عليه، وقيل الخبر هو للذين هاجروا: أي إن ربك لهم بالولاية ~~والنصرة لا عليهم، وفيه بعد، وقيل إن خبرها هو قوله لغفور رحيم، وإن ربك ~~الثانية تأكيد للأولى. قال في الكشاف: ثم هاهنا للدلالة على تباعد حال ~~هؤلاء، يعني الذين نزلت الآية فيهم عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، ويدل ~~على ذلك ما روى أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح، وسيأتي بيان ذلك (من بعد ~~ما فتنوا) أي فتنهم الكفار بتعذيبهم لهم ليرجعوا ms2149 في الكفر، وقرئ فتنوا على ~~البناء للفاعل: أي اللذين فتنوا المؤمنين وعذبوهم على الإسلام (ثم جاهدوا) ~~في سبيل الله وصبروا على ما أصابهم من الكفار. وعلى ما يلقونه من مشاق ~~التكليف (لغفور رحيم) أي كثير الغفران والرحمة لهم، ومعنى الآية على قراءة ~~من قرأ فتنوا على البناء للفاعل واضح ظاهر: # أي إن ربك لهؤلاء الكفار الذين فتنوا من أسلم وعذبوهم ثم جاهدوا وصبروا ~~لغفور رحيم، وأما على قراءة البناء PageV03P197 # للمفعول وهى قراءة الجمهور، فالمعنى: أن هؤلاء المفتونين الذين تكلموا ~~بكلمة الكفر مكرهين وصدورهم غير منشرحة للكفر إذا صلحت أعمالهم وجاهدوا في ~~الله وصبروا على المكاره لغفور لهم رحيم بهم، وأما إذا كان سبب الآية هذه ~~هو عبد الله بن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام ثم رجع بعد ذلك إلى الإسلام، ~~فالمعنى: أن هذا المفتون في دينه بالردة إذا أسلم وجاهد وصبر فالله غفور له ~~رحيم به، والضمير في بعدها يرجع إلى الفتنة أو إلى المهاجرة والجهاد ~~والصبر، أو إلى الجميع (يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها) قال الزجاج: يوم ~~تأتي منتصب بقوله رحيم، أو بإضمار أذكر، أو ذكرهم، أو أنذرهم، وقد استشكل ~~إضافة ضمير النفس إلى النفس، ولا بد من التغاير بين المضاف والمضاف إليه. ~~وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الإنسان، وبالنفس الثانية الذات، ~~فكأن قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه غيرها، ومعنى المجادلة ~~عنها الاعتذار عنها، فهو مجادل ومخاصم عن نفسه لا يتفرغ لغيرها يوم ~~القيامة. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما ~~أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: ~~تفرقوا عني فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوة ~~فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض فألحقوا بي فأصبح ~~بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت، فأخذهم المشركون وأبو ~~جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر ms2150 فأبى، فجعلوا يضعون درعا من حديد في الشمس ثم ~~يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه قال: أحد أحد، وأما خباب فجعلوا يجرونه ~~في الشوك، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها ~~أبو جهل أربعة أوتاد، ثم مدها فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها، ثم خلوا عن ~~بلال وخباب وعمار فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه بالذي ~~كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلم به، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت، أكان منشرحا بالذي قلت ~~أم لا؟ قال لا، فأنزل الله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وأخرج عبد ~~الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال: أخذ ~~المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وذكر آلهتهم بخير فتركوه، فلما أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما ~~وراءك؟ قال: شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ ~~قال: # مطمئنا بالإيمان، قال: إن عادوا فعد، فنزلت (إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان) قال: ذاك عمار بن ياسر (ولكن من شرح بالكفر صدرا) عبد الله بن ~~أبي سرح. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن أبي مالك ~~في قوله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) قال: نزلت في عمار بن ياسر، ~~وفى الباب روايات مصرحة بأنها نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~محمد بن سيرين قال: نزلت هذه الآية (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) في ~~عياش بن أبي ربيعة. وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: في ~~سورة النحل - فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم - ثم نسخ واستثنى من ذلك ~~فقال (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) ms2151 الآية قال: وهو عبد الله بن ~~أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأزله الشيطان ~~فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتل يوم فتح مكة. ~~فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن ~~جرير عن عكرمة والحسن مثله. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس ~~قال: نزلت هذه الآية (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) فيمن ~~PageV03P198 # كان يفتى من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه ~~قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام فنزلت فيهم (ثم ~~إن ربك للذين هاجروا) الآية فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجا ~~فأخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم فنجا من نجا، وقتل من قتل. وأخرج ابن ~~أبي شيبة عن الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما. ~~فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ # قال: نعم، قال: أتشهد أنى رسول الله؟ فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أصم، ~~فأمر به فقتل، وقال للآخر: # أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال: ~~نعم، فأرسله فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أما صاحبك فمضى ~~على إيمانه. وأما أنت فأخذت بالرخصة. وهو مرسل. # سورة النحل الآية (112 - 119) قوله (وضرب الله مثلا قرية) قد قدمنا أن ~~ضرب مضمن معنى جعل حتى تكون قرية المفعول الأول ومثلا المفعول الثاني، ~~وإنما تأخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها. وقدمنا أيضا أنه يجوز ~~أن يكون ضرب على بابه غير مضمن ويكون مثلا مفعوله الأول وقرية بدلا منه. ~~وقد اختلف المفسرون هل المراد بهذه القرية قرية معينة، أو المراد قرية غير ~~معينة، بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة؟ فذهب الأكثر إلى الأول ~~وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقال: " اللهم اشدد وطأتك على ms2152 مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف "، فابتلوا ~~بالقحط حتى أكلوا العظام. والثاني أرجح لأن تنكير قرية يفيد ذلك، ومكة تدخل ~~في هذا العموم البدلي دخولا أوليا، وأيضا يكون الوعيد أبلغ، والمثل أكمل، ~~وغير مكة مثلها، وعلى فرض إرادتها ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها، ~~ثم وصف القرية بأنها (كانت آمنة) غير خائفة (مطمئنة) غير منزعجة: أي لا ~~يخاف أهلها ولا ينزعجون (يأتيها رزقها) أي ما يرتزق به أهلها (رغدا) واسعا ~~(من كل مكان) PageV03P199 # من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها (فكفرت) أي كفر أهلها (بأنعم الله) ~~التي أنعم بها عليهم، والأنعم جمع نعمة كالأشد جمع شدة. وقيل جمع نعمى مثل ~~بؤسي وأبؤس، وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله (فأذاقها ~~الله) أي أذاق أهلها (لباس الجوع والخوف) سمى ذلك لباسا لأنه يظهر به عليهم ~~من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس، فاستعير له اسمه وأوقع ~~عليه الإذاقة، وأصلها الذوق بالفم، ثم استعيرت لمطلق الاتصال مع إنبائها ~~بشدة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين: إدراك اللمس، والذوق. روى أن ~~ابن الرواندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق ~~اللباس؟ فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس، هب أن محمدا ما كان ~~نبيا أما كان عربيا؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال: فكساها الله ~~لباس الجوع أو فأذاقها الله طعم الجوع، فرد عليه ابن الأعرابي. وقد أجاب ~~علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشى ~~الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على ~~اللابس، ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف. لأن إطلاق ~~الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة. فيقولون ذاق فلان ~~البؤس والضر وأذاقه غيره، فكانت الاستعارة مجردة. # ولو قال فكساها كانت مرشحة. قيل وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسنا من جهة ~~المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحا من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد ~~الكلام وضوحا: وقيل إن ms2153 أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف ~~والاختبار، ومن ذلك قول الشاعر: # ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها وقرأ حفص بن غياث ~~ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث بنصب الخوف ~~عطفا على لباس، وقرأ الباقون بالضم عطفا على الجوع. قال الفراء: كل الصفات ~~أجريت على القرية إلا قوله (يصنعون) تنبيها على أن المراد في الحقيقة أهلها ~~(ولقد جاءهم) يعنى أهل مكة (رسول منهم) من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه، ~~فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضرهم (فكذبوه) فيما جاء به (فأخذهم ~~العذاب) النازل بهم من الله سبحانه، والحال أنهم في حال أخذ العذاب لهم ~~(ظالمون) لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي ولغيرهم بالإضرار بهم وصدهم عن ~~سبيل الله، وهذا الكلام من تمام المثل المضروب، وقيل إن المراد بالعذاب هنا ~~هو الجوع الذي أصابهم، وقيل القتل يوم بدر: ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ~~ذكره من حال أهل القرية المذكورة أمرهم أن يأكلوا مما رزقهم الله من ~~الغنائم ونحوها، وجاء بالفاء للاشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر. والمعنى: # أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة واتركوا ~~الخبائث وهو الميتة والدم (واشكروا نعمة الله) التي أنعم بها عليكم واعرفوا ~~حقها (إن كنتم إياه تعبدون) ولا تعبدون غيره، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون ~~بعبادة الآلهة التي زعمتم عبادة الله تعالى وقيل إن الفاء في فكلوا داخلة ~~على الأمر بالشكر، وإنما أدخلت على الأمر بالأكل لأن الأكل ذريعة إلى الشكر ~~(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله " كرر ~~سبحانه ذكر هذه المحرمات في البقرة والمائدة والأنعام وفى هذه السورة قطعا ~~للأعذار وإزالة للشبهة، ثم ذكر الرخصة في تناول شئ مما ذكر فقال (فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم) وقد تقدم الكلام على جميع ما هو مذكور ~~هنا مستوفى. ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة ~~والسائبة ms2154 وفى النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال (ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب) قال الكسائي والزجاج: ما هنا مصدرية وانتصاب الكذب بلا ~~تقولوا: أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه: لا تحرموا ولا ~~تحللوا لأجل PageV03P200 # قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، ويجوز أن تكون ما موصولة والكذب منتصب ~~بتصف: أي لا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه (هذا حلال وهذا حرام) فحذف ~~لفظة فيه لكونه معلوما، فيكون قوله هذا حلال وهذا حرام بدلا من الكذب. ~~ويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول: أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~فتقول هذا حلال وهذا حرام، أو قائلة هذا حلال وهذا حرام، ويجوز أن ينتصب ~~الكذب أيضا بتصف وتكون ما مصدرية: أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ~~ألسنتكم الكذب. وقرئ الكذب بضم الكاف والذال والباء على أنه نعت للألسنة: ~~وقرأ الحسن بفتح الكاف وكسر الذال والباء نعتا لما. وقيل على البدل من ما: ~~أي ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام، واللام في ~~(لتفتروا على الله الكذب) هي لام العاقبة لا لام العرض أي فيتعقب حديث ذلك ~~افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون ~~منه (إن الذين يفترون على الله الكذب) أي افتراء كان (لا يفلحون) بنوع من ~~أنواع الفلاح وهو الفوز بالمطلوب، وارتفاع (متاع قليل) على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف. قال الزجاج: أي متاعهم متاع قليل، أو هو مبتدأ خبره محذوف: أي لهم ~~متاع قليل (ولهم عذاب أليم) يردون إليه في الآخرة. ثم خص محرمات اليهود ~~بالذكر فقال (وعلى الذين هادوا حرمنا) أي حرمنا عليهم خاصة دون غيرهم (ما ~~قصصنا عليك) بقولنا - حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها ~~- الآية، و (من قبل) متعلق بقصصنا أو بحرمنا (وما ظلمناهم) بذلك التحريم بل ~~جزيناهم ببغيهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) حيث فعلوا أسباب ذلك فحرمنا ~~عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم. ثم بين سبحانه أن الافتراء على الله ms2155 سبحانه ~~ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة فقال (ثم إن ربك للذين ~~عملوا السوء بجهالة) أي متلبسين بجهالة، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة ~~النساء (ثم تابوا من بعد ذلك) أي من بعد عملهم للسوء، وفيه تأكيد فإن ثم قد ~~دلت على البعدية فأكدها بزيادة ذكر البعدية (وأصلحوا) أعمالهم التي كان ~~فيها فساد بالسوء الذي عملوه، ثم كرر ذلك تأكيدا وتقريرا فقال (إن ربك من ~~بعدها) أي من بعد التوبة (لغفور رحيم) كثير الغفران واسع الرحمة. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وضرب الله مثلا قرية) قال: يعني ~~مكة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في الآية مثله وزاد فقال: ألا ~~ترى أنه قال (ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه). وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: ~~القرية التي قال الله (كانت آمنة مطمئنة) هي يثرب. قلت: ولا أدري أي دليل ~~دله على هذا التعيين، ولا أي قرينة قامت له على ذلك. ومتى كفرت دار الهجرة ~~ومسكن الأنصار بأنعم الله، وأي وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف، وهى ~~التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صح ذلك عن الصادق المصدوق. ~~وصح عنه أيضا أنه قال: # " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب) الآية قال: في البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة ~~قال: # قرأت هذه الآية في سورة النحل ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب (هذا ~~حلال وهذا حرام) إلى آخر الآية فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا قلت: صدق ~~رحمه الله، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في ~~كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وآله سلم، كما يقع كثيرا من ~~المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية، ms2156 أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة ~~كالمقلدة. وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم. ~~فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا، فهم ومن ~~يستفتيهم كما قال القائل: كبهيمة عمياء قاد زمامها * أعمى على عوج الطريق ~~الجائر PageV03P201 # وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: عسى رجل أن يقول إن الله أمر بكذا أو ~~نهى عن كذا، فيقول الله عز وجل له: كذبت، أو يقول: إن الله حرم كذا أو أحل ~~كذا، فيقول الله له: كذبت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ~~(وعلى الذين هادوا ما قصصنا عليك) قال: في سورة الأنعام. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن قتادة مثله، وقال حيث يقول - وعلى الذين هادوا - إلى قوله ~~- وإنا لصادقون -: # سورة النحل الآية (120 - 128). # لما فرغ سبحانه من دفع شبه المشركين وإبطال مطاعنهم، وكان إبراهيم عليه ~~السلام من الموحدين وهو قدوة كثير من النبيين ذكره الله في آخر هده السورة ~~فقال (إن إبراهيم كان أمة) قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم أمة، ~~والأمة الرجل الجامع للخير، قال الواحدي: قال أكثر أهل التفسير: أي معلما ~~للخير، وعلى هذا فمعنى كون إبراهيم كان أمة أنه كان معلما للخير أو جامعا ~~لخصال الخير أو عالما بما علمه الله من الشرائع، وقيل أمة بمعنى مأموم: أي ~~يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير كما قال سبحانه - إني جاعلك للناس إماما - ~~والقانت المطيع، وقد تقدم بيان معاني القنوت في البقرة: والحنيف المائل عن ~~الأديان الباطلة إلى دين الحق، وقد تقدم بيانه في الأنعام (ولم يك من ~~المشركين) بالله كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل (شاكرا ~~لأنعمه) التي أنعم الله بها عليه وإن كانت قليلة كما يدل عليه جمع القلة ~~فهو شاكر لما كثر منها بالأولى (اجتباه) أي اختاره للنبوة واختصه بها ~~(وهداه إلى صراط مستقيم) وهو ملة الإسلام ودين الحق (وآتيناه في الدنيا ~~حسنة) أي خصلة حسنة أو حالة حسنة، وقيل هي الولد الصالح، ms2157 وقيل الثناء ~~الحسن، وقيل النبوة، وقيل الصلاة منا عليه في التشهد، وقيل هي أنه يتولاه ~~جميع أهل الأديان، ولا مانع أن يكون ما آتاه الله شاملا لذلك كله ولما عداه ~~من خصال الخير (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) حسبما وقع منهم السؤال لربه ~~حيث قال - وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الآخرين. واجعلني من ~~ورثة جنة النعيم - (ثم أوحينا إليك) يا محمد مع علو درجتك وسمو منزلتك ~~وكونك سيد PageV03P202 # ولد آدم (أن اتبع ملة إبراهيم) وأصل الملة اسم لما شرعه الله لعباده على ~~لسان نبي من أنبيائه، قيل والمراد هنا اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه. وقال ابن جرير: في التبري من ~~الأوثان والتدين بدين الإسلام، وقيل في مناسك الحج، وقيل في الأصول دون ~~الفروع، وقيل في جميع شريعته إلا ما نسخ منها، وهذا هو الظاهر. وقد أمر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بالأنبياء مع كونه سيدهم فقال ~~تعالى - فبهداهم اقتده -. وانتصاب (حنيفا) على الحال من إبراهيم، وجاز مجئ ~~الحال منه، لأن الملة كالجزء منه، وقد تقرر في علم النحو أن الحال من ~~المضاف إليه جائز إذا كان يقتضى المضاف العمل في المضاف إليه أو كان جزءا ~~منه أو كالجزء (وما كان من المشركين) وهو تكرير لما سبق للنكتة التي ~~ذكرناها (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) أي إنما جعل وبال السبت ~~وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه. أو إنما جعل فرض تعظيم السبت وترك الصيد ~~فيه على الذين اختلفوا فيه لا على غيرهم من الأمم. # وقد اختلف العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت، فقالت ~~طائفة: إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعينه لهم وأخبرهم بفضيلته على غيره، ~~فخالفوه وقالوا إن السبت أفضل، فقال الله له: دعهم وما اختاروا لأنفسهم. # وقيل إن الله سبحانه أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع، فاختلف اجتهادهم فيه، ~~فعينت اليهود السبت لأن الله سبحانه فرغ فيه من الخلق، وعينت النصارى يوم ~~الأحد لأن الله ms2158 بدأ فيه الخلق، فألزم الله كلا منهم ما أدى إليه اجتهاده. # وعين لهذه الأمة الجمعة من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلا منه ونعمة. ~~ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع ~~إبراهيم، فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ولم ~~يجعله على إبراهيم ولا على غيره (وإن ربك ليحكم بينهم) أي بين المختلفين ~~فيه (يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) فيجازى كلا فيه بما يستحقه ثوابا ~~وعقابا، كما وقع منه سبحانه من المسخ لطائفة منهم والتنجية لأخرى، ثم أمر ~~الله سبحانه رسوله أن يدعو أمته إلى الإسلام فقال (ادع إلى سبيل ربك) وحذف ~~المفعول للتعميم لكونه بعث إلى الناس كافة، وسبيل الله هو الإسلام ~~(بالحكمة) أي بالمقالة المحكمة الصحيحة، قيل وهى الحجج القطعية المفيدة ~~لليقين (والموعظة الحسنة) وهى المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي ~~يستحسنها السامع وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها. قيل وهى ~~الحجج الظنية الاقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة، قيل وليس للدعوة ~~إلا هاتان الطريقتان، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد إلى استعمال ~~المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل، ولهذا قال سبحانه (وجادلهم بالتي هي ~~أحسن) أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمر سبحانه بالمجادلة ~~الحسنة لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا. وكان خصمه مبطلا وغرضه فاسدا (إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله) لما حث سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن ~~الرشد والهداية ليس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما ذلك إليه ~~تعالى فقال (إن ربك هو أعلم) أي هو العالم بمن يضل ومن يهتدى (وهو أعلم ~~بالمهتدين) أي بمن يبصر الحق فيقصده غير متعنت، وإنما شرع لك الدعوة وأمرك ~~بها قطعا للمعذرة وتتميما للحجة وإزاحة للشبهة. وليس عليك غير ذلك، ثم لما ~~كانت الدعوة تتضمن تكليف المدعوين بالرجوع إلى الحق فإن أبوا قوتلوا، أمر ~~الداعي بأن يعدل في العقوبة فقال (وإن عاقبتم) أي أردتم المعاقبة (فعاقبوا ~~بمثل ms2159 ما عوقبتم به) أي بمثل ما فعل بكم لا تجاوزوا ذلك. قال ابن جرير: ~~أنزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ~~ظلامته لا يتعداها إلى غيرها. وهذا صواب. لأن الآية وإن قيل إن لها سببا ~~خاصا كما سيأتي، فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدي هذا المعنى الذي ذكره، ~~وسمى سبحانه الفعل الأول الذي هو فعل البادئ PageV03P203 # بالشر عقوبة، مع أن العقوبة ليست إلا فعل الثاني وهو المجاري للمشاكلة، ~~وهى باب معروف وقع في كثير من الكتاب العزيز. ثم حث سبحانه على العفو فقال ~~(ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) أي لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل فالصبر خير ~~لكم من الانتصاف، ووضع الصابرين موضع الضمير، ثناء من الله عليهم بأنهم ~~صابرون على الشدائد. # وقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن ~~المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم، وقيل هي منسوخة بآيات القتال. ~~ولا وجه لذلك. ثم أمر الله سبحانه رسوله بالصبر فقال (واصبر) على ما أصابك ~~من صنوف الأذى (وما صبرك إلا بالله) أي بتوفيقه وتثبيته، والاستثناء مفرغ ~~من أعم الأشياء: أي وما صبرك مصحوبا بشئ من الأشياء إلا بتوفيقه لك، وفيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم نهاه عن الحزن فقال (ولا تحزن ~~عليهم) أي على الكافرين في إعراضهم عنك. أو لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم قد ~~أفضوا إلى رحمة الله (ولا تك في ضيق مما يمكرون) قرأ الجمهور بفتح الضاد، ~~وقرأ ابن كثير بكسرها. قال ابن السكيت: هما سواء، يعني المفتوح والمكسور. ~~وقال الفراء: الضيق بالفتح ما ضاق عنه صدرك، والضيق بالكسر ما يكون في الذي ~~يتسع مثل الدار والثوب، وكذا قال الأخفش، وهو من الكلام المقلوب، لأن الضيق ~~وصف للإنسان يكون فيه ولا يكون الإنسان فيه، وكأنه أراد وصف الضيق بالعظم ~~حتى صار كالشئ المحيط بالإنسان من جميع جوانبه، ومعنى مما يمكرون: من مكرهم ~~لك فيما يستقبل من الزمان. ثم ختم هذه السورة بآية ms2160 جامعة لجميع المأمورات ~~والمنهيات فقال (إن الله مع الذين اتقوا) أي اتقوا المعاصي على اختلاف ~~أنواعها (والذين هم محسنون) بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا بها منها، ~~وقيل المعنى: إن الله مع الذين اتقوا الزيادة في العقوبة، والذين هم محسنون ~~في أصل الانتقام فيكون الأول إشارة إلى قوله (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ~~والثاني إشارة إلى قوله (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وقيل (الذين اتقوا) ~~إشارة إلى التعظيم لأمر الله (والذين هم محسنون) إشارة إلى الشفقة على عباد ~~الله تعالى. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود: أنه سئل ~~عن الأمة ما هي؟ فقال: الذي يعلم الناس الخير، قالوا: فما القانت؟ قال: ~~الذي يطيع الله ورسوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن ~~إبراهيم كان أمة قانتا لله) قال: كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه ~~أحد على الإسلام غيره، فلذلك قال الله (كان أمة قانتا لله). وأخرج ابن ~~المنذر عنه في قوله (كان أمة) قال: إماما في الخير (قانتا) قال: مطيعا. ~~وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " ما من عبد تشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم " والأمة الرجل فما ~~فوقه، إن الله يقول (إن إبراهيم كان أمة) والأمة الرجل فما فوقه ". وأخرج ~~عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن ~~ابن عمر وقال صلى جبريل بإبراهيم الظهر والعصر بعرفات ثم وقف حتى إذا غابت ~~الشمس دفع به، ثم صلى المغرب والعشاء بجمع ثم صلى الفجر به كأسرع ما يصلي ~~أحدكم من المسلمين ثم وقف به حتى إذا كان كأبطإ ما يصلي أحد من المسلمين ~~دفع به، ثم رمى الجمرة ثم ذبح ثم حلق ثم أفاض به إلى البيت فطاف به، فقال ~~الله لنبيه (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) وأخرج عبد ms2161 الرزاق ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (إنما جعل السبت على ~~الذين اختلفوا فيه) قال: أراد الجمعة فأخذوا السبت مكانها. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك وسعيد بن جبير في ~~الآية قال: # باستحلالهم إياه، رأى موسى رجلا يحمل حطبا يوم السبت فضرب عنقه: وفى ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا PageV03P204 # الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم: يعني ~~الجمعة، فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس فيه لنا تبع، اليهود غدا ~~والنصارى بعد غد ". وأخرج مسلم وغيره من حديث حذيفة نحوه. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وجادلهم بالتي ~~هي أحسن) قال: اعرض عن أذاهم إياك. وأخرج الترمذي وحسنه وعبد الله بن أحمد ~~في زوائد المسند والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة في الفوائد ~~وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ~~والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار ~~أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: ~~لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله ~~تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلا ~~أربعة ". وأخرج ابن سعد والبزار وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وأبو ~~نعيم في المعرفة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة " أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقف على حمزة حيث استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر ~~إلى شئ قط كان أوجع لقلبه منه. ونظر إليه قد مثل به، فقال: # رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمت وصولا للرحم ms2162 فعولا للخير، ولولا حزن من ~~بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى، أما والله لأمثلن ~~بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف ~~بخواتيم سورة النحل (وإن عاقبتم) الآية، فكفر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر ". وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس مرفوعا نحوه. # وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وإن عاقبتم) الآية، ~~قال: هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم نزلت براءة وانسلاخ ~~الأشهر الحرم فهذا منسوخ. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون) قال: اتقوا فيما حرم عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم. # تفسير سورة الإسراء آياتها مائة وإحدى عشرة آية، وهى مكية إلا ثلاث آيات ~~قوله عز وجل - وإن كادوا ليستفزونك - نزلت حين جاء رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وفد ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله - ~~وقل رب أدخلني مدخل صدق -، وقوله - إن ربك أحاط بالناس - وزاد مقاتل قوله - ~~إن الذين أوتوا العلم من قبله -. وأخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: نزلت سورة بني إسرائيل بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. ~~وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه عن ابن مسعود قال: في بني إسرائيل ~~والكهف ومريم، إنهن من العتاق الأول وهم من تلادي. # وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وابن مردويه عن عائشة قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عمرو الشيباني قال: صلى بنا عبد الله الفجر فقرأ ~~السورتين الآخرة منهما بنو إسرائيل. PageV03P205 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الإسراء الآية (1 - 3). # قوله (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) هو مصدر سبح. يقال سبح يسبح تسبيحا ~~وسبحانا، مثل كفر اليمين ms2163 تكفيرا وكفرانا، ومعناه التنزيه والبراءة لله من ~~كل نقص. وقال سيبويه: العامل فيه فعل لا من لفظه، والتقدير أنزه الله ~~تنزيها، فوقع سبحان مكان تنزيها، فهو على هذا مثل قعد القرفصاء واشتمل ~~الصماء، وقيل هو علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك ~~إظهاره تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل منزلة الفعل وسد مسده وقد قدمنا في ~~قوله - سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا - طرفا من الكلام المتعلق بسبحان. ~~والإسراء قيل: هو سير الليل، يقال سرى وأسرى: كسقي وأسقى لغتان، وقد جمع ~~بينهما الشاعر في قوله: # حي النضير وربة الخدر * أسرت إلي ولم تكن تسرى وقيل هو سير أول الليل ~~خاصة، وإذا كان الإسراء لا يكون إلا في الليل فلا بد للتصريح بذكر الليل ~~بعده من فائدة، فقيل أراد بقوله ليلا تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في ~~بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة. ووجه دلالة ليلا على تقليل ~~المدة ما فيه من التنكير الدال على البعضية. بخلاف ما إذا قلت سريت الليل ~~فإنه يفيد استيعاب السير له جميعا. وقد استدل صاحب الكشاف على إفادة ليلا ~~للبعضية بقراءة عبد الله وحذيفة من الليل. وقال الزجاج: معنى أسرى بعبده ~~ليلا سير عبده يعني محمدا ليلا وعلى هذا فيكون معنى أسرى معنى سير فيكون ~~للتقييد بالليل فائدة، وقال بعبده ولم يقل بنبيه أو رسوله أو بمحمد تشريفا ~~له صلى الله عليه وآله وسلم قال أهل العلم: لو كان غير هذا الاسم أشرف منه ~~لسماه الله سبحانه به في هذا المقام العظيم والحالة العلية: # لا تدعي إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائي * ادعاء بأسماء نبزا في ~~قبائلها * كأن أسماء أضحت بعض أسمائي (من المسجد الحرام) قال الحسن وقتادة: ~~يعني المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن. وقال عامة المفسرين،: # أسرى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دار أم هانئ. فحملوا المسجد ~~الحرام على مكة أو الحرام لإحاطة كل واحد منهما بالمسجد الحرام. أو لأن ~~الحرم كله مسجد. ثم ذكر ms2164 سبحانه الغاية التي أسرى برسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إليها فقال (إلى المسجد الأقصى) وهو بيت المقدس. وسمى الأقصى لبعد ~~المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد. ثم وصف المسجد ~~الأقصى بقوله (الذي باركنا حوله) بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين، ~~فقد بارك الله سبحانه حول المسجد الأقصى ببركات الدنيا والآخرة. وفى باركنا ~~بعد قوله أسرى التفات من الغيبة إلى التكلم. ثم ذكر العلة التي أسرى به ~~لأجلها فقال (لنريه من آياتنا) أي ما أراه الله PageV03P206 # سبحانه في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة ~~في جزء من الليل (إنه) سبحانه (هو السميع) بكل مسموع، ومن جملة ذلك قول ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (البصير) بكل مبصر، ومن جملة ذلك ذات رسوله ~~وأفعاله. # وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وآله وسلم مع ~~روحه أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول. وذهب إلى الثاني ~~طائفة من أهل العلم منهم عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق وحكاه ابن جرير ~~عن حذيفة بن اليمان. وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا: كان الإسراء بجسده ~~يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله ~~إلى المسجد الأقصى، فجعله غاية للإسراء بذاته صلى الله عليه وآله وسلم. فلو ~~كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره، والذي دلت عليه ~~الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء ~~بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السماوات، ولا حاجة إلى التأويل ~~وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف ~~الحقيقة، ولا مقتضى لذلك إلا مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن ~~فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شئ. ولو كان ذلك مجرد رؤيا ~~كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع ~~التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ms2165 عند إخباره لهم بذلك حتى ~~ارتد من ارتد ممن لم يشرح بالإيمان صدرا. فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو ~~مستبعد. بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد، وأما التمسك لمن قال بأن هذا ~~الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله - وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك إلا فتنه للناس فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء. ~~فالتصريح الواقع هنا بقوله (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) والتصريح في ~~الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا تقصر عن الاستدلال بها على تأويل ~~هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا. ~~وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريح الأحاديث الصحيحة بأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ركب البراق؟ وكيف يصح وصف الروح بالركوب؟ # وهكذا كيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأنه كان عند أن أسرى به بين النائم واليقظان: # وقد اختلف أيضا في تاريخ الإسراء، فروى أن ذلك كان قبل الهجرة إلى ~~المدينة بسنة. وروى أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام. ووجه ذلك أن خديجة ~~صلت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل ~~بثلاث. وقيل بأربع، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الاسراء. وقد استدل بهذا ابن ~~عبد البر على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهري. وممن قال بأن الاسراء كان ~~قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه، وكذلك الحربي فإنه قال: أسرى بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. # وقال ابن القاسم في تاريخه: كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا. قال ~~ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من أهل السير قال بمثل هذا. وروى عن الزهري أنه ~~أسرى به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروى عنه أنه قال: كان قبل مبعثه بخمس ~~سنين. وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض ~~الصلاة. ms2166 # (وآتينا موسى الكتاب) أي التوراة. قيل والمعنى: كرمنا محمدا بالمعراج ~~وأكرمنا موسى بالكتاب (وجعلناه) أي ذلك الكتاب، وقيل موسى (هدى لبني ~~إسرائيل) يهتدون به (أن لا تتخذوا). قرأ أبو عمرو بالياء التحتية، وقرأ ~~الباقون بالفوقية: أي لئلا يتخذوا، والمعنى: آتيناه الكتاب لهداية بني ~~إسرائيل لئلا يتخذوا (من دوني وكيلا) قال الفراء: أي كفيلا بأمورهم، وروى ~~عنه أنه قال كافيا: وقيل معناه: أي متوكلون عليه في أمورهم، وقيل ~~PageV03P207 # شريكا، ومعنى الوكيل في اللغة من توكل إليه الأمور (ذرية من حملنا مع ~~نوح) نصب على الاختصاص أو النداء ذكرهم سبحانه إنعامه عليهم في ضمن إنجاء ~~آبائهم من الغرق، ويجوز أن يكون المفعول الأول لقوله أن لا تتخذوا أي لا ~~تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا كقوله - ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا - وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف أو بدل من ~~فاعل تتخذوا. وقرأ مجاهد بفتح الذال. وقرأ زيد بن ثابت بكسرها، والمراد ~~بالذرية هنا جميع من في الأرض لأنهم من ذرية من كان في السفينة، وقيل موسى ~~وقومه من بني إسرائيل وهذا هو المناسب لقراءة النصب على النداء والنصب على ~~الاختصاص، والرفع على البدل وعلى الخبر فإنها كلها راجعة إلى بني إسرائيل ~~المذكورين، وأما على جعل النصب على أن ذرية هي المفعول الأول لقوله لا ~~تتخذوا، فالأولى تفسير الذرية بجميع من في الأرض من بني آدم (إنه كان عبدا ~~شكورا) أي نوحا، وصفه الله بكثرة الشكر وجعله كالعلة لما قبله إيذانا بكون ~~الشكر من أعظم أسباب الخير، ومن أفضل الطاعات حثا لذريته على شكر الله ~~سبحانه. # وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: أسرى بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. ~~وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال: أسرى برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وأخرج البيهقي عن ~~عروة مثله وأخرج ms2167 البيهقي أيضا عن السدي قال: أسرى برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قبل مهاجره بستة عشر شهرا وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ~~(الذي باركنا حوله) قال: أنبتنا حوله الشجر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل) قال: جعله ~~الله هدى يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله رحمة لهم. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (ألا تتخذوا من دوني ~~وكيلا) قال: شريكا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (ذرية من حملنا مع نوح) ~~قال: هو على النداء يا ذرية من حملنا مع نوح. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله ~~بن زيد الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ذرية من ~~حملنا مع نوح، ما كان مع نوح إلا أربعة أولاد: حام، وسام، ويافث، وكوش، ~~فذلك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق ". واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين ~~كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في ~~الإسراء على اختلاف ألفاظها. وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها ~~من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو ~~مبحث آخر، والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز. ~~وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو ~~فضلة لا تدعو إليه حاجة. # سورة الإسراء الآية (4 - 6) PageV03P208 # سورة الإسراء الآية (7 - 11) قوله (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) أي ~~أعلمنا وأخبرنا، أو حكمنا وأتممنا، وأصل القضاء: الإحكام للشئ والفراغ منه، ~~وقيل أوحينا، ويدل عليه قوله إلى بني إسرائيل، ولو كان بمعنى الإعلام ~~والإخبار لقال قضينا بني إسرائيل، ولو كان بمعنى حكمنا لقال على بني ~~إسرائيل، ولو كان بمعنى أتممنا لقال لبني إسرائيل، والمراد بالكتاب: ~~التوراة، ويكون إنزالها على نبيهم موسى كانزالها عليهم لكونهم قومه، وقيل ~~المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقرأ أبو العالية وسعيد ms2168 بن جبير " في الكتب ~~". وقرأ عيسى الثقفي (لتفسدن في الأرض) بفتح المثناة، ومعنى هذه القراءة ~~قريب من معنى قراءة الجمهور، لأنهم إذا أفسدوا فسدوا في نفوسهم، والمراد ~~بالفساد مخالفة ما شرعه الله لهم في التوراة، والمراد بالأرض أرض الشام ~~وبيت المقدس. وقيل أرض مصر. واللام في لتفسدن جواب قسم محذوف. قال ~~النيسابوري: أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ~~وانتصاب (مرتين) على أنه صفة مصدر محذوف، أو على أنه في نفسه مصدر عمل فيه ~~ما هو من غير جنسه، والمرة الأولى قتل شعياء أو حبس أرمياء أو مخالفة أحكام ~~التوراة. والثانية قتل يحيى بن زكريا والعزم على قتل عيسى (ولتعلن علوا ~~كبيرا) هذه اللام كاللام التي قبلها: أي لتستكبرن عن طاعة الله ولتستعلن ~~علي الناس بالظلم والبغي مجاوزين للحد في ذلك (فإذا جاء وعد أولاهما) أي ~~أولى المرتين المذكورتين (بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد) أي قوة في ~~الحروب وبطش عند اللقاء. قيل هو بختنصر وجنوده، وقيل جالوت، وقيل جند من ~~فارس، وقيل جند من بابل (فجاسوا خلال الديار) أي عاثوا وترددوا. يقال جاسوا ~~وهاسوا وداسوا بمعنى، ذكره ابن غرير والقتيبي. قال الزجاج: معناه طافوا ~~خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه؟ قال: والجوس طلب الشئ باستقصاء. قال ~~الجوهري: الجوس مصدر قولك جاسوا خلال الديار: أي تخللوها كل كما يجوس الرجل ~~للأخبار، أي يطلبها، وكذا قال أبو عبيدة. وقال: ابن جرير: معنى جاسوا طافوا ~~بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين. وقال الفراء: معناه قتلوهم ~~بين بيوتهم وأنشد لحسان: # ومنا الذي لاقى بسيف محمد * فجاس به الأعداء عرض العساكر وقال قطرب: ~~معناه نزلوا وأنشد قول الشاعر: # فجسنا ديارهم عنوة * وأبنا بساداتهم موثقينا وقرأ ابن عباس " فحاسوا " ~~بالحاء المهملة. قال أبو زيد: الحوس والجوس والعوس والهوس: الطوف بالليل ~~وقيل الطوف بالليل هو الجوسان محركا كذا قال أبو عبيدة. وقرئ " خلل الديار ~~" ومعناه معنى خلال وهو وسط PageV03P209 # الديار (وكان) ذلك (وعدا مفعولا) أي كائنا لا محالة (ثم رددنا لكم ms2169 الكرة ~~عليهم) أي الدولة والغلبة والرجعة وذلك عند توبتهم. قيل وذلك حين قتل داود ~~جالوت، وقيل حين قتل بختنصر (وأمددناكم بأموال وبنين) بعد نهب أموالكم وسبى ~~أبنائكم حتى عاد أمركم كما كان (وجعلناكم أكثر نفيرا) قال أبو عبيدة: ~~النفير العدد من الرجال، فالمعنى: أكثر رجالا من عدوكم. والنفير من ينفر مع ~~الرجل من عشيرته، يقال نفير ونافر مثل قدير وقدر، ويجوز أن يكون النفير جمع ~~نفر (إن أحسنتم): أي أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم (أحسنتم ~~لأنفسكم) لأن ثواب ذلك عائد إليكم (وإن أسأتم) أفعالكم وأقوالكم فأوقعتموها ~~لا على الوجه المطلوب منكم (فلها) أي فعليها. ومثله قول الشاعر: فخر صريعا ~~لليدين وللفم * أي على اليدين وعلى الفم، قال ابن جرير: اللام بمعنى إلى: ~~أي فإليها ترجع الإساءة كقوله تعالى - بأن ربك أوحى لها - أي إليها، وقيل ~~المعنى: فلها الجزاء أو العقاب. وقال الحسين بن الفضل: فلها رب يغفر ~~الإساءة. وهذا الخطاب قيل هو لبني إسرائيل الملابثين لما ذكر في هذه ~~الآيات، وقيل لبني إسرائيل الكائنين في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ومعناه: إعلامهم ما حل بسلفهم فليرتقبوا مثل ذلك وقيل هو خطاب لمشركي قريش ~~(فإذا جاء وعد الآخرة) أي حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الآخرة، والمرة ~~الآخرة هي قتلهم يحيى ابن زكريا كما سبق، وقصة قتله مستوفاة في الإنجيل ~~واسمه فيه يوحنا، قتله ملك من ملوكهم بسبب امرأة حملته على قتله، واسم ~~الملك لأخت قاله ابن قتيبة. وقال ابن جرير: هيردوس، وجواب إذا محذوف تقديره ~~بعثناهم لدلالة جواب إذا الأولى عليه، (وليسؤوا وجوهكم) متعلق بهذا الجواب ~~المحذوف: أي ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم حتى تظهر عليكم آثار المساءة ~~وتتبين في وجوهكم الكآبة، وقيل المراد بالوجوه السادة منهم. وقرأ الكسائي " ~~لنسوء " بالنون على أن الضمير لله سبحانه. وقرأ أبى " لنسوءن " بنون ~~التأكيد. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثاب وحمزة وابن عامر ليسوء بالتحتية ~~والإفراد. قال الزجاج: كل شئ كسرته وفتته فقد تبرته، والضمير لله أو الوعد ~~(وليدخلوا ms2170 المسجد) معطوف على ليسوءوا (كما دخلوه أول مرة وليتبروا) أي ~~يدمروا ويهلكوا، وقال قطرب: يهدموا، ومنه قول الشاعر: # فما الناس إلا عاملان فعامل * يتبر ما يبنى وآخر رافع وقرأ الباقون ~~بالتحتية وضم الهمزة وإثبات واو بعدها على أن الفاعل عباد لنا (ما علوا) أي ~~ما غلبوا عليه من بلادكم أو مدة علوهم (تتبيرا) أي تدميرا، ذكر المصدر ~~إزالة للشك وتحقيقا للخبر (عسى ربكم أن يرحمكم) يا بني إسرائيل بعد انتقامه ~~منكم في المرة الثانية (وإن عدتم) للثالثة (عدنا) إلى عقوبتكم. قال أهل ~~السير: ثم إنهم عادوا إلى ما لا ينبغي وهو تكذيب محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وكتمان ما ورد من بعثه في التوراة والإنجيل فعاد الله إلى عقوبتهم على ~~أيدي العرب، فجرى على بني قريظة والنضير وبنى قينقاع وخيبر ما جرى من القتل ~~والسبي والإجلاء وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة (وجعلنا ~~جهنم للكافرين حصيرا) وهو المحبس فهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول. والمعنى: ~~أنهم محبوسون في جهنم لا يتخلصون عنها أبدا. قال الجوهري: # حصره يحصره حصرا: ضيق عليه وأحاط به، وقيل فراشا ومهادا، وأراد على هذا ~~بالحصير الحصير الذي يفرشه الناس (إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم) يعنى ~~القرآن يهدى الناس الطريقة التي هي أقوم من غيرها من الطرق وهي ملة ~~الإسلام، فالتي هي أقوم صفة لموصوف محذوف وهى الطريق، وقال الزجاج: للحال ~~التي هي أقوم الحالات، وهى توحيد الله والإيمان برسله، وكذا قال الفراء ~~(ويبشر المؤمنين) قرأ حمزة والكسائي " يبشر " بفتح PageV03P210 # الياء وضم الشين. وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الشين من التبشير: أي يبشر ~~بما اشتمل عليه من الوعد بالخير آجلا وعاجلا للمؤمنين (الذين يعملون ~~الصالحات) التي أرشد إلى عملها القرآن (أن لهم أجرا كبيرا) أي بأن لهم (وأن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة) وأحكامها المبينة في القرآن (اعتدنا لهم عذابا ~~أليما) وهو عذاب النار، وهذه الجملة معطوفة على جملة يبشر بتقدير يخبر: أي ~~ويخبر بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة، وقيل معطوفة على ms2171 قوله " أن لهم أجرا ~~كبيرا " ويراد بالتبشير مطلق الإخبار، أو يكون المراد منه معناه الحقيقي، ~~ويكون الكلام مشتملا على تبشير المؤمنين ببشارتين: الأولى ما لهم من ~~الثواب، والثانية ما لأعدائهم من العقاب (ويدع الإنسان بالشر) المراد ~~بالإنسان هنا الجنس لوقوع هذا الدعاء من بعض أفراده وهو دعاء الرجل على ~~نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له (دعاءه بالخير) أي مثل دعائه ~~لربه بالخير لنفسه ولأهله كطلب العافية والرزق ونحوهما، فلو استجاب الله ~~دعاءه على نفسه بالشر هلك - لكنه لم يستجب تفضلا منه ورحمة، ومثل ذلك - ولو ~~يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير - وقد تقدم، وقيل المراد بالإنسان ~~هنا القائل هذه المقالة هو الكافر يدعو لنفسه بالشر، وهو استعجال العذاب ~~دعاه بالخير كقول القائل: - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم -. وقيل هو أن يدعو في طلب المحظور ~~كدعائه في طلب المباح، وحذفت الواو من ويدع الإنسان في رسم المصحف لعدم ~~التلفظ بها لوقوع اللام الساكنة بعدها كقوله - سندع الزبانية، ويمح الله ~~الباطل - وسوف يؤت الله المؤمنين - ونحو ذلك (وكان الانسان عجولا) أي ~~مطبوعا على العجلة، ومن عجلته أنه يسأل الشر كما يسأل الخير، وقيل إشارته ~~إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن تكمل فيه الروح، والمناسب للسياق هو ~~الأول. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وقضينا إلى بني إسرائيل) قال: أعلمناهم: # وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: أخبرناهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا قضينا إلى بني إسرائيل: # قضينا عليهم. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن علي في قوله (لتفسدن في الأرض ~~مرتين) قال: الأولى قتل زكريا، والآخرة قتل يحيى. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~مسعود في الآية قال: كان أول الفساد قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط. ~~ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم، فذلك قوله (فرددنا لكم ~~الكرة عليهم) وأخرج ابن ms2172 جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: بعث الله ~~عليهم في الأولى جالوت، وبعث عليهم في المرة الأخرى بختنصر، فعادوا فسلط ~~الله عليهم المؤمنين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (فجاسوا) قال: ~~فمشوا. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال (تتبيرا) تدميرا. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الضحاك في قوله (عسى ربكم أن يرحمكم) قال: كانت الرحمة التي وعدهم بعث ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن قتادة في قوله (وإن عدتم عدنا) قال: فعادوا فبعث الله سبحانه عليهم ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. واعلم ~~أنها قد اختلفت الروايات في تعيين الواقع منهم في المرتين. وفى تعيين من ~~سلطه الله عليهم، وفى كيفية الانتقام منهم، ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وجعلنا ~~جهنم للكافرين حصيرا) قال: سجنا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه. قال: ~~معنى حصيرا: جعل الله مأواهم فيها. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (حصيرا، قال: فراشا ومهادا. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن زيد في قوله (إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم) قال: للتي هي أصوب. ~~وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أنه كان يتلو كثيرا PageV03P211 # (إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ويبشر) بالتخفيف. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس في قوله (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير) يعنى قول الإنسان: ~~اللهم العنه واغضب عليه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (وكان الإنسان عجولا) ~~قال: ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سلمان الفارسي قال: أول ما خلق الله من ~~آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال: يا رب ~~أعجل قبل الليل، فذلك قوله (وكان الإنسان عجولا). # سورة الإسراء ms2173 الآية (12 - 17). # لما ذكر سبحانه دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب صنعه ~~وبدائع خلقه فقال (وجعلنا الليل والنهار آيتين) وذلك لما فيهما من الإظلام ~~والإنارة مع تعاقبهما وسائر ما اشتملا عليه من العجائب التي تحار في وصفها ~~الأفهام، ومعنى كونهما آيتين أنهما يدلان على وجود الصانع وقدرته، وقدم ~~الليل على النهار لكونه الأصل (فمحونا آية الليل) أي طمسنا نورها، وقد كان ~~القمر كالشمس في الإنارة والضوء. قيل ومن آثار المحو السواد الذي يرى في ~~القمر، وقيل المراد بمحوها أنه سبحانه خلقها ممحوة الضوء مطموسة، وليس ~~المراد أنه محاها بعد أن لم تكن كذلك (وجعلنا آية النهار مبصرة) أي جعل ~~سبحانه شمسه مضيئة تبصر فيها الأشياء. قال أبو عمرو ابن العلاء والكسائي: ~~هو من قول العرب: أبصر النهار: إذا صار بحالة يبصر بها، وقيل مبصرة للناس ~~من قوله أبصره فبصر. فالأول وصف لها بحال أهلها، والثاني وصف لها بحال ~~نفسها، وإضافة آية إلى الليل والنهار بيانية: أي فمحونا الآية التي هي ~~الليل والآية التي هي النهار كقولهم نفس الشئ وذاته (لتبتغوا فضلا من ربكم) ~~أي لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في وجوه المعاش، واللام متعلق بقوله ~~وجعلنا آية النهار مبصرة: أي جعلناها لتبتغوا فضلا من ربكم: أي رزقا، إذ ~~غالب تحصيل الأرزاق وقضاء الحوائج يكون بالنهار، ولم يذكر هنا السكون في ~~الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر - وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا - ثم ذكر مصلحة أخرى في ذلك الجعل فقال (ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب) وهذا متعلق بالفعلين جميعا: أعني محونا آية الليل وجعلنا ~~PageV03P212 # آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط كالأول، إذ لا يكون علم عدد السنين ~~والحساب، إلا باختلاف الجديدين ومعرفة الأيام والشهور والسنين. والفرق بين ~~العدد والحساب أن العدد إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه ~~شئ. والحساب إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها ~~حد معين منه له اسم خاص، فالسنة مثلا إن وقع النظر ms2174 إليها من حيث عدد أيامها ~~فذلك هو العدد، وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها وتحصلها من عدة أشهر، قد ~~يحصل كل شهر من عدة أيام. قد يحصل كل يوم من عدة ساعات، قد تحصلت كل ساعة ~~من عدة دقائق، فذلك هو الحساب (وكل شئ فصلناه تفصيلا) أي كل ما تفتقرون ~~إليه في أمر دينكم ودنياكم بيناه تبيينا واضحا لا يلتبس، وعند ذلك تنزاح ~~العلل وتزول الأعذار - ليهلك من هلك عن بينة - ولهذا قال (وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه) قال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ، ويقال له ~~البخت، فالطائر ما وقع للشخص في الأزل بما هو نصيبه من العقل والعمل والعمر ~~والرزق والسعادة والشقاوة، كأن طائرا يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم ~~الغيب طيرانا لا نهاية له ولا غاية إلى أن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته ~~المقدر من غير خلاص ولا مناص. وقال الأزهري: الأصل في هذا أن الله سبحانه ~~لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي. فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى ~~سعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فطار لكل منهم ما هو صائر إليه ~~عند خلقه وإنشائه، وذلك قوله (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) أي ما طار ~~له في علم الله. وفى عنقه عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق من بين ما ~~يلبس. قال الزجاج: ذكر العنق عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق (ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) قرأ ابن عباس والحسن ومجاهد وابن محيصن ~~وأبو جعفر ويعقوب " ويخرج " بالمثناة التحتية المفتوحة وبالراء المضمومة ~~على معنى ويخرج له الطائر، وكتابا منصوب على الحال، ويجوز أن يكون المعنى: ~~يخرج لها الطائر فيصير كتابا. وقرأ يحيى بن وثاب " يخرج " بضم الياء وكسر ~~الراء: أي يخرج الله. وقرأ شيبة ومحمد بن السميفع. وروى أيضا عن أبي جعفر " ~~يخرج " بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول: أي ويخرج له الطائر ~~كتابا. وقرأ الباقون " ونخرج " بالنون على أن المخرج هو الله سبحانه وكتابا ms2175 ~~مفعول به. واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله تعالى ألزمناه. وقرأ أبو جعفر ~~والحسن وابن عامر يلقاه بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف. وقرأ الباقون ~~بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، وإنما قال سبحانه (يلقاه منشورا) ~~تعجيلا للبشرى بالحسنة وللتوبيخ على السيئة (اقرأ كتابك) أي نقول له اقرأ ~~كتابك، أو قائلين له، قيل يقرأ ذلك الكتاب من كان قارئا. ومن لم يكن قارئا ~~(كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) الباء في بنفسك زائدة وحسيبا تمييز: أي ~~حاسبا. قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها. وصريم بمعنى صارم، ويجوز أن ~~يكون الحسيب بمعنى الكافي، ثم وضع موضع الشهيد فعدي بعلي، والنفس بمعنى ~~الشخص، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب كالشريك والجليس (من اهتدى ~~فإنما يهتدى لنفسه) بين سبحانه أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده يختصان ~~بفاعلهما لا يتعدان منه إلى غيره. فمن اهتدى بفعل ما أمره الله به وترك ما ~~نهاه الله عنه، فإنما تعود منفعة ذلك إلى نفسه، (ومن ضل) عن طريق الحق فلم ~~يفعل ما أمر به، ولم يترك ما نهى عنه (فإنما يضل عليها) أي فإن وبال ضلاله ~~واقع على نفسه لا يجاوزها، فكل أحد محاسب عن نفسه مجزي بطاعته معاقب ~~بمعصيته، ثم أكد هذا الكلام بأبلغ تأكيد فقال (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ~~والوزر الإثم، يقال وزر يزر وزرا ووزرة، أي إثما، والجمع أوزار. والوزر ~~الثقل. ومنه - يحملون أوزارهم على ظهورهم - أي أثقال ذنوبهم: ومعنى الآية: ~~لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى تخلص الأخرى عن وزرها وتؤخذ به ~~الأولى، وقد تقدم مثل هذا في الأنعام. قال الزجاج في تفسير هذه الآية: إن ~~الآثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره (وما كنا PageV03P213 # معذبين حتى نبعث رسولا) لما ذكر سبحانه اختصاص المهتدي بهدايته والضال ~~بضلاله. وعدم مؤاخذة الإنسان بجناية غيره، ذكر أنه لا يعذب عباده إلا بعد ~~الإعذار إليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، فبين سبحانه أنه لم يتركهم سدى، ~~ولا يؤاخذهم قبل إقامة الحجة عليهم، والظاهر أنه لا يعذبهم ms2176 لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل، وبه قالت طائفة من أهل ~~العلم. وذهب الجمهور إلى أن المنفى هنا هو عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة ~~(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا) اختلف المفسرون في معنى أمرنا على قولين: ~~الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي، وعلى هذا اختلفوا في المأمور ~~به، فالأكثر على أنه الطاعة والخير. وقال في الكشاف: معناه أمرناهم بالفسق ~~ففسقوا، وأطال الكلام في تقرير هذا وتبعه المقتدون به في التفسير، وما ذكره ~~هو ومن تابعه معارض بمثل قول القائل أمرته فعصاني، فإن كل من يعرف اللغة ~~العربية يفهم من هذا أن المأمور به شئ غير المعصية، لأن المعصية منافية ~~للأمر مناقضة له، فكذلك أمرته ففسق يدل على أن المأمور به شئ غير الفسق، ~~لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا ~~به ويناقضه. القول الثاني أن معنى (أمرنا مترفيها) أكثرنا فساقها. قال ~~الواحدي: تقول العرب أمر القوم إذا كثروا وأمرهم الله إذا أكثرهم. # وقد قرأ أبو عثمان النهدي وأبو رجاء وأبو العالية والربيع ومجاهد والحسن ~~أمرنا بتشديد الميم: أي جعلناهم أمراء مسلطين. وقرأ الحسن أيضا وقتادة وأبو ~~حيوة الشامي ويعقوب وخارجة عن نافع وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن ~~عباس آمرنا بالمد والتخفيف: أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها قاله الكسائي. ~~وقال أبو عبيدة: آمرته بالمد وأمرته لغتان بمعنى كثرته، ومنه الحديث " خير ~~المال مهرة مأمورة " أي كثيرة النتاج والنسل. وكذا قال ابن عزيز. وقرأ ~~الحسن أيضا ويحيى بن يعمر " أمرنا " بالقصر وكسر الميم على معنى فعلنا، ~~ورويت هذه القراءة عن ابن عباس. قال قتادة والحسن: المعنى أكثرنا. وحكى ~~نحوه أبو زيد وأبو عبيد وأنكره الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا ~~بالمد. قال في الصحاح: وقال أبو الحسن أمر ماله بالكسر: أي كثر، وأمر ~~القوم: أي كثروا، ومنه قول لبيد: # إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا * يوما يكن للهلاك والفند وقرأ الجمهور ~~(أمرنا) من ms2177 الأمر، ومعناه ما قدمنا في القول الأول، ومعنى (مترفيها) ~~المنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون في تفسير ~~المترفين: إنهم الجبارون المتسلطون والملوك الجائرون قالوا: وإنما خصوا ~~بالذكر لأن من عداهم أتباع لهم، ومعنى فسقوا فيها: خرجوا عن الطاعة وتمرضوا ~~في كفرهم لأن الفسوق الخروج إلى ما هو أفحش (فحق عليها القول) أي ثبت وتحقق ~~عليهم العذاب بعد ظهور فسقهم (فدمرناهم تدميرا) أي تدميرا عظيما لا يوقف ~~على كنهه لشدته وعظم موقعه، وقد قيل في تأويل أمرنا بأنه مجاز عن الأمر ~~الحامل لهم على الفسق، وهو إدرار النعم عليهم، وقيل أيضا إن المراد بأردنا ~~أن نهلك قرية أنه قرب إهلاك قرية، وهو عدول عن الظاهر بدون ملجئ إليه. ثم ~~ذكر سبحانه أن هذه عادته الجارية مع القرون الخالية فقال (وكم أهلكنا من ~~القرون) أي كثيرا ما أهلكنا منهم، فكم مفعول أهلكنا، ومن القرون بيان لكم ~~وتمييز له: أي كم من قوم كفروا من بعد نوح كعاد وثمود، فحل بهم البوار ونزل ~~بهم سوط العذاب، وفيه تخويف لكفار مكة. # ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة فقال (وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا) قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به ~~صاحبه أم يذم به، كقولك كفاك، وأكرم به رجلا. وطاب بطعامك طعاما، ولا يقال ~~قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك. وفى الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وتخويف ~~شديد لأهل المعصية، PageV03P214 # لأن العلم التام والخبرة الكاملة والبصيرة النافذة تقتضي إيصال الجزاء ~~إلى مستحقه بحسب استحقاقه، ولا ينافيه مزيد التفضل على من هو أهل لذلك، ~~والمراد بكونه سبحانه خبيرا بصيرا أنه محيط بحقائق الأشياء ظاهرا وباطنا لا ~~تخفى عليه منها خافية. # وقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر عن سعيد المقبري " أن عبد ~~الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن السواد الذي في القمر، ~~فقال: كانا شمسين قال الله (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل) ~~فالسواد الذي رأيت هو ms2178 المحو. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم معنى هذا بأطول منه. قال السيوطي: وإسناده ~~واه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~الأنباري في المصاحف عن علي في قوله (فمحونا آية الليل) قال: هو السواد ~~الذي في القمر، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وجعلنا آية النهار مبصرة) قال: منيرة ~~(لتبتغوا فضلا من ربكم) قال: جعل لكم سبحا طويلا. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فصلناه) قال: بيناه. وأخرج أحمد وعبد بن ~~حميد وابن جرير بسند حسن عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول " طائر كل إنسان في عنقه ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (ألزمناه طائره في عنقه) قال: سعادته وشقاوته وما قدر ~~الله له وعليه فهو لازمه أين كان. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أنس ~~في قوله (طائره) قال: كتابه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: عمله (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) قال: هو عمله الذي ~~أحصى عليه فأخرج له يوم القيامة ما كتب له من العمل فقرأه منشورا. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (اقرأ كتابك) قال. سيقرأ يومئذ من ~~لم يكن قارئا في الدنيا. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن عائشة في قوله ~~(ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال: سألت خديجة عن أولاد المشركين فقال: هم من ~~آبائهم، ثم سألته بعد ذلك فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ~~ما استحكم الإسلام فنزلت (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فقال: هم على الفطرة أو ~~قال في الجنة. قال السيوطي: وسنده ضعيف. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما " أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل فقيل له: يا رسول الله ms2179 إنا نصيب في ~~البيات من ذراري المشركين، قال: هم منهم " وفى ذلك أحاديث كثيرة وبحث طويل. ~~وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية غالب الأحاديث الواردة في أطفال ~~المشركين، ثم نقل كلام أهل العلم في المسئلة فليرجع إليه. وأخرج إسحاق بن ~~راهويه وأحمد وابن حبان وأبو نعيم في المعرفة والطبراني وابن مردويه ~~والبيهقي في كتاب الاعتقاد عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ~~ورجل هرم، ورجل مات في الفترة، ثم قال: فيأخذ الله مواثيقهم ليطيعنه ويرسل ~~إليهم رسولا أن ادخلوا النار، قال فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت ~~عليهم بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها " وإسناده عند أحمد، هكذا ~~حدثنا علي بن عبد الله حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن أبي قتادة عن ~~الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع. وأخرج نحوه إسحاق بن راهويه وأحمد وابن ~~مردويه عن أبي هريرة، وهو عند أحمد بالإسناد المذكور عن قتادة عن الحسن بن ~~أبي رافع عن أبي هريرة. وأخرج قاسم بن أصبغ والبزار وأبو يعلى وابن عبد ~~البر في التمهيد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ~~نحوه، وجعل مكان الأحمق المعتوه. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ~~والطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " يؤتى يوم القيامة بالممسوح عقلا وبالهالك في الفترة، PageV03P215 # وبالهالك صغيرا " فذكر معناه مطولا. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ~~ابن عباس في قوله (أمرنا مترفيها) قال: بطاعة الله فعصوا. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب ~~قال: سمعت ابن عباس يقول في الآية (أمرنا مترفيها) بحق فخالفوه، فحق عليهم ~~بذلك التدمير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عنه في الآية قال: سلطنا شرارنا ms2180 فعصوا فإذا فعلوا ذلك ~~أهلكناهم بالعذاب وهو كقوله - وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ~~ليمكروا فيها -. وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقول ~~للحي إذا كثروا في الجاهلية قد أمر بنو فلان: # سورة الإسراء الآية (18 - 24) قوله (ما كان يريد العاجلة) هذا تأكيد لما ~~سلف من جملة كل إنسان ألزمناه، ومن جملة من اهتدى. والمراد بالعاجلة: ~~المنفعة العاجلة أو الدار العاجلة. والمعنى: من كان يريد بأعمال البر أو ~~بأعمال الآخرة ذلك، فيدخل تحته الكفرة والفسقة والمراءون والمنافقون (عجلنا ~~له) أي عجلنا لذلك المريد (فيها): أي في تلك العاجلة، ثم قيد المعجل ~~بقيدين: الأول: قوله (ما نشاء) أي ما يشاء الله سبحانه تعجيله له منها، لا ~~ما يشاؤه ذلك المريد. ولهذا ترى كثيرا من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من ~~الدنيا ما لا ينالون ويتمنون ما لا يصلون إليه، والقيد الثاني قوله (لمن ~~نريد) أي لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا، وجملة لمن نريد بدل ~~من الضمير في له بإعادة الجار بدل البعض من الكل، لأن الضمير يرجع إلى من ~~وهو للعموم، وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة كقوله سبحانه - من كان يريد ~~حرث الدنيا نؤته منها - وقوله - من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون - وقد قيل إنه قرئ ما يشاء بالياء ~~التحتية، ولا ندري من قرأ بذلك من أهل الشواذ. وعلى هذه القراءة فقيل ~~الضمير لله سبحانه: أي ما يشاؤه الله فيكون معناها معنى القراءة بالنون، ~~وفيه بعد لمخالفته لما قبله: وهو عجلنا وما بعده وهو لمن نريد، وقيل الضمير ~~راجع إلى من في قوله (من كان يريد) فيكون ذلك مقيدا بقوله لمن نريد: أي ~~عجلنا له ما يشاؤه. لكن بحسب إرادتنا فلا يحصل لمن أراد العاجلة ما يشاؤه ~~إلا إذا أراد الله له ذلك PageV03P216 # ثم بعد هذا كله فمن وراء هذه الطلبة الفارغة التي لا تأثير لها إلا ~~بالقيدين المذكورين عذاب الآخرة الدائم، ولهذا قال (ثم جعلنا له ms2181 جهنم) أي ~~جعلنا له بسبب تركه لما أمر به من العمل للآخرة وإخلاصه عن الشوائب عذاب ~~جهنم على اختلاف أنواعه (يصلاها) في محل نصب على الحال: أي يدخلها (مذموما ~~مدحورا) أي مطرودا من رحمة الله مبعدا عنها. فهذه عقوبته في الآخرة مع أنه ~~لا ينال من الدنيا إلا ما قدره الله سبحانه له، فأين حال هذا الشقي من حال ~~المؤمن التقى؟ فإنه ينال من الدنيا ما قدره الله له وأراده بلا هلع منه ولا ~~جزع، مع سكون نفسه واطمئنان قلبه وثقته بربه، وهو مع ذلك عامل للآخرة منتظر ~~للجزاء من الله سبحانه، وهو الجنة، ولهذا قال (ومن أراد الآخرة) أي أراد ~~بأعماله الدار الآخرة (وسعى لها سعيها) أي السعي الحقيق بها اللائق ~~بطالبها، وهو الإتيان بما أمر به وترك ما نهى عنه خالصا لله غير مشوب، وكان ~~الإتيان به على القانون الشرعي من دون ابتداع ولا هوى (وهو مؤمن) بالله ~~إيمانا صحيحا. لأن العمل الصالح لا يستحق صاحبه الجزاء عليه إلا إذا كان من ~~المؤمنين - إنما يتقبل الله من المتقين - والجملة في محل نصب على الحال، ~~والإشارة بقوله (فأولئك) إلى المريدين للآخرة الساعين لها سعيها وخبره (كان ~~سعيهم مشكورا) عند الله: أي مقبولا غير مردود، وقيل مضاعفا إلى أضعاف ~~كثيرة، فقد اعتبر سبحانه في كون السعي مشكورا أمورا ثلاثة: الأول إرادة ~~الآخرة الثاني أن يسعى لها السعي الذي يحق لها. والثالث أن يكون مؤمنا. ثم ~~بين سبحانه كمال رأفته وشمول رحمته فقال (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك) التنوين في كلا عوض عن المضاف إليه، والتقدير كل واحد من الفريقين ~~نمد: أي نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار ~~وأهل الطاعة وأهل المعصية، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه وما به ~~الإمداد هو ما عجله لمن يريد الدنيا، وما أنعم به في الأولى والأخرى على من ~~يريد الآخرة، وفى قوله (من عطاء ربك) إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل وهو ~~متعلق بنمد (وما كان ms2182 عطاء ربك محظورا) أي ممنوعا، يقال حظره يحظره حظرا: ~~منعه، وكل ما حال بينك وبين شئ فقد حظره عليك، ومن " هؤلاء " بدل من " كلا ~~" وهؤلاء معطوف على البدل. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه يعطى المسلم ~~الكافر وأنه يرزقهما جميعا الفريقين فقال (هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) (انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض) الخطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن ~~يكون لكل من له أهلية النظر والاعتبار، وهذه الجملة مقررة لما مر من ~~الإمداد وموضحة له، والمعنى: انظر كيف فضلنا في العطايا العاجلة بعض العباد ~~على بعض، فمن غنى وفقير، وقوى وضعيف، وصحيح ومريض وعاقل وأحمق وذلك لحكمة ~~بالغة تقصر العقول عن إدراكها (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) وذلك لأن ~~نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة ~~إلى الدنيا، وليس للدنيا بالنسبة إلى الآخرة مقدار، فلهذا كانت الآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا. وقيل المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين ~~يدخلون النار فتظهر فضيلة المؤمنين على الكافرين. وحاصل المعنى أن التفاضل ~~في الآخرة ودرجاتها فرق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ~~ونحوهما. ثم لما أجمل سبحانه أعمال البر في قوله (وسعى لها سعيها وهو مؤمن) ~~أخذ في تفصيل ذلك مبتدئا بأشرفها الذي هو التوحيد فقال (لا تجعل مع الله ~~إلها آخر) والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به أمته تهييجا ~~وإلهابا، أو لكل متأهل له صالح لتوجيهه إليه، وقيل هو على إضمار القول، ~~والتقدير: قل لكل مكلف لا تجعل، وانتصاب تقعد على جواب النهى، والتقدير: لا ~~يكن منك جعل فقعود، ومعنى تقعد تصير، من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها ~~خربة، وليس المراد حقيقة القعود المقابل للقيام، وقيل هو كناية عن عدم ~~القدرة على تحصيل الخيرات، فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام، والعجز ~~PageV03P217 # عنه يلزمه أن يكون قاعدا عن الطلب، وقيل إن من شأن المذموم المخذول أن ~~يقعد نادما مفكرا على ما فرط منه فالقعود على هذا حقيقة، وانتصاب ms2183 (مذموما ~~مخذولا) على خبرية تقعد أو على الحال: أي فتصير جامعا بين الأمرين الذم لك ~~من الله ومن ملائكته، ومن صالحي عباده، والخذلان لك منه سبحانه، أو حال ~~كونك جامعا بين الأمرين. ثم لما ذكر ما هو الركن الأعظم وهو التوحيد أتبعه ~~سائر الشعائر والشرائع فقال (وقضى ربك) أي أمر أمرا جزما، وحكما قطعا، ~~وحتما مبرما (أن لا تعبدوا) أي بأن لا تعبدوا، فتكون أن ناصبة، ويجوز أن ~~تكون مفسرة ولا نهى. وقرئ " ووصى ربك " أي وصى عباده بعبادته وحده. ثم ~~أردفه بالأمر ببر الوالدين فقال (وبالوالدين احسانا) أي وقضى بأن تحسنوا ~~بالوالدين إحسانا، أو وأحسنوا بهما إحسانا، ولا يجوز أن يتعلق بالوالدين ~~بإحسانا، لأن المصدر لا يتقدم عليه ما هو متعلق به. قيل ووجه ذكر الإحسان ~~إلى الوالدين بعد عبادة الله سبحانه أنهما السبب الظاهر في وجود المتولد ~~بينهما، وفى جعل الإحسان إلى الأبوين قرينا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان ~~بتأكد حقهما والعناية بشأنهما مالا يخفى، وهكذا جعل سبحانه في آية أخرى ~~شكرهما مقترنا بشكره فقال - أن اشكر لي ولوالديك - ثم خص سبحانه حالة الكبر ~~بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها فقال (إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما) إما مركبة من إن الشرطية وما الإبهامية لتأكيد معنى ~~الشرط ثم أدخلت نون التوكيد في الفعل لزيادة التقرير كأنه قيل: إن هذا ~~الشرط مما سيقع البتة عادة. قال النحويون: # إن الشرط يشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت، فلهذا صح دخول النون ~~المؤكدة عليه. وقرأ حمزة والكسائي " يبلغان " قال الفراء: ثنى لأن الوالدين ~~قد ذكرا قبله فصار الفعل على عددهما، ثم قال (أحدهما أو كلاهما) على ~~الاستئناف، وأما على قراءة " يبلغن " فأحدهما فاعل بالاستقلال وقوله " أو ~~كلاهما " فاعل أيضا لكن لا بالاستقلال بل بتبعية العطف، والأولى أن يكون ~~أحدهما على قراءة " يبلغان " بدل من الضمير الراجع إلى الوالدين في الفعل ~~ويكون كلاهما عطفا على البدل، ولا يصح جعل كلاهما تأكيدا للضمير لاستلزام ~~العطف المشاركة، ومعنى عندك في ms2184 كنفك وكفالتك، وتوحيد الضمير في عندك ولا ~~تقل وما بعدهما للإشعار بأن كل قرد من الأفراد منهي بما فيه النهي، ومأمور ~~بما فيه الأمر، ومعنى (فلا تقل لهما أف) لا تقل لواحد منهما في حالتي ~~الاجتماع والانفراد، وليس المراد حالة الاجتماع فقط، وفى أف لغات: ضم ~~الهمزة مع الحركات الثلاث في الفاء، وبالتنوين وعدمه، وبكسر الهمز والفاء ~~بلا تنوين، وأفي ممالا، وأفة بالهاء. قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ~~ريح وجدها: # أي يقول أف أف. وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والثف وسخ الأظفار، يقال ~~ذلك عند استقذار الشئ ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به، وروى ثعلب ~~عن ابن الأعرابي أن الأفف الضجر. وقال القتيبي: # أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاصل عند تلك ~~النفخة هو قول القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم. وقال ~~الزجاج: معناه النتن. وقال أبو عمرو بن العلاء: الأف وسخ بين الأظفار والثف ~~قلامتها. والحاصل أنه اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ~~ذلك، فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال ~~لهما، وبهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب أو بلحنه كما ~~هو متقرر في الأصول (ولا تنهرهما) النهر: الزجر والغلظة، يقال نهره ~~وانتهره: إذا استقبله بكلام يزجره. قال الزجاج: معناه لا تكلمهما ضجرا ~~صائحا في وجوههما (وقل لهما) بدل التأفيف والنهر (قولا كريما) أي لينا ~~لطيفا أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع التأدب والحياء ~~والاحتشام (واخفض لها جناح الذل من الرحمة) ذكر القفال في معنى خفض الجناح ~~وجهين: الأول أن الطائر PageV03P218 # إذا أراد ضم فراخه إليه للتربية خفض لها جناحه، فلهذا صار خفض الجناح ~~كناية عن حسن التدبير، فكأنه قال للولد اكفل والديك بأن بأن تضمهما إلى ~~نفسك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك. والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران ~~والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد ms2185 النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية ~~عن التواضع وترك الارتفاع، وفى إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها ~~كإضافة حاتم إلى الجود في قولك حاتم الجود، فالأصل فيه الجناح الذليل، ~~والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحا ثم أثبت لذلك الجناح ~~خفضا. # وقرأ الجمهور الذل بضم الذال من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذليل. وقرأ ~~سعيد بن جبير وعروة بن الزبير بكسر الذال، وروى ذلك عن ابن عباس وعاصم، من ~~قولهم دابة ذلول بنية الذل: أي منقادة سهلة لا صعوبة فيها، ومن الرحمة فيه ~~معنى التعليل: أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما عمر ~~اليوم لمن كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ثم كأنه قال له سبحانه ولا ~~تكتف برحمتك التي لا دوام لها ((و) لكن (قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) ~~والكاف في محل نصب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي رحمة مثل تربيتهما لي أو ~~مثل رحمتهما لي، وقيل ليس المراد رحمة مثل الرحمة بل الكاف لاقترانهما في ~~الوجود فلتقع هذه كما وقعت تلك. والتربية التنمية، ويجوز أن يكون الكاف ~~للتعليل: أي لأجل تربيتهما لي كقوله - واذكروه كما هداكم - ولقد بالغ ~~سبحانه في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر لها جلود أهل العقوق وتقف عندها ~~شعورهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله (من كان يريد العاجلة) قال: من ~~كان يريد بعمله الدنيا (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) ذاك به. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله (كلا نمد) الآية ~~قال: كل يرزق الله في الدنيا البر والفاجر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عباس في الآية قال: يرزق الله من أراد الدنيا ويرزق من أراد الآخرة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال (محظورا) ممنوعا. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن زيد مثله. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ~~عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms2186 قال " ما من عبد يريد أن يرتفع ~~في الدنيا درجة فارتفع بها إلا وضعه الله في الآخرة درجة أكبر منها وأطول، ~~ثم قرأ (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) " وهو من رواية زاذان عن سلمان، ~~وثبت في الصحيحين " أن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما يرون الكوكب ~~الغابر في أفق السماء ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (مذموما) يقول ملوما. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن ~~جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس أنه قرأ: ووصى ربك، مكان وقضى، وقال: التزقت الواو والصاد وأنتم ~~تقرؤنها وقضى ربك. # وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عنه مثله. وأخرج أبو عبيد وابن منيع ~~وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عنه أيضا مثله وزاد ولو ~~نزلت على القضاء ما أشرك به أحد. وأقول: إنما يلزم هذا لو كان القضاء بمعنى ~~الفراغ من الأمر، وهو وإن كان أحد معاني مطلق القضاء، كما في قوله - قضى ~~الأمر الذي فيه تستفتيان -. وقوله - فإذا قضيتم مناسككم - فإذا قضيتم ~~الصلاة - ولكنه ها هنا بمعنى الأمر، وهو أحد معاني القضاء والأمر لا يستلزم ~~ذلك، فإنه سبحانه قد أمر عباده بجميع ما أوجبه، ومن جملة ذلك إفراده ~~بالعبادة وتوحيده وذلك لا يستلزم أن لا يقع الشرك من المشركين، ومن معاني ~~مطلق القضاء معان أخر غير هذين المعنيين كالقضاء بمعنى الخلق، ومنه - ~~فقضاهن سبع سماوات -. وبمعنى الإرادة كقوله - إذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون -. # وبمعنى العهد كقوله - وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر -. ~~وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر من PageV03P219 # طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (وقضى ربك) قال: أمر. وأخرج ~~ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال. عهد ربك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ~~في قوله (وبالوالدين إحسانا) يقول: برا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ms2187 مجاهد في قوله (فلا تقل لهما أف) لما تميط عنهما ~~من الأذى: # الخلاء والبول كما كانا لا يقولانه فيما كانا يميطان عنك من الخلاء ~~والبول. وأخرج الديلمي عن الحسين بن علي مرفوعا " لو علم الله شيئا من ~~العقوق أدنى من أف لحرمه " وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله ~~(وقل لهما قولا كريما) قال: إذا دعواك فقل لبيكما وسعديكما. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: قولا لينا سهلا. وأخرج البخاري في ~~الأدب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة في قوله (واخفض لهما ~~جناح الذل) قال: يلين لهما حتى لا يمتنع من شئ أحباه. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن سعيد بن جبير في الآية قال: اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ ~~الغليظ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في قوله (وقل رب ارحمهما) ثم أنزل الله بعد هذا - ما كان للنبي والذين ~~آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى -. وأخرج البخاري في الأدب ~~المفرد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر من طرق عنه نحوه، وقد ورد في بر ~~الوالدين أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما. # وهى معروفة في كتب الحديث. # سورة الإسراء الآية (25 - 33) قوله (ربكم أعلم بما في نفوسكم) أي بما في ~~ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات، ومن التوبة من الذنب الذي فرط ~~منكم أو الإصرار عليه، ويندرج تحت هذا العموم ما في النفس من البر والعقوق ~~اندراجا أوليا، وقيل إن الآية خاصة بما يجب للأبوين من البر، ويحرم على ~~الأولاد من العقوق، والأول أولى اعتبارا بعموم اللفظ، فلا تخصصه دلالة ~~السياق ولا تقيده (إن تكونوا صالحين) قاصدين الصلاح، والتوبة من الذنب ~~والإخلاص للطاعة فلا يضركم ما وقع من الذنب الذي تبتم عنه (فإنه كان ~~للأوابين غفورا) أي الرجاعين عن الذنوب إلى PageV03P220 # التوبة، وعن عدم الإخلاص إلى محض الإخلاص غفورا لما فرط منهم من قول أو ms2188 ~~فعل أو اعتقاد، فمن تاب تاب الله عليه، ومن رجع إلى الله رجع الله إليه. ثم ~~ذكر سبحانه التوصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال (وآت ~~ذا القربى حقه) والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهييجا ~~وإلهابا لغيره من الأمة، أو لكل من هو صالح لذلك من المكلفين كما في قوله ~~(وقضى ربك) والمراد بذي القربى ذو القرابة، وحقهم هو صلة الرحم التي أمر ~~الله بها، وكرر التوصية فيها، والخلاف بين أهل العلم في وجوب النفقة ~~للقرابة، أو لبعضهم كالوالدين على الأولاد، والأولاد على الوالدين معروف.، ~~والذي ينبغي الاعتماد عليه وجوب صلتهم بما تبلغ إليه القدرة وحسبما يقتضيه ~~الحال (والمسكين) معطوف على ذا القربى، وفى هذا العطف دليل على أن المراد ~~بالحق الحق المالي (وابن السبيل) معطوف على المسكين. والمعنى: وآت من اتصف ~~بالمسكنة، أو بكونه من أبناء السبيل حقه. # وقد تقدم بيان حقيقة المسكين وابن السبيل في البقرة. وفى التوبة، والمراد ~~في هذه الآية التصدق عليهما بما بلغت إليه القدرة من صدقة النفل، أو مما ~~فرضه الله لهما من صدقة الفرض. فإنهما من الأصناف الثمانية التي هي مصرف ~~الزكاة. ثم لما أمر سبحانه بما أمر به هاهنا نهى عن التبذير فقال (ولا تبذر ~~تبذيرا) التبذير تفريق المال كما يفرق البذر كيفما كان من غير تعمد ~~لمواقعه، وهو الإسراف المذموم لمجاوزته للحد المستحسن شرعا في الإنفاق، أو ~~هو الإنفاق في غير الحق، وإن كان يسيرا. قال الشافعي: التبذير إنفاق المال ~~في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير. # قال القرطبي بعد حكايته القول الشافعي هذا: وهذا قول الجمهور. قال أشهب ~~عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه، ووضعه في غير حقه، وهو الإسراف، وهو ~~حرام لقوله (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) فإن هذه الجملة تعليل للنهي ~~عن التبذير، والمراد بالأخوة المماثلة التامة، وتجنب مماثلة الشيطان ولو في ~~خصلة واحدة من خصاله واجب، فكيف فيما هو أعم من ذلك كما يدل عليه إطلاق ~~المماثلة، والإسراف ms2189 في الإنفاق من عمل الشيطان، فإذا فعله أحد من بني آدم ~~فقد أطاع الشيطان واقتدى به (وكان الشيطان لربه كفورا) أي كثير الكفران ~~عظيم التمرد عن الحق، لأنه مع كفره لا يعمل إلا شرا، ولا يأمر إلا بعمل ~~الشر. ولا يوسوس إلا بما لا خير فيه. # وفى هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين، ثم التسجيل على جنس ~~الشيطان بأنه كفور، فاقتضى ذلك أن المنذر مماثل للشيطان، وكل مماثل للشيطان ~~له حكم الشيطان، وكل شيطان كفور، فالمبذر كفور (وإما تعرضن عنهم) قد تقدم ~~قريبا أن أصل إما هذه مركب من إن الشرطية وما الإبهامية، وأن دخول نون ~~التأكيد على الشرط لمشابهته للنهي: أي إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن ~~السبيل لأمر اضطرك إلى ذلك الإعراض (ابتغاء رحمة من ربك) أي لفقد رزق من ~~ربك ولكنه أقام المسيب الذي هو ابتغاه رحمة الله مقام السبب الذي هو فقد ~~الرزق لأن فاقد الرزق مبتغ له، والمعنى: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ~~ترجو أن يفتح الله به عليك (فقل لهم قولا ميسورا) أي قولا سهلا لينا كالوعد ~~الجميل أو الاعتذار المقبول. قال الكسائي: يسرت له القول أي لينته. قال ~~الفراء: معنى الآية إن تعرض عن السائل إضاقة وإعسارا فقل لهم قولا ميسورا ~~عدهم عدة حسنة ويجوز أن يكون المعنى: وإن تعرض عنهم ولم تنفعهم لعدم ~~استطاعتك فقل لهم قولا ميسورا، وليس المراد هنا الإعراض بالوجه: وفى هذه ~~الآية تأديب من الله سبحانه لعباده إذا سألهم سائل ما ليس عندهم كيف يقولون ~~وبما يردون، ولقد أحسن من قال: # إن لا يكن ورق يوما أجود بها * للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون ~~الخير من خلقي * إما نوال وإما حسن مردود PageV03P221 # لما ذكر سبحانه أدب المنع بعد النهى عن التبذير بين أدب الإنفاق فقال ~~(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) وهذا النهي يتناول كل ~~مكلف سواء كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تعريضا لأمته وتعليما ~~لهم ms2190 أو الخطاب لكل من يصلح له من المكلفين والمراد النهي للإنسان بأن يمسك ~~إمساكا يصير به مضيقا على نفسه وعلى أهله ولا يوسع في الإنفاق توسيعا لا ~~حاجة إليه بحيث يكون به مسرفا، فهو نهى عن جانبي الإفراط والتفريط. ويتحصل ~~من ذلك مشروعية التوسط. وهو العدل الذي ندب الله إليه ولا تك فيها مفرطا أو ~~مفرطا * كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقد مثل الله سبحانه في هذه الآية حال ~~الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه بحيث لا يستطيع التصرف بها، ومثل ~~حال من يجاوز الحد في التصرف بحال من يبسط يده بسطا لا يتعلق بسببه فيها شئ ~~مما تقبض الأيدي عليه، وفى هذا التصوير مبالغة بليغة. ثم بين سبحانه غائلة ~~الطرفين المنهي عنهما فقال (فتقعد ملوما) عند الناس بسبب ما أنت عليه من ~~الشح (محسورا) بسبب ما فعلته من الإسراف: أي منقطعا عن المقاصد بسبب الفقر، ~~والمحسور في الأصل: المنقطع عن السير، من حسره السفر إذا بلغ منه، والبعير ~~الحسير هو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به، ومنه قوله تعالى - ينقلب إليك ~~البصر خاسئا وهو حسير - أي كليل منقطع، وقيل معناه نادما على ما سلف، فجعله ~~هذا القائل من الحسرة التي هي الندامة، وفيه نظر لأن الفاعل من الحسرة ~~حسران، ولا يقال محسور إلا للملوم. ثم سلى رسوله والمؤمنين بأن الذين ~~يرهقهم من الاضاقة ليس لهوانهم على الله سبحانه، ولكن لمشيئة الخالق الرازق ~~فقال (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يوسعه على بعض ويضيقه على بعض ~~لحكمة بالغة لا لكون من وسع له رزقه مكرما عنده، ومن ضيقه عليه هائنا لديه. ~~قيل ويجوز أن يراد أن البسط والقبض إنما هما من أمر الله الذي لا تفنى ~~خزائنه، فأما عباده فعليهم أن يقتصدوا، ثم علل ما ذكره من البسط للبعض ~~والتضييق على البعض بقوله (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) أي يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون، لا يخفى عليه من ذلك خافية، فهو الخبير بأحوالهم البصير بكيفية ~~تدبيرهم ms2191 في أرزاقهم. وفى هذه الآية دليل على أنه المتكفل بأرزاق عباده، ~~فلذلك قال بعدها (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أملق الرجل لم يبق له إلا ~~الملقات: وهى الحجارة العظام الملس: # قال الهذلي يصف صائدا: # أتيح لها أقيدر ذو خشيف * إذا سامت على الملقات ساما الأقيدر إلا تصغير ~~الأقدر: وهو الرجل القصير، والخشيف من الثياب الخلق، وسامت مرت، ويقال أملق ~~إذا افتقر وسلب الدهر ما بيده. قال أوس: * وأملق ما عندي خطوب تنبل * نهاهم ~~الله سبحانه عن أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر، وقد كانوا يفعلون ذلك، ثم ~~بين لهم أن خوفهم من الفقر حتى يبلغوا بسبب ذلك إلى قتل الأولاد لا وجه له، ~~فإن الله سبحانه هو الرازق لعباده يرزق الأبناء كما يرزق الآباء فقال (نحن ~~نرزقهم وإياكم) ولستم لهم برازقين حتى تصنعوا بهم هذا الصنع، وقد مر مثل ~~هذه الآية في الأنعام ثم علل سبحانه النهي عن قتل الأولاد لذلك بقوله (إن ~~قتلهم كان خطئا كبيرا) قرأ الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز ~~المقصور. وقرأ ابن عامر خطأ بفتح الخاء والطاء والقصر في الهمز، يقال خطئ ~~في دينه خطئا: إذا أثم، وأخطأ: إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير عامد. قال ~~الأزهري، خطئ يخطأ خطئا مثل أثم يأثم إثما: إذا تعمد الخطأ، وأخطأ: إذا لم ~~يتعمد أخطاء وخطاء، قال الشاعر: # دعيني إنما خطأ وصدا * علي وإنما أهلكت مالي PageV03P222 # والخطأ الاسم يقوم مقام الأخطاء، وفيه لغتان القصر، وهو الجيد، والمد وهو ~~قليل. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمز. قال النحاس: ولا ~~أعرف لهذه القراءة وجها، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطا. وقرأ الحسن " خطا " ~~بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز. ولما نهى سبحانه عن قتل الأولاد ~~المستدعى لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضى إلى ذلك لما فيه من ~~اختلاط الأنساب فقال (ولا تقربوا الزنى) وفى النهي عن قربانه بمباشرة ~~مقدماته نهى عنه بالأولى، فإن الوسيلة إلى الشئ إذا كانت حراما كان المتوسل ~~إليه حراما بفحوى الخطاب، والزنى ms2192 فيه لغتان: المد، والقصر. قال الشاعر: # * كانت فريضة ما تقول كما * كان الزناء فريضة الرجم ثم علل النهي عن ~~الزنا بقوله (إن كان فاحشة) أي قبيحا متبالغا في القبح مجاوزا للحد (وساء ~~سبيلا) أي بئس طريقا طريقه، وذلك لأنه يؤدي إلى النار، ولا خلاف في كونه من ~~كبائر الذنوب. وقد ورد في تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم، ولما ~~فرغ من ذكر النهي عن القتل لخصوص الأولاد وعن النهي عن الزنا الذي يفضي إلى ~~ما يفضى إليه قتل الأولاد من اختلاط الأنساب وعدم استقرارها نهى عن قتل ~~الأنفس المعصومة على العموم فقال (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق) والمراد بالتي حرم الله التي جعلها معصومة بعصمة الدين أو عصمة ~~العهد، والمراد بالحق الذي استثناه هو ما يباح به قتل الأنفس المعصومة في ~~الأصل، وذلك كالردة والزنا من المحصن، وكالقصاص من القاتل عمدا عدوانا وما ~~يلتحق بذلك والاستثناء مفرغ: أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب متلبس ~~بالحق أو إلا متلبسين بالحق، وقد تقدم الكلام في هذا في الأنعام. ثم بين ~~حكم بعض المقتولين بغير حق فقال (ومن قتل مظلوما) أي لا بسبب من الأسباب ~~المسوغة لقتله شرعا (فقد جعلنا لوليه سلطانا) أي لمن يلي أمره من ورثته إن ~~كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين، والسلطان التسلط على ~~القاتل إن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية، ثم لما بين إباحة القصاص ~~لمن هو مستحق لدم المقتول. أو ما هو عوض عن القصاص نهاه عن مجاوزة الحد ~~فقال (فلا يسرف في القتل) أي لا يجاوز ما أباحه الله له فيقتل بالواحد ~~اثنين أو جماعة، أو يمثل بالقاتل أو يعذبه. قرأ الجمهور " لا يسرف " بالياء ~~التحتية: أي الولي وقرأ حمزة والكسائي " تسرف " بالتاء الفوقية. وهو خطاب ~~للقاتل الأول، ونهى له عن القتل: أي فلا تسرف أيها القاتل بالقتل فإن عليك ~~القصاص مع ما عليك من عقوبة الله وسخطه ولعنته. وقال ابن ms2193 جرير: الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللأئمة من بعده: أي لا تقتل يا محمد غير ~~القاتل ولا يفعل ذلك الأئمة بعدك. وفى قراءة أبي " ولا تسرفوا " ثم علل ~~النهي عن السرف فقال (إنه كان منصورا) أي مؤيدا معانا: يعني الولي، فإن ~~الله سبحانه قد نصره بإثبات القصاص له بما أبرزه من الحجج، وأوضحه من ~~الأدلة، وأمر أهل الولايات بمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه، ويجوز أن ~~يكون الضمير راجعا إلى المقتول: أي إن الله نصره بوليه، قيل وهذه الآية من ~~أول ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ~~(إن تكونوا صالحين) قال: # تكون البادرة من الولد إلى الوالد، فقال الله: إن تكونوا صالحين إن تكن ~~النية صادقة (فإنه كان للأوابين غفورا) للبادرة التي بدرت منه. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عنه في قوله (إنه كان للأوابين غفورا) قال: # الرجاعين إلى الخير. وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن أبي حاتم والبيهقي ~~عن الضحاك في الآية قال: الرجاعين PageV03P223 # من الذنب إلى التوبة، ومن السيئات إلى الحسنات. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (للأوابين) قال: للمطيعين المحسنين. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عنه قال: للتوابين. # وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ~~(وآت ذا القربى حقه) قال: أمره بأحق الحقوق. وعلمه كيف يصنع إذا كان عنده، ~~وكيف يصنع إذا لم يكن عنده فقال (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ~~ترجوها) قال: إذا سألوك وليس عندك شئ انتظرت رزقا من الله (فقل لهم قولا ~~ميسورا) يكون إن شاء الله يكون شبه العدة. قال سفيان والعدة من النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم دين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية ~~قال: هو أن تصل ذا القرابة وتطعم المسكين وتحسن إلى ابن السبيل. وأخرج ابن ~~جرير ms2194 عن علي بن الحسن أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، ~~قال: فما قرأت في بني إسرائيل (وآت ذا القربى حقه) قال: وإنكم للقرابة التي ~~أمر الله أن يؤتى حقهم؟ قال نعم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية. ~~قال: والقربى قربى بني عبد المطلب. # وأقول: ليس في السياق ما يفيد هذا التخصيص: ولا دل على ذلك دليل. ومعنى ~~النظم القرآني واضح إن كان الخطاب مع كل من يصلح له من الأمة، لأن معناه ~~أمر كل مكلف متمكن من صلة قرابته بأن يعطيهم حقهم وهو الصلة التي أمر الله ~~بها. وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كان على وجه ~~التعريض لأمته فالأمر فيه كالأول، وإن كان خطابا له من دون تعريض. فأمته ~~أسوته، فالأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بإيتاء ذي القربى حقه أمر لكل ~~فرد من أفراد أمته، والظاهر أن هذا الخطاب ليس خاصا بالنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بدليل ما قبل هذه الآية، وهى قوله (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه) وما بعدها، وهى قوله - ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين -. # وفى معنى هذه الآية الدالة على وجوب صلة الرحم أحاديث كثيرة. وأخرج أحمد ~~والحاكم وصححه عن أنس " أن رجلا قال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل ~~وولد وحاضرة. فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ # قال: تخرج الزكاة المفروضة. فإنها طهرة تطهرك وتصل أقاربك وتعرف حق ~~السائل والجار والمسكين، فقال: # يا رسول الله أقلل لي؟ قال: فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا ~~تبذر تبذيرا. قال: حسبي يا رسول الله ". وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية (وآت ذا ~~القربى حقه) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فأعطاها فدك. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت (وآت ذا القربى حقه) أقطع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ms2195 وسلم فاطمة فدك. قال ابن كثير بعد أن ساق حديث أبي ~~سعيد هذا ما لفظه: وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده، لأن الآية مكية، وفدك ~~إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا انتهى. وأخرج ~~الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن ~~مسعود في قوله (ولا تبذر تبذيرا) قال: التبذير إنفاق المال في غير حقه. ~~وأخرج ابن جرير عنه قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن التبذير النفقة في غير ~~حقه. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (إن المبذرين) قال: هم الذين ينفقون ~~المال في غير حقه. وأخرج البيهقي في الشعب عن علي قال: ما أنفقت على نفسك ~~وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك ~~حظ الشيطان وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس PageV03P224 # في قوله (فقل لهم قولا ميسورا) قال: العدة. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~المنذر عن سيار أبي الحكم قال. # أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بر من العراق، وكان معطاء كريما ~~فقسمه بين الناس، فبلغ ذلك قوما من العرب، فقالوا: إنا نأتي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نسأله، فوجدوه قد فرغ منه، فأنزل الله (ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك) قال محبوسة (ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما) يلومك الناس ~~(محسورا) ليس بيدك شئ. أقول: ولا أدري كيف هذا؟ فالآية مكية، ولم يكن إذ ~~ذاك عرب يقصدون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يحمل إليه شئ من ~~العراق ولا مما هو أقرب منه. على أن فتح العراق لم يكن إلا بعد موته صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير عن المنهال بن عمرو " بعثت امرأة إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بابنها فقالت: قل ms2196 له اكسني ثوبا. فقال: ما ~~عندي شئ. فقالت: ارجع إليه فقل له اكسني قميصك. فرجع إليه فنزع قميصه ~~فأعطاها إياه، فنزلت (ولا تجعل يدك مغلولة) الآية ". وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن مسعود نحوه. # وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قال ~~لعائشة وضرب بيده: أنفقي ما على ظهر كفي، قالت: إذن لا يبقى شئ. قال ذلك ~~ثلاث مرات. فأنزل الله (ولا تجعل يدك مغلولة) الآية " ويقدح في ذلك أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يتزوج بعائشة إلا بعد الهجرة. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا تجعل يدك مغلولة) قال: يعني بذلك البخل. ~~وأخرجا عنه في الآية قال: هذا في النفقة يقول: # لا تجعلها مغلولة لا تبسطها بخير، ولا تبسطها كل البسط، يعني التبذير ~~(فتقعد ملوما). يلوم نفسه على ما فاته من ماله (محسورا) ذهب ماله كله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) ~~قال: ينظر له، فإن كان الغني خيرا له أغناه، وإن كان الفقر خيرا له أفقره، ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (خشية ~~إملاق) قال: مخافة الفقر والفاقة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله ~~(خطأ) قال: خطيئة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (ولا تقربوا الزنا) ~~قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن حدود. فجاءت بعد ذلك الحدود في سورة النور. ~~وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي بن كعب أنه قرأ " ولا تقربوا الزنا إنه ~~كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا - إلا من تاب فإن الله كان غفورا رحيما " فذكر ~~لعمر فأتاه فسأله، فقال: أخذتها من في رسول الله وليس لك عمل إلا الصفق ~~بالبقيع. وقد ورد في الترهيب عن فاحشة الزنا أحاديث كثيرة. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن الضحاك في قوله (ولا تقتلوا النفس) الآية قال: # هذا بمكة ونبي الله صلى الله عليه وآله ms2197 وسلم بها، وهو أول شئ نزل من ~~القرآن في شأن القتل، كان المشركون من أهل مكة يغتالون أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال الله: من قتلكم من المشركين، فلا يحملنكم قتله ~~إياكم على أن تقتلوا له أبا أو أخا أو واحدا من عشيرته وإن كانوا مشركين، ~~فلا تقتلوا إلا قاتلكم، وهذا قبل أن تنزل براءة، وقيل أن يؤمر بقتال ~~المشركين فذلك قوله (فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) يقول لا تقتل غير ~~قاتلك، وهى اليوم على ذلك الموضع من المسلمين لا يحل لهم أن يقتلوا إلا ~~قاتلهم. وأخرج البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم أن الناس في الجاهلية كانوا ~~إذا قتل الرجل من القوم رجلا لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلا شريفا إذا كان ~~قاتلهم غير شريف لم يقتلوا قاتلهم وقتلوا غيره، فوعظوا في ذلك بقول الله ~~سبحانه (ولا تقتلوا النفس) إلى قوله (فلا يسرف في القتل). وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله (ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا) قال: بينة من الله أنزلها يطلبها ولى المقتول القود أو ~~العقل، وذلك السلطان PageV03P225 # وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عنه (فلا يسرف في القتل) قال: لا يكثر ~~في القتل. وأخرج ابن المنذر من طريق أبي صالح عنه أيضا: لا يقاتل إلا قاتل ~~رحمه. # سورة الإسراء الآية (34 - 41) لما ذكر سبحانه النهي عن إتلاف النفوس ~~أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال، وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم ~~فقال (ولا تقربوا مال اليتيم) والنهي عن قربانه مبالغة في النهي عن ~~المباشرة له وإتلافه، ثم بين سبحانه أن النهي عن قربانه، ليس المراد منه ~~النهي عن مباشرته فيما يصلحه ويفسده بل يجوز لولي اليتيم أن يفعل في مال ~~اليتيم ما يصلحه، وذلك يستلزم مباشرته، فقال (إلا بالتي هي أحسن) أي إلا ~~بالخصلة التي هي أحسن الخصال، وهى حفظه وطلب الربح فيه والسعي فيما يريد ~~به. ثم ذكر الغاية التي للنهي ms2198 عن قربان مال اليتيم فقال (حتى يبلغ أشده) أي ~~لا تقربوه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ اليتيم أشده، فإذا بلغ أشده كان لكم ~~أن تدفعوه إليه، أو تتصرفوا فيه بإذنه، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في ~~الأنعام (وأوفوا بالعهد) قد مضى الكلام فيه في غير موضع. قال الزجاج: كل ما ~~أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد، فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه، وما ~~بين العباد بعضهم البعض. والوفاء بالعهد هو القيام يحفظه على الوجه الشرعي ~~والقانون المرضي، إلا إذا دل دليل خاص على جواز النقض (إن العهد كان ~~مسؤولا) أي مسؤولا عنه، فالمسئول هنا هو صاحبه، وقيل إن العهد يسأل تبكيتا ~~لناقضه (وأوفوا الكيل إذا كلتم) أي أتموا الكيل ولا تخسروه وقت كيلكم للناس ~~(وزنوا بالقسطاس المستقيم) قال الزجاج: هو ميزان العدل: أي ميزان كان من ~~موازين الدراهم وغيرها، وفيه لغتان: ضم القاف، وكسرها - وقيل هو القبان ~~المسمى بالقرسطون، وقيل هو العدل نفسه، وهى لغة الروم، وقيل لغة سريانية. ~~وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر القسطاس ~~بضم القاف. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر القاف. والإشارة بقوله ~~(ذلك) إلى إيفاء الكيل والوزن، وهو مبتدأ وخبره (خير) أي خير لكم ~~PageV03P226 # عند الله وعند الناس يتأثر عنه حسن الذكر وترغيب الناس في معاملة من كان ~~كذلك (وأحسن تأويلا) أي أحسن عاقبة، من آل إذا رجع. ثم أمر سبحانه بإصلاح ~~اللسان والقلب فقال (ولا تقف ما ليس لك به علم) أي لا تتبع ما لا تعلم، من ~~قولك قفوت فلانا إذا اتبعت أثره. ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، ومنه ~~القبيلة المشهورة بالقافة لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس. وحكى ابن جرير عن ~~فرقة أنها قالت: قفا وقاف مثل عثا وعاث. قال منذر بن سعيد البلوطي: قفا ~~وقاف، مثل جذب وجبذ. وحكى الكسائي عن بعض القراء أنه قرأ " تقف " بضم القاف ~~وسكون الفاء. وقرأ الفراء بفتح القاف وهى لغة لبعض ms2199 العرب. وأنكرها أبو حاتم ~~وغيره. ومعنى الآية: # النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به. وهذه ~~قضية كلية، وقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور: فقيل لا تذم أحدا بما ~~ليس لك به علم، وقيل هي في شهادة الزور، وقيل هي في القذف. وقال القتيبي: ~~معنى الآية: لا تتبع الحدس والظنون. وهذا صواب، فإن ما عدا ذلك هو العلم، ~~وقيل المراد بالعلم هنا هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند قطعيا كان أو ~~ظنيا. قال أبو السعود في تفسيره: واستعماله بهذا المعنى مما لا ينكر شيوعه. ~~وأقول: إن هذه الآية قد دلت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم، ولكنها عامة ~~مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن كالعمل بالعام وبخبر الواحد ~~والعمل بالشهادة والاجتهاد في القبلة وفى جزاء الصيد ونحو ذلك، فلا تخرج من ~~عمومها ومن عموم - إن الظن لا يغني من الحق شيئا - إلا ما قام دليل جواز ~~العمل به، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان لعدم وجود الدليل في الكتاب ~~والسنة، فقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لمعاذ لما بعثه قاضيا " بم تقضى؟ قال بكتاب الله، قال: فإن ~~لم تجد. قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي " وهو ~~حديث صالح للاحتجاج به كما أوضحنا ذلك في بحث مفرد. وأما التوثب على الرأي ~~مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة، ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء ~~برأيه فهو داخل تحت هذا النهى دخولا أوليا، لأنه محض رأى في شرع الله، ~~وبالناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وبسنة رسوله الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولم تدع إليه حاجة، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل إنما ~~هو رخصة للمجتهد يجوز له أن يعمل به، ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره ~~العمل به وينزله منزلة مسائل الشرع. وبهذا يتضح لك أتم اتضاح ويظهر لك ms2200 أكمل ~~ظهور أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شئ. ~~والعامل بها على شفا جرف هار، فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفا ما ليس له ~~به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ~~ولا لمن قلده - ظلمات بعضها فوق بعض - وقد قيل إن هذه الآية خاصة بالعقائد ~~ولا دليل على ذلك أصلا. ثم علل سبحانه النهى عن العمل بما ليس يعلم بقوله ~~(إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) إشارة إلى الأعضاء ~~الثلاثة، وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على ~~أصحابها. وقال الزجاج: إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك. وأنشد ~~ابن جرير مستدلا على جواز هذا قول الشاعر: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام واعترض بأن ~~الرواية بعد أولئك الأقوام. وتبعه غيره على هذا الخطأ كصاحب الكشاف. ~~والضمير في كان من قوله (كان عنه مسؤولا) يرجع إلى كل. وكذا الضمير في عنه، ~~وقيل الضمير في كان يعود إلى القافي المدلول عليه بقوله (ولا تقف). وقوله " ~~عنه " في محل رفع لإسناد مسؤولا إليه. ورد بما حكاه النحاس من الإجماع على ~~عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جارا أو مجرورا. قيل والأولى أن ~~يقال إنه فاعل مسؤولا المحذوف، PageV03P227 # والمذكور مفسر له. ومعنى سؤال هذه الجوارح أنه يسأل صاحبها عما استعملها ~~فيه لأنها آلات، والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخير ~~استحق الثواب، وإن استعملها في الشر استحق العقاب. وقيل إن الله سبحانه ~~ينطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما فعله صاحبها (ولا تمش في الأرض ~~مرحا) المرح: قيل هو شدة الفرح، وقيل التكبر في المشي، وقيل تجاوز الإنسان ~~قدره. وقيل الخيلاء في المشي، وقيل البطر والأشر وقيل النشاط. والظاهر أن ~~المراد به هنا الخيلاء والفخر، قال الزجاج في تفسير الآية: لا تمش في الأرض ~~مختالا فخورا، وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو ms2201 على ما هو ~~معتمد عليها تأكيدا وتقريرا، ولقد أحسن من قال: # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا * فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عز ~~وحرز ومنعة * فكم مات من قوم هم منك أمنع والمرح مصدر وقع حالا: أي ذا مرح، ~~وفى وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد. وقرأ الجمهور " مرحا " بفتح الراء ~~على المصدر. وحكى يعقوب عن جماعة كسرها على أنه اسم فاعل، ثم علل سبحانه ~~هذا النهى فقال (إنك لن تخرق الأرض) يقال خرق الثوب: أي شقه، وخرق الأرض ~~قطعها، والخرق الواسع من الأرض، والمعنى: # أنك لن تخرق الأرض بمشيك عليها تكبرا، وفيه تهكم بالمختال المتكبر (ولن ~~تبلغ الجبال طولا) أي ولن تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون عظم ~~جئتك حاملا لك على الكبر والاختيال. فلا قوة لك حتى تخرق الأرض بالمشي ~~عليها، ولا عظم في بدنك حتى تطاول الجبال. فما الحامل لك على ما أنت فيه؟ ~~وطولا مصدر في موضع الحال أو تمييز أو مفعول له. وقيل المراد بخرق الأرض ~~نقبها لا قطعها بالمسافة. وقال الأزهري: خرقها قطعها. # قال النحاس: وهذا أبين كأنه مأخوذ من الخرق، وهو الفتحة الواسعة، ويقال ~~فلان أخرق من فلان: أي أكثر سفرا، والإشارة بقوله (كل ذلك) إلى جميع ما ~~تقدم ذكره من الأوامر والنواهي، أو إلى ما نهى عنه فقط من قوله (ولا تقف - ~~ولا تمش) قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ومسروق " سيئه " على إضافة سئ ~~إلى الضمير ويؤيد هذه القراءة قوله (مكروها) فإن السئ هو المكروه، ويؤيدها ~~أيضا قراءة أبي: كان سيئاته. واختار هذه القراءة أبو عبيد. وقرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو سيئة على أنها واحدة السيئات، وانتصابها على خبرية كان، ~~ويكون مكروها صفة لسيئة على المعنى، فإنها بمعنى سيئا، أو هو بدل من سيئة، ~~وقيل هو خبر ثان لكان حملا على لفظ كل ورجح أبو علي الفارسي البدل، وقد قيل ~~في توجيهه بغير هذا مما فيه تعسف لا يخفى. قال الزجاج: والإضافة أحسن، لأن ms2202 ~~ما تقدم من الآيات فيها سيئ وحسن، فسيئه المكروه ويقوى ذلك التذكير في ~~المكروه، قال: # ومن قرأ بالتنوين جعل " كل ذلك " إحاطة بالمنهي عنه دون الحسن. المعنى: ~~كل ما نهى الله عنه كان سيئة وكان مكروها، قال: والمكروه على هذه القراءة ~~بدل من السيئة وليس بنعت، والمراد بالمكروه عند الله هو الذي يبغضه ولا ~~يرضاه، لا أنه غير مراد مطلقا، لقيام الأدلة القاطعة على أن الأشياء واقعة ~~بإرادته سبحانه. وذكر مطلق الكراهة مع أن في الأشياء المتقدمة ما هو من ~~الكبائر إشعارا بأن مجرد الكراهة عنده تعالى يوجب انزجار السامع واجتنابه ~~لذلك. والحاصل أن في الخصال المتقدمة ما هو حسن وهو المأمور به. وما هو ~~مكروه وهو المنهى عنه. # فعلى قراءة الإضافة تكون الإشارة بقوله (كل ذلك) إلى جميع الخصال حسنها ~~ومكروهها، ثم الإخبار بأن ما هو سيئ من هذه الأشياء وهو المنهي عنه مكروه ~~عند الله، وعلى قراءة الإفراد من دون إضافة تكون الإشارة إلى المنهيات، ثم ~~الإخبار عن هذه المنهيات بأنها سيئة مكروهة عند الله (ذلك مما أوحى إليك ~~ربك من الحكمة) الإشارة PageV03P228 # إلى ما تقدم ذكره من قوله (لا تجعل) إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة ~~وعشرين تكليفا. (مما أوحى إليك ربك): # أي من جنسه أو بعض منه. وسمى حكمة لأنه كلام محكم، وهو ما علمه من ~~الشرائع أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها الفساد. وعند الحكماء ~~أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته. و " من الحكمة " متعلق بمحذوف وقع ~~حالا أي كائنا من الحكمة، أو بدل من الموصول بإعادة الجار. أو متعلق بأوحى ~~(ولا تجعل مع الله إلها آخر) كرر سبحانه النهى عن الشرك تأكيدا وتقريرا ~~وتنبيها على أنه رأس خصال الدين وعمدته. قيل وقد راعى سبحانه في هذا ~~التأكيد دقيقة فرتب على الأول كونه مذموما مخذولا، وذلك إشارة إلى حال ~~الشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى (في جهنم ملوما مدحورا) وذلك ~~إشارة إلى حاله في الآخرة، وفى القعود هناك، والإلقاء هنا ms2203 إشارة إلى أن ~~للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة. وقد تقدم تفسير الملوم ~~والمدحور (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا) قال أبو عبيدة: ~~أصفاكم خصكم، وقال الفضل: أخلصكم، وهو خطاب للكفار القائلين بأن الملائكة ~~بنات الله. وفيه توبيخ شديد وتقريع بالغ لما كان يقوله هؤلاء الذين هم ~~كالأنعام بل هم أضل، والفاء للعطف على مقدر كنظائره مما قد كررناه. (إنكم ~~لتقولون) يعنى القائلين بأن لهم الذكور ولله الإناث (قولا عظيما) بالغا في ~~العظم والجراءة على الله إلى مكان لا يقادر قدره (ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن) أي بينا ضروب القول فيه من الأمثال وغيرها. أو كررنا فيه، وقيل " ~~في " زائدة والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن والتصريف في الأصل صرف الشئ من ~~جهة إلى جهة، وقيل معنى التصريف المغايرة: أي غايرنا بين المواعظ ليتذكروا ~~ويعتبروا، وقراءة الجمهور صرفنا بالتشديد، وقرأ الحسن بالتخفيف ثم علل ~~تعالى ذلك فقال (ليذكروا) أي ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا فيه حتى ~~يقفوا على بطلان ما يقولونه. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي ~~ليذكروا مخففا، والباقون بالتشديد. واختارها أبو عبيد لما تفيده من معنى ~~التكثير، وجملة (وما يزيدهم إلا نفورا) في محل نصب على الحال: أي والحال أن ~~هذا التصريف والتذكير ما يزيدهم إلا تباعدا عن الحق وغفلة عن النظر في ~~الصواب لأنهم قد اعتقدوا في القرآن أنه حيلة وسحر وكهانة وشعر، وهم لا ~~ينزعون عن هذه الغواية ولا وازع لهم يزعهم إلى الهداية. # وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله (ولا تقربوا مال اليتيم) قال: كانوا ~~لا يخالطونهم في مال ولا مأكل ولا مركب حتى نزلت - وإن تخالطوهم فإخوانكم ~~-. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (إن العهد كان مسؤولا) قال: ~~يسأل الله ناقض العهد عن نقضه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: ~~يسأل عهده من أعطاه إياه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ~~(وأوفوا الكيل إذا كلتم) يعنى لغيركم (وزنوا بالقسطاس) يعنى ms2204 الميزان. وبلغة ~~الروم الميزان القسطاس (ذلك خير) يعنى وفاء الكيل والميزان خير من النقصان ~~(وأحسن تأويلا) عاقبة. وأخرج ابن أبي شيبة والفريابي وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القسطاس العدل بالرومية. ~~وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: القسطاس القبان. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال: الحديد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~تقف) قال: # لا تقل. وأخرج ابن جرير عنه قال: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية في الآية قال: شهادة ~~الزور. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسؤولا) يقول: سمعه وبصره وفؤاده تشهد عليه. وأخرج الفريابي ~~عن ابن عباس في قوله (كل أولئك كان عنه مسؤولا) قال: يوم القيامة أكذلك كان ~~أم لا؟ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن PageV03P229 # قتادة في قوله (ولا تمش في الأرض مرحا) قال: لا تمش فخرا وكبرا، فإن ذلك ~~لا يبلغ بك الجبال ولا أن تخرق الأرض بفخرك وكبرك. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس قال: إن التوراة في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا (ولا تجعل مع ~~الله إلها آخر). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (مدحورا) قال: مطرودا: # سورة الإسراء الآية (42 - 48) قوله (قل لو كان معه آلهة كما تقولون) قرأ ~~ابن كثير وحفص يقولون بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب ~~للقائلين بأن مع الله آلهة أخرى، وإذن جواب عن مقالتهم الباطلة وجزاء للو ~~(لابتغوا إلى ذي العرش) وهو الله سبحانه (سبيلا) طريقا للمغالبة والممانعة ~~كما تفعل الملوك مع بعضهم البعض من المقاتلة والمصاولة، وقيل معناه: إذن ~~لابتغت الآلهة إلى الله القربة والزلفة عنده، لأنهم دونه، والمشركون إنما ~~اعتقدوا أنها تقربهم إلى الله: # والظاهر المعنى الأول، ومثل معناه ms2205 قوله سبحانه - لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا - ثم نزه تعالى نفسه، فقال (سبحانه) والتسبيح التنزيه، وقد ~~تقدم (وتعالى) متباعد (عما يقولون) من الأقوال الشنيعة والفرية العظيمة ~~(علوا) أي تعاليا، ولكنه وضع العلو موضع التعالي كقوله - والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا - ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة، وتنبيها على أن بين ~~الواجب لذاته والممكن لذاته. وبين الغنى المطلق، والفقير المطلق مباينة لا ~~تعقل الزيادة عليها. ثم بين سبحانه جلالة ملكه وعظمة سلطانه فقال (يسبح له ~~السماوات السبع والأرض ومن فيهن) قرئ بالمثناة التحتية في يسبح وبالفوقية، ~~وقال " فيهن " بضمير العقلاء لإسناده إليها التسبيح الذي هو فعل العقلاء، ~~وقد أخبر سبحانه عن السماوات والأرض بأنها تسبحه. وكذلك من فيها من ~~مخلوقاته الذين لهم عقول وهم الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأشياء التي ~~لا تعقل، ثم زاد ذلك تعميما وتأكيدا فقال (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) فشمل ~~كل ما يسمى شيئا كائنا ما كان. وقيل إنه يحمل قوله (ومن فيهن) على الملائكة ~~والثقلين، ويحمل (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) على ما عدا ذلك من المخلوقات. # وقد اختلف أهل العلم في هذا العموم هل هو مخصوص أم لا؟ فقالت طائفة: ليس ~~بمخصوص، وحملوا التسبيح على تسبيح الدلالة لأن كل مخلوق يشهد على نفسه ويدل ~~غيره بأن الله خالق قادر. وقالت طائفة: هذا PageV03P230 # التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره. والمراد أن كل المخلوقات تسبح لله ~~سبحانه هذا التسبيح الذي معناه التنزيه وإن كان البشر لا يسمعون ذلك ولا ~~يفهمونه، ويؤيد هذا قوله سبحانه (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) فإنه لو كان ~~المراد تسبيح الدلالة لكان أمرا مفهوما لكل أحد. وأجيب بأن المراد بقوله لا ~~تفقهون الكفار الذين يعرضون عن الاعتبار. وقالت طائفة: إن هذا العموم مخصوص ~~بالملائكة والثقلين دون الجمادات، وقيل خاص بالأجسام النامية فيدخل ~~النباتات، كما روى هذا القول عن عكرمة والحسن وخصا تسبيح النباتات بوقت ~~نموها لا بعد قطعها وقد استدل لذلك بحديث " أن النبي صلى الله عليه وآله ms2206 ~~وسلم مر على قبرين " وفيه " ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين، وقال: إنه يخفف ~~عنهما ما لم ييبسا " ويؤيد حمل الآية على العموم قوله - إنا سخرنا الجبال ~~معه يسبحن بالعشي والإشراق - وقوله - وإن منها لما يهبط من خشية الله -، ~~وقوله - وتخر الجبال هدا - ونحو ذلك من الآيات، وثبت في الصحيح أنهم كانوا ~~يسمعون تسبيح الطعام، وهم يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وهكذا حديث حنين الجذع، وحديث أن حجرا بمكة كان يسلم على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكلها في الصحيح ومن ذلك تسبيح الحصى في كفه صلى الله عليه ~~وآله وسلم. ومدافعه عموم هذه الآية بمجرد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن ~~بالله سبحانه ويؤمن بما جاء من عنده، ومعنى " إلا يسبح بحمده " إلا يسبح ~~متلبسا بحمده (ولكن لا تفقهون تسبيحهم). قرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وحفص ~~وحمزة والكسائي وخلف " تسبح " بالمثناة الفوقية على الخطاب، وقرأ الباقون ~~بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد (إنه كان حليما غفورا) فمن حلمه ~~الإمهال لكم وعدم إنزال عقوبته عليكم، ومن مغفرته لكم أنه لا يؤاخذ من تاب ~~منكم. ولما فرغ سبحانه من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن وما يقع ~~من سامعيه فقال (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا) جعلنا بينك يا محمد وبين المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا: أي إنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب يمرون ~~بك ولا يرونك، ذكر معناه الزجاج وغيره، ومعنى مستورا ساتر. قال الأخفش: ~~أراد ساترا، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: إنك لمشئوم وميمون، ~~وإنما هو شائم ويامن، وقيل معنى مستورا ذا ستر، كقولهم سيل مفعم: أي ذو ~~إفعام، وقيل هو حجاب لا تراه الأعين فهو مستور عنها، وقيل حجاب من دونه ~~حجاب فهو مستور بغيره، وقيل المراد بالحجاب المستور الطبع والختم (وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة) الأكنة: جمع كنان. وقد تقدم تفسيره في الأنعام، وقيل هو ~~حكاية لما كانوا ms2207 يقولونه من قولهم - قلوبنا غلف - وفى آذاننا وقر ومن بيننا ~~وبينك حجاب - و (أن يفقهوه) مفعول لأجله: أي كراهة أن يفقهوه، أو لئلا ~~يفقهوه: أي يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني (وفى آذانهم ~~وقرا) أي صمما وثقلا، وفى الكلام حذف، والتقدير: إن يسمعوه. ومن قبائح ~~المشركين أنهم كانوا يحبون أن يذكر آلهتهم كما يذكر الله سبحانه فإذا سمعوا ~~ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس، ولهذا قال الله (وإذا ذكرت ربك ~~في القرآن وحده) أي واحدا غير مشفوع بذكر آلهتهم. فهو مصدر وقع موقع الحال ~~(ولوا على أدبارهم نفورا) هو مصدر، والتقدير: هربوا نفورا. أو نفروا نفورا، ~~وقيل جمع نافر كقاعد وقعود. والأول أولى. ويكون المصدر في موضع الحال: أي ~~ولوا نافرين (نحن أعلم بما يستمعون به) أي يستمعون إليك متلبسين به من ~~الاستخفاف بك وبالقرآن واللغو في ذكرك لربك وحده وقيل الباء زائدة والظرف ~~في (إذ يستمعون إليك) متعلق بأعلم: أي نحن أعلم وقت يستمعون إليك بما ~~يستمعون به، وفيه تأكيد للوعيد، وقوله (وإذ هم نجوى) متعلق بأعلم أيضا: # أي ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم وقت تناجيهم، وقد كانوا يتناجون ~~بينهم بالتكذيب والاستهزاء، PageV03P231 # يقول) بدل من " إذ هم نجوى ". (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) أي يقول كل ~~منهم للآخرين عند تناجيهم: # ما تتبعون إلا رجلا سحر فاختلط عقله وزال عن حد الاعتدال. قال ابن ~~الأعرابي: المسحور الذاهب العقل الذي أفسد من قولهم طعام مسحور إذا أفسد ~~عمله، وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها. وقيل المسحور ~~المخدوع، لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأنهم زعموا أن محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يتعلم من بعض الناس. وكانوا يخدعونه بذلك التعليم. وقال أبو ~~عبيدة: معنى مسحورا أن له سحرا: أي رئة. فهو لا يستغني عن الطعام والشراب ~~فهو مثلكم. وتقول العرب للجبان: قد انتفخ سحره، وكل من كان يأكل من آدمي أو ~~غيره مسحور. ومنه قول امرئ القيس: # أرانا موضعين لأمر غيب * ونسحر ms2208 بالطعام وبالشراب أي نغذي ونعلل. قال ابن ~~قتيبة: لا أدرى ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه ~~بالوجوه الواضحة (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) أي قالوا تارة إنك كاهن وتارة ~~ساحر، وتارة شاعر، وتارة مجنون (فضلوا) عن طريق الصواب في جميع ذلك (فلا ~~يستطيعون سبيلا) إلى الهدى أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له ~~لا أصل الطعن، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه، وقيل لا يستطيعون مخرجا لتناقض ~~كلامهم كقولهم: ساحر مجنون. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (إذن لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا) قال: على أن يزيلوا ملكه. # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن قرط " أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ليلة أسرى به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن يمينه ~~وميكائيل عن يساره. فطارا به حتى بلغ السماوات العلى، فلما رجع قال: سمعت ~~تسبيحا من السماوات العلى مع تسبيح كثير سبحت السماوات العلى من ذي المهابة ~~مشفقات لذي العلو بما علا. سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ". وأخرج ابن ~~مردويه عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو جالس مع ~~أصحابه إذ سمع هدة فقال: أطت السماء ويحقها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما ~~فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح بحمده ". وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ألا أخبركم بشئ أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا قال لابنه: يا بنى ~~آمرك أن تقول سبحان الله، فإنها صلاة الخلائق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق ~~الخلق " قال الله تعالى (وإن من شئ إلا يسبح بحمده). وأخرج أحمد وابن ~~مردويه من حديث ابن عمر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: " ما ~~من عبد سبح تسبيحة إلا سبح ما خلق الله من ms2209 شئ " قال الله (وإن من شئ إلا ~~يسبح بحمده) قال ابن كثير إسناده فيه ضعف، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قرصت نملة نبيا من ~~الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت ~~أمة من الأمم تسبح ". وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمرو ~~قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع وقال: نقيقها ~~تسبيح ". وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وإن ~~من شئ إلا يسبح بحمده) قال: الزرع يسبح وأجره لصاحبه والثوب يسبح ويقول ~~الوسخ إن كنت مؤمنا فاغسلني إذن. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: كل شئ يسبح إلا ~~الكلب والحمار. وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال: أتى أبو بكر ~~بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحيه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضد من ~~شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح. وأخرجه أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن ميمون ~~بن مهران قال: أتى أبو بكر الصديق فذكره من قوله غير مرفوع. وأخرجه أبو ~~نعيم PageV03P232 # في الحلية وابن مردويه من حديث أبي هريرة بنحوه، وأخرج ابن مردويه من ~~حديث ابن مسعود بمعنى بعضه. وأخرج أبو الشيخ من حديث أبي الدرداء بمعناه. ~~وأخرج ابن عساكر من حديث أبي رهم نحوه. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: هذه ~~الآية في التوراة كقدر ألف آية (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) قال: في التوراة ~~تسبح له الجبال ويسبح له الشجر، ويسبح له كذا ويسبح له كذا. وأخرج أحمد ~~وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: صلى داود ليلة حتى أصبح، فلما أصبح وجد في ~~نفسه سرورا فنادته ضفدعة يا داود كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاء. وأخرج ~~البيهقي في الشعب عن صدقة بن يسار قال: كان داود في محرابه فأبصر دودة ~~صغيرة ففكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله فقالت: يا ms2210 ~~داود أتعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك على ~~ما آتاك الله. قال الله (وإن من شئ إلا يسبح بحمده). وفى الباب أحاديث ~~وروايات عن السلف فيها التصريح بتسبيح جميع المخلوقات. وأخرج أبو يعلى وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أسماء بنت أبي ~~بكر قال: لما نزلت - تبت يدا أبى لهب - أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة، ~~وفى يدها فهر وهى تقول: # مذمما أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا * ورسول الله جالس وأبو بكر إلى ~~جنبه، فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: إنها لن ~~تراني، وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) فجاءت حتى قامت على أبى بكر ~~فلم تر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا أبا بكر بلغني أن صاحبك ~~هجاني، فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فانصرفت وهى تقول: قد علمت ~~قريش أني بنت سيدها، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن ~~يفقهوه وأن ينتفعوا به أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن زهير بن محمد في الآية قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا قراءته ولا يرونه. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ولوا على أدبارهم ~~نفورا) قال: الشياطين. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله (إذ يستمعون إليك) ~~قال: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل. # سورة الإسراء الآية (49 - 55) PageV03P233 # لما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النبوات حكى شبهتهم في أمر المعاد ~~فقال (فقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا) والاستفهام للاستنكار والاستبعاد. ~~وتقرير الشبهة ms2211 أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب ~~العالم، واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها ~~بأعيانها، ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع، فأجاب سبحانه عنهم بأن إعادة بدن ~~الميت إلى حال الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شئ من ~~الحياة ومن رطوبة الحي كالحجارة والحديد. فهو كقول القائل: أتطمع في وأنا ~~ابن فلان، فيقول كن ابن السلطان أو ابن من شئت فسأطلب منك حقي. والرفات: ما ~~تكسر وبلى من كل شئ كالفتات والحطام والرضاض قاله أبو عبيدة والكسائي ~~والفراء والأخفش، تقول منه: رفت الشئ رفتا: أي حطم فهو مرفوت وقيل الرفات ~~الغبار، وقيل التراب (أإنا لمبعوثون خلقا جديدا) كرر الاستفهام الدال على ~~الاستنكار والاستبعاد تأكيدا وتقريرا، والعامل في إذا هو ما دل عليه ~~لمبعوثون، لا هو نفسه. لأن ما بعد إن والهمزة واللام لا يعمل فيما قبلها، ~~والتقدير: أإذا كنا عظاما ورفاتا نبعث أإنا لمبعوثون. وانتصاب خلقا على ~~المصدرية من غير لفظه، أو على الحال: أي مخلوقين، وجديدا صفة له (قل كونوا ~~حجارة أو حديدا أو خلقا) آخر (مما يكبر في صدوركم) قال ابن جرير: معناه إن ~~عجبتم من إنشاء الله لكم عظاما ولحما فكونوا أنتم حجارة أو حديدا إن قدرتم ~~على ذلك، وقال علي بن عيسى: معناه إنكم لو كنتم حجارة أو حديدا لم تفوتوا ~~الله عز وجل إذا أرادكم. إلا أنه خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ في الإلزام، ~~وقيل معناه: لو كنتم حجارة أو حديدا لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم ~~قال النحاس: وهذا قول حسن، لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة أو حديدا، ~~وإنما المعنى أنهم قد أقروا بخالقهم وأنكروا البعث، فقيل لهم استشعروا أن ~~تكونوا ما شئتم، فلو كنتم حجارة أو حديدا لبعثتم كما خلقتم أول مرة. قلت: ~~وعلى هذا الوجه قررنا جواب الشبهة قبل هذا (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) أي ~~يعظم عندكم مما هو أكبر من الحجارة والحديد مباينة للحياة فإنكم مبعوثون لا ms2212 ~~محالة، وقيل المراد به السماوات والأرض والجبال لعظمها في النفوس. وقال ~~جماعة من الصحابة والتابعين: المراد به الموت، لأنه ليس شئ أكبر في نفس ابن ~~آدم منه. والمعنى: لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم بعثكم، ولا يخفى ما في ~~هذا من البعد. فإن معنى الآية الترقي من الحجارة إلى الحديد، ثم من الحديد ~~إلى ما هو أكبر في صدور القوم منه، والموت نفسه ليس بشئ يعقل ويحس حتى يقع ~~الترقي من الحديد إليه (فسيقولون من يعيدنا) إذا كنا عظاما ورفاتا، أو ~~حجارة أو حديدا مع ما بين الحالتين من التفاوت (قل الذي فطركم أول مرة) أي ~~يعيدكم الذي خلقكم واخترعكم عند ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة ~~متقدمة (فسينغضون إليك رؤوسهم) أي يحركونها استهزاء، يقال نغض رأسه ينغض ~~وينغض وينغض نغضا ونغوضا: أي تحرك، وأنغض رأسه حركه كالمتعجب، ومنه قول ~~الراجز: # * أنغض نحوي رأسه وأقنعا * وقول الراجز الآخر: * ونغضت من هرم أسنانها * ~~وقال آخر: * لما رأتني أنغضت لي رأسها * (ويقولون متى هو) أي البعث ~~والإعادة استهزاء منهم وسخرية (قل عسى أن يكون قريبا) أي هو قريب، لأن عسى ~~في كلام الله واجب الوقوع، ومثله - وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا - وكل ~~ما هو آت قريب (يوم يدعوكم) الظرف منتصب بفعل مضمر: # أي أذكر، أو بدل من قريبا، أو التقدير: يوم يدعوكم كان ما كان، الدعاء ~~النداء إلى المحشر بكلام يسمعه الخلائق، وقيل هو الصيحة التي تسمعونها، ~~فتكون داعية لهم إلى الاجتماع في أرض المحشر (فتستجيبون بحمده) أي منقادين ~~له حامدين لما فعله بكم فهو في محل نصب على الحال. وقيل المعنى: فتستجيبون ~~والحمد لله كما قال الشاعر: PageV03P234 # وإني بحمد الله لا ثوب فاخر * لبست ولا من غدرة أتقنع وقد روى أن الكفار ~~عند خروجهم من قبورهم يقولون: سبحانك وبحمدك، وقيل المراد بالدعاء هنا ~~البعث وبالاستجابة أنهم يبعثون، فالمعنى: يوم يبعثكم فتبعثون منقادين ~~(وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) أي تظنون عند البعث أنكم ما لبثتم في قبوركم ~~إلا زمنا ms2213 قليلا، وقيل بين النفختين، وذلك أن العذاب يكف عن المعذبين بين ~~النفختين، وذلك أربعون عاما ينامون فيها، فلذلك - قالوا من بعثنا من مرقدنا ~~-. وقيل إن الدنيا تحقرت في أعينهم وقلت حين رأوا يوم القيامة، فقالوا هذه ~~المقالة (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) أي قل يا محمد لعبادي المؤمنين ~~إنهم يقولون عند محاورتهم للمشركين الكلمة التي هي أحسن من غيرها من الكلام ~~الحسن كقوله سبحانه - ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - وقوله - ~~فقولا له قولا لينا - لأن المخاشنة لهم ربما تنفرهم عن الإجابة أو تؤدي إلى ~~ما قال سبحانه - ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم - وهذا كان قبل نزول آية السيف، وقيل المعنى: قل لهم يأمروا بما أمر ~~الله وينهوا عما نهى عنه، وقيل هذه الآية للمؤمنين فيما بينهم خاصة، والأول ~~أولى كما يشهد به السبب الذي سنذكره إن شاء الله (إن الشيطان ينزغ بينهم) ~~أي بالفساد وإلقاء العداوة والإغراء. قال اليزيدي: يقال نزغ بيننا: أي ~~أفسد. وقال غيره: النزغ الإغراء (إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا) أي ~~متظاهرا بالعداوة مكاشفا بها، وهو تعليل لما قبله، وقد تقدم مثل هذا في ~~البقرة (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم) قيل هذا خطاب ~~للمشركين. والمعنى: إن يشأ يوفقكم للإسلام فيرحمكم أو يميتكم عن الشرك ~~فيعذبكم، وقيل هو خطاب للمؤمنين: أي إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من الكفار، ~~أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم، وقيل إن هذا تفسير للكلمة التي هي أحسن ~~(وما أرسلناك عليهم وكيلا) أي ما وكلناك في منعهم من الكفر، وقسرهم على ~~الإيمان، وقيل: ما جعلناك كفيلا لهم تؤخذ بهم، ومنه قول الشاعر: # ذكرت أبا أروى فبت كأنني * برد الأمور الماضيات وكيل أي كفيل (وربك أعلم ~~بمن في السماوات والأرض) أعلم بهم ذاتا وحالا واستحقاقا، وهو أعم من قوله - ~~ربكم أعلم بكم - لأن هذا يشمل كل ما في السماوات والأرض من مخلوقاته. وذاك ~~خاص ببني آدم أو ببعضهم، ms2214 وهذا كالتوطئة لقوله (ولقد فضلنا بعض النبيين على ~~بعض) أي أن هذا التفضيل عن علم منه بمن هو أعلى رتبة وبمن دونه، وبمن يستحق ~~مزيد الخصوصية بتكثير فضائله وفواضله. وقد تقدم هذا في البقرة. وقد اتخذ ~~الله إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وجعل عيسى كلمته وروحه. وجعل لسليمان ~~ملكا عظيما، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وجعله سيد ولد آدم، وفى ~~هذه الآية دفع لما كان ينكره الكفار مما يحكيه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من ارتفع درجته عند ربه عز وجل، ثم ذكر ما فضل به داود. فقال ~~(وآتينا داود زبورا) أي كتابا مزبورا. قال الزجاج: أي فلا تنكروا تفضيل ~~محمد وإعطاءه القرآن فقد أعطى الله داود زبورا. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(ورفاتا) قال: غبارا. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (ورفاتا) قال: ترابا، وفى قوله (قل كونوا حجارة أو حديدا) قال: ما ~~شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله كما كنتم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله ابن ~~أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر في ~~قوله (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) قال: الموت، لو كنتم موتا لأحييتكم. ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير والحاكم عن ابن عباس ~~مثله. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن مثله أيضا. وأخرج عبد الله بن ~~أحمد وابن جرير وابن المنذر عن PageV03P235 # سعيد بن جبير نحوه، وزاد قال فكونوا الموت إن استطعتم فإن الموت سيموت، ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فسينغضون ~~إليك رؤوسهم) قال: سيحركونها استهزاء. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله ~~(ويقولون متى هو) قال: الإعادة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (فتستجيبون بحمده) قال: بأمره. وأخرج عبد ~~بن حميد ms2215 وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: يخرجون ~~من قبورهم وهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن قتادة (فتستجيبون بحمده) قال: بمعرفته وطاعته (وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا) أي في الدنيا تحاقرت الدنيا في أنفسهم، وقلت حين عاينوا يوم ~~القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين في قوله (وقل لعبادي يقولوا التي ~~هي أحسن) قال: لا إله إلا الله. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية ~~قال: # يعفو عن السيئة. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: يقول له يرحمك الله يغفر ~~الله لك. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: نزغ الشيطان تحريشه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وآتينا داود زبورا) قال: كنا نحدث ~~أنه دعاء علمه داود وتحميد وتمجيد لله عز وجل ليس فيه حلال ولا حرام ولا ~~فرائض ولا حدود وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: الزبور ثناء على ~~الله ودعاء وتسبيح. قلت: الأمر كما قاله قتادة والربيع فإنا وقفنا على ~~الزبور فوجدناه خطبا يخطبها داود عليه السلام ويخاطب بها ربه سبحانه عند ~~دخوله الكنيسة وجملته مائة وخمسون خطبة كل خطبة تسمى مزمورا بفتح الميم ~~الأولى وسكون الزاي وضم الميم الثانية وآخره راء، ففي بعض هذه الخطب يشكو ~~داود على ربه من أعدائه ويستنصره عليهم، وفى بعضها يحمد الله ويمجده ويثنى ~~عليه بسبب ما وقع من النصر عليهم والغلبة لهم، وكان عند الخطبة يضرب ~~بالقيثارة، وهى آلة من آلات الملاهي. وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ~~هاهنا روايات عن جماعة من السلف يذكرون ألفاظا وقفوا عليها في الزبور ليس ~~لها كثير فائدة، فقد أغنى عنها وعن غيرها ما اشتمل عليه القرآن من المواعظ ~~والزواجر. # سورة الإسراء الآية (56 - 60) PageV03P236 # قوله (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) هذا رد على طائفة من المشركين كانوا ~~يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا ~~يقولون بإلهية عيسى ومريم ms2216 وعزير، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بأن يقول لهم: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله، وقيل ~~أراد بالذين زعمتم نفرا من الجن عندهم ناس من العرب، وإنما خصصت الآية بمن ~~ذكرنا لقوله (يبتغون إلى ربهم الوسيلة)، فإن هذا لا يليق بالجمادات (فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم) أي لا يستطيعون ذلك، والمعبود الحق هو الذي يقدر على ~~كشف الضر، وعلى تحويله من حال إلى حال، ومن مكان إلى مكان، فوجب القطع بأن ~~هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة، ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان ~~غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار، فقال (أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) فأولئك مبتدأ والذين يدعون صفته، وضمير ~~الصلة محذوف: أي يدعونهم وخبر المبتدأ يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويجوز أن ~~يكون الذين يدعون خبر المبتدأ: أي الذين يدعون عباده إلى عبادتهم، ويكون ~~يبتغون في محل نصب على الحال. وقرأ ابن مسعود " تدعون " بالفوقية على ~~الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر، ولا خلاف في يبتغون أنه بالتحتية ~~والوسيلة القربة بالطاعة والعبادة: أي يتضرعون إلى الله في طلب ما يقربهم ~~إلى ربهم، والضمير في ربهم يعود إلى العابدين أو المعبودين (أيهم أقرب) ~~مبتدأ وخبر. قال الزجاج: المعنى أيهم أقرب بالوسيلة إلى الله: أي يتقرب ~~إليه بالعمل الصالح، ويجوز أن يكون بدلا من الضمير في يبتغون: أي يبتغي من ~~هو أقرب إليه تعالى الوسيلة، فكيف بمن دونه؟ وقيل إن يبتغون مضمن معنى ~~يحرصون أي يحرصون أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة (ويرجون رحمته) ~~كما يرجوها غيرهم (ويخافون عذابه) كما يخافه غيرهم (إن عذاب ربك كان ~~محذورا) تعليل لقوله يخافون عذابه: أي إن عذابه سبحانه حقيق بأن يحذره ~~العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم. ثم بين سبحانه مآل الدنيا وأهلها ~~فقال (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة) إن نافية. ومن ~~للاستغراق: أي ما من قرية، أي قرية كانت من قرى الكفار. قال الزجاج:، أي ما ~~من أهل ms2217 قرية إلا سيهلكون إما بموت وإما بعذاب يستأصلهم، فالمراد بالقرية ~~أهلها، وإنما قيل قبل يوم القيامة لأن الإهلاك يوم القيامة غير مختص بالقرى ~~الكافرة، بل يعم كل قرية لانقضاء عمر الدنيا، وقيل الإهلاك للصالحة ~~والتعذيب للطالحة، والأول أولى لقوله - وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون (كان ذلك) المذكور من الإهلاك. والتعذيب (في الكتاب) أي اللوح ~~المحفوظ (مسطورا) أي مكتوبا، والسطر الخط وهو في الأصل مصدر، والسطر ~~بالتحريك مثله. قال جرير: # من شاء بايعته مالي وخلفته * ما تكمل التيم في ديوانها سطرا والخلفة بضم ~~الخاء خيار المال. والسطر جمع أسطار. وجمع السطر بالسكون أسطر (وما منعنا ~~أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) قال المفسرون: إن أهل مكة سألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم ~~جبال مكة، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا ~~لم يمهلوا وإن شئت استأنيت بهم. فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: وما منعنا ~~من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين، فإن أرسلناها وكذب بها ~~هؤلاء عوجلوا ولم يمهلوا كما هو سنة الله سبحانه في عباده، فالمنع مستعار ~~للترك، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء: أي ما تركنا إرسالها لشئ من ~~الأشياء إلا تكذيب الأولين، فإن كذب بها هؤلاء كما كذب بها أولئك لاشتراكهم ~~في الكفر والعناد حل بهم ما حل بهم، و " أن " الأولى في محل نصب بإيقاع ~~المنع عليها، وأن الثانية في محل رفع. والباء في بالآيات زائدة. والحاصل أن ~~المانع من إرسال الآيات التي PageV03P237 # اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي وهو الاستئصال، ~~وقد عزمنا على أن نؤخر أمر من بعث إليهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~يوم القيامة، وقيل معنى الآية: إن هؤلاء الكفار من قريش ونحوهم مقلدون ~~لآبائهم فلا يؤمنون البتة كما لم يؤمن أولئك، فيكون إرسال الآيات ضائعا، ثم ~~إنه سبحانه استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته، فإنهم لما اقترحوا ms2218 عليه ما ~~اقترحوا من الناقة وصفتها التي قد بينت في محل آخر وأعطاهم الله ما اقترحوا ~~فلم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، وإنما خص قوم صالح بالاستشهاد. لأن آثار ~~إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من قريش وأمثالهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال ~~(وآتينا ثمود الناقة مبصرة) أي ذات إبصار يدركها الناس بأبصارهم كقوله - ~~وجعلنا آية النهار مبصرة - أو أسند إليها حال من يشاهدها مجازا. أو أنها ~~جعلتهم ذوي إبصار، من أبصره جعله بصيرا. وقرئ على صيغة المفعول. وقرئ بفتح ~~الميم والصاد وانتصابها على الحال. وقرئ برفعها على أنها خبر مبتدإ محذوف. ~~والجملة معطوفة على محذوف يقتضيه سياق الكلام: أي فكذبوها وآتينا ثمود ~~الناقة، ومعنى (فظلموا بها) فظلموا بتكذيبها أو على تضمين ظلموا معنى جحدوا ~~أو كفروا: # أي فجحدوا بها أو كفروا بها ظالمين ولم يكتفوا بمجرد الكفر أو الجحد (وما ~~نرسل بالآيات إلا تخويفا) اختلف في تفسير الآيات على وجوه: الأول أن المراد ~~بها العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الإنذار ~~تخويفا للمكذبين، الثاني أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي، الثالث ~~تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى شيب ليعتبر الإنسان بتقلب ~~أحواله فيخاف عاقبة أمره، الرابع آيات القرآن. الخامس الموت الذريع ~~والمناسب للمقام أن تفسر الآيات المذكورة بالآيات المقترحة: أي لا نرسل ~~الآيات المقترحة إلا تخويفا من نزول العذاب، فإن لم يخافوا وقع عليهم. ~~والجملة مستأنفة لا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير ~~ظلموا بها: أي فظلموا بها ولم يخافوا، والحال أن ما نرسل بالآيات التي هي ~~من جملتها إلا تخويفا. قال ابن قتيبة: وما نرسل بالآيات المقترحة إلا ~~تخويفا من نزول العذاب العاجل. ولما ذكر سبحانه الامتناع من إرسال الآيات ~~المقترحة على رسوله للصارف المذكور قوى قلبه بوعد النصر والغلبة فقال (وإذ ~~قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) الظرف متعلق بمحذوف: أي أذكر إذ قلنا لك: أي ~~أنهم في قبضته وتحت قدرته، فلا سبيل لهم إلى الخروج ms2219 مما يريده بهم لإحاطته ~~لهم بعلمه وقدرته، وقيل المراد بالناس أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم: ~~أي إن الله سيهلكهم، وعبر بالماضي تنبيها على تحقق وقوعه، وذلك كما وقع يوم ~~بدر ويوم الفتح، وقيل المراد أنه سبحانه عصمه من الناس أن يقتلوه حتى يبلغ ~~رسالة ربه (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) لما بين سبحانه ~~أن إنزال الآيات يتضمن التخويف ضم إليه ذكر آية الإسراء. وهى المذكورة في ~~صدر السورة، وسماها رؤيا لأنها وقعت بالليل. أو لأن الكفرة قالوا لعلها ~~رؤيا، وقد قدمنا في صدر السورة وجها آخر في تفسير هذه الرؤيا، وكانت الفتنة ~~ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~أسرى به، وقيل كانت رؤيا نوم، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى أنه ~~يدخل مكة فافتتن المسلمون لذلك، فلما فتح الله مكة نزل قوله تعالى - لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق - وقد تعقب هذا بأن هذه الآية مكية، والرؤيا ~~المذكورة كانت بالمدينة، وقيل إن هذه الرؤيا المذكورة في هذه الآية هي أنه ~~رأى بني مروان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فقيل إنما هي الدنيا ~~أعطوها فسرى عنه، وفيه ضعف. فإنه لا فتنة للناس في هذه الرؤيا إلا أن يراد ~~بالناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده، ويراد بالفتنة ما حصل من ~~المساءة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو يحمل على أنه قد كان أخبر ~~الناس بها فافتتنوا. وقيل إن الله سبحانه أراه في المنام مصارع قريش حتى ~~PageV03P238 # قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا ~~مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية (والشجرة ~~الملعونة في القرآن) عطف على الرؤيا، قيل وفى الكلام تقديم وتأخير. ~~والتقدير: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا ~~فتنة للناس. قال جمهور المفسرين وهى شجرة الزقوم، والمراد بلعنها لعن آكلها ~~كما قال سبحانه - إن شجرة الزقوم ms2220 طعام الأثيم -. وقال الزجاج: إن العرب ~~تقول لكل طعام مكروه ملعون. ومعنى الفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم ~~صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر. ثم يقول ينبت فيها الشجر. فأنزل الله هذه ~~الآية. وروى أن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه: تزقموا. ~~وقال ابن الزبعري: كثر الله من الزقوم في داركم فإنه التمر بالزبد بلغة ~~اليمن. وقيل إن الشجرة الملعونة هي الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتلعها: ~~وهى شجرة الكشوث، وقيل هي الشيطان، وقيل اليهود، وقيل بنو أمية (ونخوفهم ~~فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا) أي نخوفهم بالآيات فما يزيدهم التخويف إلا ~~طغيانا متجاوزا للحد متماديا غاية التمادي فما يفيدهم إرسال الآيات إلا ~~الزيادة في الكفر، فعند ذلك نفعل بهم ما فعلناه بمن قبلهم من الكفار. وهو ~~عذاب الاستئصال ولكنا قد قضينا بتأخير العقوبة. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن ~~مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود في قوله (قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا) قال: كان نفر من الإنس ~~يعبدون نفرا من الجن فأسلم النفر من الجن وتمسك الإنسيون بعبادتهم، فأنزل ~~الله (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) كلاهما، يعني الفعلين ~~بالياء التحتية، وروى نحو هذا عن ابن مسعود من طرق أخرى. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: كان أهل الشرك يعبدون ~~الملائكة والمسيح وعزيزا. وروى عنه من وجه آخر بلفظ عيسى وأمه وعزير. وروى ~~عنه أيضا من وجه آخر بلفظ: هم عيسى وعزير، والشمس والقمر. وأخرج الترمذي ~~وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~سلوا الله لي الوسيلة. قالوا وما الوسيلة؟ قال القرب من الله. ثم قرأ ~~(يبتغون إلى ربهم الوسيلة أبهم أقرب) ". وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم ~~التيمي في قوله (كان ms2221 ذلك في الكتاب مسطورا) قال: في اللوح المحفوظ. وأخرج ~~أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: سأل أهل ~~مكة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم ~~الجبال فيزرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي ~~سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم، قال: لا بل أستأني ~~بهم، فأنزل الله (وما منعنا أن نرسل بالآيات) الآية. وأخرج أحمد والبيهقي ~~من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع بن أنس قال: ~~قال الناس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو جئتنا بآية كما جاء بها ~~صالح والنبيون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن شئتم دعوت ~~الله فأنزلها عليكم، فإن عصيتم هلكتم، فقالوا لا نريدها ". وأخرج ابن ~~المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) ~~قال: الموت. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر عن ~~الحسن قال: هو الموت الذريع. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) قال: ~~عصمك من الناس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فهم ~~في قبضته. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري والترمذي ~~PageV03P239 # والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (وما جعلنا الرؤيا) الآية ~~قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسرى به ~~إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام (والشجرة الملعونة في القرآن) قال: هي ~~شجرة الزقوم. وأخرج أبو سعيد وأبو يعلى وابن عساكر عن أم هانئ أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما أسرى به أصبح يحدث نفرا من ms2222 قريش وهو يستهزئون ~~به. فطلبوا منه آية فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير، فقال الوليد ~~بن المغيرة: هذا ساحر، فأنزل الله إليه (وما جعلنا الرؤيا) الآية. وأخرج ~~ابن جرير عن سهل بن سعد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني ~~فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات، ~~فأنزل الله (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس). قال ابن كثير ~~بعد أن ساق إسناده: وهذا السند ضعيف جدا، وذكر من جملة رجال السند محمد بن ~~الحسن بن زبان وهو متروك وشيخه عبد المهيمن بن عباس ابن سهل بن سعد ضعيف ~~جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، فأنزل الله (وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس، والشجرة الملعونة) ": يعنى الحكم ~~وولده. وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلي بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: " رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم ~~أرباب سوء. واهتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك، فأنزل الله ~~الآية ". وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي نحوه مرفوعا وهو مرسل. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن سعيد بن المسيب نحوه وهو ~~مرسل. وأخرج ابن مردويه عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأبيك وجدك " إنكم الشجرة الملعونة في ~~القرآن " وفى هذا نكارة لقولها يقول لأبيك وجدك ولعل جد مروان لم يدرك زمن ~~النبوة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أرى أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ ~~بالمدينة فسار إلى مكة قبل الأجل فرده المشركون، فقال ناس قد رد. وقد كان ~~حدثنا أنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم وقد تعارضت هذه الأسباب ولم ms2223 يمكن ~~الجمع بينها فالواجب المصير إلى الترجيح والراجح كثرة وصحة هو كون سبب نزول ~~هذه الآية قصة الاسراء فيتعين ذلك. وقد حكى ابن كثير إجماع الحجة من أهل ~~التأويل على ذلك في الرؤيا، وفى تفسير الشجرة وأنها شجرة الزقوم، فلا ~~اعتبار بغيرهم معهم. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~في البعث عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لما ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم شجرة الزقوم تخويفا لهم: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم ~~التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا لا قال: عجوة يثرب بالزبد. والله لئن استمكنا ~~منها لنزقمنها تزقما قال الله سبحانه - إن شجرة لزقوم طعام الأثيم -، " ~~وأنزل والشجرة الملعونة في القرآن " الآية. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله ~~(والشجرة لملعونة) قال: ملعونة لأنه قال - طلعها كأنه رؤس الشياطين - ~~والشياطين ملعونون. # سورة الإسراء الآية (61 - 63) PageV03P240 # سورة الإسراء الآية (64 - 65) لما ذكر سبحانه أن الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان في بلية عظيمة من قومه ومحنة شديدة أراد أن يبين أن جميع ~~الأنبياء كانوا كذلك، حتى أن هذه عادة قديمة سنها إبليس اللعين، وأيضا لما ~~ذكر أن الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه ذكر ها هنا ما يحقق ذلك فقال (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم) هذه القصة قد ذكرها الله سبحانه في سبعة مواضع: في البقرة، والأعراف، ~~والحجر، وهذه السورة، والكهف، وطه، وص، وقد تقدم تفسيرها مبسوطا فلنقتصر ~~هاهنا على تفسير ما لم يتقدم ذكره من الألفاظ. فقوله (طينا) منتصب بنزع ~~الخافض: أي من طين، أو على الحال. قال الزجاج المعنى لمن خلقته طينا، وهو ~~منصوب على الحال (أرأيتك) أي أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته؟ وقد - ~~خلقتني من نار وخلقته من طين - فحذف هذا للعلم به (لأحتنكن ذريته) أي ~~لأستولين عليهم بالإغواء والإضلال قال الواحدي: أصله من احتناك الجراد ~~الزرع، وهو أن تستأصله بأحناكها وتفسده، هذا هو الأصل، ثم سمى الاستيلاء ~~على ms2224 الشئ، وأخذه كله احتناكا، وقيل معناه: لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث ~~أردت، من قولهم حنكت الفرس أحنكه حنكا: إذا جعلت في فيه الرسن، والمعنى ~~الأول أنسب بمعنى هذه الآية، ومنه قول الشاعر: # أشكو إليك سنة قد أجحفت * جهدا إلى جهد بنا وأصعقت * واحتنكت أموالنا ~~واختلفت. # أي استأصلت أموالنا، واللام في (لئن أخرتن) هي الموطئة. وإنما أقسم ~~اللعين هذا القسم على أنه سيفعل بذرية آدم ما ذكره لعلم قد سبق إليه من سمع ~~استرقه، أو قاله لما ظنه من قوة نفوذ كيده في بني آدم، وأنه يجري منهم في ~~مجاري الدم، وأنهم بحيث يروج عندهم كيده وتنفق لديهم وسوسته إلا من عصم ~~الله، وهم المرادون بقوله (إلا قليلا) وفى معنى هذا الاستثناء قوله سبحانه ~~(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى - ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه - فإنه يفيد أنه قال ما قاله هنا اعتمادا على الظن، وقيل ~~إنه استنبط ذلك من قول الملائكة - أتجعل فيها من يفسد فيها -. وقيل علم ذلك ~~من طبع البشر لما ركب فيهم من الشهوات، أو ظن ذلك لأنه وسوس لآدم، فقبل منه ~~ذلك ولم يجد له عزما، كما روى عن الحسن (قال اذهب فمن تبعك منهم) أي أطاعك ~~(فإن جهنم جزاؤكم) أي إبليس ومن أطاعه (جزاء موفورا) أي وافرا مكملا، يقال: ~~وفرته أفره وفرا، ووفر المال بنفسه يفر وفورا، فهو وافر، فهو مصدر، ومنه ~~قول زهير: # ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لا يتقي الشتم يشتم ثم كرر ~~سبحانه الإمهال لإبليس اللعين فقال (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) أي ~~استزعج واستخف من استطعت من بني آدم، يقال أفزه واستفزه: أي أزعجه واستخفه، ~~والمعنى: استخفهم بصوتك داعيا لهم إلى معصية الله، وقيل هو الغناء واللهو ~~واللعب والمزامير (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) قال الفراء وأبو عبيدة: ~~PageV03P241 # أجلب من الجلبة والصياح: أي صح عليهم. وقال الزجاج: أي اجمع عليهم كل ما ~~تقدر عليه من مكايدك. فالإجلاب الجمع، والباء في " بخيلك " زائدة. وقال ابن ms2225 ~~السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل تقع على الفرسان كقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " يا خيل الله اركبي " وتقع على الأفراس. والرجل بسكون الجيم: جمع رجل ~~كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، وقرأ حفص بكسر الجيم على أنه صفة. قال أبو زيد: ~~يقال رجل ورجل، بمعنى راجل، فالخيل والرجل كناية عن جميع مكايد الشيطان، أو ~~المراد كل راكب وراجل في معصية الله (وشاركهم في الأموال والأولاد) أما ~~المشاركة في الأموال، فهي كل تصرف فيها يخالف وجه الشرع سواء كان أخذا من ~~غير حق. # أو وضعا في غير حق كالغصب والسرقة والربا، ومن ذلك تبتيك آذان الأنعام ~~وجعلها بحيرة وسائبة، والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب شرعي، ~~وتحصيله بالزنا وتسميتهم بعبد اللآت وعبد العزى، والإساءة في تربيتهم على ~~وجه يألفون فيه خصال الشر وأفعال السوء ويدخل فيه ما قتلوا من أولادهم خشية ~~إملاق، ووأد البنات وتصيير أولادهم على الملة الكفرية التي هم عليها، ومن ~~ذلك مشاركة الشيطان للمجامع إذا لم يسم، ثم قال (وعدهم) قال الفراء: قل لهم ~~لا جنة ولا نار. وقال الزجاج: وعدهم بأنهم لا يبعثون (وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا) أي باطلا، وأصل الغرور تزيين الخطأ بما يوهم الصواب، وقيل ~~معناه: وعدهم النصرة على من خالفهم، وهذه الأوامر للشيطان من باب التهديد ~~والوعيد الشديد، وقيل هي على طريقة الاستخفاف به وبمن تبعه (إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان) يعني عبادة المؤمنين كما في غير هذا الموضع من الكتاب ~~العزيز من أن إضافة العباد إليه يراد بها المؤمنون لما في الإضافة من ~~التشريف، وقيل المراد جميع العباد بدليل الاستثناء بقوله في غير هذا الموضع ~~- إلا من اتبعك من الغاوين -، والمراد بالسلطان التسلط (وكفى بربك وكيلا) ~~يتوكلون عليه. فهو الذي يدفع عنهم كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال إبليس إن آدم خلق من تراب من ~~طين خلق ضعيفا وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شئ (لأحتنكن ذريته إلا ~~قليلا) فصدق ظنه عليهم. ms2226 وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~(لأحتنكن ذريته) قال: لأستولين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ~~(لأحتنكن ذريته) قال: لأحتوينهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد ~~قال: لأضلنهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد (موفورا) قال: وافرا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) قال: صوته كل داع دعا إلى ~~معصية الله (وأجلب عليهم بخيلك) قال: كل راكب في معصية الله (ورجلك) قال كل ~~راجل في معصية الله (وشاركهم في الأموال) قال: كل مال في معصية الله ~~(والأولاد) قال: كل ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام. وأخرج الفريابي ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في الآية قال: كل خيل تسير في ~~معصية الله، وكل مال أخذ بغير حقه، وكل ولد زنا. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه عن ابن عباس في الآية قال: (الأموال) ما كانوا يحرمون من أنعامهم ~~(والأولاد) أولاد الزنا. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال (الأموال) البحيرة ~~والسائبة والوصيلة لغير الله (والأولاد) سموا عبد الحارث وعبد شمس. # سورة الإسراء الآية (66) PageV03P242 # سورة الإسراء الآية (67 - 70) قوله (ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر) ~~الإزجاء: السوق والإجراء والتسير، ومنه قوله سبحانه - ألم تر أن الله يزجى ~~سحابا - وقول الشاعر: # يا أيها الراكب المزجي مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصور وقول الآخر: ~~عوذا تزجي خلفها أطفالها * والمعنى: أن الله سبحانه يسير الفلك في البحر ~~بالريح والفلك ها هنا جمع. وقد تقدم، والبحر هو الماء الكثير عذبا كان أو ~~مالحا، وقد غلب هذا الاسم على المشهور (لتبتغوا من فضله) أي من رزقه الذي ~~تفضل به على عباده أو من الربح بالتجارة، ومن زائدة أو للتبعيض، وفى هذه ~~الآية تذكير لهم بنعم الله سبحانه عليهم حتى لا يعبدوا غيره ولا يشركوا به ~~أحدا، وجملة (إنه كان بكم رحيما) تعليل لما تقدم: أي كان بكم ms2227 رحيما فهداكم ~~إلى مصالح دنياكم (وإذا مسكم الضر) يعنى خوف الغرق (في البحر ضل من تدعون) ~~من الآلهة وذهب عن خواطركم، ولم يوجد لإغاثتكم ما كنتم تدعون من دونه من ~~صنم، أو جن، أو ملك، أو بشر (إلا إياه) وحده فإنكم تعقدون رجاءكم برحمته ~~وإغاثته، والاستثناء منقطع، ومعنى الآية: أن الكفار إنما يعتقدون في ~~أصنامهم وسائر معبوداتهم أنها نافعة لهم في غير هذه الحالة، فأما في هذه ~~الحالة فإن كل واحد منهم يعلم بالفطرة علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام ~~ونحوها لا فعل لها (فلما نجاكم إلى البر أعرضتم) عن الإخلاص لله وتوحيده ~~ورجعتم إلى دعاء أصنامكم والاستغاثة بها (وكان الإنسان كفورا) أي كثير ~~الكفران لنعمة الله. وهو تعليل لما تقدمه، والمعنى: أنهم عند الشدائد ~~يتمسكون برحمة الله، وفى الرخاء يعرضون عنه. ثم أنكر سبحانه عليهم سوء ~~معاملتهم قائلا (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر) الهمزة للإنكار والفاء ~~للعطف على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض. فبين لهم ~~أنه قادر على هلاكهم في البر وإن سلموا من البحر. والخسف أن تنهار الأرض ~~بالشئ، يقال بئر خسيف: إذا انهدم أصلها، وعين خاسف: أي غائرة حدقتها في ~~الرأس، وخسفت عين الماء: إذا غار ماؤها. وخسفت الشمس: إذا غابت عن الأرض ~~وجانب البر ناحية الأرض، وسماه جانبا. لأنه يصير بعد الخسف جانبا، وأيضا ~~فإن البحر جانب من الأرض والبر جانب. وقيل إنهم كانوا على ساحل البحر. ~~وساحله جانب البر فكانوا فيه آمنين من مخاوف البحر، فحذرهم ما أمنوه من ~~البر كما حذرهم ما خافوه من البحر (أو يرسل عليكم حاصبا) قال أبو عبيدة ~~والقتيبي: # الحصب الرمي: أي ريحا شديدة حاصبة. وهى التي ترمى بالحصى الصغار. وقال ~~الزجاج: الحاصب التراب الذي PageV03P243 # فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن، والتامر، وقيل الحاصب حجارة من ~~السماء تحصبهم كما فعل بقوم لوط، ويقال للسحابة التي ترمي بالبرد حاصب، ~~ومنه قول الفرزدق: # مستقبلين جبال الشام تضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور (ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا) أي ms2228 حافظا ونصيرا يمنعكم من بأس الله (أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة ~~أخرى) أي في البحر مرة أخرى بأن يقوى دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوبه، ~~وجاء بفي ولم يقل إلى البحر للدلالة على استقرارهم فيه (فيرسل عليكم قاصفا ~~من الريح) القاصف: الريح الشديدة التي تكسر بشدة، من قصف الشئ يقصفه: أي ~~كسره بشدة، والقصف: الكسر. أو هو الريح التي لها قصيف: أي صوت شديد من ~~قولهم رعد قاصف: أي شديد الصوت (فيغرقكم) قرأ أبو جعفر وشيبة ورويس ومجاهد ~~" فتغرقكم " بالتاء الفوقية على أن فاعله الريح وقرأ الحسن وقتادة وابن ~~وردان " فيغرقكم " بالتحتية والتشديد في الراء. وقرأ أبو جعفر أيضا " ~~الرياح ". # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون في جميع هذه الأفعال. وقرأ الباقون ~~بالياء التحتية في جميعها أيضا، والباء في بما كفرتم للسببية: أي بسبب ~~كفركم (ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا) أي ثائرا يطالبنا بما فعلنا. قال ~~الزجاج: لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم. قال النحاس: وهو من الثأر، ~~وكذا يقال لكل من طلب بثأر أو غيره تبيع وتابع (ولقد كرمنا بني آدم) هذا ~~إجمال لذكر النعمة التي أنعم الله بها على بني آدم: أي كرمناهم جميعا، وهذه ~~الكرامة يدخل تحتها خلقهم على هذه الهيئة الحسنة وتخصيصهم بما خصهم به من ~~المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد لسائر أنواع الحيوان مثله. وحكى ~~ابن جرير عن جماعة أن هذا التكريم هو أنهم يأكلون بأيديهم، وسائر الحيوانات ~~تأكل بالفم، وكذا حكاه النحاس. وقيل ميزهم بالنطق والعقل والتمييز، وقيل ~~أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقال ابن جرير: أكرمهم بتسليطهم على ~~سائر الخلق وتسخير سائر الخلق لهم، وقيل بالكلام والخط والفهم، ولا مانع من ~~حمل التكريم المذكور في الآية على جميع هذه الأشياء. وأعظم خصال التكريم ~~العقل، فإن به تسلطوا على سائر الحيوانات، وميزوا بين الحسن والقبيح، ~~وتوسعوا في المطاعم والمشارب، وكسبوا الأموال التي تسببوا بها إلى تحصيل ~~أمور لا يقدر عليها الحيوان، وبه قدروا على تحصيل الأبنية التي تمنعهم ms2229 مما ~~يخافون، وعلى تحصيل الأكسية التي تقيهم الحر والبرد، وقيل تكريمهم: هو أن ~~جعل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم منهم (وحملناهم في البر والبحر) هذا ~~تخصيص لبعض أنواع التكريم، حملهم سبحانه في البر على الدواب، وفى البحر على ~~السفن، وقيل حملناهم فيهما حيث لم نخسف بهم ولم نغرقهم (ورزقناهم من ~~الطيبات) أي لذيذ المطاعم والمشارب وسائر ما يستلذونه الله وينتفعون به ~~(وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) أجمل سبحانه هذا الكثير ولم يبين ~~أنواعه فأفاد ذلك أن بني آدم فضلهم سبحانه على كثير من مخلوقاته، وقد جعل ~~بعض أهل العلم الكثير هنا بمعنى الجميع وهو تعسف لا حاجة إليه. # وقد شغل كثير من أهل العلم بما لم تكن إليه حاجة ولا تتعلق به فائدة، وهو ~~مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء أو الأنبياء على الملائكة، ومن جملة ما ~~تمسك به مفضلو الأنبياء على الملائكة هذه الآية، ولا دلالة لها على المطلوب ~~لما عرفت من إجمال الكثير وعدم تبيينه، والتعصب في هذه المسئلة هو الذي حمل ~~بعض الأشاعرة على تفسير الكثير هنا بالجميع حتى يتم له التفضيل على ~~الملائكة، وتمسك بعض المعتزلة بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ~~ولا دلالة بها على ذلك، فإنه لم يقم دليل على أن الملائكة من القليل الخارج ~~عن هذا الكثير، ولو سلمنا ذلك فليس فيما خرج عن هذا الكثير ما يفيد أنه ~~أفضل من بني آدم، بل غاية ما فيه أنه لم يكن الإنسان مفضلا عليه. ~~PageV03P244 # فيحتمل أن يكون مساويا للإنسان، ويحتمل أن يكون أفضل منه، ومع الاحتمال ~~لا يتم الاستدلال، والتأكيد بقوله (تفضيلا) يدل على عظم هذا التفضيل وأنه ~~بمكان مكين، فعلى بني آدم أن يتلقوه بالشكر ويحذروا من كفرانه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (يزجى) ~~قال: يجرى، وأخرجوا عن قتادة قال: يسيرها في البحر. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (حاصبا) قال: مطر الحجارة. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ms2230 قتادة قال: حجارة من السماء. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عن ابن عباس (قاصفا من الريح) قال: التي تغرق. وأخرج أبو ~~عبيد وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال: القاصف والعاصف في البحر. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (قاصفا) قال: ~~عاصفا، وفى قوله (ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا) قال: نصيرا. وأخرج ~~الطبراني والبيهقي في الشعب والخطيب في تاريخه عن عبد الله بن عمرو قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما من شئ أكرم على الله يوم ~~القيامة من ابن آدم قيل يا رسول الله ولا الملائكة؟ قال ولا الملائكة، ~~الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر " وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن ~~عمرو موقوفا قال: وهو الصحيح. وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: # المؤمن أكرم على الله من ملائكته. وأخرج الطبراني عن ابن عمرو عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الملائكة قالت يا رب أعطيت بني آدم ~~الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا ~~نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من ~~خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ". وأخرجه عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن ~~أسلم قال: قالت الملائكة. وإسناد الطبراني هكذا: حدثنا أحمد بن محمد بن ~~صدقة البغدادي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدثنا حجاج ابن ~~محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن ~~عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. وأخرج ابن عساكر ~~من طريق عروة بن رويم قال: حدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فذكر نحو حديث ابن عمرو الأول مع زيادة. وأخرج نحوه البيهقي ~~أيضا في الأسماء والصفات من وجه آخر عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله ~~قال: قال ms2231 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله (ولقد ~~كرمنا بني آدم) قال: جعلناهم يأكلون بأيديهم وسائر الخلق يأكلون بأفواههم. ~~وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " الكرامة الأكل بالأصابع " سورة الإسراء الآية ~~(71 - 75) PageV03P245 # سورة الإسراء الآية (76 - 77) قوله (يوم ندعوا كل أناس بامامهم) قال ~~الزجاج: يعني يوم القيامة، وهو منصوب على معنى أذكر يوم ندعوا. وقرئ " يدعو ~~" بالياء التحتية على البناء للفاعل ويدعى على البناء للمفعول، والباء في ~~بامامهم للإلصاق كما تقول: أدعوك باسمك، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف هو ~~حال، والتقدير: ندعو كل أناس متلبسين بامامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ~~ركب بجنوده، والأول أولى والامام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدم في ~~الدين أو كتاب. # وقد اختلف المفسرون في تعيين الإمام الذي تدعى كل أناس به، فقال ابن عباس ~~والحسن وقتادة والضحاك إنه كتاب كل إنسان الذي فيه عمله: أي يدعى كل إنسان ~~بكتاب عمله، ويؤيد هذا قوله - فأما من أوتى كتابه - الآية، وقال ابن زيد ~~الإمام: هو الكتاب المنزل عليهم فيدعى أهل التوراة بالتوراة، وأهل الإنجيل ~~بالإنجيل، وأهل القرآن بالقرآن، فيقال: يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل يا ~~أهل القرآن. وقال مجاهد وقتادة: إمامهم نبيهم فيقال هاتوا متبعي إبراهيم، ~~هاتوا متبعي موسى، هاتوا متبعي عيسى، هاتوا متبعي محمد، وبه قال الزجاج. ~~وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، المراد بالإمام إمام عصرهم، فيدعى أهل ~~كل عصر بإمامهم الذي كانوا يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. وقال الحسن وأبو ~~العالية: المراد بإمامهم أعمالهم، فيقال مثلا: أين المجاهدون أين الصابرون ~~أين الصائمون أين المصلون؟ ونحو ذلك. وروى عن ابن عباس وأبي هريرة. وقال ~~أبو عبيدة، المراد بإمامهم صاحب مذهبهم، فيقال مثلا: أين التابعون للعالم ~~فلان بن فلان، وهذا من البعد بمكان. وقال محمد بن كعب: ms2232 # بإمامهم بأمهاتهم، على أن إمام جمع أم كخف وخفاف. وهذا بعيد جدا. وقيل ~~الإمام هو كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعلم والكرم والشجاعة. أو قبيح ~~كأضدادها. فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن هو كالإمام ذكر معناه الرازي ~~في تفسيره (فمن أوتى كتابه بيمينه) من أولئك المدعوين، وتخصيص اليمين ~~بالذكر للتشريف والتبشير (فأولئك) الإشارة إلى من باعتبار معناه. قيل ووجه ~~الجمع الإشارة إلى أنهم مجتمعون على شأن جليل، أو الإشعار بأن قراءتهم ~~لكتبهم تكون على وجه الاجتماع لا على وجه الانفراد (يقرءون كتابهم) الذي ~~أوتوه (ولا يظلمون فتيلا) أي لا ينقصون من أجورهم قدر فتيل، وهو القشرة ~~التي في شق النواة، أو هو عبارة عن أقل شئ ولم يذكر أصحاب الشمال تصريحا. ~~ولكنه ذكر سبحانه ما يدل على حالهم القبيح فقال (ومن كان في هذه أعمى) أي ~~من كان من المدعوين في هذه الدنيا أعمى: أي فاقد البصيرة. قال النيسابوري: ~~لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب. وأما قوله (فهو في الآخرة أعمى) ~~فيحتمل أن يراد به عمى البصر كقوله - ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا - وفى هذا زيادة العقوبة، ويحتمل أن يراد عمى ~~القلب. وقيل المراد بالآخرة عمل الآخرة: أي فهو في عمل، أو في أمر الآخرة ~~أعمى، وقيل المراد من عمى عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو ~~عن نعم الآخرة أعمى، وقيل من كان في الدنيا التي تقبل فيها التوبة أعمى فهو ~~في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى، وقيل من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله ~~فهو في الآخرة أعمى، وقد قيل إن قوله " فهو في الآخرة أعمى " أفعل تفضيل: ~~أي أشد عمى وهذا مبني على أنه من عمى القلب إذ لا يقال ذلك في عمى العين. ~~قال الخليل PageV03P246 # وسيبويه: لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل، فلا يقال ما أعماه كما لا يقال ~~ما أيداه. وقال الأخفش: لا يقال فيه ذلك لأنه أكثر من أحرف. وقد ms2233 حكى الفراء ~~عن بعض العرب أنه سمعه يقول ما أسود شعره، ومن ذلك قول الشاعر: # أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم * لؤما وأبيضهم سربال طباخ والبحث مستوفى ~~في النحو. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف " أعمى " بالإمالة في الموضعين ~~وقرأهما أبو عمرو ويعقوب والباقون بغير إمالة، وأمال أبو عبيد الأول دون ~~الثاني (وأضل سبيلا) يعنى أن هذا أضل سبيلا من الأعمى لكونه لا يجد طريقا ~~إلى الهداية، بخلاف الأعمى فقد يهتدى في بعض الأحوال. ثم لما عدد سبحانه في ~~الآيات المتقدمة أقسام النعم على بني آدم أردفه بما يجري مجرى التحذير من ~~الاغترار بوساوس الأشقياء فقال (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) ~~إن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، واللام هي الفارقة بينها ~~وبين النافية، والمعنى: وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة ~~الاختبار، ومنه فتن الصائغ الذهب، ثم استعمل في كل من أزال الشئ عن حده ~~وجهته، وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله ~~سبحانه من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك (عن الذي أوحينا إليك) من الأوامر ~~والنواهي والوعد والوعيد (لتفتري علينا غيره) لتتقول علينا غير الذي أوحينا ~~إليك مما اقترحه عليك كفار قريش (وإذا لاتخذوك خليلا) أي لو اتبعت أهواءهم ~~لاتخذوك خليلا لهم: أي والوك وصافوك، مأخوذ من الخلة بفتح الخاء (ولولا أن ~~ثبتناك) على الحق وعصمناك عن موافقتهم (لقد كدت تركن إليهم) لقاربت أن تميل ~~إليهم أدنى ميل، والركون هو الميل اليسير. ولهذا قال (شيئا قليلا) لكن ~~أدركته صلى الله عليه وآله وسلم العصمة فمنعته من أن يقرب من أدنى مراتب ~~الركون إليهم. فضلا عن نفس الركون، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما هم بإجابتهم، ذكر معناه القشيري وغيره، وقيل المعنى: وإن كادوا ~~ليخبرون في عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا كما ~~تقول للرجل: كدت تقتل نفسك: أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت، ذكر معناه ~~المهدوي. ثم توعده سبحانه في ms2234 ذلك أشد الوعيد فقال (إذ لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات) أي لو قاربت أن تركن إليهم، أي مثلي ما يعذب به غيرك ممن يفعل ~~هذا الفعل في الدارين، والمعنى: عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في ~~الممات: أي مضاعفا، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وأضيفت، وذلك لأن ~~خطأ العظيم عظيم كما قال سبحانه - يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين - وضعف الشئ مثلاه، وقد يكون الضعف النصيب كقوله - ~~لكل ضعف - أي نصيب. قال الرازي: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من ~~قلبك وعقدت على الركون همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ~~ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة (ثم لا تجد ~~لك علينا نصيرا) ينصرك فيدفع عنك هذا العذاب. قال النيسابوري: اعلم أن ~~القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها، والتهديد على المعصية لا يدل على ~~الإقدام عليها، فلا يلزم من الآية طعن في العصمة (وإن كادوا ليستفزونك) ~~الكلام في هذا كالكلام في " وإن كادوا ليفنونك ": أي وإن الشأن أنهم قاربوا ~~أن يزعجوك من أرض مكة لتخرج عنها، ولكنه لم يقع ذلك منهم، بل منعهم الله ~~منه حتى هاجر بأمر ربه بعد أن هموا به، وقيل إنه أطلق الاخراج على إرادة ~~الإخراج تجويزا (وإذن لا يلبثون خلفك إلا قليلا) معطوف على ليستفزونك: أي ~~لا يبقون بعد إخراجك إلا زمنا قليلا. ثم عوقبوا عقوبة تستأصلهم جميعا. وقرأ ~~عطاء بن أبي رباح " لا يلبثوا " بتشديد الباء الموحدة. وقرئ " لايلبثوا " ~~بالنصب على إعمال إذن على أن الجملة معطوف على جملة - وإن كادوا - لا على ~~الخبر فقط. وقرأ نافع PageV03P247 # وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو " خلفك " ومعنا بعدك. وقرأ ابن عامر وحفص ~~وحمزة والكسائي " خلافك " ومعناه أيضا بعدك. وقال ابن الأنباري: خلافك ~~بمعنى مخالفتك، واختار أبو حاتم القراءة الثانية لقوله - فرح المخلفون ~~بمقعدهم خلاف رسول الله - ومما يدل على أن خلاف بمعنى بعد قول الشاعر: # عفت الديار خلافها فكأنما * بسط ms2235 الشواطب بينهن حصيرا يقال شطبت المرأة ~~الجريد إذا شققته لتعمل منه الحصير. قال أبو عبيدة: ثم تلقيه الشاطبة إلى ~~المثقبة (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) سنة منتصبة على المصدرية: أي سن ~~الله سنة. وقال الفراء: أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا فلما سقط الخافض عمل ~~الفعل. وقيل المعنى: سنتنا سنة من قد أرسلنا. قال الزجاج: يقول إن سنتنا ~~هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك إليهم أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم أو ~~قتلوه أن ينزل العذاب بهم (ولا تجد لسنتنا تحويلا) أي ما أجرى الله به ~~العادة لم يتمكن أحد من تحويله ولا يقدر على تغييره. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) قال: إمام هدى وإمام ضلالة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس في الآية قال: ~~نبيهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في الآية قال: بكتاب أعمالهم. وأخرج ابن مردويه عن علي في الآية قال: ~~يدعى كل قوم بإمام زمانهم. وكتاب ربهم وسنة نبيهم. وأخرج الترمذي وحسنه ~~والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم) قال ~~" يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستين ذراعا ويبيض وجهه. ~~ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد ~~فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول: أبشروا لكل ~~رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه ستين ذراعا على ~~صورة آدم، ويلبس تاجا فيراه أصحابه فيقولون: نعود بالله من شر هذا، اللهم ~~لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم فيقولون اللهم اخزه، فيقول أبعدكم الله، فإن ~~لكل رجل منكم مثل هذا ". قال البزار بعد إخراجه: لا يروى إلا من هذا ms2236 الوجه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله (ومن كان في ~~هذه أعمى) يقول من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي من خلق السماء ~~والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا (فهو) عما وصفت له (في ~~الآخرة) ولم يره (أعمى وأضل سبيلا) يقول أبعد حجة. وأخرج الفريابي وابن أبي ~~حاتم من طريق عكرمة عنه نحو هذا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا يقول ~~من عمى عن قدرة الله في الدنيا فهو في الآخرة أعمى. وأخرج ابن إسحاق وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا قال " إن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ~~ورجالا من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: تعال فتمسح ~~آلهتنا وندخل معك في دينك، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشتد ~~عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم، فأنزل الله (وإن كادوا ليفتنونك) إلى ~~قوله (نصيرا) ". وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن زاذان عن جابر بن عبد ~~الله مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال " كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يستلم الحجر. فقالوا لا ندعك تستلمه حتى ~~تستلم بآلهتنا، فقال سول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما علي لو فعلت ~~والله يعلم مني خلافه؟ # فأنزل الله (وإن كادوا ليفتنونك) الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~شهاب نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير " أن قريشا أتوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقالوا له: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين ~~PageV03P248 # اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك، فركن إليهم، فأوحى الله ~~إليه (وإن كادوا ليفتنونك) الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ~~القرظي قال: أنزل الله - والنجم إذا هوى - فقرأ عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم هذه الآية - أفرأيتم اللات والعزى - فألقى عليه الشيطان: ~~تلك الغرانيق العلى، وابن شفاعتهم لترتجي، فقرأ النبي صلى ms2237 الله عليه وآله ~~وسلم ما بقي من السورة وسجد، فأنزل الله (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك) الآية، فما زال مهموما مغموما حتى أنزل الله - وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى - الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ~~ابن عباس " أن ثقيفا قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أجلنا سنة حتى ~~يهدي لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدي للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا ~~الآلهة فهم أن يؤجلهم، فنزلت (وإن كادوا ليفتنونك) الآية. وأخرج ابن جرير ~~عنه في قوله (ضعف الحياة وضعف الممات) يعنى ضعف عذاب الدنيا والآخرة. وأخرج ~~البيهقي عن الحسن في الآية قال: هو عذاب القبر. وأخرج أيضا عن عطاء مثله. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كانت الأنبياء تسكن الشام، فمالك والمدينة؟ فهم أن يشخص، ~~فأنزل الله (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض) الآية. وأخرج ابن جرير عن حضرمي ~~أنه بلغه أن بعض اليهود فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل ~~وابن عساكر عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالوا إن كنت نبيا فالحق بالشام فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء ~~فصدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قالوا فتحرى غزوة تبوك لا يريد إلا ~~الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت ~~السورة - وإن كادوا ليستفزونك - إلى قوله - تحويلا - فأمره بالرجوع إلى ~~المدينة، وقال فيها محياك وفيها مماتك ومنها تبعث، وقال له جبريل سل ربك ~~فإن لكل نبي مسئلة فقال ما تأمرني أن أسأل؟ قال (قل رب أدخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) فهؤلاء نزلن عليه في ~~رجعته من تبوك. قال ابن كثير: وفى هذا الإسناد نظر، والظاهر أنه ليس بصحيح ~~فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها ~~امتثالا ms2238 لقوله - قاتلوا الذين يلونكم من الكفار - وغزاها ليقتص وينتقم ممن ~~قتل أهل مؤتة من أصحابه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض) قال هم أهل مكة ~~باخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وقد فعلوا بعد ذلك فأهلكهم ~~الله يوم بدر ولم يلبثوا بعده إلا قليلا حتى أهلكهم الله يوم بدر، وكذلك ~~كانت سنة الله في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا) قال: يعني ~~بالقليل يوم أخذهم ببدر، فكان ذلك هو القليل الذين لبثوا بعده. # سورة الإسراء الآية (78 - 81) PageV03P249 # سورة الإسراء الآية (82 - 85) لما ذكر سبحانه الإلهيات والمعاد والجزاء ~~أردفها بذكر أشرف الطاعات، وهى الصلاة، فقال (أقم الصلاة لدلوك الشمس). وقد ~~أجمع المفسرون على أن هذه الآية المراد بها الصلوات المفروضة. # وقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين: أحدهما أنه ~~زوال الشمس عن كبد السماء قاله عمر وابنه وأبو هريرة وأبو برزة وابن عباس ~~والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو جعفر الباقر، واختاره ابن ~~جرير. والقول الثاني: أنه غروب الشمس قاله على وابن مسعود وأبي بن كعب، ~~وروى عن ابن عباس. قال الفراء: دلوك الشمس: من لدن زوالها إلى غروبها. قال ~~الأزهري: معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف ~~النهار دالكة، وقيل لها إذا أفلت دالكة، لأنها في الحالتين زائلة. قال: ~~والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، ~~والمعنى: أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس (إلى غسق الليل) فيدخل فيها الظهر ~~والعصر وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال (وقرآن الفجر) هذه خمس ~~صلوات. وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها، ودلكت براح: يعني الشمس: أي غابت، ~~وأنشد قطرب على هذا قول الشاعر: # هذا مقام قدمي رباح * دبت حتى دلكت براح اسم من أسماء الشمس على ms2239 وزن حذام ~~وقطام، ومن ذلك قول ذي الرمة: # مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالآفلات الدوالك أي الغوارب، ~~وغسق الليل اجتماع الظلمة. قال الفراء والزجاج: يقال غسق الليل وأغسق: إذا ~~أقبل بظلامه قال أبو عبيد: الغسق سواد الليل. قال قيس بن الرقيات: # إن هذا الليل قد غسقا * واستكنت الهم والأرقا وقيل غسق الليل: مغيب ~~الشفق، ومنه قول زهير: # طلت تجود يداها وهى لاهية * حتى إذا جعجع الإظلام والغسق وأصل الكلمة من ~~السيلان يقال: غسقت إذا سالت. وحكى الفراء غسق الليل وأغسق، وظلم وأظلم، ~~ودجى وأدجى وغبش وأغبش، وقد استدل بهذه الغاية أعني قوله (إلى غسق الليل) ~~من قال إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب، روى ذلك عن ~~الأوزاعي وأبي حنيفة وجوزه مالك والشافعي في حال الضرورة، وقد وردت ~~الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين ~~أوقات الصلوات، فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ~~ذلك. قوله (وقرآن الفجر) انتصاب قرآن لكونه معطوفا على PageV03P250 # الصلاة: أي وأقم قرآن الفجر، قاله الفراء. وقال الزجاج والبصريون: ~~انتصابه على الإغراء: أي فعليك قرآن الفجر. قال المفسرون: المراد بقرآن ~~الفجر صلاة الصبح. قال الزجاج: وفى هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا ~~تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه ~~لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وفى بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن وقرآن ~~معها، وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة، وقد حررته في مؤلفاتي ~~تحريرا مجودا، ثم علل سبحانه ذلك بقوله (إن قرآن الفجر كان مشهودا) أي ~~تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك ~~قال جمهور المفسرين (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) من للتبعيض، وانتصابه ~~على الظرفية بمضمر: أي قم بعض الليل فتهجد به، والضمير المجرور راجع إلى ~~القرآن وما قيل من أنه منتصب على الإغراء، والتقدير عليك بعض الليل فبعيد ~~جدا، والتهجد مأخوذ من الهجود. ms2240 قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هو من ~~الأضداد، لأنه يقال هجد الرجل: إذا نام، وهجد إذا سهر فمن استعماله في ~~السهر قول الشاعر: # ألا زارت وأهل منى هجود * فليت خيالها بمنى يعود يعني منتبهين، ومن ~~استعماله في النوم قول الآخر: # ألا طرقتنا والرفاق هجود * فباتت بعلات النوال تجود يعني نياما. وقال ~~الأزهري: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن جاء التفعل فيه لأجل ~~التجنب ومنه تأثم وتحرج: أي تجنب الإثم والحرج، فالمتهجد من تجنب الهجود، ~~فقام بالليل. وروى عن الأزهري أيضا أنه قال: # المتهجد القائم إلى الصلاة من النوم هكذا حكى عنه الواحدي، فقيد التهجد ~~بالقيام من النوم، وهكذا قال مجاهد وعلقمة والأسود فقالوا: التهجد بعد ~~النوم. قال الليث: تهجد إذا استيقظ للصلاة (نافلة لك) معنى النافلة في ~~اللغة الزيادة على الأصل، فالمعنى أنها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نافلة زائدة على الفرائض، والأمر بالتهجد وإن كان ظاهره الوجوب لكن التصريح ~~بكونه نافلة قرينة صارفة للأمر، وقيل المراد بالنافلة هنا أنها فريضة زائدة ~~على الفرائض الخمس في حقه صلى الله عليه وآله وسلم، ويدفع ذلك التصريح بلفظ ~~النافلة، وقيل كانت صلاة الليل فريضة في حقه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ~~نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا، وعلى هذا يحمل ما ورد في الحديث أنها ~~عليه فريضة، ولأمته تطوع. قال الواحدي: إن صلاة الليل كانت زيادة للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم خاصة لرفع الدرجات، لا للكفارات، لأنه غفر له من ذنبه ~~ما تقدم وما تأخر، وليس لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفارتها، قال: ~~وهو قول جميع المفسرين. والحاصل أن الخطاب في هذه الآية وإن كان خاصا ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله أقم الصلاة، فالأمر له أمر لأمته، ~~فهو شرع عام، ومن ذلك الترغيب في صلاة الليل، فإنه يعم جميع الأمة، ~~والتصريح بكونه نافلة يدل على عدم الوجوب، فالتهجد من الليل مندوب إليه ~~ومشروع لكل مكلف. ثم وعده سبحانه على إقامة الفرائض والنوافل فقال (عسى ms2241 أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا) قد ذكرنا في مواضع أن عسى من الكريم إطماع واجب ~~الوقوع، وانتصاب مقاما على الظرفية بإضمار فعل، أو بتضمين البعث معنى ~~الإقامة، ويجوز أن يكون انتصابه على الحال: أي يبعثك ذا مقام محمود، ومعنى ~~كون المقام محمودا: أنه يحمده كل من علم به. وقد اختلف في تعيين هذا المقام ~~على أقوال: الأول أنه المقام الذي يقومه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~للشفاعة يوم القيامة للناس ليريحهم ربهم سبحانه مما هو فيه، وهذا القول هو ~~الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة في تفسير الآية، وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل ~~التأويل قال الواحدي: وإجماع PageV03P251 # المفسرين على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة. القول الثاني: أن ~~المقام المحمود إعطاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لواء الحمد يوم ~~القيامة. ويمكن أن يقال إن هذا لا ينافي القول الأول، إذ لا منافاة بين ~~كونه قائما مقام الشفاعة وبيده لواء الحمد. القول الثالث: أن المقام ~~المحمود هو أن الله سبحانه يجلس محمدا صلى الله عليه وآله وسلم معه على ~~كرسيه، حكاه ابن جرير عن فرقة منهم مجاهد، وقد ورد في ذلك حديث. وحكى ~~النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ~~ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا الحديث. قال ابن عبد البر: مجاهد وإن كان ~~أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم، أحدهما هذا، ~~والثاني في تأويل - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة - قال: معناه تنتظر ~~الثواب، وليس من النظر انتهى، وعلى كل حال فهذا القول غير مناف للقول الأول ~~لإمكان أن يقعده الله سبحانه هذا المقعد ويشفع تلك الشفاعة. القول الرابع: ~~أنه مطلق في كل مقام يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ذكره صاحب الكشاف ~~والمقتدون به في التفسير، ويجاب عنه بأن الأحاديث الصحيحة الواردة في تعيين ~~هذا المقام المحمود متواترة، فالمصير إليها متعين، وليس في الآية عموم في ~~اللفظ حتى يقال: الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى قوله ms2242 وهو مطلق ~~في كل ما يجلب الحمد أنه عام في كل ما هو كذلك، ولكنه يعبر عن العام بلفظ ~~المطلق، كما ذكره في ذبح البقرة، ولهذا قال هنا. وقيل المراد الشفاعة، وهى ~~نوع واحد مما يتناوله يعنى لفظ المقام، والفرق بين العموم البدلي والعموم ~~الشمولي معروف، فلا نطيل بذكره (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) ~~* قرأ الجمهور " مدخل صدق ومخرج صدق " بضم الميمين. وقرأ الحسن وأبو ~~العالية ونصر بن عاصم بفتحهما، وهما مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، ~~والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو حاتم الجود: أي إدخالا يستأهل أن ~~يسمى إدخالا، ولا يرى فيه ما يكره. قال الواحدي: وإضافتهما إلى الصدق مدح ~~لهما، وكل شئ أضفته إلى الصدق فهو مدح. # وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، فقيل نزلت حين أمر بالهجرة، يريد ~~إدخال المدينة والإخراج من مكة واختاره ابن جرير، وقيل المعنى: أمتني إماتة ~~صدق وابعثني يوم القيامة مبعث صدق، وقيل المعنى: أدخلني فيما أمرتني به، ~~وأخرجني مما نهيتني عنه، وقيل إدخاله موضع الأمن وإخراجه من بين المشركين، ~~وهو كالقول الأول، وقيل المراد إدخال عز وإخراج نصر، وقيل المعنى: أدخلني ~~في الأمر الذي أكرمتني به من النبوة مدخل صدق، وأخرجني منه إذا أمتني مخرج ~~صدق، وقيل أدخلني القبر عند الموت مدخل صدق، وأخرجني منه عند البعث مخرج ~~صدق، وقيل أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، وقيل الآية عامة في ~~كل ما تتناوله من الأمور فهي دعاء، ومعناها رب أصلح لي وردي في كل الأمور ~~وصدري عنها (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) أي حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها ~~على جميع من خالفني، وقيل اجعل لي من لدنك ملكا وعزا قويا وكأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانا ~~نصيرا. وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن جرير. قال ابن كثير: وهو الأرجح، ~~لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى - لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ms2243 الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب - وفى الحديث " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " أي ليمنع ~~بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمنع كثيرا من الناس بالقرآن، ~~وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع انتهى (وقل جاء ~~الحق وزهق الباطل) المراد بالحق الإسلام. وقيل القرآن، وقيل الجهاد ~~PageV03P252 # ولامانع من حمل الآية على جميع ذلك وعلى ما هو حق كائنا ما كان، والمراد ~~بالباطل الشرك، وقيل الشيطان ولا يبعد أن يحمل على كل ما يقابل الحق من غير ~~فرق بين باطل وباطل. ومعنى زهق بطل واضمحل، ومنه زهوق النفس وهو بطلانها ~~(إن الباطل كان زهوقا) أي إن هذا شأنه فهو يبطل ولا يثبت، والحق ثابت دائما ~~(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) قرأ الجمهور " ننزل " بالنون. ~~وقرأ أبو عمرو بالتخفيف. وقرأ مجاهد بالياء التحتية والتخفيف، ورواها ~~المروزي عن حفص، ومن لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس، وقيل ~~للتبعيض وأنكره بعض المفسرين لاستلزامه أن بعضه لا شفاء فيه، ورده ابن عطية ~~بأن المبعض هو إنزاله. # واختلف أهل العلم في معنى كونه شفاء على القولين: الأول أنه شفاء للقلوب ~~بزوال الجهل عنها وذهاب الريب وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله ~~سبحانه. القول الثاني أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقى والتعوذ ونحو ~~ذلك، ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين من باب عموم المجاز، أو من باب ~~حمل المشترك على معنييه. ثم ذكر سبحانه أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من ~~العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته ~~وتدبره من الأجر العظيم الذي يكون سببا لرحمة الله سبحانه ومغفرته ورضوانه، ~~ومثل هذه الآية قوله تعالى - قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى - ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من ~~المنفعة لعباده المؤمنين ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرة ms2244 عليهم فقال (ولا ~~يزيد الظالمين إلا خسارا) أي ولا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الظالمين ~~الذي وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشك والارتياب موضع اليقين والاطمئنان ~~(إلا خسارا) أي هلاكا، لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم ويدعوهم إلى زيادة ~~ارتكاب القبائح تمردا وعنادا، فعند ذلك يهلكون، وقيل الخسار النقص كقوله - ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم - ثم نبه سبحانه على فتح بعض ما جبل عليه الإنسان ~~من الطبائع المذمومة فقال (وإذا أنعمنا على الإنسان) أي على هذا الجنس ~~بالنعم التي توجب الشكر كالصحة والغنى (أعرض) عن الشكر لله والذكر له (ونآى ~~بجانبه) النأي البعد والباء للتعدية أو للمصاحبة، وهو تأكيد للإعراض، لأن ~~الإعراض عن الشئ هو أن يوليه عرض وجهه: أي ناحيته، والنأي بالجانب أن يلوى ~~عنه عطفه ويوليه ظهره، ولا يبعد أن يراد بالإعراض هنا الإعراض عن الدعاء ~~والابتهال الذي كان يفعله عند نزول البلوى والمحنة به، ويراد بالنأي بجانبه ~~التكبر والبعد بنفسه عن القيام بحقوق النعم. وقرأ بن عامر في رواية ابن ~~ذكوان وأبو جعفر ناء مثل باع بتأخير الهمزة على القلب، وقرأ حمزة " ناءي " ~~بإمالة الفتحتين ووافقه الكسائي، وأمال شعبة والسوسي الهمزة فقط. وقرأ ~~الباقون بالفتح فيهما (وإذا مسه الشر) من مرض أو فقر (كان يئوسا) شديد ~~اليأس من رحمة الله، والمعنى: أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي، وظفر بالمقصود ~~نسي المعبود، وإن فاته شئ من ذلك استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، ~~وكلتا الخصلتين قبيحة مذمومة ولا ينافي ما في هذه الآية قوله تعالى - وإن ~~مسه الشر فذو دعاء عريض - ونظائره، فإن ذلك شأن بعض آخر منهم غير البعض ~~المذكور في هذه الآية، ولا يبعد أن يقال لا منافاة بين الآيتين فقد يكون مع ~~شدة يأسه وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه (قل كل يعمل على شاكلته) الشاكلة ~~قال الفراء: الطريقة، وقيل الناحية، وقيل الطبيعة، وقيل الدين، وقيل النية، ~~وقيل الجبلة، وهى مأخوذة من الشكل، يقال لست على شكلي ولا على شاكلتي ~~والشكل: هو المثل والنظير. والمعنى: أن كل إنسان ms2245 يعمل على ما يشاكل أخلاقه ~~التي ألفها، وهذا ذم للكافر PageV03P253 # ومدح للمؤمن (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) لأنه الخالق لكم العالم بما ~~جبلتم عليه من الطبائع وما تباينتم قد فيه من الطرائق، فهو الذي يميز بين ~~المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا يبأس عند المحنة، وبين الكافر الذي ~~شأنه البطر للنعم والقنوط عند النقم. ثم لما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان ~~وما جبل عليه، ذكر سبحانه سؤال السائلين لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن الروح فقال (ويسألونك عن الروح) قد اختلف الناس في الروح المسؤول ~~عنه، فقيل هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر ~~المفسرين. قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به ~~أحدا من خلقه، ولم يعط علمه أحدا من عباده فقال (قل الروح من أمر ربى) أي ~~إنكم لا تعلمونه، وقيل الروح المسؤول عنه جبريل، وقيل عيسى، وقيل القرآن، ~~وقيل ملك من الملائكة عظيم الخلق، وقيل خلق كخلق بني آدم، وقيل غير ذلك مما ~~لا طائل تحته ولا فائدة في إيراده، والظاهر القول الأول، وسيأتي ذكر سبب ~~نزول هذه الآية، وبيان السائلين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~الروح، ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح، لأن معرفة حقيقة الشئ أهم ~~وأقدم من معرفة حال من أحواله، ثم أمره سبحانه أن يجيب على السائلين له عن ~~الروح فقال (قل الروح من أمر ربى) من بيانية، والأمر الشأن والإضافة ~~للاختصاص، أي هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يعلم بها ~~عباده، وقيل معنى (من أمر ربى) من وحيه وكلامه لا من كلام البشر، وفى هذه ~~الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ماهيئته وإيضاح ~~حقيقته أبلغ زجر ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا ~~يتم له المقام، وغالبه بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا ~~دنيا. # وقد حكى بعض المحققين أن ms2246 أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر ~~مائة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ والتعب العاطل عن النفع، بعد أن ~~علموا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه ولم يطلع عليه أنبياءه ولا أذن لهم ~~بالسؤال عنه ولا البحث عن حقيقته فضلا عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب ~~حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه ولا بعضه في غير هذه ~~المسئلة مما أذن الله بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه. ثم ختم سبحانه هذه ~~الآية بقوله سبحانه (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) أي أن علمكم الذي ~~علمكم الله، ليس إلا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن ~~أوتي حظا من العلم وافرا، بل علم الأنبياء عليهم السلام ليس هو بالنسبة إلى ~~علم الله سبحانه إلا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى ~~والخضر عليهما السلام. # وقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود قال (دلوك ~~الشمس) غروبها، تقول العرب إذا غربت الشمس دلكت الشمس. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي قال: دلوكها غروبها. وأخر عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس، قال (لدلوك الشمس) لزوال ~~الشمس، وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " دلوك الشمس زوالها " وضعف السيوطي ~~إسناده، وأخرجه مالك في الموطأ وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر من قوله. وأخرج عبد الرزاق عنه ~~قال: " دلوك الشمس زياغها بعد نصف النهار ". وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير ~~عن ابن عباس قال: دلوكها زوالها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عنه في ~~قوله (لدلوك الشمس) قال: إذا فاء الفئ. وأخرج ابن جرير عن أبي مسعود وعقبة ~~بن عمرو قالا: قال رسول الله ms2247 صلى الله عليه وآله وسلم " أتاني جبريل لدلوك ~~الشمس حين زالت فصلى PageV03P254 # بي الظهر ". وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي: قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا (أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس). وأخرج ابن مردويه من حديث أنس نحوه، ومما يستشهد به على أن الدلوك ~~الزوال وسط النهار ما أخرجه ابن جرير عن جابر قال " دعوت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ومن شاء من أصحابه يطعمون عندي، ثم خرجوا حين زالت ~~الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أخرج يا أبا بكر فهذا حين ~~دلكت الشمس ". وفى إسناده رجل مجهول ولكنه أخرجه عنه من طريق أخرى عن سهل ~~بن بكار عن أبي عوانة عن الأسود بن قيس عن نبيح العنبري عن جابر فذكر نحوه ~~مرفوعا. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود في قوله (إلى غسق الليل) قال: إلى ~~العشاء الآخرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال (غسق الليل) اجتماع الليل ~~وظلمته. وأخرج ابن جرير عنه قال (غسق الليل) بدو الليل. وأخرج عبد الرزاق ~~عن أبي هريرة قال: دلوك الشمس إذا زالت الشمس عن بطن السماء وغسق الليل ~~غروب الشمس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وقرآن الفجر) قال: صلاة ~~الصبح. وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا) قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها، وهو ~~في الصحيحين عنه مرفوعا بلفظ تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة ~~الفجر، ثم يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا). # وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود ~~موقوفا نحوه. وأخرج الحكيم والترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ~~أبي الدرداء قال: قرأ رسول الله ms2248 صلى الله عليه وآله وسلم (إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا) قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (نافلة لك) يعنى خاصة للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، أمر بقيام الليل وكتب عليه. وأخرج الطبراني في الأوسط ~~والبيهقي في سننه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ثلاث هن ~~على فرائض وهن لكم سنة: # الوتر والسواك، وقيام الليل ". وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن أبي أمامة في قوله (نافلة لك) قال: كانت للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم نافلة ولكم فضيلة، وفى لفظ: إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) وسئل عنه، قال: # هو المقام المحمود الذي أشفع فيه لأمتي. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ~~ويكسوني ربي حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام ~~المحمود ". وأخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال: إن كل أمة يوم القيامة ~~تتبع نبيها، يقولون يا فلان اشفع، يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا. وأخرج ~~عنه نحوه مرفوعا، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ثابتة في الصحيحين ~~وغيرهما فلا نطيل بذكرها، ومن رام الاستيفاء نظر في أحاديث الشفاعة في ~~الأمهات وغيرها. وأخرج الطبراني في قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) ~~قال: # يجلسه فيما بينه وبين جبريل ويشفع لأمته، فذلك المقام المحمود. وأخرج ~~الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms2249 وآله وسلم " أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا، قال: يجلسني معه على السرير " وينبغي الكشف PageV03P255 # عن إسناد هذين الحديثين. وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن جرير وابن ~~المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي والضياء في ~~المختارة عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ثم أمر ~~بالهجرة، فأنزل الله (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من ~~لدنك سلطانا نصيرا) وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن قتادة في ~~قوله. (وقل رب أدخلني) الآية قال: أخرجه الله من مكة مخرج صدق، وأدخله ~~المدينة مدخل صدق. قال: وعلم نبي الله أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا ~~بسلطان فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله وحدوده وفرائضه ولإقامة كتاب الله، ~~فإن السلطان عزة من الله جعلها بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على ~~بعض، وأكل شديدهم ضعيفهم. وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب قال: والله لما ~~يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~ابن مسعود قال " دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وحول البيت ستون ~~وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول (جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا) - جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " وفى الباب أحاديث ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ~~(ونأى بجانبه) قال: تباعد. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (كان ~~يئوسا) قال: قنوطا، وفى قوله (كل يعمل على شاكلته) قال: على ناحيته. وأخرج ~~هناد وابن المنذر عن الحسن قال: على شاكلته. على نيته. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن ابن مسعود قال " كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~خرب المدينة وهو متكئ على عسيب، فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض: ~~اسألوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه، فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما ~~زال متكئا على العسيب فظننت أنه ms2250 يوحى إليه، فقال - ويسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا - " وأخرج أحمد والترمذي ~~وصححه والنسائي وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه ~~وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود أعطونا ~~شيئا نسأل هذا الرجل، قالوا: سلوه عن الروح، فنزلت (ويسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) قالوا أوتينا علما كثيرا، ~~أوتينا التوراة، ومن أوتى التوراة فقد أوتى خيرا كثيرا فأنزل الله - قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا ~~بمثله مددا - وفى الباب أحاديث وآثار. # سورة الإسراء الآية (86 - 91) PageV03P256 # سورة الإسراء الآية (92 - 93) لما بين سبحانه أنه ما آتاهم من العلم إلا ~~قليلا بين أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل لفعل، فقال (ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك) واللام هي الموطئة، ولنذهبن جواب القسم ساد مسد ~~جواب الشرط. قال الزجاج: معناه لو شئنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب حتى لا ~~يوجد له أثر انتهى، وعبر عن القرآن بالموصول تفخيما لشأنه (ثم لا تجد لك ~~به) أي بالقرآن (علينا وكيلا) أي لا تحد من يتوكل علينا في رد شئ منه بعد ~~أن ذهبنا به والاستثناء بقوله (إلا رحمة من ربك) إن كان متصلا فمعناه إلا ~~أن يرحمك ربك فلا نذهب به، وإن كان منقطعا فمعناه لكن لا يشأ ذلك رحمة من ~~ربك، أو لكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به (إن فضله كان عليك كبيرا) حيث ~~جعلك رسولا وأنزل عليك الكتاب وصيرك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود ~~وغير ذلك مما أنعم به عليه. ثم احتج سبحانه على المشركين بإعجاز القرآن ~~فقال (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) المنزل من ~~عند الله الموصوف بالصفات الجليلة من كمال البلاغة وحسن النظم وجزالة اللفظ ~~(لا يأتون بمثله) أظهر في مقام الإضمار، ولم يكتف بأن ms2251 يقول لا يأتون به على ~~أن الضمير راجع إلى المثل المذكور، لدفع توهم أن يكون له مثل معين، ~~وللإشعار بأن المراد نفى المثل على أي صفة كان، وهو جواب قسم محذوف كما تدل ~~عليه اللام الموطئة، وساد مسد جواب الشرط، ثم أوضح سبحانه عجزهم عن ~~المعارضة سواء كان المتصدي لها كل واحد منهم على الانفراد، أو كان المتصدر ~~بها المجموع بالمظاهرة فقال (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) أي عونا ونصيرا، ~~وجواب لو محذوف، والتقدير: ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا يأتون بمثله، فثبت ~~أنهم لا يأتون بمثله على كل حال، وقد تقدم وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة ~~البقرة في هذه الآية رد لما قاله الكفار - لو نشاء لقلنا مثل هذا - وإكذاب ~~لهم. ثم بين سبحانه أن الكفار مع عجزهم عن المعارضة استمروا على كفرهم وعدم ~~إيمانهم فقال (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي رددنا القول ~~فيه بكل مثل يوجب الاعتبار من الآيات والعبر والترغيب والترهيب والأوامر ~~والنواهي وأقاصيص الأولين والجنة والنار والقيامة (فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا) يعنى من أهل مكة، فإنهم جحدوا وأنكروا كون القرآن كلام الله بعد ~~قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وأظهر في مقام الإضمار ~~حيث قال: فأبى أكثر الناس توكيدا أو توضيحا، ولما كان " أبى " مؤولا ~~بالنفي: أي ما قبل أو لم يرض صح الاستثناء منه قوله (إلا كفورا وقالوا لن ~~نؤمن لك) أي قال رؤساء مكة كعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبى سفيان والنضر بن ~~الحرث، ثم علقوا نفي إيمانهم بغاية طلبوها فقالوا (حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا) قرأ حمزة والكسائي وعاصم " حتى تفجر مخففا مثل تقتل. وقرأ الباقون ~~بالتشديد، ولم يختلفوا في " فتفجر الأنهار " أنها مشددة، ووجه ذلك أبو حاتم ~~بأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهى جمع. وأجنب ~~عنه بأن الينبوع وإن كان واحدا في اللفظ فالمراد به الجمع، فإن الينبوع ~~العيون التي لا تنضب. ويرد بأن الينبوع عين الماء والجمع ms2252 الينابيع، وإنما ~~يقال للعين ينبوع إذا كانت غزيرة من شأنها النبوع كل من غير انقطاع والياء ~~زائدة كيعبوب من عب الماء (أو تكون لك جنة) أي بستان تستر أشجاره أرضه. ~~والمعنى هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنة (من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار) أي تجريها بقوة (خلالها تفجيرا) أي وسطها تفجيرا ~~كثيرا (أو تسقط PageV03P257 # السماء كما زعمت علينا كسفا) قرأ مجاهد " أو تسقط " مسندا إلى السماء. ~~وقرأ من عداه " أو تسقط " على الخطاب: # أي أو تسقط أنت يا محمد السماء. والكسف بفتح السين جمع كسفة: وهى قراءة ~~نافع وابن عامر وعاصم، والكسفة القطعة. وقرأ الباقون " كسفا " بإسكان ~~السين. قال الأخفش: من قرأ بإسكان السين جعله واحدا ومن قرأ بفتحها جعله ~~جمعا. قال المهدوي: ويجوز أن يكون على قراءة الكون جمع كسفة، ويجوز أن يكون ~~مصدرا. قال الجوهري: # الكسفة القطعة من الشئ، يقال: أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كسف وكسف، ~~ويقال الكسف والكسفة واحد، وانتصاب كسفا على الحال، والكاف في كما زعمت في ~~محل نصب على أنه صفة مصدر محذوف: أي إسقاطا ممائلا لما زعمت، يعنون بذلك ~~قول الله سبحانه - إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء - ~~قال أبو علي: الكسف بالسكون. الشئ المقطوع كالطحن للمطحون واشتقاقه على ما ~~قال أبو زيد من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته. وقال الزجاج: من كسفت الشئ إذا ~~غطيته كأنه قيل أو تسقطها طبقا علينا (أو تأتى بالله والملائكة قبيلا). # اختلف المفسرون في معنى (قبيلا) فقيل معناه معاينة قاله قتادة وابن جريج، ~~واختاره أبو علي الفارسي فقال: إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرا ~~كالنكير والنذير. وقيل معناه كفيلا قاله الضحاك، وقيل شهيدا قاله مقاتل، ~~وقيل هو جمع القبيلة: أي تأتى بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة قاله مجاهد ~~وعطاء، وقيل ضمنا، وقيل مقابلا كالعشير والمعاشر (أو يكون لك بيت من زخرف) ~~أي من ذهب، وبه قرأ ابن مسعود، وأصله الزينة، والمزخرف المزين، وزخارف ~~الماء طرائقه. وقال ms2253 الزجاج: هو الزينة فرجع إلى الأصل معنى الزخرف، وهو ~~بعيد لأنه يصير المعنى: أو يكون لك بيت من زينة (أو ترقى في السماء) أي ~~تصعد في معارجها: يقال رقيت في السلم إذا صعدت وارتقيت مثله (ولن نؤمن ~~لرقيك) أي لأجل رقيك وهو مصدر نحو مضى يمضي مضيا وهوى يهوى هويا (حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه) أي حتى تنزل علينا من السماء كتابا يصدقك ويدل على ~~نبوتك نقرؤه جميعا، أو يقرؤه كل واحد منا، وقيل معناه: كتابا من الله إلى ~~كل واحد منا كما في قوله - بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة - فأمر ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي بما يفيد التعجب من قولهم، ~~والتنزيه للرب سبحانه عن اقتراحاتهم القبيحة فقال (قل سبحان ربى) أي تنزيها ~~لله عن أن يعجز عن شئ. وقرأ أهل مكة والشام " قال سبحان ربى " يعنى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم (هل كنت إلا بشرا) من البشر لا ملكا حتى أصعد ~~السماء (رسولا مأمورا من الله سبحانه بابلاغكم، فهل سمعتم أيها المقترحون ~~لهذه الأمور أن بشرا قدر على شئ منها؟ وإن أردتم أني أطلب ذلك من الله ~~سبحانه حتى يظهرها على يدي، فالرسول إذا أتى بمعجزة واحدة كفاه ذلك، لأن ~~بها يتبين صدقه، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة، وأنا عبد مأمور ليس لي أن ~~أتحكم على ربي بما ليس بضروري، ولا دعت إليه حاجة، ولو لزمتني الإجابة لكل ~~متعنت لاقترح كل معاند في كل وقت اقتراحات، وطلب لنفسه إظهار آيات، فتعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وتنزه عن تعنتاتهم، وتقدس عن ~~اقتراحاتهم. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود ~~قال: إن هذا القرآن سيرفع، قيل كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه ~~في المصاحف؟ قال: يسرى عليه في ليلة واحدة فلا يترك منه آية في قلب ولا ~~مصحف إلا ms2254 رفعت، فتصبحون وليس فيكم منه شئ، ثم قرأ (ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك) وقد ورى عنه هذا من طرق، وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعا ~~نحوه. وأخرج محمد بن نصر عن عبد الله بن عمرو نحوه موقوفا. وأخرج ~~PageV03P258 # الديلمي في مسند الفردوس عن معاذ بن جبل مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة موقوفا نحوه أيضا. وأخرج أبو الشيخ وابن ~~مردويه والديلمي عن حذيفة بن اليمان مرفوعا نحوه أيضا. # وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعا نحوه أيضا. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس وابن عمر مرفوعا نحوه. # وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال " ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمود بن شيخان ونعيمان بن آصى ~~وبحري بن عمرو وسلام بن مشكم، فقالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئت به أحق ~~من عند الله، فإنا لا نراه متناسقا كما تناسق التوراة؟ فقال لهم: والله ~~إنكم لتعرفونه أنه من عند الله، قالوا: إنا نجيئك بمثل ما تأتي به، فأنزل ~~الله - قل لئن اجتمعت الإنس والجن - " الآية. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن ~~حرب، ورجلا من بني عبد الدار وأبا البحتري أخا بني أسيد والأسود بن عبد ~~المطلب وربيعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله ~~ابن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج ~~السهميين اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا ~~إلى محمد وكلموه وخاصموه، وذكر حديثا طويلا يشتمل على ما سألوه عنه ~~وتعنتوه، وأن ذلك كان سبب نزول قوله - وقالوا لن نؤمن لك - إلى قوله - بشرا ~~رسولا -. وإسناده عن ابن جرير هكذا: حدثنا أبو كريب حدثنا يونس بن بكير ~~حدثنا محمد بن إسحاق حدثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة عن ~~عكرمة عن ابن عباس ms2255 فذكره، ففيه هذا الرجل المجهول. وأخرج سعيد ابن منصور ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله - وقالوا لن ~~نؤمن لك - قال: نزلت في أخي أم سلمة عبد الله بن أبي أمية. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (ينبوعا) قال: عيونا، وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدى قال: الينبوع هو النهر الذي يجري من العين. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أو تكون لك جنة) يقول: ضيعة. وأخرج ابن ~~جرير عنه " كسفا " قال: قطعا. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (قبيلا) قال: عيانا. وأخرج ابن جرير عنه ~~أيضا (من زخرف) قال: من ذهب. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو نعيم عن مجاهد قال: لم أكن أحسن ~~ما الزخرف؟ حتى سمعتها في قراءة عبد الله " أو يكون لك بيت من ذهب ". وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (كتابا نقرؤه) قال: من رب ~~العالمين إلى فلان ابن فلان. يصبح عند كل رجل صحيفة عند رأسه موضوعة ~~يقرؤها. # سورة الإسراء الآية (94 - 97) PageV03P259 # سورة الإسراء الآية (98 - 100) حكى سبحانه عنهم شبهة أخرى قد تكرر في ~~الكتاب العزيز التعرض لإيرادها وردها في غير موضع فقال (وما منع الناس أن ~~يؤمنوا) المراد الناس على العموم، وقيل المراد أهل مكة على الخصوص: أي ما ~~منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المفعول ~~الثاني لمنع، ومعنى (إذ جاءهم الهدى) أنه جاءهم الوحي من الله سبحانه على ~~رسوله، وبين ذلك لهم وأرشدهم إليه، وهو ظرف لمنع أو يؤمنوا: أي ما منعهم ~~وقت مجئ الهدى أن يؤمنوا بالقرآن والنبوة (إلا أن قالوا) أي ما منعهم إلا ~~قولهم، فهو في محل رفع على أنه فاعل منع، والهمزة في (أبعث الله بشرا ~~رسولا) للإنكار منهم أن يكون الرسول بشرا، والمعنى: أن هذا الاعتقاد الشامل ~~لهم، وهو إنكار أن يكون ms2256 الرسول من جنس البشر، هو الذي منعهم عن الإيمان ~~بالكتاب وبالرسول، وعبر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه ~~بأفواههم، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عن شبهتهم هذه ~~فقال (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين) أي لو وجد وثبت أن في ~~الأرض بدل من فيها من البشر ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنس ~~مطمئنين مستقرين فيها ساكنين بها. قال الزجاج: # مطمئنين مستوطنين في الأرض، ومعنى الطمأنينة السكون، فالمراد ها هنا ~~المقام والاستيطان، فإنه يقال سكن البلد فلان إذا أقام فيها وإن كان ماشيا ~~متقلبا في حاجاته (لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) حتى يكون من جنسهم ~~وفيه إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل إليهم، ~~فكأنه سبحانه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: الأول كون سكان ~~الأرض ملائكة. والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران ~~بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها، وسمعوا من ~~أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة. ~~وانتصاب بشرا وملكا على أنهما مفعولان للفعلين، ورسولا في الموضعين وصف ~~لهما. وجوز صاحب الكشاف أن يكونا حالين في الموضعين من رسولا فيهما وقواه ~~صاحب الكشاف، ولعل وجه ذلك أن الإنكار يتوجه إلى الرسول المتصف بالبشرية في ~~الموضع الأول، فيلزم بحكم التقابل أن يكون الآخر كذلك، ثم ختم الكلام بما ~~يجري مجرى التهديد، فقال (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) أي قل لهم يا ~~محمد من جهتك كفى بالله وحده شهيدا على إبلاغي إليكم ما أمرني به من أمور ~~الرسالة، وقال بيني وبينكم ولم يقل بيننا تحقيقا للمفارقة الكلية، وقيل إن ~~إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله له على الصدق، ثم علل كونه ~~سبحانه شهيدا كافيا بقوله (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) أي عالما بجميع ~~أحوالهم محيطا بظواهرها وبواطنها بصيرا بما كان منها وما يكون، ثم بين ~~سبحانه ms2257 أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته فقال (ومن يهد الله فهو ~~المهتدى) أي من يرد الله هدايته فهو المهتدى إلى الحق أو إلى كل مطلوب (ومن ~~يضلل) أي يرد إضلاله (فلن تجد لهم أولياء) ينصرونهم (من دونه) يعنى الله ~~سبحانه ويهدونهم إلى الحق الذي أضلهم الله عنه أو إلى طريق النجاة، وقوله ~~(فهو المهتدى) حملا على لفظ من، وقوله (فلن تجد لهم) حملا على المعنى، ~~والخطاب في قوله: فلن تجد إما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من ~~يصلح له (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) هذا الحشر على الوجوه ~~PageV03P260 # فيه وجهان للمفسرين: الأول أنه عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم، من قول ~~العرب: قد مر القوم على وجوههم: # إذا أسرعوا. الثاني أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم حقيقة كما يفعل ~~في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه، وهذا هو الصحيح، لقوله تعالى - يوم ~~يسحبون في النار على وجوههم -، ولما صح في السنة كما سيأتي، ومحل على ~~وجوههم النصب على الحال من ضمير المفعول و (عميا) منتصب على الحال (وبكما ~~وصما) معطوفان عليه والأبكم: الذي لا ينطق والأصم: الذي لا يسمع، وهذه هيئة ~~يبعثون عليها في أقبح صورة، وأشنع منظر، قد جمع الله لهم بين عمى البصر ~~وعدم النطق وعدم السمع مع كونهم مسحوبين على وجوههم، ثم من وراء ذلك ~~(مأواهم جهنم) أي المكان الذي يأوون إليه، والجملة في محل نصب على الحال أو ~~هي مستأنفة لا محل لها (كلما خبت زدناهم سعيرا) أي كلما سكن لهبها، يقال ~~خبت النار تخبو خبوا: إذا خمدت وسكن لهبا. قال ابن قتيبة ومعنى زدناهم ~~سعيرا تسعرا، وهو التلهب. وقد قيل إن في خبو النار تخفيفا لعذاب أهلها، ~~فكيف يجمع بينه وبين قوله - لا يخفف عنهم العذاب -؟ وأجيب بأن المراد بعدم ~~التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس بين الخبو والتسعر، وقيل إنها تخبو من غير ~~تخفيف عنهم من عذابها (ذلك) أي العذاب (جزاؤهم) الذي أوجبه الله لهم ~~واستحقوه عنده، والباء في قوله (بأنهم ms2258 كفروا بآياتنا) للسببية: أي بسبب ~~كفرهم بها فلم يصدقوا بالآيات التنزيلية ولا تفكروا في الآيات التكوينية، ~~واسم الإشارة مبتدأ وخبره جزاؤهم، وبأنهم كفروا خبر آخر، ويجوز أن يكون ~~جزاؤهم مبتدأ ثانيا، وخبره ما بعده، والجملة خبر المبتدأ الأول (وقالوا ~~أئذا كنا عظاما ورفاتا) الهمزة للإنكار، وقد تقدم تفسير الآية في هذه ~~السورة، وخلقا في قوله (أئنا لمبعوثون خلقا جديدا) مصدر من غير لفظه أو ~~حال: # أي مخلوقين. فجاء سبحانه بحجة تدفعهم عن الإنكار وتردهم عن الجحود. فقال ~~(أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم) أي ~~من هو قادر على خلق هذا، فهو على إعادة ما هو أدون منه أقدر، وقيل المراد ~~أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم، وعلى القول الأول يكون الخلق بمعنى ~~الإعادة، وعلى هذا القول هو على حقيقته، وجملة (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) ~~عطف على أو لم يروا، والمعنى: قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق ~~السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم، لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن كما ~~قال - أأنتم أشد خلقا أم السماء - (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) وهو الموت أو ~~القيامة، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وقيل في الكلام تقديم وتأخير: أي ~~أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ~~قادر على أن يخلق مثلهم (فأبى الظالمون إلا كفورا) أي أبى المشركون إلا ~~جحودا، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر للحكم عليهم بالظلم ومجاوزة الحد، ثم ~~لما وقع من هؤلاء الكفار طلب إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع ~~معايشهم، بين الله سبحانه أنهم لا يقنعون، بل يبقون على بخلهم وشحهم فقال ~~(قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى) أنتم مرتفع على أنه فاعل فعل محذوف ~~يفسره ما بعده: أي لو تملكون أنتم تملكون على أن الضمير المنفصل مبدل من ~~الضمير المتصل وهو الواو، وخزائن رحمته سبحانه: هي خزائن الأرزاق. قال ~~الزجاج: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن ms2259 الأرزاق لأمسكوا شحا وبخلا، وهو ~~خشية الإنفاق: أي خشية أن ينفقوا فيفتقروا، وفى حذف الفعل الذي ارتفع به ~~أنتم، وإيراد الكلام في صورة المبتدأ والخبر دلالة على أنهم هم المختصون ~~بالشح. # قال أهل اللغة: أنفق وأصرم وأعدم وأقتر: بمعنى قل ماله، فيكون المعنى: ~~لأمسكتم خشية قل المال (وكان الإنسان قتورا) أي بخيلا مضيقا عليه. يقال قتر ~~على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا: ضيق عليهم في النفقة، ويجوز أن يراد ~~وكان الإنسان قتورا: أي قليل المال، والظاهر أن المراد المبالغة في وصفه ~~بالشح، لأن الإنسان PageV03P261 # ليس بقليل المال على العموم. بل بعضهم كثير المال، إلا أن يراد أن جميع ~~النوع الإنساني قليل المال بالنسبة إلى خزائن الله وما عنده. وقد اختلف في ~~هذه الآية على قولين: أحدهما أنها نزلت في المشركين خاصة، وبه قال الحسن، ~~والثاني أنها عامة وهو قول الجمهور حكاه الماوردي. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال " قيل يا رسول الله: كيف يحشر ~~الناس على وجوههم؟ # قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ". وأخرج أبو ~~داود والترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة. قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة ~~أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبانا، وصنف على وجوههم " ثم ذكر نحو حديث أنس. وفى ~~الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله (مأواهم ~~جهنم) قال: يعني أنهم وقودها. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ~~في قوله (كلما خبت) قال: سكنت. وأخرج هؤلاء عنه أيضا في الآية قال: كلما ~~أحرقهم سعرتهم حطبا، فإذا أحرقتهم فلم يبق منهم شئ صارت جمرا تتوهج فذلك ~~خبوها، فإذا بدلوا خلقا جديدا عاودتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ~~(خزائن رحمة ربى) قال: الرزق. وأخرج أيضا عن عكرمة في قوله (إذا لأمسكتم ~~خشية الإنفاق) قال: إذا ما أطعمتم أحدا شيئا. وأخرج ابن جرير ms2260 وابن المنذر ~~عن ابن عباس في قوله (خشية الإنفاق) قال: # الفقر (وكان الإنسان قتورا) قال: بخيلا. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن قتادة (خشية الإنفاق) قال: خشية الفاقة (وكان الإنسان قتورا) ~~قال: بخيلا ممسكا. # سورة الإسراء الآية (101 - 109) قوله (ولقد آتينا موسى تسع آيات): أي ~~علامات دالة على نبوته. قيل ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن المعجزات ~~المذكورة كأنها مساوية لتلك الأمور التي اقترحها كفار قريش، بل أقوى منها، ~~فليس عدم الاستجابة PageV03P262 # لما طلبوه من الآيات إلا لعدم المصلحة في استئصالهم إن لم يؤمنوا بها. ~~قال أكثر المفسرين: الآيات التسع: هي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، ~~والدم، والعصا، واليد، والسنين، ونقص الثمرات. وجعل الحسن مكان السنين ونقص ~~الثمرات البحر والجبل. وقال محمد بن كعب القرظي: هي الخمس التي في الأعراف، ~~والبحر، والعصا، والحجر، والطمس على أموالهم. وقد تقدم الكلام على هذه ~~الآيات مستوفى، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في تعداد هذه الآيات التسع ~~(فاسأل بني إسرائيل) قرأ ابن عباس وابن نهيك فسأل على الخبر: # أي سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه، وقرأ ~~الآخرون " فاسأل " على الأمر: # أي سلهم يا محمد حين (جاءهم) موسى، والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة ~~والإيقان، لأن الأدلة إذا تظافرت كان ذلك أقوى والمسئولون مؤمنو بني ~~إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه (فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى ~~مسحورا) الفاء هي الفصيحة: أي فأظهر موسى عند فرعون ما آتيناه من الآيات ~~البينات وبلغه ما أرسل به فقال له فرعون. والمسحور: الذي سحر فخولط عقله. ~~وقال أبو عبيدة والفراء: هو بمعنى الساحر، فوضع المفعول موضع الفاعل، ف ~~(قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء) يعني الآيات التي أظهرها، وأنزل بمعنى أوجد ~~(إلا رب السماوات والأرض بصائر) أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته، ~~وانتصاب بصائر على الحال. قرأ الكسائي بضم التاء من علمت على أنها لموسى، ~~وروى ذلك عن علي، وقرأ الباقون بفتحها على الخطاب لفرعون. # ووجه القراءة الأولى أن ms2261 فرعون لم يعلم ذلك، وإنما علمه موسى. ووجه قراءة ~~الجمهور أن فرعون كان عالما بذلك كما قال تعالى - وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا - قال أبو عبيد: المأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصح ~~للمعنى، لأن موسى لا يقول علمت أنا وهو الداعي، وروى نحو هذا عن الزجاج ~~(وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) الظن هنا بمعنى اليقين، والثبور الهلاك ~~والخسران. قال الكميت: # ورأت قضاعة في الأيا * من رأى مثبور وثابر أي مخسور وخاسر، وقيل المثبور ~~الملعون، ومنه قول الشاعر: # يا قومنا لا تروموا حزينا سفها * إن السفاه وإن البغي مثبور أي ملعون، ~~وقيل المثبور ناقص العقل، وقيل هو الممنوع من الخير، يقال ما ثبرك عن كذا: ~~ما منعك منه، حكاه أهل اللغة، وقيل المسحور (فأراد أن يستفزهم من الأرض) أي ~~أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من الأرض، يعني أرض مصر ~~بإيعادهم عنها، وقيل أراد أن يقتلهم وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض. وقد ~~تقدم قريبا معنى الاستفزاز (فأغرقناه ومن معه جميعا) فوقع عليه وعليهم ~~الهلاك بالغرق، ولم يبق منهم أحدا (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا ~~الأرض) أي من بعد إغراقه ومن معه، والمراد بالأرض هنا: # أرض مصر التي أراد أن يستفزهم منها (فإذا جاء وعد الآخرة) أي الدار ~~الآخرة وهو القيامة، أو الكرة الآخرة، أو الساعة الآخرة (جئنا بكم لفيفا) ~~قال الجوهري: اللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال جاء القوم بلفهم ~~ولفيفهم: أي بأخلاطهم، فالمراد هنا جئنا بكم من قبوركم مختلطين من كل موضع، ~~قد اختلط المؤمن بالكافر. قال الأصمعي: اللفيف جمع وليس له واحد، وهو مثل ~~الجمع (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) الضمير يرجع إلى القرآن. ومعنى (بالحق ~~أنزلناه) أوحيناه متلبسا بالحق ومعنى (وبالحق نزل) أنه نزل وفيه الحق، وقيل ~~الباقي وبالحق الأول بمعنى مع: أي مع الحق أنزلناه كقولهم ركب الأمير ~~بسيفه: أي مع سيفه، وبالحق نزل: أي بمحمد كما تقول نزلت يزيد. وقال أبو علي ~~الفارسي: الباء في الموضعين بمعنى مع، ms2262 وقيل يجوز أن PageV03P263 # يكون المعنى: وبالحق قدرنا أن ينزل وكذلك نزل، أو ما أنزلناه من السماء ~~إلا محفوظا، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين، والتقديم في ~~الموضعين للتخصص (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) أي مبشرا لمن أطاع بالجنة ~~ونذيرا مخوفا لمن عصى بالنار (وقرآنا فرقناه) انتصاب قرآنا بفعل مضمر يفسره ~~ما بعده، قرأ علي وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وقتادة وأبو رجاء ~~والشعبي (فرقناه) بالتشديد: أي أنزلناه شيئا بعد شئ لا جملة واحدة. وقرأ ~~الجمهور فرقناه بالتخفيف: أي بيناه وأوضحناه، وفرقنا فيه بين الحق والباطل. ~~وقال الزجاج: فرقه في التنزيل ليفهمه الناس. قال أبو عبيد: التخفيف أعجب ~~إلي، لأن تفسيره بيناه، وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقا. ويؤيده ما ~~رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت مخففا بين الكلام، وفرقت مشددا ~~بين الأجسام، ثم ذكر سبحانه العلة لقوله: فرقناه، فقال (لتقرأه على الناس ~~على مكث) أي على تطاول في المدة شيئا بعد شئ على القراءة الأولى، أو ~~أنزلناه آية آية، وسورة سورة. ومعناه على القراءة الثانية على مكث: أي على ~~ترسل وتمهل في التلاوة، فإن ذلك أقرب إلى الفهم وأسهل للحفظ. وقد اتفق ~~القراء على ضم الميم في مكث إلا ابن محيصن فإنه قرأ بفتح الميم (ونزلناه ~~تنزيلا) التأكيد بالمصدر للمبالغة، والمعنى: أنزلناه منجما مفرقا لما في ~~ذلك من المصلحة، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا ولم يطيقوا ~~(قل آمنوا به أو لا تؤمنوا) أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يقول للكافرين المقترحين للآيات آمنوا به أو لا تؤمنوا، فسواء إيمانكم ~~به وامتناعكم عنه لا يزيده ذلك ولا ينقصه. وفى هذا وعيد شديد لأمره صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالإعراض عنهم واحتقارهم، ثم علل ذلك بقوله (إن الذين ~~أوتوا العلم من قبله) أي أن العلماء الذين قرؤا الكتب السابقة قبل إنزال ~~القرآن وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن ~~نوفل وعبد الله ms2263 بن سلام (إذا يتلى عليهم) أي القرآن (يخرون للأذقان سجدا) ~~أي يسقطون على وجوههم ساجدين لله سبحانه. وإنما قيد الخرور، وهو السقوط ~~بكونه للأذقان: أي عليها، لأن الذقن، وهو مجتمع اللحيين أول ما يحاذي ~~الأرض. قال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدئ الإنسان بالخرور ~~للسجود، فأول ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن، وقيل المراد تعفير اللحية ~~في التراب، فإن ذلك غاية الخضوع، وإيثار اللام في للأذقان على على للدلالة ~~على الاختصاص، فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم، وقيل ~~الضمير في قوله (من قبله) راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأولى ~~ما ذكرناه من رجوعه إلى القرآن لدلالة السياق على ذلك، وفى هذا تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. وحاصلها أنه إن لم يؤمن به هؤلاء الجهال ~~الذين لا علم عندهم ولا معرفة بكتب الله ولا بأنبيائه، فلا تبال بذلك. فقد ~~آمن به أهل العلم وخشعوا له وخضعوا عند تلاوته عليهم خضوعا ظهر أثره البالغ ~~بكونهم يخرون على أذقانهم سجدا لله (ويقولون سبحان ربنا) أي يقولون في ~~سجودهم تنزيها لربنا عما يقوله الجاهلون من التكذيب أو تنزيها له عن خلف ~~وعده (إن كان وعد ربنا لمفعولا) إن هذه هي المخففة من الثقيلة، واللام هي ~~الفارقة. ثم ذكر أنهم خروا لأذقانهم باكين فقال (ويخرون للأذقان يبكون) ~~وكرر ذكر الخرور للأذقان لاختلاف السيب، فإن الأول لتعظيم الله سبحانه ~~وتنزيهه، والثاني للبكاء بتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم ومزيد خشوعهم، ~~ولهذا قال (ويزيدهم) أي سماع القرآن، أو القرآن بسماعهم له (خشوعا) أي لين ~~قلب ورطوبة عين. # وقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (تسع آيات) فذكر ما ذكرناه عن أكثر المفسرين. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: يده، وعصاه PageV03P264 # ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وأخرج ~~الطيالسي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ~~ماجة وأبو يعلى وابن ms2264 جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن قانع ~~والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي وابن مردويه عن صفون بن عسال " أن ~~يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه فسألاه ~~عن قول الله (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فقال: لا تشركوا بالله شيئا، ~~ولا تزنوا، ولا تسرفوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا ~~تسرقوا ولا تسحروا، ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ~~ولا تقذفوا محصنة. أو قال: لا تفروا مر الزحف - شك شعبة - وعليكم يا يهود ~~خاصة أن لا تعتدوا في السبت، فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي الله، ~~قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إن داود دعا الله أن يزال في ذريته نبي، ~~وإنا نخاف إن أسلمنا أن يقتلنا اليهود ". وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب ~~عن أنس بن مالك أنه سئل عن قوله (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا قال: مخالفا، ~~وقال: الأنبياء أكرم من أن تلعن أو تسب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم من طرق عن ابن عباس مثبورا قال: ملعونا. وأخرج الشيرازي في ~~الألقاب وابن مردويه عنه قال: قليل العقل. وأخرج ابن جرير عنه أيضا لفيفا ~~قال: جميعا. وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي عن ابن عباس أنه قرأ " وقرآنا فرقناه " مثقلا قال: نزل ~~القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان جملة واحدة، فكان ~~المشركون إذا أحدثوا شيئا أحدث الله لهم جوابا، ففرقه الله في عشرين سنة. ~~وقد روى نحو هذا عنه من طرق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا (فرقناه) ~~قال: فصلناه على مكث بأمد (يخرون للأذقان) يقول للوجوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عن مجاهد (إذا يتلى عليهم) قال: كتابهم. # سورة الإسراء الآية (110 - 111) أراد سبحانه أن يعلم عباده كيفية الدعاء ~~والخشوع فقال (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) ومعناه: أنهما مستويان في ~~جواز الإطلاق وحسن الدعاء بهما، ولهذا قال (أيا ms2265 ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى) التنوين في أيا عوض عن المضاف إليه. وما مزيدة لتوكيد الإبهام في ~~أيا، والضمير في له راجع إلى المسمى، وكان أصل الكلام أيا ما تدعوا فهو ~~حسن، فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة، وللدلالة على أنها إذا حسنت ~~أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان، ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال ~~والإكرام، ذكر معنى هذا النيسابوري وتبعه أبو السعود. قال الزجاج: أعلمهم ~~الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى قول واحد، وسيأتي ذكر سبب ~~نزول الآية، وبه يتضح المراد منها، ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال (ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر ~~والمخافتة من نعوت الصوت، لا من نعوت أفعال الصلاة فهو من إطلاق الكل ~~وإرادة الجزء، يقال خفت صوته خفوتا: إذا انقطع كلامه وضعف وسكن، وخفت الزرع ~~إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته: إذا لم يرفع بها صوته، وقيل معناه: لا تجهر ~~بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها PageV03P265 # والأول أولى (وابتغ بين ذلك) أي الجهر والمخافتة المدلول عليها بالفعلين ~~(سبيلا) أي طريقا متوسطا بين الأمرين فلا تكن مجهورة ولا مخافتا بها، وعلى ~~التفسير الثاني يكون معنى ذلك النهي عن الجهر بقراءة الصلوات كلها، والنهي ~~عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها، والأمر بجعل البعض منها مجهورا به، وهو ~~صلاة الليل والمخافتة بصلاة النهار، وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة ~~بقوله - ادعوا ربكم تضرعا وخفية - ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا ~~بأسمائه الحسنى نبه على كيفية الحمد له فقال (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا) كما تقوله اليهود والنصارى، ومن قال من المشركين إن الملائكة بنات ~~الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا (ولم يكن له شريك في الملك) أي مشارك له في ~~ملكه وربوبيته كما تزعمه الثنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة ~~(ولم يكن له ولى من الذل) أي لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن ~~عن الولي والنصير. قال الزجاج: أي لم ms2266 يحتج أن ينتصر بغيره، وفى التعرض في ~~أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه ~~الصفات، لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم لكون الولد مجبنة ومبخلة، ~~ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير ~~قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على ~~الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له، فضلا ~~عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين فقد يمنعه ~~الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه ومؤديه فإن إلى الفساد - لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا - والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد ~~إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى بنفسه (وكبره تكبيرا) ~~أي عظمه تعظيما وصفه بأنه أعظم من كل شئ. # وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال " صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بمكة ذات يوم فقال في دعائه: يا الله يا رحمن، فقال ~~المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا ان ندعوا إلهين، وهو يدعو إلهين، ~~فأنزل الله - قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن - الآية ". وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن إبراهيم النخعي قال: إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن الرحمن، وكان لهم كاهن باليمامة يسمونه الرحمن، فنزلت الآية. # وهو مرسل. وأخرج ابن جرير عن مكحول " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يتهجد بمكة ذات ليلة يقول في سجوده يا رحمن يا رحيم، فسمعه رجل من ~~المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه: إن ابن أبي كبشة يدعو الليلة الرحمن الذي ~~باليمن، وكان رجل باليمن يقال له الرحمن، فنزلت ". وأخرج البيهقي في ~~الدلائل من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس قال " سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعوا) إلى آخر الآية، ms2267 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو أمان ~~من السرق " وإن رجلا من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم تلاها حيث أخذ مضجعه، فدخل عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله والرجل ~~ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب فوجد الباب مردودا، فوضع الكارة، ففعل ذلك ~~ثلاث مرات، فضحك صاحب الدار ثم قال: إني حصنت بيتي. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن ابن عباس في قوله (ولا تجهر بصلاتك) الآية قال: نزلت ورسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم متوار، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، ~~فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه ~~(ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن (ولا تخافت ~~بها) عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك (وابتغ بين ذلك سبيلا) ~~يقول: بين الجهر والمخافتة. وأخرج ابن مردويه عنه قال كان نبي الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يجهر بالقراءة بمكة فيؤذي، فأنزل الله (ولا تجهر ~~بصلاتك). وأخرج PageV03P266 # ابن أبي شيبة عنه أيضا نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه نحوه. وأخرج ~~الطبراني وابن مردويه عنه أيضا قال: # كان مسيلمة الكذاب قد سمى الرحمن، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا صلى فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قال المشركون: يذكر إله اليمامة، ~~فأنزل الله (ولا تجهر بصلاتك). وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~والبيهقي في الشعب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا قرأ خفض، ~~وكان عمر إذا قرأ جهر، فقيل لأبي بكر لم تصنع هذا؟ قال: أنا أناجي ربي، وقد ~~عرف حاجتي، وقيل لعمر لم تصنع هذا؟ # قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزل (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها) قيل لأبي بكر ارفع شيئا، وقيل لعمر اخفض شيئا. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وغيرهم عن عائشة قالت: إنما نزلت هذه الآية ~~(ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) في الدعاء. ms2268 وأخرج ابن جرير والحاكم عنها ~~قالت: نزلت في التشهد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير ومحمد بن ~~نصر وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس مثل حديث عائشة الأول. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن اليهود والنصارى قالوا ~~اتخذ الله ولدا، وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ~~ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية ~~(قل الحمد لله) إلى آخرها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد في قوله (ولم يكن له ولى من الذل) قال: لم يحالف أحدا ~~ولم يبتغ نصر أحد. وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " آية العز (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) الآية ~~كلها ". وأخرج أبو يعلى وابن السني عن أبي هريرة قال " خرجت أنا ورسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ويده في يدي، فأتى علي رجل رث الهيئة فقال: أي ~~فلان ما بلغ بك ما أرى؟ قال: # السقم والضر، قال: ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟ توكلت على الحي ~~الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا إلى آخر الآية، فأتى عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد حسنت حاله فقال مهيم: # قال لم أزل أقول الكلمات التي علمتني ". وفى لفظ أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم علم ذلك أبا هريرة. قال ابن كثير: وإسناده ضعيف وفى متنه نكارة. ~~وأخرج ابن جرير عن قتادة قال " ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يعلم أهله هذه الآية (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) إلى آخرها ~~الصغير من أهله والكبير ". وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الكريم بن ~~أبي أمية قال " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الغلام من بني ~~هاشم إذا أفصح سبع مرات (الحمد لله ms2269 الذي لم يتخذ ولدا) إلى آخر السورة " ~~وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبد الكريم عن عمرو بن شعيب فذكره. ~~وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده. PageV03P267 # تفسير سورة الكهف وهى مائة وإحدى عشرة آية قال القرطبي: وهى مكية في قول ~~جميع المفسرين. وروى عن فرقة أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله " جرزا " ~~والأول أصح انتهى. ومن القائلين إنها مكية جميعها ابن عباس، أخرجه عنه ~~النحاس وابن مردويه ومنهم ابن الزبير، أخرجه عنه ابن مردويه. وقد ورد في ~~فضلها أحاديث: منها ما أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ~~وغيرهم عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من حفظ عشر ~~آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ". وأخرج أحمد ومسلم والنسائي ~~وابن حبان عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من ~~قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال ". وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن البراء قال " قرأ رجل سورة الكهف وفى الدار دابة، فجعلت ~~تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فقال: اقرأ فلان، فإن السكينة نزلت للقرآن " وهذا الذي كان يقرأ ~~هو أسيد بن حضير كما بينه الطبراني. وأخرج الترمذي وصححه عن أبي الدرداء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ ثلاث آيات من أول ~~سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " وفى قراءة العشر الآيات من أولها أو من ~~آخرها أحاديث. وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن علي قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ~~ثمانية أيام من كل فتنة تكون، فإن خرج الدجال عصم منه ". وأخرج الطبراني في ~~الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي والضياء عن أبي سعيد الخدري ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من ms2270 قرأ سورة الكهف كانت له نورا ~~من مقامه إلى مكة، ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ". ~~وأخرج الحاكم وصححه من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ". ~~وأخرجه البيهقي أيضا في السنن من هذا الوجه ومن وجه آخر. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ سورة ~~الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضئ له يوم ~~القيامة وغفر له ما بين الجمعتين ". وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها ما بين ~~السماء والأرض ولكاتبها من الأجر مثل ذلك ومن قرأها يوم الجمعة غفر له ما ~~بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، ومن قرأ الخمس الأواخر منها ~~عند نومه بعثه الله من أي الليل شاء؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: سورة ~~أصحاب الكهف ". وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " البيت الذي تقرأ فيه سورة الكهف لا يدخله شيطان ~~تلك الليلة " وفى الباب أحاديث وآثار، وفيما أوردناه كفاية مغنية. # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الكهف الآية (1 - 4) PageV03P268 # سورة الكهف الآية (5 - 8) علم عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم، ~~ووصفه بالموصول يشعر بعلية ما في حيز الصلة لما قبله ووجه كون إنزال ~~الكتاب، وهو القرآن نعمة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كونه اطلع ~~بواسطته على أسرار التوحيد، وأحوال الملائكة والأنبياء، وعلى كيفية الأحكام ~~الشرعية التي تعبده الله وتعبد أمته بها، وكذلك العباد كان إنزال الكتاب ~~على نبيهم نعمة لهم لمثل ما ذكرناه في النبي (ولم يجعل له عوجا) أي شيئا من ~~الغوج بنوع من أنواع الاختلال في اللفظ والمعنى، والعوج بالكسر في المعاني، ~~وبالفتح في ms2271 الأعيان كذا قيل، ويرد عليه قوله سبحانه - لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا - يعني الجبال، وهى من الأعيان. قال الزجاج: المعنى في الآية لم يجعل ~~فيها اختلافا كما قال - ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~-. والقيم المستقيم الذي لا ميل فيه، أو القيم بمصالح العباد الدينية ~~والدنيوية، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمنا عليها، وعلى ~~الأول يكون تأكيدا لما دل عليه نفى العوج، فرب مستقيم في الظاهر لا يخلو عن ~~أدنى عوج في الحقيقة، وانتصاب قيما بمضمر: أي جعله قيما ومنع صاحب الكشاف ~~أن يكون حالا من الكتاب، لأن قوله ولم يجعل معطوف على أنزل فهو داخل في حيز ~~الصلة، فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة. وقال ~~الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأول جملة والثاني مفرد، وهذا صواب ~~لأن قوله (ولم يجعل) لم يكن معطوفا على ما قبله بل الواو للحال، فلا فصل ~~بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وقيل إن قيما حال من ضمير لم يجعل له، ~~وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم ~~يجعل له عوجا، ثم أراد سبحانه أن يفصل ما أجمله في قوله قيما فقال (لينذر ~~بأسا شديدا) وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم، والمعنى لينذر الكافرين. ~~والبأس العذاب، ومعنى (من لدنه) صادرا من لدنه نازلا من عنده. روى أبو بكر ~~عن عاصم أنه قرأ من لدنه باشمام الدال الضمة، وبكسر النون والهاء. وهى لغة ~~الكلابيين. وروى أبو زيد عن جميع القراء فتح اللام وضم الدال وسكون النون ~~(ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات) قرئ يبشر بالتشديد والتخفيف، وأجرى ~~الموصول على موصوفه المذكور، لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان (أن لهم ~~أجرا حسنا) وهو الجنة حال كونهم (ماكثين فيه) أي في ذلك الأجر (أبدا) أي ~~مكثا دائما لا انقطاع له، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية ~~بزجر الكفار ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به، ms2272 وهو البأس ~~الشديد، لتقدم ذكره فقال (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا) وهم اليهود ~~والنصارى وبعض كفار قريش. القائلون بأن الملائكة بنات الله، فذكر سبحانه ~~أولا قضية كلية، وهى إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض ~~جزئيات تلك الكلية، تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية. فأفاد ذلك أن ~~نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر (ما لهم به من علم) أي ~~بالولد، أو اتخاذ الله إياه، ومن مزيدة لتأكيد النفي، والجملة في محل نصب ~~على الحال أو هي مستأنفة، والمعنى: مالهم بذلك علم أصلا (ولا لآبائهم) علم، ~~بل كانوا في زعمهم هذا على ضلالة، وقلدهم أبناؤهم فضلوا جميعا (كبرت كلمة ~~تخرج من أفواههم) انتصاب كلمة على التمييز، وقرئ بالرفع على الفاعلية. قال ~~الفراء: كبرت تلك الكلمة كلمة. وقال الزجاج: كبرت مقالتهم كلمة، والمراد ~~بهذه الكلمة هي قولهم اتخذ الله PageV03P269 # ولدا، ثم وصف الكلمة بقوله (تخرج من أفواههم) وفائدة هذا الوصف استعظام ~~اجترائهم على التفوه بها، والخارج من الفم وإن كان هو مجرد الهوى، لكن لما ~~كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهوى أسند إلى الحال ما هو من شأن ~~المحل. ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال (إن يقولون إلا كذبا) أي ما ~~يقولون إلا كذبا لا مجال للصدق فيه بحال. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بقوله (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) قال الأخفش والفراء: البخع الجهد. ~~وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، ~~وبخع الرجل نفسه إذا نهكها. وقال أبى عبيدة: معناه مهلك نفسك، ومنه قول ذي ~~الرمة: # * ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه * فيكون المعنى على هذه الأقوال لعلك ~~مجهد نفسك أو مضعفها أو مهلكها (على آثارهم) على فراقهم ومن بعد توليهم ~~وإعراضهم (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث) أي القرآن وجواب الشرط محذوف دل عليه ~~ما قبله. وقرئ بفتح أن: أي لأن لم يؤمنوا (أسفا) أي غيظا وحزنا وهو مفعول ~~له أو مصدر في موضع الحال ms2273 كذا قال الزجاج (إنا جعلنا ما على الأرض زينة ~~لها) هذه الجملة استئناف. والمعنى: إنا جعلنا ما على الأرض مما يصلح أن ~~يكون زينة لها من الحيوانات والنبات والجماد كقوله سبحانه - هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا - وانتصاب زينة على أنها مفعول ثان لجعل، واللام في ~~(لنبلوهم أيهم أحسن عملا) متعلقة بجعلنا، وهى إما للغرض أو للعاقبة، ~~والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره ~~لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان. وقال الزجاج أيهم رفع بالابتداء إلا أن ~~لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى: لنمتحن أهذا أحسن عملا أم ذاك؟ قال الحسن: ~~أيهم أزهد، وقال مقاتل: أيهم أصلح فيما أوتي من المال، ثم أعلم سبحانه أنه ~~مبيد لذلك كله ومفنيه فقال (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) أي لجاعلون ~~ما عليها من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا صعيدا ترابا. قال أبو عبيدة: ~~الصعيد المستوى من الأرض. وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه قال ~~الفراء: الجرز الأرض التي لا نبات فيها، ومن قولهم: امرأة جرزا إذا كانت ~~أكولا، وسيفا جرازا إذا كان مستأصلا، وجرز الجراد والشاة والإبل الأرض إذا ~~أكلت ما عليها. قال ذو الرمة: # طوى النحز والاجراز ما في بطونها * ومعنى النظم لا تحزن يا محمد مما وقع ~~من هؤلاء من التكذيب فانا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم، ~~وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازوهم إن خيرا فخير، وأن شرا ~~فشر. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) الآية ~~قال: أنزل الكتاب عدلا قيما (ولم يجعل له عوجا) ملتبسا. # وأخرج ابن المنذر عن الضحاك (قيما) قال: مستقيما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~قتادة (من لدنه) أي من عنده. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى (حسنا) يعنى الجنة (وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا) قال: هم اليهود والنصارى وأخرج ms2274 ابن مردويه عن ابن عباس قال: ~~اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية ابن ~~خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البحتري في نفر من قريش، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه ~~إياه، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة، فأحزنه حزنا شديدا، فأنزل الله ~~سبحانه (فلعلك باخع نفسك). وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه (باخع نفسك) ~~يقول: قاتل نفسك وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~السدى مثله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (أسفا) قال: جزعا. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة (أسفا) قال: حزنا. ~~PageV03P270 # وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ~~(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) قال: الرجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير من قوله مثله. وأخرج أبو نصر السجري في الإبانة من طريق مجاهد ~~عن ابن عباس في الآية قال: العلماء زينة الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال: هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر قال: # تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية (لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا) فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ # قال: ليبلوكم أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: ليختبرهم (أيهم أحسن عملا) قال: أيهم أتم ~~عقلا. وأخرج عن الحسن (أيهم أحسن عملا) قال: أشدهم للدنيا تركا، وأخرج أيضا ~~عن الثوري قال: أزهدهم في الدنيا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~(وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) قال: يهلك كل شئ ويبيد. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الصعيد التراب والجبال التي ~~ليس فيها ms2275 زرع. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: يعنى بالجرز الخراب. # سورة الكهف الآية (9 - 16) قوله (أم حسبت) أم هي المنقطعة المقدرة ببل ~~والهمزة عند الجمهور، وببل وحدها عند بعضهم والتقدير: # بل أحسبت، أو بل حسبت، ومعناها الانتقال من حديث إلى حديث آخر، لا لإبطال ~~الأول والإضراب عنه كما هو معنى بل في الأصل. والمعنى: أن القوم لما تعجبوا ~~من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول على سبيل الامتحان، قال سبحانه: بل ~~أظننت يا محمد أنهم كانوا عجبا من آياتنا فقط؟ لا تحسب ذلك فإن آياتنا كلها ~~عجب، فإن من كان قادرا على جعل ما على الأرض زينة لها للإبتلاء، ثم جعل ما ~~عليها صعيدا جرزا كأن لم تغن بالأمس، لا تستبعد قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة ~~إلى طائفة مخصوصة، وإن كانت قصتهم خارقة للعادة، فإن آيات الله سبحانه كذلك ~~وفوق ذلك. و (عجبا) منتصبة على أنه خبر كان: أي ذات عجب، أو موصوفة بالعجب ~~مبالغة. ومن آياتنا في محل نصب على الحال، و (إذ أوى الفتية) ظرف لحسبت أو ~~لفعل مقدر، وهو PageV03P271 # ذكر: أي صاروا إليه وجعلوه مأواهم، والفتية هم أصحاب الكهف، والكهف هو ~~الغار الواسع في الجبل. فإن كان صغيرا سمي غارا، والرقيم قال كعب والسدي: ~~إنه اسم القرية التي خرج منها أصحاب الكهف، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: إنه ~~لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف. قال الفراء: ~~ويروي أنه إنما سمي رقيما لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه. والرقم الكتابة. ~~وروى مثل ذلك عن ابن عباس. ومنه قول العجاج في أرجوزة له * ومستقري إلا ~~المصحف الرقيم * وقيل إن الرقيم اسم كلبهم، وقيل هو اسم الوادي الذي كانوا ~~فيه، وقيل اسم الجبل الذي فيه الغار. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن قصة ~~أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله، لأن خلق السماوات والأرض وما بنهما ~~أعجب من قصة أصحاب الكهف (فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة) أي من عندك، ومن ~~ابتدائية متعلقة آتنا، أو ms2276 لمحذوف وقع حالا، والتنوين في رحمة إما للتعظيم ~~أو للتنويع، وتقديم من لدنك للاختصاص: أي رحمة مختصة بأنها من خزائن رحمتك، ~~وهى المغفرة في الآخرة والأمن من الأعداء، والرزق في الدنيا (وهيئ لنا من ~~أمرنا شدا) أي أصلح لنا، من قولك هيأت الأمر فتهيأ، والمراد بأمرهم الأمر ~~الذي هم عليه وهو مفارقتهم للكفار، الرشد نقيض الضلال، ومن للابتداء. ويجوز ~~أن تكون للتجريد. كما في قولك رأيت منك رشدا: وتقديم لمجرورين للاهتمام ~~بهما (فضربنا على آذانهم) قال المفسرون: أنمناهم. والمعنى: سددنا آذانهم ~~بالنوم الغالب عن سماع الأصوات، والمفعول محذوف: أي ضربنا على آذانهم ~~الحجاب تشبيها للإنامة الثقيلة المانعة من وصول لأصوات إلى الآذان بضرب ~~الحجاب عليها، و (في الكهف) ظرف لضربنا، وانتصاب (سنين) على الظرفية، ~~(عددا) صفة لسنين: أي ذوات عدد على أنه مصدر أو بمعنى معدودة على أنه لمعنى ~~المفعول، ويستفاد من صف السنين بالعدد الكثرة. قال الزجاج: إن الشئ إذا قل ~~فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد، وإن كثر يحتاج إلى أن يعد وقيل يستفاد ~~منه التقليل لأن الكثير قليل عند الله - وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون - ثم بعثناهم) أي أيقظناهم من تلك النومة (لنعلم) أي ليظهر معلومنا، ~~وقرئ بالتحتية مبنيا للفاعل على طريقة لالتفات، و (أي الحزبين) مبتدأ معلق ~~عنه العلم لما في أي من الاستفهام، وخبره (أحصى) وهو فعل ماض، قيل والمراد ~~بالعلم الذي جعل علة للبعث هو الاختبار مجازا فيكون المعنى بعثناهم ~~لنعاملهم معاملة من يختبرهم، الأولى ما ذكرناه من أن المراد به ظهور معلوم ~~الله سبحانه لعباده، والمراد بالحزبين الفريقان من المؤمنين والكافرين من ~~أصحاب الكهف المختلفين في مدة لبثهم. ومعنى أحصى أضبط. وكأنه وقع بينهم ~~تنازع في مدة لبثهم في الكهف، فبعثهم الله ليتبين لهم ذلك، ويظهر من ضبط ~~الحساب ممن لم يضبطه، وما في (لما لبثوا) مصدرية: أي حصى للبثهم، وقيل ~~اللام زائدة، وما بمعنى الذي، و (أمدا) تمييز، والأمد الغاية، وقيل إن أحصى ~~أفعل تفضيل. ورد بأنه خلاف ms2277 ما تقرر في علم الإعراب، وما ورد من الشاذ لا ~~يقاس عليه كقولهم: أفلس من ابن لمذلق، وأعدى من الجرب. وأجيب بأن أفعل ~~التفضيل من المزيد قياس مطرد عند سيبويه وابن عصفور، وقيل إن الحزبين هم ~~أصحاب الكهف اختلفوا بعد انتباههم كم لبثوا، وقيل إن أصحاب الكهف حزب ~~وأصحابهم حزب. # وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة ~~لبثهم (نحن نقص عليك نبأهم بالحق) هذا شروع في تفصيل ما أجمل في قوله (إذ ~~أوى الفتية) أي نحن نخبرك بخبرهم بالحق أي قصصناه بالحق، أو متلبسا بالحق ~~(إنهم فتية) أي أحداث شبان، و (آمنوا بربهم) صفة لفتية والجملة مستأنفة ~~بتقدير سؤال، والفتية جمع قلة، و (زدناهم هدى) بالتثبيت والتوفيق، وفيه ~~التفات من الغيبة إلى الخطاب (وربطنا على قلوبهم) PageV03P272 # أي قويناها بالصبر على هجر الأهل والأوطان، وفراق الخلان والأخدان (إذ ~~قاموا) الظرف منصوب بربطنا. # واختلف أهل التفسير في هذا القيام على أقوال: فقيل إنهم اجتمعوا وراء ~~المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أكبر القوم: إني لأجد في نفسي ~~شيئا، إن ربي رب السماوات والأرض، فقالوا: ونحن أيضا كذلك نجد في أنفسنا، ~~فقاموا جميعا (فقالوا ربنا رب السماوات والأرض) قاله مجاهد. وقال أكثر ~~المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار يقال له دقيانوس، وكان يدعو الناس إلى ~~عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه (فقالوا ~~ربنا رب السماوات والأرض) وقال عطاء ومقاتل إنهم قالوا ذلك عند قيامهم من ~~النوم (لن ندعوا من دونه إلها) أي لن نعبد معبودا آخر غير الله لا اشتراكا ~~ولا استقلالا (لقد قلنا إذا شططا) أي قولا ذا شطط، أو قولا هو نفس الشطط ~~لقصد المبالغة بالوصف بالمصدر، واللام هي الموطئة للقسم، والشطط الغلو ~~ومجاوزة الحد. قال أعشى بن قيس: # أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل (هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة) هؤلاء مبتدأ، وخبره اتخذوا، وقومنا عطف بيان، وفى هذا ~~الإخبار معنى للإنكار، وفى ms2278 الإشارة إليهم تحقير لهم (لولا يأتون عليهم ~~بسلطان بين) أي هلا يأتون بحجة ظاهرة تصلح للتمسك بها (فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا) فزعم أن له شريكا في العبادة: أي لا أحد أظلم منه (وإذا ~~اعتزلتموهم) أي فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانبا: أي عن العابدين للأصنام، ~~وقوله (وما يعبدون إلا الله) معطوف على الضمير المنصوب، وما موصولة أو ~~مصدرية: أي وإذا اعتزلتموهم واعتزلتم معبودهم أو الذي يعبدونه، وقوله (إلا ~~الله) استثناء منقطع على تقدير أنهم لم يعبدوا إلا الأصنام، أو متصل على ~~تقدير أنهم شركوها في العبادة مع الله سبحانه وقيل هو كلام معترض إخبار من ~~الله سبحانه عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فتكون ما على هذا نافية ~~(فأووا إلى الكهف) أي صيروا إليه واجعلوه مأواكم. قال الفراء: هو جواب إذ، ~~ومعناه: اذهبوا إليه واجعلوه مأواكم، وقيل هو دليل على جوابه، أي إذ ~~اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا، فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا، وإذا أردتم ~~اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف (ينشر لكم ربكم من رحمته) أي ~~يبسط ويوسع (ويهيئ لكم من أمركم مرفقا) أي يسهل وييسر لكم من أمركم الذي ~~أنتم بصدده (مرفقا) المرفق بفتح الميم وكسرها لغتان قرئ بهما، مأخوذ من ~~الارتفاق وهو الانتفاع، وقيل فتح الميم أقيس، وكسرها أكثر. قال الفراء: ~~وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر ومن مرفق الإنسان، وقد تفتح العرب ~~الميم فيهما فهما لغتان، وكأن الذين فتحوا أرادوا أن يفرقوا بين المرفق من ~~الأمر، والمرفق من الإنسان. وقال الكسائي: الكسر في مرفق اليد، وقيل المرفق ~~بالكسر ما ارتفقت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق، والمراد هنا ما يرتفقون ~~به وينتفعون بحصوله، والتقديم في الموضعين يفيد الاختصاص. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~قال: الرقيم الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عنه قال: ~~الرقيم واد دون فلسطين قريب من أيلة، والراويان عن ابن عباس ضعيفان. وأخرج ~~ابن جرير من طريق ابن جريج عنه ms2279 أيضا قال: هو الجبل الذي فيه الكهف. وأخرج ~~ابن المنذر عنه، قال: والله ما أدري ما الرقيم الكتاب أم بنيان؟ وفى رواية ~~عنه من طريق أخرى قال: وسألت كعبا فقال: اسم القرية التي خرجوا منها. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن أنس قال: الرقيم الكلب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (كانوا من آياتنا عجبا) يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب ~~أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ~~(فضربنا على آذانهم) يقول: أرقدناهم (ثم بعثناهم PageV03P273 # لنعلم أي الحزبين) من قوم الفتية، أهل الهدى، وأهل الضلالة (أحصى لما ~~لبثوا)، وذلك أنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله (وزدناهم هدى) قال: إخلاصا وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله (وربطنا على قلوبهم) قال: بالإيمان وفى قوله ~~(لقد قلنا إذا شططا) قال: # كذبا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى قال: جورا. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله (وإذ اعتزلتموهم وما ~~يعبدون إلا الله) قال: كان قوم الفتية يعبدون الله ويعبدون معه آلهة شتى، ~~فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هي في مصحف ابن مسعود، وما يعبدون من ~~دون الله، فهذا تفسيرها. # سورة الكهف الآية (17 - 20). # قوله (وترى الشمس إذا طلعت) شرع سبحانه في بيان حالهم، بعد ما أووا إلى ~~الكهف (تزاور) قرأ أهل الكوفة بحذف تاء التفاعل، وقرأ ابن عامر " تزور " ~~قال الأخفش: لا يوضع الازورار في هذا المعنى، إنما يقال هو مزور عني: أي ~~منقبض. وقرأ الباقون بتشديد الزاي وإدغام تاء التفاعل فيه بعد تسكينها، ~~وتزاور مأخوذ من الزور بفتح الواو، وهو الميل، ومنه زاره إذا مال إليه، ~~والزور الميل، فمعنى الآية أن الشمس إذا طلعت تميل وتتنحى (عن كهفهم) قال ~~الراجز الكلبي * جاب المندا عن هوانا أزور ms2280 * أي مائل (ذات اليمين) أي ناحية ~~اليمين، وهى الجهة المسماة باليمين، وانتصاب ذات على الظرف، (وإذا غربت ~~تقرضهم) القرض: القطع. قال الكسائي والأخفش والزجاج وأبو عبيدة: تعدل عنهم ~~وتتركهم، قرضت المكان: عدلت عنه، تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟ فيقول ~~إنما قرضته: إذا مر به وتجاوز عنه، والمعنى: أن الشمس إذا طلعت مالت عن ~~كهفهم ذات اليمين: أي يمين الكهف، وإذا غربت تمر (ذات الشمال) أي شمال ~~الكهف لا تصيبه. بل تعدل عن سمته إلى الجهتين، والفجوة المكان المتسع، ~~وجملة (وهم في فجوة منه) في محل نصب على الحال، PageV03P274 # وللمفسرين في تفسير هذه الجملة قولان: الأول أنهم مع كونهم في مكان منفتح ~~انفتاحا واسعا في ظل جميع نهارهم لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها، ~~لأن الله سبحانه حجبها عنهم. والثاني أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب ~~الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت عن يساره، ~~ويؤيد القول الأول قوله (ذلك من آيات الله) فإن صرف الشمس عنهم مع توجه ~~الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية، ويؤيده أيضا إطلاق ~~الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا، ومما يدل على أن الفجوة المكان ~~الواسع قول الشاعر: # ألبست قومك مخزاة ومنقصة * حتى أبيحوا وخلوا فجوة الدار ثم أثنى سبحانه ~~عليهم بقوله (من يهد الله) أي إلى الحق (فهو المهتد) الذي ظفر بالهدى وأصاب ~~الرشد والفلاح (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) أي ناصرا يهديه إلى الحق ~~كدقيانوس وأصحابه. ثم حكى سبحانه طرفا آخر من غرائب أحوالهم فقال (وتحسبهم ~~أيقاظا) جمع يقظ بكسر القاف وفتحها (وهم رقود) أي نيام، وهو جمع راقد كقعود ~~في قاعد. قيل وسبب هذا الحسبان أن عيونهم كانت مفتحة وهم نيام. وقال ~~الزجاج: لكثرة تقلبهم (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) أي نقلبهم في ~~رقدتهم إلى الجهتين لئلا تأكل الأرض أجسادهم (وكلبهم باسط ذراعيه) حكاية ~~حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى المضي كما تقرر ms2281 في علم ~~النحو. قال أكثر المفسرين: هربوا من ملكهم ليلا، فمروا براع معه كلب ~~فتبعهم. والوصيد. قال أبو عبيد وأبو عبيدة هو فناء البيت، وكذا قال ~~المفسرون، وقيل العتبة، ورد بأن الكهف لا يكون له عتبة ولا باب، وإنما أراد ~~أن الكلب موضع العتبة من البيت (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا) قال ~~الزجاج: فرارا منصوب على المصدرية بمعنى التولية، والفرار: الهرب (ولملئت) ~~قرئ بتشديد اللام وتخفيفها (منهم رعبا) قرئ بسكون العين وضمها أي خوفا يملأ ~~الصدر، وانتصاب رعبا على التمييز، أو على أنه مفعول ثان، وسبب الرعب الهيبة ~~التي ألبسهم الله إياها، وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة ~~مكانهم، ويدفعه قوله تعالى - لبثنا يوما أو بعض يوم - فإن ذلك يدل على أنهم ~~لم ينكروا من حالهم شيئا، ولا وجدوا من أظفارهم وشعورهم ما يدل على طول ~~المدة (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم) الإشارة إلى المذكور قبله أي وكما ~~فعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات بعثناهم من نومهم، وفيه تذكير لقدرته على ~~الإماتة والبعث جميعا، ثم ذكر الأمر الذي لأجله بعثهم فقال: ليتساءلوا ~~بينهم: # أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ~~ذلك من انكشاف الحال وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة التساؤل لا ~~ينفى غيرها، وإنما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار، وجملة (قال قائل منهم كم ~~لبثتم) مبينة لما قبلها من التساؤل، أي كم مدة لبثكم في النوم؟ قالوا ذلك ~~لأنهم رأوا في أنفسهم غير ما يعهدونه في العادة (قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم) أي قال بعضهم جوابا عن سؤال من سأل منهم، قال المفسرون: إنهم دخلوا ~~الكهف غدوة، وبعثهم الله سبحانه آخر النهار. فلذلك قالوا يوما، فلما رأوا ~~الشمس قالوا أو بعض يوم، وكان قد بقيت بقية من النهار، وقد مر مثل هذا ~~الجواب في قصة عزيز في البقرة - قالوا ربكم أعلم بما لبثتم - أي قال البعض ~~الآخر هذا القول: إما على طريق الاستدلال، أو كان ذلك إلهاما لهم من الله ~~سبحانه: أي أنكم ms2282 لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله سبحانه (فابعثوا ~~أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) أعرضوا عن التحاور في مدة اللبث، وأخذوا في ~~شئ آخر، كأنه قال القائل منهم: اتركوا ما أنتم فيه من المحاورة، وخذوا في ~~شئ آخر مما يهمكم، والفاء للسببية، والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة. ~~وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي PageV03P275 # وحفص عن عاصم بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وحمزة، وأبو بكر عن عاصم ~~بسكونها، وقرئ بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف، وقرأ ابن محيصن بكسر ~~الواو وسكون الراء. وفى حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما ~~يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله، والمدينة دقسوس، وهى مدينتهم ~~التي كانوا فيها، ويقال لها اليوم طرسوس، كذا قال الواحدي (فلينظر أيها ~~أزكى طعاما) أي ينظر أي أهلها أطيب طعاما، وأحل مكسبا. # أو أرخص سعرا، وقيل يجوز أن يعود الضمير إلى الأطعمة المدلول عليها في ~~المقام كما يقال زيد طبت أبا على أن الأب هو زيد، وفيه بعد. واستدل بالآية ~~على حل ذبائح أهل الكتاب لأن عامة أهل المدينة كانوا كفارا، وفيهم قوم ~~يخفون إيمانهم، ووجه الاستدلال أن الطعام يتناول اللحم كما يتناول غيره مما ~~يطلق عليه اسم الطعام (وليتلطف) أي يدقق النظر حتى لا يعرف أو لا يغبن، ~~والأول أولى، ويؤيده (ولا يشعرن بكم أحدا) أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ~~ويتسبب له، فهذا النهي يتضمن التأكيد للأمر بالتلطف. ثم علل ما سبق من ~~الأمر والنهي فقال (إنهم إن يظهروا عليكم) أي يطلعوا عليكم ويعلموا ~~بمكانكم، يعني أهل المدينة (يرجموكم) يقتلوكم بالرجم، وهذه القتلة هي أخبث ~~قتلة، وكان ذلك كان عادة لهم، ولهذا خصه من بين أنواع ما يقع به القتل (أو ~~يعيدوكم في ملتهم) أي يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم ~~الله، أو المراد بالعود هنا الصيرورة على تقدير أنهم لم يكونوا على ملتهم، ~~وإيثار كلمة في علي كلمة إلى للدلالة على الاستقرار (ولن تفلحوا إذا أبدا) ~~في ms2283 إذن معنى الشرط، كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلن تفلحوا إذا أبدا، لا ~~في الدنيا ولا في الآخرة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(تزاور) قال: تميل، وفى قوله (تقرضهم) قال: تذرهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (تقرضهم) قال: # تتركهم (وهم في فجوة منه) قال: المكان الداخل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن جبير، قال: الفجوة: # الخلوة من الأرض، ويعني بالخلوة الناحية من الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ونقلبهم) الآية قال: ستة أشهر على ذي ~~الجنب اليمين، وستة أشهر على ذي الجنب الشمال. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~المنذر عن سعيد بن جبير في الآية قال: كي لا تأكل الأرض لحومهم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن مجاهد أن اسم كلبهم قطمورا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: ~~اسمه قطمير. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ~~في قوله (بالوصيد) قال: بالفناء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: ~~بالباب. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ~~(أزكى طعاما) قال: أحل ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (أزكى طعاما): يعني أطهر، لأنهم كانوا ~~يذبحون للطواغيت. # سورة الكهف الآية (21) PageV03P276 # سورة الكهف الآية (22 - 26) قوله (وكذلك أعثرنا عليهم) أي وكما أنمناهم ~~وبعثناهم، أعثرنا عليهم: أي أطلعنا الناس عليهم وسمى الإعلام إعثارا، لأن ~~من كان غافلا عن شئ فعثر به نظر إليه وعرفه، فكان الإعثار سببا لحصول العلم ~~(ليعلموا أن وعد الله حق) أي ليعلم الذين أعثرهم الله عليهم أن وعد الله ~~بالبعث حق. قيل وكان ملك ذلك العصر ممن ينكر البعث، فأراه الله هذه الآية. ~~قيل وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي بعثوه بالورق، وكانت من ضربة ~~دقيانوس إلى السوق، لما اطلع عليها أهل السوق اتهموه ms2284 بأنه وجد كنزا، فذهبوا ~~به إلى الملك، فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟ قال: بعت بها أمس شيئا من ~~التمر، فعرف الملك صدقه، ثم قص عليه القصة فركب الملك وركب أصحابه معه حتى ~~وصلوا إلى الكهف (وأن الساعة لا ريب فيها) أي وليعلموا أن القيامة لا شك في ~~حصولها، فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث (إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم وقت التنازع ~~والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم الله في أمر البعث، وقيل في أمر أصحاب ~~الكهف في قدر مكثهم، وفى عددهم، وفيما يفعلونه بعد أن اطلعوا عليهم (فقالوا ~~ابنوا عليهم بنيانا) لئلا يتطرق الناس إليهم. وذلك أن الملك وأصحابه لما ~~وقفوا عليهم وهم أحياء أمات الله الفتية، فقال بعضهم: ابنوا عليهم بنيانا ~~يسترهم عن أعين الناس، ثم قال سبحانه حاكيا لقول المتنازعين فيهم وفى ~~عددهم، وفى مدة لبثهم، وفى نحو ذلك مما يتعلق بهم (ربهم أعلم بهم) من هؤلاء ~~المتنازعين فيهم، قالوا ذلك تفويضا للعلم إلى الله سبحانه، وقيل هو من كلام ~~الله سبحانه. ردا لقول المتنازعين فيهم: أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع، ~~فإني أعلم بهم منكم، وقيل إن الظرف في " إذ يتنازعون " متعلق بمحذوف هو ~~أذكر، ويؤيده أن الإعثار ليس في زمن التنازع بل قبله، ويمكن أن يقال: إن ~~أولئك القوم ما زالوا متنازعين فيما بينهم قرنا بعد قرن. منذ أووا إلى ~~الكهف إلى وقت الإعثار، ويؤيد ذلك أن خبرهم كان مكتوبا على باب الغار، كتبه ~~بعض المعاصرين لهم من المؤمنين الذين كانوا يخفون إيمانهم كما قاله ~~المفسرون (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا) ذكر اتخاذ المسجد ~~يشعر بأن هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل هم أهل السلطان، ~~والملك من القوم المذكورين فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأول ~~أولى. قال الزجاج: هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث ~~والنشور. لأن المساجد للمؤمنين (سيقولون ثلاثة ms2285 رابعهم كلبهم) هؤلاء ~~القائلون بأنهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة، هم المتنازعون في عددهم في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب والمسلمين، وقيل هم أهل الكتاب ~~خاصة، وعلى كل تقدير فليس المراد أنهم جميعا قالوا جميع ذلك، بل قال بعضهم ~~بكذا، وبعضهم بكذا، وبعضهم بكذا ثلاثة رابعهم كلبهم: أي هم ثلاثة أشخاص، ~~وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال: PageV03P277 # أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم (ويقولون خمسة سادسهم ~~كلبهم) الكلام فيه كالكلام فيما قبله، وانتصاب (رجما بالغيب) على الحال: أي ~~راجمين أو على المصدر أي يرجمون رجما، والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس ~~من غير يقين، والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلين بأنهم ~~ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) كأن قول هذه ~~الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب. قيل ~~وإظهار الواو في هذه الجملة يدل على أنها مرادة في الجملتين الأوليين. قال ~~أبو علي الفارسي قوله: رابعهم كلبهم، وسادسهم كلبهم جملتان استغنى عن حرف ~~العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى وهى قوله ثلاثة، والتقدير: هم ~~ثلاثة، هكذا حكاه الواحدي عن أبي علي، ثم قال: وهذا معنى قول الزجاج في ~~دخول الواو في وثامنهم وإخراجها من الأول، وقيل هي مزيدة للتوكيد، وقيل ~~إنها واو الثمانية، وإن ذكره متداول على ألسن العرب إذا وصلوا إلى الثمانية ~~كما في قوله تعالى - وفتحت أبوابها - وقوله - ثيبات وأبكارا - ثم أمر الله ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المختلفين في عددهم بما يقطع التنازع ~~بينهم فقال (قل ربى أعلم بعدتهم) منكم أيها المختلفون ثم أثبت علم ذلك ~~لقليل من الناس فقال (ما يعلمهم) أي يعلم ذواتهم فضلا عن عددهم، أو ما يعلم ~~عددهم على حذف المضاف (إلا قليل) من الناس، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف فقال (فلا ~~تمار فيهم) المراء في اللغة ms2286 الجدال: يقال ماري يمارى مماراة ومراء: أي ~~جادل، ثم استثنى سبحانه من المراء ما كان ظاهرا واضحا فقال (إلا مراء ~~ظاهرا) أي غير متعمق فيه وهو أن يقص عليهم ما أوحى الله إليه فحسب. وقال ~~الرازي: هو أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول هذا التعيين لا دليل ~~عليه، فوجب التوقف، ثم نهاه سبحانه عن الاستفتاء في شأنهم فقال (ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا) أي لا تستفت في شأنهم من الخائضين فيهم أحدا منهم، لأن ~~المفتى يجب أن يكون أعلم من المستفتى، وهاهنا الأمر بالعكس، ولا سيما في ~~واقعة أهل الكهف، وفيما قص الله عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له ~~(ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا) أي لأجل شئ تعزم عليه فيما يستقبل من ~~الزمان، فعبر عنه بالغد، ولم يرد الغد بعينه، فيدخل فيه الغد دخولا أوليا. ~~قال الواحدي: قال المفسرون لما سألت اليهود النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن خبر الفتية فقال: أخبركم غدا، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه ~~حتى شق عليه، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله يقول: إذا ~~قلت لشئ إني فاعل ذلك غدا، فقل إن شاء الله. وقال الأخفش والمبرد والكسائي ~~والفراء: لا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله، فأضمر ~~القول ولما حذف تقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال، قيل وهذا الاستثناء مفرغ: ~~أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال، إلا حال ملابسته لمشيئة الله وهو أن ~~تقول إن شاء الله، أو في وقت من الأوقات إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله ~~مطلقا، وقيل الاستثناء جار مجرى التأبيد كأنه قيل: لا تقولنه أبدا كقوله - ~~وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله - لأن عودهم في ملتهم مما لا ~~يشاؤه الله (واذكر ربك إذا نسيت) الاستثناء بمشيئة الله: أي فقل إن شاء ~~الله، سواء كانت المدة قليلة أو كثيرة. # وقد اختلف أهل العلم ms2287 في المدة التي يجوز إلحاق الاستثناء فيما بعد ~~المستثنى منه على أقوال معروفة في مواضعها وقيل المعنى (واذكر ربك) ~~بالاستغفار (إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربى لأقرب من هذا رشدا) المشار ~~إليه بقوله من هذا هو نبأ أصحاب الكهف: أي قل يا محمد عسى أن يوفقني ربي ~~لشئ أقرب من هذا النبأ من الآيات والدلائل الدالة على نبوتي. قال الزجاج: ~~عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في ~~PageV03P278 # الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف، وقد فعل الله به ذلك حيث آتاه من علم ~~غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب ~~الكهف، وقيل الإشارة إلى قوله (واذكر ربك إذا نسيت أي عسى أن يهديني ربي ~~عند هذا النسيان لشئ آخر بدل هذا المنسي، وأقرب منه رشدا وأدنى منه خيرا ~~ومنفعة، والأول أولى (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا) قرأ ~~الجمهور بتنوين مائة ونصب سنين، فيكون سنين على هذه القراءة بدلا أو عطف ~~بيان. وقال الفراء وأبو عبيدة والزجاج والكسائي: فيه تقديم وتأخير، ~~والتقدير سنين ثلاثمائة. ورجح الأول أبو علي الفارسي. وقرأ حمزة والكسائي ~~بإضافة مائة إلى سنين، وعلى هذه القراءة تكون سنين تمييزا على وضع الجمع ~~موضع الواحد في التمييز كقوله تعالى - بالأخسرين أعمالا - قال الفراء: # ومن العرب من يضع سنين موضع سنة. قال أبو علي الفارسي: هذه الأعداد التي ~~تضاف في المشهور إلى الآحاد نحو ثلاثمائة رجل وثوب قد تضاف إلى المجموع وفى ~~مصحف عبد الله " ثلاثمائة سنة ". وقال الأخفش: لا تكاد العرب تقول مائة ~~سنين. وقرأ الضحاك " ثلاثمائة سنون " بالواو. وقرأ الجمهور " تسعا " بكسر ~~التاء. وقرأ أبو عمرو بفتحها، وهذا إخبار من الله سبحانه بمدة لبثهم. قال ~~ابن جرير: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار ~~عليهم، فقال بعضهم: إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه المدة في كونهم نياما، وأن ما ms2288 بعد ذلك ~~مجهول للبشر، فأمر الله أن يرد علم ذلك إليه، فقال (قل الله أعلم بما ~~لبثوا) قال ابن عطية: فقوله على هذا لبثوا الأول يريد في يوم الكهف، ولبثوا ~~الثاني يريد بعد الإعثار عليهم إلى مدة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو ~~إلى أن ماتوا. وقال بعضهم: إنه لما قال (وازدادوا تسعا) لم يدر الناس أهي ~~ساعات أم أيام أم جمع أم شهور أم أعوام، واختلف بنوا إسرائيل بحسب ذلك، ~~فأمر الله برد العلم إليه في التسع، فهي على هذا مبهمة. والأول أولى، لأن ~~الظاهر من كلام العرب المفهوم بحسب لغتهم أن التسع أعوام، بدليل أن العدد ~~في هذا الكلام للسنين لا للشهور ولا للأيام ولا للساعات. وعن الزجاج أن ~~المراد ثلاثمائة سنة شمسية وثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وهذا إنما يكون من ~~الزجاج على جهة التقريب. ثم أكد سبحانه اختصاصه بعلم ما لبثوا بقوله (له ~~غيب السماوات والأرض) أي ما خفى فيهما وغاب من أحوالهما ليس لغيره من ذلك ~~شئ، ثم زاد في المبالغة والتأكيد فجاء بما يدل على التعجب من إدراكه ~~للمبصرات والمسموعات فقال (أبصر به وأسمع) فأفاد هذا التعجب على أن شأنه ~~سبحانه في علمه بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين، وأنه ~~يستوي في علمه الغائب والحاضر، والخفي والظاهر، والصغير والكبير، واللطيف ~~والكثيف، وكأن أصله ما أبصره وما أسمعه، ثم نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء، ~~والباء زائدة عند سيبويه وخالفه الأخفش، والبحث مقرر في علم النحو (ما لهم ~~من دونه من ولى) الضمير لأهل السماوات والأرض، وقيل لأهل الكهف، وقيل ~~لمعاصري محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار: أي مالهم من موال يواليهم ~~أو يتولى أمورهم أو ينصرهم، وفى هذا بيان لغاية قدرته وأن الكل تحت قهره ~~(ولا يشرك في حكمه أحدا) قرأ الجمهور برفع الكاف على الخبر عن الله سبحانه. ~~وقرأ ابن عباس والحسن وأبو رجاء وقتادة بالتاء الفوقية وإسكان الكاف على ~~أنه نهى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لله ms2289 شريكا في حكمه، ورويت ~~هذه القراءة عن ابن عامر. وقرأ مجاهد بالتحتية والجزم. قال يعقوب: ~~PageV03P279 # لا أعرف وجهها، والمراد بحكم الله: ما يقضيه، أو علم الغيب. والأول أولى. ~~ويدخل علم الغيب في ذلك دخولا أوليا، فإن علمه سبحانه من جملة قضائه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وكذلك أعثرنا عليهم) قال: ~~أطلعنا. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (قال الذين غلبوا ~~على أمرهم) قال: الأمراء، أو قال: السلاطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى ~~في قوله (سيقولون ثلاثة) قال: اليهود (ويقولون خمسة) قال: النصارى. وأخرج ~~عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (رجما بالغيب) قال: قذفا بالظن. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله (ما يعلمهم إلا قليل) قال: أنا من ~~القليل كانوا سبعة. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال السيوطي بسند ~~صحيح في قوله (ما يعلمهم إلا قليل) قال: أنا من أولئك القليل كانوا سبعة، ~~ثم ذكر أسماءهم. # وحكاه ابن كثير عن ابن عباس في رواية قتادة وعطاء وعكرمة، ثم قال: فهذه ~~أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله (فلا تمار فيهم) يقول: حسبك ما قصصت عليك. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من ~~طرق عن ابن عباس في قوله (ولا تستفت فيهم منهم أحدا) قال: اليهود. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله (ولا تقولن لشئ) ~~الآية قال: إذا نسيت أن تقول لشئ إني أفعله فنسيت أن تقول إن شاء الله، فقل ~~إذا ذكرت إن شاء الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه عنه أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد ~~سنة، ثم قرأ (واذكر ربك إذا نسيت). وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه عنه أيضا في الآية قال: هي خاصة لرسول الله صلى ms2290 الله عليه وآله وسلم ~~وليس لأحد أن يستثنى إلا في صلة يمين. # وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال: كل استثناء موصول فلا حنث على ~~صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قال سليمان بن ~~داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة وفى رواية: تسعين تلد كل امرأة منهن ~~غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل، فطاف ~~فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث. وكان دركا لحاجته ". # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ~~عكرمة (إذا نسيت) قال: إذا غضبت. # وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الحسن (إذا نسيت) قال: إذا لم تقل ~~إن شاء الله. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال " إن الرجل ~~ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض، ثم تلا ~~(ولبثوا في كهفهم) الآية، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلاثمائة وتسع ~~سنين، قال: لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل الله (قل الله أعلم بما لبثوا) ~~ولكنه حكى مقالة القوم فقال (سيقولون ثلاثة) إلى قوله (رجما بالغيب) فأخبر ~~أنهم لا يعلمون، ثم قال سيقولون (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا ~~تسعا). وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~حرف ابن مسعود، وقالوا " ولبثوا في كهفهم " الآية: يعني إنما قاله الناس ~~ألا ترى أنه قال (قل الله أعلم بما لبثوا): وأخرج ابن مردويه عن الضحاك عن ~~ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة) قيل يا رسول ~~الله: أياما أم أشهرا أم سنين؟ فأنزل الله (سنين وازدادوا تسعا) وأخرجه ابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك بدون ms2291 ذكر ابن ~~عباس. # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (أبصر به وأسمع) قال: الله يقوله. ~~PageV03P280 # سورة الكهف الآية (27 - 31). # قوله (واتل ما أوحى إليك) أمره الله سبحانه أن يواظب على تلاوة الكتاب ~~الموحى إليه، قيل ويحتمل أن يكون معنى قوله " واتل " واتبع، أمرا من التلو، ~~لا من التلاوة. و (من كتاب ربك) بيان للذي أوحي إليه (لا مبدل لكلماته) أي ~~لا قادر على تبديلها وتغييرها. وإنما يقدر على ذلك هو وحده. قال الزجاج: أي ~~ما أخبر الله به وما أمر به فلا مبدل له، وعلى هذا يكون التقدير: لا مبدل ~~لحكم كلماته (ولن تجد من دونه ملتحدا) الملتحد: الملتجأ، وأصل اللحد: ~~الميل. قال الزجاج: لن تجد معدلا عن أمره ونهيه، والمعنى: أنك إن لم تتبع ~~القرآن وتتله وتعمل بأحكامه لن تجد معدلا تعدل إليه ومكانا تميل إليه، وهذه ~~الآية آخر قصة أهل الكهف. ثم شرح سبحانه في نوع آخر كما هو دأب الكتاب ~~العزيز فقال (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) قد تقدم في الأنعام نهيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن طرد فقراء المؤمنين بقوله - ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم - وأمره سبحانه ههنا بأن يحبس نفسه معهم، فصبر النفس هو حبسها. وذكر ~~الغداة والعشي كناية عن الاستمرار على الدعاء في جميع الأوقات. وقيل في ~~طرفي النهار، وقيل المراد صلاة العصر والفجر. وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن ~~دينار وأبو عبد الرحمن وابن عامر " بالواو، واحتجوا بأنها في المصحف كذلك ~~مكتوبة بالواو. قال النحاس: # وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول الغدوة، ~~ومعنى (يريدون وجهه) أنهم يريدون بدعائهم رضى الله سبحانه، والجملة في محل ~~نصب على الحال. ثم أمره سبحانه بالمراقبة لأحوالهم فقال (ولا تعد عيناك ~~عنهم) أي لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم. قال الفراء: معناه لا تصرف عيناك ~~عنهم، وقال الزجاج: # لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، واستعماله بعن لتضمنه ~~معنى النبو، من عدوته عن الأمر: # أي صرفته منه، وقيل ms2292 معناه لا تحتقرهم عيناك (تريد زينة الحياة الدنيا) أي ~~مجالسة أهل الشرف والغنى، والجملة في محل نصب على الحال: أي حال كونك مريدا ~~لذلك، هذا إذا كان فاعل تريد هو النبي صلى الله عليه وآله PageV03P281 # وسلم، وإن كان الفاعل ضميرا يعود إلى العينين، فالتقدير: مريدة زينة ~~الحياة الدنيا، وإسناده الإرادة إلى العينين مجاز، وتوحيد الضمير للتلازم ~~كقول الشاعر: # لمن زحلوقة زل * بها العينان تنهل (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) أي ~~جعلناه غافلا بالختم عليه، نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن طاعة ~~من جعل الله قلبه غافلا عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن ~~مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~وهم غافلون عن ذكر الله، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق فاختار ~~الشرك على التوحيد (وكان أمره فرطا) أي متجاوزا عن حد الاعتدال، من قولهم: # فرس فرط إذا كان متقدما للخيل فهو على هذا من الإفراط وقيل هو من ~~التفريط، وهو التقصير والتضييع. قال الزجاج: ومن قدم العجز في أمره أضاعه ~~وأهلكه، ثم بين سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما يقوله لأولئك ~~الغافلين، فقال (وقل الحق من ربكم) أي قل لهم: إن ما أوحي إليك وأمرت ~~بتلاوته هو الحق الكائن من جهة الله، لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل ~~والتغيير، وقيل المراد بالحق الصبر مع الفقراء. قال الزجاج: أي الذين ~~أتيتكم به (الحق من ربكم) يعني لم آتكم به من قبل نفسي إنما أتيتكم به من ~~الله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) قيل هو من تمام القول الذي أمر رسوله ~~أن يقوله، والفاء لترتيب ما قبلها على ما بعدها، ويجوز أن يكون من كلام ~~الله سبحانه لا من القول الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وفيه تهديد شديد، ويكون المعنى: قل لهم يا محمد الحق من ربكم وبعد أن تقول ~~لهم هذا القول، من شاء أن ms2293 يؤمن بالله ويصدقك فليؤمن، ومن شاء أن يكفر به ~~ويكذبك فليكفر. ثم أكد الوعيد وشدده فقال (إنا اعتدنا للظالمين) أي أعددنا ~~وهيأنا للظالمين الذين اختاروا الكفر بالله والجحد له والإنكار لأنبيائه ~~نارا عظيمة (أحاط بهم سرادقها) أي اشتمل عليهم. والسرادق: واحد السرادقات. ~~قال الجوهري: وهى التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف فهو سرادق، ومنه ~~قول رؤبة: # يا حكم بن المنذر بن جارود * سرادق المجد عليك ممدود وقال الشاعر: # هو المدخل النعمان بيتا سماؤه * صدور الفيول بعد بيت مسردق يقوله سلام بن ~~جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة. وقال ~~ابن الأعرابي: # سرادقها سورها. وقال القتيبي: السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. ~~والمعنى: أنه أحاط بالكفار سرادق النار على تشبيه ما يحيط بهم من النار ~~بالسرادق المحيط بمن فيه (وإن يستغيثوا) من حر النار (يغاثوا بماء كالمهل) ~~وهو الحديد المذاب. قال الزجاج: إنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب أو الصفر، ~~وقيل هو دردي الزيت. وقال أبو عبيدة والأخفش: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض ~~من حديد ورصاص ونحاس. وقيل هو ضرب من القطران. ثم وصف هذا الماء الذي ~~يغاثون به بأنه (يشوي الوجوه) إذا قدم إليهم صارت وجوههم مشوية لحرارته ~~(بئس الشراب) شرابهم هذا (وساءت) النار (مرتفقا) متكأ، يقال ارتفقت: أي ~~اتكأت، وأصل الارتفاق نصب المرفق، ويقال ارتفق الرجل: إذا نام على مرفقه، ~~وقال القتيبي: هو المجلس، وقيل المجتمع (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ~~هذا شروع في وعد المؤمنين بعد الفراغ من وعيد الكافرين. والمعنى: إن الذين ~~آمنوا بالحق الذي أوحي إليك وعملوا الصالحات من الأعمال (إنا لا نضيع أجر ~~من أحسن عملا) هذا خبر إن الذين PageV03P282 # آمنوا، والعائد محذوف: أي من أحسن منهم عملا، وجملة (أولئك لهم جنات عدن) ~~استئناف لبيان الأجر، والإشارة إلى من تقدم ذكره، وقيل يجوز أن يكون أولئك ~~خبر إن الذين آمنوا، وتكون جملة (إنا لا نضيع) اعتراضا، ويجوز أن يكون ~~أولئك خبرا بعد خبر، وقد تقدم ms2294 الكلام في جنات عدن، وفى كيفية جري الأنهار ~~من تحتها (يحلون فيها من أساور من ذهب) قال الزجاج: أساور جمع أسورة، ~~وأسورة جمع سوار، وهى زينة تلبس في الزند من اليد وهى من زينة الملوك، قيل ~~يحلى كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من فضة واحد من لؤلؤ وواحد من ذهب، ~~وظاهر الآية أنها جميعها من ذهب، ويمكن أن يكون قول القائل هذا جمعا بين ~~الآيات لقوله سبحانه في آية أخرى - أساور من فضة - ولقوله في آية أخرى ~~(ولؤلؤا) ومن في قوله من أساور للابتداء، وفى من ذهب للبيان. وحكى الفراء ~~يحلون بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام، يقال حليت المرأة تحلى فهي حالية ~~إذا لبست الحلي (ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق) قال الكسائي: السندس ~~الرقيق واحده سندسة، والإستبرق ماثخن وكذا قال المفسرون، وقيل الإستبرق هو ~~الديباج كما قال الشاعر: * وإستبرق الديباج طورا لباسها * وقيل هو المنسوج ~~بالذهب. قال القتيبي: هو فارسي معرب. قال الجوهري: وتصغيره أبيرق، وخص ~~الأخضر لأنه الموافق للبصر ولكونه أحسن الألوان (متكئين فيها على الأرائك) ~~قال الزجاج: الأرائك جمع أريكة، وهى السرر في الحجال، وقيل هي أسرة من ذهب ~~مكللة بالدر والياقوت، وأصل اتكأ أو تكأ، وأصل متكئين موتكئين، والاتكاء ~~التحامل على الشئ (نعم الثواب) ذلك الذي أثابهم الله به (وحسنت) تلك ~~الأرائك (مرتفقا) أي متكأ وقد تقدم قريبا. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ~~(ملتحدا) قال: ملتجأ. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في: ~~الشعب عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم: عيينة بن بدر، والأقرع ابن حابس ~~قالوا يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم، ~~يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف، جالسناك ~~وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله (واتل ما أوحى إليك) إلى قوله (إنا اعتدنا ~~للظالمين نارا) زاد أبو الشيخ عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قام يلتمسهم حتى أصابهم ms2295 في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى فقال: الحمد ~~لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ~~والممات. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عبد الرحمن بن سهل ابن ~~حنيف قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بعض أبياته ~~(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) فخرج يلتمسهم فوجد قوما ~~يذكرون الله منهم ثائر الرأس وحاف الجلد وذو الثوب الخلق، فلما رآهم جلس ~~معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم. وأخرج ~~البزار عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا " جاء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم " وفى الباب ~~روايات. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن نافع ~~قال: أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية (واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم) أنهم الذين يشهدون الصلوات الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ~~ابن عباس مثله. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده في قوله (واصبر نفسك) الآية قال: نزلت في صلاة الصبح وصلاة ~~العصر. وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله (ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) قال: نزلت في أمية بن PageV03P283 # خلف، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمر كرهه الله من ~~طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله هذه الآية. يعنى من ~~ختمنا على قلبه يعني التوحيد (واتبع هواه) يعني الشرك (وكان أمره فرطا) ~~يعنى فرطا في أمر الله وجهالة بالله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال: ~~دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم حار، وعنده ~~سلمان عليه جبة ms2296 صوف، فصار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد إذا ~~نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك لا يؤذينا، فإذا خرجنا فأنت وهم ~~أعلم، فأنزل الله (ولا تطع من أغفلنا قلبه) الآية. وقد ثبت في صحيح مسلم في ~~سبب نزول الآية المتضمنة لمعنى هذه الآية، وهى قوله تعالى - ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي - عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: # وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما، فوقع في نفس ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل ~~الله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وكان أمره فرطا) قال: ضياعا. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن قتادة (وقل الحق) قال: هو القرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في ~~قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) يقول: من شاء الله له الإيمان آمن، ~~ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله - وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~-. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: في الآية هذا تهديد ووعيد. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا في قوله (أحاط بهم سرادقها) قال: حائط من نار. وأخرج أحمد ~~والترمذي وابن أبي الدنيا وابن جرير وأبو يعلي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار منها مسيرة أربعين سنة ~~". وأخرج أحمد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن يعلي بن ~~أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن البحر هو من جهنم، ~~ثم تلا (نارا أحاط بهم سرادقها) ms2297 ". وأخرج أحمد والترمذي وأبو يعلي وابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث ~~عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (بماء ~~كالمهل) قال " كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه ". وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (كالمهل) قال: # أسود كعكر الزيت. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن عطية قال: سئل ابن عباس عن المهل فقال: ماء غليظ كدردي الزيت. ~~وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير. وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~عن ابن مسعود أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فأذابه. فلما ذاب قال: هذا ~~أشبه شئ بالمهل الذي هو شراب أهل النار ولونه لون السماء، غير أن شراب أهل ~~النار أشد حرا من هذا. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: هل تدرون ما المهل؟ ~~المهل سهل الزيت، يعنى آخره. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (وساءت مرتفقا) قال: مجتمعا. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ ~~الوضوء ". وأخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن عبد الله قال: في الجنة شجرة ~~تنبت السندس منه يكون ثياب أهل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ~~عكرمة قال: الإستبرق الديباج الغليظ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم ابن مالك الطائي قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما ~~يتحول منه ولا PageV03P284 # يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه ". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأرائك السرر في ~~جوف الحجال عليها الفرش منضود في السماء فرسخ. وأخرج البيهقي في البعث عنه ~~قال: لا ms2298 تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن عكرمة أنه سئل عن الأرائك فقال: هي الحجال على السرر. # سورة الكهف الآية (32 - 44) قوله (واضرب لهم مثلا رجلين) هذا المثل ضربه ~~الله سبحانه لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة الفقراء فهو على هذا متصل ~~بقوله (واصبر نفسك). # وقد اختلف في الرجلين هل هما مقدران أو محققان؟ فقال بالأول بعض ~~المفسرين. وقال بالآخر بعض آخر. # واختلفوا في تعيينهما، فقيل هما أخوان من بني إسرائيل، وقيل هما أخوان ~~مخزوميان من أهل مكة: أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقيل هما المذكوران في ~~سورة الصافات في قوله - قال قائل منهم إني كان لي قرين - وانتصاب مثلا ~~ورجلين على أنهما مفعولا اضرب، قيل والأول هو الثاني والثاني هو الأول ~~(جعلنا لأحدهما جنتين) هو الكافر، و (من أعناب) بيان لما في الجنتين: أي من ~~كروم متنوعة (وحففناهما بنخل) الحف الإحاطة، ومنه - حافين من حول العرش - ~~ويقال حف القوم بفلان يحفون حفا: أي أطافوا به، فمعنى الآية: وجعلنا النخل ~~مطيفا PageV03P285 # بالجنتين من جميع جوانبهما (وجعلنا بينهما زرعا) أي بين الجنتين، وهو ~~وسطهما، ليكون كل واحد منهما جامعا للأقوات والفواكه، ثم أخبر سبحانه عن ~~الجنتين بأن كل واحدة منهما كانت تؤدي حملها وما فيها، فقال (كلتا الجنتين ~~آتت أكلها) أخبر عن كلتا بآتت، لأن لفظه مفرد، فراعى جانب اللفظ. وقد ذهب ~~البصريون إلى أن كلتا وكلا اسم مفرد غير مثنى. وقال الفراء: هو مثنى، وهو ~~مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية. وقال سيبويه: ألف كلتا ~~للتأنيث، والتاء بدل من لام الفعل، وهى واو، والأصل كلوا. وقال أبو عمرو: ~~التاء ملحقة وأكلهما: هو ثمرهما، وفيه دلالة على أنه قد صار صالحا للأكل. ~~وقرأ عبد الله بن مسعود " كل الجنتين آتي أكله " (ولم تظلم منه شيئا) أي لم ~~تنقص من أكلها شيئا، يقال ظلمه حقه: أي نقصه، ووصف الجنتين بهذه الصفة ~~للإشعار بأنهما على خلاف ما يعتاد في سائر البساتين فإنها في الغالب تكثر ms2299 ~~في عام، وتقل في عام (وفجرنا خلالهما نهرا) أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين ~~نهرا ليسقيهما ثم دائما من غير انقطاع، وقرئ " فجرنا " بالتشديد للمبالغة، ~~وبالتخفيف على الأصل (وكان له) أي لصاحب الجنتين (ثمر) قرأ أبو جعفر وشيبة ~~وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق " ثمر " بفتح الثاء والميم، وكذلك قرؤا في ~~قوله - أحيط بثمره - وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم فيهما، وقرأ ~~الباقون بضمهما جميعا في الموضعين. قال الجوهري: الثمرة واحدة الثمر، وجمع ~~الثمر ثمار مثل جبل وجبال. قال الفراء: وجمع الثمار ثمر. مثل كتاب وكتب، ~~وجمع الثمر أثمار. مثل عنق وأعناق وقيل الثمر جميع المال من الذهب والفضة ~~والحيوان وغير ذلك. وقيل هو الذهب والفضة خالصة (فقال لصاحبه) أي قال صاحب ~~الجنتين الكافر لصاحبه المؤمن (وهو يحاوره) أي والكافر يحاور المؤمن، ~~والمعنى: # يراجعه الكلام ويجاوبه، والمحاورة المراجعة، والتحاور التجاوب (أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا) النفر الرهط، وهو ما دون العشرة، وأراد هاهنا الأتباع ~~والخدم والأولاد (ودخل جنته) أي دخل الكافر جنة نفسه. قال المفسرون: أخذ ~~بيد أخيه المسلم، فأدخله جنته يطوف به فيها، ويريه عجائبها، وإفراد الجنة ~~هنا يحتمل أن وجهه كونه لم يدخل أخاه إلا واحدة منهما، أو لكونهما لما ~~اتصلا كانا كواحدة. أو لأنه أدخله في واحدة، ثم واحدة أو لعدم تعلق الغرض ~~بذكرهما، وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا ~~نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، وجملة (وهو ظالم لنفسه) في محل نصب ~~على الحال: أي وذلك الكافر ظالم لنفسه بكفره وعجبه (قال ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا) أي قال الكافر لفرط غفلته وطول أمله: ما أظن أن تفنى هذه الجنة التي ~~تشاهدها (وما أظن الساعة قائمة) أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته. قال ~~الزجاج: أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا وقيام الساعة (ولئن رددت إلى ربى ~~لأجدن خيرا منهما منقلبا) اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: أنه إن يرد إلى ~~ربه فرضا وتقديرا كما زعم صاحبه، واللام في " لأجدن ms2300 " جواب القسم، والشرط: ~~أي لأجدن يومئذ خيرا من هذه الجنة، في مصاحف مكة والمدينة والشام " خيرا ~~منهما " وفى مصاحف أهل البصرة والكوفة " خيرا منها " على الإفراد، و ~~(منقلبا) منتصب على التمييز: أي مرجعا وعاقبة قال هذا قياسا للغائب على ~~الحاضر. وأنه لما كان غنيا في الدنيا، سيكون غنيا في الأخرى، اغترارا منه ~~بما صار فيه من الغنى الذي هو استدراج له من الله (قال له صاحبه) أي قال ~~للكافر صاحبه المؤمن حال محاورته له منكرا عليه ما قاله (أكفرت بالذي خلقك ~~من تراب) بقولك - ما أظن الساعة قائمة - وقال خلقك من تراب: أي جعل أصل ~~خلقك من تراب حيث خلق أباك آدم منه، وهو أصلك، وأصل البشر فلكل فرد حظ من ~~ذلك، وقيل يحتمل أنه كان كافرا بالله فأنكر عليه ما هو عليه من الكفر، ولم ~~يقصد أن الكفر حدث له بسبب هذه المقالة (ثم من نطفة) وهى المادة القريبة ~~(ثم سواك رجلا) أي صيرك PageV03P286 # إنسانا ذكرا وعدل أعضاءك وكملك، وفى هذا تلويح بالدليل على البعث، وأن ~~القادر على الابتداء قادر على الإعادة، وانتصاب رجلا على الحال أو التمييز ~~(لكنا هو الله ربى) كذا قرأ الجمهور بإثبات الألف بعد لكن المشددة. وأصله ~~لكن أنا حذفت الهمزة وألقيت حركتها على النون الساكنة قبلها فصار لكننا، ثم ~~استثقلوا اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت الثانية، وضمير هو للشأن، ~~والجملة بعده خبره والمجموع خبر أنا، والراجع ياء الضمير، وتقدير الكلام: ~~لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية: إثبات ألف أنا في الوصل ضعيف. ~~قال النحاس: مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل لكن أنا، وذكر نحو ما ~~قدمنا. وروى عن الكسائي أن الأصل لكن الله هو ربي أنا. قال الزجاج: إثبات ~~الألف في لكنا في الإدراج جيد لأنها قد حذفت الألف من أنا فجاءوا بها عوضا، ~~قال: وفى قراءة أبي " لكن أنا هو الله ربى " وقرأ ابن عامر والمثنى عن ~~نافع، وورش عن يعقوب " لكنا " في حال الوصل والوقف معا بإثبات الألف، ومثله ~~قول ms2301 الشاعر: # أنا سيف العشيرة فاعرفوني * فإني قد تذربت السناما ومنه قول الأعشى: # فكيف أنا وألحان القوافي * وبعد الشيب يكفي ذاك عارا ولا خلاف في إثباتها ~~في الوقف، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية، وروى عن الكسائي " لكن ~~هو الله ربي " ثم نفى عن نفسه الشرك بالله، فقال (ولا أشرك بربي أحدا) وفيه ~~إشارة إلى أن أخاه كان مشركا، ثم أقبل عليه يلومه فقال (ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله) لولا للتحضيض: أي هلا قلت عندما دخلتها هذا القول. قال ~~الفراء والزجاج: ما في موضع رفع على معنى الأمر ما شاء الله: أي هلا قلت ~~حين دخلتها الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان، ويجوز أن تكون ما مبتدأ ~~والخبر مقدر: أي ما شاء الله كائن، ويجوز أن تكون ما شرطية والجواب محذوف: ~~أي أي شئ شاء الله كان (لا قوة إلا بالله) أي هلا قلت ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله، تحضيضا له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء ~~أبقاها وإن شاء أفناها، وعلى الاعتراف بالعجز، وأن ما تيسر له من عمارتها ~~إنما هو بمعونة الله لا بقوته وقدرته. قال الزجاج: لا يقوى أحد على ما في ~~يده من ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون إلا ما شاء الله. ثم لما علمه ~~الإيمان وتفويض الأمور إلى الله سبحانه أجابه على افتخاره بالمال والنفر ~~فقال (إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا) المفعول الأول ياء الضمير، وأنا ~~ضمير فصل، وأقل المفعول الثاني للرؤية إن كانت علمية، وإن جعلت بصرية كان ~~انتصاب أقل على الحال، ويجوز أن يكون أنا تأكيد لياء الضمير، وانتصاب مالا ~~وولدا على التمييز (فعسى ربى أن يؤتيني خيرا من جنتك) هذا جواب الشرط: أي ~~إن ترني أفقر منك، فأنا أرجو أن يرزقني الله سبحانه جنة خيرا من جنتك في ~~الدنيا أو في الآخرة أو فيهما (ويرسل عليها حسبانا) أي ويرسل على جنتك ~~حسبانا، والحسبان مصدر: بمعنى الحساب كالغفران: أي مقدار قدره ms2302 الله عليها، ~~ووقع في حسابه سبحانه، وهو الحكم بتخريبها. قال الزجاج: الحسبان من الحساب: ~~أي يرسل عليها عذاب الحساب، هو حساب ما كسبت يداك. وقال الأخفش: حسبانا: أي ~~مرامي (من السماء) واحدها حسبانه، وكذا قال أبو عبيدة والقتيبي. وقال ابن ~~الأعرابي: الحسبانة السحابة، والحسبانة الوسادة، والحسبانة الصاعقة، وقال ~~النضر ابن شميل: الحسبان سهام يرمى بها الرجل في جوف قصبة تنزع في قوس، ثم ~~يرمي بعشرين منها دفعة، والمعنى: # يرسل عليها مرامي من عذابه: إما برد، وإما حجارة أو غيرهما مما يشاء من ~~أنواع العذاب. ومنه قول أبي زياد PageV03P287 # الكلابي * أصاب الأرض حسبان * أي جراد (فتصبح صعيدا زلقا) أي فتصبح جنة ~~الكافر بعد إرسال الله سبحانه عليها حسبانا صعيدا، أي أرضا لا نبات بها وقد ~~تقدم تحقيقه، زلقا: أي تزل فيها الأقدام لملاستها، يقال مكان زلق بالتحريك: ~~أي دحض. وهو في الأصل مصدر قولك زلقت رجله تزلق زلقا وأزلقها غيره، ~~والمزلقة الموضع الذي لا يثبت عليه قدم، وكذا الزلاقة، وصف الصعيد بالمصدر ~~مبالغة، أو أريد به المفعول، وجملة (أو يصبح ماؤها غورا) معطوفة على الجملة ~~التي قبلها: والغور الغائر. وصف الماء بالمصدر مبالغة، والمعنى أنها تصير ~~عادمة للماء بعد أن كانت واجدة له، وكان خلالها ذلك النهر يسقيها دائما، ~~ويجئ الغور بمعنى الغروب، ومنه قول أبي ذوئيب: # هل الدهر إلا ليلة ونهارها * وإلا طلوع الشمس ثم غيارها (فلن تستطيع له ~~طلبا) أي لن تستطيع طلب الماء الغائر فضلا عن وجوده ورده ولا تقدر عليه ~~بحيلة من الحيل، وقيل المعنى: فلن تستطيع طلب غيره عوضا عنه. ثم أخبر ~~سبحانه عن وقوع ما رجاه ذلك المؤمن وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال (وأحيط ~~بثمره) قد قدمنا اختلاف القراء في هذا الحرف وتفسيره، وأصل الإحاطة من ~~إحاطة العدو بالشخص كما تقدم في قوله - إلا أن يحاط بكم - وهى عبارة عن ~~إهلاكه وإفنائه، وهو معطوف على مقدر كأنه قيل فوقع ما توقعه المؤمن وأحيط ~~بثمره (فأصبح يقلب كفيه) أي يضرب إحدى يديه على الأخرى وهو ms2303 كناية عن الندم، ~~كأنه قيل فأصبح يندم (على ما أنفق فيها) أي في عمارتها وإصلاحها من ~~الأموال، وقيل المعنى: يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق، لأن الملك قد ~~يعبر عنه باليد من قولهم في يده مال، وهو بعيد جدا، وجملة (وهى خاوية على ~~عروشها) في محل نصب على الحال: أي والحال أن تلك الجنة ساقطة على دعائمها ~~التي تعمد بها الكروم أو ساقط بعض تلك الجنة على بعض، مأخوذ من خوت النجوم ~~تخوى إذا سقطت ولم تمطر في نوئها، ومنه قوله تعالى - فتلك بيوتهم خاوية بما ~~ظلموا - قيل وتخصيص ماله عروش بالذكر دون النخل والزرع لأنه الأصل، وأيضا ~~إهلاكها مغن عن ذكر إهلاك الباقي، وجملة ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) ~~معطوفة على يقلب كفيه، أو حال من ضميره: أي وهو يقول تمنى عند مشاهدته ~~لهلاك جنته بأنه لم يشرك بالله حتى تسلم جنته من الهلاك، أو كان هذا القول ~~منه على حقيقته، لا لما فاته من الغرض الدنيوي، بل لقصد التوبة من الشرك ~~والندم على ما فرط منه (ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله) فئة اسم كان ~~وله خيرها، وينصرونه صفة لفئة أي فئة ناصرة، ويجوز أن تكون ينصرونه الخبر، ~~ورجح الأول سيبويه ورجح الثاني المبرد، واحتج بقوله - ولم يكن له كفوا أحد ~~- والمعنى: أنه لم تكن له فرقة وجماعة يلتجئ إليها وينتصر بها، ولا نفعه ~~النفر الذين افتخر بهم فيما سبق (وما كان) في نفسه (منتصرا) أي ممتنعا ~~بقوته عن إهلاك الله لجنته، وانتقامه منه (هنالك الولاية لله الحق) قرأ أبو ~~عمرو والكسائي الحق بالرفع نعتا للولاية، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وعاصم ~~وحمزة الحق بالجر نعتا لله سبحانه. قال الزجاج: ويجوز النصب على المصدر ~~والتوكيد كما تقول هذا لك حقا. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي الولاية بكسر ~~الواو، وقرأ الباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى، والمعنى هنالك: أي في ذلك ~~المقام النصرة لله وحده لا يقدر عليها غيره، وقيل هو على التقديم والتأخير: ~~أي ms2304 الولاية لله الحق هنالك (هو خير ثوابا وخير عقبا) أي هو سبحانه خير ~~ثوابا لأوليائه في الدنيا والآخرة (وخير عقبا) أي عاقبة، قرأ الأعمش وعاصم ~~وحمزة " عقبا " بسكون القاف، وقرأ الباقون بضمها، وهما بمعنى واحد: أي هو ~~خير عاقبة لمن رجاه وآمن به، يقال هذا عاقبة أمر فلان، وعقباه: أي أخراه. ~~PageV03P288 # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (جعلنا لأحدهما جنتين) قال: ~~الجنة هي البستان، فكان له بستان واحد وجدار واحد، وكان بينهما نهر، فلذلك ~~كانا جنتين، ولذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي عليها. # وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: نهر أبي قرطس نهر ~~الجنتين. قال ابن أبي حاتم: وهو نهر مشهور بالرملة. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (ولم تظلم منه شيئا) قال: لم تنقص، كل شجر الجنة ~~أطعم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه (وكان له ثمر) يقول ~~مال. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، قال: ~~قرأها ابن عباس (وكان له ثمر) بالضم، وقال: # هي أنواع المال. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~(وكان له ثمر) قال: ذهب وفضة. # وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة (وهو ظالم لنفسه) يقول: كفور لنعمة ربه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كلمات أقولهن عند الكرب " الله الله ربي لا أشرك به شيئا ". ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن يحيى بن سليم الطائفي عمن ذكره ~~قال: " طلب موسى من ربه حاجة فأبطأت عليه فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته ~~بين يديه، فقال: يا رب إني أطلب حاجتي منذ كذا وكذا أعطيتها الآن، فأوحى ~~الله إليه: يا موسى، أما علمت أن قولك ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج ~~". وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال ms2305 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال ~~أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى ~~تأتيه منيته، وقرأ (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) ~~" وفى إسناده عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس. قال أبو فتح ~~الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح حديثه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم من وجه آخر عن أنس نحوه موقوفا. وأخرج البيهقي في الشعب عنه نحوه ~~مرفوعا. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال لي نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت نعم، قال: أن ~~تقول لا قوة إلا بالله ". وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال له " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا ~~قوة إلا بالله " وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في فضل هذه الكلمة. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فتصبح صعيدا زلقا) قال: مثل ~~الجرز وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(حسبانا من السماء) قال: عذابا فتصبح صعيدا زلقا: أي قد حصد ما فيها فلم ~~يترك فيها شئ (أو يصبح ماؤها غورا) أي ذاهبا قد غار في الأرض (وأحيط بثمره ~~فأصبح يقلب كفيه) قال: يصفق (على ما أنفق فيها) متلهفا على ما فاته. # سورة الكهف الآية (45 - 46) ثم ضرب سبحانه مثلا آخر لجبابرة قريش فقال ~~(واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) أي أذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في حسنها ~~ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يركنوا إليها، وقد تقدم هذا المثل في سورة ~~يونس، ثم بين سبحانه هذا المثل فقال (كماء أنزلناه من السماء) ويجوز أن ~~يكون هذا هو المفعول الثاني لقوله اضرب على جعله ms2306 بمعنى صير PageV03P289 # (فاختلط به نبات الأرض) أي اختلط بالماء نبات الأرض حتى استوى، وقيل ~~المعنى: إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء، لأن النبات إنما ~~يختلط ويكثر بالمطر، فتكون الباء في به سببية (فأصبح) النبات (هشيما) ~~الهشيم الكسير، وهو من النبات ما تكسر بسبب انقطاع الماء عنه وتفتت، ورجل ~~هشيم ضعيف البدن، وتهشم عليه فلان إذا تعطف، واهتشم ما في ضرع الناقة إذا ~~اختلبه، وهشم الثريد كسره وثرده، ومنه قول ابن الزبعري: # عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف (تذروه الرياح) ~~تفرقه. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: تذروه تنسفه، وقال ابن كيسان: تذهب به ~~وتجئ، والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مصرف " تذريه الريح " قال الكسائي: وفى ~~قراءة عبد الله " تذريه " يقال ذرته الريح تذروه، وأذرته تذريه. وحكى ~~الفراء: أذريت الرجل عن فرسه: أي قلبته (وكان الله على كل شئ مقتدرا) أي ~~على كل شئ من الأشياء يحييه ويفنيه بقدرته لا يعجز عن شئ (المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا) هذا رد على الرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى ~~والأبناء فأخبرهم سبحانه أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا مما ينفع في ~~الآخرة، كما قال في الآية الأخرى - إنما أموالكم وأولادكم فتنة - وقال - إن ~~من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم - ولهذا عقب هذه الزينة الدنيوية ~~بقوله (والباقيات الصالحات) أي أعمال الخير، وهى ما كان يفعله فقراء ~~المسلمين من الطاعات (خير عند ربك ثوابا) أي أفضل من هذه الزينة بالمال ~~والبنين ثوابا، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها (وخير أملا) أي أفضل أملا، يعنى ~~أن هذه الأعمال الصالحة لأهلها من الأمل أفضل مما يؤمله أهل المال والبنين، ~~لأنهم ينالون بها في الآخرة أفضل مما كان يؤمله هؤلاء الأغنياء في الدنيا، ~~وليس في زينة الدنيا خير حتى تفضل عليها الآخرة، ولكن هذا التفضيل خرج مخرج ~~قوله تعالى - أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا -، والظاهر أن الباقيات ~~الصالحات كل عمل خير فلا وجه لقصرها على الصلاة كما قال بعض، ولا لقصرها ~~على نوع ms2307 من أنواع الذكر كما قاله بعض آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء ~~المهاجرين باعتبار السبب، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبهذا ~~تعرف أن تفسير الباقيات الصالحات في الأحاديث بما سيأتي لا ينافي إطلاق هذا ~~اللفظ على ما هو عمل صالح من غيرها. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي قال (المال والبنون) حرث الدنيا والعمل ~~الصالح حرث الآخرة، وقد جمعهما الله لأقوام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله (والباقيات الصالحات) قال: سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلي ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " استكثروا من الباقيات ~~الصالحات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال التكبير والتهليل والتسبيح ~~والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله " وأخرج الطبراني وابن شاهين وابن ~~مردويه عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هن الباقيات الصالحات " ~~وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الصغير والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا " خذوا جنتكم، قيل يا رسول الله ~~من أي عدو قد حضر؟ قال: بل جنتكم من النار قول سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات ومجنبات، ~~وهى الباقيات الصالحات " وأخرج سعيد ابن منصور وأحمد وابن مردويه عن ~~النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ألا وإن سبحان ~~PageV03P290 # الله والحمد لله ولا إله إلا الله الباقيات الصالحات " وأخرج ابن مردويه ~~نحوه من حديث أنس مرفوعا، وزاد التكبير وسماهن الباقيات الصالحات. وأخرج ~~ابن مردويه نحوه من حديث أبي هريرة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~مردويه من حديث عائشة مرفوعا نحوه، وزادت " ولا حول ولا قوة إلا بالله ms2308 " ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث علي مرفوعا نحوه. وأخرج ابن مردويه ~~من طريق الضحاك عن ابن عباس مرفوعا فذكر نحوه دون الحوقلة. وأخرج الطبراني ~~عن سعد بن جنادة مرفوعا نحوه. وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير عن ابن ~~عمر من قوله نحوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ~~من قوله نحوه. وكل هذه الأحاديث مصرحة بأنها الباقيات الصالحات، وأما ما ~~ورد في فضل هذه الكلمات من غير تقييد بكونها المرادة في الآية فأحاديث ~~كثيرة لا فائدة في ذكرها هنا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة قال: كل شئ من طاعة الله، فهو من الباقيات الصالحات. # سورة الكهف الآية (47 - 53) وقوله (ويوم نسير الجبال) قرأ الحسن وابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير بمثناة فوقية مضمومة وفتح الياء التحتية على ~~البناء للمفعول، ورفع الجبال على النيابة عن الفاعل. وقرأ ابن محيصن ومجاهد ~~" تسير " قوله بفتح التاء الفوقية والتخفيف على أن الجبال فاعل. وقرأ ~~الباقون " نسير " بالنون على أن الفاعل هو الله سبحانه والجبال منصوبة على ~~المفعولية. ويناسب القراءة الأولى قوله تعالى - وإذا الجبال سيرت -، ويناسب ~~القراءة الثانية قوله تعالى - وتسير الجبال سيرا -. واختار القراءة الثالثة ~~أبو عبيدة لأنها المناسبة لقوله - وحشرناهم - قال بعض النحويين: # التقدير والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسير الجبال، وقيل العامل في ~~الظرف فعل محذوف، والتقدير: # واذكر يوم نسير الجبال، ومعنى تسيير الجبال إزالتها من أماكنها وتسييرها ~~كما تسير السحاب، ومنه قوله PageV03P291 # تعالى - وهى تمر مر السحاب -، ثم تعود إلى الأرض بعد أن جعلها الله كما ~~قال - وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا - والخطاب في قوله (وترى الأرض ~~بارزة) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح للرؤية، ومعنى ~~بروزها ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان، وقيل المعنى ~~ببروزها بروز ما فيها من الكنوز والأموات كما قال سبحانه - وألقت ما فيها ~~وتخلت -، وقال - وأخرجت الأرض أثقالها - فيكون المعنى: وترى ms2309 الأرض بارزا ما ~~في جوفها (وحشرناهم) أي الخلائق، ومعنى الحشر الجمع: أي جمعناهم إلى الموقف ~~من كل مكان (فلم نغادر منهم أحدا) فلم نترك منهم أحدا، يقال غادره وأغدره ~~إذا تركه، قال عنترة: # غادرته متعفرا أوصاله * والقوم بين مجرح ومجندل أي تركته، ومنه الغدر، ~~لأن الغادر ترك الوفاء للمغدور، قالوا: وإنما سمى الغدير غديرا، لأن الماء ~~ذهب وتركه، ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها (وعرضوا على ربك صفا) ~~انتصاب صفا على الحال: أي مصفوفين كل أمة وزمرة صف، وقيل عرضوا صفا واحدا ~~كما في قوله - ثم ائتوا صفا - أي جميعا، وقيل قياما. وفى الآية تشبيه حالهم ~~بحال الجيش الذي يعرض على السلطان (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة هو على ~~إضمار القول: أي قلنا لهم لقد جئتمونا، والكاف في كما خلقناكم نعت مصدر ~~محذوف: أي مجيئا كائنا كمجيئكم عند أن خلقناكم أول مرة، أو كائنين كما ~~خلقناكم أول مرة: أي حفاة عراة غرلا، كما ورد ذلك في الحديث. قال الزجاج: ~~أي بعثناكم وأعدناكم كما خلقناكم، لأن قوله لقد جئتمونا معناه بعثناكم (بل ~~زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا) هذا إضراب وانتقال من كلام إلى كلام للتقريع ~~والتوبيخ، وهو خطاب لمنكري البعث: أي زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا، وأن لن ~~نجعل لكم موعدا نجازيكم بأعمالكم وننجز ما وعدناكم به من البعث والعذاب، ~~وجملة (ووضع الكتاب) معطوفة على عرضوا، والمراد بالكتاب صحائف الأعمال، ~~وأفرده لكون التعريف فيه للجنس، والوضع إما حسي بأن يوضع صحيفة كل واحد في ~~يده: السعيد في يمينه، والشقي في شماله، أو في الميزان. وإما عقلي: أي أظهر ~~عمل كل واحد من خير وشر بالحساب الكائن في ذلك اليوم (فترى المجرمين مشفقين ~~مما فيه) أي خائفين وجلين مما في الكتاب الموضوع لما يتعقب ذلك من الافتضاح ~~في ذلك الجمع، والمجازاة بالعذاب الأليم (ويقولون يا ويلتنا) يدعون على ~~أنفسهم بالويل لوقوعهم في الهلاك، ومعنى هذا النداء قد تقدم تحقيقه في ~~المائدة (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ms2310 إلا أحصاها) أي أي شئ له ~~لا يترك معصية صغيرة ولا معصية كبيرة إلا حواها وضبطها وأثبتها (ووجدوا ما ~~عملوا) في الدنيا من المعاصي الموجبة للعقوبة، أو وجدوا جزاء ما عملوا ~~(حاضرا) مكتوبا مثبتا (ولا يظلم ربك أحدا) أي لا يعاقب أحدا من عباده بغير ~~ذنب، ولا ينقص فاعل الطاعة من أجره الذي يستحقه، ثم إنه سبحانه عاد إلى ~~الرد على أرباب الخيلاء من قريش، فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه فقال ~~(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) أي واذكر وقت قولنا لهم اسجدوا سجود تحية ~~وتكريم، كما مر تحقيقه (فسجدوا) طاعة لأمر الله وامتثالا لطلبه السجود (إلا ~~إبليس) فإنه أبى واستكبر ولم يسجد، وجملة (كان من الجن) مستأنفة لبيان سبب ~~عصيانه وأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة فلهذا عصى، ومعنى (ففسق عن ~~أمر ربه) أنه خرج عن طاعة ربه. قال الفراء: العرب تقول فسقت الرطبة عن ~~قشرها لخروجها منه. قال النحاس: # اختلف في معنى (ففسق عن أمر ربه) على قولين: الأول مذهب الخليل وسيبويه ~~أن المعنى: أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب الفسق أمر ربه. كما تقول ~~أطعمه عن جوع. والقول الآخر قول قطرب: أن المعنى على على حذف المضاف: أي ~~فسق عن ترك أمره. ثم إنه سبحانه عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر ~~والمعاصي PageV03P292 # وخالف أمر الله فقال (أفتتخذونه وذريته أولياء) كأنه قال: أعقيب ما وجد ~~منه من الإباء والفسق تتخذونه وتتخذون ذريته: أي أولاده، وقيل أتباعه مجازا ~~أولياء (من دوني) فتطيعونهم بدل طاعتي وتستبدلونهم بي، والحال أنهم: أي ~~إبليس وذريته (لكم عدو) أي أعداء وأفرده لكونه اسم جنس، أو لتشبيهه ~~بالمصادر كما في قوله - فإنهم عدو لي -، وقوله - هم العدو - أي كيف تصنعون ~~هذا الصنع وتستبدلون بمن خلقكم وأنعم عليكم بجميع ما أنتم فيه من النعم؟ ~~بمن لم يكن لكم منه منفعة قط، بل هو عدو لكم يترقب حصول ما يضركم في كل وقت ~~(بئس للظالمين بدلا) أي الواضعين للشئ في غير موضعه ms2311 المستبدلين بطاعة ربهم ~~طاعة الشيطان، فبئس ذلك البدل الذي استبدلوه بدلا عن الله سبحانه (ما ~~أشهدتهم خلق السماوات والأرض) قال أكثر المفسرون: إن الضمير للشركاء، ~~والمعنى: أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السماوات والأرض وفى خلق أنفسهم ~~لكانوا مشاهدين خلق ذلك مشاركين لي فيه، ولم يشاهدوا ذلك ولا أشهدتهم إياه ~~أنا فليسوا لي بشركاء. وهذا استدلال بانتفاء الملزوم المساوي على انتفاء ~~اللازم. وقيل الضمير للمشركين الذين التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد ~~أنهم ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات ~~والأرض (ولا خلق أنفسهم) وما اعتضدت بهم بل هم كسائر الخلق، وقيل المعنى: ~~أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل، لأنهم لم يكونوا ~~مشاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله، والأول من ~~هذه الوجوه أولى لما يلزم في الوجهين الآخرين من تفكيك الضميرين، وهذه ~~الجملة مستأنفة لبيان عدم استحقاقهم للاتخاذ المذكور، وقرأ أبو جعفر " ما ~~أشهدناهم " وقرأ الباقون " ما أشهدتهم " ويؤيده (وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا) والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد، ومنه ~~قوله - سنشد عضدك بأخيك - أي سنعينك ونقويك به، ويقال أعضدت بفلان إذا ~~استعنت به، وذكر العضد على جهة المثل، وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم ~~والتوبيخ. والمعنى: ما استعنت على خلق السماوات والأرض بهم ولا شاورتهم وما ~~كنت متخذ الشياطين أو الكافرين أعوانا، ووحد العضد لموافقة الفواصل. وقرأ ~~أبو جعفر الجحدري " وما كنت " بفتح التاء على أن الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أي وما كنت يا محمد متخذا لهم عضدا ولا صح لك ذلك، وقرأ ~~الباقون بضم التاء. وفى عضد لغات ثمان أفصحها فتح العين وضم الضاد، وبها ~~قرأ الجمهور. وقرأ الحسن " عضد " بضم العين والضاد، وقرأ عكرمة بضم العين ~~وإسكان الضاد، وقرأ الضحاك بكسر العين وفتح الضاد، وقرأ عيسى ابن عمر ~~بفتحهما، ولغة تميم فتح العين وسكون الضاد. ثم عاد سبحانه إلى ترهيبهم ~~بأحوال القيامة فقال (ويوم ms2312 يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) قرأ حمزة ويحيى ~~بن وثاب وعيسى بن عمر نقول بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية: أي أذكر ~~يوم يقول الله عز وجل للكفار توبيخا لهم وتقريعا نادوا شركائي الذين زعمتم ~~أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم، وأضافهم سبحانه إلى نفسه جريا على ما يعتقده ~~المشركون، تعالى الله عن ذلك (فدعوهم) أي فعلوا ما أمرهم الله به من دعاء ~~الشركاء (فلم يستجيبوا لهم) إذ ذاك: أي لم يقع منهم مجرد الاستجابة لهم، ~~فضلا عن أن ينفعوهم أو يدفعوا عنهم (وجعلنا بينهم موبقا) أي جعلنا بين ~~هؤلاء المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله موبقا، ذكر جماعة من المفسرين أنه ~~اسم واد عميق فرق الله به تعالى بينهم، وعلى هذا فهو اسم مكان. قال ابن ~~الأعرابي: كل حاجز بين شيئين فهو موبق. وقال الفراء: الموبق المهلك. ~~والمعنى: جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة، يقال وبق يوبق فهو ~~وبق، هكذا ذكره الفراء في المصادر. وحكى الكسائي وبق يبق وبوقا فهو وابق، ~~والمراد بالمهلك على هذا هو عذاب النار يشتركون فيه. والأول أولى، لأن من ~~جملة من زعموا أنهم PageV03P293 # شركاء لله الملائكة وعزير والمسيح، فالموبق هو المكان الحائل بينهم. وقال ~~أبو عبيدة: الموبق هنا الموعد للهلاك، وقد ثبت في اللغة أوبقه بمعنى أهلكه، ~~ومنه قول زهير: # ومن يشترى حسن الثناء بماله * يصن عرضه عن كل شنعاء موبق ولكن المناسب ~~لمعنى الآية هو المعنى الأول (ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها) ~~المجرمون موضوع موضع الضمير للإشارة إلى زيادة الذم لهم بهذا الوصف المسجل ~~عليهم به، والظن هنا بمعنى اليقين. والمواقعة المخالطة بالوقوع فيها، وقيل ~~إن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون ذلك ظنا (ولم يجدوا عنها مصرفا) ~~أي معدلا يعدلون إليه، أو انصرافا، لأن النار قد أحاطت بهم من كل جانب. قال ~~الواحدي: المصرف الموضع الذي ينصرف إليه. وقال القتيبي: أي معدلا ينصرفون ~~إليه، وقيل ملجأ يلجئأون إليه. والمعنى متقارب في الجميع. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ms2313 (وترى الأرض بارزة) قال: ليس ~~عليها بناء ولا شجر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة) قال: الصغيرة ~~التبسم، والكبيرة الضحك. وزاد ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عنه قال: ~~الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة القهقهة بذلك. وأقول: صغيرة ~~وكبيرة نكرتان في سياق النفي، فيدخل تحت ذلك كل ذنب يتصف بصغر، وكل ذنب ~~يتصف بالكبر، فلا يبقى من الذنوب شئ إلا أحصاه الله وما كان من الذنوب ~~ملتبسا بين كونه صغيرا أو كبيرا، فذلك إنما هو بالنسبة إلى العباد لا ~~بالنسبة إلى الله سبحانه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة يقال لهم الجن ~~فكان إبليس منهم، وكان يوسوس ما بين السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه ~~فمسخه الله شيطانا رجيما. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (كان من الجن) قال: ~~كان خازن الجنان، فسمى بالجان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال: ~~إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: قاتل الله أقواما زعموا أن ~~إبليس كان من الملائكة، والله يقول كان من الجن. # وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عنه أنه قال: ما كان من الملائكة طرفة عين، ~~إنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في قوله ~~(ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض) قال: يقول ما أشهدت الشياطين الذين ~~اتخذتم معي هذا (وما كنت متخذ المضلين عضدا) قال: الشياطين عضدا، قال: ولا ~~اتخذتهم عضدا على شئ عضدوني عليه فأعانوني. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (وجعلنا بينهم موبقا) يقول: ~~مهلكا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج أبو عبيد ~~وهناد وابن المنذر عنه قال: واد في جهنم. ms2314 وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد ~~الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن أنس في ~~الآية قال: واد في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن ~~أبي حاتم والبيهقي عن ابن عمرو قال: هو واد عميق في النار فرق الله به يوم ~~القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة: وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله (فظنوا أنهم مواقعوها) قال: علموا. # سورة الكهف الآية (54) PageV03P294 # سورة الكهف الآية (55 - 59) لما ذكر سبحانه افتخار الكفرة على فقراء ~~المسلمين بأموالهم وعشائرهم وأجابهم عن ذلك وضرب لهم الأمثال الواضحة، حكى ~~بعض أهوال الآخرة فقال (ولقد صرفنا) أي كررنا ورددنا (في هذا القرآن للناس) ~~أي لأجلهم ولرعاية مصلحتهم ومنفعتهم (من كل مثل) من الأمثال التي من جملتها ~~الأمثال المذكورة في هذه السورة، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة بني ~~إسرائيل، وحين لم يترك الكفار ما هم فيه من الجدال بالباطل، ختم الآية ~~بقوله (وكان الإنسان أكثر شئ جدلا) قال الزجاج: المراد بالإنسان الكافر، ~~واستدل على أن المراد الكافر بقوله تعالى (ويجادل الذين كفروا بالباطل) ~~وقيل المراد به في الآية النضر بن الحرث، والظاهر العموم وأن هذا النوع ~~أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال جدلا، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما من حديث علي " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طرقه وفاطمة ليلا، ~~فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن ~~يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته يضرب فخذه ~~ويقول (وكان الإنسان أكثر شئ جدلا) " وانتصاب جدلا على التمييز. (وما منع ~~الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين) ~~قد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة بني إسرائيل، وذكرنا أن " أن " الأولى ~~في محل نصب، والثانية في محل رفع، والهدى القرآن ومحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والناس هنا هم أهل ms2315 مكة، والمعنى على حذف مضاف: أي ما منع الناس من ~~الإيمان والاستغفار إلا طلب إتيان سنة الأولين، أو انتظار إتيان سنة ~~الأولين، وزاد الاستغفار في هذه السورة لأنه قد ذكر هنا ما فرط منهم من ~~الذنوب التي من جملتها جدالهم بالباطل، وسنة الأولين هو أنهم إذا لم يؤمنوا ~~عذبوا عذاب الاستئصال. قال الزجاج: سنتهم هو قولهم - إن كان هذا هو الحق من ~~عندك - الآية (أو يأتيهم العذاب) أي عذاب الآخرة (قبلا (قال الفراء: إن ~~قبلا جمع قبيل: أي متفرقا يتلو بعضه بعضا، وقيل عيانا: وقيل فجأة. ويناسب ~~ما قاله الفراء قراءة أبى جعفر وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب ~~وخلف (قبلا) بضمتين فإنه جمع قبيل، نحو سبيل وسبل، والمراد أصناف العذاب، ~~ويناسب التفسير الثاني: أي عيانا، قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الباء: أي ~~مقابلة ومعاينة، وقرئ بفتحتين على معنى PageV03P295 # أو يأتيهم العذاب مستقبلا، وانتصابه على الحال. فحاصل معنى الآية أنهم لا ~~يؤمنون ولا يستغفرون إلا عند نزول عذاب الدنيا المستأصل لهم، أو عند إتيان ~~أصناف عذاب الآخرة أو معاينته (وما نرسل المرسلين) من رسلنا إلى الأمم ~~(إلا) حال كونهم (مبشرين) للمؤمنين (ومنذرين) للكافرين، فالاستثناء مفرغ من ~~أعم العام، وقد تقدم تفسير هذا (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق) أي ليزيلوا بالجدال بالباطل الحق ويبطلوه وأصل الدحض الزلق: يقال ~~دحضت رجله: أي زلقت تدحض دحضا، ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت، ودحضت حجته ~~دحوضا بطلت، ومن ذلك قول طرفة: # أبا منذر رمت الوفاء فهبته * وحدت كما حاد البعير عن الدحض ومن مجادلة ~~هؤلاء الكفار بالباطل قولهم للرسل - ما أنتم إلا بشر مثلنا - ونحو ذلك ~~(واتخذوا آياتي) أي القرآن (وما أنذروا) به من الوعيد والتهديد (هزؤا) أي ~~لعبا وباطلا، وقد تقدم هذا في البقرة (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض ~~عنها) أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو ~~مجموعهما فتهاون بها وأعرض عن قبولها، ولم يتدبرها حق التدبر ويتفكر فيها ~~حق التفكر (ونسي ms2316 ما قدمت يداه) من الكفر والمعاصي، فلم يتب عنها. قيل ~~والنسيان هنا بمعنى الترك، وقيل هو على حقيقته (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه) أي أغطية: والأكنة جمع كنان، والجملة تعليل لإعراضهم ونسيانهم. ~~قال الزجاج: أخبر الله سبحانه أن هؤلاء طبع على قلوبهم (وفى آذانهم وقرا) ~~أي وجعلنا في آذانهم ثقلا يمنع من استماعه، وقد تقدم تفسير هذا في الأنعام ~~(وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا) لأن الله قد طبع على قلوبهم ~~بسبب كفرهم ومعاصيهم (وربك الغفور ذو الرحمة) أي كثير المغفرة، وصاحب ~~الرحمة التي وسعت كل شئ فلم يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال (لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا) أي بسبب ما كسبوه من المعاصي التي من جملتها الكفر والمجادلة ~~والإعراض (لعجل لهم العذاب لاستحقاقهم لذلك (بل) جعل (لهم موعد) أي أجل ~~مقدر لعذابهم، قيل هو عذاب الآخرة، وقيل يوم بدر (لن يجدوا من دونه موئلا) ~~أي ملجأ يلجئون إليه. وقال أبو عبيدة منجا، وقيل محيصا، ومنه قول الشاعر: # لا وألت نفسك خليتها * للعامريين ولم تكلم وقال الأعشى: # وقد أخالس رب البيت غفلته * وقد يحاذر منى ثم مايئل أي ما ينجو (وتلك ~~القرى) أي قرى عاد وثمود وأمثالها (أهلكناهم) هذا خبر اسم الإشارة والقرى ~~صفته، والكلام على حذف مضاف: أي أهل القرى أهلكناهم (لما ظلموا) أي وقت ~~وقوع الظلم منهم بالكفر والمعاصي (وجعلنا لمهلكهم موعدا) أي وقتا معينا، ~~وقرأ عاصم مهلكهم بفتح الميم واللام، وهو مصدر هلك، وأجاز الكسائي والفراء ~~كسر اللام وفتح الميم، وبذلك قرأ حفص، وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام. ~~وقال الزجاج مهلك: اسم للزمان، والتقدير: لوقت مهلكهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (إلا أن تأتيهم سنة الأولين) ~~قال: عقوبة الأولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله (قبلا) قال: ~~جهارا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال فجأة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ونسي ما قدمت يداه) قال: نسي ما سلف ~~من ms2317 الذنوب الكثيرة. PageV03P296 # وأخرج أيضا عن ابن عباس (بما كسبوا) يقول: بما عملوا. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن السدى (بل لهم موعد) قال: الموعد يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (موئلا) قال: ملجأ: ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (موئلا) قال: ~~محرزا. # سورة الكهف الآية (60 - 70) الظرف في قوله (وإذ قال) متعلق بفعل محذوف هو ~~أذكر. قيل ووجه ذكر هذه القصة في هذه السورة، أن اليهود لما سألوا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن قصة أصحاب الكهف وقالوا: إن أخبركم فهو نبي ~~وإلا فلا. # ذكر الله قصة موسى والخضر تنبيها على أن النبي لا يلزمه أن يكون عالما ~~بجميع القصص والأخبار. وقد اتفق أهل العلم على أن موسى المذكور هو موسى بن ~~عمران النبي المرسل إلى فرعون، وقالت فرقة لا التفات إلى ما تقوله منهم نوف ~~البكالي: إنه ليس ابن عمران، وإنما هو موسى بن ميشى بن يوسف بن يعقوب، وكان ~~نبيا قبل موسى بن عمران، وهذا باطل قد رده السلف الصالح من الصحابة ومن ~~بعدهم كما في صحيح البخاري وغيره، والمراد بفتاه هنا هو يوشع بن نون. قال ~~الواحدي: أجمعوا على أنه يوشع بن نون، وقد مضى ذكره في المائدة، وفى آخر ~~سورة يوسف، ومن قال: إن موسى هو ابن ميشى قال: إن هذا الفتى لم يكن هو يوشع ~~بن نون. قال الفراء: # وإنما سمى فتى موسى لأنه كان ملازما له يأخذ عنهم العلم ويخدمه، ومعنى ~~(لا أبرح) لا أزال، ومنه قوله - لن نبرح عليه عاكفين - ومنه قول الشاعر: # وأبرح ما أدام الله قومي * بمحمد الله منتطقا مجيدا وبرح إذا كان بمعنى ~~زال فهو من الأفعال الناقصة، وخبره هنا محذوف اعتمادا على دلالة ما بعده ~~وهو (حتى أبلغ مجمع البحرين) قال الزجاج: لا أبرح بمعنى لا أزال، وقد حذف ~~الخبر لدلالة حال السفر عليه، ولأن قوله " حتى أبلغ " غاية مضروبة، فلا ms2318 بد ~~من ذي غاية، فالمعنى: لا أزال أسير إلى أن أبلغ، ويجوز أن يراد لا يبرح ~~PageV03P297 # مسيري حتى أبلغ، وقيل معنى لا أبرح: لا أفارقك حتى أبلغ مجمع البحرين، ~~وقيل يجوز أن يكون من برح التام، بمعنى زال يزال، ومجمع البحرين ملتقاهما. ~~قيل المراد بالبحرين بحر فارس والروم، وقيل بحر الأردن وبحر القلزم، وقيل ~~مجمع البحرين عند طنجة، وقيل بإفريقية. وقالت طائفة: المراد بالبحرين موسى ~~والخضر، وهو من الضعف بمكان، وقد حكى عن ابن عباس ولا يصح (أو أمضى حقبا) ~~أي أسير زمانا طويلا. قال الجوهري: الحقب بالضم ثمانون سنة. وقال النحاس: ~~الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود، كما ~~أن رهطا وقوما منهم غير محدود، وجمعه أحقاب. وسبب هذه العزيمة على السير من ~~موسى عليه السلام ما روى أنه سئل موسى من أعلم الناس؟ فقال أنا، فأوحى الله ~~إليه: إن أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين (فلما بلغا) أي موسى وفتاه ~~(مجمع بينهما) أي بين البحرين، وأضيف مجمع إلى الظرف توسعا، وقيل البين: ~~بمعنى الافتراق: أي البحران المفترقان أبي يجتمعان هناك، وقيل الضمير لموسى ~~والخضر: أي وصلا الموضع الذي فيه اجتماع شملهما، ويكون البين على هذا بمعنى ~~الوصل، لأنه من الأضداد، والأول أولى (نسيا حوتهما) قال المفسرون: إنهما ~~تزودا حوتا مملحا في زنبيل، وكانا يصيبان منه عند حاجتهما إلى الطعام، وكان ~~قد جعل الله فقدانه أمارة لهما على وجدان المطلوب. والمعنى أنهما نسيا بفقد ~~أمره، وقيل الذي نسي إنما هو فتى موسى، لأنه وكل أمر الحوت إليه، وأمره أن ~~يخبره إذا فقده، فلما انتهيا إلى ساحل البحر وضع فتاه المكتل الذي فيه ~~الحوت فأحياه الله، فتحرك واضطرب في المكتل، ثم انسرب في البحر، ولهذا قال ~~(فاتخذ سبيله في البحر سربا) انتصاب سربا على أنه المفعول الثاني لاتخذ، أي ~~اتخذ سبيلا سربا، والسرب النفق الذي يكون في الأرض للضب ونحوه من ~~الحيوانات، وذلك أن الله سبحانه أمسك جرية الماء على الموضع الذي انسرب ms2319 فيه ~~الحوت فصار كالطاق فشبه مسلك الحوت في البحر مع بقائه وانجياب الماء عنه ~~بالسرب الذي هو الكوة المحفورة في الأرض. قال الفراء: # لما وقع في الماء جمد مذهبه في البحر فكان كالسرب، فلما جاوزا ذلك المكان ~~الذي كانت عنده الصخرة وذهب الحوت فيه انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من ~~النصب والكلال، ولم يجدا النصب حتى جاوزا الموضع الذي فيه الخضر، ولهذا قال ~~سبحانه (فلما جاوزا) أي مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة (قال لفتاه ~~آتنا غداءنا) وهو ما يؤكل بالغداة، وأراد موسى أن يأتيه بالحوت الذي حملاه ~~معهما (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) أي تعبا وإعياء، قال المفسرون: ~~الإشارة بقوله سفرنا هذا إلى السفر الكائن منهما بعد مجاوزة المكان ~~المذكور، فإنهما لم يجدا النصب إلا في ذلك دون ما قبله (قال أرأيت إذ أوينا ~~إلى الصخرة) أي قال فتى موسى لموسى، ومعنى الاستفهام تعجيبه لموسى مما وقع ~~له من النسيان هناك مع كون ذلك الأمر مما لا ينسى، لأنه قد شاهد أمرا عظيما ~~من قدرة الله الباهرة، ومفعول أرأيت محذوف لدلالة ما ذكره من النسيان عليه، ~~والتقدير: أرأيت ما دهاني، أو نابني في ذلك الوقت والمكان. وتلك الصخرة ~~كانت عند مجمع البحرين الذي هو الموعد، وإنما ذكرها دون أن يذكر مجمع ~~البحرين لكونها متضمنة لزيادة تعيين المكان، لاحتمال أن يكون المجمع مكانا ~~متسعا يتناول مكان الصخرة وغيره، وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي ~~تقدم ذكره لبيان أن ذلك الغداء المطلوب هو ذلك الحوت الذي جعلاه زادا لهما، ~~وأمارة لوجدان مطلوبهما. ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان ~~فقال (وما أنسانيه إلا الشيطان) بما يقع منه من الوسوسة، و (أن أذكره) بدل ~~اشتمال من الضمير في أنسانيه، وفى مصحف عبد الله: وما أنسانيه أن أذكره إلا ~~الشيطان (واتخذ سبيله في البحر عجبا) انتصاب عجبا على أنه المفعول الثاني ~~كما مر في سربا، والظرف في محل نصب على الحال، يحتمل أن يكون هذا من كلام ~~يوشع، ms2320 أخبر PageV03P298 # موسى أن الحوت اتخذ سبيله عجبا للناس، وموضع التعجب أن يحيا حوت قد مات ~~وأكل شقه، ثم يثب إلى البحر ويبقى أثر جريته في الماء لا يمحو أثرها جريان ~~ماء البحر، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه لبيان طرف آخر من أمر ~~الحوت، فيكون ما بين الكلامين اعتراضا (قال ذلك ما كنا نبغي) أي قال موسى ~~لفتاه ذلك الذي ذكرت من فقد الحوت في ذلك الموضع هو الذي كنا نطلبه، فإن ~~الرجل الذي نريده هو هنالك (فارتدا على آثارهما قصصا) أي رجعا على الطريق ~~التي جاءا منها يقصان أثرهما لئلا يخطئا طريقهما، وانتصاب قصصا على أنه ~~مصدر لفعل محذوف، أو على الحال: أي قاصين أو مقتصين، والقصص في اللغة اتباع ~~الأثر (فوجدا عبدا من عبادنا) هو الخضر في قول جمهور المفسرين، وعلى ذلك ~~دلت الأحاديث الصحيحة، وخالف في ذلك من لا يعتد بقوله، فقال ليس هو الخضر ~~بل عالم آخر، قيل سمى الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، قيل واسمه بليا ~~بن ملكان، ثم وصفه الله سبحانه فقال (آتيناه رحمة من عندنا) قيل الرحمة هي ~~النبوة، وقيل النعمة التي أنعم الله بها عليه (وعلمناه من لدنا علما) وهو ~~ما علمه الله سبحانه من علم الغيب الذي استأثر به، وفى قوله من لدنا تفخيم ~~لشأن ذلك العلم، وتعظيم له. قال الزجاج: وفيما فعل موسى وهو من جملة ~~الأنبياء من طلب العلم، والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن ~~يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. ثم قص ~~الله سبحانه علينا ما دار بين موسى والخضر بعد اجتماعهما فقال (قال له موسى ~~هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) في هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في ~~حسن الأدب، لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من ~~العلم. والرشد الوقوف على الخير وإصابة الصواب، وانتصابه على أنه مفعول ثان ~~لتعلمني: أي علما ذا ms2321 رشد أرشد به، وقرئ رشدا بفتحتين، وهما لغتان كالبخل ~~والبخل. وفى الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب. ~~وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل ~~وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان ~~علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض ~~الغيب ومعرفة البواطن (قال إنك لن تستطيع معي صبرا) أي قال الخضر لموسى: ~~إنك لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي، لأن الظواهر التي هي علمك لا ~~توافق ذلك، ثم أكد ذلك مشيرا إلى علة عدم الاستطاعة، فقال (وكيف تصبر على ~~ما لم تحط به خبرا) أي كيف تصبر على علم ظاهره منكر، وأنت لا تعلم، ومثلك ~~مع كونك صاحب شرع لا يسوغ له السكوت على منكر والإقرار عليه، وخبرا منتصب ~~على التمييز: أي لم تحط به خبرك: والخبر العلم بالشئ، والخبير بالأمور هو ~~العالم بخفاياها، وبما يحتاج إلى الاختبار منها (قال ستجدني إن شاء الله ~~صابرا) أي قال موسى للخضر: ستجدني صابرا معك، ملتزما طاعتك (ولا أعصى لك ~~أمرا) فجملة ولا أعصي معطوفة على صابرا، فيكون التقييد بقوله: إن شاء الله ~~شاملا للصبر ونفى المعصية، وقيل إن التقييد بالمشيئة مختص بالصبر، لأنه أمر ~~مستقبل لا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفى المعصية معزوم عليه في الحال، ~~ويجاب عنه بأن الصبر، ونفي المعصية متفقان في كون كل واحد منهما معزوم عليه ~~في الحال، وفى كون كل واحد منهما لا يدري كيف حاله فيه في المستقبل. (قال ~~فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ) مما تشاهده من أفعالي المخالفة لما يقتضيه ~~ظاهر الشرع الذي بعثك الله به (حتى أحدث لك منه ذكرا) أي حتى أكون أنا ~~المبتدئ لك بذكره، وبيان وجهه وما يؤول إليه. وهذه الجمل المعنونة بقال ~~وقال مستأنفة، لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما ~~قبلها. # وقد أخرج الدارقطني في الإفراد ms2322 وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان عن ~~الضحاك عن ابن عباس قال: PageV03P299 # الخضر ابن آدم لصلبه ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال. وأخرج البخاري ~~وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إنما سمى الخضر ~~لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء ". # وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن عساكر عن مجاهد إنما سمى الخضر لأنه إذا صلى اخضر ما ~~حوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين) قال: حتى انتهى. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة في قوله (مجمع البحرين). قال: بحر فارس والروم، وهما نحو المشرق ~~والمغرب وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال (مجمع البحرين) ~~إفريقية. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال طنجة. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (أو أمضى حقبا) قال: سبعين ~~خريفا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: دهرا. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (نسيا حوتهما) قال: كان ~~مملوحا مشقوق البطن. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (فاتخذ سبيله في البحر ~~سربا) قال: أثره يابس في البحر كأنه في حجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله (فارتدا على آثارهما قصصا) قال: عودهما على بدئهما. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (آتيناه رحمة من عندنا) قال: أعطيناه الهدى ~~والنبوة. # واعلم أنها قد رويت في قصة الخضر مع موسى المذكورة في الكتاب العزيز ~~أحاديث كثيرة، وأتمها وأكملها ما روى عن ابن عباس ولكنها اختلفت بعض ~~الألفاظ، وكلها مروية من طريق سعيد بن جبير عنه، وبعضها في الصحيحين ~~وغيرهما، وبعضها في أحدهما، وبعضها خارج عنهما. ms2323 وقد رويت من طريق العوفي ~~عنه كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، ومن طريق هارون بن عنترة عن أبيه ~~عنه عند ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب وابن عساكر، فلنقتصر ~~على الرواية التي هي أتم الروايات الثابتة في الصحيحين، ففي ذلك ما يغنى عن ~~غيره، وهى: قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى ~~صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله. حدثنا ~~أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن موسى قام ~~خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ فقال أنا، فعتب الله عليه إذ لم ~~يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، ~~قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ # قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا ~~فجعله في مكتل. ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة وضعا ~~رؤسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله ~~في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما ~~استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا ~~كانا من الغد قال موسى لفتاه (آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) ~~قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال له فتاه ~~(أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا) قال: فكان للحوت سربا، ولموسى وفتاه ~~عجبا، فقال موسى: (ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا ") قال سفيان: ~~يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة لا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش، قال: ~~وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان أثرهما ~~حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب ms2324 فسلم عليه موسى، فقال الخضر: ~~وأنى بأرضك السلام؟ قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل؟ قال PageV03P300 # نعم، قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا، يا ~~موسى إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك ~~الله لا أعلمه، قال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا، فقال ~~له الخضر (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا) فانطلقا ~~يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر ~~فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ~~ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى ~~سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا؟ قال: ألم أقل إنك لن ~~تستطيع معي صبرا، قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. قال: ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فكانت الأولى من موسى نسيانا. ~~قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ~~ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور الذي وقع على ~~حرف السفينة من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على ~~الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه ~~بيده فقتله، فقال موسى (أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ~~ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) قال: وهذه أشد من الأولى (قال إن سألتك ~~عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل ~~قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه) قال مائل، فقال الخضر بيده هكذا فأقامه، ف‍ (قال) موسى قوم آتيناهم ~~فلم يطعمونا ولم يضيفونا (لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك ~~سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ms2325 صبرا) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما. قال سعيد بن ~~جبير: وكان ابن عباس يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) وكان يقرأ ~~(وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين) وبقية روايات سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس عن أبي بن كعب هي موافقة لهذه الرواية في المعنى وإن تفاوتت ~~الألفاظ في بعضها فلا فائدة في الإطالة بذكرها، وكذلك روايات غير سعيد عنه. # سورة الكهف الآية (71 - 78) PageV03P301 # سورة الكهف الآية (79 - 82) قوله (فانطلقا) أي موسى والخضر على ساحل ~~البحر يطلبان السفينة، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فحملوهم (حتى إذا ~~ركبا في السفينة خرقها) قيل قلع لوحا من ألواحها، وقيل لوحين مما يلي ~~الماء، وقيل خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها (قال) ~~موسى: (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) أي لقد أتيت أمرا عظيما، ~~يقال أمر الأمر إذا كبر، والأمر الاسم منه. وقال أبو عبيدة: الأمر الداهية ~~العظيمة وأنشد: # * قد لقى الأقران منى نكرا * داهية دهيا وأمرا إمرا وقال القتيبي: الأمر ~~العجب. وقال الأخفش: أمر أمره يأمر إذا اشتد، والاسم الأمر. قرأ حمزة ~~والكسائي (ليغرق أهلها) بالياء التحتية المفتوحة، ورفع أهلها على أنه فاعل. ~~وقرأ الباقون بالفوقية المضمومة ونصب أهلها على المفعولية (قال) أي الخضر ~~(ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) أذكره ما تقدم من قوله له سابقا (إنك لن ~~تستطيع معي صبرا) ف (قال) له موسى (لا تؤاخذني بما نسيت) يحتمل أن تكون ما ~~مصدرية، أي لا تؤاخذني بنسياني أو موصولة أي لا تؤاخذني بالذي نسيته، وهو ~~قول الخضر - فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا - فالنسيان إما على ~~حقيقته على تقدير أن موسى نسي ذلك، أو بمعنى الترك على تقدير أنه لم ينس ما ~~قاله له، ولكنه ترك العمل به (ولا ترهقني من أمري عسرا) قال أبو زيد: ~~أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك: والمعنى عاملني باليسر لا ms2326 بالعسر. وقرئ عسرا ~~بضمتين (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله) أي الخضر، ولفظ الغلام يتناول ~~الشاب البالغ كما يتناول الصغير، قيل كان الغلام يلعب مع الصبيان فاقتلع ~~الخضر رأسه (قال) موسى (أقتلت نفسا زاكية بغير نفس) قرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وأبو جعفر وأويس بألف بعد الزاي وتخفيف الياء اسم فاعل. وقرأ ~~الباقون بتشديد الياء من دون ألف، الزاكية: البريئة من الذنوب. قال أبو ~~عمرو: الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت. وقال الكسائي: ~~الزاكية والزكية لغتان. وقال الفراء: الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية، ~~ومعنى (بغير نفس) بغير قتل نفس محرمة حتى يكون قتل هذه قصاصا (لقد جئت شيئا ~~نكرا) أي فظيعا منكرا لا يعرف في الشرع. قيل معناه أنكر من الأمر الأول ~~لكون القتل لا يمكن تداركه، بخلاف نزع اللوح من السفينة فإنه يمكن تداركه ~~بإرجاعه، وقيل النكر أقل من الأمر، لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل ~~السفينة. قيل استبعد موسى أن يقتل نفسا بغير نفس، ولم يتأول للخضر بأنه يحل ~~القتل بأسباب أخر PageV03P302 # (قال) الخضر (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) زاد هنا لفظ لك، لأن ~~سبب العتاب أكثر، وموجبه أقوى، وقيل زاد لفظ لك لقصد التأكيد كما تقول لمن ~~توبخه: لك أقول وإياك أعني (قال) موسى (إن سألتك عن شئ بعدها) أي بعد هذه ~~المرة، أو بعد هذه النفس المقتولة (فلا تصاحبني) أي لا تجعلني صاحبا لك، ~~نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره، ولذا قال (قد بلغت من لدني ~~عذرا) يريد أنك قد أعذرت حيث خالفتك ثلاث مرات، وهذا كلام نادم شديد ~~الندامة، اضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف. # قرأ الأعرج " تصحبني " بفتح التاء والباء وتشديد النون. وقرأ الجمهور " ~~تصاحبني " وقرأ يعقوب " تصحبى " بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي ~~عمرو. قال الكسائي: معناه لا تتركني أصحبك. وقرأ الجمهور " لدني " بضم ~~الدال إلا أن نافعا وعاصما خففا النون، وشددها الباقون. وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم ms2327 " لدني " بضم اللام وسكون الدال. قال ابن مجاهد: وهى غلط. قال أبو ~~علي: هذا التغليط لعله من جهة الرواية، فأما على قياس العربية فصحيحة. # وقرأ الجمهور " عذرا " بسكون الذال. وقرأ عيسى بن عمر بضم الذال. وحكى ~~الداني أن أبيا روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكسر الراء وياء ~~بعدها بإضافة العذر إلى نفسه (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية) قيل هي أيلة ~~وقيل أنطاكية، وقيل برقة، وقيل قرية من قرى أذربيجان، وقيل قرية من قرى ~~الروم (استطعما أهلها) هذه الجملة في محل الجر على أنها صفة لقرية، ووضع ~~الظاهر موضع المضمر لزيادة التأكيد، أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه ~~الكلمة لما فيه من الكلفة، أو لزيادة التشنيع على أهل القرية بإظهارهم ~~(فأبوا أن يضيفوهما) أي أبوا أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من ضيافتهما، ~~فمن استدل بهذه الآية على جواز السؤال وحل الكدية فقد أخطأ خطأ بينا، ومن ~~ذلك قول بعض الأدباء الذين يسألون الناس: # فإن رددت فما في الرد منقصة * على قد رد موسى قبل والخضر وقد ثبت في ~~السنة تحريم السؤال بما لا يمكن دفعه من الأحاديث الصحيحة الكثيرة (فوجدا ~~فيها) أي في القرية (جدارا يريد أن ينقض) إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز. ~~قال الزجاج: الجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئة السقوط قد ظهرت فيه ~~كما تظهر أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإراد، ومنه قول الراعي: # في مهمه فلقت به هاماتها * فلق الفؤوس إذا أردن نصولا ومعنى الانقضاض ~~السقوط بسرعة، يقال انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه ~~فسقط على شئ، ومعنى فأقامه فسواه، لأنه وجده مائلا فرده كما كان، وقيل نقضه ~~وبناه، وقيل أقامه بعمود، وقد تقدم في الحديث الصحيح أنه مسحه بيده (قال) ~~موسى (لو شئت لاتخذت عليه أجرا) أي على إقامته وإصلاحه، تحريضا من موسى ~~للخضر على أخذ الأجر. قال الفراء: معناه لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو ~~الأجر، قرأ أبو عمرو ويعقوب وابن كثير وابن محيصن ms2328 واليزيدي والحسن " لتخذت ~~" يقال تخذ فلان يتخذ تخذا مثل اتخذ. وقرأ الباقون لاتخذت (قال) الخضر (هذا ~~فراق بيني وبينك) على إضافة فراق إلى الظرف اتساعا: أي هذا الكلام والإنكار ~~منك على ترك الأجر هو المفرق بيننا. قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا: أي ~~هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا، ولما قال الخضر لموسى بهذا أخذ في بيان ~~الوجه الذي فعل بسببه تلك الأفعال التي أنكرها موسى فقال (سأنبئك بتأويل ما ~~لم تستطع عليه صبرا) والتأويل رجوع الشئ إلى مآله. ثم شرع في البيان له ~~فقال (أما السفينة) يعنى التي خرقها (فكانت لمساكين) لضعفاء لا يقدرون على ~~دفع من أراد ظلمهم (يعملون في البحر) ولم يكن لهم مال غير تلك السفينة ~~يكرونها من الذين يركبون البحر ويأخذون الأجرة، وقد استدل الشافعي بهذه ~~PageV03P303 # الآية على أن الفقير أسوأ حالا من (المسكين فأردت أن أعيبها) أي أجعلها ~~ذات عيب بنزع ما نزعته منها (وكان وراءهم ملك) قال المفسرون: يعنى أمامهم، ~~ووراء يكون بمعنى أمام، وقد مر الكلام على هذا في قوله - من ورائه عذاب ~~غليظ - وقيل أراد خلفهم، وكان طريقهم في الرجوع عليه، وما كان عندهم خبر ~~بأنه (يأخذ كل سفينة غصبا) أي كل سفينة صالحة لا معيبة، وقد قرئ بزيادة ~~صالحة روى ذلك عن أبي وابن عباس. وقرا جماعة بتشديد السين من مساكين، ~~واختلف في معناها، فقيل هم ملاحو السفينة، وذلك أن المساك هو الذي يمسك ~~السفينة، والأظهر قراءة الجمهور بالتخفيف (وأما الغلام) يعنى الذي قتله ~~(فكان أبواه مؤمنين) أي ولم يكن هو كذلك (فخشينا أن يرهقهما) أي يرهق ~~الغلام أبويه، يقال رهقه: أي غشيه، وأرهقه أغشاه. قال المفسرون: معناه ~~خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه في دينه، وهو الكفر، (وطغيانا) مفعول ~~يرهقهما (وكفرا) معطوف عليه، وقيل المعنى: فخشينا أن يرهق الوالدين طغيانا ~~عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه. قيل ويجوز أن يكون فخشينا من كلام الله، ~~ويكون المعنى كرهنا كراهة من خشي سوء عاقبة أمره فغيره، وهذا ضعيف جدا، ~~فالكلام كلام الخضر. ms2329 وقد استشكل بعض أهل العلم قتل الخضر لهذا الغلام بهذه ~~العلة، فقيل إنه كان بالغا وقد استحق ذلك بكفره، وقيل كان يقطع الطريق ~~فاستحق القتل لذلك، ويكون معنى فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا: أن الخضر ~~خاف على الأبوين أن يذبا أن عنه ويتعصبا له فيقعا في المعصية، وقد يؤدى ذلك ~~إلى الكفر والارتداد. والحاصل أنه لا إشكال في قتل الخضر له إذا كان بالغا ~~كافرا أو قاطعا للطريق هذا فيما تقتضيه الشريعة الإسلامية، ويمكن أن يكون ~~للخضر شريعة من عند الله سبحانه تسوغ له ذلك، وأما إذا كان الغلام صبيا غير ~~بالغ، فقيل إن الخضر علم بإعلام الله له أنه لو صار بالغا لكان كافرا يتسبب ~~عن كفره إضلال أبويه وكفرهما، الله وهذا وإن كان ظاهر الشريعة الإسلامية ~~يأباه، فإن قتل من لا ذنب له ولا قد جرى عليه قلم التكليف لخشية أن يقع منه ~~بعد بلوغه ما يجوز به قتله لا يحل في الشريعة المحمدية، ولكنه حل في شريعة ~~أخرى، فلا إشكال. وقد ذهب الجمهور إلى أن الخضر كان نبيا (فأردنا أن ~~يبدلهما ربهما خيرا منه) قرأ الجمهور بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال. ~~وقرأ عاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بسكون الباء وتخفيف الدال، والمعنى: # أردنا أن يرزقهما الله بدل هذا الولد ولدا خيرا منه (زكاة) أي دينا ~~وصلاحا وطهارة من (الذنوب وأقرب رحما) قرأ ابن عباس وحمزة والكسائي وابن ~~كثير وابن عامر " رحما " بضم الحاء. وقرأ الباقون بسكونها، ومعنى الرحم ~~الرحمة، يقال رحمه الله رحمة ورحمي، والألف للتأنيث (وأما الجدار) يعنى ~~الذي أصلحه (فكان لغلامين يتيمين في المدينة) هي القرية المذكورة سابقا، ~~وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة (وكان تحته كنز لهما) قيل كان ~~مالا جسيما كما يفيده اسم الكنز، إذ هو المال المجموع. قال الزجاج: المعروف ~~في اللغة ان الكنز إذا أفرد: # فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن مالا قيل: كنز علم وكنز فهم، وقيل لوح ~~من ذهب، وقيل صحف مكتوبة (وكان أبوهما صالحا) فكان ms2330 صلاحه مقتضيا لرعاية ~~ولديه وحفظ مالهما، قيل هو الذي دفنه، وقيل هو الأب السابع من عند الدافن ~~له، وقيل العاشر (فأراد ربك) أي مالكك ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير ~~موسى تشريفا له (أن يبلغا أشدهما) أي كمالهما وتمام نموهما (قال ويستخرجا ~~كنزهما) من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولو انقض لخرج الكنز من تحته ~~(رحمة من ربك) لهما، وهو مصدر في موضع الحال: أي مرحومين من الله سبحانه ~~(وما فعلته عن أمري) أي عن اجتهادي ورأيي، وهو تأكيد لما قبله، فقد علم ~~بقوله فأراد ربك أنه لم يفعله الخضر عن أمر نفسه (ذلك تأويل ما لم تسطع ~~عليه صبرا) أي ذلك المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك PageV03P304 # وأوضحت وجوهها تأويل ما ضاق صبرك عنه ولم تطق السكوت عليه، ومعنى التأويل ~~هنا هو المآل الذي آلت إليه تلك الأمور، وهو اتضاح ما كان مشتبها على موسى ~~وظهور وجهه، وحذف التاء من تسطع تخفيفا. # وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (لقد جئت شيئا ~~إمرا) يقول: نكرا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الله بن ~~أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (أمرا) قال: # عجبا. وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب في قوله (لا تؤاخذني بما نسيت) قال: ~~لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ~~العالية قال: كان الخضر عبدا لا تراه الأعين، إلا من أراد الله أن يريه ~~إياه، فلم يره من القوم إلا موسى ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق ~~السفينة وبين قتل الغلام. وأقول: # ينبغي أن ينظر من أين له هذا؟ فإن لم يكن مستنده إلا قوله: ولو رآه القوم ~~الخ، فليس ذلك بموجب لما ذكره، أما أولا فإن من الجائز أن يفعل ذلك من غير ~~أن يراه أهل السفينة وأهل الغلام، لا لكونه لا تراه الأعين، بل لكونه فعل ~~ذلك من غير اطلاعهم. وأما ثانيا فيمكن ms2331 أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه ~~وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء، فسلموا لأمر ~~الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (نفسا زاكية) قال: # مسلمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، ~~قال: لم تبلغ الخطايا. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن نحوه. وأخرج ~~عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (شيئا ~~نكرا) قال: النكر أنكر من العجب. وأخرج أحمد عن عطاء قال: كتب نجدة الحروري ~~إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من ~~المؤمن فاقتلهم. وزاد ابن أبي شيبة من طريق أخرى عنه: ولكنك لا تعلم، قد ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتلهم فاعتزلهم. وأخرج مسلم وأبو ~~داود والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن مردويه عن أبي بن ~~كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم ~~طبع كافرا، ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا. وأخرج أبو داود والترمذي ~~وعبد الله بن أحمد والبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ (من لدني عذرا) مثقلة. وأخرج ابن مردويه ~~عن أبي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ (أن يضيفوهما) مشددة وأخرج ~~ابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قرأ (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) فهدمه، ثم قعد ~~يبنيه. قلت: ورواية الصحيحين التي قدمناها أنه مسحه بيده أولى. وأخرج ~~الفريابي في معجمه وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قرأ (لو شئت لتخذت عليه أجرا) مخففة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن ~~عباس عن أبي بن كعب قال: قال ms2332 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " رحمة ~~الله علينا وعلى موسى، لو صبر لقص الله علينا من خبره، ولكن (قال إن سألتك ~~عن شئ بعدها فلا تصاحبني). وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) وأخرج ابن الأنباري ~~عن أبي بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي الزاهرية ~~قال: كتب عثمان " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ". وأخرج أبو ~~عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس ~~أنه كان يقرأ " وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ". وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال هي في مصحف عبد الله " فخاف ربك أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا ". وأخرج ابن المنذر وابن PageV03P305 # أبى حاتم عن ابن عباس في قوله (خيرا منه زكاة) قال: دينا (وأقرب رحما) ~~قال: مودة، فأبدلا جارية ولدت نبيا. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله (وكان تحته كنز لهما) قال: كان الكنز لمن قبلنا وحرم ~~علينا، وحرمت الغنيمة على من كان قبلنا وأحلت لنا، فلا يعجبن الرجل، فيقول ~~فما شأن الكنز، أحل لمن قبلنا وحرم علينا؟ فإن الله يحل من أمره ما يشاء ~~ويحرم ما يشاء، وهى السنن والفرائض، يحل لأمة ويحرم على أخرى. وأخرج ~~البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله (وكان تحته كنز لهما) قال: ذهب وفضة. وأخرج ~~الطبراني عن أبي الدرداء في قوله (وكان تحته كنز لهما) قال: أحلت لهم ~~الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز. وأخرج ~~البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره ~~الله في كتابه ms2333 لوح من ذهب مصمت فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت ~~لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل، لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله. # وفى نحو هذا روايات كثيرة لا تتعلق بذكرها فائدة. وأخرج ابن المبارك ~~وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد والحميدي في مسنده وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (وكان أبوهما صالحا) قال: حفظا ~~بصلاح أبيهما. وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إن الله عز وجل يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل ~~دويرته وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله تعالى ما دام فيهم ". ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ~~ولده ويحفظه في دويرته، والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية. ~~وأخرج ابن جرير من طريق الحسن بن عمارة عن أبيه قال: قيل لابن عباس: لم ~~نسمع لفتى موسى بذكر وقد كان معه؟ فقال ابن عباس: قال فيما يذكر من حديث ~~الفتى إنه شرب من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في ~~البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه. ~~قال ابن كثير: إسناده ضعيف، الحسن متروك وأبوه غير معروف. # الكهف الآية (83 - 91) PageV03P306 # لما أجاب سبحانه عن سؤالين من سؤالات اليهود، وانتهى الكلام إلى حيث ~~انتهى شرع سبحانه في السؤال الثالث والجواب عنه، فالمراد بالسائلين هنا هم ~~اليهود. # واختلفوا في ذي القرنين اختلافا كثيرا، فقيل هو الإسكندر بن فيلقوس الذي ~~ملك الدنيا بأسرها اليوناني باني لإسكندريه. وقال ابن إسحاق: هو رجل من أهل ~~مصر، اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني، من ولد يونان بن يافث بن نوح. وقيل هو ~~ملك اسمه هرمس، وقيل ملك اسمه هردبس، عن وقيل شاب من الروم، وقيل كان نبيا، ~~وقيل كان عبدا صالحا، قيل اسمه عبد الله بن الضحاك، وقيل ms2334 مصعب بن عبد الله، ~~من أولاد كهلان بن سبأ. # وحكى القرطبي عن السهيلي أنه قال: إن الظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان: ~~أحدهما كان على عهد إبراهيم عليه السلام، والآخر كان قريبا من عيسى عليه ~~السلام. وقيل هو أبو كرب الحميري، وقيل هو ملك من الملائكة، ورجح الرازي ~~القول الأول، قال: لأن من بلغ ملكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق ~~بها التنزيل إنما هو الإسكندر اليوناني كما تشهد به كتب التاريخ، قال: فوجب ~~القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر، قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذا ~~لأرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب ~~أرسطاطا ليس حق وصدق، وذلك مما لا سبيل إليه. قال النيسابوري: قلت ليس كل ~~ما ذهب إليه الفلاسفة باطلا فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر والله أعلم. ~~ورجح ابن كثير ما ذكره السهيلي أنهما اثنان كما قدمنا ذلك، وبين أن الأول ~~طاف بالبيت مع إبراهيم أول ما بناه وآمن به واتبعه وكان وزيره الخضر. وأما ~~الثاني فهو الإسكندر المقدوني اليوناني، وكان وزيره الفيلسوف المشهور ~~إرسطاطاليس، وكان قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة. فأما الأول المذكور في ~~القرآن فكان في زمن الخليل، هذا معنى ما ذكره ابن كثير في تفسيره راويا له ~~عن الأزرقي وغيره، ثم قال: وقد ذكرنا طرفا صالحا في أخباره في كتاب البداية ~~والنهاية بما فيه كفاية. وحكى أبو السعود في تفسيره عن ابن كثير أنه قال: ~~وإنما بينا هذا: يعنى أنهما اثنان، لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، ~~وأن المذكور في القرآن العظيم هو هذا المتأخر، فيقع بذلك خطأ كبير وفساد ~~كثير، كيف لا، والأول كان عبدا صالحا مؤمنا، وملكا عادلا، ووزيره الخضر، ~~وقد قيل إنه كان نبيا. وأما الثاني فقد كان كافرا، ووزيره إرسطاطاليس ~~الفيلسوف، وكان ما بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذاك؟ ~~انتهى. قلت: لعله ذكر هذا في الكتاب الذي ذكره سابقا، وسماه بالبداية ~~والنهاية ولم يقف عليه، ms2335 والذي يستفاد من كتب التاريخ هو أنهما اثنان كما ~~ذكره السهيلي والأزرقي وابن كثير وغيرهم لا كما ذكره الرازي وادعى أنه الذي ~~تشهد به كتب التواريخ وقد وقع الخلاف هل هو نبي أم لا؟ وسيأتي ما يستفاد ~~منه المطلوب آخر هذا البحث إن شاء الله. # وأما السبب الذي لأجله سمى ذا القرنين، فقال الزجاج والأزهري: إنما سمى ~~ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها، وقرن الشمس من مغربها، وقيل إنه ~~كان له ضفيرتان من شعر، والضفائر تسمى قرونا، ومنه قول الشاعر: # فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج والحشرج ماء من ~~مياه العرب، وقيل إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس فسمى بذلك، ~~وقيل كان له قرنان تحت عمامته، وقيل إنه دعا إلى الله فشجه قومه على قرنه، ~~ثم دعا إلى الله فشجوه على قرنه الآخر، وقيل إنما سمى بذلك لأنه كريم ~~الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه، وقيل لأنه انقرض في وقته قرنان ~~من الناس وهو حي، وقيل لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا، وقيل ~~لأنه أعطى علم الظاهر والباطن، وقيل PageV03P307 # لأنه دخل النور والظلمة، وقيل لأنه ملك فارس والروم، وقيل لأنه ملك الروم ~~والترك، وقيل لأنه كان لتاجه قرنان. قوله (قل سأتلوا عليكم منه ذكرا) أي ~~سأتلو عليكم أيها السائلون من ذي القرنين خبرا، وذلك بطريق الوحي المتلو. ~~ثم شرع سبحانه في بيان ما أمر به رسوله أن يقوله لهم من أنه سيتلو عليهم ~~منه ذكرا فقال (إنا مكنا له في الأرض) أي أقدرناه بما مهدنا له من الأسباب، ~~فجعلنا له مكنة وقدرة على التصرف فيها، وسهل عليه المسير في مواضعها، وذلل ~~له طرقها حتى تمكن منها أين شاء وكيف شاء؟ ومن جملة تمكينه فيها أنه جعل له ~~الليل والنهار سواء في الإضاءة (وآتيناه من كل شئ) مما يتعلق بمطلوبه ~~(سببا) أي طريقا يتوصل بها إلى ما يريده (فأتبع سببا) من تلك الأسباب. قال ~~المفسرون: والمعنى طريقا ms2336 تؤديه إلى مغرب الشمس. قال الزجاج: فأتبع سببا من ~~الأسباب التي أوتى، وذلك أنه أوتى من كل شئ سببا فأتبع من تلك الأسباب التي ~~أوتى سببا في المسير إلى المغرب، وقيل أتبع من كل شئ علما يتسبب به إلى ما ~~يريد، وقيل بلاغا إلى حيث أراد، وقيل من كل شئ يحتاج إليه الخلق، وقيل من ~~كل شئ تستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء. وأصل السبب الحبل ~~فاستعين لكل ما يتوصل به إلى شئ. قرأ ابن عامر وأهل الكوفة وعاصم وحمزة ~~والكسائي " فأتبع " بقطع الهمزة، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وأبو عمرو ~~بوصلها. قال الأخفش: تبعته وأتبعته بمعنى، مثل ردفته وأردفته، ومنه قوله - ~~فأتبعه شهاب ثاقب - قال النحاس: واختار أبو عبيده قراءة أهل الكوفة، قال ~~لأنها من السير. وحكى هو والأصمعي أنه يقال: تبعته وأتبعته إذا سار ولم ~~يلحقه، وأتبعه إذا لحقه. قال أبو عبيدة: ومثله - فأتبعوهم مشرقين -. قال ~~النحاس: وهذا من الفرق وإن كان الأصمعي قد حكاه فلا يقبل إلا بعلم أو دليل، ~~وقوله عز وجل - فأتبعوهم مشرقين - ليس في الحديث أنهم لحقوهم، وإنما الحديث ~~لما خرج موسى وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه في البحر انطبق عليهم ~~البحر. والحق في هذا أن تبع واتبع وأتبع لغات بمعنى واحد، وهو بمعنى السير ~~(حتى إذا بلغ مغرب الشمس) أي نهاية الأرض من جهة المغرب، لأن من وراء هذه ~~النهاية البحر المحيط، وهو لا يمكن المضي فيه (وجدها تغرب في عين حمئة) قرأ ~~ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي حامية: أي حارة. وقرأ الباقون " حمئة " أي ~~كثيرة الحمأة، وهى الطينة السوداء، تقول: حمئت البئر حمأ بالتسكين إذا نزعت ~~حمأتها، وحمأت بن البئر حمأتها بالتحريك كثرت حمأتها، ويجوز أن تكون حامية ~~من الحمأة، فخففت الهمزة وقلبت ياء، وقد يجمع بين القراءتين فيقال كانت ~~حارة وذات حمأة. قيل ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك ~~في نظره، ولا يبعد أن يقال لا مانع من أن يمكنه الله من عبور البحر ms2337 المحيط ~~حتى يصل إلى تلك العين التي تغرب فيها الشمس، وما المانع من هذا بعد أن حكى ~~الله عنه أنه بلغ مغرب الشمس، ومكن له في الأرض والبحر من جملتها، ومجرد ~~الاستبعاد لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهر (ووجد عندها قوما) الضمير في ~~عندها إما للعين أو للشمس. # قيل هم قوم لباسهم جلود الوحش، وكانوا كفارا، فخيره الله بين أن يعذبهم ~~وبين أن يتركهم، فقال (إما أن تعذب، وإما أن تتخذ فيهم حسنا) أي إما أن ~~تعذبهم بالقتل من أول الأمر، وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن أو أمرا حسنا ~~مبالغة بجعل المصدر صفة للأمر، والمراد دعوتهم إلى الحق وتعليمهم الشرائع. ~~(قال) ذو القرنين مختارا للدعوة التي هي الشق الأخير من الترديد (أما من ~~ظلم) نفسه بالإصرار على الشرك ولم يقبل دعوتي (فسوف نعذبه) بالقتل في ~~الدنيا (ثم يرد إلى ربه) في الآخرة (فيعذبه) فيها (عذابا نكرا) أي منكرا ~~فظيعا. قال الزجاج: خيره الله بين الأمرين. قال النحاس: ورد علي بن سليمان ~~قوله لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا، فكيف يقول لربه عز وجل ~~(ثم يرد إلى ربه) وكيف يقول (فسوف نعذبه) فيخاطبه بالنون، قال: والتقدير ~~قلنا يا محمد PageV03P308 # قالوا يا ذا القرنين. قال النحاس: وهذا الذي ذكره لا يلزم لجواز أن يكون ~~الله عز وجل خاطبه على لسان نبي في وقته، وكأن ذا القرنين خاطب أولئك القوم ~~فلا يلزم ما ذكره. ويمكن أن يكون مخاطبا للنبي الذي خاطبه الله على لسانه، ~~أوخاطب قومه الذين وصل بهم إلى ذلك الوضع. قال ثعلب: إن في قوله (إما أن ~~تعذب وإما أن تتخذ) في موضع نصب، ولو رفعت لكان صوابا بمعنى فأما هو كقول ~~الشاعر: # فسيروا فإما حاجة تقضيانها * وإما مقيل صالح وصديق (وأما من آمن) بالله ~~وصدق دعوتي (وعمل) عملا (صالحا) مما يقتضيه الإيمان (فله جزاء الحسنى) قرأ ~~أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم وابن كثير وابن عامر " فله جزاء " بالرفع على ~~الابتداء: أي جزاء الخصلة الحسنى ms2338 عند الله، أو الفعلة الحسنى وهى الجنة ~~قاله الفراء. وإضافة الجزاء إلى الحسنى التي هي الجنة كإضافة حق اليقين ~~ودار الآخرة، ويجوز أن يكون هذا الجزاء من ذي القرنين: أي أعطيه وأتفضل ~~عليه، وقرأ سائر الكوفيين " فله جزاء الحسنى " بنصب جزاء وتنوينه. قال ~~الفراء: انتصابه على التمييز. وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أي مجزيا ~~بها جزاء، وقرأ ابن عباس ومسروق بنصب " جزاء " من غير تنوين قال أبو حاتم: ~~هي على حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال النحاس: وهذا عند غيره خطأ لأنه ~~ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين. وقرئ برفع " جزاء " منونا على أنه ~~مبتدأ، والحسنى بدل منه والخبر الجار والمجرور (وسنقول له من أمرنا يسرا) ~~أي مما نأمر به قولا ذا يسر ليس بالصعب الشاق، أو أطلق عليه المصدر مبالغة ~~(ثم أتبع سببا) أي طريقا آخر غير الطريق الأولى وهى التي رجع بها من المغرب ~~وسار فيها إلى المشرق (حتى إذا بلغ مطلع الشمس) أي الموضع الذي تطلع عليه ~~الشمس أولا من معمور الأرض، أو مكان طلوعها لعدم المانع شرعا ولا عقلا من ~~وصوله إليه كما أوضحناه فيما سبق (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ~~سترا) يسترهم، لا من البيوت ولا من اللباس، بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى ~~شئ من العمارة. قيل لأنهم بأرض لا يمكن أن يستقر عليها البناء (كذلك وقد ~~أحطنا بما لديه خبرا) أي كذلك أمر ذي القرنين أتبع هذه الأسباب حتى بلغ، ~~وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به، وقيل ~~المعنى: لم نجعل لهم سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية ~~والثياب، وقيل المعنى: # كذلك بلغ مطلع الشمس مثل ما بلغ من مغربها، وقيل المعنى: كذلك تطلع على ~~قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من ~~تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، ويكون تأويل الإحاطة بما لديه في ~~هذه الوجوه على ما يناسب ذلك كما قلنا ms2339 في الوجه الأول. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يا محمد إنك إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين. إنك سمعت ~~ذكرهم منا، فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد. ~~قال: ومن هو؟ قالوا ذو القرنين. قال: ما بلغني عنه شئ، فخرجوا فرحين قد ~~غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ~~(ويسألونك عن ذي القرنين). وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ما أدري أتبع كان نبيا أم لا؟ وما أدري أذو القرنين كان نبيا ~~أم لا؟ وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؟ " وأخرج ابن مردويه عن سالم ~~بن أبي الجعد قال: سئل علي عن ذي القرنين أنبي هو؟ قال: سمعت نبيكم صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: هو عبد ناصح الله فنصحه. وأخرج ابن عبد الحكم في ~~فتوح مصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن أبي ~~عاصم في السنة وابن مردويه من طريق أبي الطفيل أن ابن الكواء PageV03P309 # سأل علي بن أبي طالب عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا؟ قال: لم يكن نبيا ~~ولا ملكا، ولكن كان عبدا صالحا أحب الله فأحبه الله، ونصح لله فنصحه الله، ~~بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه فمات، ثم أحياه الله لجهادهم، ثم بعثه ~~الله إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر فمات، فأحياه الله لجهادهم، فلذلك سمى ~~ذا القرنين، وإن فيكم مثله. # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمرو قال: ذو القرنين نبي. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الأخرص بن حكيم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~سئل عن ذي القرنين فقال: هو ملك مسح الأرض بالأسباب. # وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~في العظمة عن خالد ms2340 بن معدان الكلاعي مرفوعا مثله. وأخرج ابن عبد الحكم وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ عن عمر بن ~~الخطاب أنه سمع رجلا ينادي بمنى يا ذا القرنين، فقال عمر: ها أنتم قد سمعتم ~~بأسماء الأنبياء فما بالكم وأسماء الملائكة؟ وفى الباب غير ما ذكرناه مما ~~يغني عنه ما قد أوردناه. وقد أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر الجهني ~~حديثا يتضمن أن نفرا من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذي ~~القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، وكان فيما أخبرهم به أنه كان شابا ~~من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء، وذهب به إلى ~~السد، وإسناده ضعيف، وفى متنه نكارة، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني ~~إسرائيل، ذكر معنى هذا ابن كثير في تفسيره وعزاه إلى ابن جرير والأموي في ~~مغازيه، ثم قال بعد ذلك: والعجب أن أبا زرعة الداري مع جلالة قدره ساقه ~~بتمامه في كتابه دلائل النبوة انتهى. وقد ساقه بتمامه السيوطي في الدر ~~المنثور، وساق أيضا خبرا طويلا عن وهب بن منبه وعزاه إلى ابن إسحاق وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والشيرازي في الألقاب وأبي الشيخ، وفيه أشياء منكرة ~~جدا، وكذلك ذكر خبرا طويلا عن محمد الباقر أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، ~~ولعل هذه الأخبار ونحوها منقولة عن أهل الكتاب، وقد أمرنا بأن لا نصدقهم ~~ولا نكذبهم فيما ينقلونه إلينا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (وآتيناه من كل شئ سببا) قال: علما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول إن ذا ~~القرنين كان يربط خيله بالثريا، قال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله قال ~~(وآتيناه من كل شئ سببا). وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن ms2341 ~~المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاصر أن ابن عباس ذكر له أن ~~معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف (تغرب في عين حامية) قال ~~ابن عباس: فقلت لمعاوية ما نقرؤها إلا " حمئة " فسأل معاوية عبد بن عمرو ~~كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في ~~بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب، فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ ~~فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد في التوراة ~~في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن أبي حاصر: لو أني عندكما ~~أيدتك بكلام تزداد به بصيرة في حمئة. قال ابن عباس: وما هو؟ قلت: فيما نأثر ~~قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتباعه إياه: # قد كان ذو القرنين عمر مسلما * ملكا تذل له الملوك وتحشد فأتى المشارق ~~والمغارب يبتغى * أسباب ملك من حكيم مرشد * فرأى مغيب الشمس عند غروبها * ~~في عين ذي خلب وثاط خرمد * PageV03P310 # فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثاط؟ قلت: ~~الحمأة. قال: فما الخرمد؟ # قلت: الأسود، فدعا ابن عباس غلاما فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل. وأخرج ~~الترمذي وأبو داود الطيالسي وابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم " كان يقرأ في عين حمئة ". وأخرج الطبراني والحاكم ~~وابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا مثله. # (92 - 98) ثم حكى سبحانه سفر ذي القرنين إلى ناحية أخرى، وهى ناحية القطر ~~الشمالي بعد تهيئة أسبابه فقال (ثم اتبع سببا) أي طريقا ثالثا معترضا بين ~~المشرق والمغرب (حتى إذا بلغ بين السدين) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص وابن ~~محيصن ويحيى اليزيدي وأبو زيد عن المفضل بفتح السين. وقرأ الباقون بضمها. ~~قال أبو عبيدة وابن الأنباري وأبو عمرو بن العلاء: السد إن كان بخلق الله ~~سبحانه فهو بضم السين حتى يكون بمعنى مفعول: أي هو مما فعله الله ms2342 وخلقه، ~~وإن كان من عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثا. وقال ابن الأعرابي: كل ما ~~قابلك فسد ما وراءه فهو سد وسد نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر، والسدان ~~هما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان، وانتصاب بين على أنه مفعول به كما ~~ارتفع بالفاعلية في قوله - لقد تقطع بينكم -. وقيل موضع بين السدين هو ~~منقطع أرض الترك مما يلي المشرق لا جبلا أرمينية وأذربيجان. وحكى ابن جرير ~~في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنسانا من ناحية الجزر فشاهده، ~~ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع، و (وجد من دونهما) أي من ورائهما ~~مجازا عنهما، وقيل أمامهما (قوما لا يكادون يفقهون قولا) قرأ حمزة والكسائي ~~" يفقهون " بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان: أي لا يبينون لغيرهم ~~كلاما، وقرأ الباقون بفتح الياء والقاف: أي لا يفهمون كلام غيرهم، ~~والقراءتان صحيحتان، ومعناهما لا يفهمون عن غيرهم ولا يفهمون غيرهم، لأنهم ~~لا يعرفون غير لغة أنفسهم (قالوا) أي هؤلاء القوم الذين لا يفهمون قولا، ~~قيل إن فهم ذي القرنين لكلامهم من جملة الأسباب التي أعطاه الله، وقيل إنهم ~~قالوا ذلك لترجمانهم، فقال لذي القرنين بما قالوا له (يا ذا القرنين إن ~~يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض) يأجوج ومأجوج اسمان عجميان بدليل منع ~~صرفهما، وبه قال الأكثر. وقيل مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول. ~~وتأججت النار إذا تلهبت، قرأهما الجمهور بغير همز، وقرأ عاصم PageV03P311 # بالهمز. قال ابن الأنباري: وجه همزهما وإن لم يعرف له أصل أن العرب قد ~~همزت حروفا لا يعرف للهمز فيها أصل كقولهم: كبأث وكان ورثأت واستشأث روى ~~الريح. قال أبو علي: يجوز أن يكونا عربيين، فمن همز فهو على وزن يفعول مثل ~~يربوع، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا مثل رأس. وأما ~~مأجوج، فهو مفعول من أج، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق. قال: وترك ~~الصرف فيهما على تقدير كونهما عربيين للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة. # واختلف في نسبهم، فقيل ms2343 هم من ولد يافث بن نوح، وقيل يأجوج من الترك ~~ومأجوج من الجيل والديلم. وقال كعب الأحبار: احتلم آدم فاختلط ماؤه بالتراب ~~فخلقوا من ذلك الماء. قال القرطبي: وهذا فيه نظر، لأن الأنبياء لا يحتلمون، ~~وإنما هم من ولد يافث، كذلك قال مقاتل وغيره. # وقد وقع الخلاف في صفتهم، فمن الناس من يصفهم بصغر الجثث وقصر القامة، ~~ومنهم من يصفهم بكبر الجثث وطول القامة، ومنهم من يقول لهم مخالب كمخالب ~~السباع، وإن منهم صنفا يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، ولأهل العلم من ~~السلف ومن بعدهم أخبار مختلفة في صفاتهم وأفعالهم. # واختلف في إفسادهم في الأرض، فقيل هو أكل بني آدم، وقيل هو الظلم والغشم ~~والقتل وسائر وجوه الإفساد، وقيل كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء القوم الذين ~~شكوهم ولم إلى ذي القرنين في أيام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا ~~أكلوه (فهل نجعل لك خرجا) هذا الاستفهام من باب حسن الأدب مع ذي القرنين. ~~وقرئ " خراجا ". قال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة ويقع على مال الفئ، ~~ويقع على الجزية وعلى الغلة. والخراج أيضا اسم لما يخرج من الفرائض في ~~الأموال، والخرج المصدر. وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض، وقيل ~~الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان، وقيل هما بمعنى ~~واحد (على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) أي ردما حاجزا بيننا وبينهم. وقرئ سدا ~~بفتح السين. قال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم، والفتح المصدر. وقال ~~الكسائي: الفتح والضم لغتان بمعنى واحد، وقد سبق قريبا ما حكيناه عن أبي ~~عمرو بن العلاء وأبي عبيدة وابن الأنباري من الفرق بينهما. وقال ابن أبي ~~إسحاق: ما رأته عيناك فهو سد بالضم، وما لا ترى فهو سد بالفتح، وقد قدمنا ~~بيان من قرأ بالفتح وبالضم في السدين (قال ما مكنى فيه ربى) أي قال لهم ذو ~~القرنين: # ما بسطه الله لي من القدرة والملك (خير) من خرجكم، ثم طلب منهم المعاونة ~~له فقال (فأعينوني بقوة) أي برجال منكم يعملون بأيديهم، ms2344 أو أعينوني بآلات ~~البناء، أو بمجموعهما. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. قرأ ابن كثير وحده " ~~ما مكنني " بنونين، وقرأ الباقون بنون واحد (أجعل بينكم وبينهم ردما) هذا ~~جواب الأمر، والردم: ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل. قال الهروي: يقال ردمت ~~الثلمة أردمها بالكسر ردما: أي سددتها، والردم أيضا الاسم، وهو السد، وقيل ~~الردم أبلغ من السد، إذ السد كل ما يسد به، والردم: وضع الشئ على الشئ من ~~حجارة أو تراب أو نحوهما حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه: إذا ~~رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض، ومنه قول عنترة: * هل غادر الشعراء من ~~متردم * أي من قول يركب بعضه على بعض (آتوني زبر الحديد) أي أعطوني ~~وناولوني، وزبر الحديد جمع زبرة، وهى القطعة. قال الخليل: الزبرة من الحديد ~~القطعة الضخمة. قال الفراء: معنى (آتوني زبر الحديد) ائتوني بها فلما ألقيت ~~الياء زيدت ألفا، وعلى هذا فانتصاب زبر بنزع الخافض (حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين) والصدفان: PageV03P312 # جانبا الجبل. قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا ~~لتصادفهما: أي تلاقيهما، وكذا قال أبو عبيدة والهروي. قال الشاعر: # كلا الصدفين ينفده سناها * توقد مثل مصباح الظلام وقد يقال لكل بناء عظيم ~~مرتفع صدف، قاله أبو عبيدة. قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص الصدفين بفتح ~~الصاد والدال. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب واليزيدي وابن ~~محيصن بضم الصاد والدال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون ~~الدال. وقرأ ابن الماجشون بفتح الصاد وضم الدال، واختار القراءة الأولى أبو ~~عبيد لأنها أشهر اللغات. ومعنى الآية: أنهم أعطوه زبر الحديد، فجعل يبني ~~بها بين الجبلين حتى ساواهما (قال انفخوا) أي قال للعملة انفخوا على هذه ~~الزبر بالكيران (حتى إذا جعله نارا) أي جعل ذلك المنفوخ فيه. وهو الزبر ~~نارا: أي كالنار في حرها وإسناد الجعل إلى ذي القرنين مجاز لكونه الآمر ~~بالنفخ. قيل كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليها الحطب ~~والفحم بالمنافخ حتى تحمى، والحديد ms2345 إذا أوقد عليه صار كالنار، ثم يؤتى ~~بالنحاس المذاب فيفرغه على تلك الطاقة، وهو معنى قوله (قال آتوني أفرغ عليه ~~قطرا) قال أهل اللغة: القطر النحاس الذائب، والإفراغ: الصب، وكذا قال أكثر ~~المفسرين. وقالت طائفة: القطر الحديد المذاب. وقالت فرقة أخرى منهم ابن ~~الأنباري: هو الرصاص المذاب (فما اسطاعوا) أصله استطاعوا، فلما اجتمع ~~المتقاربان وهما التاء والطاء خففوا بالحذف. قال ابن السكيت: يقال ما ~~أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع. حديث وبالتخفيف قرأ الجمهور وقرأ حمزة وحده ~~" فما اسطاعوا " بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا فأدغم التاء في الطاء وهى ~~قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي الفارسي: هي غير جائزة. وقرأ الأعمش " فما ~~استطاعوا " على الأصل، ومعنى (أن يظهروه) أن يعلوه: أي فما استطاع يأجوج ~~ومأجوج أن يعلوا على ذلك الردم لارتفاعه وملاسته (وما استطاعوا له نقبا) ~~يقال نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقا فخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: # ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من ~~أسفله لشدته وصلابته (قال هذا رحمة من ربى) أي قال ذو القرنين مشيرا إلى ~~السد: هذا السد رحمة من ربي: أي أثر من آثار رحمته لهؤلاء المتجاوزين للسد ~~ولمن خلفهم ممن يخشى عليه معرتهم لو لم يكن ذلك السد، وقيل الإشارة إلى ~~التمكين من بنائه (فإذا جاء وعد ربى) أي أجل ربي أن يخرجوا منه، وقيل هو ~~مصدر بمعنى المفعول، وهو يوم القيامة (جعله دكاء) أي مستويا بالأرض ومنه ~~قوله - حتى إذا دكت الأرض دكا -. قال الترمذي: أي مستويا، يقال ناقة دكاء: ~~إذا ذهب سنامها. # وقال القتيبي أي جعله مدكوكا ملصقا بالأرض. وقال الحليمي: قطعا متكسرا. ~~قال الشاعر: # * هل غير غار دك غارا فانهدم * قال الأزهري: دككته: أي دققته. ومن قرأ ~~دكاء بالمد وهو عاصم وحمزة والكسائي أراد التشبيه بالناقة الدكاء، وهى التي ~~لا سنام لها: أي مثل دكاء: لأن السد مذكر فلا يوصف بدكاء. وقرأ الباقون " ~~دكا " بالتنوين على أنه مصدر، ومعناه ما تقدم، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى ms2346 ~~الحال: # أي مدكوكا (وكان وعد ربى حقا) أي وعده بالثواب والعقاب، أو الوعد المعهود ~~حقا ثابتا لا يتخلف، وهذا آخر قول ذي القرنين. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (حتى إذا بلغ بين السدين) قال: ~~الجبلين أرمينية وأذربيجان. # وأخرج أيضا عن ابن جريج (لا يكادون يفقهون قولا) قال: الترك. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: يأجوج ~~ومأجوج شبر وشبران وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم PageV03P313 # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث ~~وابن عساكر عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن يأجوج ~~ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت منهم ~~رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تأويل، وتاريس، ~~ومنسك ". # وأخرج النسائي من حديث عمرو بن أوس عن أبيه مرفوعا " أنه لا يموت رجل ~~منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعد " وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة ~~وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ~~أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ~~الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدا، فيعودون إليه أشد ما كان، حتى إذا بلغت ~~مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع ~~الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غدا إن شاء الله، ويستثنى فيعودون ~~إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه، ~~ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة ~~بالدماء، فيقولون قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسرا وعلوا، فيبعث ~~الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: فوالذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرا من ~~لحومهم ms2347 " وقد ثبت في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش قالت " استيقظ رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: لا إله إلا ~~الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ~~وحلق، قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث " ~~وأخرجا نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (فهل نجعل لك خرجا) قال: أجرا عظيما. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (ردما) قال: هو كأشد الحجاب. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في قوله (زبر الحديد) قال: # قطع الحديد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (بين الصدفين). قال: ~~الجبلين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: رؤوس ~~الجبلين. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله (قطرا) قال النحاس: وأخرج عبد ~~الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة (فما استطاعوا أن يظهروه) قال: أن يرتقوه. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أن يعلوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله (جعله دكاء) قال: لا أدري الجبلين يعني به أم بينهما. # سورة الكهف الآية (99 - 104) PageV03P314 # سورة الكهف الآية (105 - 108) قوله (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) هذا ~~من كلام الله سبحانه بعد انقضاء كلام ذي القرنين، والضمير في بعضهم ليأجوج ~~ومأجوج: أي تركنا بعض يأجوج ومأجوج يوم مجئ الوعد، أو يوم خروج يأجوج ~~ومأجوج يموج في بعض آخر منهم، يقال ماج الناس: إذا دخل بعضهم في بعض حيارى ~~كموج الماء. # والمعنى أنهم يضطربون ويختلطون، وقيل الضمير في بعضهم للخلق، واليوم يوم ~~القيامة: أي وجعلنا بعض الخلق من الجن والإنس يموج في بعض، وقيل المعنى: ~~وتركنا يأجوج ومأجوج يوم كمال السد وتمام عمارته بعضهم يموج في بعض، وقد ~~تقدم تفسير (ونفخ في الصور) في الأنعام، قيل هي النفخة الثانية بدليل قوله ~~بعد (فجمعناهم جمعا) فإن الفاء تشعر ms2348 بذلك، ولم يذكر النفخة الأولى لأن ~~المقصود هنا ذكر أحوال القيامة. # والمعنى جمعنا الخلائق بعد تلاشي أبدانهم ومصيرها ترابا جمعا تاما على ~~أكمل صفة وأبدع هيئة وأعجب أسلوب (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا) المراد ~~بالعرض هنا الإظهار: أي أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها يوم جمعنا لهم، وفى ~~ذلك وعيد للكفار عظيم لما يحصل معهم عند مشاهدتها من الفزع والروعة ثم وصف ~~الكافرين المذكورين بقوله (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى) أي كانت ~~أعينهم في الدنيا في غطاء وهو ما غطى الشئ وستره من جميع الجوانب عن ذكرى ~~عن سبب ذكرى وهو الآيات التي يشاهدها من له تفكر واعتبار فيذكر الله ~~بالتوحيد والتمجيد، فأطلق المسبب على السبب، أو عن القرآن العظيم، وتأمل ~~معانيه وتدبر فوائده. ثم لما وصفهم سبحانه بالعمى عن الدلائل التكوينية أو ~~التنزيلية أو مجموعهما، أراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال (وكانوا ~~لا يستطيعون سمعا) أي لا يقدرون على الاستماع لما فيه الحق من كلام الله ~~وكلام رسوله، وهذا أبلغ مما لو قال وكانوا صما، لأن الأصم قد يستطيع السمع ~~إذا صيح به. وهؤلاء لا استطاعة لهم بالكلية، وفى ذكر غطاء الأعين وعدم ~~استطاعة السماع تمثيل لتعاميهم عن المشاهدة بالأبصار وإعراضهم عن الأدلة ~~السمعية (أفحسب الذين كفروا) الحسبان هنا بمعنى الظن. والاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر كنظائره. والمعنى: أفظنوا أنهم ينتفعون بما ~~عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول الحق، ومعنى (أن ~~يتخذوا عبادي من دوني) أي يتخذوهم من دون الله، وهم الملائكة والمسيح ~~والشياطين (أولياء) أي معبودين، قال الزجاج: # المعنى أيحسبون أن ينفعهم، ذلك وقرئ " أفحسب " بسكون السين، ومعناه ~~أكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على أنه مبتدأ وخبر، يريد أن ذلك لا ~~يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا (إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا) أي ~~هيأناها لهم نزلا يتمتعون به عند ورودهم. قال الزجاج: النزل المأوى ~~والمنزل، وقيل إنه الذي يعد للضيف، فيكون تهكما بهم كقوله - فبشرهم بعذاب ~~أليم -، والمعنى: ms2349 أن جهنم معدة لهم عندنا كما يعد النزل للضيف (قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا) انتصاب أعمالا على التمييز، والجمع للدلالة على ~~إرادة الأنواع منها، ومحل الموصول و هو (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا) ~~الرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، كأنه قيل من هم؟ فقيل هم الذين ضل ~~PageV03P315 # سعيهم، والمراد بضلال السعي بطلانه وضياعه، ويجوز أن يكون في محل نصب على ~~الذم، ويكون الجواب (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) ويجوز أن يكون في محل ~~جر على أنه نعت للأخسرين أو بدل منه، ويكون الجواب أيضا هو أولئك وما بعده، ~~وأول هذه الوجوه هو أولاها، وجملة (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) في محل ~~نصب على الحال من فاعل ضل: أي والحال أنهم يظنون أنهم محسنون في ذلك ~~منتفعون بآثاره، وتكون جملة (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) مستأنفة مسوقة ~~لتكميل الخسران وبيان سببه، هذا على الوجه الأول الراجح لا على الوجوه ~~الآخرة، فإنها هي الجواب كما قدمنا، ومعنى كفرهم بآيات ربهم: كفرهم بدلائل ~~توحيده من الآيات التكوينية والتنزيلية، ومعنى كفرهم بلقائه كفرهم بالبعث ~~وما بعده من أمور الآخرة، ثم رتب على ذلك قوله (فحبطت أعمالهم) أي التي ~~عملوها مما يظنونه حسنا، وهو خسران وضلال، ثم حكم عليهم بقوله (فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا) أي لا يكون لهم عندنا قدر ولا نعبأ بهم، وقيل لا ~~يقام لهم ميزان توزن به أعمالهم، لأن ذلك إنما يكون لأهل الحسنات والسيئات ~~من الموحدين، وهؤلاء لا حسنات لهم. قال ابن الأعرابي: العرب تقول ما لفلان ~~عندنا وزن: أي قدر لخسته، ويوصف الرجل بأنه لا وزن له لخفته، وسرعة طيشه، ~~وقلة تثبته. # والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة، ~~وقرأ مجاهد " يقيم " بالياء التحتية: أي فلا يقيم الله، وقرأ الباقون ~~بالنون. ثم بين سبحانه عاقبة هؤلاء وما يؤول إليه أمرهم فقال (ذلك) أي الذي ~~ذكرناه من أنواع الوعيد جزاؤهم، ويكون قوله: جهنم عطف بيان للجزاء، أو جملة ~~جزاؤهم جهنم ms2350 مبتدأ وخبر والجملة خبر ذلك، والسبب في ذلك أنهم ضموا إلى ~~الكفر اتخاذ آيات الله واتخاذ رسله هزوا، فالباء في (بما كفروا) للسببية، ~~ومعنى كونهم هزوا أنهم مهزوء بهم. وقد اختلف السلف في تعيين هؤلاء الأخسرين ~~أعمالا، فقيل اليهود والنصارى، وقيل كفار مكة، وقيل الخوارج، وقيل الرهبان ~~أصحاب الصوامع، والأولى حمل الآية على العموم لكل من اتصف بتلك الصفات ~~المذكورة. ثم ذكر سبحانه بعد هذا الوعيد لهؤلاء الكفار الوعد للمؤمنين فقال ~~(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بينهما حتى كانوا على ضد صفة من ~~قبلهم (كانت لهم) قال ابن الأنباري: كانت فيما سبق من علم الله كانت لأهل ~~طاعته (جنات الفردوس نزلا) قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب ~~الشجر الملتف والأغلب عليه العنب. واختار الزجاج ما قاله مجاهد: إن الفردوس ~~البستان باللغة الرومية، وقد تقدم بيان النزل، وانتصابه على أنه خبر كان. ~~والمعنى: كانت لهم ثمار جنة الفردوس نزلا معدا لهم مبالغة في إكرامهم، ~~وانتصاب (خالدين فيها) على الحال، وكذلك جملة (لا يبغون عنها حولا) في محل ~~نصب على الحال، والحول مصدر: أي لا يطلبون تحولا عنها إذ هي أعز من أن ~~يطلبوا غيرها، أو تشتاق أنفسهم إلى سواها. قال ابن الأعرابي وابن قتيبة ~~والأزهري: الحول اسم بمعنى التحول يقوم مقام المصدر، وقال أبو عبيدة ~~والفراء: إن الحول التحويل. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة ~~عن أبيه عن ابن عباس في قوله (وتركنا بعضهم) الآية قال: الجن والإنس (يموج) ~~بعضهم (في بعض). وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (لا يستطيعون سمعا) قال: يعقلون سمعا. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور ~~وابن المنذر عن علي أنه قرأ (أفحسب الذين كفروا) قال أبو عبيد بجزم السين ~~وضم الباء. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قرأ ~~كذلك. وأخرج عبد الرزاق والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم ms2351 والحاكم وابن مردويه من طريق مصعب بن سعد قال: سألت أبى (قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين PageV03P316 # أعمالا) أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا ~~طعام فيها ولا شراب، والحرورية - الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه -، ~~وكان سعد يسميهم الفاسقين. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن مصعب قال: قلت لأبى (قل ~~هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) الحرورية هم؟ قال: لا ولكنهم أصحاب الصوامع، ~~والحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~أبي حميصة عبد الله بن قيس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: في هذه الآية ~~(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) إنهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في ~~السواري. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال: سمعت علي ابن أبي طالب وسأله ~~ابن الكوا فقال (هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) قال: فجرة قريش. وأخرج عبد ~~الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريقين عن علي ~~أنه سئل عن هذه الآية (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) قال: لا أظن إلا أن ~~الخوارج منهم، وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " قال إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند ~~الله جناح بعوضة، وقال اقرءوا إن شئتم (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم ~~وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~سلوا الله الفردوس، فإنها سرة الجنة، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش " ~~وفى الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، ~~وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة " وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد ms2352 وأحمد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن ~~الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن في الجنة مائة درجة، كل ~~درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها يكون ~~العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس " ~~والأحاديث بهذا المعنى كثيرة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد قال: الفردوس بستان بالرومية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى قال: ~~هو الكرم بالنبطية، وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن عبد الله بن ~~الحارث أن ابن عباس سأل كعبا عن الفردوس قال: هي جنات الأعناب بالسريانية، ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (لا يبغون ~~عنها حولا) قال: متحولا. # سورة الكهف الآية (109 - 110) لما ذكر سبحانه أنواع الدلائل نبه على كمال ~~القرآن فقال (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى) قال ابن الأنباري: سمى ~~المداد مدادا لإمداده الكاتب. وأصله من الزيادة ومجئ الشئ بعد الشئ، ويقال ~~للزيت الذي يوقد به السراج مداد. والمراد بالبحر هنا الجنس. والمعنى: لو ~~كتبت كلمات علم الله وحكمته، وفرض أن جنس البحر مدادا لها لنفد البحر قبل ~~نفود الكلمات، ولو جئنا بمثل البحر مدادا لنفد أيضا، وقيل في بيان المعنى ~~لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب (لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى) ~~وقوله (ولو جئنا بمثله مددا) كلام من PageV03P317 # جهته سبحانه غير داخل تحت قوله " قل لو كان " وفيه زيادة مبالغة وتأكيد، ~~والواو لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها: أي لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلماته لو لم يجئ بمثله مدادا ولو جئنا بمثله مدادا، والمدد ~~الزيادة، وقيل عنى سبحانه بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا ~~منتهى، وهو وإن كان واحدا فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من ~~الفوائد، وقد عبرت العرب عن الفرد بلفظ الجمع. قال الأعشى: # ووجه نقي اللون صاف يزينه ms2353 * مع الجيد لبات لها ومعاصم فعبر باللبات عن ~~اللبة. قال الجبائي: إن قوله (قبل أن تنفد كلمات ربى) يدل على أن كلماته قد ~~تنفد في الجملة، وما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة ~~على متعلقات تلك الصفة الأزلية، وقيل في الجواب إن نفاد شئ قبل نفاد شئ آخر ~~لا يدل على نفاد الشئ الآخر، ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا ~~كثرة كلمات الله بحيث لا تضبطها عقول البشر، أما أنها متناهية، أو غير ~~متناهية فلا دليل على ذلك في الآية. والحق أن كلمات الله تابعة لمعلوماته، ~~وهى غير متناهية، فالكلمات غير متناهية. وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد " ولو ~~جئنا بمثله مددا " وهى كذلك في مصحف أبى، وقرأ الباقون " مددا " وقرأ حمزة ~~والكسائي " قبل أن ينفد " بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية، ثم أمر سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلك مسلك التواضع، فقال (قل إنما أنا بشر ~~مثلكم) أي إن حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية، ومن كان هكذا ~~فهو لا يدعى الإحاطة بكلمات الله إلا أنه امتاز عنهم بالوحي إليه من الله ~~سبحانه فقال (يوحى إلى) وكفى بهذا الوصف فارقا بينه وبين سائر أنواع البشر، ~~ثم بين أن الذي أوحى إليه هو قوله (إنما إلهكم إله واحد) لا شريك له في ~~ألوهيته، وفى هذا إرشاد إلى التوحيد، ثم أمرهم بالعمل الصالح والتوحيد فقال ~~(فمن كان يرجوا لقاء ربه) الرجاء توقع وصول الخير في المستقبل، والمعنى: من ~~كان له هذا الرجاء الذي هو شأن المؤمنين (فليعمل عملا صالحا) وهو ما دل ~~الشرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) من خلقه ~~سواء كان صالحا، أو طالحا، حيوانا أو جمادا، قال الماوردي: قال جميع أهل ~~التأويل في تفسير هذه الآية: إن المعنى لا يرائي بعمله أحدا. وأقول: إن ~~دخول الشرك الجلي الذي كان يفعله المشركون تحت هذه الآية هو المقدم على ~~دخول الشرك الخفي الذي هو الرياء، ولا ms2354 مانع من دخول هذا الخفي تحتها، إنما ~~المانع من كونه هو المراد بهذه الآية. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (لكلمات ربى) يقول: ~~علم ربى. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: يقول ينفد ماء البحر ~~قبل أن ينفد كلام الله وحكمته. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (فمن كان يرجوا لقاء ربه) الآية ~~قال: أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلها غيره، وليست هذه في ~~المؤمنين. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال " قال رجل: يا نبي ~~الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله، وأحب ان يرى موطني، فلم يرد عليه ~~شيئا حتى نزلت هذه الآية (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) " وأخرج ابن منده وأبو ~~نعيم في الصحابة وابن عساكر من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح ~~له، فزاد في ذلك لقالة الناس فلا يريد به الله، فنزل في ذلك (فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه) الآية. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: " قال رجل: يا رسول الله ~~أعتق وأحب أن يرى، وأتصدق وأحب أن يرى، فنزلت (فمن كان يرجوا لقاء ربه) ~~الآية " وهو مرسل. وأخرجه هناد في الزهد عنه أيضا. وأخرج ابن سعد وأحمد ~~والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري ~~وكان من الصحابة: PageV03P318 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إذا جمع الله الأولين ~~والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: # من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن ~~الله أغنى الشركاء عن الشرك ". وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة " ~~أن رجلا قال: يا رسول الله الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغى عرضا من ~~الدنيا؟ فقال: لا أجر له، فأعظم الناس ذلك، فعاد ms2355 الرجل فقال: لا أجر له " ~~وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص وابن جرير في تهذيبه والطبراني والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي عن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشرك الأصغر. وأخرج الطيالسي وأحمد ~~وابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن شداد بن ~~أوس أيضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من صلى يرائي ~~فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك. ومن تصدق يرائي فقد أشرك، ثم قرأ (فمن ~~كان يرجوا لقاء ربه) الآية ". وأخرج الطيالسي وأحمد وابن مردويه وأبو نعيم ~~عن شداد أيضا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن الله ~~يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئا فإن عمله قليله وكثيره ~~لشريكه الذي أشركه أنا عنه غنى ". وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن جرير في ~~تهذيبه والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الشرك ~~الخفي، أن يقوم الرجل يصلى لمكان رجل ". وأخرج أحمد وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن شداد بن أوس سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول " أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية، قلت: أتشرك ~~أمتك من بعدك؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا ~~وثنا، ولكن يراءون الناس بأعمالهم، قلت: يا رسول الله ما الشهوة الخفية؟ ~~قال: يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ويواقع شهوته ". ~~وأخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه أنه قال " أنا خير الشركاء، ~~فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا برئ منه، وهو للذي أشرك " وفى لفظ " فمن ~~أشرك بي أحدا فهو له كله " وفى الباب أحاديث كثيرة في التحذير من الرياء ms2356 ~~وأنه الشرك الأصغر، وأن الله لا يقبله، وقد استوفاها صاحب الدر المنثور في ~~هذا الموضع فليرجع إليه، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية، بل الشرك ~~الجلي يدخل تحتها دخولا أوليا، وعلى فرض أن سبب النزول هو الرياء كما يشير ~~إلى ذلك ما قدمنا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في ~~علم الأصول وقد ورد في فضائل هذه الآية بخصوصها ما أخرجه الطبراني وابن ~~مردويه عن أبي حكيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لو لم ~~ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف لكفتهم ". وأخرج ابن راهويه والبزار ~~والحاكم وصححه والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ في ليلة (فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه) الآية، كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة " قال ابن كثير ~~بعد إخراجه: غريب جدا. وأخرج ابن الضريس عن أبي الدرداء قال: من حفظ خاتمة ~~الكهف كان له نور يوم القيامة من لدن قرنه إلى قدمه. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه عن معاوية بن أبي سفيان أنه تلا هذه الآية (فمن كان يرجوا لقاء ربه) ~~وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. قال ابن كثير: وهذا أثر مشكل، فإن هذه ~~الآية هي آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل ~~بعدها ما ينسخها ولا يغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض ~~الرواة فروى بالمعنى على ما فهمه PageV03P319 # تفسير سورة مريم هي مكية وآياتها ثمان وتسعون آية أخرج النحاس وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت بمكة سورة (كهيعص). وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~الزبير قال: نزلت سورة مريم بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة مثله. وأخرج ~~أحمد وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أم سلمة أن النجاشي قال لجعفر ~~بن أبي طالب: هل معك مما جاء به: يعنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن ms2357 الله شئ؟ قال: نعم، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) فبكى النجاشي حتى أخضل ~~لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال ~~النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج عن مشكاة واحدة. وقد ذكر ابن ~~إسحاق القصة بطولها. # بسم الله الرحمن الرحيم سورة مريم الآية (1 - 11) قوله (كهيعص) قرأ أبو ~~جعفر هذه الحروف مقطعة. ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء. # وعكس ذلك ابن عامر وحمزة، وأمالهما جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف، وقرأهما ~~بين اللفظين أهل المدينة وفتحهما الباقون. وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف، ~~وحكى عن غيره أنه كان يضم ها. وقال أبو حاتم: لا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ~~ولا الياء. قال النحاس: قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة ~~جائزة في هاو في يا وقد اعترض على قراءة الحسن جماعة. وقيل في تأوليها أنه ~~كان يشم الرفع فقط. وأظهر الدال من هجاء صاد نافع وأبو جعفر وابن كثير ~~وعاصم ويعقوب. وهو اختيار أبى عبيد وأدغمها الباقون. وقد قيل في توجيه هذه ~~القراءات PageV03P320 # أن التفخيم هو الأصل، والإمالة فرع عنه، فمن قرأ بتفخيم الهاء والياء فقد ~~عمل بالأصل، ومن أمالهما فقد عمل بالفرع، ومن أمال أحدهما وفخم الآخر فقد ~~عمل بالأمرين، وقد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في فواتح السورة ~~مستوفى في أوائل البقرة، ومحل هذه الفاتحة إن جعلت اسما للسورة على ما عليه ~~الأكثر الرفع على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، قاله الفراء. واعترضه الزجاج ~~فقال: هذا محال لأن كهيعص ليس هو مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكرياء، وقد ~~أخبر الله تبارك وتعالى عنه وعما بشر به، وليس كهيعص من قصته، أو على أنها ~~خبر مبتدأ محذوف، وإن جعلت مسرودة على نمط التعديد، فقوله (ذكر رحمة ربك) ~~خبر لمبتدأ محذوف: أي هذا ذكر رحمة ربك. وقيل هو مبتدأ خبره محذوف: أي فيما ~~يتلى عليك ذكر رحمة ربك. قال الزجاج: ذكر مرتفع بالمضمر، والمعنى: هذا الذي ms2358 ~~نتلوه عليك ذكر رحمة ربك (عبده زكرياء) يعنى إجابته إياه حين دعاه وسأله ~~الولد، وانتصاب عبده على أنه مفعول للرحمة قاله الأخفش. وقيل للذكر. ومعنى ~~ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها، كما يقال ذكرني معروف فلان: أي بلغني. وقرأ ~~يحيى بن يعمر " ذكر " بالنصب، وقرأ أبو العالية عبده بالرفع على أن المصدر ~~مضاف إلى المفعول، وفاعل الذكر هو عبده، وزكرياء على القراءتين عطف بيان له ~~أو بدل منه، وقرأ الكلبي " ذكر " على صيغة الفعل الماضي مشددا ومخففا على ~~أن الفاعل عبده، وقرأ ابن معمر على الأمر، وتكون الرحمة على هذا عبارة عن ~~زكرياء، لأن كل نبي رحمة لأمته (إذ نادى ربه نداء خفيا) العامل في الظرف ~~رحمة، وقيل ذكر، وقيل هو بدل اشتمال من زكرياء. واختلف في وجه كون ندائه ~~هذا خفيا، فقيل لأنه أبعد عن الرياء، وقيل أخفاه، لئلا يلام على طلبه للولد ~~في غير وقته، ولكونه من أمور الدنيا، وقيل أخفاه مخافة من قومه، وقيل كان ~~ذلك منه لكونه قد صار ضعيفا هرما لا يقدر على الجهر (قال رب إني وهن العظم ~~منى) هذه الجملة مفسرة لقوله: نادى ربه، يقال وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو ~~واهن، وقرئ بالحركات الثلاث، أراد أن عظامه فترت وضعفت قوته، وذكر العظم، ~~لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنانه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ~~ولأن أشد ما في الإنسان صلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ووحد العظم قصدا ~~إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام (واشتعل الرأس شيبا) ~~قرأ أبو عمرو بإدغام السين في الشين، والباقون بعدمه، والاشتعال في الأصل ~~انتشار شعاع النار، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض ~~والإنارة، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية، بأن حذف المشبه به وأداة ~~التشبيه، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها. قال الزجاج: يقال ~~للشيب إذا كثر جدا قد اشتعل رأس فلان، وأنشد للبيد: # فإن ترى رأسي أمسى واضحا * سلط الشيب عليه فاشتعل مع وانتصاب شيبا على ~~التمييز قاله ms2359 الزجاج. وقال الأخفش: انتصابه على المصدر، لأن معنى اشتعل ~~شاب. قال النحاس: قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل، والمصدرية أظهر فيما ~~كان كذلك، وكان الأصل اشتعل شيب رأسي، فأسند الإشتعال إلى الرأس لإفادة ~~الشمول (ولم أكن بدعائك رب شقيا) أي لم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من ~~الأوقات، بل كلما دعوتك استجبت لي. # قال العلماء: يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع، وذكر نعم الله ~~عليه كما فعل زكرياء هاهنا، فإن في قوله (وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا) ~~غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن نيل مطالبه. وبلوغ مآربه. وفى ~~قوله (ولم أكن بدعائك رب شقيا) ذكر ما عوده الله من الإنعام عليه بإجابة ~~أدعيته، يقال شقى بكذا: أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده منه (وإني خفت الموالي ~~من ورائي) قرأ عثمان بن عفان ومحمد PageV03P321 # ابن علي بن الحسين وأبوه علي ويحيى بن يعمر " خفت " بفتح الخاء وتشديد ~~الفاء وكسر التاء وفاعله (الموالي) أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين ~~بعدي، أو انقطعوا بالموت، مأخوذا من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة ~~شاذة بعيدة عن الصواب. وقرأ الباقون " خفت " بكسر الخاء وسكون الفاء على أن ~~فاعله ضمير يعود إلى زكرياء، ومفعوله الموالي، ومن ورائي متعلق بمحذوف لا ~~بخفت، وتقديره: خفت فعل الموالي من بعدي. قرأ الجمهور " ورائي " بالهمز ~~والمد وسكون الياء، وقرأ ابن كثير بالهمز والمد وفتح الياء. وروى عنه أنه ~~قرأ بالقصر مفتوح الياء، مثل عصاي، والموالي هنا هم الأقارب الذين يرثون ~~وسائر العصبات من بني العم ونحوهم، والعرب تسمى هؤلاء موالي، قال الشاعر ~~مهلا بنى عمنا مهلا موالينا * لا تنشروا سعيد بيننا ما كان مدفونا قيل ~~الموالي الناصرون له. واختلفوا في وجه المخافة من زكرياء لمواليه من بعده، ~~فقيل خاف أن يرثوا ماله، وأراد أن يرثه ولده، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ~~ولدا وقال آخرون: إنهم كانوا مهملين لأمر الدين، فخاف أن يضيع الدين بموته، ~~فطلب وليا يقوم به بعد موته. وهذا القول ms2360 أرجح من الأول لأن الأنبياء لا ~~يورثون وهم أجل من أن يعتنوا بأمور الدنيا، فليس المراد هنا وراثة المال، ~~بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين وقد ثبت عن نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ~~" (وكانت امرأتي عاقرا) العاقر: هي التي لا تلد لكبر سنها، والتي لا تلد ~~أيضا لغير كبر وهى المرادة هنا، ويقال للرجل الذي لا يلد عاقرا أيضا، ومنه ~~قول عامر بن الطفيل: * لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا * قال ابن جرير: # وكان اسم امرأته أشاع بنت فاقود بن ميل، وهى أخت حنة، وحنة هي أم مريم. ~~وقال القتيبي: هي أشاع بنت عمران، فعلى القول يكون يحيى بن زكرياء ابن خالة ~~أم عيسى، وعلى القول الثاني يكونان ابني خالة كما ورد في الحديث الصحيح ~~(فهب لي من لدنك وليا) أي أعطني من فضلك وليا، ولم يصرح بطلب الولد لما علم ~~من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما ~~وحصوله منهما. وقد قيل إنه كان ابن بضع وتسعين سنة، وقيل بل أراد بالولي ~~الذي طلبه هو الولد، ولا مانع من سؤال من كان مثله لما هو خارق للعادة، فإن ~~الله سبحانه قد يكرم رسله بما يكون كذلك، فيكون من جملة المعجزات الدالة ~~على صدقهم (يرثني ويرث من آل يعقوب) قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة ~~وابن محيصن واليزيدي ويحيى بن المبارك بالرفع في الفعلين جميعا على أنهما ~~صفتان للولي وليسا بجواب للدعاء، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى ابن ~~وثاب والأعمش والكسائي بالجزم فيهما على أنهما جواب للدعاء. ورجح القراءة ~~الأولى أبو عبيد وقال: هي أصوب في المعنى، لأنه طلب وليا هذه صفته فقال: هب ~~لي الذي يكون وارثي. ورجح ذلك النحاس وقال: لأن جواب الأمر عند النحويين ~~فيه معنى الشرط والمجازاة، تقول أطع الله يدخلك الجنة: أي إن تطعه يدخلك ~~الجنة، وكيف يخبر الله سبحانه بهذا، أعني كونه ms2361 أن يهب له وليا يرثه، وهو ~~أعلم بذلك، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوة على ما هو الراجح كما سلف. ~~وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم. وزعم بعض المفسرين أنه يعقوب بن ما ثان أخو عمران بن ما ثان، وبه ~~قال الكلبي ومقاتل، وآل يعقوب هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه للقرابة أو ~~الصحبة أو الموافقة في الدين، وقد كان فيهم أنبياء وملوك، وقرئ PageV03P322 # يرثني وارث من آل يعقوب على أنه فاعل يرثني. وقرئ " وارث آل يعقوب " أي ~~أنا. وقرئ " أو يرث آل يعقوب " بلفظ التصغير على أن هذا المصغر فاعل يرثني، ~~وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظا ومعنى (واجعله رب رضيا) أي مرضيا في ~~أخلاقه وأفعاله، وقيل راضيا بقضائك وقدرك، وقيل رجلا صالحا ترضى عنه، وقيل ~~نبيا كما جعلت آباءه أنبياء (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى) قال ~~جمهور المفسرين: إن هذا النداء من الله سبحانه، وقيل إنه من جهة الملائكة، ~~لقوله في آل عمران - فنادته الملائكة -، وفى الكلام حذف: أي فاستجاب له ~~دعاءه، فقال يا زكرياء، وقد تقدم في آل عمران وجه التسمية بيحيى وزكرياء. ~~قال الزجاج: سمى يحيى لأنه حيى بالعلم والحكمة التي أوتيها (لم نجعل له من ~~قبل سميا) قال أكثر المفسرين: معناه لم نسم أحدا قبله يحيى. وقال مجاهد ~~وجماعة: معنى (لم نجعل له من قبل سميا) أنه لم يجعل له مثلا ولا نظيرا، ~~فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السمو، ورد هذا بأنه يقتضى تفضيله على ~~إبراهيم وموسى، وقيل معناه: لم تلد عاقر مثله، والأول أولى. # وفى إخباره سبحانه بأنه لم يسم بهذا الاسم قبله أحد فضيلة له من جهتين: ~~الأولى أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به، ولم يكلها إلى الأبوين. ~~والجهة الثانية أن تسميته باسم لم يوضع لغيره يفيد تشريفه وتعظيمه (قال رب ~~أني يكون لي غلام) أي كيف أو من أين يكون لي غلام؟ وليس معنى هذا الاستفهام ~~الإنكار، ms2362 بل التعجب من قدرة الله وبديع صنعه، حيث يخرج ولدا من امرأة عاقر ~~وشيخ كبير، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في آل عمران (وقد بلغت من الكبر ~~عتيا) يقال عتا الشيخ يعتو عتيا إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات إذا صار إلى ~~حال اليبس والجفاف، والأصل عتوا لأنه من ذوات الواو فأبدلوه ياء لكونها ~~أخف، ومثل ما في الآية قول الشاعر: # إنما يعذر الوليد ولا يعذر * من كان في الزمان عتيا وقرأ يحيى بن وثاب ~~وحمزة والكسائي وحفص والأعمش " عتيا " بكسر العين، وقرأ الباقون بضم العين ~~وهما لغتان، ومحل جملة (وكانت امرأتي عاقرا) النصب على الحال من ضمير ~~المتكلم، ومحل جملة (وقد بلغت من الكبر عتيا) النصب أيضا على الحال، وكلا ~~الجملتين لتأكيد الاستبعاد والتعجب المستفاد من قوله (أنى يكون لي غلام) أي ~~كيف يحصل بيننا ولد الآن، وقد كانت امرأتي عاقرا لم تلد في شبابها وشبابي ~~وهى الآن عجوز، وأنا شيخ هرم؟ ثم أجاب الله سبحانه على هذا السؤال المشعر ~~بالتعجب والاستبعاد بقوله (قال كذلك قال ربك) الكاف في محل رفع: أي الأمر ~~كذلك. والإشارة إلى ما سبق من قول زكريا، ثم ابتدأ بقوله (قال ربك) ويحتمل ~~أن يكون محله النصب على المصدرية: أي قال قولا مثل ذلك، والإشارة بذلك إلى ~~مبهم يفسره قوله (هو على هين) وأما على الاحتمال الأول فتكون جملة (هو على ~~هين) مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره: أي قال هو مع بعده ~~عندك على هين، وهو فيعل من هان الشئ يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع من المراد. ~~قال الفراء أي خلقه على هين (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) هذه الجملة ~~مقررة لما قبلها. قال الزجاج: أي فخلق الولد لك كخلقك، والمعنى: أن الله ~~سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض، فإيجاد الولد له بطريق التوالد ~~المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه السلام ~~لكونه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول: # وقد خلقت أباك ms2363 آدم من قبل ولم يك شيئا، للدلالة على أن كل فرد من أفراد ~~البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم قرأ أهل المدينة وأهل مكة والبصرة وعاصم ~~وابن عامر " وقد خلقتك من قبل " وقرأ سائر الكوفيين " وقد خلقناك من قبل " ~~(قال رب اجعل لي آية) أي علامة تدلني على وقوع المسؤول وتحققه وحصول الحبل، ~~والمقصود من هذا السؤال تعريفه وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن ~~تعيينه. قال ابن الأنباري: وجه ذلك أن نفسه تاقت PageV03P323 # إلى سرعة الأمر، فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه، وقيل ~~طلب آية تدله على أن البشرى من الله سبحانه لا من الشيطان، لأن إبليس أوهمه ~~بذلك، كذا قال الضحاك والسدي وهو بعيد جدا (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ~~ليال سويا) قد تقدم تفسير هذا في آل عمران مستوفى، وانتصاب سويا على الحال، ~~والمعنى: آيتك أن لا تقدر على الكلام والحال أنك سوي الخلق ليس بك آفة ~~تمنعك منه، وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة ~~أيام ولياليهن (فخرج على قومه من المحراب) وهو مصلاه، واشتقاقه من الحرب. # كأن ملازمه يحارب الشيطان، وقيل من الحرب محركا، كأنه ملازمه يلقى حربا ~~وتعبا ونصبا (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) قيل معنى أوحى: أومأ بدليل ~~قوله في آل عمران - إلا رمزا -، وقيل كتب لهم في الأرض وبالأول قال الكلبي ~~والقرظي وقتادة وابن منبه، وبالثاني قال مجاهد، وقد يطلق الوحي على الكتابة ~~ومنه قول ذي الرمة: # سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها * بقية وحى في بطون الصحائف وقال عنترة: ~~* كوحى وفي صحائف من عهد كسرى * فأهداها لأعجم طمطمي و " أن " في قوله (أن ~~سبحوا) مصدرية أو مفسرة، والمعنى: فأوحى إليهم بأن صلوا: أو أي صلوا، ~~وانتصاب بكرة وعشيا على الظرفية. قال الفراء: العشي يؤنث، ويجوز تذكيره إذا ~~أبهم. قال: وقد يقال العشي جمع عشية، قيل والمراد صلاة الفجر والعصر، وقيل ~~المراد بالتسبيح هو قولهم سبحان الله في الوقتين: ms2364 أي نزهوا ربكم طرفي ~~النهار. # وقد أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله (كهيعص) كبير هاد أمين ~~عزيز صادق، وفى لفظ كاف بدل كبير. وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس ~~وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ~~(كهيعص) قال: كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد ~~من صادق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة (كهيعص) هو ~~الهجاء المقطع، الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، ~~والصاد من المصور. وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن (كهيعص) فحدث عن ~~أبي صالح عن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " كاف هاد ~~عالم صادق ". وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجة وابن جرير عن فاطمة ~~ابنة علي قالت: كان علي يقول يا كهيعص اغفر لي. وأخرج أبو الشيخ في العظمة ~~وابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في (كهيعص) قال: الكاف ~~الكافي، والهاء الهادي، والعين العالم، والصاد الصادق. وأخرج أبو عبيد وابن ~~المنذر عن السدى قال: كان ابن عباس يقول في كهيعص وحم ويس وأشباه هذا: هو ~~اسم الله الأعظم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله ~~به، وهو من أسماء الله. # وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح ~~مرفوعا في ذلك شئ. ومن روى عنه من الصحابة في ذلك شئ فقد روى عن غيره ما ~~يخالفه وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه ~~الفواتح فلا يقوم شئ من ذلك حجة، بل الحق الوقف، ورد العلم في مثلها إلى ~~الله ms2365 سبحانه. # وقد قدمنا تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة. وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~كان زكريا نجارا ". وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: كان PageV03P324 # آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن أزر بن مسلم من ذرية يعقوب دعا ربه سرا ~~(قال رب إني وهن العظم منى) إلى قوله (خفت الموالي) قال: وهم العصبة ~~(يرثني) يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب، فنادته الملائكة، وهو جبريل: # إن الله يبشرك (بغلام اسمه يحيى) فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال: يا ~~زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك، فشك وقال ~~(أنى يكون لي غلام) يقول من أين يكون وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر، قال ~~الله (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (وإني خفت الموالي من ورائي) قال: الورثة: وهم عصبة الرجل. وأخرج ~~الفريابي عنه قال: كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال (رب هب لي من لدنك ~~وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة. ~~وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (لم نجعل له من قبل سميا) قال: مثلا. ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن ~~مردويه عنه قال: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ ~~هذا الحرف عتيا أو عسيا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله (عتيا) قال: ~~لبث زمانا في الكبر. وأخرج أيضا عن السدى قال: هرما. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس في قوله (ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) قال: اعتقل لسانه من غير ~~مرض، وفى لفظ من غير خرس، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا (فأوحى إليهم) قال: ms2366 كتب لهم كتابا. وأخرج ابن أبي الدنيا ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (أن سبحوا) قال: أمرهم بالصلاة (بكرة ~~وعشيا). # سورة مريم الآية (12 - 15) قوله (يا يحيى) هاهنا حذف، وتقديره: وقال الله ~~للمولود يا يحيى. أو فولد له مولود فبلغ المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فيه، ~~فقلنا له يا يحيى. وقال الزجاج: المعنى فوهبنا له وقلنا له يا يحيى. ~~والمراد بالكتاب التوراة لأنه المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتابا مختصا ~~به وإن كنا لا نعرفه الآن، والمراد بالأخذ إما الأخذ الحسي أو الأخذ من حيث ~~المعنى، وهو القيام بما فيه كما ينبغي، وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة ~~الإقدام على المأمور به، والإحجام عن المنهي عنه، ثم أكده بقوله (بقوة) أي ~~بجد وعزيمة واجتهاد (وآتيناه الحكم صبيا) المراد بالحكم الحكمة، وهى الفهم ~~للكتاب الذي أمر بأخذه وفهم الأحكام الدينية، وقيل هي العلم وحفظه والعمل ~~به، وقيل النبوة، وقيل العقل، ولا مانع من أن يكون الحكم صالحا لحمله على ~~جميع ما ذكر. قيل كان يحيى عند هذا الخطاب له ابن سنتين، وقيل ابن ثلاث ~~(وحنانا من لدنا) معطوف على الحكم. قال جمهور المفسرين: الحنان الرحمة ~~والشفقة والعطف والمحبة، وأصله توقان النفس، مأخوذ من حنين الناقة على ~~ولدها. قال أبو عبيدة: تقول حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد، يريد ~~رحمتك. قال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض PageV03P325 # وقال امرؤ القيس: ويمنحها بنو سلخ بن بكر * معيزهم حنانك ذا الحنان قال ~~ابن الأعرابي: الحنان مشددا من صفات الله عز وجل، والحنان مخففا: العطف ~~والرحمة، والحنان الرزق والبركة. قال ابن عطية: والحنان في كلام العرب أيضا ~~ما عظم من الأمور في ذات الله، ومنه قول زيد بن عمرو ابن نفيل، والله لئن ~~قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حنانا، يعني بلالا، لما مر به، وهو يعذب، وقيل ~~إن القائل لذلك هو ورقة بن نوفل. قال الأزهري: معنى ذلك لأترحمن عليه، ~~ولأتعطفن عليه لأنه من أهل الجنة، ومثله ms2367 قول الحطيئة: تحنن علي هداك المليك ~~* فإن لكل مقام مقالا ومعنى (من عندنا) من جنابنا، قيل ويجوز أن يكون ~~المعنى أعطيناه رحمة من لدنا كائنة في قلبه يتحنن بها على الناس، ومنهم ~~أبواه وقرابته حتى يخلصهم من الكفر (وزكاة) معطوف على ما قبله، والزكاة ~~التطهير والبركة والتنمية والبر: أي جعلناه مباركا للناس يهديهم إلى الخير، ~~وقيل زكيناه بحسن الثناء عليه كتزكية الشهود، وقيل صدقة تصدقنا به على ~~أبويه قاله ابن قتيبة (وكان تقيا) أي متجنبا لمعاصي الله مطيعا له. وقد روى ~~أنه لم يعمل معصية قط (وبرا بوالديه) معطوف على تقيا، البر هنا بمعنى ~~البار، فعل بمعنى فاعل، والمعنى: لطيفا بهما محسنا إليهما (ولم يكن جبارا ~~عصيا) أي لم يكن متكبرا ولا عاصيا لوالديه أو لربه، وهذا وصف له عليه ~~السلام بلين الجانب وخفض الجناح (وسلام عليه) قال ابن جرير وغيره: معناه ~~أمان عليه من الله. قال ابن عطية والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي ~~أشرف وأنبه من الأمان، لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه، وهو أقل ~~درجاته، وإنما الشرف في أن يسلم الله عليه، ومعنى (يوم ولد) أنه أمن من ~~الشيطان وغيره في ذلك اليوم، أو أن الله حياه في ذلك اليوم، وهكذا معنى ~~(يوم يموت) وهكذا معنى (يوم يبعث حيا) قيل أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة ~~مواطن: يوم ولد لأنه خرج مما كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوما لم يكن قد ~~عرفهم وأحكاما ليس له بها عهد، ويوم يبعث لأنه يرى هول يوم القيامة. فخص ~~الله سبحانه يحيى بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) قال: بجد (وآتيناه الحكم صبيا) قال: ~~الفهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: يقول اعمل بما فيه من ~~فرائض. وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار قال: اللب. وأخرج أبو نعيم ~~والديلمي وابن مردويه عن ابن عباس ms2368 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~قوله (وآتيناه الحكم صبيا) قال: أعطي الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين. ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن قتادة: بدلة وهو ~~ابن ثلاث سنين. وأخرج الحاكم في تاريخه من طريق نهشل بن سعد عن الضحاك عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قال الغلمان ليحيى ~~بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال يحيى: ما للعب خلقنا، اذهبوا نصلي فهو قول ~~الله (وآتيناه الحكم صبيا) ". وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ القرآن قبل أن ~~يحتلم فهو ممن أوتى الحكم صبيا ". وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفا. ~~وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق ~~عكرمة عن ابن عباس في قوله (وحنانا قال: # لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف الله على عبده بالرحمة، وقد فسرها جماعة ~~من السلف بالرحمة. وأخرج PageV03P326 # ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وزكاة) قال: بركة، وفى قوله (وكان ~~تقيا) قال: طهر فلم يعمل بذنب. # سورة مريم الآية (16 - 26) قوله (واذكر في الكتاب مريم) هذا شروع في ~~ابتداء خلق عيسى، والمراد بالكتاب هذه السورة: أي أذكر يا محمد للناس في ~~هذه السورة قصة مريم، ويجوز أن يراد بالكتاب جنس القرآن، وهذه السورة منه، ~~ولما كان الذكر لا يتعلق بالأعيان احتيج إلى تقدير مضاف يتعلق به الذكر. ~~وهو قصة مريم، أو خبر مريم (إذ انتبذت) العامل في الظرف هو ذلك المضاف ~~المقدر، ويجوز أن يجعل بدل اشتمال من مريم، لأن الأزمان مشتملة على ما ~~فيها، ويكون المراد بمريم خبرها، وفى هذا الإبدال دلالة على تفخيم شأن ~~الوقت لوقوع قصتها العجيبة فيه، والنبذ الطرح والرمي. قال الله سبحانه - ~~فنبذوه وراء ظهورهم - والمعنى أنها تنحت وتباعدت. وقال ms2369 ابن قتيبة: # اعتزلت. وقيل انفردت. والمعاني متقاربة. واختلفوا في سبب انتباذها، فقيل ~~لأجل أن تعبد الله سبحانه، وقيل لتطهر من حيضها، و (من أهلها) متعلق ~~بانتبذت، وانتصاب (مكانا شرقيا) على المفعولية للفعل المذكور: أي مكانا من ~~جانب الشرق، والشرق بسكون الراء: المكان الذي تشرق فيه الشمس، وإنما خص ~~المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع الأنوار، حكى معناه ~~ابن جرير. # وقد اختلف الناس في نبوة مريم، فقيل إنها نبية بمجرد هذا الإرسال إليها ~~ومخاطبتها للملك، وقيل لم تكن نبية، لأنه إنما كلمها الملك وهو على مثال ~~البشر. وقد تقدم الكلام في هذا في آل عمران (فاتخذت من دونهم حجابا) أي ~~اتخذت من دون أهلها حجابا يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة، أو حال ~~التطهر من الحيض، والحجاب الستر والحاجز (فأرسلنا إليها روحنا) هو جبريل ~~عليه السلام، وقيل هو روح عيسى، لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد، ~~والأول أولى لقوله (فتمثل لها بشرا سويا) أي تمثل جبريل لها بشرا مستوى ~~الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئا، قيل ووجه تمثل الملك لها بشرا أنها لا ~~تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته، فلما PageV03P327 # رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها ~~بسوء، فاستعاذت بالله منه، و (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) أي ~~ممن يتقي الله ويخافه، وقيل إن تقيا اسم رجل صالح، فتعوذت منه تعجبا، وقيل ~~إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، والأول أولى. وجواب الشرط محذوف: # أي فلا تتعرض لي (قال إنما أنا رسول ربك) أي قال لها جبريل: إنما أنا ~~رسول ربك الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه ما خطر ببالك من إرادة السوء ~~(لأهب لك غلاما زكيا) جعل الهبة من قبله لكونه سببا فيها من جهة كون ~~الإعلام لها من جهته، أو من جهة كون النفخ قام به في الظاهر. وقرأ أبو عمرو ~~ويعقوب وورش عن نافع " ليهب " على معنى أرسلني ms2370 ليهب لك، وقرأ الباقون ~~بالهمز. والزكي الطاهر من الذنوب الذي ينمو على النزاهة والعفة، وقيل ~~المراد بالزكي النبي (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر) أي لم يقربني ~~زوج ولا غيره (ولم أك بغيا) البغي هي الزانية التي تبغي الرجال. قال ~~المبرد: أصله بغوي على فعول قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين ~~للمناسبة. وقال ابن جنى: إنه فعيل: وزيادة ذكر كونها لم تك بغيا مع كون ~~قولها لم يمسسني بشر يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيها لجانبها من ~~الفحشاء، وقيل ما استبعدت من قدرة الله شيئا، ولكن أرادت كيف يكون هذا ~~الولد هل من قبل زوج تتزوجه في المستقبل أم يخلقه الله سبحانه ابتداء؟ وقيل ~~إن المس عبارة عن النكاح الحلال، وعلى هذا لا يحتاج إلى بيان وجه قولها: ~~ولم أك بغيا، وما ذكرناه من شموله أولى باستعمالات أهل اللغة وما يوجد في ~~محاوراتهم مما يطول تعداده ا ه (ولنجعله آية للناس) أي ولنجعل هذا الغلام ~~أو خلقه من غير أب أية للناس يستدلون بها على كمال القدرة، وهو علة لمعلل ~~محذوف، والتقدير خلقناه لنجعله، أو معطوف على علة أخرى مضمرة تتعلق بما يدل ~~عليه قوله سبحانه (وهو على هين) وجملة (قال كذلك قال ربك هو على هين) ~~مستأنفة، والقائل هو الملك، والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من قول زكرياء. ~~وقوله (ورحمة منا) معطوف على آية: أي ولنجعله رحمة عظيمة كائنة منا للناس ~~لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير، لأن كل نبي رحمة لأمته (وكان ~~أمرا مقضيا) أي وكان ذلك المذكور أمرا مقدرا قد قدره الله سبحانه وجف به ~~القلم (فحملته) ها هنا كلام مطوى، والتقدير: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها ~~فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته، وقيل كانت النفخة في ~~ذيلها، وقيل في فمها. قيل إن وضعها كان متصلا بهذا الحمل من غير مضي مدة ~~للحمل، ويدل على ذلك قوله (فانتبذت به مكانا قصيا) أي تنحت واعتزلت إلى ~~مكان بعيد والقصي ms2371 هو البعيد. قيل كان هذا المكان وراء الجبل، وقيل أبعد ~~مكان في تلك الدار، وقيل أقصى الوادي، وقيل إنها حملت به ستة أشهر، وقيل ~~ثمانية أشهر، وقيل سبعة (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) أي ألجأها ~~واضطرها، ومنه قول زهير * أجاءته المخافة والرجاء * وقرأ شبل " فاجأها " من ~~المفاجأة، ورويت هذه القراءة عن عاصم، وقرأ الحسن بغير همز، وفي مصحف أبى " ~~فلما أجاءها " قال في الكشاف: إن أجاءها منقول من جاء، إلا أن استعماله قد ~~تعين بعد النقل إلى معنى الإلجاء، وفيه بعد، والظاهر أن كل واحد من الفعلين ~~موضوع بوضع مستقل، والمخاض مصدر مخضت المرأة تمخض مخضا ومخاضا إذا دنا ~~ولادها. وقرأ الجمهور بفتح الميم، وقرأ ابن كثير بكسرها. والجذع ساق النخلة ~~اليابسة، كأنها طلبت شيئا تستند إليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدة وجع ~~الطلق بشئ مما تجده عندها، والتعريف إما للجنس أو للعهد (قالت يا ليتني مت ~~قبل هذا) أي قبل هذا الوقت، تمنت الموت لأنها خافت أن يظن بها السوء في ~~دينها، أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان (وكنت نسيا) PageV03P328 # النسي في كلام العرب: الشئ الحقير الذي من شأنه أن ينسى ولا يذكر ولا ~~يتألم لفقده كالوتد والحبل، ومنه قول الكميت: # أتجعلنا خسرا لكلب قضاعة * ولسنا بنسى: في معد ولا دخل وقال الفراء: ~~النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، فتقول مريم (نسيا منسيا) أي حيضة ~~ملقاة، وقد قرئ بفتح النون وكسرها، وهما لغتان مثل الحجر والحجر، والوتر ~~والوتر. وقرأ محمد بن كعب القرظي " نساء " بالهمز مع كسر النون. وقرأ نوف ~~البكالي بالهمز مع فتح النون. وقرا بكر بن حبيب " نسيا " بفتح النون وتشديد ~~الياء بدون همز، والمنسي المتروك الذي لا يذكر ولا يخطر ببال أحد من الناس ~~(فناداها من تحتها) أي جبريل لما سمع قولها، وكان أسفل منها تحت الأكمة، ~~وقيل تحت النخلة، وقيل المنادى هو عيسى. وقد قرئ بفتح الميم من " من " ~~وكسرها. وقوله (ألا تحزني) تفسير للنداء: أي لا تحزني أو المعنى بأن لا ms2372 ~~تحزني على أنها المصدرية (قد جعل ربك تحتك سريا) قال جمهور المفسرين: السرى ~~النهر الصغير، والمعنى: قد جعل ربك تحت قدمك نهرا. قيل كان نهرا قد انقطع ~~عنه الماء، فأرسل الله فيه الماء لمريم، وأحيا به ذلك الجذع اليابس الذي ~~اعتمدت عليه حتى أورق وأثمر، وقيل المراد بالسرى هنا عيسى، والسري: العظيم ~~من الرجال، ومنه قولهم فلان سرى: أي عظيم، ومن قوم سراة: أي عظام (وهزى ~~إليك بجذع النخلة) الهز التحريك: يقال هزه فاهتز، والباء في بجذع النخلة ~~مزيدة للتوكيد. وقال الفراء: العرب تقول هزه وهز به، والجذع هو أسفل ~~الشجرة. قال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع، ومعنى إليك: إلى جهتك، ~~وأصل تساقط تتساقط فأدغم التاء في السين. وقرأ حمزة والأعمش " تساقط " ~~مخففا. وقرأ عاصم في رواية حفص والحسن بضم التاء مع التخفيف وكسر القاف. # وقرئ " تتساقط " بإظهار التاءين. وقرئ بالتحتية مع تشديد السين. وقرئ " ~~تسقط، ويسقط ". وقرأ الباقون بإدغام التاء في السين، فمن قرأ بالفوقية جعل ~~الضمير للنخلة، ومن قرأ بالتحتية جعل الضمير للجذع، وانتصاب (رطبا) على بعض ~~هذه القراءات للتمييز، وعلى البعض الآخر على المفعولية لتساقط. قال المبرد ~~والأخفش: # يجوز انتصاب رطبا بهزي: أي هزي إليك رطبا (جنيا) بجذع النخلة: أي على ~~جذعها، وضعفه الزمخشري، والجني المأخوذ طريا. وقيل هو ما طلب وصلح ~~للاجتناء، وهو فعيل بمعنى مفعول. قال الفراء: الجني والمجني واحد، وقيل هو ~~فعيل بمعنى فاعل: أي رطبا طريا طيبا (فكلى واشربي) أي من ذلك الرطب وذلك ~~الماء، أو من الرطب وعصيره، وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب، ~~لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء، ثم قال ~~(وقرى عينا) قرأ الجمهور بفتح القاف. وحكى ابن جرير أنه قرئ بكسرها قال: ~~وهى لغة نجد. والمعنى: طيبي نفسا وارفضي عنك الحزن، وهو مأخوذ من القر ~~والقرة وهما البرد، والمسرور أحمد بارد القلب ساكن الجوارح، وقيل المعنى: ~~وقرى عينا برؤية الولد الموهوب لك. وقال الشيباني: # معناه نامي. قال ms2373 أبو عمرو: أقر الله عينه: أي أنام عينه وأذهب سهره (فإما ~~ترين من البشر أحدا) أصله ترءيين: # مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت النون للجزم وياء الضمير للساكنين بعد لحوق ~~نون التوكيد، ومثل هذا مع عدم لحوق نون التوكيد قول ابن دريد: # أما ترى رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجى وقرأ طلحة وأبو جعفر ~~وشيبة " ترين " بسكون الياء وفتح النون مخففة. قال أبو الفتح: وهى شاذة، ~~وجواب الشرط (فقولي إني نذرت للرحمن صوما) أي قولي إن طلب منك الكلام أحد ~~من الناس إني نذرت للرحمن صوما PageV03P329 # أي صمتا، وقيل المراد به الصوم الشرعي، وهو الإمساك عن المفطرات، والأول ~~أولى. وفى قراءة أبى " إني نذرت للرحمن صوما صمتا " بالجمع بين اللفظين، ~~وكذا روى عن أنس. وروى عنه أنه قرأ " صوما وصمتا " بالواو، والذي عليه ~~جمهور المفسرين أن الصوم هنا الصمت، ويدل عليه (فلن أكلم اليوم إنسيا) ~~ومعنى الصوم في اللغة أوسع من المعنيين. قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو ~~كلام أو سير فهو صائم. وقراءة أبى تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت، ~~لأنه تفسير للصوم. وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما تفيده ~~الواو. # ومعنى (فلن أكلم اليوم إنسيا) أنها لا تكلم أحدا من الإنس بعد إخبارهم ~~بهذا الخبر، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها، وقيل إنها لم تخبرهم هنا ~~باللفظ، بل بالإشارة المفيدة للنذر. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (انتبذت من أهلها مكانا ~~شرقيا) قال: مكانا أظلها الشمس أن يراها أحد منهم. وأخرج الفريابي وابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: # إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لأن مريم اتخذت من أهلها مكانا شرقيا، ~~فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على حرف حين نتق فوقهم الجبل، ~~فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه، يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها ~~الله، فاتخذوها سنة. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن ~~عساكر من ms2374 طريق السدى عن أبي مالك عن ابن عباس. وعن مرة عن ابن مسعود قالا: ~~خرجت مريم بنت عمران إلى جانب المحراب لحيض أصابها، فلما طهرت إذا هي برجل ~~معها (فتمثل لها بشرا) ففزعت و (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) ~~فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكمها فنفخ في جنب درعها، وكان مشقوقا من ~~قدامها، فدخلت النفخة صدرها فحملت، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها، ~~فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكرياء: يا مريم أشعرت أني ~~حبلى، قالت مريم: أشعرت أنى حبلى، فقالت امرأة زكرياء: فإني وجدت ما في ~~بطني سجد للذي في بطنك، فذلك قوله تعالى - مصدقا بكلمة من الله - فولدت ~~امرأة زكرياء يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب (المحراب فأجاءها ~~المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا) الآية (فناداها) جبريل ~~(من تحتها ألا تحزني) فلما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بني إسرائيل أن مريم ~~ولدت، فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى فتكلم ف‍ (قال إني عبد الله ~~آتاني الكتاب) الآيات، ولما ولد لم يبق في الأرض صنم إلا خر لوجهه. وأخرج ~~عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~مريم قال: # حين حملت وضعت. وأخرج ابن عساكر عنه قال: وضعت لثمانية أشهر. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن قتادة في قوله (فأرسلنا إليها روحنا) قال: جبريل. وأخرج سعيد ~~بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء نحوه أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن أبي بن كعب في الآية قال: تمثل ~~لها روح عيسى في صورة بشر فحملته، قال حملت الذي خاطبها دخل في فيها. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس في قوله (مكانا قصيا) قال: نائيا. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عنه في قوله (إلى جذع النخلة) قال: كان جذعا يابسا. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا في قوله ms2375 (وكنت نسيا منسيا) قال لم أخلق ولم ~~أك شيئا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~عكرمة (وكنت نسيا منسيا) قال: حيضة ملقاة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~عن مجاهد نحوه وأخرج عبد بن حميد عن نوف البكالي والضحاك مثله، وأخرج عبد ~~بن حميد عن عكرمة في قوله (فناداها من تحتها) قال: الذي ناداها جبريل. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: الذي ناداها ~~PageV03P330 # من تحتها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وقد اختلفت الروايات ~~عن السلف، هل هذا المنادى هو جبريل أو عيسى. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر ~~بن عياش قال: قرأ عاصم بن أبي النجود (فناداها من تحتها) بالنصب، قال: وقال ~~عاصم من قرأ بالنصب فهو عيسى، ومن قرأ بالخفض فهو جبريل. وأخرج الطبراني ~~وابن مردويه وابن النجار عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: إن السرى الذي قال الله لمريم (قد جعل ربك تحتك سريا) نهر أخرجه ~~الله لها لتشرب منه. وفى إسناده أيوب بن نهيك الجبلي قال فيه أبو حاتم ~~الرازي: ضعيف، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو فتح الأزدي: متروك ~~الحديث، وقال الطبراني بعد إخراج هذا الحديث: إنه غريب جدا. وأخرج الطبراني ~~في الصغير وابن مردويه عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في قوله (قد جعل ربك تحتك سريا) قال: النهر: وأخرج عبد الرزاق والفريابي ~~وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه والحاكم وابن ~~مردويه عن البراء قال في الآية: # هو الجدول، وهو النهر الصغير، فظهر بهذا أن الموقوف أصح. وقد روى عن ~~جماعة من التابعين أن السرى هو عيسى، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (رطبا جنيا) قال: طريا. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه في قوله (إني ~~نذرت للرحمن صوما) قال: صمتا. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عنه ms2376 أنه قرأ ~~" صوما صمتا " سورة مريم الآية (27 - 33) لما اطمأنت مريم عليها السلام بما ~~رأت من الآيات وفرغت من نفاسها (أتت به) أي بعيسى، وجملة (تحمله) في محل ~~نصب على الحال. وكان إتيانها إليهم من المكان القصي التي انتبذت فيه، فلما ~~رأوا الولد معها حزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين (فقالوا) منكرين لذلك (يا ~~مريم لقد جئت) أي فعلت (شيئا فريا) قال أبو عبيدة: # الفري العجيب النادر. وكذا قال الأخفش. والفري القطع، كأنه مما يخرق ~~العادة، أو يقطع بكونه عجيبا نادرا. # وقال قطرب: الفري الجديد من الأسقية: أي جئت بأمر بديع جديد لم تسبقي ~~إليه. وقال سعيد بن مسعدة: # الفري المختلق المفتعل. يقال فريت وأفريت بمعنى واحد، والولد من الزنا ~~كالشئ المفتري، قال تعالى - ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن - ~~وقال مجاهد: الفري العظيم (يا أخت هارون). # قد وقع الخلاف في معنى هذه الأخوة، وفى هارون المذكور من هو؟ فقيل هو ~~هارون أخو موسى، والمعنى: أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي ~~بمثل هذا، وقيل كانت مريم من ولد هارون أخي موسى، فقيل لها يا أخت هارون، ~~كما يقال لمن كان من العرب: يا أخا العرب، وقيل كان لها أخ من أبيها اسمه ~~هارون، وقيل هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت، وقيل بل كان في ذلك الوقت ~~رجل فاجر اسمه هارون، PageV03P331 # فنسبوها إليه على وجهة التعيير والتوبيخ، حكاه ابن جرير ولم يسم قائله ~~وهو ضعيف (ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيا) هذا فيه تقريره لما ~~تقدم من التعيير والتوبيخ، وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ~~ينبغي أن تكون (فأشارت إليه) أي إلى عيسى، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره ~~بالنطق، لأنها نذرت للرحمن صوما عن الكلام كما تقدم، هذا على تقدير أنها ~~كانت إذ ذاك في أيام نذرها، وعلى تقدير أنها قد خرجت من أيام نذرها، فيمكن ~~أن يقال إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة، وأن هذا ~~المولود ms2377 يفهم الإشارة ويقدر على العبارة (قالوا كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا) هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن ~~يكلمهم. قال أبو عبيدة: في الكلام حشو زائد. والمعنى: كيف نكلم صبيا في ~~المهد كقول الشاعر: وجيران لنا كانوا كرام * وقال الزجاج: الأجود أن تكون ~~من في معنى الشرط والجزاء، والمعنى: من يكون في المهد صبيا فكيف نكلمه. ~~ورجحه ابن الأنباري وقال: لا يجوز أن يقال إن كان زائدة وقد نصبت صبيا، ~~ويجاب عنه بأن القائل بزيادتها يجعل الناصب له الفعل، وهو نكلم كما سبق ~~تقديره، وقيل إن كان هنا هي التامة التي بمعنى الحدوث والوجود. ورد بأنها ~~لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر، والمهد هو شئ معروف يتخذ لتنويم لأن الصبي. ~~والمعنى كيف نكلم من سبيله أن ينوم في المهد لصغره وقيل هو هنا حجر الأم، ~~وقيل سرير كالمهد، فلما سمع عيسى كلامهم (قال إني عبد الله) فكان أول ما ~~نطق به الاعتراف بالعبودية له (آتاني الكتاب) أي الإنجيل: أي حكم لي ~~بإيتائي الكتاب والنبوة في الأزل، وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا ~~قد صار نبيا، وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبيا في تلك الحال، وهو بعيد ~~(وجعلني مباركا أين ما كنت) أي حيثما كنت، والبركة أصلها من بروك البعير، ~~والمعنى: جعلني ثابتا في دين الله، وقيل البركة هي الزيادة والعلو، فكأنه ~~قال: جعلني في جميع الأشياء زائدا عاليا منجحا، وقيل معنى المبارك النفاع ~~للعباد، وقيل المعلم للخير، وقيل الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر (وأوصاني ~~بالصلاة) أي أمرني بها (والزكاة) زكاة المال، أو تطهير النفس (ما دمت حيا) ~~أي مدة دوام حياتي، وهذه الأفعال الماضية هي من باب تنزيل ما لم يقع منزلة ~~الواقع تنبيها على تحقق وقوعه لكونه قد سبق في القضاء المبرم (وبرا ~~بوالدتي) معطوف على مباركا، واقتصر على البر بوالدته لأنه قد علم في تلك ~~الحال أنه لم يكن له أب، وقرئ " وبرا " بكسر الباء على أنه مصدر وصف ms2378 به ~~مبالغة (ولم يجعلني جبارا شقيا) الجبار المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه حقا، ~~والشقي العاصي لربه، وقيل الخائب، وقيل العاق (والسلام على يوم ولدت ويوم ~~أموت ويوم أبعث حيا) قال المفسرون: السلام هنا بمعنى السلامة: أي السلامة ~~علي يوم ولدت. فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت ولا أغواني عند الموت ولا ~~عند البعث، وقيل المراد به التحية. قيل واللام للجنس، وقيل للعهد: أي وذلك ~~السلام الموجه إلى يحيى في هذه المواطن الثلاثة موجه إلي. قيل إنه لم يتكلم ~~المسيح بعد هذا الكلام حتى بلغ المدة التي تتكلم فيها الصبيان في العادة. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس في قوله (فأتت به قومها ~~تحمله) قال: بعد أربعين يوما بعد ما تعالت من نفاسها. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المغيرة بن شعبة ~~قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل نجران، فقالوا أرأيت ~~ما تقرأون (يا أخت هارون) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، قال: فرجعت فذكرت ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون ~~بالأنبياء والصالحين قبلهم؟ وهذا التفسير النبوي يغنى عن سائر ما روى عن ~~السلف في ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: كان عيسى قد درس الإنجيل ~~وأحكامها في بطن أمه، PageV03P332 # فذلك قوله (إني عبد الله آتاني الكتاب). وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (آتاني الكتاب) ~~الآية، قال: قضى أن أكون كذلك. وأخرج الإسماعيلي في معجمه وأبو نعيم في ~~الحلية وابن مردويه وابن النجار عن أبي هريرة قال " قال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قول عيسى (وجعلني مباركا أين ما كنت) قال: جعلني نفاعا ~~للناس أينما اتجهت ". وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (وجعلني مباركا) قال: معلما ومؤدبا. وأخرج ابن ~~أبي ms2379 حاتم عن ابن عباس في قوله (ولم يجعلني جبارا شقيا) يقول: عصيا. # سورة مريم الآية (34 - 40) الإشارة بقوله (ذلك) إلى المتصف بالأوصاف ~~السابقة. قال الزجاج: ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى ابن مريم، لا ما ~~تقوله النصارى من أنه ابن الله وأنه إله. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب (قول ~~الحق) بالنصب. وقرأ الباقون بالرفع. فوجه القراءة الأولى أنه منتصب على ~~المدح، أو على أنه مصدر مؤكد لقال إني عبد الله قاله الزجاج. ووجه القراءة ~~الثانية أنه نعت لعيسى: أي ذلك عيسى ابن مريم قول الحق، قاله الكسائي. وسمى ~~قول الحق كما سمى كلمة الله، والحق هو الله عز وجل. وقال أبو حاتم: المعنى ~~هو قول الحق، وقيل التقدير: هذا لكلام قول الحق، وهو من باب إضافة الموصوف ~~إلى الصفة مثل حق اليقين، وقيل الإضافة للبيان، وقرئ قال الحق " وروى ذلك ~~عن ابن مسعود، وقرأ الحسن " قول الحق " بضم القاف، والقول والقول والقال ~~والمقال بمعنى واحد. و (الذي فيه يمترون) صفة لعيسى: أي ذلك عيسى ابن مريم ~~الذي فيه يمترون قول الحق، ومعنى يمترون يختلفون على أنه من المماراة، أو ~~يشكو على أنه من المرية. وقد وقع الاختلاف في عيسى، فقالت اليهود هو ساحر، ~~وقالت النصارى هو ابن الله (ما كان لله أن يتخذ من ولد) أي ما صح ولا ~~استقام ذلك، فأن في محل رفع على أنها اسم كان. قال الزجاج: من في " من ولد ~~" مؤكدة تدل على نفى الواحد والجماعة، ثم نزه سبحانه نفسه فقال (سبحانه) أي ~~تنزه وتقدس عن مقالتهم هذه، ثم صرح سبحانه بما هو شأنه - تعالى سلطانه - ~~فقال (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) أي إذا قضى أمرا من الأمور ~~فيكون حينئذ بلا تأخير. وقد سبق الكلام على هذا مستوفى في البقرة. وفى ~~إيراده في هذا الموضع تبكيت عظيم للنصارى: أي من كان هذا شأنه كيف يتوهم أن ~~يكون له ولد؟ (وأن الله ربى وربكم فاعبدوه) قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو ~~عمرو ms2380 بفتح أن. # وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة بكسرها، وهو من تمام كلام عيسى، وقرأ أبى " إن ~~الله " بغير واو، قال الخليل PageV03P333 # وسيبويه: في توجيه قراءة النصب بأن المعنى: ولأن الله ربى وربكم، وأجاز ~~الفراء أن يكون في موضع خفض عطفا على الصلاة، وجوز أبو عمرو بن العلاء عطفه ~~على أمرا (هذا صراط مستقيم) أي هذا الذي ذكرته لكم من أنه ربى وربكم، هو ~~الطريق القيم الذي لا اعوجاج فيه ولا يضل سالكه (فاختلف الأحزاب من بينهم) ~~من زائدة للتوكيد، والأحزاب اليهود والنصارى: أي فاختلفت الفرق من أهل ~~الكتاب في أمر عيسى، فاليهود قالوا إنه ساحر كما تقدم، وقالوا إنه ابن يوسف ~~النجار، والنصارى اختلفت فرقهم فيه، فقالت النسطورية منهم: هو ابن الله، ~~وقالت الملكية: هو ثالث ثلاثة، وقالت اليعقوبية: هو الله تعال فأفرطت ~~النصارى وغلت، وفرطت اليهود وقصرت (فويل للذين كفروا) وهم المختلفون في ~~أمره (من مشهد يوم عظيم) أي من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب ~~والعقاب، أو من مكان الشهود فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وقيل ~~المعنى: فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور (أسمع ~~بهم وأبصر) قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب، فيقولون: أسمع ~~تريد وأبصر به: أي ما أسمعه وأبصره، فعجب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم منهم (يوم يأتوننا) أي للحساب والجزاء (لكن الظالمون اليوم) أي ~~في الدنيا (في ضلال مبين) أي واضح ظاهر ولكنهم أغفلوا التفكر والاعتبار ~~والنظر في الآثار (وأنذرهم يوم الحسرة) أي يوم يتحسرون جميعا، فالمسئ حتى ~~يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير (إذ قضى الأمر) أي ~~فرغ من الحساب وطويت الصحف، وصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ~~وجملة (وهم في غفلة) أي محل نصب على الحال: أي غافلين عما يعمل بهم، وكذلك ~~جملة (وهم لا يؤمنون) في محل نصب على الحال (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها) ~~أي نميت سكانها فلا يبقى بها ms2381 أحد يرث الأموات، فكأنه سبحانه ورث الأرض ومن ~~عليها حيث أماتهم جميعا (وإلينا يرجعون) أي يردون إلينا يوم القيامة فنجازي ~~كلا بعمله، وقد تقدم مثل هذا في سورة الحجر. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (قول الحق) قال: ~~الله الحق عز وجل. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عنه في قوله (الذي فيه ~~يمترون) قال: اجتمع بنو إسرائيل وأخرجوا منهم أربعة نفر من كل قوم عالمهم، ~~فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض وأحيا من ~~أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقالت الثلاثة: ~~كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، فقال: هو ابن الله، وهم ~~النسطورية، فقال اثنان كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ~~ثالث ثلاثة، الله إله، وعيسى إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية، وهم ملوك ~~النصارى، فقال الرابع: كذبت، هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم ~~المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال فاقتتلوا، فظهروا على ~~المسلمين، فذلك قول الله سبحانه - ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس - ~~قال قتادة: وهم الذين قال الله - فاختلف الأحزاب من بينهم - قال: اختلفوا ~~فيه فصاروا أحزابا، فاختصم القوم، فقال المرء المسلم: # أنشدكم بالله هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام وأن الله لا يطعم؟ ~~قالوا: اللهم نعم، قال: فهل تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام؟ ~~قالوا: اللهم نعم، فخصمهم المسلمون فاقتتل القوم، فذكر لنا أن اليعقوبية ~~ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله (فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم). وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أسمع بهم ~~وأبصر) يقول الكفار يومئذ: أسمع شئ وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا ~~يبصرون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (يوم ~~يأتوننا) قال: ذلك يوم القيامة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms2382 وآله وسلم PageV03P334 # " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، ~~فيوقف بين الجنة والنار فيقال: # يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون نعم هذا ~~الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون ~~وينظرون فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح ويقال: # يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم (وأنذرهم يوم الحسرة) الآية، وأشار بيده قال: ~~أهل الدنيا في غفلة ". وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ~~هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ~~قال: يوم الحسرة: هو من أسماء يوم القيامة، وقرأ - أن تقول نفس يا حسرتا ~~على ما فرطت في جنب الله -، وعلى هذا ضعيف، والآية التي استدل بها ابن عباس ~~لا تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام سورة مريم الآية (41 - ~~50) قوله (واذكر) معطوف على وأنذر، والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن ~~يتلو ذلك على الناس كقوله - واتل عليهم نبأ إبراهيم - وجملة (إنه كان صديقا ~~نبيئا) تعليل لما تقدم من الأمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن ~~يذكره، وهي معترضة ما بين البدل والمبدل منه، والصديق كثير الصدق، وانتصاب ~~نبيئا على أنه خبر آخر لكان: أي أذكر إبراهيم الجامع لهذين الوصفين، و (إذ ~~قال لأبيه) بدل اشتمال من إبراهيم، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود ~~تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة، وأبو إبراهيم هو آزر على ما تقدم ~~تقريره، والتاء في يا أبت عوض عن الياء، ولهذا لا يجتمعان، والاستفهام في ~~(لم تعبد) للإنكار والتوبيخ (ما لا يسمع) ما تقوله من الثناء عليه والدعاء ~~له (ولا يبصر) ما تفعله من عبادته ومن الأفعال التي تفعلها مريدا بها ~~الثواب، ويجوز أن يحمل نفي السمع والإبصار على ما هو أعم من ذلك: أي ms2383 لا ~~يسمع شيئا من المسموعات، ولا يبصر شيئا من المبصرات (ولا يغنى عنك شيئا) من ~~الأشياء، فلا يجلب لك نفعا ولا يدفع عنك ضررا، وهى الأصنام التي ~~PageV03P335 # كان يعبدها آزر. أورد إبراهيم عليه السلام على أبيه الدلائل والنصائح، ~~وصدر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلبه، وامتثالا لأمر ~~ربه، ثم كرر دعوته إلى الحق فقال (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم ~~يأتك) أخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه. وأنه قد تجدد ~~له حصول ما يتوصل به منه إلى الحق، ويقتدر به على إرشاد الضال، ولهذا أمره ~~باتباعه فقال (فاتبعني أهدك صراطا سويا) مستويا موصلا إلى المطلوب منجيا من ~~المكروه، ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال (يا أبت لا تعبد ~~الشيطان) أي لا تطعه، فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان، ثم علل ذلك ~~بقوله (إن الشيطان كان للرحمن عصيا) حين ترك ما أمره به من السجود لآدم، ~~ومن أطاع من هو عاص لله سبحانه فهو عاص لله، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه ~~النعم وتحل به النقم. قال الكسائي: العصي والعاصي بمعنى واحد، ثم بين له ~~الباعث على هذه النصائح فقال (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن (قال ~~الفراء: معنى أخاف هنا أعلم. وقال الأكثرون: إن الخوف هنا محمول على ظاهره، ~~لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر، إذ لو كان جازما بذلك لم يشتغل ~~بنصحه، ومعنى الخوف على الغير: هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير (فتكون ~~للشيطان وليا) أي إنك إذا أطعت الشيطان كنت معه في النار واللعنة، فتكون ~~بهذا السبب مواليا، أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه، وليس هناك ولاية ~~حقيقية لقوله سبحانه - الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو - وقيل الولي بمعنى ~~التالي، وقيل الولي بمعنى القريب: أي تكون للشيطان قريبا منه في النار، ~~فلما مرت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة ~~والفظاظة والقسوة، ف‍ ms2384 (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) والاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ والتعجيب، والمعنى: أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره؟ ثم ~~توعده فقال (لئن لم تنته لأرجمنك) أي بالحجارة، وقيل باللسان، فيكون معناه ~~لأشتمنك، وقيل معناه لأضربنك، وقيل لأظهرن أمرك (واهجرني مليا) أي زمانا ~~طويلا. قال الكسائي: يقال هجرته مليا وملوة وملاوة، بمعنى الملاوة من ~~الزمان، وهو الطويل، ومنه قول مهلهل: # فتصدعت صم الجبال لموته * وبكت عليه المرملات مليا وقيل معناه: اعتزلني ~~سالم العرض لا تصيبك مني معرة، واختار هذا ابن جرير، فمليا على هذا منتصب ~~على الحال من إبراهيم وعلى القول الأول منتصب على الظرفية، فلما رأى ~~إبراهيم إصرار أبيه على العناد (قال سلام عليك) أي تحية توديع ومتاركة ~~كقوله - وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقيل معناه: أمنة منى لك، قاله ~~ابن جرير، وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله، والأول أولى. وبه قال ~~الجمهور، وقيل معناه: الدعاء له بالسلامة، استمالة له ورفقا به ثم وعده بأن ~~يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفا له وطمعا في لينه وذهاب قسوته: # والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه وكان منه هذا الوعد قبل ~~أن يعلم أنه يموت على الكفر، وتحق عليه الكلمة، ولهذا قال الله سبحانه في ~~موضع آخر - فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه - بعد قوله - وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه - وجملة (إنه كان بي حفيا) ~~تعليل لما قبلها، والمعنى سأطلب لك المغفرة من الله، فإنه كان بي كثير البر ~~واللطف، يقال حفي به وتحفى إذا بره. قال الكسائي: يقال حفى بي حفاوة وحفوة. ~~وقال الفراء: إنه كان بي حفيا: أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته. ثم صرح ~~الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال (وأعتزلكم وما تدعون من ~~دون الله) أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت ~~فيكم دعوتي (وأدعوا ربى) PageV03P336 # وحده (عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا) أي خائبا، وقيل عاصيا. ms2385 قيل أراد ~~بهذا الدعاء: هو أن يهب الله له ولدا وأهلا يستأنس بهم في اعتزاله ويطمأن ~~عمر إليهم عند وحشته، وقيل أراد دعاءه لأبيه بالهداية، وعسى للشك لأنه كان ~~لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا، والأول أولى لقوله (فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب) أي جعلنا هؤلاء الموهوبين النبي ~~له أهلا وولدا بدل الأهل الذين فارقهم (وكلا جعلنا نبيئا) أي كل واحد ~~منهما، وانتصاب كلا على أنه المفعول الأول لجعلنا قدم عليه للتخصيص، لكن ~~بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة إلى من عداهم: أي كل واحد منهم جعلنا ~~نبيا، لا بعضهم دون بعض (ووهبنا لهم من رحمتنا) بأن جعلناهم أنبياء، وذكر ~~هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء لبيان أن النبوة هي من باب (الرحمة. والمراد ~~بالرحمة هنا المال، وقيل الأولاد، وقيل الكتاب، ولا يبعد أن يندرج تحتها ~~جميع هذه الأمور (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) لسان الصدق الثناء الحسن، عبر ~~عنه باللسان لكونه يوجد به كما عبر باليد عن العطية، وإضافته إلى الصدق ~~ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يقال فيهم من الثناء على ألسن ~~العباد. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لأرجمنك) قال: ~~لأشتمنك (واهجرني مليا) قال: حينا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه (واهجرني مليا) قال: اجتنبني سويا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في الآية قال: اجتنبني سالما قبل أن تصيبك مني عقوبة. وأخرج عبد بن حميد عن ~~سعيد بن جبير وعكرمة (مليا) دهرا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ~~قال: سالما. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس (إنه كان بي حفيا) قال: لطيفا. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) قال: يقول ~~وهبنا له إسحاق ويعقوب ابن ابنه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في قوله (وجعلنا لهم لسان ms2386 صدق عليا) قال: الثناء الحسن. # سورة مريم الآية (51 - 60) PageV03P337 # سورة مريم الآية (61 - 63) قفى سبحانه قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه ~~في الشرف، وقدمه على إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر يعقوب: أي واقرأ ~~عليهم من القرآن قصة موسى (إنه كان مخلصا) قرأ أهل الكوفة بفتح اللام: أي ~~جعلناه مختارا وأخلصناه، وإن وقرأ الباقون بكسرها: أي أخلص العبادة ~~والتوحيد لله غير مراء للعباد (إنه كان رسولا نبيئا) أي أرسله الله إلى ~~عباده فأنبأهم عن الله بشرائعه التي شرعها لهم، فهذا وجه ذكر النبي بعد ~~الرسول مع استلزام الرسالة للنبوة، فكأنه أراد بالرسول معناه اللغوي لا ~~الشرعي، والله أعلم. وقال النيسابوري: الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء، ~~والنبي الذي ينبئ عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر ~~الأعم قبل الأخص، إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه - رب ~~هارون وموسى - انتهى (وناديناه من جانب الطور الأيمن) أي كلمناه من جانب ~~الطور، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير، ومعنى الأيمن: أنه كان ذلك الجانب ~~عن يمين موسى، فإن الشجرة كانت في ذلك الجانب والنداء وقع منها، وليس ~~المراد يمين الجبل نفسه. # فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال. وقيل معنى الأيمن الميمون، ومعنى ~~النداء أنه تمثل له الكلام من ذلك الجانب (وقربناه نجيا) أي أدنيناه بتقريب ~~المنزلة حتى كلمناه، والنجي بمعنى المناجى كالجليس والنديم، فالتقريب هنا ~~هو تقريب التشريف والإكرام، مثلت حاله بحال من قربه الملك لمناجاته. قال ~~الزجاج: قربه منه في المنزلة حتى سمع مناجاته. وقيل إن الله سبحانه رفعه ~~حتى سمع صريف القلم. روى هذا عن بعض السلف (ووهبنا له من رحمتنا) أي من ~~نعمتنا، وقيل من أجل رحمتنا، و (هارون) عطف بيان، و (نبيا) حال منه، وذلك ~~حين سأل ربه قال - واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي - ووصف الله سبحانه ~~إسماعيل بصدق الوعد مع كونه جميع الأنبياء كذلك، لأنه كان مشهورا بذلك ~~مبالغا فيه، وناهيك بأنه وعد الصبر من ms2387 نفسه على الذبح فوفى بذلك، وكان ~~ينتظر لمن وعده بوعد الأيام والليالي، حتى قيل إنه انتظر لبعض من وعده ~~حولا. والمراد بإسماعيل هنا هو إسماعيل بن إبراهيم، ولم يخالف في ذلك إلا ~~من لا يعتد به فقال: هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة ~~رأسه، فخيره الله فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضى بثوابه، وقد استدل ~~بقوله تعالى في إسماعيل (وكان رسولا نبيا) على أن الرسول لا يجب أن يكون ~~صاحب شريعة فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته، وقيل إنه وصفه بالرسالة ~~لكون إبراهيم أرسله إلى جرهم (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة) قيل المراد ~~بأهله هنا أمته، وقيل جرهم، وقيل عشيرته كما في قوله - وأنذر عشيرتك ~~الأقربين - والمراد بالصلاة والزكاة هنا، هما العبادتان الشرعيتان، ويجوز ~~أن يراد معناهما اللغوي (وكان عند ربه مرضيا) أي رضيا زاكيا صالحا. قال ~~الكسائي والفراء: من قال مرضي بني على رضيت، قالا: وأهل الحجاز يقولون مرضو ~~(واذكر في الكتاب إدريس) اسم إدريس أخنوخ، قيل هو جد نوح، فإن نوحا هو ابن ~~لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وعلى هذا فيكون جد أبي نوح ذكره الثعلبي وغيره، ~~وقد قيل إن هذا خطأ، وامتناع إدريس للعجمة والعلمية. وهو أول من خط بالقلم ~~ونظر في النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب. قيل وهو أول من أعطى النبوة ~~من بني آدم. وقد اختلف في معنى قوله (ورفعناه مكانا عليا) فقيل إن الله ~~رفعه إلى السماء الرابعة، وقيل إلى السادسة، وقيل إلى الثانية. وقد روى ~~البخاري في صحيحه من حديث الإسراء وفيه: ومنهم إدريس في الثانية، وهو غلط ~~من رواية شريك PageV03P338 # ابن عبد الله بن أبي نمر، والصحيح أنه في السماء الرابعة كما رواه مسلم ~~في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل إن ~~المراد برفعه مكانا عليا: ما أعطيه من شرف النبوة، وقيل إنه رفع إلى الجنة ~~(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين) الإشارة إلى المذكورين من أول ~~السورة ms2388 إلى هنا، والموصول صفته، ومن النبيين بيان للموصول، و (من ذرية آدم) ~~بدل منه بإعادة الخافض، وقيل إن من في من ذرية آدم للتبعيض (وممن حملنا مع ~~نوح) أي من ذرية من حملنا معه وهم من عدا إدريس، فإن إبراهيم كان من ذرية ~~سام بن نوح (ومن ذرية إبراهيم) وهم الباقون (وإسرائيل) أي ومن ذرية ~~إسرائيل، ومنهم موسى وهارون ويحيى وعيسى، وقيل إنه أراد بقوله (من ذرية ~~آدم) إدريس وحده، وأراد بقوله (وممن حملنا مع نوح) إبراهيم وحده، وأراد ~~بقوله (ومن ذرية إبراهيم) إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وأراد بقوله (ومن ذرية ~~إسرائيل) موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى (وممن هدينا) أي من جملة من هدينا ~~إلى الإسلام (واجتبينا) بالإيمان (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا ~~وبكيا) وهذا خبر لأولئك، ويجوز أن يكون الخبر هو الذين أنعم الله عليهم. ~~وهذا استئناف لبيان خشوعهم لله وخشيتهم منه. وقد تقدم في سبحان بيان معنى ~~خروا سجدا: يقال بكى يبكي بكاء وبكيا. قال الخليل: إذا قصرت البكاء فهو مثل ~~الحزن: أي ليس معه صوت، ومنه قول الشاعر: # بكت عيني وحق لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل وسجدا منصوب على ~~الحال. قال الزجاج: قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله ~~بكوا وسجدوا، وقد استدل بهذه الآية على مشروعية سجود التلاوة، ولما مدح ~~هؤلاء الأنبياء بهذه الأوصاف ترغيبا لغيرهم في الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم ~~ذكر أضدادهم تنفيرا للناس عن طريقتهم فقال (فخلف من بعدهم خلف) أي عقب سوء. # قال أهل اللغة: يقال لعقب الخير خلف بفتح اللام، ولعقب الشر خلف بسكون ~~اللام، وقد قدمنا الكلام على هذا في آخر الأعراف (أضاعوا الصلاة) قال ~~الأكثر: معنى ذلك أنهم أخروها عن وقتها، وقيل أضاعوا الوقت وقيل كفروا بها ~~وجحدوا وجوبها، وقيل لم يأتوا بها على الوجه المشروع. والظاهر أن من أخر ~~الصلاة عن وقتها أو ترك فرضا من فروضها أو شرطا من شروطها أو ركنا من ~~أركانها فقد أضاعها، ويدخل تحت الإضاعة من تركها بالمرة ms2389 أو جحدها دخولا ~~أوليا. # واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟ فقيل في اليهود، وقيل في النصارى، وقيل في ~~قوم من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأتون في آخر الزمان، ومعنى ~~(واتبعوا الشهوات) أي فعلوا ما تشتهيه أنفسهم وترغب إليه من المحرمات كشرب ~~الخمر والزنا (فسوف يلقون غيا) الغي هو الشر عند أهل اللغة كما أن الخير هو ~~الرشاد. والمعنى: # أنهم سيلقون شرا لا خيرا، وقيل الغي الضلال، وقيل الخيبة، وقيل هو اسم ~~واد في جهنم، وقيل في الكلام حذف، والتقدير: سيلقون جزاء الغي كذا قال ~~الزجاج، ومثله قوله سبحانه - يلق أثاما - أي جزاء أثام (إلا من تاب وآمن ~~وعمل صالحا) أي تاب مما فرط منه من تضييع الصلوات واتباع الشهوات فرجع إلى ~~طاعة الله وآمن به وعمل عملا صالحا، وفى هذا الاستثناء دليل على أن الآية ~~في الكفرة لا في المسلمين (فأولئك يدخلون الجنة) قرأ أبو جعفر وشيبة وابن ~~كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر " يدخلون " بضم الياء وفتح ~~الخاء، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الخاء (ولا يظلمون شيئا) أي لا ينقص من ~~أجورهم شئ وإن كان قليلا، فإن الله سبحانه يوفي إليهم أجورهم، وانتصاب ~~(جنات عدن) على البدل من الجنة، بدل البعض لكون جنات عدن بعض من الجنة: قال ~~الزجاج: ويجوز جنات عدن بالرفع على الابتداء، وقرئ كذلك. قال أبو حاتم: ~~ولولا الخط لكان PageV03P339 # جنة عدن: يعني بالإفراد مكان الجمع وليس هذا بشئ، فإن الجنة اسم لمجموع ~~الجنات التي هي بمنزلة الأنواع للجنس. وقرئ بنصب الجنات على المدح، وقد قرئ ~~جنة بالإفراد (التي وعد الرحمن عباده بالغيب) هذه الجملة صفة لجنات عدن، ~~وبالغيب في محل نصب على الحال من الجنات، أو من عباده: أي متلبسة، أو ~~متلبسين بالغيب، وقرئ بصرف عدن، ومنعها على أنها علم لمعنى العدن وهو ~~الإقامة، أو علم لأرض الجنة (إنه كان وعده مأتيا) أي موعوده على العموم، ~~فتدخل فيه الجنات دخولا أوليا. قال الفراء: لم يقل آتيا، لأن كل ما أتاك ~~فقد ms2390 أتيته، وكذا قال الزجاج (لا يسمعون فيها لغوا) هو الهذر من الكلام الذي ~~يلغى ولا طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو منهم، وقيل اللغو كل ما ~~لم يكن فيه ذكر الله (إلا سلاما) هو استثناء منقطع: أي سلام بعضهم على بعض، ~~أو سلام الملائكة عليهم. وقال الزجاج: السلام اسم جامع للخير، لأنه يتضمن ~~السلامة، والمعنى: أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤلمهم وإنما يسمعون ما ~~يسلمهم (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) قال المفسرون ليس في الجنة بكرة ولا ~~عشية، ولكنهم يؤتون رزقهم على مقدار ما يعرفون من الغداء والعشاء (تلك ~~الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) أي هذه الجنة التي وصفنا أحوالها ~~نورثها من كان من أهل التقوى كما يبقى على الوارث مال موروثه. قرأ يعقوب " ~~نورث " بفتح الواو وتشديد الراء، وقرأ الباقون بالتخفيف، وقيل في الكلام ~~تقديم وتأخير، والتقدير: نورث من كان تقيا من عبادنا. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وكان ~~رسولا نبيا) قال: النبي الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل، ولفظ ابن أبي حاتم ~~" الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم ولا يرسل إلى أحد. والرسل: ~~الأنبياء الذين يوحى إليهم ويرسلون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن قتادة في قوله (جانب الطور الأيمن) قال: جانب الجبل الأيمن ~~(وقربناه نجيا) قال: نجا بصدقه. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: ~~قربه حتى سمع صريف القلم، وروى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ~~الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في الآية قال: # حتى سمع صريف القلم يكتب في اللوح. وأخرجه الديلمي عنه مرفوعا. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون) ~~قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن إنما وهب له نبوته. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في ms2391 قوله (ورفعناه مكانا عليا) قال: كان إدريس خياطا، وكان لا ~~يغرز غرزة إلا قال سبحان الله، وكان يمسي حين يمسي وليس على الأرض أفضل ~~عملا منه، فاستأذن ملك من الملائكة ربه فقال: يا رب ائذن لي فأهبط إلى ~~إدريس، فأذن له فأتى إدريس فقال: إني جئتك لأخدمك، قال: # كيف تخدمني وأنت ملك وأنا إنسان؟ ثم قال إدريس: هل بينك وبين ملك الموت ~~شئ؟ قال الملك: ذاك أخي من الملائكة، قال: هل تستطيع أن تنفعني؟ قال: أما ~~يؤخر شيئا أو يقدمه فلا، ولكن سأكلمه لك فيرفق بك عند الموت، فقال: اركب ~~بين جناحي، فركب إدريس فصعد إلى السماء العليا فلقي ملك الموت وإدريس بين ~~جناحيه، فقال له الملك: إن لي إليك حاجة، قال: علمت حاجتك تكلمني في إدريس، ~~وقد محى اسمه من الصحيفة فلم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين ~~جناحي الملك. وأخرج ابن أبي شيبة في المصاحف وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: سألت كعبا فذكر نحوه، فهذا هو من الإسرائيليات التي يرويها كعب. # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال " رفع إدريس إلى السماء ~~السادسة ". وأخرج الترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه قال: حدثنا أنس بن ~~مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لما عرج بي رأيت PageV03P340 # إدريس في السماء الرابعة ". وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا ~~نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في الآية قال: رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن مسعود قال: إدريس هو إلياس. وحسنه السيوطي. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~السدي في قوله (أولئك الذين أنعم الله عليهم) إلى آخره، قال: هذه تسمية ~~الأنبياء الذين ذكرهم، أما من ذرية آدم: فإدريس ونوح، وأما من حمل مع نوح ~~فإبراهيم، وأما ذرية إبراهيم: فإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وأما ذرية ~~إسرائيل: # فموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن ms2392 السدي في ~~قوله (فخلف من بعدهم خلف) قال: هم اليهود والنصارى. وأخرج عبد بن حميد عن ~~مجاهد في الآية قال: هم من هذه الأمة يتراكبون في الطرق كما تراكب الأنعام ~~لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء. وأخرج عبد بن حميد عن ~~ابن مسعود في قوله (أضاعوا الصلاة) قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان ~~الشئ ولا يتركه، ولكن إضاعتها: إذا لم يصلها لوقتها. وأخرج أحمد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~الشعب عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتلا هذه ~~الآية (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات) الآية قال: يكون ~~خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا (الشهوات (فسوف يلقون غيا) ثم ~~يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ~~ومنافق، وفاجر. وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول " سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللبن، قلت: ~~يا رسول الله ما أهل الكتاب؟ قال: قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين ~~آمنوا: قلت: ما أهل اللبن؟ قال: قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات ". # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة أنها كانت ترسل ~~بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: # لا تعطوا منها بربريا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: هم " الخلف الذين قال الله (فخلف من بعدهم خلف) " وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فسوف يلقون غيا) قال: # خسرا. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق عن ~~ابن مسعود في قوله (فسوف يلقون غيا) قال: الغي نهر، أو واد في جهنم من قيح ~~بعيد القعر خبيث الطعم، يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات. وقد قال بأنه واد ~~في جهنم البراء ابن ms2393 عازب. وروى ذلك عنه ابن المنذر والطبراني. وأخرج ابن ~~جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " لو أن صخرة زنة عشر عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ~~ما بلغت قعرها سبعين خريفا، ثم تنتهي إلى غي وأثام، قلت وما غي وأثام؟ قال: ~~نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في ~~كتابه (فسوف يلقون غيا) ومن يفعل ذلك يلق أثاما ". وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الغي واد في جهنم ". وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (لا يسمعون فيها لغوا) قال: باطلا. ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله (بكرة وعشيا) قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في ~~الدنيا. # وأخرج الحكيم والترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة ~~قالا: قال رجل يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على هذا؟ ~~قال: سمعت الله يذكر في الكتاب (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) PageV03P341 # فقلت: الليل من البكرة والعشي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ليس هناك دليل، وإنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على ~~الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها ~~في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة ~~غدوات، إلى أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين وأدناهن التي ~~خلقت من الزعفران " قال بعد إخراجه قال أبو محمد: هذا حديث منكر. # سورة مريم الآية (64 - 72) قوله (وما نتنزل) أي قال الله سبحانه: قل يا ~~جبريل وما نتنزل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استبطأ نزول ~~جبريل ms2394 عليه، فأمر جبريل أن يخبره بأن الملائكة ما تتنزل عليه إلا بأمر ~~الله. قيل احتبس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين يوما، ~~وقيل خمسة عشر، وقيل اثنى عشر، وقيل ثلاثة أيام، وقيل إن هذا حكاية عن أهل ~~الجنة، وأنهم يقولون عند دخولها: وما نتنزل هذه الجنان (إلا بأمر ربك) ~~والأول أولى بدلالة ما قبله، ومعناه يحتمل وجهين: الأول ما نتنزل عليك إلا ~~بأمر ربك لنا بالتنزيل. والثاني وما نتنزل عليك إلا بأمر ربك الذي يأمرك به ~~بما شرعه لك ولأمتك، والتنزل: النزول على مهل، وقد يطلق على مطلق النزول. ~~ثم أكد جبريل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال (له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) أي من الجهات والأماكن، أو من الأزمنة ~~الماضية والمستقبلة، وما بينهما من الزمان أو المكان الذي نحن فيه، فلا ~~نقدر على أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ~~ومشيئته، وقيل المعنى: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ~~وما بين ذلك، وهو ما بين النفختين، وقيل الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، ~~والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض، وقيل ما مضى من أعمارنا وما ~~غبر منها والحالة التي نحن فيها. وعلى هذه الأقوال كلها يكون المعنى: أن ~~الله سبحانه هو المحيط بكل شئ لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ~~ذرة، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه، وقال: ما بين ذلك، ولم يقل وما بين ذينك ~~لأن المراد: وما بين ما ذكرنا كما في قوله سبحانه - عوان بين ذلك - (وما ~~كان ربك نسيا) أي لم ينسك وإن تأخر عنك الوحي، وقيل المعنى: إنه عالم بجميع ~~الأشياء لا ينسى منها شيئا: وقيل المعنى: وما كان ربك ينسى الإرسال إليك ~~عند الوقت PageV03P342 # الذي يرسل فيه رسله (رب السماوات والأرض وما بينهما) أي خالقهما وخالق ما ~~بينهما، ومالكهما ومالك ما بينهما، ومن كان هكذا ms2395 فالنسيان محال عليه. ثم ~~أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بعبادته والصبر عليها فقال (فاعبده ~~واصطبر لعبادته) والفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعيد، ~~وعدي فعل الصبر باللام دون على التي يتعدى بها لتضمنه معنى الثبات (هل تعلم ~~له سميا) الاستفهام للإنكار. والمعنى: أنه ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه ~~في العبادة، فيلزم من ذلك أن تكون غير خالصة له سبحانه، فلما انتفى المشارك ~~استحق الله سبحانه أن يفرد بالعبادة وتخلص له، هذا مبنى على أن المراد ~~بالسمى هو الشريك في المسمى، وقيل المراد به: # الشريك في الاسم كما هو الظاهر من لغة العرب، فقيل المعنى: إنه لم يسم شئ ~~من الأصنام ولا غيرها بالله قط، يعنى بعد دخول الألف واللام التي عوضت عن ~~الهمزة ولزمت، وقيل المراد هل تعلم أحدا اسمه الرحمن غيره. قال الزجاج: ~~تأويله والله أعلم: هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما ~~كان وبما يكون، وعلى هذا لا سمى لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمى بشئ ~~من أسمائه، فلله سبحانه حقيقة ذلك الوصف، والمراد بنفي العلم المستفاد من ~~الإنكار هنا نفى المعلوم على أبلغ وجه وأكمله (ويقول الإنسان أئذا ما مت ~~لسوف أخرج حيا) قرأ الجمهور على الاستفهام، وقرأ ابن ذكوان إذا ما مت على ~~الخبر، والمراد بالإنسان ها هنا الكافر، لأن هذا الاستفهام هنا للإنكار ~~والاستهزاء والتكذيب بالبعث، وقيل اللام في الإنسان للجنس بأسره وإن لم يقل ~~هذه المقالة إلا البعض، وهم الكفرة فقد يسند إلى الجماعة ما قام بواحد ~~منهم، والمراد بقوله أخرج: أي من القبر، والعامل في الظرف فعل دل عليه ~~أخرج، لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه ~~من قبل ولم يك شيئا) الهمزة للإنكار التوبيخي، والواو لعطف الجملة التي ~~بعدها على الجملة التي قبلها، والمراد بالذكر هنا إعمال الفكر: أي ألا ~~يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه فيستدل بالابتداء على الإعادة، والابتداء ms2396 ~~أعجب وأغرب من الإعادة، لأن النشأة الأولى هي إخراج لهذه المخلوقات من ~~العدم إلى الوجود ابتداعا واختراعا، لم يتقدم عليه ما يكون كالمثال له، ~~وأما النشأة الآخرة فقد تقدم عليها النشأة الأولى فكانت كالمثال لها، ومعنى ~~" من قبل " قبل الحالة التي هو عليها الآن، وجملة " ولم يك شيئا " في محل ~~نصب على الحال: أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئا من الأشياء أصلا، فإعادته ~~بعد أن كان شيئا موجودا أسهل وأيسر. قرأ أهل مكة وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل ~~الكوفة إلا عاصما " أو لا يذكر " بالتشديد، وأصله يتذكر. وقرأ شيبة ونافع ~~وعاصم وابن عامر " يذكر " بالتخفيف، وفى قراءة أبى " أو لا يتذكر ". ثم لما ~~جاء سبحانه وتعالى بهذه الحجة التي أجمع العقلاء على أنه لم يكن في حجج ~~البعث حجة أقوى منها، أكدها بالقسم باسمه سبحانه مضافا إلى رسوله تشريفا له ~~وتعظيما، فقال (فوربك لنحشرنهم) ومعنى لنحشرنهم: لنسوقنهم إلى المحشر بعد ~~إخراجهم من قبورهم أحياء كما كانوا، والواو في قوله (والشياطين) للعطف على ~~المنصوب، أو بمعنى مع. والمعنى: أن هؤلاء الجاحدين يحشرهم الله مع شياطينهم ~~الذين أغووهم وأضلوهم، وهذا ظاهر على جعل اللام في الإنسان للعهد، وهو ~~الإنسان الكافر، وأما على جعلها للجنس فكونه قد وجد في الجنس من يحشر مع ~~شيطانه (ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا) الجثى جمع جاث، من قولهم جثا على ~~ركبتيه يجثو جثوا، وهو منتصب على الحال: أي جاثين على ركبهم لما يصيبهم من ~~هول الموقف وروعة الحساب، أو لكون الجثى على الركب شأن أهل الموقف كما في ~~قوله سبحانه - وترى كل أمة جاثية -، وقيل المراد بقوله جثيا جماعات، وأصله ~~جمع جثوة، والجثوة هي المجموع من التراب أو الحجارة. PageV03P343 # أرى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفيح منضد (ثم لننزعن من كل ~~شيعة) الشيعة الفرقة التي تبعت دينا من الأديان، وخصص ذلك الزمخشري فقال: ~~هي الطائفة التي شاعت: أي تبعت غاويا من الغواة قال الله تعالى - إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا -. ومعنى (أيهم أشد ms2397 على الرحمن عتيا) من كان أعصى ~~لله وأعتى فإنه ينزع من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم، ~~فإذا اجتمعوا طرحهم في جهنم. والعتي ها هنا مصدر كالعتو، وهو التمرد في ~~العصيان. وقيل المعنى: # لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساهم في الشر. وقد اتفق القراء على قراءة ~~أيهم بالضم إلا هارون الغازي فإنه قرأها بالفتح. وقال الزجاج: في رفع أيهم ~~ثلاثة أقوال: الأول قول الخليل بن أحمد إنه مرفوع على الحكاية. # والمعنى: ثم لننزعن من كل شيعة الذين يقال لهم أيهم أشد، وأنشد الخليل في ~~ذلك قول الشاعر: # وقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم أي فأبيت بمنزلة الذي ~~يقال له هو لا حرج ولا محروم. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق يعنى الزجاج ~~يختار هذا القول ويستحسنه. القول الثاني قول يونس: وهو أن لننزعن بمنزلة ~~الأفعال التي تلغى وتعلق، فهذا الفعل عنده معلق عن العمل في أي، وخصص ~~الخليل وسيبويه وغيرهما التعليق بأفعال الشك ونحوها مما لم يتحقق وقوعه. # القول الثالث قول سيبويه، إن أيهم ها هنا مبنى على الضم، لأنه خالف ~~أخواته في الحذف، وقد غلط سيبويه في قوله هذا جمهور النحويين حتى قال ~~الزجاج: ما تبين لي أن سيبويه غلط في كتابه إلا في موضعين هذا أحدهما، ~~وللنحويين في إعراب أيهم هذه في هذا الموضع كلام طويل (ثم لنحن أعلم بالذين ~~هم أولى بها صليا) يقال صلى يصلي صليا مثل مضى الشئ يمضي مضيا، قال ~~الجوهري: يقال صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته ~~إلقاء كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف وصليته تصلية ومنه - ويصلى ~~سعيرا - ومن خفف فهو من قولهم: صلى فلان النار بالكسر يصلى صليا احترق، قال ~~الله تعال (الذين هم أولى بها صليا) قال العجاج: * والله لولا النار أن ~~تصلاها * ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين هم أشد على الرحمن عتيا هم أولى ~~بصليها أو صليهم أولى بالنار (وإن منكم إلا واردها) الخطاب للناس من غير ~~التفات، أو ms2398 للإنسان المذكور، فيكون التفاتا: أي ما منكم من أحد إلا واردها: ~~أي واصلها. # وقد اختلف الناس في هذا الورود، فقيل الورود الدخول ويكون على المؤمنين ~~بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم. وقالت فرقة: الورود هو المرور على ~~الصراط، وقيل ليس الورود الدخول إنما هو كما يقول وردت البصرة ولم أدخلها، ~~وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود، وحمله على ظاهره لقوله ~~تعالى - إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون - قالوا: فلا يدخل ~~النار من ضمن الله أن يبعده عنها، ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول ~~قوله تعالى - ولما ورد ماء مدين - فإن المراد أشرف عليه لا أنه دخل فيه، ~~ومنه قول زهير فلما وردن الماء زرقا حمامة * وضعن عصى الحاضر المتخيم ولا ~~يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط. أو الورود على جهنم وهى ~~خامدة فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة، فينبغي حمل هذه الآية على ذلك، ~~لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من المؤمنين ~~مبعدا من عذابهما، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها، وهو الصراط ~~(كان على ربك حتما مقضيا) أي كان ورودهم المذكور أمرا محتوما قد قضى سبحانه ~~أنه لا بد من وقوعه لا محالة، PageV03P344 # قد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن العقاب واجب على الله، وعند ~~الأشاعرة أن هذا مشبه بالواجب من جهة استحالة تطرق الخلف إليه (ثم ننجي ~~الذين اتقوا) أي اتقوا ما يوجب النار، وهو الكفر بالله ومعاصيه، وترك ما ~~شرعه، وأوجب العمل به. قرأ عاصم الجحدري ومعاوية بن قرة " ننجي " بالتخفيف ~~من أنجى، وبها قرأ حميد ويعقوب والكسائي، وقرأ الباقون بالتشديد، وقرأ ابن ~~أبي ليلى (ثم نذر) بفتح الثاء من ثم، والمراد بالظالمين الذين ظلموا أنفسهم ~~بفعل ما يوجب النار، أو ظلموا غيرهم بمظلمة في النفس أو المال أو العرض، ~~والجثى جمع جاث، وقد تقدم قريبا تفسير الجثى وإعرابه. # وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: ms2399 قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لجبريل " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت (وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك) إلى آخر الآية " وزاد ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، ~~وكان ذلك الجواب لمحمد. وأخرج ابن مردويه من حديث أنس قال " سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أي البقاع أحب إلى الله، وأيها أبغض إلى الله؟ ~~قال: ما أدري حتى أسأل، فنزل جبريل، وكان قد أبطأ عليه، فقال: لقد أبطأت ~~علي حتى ظننت أن بربي على موجدة، فقال: وما نتنزل إلا بأمر ربك ". # وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: " أبطأ جبريل على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أربعين يوما ثم نزل، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ما نزلت حتى اشتقت إليك، فقال له جبريل: أنا كنت إليك أشوق، ~~ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبريل أن قل له (وما نتنزل إلا بأمر ربك) " ~~وهو مرسل. وأخرج سعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد قال: أبطأت الرسل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أتاه ~~جبريل فقال: " له ما حبسك عنى؟ قال: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ~~ولا تنقون براجمكم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون؟ وقرأ (وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك) " وهو مرسل أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (له ما بين ~~أيدينا) قال من أمر الآخرة (وما خلفنا) قال: من أمر الدنيا (وما بين ذلك) ~~قال: ما بين الدنيا والآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة (وما بين ذلك) ~~قال: ما بين النفختين. وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية مثله. وأخرج البزار ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي والحاكم وصححه ~~عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم ~~فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ~~لينسى شيئا. ثم ms2400 تلا (وما كان ربك نسيا) وأخرج ابن مردويه من حديث جابر ~~مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن عباس في قوله (هل تعلم له سميا) قال: هل تعرف للرب شبها أو ~~مثلا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم و صححه ~~والبيهقي في الشعب عنه (هل تعلم سميا)؟ قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره، ~~وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: يا محمد هل تعلم لإلاهك من ولد؟ ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (ويقول الإنسان) قال: العاص بن وائل، ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (جثيا) قال: قعودا، وفى قوله ~~(عتيا) قال: معصية. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (عتيا) قال: عصيا. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (ثم لننزعن) قال: لننزعن من أهل كل دين ~~قادتهم ورؤوسهم في الشر. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن ~~مسعود قال: نحشر الأول على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعا، ثم ~~بدأ بالأكابر فالأكابر جرما، ثم قرأ (فوربك لنحشرنهم) إلى قوله (عتيا). ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها ~~صليا) قال: يقول إنهم أولى بالخلود في جهنم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ~~والحكيم والترمذي وابن المنذر PageV03P345 # وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سمية قال: ~~اختلفنا في الورود، فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا يدخلونها جميعا ~~(ثم ننجي الذين اتقوا) فلقيت جابر بن عبد الله فذكرت له، فقال وأهوى بأصبعه ~~إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " ~~لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على ~~إبراهيم حتى إن للنار ضجيجا من بردها (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا) ". وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن ms2401 ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال: خاصم نافع بن ~~الأزرق ابن عباس، فقال ابن عباس: الورود الدخول، وقال نافع لا، فقرأ ابن ~~عباس - إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون - وقال: ~~وردوا أم لا؟ # وقرأ - يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار - أوردوا أم لا؟ أما أنا ~~وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا؟. # وأخرج الحاكم عن ابن مسعود في قوله (وإن منكم إلا واردها) قال: وإن منكم ~~إلا داخلها. وأخرج هناد والطبراني عنه في الآية قال: ورودها الصراط. وأخرج ~~أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي وابن ~~الأنباري وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله (وإن منكم إلا واردها) قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ليرد الناس كلهم النار، ثم يصدرون ~~عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب ~~في رحله، ثم كشد الرحل، ثم كمشيه " وقد روى نحو هذا من حديث ابن مسعود من ~~طرق. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " وإن منكم إلا واردها " يقول مجتاز فيها. وأخرج مسلم وغيره عن أم ~~مبشر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يدخل النار أحدا ~~شهد بدرا والحديبية، قالت حفصة: أليس الله يقول (وإن منكم إلا واردها) ~~قالت: ألم تسمعيه يقول (ثم ننجي الذين اتقوا) " وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يموت لمسلم ثلاثة ~~من الولد فليج النار إلا تحله القسم " ثم قرأ سفيان (وإن منكم إلا واردها). # وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن معاذ ~~بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قال: من حرس من وراء ~~المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة ~~القسم، فإن الله يقول (وإن منكم إلا واردها) " والأحاديث في تفسير ms2402 هذه ~~الآية كثيرة جدا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله (حتما مقضيا) قال: قضاء من الله. وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن ~~عكرمة حتما مقضيا قال: قسما واجبا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(ونذر الظالمين فيها جثيا) قال: باقين فيها. # سورة مريم الآية (73 - 75) PageV03P346 # سورة مريم الآية (76 - 80) الضمير في (عليهم) راجع إلى الكفار الذين سبق ~~ذكرهم في قوله: (أئذا ما مت لسوف أخرج حيا) أي هؤلاء إذا قرئ عليهم القرآن ~~تعذروا بالدنيا، وقالوا: لو كنتم على حق وكنا على الباطل لكان حالكم في ~~الدنيا أطيب من حالنا، ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين ~~أولياءه ويعز أعداءه، ومعنى البينات الواضحات التي لا تلتبس معانيها، وقيل ~~ظاهرات الإعجاز، وقيل إنها حجج وبراهين، والأول أولى. وهى حال مؤكدة لأن ~~آيات الله لا تكون إلا واضحة، ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله (قال الذين ~~كفروا) للإشعار بأن كفرهم هو السبب لصدور هذا القول عنهم، وقيل المراد ~~بالذين كفروا هنا هم المتمردون المصرون منهم، ومعنى قالوا (للذين آمنوا) ~~قالوا لأجلهم، وقيل هذه اللام هي لام التبليغ كما في قوله - وقال لهم نبيهم ~~- أي خاطبوهم بذلك وبلغوا القول إليهم (أي الفريقين خير مقاما) المراد ~~بالفريقين المؤمنون والكافرون، كأنهم قالوا أفريقنا خير أم فريقكم، قرأ ابن ~~كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد مقاما بضم الميم وهو موضع الإقامة، ~~ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الإقامة، وقرأ الباقون بالفتح: أي منزلا ومسكنا ~~وقيل المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة والمعنى: أي الفريقين ~~أكبر جاها وأكثر أنصارا وأعوانا، والندى والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم، ~~ومنه قوله تعالى - تأتون في ناديكم المنكر - وناداه جالسه في النادي، ومنه ~~دار الندوة، لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم، ومنه أيضا قول ~~الشاعر: * أنادى به آل الوليد وجعفرا * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) القرن ~~الأمة والجماعة (هم أحسن أثاثا ورئيا) الأثاث المال أجمع: الإبل والغنم ~~والبقر ms2403 والعبيد والمتاع، وقيل هو متاع البيت خاصة، وقيل هو الجديد من ~~الفرش، وقيل اللباس خاصة. واختلفت القراءات في " ورئيا " فقرأ أهل المدينة ~~وابن ذكوان " وريا " بياء مشددة، وفى ذلك وجهان: أحدهما أن يكون من رأيت ثم ~~خففت الهمزة فأبدل منها ياء وأدغمت الياء في الياء، والمعنى على هذه ~~القراءة: هم أحسن منظرا وبه قول جمهور المفسرين، وحسن المنظر يكون من جهة ~~حسن اللباس، أو حسن الأبدان وتنعمها، أو مجموع الأمرين. وقرأ أهل الكوفة ~~وأبو عمرو وابن كثير " ورئيا " بالهمز، وحكاها ورش عن نافع وهشام عن ابن ~~عامر، ومعناها معنى القراءة الأولى. قال الجوهري: من همز جعله من المنظر من ~~رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنه وكسوة ظاهرة، وأنشد أبو عبيدة لمحمد ~~بن نمير الثقفي: # أشاقتك الظعائن يوم بانوا * بذى الرأي الجميل من الأثاث ومن لم يهمز: إما ~~أن يكون من تخفيف الهمزة، أو يكون من رويت ألوانهم أو جلودهم ريا: أي ~~امتلأت وحسنت. وقد ذكر الزجاج معنى هذا كما حكاه عنه الواحدي. وحكى يعقوب ~~أن طلحة بن مصرف قرأ بياء واحدة خفيفة، فقيل إن هذه القراءة غلط، ووجهها ~~بعض النحويين أنه كان أصلها الهمزة فقلبت ياء ثم حذفت إحدى اليائين، وروى ~~عن ابن عباس أنه قرأ بالزاي مكان الراء وروى مثل ذلك عن أبي بن كعب وسعيد ~~بن جبير والأعصم المكي واليزيدي، والزي الهيئة والحسن. قيل ويجوز أن يكون ~~من زويت: أي جمعت، فيكون PageV03P347 # أصلها زويا فقلبت الواو ياء، والزي محاسن مجموعة (قل من كان في الضلالة) ~~أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب على هؤلاء ~~المفتخرين بحظوظهم الدنيوية: أي من كان مستقرا في الضلالة (فليمدد له ~~الرحمن مدا) هذا وإن كان على صيغة الأمر، فالمراد به الخبر، وإنما خرج مخرج ~~الأمر لبيان الإمهال منه سبحانه للعصاة، وأن ذلك كائن لا محالة لتنقطع ~~معاذير أهل الضلال، ويقال لهم يوم القيامة - أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من ~~تذكر - أو للاستدراج كقوله سبحانه - إنما نملي ms2404 لهم ليزدادوا إثما - وقيل ~~المراد بالآية الدعاء بالمد والتنفيس. قال الزجاج: تأويله أن الله جعل جزاء ~~ضلالته أن يتركه ويمده فيها، لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر كأن المتكلم ~~يقول أفعل ذلك وآمر به نفسي (حتى إذا رأوا ما يوعدون) يعني الذين مد لهم في ~~الضلالة، وجاء بضمير الجماعة اعتبارا بمعنى من، كما أن قوله " كان في ~~الضلالة فليمدد له " اعتبار بلفظها، وهذه غاية للمد، لا لقول المفتخرين إذ ~~ليس فيه امتداد (إما العذاب وإما الساعة) هذا تفصيل لقوله ما يوعدون: أي ~~هذا الذي توعدون هو أحد أمرين إما العذاب في الدنيا بالقتل والأسر، وإما ~~يوم القيامة وما يحل بهم حينئذ من العذاب الأخروي (فسيعلمون من هو شر مكانا ~~وأضعف جندا) هذا جواب الشرط، وهو جواب على المفتخرين: أي هؤلاء القائلون: ~~أي الفريقين خير مقاما، إذا عاينوا ما يوعدون به من العذاب الدنيوي بأيدي ~~المؤمنين، أو الأخروي، فسيعلمون عند ذلك من هو شر مكانا من الفريقين، وأضعف ~~جندا منهما: أي أنصارا وأعوانا. والمعنى: أنهم سيعلمون عند ذلك أنهم شر ~~مكانا لا خير مكانا، وأضعف جندا لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين، وليس ~~المراد أن للمفتخرين هنالك جندا ضعفاء، بل لا جند لهم أصلا كما في قوله ~~سبحانه - ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا -. ثم لما ~~أخبر سبحانه عن حال أهل الضلالة، أراد أن يبين حال أهل الهداية فقال (ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى) وذلك أن بعض الهدى يجر إلى البعض الآخر، والخير ~~يدعو إلى الخير، وقيل المراد بالزيادة العبادة من المؤمنين، والواو في " ~~ويزيد " للاستئناف، والجملة مستأنفة لبيان حال المهتدين، وقيل الواو للعطف ~~على فليمدد، وقيل للعطف على جملة من كان في الضلالة. قال الزجاج: المعنى أن ~~الله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينا كما جعل جزاء الكافرين أن يمدهم ~~في ضلالتهم (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا) هي الطاعات المؤدية إلى ~~السعادة الأبدية، ومعنى كونها خيرا عند الله ثوابا، أنها أنفع عائدة مما ms2405 ~~يتمتع به الكفار من النعم الدنيوية (وخير مردا) المرد هاهنا مصدر كالرد، ~~والمعنى وخير مردا للثواب على فاعلها ليست كأعمال الكفار التي خسروا فيها، ~~والمرد المرجع والعاقبة والتفضل للتهكم بهم للقطع بأن أعمال الكفار لا خير ~~فيها أصلا. ثم أردف سبحانه مقالة أولئك المفتخرين بأخرى مثلها على سبيل ~~التعجب فقال (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) أي أخبرني بقصة هذا الكافر واذكر ~~حديثه عقب حديث أولئك، وإنما استعملوا أرأيت بمعنى أخبر، لأن رؤية الشئ من ~~أسباب صحة الخبر عنه، والآيات تعم كل آية ومن جملتها آية البعث، والفاء ~~للعطف على مقدر يدل عليه المقام: # أي أنظرت فرأيت، واللام في (لأوتين مالا وولدا) هي الموطئة للقسم، كأنه ~~قال: والله لأوتين في الآخرة مالا وولدا: أي انظر إلى حال هذا الكافر وتعجب ~~من كلامه وتأليه على الله مع كفره به وتكذيبه بآياته. ثم أجاب سبحانه عن ~~قول هذا الكافر بما يدفعه ويبطله، فقال (أطلع) على (الغيب) أي أعلم ما غاب ~~عنه حتى يعلم أنه في الجنة (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) بذلك، فإنه لا يتوصل ~~إلى العلم إلا بإحدى هاتين الطريقتين، وقيل المعنى: انظر في اللوح المحفوظ؟ ~~أم اتخذ عند الرحمن عهدا، وقيل معنى: أم اتخذ عند الرحمن عهدا؟ أم قال لا ~~إله إلا الله فأرحمه بها، وقيل المعنى أم قدم عملا صالحا فهو يرجوه، واطلع ~~مأخوذ من قولهم: اطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه. PageV03P348 # وقرأ حمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش " وولدا " بضم الواو، والباقون ~~بفتحها، فقيل هما لغتان معناهما واحد، يقال ولد وولد كما يقال عدم وعدم، ~~قال الحارث بن حلزة: # ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا وقال آخر: فليت فلانا كان في بطن ~~أمه * وليت فلانا كان ولد حمار وقيل الولد بالضم للجمع وبالفتح للواحد. وقد ~~ذهب الجمهور إلى أن هذا الكافر أراد بقوله: لأوتين مالا وولدا أنه يؤتي ذلك ~~في الدنيا. وقال: جماعة في الجنة، وقيل المعنى: إن أقمت على دين آبائي ~~لأوتين، وقيل المعنى: لو كنت على باطل ms2406 لما أوتيت مالا وولدا (كلا سنكتب ما ~~يقول) كلا حرف ردع وزجر: أي ليس الأمر على ما قال هذا الكافر من أنه يؤتي ~~المال والولد سيكتب ما يقول: أي سنحفظ عليه ما يقوله فنجاز به في الآخرة، ~~أو سنظهر ما يقول، أو سننتقم منه انتقام من كتبت معصيته (ونمد له من العذاب ~~مدا) أي نزيده عذابا فوق عذابه مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال ~~والولد، أو نطول له من العذاب ما يستحقه وهو عذاب من جمع بين الكفر ~~والاستهزاء (ونرثه ما يقول) أي نميته فنرثه ثنا المال والولد الذي يقول إنه ~~يؤتاه. والمعنى: مسمى ما يقول ومصداقه، وقيل المعنى: نحرمه ما تمناه ونعطيه ~~غيره (ويأتينا فردا) أي يوم القيامة لا مال له ولا ولد، بل نسلبه ذلك، فكيف ~~يطمع في أن نؤتيه، وقيل المراد بما يقول نفس القول لا مسماه، والمعنى: إنما ~~يقول هذا القول ما دام حيا، فإذا أمتناه حلنا بينه وبين أن يقوله ويأتينا ~~رافضا له منفردا عنه، والأول أولى. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (أي ~~الفريقين خير مقاما) قال: # قريش تقوله لها ولأصحاب محمد. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (خير مقاما) ~~قال: المنازل (وأحسن نديا) قال: المجالس، وفى قوله (أحسن أثاثا) قال: ~~المتاع والمال (ورئيا) قال: المنظر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (قل من كان في الضلالة فليمدد له ~~الرحمن مدا) فليدعه الله في طغيانه، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن حبيب بن أبي ثابت قال في حرف أبي " قل من كان في الضلالة فإنه ~~يزيده الله ضلالة ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما في قوله (أفرأيت الذي ~~كفر) من حديث خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل ~~دين. فأتيته أتقاضاه فقال: لا ms2407 والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: # والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ~~ولي ثم مال وولد فأعطيك، فأنزل الله فيه هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) قال: لا إله إلا الله يرجو ~~بها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (ونرثه ما يقول) قال ماله ~~وولده. # سورة مريم الآية (81 - 86) PageV03P349 # سورة مريم الآية (87 - 95) حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء الكفار الذين ~~تمنوا ما لا يستحقونه، وتألوا على الله سبحانه من اتخاذهم الآلهة من دون ~~الله لأجل يتعززون بذلك. قال الهروي: معنى (ليكونوا لهم عزا) ليكونوا لهم ~~أعوانا. قال الفراء: معناه ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة، وقيل معناه ~~ليتعززوا بهم من عذاب الله ويمتنعوا بها (كلا سيكفرون بعبادتهم) أي ليس ~~الأمر كما ظنوا وتوهموا، والضمير في الفعل إما للآلهة: أي ستجحد هذه ~~الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها الله سبحانه، لأنها عند أن عبدوها ~~جمادات لا تعقل ذلك، وإما للمشركين: أي سيجحد المشركون أنهم عبدوا الأصنام، ~~ويدل على الوجه الأول قوله تعالى - ما كانوا إيانا يعبدون - وقوله - فألقوا ~~إليهم القول إنكم لكاذبون - ويدل على الوجه الثاني قوله تعالى - والله ربنا ~~ما كنا مشركين - وقرأ ابن أبي نهيك " كلا " بالتنوين، وروى عنه مع ذلك ضم ~~الكاف وفتحها فعلى الضم هي بمعنى جميعا وانتصابها بفعل مضمر كأنه قال: ~~سيكفرون كلا سيكفرون بعبادتهم، وعلى الفتح يكون مصدرا لفعل محذوف تقديره: ~~كل هذا الرأي كلا، وقراءة الجمهور هي الصواب، وهى حرف ردع وزجر (ويكونون ~~عليهم ضدا) أي تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزا لهم ضدا عليهم: أي ضدا للعز ~~وضد العز الذل هذا على الوجه الأول، وأما على الوجه الثاني فيكون المشركون ~~للآلهة ضدا وأعداء يكفرون بها بعد أن كانوا يحبونها ويؤمنون بها (ألم تر ~~انا أرسلنا الشياطين على الكافرين). ذكر الزجاج في معنى هذا وجهين: أحدهما ~~أن معناه خلينا بين الكافرين ms2408 وبين الشياطين فلم نعصمهم منهم ولم نعذهم. ~~بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم إن عبادي ليس لك عليه سلطان - الوجه الثاني ~~أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم قال - ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا - فمعنى الإرسال هاهنا التسليط ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس - ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك - ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية، وهو (تؤزهم ~~أزا) فإن الأز والهز والاستفزاز معناها التحريك والتهييج والإزعاج، فأخبر ~~الله سبحانه أن الشياطين تحرك الكافرين وتهيجهم وتغويهم، وذلك هو التسليط ~~لها عليهم، وقيل معنى الأز الاستعجال، وهو مقارب لما ذكرنا لأن الاستعجال ~~تحريك وتهييج واستفزاز وإزعاج، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من حالهم وللتنبيه له على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين ~~وإغوائهم، وجملة: تؤزهم أزا في محل نصب على الحال، أو مستأنفة على تقدير ~~سؤال يدل عليه المقام، كأنه قيل ماذا تفعل الشياطين بهم؟ (فلا تعجل عليهم) ~~بأن تطلب من الله إهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر وعنادهم للحق وتمردهم عن ~~داعي الله سبحانه، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله (إنما نعد لهم عدا) يعني ~~نعد الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم، وقيل ~~نعد أنفاسهم، وقيل خطواتهم، وقيل لحظاتهم، وقيل الساعات. وقال قطرب: نعد ~~أعمالهم. وقيل المعنى: لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثما. ثم لما ~~قرر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين ~~حينئذ، فقال (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) الظرف منصوب بفعل مقدر: أي ~~أذكر يا محمد يوم الحشر، وقيل PageV03P350 # منصوب بالفعل الذي بعده، ومعنى حشرهم إلى الرحمن: حشرهم إلى جنته ودار ~~كرامته، كقوله - إني ذاهب إلى ربى - والوفد جمع وافد كالركب جمع راكب وصحب ~~جمع صاحب، يقال وفد يفد وفدا إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير كذا قال الجوهري ~~(ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) السوق الحث على السير، والورد العطاش قاله ~~الأخفش وغيره. وقال الفراء وابن الأعرابي: هم المشاة، وقال الأزهري: هم ~~المشاة العطاش كالإبل ms2409 ترد الماء. وقيل وردا: # أي للورد، كقولك جئتك إكراما: أي للإكرام، وقيل أفرادا. قيل ولا تناقض ~~بين هذه الأقوال فهم يساقون مشاة عطاشا أفرادا، وأصل الورد الجماعة التي ~~ترد الماء من طير أو إبل أو قوم أو غير ذلك. والورد الماء الذي يورد، وجملة ~~(لا يملكون الشفاعة) مستأنفة لبيان بعض ما يكون في ذلك اليوم من الأمور، ~~والضمير في يملكون راجع إلى الفريقين، وقيل للمتقين خاصة، وقيل للمجرمين ~~خاصة، والأول أولى. ومعنى لا يملكون الشفاعة: # أنهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم. وقيل لا يملك غيرهم أن يشفع لهم، ~~والأول أولى (إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) هذا الاستثناء متصل على الوجه ~~الأول: أي لا يملك الفريقان المذكوران الشفاعة إلا من استعد لذلك بما يصير ~~به من جملة الشافعين لغيرهم بأن يكون مؤمنا متقيا، فهذا معنى اتخاذ العهد ~~عند الله. وقيل معنى اتخاذ العهد أن الله أمره بذلك كقولهم: عهد الأمير إلى ~~فلان إذا أمره به. وقيل معنى اتخاذ العهد شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل ~~غير ذلك. # وعلى الاتصال في هذا الاستثناء يكون محل من في " من اتخذ " الرفع على ~~البدل، أو النصب على أصل الاستثناء. وأما على الوجه الثاني فالاستثناء ~~منقطع لأن التقدير: لا يملك المجرمون الشفاعة (إلا من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا) وهم المسلمون. وقيل هو متصل على هذا الوجه أيضا، والتقدير: لا يملك ~~المجرمون الشفاعة إلا من كان منهم مسلما (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) قرأ ~~يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " ولدا " بضم الواو وإسكان اللام. ~~وقرأ الباقون في الأربعة المواضع المذكورة في هذه السورة بفتح الواو ~~واللام، وقد قدمنا الفرق بين القراءتين، والجملة مستأنفة لبيان قول اليهود ~~والنصارى ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله، وفى قوله (لقد جئتم ~~شيئا إدا) التفات من الغيبة إلى الخطاب، وفيه رد لهذه المقالة الشنعاء، ~~والإد كما قال الجوهري: الداهية والأمر الفظيع، وكذلك الأدة، وجمع الأدة ~~أدد، يقال أدت فلانا الداهية تؤده أداء بالفتح. وقرأ أبو عبد الرحمن ms2410 السلمي ~~" أدا " بفتح الهمزة، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ ابن عباس وأبو العالية " ~~آدا " مثل مادا، وهى مأخوذة من الثقل، يقال أده الحمل يؤده: إذا أثقله. قال ~~الواحدي (لقد جئتم شيئا إدا) أي عظيما في قول الجميع، ومعنى الآية: قلتم ~~قولا عظيما. وقيل الإد العجب، والإدة الشدة، والمعنى متقارب والتركيب يدور ~~على الشدة والثقل (يكاد السماوات يتفطرن منه) قرأ نافع والكسائي وحفص ويحيى ~~بن وثاب " يكاد " بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية وقرأ نافع وابن كثير ~~وحفص " يتفطرن " بالتاء الفوقية، وقرأ حمزة وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر ~~والمفضل " يتفطرن " بالتحتية من الانفطار، واختار هذه القراءة أبو عبيد ~~لقوله - إذا السماء انفطرت - وقوله - السماء منفطر به - وقرأ ابن مسعود " ~~يتصدعن " والانفطار والتفطر التشقق (وتنشق الأرض) أي وتكاد أن تنشق الأرض، ~~وكرر الفعل للتأكيد لأن تتفطرن وتنشق معناهما واحد (وتخر الجبال) أي تسقط ~~وتنهدم، وانتصاب (هدا) على أنه مصدر مؤكد لأن الخرور في معناه، أو هو مصدر ~~لفعل مقدر: أي وتنهد هدا، أو على الحال أي مهدودة، أو على أنه مفعول له: أي ~~لأنها تنهد. قال الهروي: يقال هدني الأمر وهد ركني: أي كسرني لم وبلغ منى. # قال الجوهري: هد البناء يهده هدا كسره وضعضعه، وهدته المصيبة أوهنت ركنه، ~~وانهد الجبل: أي انكسر والهدة صوت وقع الحائط، كما قال ابن الأعرابي، ومحل ~~(أن دعوا للرحمن ولدا) الجر بدلا من الضمير في منه. PageV03P351 # وقال الفراء: في محل نصب بمعنى لأن دعوا. وقال الكسائي: هو في محل خفض ~~بتقدير الخافض، وقيل في محل رفع على أنه فاعل هدا. والدعاء بمعنى التسمية: ~~أي سموا للرحمن ولدا، أو بمعنى النسبة أي نسبوا له ولدا (وما ينبغي للرحمن ~~أن يتخذ ولدا) أي لا يصلح له ولا يليق به لاستحالة ذلك عليه لأن الولد ~~يقتضى الجنسية والحدوث، والجملة في محل نصب على الحال: أي قالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا. أو أن دعوا للرحمن ولدا، والحال أنه ما يليق به سبحانه ذلك ~~(إن كل من في السماوات والأرض) أي ما كل من ms2411 السماوات والأرض (إلا) وهو ~~(آتي) الله يوم القيامة مقرا بالعبودية خاضعا ذليلا كما قال - وكل أتوه ~~داخرين - أي صاغرين. والمعنى: أن الخلق كلهم عبيده فكيف يكون واحد منهم ~~ولدا له؟ وقرئ " آت " على الأصل (لقد أحصاهم) أي حصرهم وعلم عددهم (وعدهم ~~عدا) أي عد أشخاصهم بعد أن حصرهم فلا يخفى عليه أحد منهم (وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا) أي كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة فردا لا ناصر له ولا مال ~~معه كما قال سبحانه - يوم لا ينفع مال ولا بنون -. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ويكونون عليهم ~~ضدا) قال: أعوانا. وأخرج عبد بن حميد عنه (ضدا) قال: حسرة. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال (تؤزهم أزا) تغويهم إغواء. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا (تؤزهم أزا) قال: تحرض المشركين على محمد وأصحابه. وأخرج ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~الآية قال: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس (وفدا) قال: ركبانا. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة (وفدا) قال: على الإبل. وفى ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين واثنان على ~~بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار ~~تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا " والأحاديث في هذا الباب كثيرة ~~جدا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن ~~عباس (وردا) قال: عطاشا. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة مثله. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ~~في قوله (إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وتبرأ من الحول والقوة، ولا ms2412 يرجو إلا الله. وأخرج ابن مردويه عنه في الآية ~~قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ (إلا من ~~اتخذ عند الرحمن عهدا) قال: إن الله يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد ~~فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا، قولوا: اللهم فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في الحياة الدنيا أنك إن تكلني ~~إلى عملي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، ~~فاجعله لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من أدخل ~~على مؤمن سرورا فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهدا، ومن اتخذ عند ~~الرحمن عهدا فلا تمسه النار، إن الله لا يخلف الميعاد ". وأخرج الطبراني في ~~الأوسط عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من ~~جاءنا بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها ~~وسجودها لم ينقص منها شيئا جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد ~~انتقص منهم شيئا فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه ". وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لقد جئتم شيئا ~~إدا) قال: قولا عظيما. وفى قوله (يكاد السماوات) قال: إن PageV03P352 # الشرك فرغت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت ~~تزول منه لعظمة الله سبحانه، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك يرجو ~~أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وفى قوله (وتخر الجبال هدا) قال: هدما. وأخرج ~~ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والبيهقي في الشعب من طريق عون عن ابن ~~مسعود قال: إن الجبل لينادي الجبل ms2413 باسمه، يا فلان هل مر بك اليوم أحد ذكر ~~الله؟ فإذا قال نعم استبشر. قال عون: أفيسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن ~~الخير؟ هن للخير أسمع، وقرأ (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) الآيات. # سورة مريم الآية (96 - 98) ذكر سبحانه من أحوال المؤمنين بعض ما خصهم به ~~بعد ذكره لقبائح الكافرين قال (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا) أي حبا في قلوب عباده يجعله لهم من دون أن يطلبوه بالأسباب ~~التي توجب ذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب، والسين في سيجعل للدلالة ~~على أن ذلك لم يكن من قبل وأنه مجعول من بعد نزول الآية. وقرئ " ودا " بكسر ~~الواو، والجمهور من السبعة وغيرهم على الضم. ثم ذكر سبحانه تعظيم القرآن ~~خصوصا هذه السورة لاشتمالها على التوحيد والنبوة، وبيان حال المعاندين فقال ~~(فإنما يسرناه بلسانك) أي يسرنا القرآن بإنزالنا له على لغتك، وفصلناه ~~وسهلناه، والباء بمعنى على، والفاء لتعليل كلام ينساق إليه النظم كأنه قيل: # بلغ هذا المنزل أو بشر به أو أنذر (فإنما يسرناه) الآية. ثم علل ما ذكره ~~من التيسير فقال (لتبشر به المتقين) أي المتلبسين بالتقوى، المتصفين بها ~~(وتنذر به قوما لدا) اللد جمع الألد، وهو الشديد الخصومة، ومنه قوله تعالى ~~- ألد الخصام - قال الشاعر: # أبيت نجيا للهموم كأنني * أخاصم أقواما ذوي جدل لدا وقال أبو عبيدة: ~~الألد الذي لا يقبل الحق ويدعى الباطل، وقيل اللد الصم، وقيل الظلمة (وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن) أي من أمة وجماعة من الناس، وفى هذا وعد لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بهلاك الكافرين ووعيد لهم (هل تحس منهم من أحد) ~~هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها: أي هل تشعر بأحد منهم أو تراه (أو تسمع ~~لهم ركزا) الركز الصوت الخفي، ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. قال ~~طرفة: # وصادفتها سمع التوجس للسرى * لركز خفي أو لصوت مفند وقال ذو الرمة: # إذا توجس ركزا مقفر ندس * بنبأة الصوت ما في سمعه كذب أي: في استماعه كذب ms2414 ~~بل هو صادق الاستماع، والندس الحاذق، والنبأة الصوت الخفي. وقال اليزيدي ~~وأبو عبيدة: الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما ~~هاجر إلى المدينة وجد PageV03P353 # في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية ~~بن خلف، فأنزل الله - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات - الآية، قال ابن ~~كثير: وهو خطأ، فإن السورة مكية بكمالها لم ينزل شئ منها بعد الهجرة ولم ~~يصح سند ذلك. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن ~~أبي طالب (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) قال: محبة ~~في قلوب المؤمنين. وأخرج ابن مردويه والديلمي عن البراء قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لعلي " قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي عندك ~~ودا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة، فأنزل الله الآية في علي ". وأخرج عبد ~~الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس (ودا) قال: محبة في ~~الناس في الدنيا. وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن علي قال " سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله (سيجعل لهم الرحمن ودا) ما هو؟ قال: ~~المحبة الصادقة في صدور المؤمنين ". وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا أحب الله عبدا نادى ~~جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في ~~أهل الأرض فذلك قوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ~~ودا) وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني قد أبغضت فلانا، فينادي في أهل ~~السماء، ثم ينزل له البغضاء في الأرض " والأحاديث والآثار في هذا الباب ~~كثيرة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وتنذر به قوما لدا) قال: ~~فجارا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~الحسن ms2415 قال: صما. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله (هل تحس منهم ~~من أحد) قال: هل ترى منهم من أحد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (ركزا) قال: صوتا. # تفسير سورة طه هي مكية وآياتها مائة وخمس وثلاثون آية قال القرطبي: مكية ~~في قول الجميع. وأخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة طه ~~بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج الدارمي وابن خزيمة في ~~التوحيد، والعقيلي في الضعفاء، والطبراني في الأوسط، وابن عدي وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " إن الله تبارك وتعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي ~~عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل عليها هذا، وطوبى ~~لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسنة تكلمت بهذا ". قال ابن خزيمة بعد إخراجه: ~~حديث غريب، وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما، يعني إبراهيم ~~بن مهاجر ابن سمار وشيخه عمر بن حفص بن ذكوان وهما من رجال إسناده. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " أعطيت ~~السورة التي ذكرت فيها الأنعام من الذكر الأول، وأعطيت سورة طه والطواسين ~~من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم البقرة من تحت العرش، وأعطيت ~~المفصل نافلة ". # وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~كل قرآن يوضع عن أهل الجنة فلا يقرءون منه شيئا إلا سورة طه ويس، فإنهم ~~يقرءون بهما في الجنة ". وأخرج الدارقطني في سننه عن أنس بن PageV03P354 # ابن مالك، فذكر قصة عمر بن الخطاب مع أخته وخباب وقراءتهما طه، وكان ذلك ~~بسبب إسلام عمر، والقصة مشهورة في كتب السير. # بسم الله الرحمن الرحيم سورة طه الآية (1 - 16) قوله (طه) قرأ بإمالة ~~الهاء وفتح الطاء أبو عمرو وابن أبي إسحاق، وأمالهما جميعا أبو بكر وحمزة ~~والكسائي والأعمش. وقرأهما أبو جعفر ms2416 وشيبة ونافع بين اللفظين، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد. وقرأ الباقون بالتفخيم. قال الثعلبي: وهى كلها لغات ~~صحيحة فصيحة. وقال النحاس: لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: ~~الأولى أنه ليس هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون الإمالة، والعلة الثانية أن ~~الطاء من موانع الإمالة. # وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الكلمة على أقوال الأول: أنها من ~~المتشابه الذي لا يفهم المراد به، والثاني أنها بمعنى يا رجل في لغة عكل، ~~وفى لغة عك. قال الكلبي: لو قلت لرجل من عك يا رجل لم يجب حتى تقول طه، ~~وأنشد ابن جرير في ذلك: # دعوت بطه في القتال فلم يجب * فخفت عليه أن يكون موائلا ويروي مزايلا، ~~وقيل إنها في لغة عك بمعنى يا حبيبي. وقال قطرب: هي كذلك في لغة طي: أي ~~بمعنى يا رجل، وكذلك قال الحسن وعكرمة. وقيل هي كذلك في اللغة السريانية، ~~حكاه المهدوي. وحكى ابن جرير أنها كذلك في اللغة النبطية، وبه قال السدي ~~وسعيد بن حبين. وحكى الثعلبي عن عكرمة أنها كذلك في لغة الحبشة، ورواه عن ~~عكرمة، ولا مانع من أن تكون هذه الكلمة موضوعة لذلك المعنى في تلك اللغات ~~كلها إذا صح النقل. القول الثالث: أنها اسم من أسماء الله سبحانه. والقول ~~الرابع أنها اسم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. القول الخامس أنها ~~PageV03P355 # اسم للسورة. القول السادس أنها حروف مقطعة يدل كل واحد منها على معنى. ثم ~~اختلفوا في هذه المعاني التي تدل عليها هذه الحروف على أقوال كلها متكلفة ~~متعسفة. القول السابع أن معناها طوبى لمن اهتدى. القول الثامن أن معناها: ~~طإ الأرض يا محمد. قال ابن الأنباري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى التروح، فقيل ~~له طإ الأرض: أي لا تتعب حتى تحتاج إلى التروح. # وحكى القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا صلى قام على ms2417 رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله (طه) يعنى طإ ~~الأرض يا محمد، وحكى عن الحسن البصري أنه قرأ طه على وزن دع أمر بالوطء، ~~والأصل طأ فقلبت الهمزة هاء. وقد حكى الواحدي عن أكثر المفسرين أن هذه ~~الكلمة معناها: # يا رجل، يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وهو قول الحسن وعكرمة ~~وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ومجاهد وابن عباس في رواية عطاء والكلبي غير ~~أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة والنبطية والسريانية، ويقول الكلبي: هي ~~بلغة عك. قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى، لأن ~~الله سبحانه لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش انتهى. وإذا تقرر أنها لهذا ~~المعنى في لغة من لغات العرب كانت ظاهرة المعنى واضحة الدلالة خارجة عن ~~فواتح السور التي قدمنا بيان كونها من المتشابه في فاتحة سورة البقرة، ~~وهكذا إذا كانت لهذا المعنى في لغة من لغات العجم واستعملتها العرب في ~~كلامها في ذلك المعنى كسائر الكلمات العجمية التي استعملتها العرب الموجودة ~~في الكتاب العزيز، فإنها صارت بذلك الاستعمال من لغة العرب، وجملة (ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى) مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب، والشقاء يجئ في معنى ~~التعب. قال ابن كيسان: وأصل الشقاء في اللغة العناء والتعب، ومنه قول ~~الشاعر: # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم والمعنى: ~~ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن ~~يؤمنوا، فهو كقوله سبحانه - فلعلك باخع نفسك - قال النحاس: بعض النحويين ~~يقول: هذه اللام في " لتشقى " لام النفي، وبعضهم يقول لام الجحود. وقال ابن ~~كيسان: هي لام الخفض، وهذا التفسير للآية هو على قول من قال إن طه كسائر ~~فواتح السور التي ذكرت تعديدا لأسماء الحروف، وإن جعلت اسما للسورة كان ~~قوله (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) خبرا عنها، وهى في موضع المبتدأ، وأما ~~على قول من قال: إن معناها يا رجل، ms2418 أو بمعنى الأمر بوطء الأرض فتكون الجملة ~~مستأنفة لصرفه صلى الله عليه وآله وسلم عما كان عليه من المبالغة في ~~العبادة، وانتصاب (إلا تذكرة) على أنه مفعول له لأنزلنا كقولك: ما ضربتك ~~للتأديب إلا إشفاقا عليك. وقال الزجاج: هو بدل من لتشقى: أي ما أنزلناه إلا ~~تذكرة. وأنكره أبو علي الفارسي من جهة أن التذكرة ليست بشقاء، قال: وإنما ~~هو منصوب على المصدرية: أي أنزلناه لتذكر به تذكرة، أو على المفعول من ~~أجله: أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا للتذكرة، وانتصاب ~~(تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا) على المصدرية: أي أنزلناه تنزيلا، ~~وقيل بدل من قوله تذكرة، وقيل هو منصوب على المدح، وقيل منصوب بيخشى: أي ~~يخشى تنزيلا من الله على أنه مفعول به، وقيل منصوب على الحال بتأوله باسم ~~الفاعل. وقرأ أبو حيوة الشامي " تنزيل " بالرفع على معنى هذا تنزيل، وممن ~~خلق متعلق بتنزيلا، أو بمحذوف هو صفة له، وتخصيص خلق الأرض والسماوات ~~PageV03P356 # لكونهما أعظم ما يشاهده العباد من مخلوقاته عز وجل، والعلى: جمع العليا: ~~أي المرتفعة كجمع كبرى وصغرى على كبر وصغر. ومعنى الآية إخبار العباد عن ~~كمال عظمته سبحانه وعظيم جلاله، وارتفاع (الرحمن) على أنه خبر مبتدأ محذوف ~~كما قال الأخفش، ويجوز أن يكون مرتفعا على المدح أو على الابتداء. وقرئ ~~بالجر، قال الزجاج على البدل ممن، وجوز النحاس أن يكون مرتفعا على البدل من ~~المضمر في خلق، وجملة (على العرش استوى) في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ ~~محذوف، أو على أنها خبر الرحمن عند من جعله مبتدأ. قال أحمد بن يحيى: # قال ثعلب: الاستواء الإقبال على الشئ، وكذا قال الزجاج والفراء. وقيل هو. ~~كناية عن الملك والسلطان، والبحث في تحقيق هذا يطول، وقد تقدم البحث عنه في ~~الأعراف. والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه سبحانه مستو على عرشه بغير ~~حد ولا كيف، وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح الذي يمرون ~~الصفات كما وردت من دون تحريف ولا تأويل ms2419 (له ما في السماوات وما في الأرض) ~~أي أنه مالك كل شئ ومدبره (وما بينهما) من الموجودات (وما تحت الثرى) الثرى ~~في اللغة التراب الندي: أي ما تحت التراب من شئ. # قال الواحدي: والمفسرون يقولون إنه سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة ~~التي عليها الثور الذي تحت الأرض ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله سبحانه ~~(وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) الجهر بالقول هو رفع الصوت به ~~والسر ما حدث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر هو ما حدث به ~~الإنسان نفسه وأخطره بباله. # والمعنى: إن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غنى عن ذلك، فإنه يعلم السر ~~وما هو أخفى من السر، فلا حاجة لك إلى الجهر بالقول، وفى هذا معنى النهي عن ~~الجهر كقوله سبحانه - واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة - وقيل السر ما أسر ~~الإنسان في نفسه، والأخفى منه هو ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا ~~يعلمه وقيل السر ما أضمره الإنسان في نفسه، والأخفى منه ما لم يكن ولا ~~أضمره أحد، وقيل السر سر الخلائق، والأخفى منه سر الله عز وجل، وأنكر ذلك ~~ابن جرير وقال: إن الأخفى ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه. ثم ذكر أن ~~الموصوف بالعبادة على الوجه المذكور هو الله سبحانه المنزه عن الشريك ~~المستحق لتسميته بالأسماء الحسنى فقال (الله لا إله إلا هو له الأسماء ~~الحسنى) فالله خبر مبتدأ محذوف: أي الموصوف بهذه الصفات الكمالية الله، ~~وجملة لا إله إلا هو مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به سبحانه: أي لا إله في ~~الوجود إلا هو، وهكذا جملة له الأسماء الحسنى مبينة لاستحقاقه تعالى ~~للأسماء الحسنى، وهى التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح. # وقد تقدم بيانها في قوله سبحانه - ولله الأسماء الحسنى - من سورة ~~الأعراف، والحسنى تأنيث الأحسن، والأسماء مبتدأ وخبرها الحسنى، ويجوز أن ~~يكون الله مبتدأ وخبره الجملة التي بعده، ويجوز أن يكون بدلا من الضمير في ~~يعلم. ثم قرر سبحانه ms2420 أمر التوحيد بذكر قصة موسى المشتملة على القدرة ~~الباهرة، والخبر الغريب، فقال (وهل أتاك حديث موسى) الاستفهام للتقرير، ~~ومعناه: أليس قد أتاك حديث موسى، وقيل معناه: قد أتاك حديث موسى، وقال ~~الكلبي: لم يكن قد أتاه حديث موسى إذ ذاك. وفى سياق هذه القصة تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة، وتحمل أثقالها ~~ومقاساة خطوبها، وأن ذلك شأن الأنبياء قبله. والمراد بالحديث القصة الواقعة ~~لموسى، و (إذ رأى نارا) ظرف للحديث، وقيل العامل فيه مقدر: أي أذكر، وقيل ~~يقدر مؤخرا: أي حين رأى نارا كان كيت وكيت، وكانت رؤيته للنار في ليلة ~~مظلمة لما خرج مسافرا إلى أمه بعد استئذانه لشعيب (ف‍) لما رآها (قال لأهله ~~امكثوا) والمراد بالأهل هنا امرأته، والجمع لظاهر لفظ الأهل أو للتفخيم، ~~وقيل المراد بهم المرأة والولد والخادم، ومعنى امكثوا أقيموا مكانكم، وعبر ~~بالمكث دون الإقامة، لأن PageV03P357 # الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك. وقرأ حمزة " لأهله " بضم الها، ~~وكذا في القصص. قال النحاس: # وهذا على لغة من قال: مررت بهو يا رجل فجاء به على الأصل وهو جائز إلا أن ~~حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة (إني آنست نارا) أي أبصرت، يقال آنست ~~الصوت سمعته، وآنست الرجل أبصرته. وقيل الإيناس الإبصار البين، وقيل ~~الإيناس مختص بإبصار ما يؤنس، والجملة تعليل للأمر بالمكث، ولما كان ~~الإتيان بالقبس، ووجود الهدى متوقعين بنى الأمر على الرجاء فقال (لعلى ~~آتيكم منها بقبس) أي أجيئكم من النار بقبس، والقبس شعلة من النار، وكذا ~~المقباس، يقال قبست منه نارا أقبس قبسا فأقبسني: أي أعطاني وكذا اقتبست. # قال اليزيدي: أقبست الرجل علما وقبسته نارا، فإن كنت طلبتها له قلت ~~أقبسته. وقال الكسائي: أقبسته نارا وعلما سواء، قال: وقبسته أيضا فيهما (أو ~~أجد على النار هدى) أي هاديا يهديني إلى الطريق ويدلني عليها. قال الفراء: ~~أراد هاديا، فذكره بلفظ المصدر، أو عبر بالمصدر لقصد المبالغة على حذف ~~المضاف: أي ذا هدى، وكلمة: أو في الموضعين لمنع ms2421 الخلو دون الجمع، وحرف ~~الاستعلاء للدلالة على أن أهل النار مستعلون على أقرب مكان إليها (فلما ~~أتاها نودي) أي فلما أتى النار التي آنسها (نودي) من الشجرة، كما هو مصرح ~~بذلك في سورة القصص: أي من جهتها، ومن ناحيتها (يا موسى إني أنا ربك) أي ~~نودي، فقيل يا موسى. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر وابن محيصن وحميد ~~واليزيدي " أنى " بفتح الهمزة. وقرأ الباقون بكسرها: أي بأني (فاخلع نعليك) ~~أمره الله سبحانه بخلع نعليه، لأن ذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف ~~والتكريم وحسن التأدب. وقيل إنهما كانا من جلد حمار غير مدبوغ، وقيل معنى ~~الخلع للنعلين: تفريغ القلب من الأهل والمال، وهو من بدع التفاسير. ثم علل ~~سبحانه الأمر بالخلع فقال (إنك بالواد المقدس طوى) المقدس المطهر، والقدس ~~الطهارة، والأرض المقدسة المطهرة، سميت بذلك لأن الله أخرج منها الكافرين ~~وعمرها بالمؤمنين، وطوى اسم للوادي. قال الجوهري: وطوى اسم موضع بالشام ~~يكسر طاؤه ويضم، يصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة ~~ومن لم يصرفه جعله بلدة، وبقعة وجعله معرفة، وقرأ عكرمة " طوى " بكسر ~~الطاء، وقرأ الباقون بضمها. وقيل إن طوى كثني من الطي مصدر لنودي، أو ~~للمقدس: أي نودي نداءين، أو قدس مرة بعد أخرى (وأنا اخترتك) قرأ أهل ~~المدينة، وأهل مكة وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي " وأنا اخترتك " ~~بالإفراد. وقرأ حمزة " وإنا اخترناك " بالجمع. قال النحاس: والقراءة الأولى ~~أولى من جهتين: إحداهما أنها أشبه بالخط، والثانية أنها أولى بنسق الكلام ~~لقوله (يا موسى إني انا ربك)، ومعنى اخترتك اصطفيتك للنبوة والرسالة. # والفاء في قوله (فاستمع لما يوحى) لترتيب ما بعدها على ما قبلها وما ~~موصولة أو مصدرية أي فاستمع للذي يوحى إليك، أو للوحي، وجملة (إنني أنا ~~الله) بدل من ما في لما يوحى. ثم أمره سبحانه بالعبادة فقال (فاعبدني) ~~والفاء هنا كالفاء التي قبلها لأن اختصاص الإلهية به سبحانه موجب لتخصيصه ~~بالعبادة (وأقم الصلاة لذكرى) خص الصلاة بالذكر مع كونها داخلة تحت ms2422 الأمر ~~بالعبادة، لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة، وعلل الأمر بإقامة الصلاة بقوله ~~لذكرى: أي لتذكرني فإن الذكر الكامل لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة، ~~أو المعنى لتذكرني فيهما لاشتمالهما على الأذكار، أو المعنى: أقم الصلاة ~~متى ذكرت أن عليك صلاة. وقيل المعنى: لأذكرك بالمدح في عليين، فالمصدر على ~~هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، وجملة (إن الساعة آتية) ~~تعليل لما قبلها من الأمر: أي إن الساعة التي هي وقت الحساب والعقاب آتية، ~~فاعمل الخير من عبادة الله والصلاة. # ومعنى (أكاد أخفيها) مختلف فيه. قال الواحدي: قال أكثر المفسرين: أخفيها ~~من نفسي، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. وقال المبرد وقطرب: هذا على ~~عادة مخاطبة العرب يقولون إذا بالغوا في كتمان الشئ PageV03P358 # كتمته حتى من نفسي: أي لم أطلع عليه أحدا، ومعنى الآية أن الله بالغ في ~~إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب. وقد روى عن سعيد بن جبير أنه ~~قرأ " أخفيها " بفتح الهمزة ومعناه أظهرها. وكذا روى أبو عبيد عن الكسائي ~~عن محمد بن سهل عن وفاء بن إياس عن سعيد بن جبير. قال النحاس: وليس لهذه ~~الرواية طريق غير هذا. قال القرطبي: وكذا رواه ابن الأنباري في كتاب الرد ~~قال: حدثني أبي حدثنا محمد بن الجهم، حدثنا الفراء حدثنا الكسائي فذكره. ~~قال النحاس: وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء ~~بن السائب عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أخفيها " بضم الهمزة. قال ابن ~~الأنباري: قال الفراء: ومعنى قراءة الفتح أكاد أظهرها، من خفيت الشئ إذا ~~أظهرته أخفيه. قال القرطبي: وقد قال بعض اللغويين: يجوز أن يكون أخفيها بضم ~~الألف معناه أظهرها، لأنه يقال خفيت الشئ وأخفيته من حروف الأضداد يقع على ~~الستر والإظهار. قال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد. قال النحاس: وهذا ~~حسن، وقد أنشد الفراء وسيبويه ما يد على أن معنى أخفاه أظهر، وذلك قول امرئ ~~القيس: # فإن تكتموا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد ms2423 أي: وإن تكتموا ~~الداء لا نظهره. وقد حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنه بضم النون من نخفه، ~~وقال: # امرؤ القيس: # خفاهن من أنفاقهن كأنما * خطاهن ودق من غشى مخلب أي: أظهرهن. وقد زيف ~~النحاس هذا القول وقال: ليس المعنى على أظهرها، ولا سيما وأخفيها قراءة ~~شاذة، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة. وقال ابن الأنباري: في الآية ~~تفسير آخر، وهو أن الكلام ينقطع على أكاد، وبعده مضمر: أي أكاد آتي بها، ~~ووقع الابتداء بأخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، ومثله قول عمير ابن ضابئ ~~البرجمي: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله أي وكدت أفعل، ~~واختار هذا النحاس. وقال أبو علي الفارسي: هو من باب السلب وليس من ~~الأضداد، ومعنى أخفيها: أزيل عنها خفاءها، وهو سترها، ومن هذا قولهم ~~أشكيته: أي أزلت شكواه. وحكى أبو حاتم عن الأخفش أن أكاد زائدة للتأكيد، ~~قال: ومثله - إذا أخرج يده لم يكد يراها - ومثله قول الشاعر: # سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه * فما أن يكاد قرنه يتنفس قال: والمعنى أكاد ~~أخفيها: أي أقارب ذلك، لأنك إذا قلت: كاد زيد يقوم جاز أن يكون قام وأن ~~يكون لم يقم، ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه الآية على هذا، وقوله ~~(لتجزى كل نفس بما تسعى) متعلق بآتية، أو بأخفيها، وما مصدرية: أي لتجزى كل ~~نفس بسعيها، والسعي وإن كان ظاهرا في الأفعال، فهو هنا يعم الأفعال ~~والتروك، للقطع بأن تارك ما يجب عليه معاقب بتركه مأخوذ به (فلا يصدنك ~~عنها) أي لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، والتصديق بها، أو عن ذكرها ~~ومراقبتها (من لا يؤمن بها) من الكفرة، وهذا النهي وإن كان للكافر بحسب ~~الظاهر، فهو في الحقيقة نهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن الانصداد، أو عن ~~إظهار اللين للكافرين فهو من باب: لا أرينك ها هنا، كما هو معروف. وقيل ~~الضمير في عنها للصلاة وهو بعيد، وقوله (واتبع هواه) PageV03P359 # معطوف على ما قبله: أي من لا يؤمن، ومن ms2424 اتبع هواه: أي هوى نفسه بالإنهماك ~~في اللذات الحسية الفانية (فتردى) أي فتهلك لأن انصدادك عنها بصد الكفارين ~~لك مستلزم للهلاك ومستتبع له. # وقد أخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أول ما نزل عليه الوحي كان يقوم ~~على صدر قدميه إذا صلى، فأنزل الله (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) ". ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال: قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل ~~الله هذه الآية. # وأخرج ابن عساكر عنه أيضا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل لئلا ينام، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ~~البزار عن علي قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراوح بين قدميه ~~يقوم على كل رجل حتى نزلت (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) وحسن السيوطي ~~إسناده. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا بأطول منه. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربما قرأ القرآن إذا صلى، ~~فقام على رجل واحدة، فأنزل الله (طه) برجليك فما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. ~~وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه في قوله (طه) قال: يا رجل. ~~وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (طه) بالنبطية. ~~أي طأ يا رجل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: هو كقولك ~~اقعد. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال: (طه) بالنبطية يا رجل. وأخرج ~~ابن جرير عنه قال (طه) يا رجل بالسريانية. وأخرج الحاكم عنه أيضا قال: (طه) ~~هو كقولك يا محمد بلسان الحبش. وفى هذه الروايات عن ابن عباس اختلاف ~~وتدافع. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إن لي عند ربي عشرة أسماء، قال أبو الطفيل: حفظت منها ثمانية: ~~محمد، وأحمد، وأبو القاسم، والفاتح، والخاتم، والماحي، والعاقب، والحاشر " ~~وزعم سيف ms2425 أن أبا جعفر قال له الاسمان الباقيان طه ويس. # وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (طه ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى) قال: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وكان يقوم الليل على ~~رجليه فهي لغة لعك إن قلت لعكي يا رجل لم يلتفت، وإذا قلت طه التفت إليك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال (طه) قسم أقسم الله به، ~~وهو من أسمائه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (وما تحت الثرى) قال: ~~الثرى كل شئ مبتل. وأخرج أبو يعلى عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم سئل ما تحت هذه الأرض؟ قال الماء، قيل فما تحت الماء؟ قال ظلمة، قيل ~~فما تحت الظلمة؟ قال الهواء قيل فما تحت الهواء؟ قال الثرى قيل فما تحت ~~الثرى؟ قال انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق ". # وأخرج ابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله و (يعلم السر وأخفى) قال: ~~السر ما أسره ابن آدم في نفسه وأخفى ما خفى عن ابن آدم مما هو فاعله قبل أن ~~يعمله، فإنه يعلم ذلك كله فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد وجميع الخلائق ~~عنده في ذلك كنفس واحدة وهو كقوله - ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة - ~~وأخرج الحاكم وصححه عنه في الآية قال: السر ما علمته أنت، وأخفى ما قذف ~~الله في قلبك مما لم تعلمه. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو ~~الشيخ في العظمة والبيهقي بلفظ يعلم ما تسر في نفسك ويعلم ما تعمل غدا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أو أجد على النار هدى) يقول: من ~~يدل على الطريق. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ~~علي PageV03P360 # في قوله (فاخلع نعليك) قال: كانتا من جلد حمار ميت فقيل له اخلعهما. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي ms2426 حاتم عن ابن عباس (إنك بالواد المقدس طوى) قال ~~المبارق: طوى قال اسم الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (بالواد المقدس طوى) ~~يعني الأرض المقدسة، وذلك أنه مر بواديها ليلا فطوى: يقال طويت وادي كذا ~~وكذا. # وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله (طوى) قال: طإ الوادي. وفى الصحيحين ~~وغيرهما من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا رقد ~~أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال (أقم الصلاة ~~لذكرى) ". وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان ~~وابن مردويه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال (أقم الصلاة لذكرى) " وكان ~~ابن شهاب يقرؤها " للذكرى ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أكاد ~~أخفيها) قال: لا أظهر عليها أحدا غيري. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (أكاد أخفيها) من نفسي. # سورة طه الآية (17 - 35) قوله (وما تلك بيمينك يا موسى) قال الزجاج ~~والفراء: إن تلك اسم ناقص وصلت بيمينك: أي ما التي بيمينك؟ وروى عن الفراء ~~أنه قال: تلك بمعنى هذه، ولو قال ما ذلك لجاز: أي ما ذلك الشئ؟ وبالأول قال ~~الكوفيون. قال الزجاج: ومعنى سؤال موسى عما في يده من العصا التنبيه له ~~عليها لتقع المعجزة بها بعد التثبيت فيها والتأمل لها. قال الفراء: ومقصود ~~السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى هي عصاي لتثبيت الحجة عليه بعد ما اعترف، ~~وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل، ومحل " ما " الرفع على الابتداء. وتلك ~~خبره، وبيمينك في محل نصب على الحال إن كانت تلك اسم إشارة على ما هو ظاهر ~~اللفظ، وإن كانت اسما موصولا كان بيمينك صلة للموصول (قال هي عصاي) قرأ ابن ~~أبي إسحاق " عصى " على لغة هذيل. وقرأ الحسن (عصاي " بكسر الياء لالتقاء ~~الساكنين (أتوكأ عليها) أي ms2427 أتحامل عليها في المشي وأعتمدها ما عند الإعياء ~~والوقوف ومنه الاتكاء (وأهش بها على غنمي) هش بالعصا يهش هشا: إذا خبط بها ~~الشجر ليسقط منه الورق. قال الشاعر: PageV03P361 # أهش بالعصا على أغنامي * من ناعم الأوراك والسنام وقرأ النخعي أهس بالسين ~~المهملة، وهو زجر الغنم، وكذا قرأ عكرمة، وقيل هما لغتان لمعنى واحد (ولى ~~فيها مآرب أخرى) أي حوائج وأحدها مأربة ومأربة ومأربة مثلث الراء كذا، قال ~~ابن الأعرابي وقطرب، ذكر تفصيل منافع العصا، ثم عقبه بالإجمال. # وقد تعرض قوم لتعداد منافع العصا فذكروا من ذلك أشياء: منها قول بعض ~~العرب: عصاي أركزها لصلاتي، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على ~~سفري، وأعتمد بها في مشيتي، ليتسع خطوي، وأثب بها النهر، وتؤمنني العثر، ~~وألقى عليها كسائي، فتقيني الحر، وتدفيني من القر، وتدني إلي ما بعد منى، ~~وهى تحمل سفرتي، وعلاقة إداوتي، قال أعصى بها عند الضراب، وأقرع بها ~~الأبواب، وأقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند ~~منازلة الأقران، ورثتها عن أبي وأورثها بعدي بني انتهى. # وقد وقفت على مصنف في مجلد لطيف في منافع العصا لبعض المتأخرين، وذكر فيه ~~أخبارا وأشعارا وفوائد لطيفة ونكتا رشيقة، وقد جمع الله سبحانه لموسى في ~~عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما أمن به من كيد السحرة ومعرة ~~المعاندين، واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب ~~عصا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنزته، وكان يخطب بالقضيب وكذلك ~~الخلفاء من بعده، وكان عادة العرب العرباء أخذ العصا والاعتماد عليها عند ~~الكلام، وفى المحافل والخطب (قال ألقها يا موسى) هذه جملة مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر، أمره سبحانه بإلقائها ليريه ما جعل له فيها من المعجزة الظاهرة ~~(فألقاها) موسى على الأرض (فإذا هي حية تسعى) وذلك بقلب الله سبحانه ~~لأوصافها وأعراضها حتى صارت حية تسعى: أي تمشي بسرعة وخفة، قيل كانت عصا ~~ذات شعبتين فصار الشعبتان فما وباقيها جسم حية تنتقل من مكان إلى مكان ~~وتلتقم الحجارة مع ms2428 عظم جرمها وفظاعة منظرها، فلما رآها كذلك خاف وفزع وولى ~~مدبرا ولم يعقب، فعند ذلك (قال) سبحانه (خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى) قال الأخفش والزجاج: التقدير إلى سيرتها، مثل - واختار موسى قومه - ~~قال: # ويجوز أن يكون مصدرا، لأن معنى سنعيدها سنسيرها، ويجوز أن يكون المصدر ~~بمعنى اسم الفاعل: أي سائرة، أو بمعنى اسم المفعول: أي مسيرة. والمعنى: ~~سنعيدها بعد أخذك لها إلى حالتها الأولى التي هي العصوية. قيل إنه لما قيل ~~له لا تخف بلغ من عدم الخوف إلى أن كان يدخل يده في فمها ويأخذ بلحيها ~~(واضمم يدك إلى جناحك) قال الفراء والزجاج: جناح الإنسان عضده، وقال قطرب: ~~جناح الإنسان جنبه، وعبر عن الجنب بالجناح لأنه في محل الجناح، وقيل إلى ~~بمعنى مع. أي مع جناحك، وجواب الأمر (تخرج بيضاء) أي تخرج يدك حال كونها ~~بيضاء، ومحل (من غير سوء) النصب على الحال: أي كائنة من غير سوء، والسوء ~~العيب، كنى به عن البرص: # أي تخرج بيضاء ساطعا نورها تضئ بالليل والنهار كضوء الشمس من غير برص، ~~وانتصاب (آية أخرى) على الحال أيضا: أي معجزة أخرى غير العصا. وقال الأخفش: ~~إن آية منتصبة على أنها بدل من بيضاء. قال النحاس وهو قول حسن. وقال ~~الزجاج: المعنى آتيناك أو نؤتيك آية أخرى لأنه لما قال " تخرج بيضاء " دل ~~على أنه قد آتاه آية أخرى، ثم علل سبحانه ذلك بقوله (لنريك من آياتنا ~~الكبرى) قيل والتقدير: فعلنا ذلك لنريك، ومن آياتنا متعلق بمحذوف وقع، حالا ~~والكبرى معناها العظمى، وهو صفة لموصوف محذوف، والتقدير: لنريك من آياتنا ~~الآية الكبرى: أي لنريك بهاتين الآيتين يعني اليد والعصا بعض آياتنا ~~الكبرى، فلا يلزم أن تكون اليد هي الآية الكبرى وحدها حتى تكون أعظم من ~~العصا، فيرد على ذلك أنه لم يكن في اليد إلا تغير اللون فقط بخلاف ~~PageV03P362 # العصا، فإن فيها مع تغير اللون الزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على ~~الأمور الخارقة. ثم صرح سبحانه بالغرض المقصود من هذه المعجزات فقال (اذهب ms2429 ~~إلى فرعون) وخصه بالذكر لأن قومه تبع له، ثم علل ذلك بقوله (إنه طغى) أي ~~عصى وتكبر وكفر وتجبر وتجاوز الحد، وجملة (قال رب اشرح لي صدري) مستأنفة ~~جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال؟ ومعنى شرح الصدر توسيعه، تضرع عليه ~~السلام إلى ربه وأظهر عجزه بقوله - ويضيق صدري ولا ينطلق لساني -، ومعنى ~~تيسير الأمر تسهيله (واحلل عقدة من لساني) يعني العجمة التي كانت فيه من ~~الجمرة التي ألقاها في فيه وهو طفل: أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه، قيل ~~أذهب الله سبحانه تلك العقدة جميعها بدليل قوله (قد أوتيت سؤلك يا موسى) ~~وقيل لم تذهب كلها لأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل سأل حل عقدة ~~تمنع الإفهام بدليل قوله (من لساني) أي كائنة من عقد لساني، ويؤيد ذلك قوله ~~- هو أفصح منى لسانا -، وقوله حكاية عن فرعون - ولا يكاد يبين -، وجواب ~~الأمر قوله (يفقهوا قولي) أي يفهموا كلامي، والفقه في كلام العرب الفهم، ثم ~~خص به علم الشريعة والعالم به فقيه، قاله الجوهري (واجعل لي وزيرا من أهلي ~~هارون أخي) الوزير الموازر كالأكيل المواكل لأنه يحمل عن السلطان وزره: أي ~~ثقله: قال الزجاج: واشتقاقه في اللغة من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به ~~لينجي من الهلكة، والوزير الذي يعتمد الملك على رأيه في الأمور ويلتجئ ~~إليه. وقال الأصمعي: هو مشتق من الموازرة، وهى المعاونة، وانتصاب وزيرا ~~وهارون على أنهما مفعولا اجعل، وقيل مفعولاه: لي وزيرا، ويكون هارون عطف ~~بيان للوزير، والأول أظهر، ويكون لي متعلقا بمحذوف: أي كائنا لي، ومن أهلي ~~صفة لوزيرا، وأخي بدل من هارون. قرأ الجمهور " اشدد " بهمزة وصل، " وأشركه ~~" بهمزة قطع كلاهما على صيغة الدعاء: أي يا رب أحكم به قوتي واجعله شريكي ~~في أمر الرسالة، والأزر القوة، يقال آزره: أي قواه، وقيل الظهر: أي اشدد به ~~ظهري. وقرأ ابن عامر ويحيى ابن الحارث وأبو حياة والحسن وعبد الله بن أبي ~~إسحاق " أشدد " بهمزة قطع (وأشركه) بضم الهمزة أي أشدد أنا به ms2430 أزري وأشركه ~~أنا في أمري. قال النحاس: جعلوا الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله اجعل لي ~~وزيرا، وقرأ بفتح الياء من أخي ابن كثير وأبو عمرو (كي نسبحك كثيرا ونذكرك ~~كثيرا) هذا التسبيح والذكر هما الغاية من الدعاء المتقدم، والمراد التسبيح ~~هنا باللسان، وقيل المراد به الصلاة، وانتصاب كثيرا في الموضعين على أنه ~~نعت مصدر محذوف، أو لزمان محذوف (إنك كنت بنا بصيرا) البصير المبصر والبصير ~~العالم بخفيات الأمور، وهو المراد هنا: أي إنك كنت بنا عالما في صغرنا ~~فأحسنت إلينا فأحسن إلينا أيضا كذلك الآن. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في عصا موسى قال: أعطاه ملك من ~~الملائكة إذ توجه إلى مدين فكانت تضئ له بالليل، ويضرب بها الأرض فتخرج له ~~النبات، ويهش بها على غنمه ورق الشجر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن عكرمة في قوله (وأهش بها على غنمي) قال: أضرب بها الشجر ~~فيتساقط منه الورق على غنمي، وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم في قوله (ولى فيها مآرب) قال: حوائج. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي نحوه، وأخرج أيضا عن قتادة قال: كانت تضئ له ~~بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام. وأخرج أيضا عن ابن عباس في قوله ~~(فألقاها فإذا هي حية تسعى) قال: ولم تكن قبل ذلك حية فمرت بشجرة فأكلتها، ~~ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبرا ~~فنودي أن يا موسى خذها، فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف، فقيل ~~له في الثالثة: إنك من الآمنين فأخذها PageV03P363 # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (سنعيدها سيرتها الأولى) قال: حالتها ~~الأولى. وأخرجا عنه أيضا (من غير سوء) قال من غير برص. وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي) قال: كان ms2431 أكبر من ~~موسى. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (وأشركه في أمري) قال نبئ هارون ~~ساعتئذ حين نبئ موسى. # سورة طه الآية (36 - 44) لما سأل موسى ربه سبحانه أن يشرح صدره وييسر له ~~أمره ويحلل عقدة من لسانه ويجعل له وزيرا من أهله أخبره الله سبحانه بأنه ~~قد أجاب ذلك الدعاء، فقال (قد أوتيت سؤلك يا موسى) أي أعطيت ما سألته، ~~والسؤال المسؤول: أي المطلوب كقولك: خبر بمعنى مخبور، وزيادة قوله يا موسى ~~لتشريفه بالخطاب مع رعاية الفواصل، وجملة (ولقد مننا عليك مرة أخرى) كلام ~~مستأنف لتقوية قلب موسى بتذكيره نعم الله عليه، والمن الإحسان والإفضال. ~~والمعنى: ولقد أحسنا إليك مرة أخرى قبل هذه المرة، وهى حفظ الله سبحانه له ~~من شر الأعداء كما بينه سبحانه هاهنا، وأخرى تأنيث آخر بمعنى غير (إذ ~~أوحينا إلى أمك ما يوحى) أي مننا ذلك الوقت وهو وقت الإيحاء فإذ ظرف ~~للإيحاء، والمراد بالإيحاء إليها إما مجرد الإلهام لها أو في النوم بأن ~~أراها ذلك أو على لسان نبي أو على لسان ملك، لا على طريق النبوة كالوحي إلى ~~مريم أو بإخبار الأنبياء المتقدمين بذلك وانتهى الخبر إليها، والمراد بما ~~يوحى ما سيأتي من الأمر لها، أبهمه أولا وفسره ثانيا تفخيما لشأنه، وجملة ~~(أن اقذفيه في التابوت) مفسرة لأن الوحي فيه معنى القول، أو مصدرية على ~~تقدير بأن اقذفيه، والقذف هاهنا الطرح: أي اطرحيه في التابوت وقد مر تفسير ~~التابوت في البقرة في قصة طالوت (فاقذفيه في اليم) أي اطرحيه في البحر، ~~واليم: البحر أو النهر الكبير. قال الفراء: هذا أمر وفيه المجازاة: أي ~~اقذفيه يلقه اليم بالساحل والأمر للبحر مبني على تنزيله منزلة من يفهم ~~ويميز، لما كان إلقاؤه إياه بالساحل أمرا واجب الوقوع، والساحل هو شط ~~البحر، سمى ساحلا لأن الماء سحله قاله ابن دريد، والمراد هنا ما يلي الساحل ~~من البحر لا نفس الساحل، والضمائر هذه كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ~~ألقى معه لكن المقصود هو موسى مع ms2432 كون الضمائر قبل هذا وبعده له. وجملة ~~(يأخذه عدو لي وعدو له) جواب الأمر بالالقاء، والمراد بالعدو فرعون، فإن أم ~~موسى لما ألقته في البحر وهو النيل المعروف، وكان يخرج منه نهر إلى دار ~~فرعون فساقه الله في ذلك النهر إلى داره، فأخذ التابوت فوجد موسى فيه، وقيل ~~إن PageV03P364 # البحر ألقاه بالساحل فنظره فرعون فأمر من يأخذه، وقيل وجدته ابنة فرعون، ~~والأول أولى (وألقيت عليك محبة منى) أي ألقى الله على موسى محبة كائنة منه ~~تعالى في قلوب عباده لا يراه أحد إلا أحبه، وقيل جعل عليه مسحة من جمال لا ~~يراه أحد من الناس إلا أحبه. وقال ابن جرير: المعنى وألقيت عليك رحمتي: ~~وقيل كلمة " من " متعلقة بألقيت، فيكون المعنى: ألقيت مني عليك محبة: أي ~~أحببتك، ومن أحبه الله أحبه الناس (ولتصنع على عيني) أي ولتربى وتغذى بمرأى ~~مني، يقال صنع الرجل جاريته: إذا رباها، وصنع فرسه: إذا داوم على علفه ~~والقيام عليه، وتفسير " على عيني " بمرأى مني صحيح. قال النحاس: وذلك معروف ~~في اللغة، ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى، فإن جميع الأشياء بمرآى من ~~الله. وقال أبو عبيدة وابن الأنباري: إن المعنى لتغذى على محبتي وإرادتي، ~~تقول: أتخذ الأشياء على عيني: أي على محبتي. قال ابن الأنباري: العين في ~~هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غدا فلان على ~~عيني: أي على المحبة مني. قيل واللام متعلقة بمحذوف: # أي فعلت ذلك لتصنع، وقيل متعلقة بألقيت، وقيل متعلقة بما بعده: أي ولتصنع ~~على عيني قدرنا مشي أختك. # وقرأ ابن القعقاع " ولتصنع " بإسكان اللام على الأمر، وقرأ أبو نهيك بفتح ~~التاء. والمعنى: ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي، وعلى عين مني (إذ تمشى أختك) ~~ظرف لألقيت، أو لتصنع، ويجوز أن يكون بدلا من " إذ أوحينا " وأخته اسمها ~~مريم (فتقول هل أدلكم على من يكفله) وذلك أنها خرجت متعرفة لخبره فوجدت ~~فرعون وامرأته آسية يطلبان له مرضعة، فقالت لهما هذا القول: أي هل أدلكم ~~على من يضمه إلى ms2433 نفسه ويربيه، فقالا لها ومن هو؟ قالت أمي، فقالا هل لها ~~لبن؟ قالت نعم لبن أخي هارون، وكان هارون أكبر من موسى بسنة، وقيل بأكثر، ~~فجاءت الأم فقبل ثديها، وكان لا يقبل ثدي مرضعة غيرها، وهذا هو معنى ~~(فرجعناك إلى أمك) وفى مصحف أبي " فرددناك "، والفاء فصيحة (كي تقر عينها) ~~قرأ ابن عامر في رواية عبد الحميد عنه كي تقر بكسر القاف، وقرأ الباقون ~~بفتحها. قال الجوهري: قررت به عينا قرة وقرورا، ورجل قرير العين، وقد قرت ~~عينه تقر وتقر، نقيض سخنت، والمراد بقرة العين: السرور برجوع ولدها إليها ~~بعد أن طرحته في البحر وعظم عليها فراقه (ولا تحزن) أي لا يحصل له ما يكدر ~~ذلك السرور من الحزن بسبب من الأسباب، ولو أراد الحزن بالسبب الذي قرت ~~عينها بزواله لقدم نفي الحزن على قرة العين، فيحمل هذا النفي للحزن على ما ~~يحصل بسبب يطرأ بعد ذلك، ويمكن أن يقال إن الواو لما كانت لمطلق الجمع كان ~~هذا الحمل غير متعين، وقيل المعنى: ولا تحزن أنت يا موسى بفقد إشفاقها، وهو ~~تعسف (وقتلت نفسا) المراد بالنفس هنا: نفس القبطي الذي وكزه موسى فقضى ~~عليه، وكان قتله له خطأ (فنجيناك من الغم) أي الغم الحاصل معك من قتله خوفا ~~من العقوبة الأخروية أو الدنيوية أو منهما جميعا، وقيل الغم هو القتل بلغة ~~قريش، وما أبعد هذا (وفتناك فتونا) الفتنة تكون بمعنى المحنة، وبمعنى الأمر ~~الشاق، وكل ما يبتلى به الإنسان، والفتون يجوز أن يكون مصدرا كالثبور ~~والشكور والكفور: # أي ابتليناك ابتلاء، واختبرناك اختبارا، ويجوز أن يكون جمع فتنة على ترك ~~الاعتداد بتاء التأنيث كحجور هذه في حجرة وبدور في بدرة: أي خلصناك مرة بعد ~~مرة مما وقعت فيه من المحن التي سبق ذكرها قبل أن يصطفيه الله لرسالته، ~~ولعل المقصود بذكر تنجيته من الغم الحاصل له بذلك السبب وتنجيته من المحن ~~هو الامتنان عليه بصنع الله سبحانه له وتقوية قلبه عند ملاقاة ما سيقع له ~~من ذلك مع فرعون وبني إسرائيل ms2434 (فلبثت سنين في أهل مدين) قال الفراء: # تقدير الكلام وفتناك فتونا، فخرجت إلى أهل مدين فلبثت سنين ومثل هذا ~~الحذف كثير في التنزيل، وكذا في كلام العرب فإنهم يحذفون كثيرا من الكلام ~~إذا كان المعنى معروفا، ومدين هي بلد شعيب، وكانت على ثماني PageV03P365 # مراحل من مصر، هرب إليها موسى فأقام بها عشر سنين، وهى أتم الأجلين، وقيل ~~أقام عند شعيب ثمان وعشرين سنة منها عشر مهر امرأته ابنة شعيب، ومنها ثماني ~~عشرة سنة بقي فيها عنده حتى ولد له، والفاء في " فلبثت " تدل على أن المراد ~~بالمحن المذكورة هي ما كان قبل لبثه في أهل مدين (ثم جئت على قدر يا موسى) ~~أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأجعلك نبيا، أو على مقدار من ~~الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته ~~بإخبار شعيب لك به. قال الشاعر: # نال الخلافة إذ كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر وكلمة ثم ~~المفيدة للتراخي للدلالة على أن مجيئه عليه السلام كان بعد مدة، وذلك بسبب ~~ما وقع له من ضلال الطريق وتفرق غنمه ونحو ذلك (واصطنعتك لنفسي) الاصطناع: ~~اتخاذ الصنعة، وهى الخير تسديه إلى إنسان، والمعنى: اصطنعتك لوحيي ورسالتي ~~لتتصرف قبل على إرادتي. قال الزجاج: تأويله اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك ~~بيني وبين خفي، وصرت بالتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم ~~واحتججت عليهم. قيل وهو تمثيل لما خوله الله سبحانه من الكرامة العظمى ~~بتقريب الملك لبعض خواصه (اذهب أنت وأخوك) أي وليذهب أخوك، وهو كلام مستأنف ~~مسوق لبيان ما هو المقصود من الاصطناع ومعنى (بآياتي) بمعجزاتي التي جعلتها ~~لك آية، وهى التسع الآيات (ولا تنيا في ذكرى) أي لا تضعفا ولا تفترا، يقال ~~ونى يني ونيا: إذا ضعف. # قال الشاعر: # فما ونى محمد مذ أن غفر * له الإله ما مضى وما غبر وقال امرؤ القيس: # يسيح إذا ما السابحات على الونى * أثرن غبارا بالكديد الموكل قال الفراء: ~~في ذكري ms2435 وعن ذكري سواء، والمعنى: لا تقصرا عن ذكري بالإحسان إليكما، ~~والإنعام عليكما وذكر النعمة شكرها. وقيل معنى " لا تنيا " لا تبطئا في ~~تبليغ الرسالة، وفى قراءة ابن مسعود " لا تهنا في ذكرى " (اذهبا إلى فرعون ~~إنه طغى) هذا أمر لهما جميعا بالذهاب، وموسى حاضر وهارون غائب تغليبا ~~لموسى، لأنه الأصل في أداء الرسالة، وعلل الأمر بالذهاب بقوله (إنه طغى) أي ~~جاوز الحد في الكفر والتمرد. وخص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم، ~~وجمعهما هنا تشريفا لموسى بإفراده، وتأكيدا للأمر بالذهاب بالتكرير. وقيل ~~إن في هذا دليلا على أنه لا يكفي ذهاب أحدهما. وقيل الأول أمر لموسى ~~بالذهاب إلى كل الناس، والثاني أمر لهما بالذهاب إلى فرعون. ثم أمرهما ~~سبحانه بإلانة القول له لما في ذلك من التأثير في الإجابة، فإن التخشين ~~بادئ بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر، والقول اللين هو ~~الذي لا خشونة فيه، يقال: لان الشئ يلين لينا، والمراد تركهما للتعنيف ~~كقولهما - هل لك إلى أن تزكى - وقيل القول اللين هو الكنية له، وقيل أن ~~يعداه بنعيم الدنيا إن أجاب، ثم علل الأمر بإلانة القول له بقوله (لعله ~~يتذكر أو يخشى) أي باشرا ذلك مباشرة من يرجو ويطمع، فالرجاء راجع إليهما ~~كما قاله جماعة من النحويين: سيبويه وغيره. وقد تقدم تحقيقه في غير موضع ~~قال الزجاج: " لعل " لفظة طمع وترج، فخاطبهم بما يعقلون. وقيل لعل هاهنا ~~بمعنى الاستفهام. والمعنى: فانظرا هل يتذكر أو يخشى، وقيل بمعنى كي. ~~والتذكر: النظر فيما بلغاه من الذكر وإمعان الفكر فيه حتى يكون ذلك سببا في ~~الإجابة، والخشية هي خشية عقاب الله الموعود به على لسانهما، وكلمة أو لمنع ~~الخلو دون الجمع. PageV03P366 # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (فاقذفيه في اليم) قال: هو ~~النيل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وألقيت عليك ~~محبة منى) قال: كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبته. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن سلمة ms2436 بن كهيل قال: حببتك إلى عبادي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله (ولتصنع على عيني) قال: تربى بعين الله. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: لتغذى ~~على عيني. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: يقول أنت بعيني إذ ~~جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، وإذ تمشي أختك. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والخطيب عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول " إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ يقول الله سبحانه (وقتلت ~~نفسا فنجيناك من الغم) قال: من قتل النفس (وفتناك فتونا) قال: أخلصناك ~~إخلاصا " وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (وفتناك فتونا) قال: # ابتليناك ابتلاء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: اختبرناك ~~اختبارا. وقد أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أثرا طويلا في تفسير الآية، فمن أحب استيفاء ~~ذلك فلينظره في كتاب التفسير من سنن النسائي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~في قوله (ثم جئت على قدر) قال: لميقات. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن مجاهد وقتادة (على قدر) قال: موعد. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ولا تنيا) قال: لا تبطئا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن علي في قوله (قولا لينا) قال: كنه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: كنياه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (لعله يتذكر أو يخشى) قال: هل يتذكر. # سورة طه الآية (45 - 57) PageV03P367 # سورة طه الآية (58 - 59) قرأ الجمهور أن يفرط بفتح الياء وضم الراء، ~~ومعنى ذلك: أننا نخاف أن يعجل ويبادر بعقوبتنا، يقال فرط منه أمر: أي بدر، ~~ومنه الفارط، وهو الذي يتقدم القوم إلى الماء: أي يعذبنا عذاب الفارط ms2437 في ~~الذنب، وهو المتقدم فيه، كذا قال المبرد. وقال أيضا: فرط منه أمر وأفرط: ~~أسرف، وفرط: ترك. وقرأ ابن محيصن " يفرط " بضم الياء وفتح الراء: أي يحمله ~~حامل على التسرع إلينا، وقرأت طائفة بضم الياء وكسر الراء، ومنهم ابن عباس ~~ومجاهد وعكرمة من الإفراط: أي يشتط في أذيتنا. قال الراجز: قد أفرط العلج ~~علينا وعجل ومعنى (أو أن يطغى) قد تقدم قريبا، وجملة (قال لا تخافا) ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر، نهى لهما عن الخوف الذي حصل معهما من فرعون، ثم ~~علل ذلك بقوله (إنني معكما) أي بالنصر لهما، والمعونة على فرعون، ومعنى ~~(أسمع وأرى) إدراك ما يجري بينهما وبينه بحيث لا يخفى عليه سبحانه منه ~~خافية، وليس بغافل عنهما، ثم أمرهما بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه ~~بعد أمرهما بالذهاب إليه فلا تكرار (فقولا إنا رسولا ربك) أرسلنا إليك ~~(فأرسل معنا بني إسرائيل) أي خل عنهم وأطلقهم من الأسر (ولا تعذبهم) ~~بالبقاء على ما كانوا عليه، وقد كانوا عند فرعون في عذاب شديد: يذبح ~~أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكلفهم من العمل ما لا يطيقونه، ثم أمرهما ~~سبحانه أن يقولا لفرعون (قد جئناك بآية من ربك) قيل هي العصا واليد، وقيل ~~إن فرعون قال لهما: وما هي؟ # فأدخل موسى يده في جيب قميصه، ثم أخرجها لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب ~~فرعون من ذلك، ولم يره موسى العصا إلا يوم الزينة (والسلام على من اتبع ~~الهدى) أي السلامة. قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله عز وجل ~~ومن عذابه: وليس بتحية. قال: والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا ~~خطاب. قال الفراء: السلام على من اتبع الهدى، ولمن اتبع الهدى سواء (إنا قد ~~أوحى إلينا) من جهة الله سبحانه (أن العذاب على من كذب وتولى) المراد ~~بالعذاب: الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في النار، والمراد بالتكذيب: ~~التكذيب بآيات الله وبرسله، والتولي: الإعراض عن قبولها والإيمان بها (قال ~~فمن ربكما يا موسى) أي قال فرعون لهما: فمن ربكما؟ فأضاف ms2438 الرب إليهما ولم ~~يضفه إلى نفسه لعدم تصديقه لهما ولجحده للربوبية، وخص موسى بالنداء لكونه ~~الأصل في الرسالة، وقيل لمطابقة رؤوس الآي (قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه) ~~أي قال موسى مجيبا له، وربنا مبتدأ، وخبره " الذي أعطى كل شئ خلقه " ويجوز ~~أن يكون ربنا خبر مبتدأ محذوف، وما بعده صفته، قرأ الجمهور " خلقه " بسكون ~~اللام، وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ خلقه بفتح اللام على أنه فعل، وهى ~~قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها نصير عن الكسائي. فعلى القراءة الأولى يكون ~~خلقه ثاني مفعولي أعطى والمعنى: أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يطابق المنفعة ~~المنوطة به المطابقة له كاليد للبطش، والرجل للمشي واللسان للنطق، والعين ~~للنظر، والأذن للسمع، كذا قال الضحاك وغيره. وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شئ ~~صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: المعنى لم يخلق خلق الإنسان في خلق ~~البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شئ فقدره تقديرا، ~~ومنه قول الشاعر: # وله في كل شئ خلقه * وكذاك الله ما شاء فعل PageV03P368 # وقال الفراء: المعنى خلق للرجل المرأة، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث، ~~ويجوز أن يكون خلقه على القراءة الأولى هو المفعول الأول لأعطى: أي أعطى ~~خلقه كل شئ يحتاجون إليه، ويرتفقون به، ومعنى (ثم هدى) أنه سبحانه هداهم ~~إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شئ فيما خلق له، وأما على ~~القراءة الآخرة، فيكون الفعل صفة للمضاف أو للمضاف إليه: أي أعطى كل شئ ~~خلقه الله سبحانه ولم يخله من عطائه، وعلى هذه القراءة يكون المفعول الثاني ~~محذوفا: أي أعطى كل شئ خلقه ما يحتاج إليه، فيوافق معناها معنى القراءة ~~الأولى (قال فما بال القرون الأولى) لما سمع فرعون ما احتج به موسى في ضمن ~~هذا الكلام على إثبات الربوبية كما لا يخفي من أن الخلق والهداية ثابتان ~~بلا خلاف، ولا بد لهما من خالق وهاد، وذلك الخالق والهادي هو الله سبحانه ~~لا رب غيره. قال فرعون: فما بال القرون الأولى فإنها ms2439 لم تقر بالرب الذي ~~تدعو إليه يا موسى بل عبدت الأوثان ونحوها من المخلوقات. ومعنى البال الحال ~~والشأن: أي ما حالهم وما شأنهم؟ وقيل إن سؤال فرعون عن القرون الأولى ~~مغالطة لموسى لما خاف أن يظهر لقومه أنه قد قهره بالحجة: أي ما حال القرون ~~الماضية، وماذا جرى عليهم من الحوادث؟ فأجابه موسى، ف‍ (قال علمها عند ربى) ~~أي إن هذا الذي سألت عنه ليس مما نحن بصدده، بل هو من علم الغيب الذي ~~استأثر الله به لا تعلمه أنت ولا أنا. وعلى التفسير الأول يكون معنى " ~~علمها عند ربى " أن علم هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ونحوها محفوظ عند الله ~~في كتابه سيجازيهم عليها، ومعنى كونها في كتاب أنها مثبتة في اللوح ~~المحفوظ. قال الزجاج: المعنى أن أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها، ~~والتقدير: علم أعمالها عند ربي في كتاب. # وقد اختلف في معنى (لا يضل ربى ولا ينسى) على أقوال: الأول أنه ابتداء ~~كلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد تم الكلام عند قوله في كتاب ~~كذا قال الزجاج. قال: ومعنى " لا يضل " لا يهلك من قوله - أئذا ضللنا في ~~الأرض - " ولا ينسى " شيئا من الأشياء، فقد نزهه عن الهلاك والنسيان، القول ~~الثاني أن معنى " لا يضل " لا يخطئ. القول الثالث أن معناه لا يغيب. قال ~~ابن الأعرابي: أصل الضلال الغيبوبة. القول الرابع أن المعنى لا يحتاج إلى ~~كتاب، ولا يضل عنه علم شئ من الأشياء، ولا ينسى ما علمه منها، حكى هذا عن ~~الزجاج أيضا. # قال النحاس: وهو أشبهها بالمعنى، ولا يخفى أنه كقول ابن الأعرابي. القول ~~الخامس أن هاتين الجملتين صفة لكتاب، والمعنى: أن الكتاب غير ذاهب عن الله ~~ولا هو ناس له (الذي جعل لكم الأرض مهادا) الموصول في محل رفع على أنه صفة ~~لربي متضمنة لزيادة البيان، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو في محل نصب ~~على المدح. قرأ الكوفيون (مهدا) على أنه مصدر لفعل مقدر: أي مهدها مهدا، أو ~~على تقدير مضاف ms2440 محذوف: # أي ذات مهد، وهو اسم لما يمهد كالفراش لما يفرش. وقرأ الباقون " مهادا " ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم قالا لاتفاقهم على قراءة - ألم نجعل ~~الأرض مهادا - قال النحاس: والجمع أولى من المصدر، لأن هذا الموضع ليس موضع ~~المصدر إلا على حذف المضاف. قيل يجوز أن يكون مهادا مفردا كالفراش، ويجوز ~~أن يكون جمعا، ومعنى المهاد: الفراش فالمهاد جمع المهد: أي جعل كل موضع ~~منها مهدا لكل واحد منكم (وسلك لكم فيها سبلا) السلك: # إدخال الشئ في الشئ. والمعنى: أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها وسهلها ~~لكم، وفى الآية الأخرى - الذي جعل لكم الأرض مهادا وجعل لكم فيها سبلا ~~لعلكم تهتدون - ثم قال سبحانه ممتنا على عباده (وأنزل من السماء ماء) هو ~~ماء المطر، قيل إلى هنا انتهى كلام موسى، وما بعده هو (فأخرجنا به أزواجا ~~من نبات شتى) من كلام الله سبحانه، وقيل هو من الكلام المحكى عن موسى معطوف ~~على أنزل، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على ~~كمال القدرة. ونوقش بأن هذا الخلاف الظاهر مع استلزامه فوت الالتفات لعدم ~~PageV03P369 # اتحاد المتكلم، ويجاب عنه بأن الكلام كله محكي عن واحد هو موسى، والحاكي ~~للجميع هو الله سبحانه. # والمعنى: فأخرجنا بذلك الماء بسبب الحرث والمعالجة أزواجا: أي ضروبا ~~وأشباها من أصناف النبات المختلفة. # وقوله من نبات صفة لأزواجا، أو بيان له، وكذا شتى صفة أخرى له، أي متفرقة ~~جمع شتيت. وقال الأخفش: # التقدير أزواجا شتى من نبات. قال: وقد يكون النبات شتى، فيجوز أن يكون ~~شتى نعتا لأزواجا، ويجوز أن يكون نعتا للنبات، يقال أمر شت: أي متفرق، وشت ~~الأمر شتا وشتاتا تفرق واشتت مثله، والشتيت المتفرق. # قال رؤبة: جاءت معا وأطرقت شتيتا * وجملة (كلوا وارعوا) في محل نصب على ~~الحال بتقدير القول: # أي قائلين لهم ذلك، والأمر للإباحة، يقال رعت الماشية الكلأ ورعاها ~~صاحبها رعاية: أي أسامها وسرحها يجئ لازما ومتعديا، والإشارة بقوله (إن في ~~ذلك لآيات لأولي النهى) إلى ما ms2441 تقدم ذكره في هذه الآيات، والنهي العقول جمع ~~نهية، وخص ذوي النهي لأنهم الذين ينتهي إلى رأيهم، وقيل لأنهم ينهون النفس ~~عن القبائح، وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جوابا ~~لقوله - فمن ربكما يا موسى - والضمير في (منها خلقناكم) وما بعده راجع إلى ~~الأرض المذكورة سابقا. قال الزجاج وغيره: يعني أن آدم خلق من الأرض وأولاده ~~منه. وقيل المعنى: أن كل نطفة مخلوقة من التراب في ضمن خلق آدم، لأن كل فرد ~~من أفراد البشر له حظ من خلقه (وفيها) أي في الأرض (نعيدكم) بعد الموت ~~فتدفنون فيها وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض، وجاء بفي دون إلى ~~للدلالة على الاستقرار (ومنها) أي من الأرض (نخرجكم تارة أخرى) أي بالبعث ~~والنشور وتأليف الأجسام ورد الأرواح إليها على ما كانت عليه قبل الموت، ~~والتارة كالمرة (ولقد أريناه آياتنا كلها) أي أرينا فرعون وعرفناه آياتنا ~~كلها، والمراد بالآيات هي الآيات التسع المذكورة في قوله - ولقد آتينا موسى ~~تسع آيات - على أن الإضافة للعهد. وقيل المراد جميع الآيات التي جاء بها ~~موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وأن موسى قد كان عرفه جميع معجزاته ~~ومعجزات سائر الأنبياء، والأول أولى. وقيل المراد بالآيات حجج الله سبحانه ~~الدالة على توحيده (فكذب وأبى) أي كذب فرعون موسى وأبى عليه أن يجيبه إلى ~~الإيمان، وهذا يدل على أن كفر فرعون كفر عناد لأنه رأى الآيات وكذب بها كما ~~في قوله - وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا - وجملة (قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا ~~قال فرعون بعد هذا؟ والهمزة للإنكار لما جاء به موسى من الآيات: أي جئت يا ~~موسى لتوهم الناس بأنك نبي يجب عليهم اتباعك، والإيمان بما جئت به، حتى ~~تتوصل بذلك الإيهام الذي هو شعبة من السحر إلى أن تغلب على أرضنا وتخرجنا ~~منها. وإنما ذكر الملعون الإخراج من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى، فإنه ~~إذا وقع في أذهانهم ms2442 وتقرر في أفهامهم أن عاقبة إجابتهم لموسى الخروج من ~~ديارهم وأوطانهم كانوا غير قابلين لكلامه ولا ناظرين في معجزاته ولا ~~ملتفتين إلى ما يدعو إليه من الخير (فلنأتينك بسحر مثله) الفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها واللام هي الموطئة للقسم: أي والله لنغارضنك بمثل ما ~~جئت به من السحر، حتى يتبين للناس أن الذي جئت به سحر يقدر على مثله الساحر ~~(فاجعل بيننا وبينك موعدا) هو مصدر: أي وعدا، وقيل اسم مكان: أي اجعل لنا ~~يوما معلوما، أو مكانا معلوما لا نخلفه. قال القشيري: والأظهر أنه مصدر، ~~ولهذا قال (لا نخلفه) أي لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف أن تعد شيئا ولا ~~تنجزه. قال الجوهري: الميعاد المواعدة والوقت والموضع، وكذلك الموعد. # وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج " لا نخلفه " بالجزم على أنه ~~جواب لقوله اجعل. وقرأ الباقون بالرفع على أنه صفة لموعدا: أي لا نخلف ذلك ~~الوعد (نحن ولا أنت) وفوض تعيين الموعد إلى موسى إظهارا لكمال اقتداره ~~PageV03P370 # على الإتيان بمثل ما أتى به موسى، وانتصاب (مكانا سوى) بفعل مقدر يدل ~~عليه المصدر، أو على أنه بدل من موعد. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " سوى " ~~بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها وهما لغتان. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر ~~السين لأنها اللغة العالية الفصيحة، والمراد مكانا مستويا، وقيل مكانا ~~منصفا عدلا بيننا وبينك. # قال سيبويه: يقال سوى وسوى: أي عدل، يعني عدلا بين المكانين. قال زهير: # أرونا خطة لا ضيم فيها * يسوى بيننا فيها السواء قال أبو عبيدة والقتيبي: ~~معناه مكانا وسطا بين الفريقين، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي: # وإن أبانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس قيس غيلان والفزر والفزر سعد بن ~~زيد مناة. ثم واعده موسى بوقت معلوم ف‍ (قال موعدكم يوم الزينة) قال مجاهد ~~وقتادة ومقاتل والسدي: كان ذلك يوم عيد يتزينون فيه، وقال سعيد بن جبير: ~~كان ذلك يوم عاشوراء، وقال الضحاك: # يوم السبت، وقيل يوم النيروز، وقيل يوم كسر الخليج. وقرأ الحسن والأعمش ms2443 ~~وعيسى الثقفي والسلمي وهبيرة عن حفص " يوم الزينة " بالنصب، ورويت هذه ~~القراءة عن أبي عمرو: أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا. وقرأ الباقون بالرفع ~~على أنه خبر موعدكم، وإنما جعل الميعاد زمانا بعد أن طلب منه فرعون أن يكون ~~مكانا سوى، لأن يوم الزينة يدل على مكان مشهور يجتمع فيه الناس ذلك اليوم، ~~أو على تقدير مضاف محذوف: أي موعدكم مكان يوم الزينة (وأن يحشر الناس ضحى) ~~معطوف على يوم الزينة فيكون في محل رفع، أو على الزينة فيكون في محل جر، ~~يعنى ضحى ذلك اليوم، والمراد بالناس أهل مصر. والمعنى: يحشرون إلى العيد ~~وقت الضحى، وينظرون في أمر موسى وفرعون. قال الفراء: المعنى إذا رأيت الناس ~~يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد. # قال: وجرت عادتهم بحشر الناس في ذلك اليوم. والضحى قال الجوهري: ضحوة ~~النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى، وهو حين تشرق الشمس، وخص الضحى لأنه ~~أول النهار، فإذا امتد الأمر بينهما كان في النهار متسع. وقرأ ابن مسعود ~~والجحدري " وأن يحشر " على البناء للفاعل: أي وأن يحشر الله الناس ضحى. ~~وروى عن الجحدري أنه قرأ " وأن نحشر " بالنون وقرأ بعض القراء بالتاء ~~الفوقية: أي وأن تحشر أنت يا فرعون، وقرأ الباقون بالتحتية على البناء ~~للمفعول. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إنا نخاف أن يفرط علينا) ~~قال: يعجل (أو أن يطغى) قال: يعتدي. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ~~(أسمع وأرى) قال: أسمع ما يقول وأرى ما يجاوبكما به، فأوحي إليكما ~~فتجاوبانه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: لما بعث ~~الله موسى إلى فرعون قال: رب أي شئ أقول؟ قال: قل أهيا شراهيا. قال الأعشى: ~~تفسير ذلك الحي قبل كل شئ، والحي بعد كل شئ. وجود السيوطي إسناده، وسبقه ~~إلى تجويد إسناده ابن كثير في تفسيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(على من كذب وتولى) قال: كذب بكتاب الله وتولى عن ms2444 طاعة الله. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ~~(أعطى كل شئ خلقه) قال: خلق لكل شئ زوجه (ثم هدى) قال: هداه لمنكحه ومطعمه ~~ومشربه ومسكنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (لا يضل ربى) قال: لا يخطئ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (من نبات شتى) قال: مختلف. وفى قوله (لأولي النهى) ~~قال: لأولى التقى. وأخرج ابن المنذر PageV03P371 # عنه (لأولي النهى) قال: لأولى الحجا والعقل. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر عن عطاء الخراساني قال: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي ~~يدفن فيه فيذره على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، وذلك قوله (منها) ~~خلقناكم وفيها نعيدكم). وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة قال: لما وضعت أم ~~كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القبر قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، ~~بسم الله وفى سبيل الله وعلى ملة رسول الله " وفى حديث في السنن " أنه أخذ ~~قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: منها خلقناكم، ثم أخرى وقال: وفيها ~~نعيدكم، ثم أخرى وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى ". وأخرج سعيد بن منصور وعبد ~~بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (موعدكم يوم الزينة) قال: يوم ~~عاشوراء. # وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو نحوه. # سورة طه الآية (60 - 70) قوله (فتولى فرعون) أي انصرف من ذلك المقام ليهئ ~~ما يحتاج إليه مما تواعدا عليه، وقيل معنى تولى اعرض عن الحق، والأول أولى ~~(فجمع كيده) أي جمع ما يكيد به من سحره وحيلته، والمراد أنه جمع السحرة، ~~قيل كانوا اثنين وسبعين، وقيل أربعمائة، وقيل اثنا عشر ألفا، وقيل أربعة ~~عشر ألفا، وقال ابن المنذر: كانوا ثمانين ألفا (ثم أتى) أي أتى الموعد الذي ~~تواعدا إليه مع جمعه الذي جمعه، وجملة (قال لهم موسى) مستأنفة ms2445 جواب سؤال ~~مقدر (ويلكم لا تفتروا على الله كذبا) دعا عليهم بالويل، ونهاهم عن افتراء ~~الكذب. قال الزجاج: هو منصوب بمحذوف، والتقدير ألزمهم الله ويلا. قال: ~~ويجوز أن يكون نداء كقوله - يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا - (فيسحتكم بعذاب) ~~السحت الاستئصال، يقال سحت وأسحت بمعنى، وأصله استقصاء الشعر. وقرأ ~~الكوفيون إلا شعبة " فيسحتكم " بضم حرف المضارعة من أسحت، وهى لغة بني ~~تميم، وقرأ الباقون بفتحه من سحت، وهى لغة الحجاز وانتصابه على أنه جواب ~~للنهي (وقد خاب من افترى) أي خسر وهلك، والمعنى: قد خسر من افترى على الله ~~PageV03P372 # أي كذب كان (فتنازعوا أمرهم بينهم) أي السحرة لما سمعوا كلام موسى ~~تناظروا وتشاوروا وتجاذبوا أطراف الكلام في ذلك (وأسروا النجوى) أي من ~~موسى، وكانت نجواهم هي قولهم (إن هذان لساحران) وقيل إنهم تناجوا فيما ~~بينهم فقالوا: إن كان ما جاء به موسى سحرا فسنغلبه، وإن كان من عند الله ~~فسيكون له أمر، وقيل الذي أسروه أنه إذا غلبهم اتبعوه قاله الفراء والزجاج، ~~وقيل الذي أسروه أنهم لما سمعوا قول موسى ويلكم لا تفتروا على الله، قالوا: ~~ما هذا بقول ساحر. والنجوى المناجاة يكون اسما ومصدرا. # قرأ أبو عمرو (إن هذين لساحران) بتشديد الحرف الداخل على الجملة وبالياء ~~في اسم الإشارة على إعمال إن عملها المعروف، وهو نصب الاسم ورفع الخبر، ~~ورويت هذه القراءة عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة، وبها قرأ الحسن ~~وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم من التابعين، وبها قرأ عاصم الجحدري وعيسى بن ~~عمر كما حكاه النحاس، وهذه القراءة موافقة للإعراب الظاهر مخالفة لرسم ~~المصحف فإنه مكتوب بالألف. وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن ~~محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه " إن هذان " بتخفيف إن على أنها ~~نافية، وهذه القراءة موافقة لرسم المصحف وللإعراب، وقرأ ابن كثير مثل ~~قراءتهم إلا أنه يشدد النون من هذان. وقرأ المدنيون والكوفيون وابن عامر " ~~إن هذان " بتشديد إن وبالألف، فوافقوا الرسم وخالفوا الإعراب الظاهر. وقد ~~تكلم جماعة من أهل ms2446 العلم في توجيه قراءة المدنيين والكوفيين وابن عامر، وقد ~~استوفى ذكر ذلك ابن الأنباري والنحاس، فقيل إنها لغة بنى الحارث بن كعب، ~~وخثعم وكنانة يجعلون رفع المثنى ونصبه وجره بالألف، ومنه قول الشاعر: # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى * مساغا لناباه الشجاع لصمما وقول الآخر: ~~تزود منا بين أذناه ضربة * وقول الآخر: إن أباها وأبا أباها * قد بلغا في ~~المجد غايتاها ومما يؤيد هذا تصريح سيبويه والأخفش وأبي زيد والكسائي ~~والفراء إن هذه القراءة على لغة بني الحارث ابن كعب، وحكى أبو عبيدة عن أبي ~~الخطاب أنها لغة بني كنانة، وحكى غيره أنها لغة خثعم، وقيل إن إن بمعنى نعم ~~ها هنا كما حكاه الكسائي عن عاصم، وكذا حكاه سيبويه. قال النحاس: رأيت ~~الزجاج والأخفش يذهبان إليه، فيكون التقدير: نعم هذان لساحران، ومنه قول ~~الشاعر: # ليت شعري هل للمحب شفاء * من جوى حبهن إن اللقاء أي نعم اللقاء. قال ~~الزجاج: والمعنى في الآية: أن هذا لهما ساحران، ثم حذف المبتدأ وهو هما. ~~وأنكره أبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جنى، وقيل إن الألف في هذا مشبهة ~~بالألف في يفعلان فلم تغير، وقيل إن الهاء مقدرة: # أي إنه هذان لساحران حكاه الزجاج عن قدماء النحويين، وكذا حكاه ابن ~~الأنباري. وقال ابن كيسان: إنه لما كان يقال هذا بالألف في الرفع والنصب ~~والجر على حال واحدة، وكانت التثنية لا تغير الواحد أجريت التثنية مجرى ~~الواحد فثبت الألف في الرفع والنصب والجر، فهذه أقوال تتضمن توجيه هذه ~~القراءة توجه تصح به وتخرج به عن الخطأ، وبذلك يندفع ما روى عن عثمان ~~وعائشة أنه غلط من الكاتب للمصحف (يريدان أن يخرجاكم من أرضكم) وهى أرض مصر ~~(بسحرهما) الذي أظهراه (ويذهبا بطريقتكم المثلى) قال الكسائي: # بطريقتكم بسنتكم، والمثلي نعت كقولك: امرأة كبرى، تقول العرب فلان على ~~الطريقة المثلى يعنون على الهدى PageV03P373 # المستقيم. قال الفراء: العرب تقول هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم ~~لأشرافهم، والمثلي تأنيث الأمثل، وهو الأفضل، يقال فلان أمثل قومه: أي ~~أفضلهم، وهم الأماثل. والمعنى: ms2447 أنهما إن يغلبا بسحرهما مال إليهما السادة ~~والأشراف منكم، أو يذهبا بمذهبكم الذي هو أمثل المذاهب (فأجمعوا كيدكم) ~~الإجماع الإحكام، والعزم على الشئ قاله الفراء. تقول أجمعت على الخروج مثل ~~أزمعت. وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعا عليه، وقد اتفق ~~القراء على قطع الهمزة في أجمعوا إلا أبا عمرو، فإنه قرأ بوصلها وفتح الميم ~~من الجمع. قال النحاس: وفيما حكى لي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: يجب ~~على أبى عمرو أن يقرأ بخلاف هذه القراءة، وهى القراءة التي عليها أكثر ~~الناس (ثم ائتوا صفا) أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمورهم وأشد لهيبتهم، ~~وهذا قول جمهور المفسرين. وقال أبو عبيدة: الصف موضع المجمع ويسمى المصلى ~~الصف. قال الزجاج: وعلى هذا معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه ~~لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت الصف بمعنى أتيت المصلى، فعلى التفسير الأول ~~يكون انتصاب صفا على الحال، وعلى تفسير أبي عبيدة يكون انتصابه على ~~المفعولية. قال الزجاج: # يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون، فيكون على هذا مصدرا في ~~موضع الحال، ولذلك لم يجمع، وقرئ بكسر الهمزة بعدها ياء، ومن ترك الهمزة ~~أبدل منها ألفا (وقد أفلح اليوم من استعلى) أي من غلب، يقال استعلى عليه ~~إذا غلبه، وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض، وقيل من قول فرعون لهم، ~~وجملة (قالوا يا موسى إما أن تلقى) مستأنفة جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: ~~فماذا فعلوا بعدما قالوا فيما بينهم ما قالوا؟ فقيل: قالوا يا موسى إما أن ~~تلقي، وإن مع ما في حيزها في محل نصب بفعل مضمر: أي اختر إلقاءك أولا أو ~~إلقاءنا، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها وما بعدها خبر مبتدأ محذوف، أي ~~الأمر إلقاؤك، أو إلقاؤنا، ومفعول تلقي محذوف، والتقدير: إما أن تلقي ما ~~تلقيه أولا (وإما أن نكون) نحن (أول من ألقى) ما يلقيه، أو أول من يفعل ~~الإلقاء، والمراد إلقاء العصى على الأرض، وكانت السحرة معهم عصى، وكان موسى ~~قد ألقى عصاه ms2448 يوم دخل على فرعون، فلما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا ~~القول، ف‍ (قال) لهم موسى (بل ألقوا) أمرهم بالإلقاء أولا لتكون معجزته ~~أظهر إذا ألقوا هم ما معهم ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك، وإظهارا لعدم ~~المبالاة بسحرهم (فإذا حبالهم وعصيهم) في الكلام حذف، والتقدير: فألقوا ~~فإذا حبالهم، والفاء فصيحة، وإذا للمفاجأة أو ظرفية. # والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى وقت أن (يخيل إليه) سعي حبالهم وعصيهم، وقرأ ~~الحسن " عصيهم بضم العين " وهى لغة بني تميم، وقرأ الباقون بكسرها اتباعا ~~لكسرة الصاد، وقرأ ابن عباس وابن ذكوان وروح عن يعقوب " تخيل " بالمثناة، ~~لأن العصى والحبال مؤنثة، وذلك أنهم لطخوها بالزئبق، فلما أصابها حر الشمس ~~ارتعشت واهتزت، وقرئ " نخيل " بالنون على أن الله سبحانه هو المخيل لذلك، ~~وقرئ " يخيل " بالياء التحتية مبنيا للفاعل على أن المخيل هو الكيد، وقيل ~~المخيل هو أنها تسعى، فأن في موضع رفع: أي يخيل إليه سعيها، ذكر معناه ~~الزجاج. وقال الفراء: إنها في موضع نصب: أي بأنها ثم حذف الباء. قال ~~الزجاج: ومن قرأ بالتاء: يعني الفوقية جعل أن في موضع نصب: أي تخيل إليه ~~ذات سعي. قال: ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من الضمير في تخيل، وهو عائد ~~على الحبال والعصي، والبدل فيه بدل اشتمال، يقال خيل إليه إذا شبه له وأدخل ~~عليه البهمة والشبهة (فأوجس في نفسه خيفة موسى) أي أحس، وقيل وجد، وقيل ~~أضمر، وقيل خاف، وذلك لما يعرض من الطباع البشرية عند مشاهدة ما يخشى منه، ~~وقيل خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه، وقيل إن سبب خوفه هو أن سحرهم ~~كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا، ~~فأذهب PageV03P374 # الله سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله (قلنا لا تخف إنك أنت ~~الأعلى) أي المستعلي عليهم بالظفر والغلبة، والجملة تعليل للنهي عن الخوف ~~(وألق ما في يمينك) يعني العصا، وإنما أبهمها تعظيما وتفخيما، وجزم (تلقف ~~ما صنعوا) على أنه ms2449 جواب الأمر قرئ بتشديد القاف، والأصل تتلقف فحذف إحدى ~~التاءين، وقرئ تلقف بكسر اللام من لقفه إذا ابتلعه بسرعة، وقرئ " تلقف " ~~بالرفع على تقدير فإنها تتلقف، ومعنى (ما صنعوا الذي صنعوه من الحبال ~~والعصي. قال الزجاج: القراءة بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى ~~الحال، كأنه قال: ألقها متلقفة، وجملة (إنما صنعوا كيد ساحر) تعليل لقوله ~~تلقف، وارتفاع كيد على أنه خبر لأن، وهى قراءة الكوفيين إلا عاصما. وقرأ ~~هؤلاء " سحر " بكسر السين وسكون الحاء، وإضافة الكيد إلى السحر على الإتساع ~~من غير تقدير، أو بتقدير ذي سحر. وقرأ الباقون " كيد ساحر " (ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى) أي لا يفلح جنس الساحر حيث أتى وأين توجه، وهذا من تمام ~~التعليل (فألقى السحرة سجدا) أي فألقى ذلك الأمر الذي شاهدوه من موسى ~~والعصا السحرة سجدا لله تعالى، وقد مر تحقيق هذا في سورة الأعراف (قالوا ~~آمنا برب هارون وموسى) إنما قدم هارون على موسى في حكاية كلامهم رعاية ~~لفواصل الآي وعناية بتوافق رؤوسها. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فيسحتكم بعذاب) ~~قال: يهلككم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة (فيسحتكم) قال: ~~يستأصلكم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: فيذبحكم. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي (ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى) قال: يصرفا وجوه الناس إليهما. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في الآية قال: يقول أمثلكم، وهم بنو إسرائيل. وأخرج عبد بن حميد ~~وعبد الرزاق في قوله (تلقف ما صنعوا) ما يأفكون، عن قتادة قال: # ألقاها موسى فتحولت حية تأكل حبالهم وما صنعوا. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة، فقالوا ~~لفرعون: إن يكن هذان ساحران فإنا نغلبهما يكون فإنه لا أسحر منا، وإن كانا ~~من رب العالمين فإنه لا طاقة لنا برب العالمين، فلما كان من أمرهم أن خروا ~~سجدا أراهم الله ms2450 في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها (قالوا لن ~~نؤثرك على ما جاءنا من البينات) إلى قوله (والله خير وأبقى). # سورة طه الآية (71 - 76) PageV03P375 # قوله (قال آمنتم له) يقال آمن له وآمن به، فمن الأول قوله - فآمن له لوط ~~-، ومن الثاني، قوله في الأعراف - آمنتم به قبل أن آذن لكم - وقيل إن الفعل ~~هنا متضمن معنى الاتباع. وقرئ على الاستفهام التوبيخي: أي كيف آمنتم به من ~~غير إذن مني لكم بذلك (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) أي إن موسى لكبيركم: ~~أي أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر، أو معلمكم وأستاذكم كما يدل عليه ~~قوله (الذي علمكم السحر) قال الكسائي: # الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال: جئت من عند كبيري. وقال محمد بن ~~إسحاق: إنه لعظيم السحر. قال الواحدي: والكبير في اللغة الرئيس، ولهذا يقال ~~للمعلم الكبير. أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا ~~يؤمنوا، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيسا لهم، ولا ~~بينه وبينهم مواصلة (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) أي والله لأفعلن بكم ~~ذلك، والتقطيع للأيدي والأرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، ~~ومن للابتداء (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوعها كقوله - أم لهم سلم ~~يستمعون فيه - أي عليه، ومنه قول سويد بن أبي كاهل: # هم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا بأجدعا وإنما آثر كلمة ~~" في " للدلالة على استقرارهم عليها كاستقرار بكر المظروف في الظرف ~~(ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى) أراد لتعلمن هل أنا أشد عذابا لكم أم موسى؟ ~~ومعنى أبقى أدوم، وهو يريد بكلامه هذا الاستهزاء بموسى، لأن موسى لم يكن من ~~التعذيب في شئ، ويمكن أن يريد العذاب الذي توعدهم به موسى إن لم يؤمنوا، ~~وقيل أراد بموسى رب موسى على حذف المضاف (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من ~~البينات) أي لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات الواضحة من عند ~~الله سبحانه كاليد والعصا، وقيل ms2451 إنهم أرادوا بالبينات ما رأوه في سجودهم من ~~المنازل المعدة لهم في الجنة (والذي فطرنا) معطوف على ما جاءنا أي لن ~~نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات وعلى الذي فطرنا: أي خلقنا، وقيل ~~هو قسم: أي والله الذي فطرنا لن نؤثرك، أو لا نؤثرك، وهذان الوجهان في ~~تفسير الآية ذكرهما الفراء والزجاج (فاقض ما أنت قاض) هذا جواب منهم لفرعون ~~لما قال لهم لأقطعن الخ، والمعنى: فاصنع ما أنت صانع، واحكم ما أنت حاكم، ~~والتقدير: ما أنت صانعه (إنما تقضى هذه الحياة الدنيا) أي إنما سلطانك ~~علينا ونفوذ أمرك فينا في هذه الدنيا ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، فاسم ~~الإشارة في محل نصب على الظرفية أو على المفعولية وما كافة، وأجاز الفراء ~~الرفع على أن تجعل ما بمعنى الذي: أي أن الذي تقضيه هذه الحياة الدنيا ~~فقضاؤك قد وحكمك منحصر في ذلك (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا) التي ~~سلفت منا من الكفر وغيره (وما أكرهتنا عليه من السحر) معطوف على خطايانا: ~~أي ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من عمل السحر في معارضة موسى فما في محل ~~نصب على المفعولية وقيل هي نافية، قال النحاس: والأول أولى. قيل ويجوز أن ~~يكون في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر: أي وما أكرهتنا عليه من السحر ~~موضوع عنا (والله خير وأبقى) أي خير منك ثوابا وأبقى منك عقابا، وهذا جواب ~~قوله: ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا ~~يموت فيها ولا يحيى) المجرم هو المتلبس بالكفر والمعاصي، ومعنى لا يموت ~~فيها ولا يحيى أنه لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه. قال المبرد: لا ~~يموت ميتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة، فهو يألم كما يألم الحي ويبلغ به حال ~~الموت في المكروه إلا أنه لا يبطل فيها عن إحساس الألم، والعرب تقول: فلان ~~لا حي ولا ميت إذا كان غير منتفع بحياته، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا: # ألا من لنفس لا تموت ms2452 فينقضي * شقاها ولا تحيا حياة لها طعم PageV03P376 # وهذه الآية من جملة ما حكاه الله سبحانه من قول السحرة، وقيل هو ابتداء ~~كلام، والضمير في إنه على هذا الوجه للشأن (ومن يأته مؤمنا قد عمل ~~الصالحات) أي ومن يأت ربه مصدقا به قد عمل الصالحات: أي الطاعات، والموصوف ~~محذوف، والتقدير الأعمال الصالحات، وجملة قد عمل في محل نصب على الحال ~~وهكذا مؤمنا منتصب على الحال، والإشارة ب‍ (أولئك) إلى من باعتبار معناه ~~(لهم الدرجات العلى) أي المنازل الرفيعة التي قصرت دونها الصفات (جنات عدن) ~~بيان للدرجات أو بدل منها، والعدن الإقامة وقد تقدم بيانه، وجملة (تجرى من ~~تحتها الأنهار) حال من الجنات، لأنها مضافة إلى عدن، وعدن علم للإقامة كما ~~سبق، وانتصاب (خالدين فيها) على الحال من ضمير الجماعة في لهم: أي ماكثين ~~دائمين، (و) الإشارة (بذلك) إلى ما تقدم لهم من الأجر، وهو مبتدأ، و (جزاء ~~من تزكى) خبره: أي جزاء من تطهر من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وما أكرهتنا عليه من السحر) ~~قال: أخذ فرعون أربعين غلاما من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر ~~بالفرما، قال: علموهم تعليما لا يغلبهم أحد في الأرض. قال ابن عباس: فهم من ~~الذين آمنوا بموسى، وهم الذين قالوا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما ~~أكرهتنا عليه من السحر. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في قوله (والله ~~خير وأبقى) قال: خير منك إن أطيع وأبقى منك عذابا إن عصى. وأخرج أحمد ومسلم ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم خطب فأتى على هذه الآية (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت ~~فيها ولا يحيى) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما أهلها الذين ~~هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها فإن ~~النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى ms2453 بهم ضبائر على نهر ~~يقال له الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل. وأخرج ~~أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق ~~السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما " وفى الصحيحين بلفظ " إن أهل عليين ~~ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء ". # سورة طه الآية (77 - 85) PageV03P377 # سورة طه الآية (86 - 91) هذا شروع في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم وقد ~~تقدم في البقرة، وفى الأعراف. وفى يونس، واللام في لقد هي الموطئة للقسم، ~~وفى ذلك من التأكيد ما لا يخفى، و (أن) في أن أسر بعبادي، إما المفسرة لأن ~~في الوحي معنى القول، أو مصدرية: أي بأن أسر أي أسر بهم من مصر. وقد تقدم ~~هذا مستوفى (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) أي اجعل لهم طريقا، ومعنى يبسا ~~يابسا وصف به الفاعل مبالغة، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى ~~لم يكن فيها ماء ولا طين. وقرئ " يبسا " بسكون الباء على أنه مخفف من يبسا ~~المحرك، أو وجمع يابس كصحب في صاحب، وجملة " لا تخاف دركا " في محل نصب على ~~الحال: أي آمنا من أن يدرككم العدو، أو صفة أخرى لطريق، والدرك اللحاق بهم ~~من فرعون وجنوده. وقرأ حمزة " لا تخف " علي أنه جواب الأمر، والتقدير: إن ~~تضرب لا تخف، ولا تخشى على هذه القراءة مستأنف: أي ولا أنت تخشى من فرعون ~~أو من البحر. # وقرأ الجمهور " لا تخاف " وهى أرجح لعدم الجزم في تخشى، ويجوز أن تكون ~~هذه الجملة على قراءة الجمهور صفة أخرى لطريق: أي لا تخاف منه ولا تخشى منه ~~(فأتبعهم فرعون بجنوده) أتبع هنا مطاوع تبع، يقال أتبعتهم إذا تبعتهم، وذلك ~~إذا سبقوك فلحقتهم، فالمعنى: تبعهم فرعون ومعه جنوده. وقيل الباء زائدة ~~والأصل اتبعهم جنوده: أي أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه، وقرئ " فأتبعهم " ~~بالتشديد: أي لحقهم بجنوده ms2454 وهو معهم كما يقال: ركب الأمير بسيفه: أي معه ~~سيفه، ومحل بجنوده النصب على الحال أي سابقا جنوده معه (فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم) أي علاهم وأصابهم ما علاهم وأصابهم، والتكرير للتعظيم والتهويل كما ~~في قوله - الحاقة ما الحاقة - وقيل غشيهم ما سمعت قصته. وقال ابن الأنباري: ~~غشيهم البعض الذي غشيهم، لأنه لم يغشهم كل ماء البحر، بل الذي غشيهم بعضه. ~~فهذه العبارة للدلالة على أن الذي غرقهم بعض الماء، والأول أولى لما يدل ~~عليه من التهويل والتعظيم. وقرئ فغشاهم من اليم ما غشاهم: أي غطاهم ما ~~غطاهم (وأضل فرعون قومه وما هدى) أي أضلهم عن الرشد، وما هداهم إلى طريق ~~النجاة لأنه قدر أن موسى ومن معه لايفوتونه لكونهم بين يديه يمشون في طريق ~~يابسة، وبين أيديهم البحر، وفى قوله (وما هدى) تأكيد لإضلاله، لأن المضل قد ~~يرشد من يضله في بعض الأمور (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم) ذكر ~~سبحانه ما أنعم به على بني إسرائيل بعد إنجائهم، والتقدير قلنا لهم بعد ~~إنجائهم: يا بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطابا لليهود المعاصرين لنبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأن النعمة على الآباء معدودة من النعم على الأبناء، ~~والمراد بعدوهم هنا فرعون وجنوده، وذلك بإغراقه وإغراق قومه PageV03P378 # في البحر بمرأى من بني إسرائيل (وواعدناكم جانب الطور الأيمن) انتصاب ~~جانب على أنه مفعول به، لا على الظرفية لأنه مكان معين غير مبهم، وإنما ~~تنتصب الأمكنة على الظرفية إذا كانت مبهمة. قال مكي: وهذا أصل لا خلاف فيه. ~~قال النحاس: والمعنى أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه لنكلمه بحضرتكم ~~فتسمعوا الكلام، وقيل وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور، فالوعد ~~كان لموسى، وإنما خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ~~ويعقوب ووعدناكم بغير ألف، واختاره أبو عبيدة، لأن الوعد إنما هو من الله ~~لموسى خاصة والمواعدة لا تكون إلا من اثنين: وقد قدمنا في البقرة هذا ~~المعنى، والأيمن منصوب على أنه صفة للجانب، والمراد ms2455 يمين الشخص، لأن الجبل ~~ليس له يمين ولا شمال، فإذا قيل خذ عن يمين الجبل بمعناه عن يمينك من ~~الجبل. وقرئ بجر الأيمن على أنه صفة للمضاف إليه (ونزلنا عليكم المن ~~والسلوى) قد تقدم تفسير المن بالترنجبين والسلوى بالسماني وأوضحنا ذلك بما ~~لا مزيد عليه، وإنزال ذلك عليهم كان في التيه (كلوا من طيبات ما رزقناكم) ~~أي وقلنا لهم كلوا والمراد بالطيبات المستلذات، وقيل الحلال على الخلاف ~~المشهور في ذلك. # وقرأ حمزة والكسائي والأعمش: قد أنجيتكم من عدوكم ووعدتكم جانب الطور ~~كلوا من طيبات ما رزقتكم بتاء المتكلم في الثلاثة. وقرأ الباقون بنون ~~العظمة فيها (ولا تطغوا فيه) الطغيان التجاوز: أي لا تتجاوزوا ما هو جائز ~~إلى ما لا يجوز، وقيل المعنى: لا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين، وقيل لا ~~تكفروا النعمة ولا تنسوا شكرها، وقيل لا تعصوا المنعم: أي لا تحملنكم السعة ~~والعافية على المعصية، ولا مانع من حمل الطغيان على جميع هذه المعاني فإن ~~كل واحد منها يصدق عليه أنه طغيان (فيحل عليكم غضبى) هذا جواب النهي: أي ~~يلزمكم غضبي وينزل بكم، وهو مأخوذ من حلول الدين: أي حضور وقت أدائه (ومن ~~يحلل عليه غضبى فقد هوى) قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي " فيحل " بضم ~~الحاء وكذلك قرأوا يحلل بضم اللام الأولى، وقرأ الباقون بالكسر فيهما وهما ~~لغتان: قال الفراء: والكسر أحب إلي من الضم لأن الضم من الحلول بمعنى ~~الوقوع، ويحل بالكسر يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع، وذكر نحو هذا ~~أبو عبيدة وغيره. ومعنى " فقد هوى " فقد هلك. قال الزجاج (فقد هوى) أي صار ~~إلى الهاوية، وهى قعر النار من هوى يهوي هويا: أي سقط من علو إلى سفل، وهوى ~~فلان: أي مات (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا) أي لمن تاب من الذنوب ~~التي أعظمها الشرك بالله، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~وعمل عملا صالحا مما ندب إليه الشرع وحسنه (ثم اهتدى) أي استقام على ذلك ~~حتى يموت كذا قال الزجاج وغيره. ms2456 وقيل لم يشك في إيمانه، وقيل أقام على ~~السنة والجماعة، وقيل تعلم العلم ليهتدي به، وقيل علم أن لذلك ثوابا وعلى ~~تركه عقابا، والأول أرجح مما بعده (وما أعجلك عن قومك يا موسى) هذا حكاية ~~لما جرى بين الله سبحانه وبين موسى عند موافاته الميقات. قال المفسرون: ~~وكانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل ~~من بينهم شوقا إلى ربه، فقال الله له: ما أعجلك؟ أي ما الذي حملك على ~~العجلة، حتى تركت قومك وخرجت من بينهم، فأجاب موسى عن ذلك (قال هم أولاء ~~على أثرى) أي هم بالقرب مني، تابعون لأثري واصلون بعدي. وقيل لم يرد أنهم ~~يسيرون خلفه، بل أراد أنهم بالقرب منه ينتظرون عوده إليهم، ثم قال مصرحا ~~بسبب ما سأله الله عنه فقال (وعجلت إليك رب لترضى) أي لترضى عني بمسارعتي ~~إلى امتثال أمرك أو لتزداد رضا عني بذلك. قال أبو حاتم: قال عيسى بن عمر: ~~بنو تميم يقولون " أولا " مقصورة، وأهل الحجاز. يقولون " أولاء " ممدودة. ~~وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر ورويس عن يعقوب " على إثري " بكسر الهمزة وإسكان ~~الثاء، وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان. ومعنى عجلت PageV03P379 # إليك: عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني، يقال رجل عجل ~~وعجول وعجلان: بين العجلة، والعجلة خلاف البطء، وجملة (قال فإنا قد فتنا ~~قومك من بعدك) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال الله له؟ فقيل ~~قال إنا قد فتنا قومك من بعدك: أي ابتليناهم واختبرناهم وألقيناهم فلا في ~~فتنة ومحنة. قال ابن الأنباري: صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل من بعد ~~انطلاقك من بينهم، وهم الذين خلفهم مع هارون (وأضلهم السامري) أي دعاهم إلى ~~الضلالة، وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل في دين بني إسرائيل في الظاهر وفى ~~قلبه ما فيه من عبادة البقر، وكان من قبيلة تعرف بالسامرة، وقال لمن معه من ~~بني إسرائيل: إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لما صار معكم من ~~الحلي، وهى حرام ms2457 عليكم وأمرهم بإلقائها في النار، فكان من أمر العجل ما كان ~~(فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) قيل وكان الرجوع إلى قومه بعد ما استوفى ~~أربعين يوما: # ذا القعدة، وعشر ذي الحجة، والأسف الشديد الغضب، وقيل الحزين، وقد مضى في ~~الأعراف بيان هذا مستوفى (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) الاستفهام ~~للإنكار التوبيخي، والوعد الحسن وعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم ~~أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب ~~عملهم، وقيل وعدهم النصر والظفر، وقيل هو قوله " وإني لغفار لمن تاب " ~~الآية (أفطال عليكم العهد) الفاء للعطف على مقدر: أي أو عدكم ذلك، فطال ~~عليكم الزمان فنسيتم (أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) أي يلزمكم وينزل ~~بكم، والغضب: العقوبة والنقمة، والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سبب ~~حلول غضب الله عليكم (فأخلفتم موعدي) أي موعدكم إياي، فالمصدر مضاف إلى ~~المفعول، لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من ~~الطور، وقيل وعدوه أن يأتوا على أثره إلى الميقات، فتوقفوا فأجابوه، و ~~(قالوا ما أخلفنا موعدك) الذي وعدناك (بملكنا) بفتح الميم، وهى قراءة نافع ~~وأبي جعفر وعاصم وعيسى بن عمر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر ~~الميم، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لأنها على اللغة العالية ~~الفصيحة، وهو مصدر ملكت الشئ أملكه ملكا، والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول ~~محذوف: أي بملكنا أمورنا، أو بملكنا الصواب، بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا ~~وكنا مضطرين إلى الخطأ، وقرأ حمزة والكسائي " بملكنا " بضم الميم، والمعنى ~~بسلطاننا: أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك، وقيل إن الفتح والكسر والضم في ~~بملكنا كلها لغات في مصدر ملكت الشئ (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم) ~~قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص وأبو جعفر ورويس " حملنا " بضم الحاء ~~وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح الحاء والميم مخففة، واختار هذه القراءة ~~أبو عبيد وأبو حاتم لأنهم حملوا حلية القوم معهم ms2458 باختيارهم، وما حملوها ~~كرها، فإنهم كانوا استعاروها منهم حين أرادوا الخروج مع موسى، وأوهموهم ~~أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة، وقيل هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم ~~البحر إلى الساحل، وسميت أوزارا: أي آثاما، لأنه لا يحل لهم أخذها، ولا تحل ~~لهم الغنائم في شريعتهم والأوزار في الأصل الأثقال كما صرح به أهل اللغة، ~~والمراد بالزينة هنا الحلي (فقذفناها) أي طرحناها في النار طلبا للخلاص من ~~إثمها، وقيل المعنى: طرحناها إلى السامري لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى ~~فيها رأيه (فكذلك ألقى السامري) أي فمثل ذلك القذف ألقاها السامري، قيل إن ~~السامري قال لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى: إنما احتبس عنكم لأجل ما ~~عندكم من الحلي، فجمعوه ودفعوه إليه، فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلا، ~~ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول وهو جبريل، فصار (عجلا جسدا له خوار) أي ~~يخور كما يخور الحي من العجول، والخوار صوت البقر، وقيل خواره كان بالريح، ~~لأنه كان عمل فيه خروقا، فإذا دخلت PageV03P380 # الريح في جوفه خار ولم يكن فيه حياة، (فقالوا هذا إلهكم وإله موسى) أي ~~قال السامري ومن وافقه هذه المقالة (فنسى) أي فضل موسى ولم يعلم مكان إلهه ~~هذا، وذهب يطلبه في الطور، وقيل المعنى: فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه ~~وإلهكم، وقيل الناسي هو السامري: أي ترك السامري ما أمر به موسى من الإيمان ~~وضل، كذا قال ابن الأعرابي (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا) أي أفلا ~~يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرجع إليهم قولا: أي لا يرد عليهم ~~جوابا، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتوهمون أنه إله وهو عاجز عن المكالمة، ~~فأن في " ألا يرجع " هي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير مقدر يرجع إلى ~~العجل، ولهذا ارتفع الفعل بعدها، ومنه قول الشاعر: # في فتية من سيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل أي أنه ~~هالك. وقرئ بنصب الفعل على أنها الناصبة، وجملة (ولا يملك لهم ms2459 ضرا ولا ~~نفعا) معطوفة على جملة لا يرجع: أي أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ~~ضرا ولا يجلب إليهم نفعا (ولقد قال لهم هارون من قبل) اللام هي الموطئة ~~للقسم والجملة مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم ~~والتوبيخ لهم: أي ولقد قال لهم هارون من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم (يا ~~قوم إنما فتنتم به) أي وقعتم في الفتنة بسبب العجل وابتليتم به وضللتم عن ~~طريق الحق لأجله، قيل ومعنى القصر المستفاد من إنما هو أن العجل صار سببا ~~لفتنتهم لا لرشادهم غير وليس معناه أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره (وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري) أي ربكم الرحمن لا العجل، فاتبعوني في أمري ~~لكم بعبادة الله، رولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل، وأطيعوا ~~أمري لا أمره (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) أجابوا ~~هارون عن قوله المتقدم بهذا الجواب المتضمن لعصيانه، وعدم قبول ما دعاهم ~~إليه من الخير وحذرهم عنه من الشر: أي لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل، ~~حتى يرجع إلينا موسى، فينظر هل يقررنا على عبادته أو ينهانا عنها، فعند ذلك ~~اعتزلهم هارون في اثنى عشر ألفا من المنكرين لما فعله السامري. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في ~~قوله (يبسا) قال: يابسا ليس فيه ماء ولا طين. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (لا تخاف دركا) من آل فرعون (ولا تخشى) من البحر غرقا. وأخرجا عنه ~~أيضا في قوله (فقد هوى) شقى. وأخرجا عنه أيضا (وإني لغفار لمن تاب) قال من ~~الشرك (وآمن) قال: وحد الله (وعمل صالحا) قال: أدى الفرائض (ثم اهتدى) قال: ~~لم يشكك. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عنه أيضا (وإني لغفار لمن تاب) ~~قال: من تاب من الذنب، وآمن من الشرك، وعمل صالحا فيما بينه وبين ms2460 ربه (ثم ~~اهتدى) علم أن لعمله ثوابا يجزى عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ~~(ثم أهتدي) قال: ثم استقام لزم السنة والجماعة. # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي في البعث من طريق عمرو بن ~~ميمون عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: تعجل موسى إلى ~~ربه، فقال الله (وما أعجلك عن قومك يا موسى) الآية، قال: # فرأى في ظل العرش رجلا فعجب له، فقال: من هذا يا رب؟ قال: لا أحدثك من ~~هو: لكن سأخبرك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ~~ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن علي قال: لما تعجل موسى إلى ربه عمد ~~السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلا، ثم ألقى القبضة ~~في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، ~~فقال لهم هارون، يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا، فلما أن رجع PageV03P381 # موسى أخذ برأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري: ما خطبك ~~قال (قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي) فعمد موسى إلى ~~العجل، فوضع موسى عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر فما شرب أحد من ~~ذلك الماء ممن كان يعبد ذلك العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب فقالوا لموسى: # ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه ~~وأباه وابنه ولا يبالي بمن قتل حتى قتل منهم سبعون ألفا، فأوحى الله إلى ~~موسى مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي. # والحكايات لهذه القصة كثيرة جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(بملكنا) قال: بأمرنا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ~~(بملكنا) قال: بطاقتنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى مثله. # وأخرج أيضا عن ms2461 الحسن قال: بسلطاننا. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (هذا إلهكم وإله موسى فنسى) قال: ~~فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه. # سورة طه الآية (92 - 101) جملة (قال يا هارون) مستأنفة جواب سؤال مقدر، ~~والمعنى: أن موسى لما وصل إليهم أخذ بشعور رأس أخيه هارون وبلحيته وقال (ما ~~منعك) من اتباعي واللحوق بي عند أن وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في الفتنة، ~~وقيل معنى (ما منعك أن لا تتبعني) ما منعك من اتباعي في الإنكار عليهم، ~~وقيل معناه: هلا قاتلتهم إذ قد علمت أنى لو كنت بينهم لقاتلتهم، وقيل ~~معناه: هلا فارقتهم، ولا في " أن لا تتبعني " زائدة، وهو في محل نصب على ~~أنه مفعول ثان لمنع: أي أي شئ منعك حين رؤيتك لضلالهم من اتباعي، ~~والاستفهام في (أفعصيت أمري) للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر ~~كنظائره، والمعنى: كيف خالفت أمري لك بالقيام لله ومنابذة من خالف دينه ~~وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها، وقيل المراد بقوله أمري هو قوله ~~الذي حكى الله عنه - وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع ~~سبيل المفسدين - فلما أقام معهم ولم يبالغ في الإنكار PageV03P382 # عليهم نسبه إلى عصيانه (قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) قرئ ~~بالفتح والكسر للميم، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة الأعراف، ونسبه إلى ~~الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له وترقيقا لقلبه، ~~ومعنى (ولا برأسي) ولا بشعر رأسي: أي لا تفعل هذا بي عقوبة منك لي، فإن لي ~~عذرا هو (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) أي خشيت إن خرجت عنهم ~~وتركتهم أن يتفرقوا فتقول إني فرقت جماعتهم وذلك لأن هارون لو خرج لتبعه ~~جماعة منهم وتخلف مع السامري عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال ~~بينهم، ومعنى (ولم ترقب قولي) ولم تعمل بوصيتي لك فيهم، إني خشيت أن تقول ~~فرقت بينهم وتقول لم تعمل بوصيتي ms2462 لك فيهم وتحفظها، ومراده بوصية موسى له هو ~~قوله - أخلفني في قومي وأصلح - قال أبو عبيد: معنى (ولم ترقب قولي) ولم ~~تنتظر عهدي وقدومي لأنك أمرتني أن أكون معهم، فاعتذر هارون إلى موسى ها هنا ~~بهذا، واعتذر إليه في الأعراف بما حكاه الله عنه هنالك حيث قال - إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني - ثم ترك موسى الكلام مع أخيه وخاطب السامري ف‍ ~~(قال فما خطبك يا سامري) أي ما شأنك وما الذي حملك على ما صنعت (قال بصرت ~~بما لم يبصروا به) أي قال السامري مجيبا على موسى: رأيت ما لم يروا أو علمت ~~بما لم يعلموا وفطنت لما لم يفطنوا له، وأراد بذلك أنه رأى جبريل على فرس ~~الحياة فألقى في ذهنه أن يقبض قبضة من أثر الرسول، وأن ذلك الأثر لا يقع ~~على جماد إلا صار حيا. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف " ما لم تبصروا به ~~" بالمثناة من فوق على الخطاب. # وقرأ الباقون بالتحتية، وهى أولى، لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب موسى بذلك ~~ويدعى لنفسه أنه علم ما لم يعلم به موسى، وقرئ بضم الصاد فيهما وبكسرها في ~~الأول وفتحها في الثاني، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة " فقبصت ~~قبصة " بالصاد المهملة فيهما، وقرأ الباقون بالضاد المعجمة فيهما، والفرق ~~بينهما أن القبض بالمعجمة هو الأخذ بجميع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع، ~~والقبضة بضم القاف: القدر المقبوض. قال الجوهري: هي ما قبضت عليه من شئ، ~~قال: وربما جاء بالفتح، وقد قرئ " قبضة " بضم القاف وفتحها، ومعنى الفتح ~~المرة من القبض، ثم أطلقت على المقبوض وهو معنى القبضة بضم القاف، ومعنى ~~(من أثر الرسول) من المحل الذي وقع عليه حافر فرس جبريل، ومعنى (فنبذتها) ~~فطرحتها في الحلي المذابة المسبوكة على صورة العجل (وكذلك سولت لي نفسي) ~~قال الأخفش: أي زينت: أي ومثل ذلك التسويل سولت لي نفسي، وقيل معنى سولت لي ~~نفسي، حدثتني نفسي، فلما سمع موسى منه ذلك (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن ~~تقول لا مساس) ms2463 أي فاذهب من بيننا واخرج عنا فإن لك في الحياة: أي ما دمت ~~حيا، وأطول حياتك أن تقول لا مساس. المساس مأخوذ من المماسة: أي لا يمسك ~~أحد ولا تمس أحدا، لكن لا بحسب الاختيار منك، بل بموجب الاضطرار المجئ يقول ~~إلى ذلك، لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينفي السامري عن قومه، وأمر بني ~~إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. قيل إنه لما قال له ~~موسى ذلك هرب، فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش لا يجد أحدا من الناس ~~يمسه حتى صار كمن يقول لا مساس لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، كما قال ~~الشاعر: # حمال رايات بها قناعسا * حتى تقول الأزد لا مسايسا قال سيبويه: وهو مبني ~~على الكسر. قال الزجاج: كسرت السين لأن الكسرة من علامة التأنيث. قال ~~الجوهري في الصحاح: وأما قول العرب لا مساس مثل قطام فإنما بني على الكسر ~~لأنه معدول عن المصدر، وهو المس. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول: ~~سمعت محمد بن يزيد المبرد يقول: إذا اعتل الشئ من ثلاث PageV03P383 # جهات وجب أن يبنى، وإذا اعتل من جهتين وجب أن لا ينصرف، لأنه ليس بعد ~~الصرف إلا البناء، فمساس دراك اعتل من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ومنها ~~أنه مؤنث، ومنها أنه معرفة، فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ~~ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين. وقد رأيت أبا إسحاق يعني الزجاج ذهب ~~إلى أن هذا القول خطأ وألزم أبا العباس إذا سميت امرأة بفرعون أن يبنيه ~~وهذا لا يقوله أحد. وقد قرأ بفتح الميم أبو حياة والباقون بكسرها. وحاصل ما ~~قيل في معنى لا مساس ثلاثة أوجه: الأول أنه حرم عليه مماسة الناس، وكان إذا ~~ماسه أحد حم الماس والممسوس، فلذلك كان يصيح إذا رأى أحدا لا مساس. والثاني ~~أن المراد منع الناس من مخالطته، واعترض بأن الرجل إذا صار مهجورا فلا يقول ~~هو لا مساس، وإنما يقال له، وأجيب بأن المراد الحكاية: أي أجعلك ms2464 يا سامري ~~بحيث إذا أخبرت عن حالك قلت لا مساس. والقول الثالث أن المراد انقطاع نسله، ~~وأن يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة قاله أبو مسلم وهو ضعيف جدا. ثم ~~ذكر حاله في الآخرة فقال (وإن لك موعدا لن تخلفه) أي لن يخلفك الله ذلك ~~الموعد، وهو يوم القيامة، والموعد مصدر: أي إن لك وعدا لعذابك، وهو كائن لا ~~محالة قال الزجاج: أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف ~~الميعاد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن واليزيدي والحسن لن ~~تخلفه بكسر اللام، وله على هذه القراءة معنيان: أحدهما ستأتيه ولن تجده ~~مخلفا كما تقول أحمدته: أي وجدته محمودا. والثاني على التهديد: أي لا بد لك ~~من أن تصير إليه. وقرأ ابن مسعود " لن نخلفه " بالنون: أي لن يخلفه الله. ~~وقرأ الباقون بفتح اللام، وبالفوقية مبنيا للمفعول، معناه ما قدمناه (وانظر ~~إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) ظلت أصله ظللت فحذفت اللام الأولى تخفيفا، ~~والعرب تفعل ذلك كثير. وقرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفى قراءة ابن مسعود ~~" ظلت " بكسر الظاء. والمعنى: انظر إلى إلهك الذي دمت وأقمت على عبادته، ~~والعاكف الملازم (لنحرقنه) قرأ الجمهور بضم النون وتشديد الراء من حرقه ~~يحرقه. وقرأ الحسن بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه. ~~وقرأ علي وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب والعقيلي " لنحرقنه " بفتح ~~النون وضم الراء مخففة من حرقت الشئ أحرقه حرقا إذا بردته وحككت بعضه ببعض: ~~أي لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد المحرق. والقراءة الأولى أولى، ومعناها ~~الإحراق بالنار، وكذا معنى القراءة الثانية، وقد جمع بين هذه الثلاث ~~القراءات بأنه أحرق، ثم برد بالمبرد، وفى قراءة ابن مسعود " لنذبحنه " ثم ~~لنحرقنه، واللام هي الموطئة للقسم (ثم لننسفنه في اليم نسفا) النسف نفض ~~الشئ ليذهب به الريح. قرأ أبو رجاء " لننسفنه " بضم السين، وقرأ الباقون ~~بكسرها، وهما لغتان. والمنسف ما ينسف به الطعام، وهو شئ منصوب الصدر أعلاه ~~مرتفع، والنسافة ما يسقط منه (إنما ms2465 إلهكم الله الذي لا إله إلا هو) لا هذا ~~العجل الذي فتنتم به السامري (وسع كل شئ علما) قرأ الجمهور وسع بكسر السين ~~مخففة. وهو معتد إلى مفعول واحد، وهو كل شئ، وانتصاب علما على التمييز ~~المحول عن الفاعل: أي وسع علمه كل شئ. وقرأ مجاهد وقتادة وسع بتشديد السين ~~وفتحها فيتعدى إلى مفعولين، ويكون انتصاب علما على أنه المفعول الأول وإن ~~كان متأخرا، لأنه في الأصل فاعل، والتقدير: وسع علمه كل شئ، وقد مر نحو هذا ~~في الأعراف (كذلك نقص عليك) الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي ~~كما قصصنا عليك خبر موسى كذلك نقص عليك (من أنباء ما قد سبق) أي من أخبار ~~الحوادث الماضية في الأمم الخالية لتكون تسلية لك ودلالة على صدقك، ومن ~~للتبعيض: أي بعض أخبار ذلك (وقد آتيناك من لدنا ذكرا) المراد بالذكر ~~القرآن، وسمى ذكرا لما فيه من الموجبات للتذكر والاعتبار، وقيل المراد ~~بالذكر الشرف كقوله - وإنه لذكر لك ولقومك - ثم توعد سبحانه المعرضين على ~~هذا الذكر فقال PageV03P384 # (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا) أي أعرض عنه فلم يؤمن به ولا ~~عمل بما فيه، وقيل أعرض عن الله سبحانه، فإن المعرض عنه يحمل يوم القيامة ~~وزرا: أي إثما عظيما وعقوبة ثقيلة بسبب إعراضه (خالدين فيه) أي في الوزر، ~~والمعنى: أنهم يقيمون في جزائه، وانتصاب خالدين على الحال (وساء لهم يوم ~~القيامة حملا) أي بئس الحمل يوم القيامة، والمخصوص بالذم محذوف: أي ساء لهم ~~حملا وزرهم، واللام للبيان كما في هيت لك. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (يا هارون ما منعك) إلى قوله ~~(أفعصيت أمري) قال: أمره موسى أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين. فكان من ~~إصلاحه أن ينكر العجل. وأخرج عنه أيضا في قوله (ولم ترقب قولي) قال: لم ~~تنتظر قولي ما أنا صانع، وقال ابن عباس: لم ترقب لم تحفظ قولي. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في ms2466 قوله (وإن لك في الحياة أن ~~تقول لا مساس) قال: عقوبة له (وإن لك موعدا لن تخلفه) قال: لن تغيب عنه. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وانظر إلى إلهك الذي ~~ظلت عليه عاكفا) قال: أقمت (لنحرقنه) قال بالنار (ثم لننسفنه في اليم) قال: ~~لنذرينه في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقرأ (لنحرقنه) ~~خفيفة ويقول: إن الذهب والفضة لا تحرق بالنار، بل تسحل بالمبرد ثم تلقى على ~~النار فتصير رمادا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال (اليم) البحر. وأخرج أيضا ~~عن علي قال (اليم) النهر. وأخرج أيضا عن قتادة في قوله (وسع كل شئ علما) ~~قال: ملأ. وأخرج أيضا عن ابن زيد في قوله (من لدنا ذكرا) قال: القرآن. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (وزرا) قال: # إثما. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وساء لهم يوم ~~القيامة حملا) يقول: بئس ما حملوا. # سورة طه الآية (102 - 112) الظرف وهو (يوم ينفخ) متعلق بمقدر هو أذكر، ~~وقيل هو بدل من يوم القيامة، والأول أولى. قرأ الجمهور " ينفخ " بضم الياء ~~التحتية مبنيا للمفعول، وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق بالنون مبنيا للفاعل، ~~واستدل أبو عمرو على قراءته هذه بقوله " ونحشر " فإنه بالنون. وقرأ ابن ~~هرمز " ينفخ " بالتحتية مبنيا للفاعل على أن الفاعل PageV03P385 # هو الله سبحانه أو إسرافيل، وقرأ أبو عياض (في الصور) بفتح الواو جمع ~~صورة، وقرأ الباقون بسكون الواو، وقرأ طلحة بن مصرف والحسن (يحشر) بالياء ~~التحتية مبنيا للمفعول ورفع (المجرمين) وهو خلاف رسم المصحف وقرأ الباقون ~~بالنون، وقد سبق تفسير هذا في الأنعام، والمراد بالمجرمين المشركون والعصاة ~~المأخوذون بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم، والمراد ب‍ (يومئذ) يوم النفخ ~~في الصور، وانتصاب زرقا على الحال من المجرمين: أي زرق العيون، والزرقة ~~الخضرة في العين كعين السنور والعرب تتشاءم بزرقة العين، وقال الفراء زرقا: ~~أي عمياء. وقال الأزهري: عطاشا، وهو قول ms2467 الزجاج لأن سواد العين يتغير ~~بالعطش إلى الزرقة. وقيل إنه كنى بقوله زرقا عن الطمع الكاذب إذا تعقبته ~~الخيبة، وقيل هو كناية عن شخوص البصر من شدة الحرص، ومنه قول الشاعر: # لقد زرقت عيناك يا بن معكبر * كما كل ضبي من اللؤم أزرق * والقول الأول ~~أولى، والجمع بين هذه الآية وبين قوله - ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ~~عميا وبكما وصما - ما قيل من أن ليوم القيامة حالات ومواطن تختلف فيها ~~صفاتهم ويتنوع عندها عذابهم، وجملة (يتخافتون بينهم) في محل نصب على الحال، ~~أو مستأنفة لبيان ما هم فيه في ذلك اليوم، والخفت في اللغة السكون، ثم قيل ~~لمن خفض صوته خفته. والمعنى يتساررون: أي يقول بعضهم لبعض سرا (إن لبثتم ~~إلا عشرا) أي ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال، وقيل في القبور، وقيل بين ~~النفختين. والمعنى: أنهم يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا، أو في القبور، أو ~~بين النفختين لشدة ما يرون من أهوال القيامة. وقيل المراد بالعشر عشر ~~ساعات. ثم لما قالوا هذا القول قال الله سبحانه (نحن أعلم بما يقولون إذ ~~يقول أمثلهم طريقة) أي أعدلهم قولا وأكملهم رأيا وأعلمهم عند نفسه (إن ~~لبثتم إلا يوما) أي ما لبثتم إلا يوما واحدا، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم، ~~لكونه أدل على شدة الهول، لا لكونه أقرب إلى الصدق (ويسألونك عن الجبال) أي ~~عن حال الجبال يوم القيامة، وقد كانوا سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن ذلك، فأمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال (فقل ينسفها ربى نسفا) قال ~~ابن الأعرابي وغيره: # يقلعها قلعا من أصولها، ثم يصيرها رملا يسيل سيلا، ثم يسيرها كالصوف ~~المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا، ثم كالهباء المنثور. والفاء في قوله " ~~فقل " لجواب شرط مقدر، والتقدير: إن سألوك فقل، أو للمسارعة إلى إلزام ~~السائلين، والضمير في قوله (فيذرها) راجع إلى الجبال باعتبار مواضعها: أي ~~فيذر مواضعها بعد نسف ما كان عليها من الجبال (قاعا صفصفا) قال ابن ~~الأعرابي القاع الصفصف الأرض الملساء بلا نبات ms2468 ولا بناء، وقال الفراء: ~~القاع مستنقع الماء، والصفصف القرعاء الملساء التي لا نبات فيها. وقال ~~الجوهري: القاع المستوى من الأرض، والجمع أقوع واقواع وقيعان. والظاهر من ~~لغة العرب أن القاع الموضع المنكشف، والصفصف المستوى الأملس، وأنشد سيبويه: # وكم دون بيتك من صفصف * ودكداك رمل وأعقادها وانتصاب قاعا على أنه مفعول ~~ثان ليذر على تضمينه معنى التصيير، أو على الحال، والصفصف صفة له، ومحل (لا ~~ترى فيها عوجا) النصب على أنه صفة ثانية لقاعا، والضمير راجع إلى الجبال ~~بذلك الاعتبار، والعوج بكسر العين التعوج، قاله ابن الأعرابي. والأمت ~~التلال الصغار، والأمت في اللغة المكان المرتفع، وقيل العوج الميل والأمت ~~الأثر مثل الشراك، وقيل العوج الوادي، والأمت الرابية، وقيل هما الارتفاع، ~~وقيل العوج الصدوع، والأمت الأكمة، وقيل الأمت الشقوق في الأرض، وقيل الأمت ~~أن يغلظ في مكان ويدق في مكان، ووصف مواضع الجبال بالعوج بكسر العين ها هنا ~~يدفع ما يقال: إن العوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في PageV03P386 # الأعيان، وقد تكلف لذلك صاحب الكشاف في هذا الموضع بما عنه غنى، وفى غيره ~~سعة (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له) أي يوم نسف الجبال يتبع الناس داعي ~~الله إلى المحشر. وقال الفراء: يعني صوت الحشر، وقيل الداعي هو إسرافيل إذا ~~نفخ في الصور لا عوج له: أي لا معدل لهم عن دعائه فلا يقدرون على أن يزيغوا ~~عنه، أو ينحرفوا منه بل يسرعون إليه كذا قال أكثر المفسرين، وقيل لا عوج ~~لدعائه (وخشعت الأصوات للرحمن) أي خضعت لهيبته، وقيل ذلت، وقيل سكتت، ومنه ~~قول الشاعر: # لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (فلا تسمع إلا ~~همسا) الهمس الصوت الخفي. قال أكثر المفسرين: هو صوت نقل الأقدام إلى ~~المحشر، ومنه قول الشاعر: * وهن يمشين بنا هميسا * يعني صوت أخفاف الإبل. # وقال رؤبة يصف نفسه: ليث يدق الأسد الهموسا * ولا يهاب الفيل والجاموسا ~~يقال للأسد الهموس، لأنه يهمس في الظلمة: أي يطأ وطئا خفيا. والظاهر أن ~~المراد هنا كل صوت خفي سواء ms2469 كان بالقدم، أو من الفم، أو غير ذلك، ويؤيده ~~قراءة أبي بن " كعب " فلا ينطقون إلا همسا " (يومئذ لا تنفع الشفاعة) أي ~~يوم يقع ما ذكر لا تنفع الشفاعة من شافع كائنا من كان (إلا من أذن له ~~الرحمن) أي إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع له (ورضى له قولا) أي رضى ~~قوله في الشفاعة أو رضى لأجله قول الشافع. والمعنى: # إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضى، ~~ومثل هذه الآية قوله - لا يشفعون إلا لمن ارتضى -، وقوله - لا يملكون ~~الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا -، وقوله - فما تنفعهم شفاعة الشافعين ~~- (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي ما بين أيديهم من أمر الساعة، وما ~~خلفهم من أمر الدنيا، والمراد هنا جميع الخلق، وقيل المراد بهم الذين ~~يتبعون الداعي، وقال ابن جرير: الضمير يرجع إلى الملائكة، أعلم الله من ~~يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها (ولا يحيطون به علما) أي ~~بالله سبحانه، لا تحيط علومهم بذاته، ولا بصفاته، ولا بمعلوماته، وقيل ~~الضمير راجع إلى ما في الموضعين فإنهم لا يعلمون جميع ذلك (وعنت الوجوه ~~للحي القيوم) أي ذلت وخضعت، قاله ابن الأعرابي. قال الزجاج: معنى عنت في ~~اللغة خضعت، يقال عنى يعنو عنوا إذا خضع ومنه قيل للأسير: عان، ومنه قول ~~أمية بن أبي الصلت: # مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد وقيل هو من العناء، ~~بمعنى التعب (وقد خاب من حمل ظلما) أي خسر من حمل شيئا من الظلم، وقيل هو ~~الشرك (ومن يعمل من الصالحات) أي الأعمال الصالحة (وهو مؤمن) بالله، لأن ~~العمل لا يقبل من غير إيمان، بل هو شرط في القبول (فلا يخاف ظلما) يصاب به ~~من نقص ثواب في الآخرة (ولا هضما) الهضم النقص والكسر يقال هضمت لك من حقي: ~~أي حططته وتركته، وهذا يهضم الطعام: أي ينقص ثقله، وامرأة هضيم الكشح: # أي ضامرة البطن، وقرأ ابن كثير ومجاهد ms2470 لا يخف بالجزم جوابا لقوله: " ومن ~~يعمل من الصالحات " وقرأ الباقون " يخاف " على الخبر. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلا أتاه، فقال رأيت قوله (ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا) وأخرى عميا قال: إن يوم القيامة فيه حالات يكونون في ~~حال زرقا، وفى حال عميا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~(يتخافتون بينهم) قال يتساررون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير في قوله (أمثلهم طريقة) قال: أوفاهم ~~عقلا، وفى لفظ قال: أعلمهم في نفسه. وأخرج ابن المنذر وابن جريج قال: قالت ~~قريش كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت (ويسألونك عن الجبال) ~~الآية. PageV03P387 # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فيذرها قاعا صفصفا) ~~قال: لا نبات فيه (لا ترى فيها عوجا) قال: واديا (ولا أمتا) قال رابية. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة أنه سئل عن قوله ~~(قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) قال: كان ابن عباس يقول: هي الأرض ~~الملساء التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس (عوجا) قال ميلا (ولا أمتا) قال: الأمت الأثر مثل الشراك. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة تطوى ~~السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر وينادي مناد فيتبع الناس الصوت ~~يؤمونه. # فذلك قول الله (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له). وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~أبي صالح في الآية قال لا عوج عنه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (وخشعت الأصوات) قال: سكتت (فلا تسمع إلا همسا) قال: الصوت ~~الخفي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (إلا همسا) قال: صوت ~~وطء الأقدام. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن ~~مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ms2471 قال: الصوت الخفي. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: سر الحديث وصوت الأقدام. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وعنت الوجوه) قال: ذلت. وأخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد عن قتادة مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد قال: خشعت. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: خضعت. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: (وعنت الوجوه) الركوع والسجود. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج (وقد خاب من حمل ظلما) قال: شركا. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة (وقد خاب من حمل ظلما) قال: شركا ~~(فلا يخاف ظلما ولا هضما) قال: ظلما أن يزاد في سيئاته (ولا هضما) قال: ~~ينقص من حسناته. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: # لا يخاف أن يظلم في سيئاته، ولا يهضم في حسناته. وأخرج الفريابي وعبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عنه (ولا هضما) قال: غصبا. # سورة طه الآية (113 - 122) PageV03P388 # قوله (وكذلك أنزلناه) معطوف على قوله " كذلك نقص عليك ": أي مثل ذلك ~~الإنزال أنزلناه: أي القرآن حال كونه (قرآنا عربيا) أي بلغة العرب ليفهموه ~~(وصرفنا فيه من الوعيد) بينا فيه ضروبا من الوعيد تخويفا وتهديدا أو كررنا ~~فيه بعضا منه (لعلهم يتقون) أي كي يخافوا الله فيتجنبوا معاصيه ويحذروا ~~عقابه (أو يحدث لهم ذكرا) أي اعتبارا واتعاظا، وقيل ورعا، وقيل شرفا، وقيل ~~طاعة وعبادة، لأن الذكر يطلق عليها. وقرأ الحسن " أو نحدث " بالنون (فتعالى ~~الله الملك الحق) لما بين للعباد عظيم نعمته عليهم بإنزال القرآن نزه نفسه ~~عن مماثلة مخلوقاته في شئ من الأشياء: أي جل الله عن إلحاد الملحدين وعما ~~يقول المشركون في صفاته فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب وأنه الحق أي ~~ذو الحق (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) أي يتم إليك وحيه. ~~قال المفسرون: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبادر جبريل فيقرأ قبل أن ~~يفرغ جبريل من ms2472 الوحي حرصا منه على ما كان ينزل عليه منه فنهاه الله عن ذلك، ~~ومثله قوله - لا تحرك به لسانك لتعجل به - على ما يأتي إن شاء الله، وقيل ~~المعنى: ولا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله، وقرأ ابن مسعود ~~ويعقوب والحسن والأعمش " من قبل أن نقضي " بالنون ونصب وحيه (وقل رب زدني ~~علما) أي سل ربك زيادة العلم بكتابه (ولقد عهدنا إلى آدم) اللام هي الموطئة ~~للقسم، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تصريف الوعيد: أي لقد أمرناه ~~ووصيناه، والمعهود محذوف، وهو ما سيأتي من نهيه عن الأكل من الشجرة، ومعنى ~~(من قبل) أي من قبل هذا الزمان (فنسى) قرأ الأعمش بإسكان الياء، والمراد ~~بالنسيان هنا ترك العمل بما وقع به العهد إليه فيه، وبه قال أكثر المفسرين، ~~وقيل النسيان على حقيقته، وإنه نسي ما عهد الله به إليه وينتهي عنه، وكان ~~آدم مأخوذا بالنسيان في ذلك الوقت، وإن كان النسيان مرفوعا عن هذه الأمة، ~~والمراد من الآية تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القول الأول. أي ~~أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم، وأن هؤلاء المعاصرين له إن نقضوا العهد ~~فقد نقض أبوهم آدم، كذا قال ابن جرير والقشيري، واعترضه ابن عطية قائلا بأن ~~كون آدم مماثلا للكفار الجاحدين بالله ليس بشئ، وقرئ " فنسى " بضم النون ~~وتشديد السين مكسورة مبنيا للمفعول: أي فنساه إبليس (ولم نجد له عزما) ~~العزم في اللغة توطين النفس على الفعل والتصميم عليه، والمضي على المعتقد ~~في أي شئ كان، وقد كان آدم عليه السلام قد وطن نفسه على أن لا يأكل من ~~الشجرة وصمم على ذلك، فلما وسوس إليه إبليس لانت عريكته وفتر عزمه وأدركه ~~ضعف البشر، وقيل العزم الصبر أي لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة. قال النحاس: ~~وهو كذلك في اللغة، يقال لفلان عزم: أي صبر وثبات على التحفظ عن المعاصي ~~حتى يسلم منها، ومنه - كما صبر أولوا العزم من الرسل -، وقيل المعنى: ولم ~~نجد له عزما ms2473 على الذنب، وبه قال ابن كيسان، وقيل ولم نجد له رأيا معزوما ~~عليه، وبه قال ابن قتيبة. ثم شرع سبحانه في كيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، ~~والعامل في إذ مقدر: أي (و) أذكر (إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) وتعليق ~~الذكر بالوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث للمبالغة، لأنه إذا وقع ~~الأمر بذكر الوقت كان ذكر ما فيه من الحوادث لازما بطريق الأولى وقد تقدم ~~تفسير هذه القصة في البقرة مستوفى، ومعنى (فتشقى) فتتعب في تحصيل ما لا بد ~~منه في المعاش كالحرث والزرع، ولم يقل فتشقيا، لأن الكلام من أول القصة مع ~~آدم وحده، ثم علل ما يوجبه ذلك النهي بما فيه الراحة الكاملة عن التعب ~~والاهتمام فقال (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى) أي في الجنة. والمعنى: أن ~~لك فيها تمتعا بأنواع المعايش وتنعما بأصناف النعم من المآكل الشهية ~~والملابس البهية، فإنه لما نفى عنه الجوع والعرى أفاد ثبوت الشبع والاكتساء ~~له، وهكذا قوله (وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) فإن نفى الظمأ يستلزم حصول ~~الري ووجود المسكن الذي يدفع عنه مشقة الضحو PageV03P389 # يقال ضحى الرجل يضحى ضحوا: إذا برز للشمس فأصابه حرها، فذكر سبحانه هاهنا ~~أنه قد كفاه الاشتغال بأمر المعاش وتعب الكد في تحصيله، ولا ريب أن أصول ~~المتاعب في الدنيا هي تحصيل الشبع والري والكسوة والكن، وما عدا هذه ففضلات ~~يمكن البقاء بدونها، وهو إعلام من الله سبحانه لآدم أنه إن أطاعه فله في ~~الجنة هذا كله، وإن ضيع وصيته ولم يحفظ عهده أخرجه من الجنة إلى الدنيا ~~فيحل به التعب والنصب بما يدفع الجوع والعرى والظمأ والضحو، فالمراد ~~بالشقاء شقاء الدنيا كما قاله كثير من المفسرين لا شقاء الأخرى. قال ~~الفراء: هو أن يأكل من كد يديه، وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما " وأنك ~~لتظمأ " بفتح أن، وقرأ الباقون بكسرها على العطف على إن لك (فوسوس إليه ~~الشيطان) قد تقدم تفسيره في الأعراف في قوله - فوسوس لهما الشيطان - أي ~~أنهى ms2474 إليه وسوسته، وجملة (قال يا آدم) إلى آخره إما بدل من وسوس أو مستأنفة ~~بتقدير سؤال كأنه قيل: فماذا قال له في وسوسته؟ و (شجرة الخلد) هي الشجرة ~~التي من أكل منها لم يمت أصلا (وملك لا يبلى) أي لا يزول ولا ينقضي (فأكلا ~~منها فبدت لهما سوآتهما) قد تقدم تفسير هذا وما بعده في الأعراف. قال ~~الفراء: ومعنى طفقا في العربية: أقبلا، وقيل جعلا يلصقان عليهما من ورق ~~التين (وعصى آدم ربه فغوى) أي عصاه بالأكل من الشجرة فغوى فضل عن الصواب أو ~~عن مطلوبه، وهو الخلود بأكل تلك الشجرة، وقيل فسد عليه عيشه بنزوله إلى ~~الدنيا، وقيل جهل موضع رشده، وقيل بشم من كثرة الأكل. قال ابن قتيبة: أكل ~~آدم من الشجرة التي نهى عنها باستزلال إبليس وخدائعه إياه، والقسم له بالله ~~إنه له لمن الناصحين حتى دلاه بغرور ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدم ونية ~~صحيحة، فنحن نقول: عصى آدم ربه فغوى انتهى. قال القاضي أبو بكر بن العربي: ~~لا يجوز لأحد أن يخبر اليوم بذلك عن آدم. قلت: لا مانع من هذا بعد أن ~~أخبرنا الله في كتابه بأنه عصاه، وكما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين، ~~ومما قلته في هذا المعنى: # عصى أبو العالم وهو الذي * من طينة صوره الله وأسجد الأملاك من أجله * ~~وصير الجنة مأواه أغواه إبليس فمن ذا أنا المس * كين إن إبليس أغواه (ثم ~~اجتباه ربه) أي اصطفاه وقربه. قال ابن فورك: كانت المعصية من آدم قبل ~~النبوة بدليل ما في هذه الآية، فإنه ذكر الاجتباء والهداية بعد ذكر ~~المعصية، وإذا كانت المعصية قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا ~~(فتاب عليه وهدى) أي تاب عليه من معصيته، وهداه إلى الثبات على التوبة. قيل ~~وكانت توبة الله عليه قبل أن يتوب هو وحواء بقولهما - ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين - وقد مر وجه تخصيص آدم بالذكر ~~دون حواء. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر ms2475 وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (أو يحدث لهم) أي القرآن (ذكرا) قال: جدا وورعا. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله (ولا تعجل بالقرآن) يقول: لا تعجل حتى نبينه لك. وأخرج ~~الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: ~~لطم رجل امرأته، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطلب قصاصا، فجعل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما القصاص، فأنزل الله (ولا تعجل ~~بالقرآن) الآية، فوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزلت - الرجال ~~قوامون على النساء - الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد في قوله (ولا تعجل) الآية قال: لا تتله على أحد حتى نتمه لك. ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~PageV03P390 # وابن منده في التوحيد والطبراني في الصغير وصححه عن ابن عباس قال: إنما ~~سمى الإنسان لأنه عهد إليه فنسى. # وأخرج عبد الغنى وابن سعد عن ابن عباس (ولقد عهدنا إلى آدم) أن لا تقرب ~~الشجرة (فنسى) فترك عهدي (ولم نجد له عزما) قال: حفظا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (فنسى) فترك (ولم نجد له عزما) يقول: لم ~~نجعل له عزما. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (إنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى) قال: لا يصيبك فيها عطش ولا حر. وأخرج أحمد وعبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهى شجرة الخلد ~~" وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~حاج آدم موسى قال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم ~~بمعصيتك، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، أتلومني ~~على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره علي قبل أن ms2476 يخلقني، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: فحج آدم موسى ". # سورة طه الآية (123 - 127) قوله (قال اهبطا) قد مر تفسيره في البقرة: أي ~~انزلا من الجنة إلى الأرض. خصهما الله سبحانه بالهبوط لأنهما أصل البشر، ثم ~~عمم الخطاب لهما ولذريتهما فقال (بعضكم لبعض عدو) والجملة في محل نصب على ~~الحال ويجوز أن يقال خاطبهما في هذا وما بعده خطاب الجمع، لأنهما منشأ ~~الأولاد. ومعنى (بعضكم لبعض عدو) تعاديهم أنه في أمر المعاش ونحوه، فيحدث ~~بسبب ذلك القتال والخصام (فإما يأتينكم منى هدى) بإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ~~(ومن أعرض عن ذكرى) أي عن ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه، ولم يتبع ~~هداي (فإن له معيشة ضنكا) أي فإن له في هذه الدنيا معيشة ضنكا: أي عيشا ~~ضيقا. يقال منزل ضنك وعيش ضنك، مصدر يستوى فيه الواحد وما فوقه والمذكر ~~والمؤنث، قال عنترة: # إن المنية لو تمثل مثلت * مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وقرئ (ضنكى) بضم ~~الضاد على فعلي. ومعنى الآية: أن الله عز وجل جعل لمن اتبع هداه وتمسك ~~بدينه أن يعيش في الدنيا عيشا هنيا غير مهموم ولا مغموم ولا متعب نفسه كما ~~قال سبحانه - فلنحيينه حياة طيبة - وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن ~~يعيش عيشا ضيقا وفى تعب ونصب، ومع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب، فهو ~~في الأخرى أشد تعبا وأعظم ضيقا وأكثر نصبا، وذلك معنى (ونحشره يوم القيامة ~~أعمى) أي مسلوب البصر: PageV03P391 # وقيل المراد العمى عن الحجة، وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدى إلى شئ ~~منها، وقد قيل إن المراد بالمعيشة الضنكى عذاب القبر، وسيأتي ما يرجح هذا ~~ويقويه (قال ربى لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا) في الدنيا (قال كذلك) أي ~~مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسره بقوله (أتتك آياتنا فنسيتها) أي أعرضت عنها، ~~وتركتها، ولم تنظر فيها (وكذلك اليوم تنسى) أي مثل ms2477 ذلك النسيان الذي كنت ~~فعلته في الدنيا تنسى، أي تترك في العمى والعذاب في النار، قال الفراء: ~~يقال إنه يخرج بصيرا من قبره فيعمى في حشره (وكذلك نجزى من أسرف) أي مثل ~~ذلك الجزاء نجزيه: والإسراف الانهماك في الشهوات، وقيل الشرك (ولم يؤمن ~~بآيات ربه) بل كذب بها (ولعذاب الآخرة أشد) أي أفظع من المعيشة الضنكى ~~(وأبقى) أي أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع. # وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن ابن ~~عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من اتبع كتاب الله ~~هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة " وذلك أن ~~الله يقول (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال: # أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة، ثم قرأ ~~(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) قال: # لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ~~ومسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا في قوله (معيشة ~~ضنكا) قال: عذاب القبر. ولفظ عبد الرزاق قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف ~~أضلاعه. ولفظ ابن أبي حاتم قال: ضمة القبر. وفى إسناده ابن لهيعة، وفيه ~~مقال معروف وقد روى موقوفا. قال ابن كثير: # الموقوف أصح. وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة " عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (فإن له معيشة ضنكا) قال: المعيشة الضنكى أن ~~يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة ". وأخرج ابن أبي ~~الدنيا والحكيم الترمذي وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة ms2478 مرفوعا نحوه بأطول منه. قال ~~ابن كثير: رفعه منكر جدا. وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله (فإن له معيشة ضنكا) قال: عذاب القبر. قال ابن كثير بعد ~~إخراجه: إسناد جيد. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني ~~والبيهقي عن ابن مسعود في قوله (فإن له معيشة ضنكا) قال: عذاب القبر، ~~ومجموع ما ذكرنا هنا يرجح تفسير المعيشة الضنكى بعذاب القبر. وأخرج ابن أبي ~~حاتم والطبراني والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن ابن مسعود أنه فسر المعيشة ~~الضنكى بالشقاء. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~عكرمة في قوله (ونحشره يوم القيامة أعمى) قال: عمى عليه كل شئ إلا جهنم، ~~وفى لفظ: لا يبصر إلا النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله (وكذلك ~~نجزى من أسرف) قال: من أشرك بالله. # سورة طه الآية (128 - 129) PageV03P392 # سورة طه الآية (130 - 135) قوله (أفلم يهد لهم) الاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر، كما مر غير مرة، والجملة مستأنفة لتقرير ~~ما قبلها وفاعل يهد هو الجملة المذكورة بعدها، والمفعول محذوف، وأنكر ~~البصريون مثل هذا لأن الجمل لا تقع فاعلا، وجوزه غيرهم. قال القفال: جعل ~~كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم. قال النحاس. وهذا خطأ لأن كم استفهام، ~~فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال الزجاج: المعنى أو لم يهد لهم الأمر بإهلاكنا ~~من أهلكناه، وحقيقته تدل على الهدى، فالفاعل هو الهدى، وقال (كم) في موضع ~~نصب بأهلكنا وقيل إن فاعل يهد ضمير لله أو للرسول، والجملة بعده تفسره، ~~ومعنى الآية على ما هو الظاهر: أفلم يتبين لأهل مكة خبر من (أهلكنا قبلهم ~~من القرون) حال كون القرون (يمشون في مساكنهم) ويتقلبون في ديارهم، أو حال ~~كون هؤلاء يمشون في مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة وطلب ~~المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية خاربة من أصحاب ms2479 ~~الحجر وثمود وقرى قوم لوط فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم لئلا يحل بهم مثل ما ~~حل بأولئك. وقرأ ابن عباس والسلمي " نهد " بالنون، والمعنى على هذه القراءة ~~واضح، وجملة (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) تعليل للإنكار وتقرير للهداية، ~~والإشارة بقوله ذلك إلى مضمون كم أهلكنا إلى آخره. # والنهي: جمع نهية، وهى العقل: أي لذوي العقول التي تنهى أربابها عن ~~القبيح (ولولا كلمة سبقت من ربك) أي ولولا الكلمة السابقة، وهى وعد الله ~~سبحانه بتأخير عذاب هذه الأمة إلى النار الآخرة (لكان) عقاب ذنوبهم (لزاما) ~~أي لازما لهم، لا ينفك عنهم بحال ولا يتأخر. وقوله (وأجل مسمى) معطوف على ~~كلمة، قاله الزجاج وغيره، والأجل المسمى هو يوم القيامة، أو يوم بدر، ~~واللزام مصدر لازم، قيل ويجوز عطف وأجل مسمى على الضمير المستتر في كان ~~العائد إلى الأخذ العاجل المفهوم من السياق تنزيلا للفصل بالخبر منزلة ~~التأكيد: أي لكان الأخذ العاجل (وأجل مسمى) لازمين لهم كما كانا لازمين ~~لعاد وثمود، وفيه تعسف ظاهر. ثم لما بين الله سبحانه أنه لا يهلكهم بعذاب ~~الاستئصال أمره بالصبر فقال (فاصبر على ما يقولون) من أنك ساحر كذاب، ونحو ~~ذلك من مطاعنهم الباطلة، والمعنى: لا تحتفل بهم، فإن لعذابهم وقتا مضروبا ~~لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل هذا منسوخ بآية القتال (وسبح بحمد ربك) أي متلبسا ~~بحمده، قال أكثر المفسرين: والمراد الصلوات الخمس كما يفيد، قوله (قبل طلوع ~~الشمس) فإنه إشارة إلى صلاة الفجر (وقبل غروبها) فإنه إشارة إلى صلاة العصر ~~(ومن آناء الليل) العتمة، والمراد بالآناء الساعات، وهى جمع إني بالكسر ~~والقصر، وهو الساعة، ومعنى (فسبح) أي فصل PageV03P393 # (وأطراف النهار) أي المغرب والظهر لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، ~~وأول طرف النهار الآخر. وقيل إن الإشارة إلى صلاة الظهر هي بقوله (وقبل ~~غروبها) لأنها هي وصلاة العصر قبل غروب الشمس، وقيل المراد بالآية صلاة ~~التطوع، ولو قيل ليس في الآية إشارة إلى الصلاة بل المراد التسبيح في هذه ~~الأوقات: أي قول القائل سبحان الله، ms2480 لم يكن ذلك بعيدا من الصواب، والتسبيح ~~وإن كان يطلق على الصلاة ولكنه مجاز، والحقيقة أولى إلا لقرينة تصرف ذلك ~~إلى المعنى المجازي، وجملة (لعلك ترضى) متعلقة بقوله فسبح: أي سبح في هذه ~~الأوقات رجاء أن تنال عند الله سبحانه ما ترضى به نفسك، هذا على قراءة ~~الجمهور، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم " ترضى " بضم التاء مبنيا للمفعول: ~~أي يرتضيك ربك (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوجا منهم) قد تقدم تفسير ~~هذه الآية في الحجر. والمعنى: لا تطل نظر عينيك، وأزواجا مفعول متعنا، ~~وزهرة منصوبة على الحال، أو بفعل محذوف: أي جعلنا أو أعطينا، ذكر معنى هذا ~~الزجاج. وقيل هي بدل من الهاء في به باعتبار محله، وهو النصب لا باعتبار ~~لفظه، فإنه مجرور كما تقول مررت به أخاك. ورجح الفراء النصب على الحال، ~~يجوز أن تكون بدلا، ويجوز أن تكون منتصبة على المصدر مثل صبغة الله ووعد ~~الله و (زهرة الحياة الدنيا) زينتها وبهجتها بالنبات وغيره. وقرأ عيسى بن ~~عمر " زهرة " بفتح الهاء، وهى نور النبات، واللام في (لنفتنهم) فيه متعلق ~~بمتعنا: # أي لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالة، ابتلاء منا لهم كقوله - إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها لنبلوهم - وقيل لنعذبنهم، وقيل لنشدد عليهم في التكليف ~~(ورزق ربك خير وأبقى) أي ثواب الله، وما ادخر لصالحي عباده في الآخرة خير ~~مما رزقهم في الدنيا على كل حال، وأيضا فإن ذلك لا ينقطع، وهذا ينقطع، وهو ~~معنى وأبقى. وقيل المراد بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من الغنائم ~~ونحوها. والأول أولى لأن الخيرية المحققة والدوام الذي لا ينقطع إنما ~~يتحققان في الرزق الأخروي لا الدنيوي، وإن كان حلالا طيبا - ما عندكم ينفد ~~وما عند الله باق - (وأمر أهلك بالصلاة) أمره الله سبحانه بأن يأمر أهله ~~بالصلاة، والمراد بهم أهل بيته، وقيل جميع أمته ولم يذكر ها هنا الأمر من ~~الله له بالصلاة، بل قصر الأمر على أهله، إما لكون إقامته لها أمرا معلوما، ~~أو لكون ms2481 أمره بها قد تقدم في قوله (وسبح بحمد ربك) إلى آخر الآية، أو لكون ~~أمره بالأمر لأهله أمرا له، ولهذا قال (واصطبر عليها) أي اصبر على الصلاة، ~~ولا تشتغل عنها بشئ من أمور الدنيا (لا نسألك رزقا) أي لا نسألك أن ترزق ~~نفسك ولا أهلك، وتشتغل بذلك عن الصلاة (نحن نرزقك) ونرزقهم ولا نكلفك ذلك ~~(والعاقبة للتقوى) أي العاقبة المحمودة، وهى الجنة لأهل التقوى على حذف ~~المضاف كما قال الأخفش، وفيه دليل على أن التقوى هي ملاك الأمر وعليها تدور ~~دوائر الخير (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) أي قال كفار مكة: هلا يأتينا ~~محمد بآية من آيات ربه كما كان يأتي بها من قبله من الأنبياء؟ وذلك كالناقة ~~والعصا، أو هلا يأتينا بآية من الآيات التي قد اقترحناها عليه؟ فأجاب الله ~~سبحانه وتعالى عليهم بقوله (أو لم يأتهم بينة ما في الصحف الأولى) يريد ~~بالصحف الأولى التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة، وفيها ~~التصريح بنبوته والتبشير به، وذلك يكفي، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون ~~بصدقها وصحتها، وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم. ~~وقيل المعنى: أو لم يأتهم إهلاكنا للأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات، فما ~~يؤمنهم إن أتتهم الآيات التي اقترحوها أن يكون حالهم كحالهم. # وقيل المراد أو لم تأتهم آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني ~~القرآن، فإنه برهان لما في سائر الكتب المنزلة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع ~~وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص " أو لم تأتهم " بالتاء الفوقية وقرأ ~~الباقون بالتحتية لأن معنى البينة البيان والبرهان، فذكروا الفعل اعتبار ~~بمعنى البينة، واختار هذه القراءة PageV03P394 # أبو عبيد وأبو حاتم. قال الكسائي: ويجوز بينة بالتنوين. قال النحاس: إذا ~~نونت بينة ورفعت جعلت ما بدلا منها، وإذا نصبت فعلى الحال. والمعنى: أو لم ~~يأتهم ما في الصحف الأولى مبينا، وهذا على ما يقتضيه الجواز النحوي وإن لم ~~تقع القراءة به (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله) أي من قبل بعثة محمد صلى ~~الله عليه ms2482 وآله وسلم أو من قبل إتيان البينة لنزول القرآن (لقالوا) يوم ~~القيامة (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) أي هلا أرسلت إلينا رسولا في الدنيا ~~(فنتبع آياتك) التي يأتي بها الرسول (من قبل أن نذل) بالعذاب في الدنيا ~~(ونخزى) بدخول النار، وقرئ " نذل، ونخزى " على البناء للمفعول، وقد قطع ~~الله معذرة هؤلاء الكفرة بإرسال الرسول إليهم قبل إهلاكهم ولهذا حكى الله ~~عنهم أنهم - قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ - (قل ~~كل متربص فتربصوا) أي قل لهم يا محمد كل واحد منا ومنكم متربص: أي منتظر ~~لما يؤول إليه الأمر فتربصوا أنتم (فستعلمون) عن قريب (من أصحاب الصراط ~~السوي). أي فستعلمون بالنصر والعاقبة من هو من أصحاب الصراط المستقيم (ومن ~~اهتدى) من الضلالة ونزع عن الغواية، ومن في الموضعين في محل رفع بالابتداء. ~~قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى (من أصحاب الصراط السوي) من لم يضل، ~~وإلى أن معنى (من اهتدى) من ضل ثم اهتدى، وقيل من في الموضعين في محل نصب، ~~وكذا قال الفراء. وحكى عن الزجاج أنه قال: هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل ~~فيه ما قبله. وقرأ أبو رافع " فسوف تعلمون " وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم ~~الجحدري " السوي " على فعلى، وردت هذه القراءة بأن تأنيث الصراط شاذ، وقيل ~~هي بمعنى الوسط والعدل اه‍. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (أفلم يهد لهم) ~~ألم نبين لهم (كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) نحو عاد وثمود ~~ومن أهلك من الأمم وفى قوله (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى) ~~يقول هذا من مقاديم الكلام، يقول لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدى نحوه. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: الأجل المسمى ~~الكلمة التي سبقت من ربك. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (لكان لزاما) قال ~~موتا: وأخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ms2483 المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (وسبح بحمد ربك) الآية قال: هي الصلاة المكتوبة. # وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس) قال: قبل طلوع الشمس ~~صلاة غيره ويأتينا فردا أي يوم القيامة روبها صلاة العصر. وفى الصحيحين ~~وغيرهما من حديث جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنكم ~~سترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون فى رويته، فإن استطعتم أن لا ~~تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، وقرأ (فسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ". وفي صحيح مسلم وسنن أبى داود والنسائى عن ~~عمارة بن روية ". # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " لن يلج النار أحد صلى قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ". # وأخرج ابن أبى شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطى وأبو نعيم عن أبى رافع قال " أضاف ~~النبى صلى الله عليه وآله وسلم ضيفا، ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما يصلحه، فأرسلنى ألى رجل من اليهود أن بعنا أو سلفنا دقيقا إلى هلال ~~رجب، فقال: لا إلا برهن، فأتيت النبى صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته، ~~فقال: أما والله أنى لامين فى السماء أمين فى الارض، ولئن أسلفنى أوباعتى ~~لاديت إليه، اذهب بدرعى الجديد، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية (ولا ~~تمدن عينيك) " كأنه يعزيه عن الدنيا. وأخرج ابن أبى حاتم عن أبى سعيد أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن PageV03P395 # أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة ~~الدنيا يا رسول الله؟ قال بركات الأرض " وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن ~~النجار عن أبى سعيد الخدرى قال: لما نزلت (وأمر أهلك بالصلاة) كان النبى ~~صلى الله عليه وآله وسلم يجىء إلى باب على صلاة الغداة ثمانية ms2484 أشهر يقول: ~~الصلاة رحمكم الله - إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا -. وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء نحوه. # وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ثابت، قال " كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله: يا أهلاه ~~صلوا صلوا " قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. ~~وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبو نعيم ~~في الحلية والبيهقي في الشعب بإسناد قال السيوطي صحيح عن عبد الله بن سلام ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم ~~بالصلاة، وقرأ - وأمر أهلك بالصلاة - الآية. # تفسير سورة الأنبياء وهى مكية، قال القرطبي في قول الجميع: وهى مائة ~~واثنتا عشرة آية وأخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: بنو إسرائيل والكهف ~~ومريم والأنبياء هن من العتاق الأول، وهن من تلادي. وأخرج ابن مردويه وأبو ~~نعيم في الحلية عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر ~~مثواه، وكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءه الرجل فقال: إني ~~استقطعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واديا ما في العرب واد أفضل ~~منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا ~~حاجة لي في قطعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا. (اقترب للناس حسابهم ~~وهو في غفلة معرضون). # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنبياء الآية (1 - 7) PageV03P396 # سورة الأنبياء الآية (8 - 9) يقال قرب الشئ واقترب وقد اقترب الحساب: أي ~~قرب الوقت الذي يحاسبون فيه. قال الزجاج: المعنى (اقترب للناس) وقت ~~(حسابهم) أي القيامة كما في قوله - اقتربت الساعة - واللام في للناس متعلقة ~~بالفعل، وتقديمها هي ومجرورها على الفاعل لإدخال الروعة، ومعنى اقتراب وقت ~~الحساب: دنوه منهم، لأنه في كل ساعة أقرب إليهم من الساعة التي قبلها. وقيل ~~لأن كل ما هو آت قريب، وموت ms2485 كل إنسان قيام ساعته، والقيامة أيضا قريبة ~~بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، والمراد ~~بالناس العموم. وقيل المشركون مطلقا، وقيل كفار مكة، وعلى هذا الوجه قيل ~~المراد بالحساب: عذابهم يوم بدر، وجملة (وهم في غفلة معرضون) في محل نصب ~~على الحال: أي هم في غفلة بالدنيا معرضون عن الآخرة، غير متأهبين بما يجب ~~عليهم من الإيمان بالله، والقيام بفرائضه، والانزجار عن مناهيه (ما يأتيهم ~~من ذكر من ربهم محدث) من لابتداء الغاية، وقد استدل بوصف الذكر لكونه محدثا ~~على أن القرآن محدث، لأن الذكر هنا هو القرآن. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث ~~المركب من الأصوات والحروف، لأنه متجدد في النزول. فالمعنى محدث تنزيله، ~~وإنما النزاع في الكلام النفسي، وهذه المسئلة: أعني قدم القرآن وحدوثه قد ~~ابتلى بها كثير من أهل العلم والفضل في الدولة المأمونية والمعتصمية ~~والواثقية، وجرى للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد والحبس ~~الطويل، وضرب بسببها عنق محمد بن نصر الخزاعي، وصارت فتنة عظيمة في ذلك ~~الوقت وما بعده، والقصة أشهر من أن تذكر، ومن أحب الوقوف على حقيقتها طالع ~~ترجمة الإمام أحمد بن حنبل في كتاب النبلاء لمؤرخ الإسلام الذهبي. # ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه ~~وحفظ الله بهم أمة نبيه عن الابتداع، ولكنهم رحمهم الله جاوزوا ذلك إلى ~~الجزم بقدمه ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث، بل جاوزوا ذلك ~~إلى تكفير من قال لفظي بالقرآن مخلوق، بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف، ~~وليتهم لم يجاوزوا حد الوقف وإرجاع العلم إلى علام الغيوب، فإنه لم يسمع من ~~السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور ~~القول في هذه المسئلة شئ من الكلام، ولا نقل عنه كلمة في ذلك، فكان ~~الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه، والتمسك بأذيال الوقف، وإرجاع علم ~~ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى، وفيه السلامة والخلوص من تكفير ms2486 طوائف من ~~عباد الله، والأمر لله سبحانه. وقوله (إلا استمعوه) استثناء مفرغ في محل ~~نصب على الحال، وجملة (وهم يلعبون) في محل نصب على الحال أيضا من فاعل ~~استمعوه، و (لاهية قلوبهم) حال أيضا والمعنى: ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث في حال من الأحوال إلا في الاستماع مع اللعب والاستهزاء ولهوة القلوب، ~~وقرئ " لاهية " بالرفع كما قرئ محدث بالرفع (وأسر النجوى الذين ظلموا) ~~النجوى اسم من التناجي، والتناجي لا يكون إلا سرا، فمعنى إسرار النجوى: ~~المبالغة في الإخفاء. وقد اختلف في محل الموصول على أقوال: فقيل إنه في محل ~~رفع بدل من الواو في أسروا، قاله المبرد وغيره، وقيل هو في محل رفع على ~~الذم، وقيل هو فاعل لفعل محذوف، والتقدير: يقول الذين ظلموا، واختار هذا ~~النحاس، وقيل في محل نصب بتقدير أعني: وقيل في محل خفض على أنه بدل من ~~الناس ذكر ذلك المبرد، وقيل هو في محل رفع على أنه فاعل PageV03P397 # أسروا على لغة من يجوز الجمع بين فاعلين: كقولهم أكلوني البراغيث، ذكر ~~ذلك الأخفش، ومثله - ثم عموا وصموا كثير منهم - ومنه قول الشاعر: # * فاهتدين البغال للأغراض * وقول الآخر: ولكن دنا بي أبوه وأمه * بحوران ~~يعصرن السليط أقاربه وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير: أي والذين ظلموا ~~أسروا النجوى. قال أبو عبيدة: أسروا هنا من الأضداد: يحتمل أن يكون بمعنى ~~أخفوا كلامهم، ويحتمل أن يكون بمعنى أظهروه وأعلنوه (هل هذا إلا بشر مثلكم) ~~هذه الجملة بتقدير القول قبلها: أي قالوا هل هذا الرسول إلا بشر مثلكم لا ~~يتميز عنكم بشئ؟ ويجوز أن تكون هذه الجملة بدلا من النجوى، وهل بمعنى ~~النفي: أي وأسروا هذا الحديث، والهمزة في (أفتأتون السحر) للإنكار، والفاء ~~للعطف على مقدر كنظائره، وجملة (وأنتم تبصرون) في محل نصب على الحال. ~~والمعنى: إذا كان بشرا مثلكم، وكان الذي جاء به سحرا، فكيف تجيبونه إليه ~~وتتبعونه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ما تناجوا به، ~~وأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال (قل ms2487 ربى يعلم القول في السماء ~~والأرض) أي لا يخفى عليه شئ مما يقال فيهما، وفى مصاحف أهل الكوفة " قال ~~ربى " أي قال محمد: ربي يعلم القول، فهو عالم بما تناجيتم به. قيل القراءة ~~الأولى أولى، لأنهم أسروا هذا القول، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على ذلك وأمره أن يقول لهم هذا. قال النحاس: والقراءتان صحيحتان، وهما ~~بمنزلة آيتين (وهو السميع) لكل ما يسمع (العليم) بكل معلوم، فيدخل في ذلك ~~ما أسروا دخولا أوليا (بل قالوا أضغاث أحلام) قال الزجاج: أي قالوا الذي ~~تأتي به أضغاث أحلام. قال القتيبي: أضغاث الأحلام الرؤيا الكاذبة. وقال ~~اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل، وهذا إضراب من جهة الله سبحانه حكاية ~~لما وقع منهم، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية هذا القول. ثم حكى ~~سبحانه إضرابهم عن قولهم: أضغاث أحلام، قال (بل افتراه) أي بل قالوا افتراه ~~من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل. ثم حكى سبحانه عنهم أنهم أضربوا عن ~~هذا وقالوا (بل هو شاعر) وما أتى به من جنس الشعر، وفى هذا الاضطراب منهم، ~~والتلون والتردد أعظم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به، لا يدرون ما ~~هو ولا يعرفون كنهه، أو كانوا قد علموا أنه حق، وأنه من عند الله، ولكن ~~أرادوا أن يدفعوه بالصدر ويرموه بكل حجر ومدر، وهذا شأن من غلبته الحجة ~~وقهره البرهان. ثم بعد هذا كله، قالوا (فليأتنا بآية) وهذا جواب شرط محذوف: ~~أي إن لم يكن كما قلنا: فليأتنا بآية (كما أرسل الأولون) أي كما أرسل موسى ~~بالعصا وغيرها، وصالح بالناقة، ومحل الكاف الجر صفة لآية، ويجوز أن يكون ~~نعت مصدر محذوف، وكان سؤالهم هذا سؤال تعنت، لأن الله سبحانه قد أعطاهم من ~~الآيات ما يكفي، ولو علم الله سبحانه أنهم يؤمنون إذا أعطاهم ما يقترحوه ~~لأعطاهم ذلك، كما قال - ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون - قال الزجاج: اقترحوا الآيات التي لا يقع معها ms2488 إمهال، فقال ~~الله مجيبا لهم (ما آمنت قبلهم من قرية) أي قبل مشركي مكة: ومعنى من قرية ~~من أهل قرية، ووصف القرية بقوله (أهلكناها) أي أهلكنا أهلها، أو أهلكناها ~~بإهلاك أهلها، وفيه بيان أن سنة الله في الأمم السالفة أن المقترحين إذا ~~أعطوا ما اقترحوه، ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة، ومن في ~~من قرية مزيدة للتأكيد. والمعنى: ما آمنت قربة من القرى التي أهلكناها بسبب ~~اقتراحهم قبل هؤلاء، فكيف نعطيهم ما يقترحون، وهم أسوة من قبلهم، والهمزة ~~في (أفهم يؤمنون) للتقريع PageV03P398 # والتوبيخ، والمعنى: إن لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما ~~اقترحوا، فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما اقترحوا، ثم أجاب سبحانه عن قولهم: ~~هل هذا إلا بشر مثلكم بقوله (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم) أي لم ~~نرسل قبلك إلى الأمم السابقة إلا رجالا من البشر، ولم نرسل إليهم ملائكة ~~كما قال سبحانه - قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا - وجملة يوحى إليهم مستأنفة لبيان كيفية الإرسال، ويجوز ~~أن تكون صفة لرجالا: أي متصفين بصفة الإيحاء إليهم. قرأ حفص وحمزة والكسائي ~~" نوحي " بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية. ثم أمرهم الله بأن يسألوا ~~أهل الذكر إن كانوا يجهلون هذا فقال (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ~~وأهل الذكر هم أهل الكتابين: اليهود والنصارى، ومعنى إن كنتم لا تعلمون: إن ~~كنتم لا تعلمون أن رسل الله من البشر، كذا قال أكثر المفسرين. وقد كان ~~اليهود والنصارى لا يجهلون ذلك ولا ينكرونه، وتقدير الكلام: إن كنتم لا ~~تعلمون ما ذكر فاسألوا أهل الذكر. وقد استدل بالآية على أن التقليد جائز ~~وهو خطأ، ولو سلم لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة، لا عن ~~الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته. وقد أوضحنا هذا في ~~رسالة بسيطة: سميناها " القول المفيد في حكم التقليد " ثم لما فرغ سبحانه ~~من الجواب عن شبهتهم أكد كون الرسل ms2489 من جنس البشر فقال (وما جعلناهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام) أي أن الرسل أسوة لسائر أفراد بني آدم في حكم الطبيعة ~~يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون، والجسد جسم الإنسان. قال الزجاج: هو ~~واحد، يعني الجسد ينبئ عن جماعة: أي وما جعلناهم ذوي أجساد لا يأكلون ~~الطعام فجملة لا يأكلون الطعام صفة لجسدا: أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن ~~الأكل، بل هو محتاج إلى ذلك (وما كانوا خالدين) بل يموتون كما يموت غيرهم ~~من البشر، وقد كانوا يعتقدون أن الرسل لا يموتون، فأجاب الله عليهم بهذا، ~~وجملة (ثم صدقناهم الوعد) معطوفة على جملة يدل عليها السياق، والتقدير: ~~أوحينا إليهم ما أوحينا، ثم صدقناهم الوعد: أي أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم ~~بإنجائهم وإهلاك من كذبهم، ولهذا قال سبحانه (فأنجيناهم ومن نشاء) من ~~عبادنا المؤمنين، والمراد إنجاؤهم من العذاب وإهلاك من كفر بالعذاب ~~الدنيوي، والمراد ب (المسرفين) المجاوزون للحد في الكفر والمعاصي، وهم ~~المشركون. # وقد أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ~~(وهم في غفلة معرضون) قال: # في الدنيا. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الآية قال: من أمر الدنيا. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (بل قالوا أضغاث أحلام) ~~أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها (بل افتراه بل هو شاعر) كل هذا قد كان ~~منه (فليأتينا بآية كما أرسل الأولون) كما جاء عيسى وموسى بالبينات والرسل ~~(ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها) أي أن الرسل كانوا إذا جاءوا قومهم ~~بالبينات فلم يؤمنوا لم ينظروا. # وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: إذا كان ما تقوله حقا ويسرك أن نؤمن فحول لنا الصفا ذهبا، فأتاه ~~جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ~~ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك، قال: بل أستأني بقومي، فأنزل الله (ما آمنت ~~قبلهم) الآية. ms2490 # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وما جعلناهم جسدا ~~لا يأكلون الطعام) يقول: لم نجعلهم جسدا ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم ~~جسدا يأكلون الطعام. # سورة الأنبياء الآية (10) PageV03P399 # سورة الأنبياء الآية (11 - 25) نبه عباده على عظيم نعمته عليهم بقوله ~~(لقد أنزلنا إليكم كتابا) يعني القرآن (فيه ذكركم) صفة لكتابا، والمراد ~~بالذكر هنا الشرف: أي فيه شرفكم كقوله - وإنه لذكر لك ولقومك - وقيل: فيه ~~ذكركم: أي ذكر أمر دينكم، وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب أو عقاب، ~~وقيل فيه حديثكم. قاله مجاهد. وقيل مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم. وقيل فيه ~~العمل بما فيه حياتكم. قاله سهل بن عبد الله. وقيل فيه موعظتكم، والاستفهام ~~في (أفلا تعقلون) للتوبيخ والتقريع. أي أفلا تعقلون أن الأمر كذلك، أو لا ~~تعقلون شيئا من الأشياء التي من جملتها ما ذكر، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى ~~على الأمم المكذبة، فقال (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) كم في محل نصب على ~~أنها مفعول قصمنا، وهى الخبرية المفيدة للتكثير، والقصم كسر الشئ ودقه، ~~يقال: قصمت ظهر فلان إذا كسرته، واقتصمت سنه إذا انكسرت. والمعنى هنا: ~~الإهلاك والعذاب، وأما الفصم بالفاء فهو الصدع في الشئ من غير بينونة، ~~وجملة " كانت ظالمة " في محل جر صفة لقرية، وفى الكلام مضاف محذوف: # أي وكم قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين: أي كافرين بالله مكذبين بآياته، ~~والظلم في الأصل وضع الشئ في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر في موضع الإيمان ~~(وأنشأنا بعدها قوما آخرين) أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاك أهلها قوما ليسوا ~~منهم (فلما أحسوا بأسنا) أي أدركوا أو رأوا عذابنا، وقال الأخفش خافوا ~~وتوقعوا، أو البأس العذاب الشديد (إذا هم منها يركضون) الركض الفرار والهرب ~~والانهزام، وأصله من ركض الرجل الدابة برجليه، يقال ركض الفرس إذا كده ~~بساقيه، ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، ومنه - اركض برجلك - ~~PageV03P400 # والمعنى: أنهم يهربون منها راكضين دوابهم، فقيل لهم (لا تركضوا) أي لا ~~تهربوا. قيل إن الملائكة نادتهم بذلك ms2491 عند فرارهم. وقيل إن القائل لهم ذلك ~~هم من هنالك من المؤمنين استهزاء بهم وسخرية منهم (وارجعوا إلى ما أترفتم ~~فيه) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم، والمترف المنعم، يقال أترف ~~فلان: أي وسع عليه في معاشه (ومساكنكم) أي وارجعوا إلى مساكنكم التي كنتم ~~تسكنونها وتفتخرون بها (لعلكم تسألون) أي تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير ~~في المهمات، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم. وقيل المعنى: لعلكم ~~تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به. وقيل لعلكم تسألون أن تؤمنوا ~~كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول العذاب بكم. # قال المفسرون وأهل الأخبار: إن المراد بهذه الآية أهل حضور من اليمن، ~~وكان الله سبحانه قد بعث إليهم نبيا اسمه شعيب بن مهدم، وقبره بجبل من جبال ~~اليمن يقال له ضين وبينه وبين حضور نحو بريد، قالوا: وليس هو شعيبا صاحب ~~مدين. قلت: وآثار القبر بجبل ضين موجودة، والعامة من أهل تلك الناحية ~~يزعمون أنه قبر قدم بن قادم (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) أي قالوا لما ~~قالت لهم الملائكة لا تركضوا يا ويلنا: أي بإهلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا ~~مستوجبين العذاب بما قدمنا، فاعترفوا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب (فما ~~زالت تلك دعواهم) أي ما زالت هذه الكلمة دعواهم: أي دعوتهم، والكلمة هي ~~قولهم يا ويلنا أي يدعون بها ويرددونها (حتى جعلناهم حصيدا) أي بالسيوف كما ~~يحصد الزرع بالمنجل، والحصيد هنا بمعنى المحصود، ومعنى (خامدين) أنهم ~~ميتون، من خمدت النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال ~~لمن مات قد طفئ (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) أي لم نخلقهما ~~عبثا ولا باطلا، بل للتنبيه على أن لهما خالقا قادرا يجب امتثال أمره، وفيه ~~إشارة إجمالية إلى تكوين العالم، والمراد بما بينهما سائر المخلوقات ~~الكائنة بين السماء والأرض على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها (لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا) اللهو ما يتلهى به، قيل اللهو الزوجة والولد، وقيل الزوجة فقط، ~~وقيل الولد فقط. قال الجوهري: قد يكفي ms2492 باللهو عن الجماع، ويدل على ما قاله ~~قول امرئ القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي ومنه قول ~~الآخر * وفيهن ملهى للصديق ومنظر، والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها، ~~وجواب لو قوله (لاتخذناه من لدنا) أي من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من عندكم. ~~قال المفسرون: أي من الحور العين، وفى هذا رد على من قال بإضافة الصاحبة ~~والولد إلى الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وقيل أراد الرد على من قال: ~~الأصنام أو الملائكة بنات الله. وقال ابن قتيبة: الآية رد على النصارى (إن ~~كنا فاعلين) قال الواحدي قال المفسرون: ما كنا فاعلين. قال الفراء والمبرد ~~والزجاج: يجوز أن تكون إن للنفي كما ذكره المفسرون: أي ما فعلنا ذلك ولم ~~نتخذ صاحبة ولا ولدا، ويجوز أن تكون للشرط: أي إن كنا ممن يفعل ذلك ~~لاتخذناه من لدنا. # قال الفراء: وهذا أشبه الوجهين بمذهب العربية (بل نقذف بالحق على الباطل) ~~هذا إضراب عن اتخاذ اللهو: أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، بل شأننا ~~أن نرمي بالحق على الباطل (فيدمغه) أي يقهره، وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ ~~الدماغ، ومنه الدامغة. قال الزجاج: المعنى نذهبه ذهاب الصغار والإذلال، ~~وذلك أن أصله إصابة الدماغ بالضرب. قيل أراد بالحق الحجة اه وبالباطل ~~شبههم. وقيل الحق المواعظ، والباطل المعاصي وقيل الباطل الشيطان. وقيل ~~كذبهم. ووصفهم الله سبحانه بغير صفاته (فإذا هو زاهق) أي زائل ذاهب، وقيل ~~هالك تالف، والمعنى متقارب، وإذا هي الفجائية (ولكم الويل مما تصفون) أي ~~العذاب في الآخرة بسبب وصفكم لله بما لا يجوز عليه. وقيل الويل واد في ~~جهنم، وهو وعيد لقريش بأن لهم من العذاب مثل الذي لأولئك، ومن PageV03P401 # هي التعليلية (وله من في السماوات والأرض) عبيدا وملكا، وهو خالقهم ~~ورازقهم ومالكهم، فكيف يجوز أن يكون له بعض مخلوقاته شريكا يعبد كما يعبد، ~~وهذه الجملة مقررة لما قبلها (ومن عنده) يعني الملائكة، وفيه رد على ~~القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفى التعبير عنهم ms2493 بكونهم عنده إشارة إلى ~~تشريفهم وكرامتهم، وأنهم بمنزلة المقربين عند الملوك، ثم وصفهم بقوله (لا ~~يستكبرون عن عبادته) أي لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادة الله سبحانه ~~والتذلل له (ولا يستحسرون) أي لا يعيون، مأخوذ من الحسير، وهو البعير ~~المنقطع بالإعياء والتعب، يقال: # حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكل، واستحسر وتحسر مثله وحسرته أنا حسرا، ~~يتعدى ولا يتعدى. قال أبو زيد: لا يكلون، وقال ابن الأعرابي: لا يفشلون. ~~قال الزجاج: معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله لا ~~يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها كقوله - إن الذين عند ربك لا يستكبرون ~~عن عبادته - وقيل المعنى: لا ينقطعون عن عبادته وهذه المعاني متقاربة ~~(يسبحون الليل والنهار لا يفترون) أي ينزهون الله سبحانه دائما لا يضعفون ~~عن ذلك ولا يسأمون، وقيل يصلون الليل والنهار. قال الزجاج: مجرى التسبيح ~~منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شئ، فكذلك تسبيحهم دائم، وهذه ~~الجملة إما مستأنفة جواب سؤال مقدر، أو في محل نصب على الحال (أم اتخذوا ~~آلهة من الأرض) قال المفضل: مقصود هذا الاستفهام الجحد: أي لم يتخذوا آلهة ~~تقدر على الإحياء، وأم هي المنقطعة، والهمزة لإنكار الوقوع. قال المبرد: إن ~~أم هنا بمعنى هل: # أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى، ولا تكون أم هنا ~~بمعنى بل، لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدر أم مع الاستفهام، ~~فتكون أم المنقطعة، فيصح المعنى، ومن الأرض متعلق باتخذوا، أو بمحذوف هو ~~صفة لآلهة، ومعنى (هم ينشرون) هم يبعثون الموتى، والجملة صفة لآلهة، وهذه ~~الجملة هي التي يدور عليها الإنكار والتجهيل، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع ~~منهم لا محالة. والمعنى: بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم ~~ينشرون الموتى، وليس الأمر كذلك، فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك. قرأ ~~الجمهور " ينشرون " بضم الياء وكسر الشين من أنشره: أي أحياه، وقرأ الحسن ~~بفتح الياء: أي يحيون ولا يموتون، ثم إنه سبحانه أقام البرهان على ms2494 بطلان ~~تعدد الآلهة، فقال (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أي لو كان في ~~السماوات والأرض آلهة معبودون غير الله لفسدتا: أي لبطلتا، يعني السماوات ~~والأرض بما فيهما من المخلوقات. قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج ~~وجمهور النحاة: إن إلا هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة لآلهة، ولذلك ~~ارتفع الاسم الذي بعدها وظهر فيه إعراب غير التي جاءت إلا بمعناها، ومنه ~~قول الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وقال الفراء: إن إلا هنا ~~بمعنى سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسدتا، ووجه الفساد أن ~~كون مع الله إلها آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرا على الاستبداد ~~بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ويحدث بسببه الفساد اه (فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت ~~الوحدانية بالبرهان: أي تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك له، ~~وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به (لا يسأل عما ~~يفعل) هذه الجملة مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوة سلطانه وعظيم جلاله لا ~~يسأله أحد من خلقه عن شئ من قضائه وقدره (وهم) أي العباد (يسألون) عما ~~يفعلون أي يسألهم الله عن ذلك لأنهم عبيده. وقيل إن المعنى أنه سبحانه لا ~~يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. قيل والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن ~~من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلها (أم اتخذوا من ~~دونه آلهة) أي بل اتخذوا، وفيه PageV03P402 # إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق إلى إظهار ~~بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان منهم، ولهذا قال (قل هاتوا ~~برهانكم) على دعوى أنها آلهة، أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله، ولا سبيل ~~لهم إلى شئ من ذلك، لا من عقل ولا نقل، لأن دليل العقل قد مر بيانه، وأما ~~دليل النقل فقد أشار إليه بقوله (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي) أي هذا ~~الوحي ms2495 الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع ذكر أمتي وذكر الأمم ~~السالفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم. وقيل المعنى: ~~هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي فانظروا هل في واحد منها أن الله ~~أمر باتخاذ إله سواه. قال الزجاج: قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من ~~الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلها غير الله، فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي ~~إلا توحيد الله؟ وقيل معنى الكلام الوعيد والتهديد: أي افعلوا ما شئتم فعن ~~قريب ينكشف الغطاء. وحكى أبو حاتم أن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرآ: هذا ~~ذكر من معي وذكر من قبلي بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذه ~~القراءة. وقال الزجاج في توجيه هذه القراءة إن المعنى هذا ذكر مما أنزل إلي ~~ومما هو معي وذكر من قبلي. وقيل ذكر كائن من قبلي: أي جئت بما جاءت به ~~الأنبياء من قبلي. ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال ~~(بل أكثرهم لا يعلمون الحق) وهذا إضراب من جهته سبحانه وانتقال من تبكيتهم ~~بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا يؤثر فيهم إقامة البرهان لكونهم جاهلين ~~للحق لا يميزون بينه وبين الباطل. وقرأ ابن محيصن والحسن " الحق " بالرفع ~~على معنى هذا الحق، أو هو الحق، وجملة (فهم معرضون) تعليل لما قبله من كون ~~أكثرهم لا يعلمون: أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن ~~قبول الحق مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة، ~~ولا يتدبرون في برهان، ولا يتفكرون في دليل (وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا يوحى إليه) قرأ حفص وحمزة والكسائي " نوحي " بالنون، وقرأ الباقون ~~بالياء: أي نوحي إليه (أنه لا إله إلا أنا) وفى هذا تقرير لأمر التوحيد ~~وتأكيد لما تقدم من قوله (هذا ذكر من معي) وختم الآية بالأمر لعباده ~~بعبادته، فقال (فاعبدون) فقد اتضح لكم دليل العقل، ودليل النقل وقامت عليكم ~~حجة الله. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر ms2496 وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن عباس في قوله (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم) قال: شرفكم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في ~~الآية قال: فيه حديثكم. وفى رواية عنه قال: فيه دينكم. وأخرج ابن مردويه من ~~طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: بعث الله نبيا من حمير يقال له ~~شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا، فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم ~~يبق منهم شئ، وفيهم أنزل الله - وكم قصمنا - إلى قوله - خامدين - وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي في قوله (وكم قصمنا من قرية) ~~قال: هي حضور بني أزد، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ~~(وارجعوا إلى ما أترفتم فيه) قال: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم. # وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (فما زالت تلك دعواهم) قال: هم أهل ~~حضور كانوا قتلوا نبيهم، فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم، وفى قوله ~~(فجعلناهم حصيدا خامدين) قال: بالسيف ضرب الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى ~~مساكنهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال حدثني رجل من الجزريين قال: ~~كان اليمن قريتان، يقال لإحداهما حضور وللأخرى قلابة، فبطروا وأترفوا حتى ~~ما كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبيا فدعاهم فقتلوه، ~~فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم، فجهز لهم جيشا، فقاتلوهم فهزموا جيشه ~~فرجعوا منهزمين إليه، فجهز إليهم جيشا آخر أكثف من الأول، فهزموهم أيضا، ~~فلما رأى بختنصر ذلك PageV03P403 # غزاهم هو بنفسه، فقاتلوهم فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا مناديا ~~يقول (لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم) فرجعوا، فسمعوا صوتا ~~مناديا يقول: يا لثارات النبي فقتلوا بالسيف، فهي التي قال الله - وكم ~~قصمنا من قرية - إلى قوله - خامدين -. قلت: وقرى حضور معروفة الآن بينها ~~وبين مدينة صنعاء نحو بريد في جهة الغرب منها. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله (حصيدا خامدين) ms2497 قال: كخمود النار إذا طفئت. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (لو أردنا أن نتخذ لهوا) قال: # اللهو الولد. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله (لو أردنا ~~أن نتخذ لهوا) قال: النساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~يستحسرون) يقول: لا يرجعون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (لا يسأل عما يفعل) قال: بعباده (وهم يسألون) قال عن أعمالهم. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الضحاك نحوه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس ~~قال: ما في الأرض قوم أبغض إلي من القدرية، وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون ~~قدرة الله، قال الله (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). # سورة الأنبياء الآية (26 - 35). # قوله (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) هؤلاء القائلون هم خزاعة، فإنهم قالوا ~~الملائكة بنات الله، وقيل هم اليهود، ويصح حمل الآية على كل من جعل لله ~~ولدا. وقد قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، ~~وقالت طائفة من العرب: الملائكة بنات الله. ثم نزه عز وجل نفسه. فقال ~~(سبحانه) أي تنزيها له عن ذلك، وهو مقول على ألسنة العباد. ثم أضرب عن ~~قولهم وأبطله فقال (بل عباد مكرمون) أي ليسوا كما قالوا، بل هم عباد لله ~~سبحانه مكرمون بكرامته لهم، مقربون عنده. وقرئ " مكرمون " بالتشديد، وأجاز ~~الزجاج والفراء نصب عباد على معنى: بل اتخذ عبادا، ثم وصفهم بصفة أخرى فقال ~~(لا يسبقونه بالقول) أي لا يقولون شيئا حتى يقوله أو يأمرهم به. وكذا قال ~~ابن قتيبة وغيره، وفى هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم. وقرئ " لا ~~يسبقونه " بضم PageV03P404 # الباء من سبقته أسبقه (وهم بأمره يعملون) أي هم العاملون بما يأمرهم الله ~~به، التابعون له المطيعون لربهم (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) هذه الجملة ~~تعليل لما قبلها: أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون، أو يعلم ما بين أيديهم ~~وهو الآخرة، وما خلفهم وهو الدنيا، ms2498 ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم ~~بما قدموا وأخروا، لم يعملوا عملا ولم يقولوا قولا إلا بأمره (ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى) أي يشفع الشافعون له، وهو من رضى عنه، وقيل هم أهل لا إله ~~إلا الله، وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة (وهم من ~~خشيته مشفقون) أي من خشيتهم منه، فالمصدر مضاف إلى المفعول، والخشية الخوف ~~مع التعظيم، والإشفاق الخوف مع التوقع والحذر: # أي لا يأمنون مكر الله (ومن يقل منهم إني إله من دونه) أي من يقل من ~~الملائكة إني إله من دون الله. قال المفسرون: عنى بهذا إبليس، لأنه لم يقل ~~أحد من الملائكة إني إله إلا إبليس، وقيل الإشارة إلى جميع الأنبياء (فذلك ~~نجزيه جهنم) أي فذلك القائل على سبيل الفرض والتقدير: نجزيه جهنم بسبب هذا ~~القول الذي قاله، كما نجزي غيره من المجرمين (كذلك نجزى الظالمين) أي مثل ~~ذلك الجزاء الفظيع نجزي الظالمين، أو مثل ما جعلنا جزاء هذا القائل جهنم، ~~فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها، والمراد ~~بالظالمين المشركون (أو لم ير الذين كفروا) الهمزة للإنكار، والواو للعطف ~~على مقدر، والرؤية هي القلبية: أي ألم يتفكروا أو لم يعلموا (أن السماوات ~~والأرض كانتا رتقا) قال الأخفش: إنما قال كانتا، لأنهما صنفان أي جماعتا ~~السماوات والأرضين كما قال سبحانه - الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا - ~~وقال الزجاج: إنما قال كانتا لأنه يعبر عن السماوات بلفظ الواحد، لأن ~~السماوات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون، والرتق السد ضد الفتق، يقال رتقت ~~الفتق أرتقه فارتتق: أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج: يعنى أنهما ~~كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما، وقال رتقا ولم يقل رتقين لأنه ~~مصدر، والتقدير: كانتا ذواتي رتق، ومعنى (ففتقناهما) ففصلناهما: أي فصلنا ~~بعضهما من بعض، فرفعنا السماء، وأبقينا الأرض مكانها (وجعلنا من الماء كل ~~شئ حي) أي أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شئ، فيشمل الحيوان ~~والنبات، والمعنى أن الماء سبب حياة كل شئ. وقيل ms2499 المراد بالماء هنا النطفة، ~~وبه قال أكثر المفسرين، وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله سبحانه وبديع ~~صنعه، وقد تقدم تفسير هذه الآية، والهمزة في (أفلا يؤمنون) للإنكار عليهم، ~~حيث لم يؤمنوا مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية (وجعلنا في الأرض ~~رواسي) أي جبالا ثوابت (أن تميد بهم) الميد التحرك والدوران أي لئلا تتحرك ~~وتدور بهم، أو كراهة ذلك، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى (وجعلنا ~~فيها) أي في الرواسي، أو في الأرض (فجاجا) قال أبو عبيدة: هي المسالك. وقال ~~الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج و (سبلا) تفسير للفجاج، لأن الفج قد لا ~~يكون طريقا نافذا مسلوكا (لعلهم يهتدون) إلى مصالح معاشهم، وما تدعو إليه ~~حاجاتهم (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) عن أن يقع ويسقط على الأرض كقوله - ~~ويمسك السماء أن تقع على الأرض - وقال الفراء: محفوظا بالنجوم من الشيطان ~~كقوله - وحفظناها من كل شيطان رجيم - وقيل محفوظا لا يحتاج إلى عماد، وقيل ~~المراد بالمحفوظ هنا المرفوع، وقيل محفوظا عن الشرك والمعاصي، وقيل محفوظا ~~عن الهدم والنقض (وهم عن آياتها معرضون) أضاف الآيات إلى السماء، لأنها ~~مجعولة فيها، وذلك كالشمس والقمر ونحوهما، ومعنى الإعراض أنهم لا يتدبرون ~~فيها، ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان (وهو الذي خلق الليل والنهار ~~والشمس والقمر) هذا تذكير لهم بنعمة أخرى مما أنعم به عليهم، وذلك بأنه خلق ~~لهم الليل ليسكنوا فيه، PageV03P405 # والنهار ليتصرفوا فيه في معايشهم، وخلق الشمس والقمر أي جعل الشمس آية ~~النهار، والقمر آية الليل، ليعلموا عدد الشهور والحساب كما تقدم بيانه في ~~سبحان (كل في فلك يسبحون) أي كل واحد من الشمس والقمر والنجوم في فلك ~~يسبحون: أي يجرون في وسط الفلك، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، والجمع في ~~الفعل باعتبار المطالع، قال سيبويه: إنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل، ~~وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، جعل الضمير عنهن ضمير العقلاء، ولم يقل ~~يسبحن أو تسبح، وكذا قال الفراء. وقال الكسائي: إنما قال يسبحون لأنه رأس ~~آية، والفلك ms2500 واحد أفلاك النجوم، وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلك المغزل ~~لاستدارتها (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) أي دوام البقاء في الدنيا (أفإن ~~مت) بأجلك المحتوم (فهم الخالدون) أي أفهم الخالدون. # قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت. قال: ~~ويجوز حذف الفاء وإضمارها، والمعنى: # إن مت فهم يموتون أيضا، فلا شماتة في الموت. وقرئ " مت " بكسر الميم ~~وضمها لغتان: وكان سبب نزول هذه الآية قول المشركين فيما حكاه الله عنهم - ~~أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون - (كل نفس ذائقة الموت) أي زاهقة ~~مفارقة جسدها، فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائنا ما كان (ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة) أي نختبركم بالشدة والرخاء، لننظر كيف شكركم وصبركم. ~~والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم، وفتنة مصدر لنبلوكم من غير ~~لفظه (وإلينا ترجعون) لا إلى غيرنا فنجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير، وإن ~~شرا فشر. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قالت اليهود إن الله عز ~~وجل صاهر الجن فكانت بنيهم الملائكة، فقال الله تكذيبا لهم (بل عباد ~~مكرمون) أي الملائكة ليس كما قالوا، بل عباد أكرمهم بعبادته (لا يسبقونه ~~بالقول) يثني عليهم (ولا يشفعون) قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة (إلا ~~لمن ارتضى) قال: لأهل التوحيد. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (إلا لمن ~~ارتضى) قال: لأهل التوحيد لمن رضي عنه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في ~~الآية قال: قول لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في البعث عن ابن عباس في الآية قال: الذين ارتضاهم لشهادة أن لا ~~إله إلا الله. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن جابر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم تلا قوله تعالى " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " قال: ~~إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم ~~وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في ms2501 قوله (كانتا رتقا ~~ففتقناهما) قال: فتقت السماء بالغيث، وفتقت الأرض بالنبات. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه (كانتا رتقا) قال: لا يخرج منهما شئ، وذكر مثل ما تقدم. وأخرجه ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عنه أيضا من طريق أخرى. ~~وأخرج ابن جرير عنه (كانتا رتقا) قال: # ملتصقتين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن أبي العالية في قوله (وجعلنا من الماء كل شئ حي) قال: ~~نطفة الرجل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس (وجعلنا فيها فجاجا ~~سبلا) قال: بين الجبال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (كل في فلك) قال: دوران (يسبحون) قال يجرون. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عنه (كل في فلك) قال: فلك كفلكة المغزل ~~(يسبحون) قال: يدورون في أبواب السماء. كما تدور الفلكة في المغزل. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ~~هو فلك السماء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قال: دخل ~~أبو بكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد مات فقبله وقال: # وانبياه واخليلاه واصفياه، ثم تلا (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) الآية، ~~وقوله - إنك ميت وإنهم ميتون -. PageV03P406 # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة) قال: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى ~~والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية والهدى والضلالة. # سورة الأنبياء الآية (36 - 43) قوله (وإذا رآك الذين كفروا) يعني ~~المستهزئين من المشركين (إن يتخذونك إلا هزؤا) أي ما يتخذونك إلا مهزوءا ~~بك، والهزؤ السخرية، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم - إنا كفيناك ~~المستهزئين - والمعنى: ما يفعلون بك إلا اتخذوك هزؤا (أهذا الذي يذكر ~~آلهتكم) هو على تقدير القول: أي يقولون أهذا الذي، فعلى هذا هو جواب إذا، ~~ويكون قوله (إن يتخذونك إلا هزؤا) اعتراضا بين الشرط وجوابه، ومعنى ms2502 يذكرها ~~يعيبها. قال الزجاج: يقال فلان يذكر الناس: أي يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب، ~~وفلان يذكر الله: أي يصفه بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل ~~معناه، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به ~~العيب يحذف منه السوء، قيل ومن هذا قول عنترة: # لا تذكري مهري وما أطعمته * فيكون جلدك مثل جلد الأجرب أي لا تعيبي مهري، ~~وجملة (وهم بذكر الرحمن هم كافرون) في محل نصب على الحال: أي وهم بالقرآن ~~كافرون، أو هم بذكر الرحمن الذي خلقهم كافرون، والمعنى: أنهم يعيبون على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع ~~بالسوء: والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو القرآن ~~كافرون، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم، فالضمير الأول مبتدأ خبره ~~كافرون، وبذكر متعلق بالخبر، والضمير الثاني تأكيد (خلق الإنسان من عجل) أي ~~جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من العجل. قال الفراء: # كأنه يقول بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة. وقال الزجاج: خوطبت العرب ~~بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه الشئ خلقت منه كما تقول: أنت من لعب، ~~وخلقت من لعب، تريد المبالغة في وصفه بذلك. ويدل على هذا المعنى قوله - ~~وكان الإنسان عجولا - والمراد بالإنسان الجنس. وقيل المراد بالإنسان آدم، ~~فإنه لما خلقه PageV03P407 # الله ونفخ فيه الروح صار الروح في رأسه فذهب لينهض قبل أن تبلغ الروح إلى ~~رجليه فوقع فقيل خلق الإنسان من عجل كذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والسدي ~~والكلبي ومجاهد وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني العجل الطين بلغة حمير ~~وأنشدوا * والنخل تنبت بين الماء والعجل له وقيل إن هذه الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث وهو القائل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك وقيل نزلت في ~~قريش لأنهم استعجلوا العذاب وقال الأخفش معنى خلق الإنسان من عجل أنه قيل ~~له كن فكان وقيل إن هذه الآية من المقلوب أي خلق العجل من الإنسان وقد ms2503 حكى ~~هذا عن أبي عبيدة والنحاس والقول الأول أولى سأوريكم آياتي أي سأريكم ~~نقماتي منكم بعذاب النار فلا تستعجلون أي لا تستعجلوني بالإتيان به فإنه ~~نازل بكم لا محالة وقيل المراد بالآيات ما دل على صدق محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم من المعجزات وما جعله الله له من العاقبة المحمودة والأول أولى ~~ويدل عليه قولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين أي متى حصول هذا الوعد الذي ~~تعدنا به من العذاب قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والسخرية وقيل المراد ~~بالوعد هنا القيامة ومعنى إن كنتم صادقين إن كنتم يا معشر المسلمين صادقين ~~في وعدكم والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين الذين يتلون ~~الآيات القرآنية المنذرة بمجئ الساعة وقرب حضور العذاب وجملة لو يعلم الذين ~~كفروا وما بعدها مقررة لما قبلها أي لو عرفوا ذلك الوقت وجواب لو محذوف ~~والتقدير لو علموا الوقت الذي لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا ~~هم ينصرون لما استعجلوا الوعيد وقال الزجاج في تقدير الجواب لعلموا صدق ~~الوعد وقيل لو علموه ما أقاموا على الكفر وقال الكسائي هو تنبيه على تحقيق ~~وقوع الساعة أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية ويدل عليه قوله بل ~~تأتيهم بغتة وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القدام والخلف لكونهما ~~أشهر الجوانب في استلزام الإحاطة بها للإحاطة بالكل بحيث لا يقدرون على ~~دفعها من جانب من جوانبهم ومحل حين لا يكفون النصب على أنه مفعول العلم وهو ~~عبارة عن الوقت الموعود الذي كانوا يستعجلونه ومعنى ولا هم ينصرون ولا ~~ينصرهم أحد من العباد فيدفع ذلك عنهم وجملة بل تأتيهم بغتة معطوفة على ~~يكفون أي لا يكفونها بل تأتيهم العدة أو النار أو الساعة بغتة أي فجأة ~~فتبهتهم قال الجوهري بهته بهتا أخذه بغتا وقال الفراء فتبهتهم أي تحيرهم ~~وقيل فتفجؤهم فلا يستطيعون ردها أي صرفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم فالضمير ~~راجع إلى النار وقيل راجع إلى الوعد بتأويله بالعدة وقيل راجع إلى الحين ms2504 ~~بتأويله بالساعة ولا هم ينظرون أي يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار وجملة ولقد ~~استهزئ برسل من قبلك مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وتعزيته كأنه قال إن استهزأ بك هؤلاء فقد فعل ذلك بمن قبلك من الرسل على ~~كثرة عددهم وخطر شأنهم فحاق بالذين سخروا منهم أي أحاط ودار بسبب ذلك ~~بالذين سخروا من أولئك الرسل وهزئوا بهم ما كانوا به يستهزئون ما موصولة أو ~~مصدرية أي فأحاط بهم الأمر الذي كانوا يستهزئون به أو فأحاط بهم استهزاؤهم ~~أي جزاؤه على وضع السبب موضع المسبب أو نفس الاستهزاء إن أريد به العذاب ~~الأخروي قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن أي يحرسكم ويحفظكم والكلاءة ~~الحراسة والحفظ يقال كلأه الله كلأة بالكسر أي حفظه وحرسه قال ابن هرمة إن ~~سليمى والله يكلؤها * ضنت بشئ ما كان يرزؤها أي قل يا محمد لأولئك ~~المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ من يحرسكم ويحفظكم بالليل والنهار من ~~بأس الرحمن وعذابه الذي تستحقون حلوله بكم ونزوله عليكم وقال الزجاج معناه ~~من يحفظكم من بأس الرحمن PageV03P408 # وقال الفراء المعنى من يحفظكم مما يريد الرحمن إنزاله بكم من عقوبات ~~الدنيا والآخرة وحكى الكسائي والفراء من يكلوكم بفتح اللام وإسكان الواو بل ~~هم عن ذكر ربهم معرضون أي عن ذكره سبحانه فلا يذكرونه ولا يخطرونه ببالهم ~~بل يعرضون عنه أو عن القرآن أو عن مواعظ الله أو عن معرفته أم لهم آلهة ~~تمنعهم من دوننا أم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة للإضراب والانتقال ~~عن الكلام السابق المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم إلى توبيخهم ~~وتقريعهم باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه والدفع عنها والمعنى بل لهم ~~آلهة تمنعهم من عذابنا وقيل فيه تقديم وتأخير والتقدير أم لهم آلهة من ~~دوننا تمنعهم ثم وصف آلهتهم هذه التي زعموا أنها تنصرهم بما يدل على الضعف ~~والعجز فقال لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون أي هم عاجزون عن نصر ~~أنفسهم فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم ms2505 ولا هم منا يصحبون أي ولا هم يجارون ~~من عذابنا قال ابن قتيبة أي لا يجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب الجار ~~والعرب تقول صحبك الله أي حفظك وأجارك ومنه قول الشاعر ينادي بأعلى صوته ~~متعوذا * ليصحب منا والرماح دواني تقول العرب أنا لك جار وصاحب من فلان أي ~~مجير منه قال المازني هو من أصحبت الرجل إذا منعته وقد أخرج ابن أبي حاتم ~~عن السدى قال مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي سفيان وأبى جهل ~~وهما يتحدثان فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان هذا نبي بنى عبد مناف ~~فغضب أبو سفيان فقال ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي فسمعها النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرجع إلى أبى جهل فوقع به وخوفه وقال ما أراك منتهيا ~~حتى يصيبك ما أصاب عمك وقال لأبى سفيان أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية ~~فنزلت هذه الآية وإذا رآك الذين كفروا قلت ينظر من الذي روى عنه السدى ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال لما نفخ في آدم ~~الروح صار في رأسه فعطس فقال الحمد لله فقالت الملائكة يرحمك الله فذهب ~~لينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع فقال الله خلق الإنسان من عجل وقد أخرج ~~نحو هذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وأخرج نحوه أيضا ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ~~العظمة عن مجاهد وكذا أخرج ابن المنذر عن ابن جريج وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله قل من يكلؤكم قال يحرسكم وفى قوله ولا هم منا ~~يصحبون قال لا ينصرون وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~ولا هم منا يصحبون قال لا يجارون وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في الآية ~~قال لا يمنعون سورة الأنبياء الآية (44 46) PageV03P409 # سورة الأنبياء الآية (47 56) لما ms2506 أبطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك ~~منتقلا إلى بيان أن ما هم فيه من الخير والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله ~~لا من مانع يمنعهم من الهلاك ولا من ناصر ينصرهم على أسباب التمتع فقال بل ~~متعنا هؤلاء وآباءهم يعنى أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم حتى طال عليهم ~~العمر فاغتروا بذلك وظنوا أنهم لا يزالون كذلك فرد سبحانه عليهم قائلا أفلا ~~يرون أي أفلا ينظرون فيرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أي أرض الكفر ~~ننقصها بالظهور عليها من أطرافها فنفتحها بلدا بعد بلد وأرضا بعد أرض وقيل ~~ننقصها بالقتل والسبي وقد مضى في الرعد الكلام على هذا مستوفى والاستفهام ~~في قوله أفهم الغالبون للإنكار والفاء للعطف على مقدر كنظائره أي كيف ~~يكونون غالبين بعد نقصنا لأرضهم من أطرافها وفى هذا إشارة إلى أن الغالبين ~~هم المسلمون قل إنما أنذركم بالوحي أي أخوفكم وأحذركم بالقرآن وذلك شأني ~~وما أمرني الله به وقوله ولا يسمع الصم الدعاء إما من تتمة الكلام الذي أمر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم أو من جهة الله تعالى والمعنى ~~أن من أصم الله سمعه وختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة لا يسمع الدعاء قرأ ~~أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن السميفع ولا يسمع بضم الياء وفتح الميم على ~~ما لم يسم فاعله وقرأ ابن عامر وأبو حياة ويحيى بن الحارث بالتاء الفوقية ~~مضمومة وكسر الميم أي إنك يا محمد لا تسمع هؤلاء قال أبو علي الفارسي ولو ~~كان كما قال ابن عامر لكان إذا ما تنذرهم فيحسن نظم الكلام فأما إذا ما ~~ينذرون فحسن أن يتبع قراءة العامة وقرأ الباقون بفتح الياء وفتح الميم ورفع ~~الصم على أنه الفاعل ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك المراد بالنفحة القليل ~~مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول الشاعر وعمرة من سروات النساء ~~* تنفح بالمسك أردانها وقال المبرد النفحة الدفعة من الشئ التي دون معظمه ~~يقال نفحه نفحة بالسيف ms2507 إذا ضربه ضربة خفيفة وقيل هي النصيب وقيل هي الطرف ~~والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شئ من العذاب ليقولن يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين أي ليدعون على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفون عليها بالظلم ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة الموازين جمع ميزان وهو يدل على أن هناك ~~موازين ويمكن أن يراد ميزان واحد عبر عنه بلفظ الجمع وقد PageV03P410 # ورد في السنة في صفة الميزان ما فيه كفاية وقد مضى في الأعراف وفى الكهف ~~في هذا ما يغني عن الإعادة والقسط صفة للموازين قال الزجاج قسط مصدر يوصف ~~به تقول ميزان قسط وموازين قسط والمعنى ذوات قسط والقسط العدل وقرئ القصط ~~بالصاد والطاء ومعنى ليوم القيامة لأهل يوم القيامة وقيل اللام بمعنى في أي ~~في يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في ~~إساءة مسئ وإن كان مثقال حبة من خردل قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر برفع مثقال ~~على أن كان تامة أي إن وقع أو وجد مثقال حبة وقرأ الباقون بنصب المثقال على ~~تقدير وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين مثقال حبة كذا قال الزجاج ~~وقال أبو علي الفارسي وإن كان الظلامة مثقال حبة قال الواحدي وهذا أحسن ~~لتقدم قوله فلا تظلم نفس شيئا ومثقال الشئ ميزانه أي وإن كان في غاية الخفة ~~والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر أتينا بها قرأ الجمهور بالقصر أي ~~أحضرناها وجئنا بها للمجازاة عليها وبها أي بحبة الخردل وقرأ مجاهد وعكرمة ~~آتينا بالمد على معنى جازينا بها يقال آتى يؤاتى مؤاتاة جازى وكفى بنا ~~حاسبين أي كفى بنا محصين والحسب في الأصل معناه العد وقيل كفى بنا عالمين ~~لأن من حسب شيئا علمه وحفظه وقيل كفى بنا مجازين على ما قدموه من خير وشر ~~ثم شرع سبحانه في تفصيل ما أجمله سابقا بقوله وما أرسلنا قبلك إلا رجالا ~~يوحى إليهم فقال ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين ~~المراد بالفرقان هنا التوراة لأن فيها ms2508 الفرق بين الحلال والحرام وقيل ~~الفرقان هنا هو النصر على الأعداء كما في قوله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان قال الثعلبي وهذا القول أشبه بظاهر الآية ومعنى وضياء أنهم ~~استضاءوا بها في ظلمات الجهل والغواية ومعنى وذكرا الموعظة أي أنهم يتعظون ~~بما فيها وخص المتقين لأنهم الذين ينتفعون بذلك ووصفهم بقوله الذين يخشون ~~ربهم بالغيب لأن هذه الخشية تلازم التقوى ويجوز أن يكون الموصول بدلا من ~~المتقين أو بيانا له ومحل بالغيب النصب على الحال أي يخشون عذابه وهو غائب ~~عنهم أو هم غائبون عنه لأنهم في الدنيا والعذاب في الآخرة وقرأ ابن عباس ~~وعكرمة ضياء بغير واو قال الفراء حذف الواو والمجئ بها واحد واعترضه الزجاج ~~بأن الواو تجئ لمعنى فلا تزاد وهم من الساعة مشفقون أي وهم من القيامة ~~خائفون وجلون والإشارة بقوله وهذا ذكر مبارك إلى القرآن قال الزجاج المعنى ~~وهذا القرآن ذكر لمن تذكر به وموعظة لمن اتعظ به والمبارك كثير البركة ~~والخير وقوله أنزلناه صفة ثانية للذكر أو خبر بعد خبر والاستفهام في قوله ~~أفأنتم له منكرون للإنكار لما وقع منهم من الإنكار أي كيف تنكرون كونه ~~منزلا من عند الله مع اعترافكم بأن التوراة منزلة من عنده ولقد آتينا ~~إبراهيم رشده أي الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل ومعنى من قبل أنه أعطى ~~رشده قبل إيتاء موسى وهارون التوراة وقال الفراء المعنى أعطيناه هداه من ~~قبل النبوة أي وفقناه للنظر والاستدلال لما جن عليه الليل فرأى الشمس ~~والقمر والنجم وعلى هذا أكثر المفسرين وبالأول قال أقلهم وكنا به عالمين ~~أنه موضع لإيتاء الرشد وأنه يصلح لذلك والظرف في قوله إذ قال لأبيه متعلق ~~بآتينا أو بمحذوف أي أذكر حين قال وأبوه هو آزر وقومه نمروذ ومن اتبعه ~~والتماثيل الأصنام وأصل التمثال الشئ المصنوع مشابها لشئ من مخلوقات الله ~~سبحانه يقال مثلث الشئ بالشئ إذا جعلته مشابها له واسم ذلك الممثل تمثال ~~أنكر عليهم عبادتها بقوله ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون والعكوف ms2509 ~~عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشئ واللام في لها للاختصاص ولو كانت ~~للتعدية لجئ بكلمة على أي ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها ~~وقيل إن العكوف مضمن معنى العبادة قالوا وجدنا PageV03P411 # آباءنا لها عابدين أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل ~~عاجز والحبل الذي يتشبث به كل غريق وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء أي وجدنا ~~آباءنا يعبدونها فعبدناها اقتداء بهم ومشيا على طريقتهم وهكذا يجيب هؤلاء ~~المقلدة من أهل هذه الملة الإسلامية وإن العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر ~~عليهم العمل بمحض الرأي المدفوع بالدليل قالوا هذا قد قال به إمامنا الذي ~~وجدنا آباءنا له مقلدين وبرأيه آخذين وجوابهم هو ما أجاب به الخليل ها هنا ~~قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين أي في خسران واضح ظاهر لا يخفى على ~~أحد ولا يلتبس على ذي عقل فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التي لا تضر ولا ~~تنفع ولا تسمع ولا تبصر وليس بعد هذا الضلال ضلال ولا يساوي هذا الخسران ~~خسران وهؤلاء المقلدة من أهل الإسلام استبدلوا بكتاب الله وبسنة رسوله ~~كتابا قد دونت فيه اجتهادات عالم من علماء الإسلام زعم أنه لم يقف على دليل ~~يخالفها إما لقصور منه أو لتقصير في البحث فوجد ذلك الدليل من وجده وأبرزه ~~واضح المنار * كأنه علم في رأسه نار * وقال هذا كتاب الله أو هذه سنة رسوله ~~وأنشدهم دعوا كل قول عند قول محمد * فما آمن في دينه كمخاطر فقالوا كما قال ~~الأول ما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وان ترشد غزية أرشد وقد أحسن من ~~قال يأبى الفتى إلا اتباع الهوى * ومنهج الحق له واضح ثم لما سمع أولئك ~~مقالة الخليل قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين أي أجاد أنت فيما تقول ~~أم أنت لاعب مازح قال مضربا عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد بل ربكم رب ~~السماوات والأرض الذي فطرهن أي خلقهن وأبدعهن وأنا على ذلكم الذي ذكرته لكم ~~من كون ربكم ms2510 هو رب السماوات والأرض دون ما عداه من الشاهدين أي العالمين به ~~المبرهنين عليه فإن الشاهد على الشئ هو من كان عالما به مبرهنا عليه مبينا ~~له وقد أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة أن رجلا قال يا رسول الله إن لي ~~مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك ~~إياهم فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم ~~بقدر ذنوبهم كان كفافا لا عليك ولا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص ~~لهم منك الفضل فجعل الرجل يبكي ويهتف فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أما تقرأ كتاب الله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين فقال له الرجل ~~يا رسول الله ما أجد لي ولهم خيرا من مفارقتهم أشهدك أنهم أحرار رواه أحمد ~~هكذا حدثنا أبو نوح الأقراد أخبرنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن ~~عروة عن عائشة فذكره وفى معناه أحاديث وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ~~ابن عباس أنه كان يقرأ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وأخرج عبد بن ~~حميد عن أبي صالح ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان قال التوراة وأخرج ابن ~~جرير عن قتادة نحوه وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال الفرقان الحق وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة وهذا ذكر مبارك أي القرآن وأخرج ~~ابن أبي شيبة PageV03P412 # وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ولقد ~~آتينا إبراهيم رشده قال هديناه صغيرا وفى قوله ما هذه التماثيل قال الأصنام ~~سورة الأنبياء الآية (57 70) قوله وتالله لأكيدن أصنامكم أخبرهم أنه سينتقل ~~من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل ms2511 ثقة بالله سبحانه ومحاماة على ~~دينه والكيد المكر يقال كاده يكيده كيدا ومكيدة والمراد هنا الاجتهاد في ~~كسر الأصنام قيل إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك سرا وقيل سمعه رجل منهم ~~بعد أن تولوا مدبرين أي بعد أن ترجعوا من عبادتها ذاهبين منطلقين قال ~~المفسرون كان لهم عيد في كل سنة يجتمعون فيه فقالوا لإبراهيم لو خرجت معنا ~~إلى عيدنا أعجبك ديننا فقال إبراهيم هذه المقالة والفاء في قوله فجعلهم ~~جذاذا أبو فصيحة أي فولوا فجعلهم جذاذا الجذ القطع والكسر يقال جذذت الشئ ~~قطعته وكسرته الواحد جذاذة والجذاذ والجذاذ ما كسر منه قال الجوهري قال ~~الكسائي ويقال لحجارة الذهب الجذاذ لأنها تكسر قرأ الكسائي والأعمش وابن ~~محيصن أو بكسر الجيم أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف ~~وظريف وظراف قال الشاعر جذذ الأصنام في محرابها * ذاك في الله العلي ~~المقتدر وقرأ الباقون بالضم واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم أي ~~الحطام والرقاق فعال بمعنى مفعول وهذا هو الكيد الذي وعدهم به وقرأ ابن ~~عباس وأبو السماك جذاذا بفتح الجيم إلا كبيرا لهم أي للأصنام لعلهم إليه أي ~~إلى إبراهيم يرجعون فيحاجهم بما سيأتي فيحجهم وقيل لعلهم إلى الصنم الكبير ~~يرجعون فيسألونه عن الكاسر لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات ~~فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبرا فيعلمون حينئذ أنها لا تجلب نفعا ولا ~~تدفع ضررا ولا تعلم بخير ولا شر ولا تخبر عن الذي ينوبها من الأمر وقيل ~~لعلهم إلى الله PageV03P413 # يرجعون وهو بعيد جدا قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين في ~~الكلام حذف والتقدير فلما رجعوا من عيدهم ورأوا ما حدث بآلهتهم قالوا هذه ~~المقالة والاستفهام للتوبيخ وقيل إن من ليست استفهامية بل هي مبتدأ وخبرها ~~إنه لمن الظالمين أي فاعل هذا ظالم والأول أولى لقولهم سمعنا فتى الخ فإنه ~~قال بهذا بعضهم مجيبا للمستفهمين لهم وهذا القائل هو الذي سمع إبراهيم يقول ~~تالله لأكيدن أصنامكم ومعنى يذكرهم يعيبهم وقد ms2512 سبق تحقيق مثل هذه العبارة ~~وجملة يقال له إبراهيم صفة ثانية لفتى قال الزجاج وارتفع إبراهيم على معنى ~~يقال له هو إبراهيم فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف وقيل ارتفاعه على أنه ~~مفعول ما لم يسم فاعله وقيل مرتفع على النداء ومن غرائب التدقيقات النحوية ~~وعجائب التوجيهات الإعرابية أن الأعلم الشنتمري الأشبيلي قال إنه مرتفع على ~~الإهمال قال ابن عطية ذهب إلى رفعه بغير شئ والفتى هو الشاب والفتاة الشابة ~~قالوا فأتوا به على أعين الناس القائلون هم السائلون أمروا بعضهم أن يأتي ~~به ظاهرا بمرأى من الناس قيل إنه لما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه كرهوا أن ~~يأخذوه بغير بينة فقالوا هذه المقالة ليكون ذلك حجة عليه يستحلون بها منه ~~ما قد عزموا على أن يفعلوه به ومعنى لعلهم يشهدون لعلهم يحضرون عقابه حتى ~~ينزجر غيره عن الاقتداء به في مثل هذا وقيل لعلهم يشهدون عليه بأنهم رأوه ~~يكسر الأصنام أو لعلهم يشهدون طعنه على أصنامهم وجملة قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم مستأنفة جواب سؤال مقدر وفى الكلام حذف تقديره فجاء ~~إبراهيم حين أتوا به فاستفهموه هل فعل ذلك لإقامة الحجة عليه في زعمهم قال ~~بل فعله كبيرهم هذا أي قال إبراهيم مقيما للحجة عليهم مبكتا لهم بل فعله ~~كبيرهم هذا مشيرا إلى الصنم الذي تركه ولم يكسره فاسألوهم إن كانوا ينطقون ~~أي إن كانوا ممن يمكنه النطق ويقدر على الكلام ويفهم ما يقال له فيجيب عنه ~~بما يطابقه أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ~~ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله فأخرج الكلام ~~مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست ~~بآلهة لأنهم إذا قالوا إنهم لا ينطقون قال لهم فكيف تعبدون من يعجز عن ~~النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه فهذا الكلام من ~~باب فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف ms2513 بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته ~~وأدفع لمكابرته وقيل أراد إبراهيم عليه السلام بنسبة الفعل إلى ذلك الكبير ~~من الأصنام أنه فعل ذلك لأنه غار وغضب من أن يعبد وتعبد الصغار معه إرشادا ~~لهم إلى أن عبادة هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تدفع لا ~~تستحسن في العقل مع وجود خالقها وخالقهم والأول أولى وقرأ ابن السميفع بل ~~فعله بتشديد اللام على معنى بل فلعل الفاعل كبيرهم فرجعوا إلى أنفسهم أي ~~رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه المراجع ~~لعقله وذلك أنهم تنبهوا وفهموا عند هذه المقاولة بينهم وبين إبراهيم أن من ~~لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن فعل به ما فعله ~~إبراهيم بتلك الأصنام يستحيل أن يكون مستحقا للعبادة ولهذا قالوا إنكم أنتم ~~الظالمون أي قال بعضهم لبعض أنتم الظالمون لأنفسكم بعبادة هذه الجمادات ~~وليس الظالم من نسبتم الظلم إليه بقولكم إنه لمن الظالمين ثم نكسوا على ~~رؤوسهم أي رجعوا إلى جهلهم وعنادهم شبه سبحانه عودهم إلى الباطل بصيرورة ~~أسفل الشئ أعلاه وقيل المعنى أنهم طأطئوا رؤوسهم خجلة من إبراهيم وهو ضعيف ~~لأنه لم يقل نكسوا رؤوسهم بفتح الكاف وإسناد الفعل إليهم حتى يصح ~~PageV03P414 # هذا التفسير بل قال نكسوا على رؤوسهم وقرئ نكسوا بالتشديد ثم قالوا بعد ~~أن نكسوا مخاطبين لإبراهيم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي قائلين لإبراهيم ~~لقد علمت أن النطق ليس من شأن هذه الأصنام ف قال إبراهيم مبكتا لهم ومزريا ~~أبي عليهم أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا من النفع ولا يضركم بنوع ~~من أنواع الضرر ثم تضجر عليه السلام منهم فقال أف لكم ولما تعبدون من دون ~~الله وفى هذا تحقير لهم ولمعبوداتهم واللام في لكم لبيان المتأفف به أي لكم ~~ولآلهتكم والتأفف صوت يدل على التضجر أفلا تعقلون أي ليس لكم عقول تتفكرون ~~بها فتعلمون هذا الصنع القبيح الذي صنعتموه قالوا حرقوه أي قال بعضهم لبعض ~~لما أعيتهم الحيلة ms2514 في دفع إبراهيم وعجزوا عن مجادلته وضاقت عليهم مسالك ~~المناظرة حرقوا إبراهيم انصرافا منهم إلى طريق الظلم والغشم وميلا منهم إلى ~~إظهار الغلبة بأي وجه كان وعلى أي أمر اتفق ولهذا قالوا وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين أي انصروها بالانتقام من هذا الذي فعل بها ما فعل إن كنتم ~~فاعلين للنصر وقيل هذا القائل هو نمروذ وقيل رجل من الأكراد قلنا يا نار ~~كوني بردا وسلاما على إبراهيم في الكلام حذف تقديره فأضرموا النار وذهبوا ~~بإبراهيم إليها فعند ذلك قلنا يا نار كوني ذات برد وسلام وقيل إن انتصاب ~~سلاما على أنه مصدر لفعل محذوف أي وسلمنا سلاما عليه وأرادوا به كيدا أي ~~مكرا فجعلناهم الأخسرين أي أخسر من كل خاسر ورددنا مكرهم عليهم فجعلنا لهم ~~عاقبة السوء كما جعلنا لإبراهيم عاقبة الخير وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~مسعود قال لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه فقالوا يا إبراهيم ألا ~~تخرج معنا قال إني سقيم وقد كان بالأمس قال تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن ~~تولوا مدبرين فسمعه ناس منهم فلما خرجوا انطلق إلى أهله فأخذ طعاما ثم ~~انطلق إلى آلهتهم فقربه إليهم فقال ألا تأكلون فكسرها إلا كبيرهم ثم ربط في ~~يده الذي كسر به آلهتهم فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا هم بآلهتهم قد ~~كسرت وإذا كبيرهم في يده الذي كسر الأصنام قالوا من فعل هذا بآلهتنا فقال ~~الذين سمعوا إبراهيم يقول تالله لأكيدن أصنامكم سمعنا فتى يذكرهم فجادلهم ~~عند ذلك إبراهيم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله جذاذا قال حطاما وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال فتاتا وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر عنه أيضا بل فعله كبيرهم هذا قال عظيم آلهتهم وأخرج أبو داود ~~والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكذب إبراهيم في شئ قط إلا في ثلاث كلهن ~~في الله ms2515 قوله إني سقيم ولم يكن سقيما وقوله لسارة أختي وقوله بل فعله ~~كبيرهم هذا وهذا الحديث هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة بأطول من هذا وقد ~~روى نحو هذا أبو يعلى من حديث أبي سعيد وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ~~لما جمع لإبراهيم ما جمع وألقى في النار جعل خازن المطر يقول متى أومر ~~بالمطر فأرسله فكان أمر الله أسرع قال الله كوني بردا وسلاما فلم يبق في ~~الأرض نار إلا طفئت وأخرج أحمد وابن ماجة وابن حبان وأبو يعلى وابن أبي ~~حاتم والطبراني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن ~~إبراهيم حين ألقى في النار لم تكن دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ فإنه ~~كان ينفخ على إبراهيم فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتله وأخرج ~~ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن عمر قال أول كلمة قالها إبراهيم ~~حين ألقى في النار حسبنا الله ونعم الوكيل وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في ~~قوله يا نار كوني قال كان جبريل هو الذي ناداها وأخرج الفريابي وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال لو لم يتبع بردها سلاما لمات ~~إبراهيم من بردها وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي نحوه وأخرج ابن جرير عن معتمر ~~PageV03P415 # ابن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ~~ليلقى في النار فقال يا إبراهيم ألك حاجة قال أما إليك فلا وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر عن كعب قال ما أحرقت النار من إبراهيم إلا ~~وثاقه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن المنهال ابن عمرو قال أخبرت أن ~~إبراهيم ألقى في النار فكان فيها إما خمسين وإما أربعين قال ما كنت أياما ~~وليالي قط أطيب عيشا إذ كنت فيها وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ ms2516 كنت ~~فيها سورة الأنبياء الآية (71 77) قد تقدم أن لوطا هو ابن أخي إبراهيم فحكى ~~الله سبحانه هاهنا انه نجى إبراهيم ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين قال المفسرون وهى أرض الشام وكانا بالعراق وسماها سبحانه مباركة ~~لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها ولأنها معادن الأنبياء وأصل البركة ثبوت ~~الخير ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح وقيل الأرض المباركة مكة ~~وقيل بيت المقدس لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء وهى أيضا كثيرة الخصب وقد ~~تقدم تفسير العالمين ثم قال سبحانه ممتنا على إبراهيم ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة النافلة الزيادة وكان إبراهيم قد سأل الله سبحانه أن يهب له ~~ولدا فوهب له إسحاق ثم وهب لإسحاق يعقوب من غير دعاء فكان ذلك نافلة أي ~~زيادة وقيل المراد بالنافلة هنا العطية قاله الزجاج وقيل النافلة هنا ولد ~~الولد لأنه زيادة على الولد وانتصاب نافلة على الحال قال الفراء النافلة ~~يعقوب خاصة لأنه ولد الولد وكلا جعلنا صالحين أي وكل واحد من هؤلاء الأربعة ~~إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب لا بعضهم دون بعض جعلناه صالحا عاملا بطاعة ~~الله تاركا لمعاصيه لا وقيل المراد بالصلاح هنا النبوة وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات ومعنى بأمرنا بأمرنا ~~لهم بذلك أي بما أنزلنا عليهم من الوحي وأوحينا إليهم فعل الخيرات أي أن ~~يفعلوا الطاعات وقيل المراد بالخيرات شرائع النبوات وكانوا لنا عابدين أي ~~كانوا لنا خاصة دون غيرنا مطيعين فاعلين لما نأمرهم به تاركين ما ننهاهم ~~عنه ولوطا آتيناه حكما وعلما انتصاب لوطا بفعل مضمر دل عليه قوله آتيناه أي ~~وآتينا لوطا آتيناه وقيل بنفس الفعل المذكور بعده وقيل بمحذوف هو أذكر ~~والحكم النبوة والعلم المعرفة بأمر الدين وقيل الحكم هو فصل الخصومات بالحق ~~وقيل هو الفهم ونجيناه PageV03P416 # من القرية التي كانت تعمل الخبائث القرية هي سدوم كما تقدم ومعنى تعمل ~~الخبائث يعمل أهلها الخبائث فوصفت القرية بوصف أهلها والخبائث التي كانوا ~~يعملونها هي اللواطة والضراط وخذف الحصى كما ms2517 سيأتي ثم علل سبحانه ذلك بقوله ~~إنهم كانوا قوما فاسقين أي خارجين عن طاعة الله والفسوق الخروج كما تقدم ~~وأدخلناه في رحمتنا بإنجائنا إياه من القوم المذكورين ومعنى في رحمتنا في ~~أهل رحمتنا وقيل في النبوة وقيل في الإسلام وقيل في الجنة إنه من الصالحين ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى ونوحا إذ نادى أي واذكر نوحا إذ نادى ربه من قبل ~~أي من قبل هؤلاء الأنبياء المذكورين فاستجبنا له دعاءه فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم أي من الغرق بالطوفان والكرب الغم الشديد والمراد بأهله ~~المؤمنون منهم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا أي نصرناه مستتبعا ~~للانتقام من القوم المذكورين وقيل المعنى منعناه من القوم وقال أبو عبيدة ~~من بمعنى على ثم علل سبحانه ذلك بقوله إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ~~أي لم نترك منهم أحدا بل أغرقنا كبيرهم وصغيرهم بسبب إصرارهم على الذنب وقد ~~أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في قوله إلى الأرض التي باركنا فيها قال ~~الشام وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك نحوه وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ~~قال لوط كان ابن أخي إبراهيم وأخرج ابن جرير عنه ووهبنا له إسحاق قال ولدا ~~ويعقوب نافلة قال ابن الابن وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن الحكم نحوه أيضا وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ووهبنا له إسحاق قال أعطيناه ~~ويعقوب نافلة قال عطية سورة الأنبياء الآية (78 88) PageV03P417 # قوله (وداود) معطوف على نوحا ومعمول لعامله المذكور أو المقدر كما مر ~~(وسليمان) معطوف على داود والظرف في (إذ يحكمان) متعلق بما عمل في داود: اي ~~واذكرهما وقت حكمهما. والمراد من ذكرهما ذكر خبرهما ومعنى (في الحرث) في ~~شان الحرث قيل كان زرعا وقيل: كرما واسم الحرث يطلق عليهما (إذ نفشت فيه) ~~اي تفرقت وانتشرت فيه (غنم القوم) قال ابن السكيت: النفش بالتحريك ان تنتشر ~~الغنم بالليل من غير ms2518 راع (وكنا لحكمهم شاهدين) اي لحكم الحاكمين وفيه جوار ~~اطلاق الجمع على الاثنين وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري والرضي ~~وتقدمهما إلى القول به الفراء وقيل المراد الحاكمان والمحكوم عليه ومعنى ~~شاهدين حاضرين والجملة اعتراضية وجملة (ففهمناها سليمان) معطوفة على إذ ~~يحكمان لأنه في حكم الماضي والضمير في ففهمناها يعود إلى القضية المفهومة ~~من الكلام أو الحكومة المدلول عليها بذكر الحكم قال المفسرون: دخل رجلا على ~~داود وعنده ابنه سليمان: أحدهما صاحب حرث والاخر صاحب غنم فقال سليمان أو ~~غير ذلك ينطلق أصحاب الكرم بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها ويقوم أصحاب ~~الغنم على الكره حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم ~~ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم فقال داود القضاء ما قضيت وحكم بذلك قال النحاس ~~انما قضى داود بالغنم لصاحب الحرث لان ثمنها كانا قريبا منه واما في حكم ~~سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء قال ~~جماعة من العلماء ان داود حكم بوحي وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود. ~~فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي وقال الجمهور ان حكمهما كان باجتهاد ~~وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف وهكذا ما ذكره أهل العلم في ~~اختلاف المجتهدين ولا شك انها تدل على رفع الاثم عن المخطئ واما كون كل ~~واحد منهما مصيبا فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها بل صرح الحديث المتفق ~~عليه في الصحيحين وغيرهما ان الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله اجران وان اجتهد ~~فأخطأ فله اجر فسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مخطئا فكيف يقال إنه ~~مصيب لحكم الله موافق له، فان حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف ~~المجتهدين والا لزم توقف حكمه عز وجل على اجتهادات المجتهدين واللازم باطل ~~فالملزوم مثله. وأيضا يستلزم أن تكون العين التي اختلف اجتهاد المجتهدين ~~فيها بالحل والحرمة حلالا حراما في حكم الله سبحانه. وهذا اللازم باطل ~~بالاجماع فالملزوم مثله وأيضا يلزم ان حكم ms2519 الله سبحانه لا يزال يتجدد عند ~~وجود كل مجتهد له اجتهاد في تلك الحادثة. ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه ~~فيها إلا بانقطاع المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله. وقد أوضحنا هذه ~~المسألة بما لا مزيد عليه في المؤلف الذي سميناه (القول المفيد في حكم ~~التقليد) وفي (أدب المطلب ومنتهى الإرب) فمن أحب الوقوف على تحقيق الحق ~~فليرجع إليهما فان قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في ~~هذه الشريعة المحمدية والملة الاسلامية؟ قلت: قد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم من حديث البراء انه شرع لامته ان على أهل الماشية حفظها ~~بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار وان ما أفسدت المواشي بالليل ~~مضموم على أهلها وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عينا أو قيمة وقد ذهب جمهور ~~العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من ~~الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ. وان البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو ~~نهار انه لا يلزم صاحبها شئ وادخلوا فسادها في عموم قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم جرح العجماء PageV03P418 # جبار قياسا لجميع أفعالها على جرحها ويجاب عنه بأن هذا القياس فاسد ~~الاعتبار لأنه في مقابلة النص ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يضمن رب ~~الماشية ما أفسدته من غير فرق بين الليل والنهار ويجاب عنه بحديث البراء ~~ومما يدل على أن هذين الحكمين من داود وسليمان كانا بوحي من الله سبحانه لا ~~باجتهاد قوله وكلا آتينا حكما وعلما فإن الله سبحانه أخبرنا بأنه أعطى كل ~~واحد منهما هذين الأمرين وهما إن كانا خاصين فصدقهما على هذه القضية التي ~~حكاها الله سبحانه عنهما مقدم على صدقهما على غيرها وإن كانا عامين فهذا ~~الفرد من الحكم والعلم وهو ما وقع من كل واحد منهما في هذه القضية أحق ~~أفراد ذلك العام بدخوله تحته ودلالته عليه ومما يستفاد من ذلك دفع ما عسى ~~يوهمه تخصيص سليمان بالتفهيم من عدم كون حكم داود حكما شرعيا أي ms2520 وكل واحد ~~منهما أعطيناه حكما وعلما كثيرا لا سليمان وحده ولما مدح داود وسليمان على ~~سبيل الاشتراك ذكر ما يختص بكل واحد منهما فبدأ بداود فقال وسخرنا مع داود ~~الجبال يسبحن التسبيح إما حقيقة أو مجاز وقد قال بالأول جماعة وهو الظاهر ~~وذلك أن داود كان إذا سبح سبحت الجبال معه وقيل إنها كانت تصلي معه إذا صلى ~~وهو معنى التسبيح وقال بالمجاز جماعة آخرون وحملوا التسبيح على تسبيح من ~~رآها تعجبا من عظيم خلقها وقدرة خالقها وقيل كانت الجبال تسير مع داود فكان ~~من رآها سائرة معه سبح والطير معطوف على الجبال وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ ~~وخبره محذوف أي والطير مسخرات ولا يصح العطف على الضمير في يسبحن لعدم ~~التأكيد والفصل وكنا فاعلين يعني ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير ~~وعلمناه صنعة لبوس لكم اللبوس عند العرب السلاح كله درعا كان أو جوشنا أو ~~سيفا أو رمحا قال الهذلي وعندي لبوس في اللباس كأنه الخ والمراد في الآية ~~الدروع خاصة وهو بمعنى اللبوس كالركوب والحلوب من والجار والمجرور أعني لكم ~~متعلق بعلمنا ليحصنكم من بأسكم قرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح ~~لتحصنكم بالتاء الفوقية بإرجاع الضمير إلى الصنعة أو إلى اللبوس بتأويل ~~الدرع وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل وابن أبي إسحاق لنحصنكم بالنون بإرجاع ~~الضمير إليه سبحانه وقرأ الباقون بالياء بإرجاع الضمير إلى اللبوس في أو ~~إلى داود أو إلى الله سبحانه ومعنى من بأسكم من حربكم أو من وقع السلاح ~~فيكم فهل أنتم شاكرون لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم والاستفهام في ~~معنى الأمر ثم ذكر سبحانه ما خص به سليمان فقال ولسليمان الريح أي وسخرنا ~~له الريح عاصفة أي شديدة الهبوب يقال عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف ~~وعصوف وانتصاب الريح على الحال وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسلمي وأبو بكر ~~ولسليمان الريح برفع الريح على القطع مما قبله ويكون مبتدأ وخبره تجري وأما ~~على قراءة النصب فيكون محل تجرى بأمره النصب أيضا ms2521 على الحالية أو على ~~البدلية إلى الأرض التي باركنا فيها وهى أرض الشام كما تقدم بكل شئ عالمين ~~أي بتدبير كل شئ ومن الشياطين أي وسخرنا من الشياطين من يغوصون له في ~~البحار ويستخرجون منها ما يطلبه منهم وقيل إن من مبتدأ وخبره ما قبله ~~والغوص النزول تحت الماء يقال غاص في الماء والغواص الذي يغوص في البحر على ~~اللؤلؤ ويعملون عملا دون ذلك قال الفراء أي سوى ذلك وقيل ايراد بذلك ~~المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخرهم فيه وكنا لهم حافظين أي لأعمالهم ~~وقال الفراء حافظين لهم من أن يهربوا أو يتمنعوا أو حفظناهم من أن يخرجوا ~~عن أمره قال الزجاج كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا وكان دأبهم أن يفسدوا ~~بالليل ما عملوا بالنهار وأيوب إذ نادى ربه معطوف PageV03P419 # على ما قبله والعامل فيه إما المذكور أو المقدر كما مر والعامل في الظرف ~~وهو إذ نادى ربه هو العامل في أيوب أنى مسني الضر أي بأني مسني الضر وقرئ ~~بكسر إني واختلف في الضر الذي نزل به ماذا هو فقيل إنه قام ليصلي فلم يقدر ~~على النهوض وقيل إنه أقر بالعجز فلا يكون ذلك منافيا للصبر وقيل انقطع ~~الوحي عنه أربعين يوما وقيل إن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها ~~فأكلت منه فصاح مسني الضر وقيل كان الدود تناول بدنه فيصبر حتى تناولت دودة ~~قلبه وقيل إن ضره قول إبليس لزوجته اسجدي لي فخاف ذهاب إيمانها وقيل إنه ~~تقذره قومه وقيل أراد بالضر الشماتة وقيل غير ذلك ولما نادى ربه متضرعا ~~إليه وصفه بغاية الرحمة فقال وأنت أرحم الراحمين فأخبر الله سبحانه ~~باستجابته بن لدعائه فقال فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر أي شفاه الله مما ~~كان به وأعاضه هذه بما ذهب عليه ولهذا قال سبحانه وآتيناه أهله ومثلهم معهم ~~قيل تركهم الله عز وجل له وأعطاه مثلهم في الدنيا قال النحاس والإسناد بذلك ~~صحيح وقد كان مات أهله جميعا إلا امرأته فأحياهم الله ms2522 في أقل من طرف البصر ~~وآتاه مثلهم معهم وقيل كان ذلك بأن ولد له ضعف الذين أماتهم الله فيكون ~~معنى الآية على هذا آتيناه مثل أهله ومثلهم معهم وانتصاب رحمة من عندنا على ~~العلة أي آتيناه ذلك لرحمتنا له وذكرى للعابدين أي وتذكرة لغيره من ~~العابدين ليصبروا كما صبر واختلف في مدة إقامته على البلاء فقيل سبع سنين ~~وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال وقيل ثلاثين سنة وقيل ثماني عشرة سنة ~~وإسماعيل وإدريس وذا الكفل أي واذكر هؤلاء وإدريس هو أخنوخ وذا الكفل إلياس ~~وقيل يوشع بن نون وقيل زكريا والصحيح أنه رجل من بني إسرائيل كان لا يتورع ~~عن شئ من المعاصي فتاب فغفر الله له وقيل إن اليسع لما كبر قال من يتكفل لي ~~بكذا وكذا من خصال الخير حتى أستخلفه فقال رجل أنا فاستخلفه وسمى ذا الكفل ~~وقيل كان رجلا يتكفل بشأن كل إنسان إذا وقع في شئ من المهمات وقيل غير ذلك ~~وقد ذهب الجمهور إلى أنه ليس بنبي وقال جماعة هو نبي ثم وصف الله سبحانه ~~هؤلاء بالصبر فقال كل من الصابرين أي كل واحد من هؤلاء من الصابرين على ~~القيام بما كلفهم الله به وأدخلناهم في رحمتنا أي في الجنة أو في النبوة أو ~~في الخير على عمومه ثم علل ذلك بقوله إنهم من الصالحين أي الكاملين في ~~الصلاح وذا النون أي واذكر ذا النون وهو يونس ابن متى ولقب ذا النون ~~لابتلاع الحوت له فإن النون من أسماء الحوت وقيل سمى ذا النون لأنه رأى ~~صبيا مليحا فقال دسموا نونته لئلا تصيبه العين وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي ~~أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير ومعنى دسموا سودوا ~~إذ ذهب مغاضبا أي أذكر ذا النون وقت ذهابه مغاضبا أي مراغما قال الحسن ~~والشعبي وسعيد بن جبير ذهب مغاضبا لربه واختاره ابن جرير والقتيبي والمهدوي ~~وحكى عن ابن مسعود قال النحاس وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة وهو قول ms2523 ~~صحيح والمعنى مغاضبا من أجل ربه كما تقول غضبت لك أي من أجلك وقال الضحاك ~~ذهب مغاضبا لقومه وحكى عن ابن عباس وقالت فرقة منهم الأخفش إنما خرج مغاضبا ~~للملك الذي كان في وقته واسمه حزقيا وقل لم يغاضب ربه ولا قومه ولا الملك ~~ولكنه مأخوذ من غضب إذا أنف وذلك أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا ~~وكشف الله عنهم العذاب فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج عنهم ~~ومن استعمال الغضب في هذا المعنى قول الشاعر PageV03P420 # وأغضب أن تهجى تميم بعامر أي آنف فظن أن لن نقدر عليه قرأ الجمهور نقدر ~~بفتح النون وكسر الدال واختلف في معنى الآية على هذه القراءة فقيل معناها ~~أنه وقع في ظنه ان الله تعالى لا يقدر على معاقبته وقد حكى هذا القول عن ~~الحسن وسعيد بن جبير وهو قول مردود فإن هذا الظن بالله كفر ومثل ذلك لا يقع ~~من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذهب جمهور العلماء أن معناها فظن أن لن ~~نضيق عليه كقوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يضيق ومنه قوله ومن قدر عليه ~~رزقه يقال قدر وقدر وقتر وقتر أي ضيق وقيل هو من القدر الذي هو القضاء ~~والحكم أي فظن أن لن نقضي عليه العقوبة قاله قتادة ومجاهد واختاره الفراء ~~والزجاج مأخوذ من القدر وهو الحكم دون القدرة والاستطاعة قال أحمد بن يحيى ~~ثعلب هو من التقدير ليس من القدرة يقال منه قدر الله لك الخير يقدره قدرا ~~وأنشد ثعلب فليست عشيات اللوى برواجع * لنا أبدا ما أبرم السلم النضر ولا ~~عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما تقدر مع ذلك الشكر أي ما تقدره وتقضي ~~به ومما يؤيد ما قاله هؤلاء قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري فظن أن نقدر ~~بضم النون وتشديد الدال من التقدير وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس ~~ويؤيد ذلك أيضا قراءة عبيد بن عمير وقتادة والأعرج أن لن يقدر بضم الياء ~~والتشديد مبنيا للمفعول وقرأ ms2524 يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن يقدر بضم ~~الياء وفتح الدال مخففا مبنيا للمفعول وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث ~~الصحيح في قول الرجل الذي لم يعلم خيرا قط لأهله أن يحرقوه إذا مات ثم قال ~~فوالله لئن قدر الله علي الحديث كما اختلفوا في تأويل هذه الآية والكلام في ~~هذا يطول وقد ذكرنا هاهنا ما لا يحتاج معه الناظر إلى غيره والفاء في قوله ~~فنادى في الظلمات فصيحة أي كان ما كان من التقام الحوت له فنادى في الظلمات ~~والمراد بالظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وكان انداؤه قبل ~~هو قوله أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي بأن لا إله الخ ~~ومعنى سبحانك تنزيها لك من أن يعجزك شئ إني كنت من الظالمين الذين يظلمون ~~أنفسهم قال الحسن وقتادة هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته ~~قال ذلك وهو في بطن الحوت ثم أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال ~~فاستجبنا له دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه ~~ونجيناه من الغم بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل وكذلك ننجي ~~المؤمنين أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم وما أعددناه لهم من الرحمة ~~وهذا هو معنى الآية الأخرى وهى قوله فلولا أنه كان من المسبحين للبث في ~~بطنه إلى يوم يبعثون قرأ الجمهور ننجي بنونين وقرأ ابن عامر نجى بنون واحدة ~~وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر وكذلك نجى النجاة ~~المؤمنين كما تقول ضرب زيدا أي ضرب الضرب زيدا ومنه قول الشاعر ولو ولدت ~~فقيرة جرو كلب * لسب بذلك الجرو الكلابا يحيى هكذا قال في توجيه هذه ~~القراءة الفراء وأبو عبيد وثعلب وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالا هي لحن لأنه ~~نصب اسم ما لم يسم فاعله وإنما يقال نجى المؤمنون ولأبي عبيدة قول آخر وهو ~~أنه أدغم النون في الجيم وبه قال القتيبي واعترضه النحاس فقال هذا القول ms2525 لا ~~يجوز عند أحد من النحويين لبعد مخرج النون من مخرج الجيم PageV03P421 # فلا يدغم فيها ثم قال النحاس لم أسمع في هذا أحسن من شئ سمعته من علي بن ~~سليمان الأخفش قال الأصل ننجي فحذف إحدى النونين لاجتماعهما كما يحذف إحدى ~~التاءين لاجتماعهما نحو قوله تعالى ولا تفرقوا والأصل ولا تتفرقوا قلت وكذا ~~الواحدي عن أبي علي الفارسي أنه قال إن النون الثانية تخفى مع الجيم ولا ~~يجوز تبيينها فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام فظن أنه إدغام ويدل على ~~هذا إسكانه الياء من نجى ونصب المؤمنين ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن ~~الياء ولوجب أن يرفع المؤمنين قلت ولا نسلم قوله إنه لا يجوز تبيينها فقد ~~بينت في قراءة الجمهور وقرأ محمد بن السميفع وأبو العالية وكذلك نجى ~~المؤمنين على البناء للفاعل أي نجى الله المؤمنين وقد أخرج ابن جرير عن مرة ~~في قوله إذ يحكمان في الحرث قال كان الحرث نبتا فنفشت فيه ليلا فاختصموا ~~فيه إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث فمروا على سليمان فذكروا ذلك له ~~فقال لا تدفع لغنم فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم فإذا كان كما كان ~~ردوا عليهم فنزلت ففهمناها سليمان روى هذا عن مرة عن ابن مسعود وأخرج ابن ~~جرير والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث قال كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم فقضى ~~داود بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان غير هذا يا نبي الله قال وما ذاك قال ~~يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم إلى ~~صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ~~والغنم إلى صاحبها فذلك قوله ففهمناها سليمان وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عن مسروق نحوه وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه ولكنه ~~لم يذكر الكرم وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن ms2526 ~~مردويه عنه نحوه بأطول منه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا نفشت قال ~~رعت وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ~~وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حرام بن محيصة ~~أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي ~~بالليل ضامن على أهلها وقد علل هذا الحديث وقد بسطنا الكلام عليه في شرح ~~المنتقى وأخرج ابن مردويه من حديث عائشة نحوه وزاد في آخره ثم تلا هذه ~~الآية وداود وسليمان الآية وفى الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينما امرأتان معهما ابنان جاء الذئب ~~فأخذ أحد الاثنين فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان ~~فقال هاتوا السكين أشقه بينهما فقالت الصغرى رحمك الله هو ابنها لا تشقه ~~فقضى به للصغرى وهذا الحديث وإن لم يكن داخلا فيما حكته الآية من حكمهما ~~لكنه من جملة ما وقع لهما وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله وسخرنا مع ~~داود الجبال يسبحن والطير قال يصلين مع داود إذا صلى وعلمناه صنعة لبوس لكم ~~قال كانت صفائح فأول من سردها وحلقها داود عليه السلام وأخرج ابن أبي شيبة ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس قال كان سليمان يوضع له ستمائة ألف كرسي ثم يجئ ~~أشراف الإنس فيجلسون مما يليه ثم يجئ أشراف الجن فيجلسون مما يلي أشراف ~~الإنس ثم يدعو الطير فتظلهم ثم يدعو الريح فتحملهم تسير مسيرة شهر في ~~الغداة الواحدة وأخرج ابن عساكر والديلمي وابن النجار عن عقبة بن عامر قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله لأيوب تدري ما جرمك ~~PageV03P422 # على حي ابتليتك؟ قال لا ريب قال لأنك دخلت على فرعون فداهنت ms2527 عنده في ~~كلمتين وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال انما كان ذنب أيوب انه استعان به ~~مسكين على ظالم يدرؤه فلم يعنه ولم يأمر بالمعروف ولم ينه الظالم عن ظلم ~~المسكين فابتلاه الله وفي اسناده جويبر. واخرج ابن أبي شيبة واحد في الزهد ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن نعيم في الحلية عن ~~عبد الله بن عبيد بن عمير قال كان لأيوب اخوان جاء يوما فلم يستطيعا ان ~~يدنوا منه من ريحه. فقاما من بعيد فقال أحدهما للاخر. لو كان علم الله من ~~أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يخرج من شئ قط مثله ~~فقال اللهم ان كنت تعلم اني لم أبت ليلة قط شبعان وانا اعلم مكان عار ~~فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم خز ساجدا وقال اللهم بعزتك لا ارفع ~~رأسي حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه. # وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعا بنحو هذا. واخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله وآتيناه أهله ومثلهم ~~قال لا بل اتركهم لي في الجنة قال فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في ~~الدنيا. واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن الضحاك ~~قال: بلغ ابن مسعود ان مروان قال في هذه الآية (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) ~~قال: أوتي أهلا غير أهله. فقال ابن مسعود: بل أوتي أهله بأعيانهم ومثلهم ~~معهم. واخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلي وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني ~~وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن انس ان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد ~~إلا رجلين من اخوانه كانا من أخص اخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فقال ~~أحدهما لصاحبه ذات يوم تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد قال وما ~~ذاك؟ قال منذ ms2528 ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ما به فلما راحا إلى ~~أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك فقال أيوب لا أدري ما يقول غير أن الله ~~يعلم اني أمر بالرجلين يتنازعان يذكران الله فارجع إلى بيتي فاكفر عنهما ~~كراهة ان يذكر الله الا في حق وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت ~~امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم ابطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في ~~مكانه ان اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فاستبطأته فتلقته واقبل عليها قد ~~اذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت اي بارك الله ~~فيك هل رأيت بني الله المبلتي والله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ ~~كان صحيحا؟ قال فاني انا هو قال: وكان له أندران: أندر للقمح وأندر للشعير ~~فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى ~~فاض، وأفرعت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض "، وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر و ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وذا ~~الكفل) قال: رجل صالح غير نبي تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ~~ويقضى بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمى ذا الكفل. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل قاض فحضره ~~الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب، فقال رجل: أنا، فسمى ذا الكفل، ~~فكان ليله جميعا يصلى، ثم يصبح صائما فيقضى بين الناس، وذكر قصة، وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى ~~الأشعري قال: ما كان ذو الكفل نبيا، ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلى ~~كل يوم مائة صلاة فتوفى، PageV03P423 # فتكفل له ذو الكفل من بعده فكان يصلي كل يوم مائة صلاة فسمى ذا الكفل ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والطبراني ~~والحاكم ms2529 وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سعد مولى طلحة عن ابن ~~عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كان الكفل من بني إسرائيل لا ~~يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد ~~منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكنه ~~عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته ~~اذهبي فهي لك وقال والله لا أعصي الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح ~~مكتوب على بابه إن الله قد غفر للكفل وأخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وابن ~~مردويه من طريق سعد مولى طلحة وأخرجه ابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمرو ~~قال فيه ذو الكفل وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ~~في قوله وذا النون إذ ذهب مغاضبا يقول غضب على قومه فظن أن لن نقدر عليه ~~يقول أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره ~~قال وعقوبته أخذ النون إياه وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي عن ابن عباس في قوله فظن أن لن نقدر عليه قال ظن أن لن يأخذه ~~العذاب الذي أصابه وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود فنادى في الظلمات قال ظلمة الليل وظلمة بطن ~~الحوت وظلمة البحر وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحكيم الترمذي في نوادر ~~الأصول والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شئ قط إلا استجاب له وأخرج ابن جرير ~~عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول اسم الله الذي إذا ~~دعى ms2530 به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى قلت يا رسول الله هل ليونس ~~خاصة أم لجماعة المسلمين قال هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا به ألم ~~تسمع قول الله وكذلك ننجي المؤمنين فهو شرط من الله لمن دعاه وأخرج الحاكم ~~من حديثه أيضا نحوه وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس ~~ابن متى وروى أيضا في الصحيح وغيره من حديث ابن مسعود وروى أيضا في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة سورة الأنبياء الآية (89 95) PageV03P424 # سورة الأنبياء الآية (96 97) قوله وزكريا أي واذكر خبر زكريا وقت ندائه ~~لربه قال رب لا تذرني فردا أي منفردا وحيدا لا ولد لي وقد تقدم الكلام على ~~هذه الآية في آل عمران وأنت خير الوارثين أي خير من يبقى بعد كل من يموت ~~فأنت حسبي إن لم ترزقني ولدا فإني أعلم أنك لا تضيع دينك وأنه سيقوم بذلك ~~من عبادك من تختاره له وترتضيه روى للتبليغ فاستجبنا له دعاءه ووهبنا له ~~يحيى وقد تقدم مستوفى في سورة مريم وأصلحنا له زوجة قال أكثر المفسرين إنها ~~كانت عاقرا فجعلها الله ولودا فهذا هو المراد بإصلاح زوجه وقيل كانت سيئة ~~الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق ولا مانع من إرادة الأمرين جميعا وذلك ~~بأن يصلح الله سبحانه ذاتها فتكون ولودا بعد أن كانت عاقرا ويصلح أخلاقها ~~فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية وجملة إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات للتعليل لما قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه عليهم الصلاة ~~والسلام فالضمير المذكور راجع إليهم وقيل هو راجع إلى زكريا وامرأته ويحيى ~~ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم كانوا يدعونه رغبا ورهبا أي يتضرعون إليه في ~~حال الرخاء وحال الشدة وقيل الرغبة رفع بطون الأكف إلى السماء والرهبة رفع ~~ظهورها وانتصاب رغبا ورهبا على المصدرية أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا أو ~~على العلة أي ms2531 للرغب والرهب أو على الحال أي راغبين وراهبين وقرأ طلحة بن ~~مصرف ويدعونا بنون واحدة وقرأ الأعمش بضم الراء فيهما وإسكان ما بعده وقرأ ~~ابن وثاب بفتح الراء فيهما مع إسكان ما بعده ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو ~~وقرأ الباقون بفتح الراء وفتح ما بعده فيهما وكانوا لنا خاشعين أي متواضعين ~~متضرعين والتي أحصنت فرجها أي واذكر خبرها وهى مريم فإنها أحصنت فرجها من ~~الحلال والحرام ولم يمسسها بشر وإنما ذكرها مع الأنبياء وإن لم تكن منهم ~~لأجل ذكر عيسى وما في ذكر قصتها من الآية الباهرة فنفخنا فيها من روحنا ~~أضاف سبحانه الروح إليه وهو للملك تشريفا وتعظيما وهو يريد روح عيسى ~~وجعلناها وابنها آية للعالمين قال الزجاج الآية فيهم واحدة لأنها ولدته من ~~غير فحل وقيل إن التقدير على مذهب سيبويه وجعلناها آية وجعلنا ابنها آية ~~كقوله سبحانه والله ورسوله أحق أن يرضوه والمعنى أن الله سبحانه جعل قصتهما ~~آية تامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما وقيل أراد بالآية الجنس الشامل لما ~~لكل واحد منهما من الآيات ومعنى أحصنت عفت فامتنعت بين من الفاحشة وغيرها ~~وقيل المراد بالفرج جيب القميص أي أنها طاهرة الأثواب وقد مضى بيان مثل هذا ~~في سورة النساء ومريم ثم لما ذكر سبحانه الأنبياء بين أنهم كلهم مجتمعون ~~على التوحيد فقال إن هذه أمتكم أمة واحدة والأمة الدين كما قال ابن قتيبة ~~ومنه إنا وجدنا آباءنا على أمة أي على دين كأنه قال إن هذا دينكم دين واحد ~~لا خلاف بين الأمم المختلفة في التوحيد ولا يخرج عن ذلك إلا الكفرة ~~المشركون بالله وقيل المعنى إن هذه الشريعة التي بينتها لكم في كتابكم ~~شريعة واحدة وقيل المعنى إن هذه ملتكم ملة واحدة وهى ملة الإسلام وانتصاب ~~أمة واحدة على الحال أي متفقة غير مختلفة وقرئ إن هذه أمتكم بنصب أمتكم على ~~البدل من أمتكم والخبر أمة واحدة وقرئ برفع أمتكم ورفع أمة على أنهما خبران ~~وقيل على إضمار مبتدأ أي هي أمة ms2532 واحدة وقرأ الجمهور برفع أمتكم PageV03P425 # على أنه الخبر ونصب " أمة " على الحال كما قدمنا. وقال الفراء: والزجاج ~~على القطع بسب مجىء النكرة بعد تمام الكلام (وأنا ربكم فاعبدون) خاصة لا ~~تعبدوا غيري كائنا ما كان (وتقطعوا أمرهم بينهم) أي تفرقوا فرقا في الدين ~~حتى صار كالقطع المتفرقة. وقال الأخفش: اختلفوا فيه، وهو كالقول الأول. قال ~~الأزهري: أي تفرقوا في أمرهم فنصب أمرهم بحذف في والمقصود بالآية المشركون، ~~ذمهم الله بمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله وقيل المراد جميع الخلق ~~وأنهم جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه بينهم، فهذا موحد، وهذا يهودي، ~~وهذا نصراني، وهذا مجوسي، وهذا عابد وثن. ثم أخبر سبحانه بأن مرجع الجميع ~~إليه فقال (كل إلينا راجعون) أي كل واحد من هذه الفرق راجع إلينا بالبعث، ~~لا إلى غيرنا (فمن يعمل من الصالحات) أي من يعمل بعض الأعمال الصالحة ~~لاكلها إذ لا يطيق ذلك أحد (وهو مؤمن) بالله ورسله واليوم الآخر (فلا كفران ~~لسعيه) اي لا جحود لعمله ولا تضييع لجزائه والكفر ضد الايمان والكفر أيضا ~~جحود النعمة وهو ضد الشكر يقال كفر كفورا وكفرانا وفي قراءة ابن مسعود فلا ~~كفر لسعيه (وانا له كاتبون) اي لسعيه حافظون ومثله قوله سبحانه اني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى وحرام على قرية أهلكناها قرأ زيد بن ثابت ~~وأهل المدينة وحرام وقرأ أهل الكوفة وحرم وقد اختاره القراءة الأولى أبو ~~عبيد وأبو حاتم ورويت القراءة الثانية عن علي وابن مسعود وابن عباس وهما ~~لغتان مثل حل وحلال وقرأ سعيد بن جبير وحرم بفتح الحاء وكسر الراء وفتح ~~الميم. وقرأ عكرمة وأبو العالية حرم بضم الراء وفتح الحاء والميم ومعنى ~~(أهلكناها) قدرنا إهلاكها وجملة (انهم لا يرجعون) في محل رفع على أنه مبتدأ ~~وخبره حرام أو على أنه فاعل له ساد مسد خبره والمعنى وممتنع البتة عدم ~~رجوعهم إلينا للجزاء وقيل إن لا في لا يرجعون زائدة اي حرام على قرية ~~أهلكناها ان يرجعوا بعد الهلاك إلى ms2533 الدنيا واختار هذا أبو عبيدة وقيل إن ~~لفظ حرام هنا بمعني الواجب. # اي واجب على قرية، ومنه قول الخنساء. # وان حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوه الا بكيت على صخر. # وقيل حرام: اي ممتنع رجوعهم إلى التوبة على أن لا زائدة قال النحاس ~~والآية مشكلة ومن أحسن ما قيل فيها واجله ما رواه ابن عيينة وابن علية ~~وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضل وسليم بن حبان ومعلى عن داود بن أبي هند عن ~~عكرمة عن ابن عباس في معني الآية قال: واجب انهم لا يرجعون اي لا يتوبون ~~قال: الزجاج وأبو علي الفارسي: ان في الكلام اضمارا اي وحرام على قرية ~~حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوب أهلها ان يتقبل منهم عمل لأنهم لا ~~يرجعون اي لا يتوبون (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج حتى هذه هي التي يحكى ~~بعدها الكلام ويأجوج ومأجوج قبيلتان من الانس والمراد بفتح يأجوج ومأجوج ~~فتح السد الذي عليهم على حذف المضاف وقيل إن حتى هذه هي التي للغاية ~~والمعني ان هؤلاء المذكورين سابقا مستمرون على ما هم عليه إلى يوم القيامة ~~وهي يوم فتح سد يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون الضمير ليأجوج ومأجوج ~~والحدب كل اكمة من الأرض مرتفعة والجمع أحداب مأخوذ من حدبة الأرض ومعنى ~~ينسلون يسرعون وقيل يخرجون قال الزجاج والنسلان مشية الذئب ذا أسرع يقال ~~نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلا ونسولا ونسلانا اي ان يأجوج ~~ومأجوج من كل مرتفع من الأرض يسرعون المشي ويتفرقون في الأرض وقيل لا ضمير ~~في قوله وهو لجميع الخلق والمعني انهم يحشرون إلى ارض الموقف وهم يسرعون من ~~كل مرتفع من الأرض وقرئ بضم السين حكى ذلك المهدوي عن ابن مسعود وحكى هذه ~~القراءة أيضا الثعلبي عن مجاهد وأبي الصهباء (واقترب الوعد) عطف على فتحت، ~~والمراد ما بعد الفتح من الحساب. PageV03P426 # وقال الفراء والكسائي وغيرهما المراد بالوعد الحق القيامة والواو زائدة ~~والمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو ms2534 القيامة فاقترب ~~جواب إذا وأنشد الفراء * فلما أجزنا ساحة الحي والتحى لأنه أي انتحى ومنه ~~قوله تعالى وتله للجبين وناديناه وأجاز الفراء أن يكون جواب إذا فإذا هي ~~شاخصة أبصار الذين كفروا وقال البصريون الجواب محذوف والتقدير قالوا يا ~~ويلنا وبه قال الزجاج والضمير في فإذا هي للقصة أو مبهم يفسره ما بعده وإذا ~~للمفاجأة وقيل إن الكلام تم عند قوله هي والتقدير فإذا هي يعنى القيامة ~~بارزة واقع كأنها آتية حاضرة ثم ابتدأ فقال شاخصة أبصار الذين كفروا على ~~تقديم الخبر على المبتدأ أي أبصار الذين كفروا شاخصة ويا ويلنا على تقدير ~~القول قد كنا في غفلة من هذا أي من هذا الذي دهمنا من العبث والحساب بل كنا ~~ظالمين أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة أي لم نكن غافلين بل كنا ظالمين ~~لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ~~في قوله وأصلحنا له زوجه قال كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله وروى ~~نحو ذلك عن جماعة من التابعين وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال ~~وهبنا له ولدها وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال ~~كانت عاقرا فجعلها الله ولودا ووهب له منها يحيى وفى قوله وكانوا لنا ~~خاشعين قال أذلاء وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في ~~قوله يدعوننا رغبا ورهبا قال رغبا في رحمة الله ورهبا من عذاب الله وأخرج ~~ابن مردويه عن جابر ابن عبد الله قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن قول الله سبحانه ويدعوننا رغبا ورهبا قال رغبا هكذا ورهبا هكذا ~~وبسط كفيه يعنى جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عكيم قال خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله ms2535 وأن تثنوا عليه بما هو ~~له أهل وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال ~~إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله إن هذه أمتكم أمة واحدة ~~قال إن هذا دينكم دينا واحدا وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله وأخرج عبد ابن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ~~في قوله وتقطعوا أمرهم بينهم قال تقطعوا اختلفوا في الدين وأخرج الفريابي ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله وحرام ~~على قرية أهلكناها قال وجب إهلاكها أنهم لا يرجعون قال لا يتوبون وأخرج ~~سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس أنه كان يقرأ وحرم على قرية قال وجب على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ~~كما قال ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون وأخرج ~~عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله من كل حدب قال شرف ينسلون قال يقبلون وقد ورد ~~في قصة يأجوج ومأجوج وفى وقت خروجهم أحاديث كثيرة لا يتعلق بذكرها ها هنا ~~كثير فائدة سورة الأنبياء الآية (98 101) PageV03P427 # سورة الأنبياء الآية (102 112) بين سبحانه حال معبودهم يوم القيامة فقال ~~إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم وهذا خطاب منه سبحانه لأهل مكة ~~والمراد بقوله وما تعبدون الأصنام التي كانوا يعبدون قرأ الجمهور أخبرنا ~~بالصاد المهملة أي وقود جهنم وحطبها وكل ما أوقدت لو به النار أو هيجتها به ~~فهو حصب كذا قال الجوهري قال أبو عبيدة كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به ~~ومثل ذلك قوله تعالى فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة وقرأ علي ابن ~~أبي طالب عليه السلام وعائشة حطب جهنم بالطاء وقرأ ms2536 ابن عباس حضب بالضاد ~~المعجمة قال الفراء ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب ووجه إلقاء ~~الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحس به التبكيت لمن ~~عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم وقيل إنها تحمى فتلصق بهم ~~زيادة في تعذيبهم وجملة أنتم لها واردون إما مستأنفة أو بدل من حصب جهنم ~~والخطاب لهم ولما يعبدون تغليبا واللام في لها للتقوية لضعف عمل اسم الفاعل ~~وقيل هي بمعنى على والمراد بالورود هنا الدخول قال كثير من أهل العلم ولا ~~يدخل في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة لأن ما لمن لا يعقل ولو أراد ~~العموم لقال ومن يعبدون قال الزجاج ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركوا مكة ~~دون غيرهم لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها أي لو كانت هذه الأصنام آلهة كما ~~تزعمون ما وردوها أي ما ورد العابدون والمعبودون النار وقيل ما ورد ~~العابدون فقط لكنهم وردوها فلم يكونوا ألهة وفى هذا تبكيت لعباد الأصنام ~~وتوبيخ شديد وكل فيها خالدون أي كل العابدين والمعبودين في النار خالدون ~~ولا يخرجون منها لهم فيها زفير أي لهؤلاء الذين وردوا النار والزفير صوت ~~نفس المغموم والمراد هنا الأنين والتنفس الشديد وقد تقدم بيان هذا في هود ~~وهم فيها لا يسمعون أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول وقيل لا يسمعون ~~شيئا لأنهم يحشرون صما كما قال سبحانه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما وإنما سلبوا السماع لأن فيه بعض تروح وتأنس وقيل لا يسمعون ما ~~يسرهم بل يسمعون ما يسوءهم ثم لما بين سبحانه حال هؤلاء الأشقياء شرع في ~~بيان حال السعداء فقال إن PageV03P428 # الذين سبقت لهم منا الحسنى أي الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهى ~~السعادة وقيل التوفيق أو التبشير بالجنة أو نفس الجنة أولئك عنها مبعدون ~~إشارة إلى الموصوفين بتلك الصفة عنها أي عن جهنم مبعدون لأنهم قد صاروا في ~~الجنة لا يسمعون حسيسها الحس والحسيس الصوت تسمعه من الشئ يمر قريبا ms2537 منك ~~والمعنى لا يسمعون حركة النار وحركة أهلها وهذه الجملة بدل من مبعدون أو ~~حال من ضميره وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون أي دائمون وفى الجنة ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ به الأعين كما قال سبحانه ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ~~ما تدعون لا يحزنهم الفزع الأكبر قرأ أبو جعفر وابن محيصن لا يحزنهم بضم ~~الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون لا يحزنهم بفتح الياء وضم الزاي قال اليزيدي ~~حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة من البعث ~~والحساب والعقاب وتتلقاهم الملائكة أي تستقبلهم على أبواب الجنة يهنئونهم ~~ويقولون لهم هذا يومكم الذي كنتم توعدون أي توعدون به في الدنيا وتبشرون ~~بما فيه هكذا قال جماعة من الفسرين يكون إن المراد بقوله إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح لا المسيح ~~وعزير والملائكة وقال أكثر المفسرين إنه لما نزل إنكم وما تعبدون الآية أتى ~~ابن الزبعري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا محمد ألست تزعم ~~أن عزيرا رجل صالح وأن عيسى رجل صالح وأن مريم امرأة صالحة قال بلى فقال ~~فإن الملائكة عيسى وعزيرا ومريم يعبدون من دون الله فهؤلاء في النار فأنزل ~~الله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى وسيأتي بيان من أخرج هذا قريبا إن شاء ~~الله يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة ~~والأعرج والزهري تطوى بمثناة فوقية مضمومة ورفع السماء وقرأ مجاهد يطوى ~~بالتحتية المفتوحة مبنيا للفاعل على معنى يطوى الله السماء وقرأ الباقون ~~نطوى بنون العظمة وانتصاب يوم بقوله نعيده أي نعيده يوم نطوي السماء وقيل ~~هو بدل من الضمير المحذوف في توعدون والتقدير الذي كنتم توعدونه يوم نطوي ~~وقيل بقوله لا يحزنهم الفزع وقيل بقوله تتلقاهم وقيل متعلق بمحذوف وهو أذكر ~~وهذا أظهر وأوضح والطي ضد النشر وقيل المحو والمراد بالسماء الجنس والسجل ~~الصحيفة أي طيا كطي الطومار وقيل السجل الصك وهو مشتق من ms2538 المساجلة وهى ~~المكاتبة وأصلها من السجل وهو الدلو يقال ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع ~~دلوا ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام ومنه قول الفضل بن العباس بن ~~عتبة بن أبي لهب من يساجلني يساجل ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب وقرأ ~~أبو زرعة بن عمرو ابن جرير السجل بضم السين والجيم وتشديد اللام وقرأ ~~الأعمش وطلحة بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام والطي في هذه الآية ~~يحتمل معنيين أحدهما الطي الذي هو ضد النشر ومنه قوله والسماوات مطويات ~~بيمينه والثاني الإخفاء والتعمية والمحو لأن الله سبحانه يمحو ويطمس رسومها ~~ويكدر نجومها وقيل السجل اسم ملك وهو الذي يطوى كتب بني آدم وقيل هو اسم ~~كاتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأول أولى قرأ الأعمش وحفص ~~وحمزة والكسائي ويحيى وخلف للكتب جمعا وقرأ الباقون للكتاب وهو متعلق ~~بمحذوف حال من السجل أي كطي السجل كائنا للكتب أو صفة له أي الكائن للكتب ~~فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعض أجزائها وبه يتعلق ~~الطي حقيقة وأما على القراءة الثانية فالكتاب مصدر واللام للتعليل أي كما ~~يطوى الطومار للكتابة أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة ~~وهذا على تقدير أن المراد بالطي المعنى الأول وهو ضد النشر كما بدأنا أول ~~خلق نعيده أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة ~~غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة فأول خلق PageV03P429 # مفعول نعيد مقدرا يفسره نعيده المذكور أو مفعول لبدأنا وما كافة أو ~~موصولة والكاف متعلقة بمحذوف أي نعيد مثل الذي بدأناه نعيده وعلى هذا الوجه ~~يكون أول ظرف لبدأنا أو حال وإنما خص أول الخلق بالذكر تصويرا للإيجاد عن ~~العدم والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي ~~لهما وقيل معنى الآية نهلك كل نفس كما كان أول مرة وعلى هذا فالكلام متصل ~~بقوله يوم نطوى السماء وقيل المعنى نغير السماء ثم نعيدها مع مرة أخرى بعد ~~طيها وزوالها والأول أولى وهو ms2539 مثل قوله ولقد جئناكم فرادى كما خلقناكم أول ~~مرة ثم قال سبحانه وعدا علينا إنا كنا فاعلين انتصاب وعدا على أنه مصدر أي ~~وعلينا وعدا علينا إنجازه والوفاء به وهو البعث والإعادة ثم أكد سبحانه ذلك ~~بقوله إنا كنا فاعلين قال الزجاج معنى إنا كنا فاعلين إنا كنا قادرين على ~~ما نشاء وقيل إنا كنا فاعلين ما وعدناكم ومثله قوله وكان وعده مفعولا ولقد ~~كتبنا في الزبور الزبر في الأصل الكتب يقال زبرت أي كتبت وعلى هذا يصح ~~إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل وعلى كتاب داود المسمى بالزبور وقيل ~~المراد به هنا كتاب داود ومعنى من بعد الذكر أي اللوح المحفوظ وقيل هو ~~التوراة أي والله لقد كتبنا في كتاب داود من بعد ما كتبنا في التوراة أو من ~~بعد ما كتبنا في اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون قال الزجاج ~~الزبور جميع الكتب التوراة والإنجيل والقرآن لأن الزبور والكتاب في معنى ~~واحد يقال زبرت وكتبت ويؤيد ما قاله قراءة حمزة في الزبور بضم الزاي فإنه ~~جمع زبر وقد اختلف في معنى يرثها عبادي الصالحون فقيل المراد أرض الجنة ~~واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض وقيل هي الأرض المقدسة وقيل هي أرض الأمم الكافرة يرثها ~~نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأمته بفتحها وقيل المراد بذلك بنو إسرائيل ~~بدليل قوله سبحانه وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها التي باركنا فيها والظاهر أن هذا تبشير لأمة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم بوراثة أرض الكافرين وعليه أكثر المفسرين وقرأ حمزة عبادي بتسكين ~~الياء وقرأ الباقون بتحريكها إن في هذا لبلاغا أي فيما جرى ذكره في هذه ~~السورة من الوعظ والتنبيه لبلاغا لكفاية يقال في هذا الشئ بلاغ وبلغة وتبلغ ~~أي كفاية وقيل الإشارة بقوله إن في هذا إلى القرآن لقوم عابدين أي مشغولين ~~بعبادة الله مهتمين بها والعبادة هي الخضوع والتذلل وهم أمة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ورأس العبادة ms2540 الصلاة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين أي وما ~~أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس والاستثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال والعلل أي ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة ~~فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين قيل ومعنى كونه رحمة للكفار أنهم آمنوا ~~به من الخسف والمسخ والاستئصال وقيل المراد بالعالمين المؤمنون خاصة والأول ~~أولى بدليل قوله سبحانه وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ثم بين سبحانه أن ~~أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال قل إنما يوحى إلى أنما ~~إلهكم إله واحد إن كانت ما موصولة فالمعنى أن الذي يوحى إلي هو أن وصفه ~~تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادها وإن كانت ~~ما كافة فالمعنى أن الوحي إلى مقصور على استئثار الله بالوحدة ووجه ذلك أن ~~القصر أبدا يكون لما يلي إنما فإنما الأولى لقصر الوصف على الشئ كقولك إنما ~~يقوم زيد أي ما يقوم إلا زيد والثانية لقصر الشئ على الحكم كقولك إنما زيد ~~قائم أي ليس به إلا صفة القيام فهل أنتم مسلمون منقادون مخلصون للعبادة ~~ولتوحيد الله سبحانه فإن تولوا أي أعرضوا عن الإسلام فقل لهم آذنتكم على ~~سواء أي أعلمتكم PageV03P430 # أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين على سواء في الإعلام لم أخص به بعضكم ~~دون بعض كقوله سبحانه - وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء - أي ~~أعلمهم أنك نقضت العهد نقضا سويت بينهم فيه. وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم ~~ما يوحى إلى علي استواء في العلم به، ولا أظهر لأحد شيئا كتمته على غيره ~~(وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون) أي ما أدرى أما توعدون به قريب حصوله ~~أم بعيد، وهو غلبة الإسلام وأهله على الكفر وأهله. # وقيل المراد بما توعدون القيامة، وقيل آذنتكم بالحرب ولكن لا أدرى ما ~~يؤذن لي في محاربتكم (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) أي يعلم ~~سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام ms2541 وأهله وما تكتمونه من ~~ذلك وتخفونه (وإن أدرى لعله فتنة لكم) أي ما أدرى لعل الإمهال فتنة لكم ~~واختبار ليرى كيف صنعكم (ومتاع إلى حين) أي وتمتيع إلى وقت مقدر تقتضيه ~~حكمته. ثم حكى سبحانه وتعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقول (قال ~~رب احكم بالحق) أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين بما هو الحق عندك ففوض ~~الأمر إليه سبحانه. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن " رب " بضم الباء. ~~قال النحاس: وهذا لحن عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل حتى يقول يا ~~رجل. وقرأ الضحاك وطلحة ويعقوب " أحكم " بقطع الهمزة وفتح الكاف وضم الميم: ~~أي قال محمد ربى أحكم بالحق من كل حاكم. وقرأ الجحدري " أحكم " بصيغة ~~الماضي: أي أحكم الأمور بالحق. وقرئ قل بصيغة الأمر: أي قل يا محمد. قال ~~أبو عبيدة: الصفة هنا أقيمت مقام الموصوف، والتقدير: رب الحكم بحكمك الحق، ~~ورب في موضع نصب، لأنه منادى مضاف إلى الضمير، وقد استجاب سبحانه دعاء نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم فعذبهم ببدر، ثم جعل العاقبة والغلبة والنصر ~~لعباده المؤمنين والحمد لله رب العالمين. ثم قال سبحانه متمما لتلك الحكاية ~~(وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) من الكفر والتكذيب، فربنا مبتدأ ~~وخبره الرحمن: أي هو كثير الرحمة لعباده، والمستعان خبر آخر: أي المستعان ~~به في الأمور التي من جملتها ما تصفونه من أن الشوكة تكون لكم، ومن قولكم - ~~هل هذا إلا بشر مثلكم - وقولكم - اتخذ الرحمن ولدا - وكثيرا ما يستعمل ~~الوصف في كتاب الله بمعنى الكذب كقوله - ولكم الويل مما تصفون -، وقوله - ~~سنجزيهم وصفهم - وقرأ المفضل والسلمي " على ما يصفون " بالياء التحتية. ~~وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب. # وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه، وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: لما ~~نزلت (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) قال ~~المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله، ms2542 فنزلت (إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) عيسى وعزير والملائكة. وأخرج ابن مردويه ~~والضياء في المختارة عنه قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية (إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) قال ابن الزبعرى: قد عبدت الشمس ~~والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا، فنزلت ~~- ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ~~ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون - ثم نزلت (إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون). وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والطبراني ~~من وجه آخر عنه أيضا نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) ~~قال: عيسى وعزير والملائكة و أخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله (حصب جهنم) ~~قال: شجر جهنم، وفى إسناده العوفي. وأخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عنه من ~~وجه آخر أن (حصب جهنم) وقودها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~PageV03P431 # قال: هو حطب جهنم بالزنجية. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (لا يسمعون حسيسها) قال: حياة على الصراط تقول ~~حس حس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي ~~في قوله (لا يسمعون حسيسها) قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم ~~قالوا حس حس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن محمد بن حاطب ~~قال: سئل علي عن هذه الآية (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) قال: هو عثمان ~~وأصحابه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا يسمعون ~~حسيسها) يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزل منزلهم من الجنة. ~~وأخرج ms2543 ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر) قال: النفخة الآخرة، وفى إسناده العوفي. وأخرج أحمد والترمذي ~~وحسنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ثلاثة على ~~كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة: رجل أم قوما وهم له ~~راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة، وعبد أدى حق الله وحق مواليه ". ~~وأخرج عبد بن حميد عن علي في قوله (كطي السجل) قال: ملك وأخرج عبد بن حميد ~~عن عطية مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: السجل ملك، ~~فإذا صعد بالاستغفار قال اكتبوها نورا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن ~~أبي جعفر الباقر قال: السجل ملك وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في المعرفة وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه وصححه عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وأخرج ابن المنذر وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس قال: كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كاتب يسمى السجل، وهو قوله (يوم نطوى السماء كطي السجل ~~للكتاب) قال: كما يطوى السجل الكتاب كذلك نطوى السماء. وأخرج ابن منده وأبو ~~نعيم في المعرفة وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عمر قال: كان للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كاتب يقال له السجل، فأنزل الله (يوم نطوى السماء ~~كطي السجل للكتاب) قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا الحديث: وهذا منكر ~~جدا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلا. قال: وكذلك ما تقدم عن ابن عباس ~~من رواية أبى داود وغيره لا يصح أيضا. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن ~~كان في سنن أبي داود منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزني، وقد ~~أفردت بهذا الحديث جزءا له على حدة، ولله الحمد. # قال: وقد تصدى الإمام أبو جعفر ابن جرير للإنكار على هذا ms2544 الحديث ورده أتم ~~رد، وقال: ولا نعرف في الصحابة أحدا اسمه سجل، وكتاب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كانوا معروفين، وليس فيهم أحد اسمه السجل وصدق رحمه الله في ذلك ~~وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث. وأما من ذكر في أسماء الصحابة ~~هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم. قال: والصحيح عن ~~ابن عباس أن السجل هو الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه. ونص على ~~ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى ~~هذا يكون معنى الكلام: يوم نطوى السماء كطي السجل للكتاب: أي على الكتاب، ~~يعني المكتوب كقوله - فلما أسلما وتله للجبين - أي على الجبين، وله نظائر ~~في اللغة والله أعلم. قلت: أما كون هذا هو الصحيح عن ابن عباس فلا، فإن علي ~~بن أبي طلحة والعوفي ضعيفان، فالأولى التعويل على المعنى اللغوي والمصير ~~إليه وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ~~ابن عباس قال: (السجل) هو الرجل، زاد ابن مردويه بلغة الحبشة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية قال: # كطي الصحيفة على الكتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (كما بدأنا ~~أول خلق نعيده) يقول: نهلك PageV03P432 # كل شئ كما كان أول مرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكر) قال: # القرآن (أن الأرض) قال: أرض الجنة وأخرج ابن جرير عنه أيضا (ولقد كتبنا ~~في الزبور) قال: الكتب (من بعد الذكر) قال: التوراة وفى إسناده العوفي. ~~وأخرج سعيد بن منصور عنه أيضا، قال: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن. ~~والذكر: الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء. والأرض: أرض الجنة. # وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون) قال: أرض الجنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه في الآية قال: أخبر الله سبحانه ms2545 في التوراة والزبور وسابق ~~علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد الأرض، ويدخلهم الجنة، ~~وهم الصالحون، وفى قوله (لبلاغا لقوم عابدين) قال: عالمين، وفى إسناده علي ~~بن أبي طلحة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي هريرة (إن في هذا ~~لبلاغا لقوم عابدين) قال: الصلوات الخمس. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم ~~والديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " في قول الله ~~(إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) قال: في الصلوات الخمس شغلا للعبادة ". ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه ~~الآية (لبلاغا لقوم عابدين) قال: هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة ~~". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس في قوله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال: من آمن ~~تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في ~~عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ والقذف. وأخرج مسلم عن أبي هريرة ~~قال " قيل يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال، إني لم أبعث لعانا، ~~وإنما بعثت رحمة ". وأخرج الطيالسي وأحمد والطبراني وأبو نعيم في الدلائل ~~عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله بعثني ~~رحمة للعالمين وهدى للمتقين ". وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو ~~لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما يغضبون. وإنما بعثني رحمة ~~للعالمين، فاجعلها عليه صلاة يوم القيامة ". وأخرج البيهقي في الدلائل عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنما أنا رحمة ~~مهداة " وقد روى معنى هذا من طرق. # وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: لما أسرى بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رأى فلانا، وهو بعض بنى أمية ms2546 على المنبر يخطب ~~الناس، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله (وإن ~~أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) يقول: هذا الملك. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (وإن أدرى لعله فتنة لكم) يقول: ما أخبركم به من ~~العذاب والساعة، لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله (قل رب احكم بالحق) قال: لا يحكم ~~الله إلا بالحق، وإنما يستعجل بذلك في الدنيا يسأل ربه. PageV03P433 # تفسير سورة الحج وهى ثمان وسبعون آية اختلف أهل العلم، هل هي مكية أو ~~مدنية؟ فأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة الحج بالمدينة. وأخرج ~~ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله. وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: ~~نزل بالمدينة من القرآن الحج غير أربع آيات مكيات - وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي - إلى - عذاب يوم عقيم -. وحكى القرطبي عن ابن عباس أنها مكية ~~سوى ثلاث آيات، وقيل أربع آيات إلى قوله - عذاب الحريق -. وحكى عن النقاش ~~أنه نزل بالمدنية منها عشر آيات. قال القرطبي وقال الجمهور: إن السورة ~~مختلطة، منها مكي، ومنها مدني. # قال: وهذا هو الصحيح. قال العزيزي: وهى من أعاجيب السور نزلت ليلا ~~ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، ناسخا ومنسوخا، محكما ~~ومتشابها. وقد ورد في فضلها ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وابن ~~مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر قال " قلت يا رسول الله أفضلت ~~سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما ~~". قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوى. # و أخرج أبو داود في المراسيل والبيهقي عن خالد بن معدان أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين ". وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والإسماعيلي وابن مردويه والبيهقي عن عمر أنه ~~كان يسجد سجدتين في الحج وقال: إن هذه السورة فضلت على سائر القرآن ms2547 ~~بسجدتين. وقد روى عن كثير من الصحابة أن فيها سجدتين، وبه يقول ابن المبارك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: إن فيها سجدة واحدة، وهو قول سفيان ~~الثوري، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس وإبراهيم النخعي. # سورة الحج (1 - 4) PageV03P434 # سورة الحج الآية (5 - 7) لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ~~ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها، بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة ~~وأهوالها حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال (يا أيها الناس اتقوا ربكم) ~~أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من ~~المحرمات، ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد على ما ~~تقرر في موضعه، وقد قدمنا طرفا من تحقيق ذلك في سورة البقرة، وجملة (إن ~~زلزلة الساعة شئ عظيم) تعليل لما قبلها من الأمر بالتقوى، والزلزلة شدة ~~الحركة، وأصلها من زل عن الموضع: أي زال عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه: أي ~~حركها، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، ~~وهى على هذا الزلزلة التي هي أحد أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم ~~القيامة، هذا قول الجمهور، وقيل إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن ~~بعدها طلوع الشمس من مغربها، وقيل إن المصدر هنا مضاف إلى الظرف، وهو ~~الساعة إجراء له مجرى المفعول، أو بتقدير في كما في قوله - بل مكر الليل ~~والنهار - وهى المذكورة في قوله - إذا زلزلت الأرض زلزالها - قيل وفى ~~التعبير عنها بالشئ إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها (يوم ترونها ~~تذهل كل مرضعة عما أرضعت) انتصاب الظرف بما بعده، والضمير يرجع إلى ~~الزلزلة: أي وقت رؤيتكم لها تذهل كل ذات رضاع عن رضيعها وتغفل عنه. قال ~~قطرب: تذهل تشتغل، وأنشد قول الشاعر: # ضرب يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله وقيل تنسى، وقيل تلهو، ~~وقيل تسلو، وهذه معانيها متقاربة. قال المبرد: إن " ما " فيما أرضعت بمعنى ~~المصدر: # أي تذهل عن الإرضاع، قال: وهذا يدل ms2548 على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس ~~بعد القيامة حمل وإرضاع، إلا أن يقال: من ماتت حاملا فتضع حملها للهول، ومن ~~ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال هذا مثل كما يقال - يوما يجعل الولدان شيبا - ~~وقيل يكون مع النفخة الأولى، قال: ويحتمل أن تكون الساعة عبارة عن أهوال ~~يوم القيامة، كما في قوله - مستهم البأساء والضراء وزلزلوا - ومعنى (وتضع ~~كل ذات حمل حملها) أنها تلقى جنينها لغير تمام من شدة الهول، كما أن ~~المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك (وترى الناس سكارى) قرأ الجمهور بفتح ~~التاء والراء خطاب لكل واحد: أي يراهم الرائي كأنهم سكارى (وما هم بسكارى) ~~حقيقة، قرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف، وقرأ الباقون بإثباتها وهما ~~لغتان يجمع بهما سكران، مثل كسلى وكسالى، ولما نفى سبحانه عنهم السكر أوضح ~~السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال (ولكن عذاب الله شديد) فبسبب هذه ~~الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم، واضطربت أفهامهم فصاروا كالسكارى، بجامع ~~سلب كمال التمييز وصحة الإدراك وقرئ " وترى " بضم التاء وفتح الراء مسندا ~~إلى المخاطب من أرأيتك: أي تظنهم سكارى. قال الفراء ولهذه القراءة وجه جيد ~~في العربية، ثم لما أراد سبحانه أن يحتج على منكري البعث قدم قبل ذلك مقدمة ~~تشمل أهل الجدال كلهم فقال (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) وقد تقدم ~~إعراب مثل هذا التركيب في قوله - ومن الناس من يقول - ومعنى " في الله " في ~~شأن الله وقدرته، ومحل " بغير علم " النصب على الحال. والمعنى: أنه يخاصم ~~في قدرة الله PageV03P435 # فيزعم أنه غير قادر على البعث بغير علم يعلمه، ولا حجة يدلى بها (ويتبع) ~~فيما يقوله ويتعاطاه ويحتج به ويجادل عنه (كل شيطان مريد) أي متمرد على ~~الله وهو العاتي، سمي بذلك لخلوه عن كل خير، والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء ~~الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر. وقال الواحدي: قال المفسرون: نزلت ~~في النضر بن الحارث وكان كثير الجدال، وكان ينكر أن الله يقدر على إحياء ~~الأموات، وقيل نزلت في الوليد بن ms2549 المغيرة وعتبة بن ربيعة (كتب عليه أنه من ~~تولاه) أي كتب على الشيطان، وفاعل كتب أنه من تولاه، والضمير للشأن: أي من ~~اتخذ وليا (فإنه يضله) أي فشأن الشيطان أن يضله عن طريق الحق، فقوله أنه ~~يضله جواب الشرط إن جعلت من شرطية أو خبر الموصول إن جعلت موصولة، فقد وصف ~~الشيطان بوصفين: الأول أنه مريد، والثاني ما أفاده جملة كتب عليه الخ، ~~وجملة (ويهديه إلى عذاب السعير) معطوفة على جملة يضله: أي يحمله على مباشرة ~~ما يصير به في عذاب السعير. ثم ذكر سبحانه ما هو المقصود من الاحتجاج على ~~الكفار بعد فراغه من تلك المقدمة، فقال (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث) قرأ الحسن " البعث " بفتح العين وهى لغة، وقرأ الجمهور بالسكون، ~~وشكهم يحتمل أن يكون في وقوعه أو في إمكانه.. والمعنى: إن كنتم في شك من ~~الإعادة فانظروا في مبدأ خلقكم أي خلق أبيكم آدم ليزول عنكم الريب ويرتفع ~~الشك وتدحض الشبهة الباطلة (فإنا خلقناكم من تراب) في ضمن خلق أبيكم آدم ~~(ثم) خلقناكم (من نطفة) أي من مني، سمى نطفة لقلته، والنطفة: القليل من ~~الماء. وقد يقع على الكثير منه، والنطفة: القطرة، يقال نطف ينطف: أي قطر. ~~وليلة نطوف: أي دائمة القطر (ثم من علقة) والعلقة: الدم الجامد، والعلق: ~~الدم العبيط: أي الطري أو المتجمد، وقيل الشديد الحمرة والمراد الدم الجامد ~~المتكون من المني (ثم من مضغة) وهى القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ ~~تتكون من العلقة (مخلقة) بالجر صفة لمضغة: أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير ~~(وغير مخلقة) أي لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها قال ابن الأعرابي: مخلقة ~~يريد قد بدا خلقه، وغير مخلقة لم تصور. قال الأكثر: ما أكمل خلقه بنفخ ~~الروح فيه فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط كان غير مخلقة أي غير ~~حي بإكمال خلقته بالروح. قال الفراء: مخلقة تام الخلق، وغير مخلقة: السقط، ~~ومنه قول الشاعر: # أفي غير المخلقة البكاء * فأين الحزم ويحك والحياء واللام ms2550 في (لنبين لكم) ~~متعلق بخلقنا: أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم كمال قدرتنا ~~بتصريفنا أطوار خلقكم (ونقر في الأرحام ما نشاء) روى أبو حاتم عن أبي زيد ~~عن المفضل عن عاصم أنه قرأ بنصب نقر عطفا على نبين، وقرأ الجمهور " تقر " ~~بالرفع على الاستئناف: أي ونحن نقر، قال الزجاج: نقر بالرفع لا غير، لأنه ~~ليس المعنى فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء، ومعنى الآية: ونثبت في ~~الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطا (إلى أجل مسمى) وهو وقت الولادة، وقال ما ~~نشاء ولم يقل من نشاء، لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد قبل أن ينفخ فيه ~~الروح، وقرئ " ليبين - ويقر - و - يخرجكم " بالتحتية في الأفعال الثلاثة، ~~وقرأ ابن أبي وثاب " ما نشاء " بكسر النون (ثم نخرجكم طفلا) أي نخرجكم من ~~بطون أمهاتكم طفلا: أي أطفالا، وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد ~~والمتعدد. قال الزجاج طفلا في معنى أطفالا، ودل عليه ذكر الجماعة: يعني في ~~نخرجكم: والعرب كثيرا ما تطلق اسم الواحد على الجماعة، ومنه قول الشاعر: # يليحنني بكر من حبها ويلمنني * إن العواذل لسن لي بأمير PageV03P436 # وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدرا كالرضا، والعدل فيقع على الواحد ~~والجمع، قال الله سبحانه - أو الطفل الذين لم يظهروا -. قال ابن جرير: هو ~~منصوب على التمييز كقوله - فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا - وفيه بعد، والظاهر ~~انتصابه على الحال بالتأويل المذكور، والطفل يطلق على الصغير من وقت ~~انفصاله إلى البلوغ (ثم لتبلغوا أشدكم) قيل هو علة لنخرجكم معطوف على علة ~~أخرى مناسبة له، كأنه قيل: نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا إلى ~~الأشد، وقيل إن ثم زائدة، والتقدير لتبلغوا، وقيل إنه معطوف على نبين، ~~والأشد هو كمال العقل وكمال القوة والتمييز، قيل وهو ما بين الثلاثين إلى ~~الأربعين. وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في الأنعام (ومنكم من يتوفى) يعني ~~قبل بلوغ الأشد، وقرئ " يتوفى " مبنيا للفاعل. وقرأ الجمهور " يتوفى " ~~مبنيا للمفعول (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي أخسه ms2551 وأدونه، وهو الهرم ~~والخرف حتى لا يعقل، ولهذا قال سبحانه (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) أي ~~شيئا من الأشياء، أو شيئا من العلم، والمعنى: أنه يصير من بعد أن كان ذا ~~علم بالأشياء وفهم لها، لا علم له ولا فهم، ومثله قوله - لقد خلقنا الإنسان ~~في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين - وقوله - ومن نعمره ننكسه في الخلق ~~- (وترى الأرض هامدة) هذه حجة أخرى على البعث، فإنه سبحانه احتج بإحياء ~~الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات، والهامدة اليابسة التي لا تنبت ~~شيئا، قال ابن قتيبة: أي ميتة يابسة كالنار إذا طفئت، وقيل دارسة، والهمود ~~الدروس، ومنه قول الأعشى: # قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا * وأرى ثيابك باليات همودا وقيل هي التي ذهب ~~عنها الندى، وقيل هالكة، ومعاني هذه الأقوال متقاربة (فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت) المراد بالماء هنا المطر، ومعنى اهتزت تحركت، والاهتزاز ~~شدة الحركة، يقال هززت الشئ فاهتز: # أي حركته فتحرك: والمعنى: تحركت بالنبات، لأن النبات لا يخرج منها حتى ~~يزيل بعضها من بعض إزالة حقيقة، فسماه اهتزازا مجازا. وقال المبرد: المعنى ~~اهتز نباتها فحذف المضاف، واهتزازه شدة حركته، والاهتزاز في النبات أظهر ~~منه في الأرض، ومعنى ربت ارتفعت، وقيل انتفخت. والمعنى واحد، وأصله ~~الزيادة، يقال ربا الشئ يربو ربوا إذا زاد ومنه الربا والربوة. وقرأ يزيد ~~بن القعقاع وخالد بن إلياس " وربأت " أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الرابية، ~~وهو الذي يحفظ القوم على مكان مشرف يقال له رابئ ورابئة وربيئة (وأنبتت) أي ~~أخرجت (من كل زوج بهيج) أي من كل صنف حسن ولون مستحسن، والبهجة الحسن، ~~وجملة (ذلك بأن الله هو الحق) مستأنفة، لما ذكر افتقار الموجودات إليه ~~سبحانه وتسخيرها على وفق إرادته واقتداره. قال بعد ذلك هذه المقالات، وهى ~~إثبات أنه سبحانه الحق، وأنه المتفرد بإحياء الموتى، وأنه قادر على كل شئ ~~من الأشياء. # والمعنى: أنه المتفرد بهذه الأمور وأنها من شأنه لا يدعي غيره أنه يقدر ~~على شئ منها، فدل سبحانه بهذا على أنه الحق ms2552 الحقيقي الغني المطلق، وأن وجود ~~كل موجود مستفاد منه، والحق هو الموجود الذي لا يتغير ولا يزول، وقيل ذو ~~الحق على عباده، وقيل الحق في أفعاله. قال الزجاج: ذلك في موضع رفع: أي ~~الأمر ما وصفه لكم وبين بأن الله هو الحق. قال: ويجوز أن يكون ذلك نصبا، ثم ~~أخبر سبحانه بأن (الساعة آتية) أي في مستقبل الزمان، قيل لا بد من إضمار ~~فعل: أي ولتعلموا أن الساعة آتية (لا ريب فيها) أي لا شك فيها ولا تردد، ~~وجملة (لا ريب فيها) خبر ثان للساعة، أو في محل نصب على الحال. ثم أخبر ~~سبحانه عن البعث فقال (وأن الله يبعث من في القبور) فيجازيهم بأعمالهم إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر، وأن ذلك كائن لا محالة. # وقد أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه، والنسائي ~~وابن جرير وابن المنذر PageV03P437 # وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن الحسن وغيره عن ~~عمران بن حصين قال: " لما نزلت (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شئ عظيم) إلى قوله (ولكن عذاب الله شديد) أنزلت عليه هذه وهو في سفر، فقال: ~~أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله لآدم ~~ابعث بعث النار، قال يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: قاربوا وسددوا وأبشروا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا ~~كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من ~~المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة ~~في جنب البعير، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا، ثم قال: # إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ~~نصف أهل الجنة فكبروا، قال: # ولا أدري قال الثلثين أم لا ". وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن ms2553 ~~المنذر عن عمران بن حصين مرفوعا نحوه، وقال في آخره " اعملوا وأبشروا ~~فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شئ إلا كثرتاه يأجوج ~~ومأجوج، ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس، فسرى عن القوم بعض الذي يجدون ~~قال: اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة ~~في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة ". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه عن أنس مرفوعا نحوه. وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعا نحوه أيضا، وفى الصحيحين وغيرهما عن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحوه، وفى آخره ~~فقال " من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهل أنتم في الأمم إلا كالشعرة ~~السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ". وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(كتب عليه) قال: كتب على الشيطان. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله (أنه من تولاه) قال: اتبعه. ~~وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن ~~أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ~~يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله ~~وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ~~ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " والأحاديث في هذا ~~الباب كثيرة جدا. وأخرج ms2554 ابن أبي حاتم وصححه عن ابن عباس في قوله (مخلقة ~~وغير مخلقة) قال: المخلقة ما كان حيا، وغير المخلقة ما كان سقطا. وروى نحو ~~هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (من كل زوج بهيج) قال: حسن. وأخرج عبد الله ابن أحمد في ~~زوائد الزهد عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله عز وجل حق، وأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور دخل الجنة. # سورة الحج الآية (8 - 7) PageV03P438 # (10 - 16) (قوله ومن الناس من يجادل في الله) أي في شأن الله، كقول من ~~قال: إن الملائكة بنات الله، والمسيح ابن الله، وعزير ابن الله. قيل نزلت ~~في النضر بن الحارث، وقيل في أبى جهل، وقيل هي عامة لكل من يتصدى لإضلال ~~الناس وإغوائهم، وعلى كل حال فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ وإن كان السبب ~~خاصا. ومعنى اللفظ: # ومن الناس فريق يجادل في الله، فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله، أو ~~صفاته أو شرائعه الواضحة، و (بغير علم) في محل نصب على الحال: أي كائنا ~~بغير علم. قيل والمراد بالعلم هو العلم الضروري، وبالهدى هو العلم النظري ~~الاستدلالي. والأولى حمل العلم على العموم، وحمل الهدى على معناه اللغوي، ~~وهو الإرشاد. والمراد بالكتاب المنير هو القرآن، والمنير النير البين الحجة ~~الواضح البرهان، وهو وإن دخل تحت قوله (بغير علم) فإفراده بالذكر كإفراد ~~جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة، وذلك لكونه لافرد الكامل الفائق على غيره ~~من أفراد العلم. وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي، فقد ~~حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي، فتكون الآية متضمنة لنفى الدليل العقلي ~~ضروريا كان أو استدلاليا، ومتضمنة لنفى الدليل النقلي بأقسامه، وما ذكرناه ~~أولى. # قيل والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في الآية الأولى، أعني ~~قوله " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد "، وبذلك ~~قال كثير من المفسرين، والتكرير ms2555 للمبالغة في الذم كما تقول للرجل تذمه ~~وتوبخه أنت فعلت هذا أنت فعلت هذا؟ ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصفه في كل ~~آية بزيادة على ما وصفه به في الآية الأخرى، فكأنه قال: ومن الناس من يجادل ~~في الله ويتبع كل شيطان مريد بغير علم (ولا هدى ولا كتاب منير) ليضل عن ~~سبيل الله اه، وقيل الآية الأولى في المقلدين اسم فاعل. والثانية في ~~المقلدين اسم مفعول. # ولا وجه لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال: إن الآية الأولى خاصة بإضلال ~~المتبوعين لتابعيهم، والثانية عامة في كل إضلال وجدال، وانتصاب (ثاني عطفه) ~~على الحال من فاعل يجادل، والعطف الجانب، وعطفا الرجل جانباه من يمين ~~وشمال، وفى تفسيره وجهان: الأول أن المراد به من يلوى عنقه مرحا وتكبرا، ~~ذكر معناه الزجاج، قال وهذا يوصف به المتكبر. والمعنى: ومن الناس من يجادل ~~في الله متكبرا. قال المبرد: العطف ما انثنى من العنق والوجه الثاني أن ~~المراد بقوله (ثاني عطفه) الإعراض: أي معرضا عن الذكر، كذا قال الفراء ~~والمفضل وغيرهما كقوله تعالى - ولى مستكبرا كأن لم يسمعها - وقوله - لووا ~~رؤوسهم -، وقوله - أعرض ونأى بجانبه -، واللام PageV03P439 # في (ليضل عن سبيل الله) متعلق بتجادل: أي إن غرضه هو الإضلال عن السبيل ~~وإن لم يعترف بذلك. وقرئ ليضل بفتح الياء على أن تكون اللام هي لام العاقبة ~~كأنه جعل ضلاله غاية لجداله، وجملة (له في الدنيا خزي) مستأنفة مبينة لما ~~يحصل له بسبب جداله من العقوبة. والخزي الذل، وذلك بما يناله من العقوبة في ~~الدنيا من العذاب المعجل وسوء الذكر على ألسن الناس. وقيل الخزي الدنيوي هو ~~القتل كما وقع في يوم بدر (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) أي عذاب النار ~~المحرقة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من العذاب الدنيوي والأخروي، ~~وهو مبتدأ خبره (بما قدمت يداك). والباء للسببية: أي ذلك العذاب النازل بك ~~بسبب ما قدمته يداك من الكفر والمعاصي، وعبر باليد عن جملة البدن لكون ~~مباشرة المعاصي تكون بها في الغالب، ومحل ms2556 أن وما بعدها في قوله (وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد) الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي والأمر أنه سبحانه ~~لا يعذب عباده بغير ذنب. وقد مر الكلام على هذه الآية في آخر آل عمران فلا ~~نعيده (ومن الناس من يعبد الله على حرف) هذا بيان لشقاق فلا أهل الشقاق. ~~قال الواحدي: قال أكثر المفسرين: الحرف الشك، وأصله من حرف الشئ وهو طرفه، ~~مثل حرف الجبل والحائط، فإن القائم عليه غير مستقر والذي يعبد الله على حرف ~~قلق في دينه على غير ثبات وطمأنينة كالذي هو على حرف الجبل ونحوه يضطرب ~~اضطرابا ويضعف قيامه، فقيل للشاك في دينه إنه يعبد الله على حرف، لأنه على ~~غير يقين من وعده ووعيده، بخلاف المؤمن لأنه يعبده على يقين وبصيرة فلم يكن ~~على حرف، وقيل الحرف الشرط: أي ومن الناس من يعبد الله على شرط، والشرط هو ~~قوله (فإن أصابه خير اطمأن به) أي خير دنيوي من رخاء وعافية وخصب وكثرة ~~مال، ومعنى اطمأن به ثبت على دينه واستمر على عبادته، أو اطمأن قلبه بذلك ~~الخير الذي أصابه (وإن أصابته فتنة) أي شئ يفتتن به من مكروه يصيبه في أهله ~~أو ماله أو نفسه (انقلب على وجهه) أي ارتد ورجع إلى الوجه الذي كان عليه من ~~الكفر، ثم بين حاله بعد انقلابه على وجهه فقال (خسر الدنيا والآخرة) أي ~~ذهبا منه وفقدهما، فلاحظ له في الدنيا من الغنيمة والثناء الحسن، ولا في ~~الآخرة من الأجر وما أعده الله للصالحين من عباده. وقرأ مجاهد وحميد بن قيس ~~والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق " خاسرا الدنيا والآخرة " على صيغة اسم ~~الفاعل منصوبا على الحال. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف. والإشارة ~~بقوله " ذلك " إلى خسران الدنيا والآخرة وهو مبتدأ وخبره (وهو الخسران ~~المبين) أي الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله (يدعو من دون الله ما لا يضره ~~وما لا ينفعه) أي هذا الذي انقلب على وجهه ورجع إلى الكفر يدعو من دون ~~الله: أي يعبد ms2557 متجاوزا عبادة الله إلى عبادة الأصنام ما لا يضره إن ترك ~~عبادته، ولا ينفعه إن عبده لكون ذلك المعبود جمادا لا يقدر على ضر ولا نفع، ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى الدعاء المفهوم من الفعل وهو يدعو، واسم الإشارة ~~مبتدأ وخبره (هو الضلال البعيد) أي عن الحق والرشد مستعار من ضلال من سلك ~~غير الطريق فصار بضلاله بعيدا عنها. قال الفراء: البعيد الطويل (يدعو لمن ~~ضره أقرب من نفعه) يدعو بمعنى يقول، والجملة مقررة لما قبلها من كون ذلك ~~الدعاء ضلالا بعيدا. والأصنام لا نفع فيها بحال من الأحوال بل هي ضرر بحت ~~لمن يعبدها، لأنه دخل النار بسبب عبادتها، وإيراد صيغة التفضيل مع عدم ~~النفع بالمرة للمبالغة في تقبيح حال ذلك الداعي - أو ذلك من باب " وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " واللام هي الموطئة للقسم، ومن موصولة أو ~~موصوفة، وضره مبتدأ خبره أقرب، والجملة صلة الموصول. وجملة (لبئس المولى ~~ولبئس العشير) جواب القسم، والمعنى: أنه يقول ذلك الكافر يوم القيامة ~~لمعبوده الذي ضره أقرب من نفعه: لبئس المولى أنت ولبئس العشير. والمولى ~~الناصر، والعشير الصاحب، ومثل ما في هذه الآية قول عنترة: # يدعون عنتر والرماح كأنها * أشطان بئر في لبان الأدهم وقال الزجاج: يجوز ~~أن يكون يدعو في موضع الحال، وفيه هاء محذوفة: أي ذلك هو الضلال البعيد ~~يدعوه PageV03P440 # وعلى هذا يوقف على يدعو، ويكون قوله " لمن ضره أقرب من نفعه " كلاما ~~مستأنفا مرفوعا بالابتداء، وخبره لبئس المولى. قال: وهذا لأن اللام لليمين ~~والتوكيد فجعلها أول الكلام. وقال الزجاج والفراء: يجوز أن يكون يدعو مكررة ~~على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء: أي يدعو ما لا يضره ~~ولا ينفعه يدعو مثل ضربت زيدا ضربت. وقال الفراء والكسائي والزجاج: معنى ~~الكلام القسم، واللام مقدمة على موضعها، والتقدير: يدعو من لضره أقرب من ~~نفعه، فمن في موضع نصب بيدعو، واللام جواب القسم وضره مبتدأ، وأقرب خبره، ~~ومن التصرف في اللام بالتقديم والتأخير قول الشاعر: ms2558 # خالي لأنت ومن جرير خاله * ينل العلاء ويكرم الأخوالا أي لخالي أنت. قال ~~النحاس: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: في الكلام حذف، ~~والمعنى: # يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها. قال النحاس: وأحسب هذا القول غلطا عن ~~محمد بن يزيد، ولعل وجهه أن ما قبل اللام هذه لا يعمل فيما بعدها. وقال ~~الفراء أيضا والقفال اللام صلة: أي زائدة، والمعنى: يدعو من ضره أقرب من ~~نفعه: أي يعبده، وهكذا في قراءة عبد الله بن مسعود بحذف اللام في " لبئس ~~المولى " وفى " لبئس العشير " على هذا موطئة للقسم (إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار) لما فرغ من ذكر حال ~~المشركين، ومن يعبد الله على حرف ذكر حال المؤمنين في الآخرة، وأخبر أنه ~~يدخلهم هذه الجنات المتصفة بهذه الصفة، وقد تقدم الكلام في جرى الأنهار من ~~تحت الجنات، وبينا أنه إن أريد بها الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها، ~~فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض فلا بد من تقدير مضاف: ~~أي من تحت أشجارها (إن الله يفعل ما يريد) هذه الجملة تعليل لما قبلها: أي ~~يفعل ما يريده من الأفعال " لا يسأل عما يفعل " فيثيب من يشاء ويعذب من ~~يشاء (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة) قال النحاس: من أحسن ~~ما قيل في هذه الآية أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه (فليمدد بسبب إلى ~~السماء) أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء (ثم ليقطع) أي ثم ليقطع النصر ~~إن تهيأ له (فلينظر هل يذهبن كيده) وحيلته (ما يغيظ) من نصر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقيل المعنى: # من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظا، ~~ثم فسره بقوله (فليمدد بسبب إلى السماء) أي فليشدد حبلا في سقف بيته (ثم ~~ليقطع) ms2559 أي ثم ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا، والمعنى: فليختنق غيظا ~~حتى يموت، فإن الله ناصره ومظهره، ولا ينفعه غيظه، ومعنى فلينظر هل يذهبن ~~كيده: أي صنيعه وحيلته ما يغيظ: أي غيظه، وما مصدرية. وقيل إن الضمير في ~~ينصره يعود إلى من، والمعنى: من كان يظن أن الله لا يرزقه فليقتل نفسه، وبه ~~قال أبو عبيدة. وقيل إن الضمير يعود إلى الدين: أي من كان يظن أن لن ينصر ~~الله دينه. وقرأ الكوفيون بإسكان اللام في - ثم ليقطع - قال النحاس: وهذه ~~القراءة بعيدة من العربية (وكذلك أنزلناه آيات بينات) أي مثل ذلك الإنزال ~~البديع أنزلناه آيات واضحات ظاهرة الدلالة على مدلولاتها (وأن الله يهدى من ~~يريد) هدايته ابتداء أو زيادة فيها لمن كان مهديا من قبل. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (ثاني عطفه) قال: لاوي عنقه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والسدي ~~وابن يزيد وابن جريج أنه المعرض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم في قوله (ثاني عطفه) قال: أنزلت في النضر بن الحارث. وأخرج ~~PageV03P441 # ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: هو رجل من بنى عبد الدار. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه " ثاني عطفه " قال: مستكبرا في ~~نفسه. وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف) قال كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته ~~غلاما وأنتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله ~~قال: هذا دين سوء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه بسند صحيح قال: كان ~~ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلمون، فإذا رجعوا ~~إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا ~~لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا: ما ms2560 في ~~ديننا هذا خير، فأنزل الله (ومن الناس من يعبد الله على حرف). # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا نحوه، وفى إسناده ~~العوفي. وأخرج ابن مردويه أيضا من طريقه أيضا عن أبي سعيد قال: أسلم رجل من ~~اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: أقلني أقلني، قال: إن الإسلام لا يقال، فقال: لم أصب من ~~ديني هذا خيرا ذهب بصرى ومالي ومات ولدى، فقال: يا يهودي الإسلام يسبك ~~الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة، فنزلت (ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف). وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (من كان يظن أن لن ~~ينصره الله) قال: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والآخرة ~~(فليمدد بسبب) قال: فليربط بحبل (إلى السماء) قال: إلى سماء بيته السقف (ثم ~~ليقطع) قال: ثم يختنق به حتى يموت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه ~~قال (من كان يظن أن لن ينصره الله) يقول: أن لن يرزقه الله (فليمدد بسبب ~~إلى السماء) فليأخذ حبلا فليربطه في سماء بيته فليختنق به (فلينظر هل يذهبن ~~كيده ما يغيظ) قال: فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق. # سورة الحج الآية (17 - 24) PageV03P442 # قوله (إن الذين آمنوا) أي بالله وبرسوله، أو بما ذكر من الآيات البينات ~~(والذين هادوا) هم اليهود المنتسبون إلى ملة موسى (والصابئين) قوم يعبدون ~~النجوم، وقيل هم من جنس النصارى وليس ذلك بصحيح بل هم فرقة معروفة لا ترجع ~~إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء (والنصارى) هم المنتسبون إلى ملة ~~عيسى (والمجوس) هم الذين يعبدون النار، ويقولون إن للعالم أصلين: النور ~~والظلمة. وقيل هم قوم يعبدون الشمس والقمر، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات، ~~وقيل هم قوم من النصارى اعتزلوهم ولبسوا المسوح، وقيل إنهم أخذوا بعض دين ~~اليهود وبعض دين النصارى (والذين أشركوا) ms2561 الذين يعبدون الأصنام، وقد مضى ~~تحقيق هذا في البقرة، ولكنه سبحانه قدم هنالك النصارى على الصابئين، وأخرهم ~~عنهم هنا. فقيل وجه تقديم النصارى هنالك أنهم أهل كتاب دون الصابئين، ووجه ~~تقديم الصابئين هنا أن زمنهم متقدم على زمن النصارى، وجملة (إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة) في محل رفع على أنها خبر لأن المتقدمة، ومعنى الفصل أنه ~~سبحانه يقضى بينهم فيدخل المؤمنين منهم الجنة والكافرين منهم النار. وقيل ~~الفصل هو أن يميز المحق من المبطل بعلامة يعرف بها كل واحد منهما، وجملة ~~(إن الله على كل شئ شهيد) تعليل لما قبلها: أي أنه سبحانه على كل شئ من ~~أفعال خلقه وأقوالهم شهيد لا يعزب عنه شئ منها. وأنكر الفراء أن تكون جملة ~~" إن الله يفصل بينهم " خبرا لأن المتقدمة. وقال لا يجوز في الكلام: إن ~~زيدا إن أخاه منطلق، ورد الزجاج ما قاله الفراء، وأنكره وأنكر ما جعله ~~مماثلا للآية، ولا شك في جواز قولك: # إن زيدا إن الخير عنده، وإن زيدا إنه منطلق، ونحو ذلك (ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) الرؤية هنا هي القلبية لا البصرية: ~~أي ألم تعلم، والخطاب لكل من يصلح له، وهو من تتأتى منه الرؤية، والمراد ~~بالسجود هنا هو الانقياد الكامل، لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، سواء ~~جعلت كلمة من خاصة بالعقلاء، أو عامة لهم ولغيرهم، ولهذا عطف (الشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب) على من، فإن ذلك يفيد أن السجود هو ~~الانقياد لا الطاعة الخاصة بالعقلاء، وإنما أفرد هذه الأمور بالذكر مع ~~كونها داخلة تحت من، على تقدير جعلها عامة لكون قيام السجود بها مستبعدا في ~~العادة، وارتفاع (كثير من الناس) بفعل مضمر يدل عليه المذكور: أي ويسجد له ~~كثير من الناس. وقيل مرتفع على الابتداء وخبره محذوف وتقديره: وكثير من ~~الناس يستحق الثواب، والأول أظهر. وإنما لم يرتفع بالعطف على من، لأن سجود ~~هؤلاء الكثير من الناس هو سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، والمراد بالسجود ~~المتقدم هو ms2562 الانقياد، فلو ارتفع بالعطف على من لكان في ذلك جمع بين معنيين ~~مختلفين في لفظ واحد. وأنت خبير بأنه لا ملجئ. إلى هذا بعد حمل السجود على ~~الانقياد، ولا شك أنه يصح أن يراد من سجود كثير من الناس هو انقيادهم لا ~~نفس السجود الخاص، فارتفاعه على العطف لا بأس به، وإن أبى ذلك صاحب الكشاف ~~ومتابعوه، وأما قوله (وكثير حق عليه العذاب) فقال الكسائي والفراء: إنه ~~مرتفع بالابتداء وخبره ما بعده. وقيل هو معطوف على كثير الأول ويكون ~~المعنى: وكثير من الناس يسجد وكثير منهم يأبى ذلك. # وقيل المعنى: وكثير من الناس في الجنة، وكثير حق عليه العذاب هكذا حكاه ~~ابن الأنباري (ومن يهن الله فما له من مكرم) أي من أهانه الله بأن جعله ~~كافرا شقيا، فما له من مكرم يكرمه فيصير سعيدا عزيزا. وحكى الأخفش والكسائي ~~والفراء أن المعنى: ومن يهن الله فما له من مكرم: أي إكرام (إن الله يفعل ~~ما يشاء) من الأشياء التي من جملتها ما تقدم ذكره من الشقاوة والسعادة ~~والإكرام والإهانة (هذان خصمان) الخصمان أحدهما أنجس الفرق اليهود والنصارى ~~والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر المسلمون، فهما فريقان ~~مختصمان. قاله الفراء وغيره. وقيل المراد بالخصمين الجنة والنار. قالت ~~الجنة: خلقني لرحمته، وقالت النار: خلقني لعقوبته. وقيل المراد بالخصمين هم ~~الذين برزوا يوم بدر، فمن المؤمنين حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين عتبة ~~وشيبة ابنا ربيعة PageV03P443 # والوليد بن عتبة. وقد كان أبو ذر رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في ~~هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيح، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة، ~~وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول. وقد ثبت في الصحيح أيضا عن علي أنه قال: ~~فينا نزلت هذه الآية. وقرأ ابن كثير " هذان " بتشديد النون، وقال سبحانه ~~(اختصموا) ولم يقل اختصما. قال الفراء: لأنهم جمع، ولو قال اختصما لجاز، ~~ومعنى (في ربهم) في شأن ربهم: أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في ~~شريعته لعباده، أو ms2563 في جميع ذلك، ثم فصل سبحانه ما أجمله في قوله - يفصل ~~بينهم - فقال (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) قال الأزهري: أي سويت ~~وجعلت لبوسا لهم، شبهت النار بالثياب لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب، ~~وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقق وقوعه. وقيل إن هذه الثياب من ~~نحاس قد أذيب فصار كالنار، وهى السرابيل المذكورة في آية أخرى. وقيل المعنى ~~في الآية: أحاطت النار بهم. وقرئ " قطعت " بالتخفيف ثم قال سبحانه (يصب من ~~فوق رؤوسهم الحميم) والحميم هو الماء الحار المغلي بنار جهنم، والجملة ~~مستأنفة أو هي خبر ثان للموصول (يصهر به ما في بطونهم) الصهر الإذابة، ~~والصهارة ما ذاب منه، يقال صهرت الشئ فانصهر: أي أذبته فذاب فهو صهير، ~~والمعنى: أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء (والجلود) ~~معطوفة على ما: أي ويصهر به الجلود، والجملة في محل نصب على الحال، وقيل إن ~~الجلود لا تذاب، بل تحرق، فيقدر فعل يناسب ذلك، ويقال وتحرق به الجلود كما ~~في قول الشاعر: * علفتها تبنا وماء باردا * أي وسقيتها ماء، ولا يخفى أنه ~~لا ملجئ لهذا، فإن الحميم إذا كان يذيب ما في البطون فإذا بته للجلد الظاهر ~~بالأولى (ولهم مقامع من حديد) المقامع جمع مقمعة ومقمع قمعته ضربته ~~بالمقمعة، وهى قطعة من حديد. والمعنى: لهم مقامع من حديد يضربون بها: أي ~~للكفرة، وسميت المقامع مقامع لأنها تقمع المضروب: أي تذلله. قال ابن ~~السكيت: أقمعت الرجل عنى إقماعا: إذا اطلع عليك فرددته عنك (كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها) أي من النار (أعيذوا فيها) أي في النار بالضرب بالمقامع، و ~~(من غم) بدل من الضمير في منها بإعادة الجار أو مفعول له: أي لأجل غم شديد ~~من غموم النار (وذوقوا عذاب الحريق) هو بتقدير القول: أي أعيدوا فيها، وقيل ~~لهم ذوقوا عذاب الحريق: أي العذاب المحرق، وأصل الحريق الاسم من الاحتراق، ~~تحرق الشئ بالنار واحترق حرقة واحتراقا، والذوق مماسة يحصل معها إدراك ~~الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراك ms2564 الألم. قال الزجاج: وهذا لأحد ~~الخصمين. وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون (إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار) فبين سبحانه حال المؤمنين بعد ~~بيانه لحال الكافرين. ثم بين الله سبحانه بعض ما أعده لهم من النعيم بعد ~~دخولهم الجنة فقال (يحلون فيها) قرأ الجمهور يحلون بالتشديد والبناء ~~للمفعول، وقرئ مخففا: أي يحليهم الله أو الملائكة بأمره. ومن في قوله (من ~~أساور) للتبعيض: # أي يحلون بعض أساور، أو للبيان، أو زائدة، ومن في (من ذهب) للبيان، ~~والأساور جمع أسورة والأسورة جمع سوار، وفى السوار لغتان: كسر السين وضمها، ~~وفيه لغة ثالثة، وهى أسوار. قرأ نافع وابن كثير وعاصم وشيبة (ولؤلؤا) ~~بالنصب عطف على محل أساور: أي ويحلون لؤلؤا، أو بفعل مقدر ينصبه، وهكذا قرأ ~~بالنصب يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر، وهذه القراءة هي الموافقة لرسم المصحف ~~فإن هذا الحرف مكتوب فيه بالألف، وقرأ الباقون بالجر عطفا على أساور: أي ~~يحلون من أساور ومن لؤلؤ، واللؤلؤ ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. قال ~~القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من ~~لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب (ولباسهم فيها حرير) أي جميع ما ~~يلبسونه حرير كما تفيده هذه الإضافة، PageV03P444 # ويجوز أن يراد أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرما عليهم في الدنيا ~~حلال لهم في الآخرة، وأنه من جملة ما يلبسونه فيها، ففيها ما تشتهيه ~~الأنفس، وكل واحد منهم يعطى ما تشتهيه نفسه وينال ما يريده (وهدوا إلى ~~الطيب من القول) أي أرشدوا إليه، قيل هو لا إله إلا الله وقيل الحمد لله، ~~وقيل القرآن، وقيل هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات. وقد ورد في ~~القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه - الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده - الحمد لله الذي هدانا لهذا - الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن - ~~ومعنى (وهدوا إلى صراط الحميد) أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود وهو طريق ~~الجنة، ms2565 أو صراط الله الذي هو دينه القويم، وهو الإسلام. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (والصابئين) قال: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون القبلة، ويقرؤون ~~الزبور (والمجوس) عبدة الشمس والقمر والنيران، (والذين أشركوا) عبدة ~~الأوثان (إن الله يفصل بينهم) قال: الأديان ستة، فخمسة للشيطان، ودين الله ~~عز وجل. # وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: فصل قضاءه بينهم فجعل الخمسة ~~مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: الذين ~~هادوا: اليهود، والصابئون: ليس لهم كتاب، والمجوس: أصحاب الأصنام ~~والمشركون: نصارى العرب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر أنه كان ~~يقسم قسما أن هذه الآية (هذان خصمان) الآية نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين ~~بارزوا يوم بدر، وهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث، وعلي بن أبي ~~طالب وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، قال علي: وأنا أول من يجثو ~~في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة. وأخرجه البخاري وغيره من ~~حديث علي. وأخرجه ابن مردويه عن بن عباس بنحوه، وهكذا روى عن جماعة من ~~التابعين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد ~~بن جبير في قوله (قطعت لهم ثياب من نار) قال: من نحاس، وليس من الآنية شئ ~~إذا حمى أشد حرا منه، وفى قوله (يصب من فوق رؤوسهم الحميم) قال: النحاس ~~يذاب على رؤوسهم، وقوله (يصهر به ما في بطونهم) قال: تسيل أمعاؤهم ~~(والجلود) قال: تتناثر جلودهم. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وعبد الله ~~بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم ~~في الحلية وابن مردويه عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية (يصب من فوق رؤوسهم ~~الحميم) فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن الحميم ~~ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى ~~يمرق من قدميه ms2566 وهو الصهر، ثم يعاد كما كان ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (يصهر به ما في بطونهم) قال: يمشون وأمعاءهم تتساقط وجلودهم. ~~وفى قوله (ولهم مقامع من حديد) قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله ~~فيدعون بالويل والثبور. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: يسقون ماء إذا ~~دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد ~~الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لو أن مقمعا من حديد ~~وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من ~~حديد لتفتت ثم عاد كما كان ". # وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا ~~يضئ لهبها ولا جمرها، ثم قرأ (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها). وفى الصحيحين وغيرهما عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " وفى الباب أحاديث. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن PageV03P445 # ابن عباس في قوله (وهدوا إلى الطيب من القول) قال: ألهموا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن أبي العالية قال. هدوا إلى الطيب من القول في الخصومة إذ قالوا: ~~الله مولانا ولا مولى لكم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل ابن ~~أبي خالد في الآية قال: القرآن (وهدوا إلى صراط الحميد) قال: الإسلام. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: ~~الإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، ~~والحمد لله الذي قال " إليه يصعد الكلم الطيب ". # سورة الحج الآية (25 - 29) قوله (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) ~~عطف المضارع على الماضي، لأن المراد بالمضارع ما مضى ms2567 من الصد، ومثل هذا ~~قوله " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله "، أو المراد بالصد هاهنا الاستمرار ~~لا مجرد الاستقبال، فصح بذلك عطفه على الماضي، ويجوز أن تكون الواو في ~~ويصدون واو الحال: أي كفروا والحال أنهم يصدون. وقيل الواو زائدة والمضارع ~~خبر إن والأولى أن يقدر خبر إن بعد قوله (والباد) وذلك نحو خسروا أو هلكوا. ~~وقال الزجاج: إن الخبر نذقه من عذاب أليم. ورد بأنه لو كان خبرا لأن لم ~~يجزم وأيضا لو كان خبرا لأن لبقي الشرط وهو " ومن يرد " بغير جواب فالأولى ~~أنه محذوف كما ذكرنا والمراد بالصد المنع وبسبيل الله دينه: أي يمنعون من ~~أراد الدخول في دين الله والمسجد الحرام، معطوف على سبيل الله قيل المراد ~~به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني وقيل الحرم كله، لأن ~~المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عنه يوم ~~الحديبية، وقيل المراد به مكة بدليل قوله (الذي جعلناه للناس سواء العاكف ~~فيه والباد) أي جعلناه للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون به مستويا فيه ~~العاكف، وهو المقيم فيه الملازم له والباد أي الواصل من البادية، والمراد ~~به الطارئ عليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية أو من غيرهم وانتصاب ~~سواء على أنه المفعول الثاني لجعلناه، وهو بمعنى مستويا، والعاكف مرتفع به، ~~وصف المسجد الحرام بذلك لزيادة التقريع والتوبيخ للصادين عنه، ويحتمل أن ~~يكون انتصاب " سواء " على الحال. وهذا على قراءة النصب، وبها قرأ حفص عن ~~عاصم، وهى قراءة الأعمش، وقرأ الجمهور برفع " سواء " على أنه مبتدأ وخبره " ~~العاكف " أو على أنه خبر مقدم، والمبتدأ " العاكف " أي العاكف فيه والبادي ~~سواء، وقرئ بنصب " سواء " وجر " العاكف " على أنه صفة للناس: أي جعلناه ~~للناس العاكف والبادي سواء، وأثبت الياء في البادى ابن كثير PageV03P446 # وصلا ووقفا، وحذفها أبو عمرو في الوقف، وحذفها نافع في الوصل والوقف. قال ~~القرطبي: وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه. # واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى ms2568 أن دور مكة ومنازلها يستوى فيها ~~المقيم والطارىء. وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ~~ينزل حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبى. وذهب الجمهور إلى أن ~~دور مكة ومنزلها ليست كالمسجد الحرام، ولأهلها مع الطارىء من النزول فيها. ~~والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين: الأصل الأول ما في هذه الآية هل ~~المراد بالمسجد الحرام المسجد نفسه. أو جميع الحرم، أو مكة على الخصوص. ~~والثاني هل كان فتح مكة صلحا أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة هل أقرها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يد أهلها على الخصوص؟ أو جعلها لمن نزل ~~بها على العموم؟ وقد أوضحنا هذا في شرحنا على المنتقى بما لا يحتاج الناظر ~~فيه إلى زيادة (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) مفعول يرد ~~محذوف لقصد التعميم، والتقدير: ومن يرد فيه مرادا: أي مراد بإلحاد: أي ~~بعدول عن القصد، والإلحاد في اللغة الميل إلا أنه سبحانه بين هنا أنه الميل ~~بظلم. # وقد اختلف في هذا الظلم ما ذا هو؟ فقيل هو الشرك، وقيل الشرك، وقيل الشرك ~~والقتل، وقيد صيد حيواناته وقطع أشجاره، وقيل هو الحلف فيه بالأيمان ~~الفاجرة، وقيل المراد المعاصي فيه على العموم، وقيل المراد بهذه الآية أنه ~~يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان. وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود ~~وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا لو هم الرجل في الحرم بقتل رجل ~~بعدن لعذبه الله. والحاصل أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام ~~مأخوذا بمجرد الإرادة للظلم، فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ~~ما حدثت به أنفسها إلا أن يقال إن الإرادة فيها زيادة على مجرد حديث النفس، ~~وبالجملة فالبحث عن هذا وتقرير الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع ~~الإشكال يطول جدا، ومثل هذه الآية حديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول ms2569 الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ ~~قال: إنه كان حريصا على قتله صاحبه " فدخل النار هنا بسبب مجرد حرصه على ~~قتل صاحبه. وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة، والباء في قوله " بإلحاد " ~~إن كان مفعول يرد محذوفا كما ذكرنا فليست بزائدة، وقيل إنها زائدة هنا كقول ~~الشاعر: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أي نرجو الفرج، ~~ومثله: # ألم يأتيك والأنباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد أي ما لاقت، ومن ~~القائلين بأنها زائدة الأخفش، والمعنى عنده: ومن يرد فيه إلحادا بظلم. وقال ~~الكوفيون: # دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد، والباء مع أن تدخل وتحذف، ويجوز أن يكون ~~التقدير: ومن يرد الناس بإلحاد. وقيل إن يرد مضمن معنى يهم، والمعنى: ومن ~~يهم فيه بإلحاد. وأما الباء في قوله بظلم فهي للسببية، والمعنى: ومن يرد ~~فيه بإلحاد بسبب الظلم، ويجوز أن يكون بظلم بدلا من بإلحاد بإعادة الجار ~~ويجوز أن يكونا حالين مترادفين (وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت) أي واذكر ~~وقت ذلك، يقال بوأته منزلا وبوأت له كما يقال مكنتك ومكنت لك. قال الزجاج: ~~معناه جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم، ومعنى بوأنا: بينا له مكان البيت، ~~ومثله قول الشاعر: # كم من أخ لي ماجد * بوأته بيدي لحدا وقال الفراء: إن اللام زائدة ومكان ~~ظرف: أي أنزلناه فيه (ألا تشرك بي شيئا) قيل إن هذه هي مفسرة لبوأنا لتضمنه ~~معنى تعبدنا، لأن التبوئة هي للعبادة. وقال أبو حاتم: هي مصدرية: أي لأن لا ~~تشرك بي. وقيل هي PageV03P447 # المخففة من الثقيلة، وقيل هي زائدة، وقيل معنى الآية: وأوحينا إليه أن لا ~~تعبد غيري. قال المبرد: كأنه قيل له وحدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك ~~بي وحدني (وطهر بيتي) من الشرك وعبادة الأوثان. وفى الآية طعن على ما أشرك ~~من قطان البيت: أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم فلم تفوا بل ~~أشركتم. وقالت فرقة: # الخطاب بقوله " ألا تشرك " لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ضعيف جدا. ms2570 ~~ومعنى (وطهر بيتي) تطهيره من الكفر والأوثان والدماء وسائر النجاسات، وقيل ~~عنى به التطهير عن الأوثان فقط، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في ~~محل البيت، وقد مر في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى، والمراد ~~بالقائمين هنا هم المصلون (و) ذكر (الركع السجود) بعده لبيان أركان الصلاة ~~دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا ~~في البيت، فالطواف عنده والصلاة إليه (وأذن في الناس بالحج) قرأ الحسن وابن ~~محيصن " وآذن " بتخفيف الذال والمد. وقرأ الباقون بتشديد الذال، والأذان ~~الإعلام، وقد تقدم في براءة. # قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت جاءه ~~جبريل فأمره أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا رب من يبلغ صوتي؟ فقال الله ~~سبحانه: أذن وعلي البلاغ، فعلا المقام فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال، ~~فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال: يا أيها ~~الناس كتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، فأجابه من كان في أصلاب ~~الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك. وقيل إن الخطاب لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، والمعنى: أعلمهم يا محمد بوجوب الحج عليهم، وعلى هذا ~~فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله (والركع السجود) وقيل إن خطابه انقضى عند ~~قوله (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) وأن قوله (أن إلا تشرك بي) وما بعده ~~خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقرأ الجمهور " بالحج " بفتح ~~الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها (يأتوك رجالا) هذا جواب ~~الأمر، وعده الله إجابة الناس له إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، فمعنى ~~رجالا مشاة جمع راجل، وقيل جمع رجل. وقرأ ابن أبي إسحاق " رجالا " بضم ~~الراء وتخفيف الجميم، وقرأ مجاهد " رجالي " على وزن فعالى مثل كسالى، وقدم ~~الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي، وقال: يأتوك وإن كانوا ~~يأتون البيت، لأن من أتى الكعبة حاجا فقد أتى إبراهيم، لأنه أجاب نداءه ~~(وعلى كل ms2571 ضامر) عطف على رجالا: أي وركبانا على كل بعير، والضامر البعير ~~المهزول الذي أتعبه السفر، يقال ضمر يضمر ضمورا، ووصف الضامر بقوله " يأتين ~~" باعتبار المعنى، لأن ضامر في معنى ضوامر، وقرأ أصحاب ابن مسعود وابن أبي ~~عبلة والضحاك " يأتون " على أنه صفة لرجالا. والفج الطريق الواسع الجمع ~~فجاج، والعميق البعيد، واللام في (ليشهدوا منافع لهم) متعلقة بقوله يأتوك، ~~وقيل بقوله وأذن، والشهود الحضور، والمنافع هي تعم منافع الدنيا والآخرة. ~~وقيل المراد بها المناسك، وقيل المغفرة، وقيل التجارة كما في قوله - ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم - (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) ~~أي يذكروا عند ذبح الهدايا والضحايا اسم الله، وقيل إن هذا الذكر كناية عن ~~الذبح لأنه لا ينفك عنه. والأيام المعلومات هي أيام النحر كما يفيد ذلك ~~قوله (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وقيل عشر ذي الحجة. وقد تقدم الكلام ~~في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة فلا نعيده، والكلام في وقت ذبح ~~الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث، ومعنى: على ما رزقهم: على ذبح ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام، وهى الإبل والبقر والغنم، وبهيمة الأنعام هي ~~الأنعام فالإضافة في هذا كالإضافة في قولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى ~~(فكلوا منها) الأمر هنا للندب عند الجمهور، وذهبت طائفة إلى أن الأمر ~~للوجوب، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب (وأطعموا البائس الفقير) البائس ~~PageV03P448 # ذو البؤس وهو شدة الفقر فذكر الفقير بعده لمزيد الإيضاح، والأمر هنا ~~للوجوب، وقيل للندب (ثم ليقضوا تفثهم) المراد بالقضاء هنا هو التأدية: أي ~~ليؤدوا إزالة وسخهم، لأن التفث هو الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار، ~~وقد أجمع المفسرون كما حكاه النيسابوري على هذا. قال الزجاج: إن أهل اللغة ~~لا يعرفون التفث. # وقال أبو عبيدة: لم يأت في الشعر ما يحتج به في معنى التفث. وقال المبرد: ~~أصل التفث في اللغة كل قاذورة تلحق الإنسان. وقيل قضاؤه ادهانه لأن الحاج ~~مغبر شعث لم يدهن ولم يستحد، فإذا قضى نسكه وخرج من إحرامه حلق شعره ms2572 ولبس ~~ثيابه، فهذا هو قضاء التفث. قال الزجاج: كأنه خروج من الإحرام إلى الإحلال ~~(وليوفوا نذورهم) أي ما ينذرون به من البر في حجهم، والأمر للوجوب، وقيل ~~المراد بالنذور هنا أعمال الحج (وليطوفوا بالبيت العتيق) هذا الطواف هو ~~طواف الإفاضة. قال ابن جرير: لا خلاف في ذلك بين المتأولين، والعتيق القديم ~~كما يفيده قوله سبحانه - إن أول بيت وضع للناس - الآية، وقد سمى العتيق لأن ~~الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار، وقيل لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين ~~من العذاب، وقيل لأنه أعتق من غرق الطوفان وقيل العتيق الكريم. # وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله (والمسجد الحرام) قال: الحرم ~~كله، وهو المسجد الحرام (سواء العاكف فيه والباد) قال: خلق الله فيه سواء. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في الآية قال: هم في منازل مكة سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى ~~يقضوا مناسكهم، وقال البادى وأهل مكة سواء، يعنى في المنزل والحرم. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: # من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطونه نارا. وأخرج ابن سعد عن عمر ~~بن الخطاب أن رجلا قال له عند المروة: يا أمير المؤمنين أقطعني مكانا لي ~~ولعقبي، فأعرض عنه عمر وقال: هو حرم الله سواء العاكف فيه والباد. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن عطاء قال: كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبوابا حتى ~~ينزل الحاج في عرصات الدور. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال ~~السيوطي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قول الله " (سواء العاكف فيه والباد) قال: سواء المقيم والذي يدخل ~~". # وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " مكة ~~مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها " وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن ~~علقمة بن نضلة ms2573 قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر ~~وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. رواه ابن ~~ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حفرة ~~عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة فذكره، وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا ~~" من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا " وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن ~~راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود رفعه في قوله ~~(ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) قال: لو أن رجلا هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين ~~لأذاقه الله عذابا أليما. قال ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ~~ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه، وأخرج سعيد بن منصور ~~والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال: من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى ~~البيت لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من ~~الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت ~~هذه الآية في عبد الله بن أنيس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه ~~مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد ~~الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة، فنزلت فيه ~~(ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) يعنى من لجأ PageV03P449 # إلى الحرم بإلحاد، يعنى بميل عن الإسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قول (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) قال: ~~بشرك. وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن يعلى بن أمية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ". وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في ~~تاريخه ms2574 وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: بيع الطعام بمكة إلحاد. ~~وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول " احتكار الطعام بمكة إلحاد ". وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن علي ~~قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأى ~~على رابية في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا ~~إبراهيم ابن علي ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف ~~إسماعيل وهاجر، وذلك حين يقول الله (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) الآية. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء ~~(والقائمين) قال: المصلين عنده. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ~~معناه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال: لما فرغ ~~إبراهيم من بناء البيت قال: رب قد فرغت، فقال (أذن في الناس بالحج) قال رب ~~وما يبلغ صوتي؟ قال أذن وعلي البلاغ، قال: رب كيف أقول؟ قال: # قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه من في السماء ~~والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون. وفى الباب آثار عن جماعة ~~من الصحابة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(ليشهدوا منافع لهم) قال: أسواقا كانت لهم، ما ذكر الله منافع إلا الدنيا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، فأما منافع ~~الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فمما يصيبون من لحوم البدن في ذلك ~~اليوم والذبائح والتجارات. وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب العيدين عنه أيضا ~~قال: # الأيام المعلومات: أيام العشر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا قال: الأيام المعلومات: # يوم النحر وثلاثة ms2575 أيام بعده. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: أيام التشريق. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا في الأيام المعلومات قال: قبل يوم ~~التروية بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: ~~البائس الزمن. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عمر قال: التفث المناسك كلها. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس نحوه. وأخرج ~~سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: التفث حلق الرأس والأخذ من العارضين ونتف الإبط وحلق العانة ~~والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة ورمى الجمار وقص الأظفار وقص ~~الشارب والذبح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه (وليطوفوا بالبيت العتيق) ~~هو طواف الزيارة يوم النحر، وورد في وجه تسمية البيت بالعتيق آثار عن جماعة ~~من الصحابة، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا، وورد في فضل الطواف أحاديث ليس هذا ~~موضع ذكرها. # سورة الحج الآية (30) PageV03P450 # سورة الحج الآية (31 - 35). # محل (ذلك) الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي الأمر ذلك، أو مبتدأ خبره ~~محذوف أو في محل نصب بفعل محذوف: أي افعلوا ذلك، والمشار إليه هو ما سبق من ~~أعمال الحج، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين أو بين طرفي كلام واحد، ~~والحرمات جمع حرمة. قال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، ~~وهى في هذه الآية ما نهى عنها ومنع من الوقوع فيها. والظاهر من الآية عموم ~~كل حرمة في الحج وغيره كما يفيده اللفظ وإن كان السبب خاصا، وتعظيمها ترك ~~ملابستها (فهو خير له) أي فالتعظيم خير له (عند ربه) يعنى في الآخرة من ~~التهاون بشئ منها. وقيل إن صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي، ~~بل المراد أن ذلك التعظيم خير ينتفع به، فهي عدة بخير (وأحلت لكم الأنعام) ~~وهى الإبل والبقر والغنم (إلا ما يتلى عليكم) أي في الكتاب العزيز من ~~المحرمات، وهى الميتة وما ذكر معها في سورة المائدة. وقيل في قوله ms2576 " إلا ما ~~يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم " (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الرجس: ~~القذر، والوثن: التمثال، وأصله من وثن الشئ: أي أقام في مقامه، وسمى الصليب ~~وثنا لأنه ينصب ويركز في مقامه، فلا يبرح عنه والمراد اجتناب عبادة ~~الأوثان، وسماها رجسا لأنها سبب الرجس وهو العذاب. وقيل جعلها سبحانه رجسا ~~حكما، والرجس النجس، وليست النجاسة وصفا ذاتيا لها ولكنها وصف شرعي، فلا ~~تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء. # قال الزجاج: من هنا لتخليص جنس من أجناس: أي فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن ~~(واجتنبوا قول الزور) الذي هو الباطل، وسمى زورا لأنه مائل عن الحق، ومنه ~~قوله تعالى " تزاور عن كهفهم " وقولهم مدينة زوراء: # أي مائلة، والمراد هنا قول الزور على العموم، وأعظمه الشرك بالله بأي لفظ ~~كان. وقال الزجاج: المراد بقول الزور ها هنا تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم ~~بعضها، وقولهم " هذا حلال وهذا حرام "، وقيل المراد به شهادة لزور، وانتصاب ~~(حنفاء) على الحال: أي مستقيمين على الحق، أو مائلين إلى الحق. ولفظ حنفاء ~~من الأضداد يقع على الاستقامة، ويقع على الميل، وقيل معناه حجاجا، ولا وجه ~~لهذا (غير مشركين به) هو حال كالأول: # أي غير مشركين به شيئا من الأشياء كما يفيده الحذف من العموم، وجملة (ومن ~~يشرك بالله فكأنما خر من السماء) مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر ~~بالاجتناب، ومعنى خر من السماء: سقط إلى الأرض: أي انحط من رفيع الإيمان ~~إلى حضيض الكفر (فتخطفه الطير)، يقال خطفه يخطفه إذا سلبه، ومنه قوله - ~~يخطف أبصارهم - أي تخطف لحمه وتقطعه بمخالبها. قرأ أبو جعفر ونافع بتشديد ~~الطاء وفتح الخاء، وقرئ بكسر الخاء والطاء وبكسر PageV03P451 # التاء مع كسرهما (أو تهوى به الريح) أي تقذفه وترمى به (في مكان سحيق) أي ~~بعيد، يقال سحق يسحق سحقا فهو سحيق إذا بعد. قال الزجاج: أعلم الله أن بعد ~~من أشرك به من الحق كبعد ما خر من السماء، فتذهب به الطير أو هوت به الريح ~~في مكان بعيد ms2577 (ذلك ومن يعظم شعائر الله) الكلام في هذه الإشارة قد تقدم ~~قريبا والشعائر جمع الشعيرة، وهى كل شئ فيه لله تعالى شعار، ومنه شعار ~~القوم في الحرب، وهو علامتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدن، وهو ~~الطعن في جانبها الأيمن، فشعائر الله أعلام دينه، وتدخل الهدايا في الحج ~~دخولا أوليا، والضمير في قوله (فإنها من تقوى القلوب) راجع إلى الشعائر ~~بتقدير مضاف محذوف: أي فإن تعظيمها من تقوى القلوب: أي من أفعال القلوب ~~التي هي من التقوى، فإن هذا التعظيم ناشئ من التقوى (لكم فيها منافع) أي في ~~الشعائر على العموم، أو على الخصوص، وهى البدن كما يدل عليه السياق. ومن ~~منافعها الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك (إلى أجل مسمى) وهو وقت نحرها ~~(ثم محلها إلى البيت العتيق) أي حيث يحل نحرها، والمعنى: أنها تنتهي إلى ~~البيت وما يليه من الحرم، فمنافعهم الدنيوية المستفادة منها مستمرة إلى وقت ~~نحرها، ثم تكون منافعها بعد ذلك دينية. وقيل إن محلها هاهنا مأخوذ من إحلال ~~الحرام، والمعنى: أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعي ~~تنتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت، فالبيت على هذا مراد بنفسه (ولكل أمة جعلنا ~~منسكا) المنسك هاهنا المصدر من نسك ينسك إذا ذبح القربان، والذبيحة نسيكة، ~~وجمعها نسك. وقال الأزهري: # إن المراد بالمنسك في الآية موضع النحر، ويقال منسك بكسر السين وفتحها ~~لغتان قرأ بالكسر الكوفيون إلا عاصما وقرأ الباقون بالفتح. وقرأ الفراء: ~~المنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد في خير أو شر، وقال ابن عرفة (ولكل ~~أمة جعلنا منسكا) أي مذهبا من طاعة الله. وروى عن الفراء أن المنسك العيد، ~~وقيل الحج، والأول أولى لقوله (ليذكروا اسم الله) إلى آخره، والأمة: ~~الجماعة المجتمعة على مذهب واحد، والمعنى: وجعلنا لكل أهل دين من الأديان ~~ذبحا يذبحونه ودما يريقونه، أو متعبدا أو طاعة أو عيدا أو حجا يحجونه، ~~ليذكروا اسم الله وحده ويجعلوا نسكهم خاصا به (على ما رزقناهم من بهيمة ~~الأنعام) أي على ذبح ما رزقهم ms2578 منها، وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا ~~من الأنعام دون غيرها، وفى الآية دليل على أن المقصود من الذبح المذكور هو ~~ذكر اسم الله عليه. ثم أخبرهم سبحانه بتفرده بالإلهية وأنه لا شريك له، ~~والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ثم أمرهم بالإسلام له، والانقياد ~~لطاعته وعبادته، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر، والفاء هنا كالفاء ~~التي قبلها، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يبشر (المخبتين) من ~~عباده: أي المتواضعين الخاشعين المخلصين، وهو مأخوذ من الخبيت، وهو المنخفض ~~من الأرض، والمعنى: بشرهم يا محمد بما أعد الله لهم من جزيل ثوابه وجليل ~~عطائه. # وقيل إن المخبتين هم الذين لا يظلمون غيرهم وإذا ظلمهم غيرهم لم ينتصروا، ~~ثم وصف سبحانه هؤلاء المخبتين بقوله (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) أي ~~خافت وحذرت مخالفته، وحصول الوجل منهم عند الذكر له سبحانه دليل على كمال ~~يقينهم وقوة إيمانهم، ووصفهم بالصبر (على ما أصابهم) من البلايا والمحن في ~~طاعة الله ثم وصفهم بإقامة (الصلاة) أي الإتيان بها في أوقاتها على وجه ~~الكمال. قرأ الجمهور: والمقيمي الصلاة بالجر على ما هو الظاهر، وقرأ أبو ~~عمرو بالنصب على توهم بقاء النون، وأنشد سيبويه على ذلك قول الشاعر: # * الحافظ عورة العشيرة * البيت بنصب عورة. وقيل لم يقرأ بهذه القراءة أبو ~~عمرو، وقرأ ابن محيصن " والمقيمين " بإثبات النون على الأصل، ورويت هذه ~~القراءة عن ابن مسعود، ثم وصفهم سبحانه بقوله (ومما PageV03P452 # رزقناهم ينفقون) أي يتصدقون به وينفقونه في وجوه البر: ويضعونه في مواضع ~~الخير ومثل هذه الآية قوله سبحانه - إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون - وقد أخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ~~في قوله (حرمات الله) قال: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من ~~معاصيه كلها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان) يقول: ms2579 اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان (واجتنبوا قول ~~الزور) يعني الافتراء على الله والتكذيب به. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن مردويه عن أيمن بن حريم قال: # قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا فقال " يا أيها الناس عدلت ~~شهادة الزور شركا بالله ثلاثا، ثم قرأ (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا ~~قول الزور) " قال أحمد: غريب إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد وقد اختلف ~~عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن حريم سماعا من النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وقد أخرجه أحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب ~~من حديث حريم. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا، قلنا بلى ~~يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا، فجلس فقال: ~~ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ". ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (حنفاء لله غير مشركين ~~به) قال: حجاجا لله غير مشركين به، وذلك أن الجاهلية كانوا يحجون مشركين، ~~فلما أظهر الله الإسلام، قال الله للمسلمين: حجوا الآن غير مشركين بالله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (ومن يعظم شعائر الله) قال: البدن. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ومن يعظم شعائر الله) قال: ~~الاستسمان والاستحسان والاستعظام، وفى قوله (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) ~~قال: إلى أن تسمى بدنا. وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه، وفيه قال: ولكم فيها ~~منافع إلى أجل مسمى، في ظهورها وألبانها وأوبارها وأشعارها وأصوافها إلى أن ~~تسمى هديا، فإذا سميت هديا ذهبت المنافع (ثم محلها) يقول: حين تسمى (إلى ~~البيت العتيق). وأخرج عبد ms2580 بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: إذا دخلت ~~الحرم فقد بلغت محلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولكل أمة ~~جعلنا منسكا) قال: عيدا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: إهراق الدماء. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عكرمة قال: ذبحا. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: ~~مكة لم يجعل الله لأمة قط منسكا غيرها. وقد وردت أحاديث في الأضحية ليس هذا ~~موضع ذكرها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (وبشر المخبتين) قال: المطمئنين. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن أوس قال: المخبتون في الآية الذين ~~لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا. PageV03P453 # سورة الحج الآية (36 - 37) قرأ ابن أبي إسحاق (والبدن) بضم الباء والدال، ~~وقرأ الباقون بإسكان الدال وهما لغتان، وهذا الاسم خاص بالإبل، وسميت بدنة ~~لأنه تبدن، والبدانة: السمن. وقال أبو حنيفة ومالك: إنه يطلق على غير ~~الإبل، والأول أولى لما سيأتي من الأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل، ولما ~~تفيده كتب اللغة من اختصاص هذا الاسم بالإبل. # وقال ابن كثير في تفسيره: واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على ~~قولين: أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث (جعلناها لكم) وهى ~~ما تقدم بيانه قريبا (لكم فيها خير) أي منافع دينية ودنيوية كما تقدم ~~(فاذكروا اسم الله عليها) أي على نحرها ومعنى (صواف) أنها قائمة قد صفت ~~قوائمها، لأنها تنحر قائمة معقولة، وأصل هذا الوصف في الخيل يقال: صفن ~~الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة. وقرأ الحسن والأعرج ~~ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري " صوافي " أي خوالص لله لا تشركون ~~به في التسمية على نحرها أحدا، وواحد ms2581 صواف صافة، وهى قراءة الجمهور: وواحد ~~صوافي صافية، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر ومحمد بن علي " ~~صوافن " بالنون جمع صافنة، والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل ~~لئلا تضطرب، ومنه قوله تعالى " الصافنات الجياد "، ومنه قول عمرو بن كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه * مقلدة أعنتها صفونا وقال الآخر: # ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسير (فإذا وجبت جنوبها) ~~الوجوب السقوط: أي فإذا سقطت بعد نحرها، وذلك عند خروج روحها (فكلوا منها) ~~ذهب الجمهور أن هذا الأمر للندب (وأطعموا القانع والمعتر) هذا الأمر قيل هو ~~للندب كالأول، وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن سريج. وقال الشافعي ~~وجماعة: هو للوجوب. # واختلف في القانع من هو؟ فقيل هو السائل، يقال قنع الرجل بفتح النون يقنع ~~بكسرها إذا سأل، ومنه قول الشماخ: # لمال المرء يصلحه فيغني * مفاقره أعف من القنوع أي السؤال، وقيل هو ~~المتعفف عن السؤال المستغنى ببلغة، ذكر معناه الخليل. قال ابن السكيت: من ~~العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة، وهى الرضا والتعفف وترك المسألة. ~~وبالأول قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير والحسن، وروى عن ابن عباس. ~~وبالثاني قال عكرمة وقتادة. وأما المعتر، فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد ~~وإبراهيم والكلبي والحسن أنه الذي يتعرض من غير سؤال. وقيل هو الذي يعتريك ~~ويسألك. وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع: الفقير، والمعتر: الزائر. وروى ~~عن ابن عباس: أن كلاهما الذي لا يسأل، ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا ~~يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك. وقرأ الحسن والمعترى ومعناه كمعنى ~~المعتر، ومنه قول زهير: # على مكثريهم رزق من يعتريهم * وعند المقلين السماحة والبذل PageV03P454 # يقال اعتره واعتراه وعره وعراه: إذا تعرض لما عنده أو طلبه، ذكره النحاس ~~(كذلك سخرناها لكم) أي مثل ذلك التسخير البديع سخرناها لكم، فصارت تنقاد ~~لكم إلى مواضع نحرها فتنحرونها حتى وتنتفعون بها بعد أن كانت مسخرة للحمل ~~عليها والركوب على ظهرها والحلب لها ونحو ذلك (لعلكم ms2582 تشكرون) هذه النعمة ~~التي أنعم الله بها عليكم (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) أي لن يصعد ~~إليه ولا يبلغ رضاه ولا يقع موقع القبول منه لحوم هذه الإبل التي تتصدقون ~~بها ولا دماؤها التي تنصب عند نحرها من حيث إنها لحوم ودماء (ولكن يناله) ~~أي يبلغ إليه تقوى قلوبكم، ويصل إليه إخلاصكم له وإرادتكم بذلك وجهه، فإن ~~ذلك هو الذي يقبله الله ويجازي عليه. وقيل المراد أصحاب اللحوم والدماء: أي ~~لن يرضى المضحون والمتقربون إلى ربهم باللحوم والدماء ولكن بالتقوى. قال ~~الزجاج: أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به، وحقيقة ~~معنى هذا الكلام تعود إلى القبول، وذلك أن ما يقبله الإنسان يقال قد ناله ~~ووصل إليه، فخاطب الله الخلق كعادتهم في مخاطبتهم (كذلك سخرها لكم) كرر هذا ~~للتذكير، ومعنى (لتكبروا الله على ما هداكم) هو قول الناحر: الله أكبر عند ~~النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير ~~للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل المراد بالتكبير ~~وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء، ومعنى (على ما هداكم) على ما أرشدكم ~~إليه من علمكم بكيفية التقرب بها، وما مصدرية، أو موصولة (وبشر المحسنين) ~~قيل المراد بهم المخلصون، وقيل الموحدون. والظاهر أن المراد بهم كل من يصدر ~~منه من الخير ما يصح به إطلاق اسم المحسن عليه. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عمر قال: لا نعلم البدن ~~إلا من الإبل والبقر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: البدن ذات الجوف. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ليس البدن إلا من ~~الإبل، وأخرجوا عن الحكم نحوه، وأخرجوا عن عطاء نحو ما قال ابن عمر. وأخرج ~~ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه ~~أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرباحي عن أبيه قال: أوصى ~~إلى رجل، وأوصى ببدنة، ms2583 فأتيت ابن عباس فقلت له: إن رجلا أوصى إلى وأوصى ~~ببدنة، فهل تجزئ عنى بقرة؟ قال نعم، ثم قال: ممن صاحبكم؟ فقلت من بنى رباح، ~~فقال: ومتى اقتنى بنو رباح البقر إلا الإبل؟ وهم صاحبكم، إنما البقر للأسد ~~وعبد القيس. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأضاحي وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي ظبيان قال: # سألت ابن عباس عن قوله (فاذكروا اسم الله عليه صواف) قال: إذا أردت أن ~~تنحر البدنة فأقمها على ثلاث قوائم معقولة، ثم قل بسم الله والله أكبر. ~~وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (صواف) قال: قياما ~~معقولة، وفى الصحيحين وغيرهما عنه أنه رأى رجلا قد أناخ بدنته وهو ينحرها، ~~فقال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج أبو ~~عبيدة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: في قراءة ابن مسعود ~~" صوافن " يعنى قياما. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (فإذا ~~وجبت) قال: سقطت على جنبها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال نحرت. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا قال (القانع) المتعفف (والمعتر) السائل. وأخرج ابن أبي ~~شيبة عن ابن عمر قال القانع الذي يقنع بما آتيته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال: القانع الذي يقنع بما أوتى، والمعتر الذي يعترض. وأخرج عنه ~~أيضا قال: القانع الذي يجلس في بيته. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه ~~عنه أنه سئل عن هذه الآية، فقال: أما القانع فالقانع بما أرسلت إليه في ~~بيته، والمعتر الذي يعتريك: PageV03P455 # وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يتعرض، ~~ولا يسأل. وقد روى عن التابعين في تفسير هذه الآية أقوال مختلفة، والمرجع ~~المعنى اللغوي لا سيما مع الاختلاف بين الصحابة ومن بعدهم في تفسير ذلك. ~~وأخرج ابن المنذر وابن ms2584 مردويه عن ابن عباس قال: كان المشركون إذا ذبحوا ~~استقبلوا الكعبة بالدماء فينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ~~ذلك، فأنزل الله (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها). وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن جريج نحوه. # سورة الحج الآية (38 - 41) قرأ أبو عمرو وابن كثير " يدفع " وقرأ الباقون ~~يدافع وصيغة المفاعلة هنا مجردة عن معناها الأصلي، وهو وقوع الفعل من ~~الجانبين كما تدل عليه القراءة الأخرى. وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها ~~معناها الأصلي كثيرا مثل عاقبت اللص ونحو ذلك، وقد قدمنا تحقيقه. وقيل إن ~~إيراد هذه الصيغة هنا للمبالغة وقيل للدلالة على تكرر الواقع. # والمعنى: يدافع عن المؤمنين غوائل المشركين وقيل يعلى حجتهم وقيل يوفقهم ~~والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين، وأنه ~~المتولي للمدافعة عنهم، وجملة (إن الله لا يحب كل خوان كفور) مقررة لمضمون ~~الجملة الأولى، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده المؤمنين مشعرة أتم ~~إشعار بأنهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له. قال الزجاج: من ذكر غير اسم ~~الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوان كفور، وإيراد صيغتي المبالغة ~~للدلالة على أنهم كذلك في الواقع لا لإخراج من خان دون خيانتهم، أو كفر دون ~~كفرهم (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) قرئ " أذن " مبنيا للفاعل ومبنيا ~~للمفعول وكذلك يقاتلون، قرئ مبنيا للفاعل ومبنيا للمفعول، وعلى كلا ~~القراءتين فالإذن من الله سبحانه لعباده المؤمنين بأنهم إذا صلحوا للقتال، ~~أو قاتلهم المشركون قاتلوهم. قال المفسرون: كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بألسنتهم وأيديهم، فيشكون ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول لهم: " اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى ~~هاجر " فأنزل الله سبحانه هذه الآية بالمدينة، وهى أول آية نزلت في القتال. ~~وهذه الآية مقررة أيضا لمضمون قوله (إن الله يدافع) فإن إباحة القتال لهم ~~هي من جملة دفع الله عنهم، والباء في " بأنهم ظلموا " للسببية: أي بسبب ~~أنهم ظلموا بما كان يقع عليهم من ms2585 المشركين من سب وضرب وطرد، ثم وعدهم ~~سبحانه النصر على المشركين. فقال (وإن الله على نصرهم لقدير) وفيه تأكيد ~~لما مر من المدافعة أيضا. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله (الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق) ويجوز أن يكون بدلا من الذين يقاتلون، أو في محل نصب على ~~المدح، أو محل رفع بإضمار PageV03P456 # مبتدأ، والمراد بالديار مكة (إلا أن يقولوا ربنا الله) قال سيبويه: هو ~~استثناء منقطع: أي لكن لقولهم، ربنا الله: # أي أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم لكن لقولهم ربنا الله. وقال الفراء ~~والزجاج: هو استثناء متصل، والتقدير الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق إلا بأن ~~يقولوا ربنا لله، فيكون مثل قوله سبحانه - وما تنقمون منا الا أن آمنا - ~~وقول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (ولولا دفاع الله ~~الناس) قرأ نافع " ولولا دفاع " وقرأ الباقون " ولولا دفع " والمعنى: لولا ~~ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت ~~مواضع العبادة من الأرض، ومعنى (لهدمت) لخربت باستيلاء أهل الشرك على أهل ~~الملل، فالصوامع: هي صوامع الرهبان، وقيل صوامع الصابئين، والبيع: جمع ~~بيعة، وهى كنيسة النصارى، والصلوات هي كنائس اليهود، واسمها بالعبرانية ~~صلوثا بالمثلثة فعربت، والمساجد هي مساجد المسلمين. وقيل المعنى: لولا هذا ~~الدفع لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع، وفى زمن ~~محمد المساجد. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وقيل المعنى: ~~ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقيل لولا دفع الله العذاب بدعاء ~~الأخيار، وقيل غير ذلك، والصوامع: جمع صومعة، وهى بناء مرتفع، يقال صمع ~~الثريدة: إذا رفع رأسها، ورجل أصمع القلب: أي حاد الفطنة، والأصمع من ~~الرجال: الحديد القول، وقيل الصغير الأذن. ثم استعمل في المواضع التي يؤذن ~~عليها في الإسلام. # وقد ذكر ابن عطية في صلوات تسع قراءات، ووجه تقديم مواضع عبادات أهل ~~الملل على موضع عبادة المسلمين كونها أقدم بناء وأسبق وجودا. والظاهر من ~~الهدم المذكور معناه الحقيقي كما ms2586 ذكره الزجاج وغيره، وقيل المراد به المعنى ~~المجازى، وهو تعطلها من العبادة، وقرئ " لهدمت " بالتشديد، وانتصاب كثيرا ~~في قوله (يذكر فيها اسم الله كثيرا) على أنه صفة لمصدر محذوف: أي ذكرا ~~كثيرا، أو وقتا كثيرا، والجملة صفة للمساجد، وقيل لجميع المذكورات (ولينصرن ~~الله من ينصره) اللام هي جواب لقسم محذوف: أي والله لينصر الله من ينصره، ~~والمراد بمن ينصر الله من ينصر دينه وأولياءه، والقوي القادر على الشئ، ~~والعزيز الجليل الشريف قاله الزجاج، وقيل الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ~~ولا يمانع، والموصول في قوله (الذين إن مكناهم في الأرض) في موضع نصب صفة ~~لمن في قوله من ينصره قاله الزجاج: وقال غيره هو في موضع جر صفة لقوله ~~للذين يقاتلون. وقيل المراد بهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، ~~وقيل أهل الصلوات الخمس، وقيل ولاة العدل، وقيل غير ذلك، وفيه إيجاب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر على من مكنه الله في الأرض وأقدره على القيام ~~بذلك. # وقد تقدم تفسير الآية، ومعنى (ولله عاقبة الأمور) أن مرجعها إلى حكمه ~~وتدبيره دون غيره. # وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه النسائي وابن ~~ماجة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: # لما أخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا ~~نبيهم - إنا لله وإنا إليه راجعون - ليهلكن القوم، فنزلت (أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا) الآية. قال ابن عباس: وهى أول آية نزلت في القتال. ~~قال الترمذي: حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس انتهى. ~~وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن عباس قال (الذين أخرجوا من ديارهم) أي من مكة إلى المدينة بغير حق، ~~يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه PageV03P457 # عن عثمان بن عفان قال: فينا ms2587 نزلت هذه الآية (الذين أخرجوا من ديارهم بغير ~~حق) والآية بعدها أخرجنا من ديارنا بغير حق، ثم مكناهم في الأرض أقمنا ~~الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فهي لي ولأصحابي. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب ~~قال: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب محمد (ولولا دفع الله الناس) الآية: ~~قال لولا دفع الله بأصحاب محمد من التابعين لهدمت صوامع. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (لهدمت صوامع) الآية قال: الصوامع التي ~~تكون فيها الرهبان، والبيع مساجد اليهود وصلوات كنائس النصارى، والمساجد ~~مساجد المسلمين. وأخرجا عنه قال: البيع بيع النصارى، وصلوات كنائس اليهود. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد ابن أسلم في قوله ~~(الذين إن مكناهم في الأرض) قال: أرض المدينة (أقاموا الصلاة) قال: ~~المكتوبة (وآتوا الزكاة) قال: المفروضة (وأمروا بالمعروف) قال بلا إله إلا ~~الله (ونهوا عن المنكر) قال: عن الشرك بالله (ولله عاقبة الأمور) قال: وعند ~~الله ثواب ما صنعوا. # سورة الحج الآية (42 - 51) قوله (وإن يكذبوك) الخ هذه تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتعزية له متضمنة للوعد له بإهلاك المكذبين له كما ~~أهلك سبحانه المكذبين لمن كان قبله. وفيه إرشاد له صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى الصبر على قومه والاقتداء بمن قبله من الأنبياء في ذلك، وقد تقدم ذكر ~~هذه الأمم وما كان منهم ومن أنبيائهم وكيف كانت عاقبتهم وإنما غير النظم في ~~قوله (وكذب موسى) فجاء بالفعل مبنيا للمفعول، لأن قوم موسى لم يكذبوه وإنما ~~كذبه غيرهم من القبط (فأمليت للكافرين) أي أخرت عنهم العقوبة وأمهلتهم ~~والفاء لترتيب الإمهال على التكذيب (ثم أخذتهم) أي أخذت كل فريق من ~~المكذبين بالعذاب بعد انقضاء مدة الإمهال (فكيف كان نكير) هذا الاستفهام ~~للتقرير: أي فانظر كيف كان إنكاري عليهم وتغيير ما كانوا فيه من النعم ~~وإهلاكهم، والنكير اسم PageV03P458 # من المنكر. قال الزجاج: أي ثم ms2588 أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار. قال الجوهري: ~~النكير والإنكار تغيير المنكر. ثم ذكر سبحانه كيف عذب أهل القرى المكذبة ~~فقال (وكأين من قرية أهلكناها) أي أهلكنا أهلها، وقد تقدم الكلام على هذا ~~التركيب في آل عمران، وقرئ أهلكتها، وجملة (وهى ظالمة) حالية، وجملة (فهي ~~خاوية) عطف على أهلكناها، لا على ظالمة لأنها حالية، والعذاب ليس في حال ~~الظلم، والمراد بنسبة الظلم إليها نسبته إلى أهلها: والخواء: بمعنى السقوط: ~~أي فهي ساقطة (على عروشها) أي على سقوفها، وذلك بسبب تعطل سكانها حتى تهدمت ~~فسقطت حيطانها فوق سقوفها، وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة (وبئر ~~معطلة) معطوف على قرية، والمعنى: وكم من أهل قرية، ومن أهل بئر معطلة هكذا ~~قال الزجاج. وقال الفراء: إنه معطوف على عروشها، والمراد بالمعطلة ~~المتروكة. وقيل الخالية عن أهلها لهلاكهم، وقيل الغائرة، وقيل معطلة من ~~الدلاء والأرشية، والقصر المشيد هو المرفوع البنيان كذا قال قتادة والضحاك، ~~ويدل عليه قول عدي بن زيد: # شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور شاده: أي رفعه. وقال سعيد ~~بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد: المراد بالمشيد المجصص، مأخوذ من الشيد، وهو ~~الجص، ومنه قول الراجز: # لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا * كحية الماء بين الطين والشيد وقيل المشيد ~~الحصين قاله الكلبي. قال الجوهري: المشيد المعمول بالشيد، والشيد بالكسر كل ~~شئ طليت به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح المصدر، تقول شاده يشيده جصصه، ~~والمشيد بالتشديد المطول قال الكسائي: للواحد من قوله تعالى - في بروج ~~مشيدة -. والمعنى المعني: وكم من قصر مشيد معطل مثل البئر المعطلة؟ ومعنى ~~التعطيل في القصر هو أنه معطل من أهله، أو من آلاته، أو نحو ذلك. قال ~~القرطبي في تفسيره: # ويقال إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان، فالقصر مشرف على قلة جبل لا ~~يرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئا سقط فيها إلا أخرجته، ~~وأصحاب القصر ملوك الحضر، وأصحاب البئر ملوك البدو. حكى الثعلبي وغيره: أن ~~البئر كان بعدن من اليمن في بلد يقال ms2589 لها حضوراء، نزل بها أربعة آلاف ممن ~~آمن بصالح ونجوا من العذاب ومعهم صالح فمات صالح، فسمى المكان حضرموت، لأن ~~صالحا لما حضره مات فبنوا حضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا، ~~ثم ذكر قصة طويلة، وقال بعد ذلك: وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عاد ~~بن إرم، لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا، وحاله أيضا كحال هذه ~~البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنس، وإقفاره بعد العمران، وإن أحدا لا ~~يستطيع أن يدنو منه على أميال، لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة ~~بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك، وانتظام الأهل كالسلك فبادوا وما ~~عادوا، فذكرهم الله سبحانه في هذه الآية موعظة وعبرة. قال: وقيل إنهم الذين ~~أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة الأنبياء في قوله وكم قصمنا من قرية - ~~فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم انتهى. ثم أنكر سبحانه على أهل مكة عدم اعتبارهم ~~بهذه الآثار قائلا (أفلم يسيروا في الأرض) حثا لهم على السفر ليروا مصارع ~~تلك الأمم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا، فلهذا أنكر ~~عليهم، كما في قوله - وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون، ~~ومعنى (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم ~~قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه وسلم وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل ~~العقل، كما أن الآذان محل السمع، وقيل إن العقل محله الدماغ ولا مانع من ~~ذلك، فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجا عنه. ~~PageV03P459 # وقد اختلف علماء المعقول في محل العقل وماهيته اختلافا كثيرا لا حاجة إلى ~~التطويل بذكره (أو آذان يسمعون بها) أي ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم ~~أنبياؤهم من كلام الله، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة ~~(فإنها لا تعمى الأبصار) قال الفراء: الهاء عماد يجوز أن يقال: فإنه، وهى ~~قراءة عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث على ~~الأبصار أو القصة: أي ms2590 فإن الأبصار لا تعمى، أو فإن القصة لا تعمى الأبصار: ~~أي أبصار العيون (ولكن تعمى القلوب في الصدور) أي ليس الخلل في مشاعرهم، ~~وإنما هو في عقولهم أي لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار. قال ~~الفراء والزجاج: إن قوله التي في الصدور من التوكيد الذي تزيده العرب في ~~الكلام كقوله: عشرة كاملة، ويقولون بأفواههم، ويطير بجناحيه. ثم حكى سبحانه ~~عن هؤلاء ما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء فقال (ويستعجلونك بالعذاب) ~~لأنهم كانوا منكرين لمجيئه أشد إنكار، فاستعجالهم إن له هو على طريقة ~~الاستهزاء والسخرية، وكأنهم كانوا يقولون ذلك عند سماعهم لما تقوله ~~الأنبياء عن الله سبحانه من الوعد منه عز وجل بوقوعه عليهم وحلوله بهم، ~~ولهذا قال (ولن يخلف الله وعده) قال الفراء: في هذه الآية وعيد لهم بالعذاب ~~في الدنيا والآخرة. وذكر الزجاج وجها آخر فقال: أعلم أن الله لا يفوته شئ، ~~وإن يوما عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعجلون به من ~~العذاب وتأخره في القدرة، إلا أن الله تفضل بالإمهال انتهى، ومحل جملة: ولن ~~يخلف الله وعده النصب على الحال: أي والحال أنه لا يخلف وعده أبدا، وقد سبق ~~الوعد فلا بد من مجيئه حتما، أو هي اعتراضية مبينة لما قبلها، وعلى الأول ~~تكون جملة (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) مستأنفة، وعلى الثاني ~~تكون معطوفة على الجملة التي قبلها مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال، ~~وخطابهم في ذلك ببيان كمال حلمه لكون المدة القصيرة عنده كالمدة الطويلة ~~عندهم كما في قوله - إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا - قال الفراء: هذا وعيد ~~لهم بامتداد عذابهم في الآخرة: أي يوم من أيام عذابهم في الآخرة كألف سنة. ~~وقيل المعنى: وإن يوما من الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سنى الدنيا ~~فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياسا. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " مما ~~يعدون " بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله (ويستعجلونك) وقرأ ~~الباقون بالفوقية على الخطاب، واختارها أبو حاتم (وكأين ms2591 من قرية أمليت لها ~~وهى ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير) هذا إعلام منه سبحانه أنه أخذ قوما بعد ~~الإملاء والتأخير. قيل وتكرير هذا مع ذكره قبله للتأكيد، وليس بتكرار في ~~الحقيقة، لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسبا لقوله: # فكيف كان نكير، ولهذا عطف بالفاء بدلا عن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء ~~مناسبا لقوله (ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة) فكأنه قيل: ~~وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أمهلتهم حينا، ثم أخذتهم بالعذاب ~~ومرجع الكل إلى حكمي. فجملة: وإلي المصير تذييل لتقرير ما قبلها. ثم أمره ~~الله سبحانه أن يخبر الناس بأنه نذير لهم بين يدي الساعة مبين لهم ما نزل ~~إليهم، فمن آمن وعمل صالحا فاز بالمغفرة والرزق الكريم وهو الجنة، ومن كان ~~على خلاف ذلك فهو في النار وهم الذين سعوا في آيات الله معاجزين، يقال ~~عاجزه سابقه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر، فإذا سبقه قيل أعجزه ~~وعجزه، قاله الأخفش. وقيل معنى معاجزين: # ظانين ومقدرين أن يعجزوا الله سبحانه ويفوتوه فلا يعذبهم، قاله الزجاج. ~~وقيل معاندين، قاله الفراء. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (فهي ~~خاوية على عروشها) قال: # خربة ليس فيها أحد (وبئر معطلة) عطلها أهلها وتركوها (وقصر مشيد) قال: ~~شيدوه وحصنوه فهلكوا وتركوه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس (وبئر معطلة) قال: التي تركت لا ~~أهل لها. وأخرج عبد بن حميد PageV03P460 # وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (وقصر مشيد) قال: هو المجصص. وأخرج عبد بن ~~حميد عن مجاهد نحوه. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء نحوه أيضا. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإن يوما عند ~~ربك كألف سنة مما تعدون) قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات ~~والأرض. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة، قال في الآية: هو يوم القيامة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه ms2592 قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، فقد مضى ~~منها ستة آلاف. وأخرج ابن عدي والديلمي عن أنس مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (معاجزين) قال: مراغمين. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: ~~مشاقين. # سورة الحج الآية (52 - 57). # قوله (من رسول ولا نبي) قيل الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل ~~إليه عيانا ومحاورته شفاها، والنبي الذي يكون إلهاما أو مناما. وقيل الرسول ~~من بعث بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله، ولم ~~ينزل عليه كتاب، ولا بد لهما جميعا من المعجزة الظاهرة (إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته) معنى تمنى: تشهى وهيأ في نفسه ما يهواه. قال الواحدي: ~~وقال المفسرون: معنى تمنى تلا. قال جماعة المفسرين في سبب نزول هذه الآية: ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن ~~لا ينزل عليه شئ ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالسا في ناد ~~من أنديتهم وقد نزل عليه سورة " والنجم إذا هوى " فأخذ يقرؤها عليهم حتى ~~بلغ قوله " أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى " وكان ذلك التمني ~~في نفسه. فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه " تلك الغرانيق العلى، وإن ~~شفاعتها لترتجي " فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في ~~النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين بذلك وقالوا: قد ذكر ~~محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه جبريل فقال: ما صنعت؟ تلوت على الناس ما لم ~~آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاف خوفا شديدا، ~~فأنزل الله هذه الآية، هكذا قالوا. PageV03P461 # ولم يصح شئ من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه فقد ~~دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، قال الله - ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين ثم لقطعن منه ms2593 الوتين - وقوله - وما ينطق عن الهوى - ~~وقوله - ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم - فنفى المقاربة للركون فضلا ~~عن الركون. قال البزار: # هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد متصل. ~~وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه ~~القصة مطعون فيهم. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع ~~الزنادقة. وقال القاضي عياض في الشفاء: إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ ~~أنه معصوم فيه من الإخبار عن شئ بخلاف ما هو عليه، لا قصدا ولا عمدا ولا ~~سهوا ولا غلطا. قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، ~~وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش ~~قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. وإذا ~~تقرر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى (تمنى) قرأ وتلا كما قدمنا من حكاية ~~الواحدي لذلك عن المفسرين. وكذا قال البغوي: إن أكثر المفسرين قالوا معنى ~~(تمنى) تلا وقرأ كتاب الله، ومعنى (ألقى الشيطان في أمنيته) أي في تلاوته ~~وقراءته. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، ويؤيد هذا ما تقدم ~~في تفسير قوله - لا يعلمون الكتاب إلا أماني - وهو معنى (تمنى) حدث، ومعنى ~~(ألقى الشيطان في أمنيته) في حديثه، روى هذا عن ابن عباس، وقيل معنى (تمنى) ~~قال. فحاصل معنى الآية: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك من دون أن ~~يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا جرى على لسانه، فتكون هذه ~~الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي لا يهولنك ذلك ولا ~~يحزنك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء، وعلى تقدير أن ~~معنى تمنى حدث نفسه كما حكاه الفراء والكسائي فإنهما قالا: تمنى إذا حدث ~~نفسه، فالمعنى: أنه إذا حدث نفسه بشئ تكلم به الشيطان وألقاه في مسامع ~~الناس من دون أن ms2594 يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا جرى على ~~لسانه. قال ابن عطية: # لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة. وقد ~~قيل في تأويل الآية: إن المراد بالغرانيق الملائكة، ويرد بقوله (فينسخ الله ~~ما يلقى الشيطان) أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة. وقيل إن ذلك جرى ~~على لسانه صلى الله عليه وآله وسلم سهوا ونسيانا وهما مجوزان على الأنبياء، ~~ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز كما هو مقرر في ~~مواطنه، ثم لما سلاه الله سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لما قبله من ~~الرسل والأنبياء بين سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستمر تعرير ~~الشيطان به فقال (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) أي يبطله ويجعله ذاهبا غير ~~ثابت (ثم يحكم الله آياته) أي يثبتها (والله عليم حكيم) أي كثير العلم ~~والحكمة في كل أقواله وأفعاله، وجملة (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة) ~~للتعليل: أي ذلك الإلقاء الذي يلقيه الشيطان فتنة: أي ضلالة (للذين في ~~قلوبهم مرض) أي شك ونفاق (والقاسية قلوبهم) هم المشركون، فإن قلوبهم لا ~~تلين للحق أبدا ولا ترجع إلى الصواب بحال، ثم سجل سبحانه على هاتين ~~الطائفتين: وهما من في قلبه مرض، ومن في قلبه قسوة بأنهم ظالمون فقال (وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد) أي عداوة شديدة، ووصف الشقاق بالبعد مبالغة، ~~والموصوف به في الحقيقة من قام به. ولما بين سبحانه أن ذلك الإلقاء كان ~~فتنة في حق أهل النفاق والشك والشرك، بين أنه في حق المؤمنين العالمين ~~بالله العارفين به سبب لحصول العلم لهم بأن القرآن حق وصدق فقال (وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك) أي الحق النازل من عنده، وقيل إن ~~الضمير في أنه راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء، لأنه مما جرت به عادته ~~مع أنبيائه، ولكنه يرد هذا قوله (فيؤمنوا به) فإن المراد الإيمان بالقرآن: ~~أي يثبتوا على PageV03P462 # لإيمان به (فتخبت له قلوبهم) أي تخشع وتسكن وتنقاد، فإن الإيمان به ms2595 ~~وإخبات القلوب له لا يمكن أن يكونا تمكين من الشيطان بل للقرآن (وإن الله ~~لهاد الذين آمنوا) في أمور دينهم (إلى صراط مستقيم) أي طريق صحيح لا عوج ~~به. وقرأ أبو حيوة " وإن الله لهاد الذين آمنوا " بالتنوين " ولا يزال ~~الذين كفروا في مرية منه " أي في شك من القرآن، وقيل في الدين الذي يدل ~~عليه ذكر الصراط المستقيم، وقيل في إلقاء الشيطان، فيقولون: ما باله ذكر ~~الأصنام بخير ثم رجع عن ذلك؟ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " في مرية " بضم ~~الميم (حتى تأتيهم الساعة) أي القيامة (بغتة) أي فجأة (أو يأتيهم عذاب يوم ~~عقيم) وهو يوم القيامة لأنه لا يوم بعده، فكان بهذا الاعتبار عقيما، ~~والعقيم في اللغة من لا يكون له ولد، ولما كانت الأيام تتوالى جعل ذلك ~~كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقم، وقيل يوم حرب ~~يقتلون فيه كيوم بدر، وقيل إن اليوم وصف بالعقم، لأنه لا رأفة فيه ولا ~~وحمة، فكأنه عقيم من الخير، ومنه قوله تعالى - فأرسلنا عليهم الريح العقيم ~~- أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر (الملك يومئذ لله) أي السلطان القاهر ~~والاستيلاء التام: يوم القيامة لله سبحانه وحده لا منازع له فيه ولا مدافع ~~له عنه، وجملة (يحكم بينهم) مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر، ثم فسر هذا الحكم ~~بقوله سبحانه (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم) أي كائنون ~~فيها مستقرون في أرضها منغمسون في نعيمها (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي ~~جمعوا بين الكفر بالله والتكذيب بآياته (فأولئك لهم عذاب مهين) أي عذاب ~~متصف بأنه مهين للمعذبين بالغ منهم المبلغ العظيم. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن عمرو بن دينار قال: ~~كان ابن عباس يقرا (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث) وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مثله، وزاد فنسخت ~~محدث، قال: والمحدثون: صاحب يس، ولقمان، ومؤمن آل فرعون، وصاحب موسى. وأخرج ms2596 ~~البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة. قال السيوطي بسند رجاله ~~ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قرأ " أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق ~~العلى، وإن شفاعتهن لترتجي. ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا، ~~فجاءه جبريل فقال: اقرأ علي ما جئت به، فقرأ: أفرأيتم اللات والعزى ومنات ~~الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجي، فقال: ما أتيتك ~~بهذا، هذا من الشيطان، فأنزل الله (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى) الآية ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، قال السيوطي ~~بسند صحيح عن سعيد بن جبير، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بمكة النجم، فذكر نحوه، ولم يذكر ابن عباس. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي ~~العالية والسدي عن سعيد مرسلا. ورواه عبد بن حميد عن السدى عن أبي صالح ~~مرسلا. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن شهاب مرسلا. وأخرج ابن جرير عن أبي بكر ~~بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه مرسلا أيضا. والحاصل أن جميع ~~الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشئ منها. وقد ~~أسلفنا عن الحفاظ في أول هذا البحث ما فيه كفاية، وفى الباب روايات من أحب ~~الوقوف على جميعها فلينظرها في الدر المنثور للسيوطي، ولا يأتي التطويل ~~بذكرها هنا بفائدة، فقد عرفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (حتى إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته) يقول إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~الضحاك، قال: يعنى بالتمني التلاوة والقراءة، ألقى الشيطان في أمنيته: في ~~تلاوته (فينسخ الله) ينسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي. ~~وأخرج PageV03P463 # عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد (إذا تمنى) قال: تكلم (في أمنيته) ~~قال: كلامه. وأخرج ابن مردويه والضياء في ms2597 المختارة عن ابن عباس في قوله ~~(عذاب يوم عقيم) قال يوم بدر. وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب نحوه وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: عذاب يوم عقيم، ~~قال يوم بدر. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وعكرمة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في الآية قال: يوم القيامة لا ليلة له. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم عن الضحاك مثله. # سورة الحج الآية (58 - 66). # أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر تخصيصا لهم بمزيد الشرف، فقال (والذين ~~هاجروا في سبيل الله) قال بعض المفسرين: هم الذين هاجروا من مكة إلى ~~المدينة. وقال بعضهم: الذين هاجروا من الأوطان في سرية أو عسكر، ولا يبعد ~~حمل ذلك على الأمرين، والكل من سبيل الله (ثم قتلوا أو ماتوا) أي في حال ~~المهاجرة، واللام في (ليرزقنهم الله رزقا حسنا) جواب قسم محذوف، والجملة ~~خبر الموصول بتقدير القول، وانتصاب رزقا على أنه مفعول ثان: أي مرزوقا ~~حسنا، أو على أنه مصدر مؤكدة، والرزق الحسن هو نعيم الجنة الذي لا ينقطع، ~~وقيل هو الغنيمة لأنه حلال، وقيل هو العلم والفهم كقول شعيب - ورزقني منه ~~رزقا حسنا - قرأ ابن عامر وأهل الشام " ثم قتلوا " بالتشديد على التكثير، ~~وقرأ الباقون بالتخفيف (وإن الله لهو خير الرازقين) فإنه سبحانه يرزق بغير ~~حساب، وكل رزق يجري على يد العباد لبعضهم البعض، فهو منه سبحانه، لا رازق ~~سواه ولا معطي غيره، والجملة تذييل مقررة لما قبلها، وجملة (ليدخلنهم مدخلا ~~يرضونه) مستأنفة، أو بدل من جملة ليرزقنهم الله. قرأ أهل المدينة " مدخلا " ~~بفتح الميم، وقرأ الباقون بضمها، وهو اسم مكان أريد به الجنة، وانتصابه على ~~أنه مفعول PageV03P464 # ثان أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور، وقد مضى الكلام على مثل هذا في ~~سورة سبحان، وفى هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره، فإن ~~المدخل الذي يرضونه ms2598 هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم، على أنهم يرون ~~في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وذلك هو الذي ~~يرضونه وفوق الرضا (وإن الله لعليم) بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ~~(حليم) عن تفريط المفرطين منهم لا يعاجلهم بالعقوبة، والإشارة بقوله (ذلك) ~~إلى ما تقدم. قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد ~~للمهاجرين خاصة إذا قتلوا أو ماتوا، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف، ومعنى ~~(ومن عاقب بمثل ما عوقب به) من جازى الظالم بمثل ما ظلمه، وسمى الابتداء ~~باسم الجزاء مشاكلة كقوله تعالى - وجزاء سيئة سيئة مثلها - وقوله تعالى - ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والعقوبة في الأصل إنما ~~تكون بعد فعل تكون جزاء عنه، والمراد بالمثلية أنه اقتصر على المقدار الذي ~~ظلم به ولم يزد عليه، ومعنى (ثم بغى عليه) أن الظالم له في الابتداء عاوده ~~بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى، قيل المراد بهذا البغي: هو ما وقع من ~~المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم بعد أن كذبوا نبيهم وآذوا من آمن ~~به، واللام في (لينصرنه الله) جواب قسم محذوف: أي لينصرن الله المبغى عليه ~~على الباغي (إن الله لعفو غفور) أي كثير العفو والغفران للمؤمنين فيما وقع ~~منهم من الذنوب. وقيل العفو والغفران لما وقع من المؤمنين من ترجيح ~~الانتقام على العفو، وقيل إن معنى (ثم بغى عليه) أي ثم كان المجازى مبغيا ~~عليه: أي مظلوما، ومعنى ثم تفاوت الرتبة، لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم ~~كما قيل في أمثال العرب: البادي أظلم. وقيل إن هذه الآية مدنية، وهى في ~~القصاص والجراحات، والإشارة بقوله (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار) إلى ~~ما تقدم من نصر الله سبحانه للمبغي عليه، وهو مبتدأ وخبره جملة بأن الله ~~يولج، والباء للسببية: أي ذلك بسبب أنه سبحانه قادر، ومن كمال قدرته إيلاج ~~الليل في النهار والنهار في الليل، وعبر عن الزيادة بالإيلاج، لأن زيادة ~~أحدهما تستلزم نقصان الآخر، والمراد ms2599 تحصيل أحد العرضين في محل الآخر. وقد ~~مضى في آل عمران معنى هذا الإيلاج (وأن الله سميع) يسمع كل مسموع (بصير) ~~يبصر كل مبصر، أو سميع للأقوال مبصر للأفعال، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، ~~والإشارة بقوله (ذلك بأن الله هو الحق) إلى ما تقدم من اتصافه سبحانه بكمال ~~القدرة الباهرة والعلم التام: أي هو سبحانه ذو الحق، فدينه حق، وعبادته حق ~~ونصره لأوليائه على أعدائه حق، ووعده حق، فهو عز وجل في نفسه وأفعاله ~~وصفاته حق (وأن ما تدعون من دونه هو الباطل) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ~~وشعبة تدعون بالفوقية على الخطاب للمشركين، واختار هذه القراءة أبو حاتم. ~~وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيدة. والمعنى: ~~إن الذين تدعونه إلها، وهى الأصنام هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه ~~إلها (وأن الله هو العلى) أي العالي على كل شئ بقدرته المتقدس على الأشباه ~~والأنداد المتنزه عما يقول الظالمون من الصفات (الكبير) أي ذو الكبرياء، ~~وهو عبارة عن كمال ذاته وتفرده بالإلهية، ثم ذكر سبحانه دليلا بينا على ~~كمال قدرته، فقال (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) ~~الاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على أنزل، وارتفع الفعل بعد الفاء لكون ~~استفهام التقرير بمنزلة الخبر كما قاله الخليل وسيبويه. قال الخليل: المعنى ~~أنزل من السماء ماء فكان كذا وكذا، كما قال الشاعر: # ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق معناه: قد ~~سألته فنطق. قال الفراء: ألم تر خبر كما تقول في الكلام: إن الله ينزل من ~~السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة: أي ذات خضرة كما تقول مبقلة ومسبعة: أي ذوات ~~بقل وسباع، وهو عبارة عن استعجالها PageV03P465 # أثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة، وصيغة الاستقبال لاستحضار ~~صورة الاخضرار مع الإشعار بتجدد الإنزال واستمراره، وهذا المعنى لا يحصل ~~إلا بالمستقبل، والرفع هنا متعين لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من ~~الآية فينقلب إلى نفى الاخضرار، والمقصود إثباته. قال ابن عطية: هذا ms2600 لا ~~يكون: يعنى الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة. والظاهر أن ~~المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها لا باعتبار النبات فيها كما في ~~قوله " فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت " والمراد بقوله (إن الله لطيف) ~~أنه يصل علمه إلى كل دقيق وجليل، وقيل لطيف بأرزاق عباده، وقيل لطيف ~~باستخراج النبات، ومعنى (خبير) أنه ذو خبرة بتدبير عباده وما يصلح لهم، ~~وقيل خبير بما ينطوون عليه من القنوط عند تأخير المطر، وقيل خبير بحاجتهم ~~وفاقتهم (له ما في السماوات وما في الأرض) خلقا وملكا وتصرفا وكلهم محتاجون ~~إلى رزقه (وإن الله لهو الغنى) فلا يحتاج إلى شئ (الحميد) المستوجب للحمد ~~في كل حال (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) هذه نعمة أخرى ذكرها الله ~~سبحانه، فأخبر عباده بأنه سخر لهم ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر ~~والأنهار وجعله لمنافعهم (والفلك) عطف على ما، أو على اسم أن: أي وسخر لكم ~~الفلك في حال جريها في البحر، وقرأ عبد الرحمن الأعرج " والفلك " بالرفع ~~على الابتداء وما بعده خبره، وقرأ الباقون بالنصب. ومعنى (تجرى في البحر ~~بأمره) أي بتقديره، والجملة في محل نصب على الحال على قراءة الجمهور (ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض) أي كراهة أن تقع، وذلك بأنه خلقها على صفة ~~مستلزمة للإمساك، والجملة معطوفة على تجرى (إلا بأذنه) أي بإرادته ومشيئته، ~~وذلك يوم القيامة (إن الله بالناس لرءوف رحيم) أي كثير الرأفة والرحمة حيث ~~سخر هذه الأمور لعباده وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على ~~الأرض فتهلكهم تفضلا منه على عباده وإنعاما عليهم. ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى ~~فقال (وهو الذي أحياكم) بعد أن كنتم جمادا (ثم يميتكم) عند انقضاء أعماركم ~~(ثم يحييكم) عند البعث للحساب والعقاب (وإن الإنسان لكفور) أي كثير الجحود ~~لنعم الله عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة، ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد ~~عن هذا الجحد، لأن المراد وصف جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده ~~مبالغة. ms2601 # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمان الفارسي سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول " من مات مرابطا أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، ~~وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين، واقرأوا إن شئتم - والذين هاجروا في ~~سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا -) إلى قوله (حليم) " وإسناد ابن أبي حاتم ~~هكذا: حدثنا المسيب ابن واضح، حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن شريح عن ~~عبد الكريم بن الحرث عن أبي عقبة، يعني أبا عبيدة ابن عقبة قال: قال شرحبيل ~~بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان: يعني ~~الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد الأنصاري الصحابي أنه كان ~~برودس، فمروا بجنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى، فمال الناس عن القتيل، ~~فقال فضالة: مالي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل ~~في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اسمعوا كتاب الله ~~(والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا) الآية. وإسناده عند ابن ~~أبي حاتم هكذا: حدثنا أبو زرعة عن زيد بن بشر أخبرني ضمام أنه سمع أبا قبيل ~~وربيعة ابن سيف المغافري يقولان: كنا برودس ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. قلت: ويؤيد هذا قول الله ~~سبحانه: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله ". وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله " ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به " قال: إن النبي صلى PageV03P466 # الله عليه وآله وسلم بعث سرية في ليلتين بقيتا من المحرم فلقوا المشركين، ~~فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد فإنهم يحرمون القتال في الشهر ~~الحرام، وإن أصحاب محمد ناشدوهم وذكروهم بالله أن يعرضوا لقتالهم فإنهم لا ~~يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من بادأهم، وإن المشركين بدءوا ~~فقاتلوهم، فاستحل ms2602 الصحابة قتالهم عند ذلك فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. وهو ~~مرسل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (ومن عاقب) الآية قال: تعاون ~~المشركون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فأخرجوه، فوعده الله ~~أن ينصره، وهو في القصاص أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد (وأن ما تدعون ~~من دونه هو الباطل) قال: الشيطان. # وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (إن الإنسان لكفور) قال: يعد. ~~المصيبات وينسى النعم. # سورة الحج الآية (67 - 72). # عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من أهل الأديان عن منازعته فقال (لكل أمة جعلنا منسكا) أي ~~لكل قرن القرون الماضية وضعنا شريعة خاصة، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها ~~المعينة لها إلى شريعة أخرى، وجملة (هم ناسكوه) صفة لمنسكا، والضمير لكل ~~أمة: # أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الأمة التي ~~كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة التي من مبعث عيسى ~~إلى مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والقرآن منسك المسلمين، والمنسك ~~مصدر لا اسم مكان كما يدل عليه هم ناسكوه، ولم يقل ناسكون فيه. وقيل المنسك ~~موضع أداء الطاعة، وقيل هو الذبائح، ولا وجه للتخصيص، ولا اعتبار بخصوص ~~السبب، والفاء في قوله (فلا ينازعنك في الأمر) لترتيب النهي على ما قبله، ~~والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم: أي قد عينا لكل أمة شريعة، ومن ~~جملة الأمم هذه الأمة المحمدية، وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين، والنهي ~~إما على حقيقته، أو كناية عن نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الالتفات إلى ~~نزاعهم له. قال الزجاج: إنه نهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن منازعتهم: ~~أي لا تنازعهم أنت كما تقول لا يخاصمك فلان: أي لا تخاصمه، وكما تقول لا ~~يضاربنك فلان: أي لا تضاربه، وذلك أن المفاعلة تقتضي ms2603 العكس ضمنا، ولا يجوز ~~لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه. وحكى عن الزجاج أنه قال في معنى الآية: ~~فلا ينازعنك: أي فلا يجادلنك. قال: ودل على هذا (وإن جادلوك) وقرأ أبو مجلز ~~" فلا ينزعنك في الأمر " أي PageV03P467 # لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك. وقرأ الباقون " ينازعنك " من المنازعة ~~(وادع إلى ربك) أي وادع هؤلاء المنازعين أو ادع الناس على العموم إلى دين ~~الله وتوحيده والإيمان به (إنك لعلى هدى مستقيم) أي طريق مستقيم لا اعوجاج ~~فيه (وإن جادلوك) أي وإن أبوا إلا الجدال بعد البيان لهم وظهور الحجة عليهم ~~(فقل الله أعلم بما تعملون) أي فكل أمرهم إلى الله وقل لهم هذا القول ~~المشتمل على الوعيد (الله يحكم بينكم) أي بين المسلمين والكافرين (يوم ~~القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) من أمر الدين فيتبين حينئذ الحق من الباطل، ~~وفى هذه الآية تعليم لهذه الأمة بما ينبغي لهم أن يجيبوا به من أراد الجدال ~~بالباطل، وقيل إنها منسوخة بآية السيف، وجملة (ألم تعلم) مستأنفة مقررة ~~لمضمون ما قبلها، والاستفهام للتقرير: أي قد علمت يا محمد وتيقنت (أن الله ~~يعلم ما في السماوات والأرض) ومن جملة ذلك ما أنتم فيه مختلفون (إن ذلك) ~~الذي في السماء والأرض من معلوماته (في كتاب) أي مكتوب عنده في أم الكتاب ~~(إن ذلك على الله يسير) أي إن الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه ~~يسير عليه غير عسير، أو إن إحاطة علمه بما في السماء والأرض يسير عليه ~~(ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا) هذا حكاية لبعض فضائحهم: أي ~~إنهم يعبدون أصناما لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من الله سبحانه (وما ~~ليس لهم به علم) من دليل عقل يدل على جواز ذلك بوجه من الوجوه (وما ~~للظالمين من نصير) ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله، وقد تقدم الكلام على هذه ~~الآية في آل عمران، وجملة (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) معطوفة على ~~يعبدون، وانتصاب بينات على الحال: أي حال كونها واضحات ms2604 ظاهرات الدلالة ~~(تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) أي الأمر الذي ينكر، وهو غضبهم وعبوسهم ~~عند سماعها، أو المراد بالمنكر الإنكار: أي تعرف في وجوههم إنكارها: # وقيل هو التجبر والترفع، وجملة (يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما ذلك المنكر الذي يعرف في وجوههم؟ فقيل ~~يكادون يسطون: أي يبطشون، والسطوة شدة البطش، يقال سطا به يسطو إذا بطش به ~~بضرب، أو شتم، أو أخذ باليد، وأصل السطو القهر. # وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم ~~من آيات الكتاب العزيز، أو من السنة الصحيحة مخالفا لما اعتقده من الباطل ~~والضلالة رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل ~~به ما لا يفعله بالمشركين، وقد رأينا وسمعنا من أهل البدع ما لا يحيط به ~~الوصف، والله ناصر الحق ومظهر الدين وداحض الباطل ودامغ البدع وحافظ ~~المتكلمين بما أخذه عليهم المبينين للناس ما نزل إليهم، وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل، ثم أمر رسوله أن يرد عليهم، فقال (قل أفأنبئكم) أي أخبركم (بشر من ~~ذلكم) الذي فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله ومقاربتكم للوثوب ~~عليهم، وهو النار التي أعدها الله لكم، فالنار مرتفعة على أنها خبر لمبتدأ ~~محذوف، والجملة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما هذا الأمر الذي هو شر مما ~~نكابده ونناهده عند سماعنا ما تتلوه علينا، فقال هو (النار وعدها الله ~~الذين كفروا) وقيل إن النار مبتدأ وخبره جملة وعدها الله الذين كفروا، وقيل ~~المعنى: أفأخبركم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم من الأذى والتوعد لهم ~~والتوثب عليهم، وقرئ النار بالنصب على تقدير أعني، وقرئ بالجر بدلا من شر ~~(وبئس المصير) أي الموضع الذي تصيرون إليه، وهو النار. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (هم ناسكوه) قال: يعني هم ~~ذابحوه (فلا ينازعنك في الأمر) يعني في أمر الذبح. وأخرج عبد بن حميد عن ~~عكرمة نحوه. وأخرج ابن أبي ms2605 شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد نحوه أيضا. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال (فلا ينازعنك في الأمر) ~~قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلوه، وأما ما ذبحتم بأيديكم ~~فهو حلال. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس PageV03P468 # قال: خلق الله اللوح المحفوظ لمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق ~~الخلق وهو على العرش: اكتب، قال: # ما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن ~~في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) يعني ما في السماوات السبع ~~والأرضين السبع (إن ذلك) العلم (في كتاب) يعني في اللوح المحفوظ مكتوب قبل ~~أن يخلق السماوات والأرضين (إن ذلك على الله يسير) يعني هين. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (يكادون يسطون) يبطشون. # سورة الحج الآية (73 - 78). # قوله (يا أيها الناس ضرب مثل) هذا متصل بقوله: (ويعبدون من دون الله ما ~~لم ينزل به سلطانا، قال الأخفش: ليس ثم مثل، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا ~~(فاستمعوا) قولهم، يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره، فكأنه ~~قال: جعلوا لي شبها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه. وقال القتيبي: إن ~~المعنى يا أيها الناس مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا. وإن سلبها ~~شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه. قال النحاس: المعنى ضرب الله عز وجل لما ~~يعبدونه من دونه مثلا. قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه: أي بين الله لكم شبها ~~ولمعبودكم. وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضا والقبول مسيرة في ~~الناس مستغربة عندهم، وجعلوا مضربها مثلا لموردها، ثم قد يستعيرونها للقصة ~~أو الحالة أو الصفة المستغربة لكونها مماثلة لها في الغرابة كهذه القصة ~~المذكورة، في هذه الآية. # والمراد بما يدعونه من دون الله: الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها. ~~وقيل ms2606 المراد بهم السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله لكونهم أهل الحل والعقد ~~فيهم. وقيل الشياطين الذين حملوهم على معصية الله، والأول أوفق بالمقام ~~وأظهر في التمثيل، والذباب اسم للواحد يطلق على الذكر والأنثى، وجمع القلة ~~أذبة، والكثرة ذبان مثل غراب وأغربة وغربان. وقال الجوهري: الذباب معروف ~~الواحد ذبابة. والمعنى: لن يقدروا على خلقه مع كونه صغير الجسم حقير الذات. ~~وجملة (ولو اجتمعوا له) معطوفة على جملة أخرى شرطية محذوفة: أي لو لم ~~يجتمعوا PageV03P469 # له لن يخلقوه ولو اجتمعوا له، والجواب محذوف والتقدير لن يخلقوه وهما في ~~محل نصب على الحال: أي لن يخلقوه على كل حال. ثم بين سبحانه كمال عجزهم ~~وضعف قدرتهم فقال (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) أي إذا أخذ ~~منهم الذباب شيئا من الأشياء لا يقدرون على تخليصه منه لكمال عجزهم وفرط ~~ضعفهم، والاستنقاذ والإنقاذ التخلص، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، ~~وعن استنقاذ ما أخذه عليهم فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرما وأشد منه قوة ~~أعجز وأضعف، ثم عجب سبحانه من ضعف الأصنام والذباب، فقال (ضعف الطالب ~~والمطلوب) فالصنم كطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنقاذ ما ~~سلبه منه، والمطلوب الذباب. وقيل الطالب عابد الصنم، والمطلوب الصنم. وقيل ~~الطالب الذباب والمطلوب الآلهة. ثم بين سبحانه أن المشركين الذين عبدوا من ~~دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز ما عرفوا الله حق معرفته فقال ~~(ما قدروا الله حق قدره) أي ما عظموه حق تعظيمه ولا عرفوه حق معرفته، حيث ~~جعلوا هذه الأصنام شركاء له مع كون حالها هذا الحال، وقد تقدم في الأنعام ~~(إن الله لقوى) على خلق كل شئ (عزيز) غالب لا يغالبه أحد، بخلاف آلهة ~~المشركين، فإنها جماد لا تعقل ولا تنفع ولا تضر ولا تقدر على شئ. ثم أراد ~~سبحانه أن يرد عليهم ما يعتقدونه في النبوات والإلهيات فقال: (الله يصطفى ~~من الملائكة رسلا) كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل (و) يصطفى أيضا رسلا ~~(من الناس) ms2607 وهم الأنبياء، فيرسل الملك إلى النبي، والنبي إلى الناس، أو ~~يرسل الملك لقبض أرواح مخلوقاته، أو لتحصيل ما ينفعكم، أو لإنزال العذاب ~~عليهم (إن الله سميع) لأقوال عباده (بصير) بمن يختاره من خلقه (يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم) أي ما قدموا من الأعمال وما يتركونه من الخير والشر ~~كقوله تعالى - ونكتب ما قدموا وآثارهم - (وإلى الله ترجع الأمور) لا إلى ~~غيره، ولما تضمن ما ذكره من أن الأمور ترجع إليه الزجر لعباده عن معاصيه، ~~والحض لهم على طاعاته صرح بالمقصود فقال (يا أيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا) أي صلوا الصلاة التي شرعها الله لكم، وخص الصلاة لكونها أشرف ~~العبادات. ثم عمم فقال (واعبدوا ربكم) أي افعلوا جميع أنواع العبادة التي ~~أمركم الله بها (وافعلوا الخير) أي ما هو خير، وهو أعم من الطاعة الواجبة ~~والمندوبة، وقيل المراد بالخير هنا المندوبات. ثم علل ذلك بقوله (لعلكم ~~تفلحون) أي إذا فعلتم هذه كلها رجوتم الفلاح. وهذه الآية من مواطن سجود ~~التلاوة عند الشافعي ومن وافقه، لا عند أبي حنيفة ومن قال بقوله، وقد تقدم ~~أن هذه السورة فضلت بسجدتين، وهذا دليل على ثبوت السجود عند تلاوة هذه ~~الآية. ثم أمرهم بما هو سنام الدين وأعظم أعماله، فقال (وجاهدوا في الله) ~~أي في ذاته ومن أجله، والمراد به الجهاد الأكبر، وهو الغزو للكفار ~~ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين. وقيل المراد بالجهاد هنا امتثال ما ~~أمرهم الله به في الآية المتقدمة، أو امتثال جميع ما أمر به ونهى عنه على ~~العموم، ومعنى (حق جهاده) المبالغة في الأمر بهذا الجهاد، لأنه أضاف الحق ~~إلى الجهاد، والأصل إضافة الجهاد إلى الحق: أي جهادا خالصا لله، فعكس ذلك ~~لقصد المبالغة، وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعا، أو لاختصاصه به سبحانه من ~~حيث كونه مفعولا له ومن أجله. وقيل المراد بحق جهاده هو أن لا تخافوا في ~~الله لومة لائم، وقيل المراد به استفراغ ما في وسعهم في إحياء دين الله. ~~وقال مقاتل والكلبي: # إن الآية منسوخة بقوله ms2608 تعالى - فاتقوا الله ما استطعتم - كما أن قوله - ~~اتقوا الله حق تقاته - منسوخ بذلك، ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة، فلا ~~حاجة إلى المصير إلى النسخ. ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله (هو اجتباكم) ~~أي اختاركم لدينه، وفيه تشريف لهم عظيم. ثم لما كان في التكليف مشقة على ~~النفس في بعض الحالات قال (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي من ضيق وشدة. ~~PageV03P470 # وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله فقيل: هو ما أحله الله من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين. وقيل المراد قصر الصلاة، والإفطار ~~للمسافر، والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره، وإسقاط الجهاد عن ~~الأعرج والأعمى والمريض، واغتفار الخطأ في تقديم الصيام وتأخيره لاختلاف ~~الأهلة، وكذا في الفطر والأضحى. وقيل المعنى: أنه سبحانه ما جعل عليهم حرجا ~~بتكليف ما يشق عليهم، ولكن كلفهم بما يقدرون عليه، ورفع عنهم التكاليف التي ~~فيها حرج، فلم يتعبدهم بها كما تعبد بها بني إسرائيل. وقيل المراد بذلك أنه ~~جعل لهم من الذنب مخرجا بفتح باب التوبة وقبول الاستغفار والتكفير فيما شرع ~~فيه الكفارة والأرش، أو القصاص في الجنايات، ورد المال أو مثله أو قيمته في ~~الغصب ونحوه. والظاهر أن الآية أعم من هذا كله، فقد حط سبحانه ما فيه مشقة ~~من التكاليف على عباده: إما بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف ~~بها غيرهم، أو بالتخفيف وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه، أو بمشروعية ~~التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه الله، وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها ~~وأعظم فائدتها، ومثلها قوله سبحانه " فاتقوا الله ما استطعتم " وقوله " ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقوله " ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " ~~وفى الحديث الصحيح أنه سبحانه قال: قد فعلت كما سبق بيانه في تفسير هذه ~~الآية، والأحاديث في هذا كثيرة، وانتصاب ملة في (ملة أبيكم إبراهيم) على ~~المصدرية بفعل دل ms2609 عليه ما قبله: أي وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم ~~إبراهيم. وقال الزجاج: المعنى اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم. وقال الفراء: ~~انتصب على تقدير حذف الكاف: # أي كملة. وقيل التقدير: وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم، فأقام الملة ~~مقام الفعل، وقيل على الإغراء، وقيل على الاختصاص، وإنما جعله سبحانه أباهم ~~لأنه أبو العرب قاطبة، ولأن له عند غير العرب الذين لم يكونوا من ذريته ~~حرمة عظيمة كحرمة الأب على الابن لكونه أبا لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ~~(هو سماكم المسلمين من قبل) أي في الكتب المتقدمة (وفى هذا) أي القرآن، ~~والضمير لله سبحانه، وقيل راجع إلى إبراهيم. والمعنى هو: أي إبراهيم سماكم ~~المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفى هذا: أي في حكمه أن من ~~اتبع محمدا فهو مسلم. قال النحاس: وهذا القول مخالف لقول علماء الأمة. ثم ~~علل سبحانه ذلك بقوله (ليكون الرسول شهيدا عليكم) أي بتبليغه إليكم ~~(وتكونوا شهداء على الناس) أن رسلهم قد بلغتهم، وقد تقدم ببيان معنى هذه ~~الآية في البقرة. ثم أمرهم بما هو أعظم الأركان الإسلامية فقال (فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة) وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد شرفهما (واعتصموا ~~بالله) أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون، والتجئوا إليه في جميع أموركم، ولا ~~تطلبوا ذلك لا منه (هو مولاكم) أي ناصركم ومتولي أموركم دقيقها وجليلها ~~(فنعم المولى ونعم النصير) أي لا مماثل له في الولاية لأموركم والنصرة على ~~أعدائكم، وقيل المراد بقوله اعتصموا بالله: تمسكوا بدين الله، وقيل ثقوا به ~~تعالى. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (يا أيها الناس ضرب مثل) قال: ~~نزلت في صنم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه (ضعف الطالب والمطلوب) قال: ~~الطالب آلهتهم، والمطلوب الذباب. وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر عن عكرمة ~~في قوله (لا يستنقذوه منه) قال: لا تستنقذ الأصنام ذلك الشئ من الذباب. # وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" إن الله اصطفى موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة ms2610 " وأخرج أيضا عن أنس وصححه ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " موسى بن عمران صفي الله ". وأخرج ~~ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي عمر: ألسنا كنا نقرأ فيما ~~نقرأ: وجاهدوا في الله PageV03P471 # جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟ قلت بلى: فمتى هذا يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو المغيرة الوزراء. وأخرجه ~~البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف ~~فذكره. # وأخرج الترمذي وصححه وابن حبان وابن مردويه والعسكري في الأمثال عن فضالة ~~بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " المجاهد من جاهد ~~نفسه في طاعة الله ". وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة ~~أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية (وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج) قال: # الضيق. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس: أما ~~علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال بلى، قال: فما جعل عليكم في ~~الدين من حرج، قال: الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم. وأخرج ابن ~~أبي حاتم من طريق ابن شهاب أن ابن عباس كان يقول: وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج توسعة الإسلام. وما جعل الله من التوبة والكافرات. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن يسار عن ابن ~~عباس (ما جعل عليكم في الدين من حرج) قال: هذا في هلال رمضان إذا شك فيه ~~الناس، وفى الحج إذا شكوا في الأضحى، وفى الفطر وأشباهه. وأخرج سعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير أن ابن عباس سئل عن ~~الحرج فقال: ادع لي رجلا من هذيل، فجاءه فقال: ما الحرج فيكم؟ قال: الحرجة ~~من الشجر التي ليس فيها مخرج، فقال ابن عباس: الذي ليس له مخرج. # وأخرج سعيد بن ms2611 منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريق عبيد الله بن ~~أبي يزيد أن ابن عباس سئل عن الحرج فقال: هاهنا أحد من هذيل، قال رجل أنا، ~~فقال: ما تعدون الحرجة فيكم؟ قال: الشئ الضيق، قال: # هو ذاك. وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: ~~قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ثم قال لي: ~~ادع لي رجلا من بني مدلج، قال عمر: ما الحرج فيكم؟ قال: # الضيق. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى في قوله (ملة أبيكم). وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (سماكم المسلمين من ~~قبل) قال الله عز وجل: سماكم. وروى نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج ~~الطيالسي وأحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وصححه، والنسائي وأبو يعلي ~~وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع والطبراني والحاكم وابن ~~مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " من دعا بدعوة الجاهلية فإنه من جثى جهنم، قال رجل: يا ~~رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: نعم، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها ~~المسلمين والمؤمنين عباد الله ". PageV03P472 # تفسير سورة المؤمنون هي مكية بلا خلاف. قال القرطبي كلها مكية في قول ~~الجميع، وآياتها مائة وتسع عشرة آية وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود ~~والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن عبد الله بن السائب قال: صلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بمكة الصبح فاستفتح سورة المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى ~~وهارون، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع. وأخرج البيهقي من حديث أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي، ~~فقالت: قد أفلح المؤمنون ". وأخرجه أيضا ابن عدي والحاكم. وأخرج الطبراني ~~في السنة وابن مردويه من حديث ابن عباس مثله. وقد ورد في فضائل العشر ~~الآيات من أول هذه السورة ما سيأتي ms2612 قريبا. # بسم الله الرحمن الرحيم سورة المؤمنون الآية (1 - 11) قوله (قد أفلح ~~المؤمنون) قال الفراء: قد هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين، ويجوز ~~أن تكون تقريبا للماضي من الحال. لأن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه ~~بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة قبل حال قيامها، ويكون المعنى في ~~الآية أن الفلاح قد حصل لهم، وأنهم عليه في الحال، والفلاح الظفر بالمراد ~~والنجاة من المكروه، وقيل البقاء في الخير، وأفلح إذا دخل في الفلاح، ويقال ~~أفلحه: رسول إذا أصاره إلى الفلاح، وقد تقدم بيان معنى الفلاح في أول ~~البقرة. وقرأ طلحة بن مصرف " قد أفلح " بضم الهمزة وبناء الفعل للمفعول. ~~وروى عنه أنه قرأ " أفلحوا المؤمنون " على الإبهام والتفسير، أو على لغة ~~أكلوني البراغيث. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله (الذين هم في صلاتهم خاشعون) ~~وما عطف عليه، والخشوع منهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم ~~من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث، وهو في اللغة ~~السكون والتواضع والخوف والتذلل. # وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها؟ على ~~قولين: قيل الصحيح الأول، وقيل الثاني. وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع ~~العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته، حكاه النيسابوري ~~PageV03P473 # في تفسيره. قال: ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى - أفلا يتدبرون ~~القرآن - والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله - أقم الصلاة ~~لذكرى - والغفلة تضاد الذكر، ولهذا قال - ولا تكن من الغافلين - وقوله - ~~حتى تعلموا ما تقولون - نهى للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته. ~~واللغو، قال الزجاج: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول ~~والفعل، وقد تقدم تفسيره في البقرة. وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال ~~الحسن: إنه المعاصي كلها. ومعنى إعراضهم عنه: تجنبهم له وعدم التفاتهم ~~إليه، وظاهره اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات، فيدخل وقت ~~الصلاة في ذلك دخولا أوليا كما تفيده الجملة الاسمية، وبناء ms2613 الحكم على ~~الضمير، ومعنى فعلهم للزكاة تأديتهم لها، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما ~~يصدق عليه الفعل، والمراد بالزكاة هنا المصدر لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل ~~يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف: أي (والذين هم) لتأدية (الزكاة ~~فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون) الفرج يطلق على فرج الرجل والمرأة، ~~ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم. قيل والمواد هنا ~~الرجال خاصة دون النساء بدليل قوله (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) ~~للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه. قال الفراء: إن على في ~~قوله (إلا على أزواجهم) بمعنى من. وقال الزجاج: المعنى أنهم يلامون في ~~إطلاق ما حظر عليهم فأمروا بحفظه إلا على أزواجهم ودل على المحذوف ذكر ~~اللوم في آخر الآية، والجملة في محل نصب على الحال، وقيل إن الاستثناء من ~~نفي الإرسال المفهوم من الحفظ: أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. ~~وقيل المعنى: إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهم، من قولهم كان فلان على ~~فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان. والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في جميع ~~الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم، وجملة (أو ما ملكت أيمانهم) في محل ~~جر عطفا على أزواجهم، وما مصدرية، والمراد بذلك الإماء، وعبر عنهن بما التي ~~لغير العقلاء، لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبئة عن قصور العقل وجواز البيع ~~والشراء فيهن كسائر السلع، فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء، وجملة ~~(فإنهم غير ملومين) تعليل لما تقدم مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه (فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) الإشارة إلى الزوجات وملك اليمين، ومعنى ~~العادون: المجاوزون إلى ما لا يحل لهم، فسمى سبحانه من نكح ما لا يحل ~~عاديا، ووراء هنا بمعنى سوى وهو مفعول ابتغى. قال الزجاج: أي فمن ابتغى ما ~~بعد ذلك فمفعول الابتغاء محذوف، ووراء ظرف. # وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة، واستدل بها بعض أهل العلم على ~~تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ms2614 ذكر، وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها ~~(بلوغ المنى في حكم الاستمنا)، وذكرنا فيها أدلة المنع والجواز وترجيح ~~الراجح منهما (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) قرأ الجمهور " لأماناتهم ~~" بالجمع. وقرأ ابن كثير بالإفراد. والأمانة ما يؤتمنون عليه، والعهد ما ~~يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه أو جهة عباده، وقد جمع العهد والأمانة كل ~~ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا، والأمانة أعم من العهد، فكل عهد ~~أمانة، ومعنى راعون: # حافظون (والذين هم على صلواتهم يحافظون) قرأ الجمهور " صلواتهم " بالجمع. ~~وقرأ حمزة والكسائي " صلاتهم " بالإفراد، ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم ~~الجنس وهو في معنى الجمع والمحافظة على الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في ~~أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها. ثم مدح ~~سبحانه هؤلاء فقال (أولئك هم الوارثون) أي الأحقاء بأن يسموا بهذا الاسم ~~دون غيرهم. ثم بين الموروث بقوله (الذين يرثون الفردوس) وهو أوسط الجنة، ~~كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والمعنى: أن من ~~عمل بما ذكر في هذه PageV03P474 # الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان، وفيه استعارة ~~لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم. وقيل المعنى: # أنهم يرثون من الكفار منازلهم حيث فرقوها على أنفسهم، لأنه سبحانه خلق ~~لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار. ولفظ الفردوس لغة رومية معربة، ~~وقيل فارسية، وقيل حبشية، وقيل هي عربية، وجملة (هم فيها خالدون) في محل ~~نصب على الحال المقدرة، أو مستأنفة لا محل لها، ومعنى الخلود أنهم يدومون ~~فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى ~~الفردوس لأنه بمعنى الجنة. # وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن المنذر، ~~والعقيلي والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن عمر ~~بن الخطاب قال: " كان إذا أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فأنزل الله عليه يوما فمكثنا ساعة، فسرى ~~عنه فاستقبل القبلة فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا ms2615 تهنا، وأعطنا ~~ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، ثم قال: # لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ (قد أفلح المؤمنون) ~~حتى ختم العشر " وفى إسناده يونس ابن سليم الإيلي. قال النسائي: لا نعرف ~~أحدا رواه عن ابن شهاب إلا يونس بن سليم ويونس لا نعرفه. وأخرج البخاري في ~~الأدب المفرد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم؟ قالت: كان خلقه القرآن، ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنين؟ ~~اقرأ قد أفلح المؤمنون حتى بلغ العشر، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى ~~الله الله عليه وآله وسلم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن البيهقي في ~~سننه عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت (الذين هم في صلاتهم خاشعون). # وأخرجه عبد الرزاق عنه، وزاد: فأمره بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده. ~~وأخرجه عنه أيضا عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في السنن بلفظ: كان إذا قام في الصلاة نظر هكذا. # وهكذا، يمينا وشمالا، فنزلت (الذين هم في صلاتهم خاشعون) فحنى رأسه. وروى ~~عنه من طرق مرسلا هكذا وأخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه ~~عنه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى رفع بصره ~~إلى السماء، فنزلت (الذين هم في صلاتهم خاشعون) فطأطأ رأسه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين بلفظ: كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفعون رؤوسهم وأبصارهم إلى السماء في ~~الصلاة يلتفتون يمينا وشمالا، فأنزل الله (قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون) فمالوا برءوسهم فلم يرفعوا أبصارهم بعد ذلك في الصلاة، ولم ~~يلتفتوا يمينا وشمالا. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد ms2616 الرزاق والفريابي ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي ~~في سننه عن علي أنه سئل عن قوله (الذين هم في صلاتهم خاشعون) قال: الخشوع ~~في القلب وأن تلين كتفك للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون) قال: خائفون ساكنون. وقد ورد في مشروعية الخشوع في الصلاة والنهي ~~عن الالتفات وعن رفع البصر إلى السماء أحاديث معروفة في كتب الحديث. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والذين هم عن ~~اللغو معرضون) قال: الباطل. وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه عن القاسم ~~بن محمد: أنه سئل عن المتعة فقال: إني لأرى تحريمها في القرآن، ثم تلا ~~(والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم). وأخرج عبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن PageV03P475 # ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن " الذين هم على ~~صلاتهم دائمون. والذين هم على صلواتهم يحافظون " قال: ذلك على مواقيتها، ~~قالوا ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، قال: تركها كفر. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة في ~~قوله (أولئك هم الوارثون) قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم ~~لو أطاعوا الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ~~ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله ~~(أولئك هم الوارثون) ". وأخرج عبد بن حميد والترمذي وقال حسن صحيح غريب عن ~~أنس، فذكر قصة، وفيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الفردوس ربوة ~~الجنة وأوسطها وأفضلها، ويدل ms2617 على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى - ~~تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا -، وقوله - تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون - ويشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن ~~أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يجئ يوم القيامة ناس من ~~المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى ~~" وفى لفظ له قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا كان يوم القيامة ~~دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقول هذا فكاكك من النار ". # سورة المؤمنون الآية (12 - 22) لما حث سبحانه عباده على العبادة ووعدهم ~~الفردوس على فعلها، عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس ~~المكلفين فقال (ولقد خلقنا الإنسان) إلى آخره، واللام جواب قسم محذوف، ~~والجملة مبتدأة، وقيل معطوفة على ما قبلها، والمراد بالإنسان الجنس لأنهم ~~مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم، وقيل المراد به آدم. والسلالة فعالة من ~~السل، وهو استخراج الشئ من الشئ، يقال سللت الشعرة من العجين، والسيف من ~~الغمد فانسل، فالنطفة سلالة، والولد سليل، وسلالة أيضا، ومنه قول الشاعر: ~~PageV03P476 # فجاءت به عضب الأديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين وقول الآخر: وهل ~~هند إلا مهرة عربية * سلالة أفراس تحللها بغل و " من " في (من سلالة) ~~ابتدائية متعلقة بخلقنا، وفى (من طين) بيانية متعلقة بمحذوف، وقع صفة ~~لسلالة: أي كائنة من طين، والمعنى: أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولا من ~~طين، لأن الأصل آدم، وهو من طين خالص وأولاده من طين ومني. وقيل السلالة: ~~الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك، فالذي يخرج هو السلالة، قاله الكلبي ~~(ثم جعلناه) أي الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنو آدم، أو جعلنا نسله على ~~حذف مضاف إن أريد بالإنسان آدم (نطفة) وقد تقدم تفسير النطفة في سورة الحج، ~~وكذلك تفسير العلقة والمضغة. والمراد بالقرآن المكين: الرحم، وعبر عنها ~~بالقرار الذي هو مصدر مبالغة، ومعنى (ثم خلقنا النطفة علقة) أي أنه سبحانه ~~أحال النطفة البيضاء ms2618 علقة حمراء (فخلقنا العلقة مضغة) أي قطعة لحم غير ~~مخلقة (فخلقنا المضغة عظاما) أي جعلها الله سبحانه متصلبة لتكون عمودا ~~للبدن على أشكال مخصوصة (فكسونا العظام لحما) أي أنيت الله سبحانه على كل ~~عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه (ثم أنشأناه خلقا آخر) أي نفخنا ~~فيه الروح بعد أن كان جمادا، وقيل أخرجناه إلى الدنيا، وقيل هو نبات الشعر، ~~وقيل خروج الأسنان، وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه، ولا مانع من إرادة ~~الجميع، والمجئ بثم لكمال التفاوت بين الخلقين (فتبارك الله أحسن الخالقين) ~~أي استحق التعظيم والثناء. # وقيل مأخوذ من البركة: أي كثر خيره وبركته: والخلق في اللغة التقدير، ~~يقال خلقت الأديم: إذا قسته لتقطع منه شيئا، فمعنى أحسن الخالقين: أتقن ~~الصانعين المقدرين، ومنه قول الشاعر: # ولأنت تفرى ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفرى (ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون) الإشارة بقوله " ذلك " إلى الأمور المتقدمة: أي ثم إنكم بعد تلك ~~الأمور لميتون صائرون إلى الموت لا محالة (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) من ~~قبوركم إلى المحشر للحساب والعقاب. واللام في (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) ~~جواب لقسم محذوف، والجملة مبتدأة مشتملة على بيان خلق ما يحتاجون إليه بعد ~~بيان خلقهم، والطرائق هي السماوات. قال الخليلي والفراء والزجاج، سميت ~~طرائق لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل. قال أبو عبيدة: طارقت الشئ ~~جعلت بعضه فوق بعض، والعرب تسمي كل شئ فوق شئ طريقة. وقيل لأنها طرائق ~~الملائكة، وقيل لأنها طرائق الكواكب (وما كنا عن الخلق غافلين) المراد ~~بالخلق هنا المخلوق: أي وما كنا عن هذه السبع الطرائق وحفظها عن أن تقع على ~~الأرض بغافلين. وقال أكثر المفسرين: # المراد الخلق كلهم بغافلين بل حفظنا السماوات عن أن تسقط، وحفظنا من في ~~الأرض أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم أو تميد بهم الأرض، أو يهلكون بسبب من ~~الأسباب المستأصلة لهم، ويجوز أن يراد نفي الغفلة عن القيام بمصالحهم وما ~~يعيشون به، ونفى الغفلة عن حفظهم (وأنزلنا من السماء ماء) هذا من ms2619 جملة ما ~~أمتن الله سبحانه به على خلقه، والمراد بالماء ماء المطر، فإن به حياة ~~الأرض وما فيها من الحيوان، ومن جملة ذلك ماء الأنهار النازلة من السماء ~~والعيون. والآبار المستخرجة من الأرض، فإن أصلها من ماء السماء. وقيل أراد ~~سبحانه في هذه الآية الأنهار الأربعة: سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، ولا ~~وجه لهذا التخصيص. وقيل المراد به الماء العذب، ولا وجه لذلك أيضا فليس في ~~الأرض ماء إلا وهو من السماء، ومعنى (بقدر) بتقدير منا أو بمقدار يكون به ~~صلاح الزرائع والثمار. فإنه لو كثر لكان به هلاك ذلك، ومثله قوله سبحانه " ~~وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله PageV03P477 # إلا بقدر معلوم " ومعنى (فأسكناه في الأرض) جعلناه مستقرا فيها ينتفعون ~~به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي يبقى في المستنقعات والغدران ونحوها (وإنا ~~على ذهاب به لقادرون) أي كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به ~~بوجه من الوجوه، ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى، وفى هذا تهديد شديد لما ~~يدل عليه من قدرته سبحانه على إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك ~~مواشيهم، ومثله قوله - قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ~~- ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء فقال (فأنشأنا لكم به جنات من ~~نخيل وأعناب) أي أوجدنا بذلك الماء جنات من النوعين المذكورين (لكم فيها) ~~أي في هذه الجنات (فواكه كثيرة) تتفكهون بها وتطعمون منها. وقيل المعنى: ~~ومن هذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم كقوله: فلان يأكل من حرفة كذا، وهو ~~بعيد، واقتصر سبحانه على النخيل والأعناب، لأنها الموجودة بالطائف والمدينة ~~وما يتصل بذلك. كذا قال ابن جرير. وقيل لأنها أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها ~~منفعة وطعما ولذة. قيل المعنى بقوله (لكم فيها فواكه) أن لكم في هذه الجنات ~~فواكه من غير العنب والنخيل. وقيل المعنى: لكم في هذين النوعين خاصة فواكه، ~~لأن فيهما أنواعا مختلفة متفاوتة في الطعم واللون. # وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق؟ اختلافا كثير، وأحسن ms2620 ~~ما قيل إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس، وليست بقوت لهم ولا طعام ~~ولا إدام. واختلف في البقول هل تدخل في الفاكهة أم لا؟ # وانتصاب شجرة على العطف على جنات، وأجاز الفراء الرفع على تقدير: وثم ~~شجرة فتكون مرتفعة على الابتداء وخبرها محذوف مقدر قبلها، وهو الظرف ~~المذكور. قال الواحدي: والمفسرون كلهم يقولون: إن المراد بهذه الشجرة شجرة ~~الزيتون، وخصت بالذكر لأنه لا يتعاهدها أحد بالسقي، وهى التي يخرج الدهن ~~منها، فذكرها الله سبحانه امتنانا منه على عباده بها، ولأنها أكرم الشجر ~~وأعمها نفعا وأكثرها بركة، ثم وصف سبحانه هذه الشجرة بأنها (تخرج من طور ~~سيناء) وهو جبل ببيت المقدس، والطور الجبل في كلام العرب، وقيل هو مما عرب ~~به كلام العجم. واختلف في معنى سيناء، فقيل هو الحسن، وقيل هو المبارك، ~~وذهب الجمهور إلى أنه اسم للجبل كما تقول جبل أحد. وقيل سيناء حجر بعينه ~~أضيف الجبل إليه لوجوده عنده، وقيل هو كل جبل يحمل الثمار. وقرأ الكوفيون " ~~سيناء " بفتح السين، وقرأ الباقون بكسر السين، ولم يصرف لأنه جعل اسما ~~للبقعة، وزعم الأخفش أنه أعجمي. وقرأ الجمهور (تنبت بالدهن) بفتح المثناة ~~وضم الباء الموحدة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم المثناة وكسر الباء ~~الموحدة. والمعنى على القراءة الأولى: أنها تنبت في نفسها متلبسة بالدهن، ~~وعلى القراءة الثانية: الباء بمعنى مع، فهي للمصاحبة. قال أبو علي الفارسي: ~~التقدير: تنبت جناحها ومعه الدهن. وقيل الباء زائدة. قاله أبو عبيدة، ومثله ~~قول الشاعر: # هن الحرائر لا ربات أحمرة * سود المحاجر لا يقرأن بالسور وقال آخر: * ~~نضرب بالسيف ونرجو بالفرج * وقال الفراء والزجاج: إن نبت وأنبت بمعنى، ~~والأصمعي ينكر أنبت، ويرد عليه قول زهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل أي نبت. ~~وقرأ الزهري والحسن والأعرج " تنبت " بضم المثناة وفتح الموحدة. قال الزجاج ~~وابن جنى: أي تنبت ومعها الدهن، وقرأ ابن مسعود " تخرج " بالدهن، وقرأ زر ~~بن حبيش " تنبت الدهن " بحذف حرف الجر. # وقرأ سليمان بن عبد ms2621 الملك والأشهب بالدهان (وصبغ للآكلين) معطوف على ~~الدهن: أي تنبت بالشئ الجامع بين PageV03P478 # كونه دهنا يدهن به. وكونه صبغا يؤتدم به. قرأ الجمهور " صبغ " وقرأ قوم " ~~صباغ " مثل لبس ولباس، وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وصباغ، وأصل الصبغ ما ~~يلون به الثوب، وشبه الإدام به لأن الخبز يكون بالإدام كالمصبوغ به (وإن ~~لكم في الأنعام لعبرة) هذه من جملة النعم التي أمتن الله بها عليهم، وقد ~~تقدم تفسير الأنعام في سورة النحل. قال النيسابوري في تفسيره: ولعل القصد ~~بالأنعام هنا إلى الإبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة، ولأنه ~~قرنها بالفلك وهى سفائن البر، كما أن الفلك سفائن البحر. وبين سبحانه أنها ~~عبرة، لأنها مما يستدل بخلقها وأفعالها على عظيم القدرة الإلهية، ثم فصل ~~سبحانه ما في هذه الأنعام من النعم بعد ما ذكره من العبرة فيها للعباد فقال ~~(نسقيكم مما في بطونها) يعنى سبحانه: اللبن المتكون في بطونها المنصب إلى ~~ضروعها، فإن في انعقاد ما تأكله من العلف واستحالته إلى هذا الغذاء اللذيذ، ~~والمشروب النفيس أعظم عبرة للمعتبرين، وأكبر موعظة للمتعظين. # قرئ " نسقيكم " بالنون على أن الفاعل هو الله سبحانه، وقرئ بالتاء ~~الفوقية على أن الفاعل هو الأنعام، ثم ذكر ما فيها من المنافع إجمالا فقال ~~(ولكم فيها منافع كثيرة) يعنى في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها ~~وأشعارها، ثم ذكر منفعة خاصة فقال (ومنها تأكلون) لما في الأكل من عظيم ~~الانتفاع لهم، وكذلك ذكر الركوب عليها لما فيه من المنفعة العظيمة فقال ~~(وعليها وعلى الفلك تحملون) أي وعلى الأنعام، فإن أريد بالأنعام الإبل ~~والبقر والغنم، فالمراد وعلى بعض الأنعام، وهى الإبل خاصة، وإن أريد ~~بالأنعام الإبل خاصة، فالمعنى واضح. ثم لما كانت الأنعام هي غالب ما يكون ~~الركوب عليه في البر ضم إليها ما يكون الركوب عليه في البحر، فقال (وعلى ~~الفلك تحملون) تميما للنعمة وتكميلا للمنة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: السلالة ~~صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد. ms2622 وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في شعر وظفر فتمكث أربعين يوما، ثم ~~تنحدر في الرحم فتكون علقة. وللتابعين في تفسير السلالة أقوال قد قدمنا ~~الإشارة إليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (ثم أنشأناه خلقا آخر) قال: ~~الشعر والأسنان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه (ثم أنشأناه ~~خلقا آخر) قال: نفخ فيه الروح، وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو ~~العالية والربيع بن أنس والسدي والضحاك وابن زيد، واختاره ابن جرير. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (ثم أنشأناه ~~خلقا آخر) قال: حين استوى به الشباب. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~المنذر عن صالح أبى الخليل قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى قوله (ثم أنشأناه خلقا آخر) قال عمر (فتبارك الله أحسن ~~الخالقين) قال: والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت به يا عمر. وأخرج ~~الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أنس قال: قال عمر: وافقت ~~ربي في أربع، قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله " واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى " وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا فإنه ~~يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ~~وراء حجاب " وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لتنتهن أو ليبدلنه ~~الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت - عسى ربه إن طلقكن - الآية، ونزلت (ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة) إلى قوله (ثم أنشأناه خلقا آخر) فقلت أنا (فتبارك ~~الله أحسن الخالقين) ". وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: أملى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم هذه الآية (ولقد خلقنا الإنسان) إلى قوله (خلقا آخر) ~~فقال معاذ بن جبل (فتبارك الله أحسن الخالقين) فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وآله ms2623 وسلم، PageV03P479 # فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: بها ختمت (فتبارك الله أحسن ~~الخالقين) وفى إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدا. قال ابن كثير: وفى خبره ~~هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي ~~بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة والله أعلم. وأخرج ~~ابن مردويه والخطيب قال السيوطي بسند ضعيف عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال - أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو ~~نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل ~~وهو نهر مصر، أنزلها من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها ~~على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعلها منافع للناس ~~في أصناف معايشهم، فذلك قوله (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في ~~الأرض) فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل، فرفع من الأرض ~~القرآن والعلم، والحجر من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، ~~وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله (وإنا على ذهاب ~~به لقادرون) فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس، قال: طور سيناء هو الجبل الذي ~~نودي منه موسى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~(تنبت بالدهن) قال: هو الزيت يؤكل ويدهن به. # سورة المؤمنون الآية (22 - 35) PageV03P480 # سورة المؤمنون الآية (36 - 41) لما ذكر سبحانه الفلك أتبعه بذكر نوح، ~~لأنه أول من صنعه، وذكر ما صنعه قوم نوح معه بسبب إهمالهم للتفكر في ~~مخلوقات الله سبحانه والتذكر لنعمه عليهم فقال (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) ~~وفى ذلك تعزية (لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتسلية له ببيان أن ~~قوم غيره من الأنبياء كانوا يصنعون مع أنبيائهم ما يصنعه قومه معه، واللام ~~جواب قسم محذوف (فقال يا قوم اعبدوا الله) أي اعبدوه وحده ولا تشركوا ms2624 به ~~شيئا كما يستفاد من الآيات الآخرة، وجملة (ما لكم من إله غيره) واقعة موقع ~~التعليل لما قبلها، وارتفاع غيره لكونه وصفا لإله على المحل، لأنه مبتدأ ~~خبره لكم: أي ما لكم في الوجود إله غيره سبحانه، وقرئ بالجر اعتبارا بلفظ ~~إله (أفلا تتقون) أي أفلا تخافون أن تتركوا عبادة ربكم الذي لا يستحق ~~العبادة غيره، وليس لكم إله سواه. وقيل المعنى: أفلا تخافون أن يرفع عنكم ~~ما خولكم من النعم ويسلبها عنكم. وقيل المعنى: أفلا تقون أنفسكم عذابه الذي ~~تقتضيه ذنوبكم (فقال الملأ الذين كفروا من قومه) أي قال أشراف قومه الذين ~~كفروا به (ما هذا إلا بشر مثلكم) أي من جنسكم في البشرية، لا فرق بينكم ~~وبينه (يريد أن يتفضل عليكم) أي يطلب الفضل عليكم بأن يسودكم حتى تكونوا ~~تابعين له منقادين لأمره، ثم صرحوا بأن البشر لا يكون رسولا فقالوا (ولو ~~شاء الله لأنزل ملائكة) أي لو شاء الله إرسال رسول لأرسل ملائكة، وإنما عبر ~~بالإنزال عن الإرسال لأن إرسالهم إلى العباد يستلزم نزولهم إليهم (ما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين) أي بمثل دعوى هذا المدعي للنبوة من البشر، أو بمثل ~~كلامه، وهو الأمر بعبادة الله وحده أو ما سمعنا ببشر يدعي هذه الدعوى في ~~آبائنا الأولين: أي في الأمم الماضية قبل هذا. وقيل الباء في بهذا زائدة: # أي ما سمعنا هذا كائنا في الماضين، قالوا هذا اعتمادا منهم على التقليد ~~واعتصاما بحبله، ولم يقنعوا بذلك حتى ضموا إليه الكذب البحت، والبهت الصراح ~~فقالوا (إن هو إلا رجل به جنة) أي جنون لا يدري ما يقول (فتربصوا به حتى ~~حين) أي انتظروا به حتى يستبين أمره، بأن يفيق من جنونه فيترك هذه الدعوى، ~~أو حتى يموت فتستريحوا منه. قال الفراء: ليس يريد بالحين هنا وقتا بعينه ~~إنما هو كقولهم: دعه إلى يوم ما، فلما سمع عليه الصلاة والسلام كلامهم وعرف ~~تماديهم على الكفر وإصرارهم عليه (قال رب انصرني) عليهم فانتقم منهم بما ~~تشاء وكيف تريد، والباء في ms2625 (بما كذبون) للسببية: أي بسبب تكذيبهم إياي ~~(فأوحينا إليه) عند ذلك أي أرسلنا إليه رسولا من السماء (أن اصنع الفلك) ~~وأن هي مفسرة لما في الوحي من معنى القول (بأعيننا) أي متلبسا بحفظنا ~~وكلاءتنا، وقد تقدم بيان هذا في هود. ومعنى (ووحينا) أمرنا لك وتعليمنا ~~إياك لكيفية صنعها، والفاء في قوله (فإذا جاء أمرنا) لترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها من صنع الفلك، والمراد بالأمر العذاب (وفار التنور) معطوف على ~~الجملة التي قبله عطف النسق، وقيل عطف البيان: أي إن مجئ الأمر هو فور ~~التنور: أي تنور آدم الصائر إلى نوح: أي إذا وقع ذلك (فاسلك فيها من كل ~~زوجين اثنين) أي دخل فيها، يقال سلكه في كذا أدخله، وأسلكته أدخلته. قرأ ~~حفص " من كل " بالتنوين، وقرأ الباقون بالإضافة، ومعنى القراءة الأولى من ~~كل أمة PageV03P481 # زوجين، ومعنى الثانية من كل زوجين، وهما أمة الذكر والأنثى اثنين، ~~وانتصاب (أهلك) بفعل معطوف على فاسلك، لا بالعطف على زوجين، أو على اثنين ~~على القراءتين لأدائه إلى اختلاف المعنى: أي واسلك أهلك (إلا من سبق عليه ~~القول منهم) أي القول بإهلاكهم منهم (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) بالدعاء ~~لهم بإنجائهم، وجملة (إنهم مغرقون) تعليل للنهي عن المخاطبة: أي إنهم مقضى ~~عليهم بالإغراق لظلمهم، ومن كان هكذا فهو لا يستحق الدعاء له (فإذا استويت) ~~أي علوت (أنت ومن معك) من أهلك وأتباعك (على الفلك) راكبين عليه (فقل الحمد ~~لله الذي نجانا من القوم الظالمين) أي حال بيننا وبينهم، وخلصنا منهم، ~~كقوله " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ". وقد تقدم ~~تفسير هذه القصة في سورة هود على التمام والمال، وإنما جعل سبحانه استواءهم ~~على السفينة نجاة من الغرق جزما، لأنه قد سبق في علمه أن ذلك سبب نجاتهم من ~~الظلمة، وسلامتهم من أن يصابوا بما أصيبوا به من العذاب. ثم أمره أن يسأل ~~ربه ما هو أنفع له وأتم فائدة فقال (وقل رب أنزلني منزلا مباركا) أي أنزلني ~~في السفينة. قرأ الجمهور منزلا ms2626 بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر. وقرا زر ~~بن حبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل بفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان. ~~فعلى القراءة الأولى: أنزلني إنزالا مباركا، وعلى القراءة الثانية: أنزلني ~~مكانا مباركا. قال الجوهري: والمنزل بفتح الميم والزاي النزول، وهو الحلول، ~~تقول نزلت نزولا ومنزلا. قال الشاعر: # أإن ذكرتك الدار منزلها جمل * بكيت فدمع العين منحدر سجل بنصب منزلها، ~~لأنه مصدر، قيل أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخوله السفينة، ~~وقيل عند خروجه منها، والآية تعليم من الله لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن ~~يقولوا هذا القول (وأنت خير المنزلين) هذا ثناء منه على الله عز وجل إثر ~~دعائه له. قال الواحدي: قال المفسرون: إنه أمر أن يقول عند استوائه على ~~الفلك: # الحمد لله، وعند نزوله منها: رب أنزلني منزلا مباركا، والإشارة بقوله (إن ~~في ذلك) إلى ما تقدم مما قصه الله علينا من أمر نوح عليه السلام: والآيات ~~الدلالات على كمال قدرته سبحانه، والعلامات التي يستدل بها على عظيم شأنه ~~(وإن كنا لمبتلين) أي لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم، ليظهر المطيع ~~والعاصي للناس أو للملائكة. # وقيل المعنى: إنه يعاملهم سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم، تارة ~~بالإرسال، وتارة بالعذاب (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) أي من بعد ~~إهلاكهم. قال أكثر المفسرين: إن هؤلاء الذين أنشأهم الله بعدهم هم عاد قوم ~~هود، لمجئ قصتهم على إثر قصة نوح في غير هذا الموضع، ولقوله في الأعراف " ~~واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح " وقيل هم ثمود لأنهم الذين أهلكوا ~~بالصيحة. وقد قال سبحانه في هذه القصة " فأخذتهم الصيحة " وقيل هم أصحاب ~~مدين قوم شعيب لأنهم ممن أهلك بالصيحة (فأرسلنا فيهم رسولا) عدى فعل ~~الإرسال بفي مع أنه يتعدى بإلى، للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم ~~نشأ فيهم بين أظهرهم، يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من ~~سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم. وقيل وجه التعدية للفعل المذكور بفي ~~أنه ضمن معنى ms2627 القول: أي قلنا لهم على لسان الرسول (اعبدوا الله) ولهذا جئ ~~بأن المفسرة. والأول أولى لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا لا يستلزم تعديته ~~بفي، وجملة (ما لكم من إله غيره) تعليل للأمر بالعبادة (أفلا تتقون) عذابه ~~الذي يقتضيه شرككم (وقال الملأ من قومه) أي أشرافهم وقادتهم. ثم وصف الملأ ~~بالكفر والتكذيب فقال (الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة) أي كذبوا بما في ~~الآخرة من الحساب والعقاب، أو كذبوا بالبعث (وأترفناهم) أي وسعنا لهم نعم ~~الدنيا فبطروا بسبب ما صاروا فيه (في الحياة الدنيا) من كثرة الأموال ~~ورفاهة العيش (ما هذا إلا PageV03P482 # بشر مثلكم) أي قال الملأ لقومهم هذا القول، وصفوه بمساواتهم في البشرية، ~~وفى الأكل (مما تأكلون منه) والشرب مما تشربون منه، وذلك يستلزم عندهم أنه ~~لا فضل له عليهم. قال الفراء: إن معنى (ويشرب مما تشربون) على حذف منه: أي ~~مما تشربون منه وقيل إن ما مصدرية، فلا تحتاج إلى عائد (ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم) فيما ذكر من الأوصاف (إنكم إذا لخاسرون) أي مغبونون بترككم آلهتكم ~~واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم، والاستفهام في قوله (أيعدكم أنكم إذا ~~متم) للإنكار، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تقبيح اتباعهم له. # قرئ بكسر الميم من متم، من مات يمات كخاف يخاف. وقرئ بضمها من مات يموت: ~~كقال يقول (وكنتم ترابا وعظاما) أي كان بعض أجزائكم ترابا، وبعضها عظاما ~~نخرة لا لحم فيها ولا أعصاب عليها، قيل وتقديم التراب لكونه أبعد في ~~عقولهم. وقيل المعنى: كان متقدموكم ترابا، ومتأخروكم عظاما (أنكم مخرجون) ~~أي من قبوركم أحياء كما كنتم، قال سيبويه: أن الأولى في موضع نصب بوقوع ~~أيعدكم عليها، وأن الثانية بدل منها. وقال الفراء والجرمي والمبرد: إن أن ~~الثانية مكررة للتوكيد، وحسن تكريرها لطول الكلام، وبمثله قال الزجاج وقال ~~الأخفش: أن الثانية في محل رفع بفعل مضمر: أي يحدث إخراجكم كما تقول: اليوم ~~القتال، فالمعنى: اليوم يحدث القتال (هيهات هيهات لما توعدون) أي بعد ما ~~توعدون، أو بعيد ما توعدون، والتكرير للتأكيد. ms2628 قال ابن الأنباري: وفى هيهات ~~عشر لغات ثم سردها، وهى مبينة في علم النحو. وقد قرئ ببعضها، واللام في لما ~~توعدون لبيان المستبعد كما في قولهم: هيت لك، كأنه قيل لماذا هذا ~~الاستبعاد؟ فقيل لما توعدون. والمعنى: # بعد إخراجكم للوعد الذي توعدون، هذا على أن هيهات اسم فعل. وقال الزجاج: ~~هو في تقدير المصدر: أي البعد لما توعدون، أو بعد لما توعدون على قراءة من ~~نون فتكون على هذا مبتدأ خبره لما توعدون. ثم بين سبحانه إترافهم بأنهم ~~قالوا (إن هي إلا حياتنا الدنيا) أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، لا ~~الحياة الآخرة التي تعدنا بها، وجملة (نموت ونحيا) مفسرة لما ادعوه من ~~قصرهم حياتهم على حياة الدنيا. ثم صرحوا بنفي البعث، وأن الوعد به منه ~~افتراء على الله فقالوا (وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله ~~كذبا) أي ما هو فيما يدعيه إلا مفتر للكذب على الله (وما نحن له بمؤمنين) ~~أي بمصدقين له فيما يقوله (قال رب انصرني) أي قال نبيهم لما علم بأنهم لا ~~يصدقونه البتة: رب انصرني عليهم وانتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي (قال عما ~~قليل ليصبحن نادمين) أي قال الله سبحانه مجيبا لدعائه واعدا له بالقبول لما ~~دعا به: عما قليل من الزمان ليصبحن نادمين على ما وقع منهم من التكذيب ~~والعناد والإصرار على الكفر، و " ما " في عما قليل مزيدة بين الجار ~~والمجرور للتوكيد لقلة الزمان كما في قوله " فبما رحمة من الله ". ثم أخبر ~~سبحانه بأنها (أخذتهم الصيحة) وحاق بهم عذابه ونزل عليهم سخطه. قال ~~المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله بها فماتوا ~~جميعا. وقيل الصيحة: هي نفس العذاب الذي نزل بهم، ومنه قول الشاعر: # صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان والباء في بالحق ~~متعلق بالأخذ، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد العذاب النازل بهم: فقال ~~(فجعلناهم غثاء) أي كغثاء السيل الذي يحمله: والغثاء ما يحمل السيل من بالي ~~الشجر ms2629 والحشيش والقصب ونحو ذلك مما يحمله على ظاهر الماء. والمعنى: صيرهم ~~هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء (فبعدا للقوم الظالمين) انتصاب بعدا على ~~المصدرية وهو من المصادر التي لا يذكر فعلها معها: أي بعدوا بعدا، واللام ~~لبيان من قيل له ذلك. PageV03P483 # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فاسلك فيها) يقول: ~~اجعل معك في السفينة (من كل زوجين اثنين). وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (وقل رب أنزلني منزلا ~~مباركا) قال لنوح حين أنزل من السفينة. وأخرج هؤلاء عن قتادة في الآية قال: ~~يعلمكم سبحانه كيف تقولون إذا ركبتم، وكيف تقولون إذا نزلتم. أما عند ~~الركوب " فسبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون - و - بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم " وعند النزول ~~(رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ~~مالك في قوله (قرنا) قال: أمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (هيهات هيهات) قال: بعيد بعيد. وأخرج ابن جرير عنه في ~~قوله (فجعلناهم غثاء) قال: جعلوا كالشئ الميت البالي من الشجر. # سورة المؤمنون الآية (42 - 56). # قوله (ثم أنشأنا من بعدهم) أي من بعد إهلاكهم (قرونا آخرين) قيل هم قوم ~~صالح ولوط وشعيب كما وردت قصتهم على هذا الترتيب في الأعراف وهود، وقيل هم ~~بنو إسرائيل. والقرون الأمم، ولعل وجه الجمع هنا للقرون والإفراد فيما سبق ~~قريبا أنه أراد هاهنا أمما متعددة وهناك أمة واحدة. ثم بين سبحانه كمال ~~علمه وقدرته في شأن عباده فقال (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) أي ما ~~تتقدم كل طائفة مجتمعة في قرن آجالها المكتوبة لها في الهلاك ولا تتأخر ~~عنها، وقيل ذلك قوله تعالى " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~" ثم بين سبحانه أن رسله كانوا بعد هذه القرون متواترين، وأن شأن أممهم كان ~~واحدا في ms2630 التكذيب لهم فقال (ثم أرسلنا رسلنا تترا) والجملة معطوفة على ~~الجملة التي قبلها بمعنى أن إرسال كل رسول متأخر عن إنشاء القرن الذي أرسل ~~إليه، لا على معنى أن إرسال الرسل جميعا متأخر عن إنشاء تلك القرون جميعا، ~~ومعنى " تترا " تتواتر واحدا بعد PageV03P484 # واحد ويتبع بعضهم بعضا، من الوتر وهو الفرد. قال الأصمعي: واترت كتبي ~~عليه: أتبعت بعضها بعضا إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة. وقال ~~غيره: المتواترة المتتابعة بغير مهلة. قرأ ابن كثير وابن عمرو " تترى " ~~بالتنوين على أنه مصدر. قال النحاس: وعلى هذا يجوز تترى بكسر التاء الأولى. ~~لأن معنى ثم أرسلنا: واترنا، ويجوز أن يكون في موضع الحال: أي متواترين ~~(كلما جاء أمة رسولها كذبوه) هذه الجملة مستأنفة مبينة لمجئ كل رسول لأمته ~~على أن المراد بالمجئ التبليغ (فأتبعنا بعضهم بعضا) أي في الهلاك بما نزل ~~بهم من العذاب (وجعلناهم أحاديث) الأحاديث جمع أحدوثة، وهى ما يتحدث به ~~الناس كالأعاجيب أو جمع أعجوبة، وهى ما يتعجب الناس منه. قال الأخفش: إنما ~~يقال جعلناهم أحاديث في الشر ولا يقال في الخير، كما يقال صار فلان حديثا: ~~أي عبرة، وكما قال سبحانه في آية أخرى " فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ~~". قلت: وهذه الكلية غير مسلمة فقد يقال صار فلان حديثا حسنا، ومنه قول ابن ~~دريد في مقصورته: # وإنما المرء حديث بعده * فكن حديثا حسنا لما روى (فبعدا لقوم لا يؤمنون)، ~~وصفهم هنا بعدم الإيمان، وفيما سبق قريبا بالظلم لكون كل من الوصفين صادرا ~~عن كل طائفة من الطائفتين، أو لكون هؤلاء لم يقع منهم إلا مجرد عدم ~~التصديق، وأولئك ضموا إليه تلك الأقوال الشنيعة التي هي من أشد الظلم ~~وأفظعه. ثم حكى سبحانه ما وقع من فرعون وقومه عند إرسال موسى وهارون إليهم ~~فقال (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا) هي التسع المتقدم ذكرها غير ~~مرة، ولا يصح عد فلق البحر منها هنا. لأن المراد بالآيات التي كذبوا بها ~~واستكبروا عنها. والمراد بالسلطان المبين: الحجة الواضحة ms2631 البينة. قيل هي ~~الآيات التسع نفسها، والعطف من باب * إلى الملك القرم وابن الهمام * وقيل ~~أراد العصى لأنها أم الآيات، فيكون من باب عطف جبريل على الملائكة. وقيل ~~المراد بالآيات: التي كانت لهما، وبالسلطان الدلائل المبين: التسع الآيات، ~~والمراد بالملأ في قوله (إلى فرعون وملائه) هم الأشراف منهم كما سبق بيانه ~~غير مرة (فاستكبروا) أي طلبوا الكبر وتكلفوه فلم ينقادوا للحق (وكانوا قوما ~~عالين) قاهرين للناس بالبغي والظلم، مستعلين عليهم، متطاولين كبرا وعنادا ~~وتمردا، وجملة (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا) معطوفة على جملة " استكبروا " ~~وما بينهما اعتراض، والاستفهام للإنكار: أي كيف نصدق من كان مثلنا في ~~البشرية، والبشر يطلق على الواحد كقوله " بشرا سويا " كما يطلق على الجمع ~~كما في قوله " فاما ترين من البشر أحدا " فتثنيته هنا هي باعتبار المعنى ~~الأول، وأفرد المثل لأنه في حكم المصدر، ومعنى (وقومهما لنا عابدون) أنهم ~~مطيعون لهم منقادون لما يأمرونهم به كانقياد العبيد. قال المبرد: العابد ~~المطيع الخاضع. قال أبو عبيدة: العرب تسمى كل من دان لملك عابدا له، وقيل ~~يحتمل أنه كان يدعي الإلهية فدعى الناس إلى عبادته فأطاعوه، واللام في " ~~لنا " متعلقة بعابدون، قدمت عليه لرعاية الفواصل، والجملة حالية (فكذبوهما) ~~أي فأصروا على تكذيبهما (فكانوا من المهلكين) بالغرق في البحر. ثم حكى ~~سبحانه ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم فقال (ولقد آتينا موسى الكتاب) ~~يعني التوراة، وخص موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وكان ~~هارون خليفته في قومه (لعلهم يهتدون) أي لعل قوم موسى يهتدون بها إلى الحق، ~~ويعملون بما فيها من الشرائع، فجعل سبحانه إيتاء موسى إياها إيتاء لقومه، ~~لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه. وقيل إن ثم مضافا محذوفا ~~أقيم المضاف إليه مقامه: أي آتينا قوم موسى الكتاب. وقيل إن الضمير في " ~~لعلهم " يرجع إلى فرعون وملائه، وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد ~~إهلاك فرعون وقومه كما قال سبحانه " ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما ~~أهلكنا القرون PageV03P485 # الأولى ms2632 " ثم أشار سبحانه إلى قصة عيسى إجمالا فقال (وجعلنا ابن مريم وأمه ~~آية) أي علامة تدل على عظيم قدرتنا، وبديع صنعنا، وقد تقدم الكلام على هذا ~~في آخر سورة الأنبياء في تفسير قوله سبحانه " وجعلناها وابنها آية للعالمين ~~" ومعنى قوله (وآويناهما إلى ربوة) إلى مكان مرتفع: أي جعلناهما يأويان ~~إليها. قيل هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل، ~~وقيل بيت المقدس، قاله قتادة وكعب، وقيل أرض فلسطين، قال السدى (ذات قرار) ~~أي ذات مستقر يستقر عليه ساكنوه (ومعين) أي وماء معين. قال الزجاج: # هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة كزيادتها في منبع، وقيل ~~هو فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان الأخفش معن الماء: إذا جرى فهو ~~معين وممعون: وكذا قال ابن الأعرابي. وقيل هو مأخوذ من الماعون، وهو النفع، ~~وبمثل ما قال الزجاج قال الفراء (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) قال ~~الزجاج: هذه مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودل الجمع على أن ~~الرسل كلهم كذا أمروا. وقيل إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي، لأن هذه ~~طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها، فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل ~~خطابا لكل واحد على انفراده لاختلاف أزمنتهم. وقال ابن جرير: إن الخطاب ~~لعيسى. وقال الفراء: هو كما تقول للرجل الواحد كفوا عنا، والطيبات: ما ~~يستطاب ويستلذ، وقيل هي الحلال، وقيل هي ما جمع الوصفين المذكورين. ثم بعد ~~أن أمرهم بالأكل من الطيبات أمرهم بالعمل الصالح فقال (واعملوا صالحا) أي ~~عملا صالحا وهو ما كان موافقا للشرع، ثم علل هذا الأمر بقوله (إني بما ~~تعملون عليم) لا يخفى علي شئ منه، وإني مجازيكم على حسب أعمالكم إن خيرا ~~فخير، وان شرا فشر (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) هذا من جملة ما خوطب به ~~الأنبياء، والمعنى: أن هذه ملتكم وشريعتكم أيها الرسل ملة واحدة، وشريعة ~~متحدة يجمعها أصل هو أعظم ما بعث الله به أنبياءه وأنزل فيه كتبه، وهو دعاء ms2633 ~~جميع الأنبياء إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وقيل المعنى: إن هذا الذي ~~تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالزموه على أن المراد بالأمة هنا الدين كما في ~~قوله " إنا وجدنا آباءنا على أمة "، ومنه قول النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع قرئ بكسر " إن " ~~على الاستئناف المقرر لما تقدمه، وقرئ بفتحها وتشديدها. قال الخليل: هي في ~~موضع نصب لما زال الخافض: أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا ~~به. وقال الفراء: إن متعلقة بفعل مضمر، وتقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. ~~وقال سيبويه: هي متعلقة باتقون، والتقدير: فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة، ~~والفاء في (فاتقون) لترتيب الأمر بالتقوى على ما قبله من كونه ربكم المختص ~~بالربوبية: أي لا تفعلوا ما يوجب العقوبة عليكم مني بأن تشركوا بي غيري، أو ~~تخالفوا ما أمرتكم به أو نهيتكم عنه. ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم من ~~مخالفتهم لما أمرهم به الرسل فقال (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا) والفاء ~~لترتيب عصيانهم على ما سبق من الأمر بالتقوى، والضمير يرجع إلى ما يدل عليه ~~لفظ الأمة، والمعنى: أنهم جعلوا دينهم مع اتحاده قطعا متفرقة مختلفة. قال ~~المبرد: زبرا فرقا وقطعا مختلفة، واحدها زبور، وهى الفرقة والطائفة، ومثله ~~الزبرة وجمعها زبر، فوصف سبحانه الأمم بأنهم اختلفوا، فاتبعت فرقة التوراة، ~~وفرقة الزبور، وفرقة الإنجيل ثم حرفوا وبدلوا، وفرقة مشركة تبعوا ما رسمه ~~لهم آباؤهم من الضلال: قرئ " زبرا " بضم الباء جمع زبور، وقرئ بفتحها: أي ~~قطعا كقطع الحديد (كل حزب بما لديهم فرحون) أي كل فريق من هؤلاء المختلفين ~~بما لديهم: أي بما عندهم من الدين فرحون: أي معجبون به (فذرهم في غمرتهم ~~حتى حين) أي اتركهم في جهلهم، فليسوا بأهل للهداية، ولا يضق صدرك بتأخير ~~العذاب عنهم، فلكل شئ وقت، شبه سبحانه ما هم فيه من الجهل بالماء الذي يغمر ~~من PageV03P486 # دخل فيه، والغمرة في الأصل ما يغمرك ويعلوك، وأصله الستر، والغمر: الماء ~~الكثير لأنه يغطي الأرض، ms2634 وغمر الرداء هو الذي يشمل الناس بالعطاء، ويقال ~~للحقد الغمر، والمراد هنا: الحيرة والغفلة والضلالة، والآية خارجة مخرج ~~التهديد لهم، لا مخرج الأمر له صلى الله عليه وآله وسلم بالكف عنهم، ومعنى ~~(حتى حين) حتى يحضر وقت عذابهم بالقتل، أو حتى يموتوا على الكفر فيعذبون في ~~النار (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين) أي أيحسبون أنما نعطيهم في هذه ~~الدنيا من الأموال والبنين (نسارع) به (لهم) فيما فيه خيرهم وإكرامهم، ~~والهمزة للإنكار، والجواب عن هذا مقدر يدل عليه قوله (بل لا يشعرون) لأنه ~~عطف على مقدر ينسحب إليه الكلام: # أي كلا لا نفعل ذلك بل هم لا يشعرون بشئ أصلا كالبهائم التي لا تفهم ولا ~~تعقل، فإن ما خولناهم أبي من النعم وأمددناهم به من الخيرات إنما هو ~~استدراج لهم ليزدادوا إثما كما قال سبحانه " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~". قال الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات، فحذفت به، و " ما " في ~~إنما موصولة، والرابط هو هذا المحذوف. # وقال الكسائي: إن أنما هنا حرف واحد فلا يحتاج إلى تقدير رابط. قيل يجوز ~~الوقف على بنين، وقيل لا يحسن لأن يحسبون يحتاج إلى مفعولين، فتمام ~~المفعولين في الخيرات. قال ابن الأنباري: وهذا خطأ لأن ما كافة. وقرأ أبو ~~عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي بكرة " يسارع " بالياء التحتية على ~~أن فاعله ما يدل عليه أمددنا، وهو الإمداد، ويجوز أن يكون المعنى: يسارع ~~الله لهم. وقرأ الباقون " نسارع " بالنون. قال الثعلبي: وهذه القراءة هي ~~الصواب لقوله نمدهم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ثم ~~أرسلنا رسلنا تترا) قال: يتبع بعضهم بعضا. وفى لفظ قال: بعضهم على إثر بعض. ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~قتادة (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) قال: ولدته من غير أب. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن الربيع ابن أنس آية قال: عبرة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ms2635 ~~ابن عباس (وآويناهما إلى ربوة) قال: الربوة المستوية، والمعين: الماء ~~الجاري، وهو النهر الذي قال الله " قد جعل ربك تحتك سريا ". وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (وآويناهما إلى ربوة) قال: هي المكان ~~المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات (ذات قرار) ذات خصب، ~~والمعين: الماء الظاهر. وأخرج وكيع والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وتمام الرازي وابن عساكر. قال السيوطي بسند صحيح ~~عن ابن عباس في قوله (إلى ربوة) قال: أنبئنا أنها دمشق. وأخرج ابن عساكر عن ~~عبد الله بن سلام مثله. وكذا أخرجه ابن أبي حاتم عنه. # وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة مرفوعا نحوه، وإسناده ضعيف. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن مرة النهزي، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " الربوة الرملة ". وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى، وابن عساكر ~~عن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين. وأخرجه ابن مردويه من حديثه ~~مرفوعا. وأخرج الطبراني وابن السكن وابن منده وأبو نعيم وابن عساكر عن ~~الأقرع بن شفى العكي مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يا أيها الناس إن الله طيب ~~لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال - يا ~~أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم - وقال - يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم - ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث ~~أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى ~~السماء: يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك ". وأخرج سعيد PageV03P487 # ابن منصور عن حفص الفزاري في قوله (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) قال ~~ذلك عيسى بن مريم يأكل من غزل أمه. وأخرجه عبدا في الصحابة عن حفص مرفوعا، ~~وهو ms2636 مرسل لأن حفصا تابعي. # سورة المؤمنين الآية (57 - 67) لما نفى سبحانه الخيرات الحقيقية عن ~~الكفرة المتنعمين أتبع ذلك بذكر من هو أهل للخيرات عاجلا وآجلا فوصفهم ~~بصفات أربع: الأولى قوله (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) الإشفاق: ~~الخوف، تقول أنا مشفق من هذا الأمر: أي خائف. قيل الإشفاق هو الخشية، فظاهر ~~ما في الآية التكرار. وأجيب بحمل الخشية على العذاب: أي من عذاب ربهم ~~خائفون، وبه قال الكلبي ومقاتل. وأجيب أيضا بحمل الإشفاق على ما هو أثر له: ~~وهو الدوام على الطاعة: أي الذين هم من خشية ربهم دائمون على طاعته. وأجيب ~~أيضا بأن الإشفاق أن كمال الخوف فلا تكرار، وقيل هو تكرار للتأكيد. والصفة ~~الثانية قوله (والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) قيل المراد بالآيات هي ~~التنزيلية، وقيل هي التكوينية، وقيل مجموعهما، قيل وليس المراد بالإيمان ~~بها هو التصديق بوجودها فقط، فإن ذلك معلوم بالضرورة ولا يوجب المدح، بل ~~المراد التصديق بكونها دلائل وأن مدلولها حق، والصفة، الثالثة قوله (والذين ~~هم بربهم لا يشركون) أي يتركون الشرك تركا كليا ظاهرا وباطنا. والصفة ~~الرابعة قوله (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) أي ~~يعطون ما أعطوا وقلوبهم خائفة من أجل ذلك الإعطاء يظنون أن ذلك لا ينجيهم ~~من عذاب الله، وجملة (وقلوبهم وجلة) في محل نصب على الحال: أي والحال أن ~~قلوبهم خائفة أشد الخوف. قال الزجاج: قلوبهم خائفة لأنهم إلى ربهم راجعون، ~~وسبب الوجل هو أن يخافوا أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب، لا مجرد ~~رجوعهم إليه سبحانه. وقيل المعنى: أن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والحساب ~~وعلم أن المجازي والمحاسب هو الرب الذي لا تخفى عليه خافية لم يخل من وجل. ~~قرأت عائشة وابن عباس والنخعي (يأتون ما أتوا " مقصورا على الإتيان. قال ~~الفراء: ولو صحت هذه القراءة لم تخالف قراءة الجماعة لأن من العرب من يلزم ~~في الهمز الألف في كل الحالات. قال النحاس: ومعنى هذه القراءة يعملون ما ~~عملوا والإشارة بقوله ms2637 (أولئك) إلى المتصفين بهذه الصفات، ومعنى (يسارعون في ~~الخيرات) يبادرون بها. قال الفراء والزجاج: ينافسون فيها، وقيل يسابقون، ~~وقرئ " يسرعون " (وهم لها سابقون) اللام للتقوية، والمعنى: هم PageV03P488 # سابقون إياها، وقيل اللام بمعنى إلى كما في قوله - بأن ربك أوحى لها - أي ~~أوحى إليها، وأنشد سيبويه قول الشاعر: # تجانف عن أهل اليمامة يا فتى * وما قصدت من أهلها لسوائكا أي إلى سوائكا، ~~وقيل المفعول محذوف، والتقدير: وهو سابقون الناس لأجلها. ثم لما انجر ~~الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر لهما حكمين: الأول قوله " ولا نكلف نفسا ~~إلا وسعها " الوسع هو الطاقة،، وقد تقدم بيان هذا في آخر سورة البقرة. وفى ~~تفسير الوسع قولان: الأول أنه الطاقة كما فسره بذلك أهل اللغة. الثاني أنه ~~دون الطاقة، وبه قال مقاتل والضحاك والكلبي. والمعتزلة قالوا: لأن الوسع ~~إنما سمى وسعا لأنه يتسع على فاعله فعله ولا يضيق عليه، فمن لم يستطع ~~الجلوس فليوم إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. وهذه الجملة مستأنفة ~~للتحريض على ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الكرامات ~~ببيان سهولته وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، وأن ذلك عادة الله ~~سبحانه في تكليف عباده، وجملة (ولدينا كتاب ينطق بالحق) من تمام ما قبلها ~~من نفي التكليف بما فوق الوسع والمراد بالكتاب صحائف الأعمال: أي عندنا ~~كتاب قد أثبت فيه أعمال كل واحد من المكلفين على ما هي عليه، ومعنى " ينطق ~~بالحق " يظهر به الحق المطابق للواقع من دون زيادة ولا نقص، ومثله قوله ~~سبحانه " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق أنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون "، ~~وفى هذا تهديد للعصاة وتأنيس للمطيعين من الحيف والظلم. وقيل المراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ، فإنه قد كتب فيه كل شئ. وقيل المراد بالكتاب: ~~القرآن، والأول أولى. وفى هذه الآية تشبيه للكتاب بمن يصدر عنه البيان ~~بالنطق بلسانه، فإن الكتاب يعرب عما فيه كما يعرب الناطق المحق، وقوله ~~(بالحق). يتعلق بينطق، أو بمحذوف هو حال من فاعله: أي ينطق ملتبسا بالحق، ~~وجملة ms2638 (وهم لا يظلمون) مبينة لما قبلها من تفضله وعدله في جزاء عباده: أي ~~لا يظلمون بنقص ثواب أو بزيادة عقاب، ومثله قوله سبحانه " ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا "، ثم أضرب سبحانه عن هذا فقال (بل قلوبهم في غمرة ~~من هذا) والضمير للكفار: أي بل قلوب الكفار في غمرة غامرة لها عن هذا ~~الكتاب الذي ينطق بالحق، أو عن الأمر الذي عليه المؤمنون، يقال غمره الماء: ~~إذا غطاه، ونهر غمر: # يغطي من دخله، والمراد بها هنا الغطاء والغفلة أو الحيرة والعمى، وقد ~~تقدم الكلام على الغمرة قريبا (ولهم أعمال من دون ذلك) قال قتادة ومجاهد: ~~أي لهم خطايا لا بد أن يعملوها من دون الحق. وقال الحسن وابن زيد: # المعنى ولهم أعمال رديئة لم يعملوها من دون ما هم عليه لا بد أن يعملوها ~~فيدخلون بها النار، فالإشارة بقوله (ذلك) إما إلى أعمال المؤمنين، أو إلى ~~أعمال الكفار: أي لهم أعمال من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله، أو من ~~دون أعمال الكفار التي تقدم ذكرها من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر، ~~وهى فنون كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي من طعنهم في القرآن. قال ~~الواحدي: إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أن هذا إخبار عما سيعملونها من ~~أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها، وجملة (هم لها ~~عاملون) مقررة لما قبلها: أي واجب عليهم أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما ~~سبق لهم من الشقاوة لا محيص لهم عن ذلك. ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار فقال ~~(حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب) حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ~~والكلام هو الجملة الشرطية المذكورة، وهذه الجملة مبينة لما قبلها، والضمير ~~في مترفيهم راجع إلى من تقدم ذكره من الكفار، والمراد بالمترفين المتنعمين ~~منهم، وهم الذين أمدهم الله بما تقدم ذكره من المال والبنين، أو المراد بهم ~~الرؤساء منهم. والمراد بالعذاب هو عذابهم بالسيف يوم بدر، أو بالجوع بدعاء ~~النبي صلى الله عليه وآله ms2639 وسلم حيث قال: اللهم PageV03P489 # اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف. وقيل المراد بالعذاب ~~عذاب الآخرة، ورجح هذا بأن ما يقع منهم من الجؤار إنما يكون عند عذاب ~~الآخرة، لأنه الاستغاثة بالله ولم يقع منهم ذلك يوم بدر ولا في سنى الجوع. ~~ويجاب عنه بأن الجؤار في اللغة الصراخ والصياح. قال الجوهري: الجؤار مثل ~~الخوار، يقال جأر الثور يجأر: أي صاح، وقد وقع منهم ومن أهلهم وأولادهم عند ~~أن عذبوا بالسيف يوم بدر، وبالجوع في سنى الجوع، وليس الجؤار هاهنا مقيد ~~بالجؤار الذي هو التضرع بالدعاء حتى يتم ما ذكره ذلك القائل، وجملة (إذا هم ~~يجأرون) جواب الشرط، وإذا هي الفجائية، والمعنى: حتى إذا أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب فاجئوا بالصراخ، ثم أخبر سبحانه أنه يقال لهم حينئذ على جهة ~~التبكيت (لا تجأروا اليوم) فالقول مضمر، والجملة مسوقة لتبكيتهم وإقناطهم ~~وقطع أطماعهم، وخصص سبحانه المترفين مع أن العذاب لاحق بهم جميعا واقع على ~~مترفيهم وغير مترفيهم لبيان أنهم بعد النعمة التي كانوا فيها صاروا على ~~حالة تخالفها وتباينها، فانتقلوا من النعيم التام إلى الشقاء الخالص، وخص ~~اليوم بالذكر للتهويل، وجملة (إنكم منا لا تنصرون) تعليل للنهي عن الجؤار، ~~والمعنى: إنكم من عذابنا لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. وقيل المعنى: إنكم لا ~~يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب. # ثم عدد سبحانه عليهم قبائحهم توبيخا لهم فقال (قد كانت آياتي تتلى عليكم) ~~أي في الدنيا، وهى آيات القرآن (فكنتم على أعقابكم تنكصون) أي ترجعون ~~وراءكم، وأصل النكوص أن يرجع القهقري، ومنه قول الشاعر: # زعموا أنهم على سبل الحق * وأنا نكص على الأعقاب وهو هنا استعارة للإعراض ~~عن الحق، وقرأ علي بن أبي طالب " على أدباركم " بدل (على أعقابكم تنكصون) ~~بضم الكاف، وعلى أعقابكم متعلق بتنكصون، عن أو متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~فاعل تنكصون (مستكبرين به) الضمير في به راجع إلى البيت العتيق، وقيل ~~للحرم، والذي سوغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم ~~بولايته والقيام به، وكانوا يقولون: ms2640 لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم ~~وخدامه. وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين. وقيل الضمير عائد إلى القرآن. ~~والمعنى: أن سماعه يحدث لهم كبرا وطغيانا فلا يؤمنون به. قال ابن عطية: ~~وهذا قول جيد. وقال النحاس: القول الأول أولى وبينه بما ذكرنا. فعلى القول ~~الأول يكون به متعلقا بمستكبرين، وعلى الثاني يكون متعلقا ب‍ (سامرا) لأنهم ~~كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن ~~فيه، والسامر كالحاضر في الاطلاق على الجمع. قال الواحدي: السامر الجماعة ~~يسمرون بالليل.: أي يتحدثون، ويجوز أن يتعلق " به " بقوله (تهجرون) والهجر ~~بالفتح الهذيان: أي تهذون في شأن القرآن، ويجوز أن يكون من الهجر بالضم، ~~وهو الفحش. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو حياة " سمرا " بضم ~~السين وفتح الميم مشددة، وقرأ زيد بن علي وأبو رجاء " سمارا " ورويت هذه ~~القراءة عن ابن عباس، وانتصاب سامرا على الحال إما من فاعل تنكصون، أو من ~~الضمير في مستكبرين، وقيل هو مصدر جاء على لفظ الفاعل، يقال قوم سامر، ومنه ~~قول الشاعر: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر قال الراغب: ~~ويقال سامر وسمار، وسمر وسامرون. قرأ الجمهور " تهجرون " بفتح التاء ~~المثناة من فوق وضم الجيم. وقرأ نافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من ~~أهجر: أي أفحش في منطقه. وقرأ زيد بن علي وابن محيصن وأبو نهيك بضم التاء ~~وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هجر بالتشديد. وقرأ ابن أبي عاصم ~~كالجمهور إلا أنه بالياء التحتية، وفيه التفات. PageV03P490 # وقد أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي ~~الدنيا في نعت الخائفين، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، ~~قول الله (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب ~~الخمر وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال لا، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي، وهو ~~مع ذلك يخاف الله أن ms2641 لا يتقبل منه. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن ~~الأنباري في المصاحف وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالت عائشة: # يا رسول الله، فذكر نحوه. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس في قوله (والذين ~~يؤتون ما آتوا) قال: يعطون ما أعطوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في قوله (وقلوبهم وجلة) قال: يعملون خائفين. # وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر (والذين يؤتون ما آتوا) قال: ~~الزكاة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن المنذر عن عائشة (والذين ~~يأتون ما أتوا) قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه. وأخرج عبد بن حميد عن ~~ابن أبي ملكية قال: قالت عائشة: لأن تكون هذه الآية كما أقرأ أحب إلي من ~~حمر النعم، فقال لها ابن عباس: ما هي؟ قالت (الذين يؤتون ما آتوا) وقد ~~قدمنا ذكر قراءتها ومعناها. وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عنها عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ (والذين يؤتون ما أتوا) مقصورا من المجئ. # وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن المنذر ~~وابن أبي شيبة وابن الأنباري في المصاحف والدارقطني في الأفراد، والحاكم ~~صححه وابن مردويه عن عبيد بن عمير أنه سأل عائشة كيف كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقرأ هذه الآية (والذين يأتون ما آتوا)؟ قالت: أيتهما ~~أحب إليك. # قلت: والذي نفسي بيده لأحدهما أحب إلي من الدنيا وما فيها جميعا، قالت: ~~أيهما؟ قلت (الذين يأتون ما أتوا) فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يقرؤها كذلك، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف. وفى إسناده ~~إسماعيل بن علي وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) قال: سبقت لهم ~~السعادة من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (بل قلوبهم في غمرة من هذا) يعني ms2642 بالغمرة الكفر والشك (ولهم أعمال ~~من دون ذلك) يقول: أعمال سيئة دون الشرك (هم لها عاملون) قال: لا بد لهم أن ~~يعملوها. # وأخرج النسائي عنه (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب) قال: هم أهل بدر. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (إذا هم ~~يجأرون) قال: يستغيثون، وفى قوله (فكنتم على أعقابكم تنكصون) قال: # تدبرون، وفى قوله (سامرا تهجرون) قال: تسمرون حول البيت وتقولون هجرا. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (مستكبرين به) قال: بحرم الله أنه لا ~~يظهر عليهم فيه أحد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا (سامرا ~~تهجرون) قال: كانت قريش يتحلقون حلقا يتحدثون حول البيت. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ (مستكبرين به سامرا تهجرون) ~~قال: كان المشركون يهجرون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القول في ~~سمرهم. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية (مستكبرين به سامر تهجرون). # سورة المؤمنون الآية (68) PageV03P491 # سورة المؤمنون الآية (69 - 83) قوله (أفلم يدبروا القول) بين سبحانه أن ~~سبب إقدامهم على الكفر هو أحد هذه الأمور الأربعة: الأول عدم التدبر في ~~القرآن، فإنهم لو تدبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه، والهمزة ~~للإنكار والفاء للعطف على مقدر: أي فعلوا ما فعلوا فلم يتدبروا، والمراد ~~بالقول القرآن، ومثله " أفلا يتدبرون القرآن ". والثاني قوله (أم جاءهم ما ~~لم يأت آباءهم الأولين) أم هي المنقطعة: أي بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت ~~آباءهم الأولين، فكان ذلك سببا لاستنكارهم للقرآن، والمقصود تقرير أنه لم ~~يأت آباءهم الأولين رسول، فلذلك أنكروه، ومثله قوله " لتنذر قوما ما أنذر ~~آباؤهم " وقيل إنه أتى آباءهم الأقدمين رسل أرسلهم الله إليهم. كما هي سنة ~~الله سبحانه في إرسال الرسل إلى عباده، فقد عرف هؤلاء ذلك، فكيف ms2643 كذبوا هذا ~~القرآن. وقيل المعنى: أم جاءهم من الأمن من عذاب الله ما لم يأت آباءهم ~~الأولين كإسماعيل ومن بعده. والثالث قوله (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له ~~منكرون) وفى هذا إضراب وانتقال من التوبيخ بما تقدم إلى التوبيخ بوجه آخر: ~~أي بل ألم يعرفوه بالأمانة والصدق فأنكروه، ومعلوم أنهم قد عرفوه بذلك. ~~والرابع قوله (أم يقولون به جنة) وهذا أيضا انتقال من توبيخ إلى توبيخ: أي ~~بل أتقولون به جنة: أي جنون، مع أنهم قد عملوا أنه أرجح الناس عقلا، ولكنه ~~جاء بما يخالف هواهم فدفعوه وجحدوه تعصبا وحمية. ثم أضرب سبحانه عن ذلك كله ~~فقال (بل جاءهم بالحق) أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول، بل ~~جاءهم ملتبسا بالحق، والحق هو الدين القويم، (وأكثرهم للحق كارهون) لما ~~جبلوا عليه من التعصب، والانحراف عن الصواب، والبعد عن الحق، فلذلك كرهوا ~~هذا الحق الواضح الظاهر، وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ~~ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له، وجملة (ولو اتبع الحق ~~PageV03P492 # أهواءهم) مستأنفة مسوقة لبيان أنه لو جاء الحق عل ما يهوونه ويريدونه ~~لكان ذلك مستلزما للفساد العظيم، وخروج نظام العالم عن الصلاح بالكلية، وهو ~~معنى قوله (لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) قال أبو صالح وابن جريج ومقاتل ~~والسدي: الحق هو الله، والمعنى: لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكا لفسدت ~~السماوات والأرض. # وقال الفراء والزجاج: يجوز أن يكون المراد بالحق القرآن: أي لو نزل ~~القرآن بما يحبون من الشرك لفسد نظام العالم. # وقيل المعنى: ولو كان الحق ما يقولون من اتحاد الآلهة مع الله لاختلف ~~الآلهة، ومثل ذلك قوله " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " وقد ذهب إلى ~~القول الأول الأكثرون، ولكنه يرد عليه أن المراد بالحق هنا هو الحق المذكور ~~قبله في قوله (بل جاءهم بالحق) ولا يصح أن يكون المراد به هنالك الله ~~سبحانه، فالأولى تفسير الحق هنا وهناك بالصدق الصحيح من الدين الخالص من ~~شرع الله، والمعنى: ولو ورد ms2644 الحق متابعا لأهوائهم موافقا لفاسد مقاصدهم ~~لحصل الفساد، والمراد بقوله (ومن فيهن) من في السماوات والأرض من ~~المخلوقات. وقرأ ابن مسعود " وما بينهما " وسبب فساد المكلفين من بني آدم ~~ظاهر، وهو ذنوبهم التي من جملتها الهوى المخالف للحق، وأما فساد ما عداهم ~~فعلى وجه التبع لأنهم مدبرون في الغالب بذوي العقول فلما فسدو فسدوا. ثم ~~ذكر سبحانه أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال (بل أتيناهم بذكرهم) ~~والمراد بالذكر هنا القرآن: أي بالكتاب الذي هو فخرهم وشرفهم، ومثله قوله " ~~وإنه لذكر لك ولقومك " والمعنى: بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب ~~عليهم أن يقبلوه، ويقبلوا عليه. وقال قتادة: المعنى بذكرهم الذي ذكر فيه ~~ثوابهم وعقابهم. وقيل المعنى: بذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. وقرأ ابن ~~أبي إسحاق وعيسى بن عمر " أتيتهم " بتاء التكلم. وقرأ أبو حياة والجحدري " ~~أتيتهم " بتاء الخطاب: أي أتيتهم يا محمد. وقرأ عيسى بن عمر " بذكراهم " ~~وقرأ قتادة - نذكرهم " بالنون والتشديد من التذكير، وتكون الجملة على هذه ~~القراءة في محل نصب على الحال، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير (فهم عن ذكرهم ~~معرضون) أي هم بما فعلوا من الاستكبار والنكوص عن هذا الذكر المختص بهم ~~معرضون لا يلتفون إليه بحال من الأحوال، وفى هذا التركيب ما يدل على أن ~~إعراضهم مختص بذلك لا يتجاوزه إلى غيره. ثم بين سبحانه أن دعوة نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليست مشوبة بأطماع الدنيا فقال (أم تسألهم خرجا) وأم ~~هي المنقطعة، والمعنى: أم يزعمون أنك تسألهم خرجا تأخذه على الرسالة. ~~والخرج الأجر والجعل، فتركوا الإيمان بك وبما جئت به لأجل ذلك، مع أنهم ~~يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم (فخراج ربك خير) أي فرزق ربك الذي ~~يرزقك في الدنيا، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر. قرأ حمزة ~~والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب " أم تسألهم خراجا " وقرأ الباقون " خرجا " ~~وكلهم قرأوا (فخراج) إلا ابن عامر وأبا حياة فإنهما قرآ " فخرج " بغير ألف، ~~والخرج هو ms2645 الذي يكون مقابلا للدخل، يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك خرجا، ~~والخراج غالب في الضريبة على الأرض. قال المبرد: الخرج المصدر، والخراج ~~الاسم. قال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج ~~والخراج فقال: الخراج ما لزمك، والخرج ما تبرعت به. وروى عنه أنه قال: ~~الخرج من الرقاب.. والخراج من الأرض (وهو خير الرازقين) هذه الجملة مقررة ~~لما قبلها من كون خراجه سبحانه خير. # ثم لما أثبت سبحانه لرسوله من الأدلة الواضحة المقتضية لقبول ما جاء به ~~ونفى عنه أضداد ذلك قال (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) أي إلى طريق واضحة ~~تشهد العقول بأنها مستقيمة غير معوجة، والصراط في اللغة الطريق، فسمى الدين ~~طريقا لأنها تؤدي إليه. ثم وصفهم سبحانه بأنهم على خلاف ذلك فقال (وإن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) يقال: نكب عن الطريق ينكب ~~نكوبا: إذا عدل عنه ومال إلى غيره، والنكوب والنكب العدول والميل، ومنه ~~النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك لعدولها عن المهاب، وعن الصراط ~~PageV03P493 # متعلق يناكبون، والمعنى: أن هؤلاء الموصوفين بعدم الإيمان بالآخرة عن ذلك ~~الصراط أو جنس الصراط لعادلون عنه. ثم بين سبحانه أنهم مصرون على الكفر لا ~~يرجعون عنه بحال فقال (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر) أي من قحط وجدب ~~(للجوا في طغيانهم): أي لتمادوا في طغيانهم وضلالهم (يعمهون) يترددون ~~ويتذبذبون ويخبطون، وأصل اللجاج التمادي في العناد، ومنه اللجة بالفتح ~~لتردد الصوت، ولجة البحر تردد أمواجه، ولجة الليل ترد ظلامه. وقيل المعنى ~~لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجوا في طغيانهم (ولقد ~~أخذناهم بالعذاب) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها. والعذاب قيل هو ~~الجوع الذي أصابهم في سنى القحط، وقيل المرض، وقيل القتل يوم بدر، واختاره ~~الزجاج، وقيل الموت، وقيل المراد من أصابه العذاب من الأمم الخالية (فما ~~استكانوا لربهم) أي ما خضعوا ولا تذللوا، بل أقاموا على ما كانوا فيه من ~~التمرد على الله والانهماك في معاصيه (وما يتضرعون) أي وما يخشعون ms2646 لله في ~~الشدائد عند إصابتها لهم، ولا يدعونه لرفع ذلك (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ~~ذا عذاب شديد) قيل هو عذاب الآخرة، وقيل قتلهم يوم بدر بالسيف، وقيل القحط ~~الذي أصابهم، وقيل فتح مكة (إذا هم فيه مبلسون) أي متحيرون، لا يدرون ما ~~يصنعون، والإبلاس التحير والإياس من كل خير. # وقرأ السلمي " مبلسون " بفتح اللام من أبلسه: أي أدخله في الإبلاس. وقد ~~تقدم في الأنعام (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار) أمتن عليهم ببعض النعم ~~التي أعطاهم، وهى نعمة السمع والبصر (والأفئدة) فصارت هذه الأمور معهم ~~ليسمعوا المواعظ وينظروا العبر ويتفكروا بالأفئدة فلم ينتفعوا بشئ من ذلك ~~لإصرارهم على الكفر وبعدهم عن الحق، ولم يشكروه على ذلك ولهذا قال (قليلا ~~ما تشكرون) أي شكرا قليلا حقيرا غير معتد به باعتبار تلك النعم الجليلة. ~~وقيل المعنى: أنهم لا يشكرونه البتة، لا أن لهم شكرا قليلا. كما يقال لجاحد ~~النعمة: ما أقل شكره: أي لا يشكر، ومثل هذه الآية قوله - فما أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم - (وهو الذي ذرأكم في الأرض) أي بثكم فيها ~~كما تبث الحبوب لتنبت وقد تقدم تحقيقه (وإليه تحشرون) أي تجمعون يوم ~~القيامة بعد تفرقكم (وهو الذي يحيى ويميت على جهة الانفراد والاستقلال، وفى ~~هذا تذكير لنعمة الحياة، وبيان الانتقال منها إلى الدار الآخرة (وله اختلاف ~~الليل والنهار) قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في ~~السواد والبياض، وقيل اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر، وقيل تكررهما ~~يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة (أفلا تعقلون) كنه قدرته وتتفكرون في ذلك. ثم ~~بين سبحانه أن لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد المبني ~~على مجرد الاستبعاد فقال (بل قالوا مثل ما قال الأولون) أي آباؤهم ~~والموافقون لهم في دينهم. ثم بين ما قاله الأولون فقال (قالوا أئذا كنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون) فهذا مجرد استبعاد لم يتعلقوا فيه بشئ من ~~الشبه، ثم كملوا ذلك القول بقولهم (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل) أي ms2647 ~~وعدنا هذا البعث ووعده آباؤنا الكائنون من قبلنا فلم نصدقه كما لم يصدقه ~~(من قبلنا، ثم صرحوا بالتكذيب وفروا إلى مجرد الزعم الباطل فقالوا (إن هذا ~~إلا أساطير الأولين) أي ما هذا إلا أكاذيب الأولين التي سطروها في الكتب ~~جمع أسطورة كأحدوثة، والأساطير الأباطيل والترهات والكذب. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن أبي صالح في قوله (أم لم يعرفوا رسولهم) قال: عرفوه ولكنهم حسدوه. وفى ~~قوله (ولو اتبع الحق أهواءهم) قال: الحق الله عز وجل. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بل ~~أتيناهم بذكرهم) قال: بينا لهم. وأخرجوا عنه في قوله (عن الصراط لناكبون) ~~قال: عن الحق لحائدون. وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم PageV03P494 # والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ~~قال: جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد أنشدك ~~الله والرحم فقد أكلنا العلهز: يعني الوبر بالدم، فأنزل الله (ولقد أخذناهم ~~بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) وأصل الحديث في الصحيحين " أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال: اللهم ~~أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " الحديث. وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن ابن أثال الحنفي لما أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأسلم وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة، فحال بين أهل ~~مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال ~~بلى. قال: # فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع. فأنزل الله (ولقد أخذناهم ~~بالعذاب) الآية. وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب في قوله (فما ~~استكانوا لربهم وما يتضرعون) قال: أي لم يتواضعوا في الدعاء ولم يخضعوا، ~~ولو خضعوا لله لاستجاب لهم. وأخرج ابن ms2648 أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ~~ابن عباس في قوله (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد) قال: قد مضى، ~~كان يوم بدر. # سورة المؤمنون الآية (84 - 98). # أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل الكفار عن أمور لا ~~عذر لهم من الاعتراف فيها، ثم أمره أن ينكر عليهم بعد الاعتراف منهم ~~ويوبخهم فقال (قل لمن الأرض ومن فيها) أي قل يا محمد لأهل مكة هذه المقالة، ~~والمراد بمن في الأرض الخلق جميعا، وعبر عنهم بمن تغليبا للعقلاء (إن كنتم ~~تعلمون) شيئا من العلم، وجواب الشرط محذوف: أي إن كنتم تعلمون فأخبروني. ~~وفى هذا تلويح بجهلهم وفرط غباوتهم (سيقولون لله) أي لا بد لهم أن يقولوا ~~ذلك، لأنه معلوم ببديهة العقل، ثم أمره سبحانه أن يقول لهم بعد اعترافهم ~~(أفلا تذكرون) ترغيبا لهم في التدبر وإمعان النظر والفكر، فإن ذلك مما ~~يقودهم إلى اتباع الحق وترك الباطل، لأن من قدر على ذلك ابتداء PageV03P495 # قدر على إحياء الموتى (قل من رب السماوات ورب العرش العظيم. سيقولون لله) ~~جاء سبحانه باللام نظرا إلى معنى السؤال، فإن قولك: من ربه، ولمن هو في ~~معنى واحد، كقولك: من رب هذه الدار؟ فيقال زيد، ويقال لزيد. وقرأ أبو عمرو ~~وأهل العراق - سيقولون الله " بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال، وهذه القراءة ~~أوضح من قراءة الباقين باللام، ولكنه يؤيد قراءة الجمهور أنها مكتوبة في ~~جميع المصاحف باللام بدون ألف، وهكذا قرأ الجمهور في قوله (قل من بيده ~~ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله) باللام ~~نظرا إلى معنى السؤال كما سلف. وقرأ أبو عمرو وأهل العراق بغير لام نظرا ~~إلى لفظ السؤال، ومثل هذا قول الشاعر: # إذا قيل من رب المزالف والقرى * ورب الجياد الجرد قيل لخالد أي لمن ~~المزالف، والملكوت الملك، وزيادة التاء للمبالغة، نحو جبروت ورهبوت، ومعنى ~~(وهو يجير) أنه يغيث غيره إذا شاء ويمنعه (ولا يجار عليه) أي لا يمنع أحد ~~أحدا ms2649 من عذاب الله ولا يقدر على نصره وإغاثته، يقال أجرت فلانا: إذا استغاث ~~بك فحميته، وأجرت عليه: إذا حميت عنه (قل فأنى تسحرون) قال الفراء والزجاج: # أي تصرفون عن الحق وتخدعون، والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح ~~فاسدا، والخادع لهم هو الشيطان أو الهوى أو كلاهما. ثم بين سبحانه أنه قد ~~بالغ في الاحتجاج عليهم فقال (بل أتيناهم بالحق) أي الأمر الواضح الذي يحق ~~اتباعه (وإنهم لكاذبون) فيما ينسبونه إلى الله سبحانه من الولد والشريك، ثم ~~نفاهما عن نفسه فقال (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله) من في ~~الموضعين زائدة لتأكيد النفي. ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من ~~إثبات الشريك، فقال (إذا لذهب كل إله بما خلق) وفى الكلام حذف تقديره لو ~~كان مع الله آلهة لا نفرد كل إله بخلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك ~~الأخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب (ولعلا بعضهم على بعض) أي غلب ~~القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك ~~الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ~~ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، ~~وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه يدل على نفي الولد، لأن الولد ~~ينازع أباه في ملكه. ثم نزه سبحانه نفسه فقال (سبحان الله عما يصفون) أي من ~~الشريك والولد وإثبات ذلك لله عز وجل (عالم الغيب والشهادة) أي هو مختص ~~بعلم الغيب والشهادة، وأما غيره فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب. قرأ ~~نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي " عالم " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي ~~هو عالم. وقرأ الباقون بالجر على أنه صفة لله أو بدل منه. وروى عن يعقوب ~~أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ (فتعالى) الله (عما يشركون) معطوف ~~على معنى ما تقدم كأنه قال: علم الغيب فتعالى، كقولك: زيد شجاع فعظمت ~~منزلته: # أي شجع ms2650 فعظمت، أو يكون على إضمار القول: أي أقول فتعالى الله، والمعنى: ~~أنه سبحانه متعال عن أن يكون له شريك في الملك (قل رب إما تريني ما يوعدون) ~~أي إن كان ولا بد أن تريني ما يوعدون من العذاب المستأصل لهم (رب فلا ~~تجعلني في القوم الظالمين) أي قل يا رب فلا تجعلني. قال الزجاج: أي إن ~~أنزلت بهم النقمة يا رب فاجعلني خارجا عنهم، ومعنى كلامه هذا أن النداء ~~معترض، و " ما " في إما زائدة: أي قل رب إن تريني، والجواب فلا تجعلني، ~~وذكر الرب مرتين مرة قبل الشرط: ومرة بعده مبالغة في التضرع. وأمره الله أن ~~يسأله أن لا يجعله في القوم الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون مع القوم ~~الظالمين أبدا، تعليما له صلى الله عليه وآله وسلم من ربه كيف يتواضع؟ وقيل ~~يهضم نفسه، أو لكون شؤم الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله كقوله " واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب ~~ويسخرون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم PageV03P496 # إذا ذكر لهم ذلك أكد سبحانه وقوعه بقوله (وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون) أي أن الله سبحانه قادر على أن يرى رسوله عذابهم، ولكنه يؤخره ~~لعلمه بأن بعضهم سيؤمن، أو لكون الله سبحانه لا يعذبهم والرسول فيهم، وقيل ~~قد أراه الله سبحانه ذلك يوم بدر ويوم فتح مكة، ثم أمره سبحانه بالصبر إلى ~~أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) أي ادفع ~~بالخصلة التي هي أحسن من غيرها، وهى الصفح والإعراض عما يفعله الكفار من ~~الخصلة السيئة وهى الشرك. قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل هي محكمة ~~في حق هذه الأمة فيما بينهم، منسوخة في حق الكفار (نحن أعلم بما يصفون) أي ~~ما يصفونك به مما أنت على خلافه، أو بما يصفون من الشرك والتكذيب، وفى هذا ~~وعيد لهم بالعقوبة. ثم علمه سبحانه ما يقويه على ما أرشده إليه من العفو ~~والصفح ms2651 ومقابلة السيئة بالحسنة فقال (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) ~~الهمزات جمع همزة، وهى في اللغة الدفعة باليد أو بغيرها، وهمزات الشياطين ~~نزغاتهم ووساوسهم كما قاله المفسرون، يقول همزه ولمزه ونخسه: # أي دفعه، وقيل الهمز كلام من وراء القفا، واللمز المواجهة، وفيه إرشاد ~~لهذه الأمة إلى التعود من الشيطان، ومن همزات الشياطين سورات الغضب التي لا ~~يملك الإنسان فيها نفسه (وأعوذ بك رب أن يحضرون) أمره سبحانه أن يتعوذ ~~بالله من حضور الشياطين بعد ما أمره أن يتعوذ من همزاتهم، والمعنى: وأعوذ ~~بك أن يكونوا معي في حال من الأحوال، فإنهم إذا حضروا الإنسان لم يكن لهم ~~عمل إلا الوسوسة والإغراء على الشر والصرف عن الخير. وفى قراءة أبي " وقل ~~رب عائذا بك من همزات الشياطين. وعائذا بك رب أن يحضرون ". # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد في قوله (قل من بيده ملكوت كل شئ) قال: خزائن كل شئ. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عنه (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) يقول: أعرض عن ~~أذاهم إياك: وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء (ادفع ~~بالتي هي أحسن) قال: بالسلام. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن ~~أنس في قوله (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) قال: قول الرجل لأخيه ما ليس فيه، ~~فيقول إن كنت كاذبا فأنا أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقا فأنا أسأل ~~الله أن يغفر لي. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ~~والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ~~" كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من ~~الفزع: بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن ~~همزات الشياطين وأن يحضرون " قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ~~ولده أن يقولها عند نومه، ومن ms2652 كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له ~~فعلقها في عنقه. وفى إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف وأخرج أحمد عن ~~الوليد بن الوليد أنه قال " يا رسول الله إني لأجد وحشة، قال: إذا أخذت ~~مضجعك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات ~~الشياطين وأن يحضرون، فإنه لا يحضرك " وبالحري لا يضرك. # سورة المؤمنون الآية (99 - 101) PageV03P497 # سورة المؤمنون الآية (102 - 118) (حتى) هي الابتدائية دخلت على الجملة ~~الشرطية، وهى مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بقوله لكاذبون وقيل بيصفون، ~~والمراد بمجئ الموت مجئ علاماته (قال رب ارجعون) أي قال ذلك الأحد الذي ~~حضره الموت تحسرا وتحزنا على ما فرط منه رب ارجعون: أي ردوني إلى الدنيا، ~~وإنما قال ارجعون بضمير الجماعة لتعظيم المخاطب. وقيل هو على معنى تكرير ~~الفعل: أي ارجعني ارجعني ارجعني، ومثله قوله " ألقيا في جهنم " قال ~~المازني: معناه ألق ألق، وهكذا قيل في قول امرئ القيس: * قفا نبك من ذكرى ~~حبيب ومنزل * ومنه قول الحجاج * يا حرسي اضربا عنقه * ومنه قول الشاعر: * ~~ولو شئت حرمت النساء سواكم * وقول الآخر: * ألا فارحموني يا إله محمد *. # وقيل إنهم لما استغاثوا بالله قال قائلهم رب، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة ~~فقال: (ارجعون لعلى أعمل صالحا) أي أعمل عملا صالحا في الدنيا إذا رجعت ~~إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير، ولما تمنى أن يرجع ليعمل رد ~~الله عليه ذلك بقوله (كلا إنها كلمة هو قائلها) فجاء بكلمة الردع والزجر، ~~والضمير في إنها يرجع إلى قوله (رب ارجعون) أي إن هذه الكلمة هو قائلها لا ~~محالة، وليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، أو ~~المعنى: أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء كما في قوله " ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه " وقيل إن PageV03P498 # الضمير في قائلها يرجع إلى الله: أي لا خلف في خبره، وقد أخبرنا بأنه لا ~~يؤخر نفسا إذا جاء أجلها (ومن ورائهم برزخ) أي ms2653 من أمامهم وبين أيديهم: ~~والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين. قاله الجوهري. # واختلف في معنى الآية، فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد: حاجز بين الموت ~~والبعث. وقال الكلبي: هو الأجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقال ~~السدى: هو الأجل، و (إلى يوم يبعثون) هو يوم القيامة (فإذا نفخ في الصور) ~~قيل هذه هي النفخة الأولى، وقيل الثانية، وهذا أولى، وهي النفخة التي تقع ~~بين البعث والنشور، وقيل المعنى، فإذا نفخ في الأجساد أرواحها، على أن ~~الصور جمع صورة، لا القرن ويدل على هذا قراءة ابن عباس والحسن " الصور " ~~بفتح الواو مع ضم الصاد جمع صورة. وقرأ أبو رزين بفتح الصاد والواو. وقرأ ~~الباقون بضم الصاد وسكون الواو، وهو القرن الذي ينفخ فيه (فلا أنساب بينهم ~~يومئذ) أي لا يتفاخرون بالأنساب ويذكرونها لما هم فيه من الحيرة والدهشة ~~(ولا يتساءلون) أي لا يسأل بعضهم بعضا، فإن لهم إذ ذاك شغلا شاغلا، ومنه ~~قوله تعالى " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه "، وقوله " ~~ولا يسأل حميم حميما "، ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله " وأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون " فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة، ~~فالإثبات باعتبار بعضها، والنفي باعتبار بعض آخر كما قررناه في نظائر هذا، ~~مما أثبت تارة ونفي أخرى (فمن ثقلت موازينه) أي موزوناته من أعماله الصالحة ~~(فأولئك هم المفلحون) أي الفائزون بمطالبهم المحبوبة، الناجون من الأمور ~~التي يخافونها (ومن خفت موازينه) وهى أعماله الصالحة (فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم) أي ضيعوها وتركوا ما ينفعها (في جهنم خالدون) هذا بدل من صلة ~~الموصول، أو خبر ثان لاسم الإشارة، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى ~~فلا نعيده، وجملة (تلفح وجوههم النار) مستأنفة، ويجوز أن تكون في محل نصب ~~على الحال، أو تكون خبرا آخر لأولئك، واللفح الإحراق، يقال لفحته النار، ~~إذا أحرقته، ولفحته بالسيف: # إذا ضربته، وخص الوجوه لأنها أشرف الأعضاء (وهم فيها كالحون) هذه الجملة ~~في محل نصب على الحال، والكالح الذي قد تشمرت ms2654 شفتاه وبدت أسنانه، قاله ~~الزجاج. ودهر كالح: أي شديد. قال أهل اللغة: الكلوح تكنيز في عبوس، وجملة ~~(ألم تكن آياتي تتلى عليكم) هي على إضمار القول: أي يقال لهم ذلك توبيخا ~~وتقريعا: # أي ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا (فكنتم بها تكذبون) وجملة (قالوا ~~ربنا غلبت علينا شقوتنا) مستأنفة جواب سؤال مقدر: أي غلبت علينا لذاتنا ~~وشهواتنا، فسمى ذلك شقوة، لأنه يؤول إلى الشقاء. قرأ أهل المدينة وأبو عمرو ~~وعاصم " شقوتنا " وقرأ الباقون " شقاوتنا " وهذه القراءة مروية عن ابن ~~مسعود والحسن (وكنا قوما ضالين) أي بسبب ذلك فإنهم ضلوا عن الحق بتلك ~~الشقوة. ثم طلبوا ما لا يجابون إليه فقالوا (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا ~~فإنا ظالمون) أي فإن عدنا إلى ما كنا عليه من الكفر وعدم الإيمان فإنا ~~ظالمون لأنفسنا بالعود إلى ذلك، فأجاب الله عليهم بقوله (قال اخسئوا فيها ~~ولا تكلمون) أي اسكنوا في جهنم. قال المبرد: الخسء إبعاد بمكروه وقال ~~الزجاج: تباعدوا تباعد سخط وأبعدوا بعد الكلب. فالمعنى على هذا: أبعدوا في ~~جهنم، كما يقال للكلب اخسأ: أي أبعد، خسأت الكلب خسأ طردته، ولا تكلمون في ~~إخراجكم من النار ورجوعكم إلى الدنيا، أو في رفع العذاب عنكم، وقيل المعنى: ~~لا تكلمون رأسا. ثم علل ذلك بقوله (إنه كان فريق من عبادي يقولون) وهم ~~المؤمنون، وقيل الصحابة، يقولون (ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين) قرأ الجمهور " إنه كان فريق " بكسر إن استئنافا تعليليا " وقرأ ~~أبي بفتحها (فاتخذتموهم سخريا) قرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين. وقرأ ~~PageV03P499 # الباقون بكسرها. وفرق بينهما أبو عمرو فجعل الكسر من جهة الهزو، والضم من ~~جهة السخرية. قال النحاس: # ولا يعرف هذا الفرق الخليل ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء، وحكى ~~الثعلبي عن الكسائي: أن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضم ~~بمعنى التسخير والاستبعاد بالفعل (حتى أنسوكم ذكرى) أي اتخذتموهم سخريا إلى ~~هذه الغاية فإنهم نسوا ذكر الله لشدة اشتغالهم بالاستهزاء (وكنتم منهم ~~تضحكون) في الدنيا، والمعنى: حتى نسيتم ذكري باشتغالكم بالسخرية ms2655 والضحك، ~~فنسب ذلك إلى عباده المؤمنين لكونهم السبب، وجملة (إني جزيتهم اليوم بما ~~صبروا) مستأنفة لتقرير ما سبق، والباء في بما صبروا للسببية (أنهم هم ~~الفائزون) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ الباقون ~~بالفتح: أي لأنهم الفائزون، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه المفعول الثاني ~~للفعل (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين القائل هو الله عز وجل وتذكيرا لهم ~~كم لبثوا؟ لما سألوا الرجوع إلى الدنيا بعد أن أخبرهم بأن ذلك غير كائن كما ~~في قوله: اخسئوا فيها، والمراد بالأرض هي الأرض التي طلبوا الرجوع إليها، ~~ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوه في الحياة وفى القبور، وقيل هو ~~سؤال عن مدة لبثهم في القبور لقوله: في الأرض، ولم يقل على الأرض، ورد بمثل ~~قوله تعالى " ولا تفسدوا في الأرض " وانتصاب عدد سنين على التمييز، لما في ~~كم من الإبهام، وسنين بفتح النون على أنها نون الجمع، ومن العرب من يخفضها ~~وينونها (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) استقصروا مدة لبثهم لما هم فيه من ~~العذاب الشديد. وقيل إن العذاب رفع عنهم بين النفختين، فنسوا ما كانوا فيه ~~من العذاب في قبورهم، وقيل أنساهم الله ما كانوا فيه من العذاب من النفخة ~~الأولى إلى النفخة. الثانية ثم لما عرفوا ما أصابهم من النسيان لشدة ما هم ~~فيه من الهول العظيم أحالوا على غيرهم فقالوا (فاسأل العادين) أي المتمكنين ~~من معرفة العدد، وهم الملائكة، لأنهم الحفظة العارفون بأعمال العباد ~~وأعمارهم، وقيل المعنى: فاسأل الحاسبين العارفين بالحساب من الناس. وقرأ ~~ابن كثير وحمزة والكسائي " قل كم لبثتم في الأرض " على الأمر، والمعنى: قل ~~يا محمد للكفار، أو يكون أمرا للملك بسؤالهم، أو التقدير: قولوا كم لبثتم، ~~فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد، والمراد الجماعة، وقرأ الباقون " قال كم ~~لبثتم " على أن القائل هو الله عز وجل أو الملك (قال إن لبثتم إلا قليلا) ~~قرأ حمزة والكسائي " قل إن لبثتم " كما في الآية الأولى، وقرأ الباقون قال ~~على الخبر، وقد ms2656 تقدم توجيه القراءتين: أي مالبثتم في الأرض إلا لبثا قليلا ~~(لو أنكم كنتم تعلمون) شيئا من العلم، والجواب محذوف: أي لو كنتم تعلمون ~~لعلمتم اليوم قلة لبثكم في الأرض أو في القبور أو فيهما، فكل ذلك قليل ~~بالنسبة إلى لبثهم. ثم زاد سبحانه في توبيخهم فقال (أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا) الهمزة للتوبيخ والتقرير، والفاء للعطف على مقدر كما تقدم بيانه في ~~مواضع: أي ألم تعلموا شيئا فحسبتم، وانتصاب عبثا على الحال: أي عابثين أو ~~على العلة: أي للعبث. قال بالأول سيبويه وقطرب، وبالثاني أبو عبيدة. وقال ~~أيضا: يجوز أن يكون منتصبا على المصدرية، وجملة (وأنكم إلينا لا ترجعون) ~~معطوفة على أنما خلقناكم عبثا، والعبث في اللغة: # اللعب، يقال عبث يعبث عبثا فهو عابث: أي لاعب، وأصله من قولهم عبثت ~~الأقط: أي خلطته، والمعنى: # أفحسبتم أن خلقنا لكم للإهمال كما خلقت البهائم ولا ثواب ولا عقاب، وأنكم ~~إلينا لا ترجعون بالبعث والنشور فنجازيكم بأعمالكم. قرأ حمزة والكسائي " ~~ترجعون " بفتح الفوقية وكسر الجيم مبنيا للفاعل، وقرأ الباقون على البناء ~~للمفعول. وقيل إنه يجوز عطف وأنكم إلينا لا ترجعون على عبثا على معنى: أنما ~~خلقناكم للعبث ولعدم الرجوع. # ثم نزه سبحانه نفسه فقال (فتعالى الله) أي تنزه عن الأولاد والشركاء أو ~~عن أن يخلق شيئا عبثا، أو عن جميع ذلك، وهو (الملك) الذي يحق له الملك على ~~الإطلاق (الحق) في جميع أفعاله وأقواله (لا إله إلا هو رب العرش ~~PageV03P500 # الكريم) فكيف لا يكون إلها وربا، لما هو دون العرش الكريم من المخلوقات، ~~ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة والخير منه، أو باعتبار من استوى عليه، ~~كما يقال بيت كريم: إذا كان ساكنوه كراما. قرأ أبو جعفر وابن محيصن ~~وإسماعيل وأبان بن ثعلب " الكريم " بالرفع على أنه نعت لرب، وقرأ الباقون ~~بالجر على أنه نعت للعرش. # ثم زيف ما عليه أهل الشرك توبيخا لهم وتقريعا فقال (ومن يدع مع الله إلها ~~آخر) يعبده مع الله أو يعبده وحده، وجملة (لا برهان له به) في محل ms2657 نصب صفة ~~لقوله إلها، وهى صفة لازمة جئ بها للتأكيد، كقوله " يطير بجناحيه " ~~والبرهان: الحجة الواضحة والدليل الواضح، وجواب الشرط قوله (فإنما حسابه ~~عند ربه) وجملة لا برهان له به معترضة بين الشرط والجزاء، كقولك: من أحسن ~~إلى زيد لا أحق منه بالإحسان، فالله مثيبه، وقيل إن جواب الشرط قوله: لا ~~برهان له به على حذف فاء الجزاء كقول الشاعر: * من يفعل الحسنات الله ~~يشكرها * (إنه لا يفلح الكافرون) قرأ الحسن وقتادة بفتح " أن " على ~~التعليل، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، وقرأ الحسن " لا يفلح " بفتح ~~الياء واللام مضارع فلح بمعنى أفلح. ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يدعوه بالمغفرة والرحمة فقال (وقل رب اغفر وارحم ~~وأنت خير الراحمين) أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته، وقيل أمره ~~بالاستغفار لأمته. وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين، ووجه اتصال هذا بما ~~قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه والالتجاء إلى ~~غفرانه ورحمته. # وقد أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: ~~إذا أدخل الكافر في قبره فيرى مقعده من النار (قال رب ارجعون) أتوب أعمل ~~صالحا، فيقال له قد عمرت ما كنت معمرا، فيضيق عليه قبره، فهو كالمنهوش ~~ينازع ويفزع تهوى إليه حياة الأرض وعقاربها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن جريج قال: زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة: إن ~~المؤمن إذا عاين الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم ~~والأحزان، بل قدما إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك، فيقول: رب ~~ارجعون (لعلى أعمل صالحا فيما تركت) وهو مرسل. وأخرج الديلمي عن جابر بن ~~عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا حضر الإنسان ~~الوفاة يجمع له كل شئ يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه، فعند ذلك يقول: # رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ". وأخرج البيهقي في الأسماء ~~والصفات من طريق عكرمة عن ابن ms2658 عباس في قوله (أعمل صالحا) قال: أقول لا إله ~~إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل ~~القبور، يدخل عليهم في قبورهم حياة سود، حية عند رأسه وحية عند رجليه، ~~يقرصانه حتى تلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله (ومن ~~وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) قال: حين نفخ في ~~الصور، فلا يبقى حي إلا الله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أنه سئل عن قوله (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون) وقوله " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " فقال: إنها مواقف، فأما ~~الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى ولا أنساب ~~بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون. ~~وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عنه أيضا أنه سئل عن الآيتين فقال: أما قوله ~~(ولا يتساءلون) فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شئ، وأما قوله ~~(فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون. وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع ~~الله الأولين PageV03P501 # والآخرين. وفى لفظ: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس ~~الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: ألا إن هذا فلان بن فلان، فمن كان له حق ~~قبله فليأت إلى حقه. وفى لفظ: من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه، فيفرح ~~والله المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا، ~~ومصداق ذلك في كتاب الله (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون). وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن ~~مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms2659 وآله وسلم " إن الأنساب تنقطع يوم ~~القيامة غير نسبي وسببي وصهري ". وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم ~~والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ". وأخرج ابن ~~عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كل نسب ~~وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري ". # وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول على المنبر " ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا ينفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، ~~وإني أيها الناس فرط لكم ". وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (تلفح وجوههم ~~النار) قال: تنفخ. وأخرج ابن مردويه والضياء في صفة النار عن أبي الدرداء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله " (تلفح وجوههم النار) ~~قال: تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم ". وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ~~ابن مسعود في الآية قال: لفحتهم لفحة فما أبقت لحما على عظم إلا ألقته على ~~أعقابهم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن أبي الدنيا في صفة ~~النار وأبو يعلي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في ~~الحلية وابن مردويه في قوله (وهم فيها كالحون) قال: تشويه النار فتقلص شفته ~~العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. وأخرج عبد ~~الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم، وصححه عن ابن مسعود في الآية قال: كلوح الرأس النضيج ~~بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (كالحون) قال: # عابسون. وقد ورد في صفة أهل النار وما يقولونه وما يقال لهم أحاديث كثيرة ~~معروفة. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~السني في عمل اليوم ms2660 والليلة، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود ~~" أنه قرأ في أذن مصاب (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) حتى ختم السورة فبرئ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " بماذا قرأت في أذنه؟ فأخبره، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا ~~قرأ بها على جبل لزال ". وأخرج ابن السني وابن مندة وأبو نعيم في المعرفة، ~~قال السيوطي بسند حسن من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا ~~وأصبحنا (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) فقرأناها ~~فغنمنا وسلمنا ا ه‍ بحمد الله تعالى تم طبع الجزء الثالث، ويليه: الجزء ~~الرابع وأوله: تفسير سورة النور PageV03P502 # فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير تأليف محمد ~~بن علي بن محمد الشوكاني وفاته بصنعاء 1250 ه‍ الجزء الرابع عالم الكتب ~~PageV04P001 # بسم الله الرحمن الرحيم تفسير سورة النور هي مدنية، وآياتها أربع وستون ~~آية أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا: أنزلت سورة النور ~~بالمدينة. وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة مرفوعا: لا ~~تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة: يعني النساء، وعلموهن الغزل وسورة ~~النور. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " علموا رجالكم سورة المائدة، وعلموا نساءكم ~~سورة النور " وهو مرسل. وأخرج أبو عبيد في فضائله عن حارثة بن مضرب قال: ~~كتب إلينا عمر بن الخطاب أن تعلموا سورة النساء والأحزاب والنور. # السورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة، ~~ومنه قوله زهير: # ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب أي منزلة، قرأ ~~الجمهور (سورة) بالرفع وفيه وجهان: أحدهما أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف: أي ~~هذه سورة، ورجحه الزجاج والفراء والمبرد، قالوا: لأنها نكرة، ولا يبتدأ ~~بالنكرة في كل موضع. والوجه ms2661 الثاني أن يكون مبتدأ PageV04P003 # وجاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله (أنزلناها) والخبر (الزانية ~~والزاني) ويكون المعنى: السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة ~~عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختم، وهذا معنى صحيح، ولا وجه لما قاله الأولون ~~من تعليل المنع من الابتداء بها كونها نكرة فهي نكرة مخصصة بالصفة، وهو ~~مجمع على جواز الابتداء بها. وقيل هي مبتدأ محذوف الخبر على تقدير: فيما ~~أوحينا إليك سورة، ورد بأن مقتضى المقام ببيان شأن هذه السورة الكريمة، لا ~~بيان أن في جملة ما أوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سورة شأنها كذا ~~وكذا. وقرأ الحسن بن عبد العزيز وعيسى الثقفي وعيسى الكوفي ومجاهد وأبو ~~حيوة وطلحة بن مصرف بالنصب، وفيه أوجه: الأول أنها منصوبة بفعل مقدر غير ~~مفسر بما بعده، تقديره أتل سورة، أو اقرأ سورة. والثاني أنها منصوبة بفعل ~~مضمر يفسره ما بعده على ما قيل في باب اشتغال الفعل عن الفاعل بضميره: أي ~~أنزلنا سورة أنزلناها، فلا محل لأنزلناها هاهنا لأنها جملة مفسرة، بخلاف ~~الوجه الذي قبله فإنها في محل نصب على أنها صفة لسورة. الوجه الثالث أنها ~~منصوبة على الإغراء: أي دونك سورة قاله صاحب الكشاف. ورده أبو حيان بأنه لا ~~يجوز حذف أداة الإغراء. الرابع أنها منصوبة على الحال من ضمير أنزلناها، ~~قال الفراء: هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن تتقدم عليه، ~~وعلى هذا فالضمير في أنزلناها ليس عائدا على سورة، بل على الأحكام، كأنه ~~قيل: أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~(وفرضناها) بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. قال أبو عمرو: فرضناها ~~بالتشديد: أي قطعناها في الإنزال نجما نجما، والفرض القطع، ويجوز أن يكون ~~التشديد للتكثير أو للمبالغة، ومعنى التخفيف أوجبناها وجعلناها مقطوعا بها، ~~وقيل ألزمناكم العمل بها، وقيل قدرنا ما فيها من الحدود، والفرض التقدير، ~~ومنه - إن الذي فرض عليك القرآن _ (وأنزلنا فيها آيات بينات) أي أنزلنا في ~~غضونها وتضاعيفها، ومعنى كونها بينات ms2662 أنها واضحة الدلالة على مدلولها، ~~وتكرير أنزلنا لكمال العناية بإنزال هذه السورة، لما اشتملت عليه من ~~الأحكام (الزانية والزاني)، هذا شروع في تفصيل ما أجمل من الآيات البينات، ~~والارتفاع على الابتداء، والخبر (فاجلدوا كل واحد منهما) أو على الخبرية ~~لسورة كما تقدم، والزنا هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة ~~نكاح. وقيل هو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، والزانية هي المرأة ~~المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبئ عنه الصيغة لا المكرهة، وكذلك الزاني، ~~ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش، وأما على ~~مذهب سيبويه فالخبر محذوف، والتقدير: فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ثم بين ~~ذلك بقوله (فاجلدوا) والجلد الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل بطنه إذا ~~ضرب بطنه، ورأسه إذا ضرب رأسه، وقوله (مائة جلدة) هو حد الزاني الحر البالغ ~~البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد، وهي تغريب عام، ~~وأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسون جلدة لقوله سبحانه " فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " وهذا نص في الإماء، ~~وألحق بهن العبيد لعدم الفارق، وأما من كان محصنا من الأحرار فعليه الرجم ~~بالسنة الصحيحة المتواترة وبإجماع أهل العلم بل وبالقرآن المنسوخ لفظه ~~الباقي حكمه وهو " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " وزاد جماعة من ~~أهل العلم مع الرجم جلد مائة، وقد أوضحنا ما هو الحق في ذلك في شرحنا ~~للمنتقى، وقد مضى الكلام في حد الزنا مستوفى، وهذه الآية ناسخة لآية الحبس ~~وآية الأذى اللتين في سورة النساء. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي ويحيى بن يعمر ~~وأبو جعفر وأبو شيبة " الزانية والزاني " بالنصب، قيل وهو القياس عند ~~سيبويه لأنه عنده كقولك زيدا اضرب. وأما الفراء والمبرد والزجاج فالرفع ~~عندهم أوجه وبه قرأ الجمهور. ووجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن ~~PageV04P004 # الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهن رايات تنصب على ~~أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن. ms2663 وقيل وجه التقديم أن المرأة هي ~~الأصل في الفعل، وقيل لأن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب، وقيل لأن العار ~~فيهن أكثر إذ موضوعهن الحجبة والصيانة، فقدم ذكر الزانية تغليظا واهتماما. ~~والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل للمسلمين أجمعين، لأن ~~إقامة الحدود واجبة عليهم جميعا، والإمام ينوب عنهم، إذ لا يمكنهم الاجتماع ~~على إقامة الحدود (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) يقال رأف يرأف رأفة ~~على وزن فعلة، ورأفة على وزن فعالة، مثل النشأة والنشاءة وكلاهما بمعنى ~~الرقة والرحمة، وقيل هي أرق الرحمة. وقرأ الجمهور " رأفة " بسكون الهمزة، ~~وقرأ ابن كثير بفتحها، وقرأ ابن جريج " رأفة " بالمد كفعالة، ومعنى " في ~~دين الله " في طاعته وحكمه - كما في قوله - ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ~~- ثم قال مثبتا للمأمورين ومهيجا لهم (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ~~كما تقول للرجل تحضه على أمر: إن كنت رجلا فافعل كذا: أي إن كنتم تصدقون ~~بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود (وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين) أي ليحضره زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما ~~وإشهار فضيحتهما، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشئ، من الطوف، وأقل ~~الطائفة ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل واحد، وقيل أربعة، وقيل عشرة. # ثم ذكر سبحانه شيئا يختص بالزاني والزانية، فقال (الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة). # قد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال: الأول أن المقصود منها ~~تشنيع الزنا وتشنيع أهله وأنه محرم على المؤمنين، ويكون معنى الزاني لا ~~ينكح: الوطء لا العقد: أي الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا تزني إلا ~~بزان، وزاد ذكر المشركة والمشرك لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا. ورد ~~هذا الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، ويرد هذا ~~الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه، ومنه قوله - حتى ~~تنكح زوجا غيره - فقد بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بأن المراد به ~~الوطء، ms2664 ومن جملة القائلين بأن معنى الزاني لا ينكح إلا زانية الزاني لا ~~يزني إلا بزانية سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة، كما حكاه ابن جرير عنهم، ~~وحكاه الخطابي عن ابن عباس. القول الثاني: أن الآية هذه نزلت في امرأة خاصة ~~كما سيأتي بيانه فتكون خاصة بها كما قاله الخطابي. القول الثالث: أنها نزلت ~~في رجل من المسلمين، فتكون خاصة به قاله مجاهد. الرابع: أنها نزلت في أهل ~~الصفة، فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح. الخامس: أن المراد بالزاني والزانية ~~المحدودان حكاه الزجاج وغيره عن الحسن قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز ~~لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة. وروى نحوه عن إبراهيم النخعي، وبه قال بعض ~~أصحاب الشافعي. قال ابن العربي: وهذا معنى لا يصح نظرا كما لم يثبت نقلا. ~~السادس: أن الآية هذه منسوخة بقوله سبحانه " وأنكحوا الأيامى منكم ". قال ~~النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. القول السابع: أن هذا الحكم مؤسس ~~على الغالب، والمعنى: أن غالب الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، ~~وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن، والمقصود زجر المؤمنين ~~عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا، وهذا أرجح الأقوال، وسبب النزول يشهد ~~له كما سيأتي. # وقد اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها، فقال الشافعي وأبو ~~حنيفة بجواز ذلك. وروي عن ابن عباس، وروي عن عمر وابن مسعود وجابر أنه لا ~~يجوز. قال ابن مسعود: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان ~~أبدا، وبه قال مالك، ومعنى (وحرم ذلك على المؤمنين) أي نكاح الزواني، لما ~~فيه من PageV04P005 # التشبه بالفسقة والتعرض للتهمة والطعن في النسب. وقيل هو مكروه فقط، وعبر ~~بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في الزجر. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (سورة أنزلناها وفرضناها) قال: بيناها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله ms2665 بن عبد الله ~~بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها وظهرها، فقلت (ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله) قال: يا بنى ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن الله لم يأمرني ~~أن أقتلها ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قال: ~~الطائفة الرجل فما فوقه. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في سننه والضياء المقدسي في المختارة من طريق سعيد ابن جبير عن ~~ابن عباس في قوله (الزاني لا ينكح) قال: ليس هذا بالنكاح، ولكن الجماع، لا ~~يزني بها حين يزنى إلا زان أو مشرك (وحرم ذلك على المؤمنين) يعنى الزنا. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله (الزاني لا ينكح إلا ~~زانية) قال: كن نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم ~~جميل، فكان الرجل من المسلمين يتزوج إحداهن لتنفق عليه من كسبها، فنهى الله ~~سبحانه أن يتزوجهن أحد من المسلمين، وهو مرسل. وأخرج عبد بن حميد عن سليمان ~~بن يسار نحوه مختصرا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء عن ابن عباس ~~قال: كانت بغايا في الجاهلية بغايا آل فلان، وبغايا آل فلان، فقال الله ~~(الزاني لا ينكح إلا زانية) الآية، فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية، وروى ~~نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الضحاك ~~في الآية قال: إنما عنى بذلك الزنا ولم يعن به التزويج. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة نحوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في هذه الآية ~~قال: الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة أو مشركة ~~من غير أهل ms2666 القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل ~~القبلة أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرم الزنا على المؤمنين. وأخرج أحمد ~~وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: ~~كانت امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت تسافح وتشترط أن تنفق عليه، فأراد رجل ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوجها، فأنزل الله ~~(الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك). وأخرج عبد بن حميد وأبو داود ~~والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " ~~كان رجل يقال له مرثد، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة وكانت ~~امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وذكر قصة وفيها: فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ فلم يرد علي ~~شيئا حتى نزلت (الزاني لا ينكح إلا زانية) الآية، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: يا مرثد (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) فلا تنكحها. وأخرج ابن جرير ~~عن عبد الله بن عمرو في الآية قال: كن نساء معلومات، فكان الرجل من فقراء ~~المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. وأخرج أبو ~~داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس: أنها نزلت في ~~بغايا معلنات كن في الجاهلية وكن زواني مشركات، فحرم الله PageV04P006 # نكاحهن على المؤمنين. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق شعبة مولى ابن عباس قال: كنت مع ~~ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله علي، ~~وقد رزقني الله ms2667 منها توبة فأردت أن أتزوجها، فقال الناس: الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كن نساء ~~بغايا متعالنات يجعلن على أبوابهن رايات يأتيهن الناس يعرفن بذلك، فأنزل ~~الله هذه الآية، تزوجها فما كان فيها من إثم فعلي. وأخرج أبو داود وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والحاكم عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله ". ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن علي بن أبي طالب أن رجلا تزوج امرأة، ~~ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد، فجاءوا به إلى علي ففرق بينه وبين امرأته، ~~وقال: لا تتزوج إلا مجلودة مثلك. # قوله (والذين يرمون) استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول ~~كما قال النابغة: # * وجرح اللسان كجرح اليد * وقال آخر: # رماني بأمر كنت عنه ووالدي * بريا ومن أجل الطوى رماني ويسمى هذا الشتم ~~بهذه الفاحشة الخاصة قذفا، والمراد بالمحصنات النساء، وخصهن بالذكر لأن ~~قذفهن أشنع والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف ~~بين علماء هذه الأمة، وقد جمعنا في ذلك رسالة رددنا بها على بعض المتأخرين ~~من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك. وقيل إن الآية تعم الرجال ~~والنساء، والتقدير: والأنفس المحصنات، ويؤيد هذا قوله تعالى في آية أخرى " ~~والمحصنات من النساء " فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات ~~يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى، وقيل أراد بالمحصنات الفروج ~~كما قال - والتي أحصنت فرجها _ فتتناول الآية الرجال والنساء. وقيل إن لفظ ~~المحصنات وإن كان للنساء لكنه هاهنا يشمل النساء والرجال تغليبا، وفيه أن ~~تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب والمراد بالمحصنات هنا ~~العفائف، وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعاني. ~~وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في ~~كتب الفقه، منها ما هو مأخوذ من دليل، ms2668 ومنها PageV04P007 # ما هو مجرد رأي بحت. قرأ الجمهور " والمحصنات " بفتح الصاد، وقرأ يحيى بن ~~وثاب بكسرها. وذهب الجمهور من العلماء أنه لا حد على من قذف كافرا أو كافرة ~~وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: إنه يجب عليه الحد. وذهب ~~الجمهور أيضا أن العبد يجلد أربعين جلدة. وقال ابن مسعود وعمر بن عبد ~~العزيز وقبيصة: # يجلد ثمانين. قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا ~~افترى عليه لتباين مرتبتهما، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما ~~قال. # ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال (ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء) أي يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن، ولفظ ثم يدل على أنه يجوز ~~أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف، وبه قال الجمهور، وخالف في ذلك ~~مالك. وظاهر الآية أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين، وخالف في ذلك ~~الحسن ومالك، وإذا لم تكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف. وقال ~~الحسن والشعبي: إنه لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد ~~وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي الله عنه من ~~جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا، ولم يخالف في ذلك أحد من ~~الصحابة رضي الله عنه. قرأ الجمهور " بأربعة شهداء " بإضافة أربعة إلى ~~شهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة بن عمرو بتنوين أربعة. # وقد اختلف في إعراب شهداء على هذه القراءة، فقيل هو تمييز. ورد بأن ~~المميز من ثلاثة إلى عشرة يضاف إليه العدد كما هو مقرر في علم النحو. وقيل ~~إنه في محل نصب على الحال. ورد بأن الحال لا يجيء من النكرة التي لم تخصص. ~~وقيل إن شهداء في محل جر نعتا لأربعة، ولما كان فيه ألف التأنيث لم ينصرف. ~~وقال النحاس: # يجوز أن يكون شهداء ms2669 في موضع نصب على المفعولية: أي ثم لم يحضروا أربعة ~~شهداء، وقد قوى ابن جني هذه القراءة، ويدفع ذلك قول سيبويه إن تنوين العدد ~~وترك إضافته إنما يجوز في الشعر. ثم بين سبحانه ما يجب على القاذف فقال ~~(فاجلدوهم ثمانين جلدة) الجلد الضرب كما تقدم، والمجالدة المضاربة في ~~الجلود أو بالجلود، ثم أستعير للضرب بالعصى والسيف وغيرهما، ومنه قول قيس ~~بن الخطيم: # أجالدهم يوم الحديقة حاسرا * كأن يدي بالسيف مخراق لاعب وقد تقدم بيان ~~الجلد قريبا، وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر، وجلدة منتصبة على التمييز، ~~وجملة (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) معطوفة على اجلدوا: أي فاجمعوا لهم بين ~~الأمرين: الجلد، وترك قبول الشهادة، لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل ~~فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية. واللام في لهم متعلقة بمحذوف ~~هو حال من شهادة ولو تأخرت عليها لكانت صفة لها، ومعنى " أبدا ": ما داموا ~~في الحياة. ثم بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم وإصرارهم عليه وعدم ~~رجوعهم إلى التوبة فقال (وأولئك هم الفاسقون) وهذه جملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها، والفسق هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة الحد بالمعصية، وجوز أبو البقاء ~~أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال. ثم بين سبحانه أن هذا التأييد ~~لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال (إلا الذين تابوا) وهذه الجملة في ~~محل نصب على الاستثناء، لأنه من موجب، وقيل يجوز أن يكون في موضع خفض على ~~البدل، ومعنى التوبة قد تقدم تحقيقه، ومعنى (من بعد ذلك) من بعد اقترافهم ~~الذنب القذف، ومعنى (وأصلحوا) إصلاح أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف ~~ومداركة ذلك بالتوبة والانقياد للحد. PageV04P008 # وقد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء هل يرجع إلى الجملتين قبله؟ وهي ~~جملة عدم قبول الشهادة، وجملة الحكم عليهم بالفسق، أم إلى الجملة الأخيرة؟ ~~وهذا الاختلاف بعد اتفاقهم على أنه لا يعود إلى جملة الجلد بل يجلد التائب ~~كالمصر، وبعد إجماعهم أيضا على أن هذا الاستثناء يرجع إلى جملة الحكم ~~بالفسق ms2670 فمحل الخلاف هل يرجع إلى جملة عدم قبول الشهادة أم لا؟ فقال ~~الجمهور: إن هذا الاستثناء يرجع إلى الجملتين، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ~~وزال عنه الفسق، لأن سبب ردها هو ما كان متصفا به من الفسق بسبب القذف، ~~فإذا زال بالتوبة بالإجماع كان الشهادة مقبولة. وقال القاضي شريح وإبراهيم ~~النخعي والحسن البصري وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد وسفيان ~~الثوري وأبو حنيفة: إن هذا الاستثناء يعود إلى جملة الحكم بالفسق، لا إلى ~~جملة عدم قبول الشهادة فيرتفع بالتوبة عن القاذف وصف الفسق ولا تقبل شهادته ~~أبدا. وذهب الشعبي والضحاك إلى التفصيل فقالا: لا تقبل شهادته وإن تاب إلا ~~أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان، فحينئذ تقبل شهادته. وقول الجمهور ~~هو الحق، لأن تخصيص التقييد بالجملة الأخيرة دون ما قبلها مع كون الكلام ~~واحدا في واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وأولوية ~~الجملة الأخيرة المتصلة بالقيد بكونه قيدا لها لا تنفي كونه قيدا لما ~~قبلها، غاية الأمر أن تقييد الأخيرة بالقيد المتصل بها أظهر من تقييد ما ~~قبلها به، ولهذا كان مجمعا عليه، وكونه أظهر لا ينافي قوله فيما قبلها ~~ظاهرا. وقد أطال أهل الأصول الكلام في القيد الواقع بعد جمل بما هو معروف ~~عند من يعرف ذلك الفن، والحق هو هذا، والاحتجاج بما وقع تارة من القيود ~~عائدا إلى جميع الجمل التي قبله، وتارة إلى بعضها لا تقوم به حجة ولا يصلح ~~للاستدلال، فإنه قد يكون ذلك لدليل كما وقع هنا من الإجماع على عدم رجوع ~~هذا الاستثناء إلى جملة الجلد. ومما يؤيد ما قررناه ويقويه أن المانع من ~~قبول الشهادة، وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال، فلم يبق ما يوجب الرد ~~للشهادة. # واختلف العلماء في صورة توبة القاذف، فقال عمر بن الخطاب والشعبي والضحاك ~~وأهل المدينة: إن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي وقع ~~منه وأقيم عليه الحد بسببه. وقالت فرقة منهم مالك وغيره: ms2671 # إن توبته تكون بأن يحسن حاله، ويصلح عمله، ويندم على ما فرط منه، ويستغفر ~~الله من ذلك، ويعزم على ترك العود إلى مثله، وإن لم يكذب نفسه ولا رجع عن ~~قوله. ويؤيد هذا الآيات والأحاديث الواردة في التوبة فإنها مطلقة غير مقيدة ~~بمثل هذا القيد. # وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب، ولو كان كفرا فتمحو ما هو دون ~~الكفر بالأولى هكذا حكى الإجماع القرطبي. قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى ~~الجمل السابقة، وليس من رمى غيره بالزنا بأعظم جرما من مرتكب الزنا، ~~والزاني إذا تاب قبلت شهادته، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل ~~الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى، مع أن مثل هذا الاستثناء ~~موجود في مواضع من القرآن منها قوله - إنما جزاء الذين يحاربون الله - إلى ~~قوله - إلا الذين تابوا - ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع. قال ~~الزجاج: وليس القاذف بأشد جرما من الكافر، فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل ~~شهادته، قال: وقوله (أبدا) أي ما دام قاذفا، كما يقال لا تقبل شهادة الكافر ~~أبدا فإن معناه: ما دام كافرا انتهى، وجملة (فإن الله غفور رحيم) تعليل لما ~~تضمنه الاستثناء من عدم المؤاخذة للقاذف بعد التوبة وصيرورته مغفورا له، ~~مرحوما من الرحمن الرحيم، غير فاسق ولا مردود الشهادة، ولا مرفوع العدالة. ~~ثم ذكر سبحانه بعد ذكره لحكم القذف على العموم حكم نوع من أنواع القذف، وهو ~~قذف الزوج للمرأة التي تحته بعقد النكاح فقال (والذين يرمون أزواجهم ولم ~~يكن لهم شهداء إلا PageV04P009 # أنفسهم) أي لم يكن لهم شهداء يشهدون بما رموهن به من الزنا إلا أنفسهم ~~بالرفع على البدل من شهداء. قيل ويجوز النصب على خبر يكن. قال الزجاج: أو ~~على الاستثناء على الوجه المرجوح (فشهادة أحدهم أربع شهادات) قرأ الكوفيون ~~برفع أربع على أنها خبر لقوله (فشهادة أحدهم) أي فشهادة أحدهم التي تزيل ~~عنه حد القذف أربع شهادات. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو أربع بالنصب على ~~المصدر، ويكون ms2672 (فشهادة أحدهم) خبر مبتدأ محذوف: # أي فالواجب شهادة أحدهم، أو مبتدأ محذوف الخبر: أي فشهادة أحدهم واجبة. ~~وقيل إن أربع منصوب بتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات وقوله ~~(بالله) متعلق بشهادة أو بشهادات، وجملة (إنه لمن الصادقين) هي المشهود به، ~~وأصله على أنه فحذف الجار وكسرت إن، وعلق العامل عنها (والخامسة) قرأ ~~السبعة وغيرهم الخامسة بالرفع على الابتداء، وخبرها (أن لعنت الله عليه إن ~~كان من الكاذبين) وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص " والخامسة ~~" بالنصب على معنى وتشهد الشهادة الخامسة، ومعنى (إن كان من الكاذبين) أي ~~فيما رماها به من الزنا. قرأ الجمهور بتشديد " أن " من قوله (أن لعنة الله) ~~وقرأ نافع بتخفيفها، فعلى قراءة نافع يكون اسم أن ضمير الشأن، ولعنة الله ~~مبتدأ، وعليه خبره، والجملة خبر أن، وعلى قراءة الجمهور تكون لعنة الله اسم ~~أن، قال سيبويه: لا تخفف أن في الكلام وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد ~~الثقيلة. وقال الأخفش: لا أعلم الثقيلة إلا أجود في العربية (ويدرأ عنها ~~العذاب) أي عن المرأة، والمراد بالعذاب الدنيوي: وهو الحد، وفاعل يدرأ قوله ~~(أن تشهد أربع شهادات بالله) والمعنى: أنه يدفع عن المرأة الحد شهادتها ~~أربع شهادات بالله: أن الزوج (لمن الكاذبين والخامسة) بالنصب عطفا على ~~أربع: أي وتشهد الخامسة كذلك قرأ حفص والحسن والسلمي وطلحة والأعمش، وقرأ ~~الباقون بالرفع على الابتداء، وخبره (أن غضب الله عليها إن كان) الزوج (من ~~الصادقين) فيما رماها به من الزنا، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها ~~لكونها أصل الفجور ومادته، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة، ومع ~~استكثارهن منه لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب (ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته) جواب لولا محذوف. قال الزجاج: المعنى ولولا فضل الله لنال ~~الكاذب منهما عذاب عظيم. ثم بين سبحانه كثير توبته على من تاب وعظيم حكمته ~~البالغة فقال (وأن الله تواب حكيم) أي يعود على من تاب إليه، ورجع عن ~~معاصيه بالتوبة عليه والمغفرة له: حكيم فيما شرع لعباده ms2673 من اللعان وفرض ~~عليهم من الحدود. # وقد أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (إلا الذين ~~تابوا) قال: تاب الله عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز. وأخرج سعيد ~~بن منصور وابن جرير عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة: # إن تبت قبلت شهادتك. وأخرج ابن مردويه عنه قال: توبتهم إكذابهم أنفسهم، ~~فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في ~~سننه عن ابن عباس قال: من تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل. وفي الباب ~~روايات عن التابعين. وقصة قذف المغيرة في خلافة عمر مروية من طرق معروفة. ~~وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس " أن هلال بن أمية قذف ~~امرأته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال: يا رسول الله إذا رأى ~~أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل رسول الله صلى عليه وآله ~~وسلم يقول: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني ~~لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، ونزل جبريل فأنزل عليه (والذين ~~يرمون أزواجهم) حتى بلغ (إن كان من الصادقين) فانصرف النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب PageV04P010 # فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا ~~إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر ~~اليوم فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ~~بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لولا ما مضى ~~من كتاب الله لكان لي ولها شأن. وأخرج هذه القصة أبو داود الطيالسي وعبد ~~الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ms2674 حاتم ~~وابن مردويه عن ابن عباس مطولة. وأخرجها البخاري ومسلم وغيرهما، ولم يسموا ~~الرجل ولا المرأة. وفي آخر القصة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ~~" اذهب فلا سبيل لك عليها، فقال يا رسول الله مالي، قال: لا مال لك، إن كنت ~~صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك ~~منها ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: " جاء عويمر إلى ~~عاصم بن عدي، فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرأيت رجلا وجد ~~مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: فعاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسائل، فقال ~~عويمر: والله لآتين رسوا الله صلى الله عليه وآله وسلم لأسألنه، فأتاه ~~فوجده قد أنزل عليه، فدعا بهما فلاعن بينهما، قال عويمر: إن انطلقت بها يا ~~رسول الله لقد كذبت عليها، ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فصارت سنة للمتلاعنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أبصروها، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد ~~صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا، فجاءت به مثل النعت ~~المكروه " وفي الباب أحاديث كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. وأخرج عبد الرزاق عن ~~عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود، قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبدا. ~~PageV04P011 # خبر إن من قوله (إن الذين جاءوا بالإفك) هو (عصبة) و (منكم) صفة لعصبة، ~~وقيل هو (لا تحسبوه شرا لكم) ويكون عصبة بدلا من فاعل جاءوا. قال ابن عطية: ~~وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون الخبر عصبة، وجملة لا تحسبوه، ~~وإن كانت طلبية، فجعلها خبرا يصح بتقدير كما في نظائر ذلك، والإفك أسوأ ~~الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشئ إذا قلبه عن وجهه. فالإفك هو الحديث ~~المقلوب، وقيل هو البهتان وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية ms2675 ما ~~وقع من الإفك على عائشة أم المؤمنين، وإنما وصفه الله بأنه إفك، لأن ~~المعروف من حالها رضي الله عنها خلاف ذلك، قال الواحدي: ومعنى القلب في هذا ~~الحديث الذي جاء به أولئك النفر أن عائشة رضي الله عنها كانت تستحق الثناء ~~بما كانت عليه من الحصانة وشرف النسب والسبب لا القذف، فالذين رموها بالسوء ~~قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح وكذب ظاهر، والعصبة: هم الجماعة من ~~العشرة إلى الأربعين، والمراد بهم هنا عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وزيد ~~بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. وقيل ~~العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل من عشرة إلى خمسة عشر، وأصلها في اللغة ~~الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض، وجملة (لا تحسبوه شرا لكم) إن كانت خبرا ~~لأن فظاهر، وإن كان الخبر عصبة كما تقدم فهي مستأنفة، خوطب بها النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعائشة وصفوان بن المعطل الذي قذف مع أم المؤمنين ~~وتسلية لهم، والشر ما زاد ضره على نفعه، والخير ما زاد نفعه على ضره، وأما ~~الخير الذي لا شر فيه فهو الجنة، والشر الذي لا خير فيه فهو النار، ووجه ~~كونه خيرا لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أم المؤمنين ~~وصيرورة قصتها هذه شرعا عاما (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم) أي بسبب ~~تكلمه بالإفك (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) قرأ الحسن والزهري وأبو ~~رجاء وحميد الأعرج ويعقوب وابن أبي علية ومجاهد وعمرة بنت عبد الرحمن بضم ~~الكاف، قال الفراء: وهو وجه جيد، لأن العرب تقول: فلان تولى عظيم كذا وكذا: ~~أي أكبره، وقرأ الباقون بكسرها. قيل هما لغتان، وقيل هو بالضم معظم الإفك، ~~وبالكسر البداءة به، وقيل هو بالكسر الإثم. فالمعنى: إن الذي تولى معظم ~~الإفك من العصبة له عذاب عظيم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما. # واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم؟ فقيل هو عبد ms2676 ~~الله بن أبي، وقيل هو حسان، والأول هو الصحيح. وقد روى محمد بن إسحاق وغيره ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة، وهم مسطح بن ~~أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش. وقيل جلد عبد الله بن أبي وحسان بن ~~ثابت وحمنة بنت جحش ولم يجلد مسطحا، لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ~~ويشيع من غير تصريح. # وقيل لم يجلد أحدا منهم. قال القرطبي: المشهور من الأخبار والمعروف عند ~~العلماء أن الذين حدوا: حسان ومسطح وحمنة. ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي، ~~ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة، قالت: لما نزل عذري، قام ~~PageV04P012 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر ~~أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم، وسماهم: حسان، ومسطح بن أثاثة، وحمنة ~~بنت جحش. # واختلفوا في وجه تركه صلى الله عليه وآله وسلم لجلد عبد الله بن أبي، ~~فقيل لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة، وحد من عداه ليكون ذلك تكفيرا ~~لذنبهم كما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الحدود أنه قال " إنها ~~كفارة لمن أقيمت عليه " وقيل ترك حده تألفا لقومه واحتراما لابنه، فإنه كان ~~من صالحي المؤمنين وإطفاء لنائرة الفتنة، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن ~~عبادة ومن معه كما في صحيح مسلم. ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات فقال (لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) لولا هذه هي التحضيضية تأكيدا ~~للتوبيخ والتقريع ومبالغة في معاتبتهم: أي كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا ~~مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم، فهو في ~~أم المؤمنين أبعد. قال الحسن: معنى بأنفسهم بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس ~~واحدة ألا ترى إلى قوله " ولا تقتلوا أنفسكم " قال الزجاج: ولذلك يقال ~~للقوم الذين يقتل بعضهم بعضا إنهم يقتلون أنفسهم. قال المبرد ومثله قوله ~~سبحانه " فاقتلوا ms2677 أنفسكم " قال النحاس: بأنفسهم بإخوانهم، فأوجب الله ~~سبحانه على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا ويذكره بقبيح لا يعرفونه به ~~أن ينكروا عليه ويكذبوه. قال العلماء: إن في الآية دليلا على أن درجة ~~الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع (هذا إفك مبين) أي قال ~~المؤمنون عند سماع الإفك هذا إفك ظاهر مكشوف، وجملة (لولا جاءوا عليه ~~بأربعة شهداء) من تمام ما يقوله المؤمنون: أي وقالوا هلا جاء الخائضون ~~بأربعة شهداء) يشهدون على ما قالوا (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك) أي ~~الخائضون في الإفك (عند الله هم الكاذبون) أي في حكم الله تعالى هم ~~الكاذبون الكاملون في الكذب (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا ~~والآخرة) هذا خطاب للسامعين، وفيه زجر عظيم (ولولا) هذه هي لامتناع الشئ ~~لوجود غيره (لمسكم فيما أفضتم فيه) أي بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك، ~~يقال أفاض في الحديث، واندفع وخاض. والمعنى: لولا أني قضيت عليكم بالفضل في ~~الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال والرحمة في الآخرة بالعفو، لعاجلتكم ~~بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. وقيل المعنى: لولا فضل الله عليكم ~~لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معا، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ~~ويرحم في الآخرة من أتاه تائبا (إذ تلقونه بألسنتكم) الظرف منصوب بمسكم أو ~~بأفضتم، قرأ الجمهور " إذ تلقونه " من التلقي، والأصل تتلقونه فحذف إحدى ~~التاءين. قال مقاتل ومجاهد: المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال الكلبي: وذلك ~~أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقيا. قال ~~الزجاج: # معناه يلقيه بعضكم إلى بعض. وقرأ محمد بن السميفع بضم التاء وسكون اللام ~~وضم القاف، من الإلقاء، ومعنى هذه القراءة واضح. وقرأ أبي مسعود " تتلقونه ~~" من التلقي، وهي كقراءة الجمهور. وقرأ ابن عباس وعائشة وعيسى بن عمر ويحيى ~~بن يعمر وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف وهذه القراءة مأخوذة ~~من قول العرب ولق يلق ولقا: إذا كذب. قال ابن سيده: جاءوا بالمتعدي شاهدا ~~على غير المتعدي. ms2678 قال ابن عطية: # وعندي أنه أراد يلقون فيه فحذف حرف الجر فاتصل الضمير. قال الخليل وأبو ~~عمرو: أصل الولق الإسراع، يقال جاءت الإبل تلق: أي تسرع، ومنه قول الشاعر: # لما رأوا جيشا عليهم قد طرق * جاءوا بأسراب من الشام ولق وقال الآخر: ~~جاءت به عيسى من الشام تلق * قال أبو البقاء: أي يسرعون فيه قال ابن جرير: ~~PageV04P013 # وهذه اللفظة أي تلقونه على القراءة الأخيرة مأخوذة من الولق، وهو الإسراع ~~بالشيء بعد الشئ كعدد في إثر عدد، وكلام في إثر كلام، وقرأ زيد بن أسلم ~~وأبو جعفر " تألقونه " بفتح التاء وهمزة ساكنة ولام مكسورة وقاف مضمومة من ~~الألق وهو الكذب، وقرأ يعقوب " تيلقونه " بكسر التاء من فوق بعدها ياء ~~تحتية ساكنة ولام مفتوحة وقاف مضمومة، وهو مضارع ولق بكسر اللام، ومعنى ~~(وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) أن قولهم هذا مختص بالأفواه من غير ~~أن يكون واقعا في الخارج معتقدا في القلوب، وقيل إن ذكر الأفواه للتأكيد ~~كما في قوله " يطير بجناحيه " ونحوه، والضمير في تحسبونه راجع إلى الحديث ~~الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له (وتحسبونه هينا) أي شيئا يسيرا لا يلحقكم ~~فيه إثم، وجملة (وهو عند الله عظيم) في محل نصب على الحال: أي عظيم ذنبه ~~وعقابه (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) هذا عتاب لجميع ~~المؤمنين: أي هلا إذ سمعتم حديث الإفك قلتم تكذيبا للخائضين فيه المفترين ~~له ما ينبغي لنا ولا يمكننا أن نتكلم بهذا الحديث ولا يصدر ذلك منا بوجه من ~~الوجوه، ومعنى قوله (سبحانك هذا بهتان عظيم) التعجب من أولئك الذين جاءوا ~~بالإفك، وأصله التنزيه لله سبحانه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، ~~والبهتان هو أن يقال في الإنسان ما ليس فيه: أي هذا كذب عظيم لكونه قيل في ~~أم المؤمنين رضي الله عنها، وصدوره مستحيل شرعا من مثلها. ثم وعظ سبحانه ~~الذين خاضوا في الإفك فقال (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا) أي ينصحكم ~~الله، أو يحرم عليكم، ms2679 أو ينهاكم كراهة أن تعودوا، أو من أن تعودوا، أو في ~~أن تعودوا لمثل هذا القذف مدة حياتكم (إن كنتم مؤمنين) فإن الإيمان يقتضي ~~عدم الوقوع في مثله ما دمتم، وفيه تهييج عظيم وتقريع بالغ (ويبين الله لكم ~~الآيات) في الأمر والنهى لتعملوا بذلك وتتأدبوا بآداب الله وتنزجروا عن ~~الوقوع في محارمه (والله عليم) بما تبدونه وتخفونه (حكيم) في تدبيراته ~~لخلقه. # ثم هدد سبحانه القاذفين ومن أراد أن يتسامع الناس بعيوب المؤمنين وذنوبهم ~~فقال (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) أي يحبون أن تفشو ~~الفاحشة وتنتشر، ومن قولهم شاع الشئ يشيع شيوعا وشيعا وشيعانا: # إذا ظهر وانتشر، والمراد بالذين آمنوا المحصنون العفيفون، أو كل من اتصف ~~بصفة الإيمان، والفاحشة هي فاحشة الزنا أو القول السيء (لهم عذاب أليم في ~~الدنيا) بإقامة الحد عليهم (والآخرة) بعذاب النار (والله يعلم) جميع ~~المعلومات (وأنتم لا تعلمون) إلا ما علمكم به وكشفه لكم ومن جملة ما يعلمه ~~الله عظم ذنب القذف، وعقوبة فاعله (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) هو تكرير ~~لما تقدم تذكيرا للمنة منه سبحانه على عبادة بترك المعاجلة لهم (وأن الله ~~رؤوف رحيم) ومن رأفته بعباده لا يعاجلهم بذنوبهم، ومن رحمته لهم أن يتقدم ~~إليهم بمثل هذا الإعذار والإنذار وجملة: وأن الله رؤوف رحيم معطوفة على فضل ~~الله، وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه: أي لعاجلكم بالعقوبة (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) الخطوات جمع خطوة، وهي ما بين ~~القدمين، والخطوة بالفتح المصدر: أي لا تتبعوا مسالك الشيطان ومذاهبه ولا ~~تسلكوا طرائقه التي يدعوكم إليها. قرأ الجمهور " خطوات " بضم الخاء والطاء، ~~وقرأ عاصم والأعمش بضم الخاء وإسكان الطاء (ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه ~~يأمر بالفحشاء والمنكر) قيل جزاء الشرط محذوف أقيم مقامه ما هو علة له، ~~كأنه قيل: فقد ارتكب الفحشاء والمنكر لأن دأبه أن يستمر آمرا لغيره بهما، ~~والفحشاء ما أفرط قبحه، والمنكر ما ينكره الشرع، وضمير إنه للشيطان، وقيل ~~للشأن، والأولى أن يكون عائدا ms2680 إلى من يتبع خطوات الشيطان، لأن من اتبع ~~الشيطان صار مقتديا به في الأمر بالفحشاء والمنكر (ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته) قد تقدم بيانه وجواب لولا هو قوله (ما زكى منكم من أحد أبدا) أي ~~لولا التفضل والرحمة من الله ما طهر أحد منكم نفسه من دنسها ما دام حيا. ~~قرأ الجمهور " زكى " بالتخفيف، PageV04P014 # وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بالتشديد أي ما طهره الله. وقال مقاتل: ~~أي ما صلح. والأولى تفسير زكى بالتطهر والتطهير، وهو الذي ذكره ابن قتيبة. ~~قال الكسائي إن قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) معترض، ~~وقوله (ما زكى منكم من أحد أبدا) جواب لقوله أولا وثانيا ولولا فضل الله. ~~وقراءة التخفيف أرجح لقوله (ولكن الله يزكي من يشاء) أي من عباده بالتفضل ~~عليهم والرحمة لهم (والله سميع) لما يقولونه (عليم) بجميع المعلومات وفيه ~~حث بالغ على الإخلاص، وتهييج عظيم لعباده التائبين، ووعيد شديد لمن يتبع ~~الشيطان ويحب أن تشيع الفاحشة في عباد الله المؤمنين، ولا يزجر نفسه بزواجر ~~الله سبحانه. # وقد أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول ~~هذه الآيات بألفاظ متعددة وطرق مختلفة. حاصله أن سبب النزول هو ما وقع من ~~أهل الإفك الذين تقدم ذكرهم في شأن عائشة رضي الله عنها، وذلك أنها خرجت من ~~هودجها تلتمس عقدا لها انقطع من جزع، فرحلوا وهم يظنون أنها في هودجها، ~~فرجعت وقد ارتحل الجيش والهودج معهم، فأقامت في ذلك المكان ومر بها صفوان ~~بن المعطل، وكان متأخرا عن الجيش، فأناخ راحلته وحملها عليها، فلما رأى ذلك ~~أهل الإفك قالوا ما قالوا، فبرأها الله مما قالوه. هذا حاصل القصة مع طولها ~~وتشعب أطرافها فلا نطول بذكر ذلك. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ~~وأهل السنن الأربع وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة ~~قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر فذكر ~~ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين ms2681 وامرأة فضربوا حدهم. قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، ~~وحمنة بنت جحش. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الذين افتروا ~~على عائشة عبد الله بن أبي سلول ومسطح وحسان وحمنة بنت جحش. وأخرج البخاري ~~وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال: # كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال الذي تولى كبره منهم علي، فقلت لا، ~~حدثني سعيد بن المسيب وعروة ابن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عبد ~~الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره منهم عبد الله ~~بن أبي، قال فقال لي: فما كان جرمه؟ قلت: حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن ~~عبد الرحمن ابن عوف وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا ~~عائشة تقول: كان مسيئا في أمري. وقال يعقوب بن شيبة في مسنده: حدثنا الحسن ~~بن علي الحلواني، حدثنا الشافعي، حدثنا عمي قال: دخل سليمان ابن يسار على ~~هشام بن عبد الملك فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد الله ~~بن أبي. قال: # كذبت هو علي. قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال: يا ~~ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ # فقال: ابن أبي. قال: كذبت هو علي. قال: أنا أكذب؟ لا أبالك، والله لو ~~نادى مناد من السماء أن الله قد أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة وسعيد وعبد ~~الله وعلقمة عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن مسروق قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال: # حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل قالت: لكنك لست ~~كذلك، قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله (والذي تولى كبره منهم ~~له عذاب عظيم) فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ms2682 مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة ~~أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في ~~عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا ~~والله، قال: PageV04P015 # فعائشة والله خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل، فلما نزل القرآن ~~ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك. ثم قال (لولا إذا سمعتموه ~~ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين) أي كما قال أبو ~~أيوب وصاحبته. وأخرج الواقدي والحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب أن ~~أم أيوب فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا) ~~قال: يحرج الله عليكم. وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~علي بن أبي طالب قال: القائل الفاحشة والذي شيع بها في الإثم سواء. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ما زكى منكم من ~~أحدا أبدا) قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشئ من الخير قوله (ولا يأتل) أي ~~يحلف وزنه يفتعل من الألية، وهي اليمين، ومنه قول الشاعر: # تألى ابن أوس حلفة ليردني * إلى نسوة كأنهن مفايد وقول الآخر: قليل ~~الألايا حافظ ليمينه * وإن بدرت منه الألية برت يقال ائتلى يأتلي إذا حلف. ~~ومنه قوله سبحانه " للذين يؤلون من نسائهم " وقالت فرقة: هو من ألوت في كذا ~~إذا قصرت، ومنه لم آل جهدا: أي لم أقصر، وكذا منه قوله " لا يألونكم خبالا ~~" ومنه قول الشاعر: # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه * بمدرك أطراف الخطوب ولا آل والأول أولى ~~بدليل سبب النزول، وهو ما سيأتي، والمراد بالفضل الغنى والسعة في المال (أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله) أي على أن لا يؤتوا. ~~قال الزجاج: أن لا يؤتوا فحذف لا، ومنه قول الشاعر: # فقلت يمين الله ms2683 أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي وقال أبو ~~عبيدة: لا حاجة إلى إضمار لا، والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى ~~المستحقين للإحسان الجامعين لتلك الأوصاف، وعلى الوجه الآخر يكون المعنى: ~~لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم شحناء لذنب اقترفوه، وقرأ أبو ~~حيوة " إ ن تؤتوا " بتاء الخطاب على الالتفات. ثم علمهم سبحانه أدبا آخر ~~فقال PageV04P016 # (وليعفو) عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم وجنايتهم التي اقترفوها، من عفا ~~الربع: أي درس، والمراد محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع (وليصفحوا) ~~بالإغضاء عن الجاني والإغماض عن جنايته، وقرئ بالفوقية في الفعلين جميعا. ~~ثم ذكر سبحانه ترغيبا عظيما لمن عفا وصفح فقال (ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم) بسبب عفوكم وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم (والله غفور رحيم) أي ~~كثير المغفرة والرحمة لعباده مع كثرة ذنوبهم، فكيف لا يقتدي العباد بربهم ~~في العفو والصفح عن المسيئين إليهم (إن الذين يرمون المحصنات) قد مر تفسير ~~المحصنات وذكرنا الإجماع على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من ~~النساء في حد القذف. # وقد اختلف في هذه الآية هل هي خاصة أو عامة؟ فقال سعيد بن جبير: هي خاصة ~~فيمن رمى عائشة رضي الله عنها. وقال مقاتل: هي خاصة بعبد الله بن أبي رأس ~~المنافقين. وقال الضحاك والكلبي: هذه الآية هي في عائشة وسائر أزواج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر المؤمنين والمؤمنات، فمن قذف إحدى أزواج ~~النبي صلى الله عليه وآله سلم فهو من أهل هذه الآية. قال الضحاك: ومن أحكام ~~هذه الآية أنه لا توبة لمن رمى إحدى أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ~~قذف غيرهن فقد جعل الله له التوبة كما تقدم في قوله (إلا الذين تابوا) وقيل ~~إن هذه الآية خاصة بمن أصر على القذف ولم يتب، وقيل إنها تعم كل قاذف ~~ومقذوف من المحصنات والمحصنين، واختاره النحاس، وهو الموافق لما قرره أهل ~~الأصول من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل ms2684 إنها خاصة بمشركي ~~مكة، لأنهم كانوا يقولون للمرأة إذا خرجت مهاجرة إنما خرجت خرجت لتفجر. قال ~~أهل العلم: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنون من القذفة، فالمراد باللعنة ~~الإبعاد وضرب الحد وهجر سائر المؤمنين لهم وزوالهم عن رتبة العدالة والبعد ~~عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين، وإن كان المراد بها من قذف عائشة خاصة ~~كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وإن كانت في مشركي ~~مكة فإنهم ملعونون (في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) والمراد بالغافلات ~~اللاتي غفلن عن الفاحشة بحيث لا تخطر ببالهن ولا يفطن لها، وفي ذلك من ~~الدلالة على كمال النزاهة وطهارة الجيب ما لم يكن في المحصنات، وقيل هن ~~السليمات الصدور النقيات القلوب (يوم تشهد عليهم ألسنتهم) هذه الجملة مقررة ~~لما قبلها مبينة لوقت حلول ذلك العذاب بهم وتعيين اليوم لزيادة التهويل بما ~~فيه من العذاب الذي لا يحيط به وصف. وقرأ الجمهور " يوم تشهد " بالفوقية، ~~واختار هذه القراءة أبو حاتم، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ~~وخلف بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد، لأن الجار والمجرور قد حال ~~بين الاسم والفعل. والمعنى: تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم، وقيل ~~تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك اليوم بما تكلموا به (وأيديهم وأرجلهم) بما ~~عملوا بها في الدنيا، وإن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم، والمشهود ~~محذوف وهو ذنوبهم التي اقترفوها: أي تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها ~~ومعاصيهم التي عملوها (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي يوم تشهد عليهم ~~جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم عليها موفرا، فالمراد بالدين ~~هاهنا الجزاء، وبالحق الثابت الذي لا شك في ثبوته. قرأ زيد بن علي " يوفيهم ~~" مخففا من أوفى، وقرأ من عداه بالتشديد من وفى. وقرأ أبو حيوة ومجاهد " ~~الحق " بالرفع على أنه نعت لله، وروى ذلك عن ابن مسعود. وقرأ الباقون ~~بالنصب على أنه نعت لدينهم. قال أبو عبيدة: ولولا كراهة خلاف الناس لكان ~~الوجه الرفع ليكون نعتا لله عز وجل ولتكون موافقة ms2685 لقراءة أبي، وذلك أن جرير ~~ابن حازم قال: # رأيت في مصحف أبي " يوفيهم الله الحق دينهم ". قال النحاس: وهذا الكلام ~~من أبي عبيدة غير مرضي، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم، ولا حجة ~~أيضا فيه، لأنه لو صح أنه في مصحف أبي كذلك جاز أن يكون دينهم PageV04P017 # بدلا من الحق (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) أي ويعلمون عند معاينتهم ~~لذلك ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز أن الله هو الحق الثابت في ذاته ~~وصفاته وأفعاله، المبين المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، وإنما سمي سبحانه ~~الحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره. وقيل سمي بالحق: أي الموجود لأن ~~نقيضه الباطل وهو المعدوم. # ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة فقال (الخبيثات ~~للخبيثين) أي الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال: أي مختصة بهم لا ~~تتجاوزهم، وكذا الخبيثون مختصون بالخبيثات لا يتجاوزونهن، وهكذا قوله ~~(والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأكثر ~~المفسرين: المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون ~~من الرجال للخبيثات من الكلمات، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من ~~الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات. قال النحاس: وهذا أحسن ما ~~قيل. قال الزجاج: ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ~~ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا ~~عائشة بالخبث ومدح للذين برءوها. وقيل إن هذه الآية مبنية على قوله " ~~الزاني لا ينكح إلا زانية " فالخبيثات الزواني، والطيبات العفائف، وكذا ~~الخبيثون والطيبون، والإشارة بقوله (أولئك مبرؤن مما يقولون) إلى الطيبين ~~والطيبات: أي هم مبرؤن مما يقوله الخبيثون والخبيثات، وقيل الإشارة إلى ~~أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعائشة وصفوان بن المعطل، وقيل عائشة وصفوان فقط. قال الفراء: ~~وجمع كما قال " فإن كان له إخوة " والمراد إخوان (لهم مغفرة) أي هؤلاء ~~المبرؤن لهم مغفرة عظيمة لما لا يخلو عنه البشر من الذنوب ms2686 (ورزق كريم) وهو ~~رزق الجنة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا ~~يأتل) الآية، يقول: لا يقسموا أن لا ينفعوا إلا أحدا. وأخرج ابن المنذر عن ~~عائشة قالت: كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك، وكان قريبا ~~لأبي بكر وكان في عياله، فحلف أبو بكر أن لا ينيله خيرا أبدا، فأنزل الله ~~(ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) الآية، قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله ~~وقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا تحللتها وأتيت الذي هو ~~خير. وقد روى هذا من طرق عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير وابن مردويه ~~عن ابن عباس في الآية قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد رموا فيه عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك وتكلموا فيها، فأقسم ناس من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم أبو بكر ان لا يتصدقوا على رجل ~~تكلم بشئ من هذا ولا يصلوه، فقال: لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن ~~يصلوا أرحامهم وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر ~~الله أن يغفر لهم وأن يعفى عنهم. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن ~~مردويه عنه في قوله (إن الذين يرمون المحصنات) الآية، قال: نزلت في عائشة ~~خاصة. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه عنه أيضا في ~~الآية قال: هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يجعل ~~لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم التوبة، ثم قرأ (والذين يرمون المحصنات) إلى قوله (إلا ~~الذين تابوا). وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي ~~سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة عرف ~~الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول: كذبوا، ~~فيقال: أهلك وعشيرتك، فيقول: ms2687 كذبوا، فيقال: احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله ~~وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم النار " وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم من طريق جماعة من الصحابة ما يتضمن شهادة PageV04P018 # الجوارح على العصاة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله سبحانه (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) قال: حسابهم وكل شئ في ~~القرآن الدين فهو الحساب. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن بن حكيم عن أبيه ~~عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ يومئذ يوفيهم الله الحق ~~دينهم. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(الخبيثات) قال: من الكلام (للخبيثين) قال من الرجال (والخبيثون) من الرجال ~~(للخبيثات) من الكلام (والطيبات) من الكلام (للطيبين) من الناس (والطيبون) ~~من الناس (للطيبات) من الكلام، نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما قالوا من البهتان. وأخرج عبد الزراق والفريابي وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد نحوه. وأخرج ~~ابن جرير والطبراني عن قتادة نحوه أيضا، وكذا روي عن جماعة من التابعين. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن زيد في الآية قال: نزلت في ~~عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان والفرية فبرأها الله من ذلك. وكان عبد ~~الله بن أبي هو الخبيث، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيبا، فكان أولى أن تكون له الطيبة، ~~وكانت عائشة الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب، وفي قوله (أولئك مبرؤن ~~مما يقولون) قال: هاهنا برئت عائشة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: لقد ~~نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبه وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة وأجرا عظيما ~~النور. # لما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف شرع في ذكر الزجر عن دخول ~~البيوت استئذان لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء، فربما يؤدي إلى أحد ~~الأمرين المذكورين، وأيضا إن ms2688 الإنسان يكون في بيته ومكان خلوته على حالة قد ~~لا يحب أن يراه عليها غيره، فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية، ~~هي قوله (حتى تستأنسوا) والاستئناس الاستعلام والاستخبار: أي حتى تستعلموا ~~من البيت، والمعنى: حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم وتعلموا أنه قد ~~أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم، ومنه قوله - فأن آنستم منهم رشدا - أي ~~علمتم. قال الخليل: الاستئناس الاستكشاف، من أنس الشئ إذا أبصره كقوله - ~~إني آنست نارا - أي أبصرت. وقال ابن جرير: إنه بمعنى وتؤنسوا أنفسكم. قال ~~ابن عطية: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من أنس. ومعنى كلام ابن جرير هذا أنه ~~من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري ~~أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش حتى يؤذن له، فإذا أذن له استأنس، فنهى ~~سبحانه عن دخول تلك البيوت حتى يؤذن للداخل. وقيل هو من الإنس، وهو أن ~~يتعرف هل ثم إنسان أم لا؟ وقيل معنى الاستئناس الاستئذان: أي لا تدخلوها ~~حتى تستأذنوا. قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: حتى تستأذنوا، ويؤيده ما ~~حكاه PageV04P019 # القرطبي عن ابن عباس وأبي وسعيد بن جبير أنهم قرأوا " حتى تستأذنوا " قال ~~مالك فيما حكاه عنه ابن وهب: # الاستئناس فيما يرى والله أعلم الاستئذان، وقوله (وتسلموا على أهلها) قد ~~بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي بأن يقول: السلام عليكم ~~أدخل؟ مرة أو ثلاثا كما سيأتي. # واختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام أو العكس، فقيل يقدم الاستئذان، ~~فيقول: أدخل سلام عليكم، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام. وقال ~~الأكثرون: إنه يقدم السلام على الاستئذان فيقول: السلام عليكم أدخل، وهو ~~الحق، لأن البيان منه صلى الله عليه وآله وسلم للآية كان هكذا. وقيل إن وقع ~~بصره على إنسان قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان (ذلكم خير لكم) الإشارة إلى ~~الاستئناس والتسليم: أي دخولكم مع الاستئذان والسلام خير لكم من الدخول ~~بغتة (لعلكم تذكرون) أن الاستئذان خير لكم، وهذه الجملة متعلقة بمقدر: أي ~~أمرتم ms2689 بالإستئذان، والمراد بالتذكر الاتعاظ، والعمل بما أمروا به (فإن لم ~~تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) أي فإن تجدوا في البيوت التي ~~لغيركم أحدا ممن يستأذن عليه فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بدخولها من جهة من ~~يملك الإذن. وحكى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: معنى الآية فإن لم تجدوا فيها ~~أحدا: أي لم يكن لكم فيها متاع، وضعفه وهو حقيق بالضعف، فإن المراد بالأحد ~~المذكور أهل البيوت الذين يأذنون للغير بدخولها، لإمتاع الداخلين إليها ~~(وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا) أي إن قال لكم أهل البيت ارجعوا فارجعوا، ولا ~~تعاودوهم بالاستئذان مرة أخرى، ولا تنتظروا بعد ذلك أن يأذنوا لكم بعد ~~أمرهم لكم بالرجوع. ثم بين سبحانه أن الرجوع أفضل من الإلحاح وتكرار ~~الاستئذان والقعود على الباب فقال (هو أزكى لكم) أي أفضل (وأطهر) من التدنس ~~بالمشاحة على الدخول لما في ذلك من سلامة الصدر، والبعد من الريبة، والفرار ~~من الدناءة (والله بما تعملون عليم) لا تخفى عليه من أعمالكم خافية (ليس ~~عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم) أي لا جناح عليكم في ~~الدخول بغير استئذان إلى البيوت التي ليست بمسكونة. # وقد اختلف الناس في المراد بهذه البيوت، فقال محمد بن الحنفية وقتادة ~~ومجاهد:: هي الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن السبيل يأوي ~~إليها. وقال ابن زيد والشعبي: هي حوانيت القيساريات، قال الشعبي: # لأنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس هلم. وقال عطاء: المراد ~~بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط، ففي هذا أيضا متاع. وقيل هي ~~بيوت مكة. روى ذلك عن محمد ابن الحنفية أيضا، وهو موافق لقول من قال: إن ~~الناس شركاء فيها، ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا بأنها غير ~~مسكونة. والمتاع: # المنفعة عند أهل اللغة، فيكون معنى الآية: فيها منفعة لكم، ومنه قوله " ~~ومتعوهن " وقولهم: أمتع الله بك، وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه المتقدم ~~بالأعيان التي تباع. قال جابر بن زيد: وليس المراد بالمتاع الجهاز، ولكن ms2690 ما ~~سواه من الحاجة. قال النحاس، وهو حسن موافق للغة (والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون) أي ما تظهرون وما تخفون، وفيه وعيد لمن لم يتأدب بآداب الله في ~~دخول بيوت الغير. # وقد أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: ~~قالت امرأة: يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن ~~يراني عليها أحد ولد ولا والد، فيأتيني الأب فيدخل علي فكيف أصنع؟ ولفظ ابن ~~جرير: وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحالة، فنزلت (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم) الآية. وأخرج الفريابي وسعيد ~~بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن PageV04P020 # أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن منده في غرائب شعبة والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة من طرق عن ابن ~~عباس في قوله (حتى تستأنسوا) قال: أخطأ الكاتب حتى تستأذنوا (وتسلموا على ~~أهلها). وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن إبراهيم ~~النخعي قال في مصحف عبد الله " حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ". وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة مثله. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: الاستئناس: الاستئذان. وأخرج ابن ~~أبي شيبة والحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي أيوب ~~قال " قلت يا رسول الله: أرأيت قول الله تعالى (حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها) هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة ~~وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت ". قال ابن كثير: هذا حديث غريب. ~~وأخرج الطبراني عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~الاستئناس أن يدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت الذين يسلم عليهم ". وأخرج ~~ابن سعد وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي في ~~الشعب من طريق كلدة " أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ ms2691 وضغابيس والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم ~~أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ارجع فقل: السلام عليكم ~~أأدخل؟ " قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والبيهقي في السنن من طريق ربعي، قال " ~~حدثنا رجل من بنى عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ~~بيت، فقال: أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخادمه: أخرج إلى هذا ~~فعلمه الاستئذان، فقل له: # قل السلام عليكم أأدخل؟ ". وأخرج ابن جرير عن عمر بن سعيد الثقفي نحوه ~~مرفوعا، ولكنه قال " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأمة له يقال ~~لها روضة: قومي إلى هذا فعلميه ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد ~~الخدري قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبو موسى فزعا، فقلنا ~~له: ما أفزعك قال: أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، ~~فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، وقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن ~~له فليرجع، قال: لتأتيني على هذا بالبينة، فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم، ~~فقام أبو سعيد معه ليشهد له، فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن ~~الحديث عن رسول الله صلى عليه وآله وسلم شديد. وفي الصحيحين وغيرهما من ~~حديث سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجرة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه، قال: لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك، ~~إنما جعل الاستئذان من أجل البصر. وفي لفظ: إنما جعل الإذن من أجل البصر. ~~وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس قال: قال رجل من المهاجرين: ~~لقد طلبت عمري كله في هذه الآية، فما أدركتها أن استأذن على بعض إخواني، ~~فيقول لي ارجع، فأرجع ms2692 وأنا مغتبط لقوله " وإن قيل لكم راجعوا فارجعوا هو ~~أزكى لكم ". وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن ~~جرير عن ابن عباس قال (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها) فنسخ، واستثنى من ذلك فقال (ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم). PageV04P021 # لما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج ~~تحته غض البصر من المستأذن، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم " إنما جعل ~~الإذن من أجل البصر " وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع ~~الزنا التي منها النظر هم أحق من غيرهم بها وأولى بذلك ممن سواهم. وقيل إن ~~في الآية دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل ~~العلم، وفي الكلام حذف، والتقدير (قل للمؤمنين) غضوا (يغضوا) ومعنى غض ~~البصر: إطباق الجفن على العين بحيث تمتنع الرؤية، ومنه قول جرير: # فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا وقول عنترة: وأغض طرفي ~~ما بدت لي جارتي * حتى تواري جارتي مأواها و " من " في قوله (من أبصارهم) ~~هي التبعيضية، وإليه ذهب الأكثرون، وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم ~~والاقتصار به على ما يحل. وقيل وجه التبعيض أنه يعفى للناظر أول نظرة تقع ~~من غير قصد. وقال الأخفش: # إنها زائدة وأنكر ذلك سيبويه. وقيل إنها لبيان الجنس قاله أبو البقاء. ~~واعترض عليه بأنه لم يتقدم منهم يكون مفسرا بمن، وقيل إنها لابتداء الغاية ~~قاله ابن عطية، وقيل الغض النقصان، يقال غض فلان من فلان: أي وضع منه، ~~فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض منه ومنقوص فتكون " من " صلة للغض، ~~وليست لمعنى من تلك المعاني الأربعة. وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر ~~إلى غير من يحل النظر إليه، ومعنى (ويحفظوا فروجهم) أنه يجب عليهم حفظها ~~عما يحرم عليهم. وقيل المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها، ~~ولا مانع ms2693 من إرادة المعنيين، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج. قيل ووجه المجيء ~~بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر فإنه لا يحرم منه إلا ما ~~استثنى، بخلاف حفظ الفرج فإنه مضيق فيه، فإنه لا يحل منه إلا ما استثنى. # وقيل الوجه أن غض البصر كله كالمتعذر، بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على ~~الإطلاق، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكره من الغض والحفظ، وهو مبتدأ، ~~وخبره (أزكى لهم) أي أظهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنيئة ~~(إن الله خبير بما يصنعون) لا يخفى عليه شئ من صنعهم، وفي ذلك وعيد لمن لم ~~يغض بصره ويحفظ فرجه (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) خص سبحانه الإناث ~~بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا كما في ~~سائر الخطابات القرآنية، وظهر التضعيف في يغضض ولم يظهر في يغضوا، لأن لام ~~الفعل من الأول متحركة ومن الثاني ساكنة وهما في موضع جزم جوابا للأمر، ~~وبدأ سبحانه بالغض PageV04P022 # في الموضعين قبل حفظ الفرج، لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج، والوسيلة ~~مقدمة على المتوسل إليه، ومعنى: يغضضن من أبصارهن كمعنى يغضوا من أبصارهم، ~~فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهن، وكذلك يجب عليهن حفظ ~~فروجهن على الوجه الذي تقدم في حفظ الرجال لفروجهم (ولا يبدين زينتهن) أي ~~ما يتزين به من الحلية وغيرها، وفي النهي عن إبداء الزينة نهى عن إبداء ~~مواضعها من أبدانهن بالأولى. ثم استثنى سبحانه من هذا النهي، فقال (إلا ما ~~ظهر منها). # واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟ فقال ابن مسعود وسعيد بن جبير: ظاهر ~~الزينة هو الثياب، وزاد سعيد بن جبير الوجه. وقال عطاء والأوزاعي: الوجه ~~والكفان. وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: # ظاهر الزينة هو الكل والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك، فإنه يجوز ~~للمرأة أن تبديه. وقال ابن عطية: إن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة وتخفي ~~كل شئ من زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم ms2694 الضرورة. # ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر ~~منها كالجلباب والخمار ونحوهما مما على الكف والقدمين من الحلية ونحوها، ~~وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ~~ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك. وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة ~~يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب، فإنه يحمل الاستثناء على ما ~~ذكرناه في الموضعين، وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به ~~النساء فالأمر واضح، والاستثناء يكون من الجميع. قال القرطبي في تفسيره: ~~الزينة على قسمين: خلقية، ومكتسبة، فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة، ~~والزينة المكتسبة ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها كالثياب والحلي والكحل ~~والخضاب، ومنه قوله تعالى - خذوا زينتكم - وقول الشاعر: # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى * وإذا عطلن فهن خير عواطل (وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن) قرأ الجمهور بإسكان اللام التي للأمر. وقرأ أبو عمرو بكسرها على ~~الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس. والخمر جمع ~~خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، ومنه اختمرت المرأة وتخمرت. والجيوب: ~~جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص، مأخوذ من الجوب وهو القطع. قال ~~المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن، وكانت جيوبهن من قدام ~~واسعة، فكان تنكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ~~لتستر بذلك ما كان يبدو، وفي لفظ الضرب مبالغة في الألقاء الذي هو الإلصاق. ~~قرأ الجمهور " بخمرهن " بتحريك الميم، وقرأ طلحة ابن مصرف بسكونها. وقرأ ~~الجمهور " جيوبهن " بضم الجيم، وقرأ ابن كثير وبعض الكوفيين بكسرها، وكثير ~~من متقدمي النحويين لا يجوزون هذه القراءة. وقال الزجاج: يجوز أن يبدل من ~~الضمة كسرة، فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال لا يقدر ~~أحد أن ينطق به إلا على الإيماء، وقد فسر الجمهور الجيوب بما قدمنا وهو ~~المعنى الحقيقي. وقال مقاتل: إن معنى على جيوبهن: على صدورهن، فيكون في ~~الآية مضاف محذوف: # أي على ms2695 مواضع جيوبهن. ثم كرر سبحانه النهي عن إبداء الزينة لأجل ما ~~سيذكره من الاستثناء فقال (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) البعل هو الزوج ~~والسيد في كلام العرب، وقدم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن ~~الزوجة والسرية حلال لهم، ومثله قوله سبحانه - والذين هم لفروجهم حافظون ~~إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين - ثم لما استثنى ~~سبحانه الزوج أتبعه باستثناء ذوي المحارم فقال (أو آبائهن PageV04P023 # أو آباء بعولتهن) إلى قوله (أو بني أخواتهن) فجوز للنساء أن يبدين الزينة ~~لهؤلاء لكثرة المخالطة وعدم خشية الفتنة لما في الطباع من النفرة عن ~~القرائب. وقد روي عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا لا ينظران ~~إلى أمهات المؤمنين ذهابا منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية ~~التي في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي قوله (لا جناح عليهن في ~~آبائهن) والمراد بأبناء بعولتهن ذكور أولاد الأزواج، ويدخل في قوله (أو ~~أبنائهن) أولاد الأولاد وإن سفلوا وأولاد بناتهن وإن سفلوا، وكذا آباء ~~البعولة وآباء الآباء وآباء الأمهات وإن علوا، وكذلك أبناء البعولة وإن ~~سفلوا، وكذلك أبناء الإخوة والأخوات. وذهب الجمهور إلى أن العم والخال ~~كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم، وليس في الآية ذكر الرضاع، ~~وهو كالنسب. وقال الشعبي وعكرمة: # ليس العم والخال من المحارم، ومعنى (أو نسائهن) هن المختصات بهن ~~الملابسات لهن بالخدمة أو الصحبة، ويدخل في ذلك الإماء، ويخرج من ذلك نساء ~~الكفار من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لهن أن يبدين زينتهن لهن لأنهن لا ~~يتحرجن عن وصفهن للرجال. وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، وإضافة ~~النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات (أو ما ملكت أيمانهن) ظاهر ~~الآية يشمل العبيد والإماء من غير فرق بين أن يكونوا مسلمين أو كافرين، وبه ~~قال جماعة من أهل العلم، وإليه ذهبت عائشة وأم سلمة وابن عباس ومالك. وقال ~~سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية (أو ما ملكت أيمانهن) إنما عني ms2696 بها ~~الإماء ولم يعن بها العبيد. وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر ~~مولاته، وهو قول عطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين، وروى عن ابن مسعود، وبه ~~قال أبو حنيفة وابن جريج (أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال) قرأ ~~الجمهور غير بالجر. وقرأ أبو بكر وابن عامر بالنصب على الاستثناء، وقيل على ~~القطع، والمراد بالتابعين هم الذين يتبعون القوم فيصيبون من طعامهم لا همة ~~لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء قاله مجاهد وعكرمة والشعبي، ومن الرجال ~~في محل نصب على الحال. # وأصل الإربة والأرب والمأربة الحاجة والجمع مآرب: أي حوائج، ومنه قوله ~~سبحانه - فيها مآرب أخرى - ومنه قول طرفة: # إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا * تقدم يوما ثم ضاعت مآربه وقيل ~~المراد بغير أولى الأربة من الرجال الحمقى الذين لا حاجة لهم في النساء، ~~وقيل البله، وقيل العنين، وقيل الخصي، وقيل المخنث، وقيل الشيخ الكبير، ولا ~~وجه لهذا التخصيص، بل المراد بالآية ظاهرها وهم من يتبع أهل البيت، ولا ~~حاجة له في النساء، ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال، فيدخل من هؤلاء من ~~هو بهذه الصفة ويخرج من عداه (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) ~~الطفل يطلق على المفرد والمثنى والمجموع، أو المراد به هنا الجنس الموضوع ~~موضع الجمع بدلالة وصفة بوصف الجمع، وفي مصحف أبي " أو الأطفال " على ~~الجمع، يقال للإنسان طفل ما لم يراهق الحلم، ومعنى لم يظهروا: لم يطلعوا، ~~من الظهور بمعنى الاطلاع، قاله ابن قتيبة. وقيل معناه: لم يبلغوا حد ~~الشهوة، قاله الفراء والزجاج، يقال ظهرت على كذا: إذا غلبته وقهرته. # والمعنى: لم يطلعوا على عورات النساء ويكشفوا عنها للجماع، أو لم يبلغوا ~~حد الشهوة للجماع. قراءة الجمهور " عورات " بسكون الواو تخفيفا، وهي لغة ~~جمهور العرب. وقرأ ابن عامر في رواية بفتحها. وقرأ بذلك ابن أبي إسحاق ~~والأعمش. ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، وهي لغة هذيل بن مدركة، ومنه قول ~~الشاعر الذي أنشده الفراء: # أخو بيضات رائح متأوب ms2697 * رفيق لمسح المنكبين سبوح PageV04P024 # واختلف العلماء في وجوب ستر ما عدا الوجه والكفين من الأطفال، فقيل لا ~~يلزم لأنه لا تكليف عليه وهو الصحيح، وقيل يلزم لأنها قد تشتهي المرأة. ~~وهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير الذي قد سقطت شهوته، والأولى بقاء الحرمة ~~كما كانت، فلا يحل النظر إلى عورته ولا يحل له أن يكشفها. # وقد اختلف العلماء في حد العورة. قال القرطبي: أجمع المسلمون على أن ~~السوءتين عورة من الرجل والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها ~~على خلاف في ذلك. وقال الأكثر: إن عورة الرجل من سرته إلى ركبته (ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع ~~صوت خلخالها من يسمعه من الرجال فيعلمون أنها ذات خلخال. قال الزجاج: وسماع ~~هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها. # ثم أرشد عباده إلى التوبة عن المعاصي فقال سبحانه (وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون) فيه الأمر بالتوبة، ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها وأنها ~~فرض من فرائض الدين. وقد تقدم الكلام على التوبة في سورة النساء. ثم ذكر ما ~~يرغبهم في التوبة، فقال (لعلكم تفلحون) أي تفوزون بسعادة الدنيا والآخرة، ~~وقيل إن المراد بالتوبة هنا هي عما كانوا يعملونه في الجاهلية، والأول أولى ~~لما تقرر في السنة أن الإسلام بحب ما قبله. # وقد أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: مر رجل على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت ~~إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، ~~فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها، إذ استقبله الحائط فشق ~~أنفه، فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأعلمه أمري، فأتاه فقص عليه قصته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~هذا عقوبة ذنبك، وأنزل الله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) الآية. وأخرج ~~ابن جرير وابن ms2698 المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم) قال: يعنى من شهواتهم مما يكره الله. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو ~~داود والترمذي والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك وليست لك الأخرى " وفي ~~مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي عن جرير البجلي قال " سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري " وفي الصحيحين ~~وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~إياكم والجلوس على الطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا ~~نتحدث فيها، فقال: إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه يا رسول ~~الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر ". وأخرج البخاري وأهل السنن وغيرهم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ~~قال " قلت: # يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من ~~زوجتك، أو ما ملكت يمينك، قلت: يا نبي الله إذا كان القوم بعضهم في بعض، ~~قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها، قلت إذا كان أحدنا خاليا، قال: ~~فالله أحق أن يستحيا منه من الناس " وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كتب الله على ابن آدم ~~حظه من الزنا أدرك ذلك لا محاله، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، ~~وزنا الأذنين السماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطو، والنفس ~~تتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ". وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن ~~تركها من خوف الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه " والأحاديث في ~~هذا الباب كثيرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا والله أعلم أن ~~جابر بن عبد الله الأنصاري حدث ms2699 أن أسماء بنت يزيد كانت في نخل لها لبني ~~حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيبدو ما في أرجلهن، يعنى ~~الخلاخل، PageV04P025 # وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا، فأنزل الله ذلك (وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) الآية، وفيه مع كونه مرسلا مقاتل. وأخرج عبد ~~الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن ~~مسعود في قوله (ولا يبدين زينتهن) قال: الزينة السوار والدملج والخلخال ~~والقرط والقلادة (إلا ما ظهر منها) قال: الثياب والجلباب. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال: الزينة زينتان زينة ظاهرة وزينة باطنة ~~لا يراها إلا الزوج، فأما الزينة الظاهرة فالثياب، وأما الزينة الباطنة ~~فالكحل والسوار والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما خفى ~~الخلخالان والقرطان والسواران. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله (إلا ما ~~ظهر منها) قال: الكحل والخاتم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها) قال: الكحل والخاتم والقرط والقلادة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ~~عنه قال: هو خضاب الكف والخاتم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن ~~عمر قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. وأخرجا عن ابن عباس قال: إلا ما ~~ظهر منها وجهها وكفاها والخاتم، وأخرجا أيضا عنه قال: # رقعة الوجه وباطن الكف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر ~~والبيهقي في سننه عن عائشة أنها سئلت عن الزينة الظاهرة قال: القلب والفتخ ~~وضمت طرف كمها. وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن عائشة: # أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليها ~~ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح ~~أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفه. قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: # هذا مرسل ms2700 لأنه من طريق خالد بن دريك عن عائشة ولم يسمع منها. وأخرج ~~البخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في ~~سننه عن عائشة قالت: " رحم الله نساء المهاجرات الأولات لما أنزل الله ~~(وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن أكثف مروطهن فاختمرن به ". وأخرج ابن ~~جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عنها بلفظ: أخذ النساء أزرهن فشققنها من ~~قبل الحواشي فاختمرن بها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ~~والزينة الظاهرة الوجه وكحل العينين وخضاب الكف والخاتم، فهذا تظهره في ~~بيتها لمن دخل عليها. ثم قال (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن) ~~الآية، والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالها ~~ومعضدها ونحرها وشعرها فإنها لا تبديه إلا لزوجها. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (أو نسائهن) قال: هن ~~المسلمات لا تبديه اليهودية ولا نصرانية وهو النحر والقرط والوشاح، وما ~~يحرم أن يراه إلا محرم. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه ~~عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من ~~نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك عن ذلك، ~~فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ~~ملتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: لا بأس أن يرى ~~العبد شعر سيدته. وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس " أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهب لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنع ~~به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما تلقي قال: إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك ~~وغلامك " وإسناده في سنن أبي داود هكذا: حدثنا محمد بن عيسى ms2701 حدثنا أبو جميع ~~سالم بن دينار عن ثابت عن أنس فذكره. وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أم سلمة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا PageV04P026 # كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه، وإسناد أحمد هكذا: ~~حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن نبهان أن أم سلمة فذكره. وأخرج الفريابي ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله (أو التابعين ~~غير أولى الأربة من الرجال) قال: هذا الذي لا تستحي منه النساء. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية ~~قال: هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء ولا يشتهى ~~النساء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في الآية قال: كان الرجل يتبع ~~الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، ~~وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~الآية قال: هو المخنث الذي لا يقوم زبه. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مخنث، فكانوا يدعونه من غير أولى الإربة، ~~فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة ~~قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، قال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلن عليكم فحجبوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا يضربن ~~بأرجلهن) وهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو يكون في رجلها خلاخل ~~فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك، لأنه من عمل الشيطان. # لما أمر سبحانه بغض الأبصار وحفظ الفروج أرشد بعد ذلك إلى ما ms2702 يحل للعباد ~~من النكاح الذي يكون به قضاء الشهوة وسكون دواعي الزنا ويسهل بعده غض البصر ~~عن المحرمات وحفظ الفرج عما لا يحل، فقال (وأنكحوا الأيامى منكم) الأيم ~~التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، والجمع أيامى والأصل أيايم، والأيم ~~بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة. قال أبو عمرو والكسائي: اتفق أهل اللغة ~~على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا. قال ~~أبو عبيد: يقال رجل أيم وامرأة أيم، وأكثر ما يكون في النساء، وهو ~~كالمستعار في الرجال، ومنه قول أمية بنت أبي الصلت: # لله در بني علي * أيم منهم وناكح ومنه أيضا قول الآخر: # لقد إمت حتى لا مني كل صاحب * رجاء سليمى أن تأيم كما إمت PageV04P027 # والخطاب في الآية للأولياء، وقيل للأزواج، والأول أرجح، وفيه دليل على أن ~~المرأة لا تنكح نفسها، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة. # واختلف أهل العلم في النكاح هل مباح، أو مستحب، أو واجب؟ فذهب إلى الأول ~~الشافعي وغيره، وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة، وإلى الثالث بعض أهل العلم ~~على تفصيل لهم في ذلك، فقالوا: إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه ~~وإلا فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب ~~مع تلك الخشية، وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح " ومن رغب عن سنتي ~~فليس مني " ولكن مع القدرة عليه، وعلى مؤنه كما سيأتي قريبا، والمراد ~~بالأيامي هنا الأحرار والحرائر، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله ~~(والصالحين من عبادكم وإمائكم) قرأ الجمهور " عبادكم " وقرأ الحسن " عبيدكم ~~" قال الفراء: ويجوز وإماءكم بالنصب برده على الصالحين، والصلاح هو ~~الإيمان. وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في ~~الأحرار الصلاح بخلاف المماليك، وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه، ~~وإنما يزوجه مالكه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته ~~على النكاح. وقال مالك: ms2703 لا يجوز. ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال ~~(إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) أي لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب ~~فقر الرجل والمرأة أو أحدهما، فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ~~ويتفضل عليهم بذلك. قال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي ~~الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلا لكل فقير إذا تزوج فإن ذلك مقيد ~~بالمشيئة. وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا ~~تزوجوا. وقيل المعنى: إنه يغني يغنى النفس، وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء ~~إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول ~~أولى، ويدل عليه قوله سبحانه - وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن ~~شاء - فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك، وجملة (والله واسع عليم) مؤكدة ~~لما قبلها ومقررة لها، والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غني ~~من يغنيه من عباده عليم بمصالح خلقه، يغني من يشاء ويفقر من يشاء. ثم ذكر ~~سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان جواز مناكحتهم إرشادا لهم إلى ما ~~هو الأولى فقال (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا) استعف طلب أن يكون عفيفا: ~~أي ليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد نكاحا: أي سبب نكاح، وهو المال. ~~وقيل النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف ~~به، واللباس اسم لما يلبس، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية، وهي (حتى ~~يغنيهم الله من فضله) أي يرزقهم رزقا يستغنون به ويتمكنون بسببه من النكاح، ~~وفي هذه الآية ما يدل على تقييد، الجملة الأولى: وهي إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله بالمشيئة كما ذكرنا، فإنه لو كان وعدا حتما لا محالة في حصوله لكان ~~الغنى والزواج متلازمين، وحينئذ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير ~~فائدة، فإنه سيغني عند تزوجه لا محالة، فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل ~~للغنى، إلا أن يقال: إن هذا الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل ms2704 مبادئ ~~النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح، فإنه قد صدق عليه أنه ~~لم يجد نكاحا إذا كان غير واجد لأسبابه التي يتحصل بها، وأعظمها المال. ثم ~~لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء، أرشد المالكين إلى ~~طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال (والذين يبتغون الكتاب مما ~~ملكت أيمانكم) الموصول في محل رفع على الابتداء، ويجوز أن يكون في محل نصب ~~على إضمار فعل يفسره ما بعده: أي وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب: # والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة، يقال: كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة، كما يقال ~~قاتل يقاتل قتالا ومقاتلة: PageV04P028 # وقيل الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشئ، وذلك لأنهم كانوا ~~إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا، فيكون المعنى الذين ~~يطلبون كتاب المكاتبة. ومعنى المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على ~~مال يؤديه منجما، فإذا أداه فهو حر، وظاهر قوله (فكاتبوهم) أن العبد إذا ~~طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو (إن ~~علمتم فيهم خيرا) والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه وإن لم يكن له ~~مال، وقيل هو المال فقط، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ~~ومقاتل. وذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد، واختاره مالك، والشافعي والفراء ~~والزجاج. قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال. وقال الزجاج: ~~لما قال " فيهم " كان الأظهر الاكتساب، والوفاء وأداء الأمانة. وقال ~~النخعي: إن الخير الدين والأمانة. وروى مثل هذا عن الحسن. وقال عبيدة ~~السلماني: إقامة الصلاة. قال الطحاوي: وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا، ~~لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال؟ # قال: والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق. قال أبو عمر بن عبد ~~البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: إن علمتم فيهم مالا، ~~وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال علمت فيه المال. هذا ~~حاصل ما وقع من الاختلاف ms2705 بين أهل العلم في الخبر المذكور في هذه الآية. ~~وإذا تقرر لك هذا، فاعلم أنه قد ذهب ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية ~~من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك: وأهل الظاهر، ~~فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وعلم فيه خيرا. ~~وقال الجمهور من أهل العلم: لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل ~~العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ولم يجبر عليه، فكذا الكتابة ~~لأنها معاوضة. # ولا يخفاك أن هذه حجة واهية وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون، وبه قال ~~عمر بن الخطاب وابن عباس واختاره ابن جرير. ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان ~~إلى المكاتبين، فقال (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ففي هذه الآية الأمر ~~للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئا من المال ~~أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه، وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار، ~~وقيل الثلث، وقيل الربع، وقيل العشر، ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو ~~كون الكلام فيهم، وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن ~~والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: وآتوهم لجميع الناس. وقال زيد بن أسلم: ~~إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم كما في قوله ~~سبحانه - وفي الرقاب -، وللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة. ~~ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى ~~المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال (ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء) والمراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى ~~والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر. والبغاء: الزنا، مصدر بغت ~~المرأة تبغى بغاء إذا زنت، وهذا مختص بزنا النساء، فلا يقال للرجل إذا زنا ~~إنه بغي، وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله (إن أردن تحصنا) لأن الإكراه لا ~~يتصور إلا عند إرادتهم للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها ~~مكرهة على الزنا، والمراد ms2706 بالتحصن هنا: التعفف والتزوج. وقيل إن هذا القيد ~~راجع إلى الأيامى. قال الزجاج والحسن بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير: أي ~~وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم وإمائكم أن أردن تحصنا. وقيل هذا ~~الشرط ملغى. # وقيل إن هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن ~~التعفف، وليس لتخصص النهي PageV04P029 # بصورة إرادتهن التعفف. وقيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن ~~الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم ~~إرادة التحصن، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه، فإن الأمة قد تكون غير مريدة ~~للحلال ولا للحرام كما فيمن لا رغبة لها في النكاح، والصغيرة فتوصف بأنها ~~مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور ~~الإكراه إلا عند إرادة التحصن، إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد ~~التعفف، وأنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن وهو بعيد، ~~فقد قال الحبر ابن عباس: إن المراد بالتحصن التعفف والتزوج، وتابعه على ذلك ~~غيره، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) وهو ما ~~تكسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل أيضا خارج مخرج الغالب، والمعنى: أن هذا ~~العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب، لأن ~~إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلا لا يصدر مثله عن العقلاء، ~~فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها، إذا لم يكن مبتغيا ~~بإكراهها عرض الحياة الدنيا. وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن ~~عادتهم كانت كذلك، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن، وهذا يلاقي المعنى ~~الأول ولا يخالفه (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) هذا مقرر ~~لما قبله ومؤكد له، والمعنى: أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى ~~المكرهات، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير: ~~فإن الله غفور رحيم لهن. قيل وفي هذا التفسير ms2707 بعد، لأن المكرهة على الزنا ~~غير آثمة. وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة، فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن ~~شائبة مطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصرا عن حد ~~الإلجاء المزيل للاختيار. وقيل إن المعنى: فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~رحيم لهم: إما مطلقا، أو بشرط التوبة. ولما فرغ سبحانه من بيان تلك ~~الأحكام، شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث: الأولى أنه آيات مبينات: أي واضحات ~~في أنفسهن أو موضحات، فتدخل الآيات المذكورة في هذه الصورة دخولا أوليا. ~~والصفة الثانية كونه مثلا من الذين خلوا من قبل هؤلاء: أي مثلا كائنا من ~~جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب ~~السابقة، فإن العجب من قصة عائشة رضي الله عنها، هو كالعجب من قصة يوسف ~~ومريم وما اتهما به، ثم تبين بطلانه وبراءتهما سلام الله عليهما. # والصفة الثالثة كونه (موعظة) ينتفع بها المتقون خاصة، فيقتدون عليه بما ~~فيه من الأوامر، وينزجرون عما فيه من النواهي. وأما غير المتقين، فإن الله ~~قد ختم على قلوبهم، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ، والاعتبار ~~بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وأنكحوا الأيامى) الآية قال: # أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ~~ووعدهم في ذلك الغنى فقال (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز ~~لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). ~~وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن ~~الخطاب قال: ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة، وقد وعد الله فيها ما ~~وعد، فقال (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). وأخرج عبد الرزاق وابن ~~أبي شيبة عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج ms2708 ابن جرير عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ~~البزار والدارقطني في العلل والحاكم وابن مردويه والديلمي من طريق عروة عن ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنكحوا النساء، فإنهن ~~يأتينكم بالمال ". وأخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في مراسيله عن عروة ~~مرفوعا إلى النبي PageV04P030 # صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر عائشة وهو مرسل. وأخرج عبد الرزاق ~~وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي ~~في السنن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ثلاثة ~~حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في ~~سبيل الله " وقد ورد في الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ~~ذكرها. وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله (وليستعفف الذين لا ~~يجدون نكاحا) قال: ليتزوج من لا يجد فإن الله سيغنيه. وأخرج ابن السكن في ~~معرفة الصحابة عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكا لحويطب عن عبد ~~العزى، فسألته الكتابة فأبى، فنزلت (والذين يبتغون الكتاب) الآية. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين ~~المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب فأقبل علي بالدرة وقال: كاتبه ~~وتلا (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) فكاتبته. وقال ابن كثير: إن إسناده ~~صحيح. وأخرج أبو داود في المراسيل والبيهقي في سننه عن يحيى بن أبي كثير ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " (فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا) قال: إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلا على الناس ". وأخرج عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس (ان ~~علمتم فيهم خيرا) قال: المال. وأخرج ابن مردويه عن علي مثله. وأخرج البيهقي ~~عن ابن عباس في الآية قال: أمانة ووفاء. وأخرج عنه أيضا قال: إن علمت ~~مكاتبك يقضيك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عنه في ~~الآية قال: إن علمتم ms2709 لهم حيلة، ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين (وآتوهم من ~~مال الله الذي آتاكم) يعنى ضعوا عنهم من مكاتبتهم. وأخرج عبد الرزاق وابن ~~جرير وابن المنذر والبيهقي عن نافع قال: # كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ويقول: يطعمني من ~~أوساخ الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في ~~قوله (وآتوهم من مال الله) الآية: أمر المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. # وقال علي بن أبي طالب: أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه. ~~وهذا تعليم من الله ليس بفريضة، ولكن فيه أجر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والروياني في مسنده والضياء المقدسي في ~~المختارة عن بريدة في الآية قال: حث الناس عليه أن يعطوه. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة ومسلم والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي من طريق أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: # كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئا، وكانت كارهة، ~~فأنزل الله (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم) هكذا كان ~~يقرؤها، وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي: يقال لها ~~مسيكة، وأخرى يقال لها أميمة، فكان يريدهما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله (ولا تكرهوا فتياتكم) الآية. وأخرج ~~البزار وابن مردويه عن أنس نحو حديث جابر الأول. وأخرج ابن مردويه عن علي ~~بن أبي طالب في الآية قال: كان أهل الجاهلية يبغين إماءهم، فنهوا عن ذلك في ~~الإسلام. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية ~~يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهن فنزلت الآية. وقد ورد النهي منه ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن مهر البغي وكسب الحجام وحلوان الكاهن. ~~PageV04P031 # لما بين سبحانه ms2710 من الأحكام ما بين أردف ذلك بكونه سبحانه في غاية الكمال ~~فقال (الله نور السماوات والأرض) وهذه الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها، ~~والاسم الشريف مبتدأ، ونور السماوات والأرض خبره، إما على حذف مضاف: أي ذو ~~نور السماوات والأرض، أو لكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور ~~لكمال جلاله وظهور عدله وبسطه أحكامه، كما يقال فلان نور البلد وقمر الزمن ~~وشمس العصر، ومنه قول النابغة: # فإنك شمس والملوك كواكب * إذا ظهرت لم يبق فيهن كوكب وقول الآخر: هلا ~~قصدت من البلاد لمفضل * قمر القبائل خالد بن يزيد ومن ذلك قول الشاعر: # إذا سار عبد الله من مرو ليلة * فقد سار منها نورها وجمالها وقول الآخر: ~~نسب كأن عليه من شمس الضحى * نورا ومن فلق الصباح عمودا ومعنى النور في ~~اللغة: الضياء، وهو الذي يبين الأشياء ويرى الأبصار حقيقة ما تراه، فيجوز ~~إطلاق النور على الله سبحانه على طريقه المدح، ولكونه أوجد الأشياء المنورة ~~وأوجد أنوارها ونورها، ويدل على هذا المعنى قراءة زيد بن علي وأبي جعفر ~~وعبد العزيز المكي " الله نور السماوات والأرض " على صيغة الفعل الماضي، ~~وفاعله ضمير يرجع إلى الله، والسماوات مفعوله، فمعنى (الله نور السماوات ~~والأرض) انه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما وكمال تدبيره عز ~~وجل لمن فيهما، كما يقال الملك نور البلد، هكذا قال الحسن ومجاهد والأزهري ~~والضحاك والقرظي وابن عرفة وابن جرير وغيرهم، ومثله قول الشاعر: # وأنت لنا نور وغيث وعصمة * ونبت لمن يرجو نداك وريف وقال هشام الجواليقي ~~وطائفة من المجسمة: إنه سبحانه نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام، وقوله ~~(مثل نوره) مبتدأ وخبره (كمشكاة) أي صفة نوره الفائض عنه، الظاهر على ~~الأشياء كمشكاة، والمشكاة الكوة في الحائط غير النافذة، كذا حكاه الواحدي ~~عن جميع المفسرين، وحكاه القرطبي عن جمهورهم. ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع ~~للضوء الذي يكون فيه من مصباح أو غيره، وأصل المشكاة الوعاء يجعل فيه الشئ. ~~وقيل المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد - هي القنديل. ~~والأول أولى، ومنه ms2711 قول الشاعر: # * كأن عينيه مشكاتان في جحر * ثم قال (فيها مصباح) وهو السراج (المصباح ~~في زجاجة) قال الزجاج: # النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في كل شئ وضوءه يزيد في الزجاج، ~~ووجه ذلك: أن الزجاج جسم PageV04P032 # شفاف يظهر فيه النور أكمل ظهور. ثم وصف الزجاجة فقال (الزجاجة كأنها كوكب ~~دري) أي منسوب إلى الدر لكون فيه من الصفاء والحسن ما يشابه الدر. وقال ~~الضحاك: الكوكب الدري الزهرة. قرأ أبو عمرو " دري " بكسر الدال. قال أبو ~~عمرو: لم أسمع أعرابيا يقول: إلا كأنه كوكب دري بكسر الدال، أخذوه من درأت ~~النجوم تدرأ إذا اندفعت. وقرأ حمزة بضم الدال مهموزا، وأنكره الفراء ~~والزجاج والمبرد. وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمز، لأنه ليس ~~في كلام العرب. والدراري هي المشهورة من الكواكب كالمشتري والزهرة والمريخ ~~وما يضاهيها من الثوابت. ثم وصف المصباح بقوله (يوقد من شجرة مباركة) ومن ~~هذه هي الابتدائية: أي ابتداء إيقاد المصباح منها، وقيل هو على تقدير مضاف: ~~أي يوقد من زيت شجرة مباركة، والمباركة الكثيرة المنافع. وقيل المنماة، ~~والزيتون من أعظم الثمار نماء، ومنه قول أبي طالب يرثى مسافر بن أبي عمرو ~~ابن أمية بن عبد شمس: # ليث شعري مسافر بن أبي عمرو * وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما ~~* بورك نبع الرمان والزيتون قيل ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى ~~أعلاها، وهي إدام ودهان ودباغ ووقود، وليس فيها شئ إلا وفيه منفعة، ثم ~~وصفها بأنها (لا شرقية ولا غربية). # وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف، فقال عكرمة وقتادة وغيرهم: إن ~~الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها إذا غربت. والغربية هي ~~التي تصيبها إذا غربت، ولا تصيبها إذا شرقت. وهذه الزيتونة هي في صحراء ~~بحيث لا يسترها عن الشمس شئ لا في حال شروقها ولا في حال غروبها، وما كانت ~~من الزيتون هكذا فثمرها أجود. وقيل إن المعنى: إنها شجرة في دوحة قد أحاطت ~~بها، فهي غير منكشفة من ms2712 جهة الشرق، ولا من جهة الغرب، حكى هذا ابن جرير عن ~~ابن عباس. قال ابن عطية: وهذا لا يصح عن ابن عباس، لأن الثمرة التي بهذه ~~الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود. ورجح القول الأول الفراء والزجاج. # وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله ~~لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية. قال الثعلبي: قد ~~أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا، لأن قوله زيتونة بدل من قوله شجرة. # قال ابن زيد: إنها من شجر الشام، فإن الشام لا شرقي ولا غربي، والشام هي ~~الأرض المباركة. وقد قرئ " توقد " بالتاء الفوقية على أن الضمير راجع إلى ~~الزجاجة دون المصباح، وبها قرأ الكوفيون. وقرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن ~~عامر وأهل الشام وحفص (يوقد) بالتحتية مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال. وقرأ ~~الحسن والسلمي وأبو عمرو بن العلاء وأبو جعفر (توقد) بالفوقية مفتوحة وفتح ~~الواو وتشديد القاف وفتح الدال على أنه فعل ماض من توقد يتوقد، والضمير في ~~هاتين القراءتين راجع إلى المصباح. قال النحاس: وهاتان القراءتان متقاربتان ~~لأنهما جمعا للمصباح، وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي ينير ويضيء، وإنما ~~الزجاجة وعاء له. وقرأ نصر بن عاصم كقراءة أبي عمرو ومن معه إلا أنه ضم ~~الدال على أنه فعل مضارع، وأصله تتوقد. ثم وصف الزيتونة بوصف آخر فقال ~~(يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) قرأ الجمهور " تمسسه " بالفوقية، لأن ~~النار مؤنثة. قال أبو عبيد: إنه لا يعرف إلا هذه القراءة. وحكى أبو حاتم أن ~~السدي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ (يمسسه) بالتحتية لكون تأنيث ~~النار غير حقيقي. والمعنى: أن هذا الزيت في صفاته وإنارته يكاد PageV04P033 # يضيء بنفسه من غير أن تمسه النار أصلا، وارتفاع (نور) على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف: أي هو نور، و (على نور) متعلق بمحذوف هو صفة لنور مؤكدة له، ~~والمعنى: هو نور كائن على نور. قال مجاهد: والمراد النار على الزيت. وقال ~~الكلبي: المصباح نور، ms2713 والزجاجة نور، وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن ~~(يهدي الله لنوره من يشاء) من عباده: أي هداية خاصة موصلة إلى المطلوب، ~~وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة (ويضرب الله الأمثال للناس) أي يبين ~~الأشياء بأشباهها ونظائرها تقريبا لها إلى الأفهام وتسهيلا لإدراكها، لأن ~~إبراز المعقول في هيئة المحسوس وتصويره بصورته يزيده وضوحا وبيانا (والله ~~بكل شئ عليم) لا يغيب عنه شئ من الأشياء معقولا كان أو محسوسا، ظاهرا أو ~~باطنا، واختلف في قوله (في بيوت أذن الله أن ترفع) بما هو متعلق، فقيل ~~متعلق بما قبله: أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد، كأنه قيل مثل ~~نوره كما ترى في المسجد نور المشكاة التي صفتها كيت وكيت، وقيل متعلق ~~بمصباح. وقال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: هو حال للمصباح والزجاجة ~~والكوكب، كأنه قيل: وهي في بيوت، وقيل متعلق يتوقد: أي توقد في بيوت، وقد ~~قيل متعلق بما بعده، وهو يسبح: أي يسبح له رجال في بيوت، وعلى هذا يكون ~~قوله " فيها " تكريرا كقولك، زيد في الدار جالس فيها. وقيل إنه منفصل عما ~~قبله، كأنه قال الله: في بيوت أذن الله أن ترفع. قال الحكيم الترمذي: وبذلك ~~جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه. وقد قيل على تقدير ~~تعلقه بمشكاة أو بمصباح أو بتوقد ما الوجه في توحيد المصباح والمشكاة وجمع ~~البيوت؟ ولا تكون المشكاة الواحدة ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد. ~~وأجيب بأن هذا الخطاب الذي يفتح أوله بالتوحيد، ويختم بالجمع كقوله سبحانه ~~- يا أيها النبي إذا طلقتم النساء - ونحوه. وقيل معنى في بيوت: في كل واحد ~~من البيوت، فكأنه قال: في كل بيت، أو في كل واحد من البيوت. واختلف الناس ~~في البيوت، على أقوال: الأول أنها المساجد، وهو قول مجاهد والحسن وغيرهما. ~~الثاني أن المراد بها بيوت بيت المقدس، روى ذلك عن الحسن. الثالث أنها بيوت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، روي عن مجاهد: الرابع هي البيوت كلها، قاله ~~عكرمة. الخامس ms2714 أنها المساجد الأربعة الكعبة، ومسجد قباء، ومسجد المدينة، ~~ومسجد بيت المقدس، قاله ابن زيد. والقول الأول أظهر لقوله (يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال) والباء من بيوت تضم وتكسر كل ذلك ثابت في اللغة، ومعنى أذن ~~الله أن ترفع: # أمر وقضى، ومعنى ترفع تبنى، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما، ومنه قوله سبحانه ~~- وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت - وقال الحسن البصري وغيره: معنى ترفع ~~تعظم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار، ورجحه الزجاج. # وقيل المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين، ومعنى (يذكر فيها اسمه) كل ذكر ~~لله عز وجل، وقيل هو التوحيد، وقيل المراد تلاوة القرآن، والأول أولى (يسبح ~~له فيها بالغدو والآصال رجال) قرأ ابن عامر وأبو بكر " يسبح " بفتح الباء ~~الموحدة مبنيا للمفعول، وقرأ الباقون بكسرها مبنيا للفاعل إلا ابن وثاب ~~وأبا حيوة فإنهما قرآ بالتاء الفوقية وكسر الموحدة، فعلى القراءة الأولى ~~يكون القائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثلاثة، ويكون رجال مرفوع على أحد ~~وجهين: إما بفعل مقدر، وكأنه جواب سؤال مقدر، كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل ~~يسبحه رجال. الثاني أن رجال مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. وعلى القراءة ~~الثانية يكون رجال فاعل يسبح، وعلى القراءة الثالثة يكون الفاعل أيضا رجال، ~~وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال. # واختلف في هذا التسبيح ما هو؟ فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة، ~~قالوا: الغدو صلاة الصبح، والآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين، لأن اسم ~~الآصال يشملها، ومعنى بالغدو والآصال: بالغداة والعشي PageV04P034 # وقيل صلاة الصبح والعصر، وقيل المراد صلاة الضحى، وقيل المراد بالتسبيح ~~هنا معناه الحقيقي، وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته ~~وأفعاله، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة بعده، وهذا أرجح مما قبله، لكونه ~~المعنى الحقيقي مع وجود دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه الأولون، وهو ما ~~ذكرناه (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) هذه الجملة صفة لرجال: أي لا ~~تشغلهم التجارة والبيع عن الذكر، وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل ms2715 ~~به الإنسان عن الذكر. وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه ~~الرجل على بدنه، وخص قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها، وبمثل ~~قول الفراء. قال الواقدي: فقال التجار هم الجلاب المسافرون والباعة هم ~~المقيمون، ومعنى عن ذكر الله: هو ما تقدم في قوله (ويذكر فيها اسمه) وقيل ~~المراد الأذان، وقيل عن ذكره بأسمائه الحسنى: أي يوحدونه ويمجدونه. وقيل ~~المراد عن الصلاة، ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا. والمراد بإقام الصلاة ~~إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم مقامها في ~~ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله: # ثلاثة تحذف تا آتها * مضافة عند جمع النحاة وهي إذا شئت أبو عذرها * وليت ~~شعري وإقام الصلاة وأنشد الفراء في الاستشهاد للحذف المذكور في هذه الآية ~~قول الشاعر: # إن الخليط أجدوا البين وانجردوا * وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا أي عدة ~~الأمر، وفي هذا البيت دليل على أن الحذف مع الإضافة لا يختص بتلك الثلاثة ~~المواضع. قال الزجاج: # وإنما حذفت الهاء لأنه يقال أقمت الصلاة إقامة، وكان الأصل أقواما، ولكن ~~قلبت الواو ألفا فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت ~~الصلاة إقاما، فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف وقامت الإضافة هاهنا في ~~التعويض مقام الهاء المحذوفة، وهذا إجماع من النحويين انتهى. وقد احتاج من ~~حمل ذكر الله على الصلاة المفروضة أن يحمل إقام الصلاة على تأديتها في ~~أوقاتها فرارا من التكرار ولا ملجئ إلى ذلك، بل يحمل الذكر على معناه ~~الحقيقي كما قدمنا. والمراد بالزكاة المذكورة هي المفروضة، وقيل المراد ~~بالزكاة طاعة الله والإخلاص، إذ ليس لكل مؤمن مال (يخافون يوما) أي يوم ~~القيامة، وانتصابه على أنه مفعول للفعل لا ظرف له، ثم وصف هذا اليوم بقوله ~~(تتقلب فيه القلوب والأبصار) أي تضطرب وتتحول، قيل المراد بتقلب القلوب ~~انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها ولا تخرج، والمراد ~~بتقلب الأبصار هو أن تصير عمياء بعد أن كانت مبصرة. وقيل المراد بتقلب ~~القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة ms2716 والخوف من الهلاك، وأما تقلب ~~الأبصار فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون، وإلى أي ناحية يصيرون. وقيل المراد ~~تحول قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين، ومثله قوله - ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد - فما كان يراه في الدنيا غيا يراه في ~~الآخرة رشدا. وقيل المراد التقلب على جمر جهنم، وقيل غير ذلك (ليجزيهم الله ~~أحسن ما عملوا) متعلق بمحذوف: # أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح والذكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~ليجزيهم الله أحسن ما عملوا: أي أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم من تضعيف ~~ذلك إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف، وقيل المراد بما في هذه الآية ما ~~يتفضل سبحانه به عليهم زيادة على ما يستحقونه، والأول أولى لقوله (ويزيدهم ~~من فضله) فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به (والله ~~يرزق من يشاء بغير حساب) أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، أو أن عطاءه ~~سبحانه لا نهاية له، والجملة مقررة لما سبقها من الوعد بالزيادة. ~~PageV04P035 # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (الله نور السماوات والأرض) قال: ~~يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما. وأخرج الفريابي عنه في قوله ~~(الله نور السماوات والأرض) مثل نوره (الذي أعطاه المؤمن (كمشكاة)، وقال في ~~تفسير (زيتونة لا شرقية ولا غربية) إنها التي في سفح جبل لا تصيبها الشمس ~~إذا طلعت ولا إذا غربت (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور) ~~فذلك مثل قلب المؤمن نور على نور. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في ~~المصاحف عن الشعبي قال: في قراءة أبي بن كعب مثل نور المؤمن كمشكاة. # وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن أبي عباس في الآية قال: يقول مثل نور من ~~آمن بالله كمشكاة، وهي الكوه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (مثل نوره) قال: هي ~~خطأ من الكاتب هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، قال: مثل نور ~~المؤمن كمشكاة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ms2717 والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عنه أيضا (الله نور السماوات والأرض) قال: هادي أهل ~~السماوات والأرض (مثل نوره) مثل هداه في قلب المؤمن (كمشكاة) يقول موضع ~~الفتيلة كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ~~ازداد ضوءا على ضوئه، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه ~~العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور، وفي إسناده علي ~~بن أبي طلحة، وفيه مقال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي بن كعب (الله نور السماوات والأرض ~~(مثل نوره) قال: # هو المؤمن الذي قد جعل الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله، فقال " ~~نور السماوات والأرض مثل نوره " فبدأ بنور نفسه، ثم ذكر نور المؤمن، فقال ~~مثل نور من آمن به، فكان أبي بن كعب يقرؤها " مثل نور من آمن به " فهو ~~المؤمن، جعل الإيمان والقرآن في صدره (كمشكاة) قال: فصدر المؤمن المشكاة ~~(فيها مصباح المصباح) النور، وهو القرآن والإيمان الذي جعل في صدره (في ~~زجاجة) و (الزجاجة) قلبه (كأنها كوكب دري) يقول كوكب مضيء (يوقد من شجرة ~~مباركة) والشجرة المباركة: أصل المبارك الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك ~~له (زيتونة لا شرقية ولا غربية) قال: فمثله كمثل شجرة التفت بها الشجر، فهي ~~خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، ~~فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يضله شئ من الفتن. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن اليهود قالوا ~~لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره فقال ~~(الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة) المشكاة كوة البيت فيها مصباح، ~~وهو السراج يكون في الزجاجة، وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، ~~ثم سماها أنواعا شتى (لا شرقية ولا غربية) قال: وهي وسط الشجر لا تنالها ~~الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت، وذلك أجود ms2718 الزيت (يكاد زيتها يضيء) بغير نار ~~(نور على نور) يعنى بذلك إيمان العبد وعلمه (يهدي الله لنوره من يشاء) وهو ~~مثل المؤمن. وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر في ~~قوله (كمشكاة فيها مصباح) قال: المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي في قلبه (يوفد من شجرة مباركة) الشجرة ~~إبراهيم (زيتونة لا شرقية ولا غربية) لا يهودية ولا نصرانية، ثم قرأ - ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~-. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال: # حدثني عن قول الله (الله نور السماوات والأرض مثل نوره) قال: مثل نور ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم كمشكاة قال: المشكاة الكوة ضربها الله مثلا ~~لقمة فيها مصباح، والمصباح قلبه (المصباح في زجاجة) والزجاجة PageV04P036 # صدره (كأنها كوكب دري) شبه صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكوكب ~~الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال (يوقد من شجرة مباركة - يكاد زيتها ~~يضيء) قال: يكاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه ~~نبي، كما يكاد الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار. # وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا ونحوه مما تقدم عن أبي بن كعب وابن ~~عباس وابن عمر رضي الله عنهم ليس على ما تقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه ~~المعاني التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ~~ممن جاء بعدهم استبعدوا ولم تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في ~~المشكاة، ولهذا قال ابن عباس: هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما ~~قدمنا عنه، ولا وجه لهذا الاستبعاد. فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع ~~الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه ms2719 وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة ~~العرب ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب ولا من ~~سنة ولا من لغة. وأما ما حكى عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا، فإن كان هو ~~سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب ~~رحمه الله ممن يقتدى به في مثل هذا. وقد نبهناك فيما سبق أن تفسير الصحابي ~~إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيرا، فلا تقوم به ~~الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي، نعم إن صحت قراءة أبي بن ~~كعب، كانت هي المستند لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة ~~المبينة للمراد، وإن لم تصح فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة ~~وغيرهم ممن قبلهم وممن بعدهم هو المتعين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (في بيوت أذن الله أن ترفع) قال: هي المساجد تكرم وينهى عن اللغو ~~فيها، ويذكر فيها اسم الله، يتلى فيها كتابه (يسبح له فيها بالغدو والآصال) ~~صلاة الغداة وصلاة العصر، وهما أول ما فرض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما ~~ويذكر بهما عباده. وقد ورد في تعظيم المساجد وتنزيهها عن القذر واللغو ~~وتنظيفها وتطييبها أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي ~~في الشعب عن ابن عباس قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن وما يغوص عليها إلا ~~غواص في قوله (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال). # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) قال: هم ~~الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. وأخرج ابن مردويه والديلمي عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله) قال: هم الذين يبتغون من فضل الله. وأخرج ms2720 ابن ~~مردويه عن ابن عباس في الآية، قال: كانوا رجالا يبتغون من فضل الله يشترون ~~ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم وقاموا إلى المسجد ~~فصلوا. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في الشعب عنه في الآية، قال: ~~ضرب الله هذا المثل قوله " كمشكاة " لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم ~~تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا عن ذكر الله قال: عن شهود الصلاة. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر. أنه ~~كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم، ثم دخلوا المسجد، فقال ابن ~~عمر فيهم نزلت: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). # وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود ~~أنه رأى ناسا من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم، فقال: هؤلاء الذين ~~قال الله فيهم (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). وأخرج ~~PageV04P037 # هناد بن السري في الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب ~~ومحمد بن نصر في الصلاة عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " يجمع الله يوم القيامة الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي ~~وينفذهم البصر، فيقوم مناد فينادي: أين الذين كانوا يحمدون الله في السراء ~~والضراء؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي: أين ~~الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير ~~حساب، ثم يعود فينادي: ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله، فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يقوم سائر الناس ~~فيحاسبون ". وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن ~~عامر مرفوعا نحوه. # لما ذكر سبحانه حال المؤمنين وما يؤول إليه أمرهم ذكر مثلا للكافرين فقال ~~(والذين كفروا ms2721 أعمالهم كسراب بقيعة) المراد بالأعمال هنا: هي الأعمال التي ~~من أعمال الخير كالصدقة والصلة وفك العاني وعمارة البيت وسقاية الحاج، ~~والسراب: ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار على صورة ~~الماء في ظن من يراه، وسمى سرابا لأنه يسرب: أي يجرى كالماء، يقال سرب ~~الفحل: أي مضى وسار في الأرض، ويسمى الآل أيضا. وقيل الآل هو الذي يكون ضحى ~~كالماء، إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين السماء والأرض، قال امرؤ ~~القيس: PageV04P038 # ألم أنض المطي بكل خرق * طويل الطول لماع السراب وقال آخر: فلما كففنا ~~الحرب كانت عهودهم * كلمع سراب بالفلا متألق والقيعة جمع قاع: وهو الموضع ~~المنخفض الذي يستقر فيه الماء، مثل جيرة وجار، قاله الهروي. وقال أبو عبيد: ~~قيعة وقاع واحد. قال الجوهري: القاع المستوى من الأرض، والجمع: أقوع وأقواع ~~وقيعان، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، والقيعة مثل القاع. قال: وبعضهم ~~يقول هو جمع (يحسبه الظمآن ماء) هذه صفة ثانية لسراب، والظمآن العطشان، ~~وتخصيص الحسبان بالضمآن مع كون الريان يراه كذلك، لتحقيق التشبيه المبني ~~على الطمع (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) أي إذا جاء العطشان ذلك الذي حسبه ~~ماء لم يجده شيئا مما قدره وحسبه ولا من غيره، والمعنى: أن الكفار يعولون ~~على أعمالهم التي يظنونها من الخير ويطمعون في ثوابها، فإذا قدموا على الله ~~سبحانه لم يجدوا منها شيئا، لأن الكفر أحبطها ومحا أثرها، والمراد بقوله ~~(حتى إذا جاءه) مع أنه ليس بشئ أنه جاء الموضع الذي كان يحسبه فيه. ثم ذكر ~~سبحانه ما يدل على زيادة حسرة الكفرة، وأنه لم يكن قصارى أمرهم مجرد الخيبة ~~كصاحب السراب فقال (ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) أي وجد ~~الله بالمرصاد فوفاه حسابه: أي جزاء عمله، كما قال امرؤ القيس: # فولى مدبرا يهوى حثيثا * وأيقن أنه لاقى الحسابا وقيل وجد وعد الله ~~بالجزاء على عمله، وقيل وجد أمر الله عند حشره، وقيل وجد حكمه وقضاءه عند ~~المجيء، وقيل عند ms2722 العمل والمعنى متقارب. وقرأ مسلمة بن محارب " بقيعاه " ~~بهاء مدورة كما يقال رجل عزهاه. وروى عنه أنه قرأ " بقيعات " بتاء مبسوطة. ~~قيل يجوز أن تكون الألف متولدة من إشباع العين على الأول، وجمع قيعة على ~~الثاني. # وروي عن نافع وأبي جعفر وشيبة أنهم قرأوا " الظمآن " بغير همز، والمشهور ~~عنهم الهمز (أو كظلمات) معطوف على كسراب، ضرب الله مثلا آخر لأعمال الكفار ~~كما أنه تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات، فهي أيضا تشبه الظلمات. قال ~~الزجاج: أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار إن مثلت بما يوجد فمثلها كمثل ~~السراب، وإن مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات التي وصف. قال أيضا: إن شئت مثل ~~بالسراب، وإن شئت مثل بهذه الظلمات، فأو للإباحة حسبما تقدم من القول في - ~~أو كصيب - قال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ~~ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم لأنه أيضا من أعمالهم. قال القشيري: ~~فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر الكفار (في بحر ~~لجي) اللجة معظم الماء، والجمع لجج وهو الذي لا يدرك لعمقه. ثم وصف سبحانه ~~هذا البحر بصفة أخرى فقال (يغشاه موج) أي يعلو هذا البحر موج فيستره ويغطيه ~~بالكلية، ثم وصف هذا الموج بقوله (من فوقه موج) أي من فوق هذا الموج موج ثم ~~وصف الموج الثاني فقال (من فوقه سحاب) أي من فوق ذلك الموج الثاني سحاب، ~~فيجتمع حينئذ عليهم خوف البحر وأمواجه والسحاب المرتفعة فوقه. وقيل إن ~~المعنى: يغشاه موج من بعده موج، فيكون الموج يتبع بعضه بعضا حتى كأن بعضه ~~فوق بعض، والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود ~~السحاب من فوقه زاد الخوف شدة، لأنها تستر النجوم التي يهتدى بها من في ~~البحر، ثم إذا أمطرت تلك السحاب وهبت الريح المعتادة في الغالب عند نزول ~~المطر تكاثفت الهموم وترادفت الغموم، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس ~~وراءها غاية، ولهذا قال سبحانه (ظلمات بعضها فوق بعض) أي هي ظلمات، أو هذه ~~ظلمات ms2723 متكاثفة مترادفة، ففي هذه PageV04P039 # الجملة بيان لشدة الأمر وتعاظمه وقرأ ابن محيصن والبزي " سحاب ظلمات " ~~بإضافة سحاب إلى ظلمات، ووجه الإضافة أن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات، ~~فأضيف إليها لهذه الملابسة. وقرأ الباقون بالقطع والتنوين. # ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات: أعمال الكافر، وبالبحر ~~اللجي: قلبه، وبالموج فوق الموج: ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة. ~~والسحاب الرين والختم والطبع على قلبه، وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان ~~بعيد. ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله (إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها) وفاعل أخرج ضمير يعود على مقدر دل عليه المقام: اي إذا أخرج الحاضر ~~في هذه الظلمات أو من ابتلى بها. قال الزجاج وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ~~ولم يكد. وقال الفراء: إن كاد زائدة. والمعنى: إذا أخرج يده لم يرها، كما ~~تقول ما كدت أعرفه. وقال المبرد: يعني لم يرها إلا من بعد الجهد. قال ~~النحاس، أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذن لم يرها رؤية ~~بعيدة ولا قريبة، وجملة (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) مقررة ~~لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة، والمعنى: ومن لم يجعل الله ~~له هداية فما له من هداية. قال الزجاج: # ذلك في الدنيا، والمعنى: من لم يهده الله لم يهتد، وقيل المعنى من لم ~~يجعل له نورا يمشى به يوم القيامة فما له من نور يهتدي به إلى الجنة (ألم ~~تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض) قد تقدم تفسير مثل هذه الآية في ~~سورة سبحان، والخطاب لكل من له أهلية النظر، أو للرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقد علمه من جهة الاستدلال، ومعنى (ألم تر) ألم تعلم، والهمزة ~~للتقرير: أي قد علمت علما يقينيا شبيها بالمشاهدة، والتسبيح التنزيه في ~~ذاته وأفعاله وصفاته عن كل ما لا يليق به، ومعنى (من في السماوات والأرض) ~~من هو مستقر فيهما من العقلاء وغيرهم، وتسبيح غير العقلاء ما يسمع ms2724 من ~~أصواتها ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها. وقيل إن التسبيح هنا هو الصلاة ~~من العقلاء والتنزيه من غيرهم. وقد قيل إن هذه الآية تشمل الحيوانات ~~والجمادات، وأن آثار الصنعة الإلهية في الجمادات ناطق ومخبر باتصافه سبحانه ~~بصفات الجلال والكمال وتنزهه عن صفات النقص، وفي ذلك تقريع للكفار وتوبيخ ~~لهم حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له ~~يعبدونها كعبادته عز وجل. وبالجملة فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق بكل ~~نوع من أنواع المخلوقات على طريقة عموم المجاز. قرأ الجمهور (والطير صافات) ~~بالرفع للطير والنصب لصافات على أن الطير معطوفة على من، وصافات منتصب على ~~الحال. وقرأ الأعرج " والطير " بالنصب على المفعول معه، وصافات حال أيضا. ~~قال الزجاج: وهي أجود من الرفع. وقرأ الحسن وخارجة عن نافع " والطير صافات ~~" برفعهما على الابتداء والخبر، ومفعول صافات محذوف: أي أجنحتها، وخص الطير ~~بالذكر مع دخولها تحت من في السماوات والأرض لعدم استمرار استقرارها في ~~الأرض وكثرة لبثها في الهواء وهو ليس من السماء ولا من الأرض، ولما فيها من ~~الصنعة البديعة التي تقدر بها تارة على الطيران، وتارة على المشي بخلاف ~~غيرها من الحيوانات، وذكر حالة من حالات الطير، وهي كون صدور التسبيح منها ~~حال كونها صافات لأجنحتها، لأن هذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها ~~في الهواء مسبحة من دون تحريك لأجنحتها ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع ~~الله الذي أتقن كل شئ. ثم زاد في البيان فقال (كل قد علم صلاته وتسبيحه) أي ~~كل واحد مما ذكر، والضمير في علم يرجع إلى كل، والمعنى: # أن كل واحد من هذه المسبحات لله قد علم صلاة المصلى وتسبيح المسبح. وقيل ~~المعنى: أن كل مصل ومسبح قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه. قيل والصلاة هنا ~~بمعنى التسبيح، وكرر للتأكيد، والصلاة قد تسمى تسبيحا. # وقيل المراد بالصلاة هنا الدعاء: أي كل واحد قد علم دعاءه وتسبيحه. ~~وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم PageV04P040 # ذلك أن صدور هذا التسبيح هو ms2725 عن علم قد علمها الله ذلك وألهمها إليه، إلا ~~أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع ~~صنع الله سبحانه وعظيم شأنه، كونه جعلها مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير ~~جاهلة له (والله عليم بما يفعلون) هذه الجملة مقررة لما قبلها: أي لا تخفى ~~عليه طاعتهم ولا تسبيحهم، ويجوز أن يكون الضمير في " علم " لله سبحانه: أي ~~كل واحد من هذه المسبحة قد علم الله صلاته له وتسبيحه إياه والأول أرجح ~~لاتفاق القراء على رفع كل، ولو كان الضمير في علم لله لكان نصب كل أولى. ~~وذكر بعض المفسرين أنها قراءة طائفة من القراء علم على البناء للمفعول. ثم ~~بين سبحانه أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال (ولله ملك السماوات والأرض) أي ~~له لا لغيره (وإليه المصير) لا إلى غيره، والمصير: الرجوع بعد الموت. وقد ~~تقدم تفسير مثل هذه الآية في غير موضع. ثم ذكر سبحانه دليلا آخر من الآثار ~~العلوية، فقال (ألم تر أن الله يزجي سحابا) الإزجاء: السوق قليلا قليلا، ~~ومنه قول النابغة: # إني أتيتك من أهلي ومن وطني * أزجى حشاشة نفس ما بها رمق وقوله أيضا: ~~أسرت عليه من الجوزاء سارية * يزجى السماك عليه جامد البرد والمعنى: أنه ~~سبحانه يسوق السحاب سوقا رقيقا إلى حيث يشاء (ثم يؤلف بينه) أي بين أجزائه، ~~فيضم بعضه إلى بعض ويجمعه بعد تفرقه ليقوى ويتصل ويكثف، والأصل في التأليف ~~الهمز. وقرأ ورش وقالون عن نافع " يولف " بالواو تخفيفا، والسحاب واحد في ~~اللفظ، ولكن معناه جمع، ولهذا دخلت بين عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات ~~له. قال الفراء: إن الضمير في بينه راجع إلى جملة السحاب، كما تقول الشجر ~~قد جلست بينه، لأنه جمع وأفرد الضمير باعتبار اللفظ (ثم يجعله ركاما) أي ~~متراكما يركب بعضه بعضا. والركم: جمع الشئ، يقال ركم الشئ يركمه ركما: أي ~~جمعه وألقى بعضه على بعض وارتكم الشئ وتراكم إذا اجتمع، والركمة: الطين ~~المجموع، والركام: الرمل المتراكب (فترى الودق يخرج من ms2726 خلاله) الودق: المطر ~~عند جمهور المفسرين، ومنه قول الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها وقال امرؤ القيس: # فدفعهما قد ودق وسح وديمة * وسكب وتوكاف وتنهملان يقال ودقت السحاب فهي ~~وادقة وودق المطر يدق: أي قطر يقطر، وقيل إن الودق البرق، ومنه قول الشاعر: ~~أثرن عجاجة وخرجن منها * خروج الودق من خلل السحاب والأول أولى. ومعنى (من ~~خلاله) من فتوقه التي هي مخارج القطر، وجملة (يخرج من خلاله) في محل نصب ~~على الحال، لأن الرؤية هنا هي البصرية. وقرأ ابن عباس وابن مسعود والضحاك ~~وأبو العالية " من خلله " على الإفراد. وقد وقع الخلاف في خلال، هل هو مفرد ~~كحجاب؟ أو جمع كجبال؟ (وينزل من السماء من جبال فيها من برد) المراد بقوله ~~من سماء: من عال، لأن السماء قد تطلق على جهة العلو، ومعنى من جبال: من قطع ~~عظام تشبه الجبال، ولفظ فيها في محل نصب على الحال، " ومن " في من برد ~~للتبعيض، وهو مفعول ينزل. وقيل إن المفعول محذوف، والتقدير: ينزل من جبال ~~فيها من برد بردا. وقيل إن من في من برد زائدة، والتقدير: ينزل من السماء ~~من جبال فيها برد. وقيل إن في الكلام مضافا محذوفا: أي ينزل من السماء قدر ~~جبال، أو مثل جبال من برد إلى الأرض. قال الأخفش: إن من في من جبال وفي من ~~برد زائدة في الموضعين والجبال والبرد في موضع PageV04P041 # نصب: أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال. والحاصل أن " من " في من ~~السماء لابتداء الغاية بلا خلاف و " من " في من جبال فيها ثلاثة أوجه: ~~الأول لابتداء الغاية فتكون هي ومجرورها بدلا من الأولى بإعادة الخافض بدل ~~اشتمال. الثاني أنها للتبعيض فتكون على هذا هي ومجرورها في محل نصب على ~~أنها مفعول الإنزال، كأنه قال: وينزل بعض جبال. الثالث أنها زائدة: أي ينزل ~~من السماء جبالا. وأما " من " في من برد ففيها أربعة أوجه: الثلاثة ~~المتقدمة. والرابع أنها لبيان الجنس، فيكون التقدير على هذا الوجه: وينزل ~~من السماء ms2727 بعض جبال التي هي البرد. # قال الزجاج: معنى الآية: وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول: هذا ~~خاتم في يدي من حديد: أي خاتم حديد في يدي، لأنك إذا قلت هذا خاتم من حديد ~~وخاتم حديد كان المعنى واحدا انتهى. وعلى هذا يكون من برد في موضع جر صفة ~~لجبال كما كان من حديد صفة لخاتم ويكون مفعول ينزل من جبال، ويلزم من كون ~~الجبال بردا أن يكون المنزل بردا. وذكر أبو البقاء أن التقدير: شيئا من ~~جبال، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة (فيصيب به من يشاء) أي يصيب بما ينزل من ~~البرد من يشاء أن يصيبه من عباده (ويصرفه عمن يشاء) منهم، أو يصيب به مال ~~من يشاء ويصرفه عن مال من يشاء، وقد تقدم الكلام عن مثل هذا في البقرة ~~(يكاد سنا برقه يذهب الأبصار) السنا الضوء: أي يكاد ضوء البرق الذي في ~~السحاب يذهب بالأبصار من شدة بريقه وزيادة لمعانه، وهو كقوله - يكاد البرق ~~يخطف أبصارهم -. قال الشماخ: # وما كادت إذا رفعت سناها * ليبصر ضوءها إلا البصير وقال امرؤ القيس: # يضيء سناه أو مصابيح راهب * أهان السليط في الذبال المفتل فالسنا بالقصر ~~ضوء البرق وبالمد الرفعة، كذا قال المبرد وغيره. وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى ~~بن وثاب " سناء برقه " بالمد على المبالغة في شدة الضوء والصفاء، فأطلق ~~عليه اسم الرفعة والشرف. وقرأ طلحة ويحيى أيضا بضم الباء من برقه وفتح ~~الراء. قال أحمد بن يحيى ثعلب: وهي على هذه القراءة جمع برق. وقال النحاس: ~~البرقة المقدار من البرق والبرقة الواحدة. وقرأ الجحدري وابن القعقاع ~~(يذهب) بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب. # وقرأ الباقون " سنا " بالقصر " وبرقه " بفتح الباء وسكون الراء و " يذهب ~~" بفتح الياء والهاء من الذهاب، وخطأ قراءة الجحدري وابن القعقاع الأخفش ~~وأبو حاتم. ومعنى ذهاب البرق بالأبصار: خطفه إياها من شدة الإضاءة وزيادة ~~البريق، والباء في الأبصار على قراءة الجمهور للإلصاق، وعلى قراءة غيرهم ~~زائدة (يقب الله الليل والنهار) أي يعاقب بينهما، وقيل يزيد ms2728 في أحدهما ~~وينقص الآخر، وقيل يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر ونفع وضر، ~~وقيل بالحر والبرد، وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء ~~الشمس أخرى، وتغيير الليل بظلمة السحاب تارة وبضوء القمر أخرى، والإشارة ~~بقوله (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) إلى ما تقدم، ومعنى العبرة: الدلالة ~~الواضحة التي يكون بها الاعتبار، والمراد بأولى الأبصار كل من له بصر يبصر ~~به. ثم ذكر سبحانه دليلا ثالثا من عجائب خلق الحيوان وبديع صنعته فقال ~~(والله خلق كل دابة من ماء) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " ~~والله خالق كل دابة " وقرأ الباقون " خلق " والمعنيان صحيحان، والدابة: # كل ما دب على الأرض من الحيوان، يقال دب يدب فهو دأب، والهاء للمبالغة، ~~ومعنى (من ماء) من نطفة، وهي المني، كذا قال الجمهور. وقال جماعة: إن ~~المراد الماء المعروف لأن آدم خلق من الماء والطين. وقيل في الآية تنزيل ~~الغالب منزلة الكل على القول الأول، لأن في الحيوانات ما يتولد لا عن نطفة، ~~ويخرج من هذا PageV04P042 # العموم الملائكة فإنهم خلقوا من نور، والجان فإنهم خلقوا من نار. ثم فصل ~~سبحانه أحوال كل دابة فقال (فمنهم من يمشى على بطنه) وهي الحيات والحوت ~~والدود ونحو ذلك (ومنهم من يمشي على رجلين) الإنسان والطير (ومنهم من يمشي ~~على أربع) سائر الحيوانات، ولم يتعرض لما يمشي على أكثر من أربع لقلته، ~~وقيل لأن المشي على أربع فقط وإن كانت القوائم كثيرة، وقيل لعدم الاعتداد ~~بما يمشي على أكثر من أربع، ولا وجه لهذا فإن المراد التنبيه على بديع ~~الصنع وكمال القدرة، فكيف يقال لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع؟ ~~وقيل ليس في القرآن ما يدل على عدم المشي على أكثر من أربع، لأنه لم ينف ~~ذلك ولا جاء بما يقتضي الحصر، وفي مصحف أبي " ومنهم من يمشي على أكثر " فعم ~~بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع كالسرطان والعناكب وكثير من ~~خشاش الأرض (يخلق الله ما يشاء) مما ms2729 ذكره هاهنا ومما لم يذكره كالجمادات ~~مركبها وبسيطها ناميها وغير ناميها (إن الله على كل شئ قدير) لا يعجزه شئ ~~بل الكل من مخلوقاته داخل تحت قدرته سبحانه (لقد أنزلنا آيات مبينات) أي ~~القرآن، فإنه قد اشتمل على بيان كل شئ وما فرطنا في الكتاب من شئ، وقد تقدم ~~بيان مثل هذا في غير موضع (والله يهدي من يشاء) بتوفيقه للنظر الصحيح ~~وإرشاده إلى التأمل الصادق (إلى صراط مستقيم) إلى طريق مستوي لا عوج فيه، ~~فيتوصل بذلك إلى الخير التام وهو نعيم الجنة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب) قال: هو مثل ضربه الله كرجل عطش فاشتد عطشه فرأى سرابا ~~فحسبه ماء، فطلبه فظن أنه قدر عليه حتى أتى، فلما أتاه لم يجده شيئا، وقبض ~~عند ذلك يقول: الكافر كذلك السراب إذا أتاه الموت لم يجد عمله يغنى عنه ~~شيئا، ولا ينفعه إلا كما نفع السراب العطشان (أو كظلمات في بحر لجي) قال: ~~يعنى بالظلمات الأعمال، وبالبحر اللجي قلب الإنسان (يغشاه موج) يعنى بذلك ~~الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وأخرج ابن جرير عنه بقيعة: بأرض ~~مستوية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي عن ~~أبيه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الكفار يبعثون يوم ~~القيامة وردا عطاشا فيقولون أين الماء؟ فيتمثل لهم السراب فيحسبونه ماء، ~~فينطلقون إليه فيجدون الله عنده فيوفيهم حسابه والله سريع الحساب " وفي ~~إسناده السدي عن أبيه، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة في قوله (كل قد ~~علم صلاته وتسبيحه) قال: الصلاة للإنسان والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (والطير صافات) قال: بسط أجنحتهن. وأخرج ~~عبد بن حميد عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (يكاد ms2730 سنا برقه) يقول: ضوء برقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~المنذر عن ابن عباس قال: كل شئ يمشي على أربع إلا الإنسان. وأقول هذه ~~الطيور على اختلاف أنواعها تمشي على رجلين، وهكذا غيرها، كالنعامة فإنها ~~تمشي على رجلين، وليست من الطير، فهذه الكلية المروية عنه رضي الله عنه لا ~~تصح. PageV04P043 # شرع سبحانه في بيان أحوال من لم تحصل له الهداية إلى الصراط المستقيم ~~فقال (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا) وهؤلاء هم المنافقون الذين ~~يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فإنهم ~~كما حكى الله عنهم هاهنا ينسبون إلى أنفسهم الإيمان بالله وبالرسول والطاعة ~~لله ولرسوله نسبة بمجرد اللسان، لا عن اعتقاد صحيح، ولهذا قال (ثم يتولى ~~فريق منهم) أي من هؤلاء المنافقين القائلين هذه المقالة (من بعد ذلك) أي من ~~بعد ما صدر عنهم ما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان والطاعة، ثم حكم ~~عليهم سبحانه وتعالى بعدم الإيمان فقال (وما أولئك بالمؤمنين) أي ما أولئك ~~القائلون هذه المقالة بالمؤمنين على الحقيقة، فيشمل الحكم بنفي الايمان ~~جميع القائلين، ويندرج تحتهم من تولى اندراجا أوليا. وقيل إن الإشارة بقوله ~~" أولئك " راجع إلى من تولى، والأول أولى. والكلام مشتمل على حكمين: الحكم ~~الأول على بعضهم بالتولي، والحكم الثاني على جميعهم بعدم الإيمان. وقيل ~~أراد بمن تولى: من قبول حكمه صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل أراد بذلك ~~رؤساء المنافقين، وقيل أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين، ولا ~~ينافي ما تحتمله هذه الآية باعتبار لفظها ورودها على سبب خاص كما سيأتي ~~بيانه. ثم وصف هؤلاء المنافقين بأن فريقا منهم يعرضون عن إجابة الدعوة إلى ~~الله وإلى رسوله في خصوماتهم، فقال (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم) أي ليحكم الرسول بينهم، فالضمير راجع إليه لأنه المباشر للحكم وإن ~~كان الحكم في الحقيقة لله سبحانه، ومثل ذلك قوله تعالى - والله ورسوله أحق ~~أن يرضوه - و " إذا " في قوله (إذا فريق منهم معرضون) هي الفجائية: أي فاجأ ~~فريق منهم الإعراض عن ms2731 المحاكمة إلى الله والرسول، ثم ذكر سبحانه أن إعراضهم ~~إنما هو إذا كان الحق عليهم، وأما إذا كان لهم فإنهم PageV04P044 # يذعنون لعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحكم إلا بالحق ~~فقال ((وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) قال الزجاج: الإذعان الإسراع ~~مع الطاعة، يقال أذعن لي بحقي: أي طاوعني لما كنت ألتمس منه وصار يسرع ~~إليه، وبه قال مجاهد. وقال الأخفش وابن الأعرابي: مذعنين مقرين. وقال ~~النقاش: مذعنين: # خاضعين. ثم قسم الأمر في إعراضهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم فقال (أفي ~~قلوبهم مرض) وهذه الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم، والمرض النفاق: أي أكان هذا ~~الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم (أم ارتابوا) وشكوا في أمر ~~نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وعدله في الحكم (أم يخافون أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله) والحيف الميل في الحكم، يقال حاف في قضيته: أي جار فيما حكم ~~به، ثم أضرب عن هذه الأمور التي صدرها بالاستفهام الإنكاري فقال (بل أولئك ~~هم الظالمون) أي ليس ذلك لشئ مما ذكر، بل لظلمهم وعنادهم، فإنه لو كان ~~الاعراض لشئ مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم، وفي هذه الآية ~~دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه لأن ~~العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله ~~العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله، ~~فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله: أي إلى حكمهما. قال ~~ابن خويز منداد: واجب على كل من دعى إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن ~~الحاكم فاسق. قال القرطبي: في هذه الآية دليل علي وجوب إجابة الداعي إلى ~~الحاكم، لأن الله سبحانه ذم من دعى إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح ~~الذم، فقال (أفي قلوبهم مرض) الآية انتهى، فإن كان القاضي مقصرا لا يعلم ~~بأحكام الكتاب والسنة، ولا يعقل حجج الله ومعاني كلامه وكلام رسوله، بل كان ms2732 ~~جاهلا جهلا بسيطا، وهو من لا علم له بشئ من ذلك، أو جهلا مركبا، وهو من لا ~~علم عنده بما ذكرنا، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واطلع على شئ من ~~علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل، وإن اعتقد أنه يعلم بشئ من العلم ~~فاعتقاده باطل، فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه لأنه ليس ممن ~~يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة ~~الطاغوت وحكام الباطل، فإن ما عرفه من علم الرأي إنما رخص في العمل به ~~للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة ولم يرخص فيه ~~لغيره ممن يأتي بعده. وإذا تقرر لديك هذا وفهمته حق فهمه علمت أن التقليد ~~والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ~~ورأي وإهمال ما عداه من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع ~~المضلة والفواقر الموحشة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أوضحنا هذا في ~~مؤلفنا الذي سميناه (القول المفيد في حكم التقليد) وفي مؤلفنا الذي سميناه ~~(أدب الطلب ومنتهى الأرب) فمن أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التي طبقت ~~الأقطار الإسلامية فليرجع إليهما. ثم لما ذكر ما كان عليه أهل النفاق أتبع ~~بما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله فقال (إنما ~~كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا) قرأ الجمهور بنصب " قول " على أنه خبر كان واسمها أن يقولوا. وقرأ ~~علي والحسن وابن أبي إسحاق برفع " قول " على أنه الاسم وأن المصدرية وما في ~~حيزها الخبر، وقد رجحت القراءة الأولى بما تقرر عند النحاة من أنه إذا ~~اجتمع معرفتان وكانت إحداهما أعرف جعلت التي هي أعرف اسما. وأما سيبويه فقد ~~خير بين كل معرفتين ولم يفرق هذه التفرقة، وقد قدمنا الكلام على الدعوة إلى ~~الله ورسوله للحكم بين المتخاصمين وذكرنا من تجب الإجابة إليه من القضاة ~~ومن ms2733 لا تجب (أن يقولوا سمعنا وأطعنا) أي أن يقولوا هذا القول لا قولا آخر، ~~وهذا وإن كان على طريقة الخبر فليس المراد به ذلك، بل المراد به تعليم ~~الأدب الشرعي عند هذه الدعوة من أحد PageV04P045 # المتخاصمين للآخر. والمعنى: أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا هكذا بحيث إذا ~~سمعوا الدعاء المذكور قابلوه بالطاعة والإذعان. قال مقاتل وغيره: يقولون ~~سمعنا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما ~~يكرهونه ويضرهم، ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله (وأولئك) أي المؤمنون الذين ~~قالوا هذا القول (هم المفلحون) أي الفائزون بخير الدنيا والآخرة، ثم أردف ~~الثناء عليهم بثناء آخر فقال (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك ~~هم الفائزون) وهذه الجملة مقررة لما قبلها من حسن حال المؤمنين وترغيب من ~~عداهم إلى الدخول في عدادهم والمتابعة في طاعة الله ورسوله والخشية من الله ~~عز وجل والتقوى له. قرأ حفص " ويتقه " بإسكان القاف على نية الجزم. وقرأ ~~الباقون بكسرها، لأن جزم هذا الفعل بحذف آخره، وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو ~~بكر واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والمثنى عن أبي عمرو وحفص وأشبع ~~كسرة الهاء الباقون. قال ابن الأنباري: وقراءة حفص هي على لغة من قال: لم ~~أر زيدا، ولم أشتر طعاما يسقطون الياء للجزم ثم يسكنون الحرف الذي قبلها، ~~ومنه قول الشاعر: * قالت سليمى اشتر لنا دقيقا * وقول الاخر: # عجبت لمولود وليس له أب * وذي ولد لم يلده أبوان وأصله يلد بكسر اللام ~~وسكون الدال للجزم، فلما سكن اللام التقى ساكنان، فلو حرك الأول لرجع إلى ~~ما وقع الفرار منه، فحرك ثانيهما وهو الدال. ويمكن أن يقال إنه حرك الأول ~~على أصل التقاء الساكنين وبقى السكون على الدال لبيان ما عليه أهل هذه ~~اللغة ولا يضر الرجوع إلى ما وقع الفرار منه، فهذه الحركة غير تلك الحركة ~~والإشارة بقوله: فأولئك هم الفائزون إلى الموصوفين بما ذكر من الطاعة ~~والخشية والتقوى أي هم الفائزون بالنعيم الدنيوي والأخروي لا من عداهم. ثم ~~حكى ms2734 سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج ~~إلى الغزو لخرجوا فقال (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن) أي ~~لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن، وجهد أيمانهم منتصب على أنه مصدر ~~مؤكد للفعل المحذوف الناصب له: أي أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهدا. ومعنى ~~جهد أيمانهم: طاقة ما قدروا أن يحلفوا، مأخوذ من قولهم جهد نفسه: إذا بلغ ~~طاقتها وأقصى وسعها. وقيل هو منتصب على الحال والتقدير: مجتهدين في ~~أيمانهم، كقولهم افعل ذلك جهدك وطاقتك، وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما ~~واحدا. وجواب القسم قوله " ليخرجن " ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة وأيمانهم ~~فاجرة رد الله عليهم، فقال (قل لا تقسموا) أي رد عليهم زاجرا لهم، وقل لهم ~~لا تقسموا: # أي لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به، ~~وهاهنا تم الكلام. ثم ابتدأ فقال (طاعة معروفة) وارتفاع طاعة على أنها خبر ~~مبتدأ محذوف: أي طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية لم تكن عن اعتقاد ~~ويجوز أن تكون طاعة مبتدأ، لأنها قد خصصت بالصفة، ويكون الخبر مقدرا: أي ~~طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم، ويجوز أن ترتفع بفعل محذوف: أي لتكن منكم ~~طاعة أو لتوجد، وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف إلا إذا تقدم ما يشعر به. ~~وقرأ زيد بن علي والترمذي طاعة بالنصب على المصدر لفعل محذوف: أي أطيعوا ~~طاعة (ان الله خبير بما تعملون) من الأعمال وما تضمرونه من المخالفة لما ~~تنطق به ألسنتكم، وهذه الجملة تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق. ثم ~~أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم بطاعة الله ورسوله ~~فقال (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) طاعة ظاهرة وباطنة بخلوص اعتقاد وصحة ~~نية، وهذا التكرير منه تعالى لتأكيد وجوب الطاعة عليهم، فإن قوله (قل لا ~~تقسموا طاعة معروفة) في حكم الأمر بالطاعة، وقيل إنهما مختلفان، فالأول نهي ~~بطريق الرد والتوبيخ، والثاني أمر بطريق التكليف لهم والإيجاب عليهم (فإن ~~تولوا) PageV04P046 # خطاب للمأمورين، ms2735 وأصله فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفا، وفيه رجوع ~~من الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخطاب لهم لتأكيد ~~الأمر عليهم والمبالغة في العناية بهدايتهم إلى الطاعة والانقياد، وجواب ~~الشرط قوله (فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) أي فاعلموا أنما على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما حمل مما أمر به من التبليغ وقد فعل، وعليكم ما ~~حملتم: أي ما أمرتم به من الطاعة، وهو وعيد لهم، كأنه قال لهم: # فإن توليتم فقد صرتم حاملين للحمل الثقيل (وإن تطيعوه) فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه (تهتدوا) إلى الحق وترشدوا إلى الخير وتفوزوا بالأجر، وجملة ~~(وما على الرسول إلا البلاغ المبين) مقررة لما قبلها، واللام إما للعهد ~~فيراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وإما للجنس فيراد كل رسول، ~~والبلاغ المبين: التبليغ الواضح أو الموضح. قيل يجوز أن يكون قوله (فإن ~~تولوا) ماضيا وتكون الواو لضمير الغائبين، وتكون هذه الجملة الشرطية مما ~~أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم، ويكون في الكلام ~~التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأول أرجح. ويؤيده الخطاب في قوله (وعليكم ~~ما حملتم) وفي قوله (وإن تطيعوه تهتدوا) ويؤيده أيضا قراءة البزي (فإن ~~تولوا) بتشديد التاء وإن كانت ضعيفة لما فيها من الجمع بين ساكنين (وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) هذه الجملة مقررة لما قبلها من أن ~~طاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبب لهدايتهم، وهذا وعد من الله ~~سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما ~~استخلف الذين من قبلهم من الأمم، وهو وعد يعم جميع الأمة. وقيل هو خاص ~~بالصحابة، ولا وجه لذلك، فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن ~~وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع ~~الله ورسوله، واللام في (ليستخلفنهم في الأرض) جواب لقسم محذوف، أو جواب ~~للوعد بتنزيله منزلة القسم، لأنه ناجز لا ms2736 محالة، ومعنى ليستخلفنهم في ~~الأرض: ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكاتهم، وقد ~~أبعد من قال إنها مختصة بالخلفاء الأربعة، أو بالمهاجرين، أو بأن المراد ~~بالأرض أرض مكة، وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهر ~~قوله (كما استخلف الذين من قبلهم) كل من استخلفه الله في أرضه فلا يخص ذلك ~~ببني إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها. قرأ الجمهور (كما استخلف) بفتح ~~الفوقية على البناء للفاعل. وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم ~~بضمها على البناء للمفعول، ومحل الكاف النصب على المصدرية: أي استخلافا كما ~~أستخلف، وجملة (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) معطوفة على ليستخلفنهم ~~داخلة تحت حكمه كائنة من جملة الجواب، والمراد بالتمكين هنا: التثبيت ~~والتقرير: أي يجعله الله ثابتا مقررا ويوسع لهم في البلاد ويظهر دينهم على ~~جميع الأديان، والمراد بالدين هنا: الإسلام، كما في قوله - ورضيت لكم ~~الإسلام دينا - ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أولا، وهو جعلهم ملوكا، ~~وذكر التمكين ثانيا. فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطرو، بل ~~على وجه الاستقرار والثبات، بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم، وجملة ~~(وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) معطوفة على التي قبلها. قرأ ابن كثير وابن ~~محيصن ويعقوب وأبو بكر " ليبدلنهم " بالتخفيف من أبدل، وهي قراءة الحسن ~~واختارها أبو حاتم. وقرأ الباقون بالتشديد من بدل واختارها أبو عبيد، وهما ~~لغتان، وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى، فقراءة التشديد أرجح من قراءة ~~التخفيف. قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أن بين التخفيف والتثقيل ~~فرقا، وأنه يقال بدلته: # أي غيرته، وأبدلته: أزلته وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القول صحيح. ~~والمعنى: أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنا، ~~ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون إلا الله PageV04P047 # سبحانه ولا يرجون غيره. وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف ~~شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح ولا يمسون ms2737 ويصبحون إلا على ترقب ~~لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية الأمن والدعة وأذل الله لهم ~~شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد، ومهد لهم في الأرض ومكنهم منها، فلله ~~الحمد، وجملة (يعبدونني) في محل نصب على الحال ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة ~~للثناء عليهم، وجملة (لا يشركون بي شيئا) في محل نصب على الحال من فاعل ~~يعبدونني: أي يعبدوني، غير مشركين بي في العبادة شيئا من الأشياء، وقيل ~~معناه: لا يراؤن بعبادتي أحدا، وقيل معناه: لا يخافون غيري، وقيل معناه لا ~~يحبون غيري (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) أي من كفر هذه النعم بعد ~~ذلك الوعد الصحيح، أو من استمر على الكفر، أو من كفر بعد إيمان، فأولئك ~~الكافرون هم الفاسقون، أي الكاملون في الفسق. وهو الخروج عن الطاعة ~~والطغيان في الكفر وجملة (وأقيموا الصلاة) معطوفة على مقدر يدل عليه ما ~~تقدم، كأنه قيل لهم فآمنوا واعملوا صالحا وأقيموا الصلاة، وقيل معطوف على ~~(وأطيعوا الله) وقيل التقدير: فلا تكفروا وأقيموا الصلاة. وقد تقدم الكلام ~~على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكرر الأمر بطاعة الرسول للتأكيد وخصه ~~بالطاعة، لأن طاعته طاعة لله، ولم يذكر ما يطيعونه فيه لقصد التعميم كما ~~يشعر به الحذف على ما تقرر في علم المعاني من أن مثل هذا الحذف مشعر ~~بالتعميم (لعلكم ترحمون) أي افعلوا ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وطاعة الرسول راجين أن يرحمكم الله سبحانه (لا يحسبن الذين كفروا معجزين في ~~الأرض) قرأ ابن عامر وحمزة وأبو حيوة " لا يحسبن " بالتحتية بمعنى: لا ~~تحسبن الذين كفروا، وقرأ الباقون بالفوقية: أي لا تحسبن يا محمد، والموصول ~~المفعول الأول، ومعجزين الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، قاله ~~الزجاج والفراء وأبو علي. وأما على القراءة الأولى، فيكون المفعول الأول ~~محذوفا: أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم. قال النحاس: وما علمت أحدا بصريا ~~ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة، ومعجزين معناه: فائتين. وقد تقدم ~~تفسيره وتفسير ما بعده. # وقد أخرج عبد بن حميد ms2738 وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(ويقولون آمنا بالله وبالرسول) الآية قال: أناس من المنافقين أظهروا ~~الإيمان والطاعة، وهم في ذلك يصدون عن سبيل الله وطاعته وجهاد مع رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرجوا أيضا عن الحسن قال: إن الرجل كان يكون بينه ~~وبين الرجل خصومة أو منازعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فإذا دعى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو محق أذعن وعلم أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم سيقضي صلى له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعى إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعرض وقال: أنطلق إلى فلان، فأنزل الله ~~سبحانه (وإذا دعوا إلى الله ورسوله) إلى قوله (هم الظالمون) فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من كان بينه وبين أخيه شئ فدعاه إلى حكم من حكام ~~المسلمين فلم يجب، فهو ظالم لاحق له " قال ابن كثير بعد أن ساق هذا المتن ~~ما لفظه: وهذا حديث غريب وهو مرسل. # وقال ابن العربي: هذا حديث باطل، فأما قوله: فهو ظالم، فكلام صحيح. وأما ~~قوله: فلا حق له، فلا يصح. # ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق انتهى. وأقول: أما كون الحديث مرسلا ~~فظاهر. وأما دعوى كونه باطلا فمحتاجة إلى برهان، فقد أخرجه ثلاثة من أئمة ~~الحديث عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما ذكرنا، ويبعد كل البعد ~~أن ينفق عليهم ما هو باطل، وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا: قال ابن أبي ~~حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن فذكره. ~~وليس في هؤلاء كذاب ولا وضاع. ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من دعي إلى سلطان فلم ~~PageV04P048 # يجب، فهو ظالم لا حق له انتهى. ولا يخفاك أن قضاة العدل وحكام الشرع ~~الذين هم على الصفة التي قدمنا لك قريبا هم سلاطين الدين المترجمون عن ~~الكتاب والسنة، المبينون ms2739 للناس ما نزل إليهم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله لو ~~أمرتنا أن نخرج من أموالنا لخرجنا، فأنزل الله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) ~~الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية قال: ذلك في شأن الجهاد، قال: ~~يأمرهم أن لا يحلفوا على شئ (طاعة معروفة) قال أمرهم أن يكون منهم طاعة ~~معروفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير أن يقسموا. وأخرج ابن المنذر ~~عن مجاهد (طاعة معروفة) يقول: قد عرفت طاعتهم: أي إنكم تكذبون به. وأخرج ~~مسلم والترمذي وغيرهما عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال " قدم زيد بن ~~أسلم على رسول الله صلى الله وآله وسلم فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء ~~يأخذون منا الحق ولا يعطونا؟ قال: فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم " ~~وأخرج ابن جرير وابن قانع والطبراني عن علقمة بن وائل الحضرمي عن سلمة بن ~~يزيد الجعفي قال: قلت يا رسول فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن الزبير ~~عن جابر أنه سئل: إن كان علي إمام فاجر فلقيت معه أهل ضلالة أقاتل أم لا؟ ~~قال: قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم، وعلى الإمام ما حمل وعليكم ما حملتم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء في قوله (وعد الله الذين آمنوا ~~منكم) الآية. قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~حاتم عن أبي العالية قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بمكة ~~نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له سرا، وهم ~~خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة فقدموا المدينة، ~~فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في ~~السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من أصحابه قال: يا رسول الله ~~أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح؟ ms2740 ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس ~~الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة، فأنزل الله (وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) إلى آخر الآية، ~~فأظهر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا ~~السلاح. ثم إن الله قبض نبيه فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبى بكر وعمر ~~وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي ~~كان رفع عنهم، واتخذوا الحجر والشرط، وغيروا فغير ما بهم. وأخرج ابن المنذر ~~والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ~~والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحد، فكانوا لا ~~يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت ~~آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات) الآية. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس (يعبدونني لا يشركون بي ~~شيئا) قال: لا يخافون أحدا غيري. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر عن مجاهد مثله، قال (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) ~~العاصون. # وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: كفر بهذه النعمة، ليس الكفر ~~بالله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة (معجزين في الأرض) قال: سابقين في ~~الأرض. PageV04P049 # لما فرغ سبحانه من ذكر ما ذكره من دلائل التوحيد رجع إلى ما كان فيه من ~~الاستئذان فذكره هاهنا على وجه أخص فقال (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم) والخطاب للمؤمنين وتدخل المؤمنات فيه تغليبا كما في ~~غيره من الخطابات. قال العلماء: هذه الآية خاصة ببعض الأوقات. واختلفوا في ~~المراد بقوله (ليستأذنكم) على أقوال: الأول أنها منسوخة، قاله سعيد بن ~~المسيب. وقال سعيد بن جبير: إن الأمر فيها للندب لا للوجوب. وقيل كان ذلك ~~واجبا حيث ms2741 كانوا لا أبواب لهم، ولو عاد الحال لعاد الوجوب، حكاه المهدوي عن ~~ابن عباس. وقيل إن الأمر هاهنا للوجوب، وإن الآية محكمة غير منسوخة، وأن ~~حكمها ثابت على الرجال والنساء، قال القرطبي: وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ~~أبو عبد الرحمن السلمي: إنها خاصة بالنساء. وقال ابن عمر: هي خاصة بالرجال ~~دون النساء. والمراد بقوله " ملكت أيمانكم " العبيد والإماء، والمراد ~~بالذين لم يبلغوا الحلم الصبيان منكم: أي من الأحرار، ومعنى (ثلاث مرات) ~~ثلاثة أوقات في اليوم والليلة، وعبر بالمرات عن الأوقات لأن أصل وجوب ~~الاستئذان هو بسبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس ~~الأوقات، وانتصاب ثلاث مرات على الظرفية الزمانية: أي ثلاثة أوقات، ثم فسر ~~تلك الأوقات بقوله (من قبل صلاة الفجر) الخ، أو منصوب على المصدرية: أي ~~ثلاث استئذانات، ورجح هذا أبو حيان فقال: والظاهر من قوله (ثلاث مرات) ثلاث ~~استئذانات، لأنك إذا قلت ضربتك ثلاث مرات لا يفهمه منه إلا ثلاث ضربات. ~~ويرد بأن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة، وهو التفسير بالثلاثة ~~الأوقات. قرأ الحسن وأبو عمرو في رواية الحلم بسكون اللام وقرأ الباقون ~~بضمها. قال الأخفش: الحلم من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم حلم بضم ~~اللام يحلم بكسر اللام، PageV04P050 # ثم فسر سبحانه الثلاث المرات فقال (من قبل صلاة الفجر) وذلك لأنه وقت ~~القيام عن المضاجع، وطرح ثياب النوم، وليس ثياب اليقظة، وربما يبيت عريانا، ~~أو على حال لا يحب أن يراه غيره فيها، ومحله النصب على أنه بدل من ثلاث، ~~ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هي من قبل، وقوله ~~(وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة) معطوف على محل (من قبل صلاة الفجر) و " من ~~" في (من الظهيرة) للبيان، أو بمعنى في، أو بمعنى اللام. والمعنى: حين ~~تضعون ثيابكم التي تلبسونها في النهار من شدة حر الظهيرة وذلك عند انتصاف ~~النهار، فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل القيلولة. ثم ذكر سبحانه الوقت ~~الثالث فقال (ومن بعد صلاة العشاء) وذلك ms2742 لأنه وقت التجرد عن الثياب والخلوة ~~بالأهل، ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل فقال (ثلاث عورات لكم) قرأ ~~الجمهور " ثلاث عورات " برفع ثلاث، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بالنصب على ~~البدل من ثلاث مرات. قال ابن عطية: إنما يصح البدل بتقدير أوقات ثلاث ~~عورات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث مرات ~~نفس ثلاث عورات مبالغة، ويجوز أن يكون ثلاث عورات بدلا من الأوقات ~~المذكورة، أي من قبل صلاة الفجر الخ، ويجوز أن تكون منصوبة بإضمار فعل: أي ~~أعني ونحوه، وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هن ثلاث. قال أبو ~~حاتم: النصب ضعيف مردود. وقال الفراء: الرفع أحب إلي، قال: وإنما اخترت ~~الرفع لأن المعنى هذه الخصال ثلاث عورات. وقال الكسائي: إن ثلاث عورات ~~مرتفعة بالابتداء والخبر ما بعدها. قال: والعورات الساعات التي تكون فيها ~~العورة. # قال الزجاج: المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، وعورات جمع عورة، والعورة في الأصل الخلل، ثم غلب في الخلل ~~الواقع فيما يهم حفظه ويتعين ستره: أي هي ثلاث أوقات يختل فيها الستر. وقرأ ~~الأعمش " عورات " بفتح الواو، وهي لغة هذيل وتميم فإنهم يفتحون عين فعلات ~~سواء كان واو أو ياء، ومنه: # أخو بيضات رايح متأوب * رفيق بمسح المنكبين سبوح وقوله: أبو بيضات رايح ~~أو مبعد * عجلان ذا زاد وغير مزود و " لكم " متعلق بمحذوف هو صفة لثلاث ~~عورات: أي كائنة لكم، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان (ليس ~~عليكم ولا عليهم جناح بعدهن) أي ليس على المماليك ولا على الصبيان جناح: أي ~~إثم في الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر والاطلاع علي ~~العورات. ومعنى بعدهن: بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث، وهي الأوقات ~~المتخللة بين كل اثنين منها، وهذه الجملة مستأنفة مقررة للأمر بالاستئذان ~~في تلك الأحوال خاصة، ويجوز أن تكون في محل رفع صفة لثلاث عورات على قراءة ~~الرفع فيها. قال أبو البقاء (بعدهن) أي ms2743 بعد استئذانهم فيهن، ثم حذف حرف ~~الجر والمجرور فبقى بعد استئذانهم، ثم حذف المصدر وهو الاستئذان، والضمير ~~المتصل به. ورد بأنه لا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذكره، بل المعنى: ليس ~~عليكم جناح ولا عليهم: أي العبيد والإماء والصبيان جناح في عدم الاستئذان ~~بعد هذه الأوقات المذكورة، وارتفاع (طوافون) على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي ~~هم طوافون عليكم، والجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان. ~~قال الفراء: هذا كقولك في الكلام هم خدمكم وطوافون عليكم، وأجاز أيضا نصب ~~طوافين لأنه نكرة، والمضمر في (عليكم) معرفة ولا يجيز البصريون أن تكون ~~حالا من المضمرين اللذين في عليكم وفى بعضكم لاختلاف العاملين. ومعنى ~~طوافون عليكم: أي يطوفون عليكم، ومنه الحديث في الهرة PageV04P051 # " إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات " أي هم خدمكم فلا بأس أن ~~يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بغير إذن، ومعنى (بعض على بعضكم) بعضكم ~~يطوف أو طائف على بعض، وهذه الجملة بدل مما قبلها أو مؤكدة لها. والمعنى أن ~~كلا منكم يطوف على صاحبه العبيد على الموالي والموالي على العبيد ومنه قول ~~الشاعر: # ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه * ببعض أبت عيدانه أن تكسرا وقرأ ابن أبي ~~عبلة " طوافين " بالنصب على الحال كما تقدم عن الفراء، وإنما أباح سبحانه ~~الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان، لأنها كانت العادة أنهم ~~لا يكشفون عوراتهم في غيرها، والإشارة بقوله (كذلك يبين الله لكم الآيات) ~~إلى مصدر الفعل الذي بعده، كما في سائر المواضع في الكتاب العزيز: أي مثل ~~ذلك التبيين يبين الله لكم الآيات الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام ~~(والله عليم حكيم) كثير العلم بالمعلومات وكثير الحكمة في أفعاله (وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم) بين سبحانه هاهنا حكم الأطفال الأحرار إذا بلغوا الحلم ~~بعد ما بين فيما مر حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم في أنه لا جناح ~~عليهم في ترك الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة فقال (فليستأذنوا) يعني ~~الذين بلغوا الحلم إذا دخلوا عليكم (كما استأذن ms2744 الذين من قبلهم) والكاف نعت ~~مصدر محذوف: أي استئذانا كما استأذن الذين من قبلهم، والموصول عبارة عن ~~الذين قيل لهم - لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا - الآية. ~~والمعنى: أن هؤلاء الذين بلغوا الحلم يستأذنون في جميع الأوقات كما استأذن ~~الذين من قبلهم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء، ثم كرر ~~ما تقدم للتأكيد فقال (كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم) وقرأ ~~الحسن " الحلم " فحذف الضمة لثقلها. قال عطاء: واجب على الناس أن يستأذنوا ~~إذا احتلموا أحرارا كانوا أو عبيدا. وقال الزهري: يستأذن الرجل على أمه، ~~وفى هذا المعنى نزلت هذه الآية، والمراد بالقواعد من النساء: # العجائز التي قعدن عن الحيض والولد من الكبر، واحدتها قاعد بلا هاء ليدل ~~حذفها على أنه قعود الكبر، كما قالوا: امرأة حامل ليدل بحذف الهاء على أنه ~~حمل حبل، ويقال: قاعدة في بيتها وحاملة على ظهرها. قال الزجاج: # هن اللاتي قعدن عن التزويج، وهو معنى قوله (اللاتي لا يرجون نكاحا) أي لا ~~يطمعن فيه لكبرهن. وقال أبو عبيدة: اللاتي قعدن عن الولد، وليس هذا ~~بمستقيم، لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتع، ثم ذكر سبحانه حكم ~~القواعد فقال (فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن) أي الثياب التي تكون على ~~ظاهر البدن كالجلباب ونحوه، لا الثياب التي على العورة الخاصة، وإنما جاز ~~لهن لانصراف الأنفس عنهن إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما ~~لم يبحه لغيرهن، ثم استثنى حالة من حالاتهن فقال (غير متبرجات بزينة) أي ~~غير مظهرات للزينة التي أمرت بإخفائها في قوله - ولا يبدين زينتهن - ~~والمعنى: من غير أن يردن بوضع الجلاليب إظهار زينتهن ولا متعرضات بالتزين ~~لينظر إليهن الرجال. والتبرج التكشف والظهور للعيون، ومنه - بروج مشيدة - ~~وبروج السماء، ومنه قولهم: سفينة بارجة: أي لا غطاء عليها (وأن يستعففن خير ~~لهن) أي وأن يتركن وضع الثياب فهو خير لهن من وضعها. وقرأ عبد الله بن ~~مسعود وأبي بن كعب وابن عباس " أن يضعن من ثيابهن " بزيادة ms2745 من، وقرأ ابن ~~مسعود " وان يعففن " بغير سين (والله سميع عليم) كثير السماع والعلم أو ~~بليغهما (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) اختلف ~~أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ قال بالأول جماعة من ~~العلماء، وبالثاني جماعة. قيل إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، ~~وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ~~مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك وقالوا: لا ندخلها وهم غيب، فنزلت ~~هذه الآية رخصة لهم، فمعنى الآية نفي الحرج عن PageV04P052 # الزمني في أكلهم من بيوت أقاربهم أو بيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج ~~للغزو. قال النحاس: وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه من الصحابة ~~والتابعين من التوقيف. وقيل إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون من مؤاكلة ~~الأصحاء حذارا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم فنزلت. وقيل إن ~~الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن ~~الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر ~~الإتيان به مع العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه. وقيل المراد ~~بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو الحرج في الغزو: أي لا حرج على هؤلاء في ~~تأخرهم عن الغزو. وقيل كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمني إلى بيته ~~فلم يجد فيه شيئا يطعمهم إياه ذهب بهم إلى بيوت قرابته، فيتحرج الزمني من ~~ذلك فنزلت. ومعنى قوله (ولا على أنفسكم) عليكم وعلى من يماثلكم من المؤمنين ~~(أن تأكلوا) أنتم ومن معكم، وهذا ابتداء كلام: أي ولا عليكم أيها الناس. ~~والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار مؤاكلة ~~الأصحاء، أو دخول بيوتهم " ولا على أنفسكم " متصلا بما قبله، وإن كان رفع ~~الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر وعدم العرج ~~وعدم المرض، فقوله " ولا على أنفسكم " ابتداء كلام غير متصل بما قبله. ~~ومعنى (من بيوتكم) ms2746 البيوت التي فيها متاعهم وأهلهم فيدخل بيوت الأولاد كذا ~~قال المفسرون، لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل بيته، فلذا لم ~~يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر بيوت الاباء وبيوت الأمهات ومن بعدهم. قال ~~النحاس: وعارض بعضهم هذا فقال: هذا تحكم على كتاب الله سبحانه بل الأولى في ~~الظاهر أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء. ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة ~~الأولاد بالنسبة إلى الآباء لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد، ~~بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد لحديث " أنت ومالك لأبيك " وحديث " ~~ولد الرجل من كسبه " ثم قد ذكر الله سبحانه هاهنا بيوت الإخوة والأخوات، بل ~~بيوت الأعمام والعمات، بل بيوت الأخوال والخالات، فكيف ينفي سبحانه الحرج ~~عن الأكل من بيوت هؤلاء، ولا ينفيه عن بيوت الأولاد؟ وقد قيد بعض العلماء ~~جواز الأكل من بيوت هؤلاء بالإذن منهم. وقال آخرون: # لا يشترط الإذن. قيل وهذا إذا كان الطعام مبذولا، فإن كان محرزا دونهم لم ~~يجز لهم أكله. ثم قال سبحانه (أو ما ملكتم مفاتحه) أي البيوت التي تملكون ~~التصرف فيها بإذن أربابها، وذلك كالوكلاء والعبيد والخزان، فإنهم يملكون ~~التصرف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته وإعطائهم مفاتحه. وقيل المراد بها ~~بيوت المماليك. قرأ الجمهور " ملكتم " بفتح الميم وتخفيف اللام. وقرأ سعيد ~~بن جبير بضم الميم وكسر اللام مع تشديدها. وقرأ أيضا " مفاتيحه " بياء بين ~~التاء والحاء. وقرأ قتادة " مفاتحه " على الإفراد، والمفاتح جمع مفتح، ~~والمفاتيح جمع مفتاح (أو صديقكم) أي لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوت ~~صديقكم وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة، فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه ~~بذلك وتطيب به نفسه، والصديق يطلق على الواحد والجمع، ومنه قول جرير: # دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأسهم أعداء وهن صديق ومثله العدو والخليط ~~والقطين والعشير، ثم قال سبحانه (ليس عليكم جناح أن تأكلوا) من بيوتكم ~~(جميعا أو أشتاتا) انتصاب جميعا وأشتاتا على الحال. والأشتات جمع شت، والشت ~~المصدر: بمعنى التفرق، يقال شت القوم: أي تفرقوا، وهذه ms2747 الجملة كلام مستأنف ~~مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ما قبله: أي ليس عليكم جناح أن تأكلوا من ~~بيوتكم مجتمعين أو متفرقين، وقد كان بعض العرب يتحرج أن يأكل وحده حتى يجد ~~له أكيلا يؤاكله فيأكل معه، وبعض العرب كان لا يأكل إلا مع ضيف، ومنه قول ~~حاتم: PageV04P053 # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي (فإذا دخلتم ~~بيوتا) هذا شروع في بيان أدب آخر أدب به عباده: أي إذا دخلتم بيوتا غير ~~البيوت التي تقدم ذكرها (فسلموا على أنفسكم) أي على أهلها الذين هم بمنزلة ~~أنفسكم. وقيل المراد البيوت المذكورة سابقا. وعلى القول الأول، فقال الحسن ~~والنخعي: هي المساجد، والمراد سلموا على من فيها من صنفكم، فإن لم يكن في ~~المساجد أحد، فقيل يقول: السلام على رسول الله، وقيل يقول: السلام عليكم ~~مريدا للملائكة، وقيل يقول: # السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال بالقول الثاني: أعني أنها ~~البيوت المذكورة سابقا جماعة من الصحابة والتابعين، وقيل المراد بالبيوت ~~هنا هي كل البيوت المسكونة وغيرها، فيسلم على أهل المسكونة، وأما غير ~~المسكونة فيسلم على نفسه. قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو ~~الصحيح، وانتصاب (تحية) على المصدرية، لأن قوله فسلموا معناه فحيوا: أي ~~تحية ثابتة (من عند الله) أي إن الله حياكم بها. وقال الفراء: أي إن الله ~~أمركم أن تفعلوها طاعة له، ثم وصف هذه التحية فقال (مباركة) أي كثيرة ~~البركة والخير دائمتهما (طيبة) أي تطيب بها نفس المستمع، وقيل حسنة جميلة. ~~وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر ~~والثواب، ثم كرر سبحانه فقال (كذلك يبين الله لكم الآيات) تأكيدا لما سبق. ~~وقد قدمنا أن الإشارة بذلك إلى مصدر الفعل (لعلكم تعقلون) تعليل لذلك ~~التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا أن رجلا من الأنصار ~~وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم طعاما، ms2748 فقالت ~~أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب ~~واحد غلامهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم) يعني العبيد والإماء (والذين لم يبلغوا الحلم منكم) ~~قال: من أحراركم من الرجال والنساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في هذه ~~الآية قال: كان أناس من أصحاب رسول الله عليه وآله وسلم يعجبهم أن يواقعوا ~~نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا، ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن ~~يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن. ~~وأخرج ابن مردويه عن ثعلبة القرظي عن عبد الله بن سويد قال " سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العورات الثلاث، فقال: إذا أنا وضعت ثيابي ~~بعد الظهيرة لم يلج على أحد من الخدم من الذين لم يبلغوا الحلم ولا أحد لم ~~يبلغ الحلم من الأحرار إلا بإذن، وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء، ومن قبل ~~صلاة الصبح ". وأخرجه عبد بن حميد والبخاري في الأدب عن عبد الله بن سويد ~~من قوله. وأخرج نحوه أيضا ابن سعد عن سويد بن النعمان. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن وأبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ~~إنه لم يؤمن بها أكثر الناس: يعني آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه، لجارية ~~قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس، قال: ترك الناس ثلاث آيات لم يعملوا بهن - يا أيها الذين امنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم -، والآية التي في سورة النساء - وإذا حضر ~~القسمة - الآية، والآية التي في الحجرات - إن أكرمكم عند الله أتقاكم -. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عنه أيضا في الآية قال: ~~إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلا يدخل عليه صبي ولا خادم إلا بإذنه حتى ~~يصلي الغداة، وإذا خلا بأهله عند الظهر فمثل ذلك، ورخص لهم في الدخول فيما ms2749 ~~بين ذلك بغير إذن، وهو قوله (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن) فأما من بلغ ~~الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال، وهو قوله (وإذا ~~بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم). وأخرج أبو ~~داود وابن PageV04P054 # المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن بسند صحيح من طريق ~~عكرمة عنه أيضا: أن رجلا سأله عن الاستئذان في الثلاث العورات التي أمر ~~الله بها في القران، فقال ابن عباس " إن الله ستير يحب الستر " وكان الناس ~~ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجاب في بيوتهم، فربما فجأ الرجل خادمه أو ~~ولده أو يتيم في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك ~~العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط عليهم في الرزق، ~~فاتخذوا الستور واتخذوا الحجاب، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان ~~الذي أمروا به. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عمر في قوله (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) قال: # هي على الذكور دون الإناث، ولا وجه لهذا التخصيص، فالاطلاع على العورات ~~في هذه الأوقات كما يكرهه الإنسان من الذكور يكرهه من الإناث. وأخرج ابن ~~مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآل ~~وسلم في الآية قالت: نزلت في النساء أن يستأذن علينا. وأخرج الحاكم وصححه ~~عن علي في الآية قال: النساء فإن الرجال يستأذنون. وأخرج الفريابي وابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي في ~~هذه الآية قال: هي في النساء خاصة، الرجال يستأذنون على كل حال بالليل ~~والنهار. وأخرج الفريابي عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت الشعبي عن هذه ~~الآية أمنسوخة هي؟ قال لا. # وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها ms2750 في ~~حجري وإني أنفق عليها وإنها معي في البيت أأستأذن عليها؟ قال: نعم إن الله ~~يقول: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم) الآية، ~~فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلا في هؤلاء العورات الثلاث، قال (وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم فليستأذنوا كما أستأذن الذين من قبلهم) فالإذن واجب على كل خلق ~~الله أجمعين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن مسعود ~~قال: # عليكم إذن على أمهاتكم. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب عنه قال: ~~يستأذن الرجل على أبيه وأمه وأخيه وأخته. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في ~~الأدب عن جابر نحوه. وأخرج ابن جرير والبيهقي في السنن عن عطاء بن يسار أن ~~رجلا قال: يا رسول الله أأستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إني معها في ~~البيت، قال: # استأذن عليها، قال: إني خادمها أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن ~~تراها عريانة؟ قال: لا، قال: # فاستأذن عليها، وهو مرسل. وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن زيد بن أسلم أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أيضا مرسل. واخرج أبو داود ~~والبيهقي في السنن عن ابن عباس (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) الآية، ~~فنسخ واستثنى من ذلك (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا) الآية. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عنه قال: هي المرأة لا ~~جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عليها الجلباب ما لم تتبرج ~~بما يكرهه الله، وهو قوله (فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات ~~بزينة). وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف ~~والبيهقي عن ابن عباس أنه كان يقرأ (أن يضعن من ثيابهن) ويقول: هو الجلباب. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عمر في الآية قال: تضع الجلباب. # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والبيهقي في السنن عن ابن مسعود (أن يضعن ثيابهن) قال: الجلباب ~~والرداء. وأخرج ms2751 ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت - يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - قالت الأنصار: ما بالمدينة ~~مال أعز من الطعام كانوا يتحرجون أن PageV04P055 # يأكلوا مع الأعمى يقولون إنه لا يبصر موضع الطعام، وكانوا يتحرجون الأكل ~~مع الأعرج يقولون الصحيح يسبقه إلى المكان ولا يستطيع إلى أن يزاحم، ~~ويتحرجون الأكل مع المريض يقولون لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح، وكانوا ~~يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم، فنزلت (ليس على الأعمى) يعني في الأكل ~~مع الأعمى. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم نحوه. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو ~~المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه أو بيت عمه أو بيت عمته أو بيت خاله أو ~~بيت خالته، فكان الزمني يتحرجون من ذلك يقولون إنما يذهبون بنا إلى بيوت ~~غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم. وأخرج البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~وابن النجار عن عائشة قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فيدفعون مفاتيحهم إلى أمنائهم ويقولون لهم قد ~~أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه، فكانوا يقولون إنه لا يحل لنا أن ~~نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب نفس، وإنما نحن زمني، فأنزل الله - ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا - إلى قوله أو ما ملكتم مفاتحه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت - يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - قال المسلمون: إن الله قد نهانا ~~أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا ~~أن يأكل عند أحد فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله (ليس على الأعمى حرج) إلى ~~قوله (أو ما ملكتم مفاتحه) وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته، والذي رخص الله أن ~~يأكل من ms2752 ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن، وكانوا أيضا يتحرجون أن يأكل الرجل ~~الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم فقال (ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان ~~أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخالطهم في ~~طعامهم أعمى ولا مريض ولا أعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت رخصة ~~في مؤاكلتهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن ~~جرير والبيهقي عن الزهري أنه سئل عن قوله (ليس على الأعمى حرج)) ما بال ~~الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن ~~المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ~~يقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرجون من ذلك ~~يقولون لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان هذا الحي من بني كنانة بن ~~خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ~~يسوق الزود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله (ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~عكرمة وأبى صالح قالا: كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل ~~الضيف معهم، فنزلت رخصة لهم. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في الآية، قال خرج ~~الحارث غازيا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلف على أهله خالد بن ~~يزيد، فحرج أن يأكل من طعامه، وكان مجهودا فنزلت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (أو صديقكم) قال: إذا ~~دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته، ثم أكلت من طعامه بغير إذنه لم يكن بذلك ~~بأس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله (أو صديقكم) قال: ms2753 هذا شئ قد ~~انقطع، إنما كان هذا في أوله ولم يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما ~~دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع فسوغه الله أن ~~يأكله. وقال: ذهب ذلك اليوم البيوت فيها أهلها، فإذا خرجوا أغلقوا فقد ذهب ~~ذلك. PageV04P056 # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله (فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) يقول: إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أنفسكم ~~(تحية من عند الله) وهو السلام، لأنه اسم الله وهو تحية أهل الجنة. وأخرج ~~البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر ~~بن عبد الله قال: # إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله (مباركة طيبة). وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن عباس في قوله (فسلموا على أنفسكم) قال: هو المسجد إذا دخلته ~~فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ~~في الأدب عن ابن عمر قال: إذا دخل البيت غير المسكون أو المسجد فليقل: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # جملة (إنما المؤمنون) مستأنفة مسوقة لتقدير ما تقدمها من الأحكام، و " ~~إنما " من صيغ الحصر. والمعنى لا يتم إيمان ولا يكمل حتى يكون (بالله ~~ورسوله) وجملة (وإذا كانوا معه علي أمر جامع) معطوفة على آمنوا داخلة معه ~~في حيز الصلة: أي إذا كانوا مع رسول الله على أمر جامع: أي على طاعة ~~يجتمعون عليها، نحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك، وسمى الأمر ~~جامعا مبالغة (لم يذهبوا حتى يستأذنوه) قال المفسرون: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من ~~المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن يشاء منهم. قال مجاهد: ~~وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده. قال الزجاج: ms2754 أعلم الله أن المؤمنين ~~إذا كانوا مع نبيه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، ~~وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه في جمع من ~~جموعهم إلا بإذنه، وللإمام أن يأذن وله أن لا يأذن على ما يرى لقوله تعالى ~~(فأذن لمن شئت منهم) وقرأ اليماني على أمر جميع. والحاصل أن الأمر الجامع ~~أو الجميع هو الذي يعم نفعه أو ضرره، وهو الأمر الجليل الذي يحتاج إلى ~~اجتماع أهل الرأي والتجارب. قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع ~~الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، ثم قال سبحانه (إن الذين ~~يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله) فبين سبحانه ان المستأذنين هم ~~المؤمنون بالله ورسوله كما حكم أولا بأن المؤمنين الكاملين الإيمان: هم ~~الجامعون بين الإيمان بهما وبين الاستئذان (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم) أي ~~إذا استأذن المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV04P057 # لبعض الأمور التي تهمهم فإنه يأذن لمن شاء منهم ويمنع من شاء على حسب ما ~~تقتضيه المصلحة التي يراها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أرشده ~~الله سبحانه إلى الاستغفار لهم، وفيه إشارة إلى أن الاستئذان إن كان لعذر ~~مسوغ، فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة (إن الله غفور رحيم) ~~أي كثير المغفرة والرحمة بالغ فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية (لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها: أي لا تجعلوا دعوته إياكم كالدعاء من بعضكم لبعض في التساهل في بعض ~~الأحوال عن الإجابة أو الرجوع بغير استئذان أو رفع الصوت. وقال سعيد بن ~~جبير ومجاهد: المعنى قولوا يا رسول الله في رفق ولين، ولا تقولوا يا محمد ~~بتجهم. وقال قتادة: أمرهم أن يشرفوه ويفخموه. وقيل المعنى: لا تتعرضوا ~~لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه، فإن دعوته موجبة (قد يعلم الله الذين يتسللون ~~منكم لواذا) التسلل: الخروج في خفية، يقال تسلل فلان من بين أصحابه: إذا ~~خرج من ms2755 بينهم، واللواذ من الملاوذة، وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك، ~~وأصله أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، واللوذ ما يطيف بالجبل، وقيل اللواذ ~~الزوغان من شئ إلى شئ في خفية. وانتصاب لواذا على الحال: أي متلاوذين يلوذ ~~بعضهم ببعض وينضم إليه، وقيل هو منتصب على المصدرية لفعل مضمر هو الحال في ~~الحقيقة: أي يلوذون لواذا. وقرأ زيد بن قطيب " لواذا " بفتح اللام. وفي ~~الآية بيان ما كان يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة ~~متلاوذين ينضم بعضهم إلى بعض استتارا من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقد كان يوم الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع ~~للصلاة والخطبة فكانوا يفرون على الحضور ويتسللون في خفية ويستتر بعضهم ~~ببعض وينضم إليه. وقيل اللواذ: الفرار من الجهاد وبه قال الحسن، ومنه قول ~~حسان: # وقريش تجول منكم لواذا * لم تحافظ وجف منها الحلوم (فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها: أي يخالفون أمر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بترك العمل بمقتضاه وعدي فعل المخالفة بعن مع كونه ~~متعديا بنفسه لتضمينه معنى الإعراض أو الصد، وقيل الضمير لله سبحانه لأنه ~~الآمر بالحقيقة، و (أن تصيبهم فتنة) مفعول يحذر، وفاعله الموصول. والمعنى: # فليحذر المخالفون عن أمر الله أو أمر رسوله أو أمرهما جميعا إصابة فتنة ~~لهم (أو يصيبهم عذاب أليم) أي في الآخرة، كما أن الفتنة التي حذرهم من ~~إصابتها لهم هي في الدنيا، وكلمة أو لمنع الخلو. قال القرطبي: احتج الفقهاء ~~على أن الأمر للوجوب بهذه الآية، ووجه ذلك أن الله سبحانه قد حذر من مخالفة ~~أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: (أن تصيبهم فتنة) الآية، فيجب امتثال ~~أمره وتحرم مخالفته، والفتنة هنا غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن، وقيل هي ~~القتل، وقيل الزلازل، وقيل تسلط سلطان جائر عليهم، وقيل الطبع على قلوبهم. ~~قال أبو عبيدة والأخفش: # عن في هذا الموضع زائدة. وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة، بل هي بمعنى ~~بعد، كقوله ms2756 - ففسق عن أمر ربه - أي بعد أمر ربه، والأولى ما ذكرناه من ~~التضمين (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) من المخلوقات بأسرها، فهي ملكه ~~(قد يعلم ما أنتم عليه) أيها العباد من الأحوال التي أنتم عليها فيجازيكم ~~بحسب ذلك، ويعلم هاهنا بمعنى علم (ويوم يرجعون إليه) معطوف على ما أنتم ~~عليه: أي يعلم ما أنتم عليه ويعلم يوم يرجعون إليه فيجازيكم فيه بما عملتم، ~~وتعليق علمه سبحانه بيوم يرجعون لا بنفس رجعهم لزيادة تحقيق علمه، لأن ~~العلم بوقت وقوع الشئ يستلزم العلم بوقوعه على أبلغ وجه (فينبئهم بما ~~عملوا) أي يخبرهم بما عملوا من الأعمال التي من جملتها مخالفة الأمر، ~~والظاهر من السياق أن هذا الوعيد للمنافقين (والله بكل شئ عليم) لا يخفى ~~عليه شئ من أعمالهم. PageV04P058 # وقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن ~~كعب القرظي قالا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب نزلوا بمجمع الأسيال من رومة ~~بئر بالمدينة، قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنقمي إلى جانب ~~أحد، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر، فضرب الخندق على ~~المدينة وعمل فيه المسلمون، وأبطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف ~~من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي ~~لابد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويستأذنه في اللحوق ~~لحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك (إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله) الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد ابن ~~جبير في الآية قال: هي في الجهاد والجمعة والعيدين. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم في قوله (على أمر جامع) قال: من طاعة الله عام. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عنه في قوله (لا تجعلوا ~~دعاء الرسول) الآية قال: يعنى كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه ms2757 باسمه. ولكن وقروه ~~وقولوا له: يا رسول الله يا نبي الله. وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره ~~وأبو نعيم في الدلائل عنه أيضا في الآية قال: لا تصيحوا به من بعيد يا أبا ~~القاسم، ولكن كما قال الله في الحجرات - إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله -. وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل، قال: كان لا يخرج أحد لرعاف ~~أو أحداث حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشير إليه بأصبعه التي ~~تلي الإبهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشير إليه بيده، وكان ~~من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل ~~من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج. فأنزل الله (الذين ~~يتسللون منكم لواذا) الآية. وأخرج أبو عبيد في فضائله والطبراني، قال ~~السيوطي بسند حسن عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو يقرأ هذه الآية في خاتمة سورة النور وهو جاعل أصبعيه تحت عينيه ~~يقول: بكل شئ بصير. # تفسير سورة الفرقان هي سبع وسبعون آية وهي مكية كلها في قول الجمهور، ~~وكذا أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه من طرق عن ابن عباس. وأخرجه ابن ~~مردويه عن ابن الزبير. قال القرطبي: وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات ~~منها نزلت بالمدينة، وهي - والذين لا يدعون مع الله إلها آخر - الآيات. ~~وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم وابن حبان والبيهقي في سننه عن عمر بن ~~الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم ~~يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت ~~حتى سلم فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: # أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: كذبت فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرأنيها على غير ما ms2758 قرأت، فانطلقت به أقوده ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة ~~الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أرسله، أقرئنا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: كذلك أنزلت، ثم قال: أقرئنا عمر، فقرأت القراءة ~~PageV04P059 # التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كذلك أنزلت، إن ~~هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه. # تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة ~~لأنها الواسطة، ثم في المعاد لأنه الخاتمة. وأصل تبارك مأخوذ من البركة، ~~وهي النماء والزيادة، حسية كانت أو عقلية. قال الزجاج: تبارك تفاعل، من ~~البركة. قال: ومعنى البركة: الكثرة من كل ذي خير، وقال الفراء: إن تبارك ~~وتقدس في العربية واحد، ومعناهما العظمة. وقيل المعنى: تبارك عطاؤه: أي زاد ~~كثر، وقيل المعنى: دام وثبت. قال النحاس: # وهذا أولاها في اللغة، والاشتقاق من برك الشئ إذا ثبت، ومنه برك الجمل: ~~أي دام وثبت. واعترض ما قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة، وليس ~~من ذا في شئ. قال العلماء: هذه اللفظة لا تستعمل إلا لله سبحانه ولا تستعمل ~~إلا بلفظ الماضي، والفرقان القرآن، وسمي فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل ~~بأحكامه، أو بين المحق والمبطل، والمراد بعبده نبينا صلى الله عليه وآله ~~وسلم. ثم علل التنزيل (ليكون للعالمين نذيرا) فإن النذارة هي الغرض المقصود ~~من الإنزال، والمراد محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو الفرقان، والمراد ~~بالعالمين هنا الإنس والجن، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسل ~~إليهما، ولم يكن غيره من الأنبياء مرسلا إلى الثقلين، والنذير: المنذر: # أي ليكون محمد منذرا، أو ليكون إنزال القرآن منذرا، ويجوز أن يكون النذير ~~هنا بمعنى المصدر للمبالغة: أي ليكون إنزاله إنذارا، أو ليكون محمد إنذارا، ~~وجعل الضمير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى، لأن صدور الإنذار منه ~~حقيقة ms2759 ومن القرآن مجاز، والحمل على الحقيقة أولى ولكونه أقرب مذكور. وقيل ~~إن رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله تعالى - إن هذا القرآن يهدى للتي هي ~~أقوم - ثم إنه سبحانه وصف نفسه بصفات أربع: # الأولى (له ملك السماوات والأرض) دون غيره فهو المتصرف فيهما، ويحتمل أن ~~يكون الموصول الآخر بدلا أو بيانا للموصول الأول، والوصف أولى، وفيه تنبيه ~~على افتقار الكل إليه في الوجود وتوابعه من البقاء وغيره. # والصفة الثانية (ولم يتخذ ولدا) وفيه رد على النصارى واليهود. والصفة ~~الثالثة (ولم يكن له شريك في الملك) PageV04P060 # وفيه رد على طوائف المشركين من الوثنية والثنوية وأهل الشرك الخفي. ~~والصفة الرابعة (وخلق كل شئ) من الموجودات (فقدره تقديرا) أي قدر كل شئ مما ~~خلق بحكمته على ما أراد وهيأه لما يصلح له. قال الواحدي قال المفسرون: قدر ~~له تقديرا من الأجل والرزق، فجرت المقادير على ما خلق. وقيل أريد بالخلق ~~هنا مجرد الإحداث والإيجاد مجازا من غير ملاحظة معنى التقدير وإن لم يخل ~~عنه في نفس الأمر، فيكون المعنى: أوجد كل شئ فقدره لئلا يلزم التكرار، ثم ~~صرح سبحانه بتزييف مذاهب عبدة الأوثان فقال (واتخذوا من دونه آلهة) والضمير ~~في اتخذوا للمشركين وإن لم يتقدم لهم ذكر، لدلالة نفي الشريك عليهم: أي ~~اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين الله آلهة (لا يخلقون شيئا) والجملة في محل ~~نصب صفة لآلهة: أي لا يقدرون على خلق شئ من الأشياء وغلب العقلاء على ~~غيرهم، لأن في معبودات الكفار الملائكة وعزير والمسيح (وهم يخلقون أي ~~يخلقهم الله سبحانه. وقيل عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جريا على اعتقاد ~~الكفار أنها تضر وتنفع. وقيل معنى (وهم يخلقون) أن عبدتهم يصورونهم. ثم لما ~~وصف سبحانه نفسه بالقدرة الباهرة وصف آلهة المشركين بالعجز البالغ فقال ~~(ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا) أي لا يقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم ~~نفعا ولا يدفعوا عنها ضررا، وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع وإذا ~~كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم ms2760 فكيف يملكون ذلك ~~لمن يعبدهم. ثم زاد في بيان عجزهم فنصص على هذه الأمور فقال (ولا يملكون ~~موتا ولا حياة ولا نشورا) أي لا يقدرون على إماتة الأحياء ولا إحياء الموتى ~~ولا بعثهم من القبور، لأن النشور الإحياء بعد الموت، يقال أنشر الله الموتى ~~فنشروا، ومنه قول الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر ولما فرغ من بيان ~~التوحيد وتزييف مذاهب المشركين شرع في ذكر شبه منكري النبوة، فالشبهة ~~الأولى ما حكاه عنهم بقوله (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك) أي كذب ~~(افتراه) أي اختلقه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والإشارة بقوله هذا إلى ~~القرآن (وأعانه عليه) أي علي الاختلاق (قوم آخرون) يعنون من اليهود. قيل ~~وهم: أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى، وجبر ~~مولى ابن عامر، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود، وقد مر الكلام على مثل هذا ~~في النحل. ثم رد الله سبحانه عليهم فقال (فقد جاءوا ظلما وزورا) أي فقد ~~قالوا ظلما هائلا عظيما وكذبا ظاهرا، وانتصاب ظلما بجاءوا، فإن جاء قد ~~يستعمل استعمال أتى ويعدي تعديته. وقال الزجاج: إنه منصوب بنزع الخافض، ~~والأصل جاءوا بظلم. وقيل هو منتصب على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلما ~~لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه، فقد وضعوا الشئ في غير موضعه، وهذا ~~هو الظلم، وأما كون ذلك منهم زورا فظاهر لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة. ثم ~~ذكر الشبهة الثانية فقال (وقالوا أساطير الأولين) أي أحاديث الأولين وما ~~سطروه من الأخبار. قال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة، ~~وقال غيره: أساطير جمع أسطار مثل أقاويل وأقوال (اكتتبها) أي استكتبها أو ~~كتبها لنفسه، ومحل اكتتبها النصب على أنه حال من أساطير، أو محله الرفع على ~~أنه خبر ثان، لأن أساطير مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هذه أساطير ~~الأولين اكتتبها، ويجوز أن يكون أساطير مبتدأ واكتتبها خبره، ويجوز أن يكون ~~معنى اكتتبها جمعها من الكتب، وهو الجمع، لا ms2761 من الكتابة بالقلم. والأول ~~أولى. وقرأ طلحة " اكتتبها " مبنيا للمفعول، والمعنى: اكتتبها له كاتب، ~~لأنه كان أميا لا يكتب، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها ~~إياه، ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه فانقلب مرفوعا مستترا بعد أن كان ~~منصوبا بارزا، كذا قال في الكشاف، واعترضه أبو حيان (فهي تملى عليه) أي ~~تلقى عليه تلك الأساطير بعد ما اكتتبها ليحفظها من أفواه PageV04P061 # من يمليها عليه من ذلك المكتتب لكونه أميا لا يقدر على أن يقرأها من ذلك ~~المكتوب بنفسه، ويجوز أن يكون المعنى اكتتبها أراد اكتتابها (فهي تملى ~~عليه) لأنه يقال أمليت عليه فهو يكتب (بكرة وأصيلا) غدوة وعشيا كأنهم ~~قالوا: # إن هؤلاء يعلمون محمد طرفي النهار، وقيل معنى بكرة وأصيلا: دائما في جميع ~~الأوقات فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله (قل أنزله الذي يعلم السر في ~~السماوات والأرض) أي ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من ~~الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شئ ~~لا يغيب عنه شئ من الأشياء، فلهذا عجزتم عن معارضته ولم تأتوا بسورة منه، ~~وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ ~~إليها عقول البشر، والسر: الغيب أي يعلم الغيب الكائن فيهما، وجملة (إنه ~~كان غفورا رحيما) تعليل لتأخير العقوبة: أي إنكم وإن كنتم مستحقين لتعجيل ~~العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسوله والظلم له، فإنه لا يعجل عليكم ~~بذلك، لأنه كثير المغفرة والرحمة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (تبارك) تفاعل من البركة. وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في ~~قوله (وأعانه عليه قوم آخرون) قال يهود (فقد جاءوا ظلما وزورا) قال: كذبا. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (تبارك الذي ~~أنزل الفرقان على عبده) هو القرآن فيه حلاله وحرامه وشرائعه ودينه، وفرق ~~الله بين الحق والباطل (ليكون للعالمين نذيرا) قال: ms2762 # بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نذيرا من الله لينذر الناس بأس ~~الله ووقائعه بمن خلا قبلكم (وخلق كل شئ فقدره تقديرا) قال: بين لكل شئ من ~~خلقه صلاحه وجعل ذلك بقدر معلوم (واتخذوا من دونه آلهة) قال: هي الأوثان ~~التي تعبد من دون الله (لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) وهو الله الخالق ~~الرازق، وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئا ولا تضر ولا تنفع ولا تملك ولا ~~حياة ولا نشورا: يعنى بعثا (وقال الذين كفروا) هذا قول مشركي العرب (إن هذا ~~إلا إفك عظيم) هو الكذب (افتراه وأعانه عليه) أي على حديثه هذا وأمره (قوم ~~آخرون، أساطير الأولين) كذب الأولين وأحاديثهم. PageV04P062 # لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن ذكر ما طعنوا به على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (وقالوا مال هذا الرسول) وفى الإشارة ~~هنا تصغير لشأن المشار إليه وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسموه ~~رسولا استهزاء وسخرية (يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) أي ما باله يأكل ~~الطعام كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد، وزعموا أنه كان ~~يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الطعام والكسب، وما الاستفهامية في محل رفع ~~على الابتداء، والاستفهام للاستنكار، وخبر المبتدأ لهذا الرسول، وجملة يأكل ~~في محل نصب على الحال، وبها تتم فائدة الإخبار كقوله - فما لهم عن التذكرة ~~معرضين - والإنكار متوجه إلى السبب مع تحقق المسبب، وهو الأكل والمشي، ~~ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم تهكما واستهزاء. والمعنى: أنه إن ~~صح ما يدعيه من النبوة فما باله لم يخالف حاله حالنا (لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا) طلبوا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصحوبا بملك ~~يعضده ويساعده، تنزلوا عن اقتراح أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~ملكا مستغنيا عن الأكل والكسب، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه ويشهد له ~~بالرسالة. قرأ الجمهور " فيكون " بالنصب على كونه جواب التحضيض. وقرئ " ~~فيكون " بالرفع على ms2763 أنه معطوف على أنزل، وجاز عطفه على الماضي لأن المراد ~~به المستقبل (أو يلقى إليه كنز) معطوف على أنزل، ولا يجوز عطفه على فيكون، ~~والمعنى: أو هلا يلقى إليه كنز، تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه إلى اقتراح ~~أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء ليستغني به عن طلب الرزق (أو تكون له ~~جنة يأكل منها) قرأ الجمهور " تكون " بالمثناة الفوقية، وقرأ الأعمش وقتادة ~~" يكون " بالتحتية، لأن تأنيث الجنة غير حقيقي. وقرأ " نأكل " بالنون حمزة ~~وعلي وخلف، وقرأ الباقون " يأكل " بالمثناة التحتية: أي بستان نأكل نحن من ~~ثماره، أو يأكل هو وحده منه ليكون له بذلك مزية علينا حيث يكون أكله من ~~جنته. قال النحاس: والقراءتان حسنتان وإن كانت القراءة بالياء أبين، لأنه ~~قد تقدم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده، فعود الضمير إليه بين ~~(وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) المراد بالظالمون هنا هم ~~القائلون بالمقالات الأولى، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم ~~للتسجيل عليهم به: أي ما تتبعون إلا رجلا مغلوبا على عقله بالسحر، وقيل ذا ~~سحر، وهي الرئة: أي بشرا له رئة لا ملكا، وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان ~~(انظر كيف ضربوا لك الأمثال) ليتوصلوا بها إلى تكذيبك، والأمثال هي الأقوال ~~النادرة والاقتراحات الغريبة، وهي ما ذكروه هاهنا (فضلوا) عن الصواب فلا ~~يجدون طريقا إليه ولا وصلوا إلى شئ منه، بل جاءوا بهذه المقالات الزائفة ~~التي لا تصدر عن أدنى العقلاء وأقلهم تمييزا ولهذا قال (فلا يستطيعون ~~سبيلا) أي لا يجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقا من الطرق (تبارك ~~الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك) أي تكاثر خير الذي إن شاء جعل لك في ~~الدنيا معجلا خيرا من ذلك الذي اقترحوه. ثم فسر الخير فقال (جنات تجري من ~~تحتها الأنهار) فجنات بدل من خيرا (ويجعل لك قصورا) معطوف على موضع جعل، ~~وهو الجزم، وبالجزم قرأ الجمهور. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع " ~~يجعل ms2764 " على أنه مستأنف، وقد تقرر في علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضيا ~~جاز في جوابه الجزم والرفع فجاز أن يكون جعل هاهنا في محل جزم ورفع ~~PageV04P063 # فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم ويرفع. وقرئ بالنصب. وقرئ بإدغام لام لك في ~~لام يجعل لاجتماع المثلين. # وقرئ بترك الإدغام لان الكلمتين منفصلتان، والقصر البيت من الحجارة، لأن ~~الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل هو بيت الطين وبيوت الصوف والشعر. ~~ثم أضرب سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذي لا يصدر عن ~~العقلاء فقال (بل كذبوا بالساعة) أي بل أتوا بأعجب من ذلك كله. وهو تكذيبهم ~~بالساعة، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها. ثم ذكر سبحانه ما ~~أعده لمن كذب بالساعة فقال (واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) أي نارا مشتعلة ~~متسعرة، والجملة في محل نصب على الحال: أي بل كذبوا بالساعة، والحال أنا ~~اعتدنا. قال أبو مسلم: اعتدنا: أي جعلناه عتيدا ومعدا لهم (إذا رأتهم من ~~مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا) هذه الجملة الشرطية في محل نصب صفة ~~لسعيرا لأنه مؤنث بمعنى النار، قيل معنى إذا رأتهم: إذا ظهرت لهم فكانت ~~بمرأى الناظر في البعد، وقيل المعنى: إذا رأتهم خزنتها، وقيل إن الرؤية ~~منها حقيقية وكذلك التغيظ والزفير، ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه ~~مدركة هذا الإدراك. ومعنى (من مكان بعيد) أنها رأتهم وهي بعيدة عنهم، قيل ~~بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام. ومعنى التغيظ: أن لها صوتا يدل على التغيظ ~~على الكفار أو لغليانها صوتا يشبه صوت المغتاظ. والزفير: هو الصوت الذي ~~يسمع من الجوف. قال الزجاج: المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت: أي ~~سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ. وقال قطرب: أراد علموا لها تغيظا وسمعوا ~~لها زفيرا كما قال الشاعر: * متقلدا سيفا ورمحا * أي وحاملا رمحا، وقيل ~~المعنى: سمعوا فيها تغيظا وزفيرا للمعذبين كما قال - لهم فيها زفير وشهيق - ~~وفي اللام متقاربان، تقول: افعل هذا في الله ولله (وإذا ألقوا منها ms2765 مكانا ~~ضيقا) وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة وتناهي البلاء عليهم، ~~وانتصاب (مقرنين) على الحال: # أي إذا ألقوا منها مكانا ضيقا حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى ~~أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد، وقيل مكتفين، وقيل قرنوا مع الشياطين: أي ~~قرن كل واحد منهم إلى شيطانه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة إبراهيم ~~(دعوا هنالك) أي في ذلك المكان الضيق (ثبورا) أي هلاكا. قال الزجاج: ~~وانتصابه على المصدرية: أي ثبرنا ثبورا، وقيل منتصب على أنه مفعول له، ~~والمعنى: أنهم يتمنون هنالك الهلاك وينادونه لما حل بهم من البلاء، فأجيب ~~عليهم بقوله (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا) أي فيقال لهم هذه المقالة، ~~والقائل لهم هم الملائكة: أي اتركوا دعاء ثبور واحد، فإن ما أنتم فيه من ~~الهلاك أكبر من ذلك وأعظم، كذا قال الزجاج (وادعوا ثبور كثيرا) والثبور ~~مصدر يقع على القليل والكثير فلهذا لم يجمع، ومثله ضربته ضربا كثيرا، وقعد ~~قعودا طويلا، فالكثرة ها هنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به، لا بحسب ~~كثرته في نفسه، فإنه شئ واحد. # والمعنى: لا تدعو ا على أنفسكم بالثبور دعاء واحدا وادعوه أدعية كثيرة، ~~فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته وعدم تناهيه، وقيل هذا ~~تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول، وقيل إن ~~المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا بل هو ثبور كثير لأن العذاب ~~أنواع، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم الدلالة على خلود عذابهم ~~وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه. # ثم وبخهم الله سبحانه توبيخا بالغا على لسان رسوله فقال (قل أذلك خير أم ~~جنة الخلد التي وعد المتقون) والإشارة بقوله ذلك إلى السعير المتصفة بتلك ~~الصفات العظيمة: أي تلك السعير خير أم جنة الخلد، وفي إضافة الجنة إلى ~~الخلد إشعار بدوام نعيمها وعدم انقطاعه، ومعنى (التي وعد المتقون) التي ~~وعدها المتقون، والمجيء بلفظ خير هنا مع أنه لا ms2766 خير في النار أصلا، لأن ~~العرب قد تقول ذلك، ومنه ما حكاه سيبويه عنهم أنهم يقولون: السعادة ~~PageV04P064 # أحب إليك أم الشقاوة؟ وقيل ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو كقولك: عنده ~~خير. قال النحاس: وهذا قول حسن كما قال: # أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء ثم قال سبحانه (كانت لهم ~~جزاء ومصيرا) أي كانت تلك الجنة للمتقين جزاء على أعمالهم ومصيرا يصيرون ~~إليه (لهم فيها ما يشاؤن) أي ما يشاؤنه من النعيم وضروب الملاذ كما في قوله ~~- ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم - وانتصاب خالدين على الحال، وقد تقدم تحقيق ~~معنى الخلود (كان على ربك وعدا مسؤولا) أي كان ما يشاؤنه، وقيل كان الخلود، ~~وقيل كان الوعد المدلول عليه بقوله: وعد المتقون، ومعنى الوعد المسؤول: ~~الوعد المحقق بأن يسأل ويطلب كما في قوله - ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ~~- وقيل إن الملائكة تسأل لهم الجنة كقوله - وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم - ~~وقيل المراد به الوعد الواجب وإن لم يسأل. # وقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس أن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان ~~بن حرب والنضر ابن الحارث وأبا البحتري والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن ~~الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية ~~بن خلف والعاص بن وائل ونبيه بن الحجاج ومنبه بن الحجاج اجتمعوا، فقال ~~بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه ~~إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، قال: فجاءهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت ~~بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف فنحن ~~نسودك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " ما بي مما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف ~~فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، ~~وأمرني ms2767 أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا ~~مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله ~~حتى يحكم الله بيني وبينكم، قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما ~~عرضنا عليك، أو قالوا: فإذا لم تفعل هذا فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ~~ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب ~~وفضة تغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، ~~حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما ~~بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فأنزل الله في ذلك (وقالوا ~~ما لهذا الرسول يأكل الطعام - وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك ~~بصيرا) أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي ~~فلا يخالفون لفعلت. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال: قيل للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم ~~يعط نبي قبلك ولا نعطها أحدا بعدك ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئا، وإن ~~شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله سبحانه ~~(تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا). وأخرج نحوه عنه ابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل من ~~الصحابة قال: قال النبي صلى الله عليه PageV04P065 # وآله وسلم: " من يقل علي ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو أنتمي ~~إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا، قيل يا رسول الله ms2768 وهل لها من ~~عينين؟ قال: نعم، أما سمعتم الله يقول (إذا رأتهم من مكان بعيد) ". # وأخرج آدم بن أبي إياس في تفسيره عن ابن عباس في قوله (إذا رأتهم من مكان ~~بعيد) قال: من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام ~~يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل بر وفاجر (سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا) تزفر زفرة لا تبقي قطرة من دمع إلا بدت، ثم تزفر الثانية فتقطع ~~القلوب من أماكنها وتبلغ القلوب الحناجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن ~~أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قول الله (وإذا ألقوا ~~منها مكانا ضيقا مقرنين) قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما ~~يستكره الوتد في الحائط وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس (دعوا هنالك ثبورا) قال: ويلا (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا) يقول: لا ~~تدعوا اليوم ويلا واحدا. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث. قال ~~السيوطي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~إن أول ما يكسى حلته من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه ~~وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون يا ثبورهم حتى يقف على الناس ~~فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم، فيقال لهم: لا تدعو ا اليوم ثبورا ~~واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ". وإسناد أحمد هكذا: حدثنا عفان عن حميد بن سلمة ~~عن علي بن زيد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. وفى علي ~~بن زيد بن جدعان مقال معروف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(كان على ربك وعدا مسؤولا) يقول: سلوا الذي وعدتكم تنجزوه ". PageV04P066 # قوله (ويوم نحشرهم) الظرف منصوب بفعل مضمر: أي واذكر، وتعليق التذكير ~~باليوم مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد كما ms2769 مر مرارا. قرأ ابن ~~محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمر في رواية الدوري " يحشرهم " ~~بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد وأبو حاتم لقوله في أول الكلام - كان ~~على ربك - والباقون بالنون على التعظيم ما عدا الأعرج فإنه قرأ " نحشرهم " ~~بكسر الشين في جميع القرآن. قال ابن عطية: هي قليلة في الاستعمال قوية في ~~القياس، لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضمها، ورده أبو حبان ~~باستواء المضموم والمكسور إلا أن يشتهر أحدهما اتبع (وما يعبدون من دون ~~الله) معطوف على مفعول نحشر، وغلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان ونحوها ~~على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيها على أنها جميعا مشتركة في ~~كونها غير صالحة لكونها آلهة، أو لأن من يعبد من لا يعقل أكثر ممن يعبد من ~~يعقل منها، فغلبت اعتبارا بكثرة من يعبدها وقال مجاهد وابن جريج: المراد ~~الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد. وقال ~~الضحاك وعكرمة والكلبي: المراد الأصنام خاصة، وإنها وإن كانت لا تسمع ولا ~~تتكلم فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة، (فيقول أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل) قرأ ابن عامر وأبو حيوة وابن كثير ~~وحفص " فنقول " بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد ~~كما اختار القراءة بها في نحشرهم، وكذا أبو حاتم. والاستفهام في قوله: ~~أأنتم أضللتم للتوبيخ والتقريع. والمعنى: أكان ضلالهم بسببكم وبدعوتكم فلا ~~لهم إلى عبادتكم، أم هم ضلوا عن سبيل الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل ~~به على الحق والتدبر فيما يتوصل به إلى الصواب وجملة (قالوا سبحانك) ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى سبحانك: التعجب مما قيل لهم لكونهم ملائكة ~~أو أنبياء معصومين، أو جمادات لا تعقل: أي تنزيها لك (ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء) أي ما صح ولا استقام لنا أن نتخذ من دونك أولياء ~~فنعبدهم، فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك، والولي ~~يطلق على التابع كما يطلق على ms2770 المتبوع، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور ~~نتخذ مبنيا للفاعل. وقرأ الحسن وأبو جعفر " نتخذ " مبنيا للمفعول: أي ما ~~كان ينبغي لنا أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك. قال أبو عمرو بن العلاء ~~وعيسى بن عمر: لا تجوز هذه القراءة ولو كانت صحيحة لحذفت من الثانية. قال ~~أبو عبيدة: لا تجوز هذه القرادة لأن الله سبحانه ذكر " من " مرتين، ولو كان ~~كما قرأ لقال: أن نتخذ من دونك أولياء. وقيل إن " من " الثانية زائدة. ثم ~~حكى عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان فقال ~~(ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) وفي هذا ما يدل على أنهم هم الذين ~~ضلوا السبيل، ولم يضلهم غيرهم، والمعنى: ما أضللناهم، ولكنك يا رب متعتهم ~~ومتعت آباءهم بالنعم ووسعت عليهم الرزق وأطلت لهم العمر حتى غفلوا عن ذكرك ~~ونسوا موعظتك والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك وغرائب مخلوقاتك. # وقرأ أبو عيسى الأسود القارئ " ينبغي " مبنيا للمفعول. قال ابن خالويه: ~~زعم سيبويه أنها لغة. وقيل المراد بنسيان الذكر هنا هو ترك الشكر (وكانوا ~~قوما بورا) أي وكان هؤلاء الذين أشركوا بك وعبدوا غيرك في قضائك الأزلي ~~قوما بورا: أي هلكى، مأخوذ من البوار وهو الهلاك: يقال: رجل بائر وقوم بور، ~~يستوي فيه الواحد والجماعة لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير ويجوز أن ~~يكون جمع بائر. وقيل البوار الفساد. يقال بارت بضاعته: أي فسدت، وأمر بائر: ~~أي فاسد وهي لغة الأزد. وقيل المعنى: لا خير فيهم، مأخوذ من بوار الأرض وهو ~~تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير، وقيل إن البوار الكساد، ومنه بارت ~~السلعة إذا كسدت PageV04P067 # (فقد كذبوكم بما تقولون) في الكلام حذف، والتقدير: فقال الله عند تبري ~~المعبودين مخاطبا للمشركين العابدين لغير الله فقد كذبوكم: أي فقد كذبكم ~~المعبودون بما تقولون: أي في قولكم إنهم آلهة (فما يستطيعون) أي الآلهة ~~(صرفا) أي دفعا للعذاب عنكم بوجه من الوجوه، وقيل حيلة (ولا نصرا) أي ولا ~~يستطيعون نصركم، وقيل المعنى فما يستطيع هؤلاء ms2771 الكفار لما كذبهم المعبودون ~~صرفا للعذاب الذي عذبهم الله به ولا نصرا من الله، وهذا الوجه مستقيم على ~~قراءة من قرأ " تستطيعون " بالفوقية وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون بالتحتية. ~~وقال ابن زيد: المعنى: # فقد كذبوكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وعلى هذا فمعنى بما تقولون: # ما تقولونه من الحق. وقال أبو عبيد: المعنى فما يستطيعون لكم صرفا عن ~~الحق الذي هداكم الله إليه ولا نصرا لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب ~~بتكذيبهم إياكم. وقرأ الجمهور " بما تقولون " بالتاء الفوقية على الخطاب. ~~وحكى الفراء أنه يجوز أن يقرأ " فقد كذبوكم " مخففا بما يقولون: أي كذبوكم ~~في قولهم وكذا قرأ بالياء التحتية مجاهد والبزي (ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا) هذا وعيد لكل ظالم ويدخل تحته الذين فيهم السياق دخولا أوليا، ~~والعذاب الكبير عذاب النار، وقرئ " يذقه " بالتحتية، وهذه الآية وأمثالها ~~مقيدة بعدم التوبة. ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسوله موضحا لبطلان ما تقدم من ~~قوله: يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فقال (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا ~~إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) قال الزجاج: الجملة الواقعة بعد ~~إلا صفة لموصوف محذوف، والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحد من المرسلين إلا آكلين ~~وماشين، وإنما حذف الموصوف لأن في قوله من المرسلين دليلا عليه، نظيره - و ~~منا إلا له مقام معلوم - أي وما منا أحد. وقال الفراء: لا محل لها من ~~الإعراب، وإنما هي صلة لموصول محذوف هو المفعول، والتقدير: إلا من أنهم ~~فالضمير في أنهم وما بعده راجع إلى من المقدرة، ومثله قوله تعالى - وإن ~~منكم إلا واردها - أي إلا من يردها، وبه قرأ الكسائي. قال الزجاج: هذا خطأ ~~لأن من الموصولة لا يجوز حذفها. وقال ابن الأنباري: إنها في محل نصب على ~~الحال، والتقدير: إلا وأنهم، فالمحذوف عنده الواو. قرأ الجمهور " إلا إنهم ~~" بكسر إن لوجود اللام في خبرها كما تقرر في علم النحو، وهو مجمع عليه ~~عندهم. قال النحاس: إلا أن علي ms2772 بن سليمان الأخفش حكى لنا عن محمد بن يزيد ~~المبرد أنه قال: # يجوز في إن هذه الفتح وإن كان بعدها اللام وأحسبه وهما. وقرأ الجمهور. " ~~يمشون " بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين. وقرأ علي وابن عوف وابن ~~مسعود بضم الياء وفتح الميم وضم الشين، المشددة، وهي بمعنى القراءة الأولى، ~~قال الشاعر: # أمشي بأعطان المياه وأتقي * قلائص منها صعبة وركوب وقال كعب بن زهير: # منه تظل سباع الحي ضامزة * ولا تمشي بواديه الأراجيل (وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة) هذا الخطاب عام للناس، وقد جعل سبحانه بعض عبيدة فتنة لبعض فالصحيح ~~فتنة للمريض والغني فتنة للفقير، وقيل المراد بالبعض الأول كفار الأمم، ~~وبالبعض الثاني الرسل، ومعنى الفتنة الابتلاء والمحنة. والأول أولى، فإن ~~البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلى به، فالمريض يقول لم لم أجعل كالصحيح؟ ~~وكذا كل صاحب آفة، والصحيح مبتلى بالمريض فلا يضجر منه ولا يحقره، والغني ~~مبتلى بالفقير يواسيه، والفقير مبتلى بالغني يحسده، ونحو هذا مثله. وقيل ~~المراد بالآية أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم ورأى الوضيع قد أسلم قبله ~~أنف وقال لا أسلم بعده، فيكون له على السابقة والفضل، فيقيم على كفره، فذلك ~~افتتان PageV04P068 # بعضهم لبعض، واختار هذا الفراء والزجاج. ولا وجه لقصر الآية على هذا، فإن ~~هؤلاء إن كانوا سبب النزول، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم قال ~~سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض للبعض فتنة (أتصبرون) هذا الاستفهام ~~للتقرير، وفي الكلام حذف تقديره أم لا تصبرون: أي أتصبرون على ما ترون من ~~هذه الحال الشديدة والابتلاء العظيم. قيل موقع هذه الجملة الاستفهامية ~~هاهنا موقع قوله - أيكم أحسن عملا - في قوله - ليبلوكم أيكم أحسن عملا - ثم ~~وعد الصابرين بقوله (وكان ربك بصيرا) أي بكل من يصبر ومن لا يصبر، فيجازي ~~كلا منهما بما يستحقه. وقيل معنى أتصبرون: اصبروا مثل قوله - فهل أنتم ~~منتهون - أي انتهوا (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) هذه المقالة من جملة ~~شبههم التي قدحوا بها في النبوة، والجملة معطوفة على - وقالوا ما لهذا - أي ~~وقال ms2773 المشركون الذين لا يبالون بلقاء الله كما في قول الشاعر: # لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما * على أي جنب كان في الله مصرعي أي لا ~~أبالي، وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم كقول الشاعر: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عوامل أي لم يخف، وهي ~~لغة تهامة. قال الفراء وضع الرجاء موضع الخوف، وقيل لا يأملون، ومنه قول ~~الشاعر: # أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب والحمل على المعنى الحقيقي ~~أولى، فالمعنى: لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب، ومعلوم أن ~~من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب (لولا أنزل علينا الملائكة) أي هلا ~~أنزلوا علينا فيخبرونا أن محمدا صادق، أو هلا أنزلوا علينا رسلا يرسلهم ~~الله (أو نرى ربنا) عيانا فيخبرنا بأن محمدا رسول. ثم أجاب سبحانه عن ~~شبهتهم هذه فقال (لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) أي أضمروا ~~الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله - إن في صدورهم إلا كبر ~~ما هم ببالغيه -، والعتو مجاوزة الحد في الطغيان والبلوغ إلى أقصى غاياته، ~~ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية ~~الكبر والعظم فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة ~~إليهم، بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في ~~الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم ~~مبلغا هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله، أو تعد من المستعدين له، ~~وهكذا من جهل قدر نفسه، ولم يقف عند حده، ومن جهلت نفسه قدره رأي غيره منه ~~مالا يرى، وانتصاب (يوم يرون الملائكة) بفعل محذوف: أي واذكر يوم يرون ~~الملائكة رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه والصورة التي اقترحوها، بل على ~~وجه آخر، وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت أو عند الحشر، ويجوز أن يكون انتصاب ~~هذا الظرف بما يدل عليه قوله (لا بشرى يومئذ للمجرمين) أي يمنعون البشرى ~~يوم يرون، أو ms2774 لا توجد لهم بشرى فيه، فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه ~~الملائكة ، وهو وقت الموت، أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى. قال ~~الزجاج: المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله (ويقولون حجرا ~~محجورا) أي ويقول الكفار عند مشاهدتهم للملائكة حجرا محجورا، وهذه كلمة ~~كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو وهجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة، يقال ~~للرجل أتفعل كذا؟ فيقول حجرا محجورا: أي حراما عليك التعرض لي. وقيل إن هذا ~~من قول الملائكة: أي يقولون للكفار حراما محرما أن يدخل أحدكم الجنة، ومن ~~ذلك قول الشاعر: # ألا أصبحت أسماء حجرا محرما * وأصبحت من أدنى حمومتها حماء PageV04P069 # أي أصبحت أسماء حراما محرما، وقال آخر: # حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام إلا تلك الدهاريس وقد ذكر ~~سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها هذه الكلمة وجعلها من ~~جملتها (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) هذا وعيد آخر، ~~وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالا لها صورة الخير: من صلة الرحم، وإغاثة ~~الملهوف وإطعام الطعام وأمثالها، ولم يمنع من الإثابة عليها إلا الكفر الذي ~~هم عليه، فمثلت حالهم وأعمالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم ~~إلى ما معهم من المتاع فأفسده ولم يترك منها شيئا، وإلا فلا قدوم هاهنا. ~~قال الواحدي: معنى قدمنا عمدنا وقصدنا، يقال: قدم فلان إلى أمر كذا إذا ~~قصده أو عمده، ومنه قول الشاعر: # وقدم الخوارج الضلال * إلى عباد ربهم فقالوا إن دماءكم لنا حلال وقيل هو ~~قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى، والهباء واحده هباءة، والجمع أهباء. ~~قال النضر بن شميل: # الهباء التراب الذي تطيره الربح كأنه دخان. وقال الزجاج: هو ما يدخل من ~~الكوة مع ضوء الشمس يشبه الغبار، وكذا قال الأزهري: والمنثور المفرق، ~~والمعنى: أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، لم ~~يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرق متبدد، وقيل إن ~~الهباء ما أذرته الرياح من يابس أوراق الشجر، وقيل هو الماء ms2775 المهراق، وقيل ~~الرماد. والأول هو الذي ثبت في لغة العرب ونقله العارفون بها. ثم ميز ~~سبحانه حال الأبرار من حال الفجار فقال (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا) أي ~~أفضل منزلا في الجنة (وأحسن مقيلا) أي موضع قائلة، وانتصاب مستقرا على ~~التمييز. قال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد ~~الحر وإن لم يكن مع ذلك يوم. قال النحاس: والكوفيون يجيزون: العسل أحلى من ~~الخل. # وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (ويوم نحشرهم) الآية، قال: عيسى وعزير ~~والملائكة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (قوما بورا) قال: ~~هلكى. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله (ومن يظلم منكم) قال: ~~هو الشرك. # وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال يشرك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن قتادة (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون ~~الطعام ويمشون في الأسواق) يقول: إن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم كانوا بهذه المنزلة يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق (وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة) قال: بلاء. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الشعب عن الحسن (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) قال: يقول الفقير لو شاء الله ~~لجعلني غنيا مثل فلان، ويقول السقيم لو شاء لجعلني صحيحا مثل فلان، ويقول ~~الأعمى لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ~~في قوله (وعتوا عتوا كبيرا) قال: شدة الكفر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (يوم يرون الملائكة) قال: يوم ~~القيامة. وأخرج أبي. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية العوفي نحوه. وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (ويقولون حجرا ~~محجورا) قال: عوذا معاذا، الملائكة تقوله. وفى لفظ قال: # حراما محرما أن تكون البشرى في اليوم إلا للمؤمنين. وأخرج ms2776 سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد ~~الخدري في قوله (ويقولون حجرا محجورا) قال: حراما محرما PageV04P070 # أن نبشركم بما نبشر به المتقين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة (ويقولون حجرا محجورا) قالا: هي كلمة كانت ~~العرب تقولها، كان الرجل إذا نزلت به شدة قال: حجرا محجورا حراما محرما. ~~وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل) قال: عمدنا إلى ما عملوا من ~~خير ممن لا يتقبل منه في الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله (هباء منثورا) قال: ~~الهباء شعاع الشمس الذي يخرج من الكوة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الهباء وهيج الغبار يسطع، ثم ~~يذهب فلا يبقى منه شئ، فجعل الله أعملهم كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع ~~لم يكن شيئا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: هو ما تسفي الريح وتبثه. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: هو الماء المهراق. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا (خير مستقلا وأحسن مقيلا) قال: في الغرف من ~~الجنة. # وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لا ينصرف النهار من يوم القيامة حتى ~~يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا). # قوله (ويوم تشقق السماء بالغمام) وصف سبحانه هاهنا بعض حوادث يوم ~~القيامة، والتشقق التفتح، قرأ عاصم والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ~~وأبو عمر تشقق بتخفيف الشين، وأصله تتشقق، وقرأ الباقون بتشديد الشين على ~~الإدغام. واختار ms2777 القراءة الأولى أبو عبيد، واختار الثانية أبو حاتم، ومعنى ~~تشققها بالغمام: # أنها تتشقق عن الغمام. قال أبو علي الفارسي: تشقق السماء وعليها غمام كما ~~تقول: ركب الأمير بسلاحه: أي وعليه سلاحه وخرج بثيابه: أي وعليه ثيابه. ~~ووجه ما قاله أن الباء وعن يتعاقبان كما تقول: رميت بالقوس. وعن القوس ~~PageV04P071 # وروى أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق أبيض، وقيل إن السماء تتشقق بالغمام ~~الذي بينها وبين الناس. والمعنى: # أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء، وقيل إنها تشقق لنزول الملائكة كما قال ~~سبحانه بعد هذا (ونزل الملائكة تنزيلا) وقيل إن الباء في بالغمام سببية: أي ~~بسبب الغمام، يعنى بسبب طلوعه منها كأنه الذي تتشقق به السماء، وقيل إن ~~الباء متعلقة بمحذوف: أي ملتبسة بالغمام، قرأ ابن كثير " وننزل الملائكة " ~~مخففا، من الإنزال بنون بعدها نون ساكنة وزاي مخففة بكسرة مضارع أنزل، ~~والملائكة منصوبة على المفعولية. وقرأ الباقون من السبعة " ونزل " بضم ~~النون وكسر الزاي المشددة ماضيا مبنيا للمفعول، وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء " ~~نزل " بالتشديد ماضيا مبنيا للفاعل وفاعله الله سبحانه، وقرأ أبي بن كعب " ~~أنزل الملائكة " وروى عنه أنه قرأ " تنزلت الملائكة " وقد قرئ في الشواذ ~~بغير هذه، وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلا يدل على أن هذا التنزيل على نوع ~~غريب ونمط عجيب، قال أهل العلم إن هذا تنزيل رضا ورحمة لا تنزيل سخط وعذاب ~~(الملك يومئذ الحق للرحمن) الملك مبتدأ، والحق صفة له وللرحمن الخبر كذا ~~قال الزجاج: أي الملك الثابت الذي لا يزول للرحمن يومئذ، لأن الملك الذي ~~يزول وينقطع ليس بملك في الحقيقة، وفائدة التقييد بالظرف أن ثبوت الملك ~~المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم، وأما فيما عداه من أيام الدنيا ~~فلغيره ملك في الصورة وإن لم يكن حقيقيا. وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف، ~~والحق نعت للملك. والمعنى: الملك الثابت للرحمن خاص في هذا اليوم (وكان ~~يوما على الكافرين عسيرا) أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده ~~شديدا على الكفار لما يصابون به فيه، ms2778 وينالهم من العقاب بعد تحقيق الحساب، ~~وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير، لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى ~~العظيمة (ويوم يعض الظالم على يديه) الظرف منصوب بمحذوف: أي واذكر كما ~~انتصب بهذا المحذوف الظرف الأول، أعني يوم تشقق، ويوم يعض الظالم على يديه ~~الظاهر أن العض هنا حقيقة، ولا مانع من ذلك ولا موجب لتأويله. وقيل هو ~~كناية عن الغيظ والحسرة، والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك المكان وينزل ذلك ~~المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب (يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) يقول في محل نصب على ~~الحال ومقول القول هو: يا ليتني الخ، والمنادى محذوف: أي يا قوم ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا طريقا وهو طريق الحق ومشيت فيه حتى أخلص من هذه ~~الأمور المضلة، والمراد اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به ~~(يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) دعاء على نفسه بالويل والثبور على ~~مخاللة الكافر الذي أضله في الدنيا، وفلان كناية عن الأعلام. قال ~~النيسابوري: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا ~~حكاية، لا يقال جاءني فلان، ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان، لأنه اسم اللفظ ~~الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله. وقيل فلان كناية عن علم ذكور ~~من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم. وقيل كناية عن نكرة من يعقل من الذكور، ~~وفلانة عمن يعقل من الإناث، وأما الفلان والفلانة فكناية عن غير العقلاء، ~~وفل يختص بالنداء إلا في ضرورة كقول الشاعر: * في لجة أمسك فلانا عن فل * ~~وقوله * حد ثاني عن فلان وفل * وليس فل مرخما من فلان خلافا للفراء. وزعم ~~أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك وهما في جعل فلان كناية علم من يعقل. # وقرأ الحسن " يا ويلتي " بالياء الصريحة، وقرأ الدوري بالإمالة. قال أبو ~~علي: وترك الإمالة أحسن، لأن أصل هذه اللفظة الياء فأبدلت الكسرة فتحة، ~~والياء التاء فرارا من الياء، ms2779 فمن أمال رجع إلى الذي فر منه (لقد أضلني عن ~~الذكر بعد إذ جاءني) أي والله لقد أضلني هذا الذي اتخذته خليلا عن القرآن ~~أو عن الموعظة أو كلمة الشهادة أو مجموع ذلك، بعد إذ جاءني وتمكنت منه ~~وقدرت عليه (وكان الشيطان للإنسان خذولا) الخذل ترك الإغاثة، PageV04P072 # ومنه خذلان إبليس للمشركين حيث يوالونه، ثم يتركهم عند استغاثتهم به، ~~وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو ~~من تمام كلام الظالم، وأنه سمى خليله شيطانا بعد أن جعله مضلا، أو أراد ~~بالشيطان إبليس لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين (وقال الرسول يا رب إن ~~قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) معطوف على - وقال الذين لا يرجون لقاءنا - ~~والمعنى: إن قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت به إليهم وأمرتني بإبلاغه ~~وأرسلتني به مهجورا متروكا لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه، وقيل ~~هو من هجر إذا هذى. والمعنى: أنهم اتخذوه هجرا وهذيانا. وقيل معنى مهجورا ~~مهجورا فيه، ثم حذف الجار، وهجرهم فيه قولهم: إنه سحر وشعر وأساطير ~~الأولين، وهذا القول يقوله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة، ~~وقيل إنه حكاية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا (وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا من المجرمين) هذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والمعنى: أن الله سبحانه جعل لكل نبي من الأنبياء الداعين إلى الله ~~عدوا يعاديه من مجرمي قومه، فلا تجزع يا محمد، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك ~~واصبر كما صبروا (وكفى بربك هاديا ونصيرا) قال المفسرون: الباء زائدة: أي ~~كفى ربك، وانتصاب نصيرا وهاديا على الحال، أو التمييز: أي يهدي عباده إلى ~~مصالح الدين والدنيا وينصرهم على الأعداء (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة) هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم: أي هلا نزل الله ~~علينا هذا القرآن دفعة واحدة غير منجم. # واختلف في قائل هذه المقالة، فقيل كفار قريش، وقيل اليهود، قالوا: هلا ~~أتيتنا بالقرآن جملة واحدة ms2780 كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور؟ وهذا زعم ~~باطل ودعوى داحضة فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن ولكنهم معاندون، ~~أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه، ثم رد الله ~~سبحانه عليهم فقال (كذلك لنثبت به فؤادك) أي نزلنا القرآن كذلك مفرقا، ~~والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف، وذلك إشارة إلى ما يفهم من ~~كلامهم: أي مثل ذلك التنزيل المفرق الذي قدحوا فيه، واقترحوا خلافه نزلناه ~~لنقوي بهذا التنزيل على هذه الصفة فؤادك، فإن إنزاله مفرقا منجما على حسب ~~الحوادث أقرب إلى حفظك له وفهمك لمعانيه، وذلك من أعظم أسباب التثبيت، ~~واللام متعلقة بالفعل المحذوف الذي قدرناه. وقال أبو حاتم: # إن الأخفش قال: إنها جواب قسم محذوف. قال: وهذا قول مرجوح. وقرأ عبد الله ~~" ليثبت " بالتحتية: أي الله سبحانه، وقيل إن هذه الكلمة: أعني كذلك، هي من ~~تمام كلام المشركين، والمعنى كذلك: أي كالتوراة والإنجيل والزبور، فيوقف ~~على قوله كذلك، ثم يبتدأ بقوله (لنثبت به فؤادك) على معنى أنزلناه عليك ~~متفرقا لهذا الغرض. قال ابن الأنباري: وهذا أجود وأحسن. قال النحاس: وكان ~~ذلك: أي إنزال القرآن منجما من أعلام النبوة لأنهم لا يسألونه فيه عن شئ ~~إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم ~~(ورتلناه ترتيلا) هذا معطوف على الفعل المقدر: أي كذلك نزلناه ورتلناه ~~ترتيلا، ومعنى الترتيل: # أن يكون آية بعد آية، قال النخعي والحسن وقتادة. وقيل: إن المعني بيناه ~~تبيينا، حكى هذا عن ابن عباس. # وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال السدي: فصلناه تفصيلا. قال ابن ~~الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين. ثم ذكر سبحانه أنهم ~~محجوجون في كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة فقال (ولا يأتونك ~~بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) أي لا يأتيك يا محمد المشركون بمثل من ~~أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة إلا جئناك في مقابلة مثلهم ~~بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاءوا به ms2781 من المثل ويدمغه. فالمراد ~~بالمثل هنا: # السؤال والاقتراح وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته ويبطل شبهته ويحسم ~~مادته. ومعنى (أحسن تفسيرا) جئناك PageV04P073 # بأحسن تفسير، فأحسن تفسيرا معطوف على الحق، والاستثناء بقوله (إلا جئناك) ~~مفرغ، والجملة في محل نصب على الحال: أي لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا ~~إياك ذلك. ثم أوعد هؤلاء الجهلة وذمهم فقال (الذين يحشرون على وجوهم إلى ~~جهنم) أي يحشرون كائنين على وجوهم، والموصول مبتدأ وخبره: أولئك، أو هو خبر ~~مبتدأ محذوف: أي هم الذين، ويجوز نصبه على الذم. ومعنى يحشرون على وجوهم: ~~يسحبون عليها إلى جهنم (أولئك شر مكانا) أي منزلا ومصيرا (وأضل سبيلا) ~~وأخطأ طريقا، وذلك لأنهم قد صاروا في النار. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية ~~في سورة سبحان، وقد قيل إن هذا متصل بقوله - أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا -. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا) قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد: الجن والإنس ~~والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم ~~أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق، فيحيطون بالجن والإنس وجميع ~~الخلق فيقول أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ فيقولون لا ثم تنشق السماء الثانية ~~وذكر مثل ذلك، ثم كذلك في كل سماء إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من ~~السماء التي قبلها، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم ~~أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب ~~القثاء، وهم تحت العرش لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما ~~بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة ~~خمسمائة عام، ومن فخذه إلى ترقوته مسيره خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة ~~خمسمائة عام. وإسناده عند ابن جرير هكذا: قال حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، ~~حدثني الحجاج بن مبارك بن ms2782 فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران ~~أنه سمع ابن عباس فذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم باسناد هكذا: قال حدثنا محمد ~~بن عمار بن الحرث مأمول، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد به. وأخرج ابن ~~مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند، قال السيوطي: # صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن أبا معيط كان يجلس مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بمكة لا يؤذيه، وكان رجلا حليما، وكان بقية قريش ~~إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ ~~أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان ~~عليه؟ فقالت: # أشد ما كان أمرا، فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ، فبات بليلة ~~سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه، فلم يرد عليه التحية، فقال: مالك لا ~~ترد على تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟ # قال: أو قد فعلتها قريش؟ قال نعم، قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلته؟ ~~قال: تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم، ففعل ~~فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن مسح وجهه من البزاق، ثم ~~ألتفت إليه فقال: إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا، فلما كان يوم ~~بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: أخرج معنا، قال: وعدني هذا ~~الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا، فقالوا: لك جمل أحمر ~~لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين ~~وحمل به جمله في جدود من الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أسيرا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط فقال: أتقتلني من بين هؤلاء؟ ~~قال: نعم بما بزقت في وجهي، فأنزل الله في أبي معيط (ويوم يعض الظالم على ~~يديه) إلى قوله (وكان الشيطان للإنسان خذولا). وأخرج ms2783 أبو نعيم هذه القصة ~~PageV04P074 # من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكر أن خليل أبي معيط: هو أبي ~~بن خلف. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا في قوله (يوم يعض الظالم على ~~يديه) قال: أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وهما الخليلان في جهنم. وأخرج ~~ابن مردويه عنه أيضا في قوله (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) قال: ~~كان عدو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو جهل وعدو موسى قارون، وكان ~~قارون ابن عم موسى. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء ~~في المختارة عن ابن عباس قال: قال المشركون: لو كان محمد كما يزعم نبيا فلم ~~يعذبه ربه؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة، ينزل عليه الآية والآيتين ~~والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا (وقال الذين كفروا ~~لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) إلى (وأضل سبيلا). # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (لنثبت به فؤادك) قال: لنشدد ~~به فؤادك ونربط على قلبك (ورتلناه ترتيلا) قال: رسلناه ترسيلا، يقول شيئا ~~بعد شئ (ولا يأتونك بمثل) يقول: لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة، ثم ~~سألوك لم يكن عنده ما يجيب، ولكنا نمسك عليك، فإذا سألوك أجبت. # اللام في قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب) جواب قسم محذوف: أي والله لقد ~~آتينا موسى التوراة، ذكر سبحانه طرفا من قصص الأولين تسلية له صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله. وليس ~~ذلك بخاص بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم و (هارون) عطف بيان، ويجوز أن ينصب ~~على القطع و (وزيرا) المفعول الثاني، وقيل حال، والمفعول الثاني معه، ~~والأول أولى. قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، ~~والوزر ما يعتصم به، ومنه - كلا لا وزر -. وقد تقدم تفسير الوزير في طه، ~~والوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون ~~بأن يوازر بعضهم بعضا. وقد كان هارون في ms2784 أول الأمر وزيرا لموسى، ~~ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما (اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا) وهم ~~فرعون PageV04P075 # وقومه، والآيات هي التسع التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها ~~عند أمر الله لموسى وهارون بالذهاب بل كان التكذيب بعد ذلك، لكن هذا الماضي ~~بمعنى المستقبل على عادة إخبار الله: أي اذهبا إلى القوم الذين يكذبون ~~بآياتنا. وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بيانا لعلة استحقاقهم للعذاب. وقيل يجوز أن يراد إلى القوم الذين ~~آل حالهم إلى أن كذبوا. وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال إنهم ~~كانوا مكذبين للآيات الإلهية وليس المراد آيات الرسالة. قال القشيري: وقوله ~~تعالى في موضع آخر - اذهب إلى فرعون إنه طغى - لا ينافي هذا لأنهما إذا ~~كانا مأمورين فكل واحد مأمور. ويمكن أن يقال إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض ~~المواطن لكونه الأصل في الرسالة، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين ~~جميعا (فدمرناهم تدميرا) في الكلام حذف: أي فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم: ~~أي أهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكا عظيما. وقيل إن المراد بالتدمير هنا: ~~الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدة (وقوم نوح ~~لما كذبوا الرسل أغرقناهم) في نصب قوم أقوال: العطف على الهاء، والميم في ~~دمرناهم، أو النصب بفعل محذوف: أي أذكر، أو بفعل مضمر يفسره ما بعده، وهو ~~أغرقناهم: أي أغرقنا قوم نوح أغرقناهم، وقال الفراء: هو منصوب بأغرقناهم ~~المذكور بعده من دون تقدير مضمر يفسره ما بعده. ورده النحاس بأن أغرقنا لا ~~يتعدى إلى مفعولين حتى يعمل في الضمير المتصل به، وفي قوم نوح. ومعنى (لما ~~كذبوا الرسل) أنهم كذبوا نوحا وكذبوا من قبله من رسل الله. وقال الزجاج: من ~~كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء، وكان إغراقهم بالطوفان كما تقدم في هود ~~(وجعلناهم للناس آية) أي جعلنا إغراقهم، أو قصتهم للناس آية: أي عبرة لكل ~~الناس على العموم يتعظ بها كل مشاهد لها وسامع لخبرها (وأعتدنا للظالمين) ms2785 ~~المراد بالظالمين قوم نوح على الخصوص. # ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم في التكذيب، والعذاب الأليم: هو ~~عذاب الآخرة، وانتصاب (عادا) بالعطف على قوم نوح، وقيل على محل الظالمين، ~~وقيل على مفعول جعلناهم (وثمود) معطوف على عادا، وقصة عاد وثمود قد ذكرت ~~فيما سبق (وأصحاب الرس) الرس في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية، ~~والجمع رساس كذا قال أبو عبيدة، ومنه قول الشاعر: # وهم سائرون إلى أرضهم * تنابلة يحفرون الرساسا قال السدي: هي بئر ~~بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار فنسبوا إليها، وهو صاحب يس الذي - قال يا ~~قوم اتبعوا المرسلين - وكذا قال مقاتل وعكرمة وغيرهما. وقيل هم قوم ~~بآذربيجان قتلوا أنبياءهم فجفت أشجارهم وزروعهم، فماتوا جوعا وعطشا. وقيل ~~كانوا يعبدون الشجر، وقيل كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيبا ~~فكذبوه وآذوه. وقيل هم قوم أرسل الله إليهم نبيا فأكلوه، وقيل هم أصحاب ~~الأخدود. وقيل إن الرس: # هي البئر المعطلة التي تقدم ذكرها، وأصحابها أهلها. وقال في الصحاح: ~~والرس اسم بئر كانت لبقية ثمود، وقيل الرس: ماء ونخل لبني أسد، وقيل الثلج ~~المتراكم في الجبال. والرس: اسم واد، ومنه قول زهير: # بكرن بكورا واستحرن بسحرة * فهن لوادي الرس كاليد للفم والرس أيضا: ~~الإصلاح بين الناس والإفساد بينهم، فهو من الأضداد. وقيل هم أصحاب حنظلة بن ~~صفوان، وهم الذين ابتلاهم الله بالطائر المعروف بالعنقاء (وقرونا بين ذلك ~~كثيرا) معطوف على ما قبله، والقرون جمع قرن: # أي أهل قرون، والقرن: مائة سنة، وقيل مائة وعشرون، وقيل القرن أربعون ~~سنة، والإشارة بقوله (بين ذلك) PageV04P076 # إلى ما تقدم ذكره من الأمم. وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها ~~بذلك (وكلا ضربنا له الأمثال) قال الزجاج: أي وأنذرنا كلا ضربنا لهم ~~الأمثال وبينا لهم الحجة، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء ~~الكفرة، فجعله منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده، لأن حذرنا وذكرنا وأنذرنا ~~في معنى ضربنا، ويجوز أن يكون معطوفا على ما قبله، والتنوين عوض عن المضاف ~~إليه المحذوف، وهو ms2786 الأمم: أي كل الأمم ضربنا لهم الأمثال (و) أما (كلا) ~~الأخرى: فهي منصوبة بالفعل الذي بعدها، والتتبير: الإهلاك بالعذاب. قال ~~الزجاج: كل شئ كسرته وفتته فقد تبرته. وقال المؤرج والأخفش: معنى (تبرنا ~~تتبيرا) أدمرنا تدميرا أبدلت التاء والباء من الدال والميم (ولقد أتوا على ~~القرية التي أمطرت مطر السوء) هذه جملة مستأنفة مبينة بمشاهدتهم لآثار هلاك ~~بعض الأمم. والمعنى: ولقد أتوا: أي مشركوا مكة على قرية قوم لوط التي أمطرت ~~مطر السوء، وهو الحجارة: أي هلكت بالحجارة التي أمطروا بها، وانتصاب مطر ~~على المصدرية، أو على أنه مفعول ثان: إذ المعنى أعطيتها وأوليتها مطر ~~السوء، أو على أنه نعت مصدر محذوف: أي إمطارا مثل مطر السوء، وقرأ أبو ~~السمأل " السوء " بضم السين، وقد تقدم تفسير السوء في براءة (أفلم يكونوا ~~يرونها) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي يرون القرية المذكورة عند سفرهم ~~إلى الشام للتجارة، فإنهم يمرون بها، والفاء للعطف على مقدر: أي لم يكونوا ~~ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها (بل كانوا لا يرجون نشورا) أضرب سبحانه عما ~~سبق من عدم رؤيتهم لتلك الآثار إلى عدم رجاء البعث منهم المستلزم لعدم ~~رجائهم للجزاء، ويجوز أن يكون معنى يرجون يخافون (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا ~~هزوءا) أي ما يتخذونك إلا هزوءا: أي مهزوءا بك، قصر معاملتهم له على ~~اتخاذهم إياه هزوا، فجواب " إذا " هو " إن يتخذونك " وقيل الجواب محذوف، ~~وهو قالوا (أهذا الذي) وعلى هذا فتكون جملة " إن يتخذونك إلا هزوءا " ~~معترضة، والأول أولى. وتكون جملة (أهذا الذي بعث الله رسولا) في محل نصب ~~على الحال بتقدير القول: أي قائلين أهذا الخ، وفي اسم الإشارة دلالة على ~~استحقارهم له وتهكمهم به، والعائد محذوف: أي بعثه الله وانتصاب رسولا على ~~الحال: أي مرسلا، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره الموصول، وصلته (إن كاد ليضلنا ~~عن آلهتنا) أي قالوا: إن كاد هذا الرسول ليضلنا: ليصرفنا عن آلهتنا فنترك ~~عبادتها، وإن هنا هي المخففة، وضمير الشأن محذوف: أي إنه كاد أن يصرفنا ~~عنها (لولا أن صبرنا عليها) أي ms2787 حبسنا أنفسنا على عبادتها، ثم إنه سبحانه ~~أجاب عليهم فقال (وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) أي حين يرون ~~عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه ويستوجبونه بسبب كفرهم من هو أضل سبيلا: أي ~~أبعد طريقا عن الحق والهدى، أهم أم المؤمنون؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا ~~تمسك فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى، فقال معجبا لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) قدم المفعول الثاني للعناية ~~كما تقول علمت منطلقا زيدا: أي أطاع هواه طاعة كطاعة الإله: أي انظر إليه ~~يا محمد وتعجب منه. قال الحسن: معنى الآية لا يهوى شيئا إلا اتبعه (أفأنت ~~تكون عليه وكيلا) الاستفهام للإنكار والاستبعاد: أي أفأنت تكون عليه حفيظا ~~وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر، ولست تقدر على ذلك ولا ~~تطيقه، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك البلاغ. ~~وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بآية القتال. ثم انتقل سبحانه من الإنكار ~~الأول إلى إنكار آخر فقال (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون) أي أتحسب ~~أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من آيات القرآن ومن المواعظ، أو يعقلون ~~معاني ذلك ويفهمونه حتى تعتني بشأنهم وتطمع في إيمانهم، وليسوا كذلك، بل هم ~~بمنزلة من لا يسمع ولا يعقل. ثم بين سبحانه حالهم وقطع مادة الطمع فيهم ~~فقال (إن هم PageV04P077 # إلا كالأنعام) أي ما هم في الانتفاع بما يسمعونه إلا كالبهائم التي هي ~~مسلوبة الفهم والعقل فلا تطمع فيهم، فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن ~~كانوا يسمعون ما يقال لهم ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا ~~بذلك كانوا كالفاقد له. ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم بأنهم كالأنعام إلى ~~ما هو فوق ذلك فقال (بل هم أضل سبيلا) أي أضل من الأنعام طريقا. قال مقاتل: ~~البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون ~~ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم. وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام، لأنه ~~لا حساب عليها ms2788 ولا عقاب لها، وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل ~~صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا ~~البطلان عنادا ومكابرة وتعصبا وغمطا للحق. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا) قال: # عونا وعضدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فدمرناهم تدميرا) ~~قال: أهلكناهم بالعذاب. # وأخرج ابن جرير عنه قال: الرس قرية من ثمود. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال: الرس بئر بآذربيجان، وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أنه ~~سأل كعبا عن أصحاب الرس قال: صاحب يس الذي قال - يا قوم اتبعوا المرسلين - ~~فرسه قومه في بئر بالأحجار. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب ~~القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن أول الناس يدخل ~~الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله بعث نبيا إلى أهل قرية فلم ~~يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية غدوا على النبي ~~فحفروا له بئرا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، فكان ذلك العبد يذهب ~~فيحتطب على ظهره، ثم يأتي يحطبه فيبيعه فيشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به ~~إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها، فيدلى طعامه وشرابه ثم ~~يردها كما كانت، فكان كذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما ~~كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحملها وجد سنة ~~فاضطجع فنام فضرب على أذنه سبع سنين نائما، ثم إنه ذهب فتمطى فتحول لشقه ~~الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه ذهب فاحتمل حزمته ~~ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى ~~طعاما وشرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها الذي كانت فيه ~~فالتمسه فلم يجده، وقد كان بدا لقومه ms2789 فيه بد فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه، ~~وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون ما ندري حتى قبض ذلك ~~النبي، فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك، إن ذلك الأسود لأول من يدخل ~~الجنة " قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراجه: وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه ~~إدراجا انتهى. الحديث أيضا مرسل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال: القرن مائة وعشرون عاما. وأخرج هؤلاء ~~عن قتادة قال: القرن سبعون سنة، وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة قال: القرن ~~مائة سنة. وقد روى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~القرن مائة سنة، وقال القرن خمسون سنة، وقال القرن أربعون سنة. وما أظنه ~~يصح شئ من ذلك وقد سمى الجماعة من الناس قرنا كما في الحديث الصحيح " خير ~~القرون قرني ". وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك، ثم يقول: كذب ~~النسابون. قال الله (وقرونا بين ذلك كثيرا). وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ~~(ولقد أتوا على القرية) قال: # هي سدوم قرية لوط (التي أمطرت مطر السوء) قال: الحجارة. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال: كان ~~الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية، PageV04P078 # فإذا وجد حجرا أحسن منه رمى به وعبد الآخر، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم في الآية قال: # ذلك الكافر لا يهوى شيئا إلا اتبعه. # لما فرغ سبحانه من ذكر جهالة الجاهلين وضلالتهم أتبعه بذكر طرف من دلائل ~~التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام، فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال ~~(ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) هذه الرؤية إما بصرية، والمراد بها ألم تبصر ~~إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مده ربك، وإما قلبية بمعنى العلم، ~~فإن الظل متغير، وكل ms2790 متغير حادث، ولكل حادث موجد. قال الزجاج (ألم تر) ألم ~~تعلم، وهذا من رؤية القلب. قال: وهذا الكلام على القلب، والتقدير: ألم تر ~~إلى الظل كيف مده ربك: يعنى الظل من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس وهو ظل لا ~~شمس معه، وبه قال الحسن وقتادة. وقيل هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. قال ~~أبو عبيدة: الظل بالغداة والفيء بالعشي، لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمي ~~فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب. قال حميد ابن ثور يصف سرحة وكنى ~~بها عن امرأة: # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه * ولا الفيء من برد العشى تذوق وقال ابن ~~السكيت: الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس. وحكى أبو عبيدة عن رؤبة ~~قال: # كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ~~ظل انتهى. وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، ~~وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر ~~عنها الحس، والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك ~~وصفت الجنة به بقوله - وظل ممدود - وجملة (ولو شاء لجعله ساكنا) معترضة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه: أي لو شاء الله سبحانه سكونه لجعله ساكنا ثابتا ~~دائما مستقرا لا تنسخه الشمس. وقيل المعنى: لو شاء لمنع الشمس الطلوع، ~~والأول أولى. والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار سائغ، ومنه قولهم: ~~سكن فلان بلد كذا: إذا أقام به واستقر فيه. وقوله (ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا) معطوف على قوله: مد الظل داخل في حكمه: أي جعلناها علامة يستدل بها ~~بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق ~~PageV04P079 # من جهة أنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، وقوله (ثم قبضناه) معطوف أيضا ~~على مد داخل في حكمه. # والمعنى: ثم قبضنا ذلك الظل الممدود ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس موقعه ~~بالتدريج حتى انتهى الإظلال إلى العدم والاضمحلال. وقيل المراد في الآية ~~قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام النيرة، ms2791 والأول أولى. ~~والمعنى: أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا ~~طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس، فأشرقت على ~~الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هنالك ظل، إنما فيه ~~بقية نور النهار، وقال قوم: قبضه بغروب الشمس، لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه ~~بقية، وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه. وقيل المعنى: ثم ~~قبضنا ضياء الشمس بالفيء (قبضا يسيرا) ومعنى إلينا: أن مرجعه إليه سبحانه ~~كما أن حدوثه منه قبضا يسيرا: أي على تدريج قليلا قليلا بقدر ارتفاع الشمس، ~~وقيل يسيرا سريعا، وقيل المعنى يسيرا علينا: أي يسيرا قبضه علينا ليس بعسير ~~(وهو الذي جعل لكم الليل لباسا) شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس ~~الساتر. قال ابن جرير: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث أنه يستر الأشياء ~~ويغشاها، واللام متعلقة بجعل (والنوم سباتا) أي وجعل النوم سباتا: أي راحة ~~لكم لأنكم تنقطعون عليه عن الاشتغال، وأصل السبات التمدد: يقال سبتت المرأة ~~شعرها: أي نقضته وأرسلته، ورجل مسبوت: # أي ممدود الخلقة. وقيل للنوم ثبات، لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى ~~الراحة. وقيل السبت القطع، فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود ~~لانقطاعهم عن الاشتغال. قال الزجاج: السبات النوم، وهو أن ينقطع عن الحركة ~~والروح في بدنه: أي جعلنا نومكم راحة لكم. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل: ~~أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام والراحة (وجعل النهار نشورا) أي زمان ~~بعث من ذلك السبات، شبه اليقظة بالحياة كما شبه النوم بالسبات الشبيه ~~بالممات. وقال في الكشاف: إن السبات الموت، واستدل على ذلك بكون النشور في ~~مقابلته (وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته) قرئ " الريح " وقرئ " ~~بشرا " بالباء الموحدة وبالنون، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في ~~الأعراف (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) أي يتطهر به كما يقال وضوء للماء ~~الذي يتوضأ به. قال الأزهري: الطهور في اللغة الطاهر المطهر، والطهور ما ~~يتطهر به. قال ms2792 ابن الأنباري: # الطهور بفتح الطاء الاسم، وكذلك الوضوء والوقود، وبالضم المصدر، هذا هو ~~المعروف في اللغة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر، ويؤيد ~~ذلك كونه بناء مبالغة. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر، ~~واستدل لذلك بقوله تعالى - وسقاهم ربهم شرابا طهورا - يعنى طاهرا، ومنه قول ~~الشاعر: # خليلي هل في نظرة بعد توبة * أداوي أبي بها قلبي علي فجور إلى رجح ~~الأكفال غيد من الظبي * عذاب الثنايا ريقهن طهور فوصف الريق بأنه طهور وليس ~~بمطهر، ورجح القول الأول ثعلب، وهو راجح لما تقدم من حكاية الأزهري لذلك عن ~~أهل اللغة. وأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور، فهو على طريق المبالغة، وعلى ~~كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره، قال الله تعالى - ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به - وقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم " خلق الماء طهورا " ثم ذكر سبحانه علة الإنزال فقال (لنحيي به) أي ~~بالماء المنزل من السماء (بلدة ميتا) وصف البلدة بميتا، وهي صفة للمذكر ~~لأنها بمعنى البلد. وقال الزجاج: أراد بالبلد المكان، والمراد بالإحياء هنا ~~إخراج النبات من المكان الذي لانبات فيه (ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي ~~كثيرا) أي نسقي ذلك الماء، قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيان ~~وابن أبي عبلة بفتح النون من " نسقيه " وقرأ الباقون بضمها، و " من " في ~~مما خلقنا للابتداء، وهي متعلقة بنسقيه، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه ~~حال، PageV04P080 # والأنعام قد تقدم الكلام عليها، والأناسي جمع إنسان على ما ذهب إليه ~~سيبويه. وقال الفراء والمبرد والزجاج: إنه جمع إنسي، وللفراء قول آخر: إنه ~~جمع إنسان، والأصل أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين، فجعلوا الباء ~~عوضا من النون (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) ضمير صرفناه ذهب الجمهور إلى ~~أنه راجع إلى ما ذكر من الدلائل: أي كررنا أحوال الإظلال، وذكر إنشاء ~~السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ~~(فأبى أكثرهم) إلا كفران النعمة وجحدها. وقال ms2793 آخرون: إنه يرجع إلى أقرب ~~المذكورات وهو المطر: أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة، فنزيد منه ~~في بعض البلدان وننقص في بعض آخر منها، وقيل الضمير راجع إلى القرآن، وقد ~~جرى ذكره في أول السورة حيث قال - تبارك الذي نزل الفرقان على عبده - وقوله ~~- لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني - وقوله - اتخذوا هذا القرآن مهجورا - ~~والمعنى: ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس ليذكروا به ~~ويعتبروا بما فيه، فأبى أكثرهم (إلا كفورا) به، وقيل هو راجع إلى الريح، ~~وعلى رجوع الضمير إلى المطر، فقد اختلف في معناه، فقيل ما ذكرناه. وقيل ~~صرفناه بينهم وابلا وطشا وطلا ورذاذا، وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به في ~~الشرب والسقي والزراعات به والطهارات. قال عكرمة: إن المراد بقوله - فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا - هو قولهم: في الأنواء مطرنا بنوء كذا. قال النحاس: ~~ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هنا قولهم: مطرنا بنوء كذا. ~~وقرأ عكرمة " صرفناه " مخففا، وقرأ الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة والكسائي " ~~ليذكروا " مخففة الذال من الذكر، وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر (ولو ~~شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا) أي رسولا ينذرهم كما قسمنا المطر بينهم، ~~ولكنا لم نفعل ذلك بل جعلنا نذيرا واحدا، وهو أنت يا محمد، فقابل ذلك بشكر ~~النعمة (فلا تطع الكافرين) فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم، بل اجتهد في ~~الدعوة وأثبت فيها والضمير في قوله (وجاهدهم به جهادا كبيرا) راجع إلى ~~القرآن: أي جاهدهم بالقرآن واتل عليهم ما فيه من القوارع والزواجرات قال ~~والأوامر والنواهي. وقيل الضمير يرجع إلى الإسلام، وقيل بالسيف، والأول ~~أولى. وهذه السورة مكية، والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة. وقيل الضمير ~~راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله (فلا تطع الكافرين) وقيل الضمير يرجع ~~إلي ما دل عليه قوله - ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا - لأنه سبحانه لو ~~بعث في كل قرية نذيرا لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل ~~إليها، وحين اقتصر على نذير واحد ms2794 لكل القرى وهو محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات، فكبر جهاده، وعظم وصار جامعا لكل ~~مجاهدة، ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد. ثم ذكر سبحانه دليلا رابعا ~~على التوحيد فقال (وهو الذي مرج البحرين) مرج خلى وخلط وأرسل، يقال مرجت ~~الدابة وأمرجتها: إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء. قال مجاهد: ~~أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الاخر. وقال ابن عرفة: خلطهما فهما يلتقيان، يقال ~~مرجته: # إذا خلطته، ومرج الدين والأمر: اختلط واضطرب، ومنه قوله - في أمر مريج - ~~وقال الأزهري (مرج البحرين) خلى بينهما، يقال مرجت الدابة: إذا خليتها ~~ترعى. وقال ثعلب: المرج الإجراء، فقوله (مرج البحرين) أي أجراهما. قال ~~الأخفش: ويقول قوم أمرج البحرين مثل مرج، فعل وأفعل بمعنى (هذا عذب فرات) ~~الفرات البليغ العذوبة، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل كيف ~~مرجهما؟ فقيل هذا عذب وهذا ملح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال. قيل ~~سمي الماء الحلو فراتا لأنه يفرت العطش: أي يقطعه ويكسره (وهذا ملح أجاج) ~~أي بليغ الملوحة هذا معنى الأجاج، وقيل الأجاج البليغ في الحرارة وقيل ~~البليغ في المرارة، وقرأ طلحة " ملح " بفتح الميم وكسر اللام (وجعل بينهما ~~برزخا وحجرا محجورا) البرزخ الحاجز والحائل الذي جعله الله بينهما من قدرته ~~يفصل بينهما ويمنعهما التمارج، ومعنى (حجرا محجورا) ستر مستورا PageV04P081 # يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، فالبرزخ الحاجز، والحجز المانع. وقيل ~~معنى (حجرا محجورا) هو ما تقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ كأن كل واحد من ~~البحرين يتعوذ من صاحبه، ويقول له هذا القول، وقيل حدا محدودا. وقيل المراد ~~من البحر العذب الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج ~~البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض. وقيل معنى (حجرا محجورا) ~~حراما محرما أن يعذب هذا المالح بالعذب، أو يملح هذا العذب بالمالح، ومثل ~~هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمن - مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ ~~لا يبغيان - ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان ms2795 والماء فقال (وهو ~~الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) والمراد بالماء هنا ماء النطفة: ~~أي خلق من ماء النطفة إنسانا فجعله نسبا وصهرا، وقيل المراد بالماء الماء ~~المطلق الذي يراد في قوله (وجعلنا من الماء كل شئ حي) والمراد بالنسب هو ~~الذي لا يحل نكاحه. # قال الفراء والزجاج: واشتقاق الصهر من صهرت الشئ: إذا خلطته، وسميت ~~المناكح صهرا لاختلاط الناس بها. # وقيل الصهر قرابة النكاح، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم ~~الأحماء، والأصهار تعمهما، قاله الأصمعي. # قال الواحدي. قال المفسرون: النسب سبعة أصناف من القرابة يجمعها قوله - ~~حرمت عليكم أمهاتكم - إلى قوله - وأمهات نسائكم - ومن هنا إلى قوله - وأن ~~تجمعوا بين الأختين - تحريم بالصهر، وهو الخلطة التي تشبه القرابة، حرم ~~الله سبعة أصناف من النسب وسبعة من جهة الصهر، قد اشتملت الآية المذكورة ~~على ستة منها، والسابعة قوله - ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - وقد ~~جعل ابن عطية والزجاج وغيرهما الرضاع من جملة النسب، ويؤيده قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (وكان ربك قديرا) أي ~~بليغ القدرة عظيمها، ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان وتقسيمه إلى ~~القسمين المذكورين. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) قال: بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه بلفظ: ألم تر أنك إذا صليت الفجر كان بين مطلع الشمس إلى ~~مغربها ظلا، ثم بعث الله عليه الشمس دليلا فقبض الظل. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: مد الظل ما بين طلوع الفجر ~~إلى طلوع الشمس (ولو شاء لجعله ساكنا) قال: دائما (ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا) يقول: طلوع الشمس (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) قال: # سريعا. وأخرج أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث أبي سعيد قال: " قيل يا ~~رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ # وهي بئر يلقى فيها ms2796 الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال: إن الماء طهور لا ~~ينجسه شئ ". وفى إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفيناه في شرحنا على ~~المنتقى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: ما من عام بأقل مطر من عام، ولكن ~~الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) الآية. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وجاهدهم به) قال: ~~بالقرآن. وأخرج ابن جرير عنه (هو الذي مرج البحرين) يعني خلط أحدهما على ~~الآخر فليس يفسد العذب المالح وليس يفسد المالح العذب. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في قوله (وحجرا محجورا) يقول: حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه. ~~وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال: سئل عمر بن الخطاب عن " ~~نسبا وصهرا " فقال: ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب، وأما الصهر: فالأختان ~~والصحابة. PageV04P082 # لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار وفضائح سيرتهم ~~فقال (ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم) إن عبدوه (ولا يضرهم) إن تركوه ~~(وكان الكافر على ربه ظهيرا) الظهير المظاهر: أي المعاون على ربه بالشرك ~~والعداوة، والمظاهرة على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه. قال ~~الزجاج: لأنه يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الله، لأن عبادتهم للأصنام ~~معاونة للشيطان. وقال أبو عبيدة: المعنى وكان الكافر على ربه هينا ذليلا، ~~من قول العرب ظهرت به: أي جعلته خلف ظهرك لم تلتفت إليه، ومنه قوله - ~~واتخذتموه وراءكم ظهريا - أي هينا، ومنه أيضا قول الفرزدق: # تميم بن بدر لا تكونن حاجتي * بظهر فلا يعيا علي جوابها وقيل إن المعنى: ~~وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء، لأن ~~الجماد لا قدرة له على دفع ونفع، ويجوز أن يكون الظهير جمعا كقوله - ~~والملائكة بعد ذلك ظهير - والمعنى: أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على رسول الله ~~أو على دين، والمراد بالكافر هنا ms2797 الجنس، ولا ينافيه كون سبب النزول هو كافر ~~معين كما قيل إنه أبو جهل (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) أي مبشرا ~~للمؤمنين بالجنة ومنذرا للكافرين بالنار (قل ما أسألكم عليه من أجر) أي قل ~~لهم يا محمد: ما أسألكم على القرآن من أجر، أو على تبليغ الرسالة المدلول ~~عليه بالإرسال، والاستثناء في قوله (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) ~~منقطع: أي لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل، وقيل هو متصل. ~~والمعنى: إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة وصور ذلك بصورة الأجر من ~~حيث أنه مقصود الحصول. ولما بين سبحانه أن الكفار متظاهرون على رسول الله، ~~وأمره أن لا يطلب منهم أجرا البتة، أمره أن يتوكل عليه في دفع المضار وجلب ~~المنافع فقال (وتوكل على الحي الذي لا يموت) وخص صفة الحياة إشارة إلى أن ~~الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون ~~الأحياء PageV04P083 # المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم، والتوكل اعتماد ~~العبد على الله في كل الأمور (وسبح بحمده) أي نزهه عن صفات النقصان، وقيل ~~معنى سبح صل، والصلاة تسمى تسبيحا (وكفى به بذنوب عباده خبيرا) أي حسبك، ~~وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك: كفى بالله ربا، والخبير المطلع على ~~الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شئ، ثم زاد في المبالغة، فقال (الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) قد تقدم تفسير ~~هذا في الأعراف، والموصول في محل جر على أنه صفة للحي، وقال بينهما ولم يقل ~~بينهن لأنه أراد النوعين، كما قال القطامي: # ألم يحزنك أن جبال قيس * وتغلب قد تباتتا انقطاعا فإن قيل يلزم أن يكون ~~خلق العرش بعد خلق السماوات والأرض كما تفيده ثم، فيقال إن كلمة ثم لم تدخل ~~على خلق العرش بل على رفعه على السماوات والأرض، والرحمن مرفوع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، وهو صفة أخرى للحي، وقد قرأه الجمهور بالرفع، ms2798 وقيل يجوز أن ~~يكون بدلا من الضمير في استوى، أو يكون مبتدأ وخبره الجملة: أي فاسأل على ~~رأي الأخفش، كما في قول الشاعر: * وقائلة خولان فانكح فتاتهم * وقرأ زيد ~~ابن علي " الرحمن " بالجر على أنه نعت للحي أو للموصول (فاسأل به خبيرا) ~~الضمير في به يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش. ~~والمعنى: فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالا من هذه الأمور. وقال الزجاج والأخفش: ~~الباء بمعنى عن: أي فاسأل عنه، كقوله - سأل سائل بعذاب واقع -، وقول امرئ ~~القيس: # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلم وقال امرؤ ~~القيس: # فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب والمراد بالخبير ~~الله سبحانه لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو، ومن هذا قول العرب: ~~لو لقيت فلانا للقيك به الأسد: أي للقيك بلقائك إياه الأسد، فخبيرا منتصب ~~على المفعولية، أو على الحال المؤكدة، واستضعف الحالية أبو البقاء فقال: ~~يضعف أن يكون خبيرا حالا من فاعل اسأل، لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة ~~التوكيد كقوله - وهو الحق مصدقا - قال: ويجوز أن يكون حالا من الرحمن إذا ~~رفعته باستوى. وقال ابن جرير: يجوز أن تكون الباء في به زائدة. والمعنى: ~~فاسأله حال كونه خبيرا. وقيل قوله به يجري مجرى القسم كقوله - واتقوا الله ~~الذي تساءلون به - والوجه الأول أقرب هذه الوجوه، ثم أخبر سبحانه عنهم ~~بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن) قال المفسرون: إنهم قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون ~~مسيلمة. قال الزجاج: الرحمن اسم من أسماء الله، فلما سمعوه أنكروا فقالوا ~~وما الرحمن (أنسجد لما تأمرنا) والاستفهام للإنكار: أي لا نسجد للرحمن الذي ~~تأمرنا بالسجود له، ومن قرأ بالتحتية فالمعنى: أنسجد لما يأمرنا محمد ~~بالسجود له. وقد قرأ المدنيون والبصريون (لما تأمرنا) بالفوقية، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي بالتحتية. قال أبو ~~عبيد: يعنون الرحمن. قال النحاس: وليس يجب ms2799 أن يتأول على الكوفيين في ~~قراءتهم هذا التأويل البعيد، ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم اسجدوا لما ~~يأمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتصح القراءة على هذا، وإن كانت ~~الأولى أبين (وزادهم نفورا) أي زادهم الأمر بالسجود نفورا عن الدين وبعد ~~عنه، وقيل زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان، كذا قال مقاتل، والأول ~~أولى. ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ~~(تبارك الذي جعل في السماء بروجا) المراد بالبروج بروج PageV04P084 # النجوم: أي منازلها الاثنا عشر، وقيل هي النجوم الكبار، والأول أولى. ~~وسميت بروجا، وهي القصور العالية لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن ~~يسكنها، واشتقاق البرج من التبرج، وهو الظهور (وجعل فيها سراجا) أي شمسا، ~~ومثله قوله تعالى - وجعل الشمس سراجا - قرأ الجمهور " سراجا " بالإفراد. ~~وقرأ حمزة والكسائي " سرجا " بالجمع: أي النجوم العظام الوقادة، ورجح ~~القراءة الأولى أبو عبيد. قال الزجاج: في تأويل قراءة حمزة والكسائي أراد ~~الشمس والكواكب (وقمرا منيرا) أي ينير الأرض إذا طلع، وقرأ الأعمش " قمرا " ~~بضم القاف وإسكان الميم، وهي قراءة ضعيفه شاذة (وهو الذي جعل الليل والنهار ~~خلفة) قال أبو عبيدة: الخلفة كل شئ بعد شئ: # الليل خلفه للنهار، والنهار خلفه لليل، لأن أحدهما يخلف الاخر ويأتي ~~بعده، ومنه خلفه النبات، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف، ومنه قول ~~زهير بن أبي سلمى: # بها العين والآرام يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم قال الفراء في ~~تفسير الآية: يقول يذهب هذا ويجيء هذا، وقال مجاهد: خلفة من الخلاف، هذا ~~أبيض وهذا أسود. وقيل يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان. وقيل ~~هو من باب حذف المضاف: أي جعل الليل والنهار ذوي خلفة: أي اختلاف (لمن أراد ~~أن يذكر) قرأ حمزة مخففا، وقرأ الجمهور بالتشديد، فالقراءة الأولى من الذكر ~~لله، والقراءة الثانية من التذكر له. وقرأ أبي بن كعب " يتذكر " ومعنى ~~الآية: أن المتذكر المعتبر إذا نظر في اختلاف الليل والنهار علم أنه لابد ~~في انتقالهما من حال إلى حال من ms2800 ناقل (أو أراد شكورا) أي أراد أن يشكر الله ~~على ما أودعه في الليل والنهار من النعم العظيمة والألطاف الكثيرة. قال ~~الفراء: ويذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد. قال الله تعالى - واذكروا ما فيه ~~- وفي حرف عبد الله ويذكروا ما فيه (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا) هذا كلام مستأنف مسوق لبيان صالحي عباد الله سبحانه، وعباد الرحمن ~~مبتدأ وخبره الموصول مع صلته، والهون مصدر، وهو السكينة والوقار. وقد ذهب ~~جماعة من المفسرين إلى أن الهون متعلق بيمشون: # أي يمشون على الأرض مشيا هونا. قال ابن عطية: ويشبه أن يتأول هذا على أن ~~تكون أخلاق ذلك الماشي هونا مناسبة لمشيه، وأما أن يكون المراد صفة المشي ~~وحده فباطل، لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس، وقد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشى في صيب (وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما) ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل ~~الجهل والسفه فلا يجهلون مع من يجهل ولا يسافهون أهل السفه. قال النحاس: ~~ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم تقول العرب سلاما: أي تسلما ~~منك: # أي براءة منك، منصوب على أحد أمرين: إما على أنه مصدر لفعل محذوف: أي ~~قالوا سلمنا سلاما، وهذا على قول سيبويه، أو على أنه مفعول به: أي قالوا ~~هذا اللفظ، ورجحه ابن عطية. وقال مجاهد: معنى سلاما سدادا: # أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين. قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون ~~يومئذ أن يسلموا على المشركين لكنه على قوله تسليما منكم ولا خير ولا شر ~~بيننا وبينكم. قال المبرد: كان ينبغي أن يقال لم يؤمر المسلمون يومئذ ~~بحربهم، ثم أمروا بحربهم. وقال محمد بن يزيد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء ~~العبارة. قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا ~~في هذه الآية، لأنه قال في آخر كلامه فنسختها آية السيف. وأقول: هكذا يكون ~~كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه ومشى في ms2801 غير طريقته، ولم يؤمر المسلمون ~~بالسلام على المشركين ولا نهوا عنه، بل أمروا بالصفح والهجر الجميل، فلا ~~حاجة إلى دعوى النسخ. قال النضر بن شميل: حدثني الخليل قال: # أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا ~~فرد علينا السلام وقال لنا: PageV04P085 # استووا، فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جنبه: أمركم ~~أن ترتفعوا. قال الخليل: هو من قول الله - ثم استوى إلى السماء - قال: ~~فصعدنا إليه فقال: هل لكم في خبز فطير ولبن هجير؟ فقلنا الساعة فارقناه، ~~فقال: سلاما، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سالمكم متاركة لا خير ~~فيها ولا شر. قال الخليل: هو من قول الله (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما. والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) البيتوتة: هي أن يدركك الليل نمت ~~أو لم تنم. قال الزجاج: من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم، كما يقال: ~~بات فلان قلقا، والمعنى: يبيتون لربهم سجدا على وجوههم، وقياما على ~~أقدامهم، ومنه قول امرئ القيس: # فبتنا قياما عند رأس جوادنا * يزاولنا عن نفسه ونزاوله (والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما) أي هم مع طاعتهم مشفقون ~~وجلون خائفون من عذابه، والغرام اللازم الدائم، ومنه سمي الغريم لملازمته، ~~ويقال: فلان مغرم بكذا: أي ملازم له مولع به، هذا معناه في كلام العرب، كما ~~ذكره ابن الأعرابي وابن عرفة وغيرهما، ومنه قول الأعشى: # إن يعاقب يكن غراما * وإن يعط جزيلا فإنه لا يبالي وقال الزجاج: الغرام ~~أشد العذاب. وقال أبو عبيدة: هو الهلاك. وقال ابن زيد: الشر، وجملة (إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما) تعليل لما قبلها، والمخصوص محذوف: أي هي، وانتصاب ~~مستقرا على الحال أو التمييز، وكذا مقاما، قيل هما مترادفان، وإنما عطف ~~أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما، وقيل بل هما مختلفان معنى: # فالمستقر للعصاة فإنهم يخرجون، والمقام للكفار فإنهم يخلدون، وساءت من ~~أفعال الذم كبئست، ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه، ويجوز أن يكون ~~حكاية ms2802 لكلامهم. ثم وصفهم سبحانه بالتوسط في الإنفاق فقال (والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ويحيى بن ~~وثاب " يقتروا " بفتح التحتية وضم الفوقية، من قتر يقتر كقعد يقعد، وقرأ ~~أبو عمرو وابن كثير بفتح التحتية وكسر التاء الفوقية، وهي لغة معروفة حسنة، ~~وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التحتية وكسر الفوقية. ~~قال أبو عبيدة: يقال قتر الرجل على عياله يقتر ويقتر قترا، وأقتر يقتر ~~إقتارا، ومعنى الجميع: التضييق في الإنفاق. # قال النحاس: ومن أحسن ما قبل في معنى الآية: أن من أنفق في غير طاعة الله ~~فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله ~~فهو القوام. وقال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجيع ولا يعرى، ولا ينفق ~~نفقة، يقول الناس قد أسرف. وقال يزيد بن أبي حبيب: أولئك أصحاب محمد كانوا ~~لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا يريدون ~~من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر ~~عوراتهم ويقيهم الحر والبرد. وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف، ولم ~~يبخلوا كقوله - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط - قرأ ~~حسان بن عبد الرحمن (وكان بين ذلك قواما) بكسر القاف، وقرأ الباقون بفتحها، ~~فقيل هما بمعنى، وقيل القوام بالكسر: ما يدوم عليه الشئ ويستقر، وبالفتح: ~~العدل والاستقامة، قاله ثعلب. وقيل بالفتح: العدل بين الشيئين، وبالكسر: ما ~~يقام به الشئ لا يفضل عنه ولا ينقص. وقيل بالكسر: السداد والمبلغ، واسم كان ~~مقدر فيها: أي كان إنفاقهم بين ذلك قواما وخبرها قواما، قال الفراء. وروي ~~عن الفراء قول آخر، وهو أن اسم كان بين ذلك، وتبنى بين على الفتح لأنها من ~~الظروف المفتوحة. وقال النحاس: ما أدرى ما وجه هذا، لأن بين إذا كانت في ~~موضع رفع رفعت. PageV04P086 # وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا) يعنى ms2803 أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا ~~جهل بن هشام. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (قل ما أسألكم عليه من أجر) ~~قال: قل لهم يا محمد: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، يقول عرض من ~~عرض الدنيا. # وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عنه أيضا في قوله (تبارك الذي جعل في السماء ~~بروجا) قال: هي هذه الاثنا عشر برجا: أولها: الحمل، ثم الثور، ثم الجوزاء، ~~ثم السرطان، ثم الأسد، ثم السنبلة، ثم الميزان، ثم العقرب، ثم القوس، ثم ~~الجدي، ثم الدلو، ثم الحوت. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة) قال: أبيض وأسود. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا يقول: من فاته شئ من الليل أن يعمله أدركه بالنهار: ومن ~~النهار أدركه بالليل. وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن الحسن أن عمر أطال ~~صلاة الضحى، فقيل له صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: إنه بقي علي من ~~وردي شئ فأحببت أن أتمه، أو قال أقضيه، وتلا هذه الآية (وهو الذي جعل الليل ~~والنهار خلفة) الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (وعباد الرحمن) قال: هم المؤمنون (الذين يمشون ~~على الأرض هونا) قال: بالطاعة والعفاف والتواضع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~قال (هونا) علما وحلما. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (إن عذابها كان غراما) قال: الدائم. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) قال: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في ~~معصية الله، ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله. # قوله (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) لما فرغ من ذكر إتيانهم ~~بالطاعات شرع في بيان اجتنابهم للمعاصي فقال: والذين لا يدعون مع الله ~~سبحانه ربا من ms2804 الأرباب. والمعنى: لا يشركون به شيئا، بل يوحدونه ويخلصون ~~PageV04P087 # له العبادة والدعوة (ولا يقتلون النفس التي حرم الله) أي حرم قتلها (إلا ~~بالحق) أي بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، ~~أو قتل نفس بغير نفس (ولا يزنون) أي يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح، ولا ~~ملك يمين (ومن يفعل ذلك) أي شيئا مما ذكر (يلق) في الآخرة (أثاما) والأثام ~~في كلام العرب العقاب. قال الفراء: آثمه الله يؤثمه أثاما وآثاما: أي جازاه ~~جزاء الإثم. وقال عكرمة ومجاهد: إن أثاما واد في جهنم جعله الله عقابا ~~للكفرة. وقال السدي: جبل فيها. وقرئ " يلق " بضم الياء وتشديد القاف. قال ~~أبو مسلم: # والأثام والإثم واحد، والمراد هنا جزاء الآثام فأطلق اسم الشئ على جزائه. ~~وقرأ الحسن يلق أياما جمع يوم: يعنى شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام، ~~وما أظن هذه القراءة تصح عنه (يضاعف له العذاب) قرأ نافع وابن عامر وحمزة ~~والكسائي " يضاعف، ويخلد " بالجزم، وقرأ ابن كثير " يضعف " بتشديد العين ~~وطرح الألف والجزم، وقرأ طلحة بن سليمان " نضعف " بضم النون وكسر العين ~~المشددة والجزم، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة. # وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالرفع في الفعلين على الاستئناف. وقرأ طلحة ~~بن سليمان " وتخلد " بالفوقية خطابا للكافر. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ " ~~ويخلد " بضم الياء التحتية وفتح اللام. قال أبو علي الفارسي: وهي غلط من ~~جهة الرواية، ووجه الجزم في يضاعف أنه بدل من يلق لاتحادهما في المعنى، ~~ومثله قول الشاعر: # إن علي الله أن تبايعا * تؤخذ كرها أو تجيء طائعا والضير في قوله (ويخلد ~~فيه) راجع إلى العذاب المضاعف: أي يخلد في العذاب المضاعف (مهانا) ذليلا ~~حقيرا (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا) قيل هو استثناء متصل، وقيل منقطع. ~~قال أبو حيان: لا يظهر الاتصال لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له ~~العذاب، فيصير التقدير: إلا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فلا يضاعف له ~~العذاب، ولا يلزم من انتفاء ms2805 التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف. قال: ~~والأولى عندي أن تكون منقطعا: أي لكن من تاب. قال القرطبي: لا خلاف بين ~~العلماء أن الاستثناء عام في الكافر والزاني. # واختلفوا في القاتل من المسلمين. وقد تقدم بيانه في النساء والمائدة، ~~والإشارة بقوله (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) إلى المذكورين سابقا، ~~ومعنى تبديل السيئات حسنات أنه يمحو عنهم المعاصي ويثبت لهم مكانها طاعات. # قال النحاس: من أحسن ما قيل في ذلك أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص ~~مطيع. قال الحسن: # قوم يقولون التبديل في الآخرة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدل ~~الله لهم إيمانا مكان الشرك، وإخلاصا من الشك، وإحصانا من الفجور. قال ~~الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة ~~والحسنة مع التوبة. وقيل إن السيئات تبدل بحسنات، وبه قال جماعة من الصحابة ~~ومن بعدهم: وقيل التبديل عبارة عن الغفران: أي يغفر الله لهم تلك السيئات، ~~لا أن يبدلها حسنات. وقيل المراد بالتبديل: أن يوفقه لأضداد ما سلف منه ~~(وكان الله غفورا رحيما) هذه الجملة مقررة لما قبلها من التبديل (ومن تاب ~~وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا) أي من تاب عما اقترف وعمل صالحا بعد ~~ذلك، فإنه يتوب بذلك إلى الله متابا: أي يرجع إليه رجوعا صحيحا قويا. قال ~~القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ولهذا قال (إلا ~~من تاب وآمن) ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا، فله ~~حكم التائبين أيضا. وقيل أي من تاب بلسانه ولم يحقق التوبة بفعله، فليست ~~تلك التوبة نافعة، بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالأعمال الصالحة، فهو ~~الذي تاب إلى الله متابا: أي تاب حق التوبة، وهي النصوح، ولذلك أكد ~~بالمصدر، ومعنى الآية: من أراد التوبة وعزم عليها فليتب إلى الله، فالخبر ~~في معنى الأمر كذا قيل لئلا يتحد الشرط والجزاء، فإنه لا يقال من ~~PageV04P088 # تاب فإنه يتوب، ثم وصف سبحانه هؤلاء التائبين العاملين للصالحات فقال ~~(والذين يشهدون الزور) ms2806 أي لا يشهدون الشهادة الكاذبة، أو لا يحضرون الزور ~~والزور، هو الكذب والباطل ولا يشاهدونه وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين. ~~قال الزجاج: الزور في اللغة الكذب ولاكذب فوق الشرك بالله. قال الواحدي: ~~أكثر المفسرين على أن الزور هاهنا بمعنى الشرك. والحاصل أن يشهدون إن كان ~~من الشهادة ففي الكلام مضاف محذوف: أي لا يشهدون شهادة الزور وإن كان من ~~الشهود والحضور كما ذهب إليه الجمهور فقد اختلفوا في معناه، فقال قتادة: لا ~~يساعدون أهل الباطل على باطلهم، وقال محمد بن الحنفية: لا يحضرون اللهو ~~والغناء وقال ابن جريج: الكذب. وروي عن مجاهد أيضا والأولى عدم التخصيص ~~بنوع من أنواع الزور، بل المراد الذين لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور ~~كائنا ما كان (وإذا مروا باللغو مروا كراما) أي معرضين عنه غير ملتفتين ~~إليه، واللغو كل ساقط من قول أو فعل. قال الحسن: اللغو المعاصي كلها، وقيل ~~المراد مروا بذوي اللغو، يقال: فلان يكرم عما يشينه: أي يتنزه ويكرم نفسه ~~عن الدخول في اللغو والاختلاط بأهله (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم) أي ~~بالقرآن، أو بما فيه موعظة وعبرة (لم يخروا عليها صما وعميانا) أي لم يقعوا ~~عليها حال كونهم صما وعميانا، ولكنهم أكبوا عليها سامعين مبصرين وانتفعوا ~~بها. قال ابن قتيبة: المعنى لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، وعمى ~~لم يبصروها. قال ابن جرير: ليس ثم خرور، بل كما يقال قعد يبكي، وإن كان غير ~~قاعد. قال ابن عطية: كأن المستمع للذكر قائم، فإذا أعرض عنه كان ذلك خرورا، ~~وهو السقوط على غير نظام. قيل المعنى: إذا تليت عليهم آيات الله وجلت ~~قلوبهم، فخروا سجدا وبكيا، ولم يخروا عليها صما وعميانا. قال الفراء: أي لم ~~يقعدوا على حالهم الأول كأن لم يسمعوا. قال في الكشاف: ليس بنفي للخرور، ~~وإنما هو إثبات ونفي للصمم والعمى، وأراد أن النفي متوجه إلى القيد لا إلى ~~المقيد (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) من ~~ابتدائية، أو بيانية. قرأ نافع ms2807 وابن كثير وابن عباس والحسن " وذرياتنا " ~~بالجمع وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى " وذريتنا " بالإفراد، ~~والذرية تقع على الجمع، كما في قوله - ذرية ضعافا - وتقع على الفرد كما في ~~قوله: ذرية طيبة، وانتصاب قرة أعين على المفعولية، يقال قرت عينه قرة. قال ~~الزجاج: يقال أقر الله عينك: أي صادف فؤادك ما يحبه. وقال المفضل: في قرة ~~العين ثلاثة أقوال: أحدها برد دمعها، لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره ~~دليل الحزن والغم. والثاني نومها، لأنه يكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن. ~~والثالث حصول الرضا (واجعلنا للمتقين إماما) أي قدوة يقتدى بنا في الخير، ~~وإنما قال: # إماما، ولم يقل أئمة، لأنه يريد به الجنس: كقوله - ثم نخرجكم طفلا - قال ~~الفراء: قال إماما، ولم يقل أئمة، كما قال للاثنين - أنا رسول رب العالمين ~~- يعني أنه من الواحد الذي أريد به الجمع. وقال الأخفش: الإمام جمع أم من ~~أم يأم، جمع على فعال، نحو صاحب وصحاب، وقائم وقيام. وقيل إن إماما مصدر، ~~يقال أم فلان فلانا إماما، مثل الصيام والقيام. وقيل أرادوا: اجعل كل واحد ~~منا إماما، وقيل أرادوا: اجعلنا إماما واحدا لاتحاد كلمتنا، وقيل إنه من ~~الكلام المقلوب، وأن المعنى: واجعل المتقين لنا إماما، وبه قال مجاهد. وقيل ~~إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد، وأن عبارة كل واحد منهم عند ~~الدعاء: واجعلني للمتقين إماما، ولكنها حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع ~~الغير لقصد الإيجاز كقوله - يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا - ~~وفي هذا إبقاء إماما على حاله، ومثل ما في الآية قول الشاعر: # يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي * إن العواذل ليس لي بأمين PageV04P089 # أي أمناء. قال القفال: وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه ~~قيل: اجعلنا حجة للمتقين، ومثله البينة: يقال هؤلاء بينة فلان. قال ~~النيسابوري: قيل في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب ~~ويرغب فيها، والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار ~~إليهم ويقتدى بهم، والإشارة ms2808 بقوله (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) إلى ~~المتصفين بتلك الصفات، وهو مبتدأ وخبره ما بعده، والجمل مستأنفة. # وقيل إن " أولئك " وما بعده خبر لقوله - وعباد الرحمن - كذا قال الزجاج، ~~والغرفة: الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، وهي في الأصل لكل ~~بناء مرتفع، والجمع غرف. وقال الضحاك: الغرفة الجنة، والباء في " بما صبروا ~~" سببية، وما مصدرية: أي يجزون الغرفة بسبب صبرهم على مشاق التكليف (ويلقون ~~فيها تحية وسلاما) قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة ~~والكسائي وخلف " يلقون " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، واختار هذه ~~القراءة الفراء، قال: لأن العرب تقول: فلان يلقي بالسلام والتحية والخير، ~~وقل ما يقولون يلقى. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله - ولقاهم نضرة وسرورا - ~~والمعنى: أنه يحي بعضهم بعضا ويرسل إليهم الرب سبحانه بالسلام، قيل التحية ~~البقاء الدائم والملك العظيم، وقيل هي بمعنى السلام، وقيل إن الملائكة ~~تحييهم وتسلم عليهم، والظاهر أن هذه التحية والسلام هي من الله سبحانه لهم، ~~ومن ذلك قوله سبحانه - تحيتهم يوم يلقونه سلام - وقيل معنى التحية: الدعاء ~~لهم بطول الحياة. ومعنى السلام: الدعاء لهم بالسلامة من الآفات، وانتصاب ~~((خالدين فيها) على الحال: أي مقيمين فيها من غير موت (حسنت مستقرا ومقاما) ~~أي حسنت الغرفة مستقرا يستقرون فيه، ومقاما يقيمون به، وهذا في مقابل ما ~~تقدم من قوله: ساءت مستقرا ومقاما (قل ما يعبأ بكم ربى لولا دعاؤكم) بين ~~سبحانه أنه غني عن طاعة الكل، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف، يقال ما عبأت ~~بفلان: أي ما باليت به ولا له عندي قدر، وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل. ~~قال الخليل: ما أعبأ بفلان: أي " ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، ويدعى ~~أن وجوده وعدمه سواء، وكذا قال أبو عبيدة. قال الزجاج: " ما يعبأ بكم ربي " ~~يريد: أي وزن يكون لكم عنده. # والعبء: الثقل، وما استفهامية أو نافية، وصرح الفراء بأنها استفهامية. ~~قال ابن الشجري: وحقيقة القول عندي أن موضع ms2809 " ما " نصب والتقدير: أي: عبء ~~يعبأ بكم أي أي مبالاة يبالي بكم (لولا دعاؤكم): أي لولا دعاؤكم إياه ~~لتعبدوه، وعلى هذا فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار ~~الفراء، وفاعله محذوف، وجواب لولا محذوف: تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم، ~~ويؤيد هذا قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون - والخطاب لجميع الناس، ~~ثم خص الكفار منهم فقال (فقد كذبتم) وقرأ ابن الزبير " فقد كذب الكافرون " ~~وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس. وقيل إن المصدر مضاف ~~إلى الفاعل: أي لولا استغاثتكم إليه في الشدائد. وقيل المعنى: ما يعبأ بكم: ~~أي بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه. وحكى ابن جني أن ابن عباس قرأ ~~كقراءة ابن الزبير. وحكى الزهراوي والنحاس أن ابن مسعود قرأ كقراءتهما، ~~وممن قال بأن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي والفارسي قالا: والأصل لولا ~~دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب لولا محذوف تقديره على هذا الوجه: لولا دعاؤكم ~~لم يعذبكم، ويكون معنى " فقد كذبتم " على الوجه الأول فقد كذبتم بما دعيتم ~~إليه، وعلى الوجه الثاني: فقد كذبتم بالتوحيد. ثم قال سبحانه (فسوف يكون ~~لزاما) أي فسوف يكون جزاء التكذيب لازما لكم، وجمهور المفسرين على أن ~~المراد بالزام هنا: ما لزم المشركين يوم بدر، وقالت طائفة: هو عذاب الآخرة. ~~قال أبو عبيدة: لزاما فيصلا: أي فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين. قال ~~PageV04P090 # الزجاج: فسوف يكون تكذيبكم لزاما يلزمكم فلا تعطون التوبة، وجمهور القراء ~~على كسر اللام من لزاما، وأنشد أبو عبيدة لصخر: # فاما ينجوا من خسف أرض * فقد لقيا حتوفهما لزاما قال ابن جرير لزاما: ~~عذابا دائما وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض، كقول أبي ذؤيب: # ففاجأه بعادية لزام * كما يتفجر الحوض اللفيف يعنى باللزام الذي يتبع ~~بعضه بعضا، وباللفيف المتساقط من الحجارة المنهدمة. وحكى أبو حاتم عن أبي ~~زيد قال: سمعت أبا السماك يقرأ " لزاما " بفتح اللام. قال أبو جعفر يكون ~~مصدر لزم، والكسر أولى. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: سئل ms2810 رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أي الذنب أكبر؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ~~ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني ~~حليلة جارك، فأنزل الله تصديق ذلك (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون) ". وأخرجا وغيرهما أيضا ~~عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو ~~تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت (والذين لا يدعون) الآية، ونزلت - قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو في قوله (يلق أثاما) قال: # واد في جهنم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت (والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر) الآية اشتد ذلك على المسلمين، فقالوا: ما منا أحد ~~إلا أشرك وقتل وزنى، فأنزل الله - يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم - ~~الآية، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك، ثم نزلت هذه الآية (إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) فأبدلهم الله ~~بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم. # وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قرأناها على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنين (والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما) ثم نزلت (إلا من تاب وآمن) فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرح بشئ قط فرحه بها، وفرحه - إنا فتحنا لك فتحا مبينا - وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات) قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم ~~عن ذلك فحولهم ms2811 إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وأخرج أحمد ~~وهناد والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: ~~اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها، فيقال: عملت ~~يوم كذا كذا، وهو يقر، ليس ينكر، وهو مشفق من الكبائر أن تجيء فيقال: أعطوه ~~بكل سيئة عملها حسنة " والأحاديث في تكفير السيئات وتبديلها بالحسنات ~~كثيرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (والذين لا يشهدون الزور) ~~قال: إن الزور كان صنما بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام، وكان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مروا به مروا كراما لا ينظرون إليه. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (والذين يقولون ربنا ~~هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) قال: يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به ~~أعيننا في الدنيا والآخرة (واجعلنا للمتقين إماما) قال: أئمة هدى يهتدى بنا ~~ولا تجعلنا أئمة ضلالة، لأنه قال لأهل السعادة - وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا - PageV04P091 # ولأهل الشقاوة - وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار -. وأخرج الحكيم الترمذي ~~عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (أولئك يجزون ~~الغرفة) قال: الغرفة من ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء، أو درة بيضاء. ليس ~~فيها فصم ولا وصم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) يقول: لولا إيمانكم، فأخبر الله ~~أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين. ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم ~~الإيمان كما حببه إلى المؤمنين (فسوف يكون لزاما) قال: موتا. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري عنه أنه كان يقرأ - فقد كذب ~~الكافرون، فسوف يكون لزاما - وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن ابن الزبير أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه ~~(فسوف ms2812 يكون لزاما) قال: القتلى يوم بدر، وفى الصحيحين عنه قال: خمس قد ~~مضين: الدخان والقمر واللزوم والبطشة واللزام. # تفسير سورة الشعراء وآياتها مائتان، وسبع وعشرون آية وهي مكية عند ~~الجمهور، وكذا أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير. وأخرج النحاس عن ~~ابن عباس قال: سورة الشعراء أنزلت بمكة سوى خمس آيات من آخرها نزلت ~~بالمدينة، وهي " والشعراء يتبعهم الغاوون " إلى آخرها. وأخرج القرطبي في ~~تفسيره عن البراء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله أعطاني ~~السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين ~~مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي ". وأخرج أيضا عن ~~ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " أعطيت السورة التي تذكر ~~فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من ~~تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة ". قال ابن كثير في تفسيره: ووقع في تفسير ~~مالك المروي عنه تسميتها بسورة الجمعة. PageV04P092 # قوله (طسم) قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي ~~وخلف بإمالة الطاء، وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري بين اللفظين، واختار ~~هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ الباقون بالفتح مشبعا. # وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإدغام النون من " طسن " في ~~الميم، وقرأ الأعمش وحمزة بإظهارها. قال الثعلبي: الإدغام اختيار أبي عبيد ~~وأبي حاتم. قال النحاس: وحكى الزجاج في كتابه فيما يجرى وما لا يجرى أنه ~~يجوز أن يقال " طاسين ميم " بفتح النون وضم الميم كما يقال: هذا معدي كرب. ~~وقرأ عيسى ويروى عن نافع بكسر الميم على البناء. وفى مصحف عبد الله بن ~~مسعود " ط س م " هكذا حروفا مقطعة فيوقف على كل حرف وقفة يتميز بها عن ~~غيره، وكذلك قرأ أبو جعفر ومحله الرفع على الابتداء إن كان اسما للسورة كما ~~ذهب إليه الأكثر أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون في محل نصب ~~بتقدير: أذكر أو أقر. وأما إذا كان مسرودا على نمط التعديد كما ms2813 تقدم في غير ~~موضع من هذا التفسير فلا محل له من الإعراب. وقد قيل إنه اسم من أسماء الله ~~سبحانه، وقيل اسم من أسماء القرآن، والإشارة بقوله (تلك آيات الكتاب ~~المبين) إلى السورة، ومحلها الرفع على أنها وما بعدها خبر للمبتدأ إن جعلنا ~~طسم مبتدأ، وإن جعلناه خبر لمبتدأ محذوف فمحلها الرفع على أنه مبتدأ خبره ~~ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من طسم، والمراد بالكتاب هنا القرآن، ~~والمبين المبين المظهر، أو البين الظاهر إن كان من أبان بمعنى بان (لعلك ~~باخع نفسك) أي قاتل نفسك ومهلكها (أن لا يكونوا مؤمنين) أي لعدم إيمانهم ~~بما جئت به، والبخع في الأصل أن يبلغ بالذبح النخاع بالنون قاموس، وهو عرق ~~في القفا، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف، وقرأ قتادة " باخع نفسك " ~~بالإضافة، وقرأ الباقون بالقطع قال: الفراء أن في قوله (أن لا يكونوا ~~مؤمنين) في موضع نصب لأنها جزاء قال النحاس وإنما يقال إن مكسورة لأنها جزء ~~هكذا التعارف والقول في هذا ما قاله الزجاج في كتابه في القرآن أنها في ~~موضع نصب مفعول لأجله والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان وفى هذا تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان حريصا على إيمان قومه شديد ~~الأسف لما يراه من إعراضهم وجملة (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) ~~مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية، والمعنى: إن نشأ ننزل عليهم من ~~السماء آية تلجئهم إلى الإيمان، ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك، ~~ومعنى (فظلت أعناقهم لها خاضعين) أنهم صاروا منقادين لها: أي فتظل أعناقهم ~~الخ، قيل وأصله فضلوا لها خاضعين PageV04P093 # فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير والتصوير، لأن الأعناق موضع الخضوع، وقيل ~~أنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم ووصفت بما يوصفون به. ~~قال عيسى بن عمر: خاضعين وخاضعة هنا سواء، واختاره المبرد، والمعنى: أنها ~~إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها، ويسوغ في كلام ~~العرب أن يترك الخبر عن الأول ms2814 ويخبر عن الثاني، ومنه قول الراجز: # طول الليالي أسرعت في نقضي * طوين طولى وطوين عرضي فأخبر عن الليالي وترك ~~الطول، ومنه قول جرير: # أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال وقال أبو عبيد ~~والكسائي: إن المعنى خاضعيها هم، وضعفه النحاس. وقال مجاهد: أعناقهم ~~كبراؤهم. قال النحاس: وهذا معروف في اللغة، يقال جاءني عنق من الناس: أي ~~رؤساء منهم. وقال أبو زيد والأخفش: # أعناقهم جماعاتهم، يقال جاءني عنق من الناس: أي جماعة (وما يأتيهم من ذكر ~~من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين) بين سبحانه أنه مع اقتداره على أن ~~يجعلهم ملجئين إلى الإيمان يأتيهم بالقرآن حالا بعد حال، وأن لا يجدد لهم ~~موعظة وتذكيرا إلا جددوا ما هو نقيض المقصود، وهو الإعراض والتكذيب ~~والاستهزاء، ومن في " من ذكر " مزيدة لتأكيد العموم، ومن في " من ربهم " ~~لابتداء الغاية، والاستثناء مفرغ من أعم العام محله النصب على الحالية من ~~مفعول يأتيهم، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء (فقد كذبوا) ~~أي بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا صريحا ولم يكتفوا بمجرد الإعراض. وقيل إن ~~الإعراض بمعنى التكذيب، لأن من أعرض عن شئ ولم يقبله فقد كذبه، وعلى هذا ~~فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح، والأول ~~أولى، فالإعراض عن الشئ عدم الالتفات إليه. ثم انتقلوا عن هذا إلى ما هو ~~أشد منه، وهو التصريح بالتكذيب ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشد منه، ~~وهو الاستهزاء كما يدل عليه قوله (فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون) ~~والأنباء هي ما يستحقونه من العقوبة آجلا وعاجلا، وسميت أنباء لكونها مما ~~أنبأ عنه القرآن وقال " ما كانوا به يستهزئون " ولم يقل ما كانوا عنه ~~معرضين، أو ما كانوا به يكذبون، لأن الاستهزاء أشد منهما ومستلزم لهما، وفي ~~هذا وعيد شديد، وقد مر تفسير مثل هذا في سورة الأنعام. ثم ذكر سبحانه ما ~~يدل على كمال قدرته من الأمور الحسية التي يحصل بها للمتأمل فيها والناظر ~~إليها والمستدل بها ms2815 أعظم دليل وأوضح برهان، فقال (أو لم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم) الهمزة للتوبيخ، والواو للعطف على مقدر كما في ~~نظائره، فنبه سبحانه على عظمته وقدرته، وأن هؤلاء المكذبين المستهزئين لو ~~نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذي يستحق أن يعبد، والمراد بالزوج هنا ~~الصنف. وقال الفراء: هو اللون. وقال الزجاج: معنى زوج نوع، وكريم، محمود، ~~والمعنى: من كل زوج نافع لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين، والكريم في ~~الأصل: الحسن الشريف، يقال نخلة كريمة: أي كثيرة الثمرة، ورجل كريم: شريف ~~فاضل، وكتاب كريم: إذا كان مرضيا في معانيه، والنبات الكريم هو المرضى في ~~منافعه. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو ~~كريم، ومن صار منهم إلى النار فهو لئيم، والإشارة بقوله (إن في ذلك لآية) ~~إلى المذكور قبله: أي إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة بينة، وعلامة ~~واضحة على كمال قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته. ثم أخبر سبحانه بأن أكثر ~~هؤلاء مستمر على ضلالته مصمم على جحوده وتكذيبه واستهزائه فقال (وما كان ~~أكثرهم مؤمنين) أي سبق علمي فيهم أنهم سيكونون هكذا. وقال سيبويه: إن " كان ~~" هنا صلة (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) أي PageV04P094 # الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم مع كونه كثير الرحمة، ولذلك أمهلهم ~~ولم يعالجهم بالعقوبة، أو المعنى: أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه، ~~وجملة (وإذ نادى ربك موسى) الخ مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض ~~والتكذيب والاستهزاء، والعامل في الظرف محذوف تقديره: واتل إذ نادى أو ~~أذكر، والنداء: الدعاء، و " أن " في قوله (أن ائت القوم الظالمين) يجوز أن ~~تكون مفسرة، وأن تكون مصدرية، ووصفهم بالظلم لأنهم جمعوا بين الكفر الذي ~~ظلموا به أنفسهم وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم كاستعباد بني إسرائيل، ~~وذبح أبنائهم، وانتصاب (قوم فرعون) على أنه بدل، أو عطف بيان من القوم ~~الظالمين، ومعنى (ألا يتقون) ألا يخافون عقاب الله سبحانه فيصرفون عن ~~أنفسهم عقوبة الله بطاعته. وقيل المعنى: ms2816 قل لهم ألا تتقون، وجاء بالياء ~~التحتية لأنهم غيب وقت الخطاب، وقرأ عبيد بن عمير وأبو حازم " ألا تتقون " ~~بالفوقية: أي قل لهم ذلك، ومثله - قل للذين كفروا ستغلبون - بالتحتية ~~والفوقية (قال رب إني أخاف أن يكذبون) أي قال موسى هذه المقالة، والمعنى: ~~أخاف أن يكذبوني في الرسالة (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني) معطوفان على ~~أخاف: أي يضيق صدري لتكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بتأدية الرسالة، قرأ ~~الجمهور برفع - يضيق - ولا ينطلق بالعطف على أخاف كما ذكرنا، أو على ~~الاستئناف، وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة بنصبهما عطفا على يكذبون. ~~قال الفراء: كلا القراءتين له وجه. قال النحاس الوجه: الرفع، لأن النصب عطف ~~على يكذبون وهذا بعيد (فأرسل إلى هارون) أي أرسل إليه جبريل بالوحي ليكون ~~معي رسولا موازرا مظاهرا معاونا، ولم يذكر الموازرة هنا لأنها معلومة من ~~غير هذا الموضع كقوله في طه - واجعل لي وزيرا -، وفي القصص - أرسله معي ~~ردءا يصدقني - وهذا من موسى عليه السلام من باب طلب المعاونة له بإرسال ~~أخيه، لا من باب الاستعفاء من الرسالة، ولا من التوقف عن المسارعة ~~بالامتثال (ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون) الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ~~ذنبا بحسب زعمهم: فخاف موسى أن يقتلوه به، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل ~~مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء، ثم أجابه سبحانه بما يشتمل على نوع من الردع ~~وطرف من الزجر (قال كلا فاذهبا بآياتنا) وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ~~ما طلبه من ضم أخيه إليه كما يدل عليه توجيه الخطاب إليهما كأنه قال: ارتدع ~~يا موسى عن ذلك واذهب أنت ومن استدعيته ولا تخف من القبط (إنا معكم ~~مستمعون) وفي هذا تعليل للردع عن الخوف، وهو كقوله سبحانه - إنني معكما ~~أسمع وأرى - وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما وأنه متول لحفظهما وكلاءتهما ~~وأجراهما مجرى الجمع، فقال " معكم " لكون الاثنين أقل الجمع على ما ذهب ~~إليه بعض الأئمة أو لكونه أراد موسى وهارون ومن أرسلا إليه، ويجوز أن يكون ms2817 ~~المراد هما مع بني إسرائيل، ومعكم ومستمعون خبران، لأن، أو الخبر مستمعون، ~~ومعكم متعلق به، ولا يخفى ما في المعية من المجاز: لأن المصاحبة من صفات ~~الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب ~~العالمين) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ووحد الرسول هنا ولم يثنه ~~كما في قوله - إنا رسولا ربك - لأنه مصدر بمعنى رسالة، والمصدر يوحد، وأما ~~إذا كان بمعنى المرسل فإنه يثنى مع المثنى ويجمع مع الجمع. قال أبو عبيدة: ~~رسول بمعنى رسالة، والتقدير على هذا: إنا ذوا رسالة رب العالمين ومنه قول ~~الشاعر: # ألا أبلغ أبا عمرو رسولا * فإني عن فتاحتكم غني أي رسالة. وقال العباس بن ~~مرداس: # ألا من مبلغ عنى خفافا * رسولا بيت أهلك منتهاها PageV04P095 # أي رسالة. قال أبو عبيدة أيضا، ويجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين ~~والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ~~ووكيلي، ومنه قوله تعالى - فإنهم عدو لي - وقيل معناه: إن كل واحد منا رسول ~~رب العالمين، وقيل إنهما لما كانا متعاضدين متساندين في الرسالة كانا ~~بمنزلة رسول واحد، و " أن " في قوله (أن أرسل معنا بني إسرائيل) مفسرة ~~لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول (قال ألم نريك فينا وليدا) أي ~~قال فرعون لموسى بعد أن أتياه وقالا له ما أمرهما الله به، ومعنى " فينا " ~~أي في حجرنا ومنازلنا، أراد بذلك المن عليه والاحتقار له: أي ربيناك لدينا ~~صغيرا ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال (ولبثت فينا من عمرك سنين) فمتى كان ~~هذا الذي تدعيه؟ قيل لبث فيهم ثماني عشرة سنة، وقيل ثلاثين سنة، وقيل ~~أربعين سنة. # ثم قرر بقتل القبطي فقال (وفعلت فعلتك التي فعلت) الفعلة بفتح الفاء: ~~المرة من الفعل، وقرأ الشعبي " فعلتك " بكسر الفاء، والفتح أولى لأنها ~~للمرة الواحدة لا للنوع، والمعنى: أنه لما عدد عليه النعم ذكر له ذنوبه، ~~وأراد بالفعل قتل القبطي، ثم قال (وأنت من الكافرين) أي من الكافرين للنعمة ~~حيث قتلت رجلا من أصحابي، وقيل ms2818 المعنى: من الكافرين بأن فرعون إله، وقيل من ~~الكافرين بالله في زعمه لأنه كان معهم على دينهم، والجملة في محل نصب على ~~الحال (قال فعلتها إذن وأنا من الضالين) أي قال موسى مجيبا لفرعون: فعلت ~~هذه الفعلة التي ذكرت، وهي قتل القبطي وأنا إذ ذاك من الضالين: أي ~~الجاهلين، فنفى عليه السلام عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل ~~قبل أن يأتيه العلم الذي علمه الله. وقيل المعنى: من الجاهلين أن تلك ~~الوكزة تبلغ القتل. وقال أبو عبيدة: # من الناسين (فقررت منكم لما خفتكم) أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في ~~سورة القصص (فوهب لي ربي حكما) أي نبوة أو علما وفهما. وقال الزجاج: المراد ~~بالحكم تعليمه التوراة التي فيها حكم الله (وجعلني من المرسلين وتلك نعمة ~~تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل) قيل هذا الكلام من موسى على جهة الإقرار ~~بالنعمة كأنه قال نعم تلك التربية نعمة تمن بها علي، ولكن لا يدفع ذلك ~~رسالتي، وبهذا قال الفراء وابن جرير. وقيل هو من موسى على جهة الإنكار: أي ~~أتمن علي بأن ربيتني وليدا وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم وهم قومي؟. # قال الزجاج: المفسرون أخرجوا هذا على جهة الإنكار بأن يكون ما ذكر فرعون ~~نعمة على موسى، واللفظ لفظ خبر، وفيه تبكيت للمخاطب على معنى: أنك لو كنت ~~لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم، فكأنك تمن ~~علي ما كان بلاؤك سببا له، وذكر نحوه الأزهري بأبسط منه. وقال المبرد: يقول ~~التربية كانت بالسبب الذي ذكرت من التعبيد: أي تربيتك إياي كانت لأجل ~~التملك والقهر لقومي. وقيل إن في الكلام تقدير الاستفهام: أي أو تلك نعمة؟ ~~قاله الأخفش، وأنكره النحاس. قال الفراء: ومن قال إن الكلام إنكار قال ~~معناه: أو تلك نعمة؟ ومعنى (أن عبدت بني إسرائيل) أن اتخذتهم عبيدا، يقال ~~عبدته وأعبدته بمعنى. كذا قال الفراء، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ~~بدل من نعمة، والجر بإضمار الباء، والنصب ms2819 بحذفها. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس (فظلت أعناقهم لها خاضعين) قال: ذليلين. ~~وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة (ولهم ~~علي ذنب) قال قتل النفس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وفعلت فعلتك ~~التي فعلت وأنت من الكافرين) قال: للنعمة، إن فرعون لم يكن ليعلم ما ~~الكفر؟، وفي قوله (فعلتها إذن وأنا من الضالين) قال: من الجاهلين. وأخرج ~~الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن مجاهد (أن عبدت بني إسرائيل) قال: قهرتهم واستعملتهم. PageV04P096 # لما سمع فرعون قول موسى وهارون (إنا رسول رب العالمين) قال مستفسرا لهما ~~عن ذلك عازما على الاعتراض لما قالاه فقال (وما رب العالمين) أي أي شئ هو؟ ~~جاء في الاستفهام بما التي يستفهم بها عن المجهول ويطلب بها تعيين الجنس، ~~فلما قال فرعون ذلك (قال) موسى (رب السماوات والأرض وما بينهما) فعين له ما ~~أراد بالعالمين. وترك جواب ما سأل عنه فرعون لأنه سأله عن جنس رب العالمين ~~ولا جنس له، فأجابه موسى بما يدل على عظيم القدرة الإلهية التي تتضح لكل ~~سامع أنه سبحانه الرب ولا رب غيره (إن كنتم موقنين) أي إن كنتم موقنين بشئ ~~من الأشياء فهذا أولى بالإيقان (قال) فرعون (لمن حوله ألا تستمعون) أي لمن ~~حوله من الأشراف ألا تستمعون ما قاله، يعنى موسى معجبا لهم من ضعف المقالة ~~كأنه قال: أتسمعون وتعجبون، وهذا من اللعين PageV04P097 # مغالطة، لما لم يجد جوابا عن الحجة التي أوردها عليه موسى، فلما سمع موسى ~~ما قال فرعون، أورد عليه حجة أخرى هي مندرجة تحت الحجة الأولى ولكنها أقرب ~~إلى فهم السامعين له ف (قال ربكم ورب آبائكم الأولين) فأوضح لهم أن فرعون ~~مربوب لا رب كما يدعيه، والمعنى: أن هذا الرب الذي أدعوكم إليه هو الذي خلق ~~آباءكم الأولين وخلقكم، فكيف تعبدون من هو واحد منكم مخلوق كخلقكم وله آباء ~~قد فنوا كآبائكم، فلم يجبه فرعون عند ms2820 ذلك بشئ يعتد به، بل جاء بما يشكك ~~قومه ويخيل إليهم أن هذا الذي قاله موسى مما لا يقوله العقلاء، ف (قال إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) قاصدا بذلك المغالطة وإيقاعهم في الحيرة، ~~مظهرا إنه مستخف بما قاله موسى مستهزئ به، فأجابه موسى عند ذلك بما هو ~~تكميل لجوابه الأول، ف (قال رب المشرق والمغرب وما بينهما) ولم يشتغل موسى ~~بدفع ما نسبه إليه من الجنون، بل بين لفرعون شمول ربوبية الله سبحانه ~~للمشرق والمغرب وما بينهما وإن كان ذلك داخلا تحت ربوبيته سبحانه للسموات ~~والأرض وما بينهما، لكن فيه تصريح بإسناد حركات السماوات وما فيها، وتغيير ~~أحوالها وأوضاعها، تارة بالنور وتارة بالظلمة إلى الله سبحانه، وتثنية ~~الضمير في " وما بينهما " الأول لجنسي السماوات والأرض كما في قول الشاعر: # تنقلت في أشرف التنقل * بين رماحي نهشل ومالك (إن كنتم تعقلون) أي شيئا ~~من الأشياء، أو إن كنتم من أهل العقل: أي إن كنت يا فرعون ومن معك من ~~العقلاء عرفت وعرفوا أنه لا جواب لسؤالك إلا ما ذكرت لك. ثم إن اللعين لما ~~انقطع عن الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب، ف (قال لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين) أي لأجعلنك من أهل السجن، وكان سجن فرعون أشد من ~~القتل لأنه إذا سجن أحدا لم يخرجه حتى يموت، فلما سمع موسى عليه السلام ذلك ~~لاطفه طمعا في إجابته وإرخاء لعنان المناظرة معه، مريدا لقهره بالحجة ~~المعتبرة في باب النبوة وهي إظهار المعجزة، فعرض له على وجه يلجئه إلى طلب ~~المعجزة ف (قال أو لو جئتك بشئ مبين) أي أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشئ ~~يتبين به صدقي ويظهر عنده صحة دعواي، والهمزة هنا للاستفهام، والواو للعطف ~~على مقدر كما مر مرارا، فلما سمع فرعون ذلك طلب ما عرضه عليه موسى ف (قال ~~فأت به إن كنت من الصادقين) في دعواك، وهذا الشرط جوابه محذوف، لأنه قد ~~تقدم ما يدل عليه فعند ذلك أبرز موسى المعجزة (فألقى عصاه فإذا هي ms2821 ثعبان ~~مبين) وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف، واشتقاق الثعبان من ~~ثعبت الماء في الأرض فانبعث: أي فجرته فانفجر، وقد عبر سبحانه في موضع آخر ~~مكان الثعبان بالحية بقوله - فإذا هي حية تسعى - وفي موضع بالجان، فقال - ~~كأنها جان - والجان هو المائل إلى الصغر، والثعبان هو المائل إلى الكبر، ~~والحية جنس يشمل الكبير والصغير، ومعنى (فماذا تأمرون) ما رأيكم فيه وما ~~مشورتكم في مثله؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألفا لهم واستجلابا ~~لمودتهم، لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال، وقارب ما ~~كان يغرر به عليهم الاضمحلال، وإلا فهو أكبر تيها وأعظم كبرا من أن يخاطبهم ~~مثل هذه المخاطبة المشعرة بأنه فرد من أفرادهم وواحد منهم، مع كونه قبل هذا ~~الوقت يدعى أنه إلههم ويذعنون له بذلك ويصدقونه في دعواه، ومعنى (أرجه ~~وأخاه) أخر أمرهما، من أرجأته إذا أخرته، وقيل المعنى احبسهما (وابعث في ~~المدائن حاشرين) وهم الشرط الذين يحشرون الناس: # أي يجمعونهم (يأتونك بكل سحار عليم) هذا ما أشاروا به عليه، والمراد ~~بالسحار العليم: الفائق في معرفة السحر وصنعته (فجمع السحرة لميقات يوم ~~معلوم) هو يوم الزينة كما في قوله - قال موعدكم يوم الزينة - (وقيل للناس ~~هل أنتم مجتمعون) حثا لهم على الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة ~~ولمن تكون الغلبة، وكان PageV04P098 # ذلك ثقة من فرعون بالظهور وطلبا أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن ~~بموسى أحد منهم، فوقع ذلك من موسى الموقع الذي يريده، لأنه يعلم أن حجة ~~الله هي الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة، وفي ظهور حجة الله بمجمع من ~~الناس زيادة في الاستظهار للمحقين، والانقهار للمبطلين، ومعنى (لعلنا نتبع ~~السحرة) نتبعهم في دينهم (إن كانوا هم الغالبين) والمراد باتباع السحرة في ~~دينهم هو البقاء على ما كانوا عليه، لأنه دين السحرة إذ ذاك والمقصود ~~المخالفة لما دعاهم إليه موسى، فعند ذلك طلب السحرة من موسى الجزاء على ما ~~سيفعلونه ف (قال لفرعون أئن لنا لأجرا) أي ms2822 لجزاء تجزينا به من مال أو جاه، ~~وقيل أرادوا إن لنا ثوابا عظيما، ثم قيدوا ذلك بظهور غلبتهم لموسى، فقالوا ~~(إن كنا نحن الغالبين) فوافقهم فرعون على ذلك و (قال نعم وإنكم إذن لمن ~~المقربين) أي نعم لكم ذلك عندي مع زيادة عليه، وهي كونكم من المقربين لدي ~~(قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون) وفي آية أخرى - قالوا يا موسى إما أن ~~تلقي وأما نكون نحن الملقين - فيحتمل ما هنا على أنه قال لهم: ألقوا بعد أن ~~قالوا هذا القول، ولم يكن ذلك من موسى عليه السلام أمرا لهم بفعل السحر، بل ~~أراد أن يقهرهم بالحجة ويظهر لهم أن الذي جاء به ليس هو من الجنس الذي ~~أرادوا معارضته به (فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا) عند الألقاء (بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون) يحتمل قولهم بعزة فرعون وجهين: الأول أنه قسم، وجوابه ~~إنا لنحن الغالبون، والثاني متعلق بمحذوف، والباء للسببية: أي نغلب بسبب ~~عزته، والمراد بالعزة العظمة (فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون) قد ~~تقدم تفسير هذا مستوفى. والمعنى: أنها تلقف ما صدر منهم من الإفك بإخراج ~~الشئ عن صورته الحقيقية (فألقي السحرة ساجدين) أي لما شاهدوا ذلك وعلموا ~~أنه صنع صانع حكيم ليس من صنيع البشر ولا من تمويه السحرة، آمنوا بالله ~~وسجدوا له وأجابوا دعوة موسى وقبلوا نبوته، وقد تقدم بيان معنى ألقى، ومن ~~فاعله لوقوع التصريح به، وعند سجودهم (قالوا آمنا برب العالمين رب موسى ~~وهارون) رب موسى عطف بيان لرب العالمين، وأضافوه سبحانه إليهما لأنهما ~~القائمان بالدعوة في تلك الحال. وفيه تبكيت لفرعون بأنه ليس برب، وأن الرب ~~في الحقيقة هو هذا، فلما سمع فرعون ذلك منهم ورأى سجودهم لله ((قال آمنتم ~~له قبل أن آذن لكم) أي بغير إذن مني، ثم قال مغالطا للسحرة الذين آمنوا، ~~وموهما للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر (إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر) وإنما اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لا يحب الاعتراف بشئ يرتفع به ms2823 ~~شأن موسى، لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاءوا به ~~السحرة، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم وإن كان قد فاق على ~~ما فعله هؤلاء السحرة فهو فعل كبيرهم ومن هو أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه ~~الصناعة، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل الرب الذي ~~يدعو إليه موسى، ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة ~~الله، فقال (فلسوف تعلمون) أجمل التهديد أولا للتهويل، ثم فصله فقال ~~(لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين) فلما سمعوا ذلك من قوله ~~(قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون) أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب ~~الدنيا، فإن ذلك يزول وننقلب بعده إلى ربنا فيعطينا من النعيم الدائم مالا ~~يحد ولا يوصف. قال الهروي: لا ضير ولا ضرر ولا ضر بمعنى واحد، وأنشد أبو ~~عبيدة: # فإنك لا يضرك بعد حول * أظبي كان أمك أم حمار قال الجوهري: ضاره يضوره ~~ويضيره ضيرا وضورا: أي ضره. قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول: # لا ينفعني ذلك ولا يضورني (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا) ثم عللوا ~~هذا بقولهم (أنا كنا أول المؤمنين) بنصب أن: أي لأن كنا أول المؤمنين. ~~وأجاز الفراء والكسائي كسرها على أن يكون مجازاة، ومعنى أول PageV04P099 # المؤمنين: أنهم أول من آمن من قوم فرعون بعد ظهور الآية. وقال الفراء: ~~أول مؤمني زمانهم، وأنكره الزجاج، وقال قد روى أنه آمن معهم ستمائة ألف ~~وسبعون ألفا، وهم الشرذمة القليلون الذين عناهم فرعون بقوله - إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون -. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين) ~~يقول: مبين له خلق حية (ونزع يده) يقول. وأخرج موسى يده من جيبه (فإذا هي ~~بيضاء) تلمع (للناظرين) لمن ينظر إليها ويراها. # وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله (وقيل للناس هل أنتم مجتمعون) قال: ~~كانوا بالإسكندرية. قال: ويقال بلغ ذنب الحية من وراء ms2824 البحيرة يومئذ. قال: ~~وهربوا وأسلموا فرعون وهمت به فقال خذها يا موسى، وكان مما بلى الناس به ~~منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئا: أي يوهمهم أنه لا يحدث فأحدث يومئذ ~~تحته. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله (لا ضير) قال: يقولون لا يضيرنا ~~الذي تقول وإن صنعت بنا وصلبتنا (إنا إلي ربنا منقلبون) يقولون: إنا إلى ~~ربنا راجعون وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا وثباتنا على توحيده ~~والبراءة من الكفر، وفي قوله (أن كنا أول المؤمنين) قالوا كانوا كذلك يومئذ ~~أول من آمن بآياته حين رأوها. # قوله (أن أسر بعبادي) أمر الله سبحانه موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا، ~~وسماهم عباده لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به، وقد تقدم تفسير مثل هذا في ~~سورة الأعراف، وجملة (إنكم متبعون) تعليل للأمر المتقدم: أي يتبعكم فرعون ~~وقومه ليردوكم، و (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين) وذلك حين بلغه مسيرهم، ~~والمراد بالحاشرين الجامعون للجيش من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون. ثم ~~قال فرعون لقومه بعد اجتماعهم لديه (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) يريد بني ~~إسرائيل، والشرذمة الجمع الحقير القليل والجمع شراذم: قال الجوهري: الشرذمة ~~الطائفة من الناس والقطعة من الشئ، وثوب شراذم: أي قطع، ومنه قول الشاعر: # جاء الشتاء وقميصي أخلاق * شراذم يضحك منها الخلاق قال الفراء: يقال عصبة ~~قليلة وقليلون وكثيرة وكثيرون. قال المبرد: الشرذمة القطعة من الناس غير ~~الكثير PageV04P100 # وجمعها الشراذم. قال الواحدي: قال المفسرون: وكان الشرذمة الذين قللهم ~~فرعون ستمائة ألف ولا يحصى عدد أصحاب فرعون (وإنهم لنا لغائظون) يقال: ~~غاظني كذا وأغاظني، والغيظ الغضب، ومنه التغيظ والاغتياظ: # أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني (وإنا لجميع حذرون) قرئ حذرون وحاذرون ~~وحذرون بضم الذال، حكى ذلك الأخفش. قال الفراء: الحاذر الذي يحذرك الآن، ~~والحذر المخلوق كذلك لا تلقاه إلا حذرا. وقال الزجاج: الحاذر المستعد، ~~والحذر المتيقظ، وبه قال الكسائي ومحمد بن يزيد، قال النحاس: حذرون قراءة ~~المدنيين وأبي عمرو، وحاذرون قراءة أهل الكوفة. قال: وأبو عبيدة يذهب إلى ms2825 ~~أن معنى حذرون وحاذرون واحد وهو قول سيبويه، وأنشد سيبويه: # حذر أمورا لا تضير وحاذر * ما ليس ينجيه من الأقدار (فأخرجناهم من جنات ~~وعيون وكنوز ومقام كريم) يعني فرعون وقومه أخرجهم الله من أرض مصر وفيها ~~الجنات والعيون والكنوز، وهي جمع جنة وعين وكنز، والمراد بالكنوز: الخزائن، ~~وقيل الدفائن، وقيل الأنهار، وفيه نظر لأن العيون المراد بها عند جمهور ~~المفسرين عيون الماء فيدخل تحتها الأنهار. # واختلف في المقام الكريم، فقيل المنازل الحسان، وقيل المنابر، وقيل مجالس ~~الرؤساء والأمراء، وقيل مرابط الخيل، والأول أظهر، ومن ذلك قول الشاعر: # وفيهم مقامات حسان وجوهها * وأندية ينتابها القول والفعل (كذلك وأورثناها ~~بني إسرائيل) يحتمل أن يكون كذلك في محل نصب: أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج ~~الذي وصفنا، ويحتمل أن يكون في محل جر على الوصفية: أي مقام كريم مثل ذلك ~~المقام الذي كان لهم، ويحتمل الرفع علي أنه خبر مبتدأ محذوف: أي الأمر ~~كذلك: ومعنى وأورثناها بني إسرائيل جعلناها ملكا لهم، وهو معطوف على ~~فأخرجناهم (فأتبعوهم مشرقين) روي قراءة الجمهور بقطع الهمزة، وقرأ الحسن ~~والحارث الديناري بوصلها وتشديد التاء: أي فلحقوهم حال كونهم مشرقين: أي ~~داخلين في وقت الشروق. يقال شرقت الشمس شروقا إذا طلعت كأصبح وأمسى: أي دخل ~~في هذين الوقتين، وقيل داخلين نحو المشرق كأنجد وأتهم، وقيل معنى مشرقين ~~مضيئين. قال الزجاج: يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضائت (فلما ~~تراءى الجمعان) قرأ الجمهور " تراءى " بتخفيف الهمزة، وقرأ ابن وثاب ~~والأعمش من غير همز، والمعنى: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وهو تفاعل من ~~الرؤية، وقرئ " تراءت الفئتان " (قال أصحاب موسى إنا لمدركون) أي سيدركنا ~~جمع فرعون ولا طاقة لنا بهم. قرأ الجمهور " إنا لمدركون " اسم مفعول من ~~أردك، ومنه - حتى إذا أدركه الغرق - وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدال ~~مشددة وكسر الراء. قال الفراء: هما بمعنى واحد. قال النحاس: ليس كذلك يقول ~~النحويون الحذاق، إنما يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في ~~لحاقهم. قال: وهذا معنى قول سيبويه. وقال ms2826 الزمخشري: إن معنى هذه القراءة ~~إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد (قال كلا إن معي ~~ربي سيهدين) قال موسى هذه المقالة زجرا لهم وردعا، والمعنى: أنهم لا ~~يدركونكم، وذكرهم وعد الله بالهداية والظفر، والمعنى: إن معي ربي بالنصر ~~والهداية سيهدين: أي يدلني على طريق النجاة، فلما عظم البلاء على بني ~~إسرائيل ورأوا من الجيوش مالا طاقة لهم به، وأمر الله سبحانه موسى أن يضرب ~~البحر بعصاه، وذلك قوله (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر) لما قال ~~موسى: (إن معي ربي سيهدين) بين الله سبحانه له طريق الهداية فأمره بضرب ~~البحر، وبه نجا بنو إسرائيل وهلك عدوهم، والفاء في (فانفلق) فصيحة: أي ~~PageV04P101 # فضرب فانفلق فصار اثنى عشر فلقا بعدد الأسباط، وقام الماء عن يمين الطريق ~~وعن يساره كالجبل العظيم، وهو معنى قوله (فكان كل فرق كالطود العظيم) ~~والفرق القطعة من البحر، وقرئ فلق بلام بدل الراء، والطود الجبل قال امرؤ ~~القيس: # فبينا المرء في الأحياء طود * رماه الناس عن كثب فمالا وقال الأسود بن ~~يعفر: # حلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد (وأزلفنا ثم الآخرين) ~~أي قربناهم إلى البحر: يعنى فرعون وقومه. قال الشاعر: # وكل يوم مضى أو ليلة سلفت * فيها النفوس إلى الآجال تزدلف قال أبو عبيدة: ~~أزلفنا جمعنا، ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع، وثم ظرف مكان للبعيد. ~~وقيل إن المعنى: # وأزلفنا قربنا من النجاة، والمراد بالآخرين موسى وأصحابه، والأول أولى، ~~وقرأ الحسن وأبو حيوة وزلفنا ثلاثيا، وقرأ أبي وابن عباس وعبد الله بن ~~الحارث " وأزلقنا " بالقاف: أي أزللنا وأهلكنا من قولهم: أزلقت الفرس إذا ~~ألقت ولدها (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) بمرورهم في البحر بعد أن جعله ~~الله طرقا يمشون فيها (ثم أغرقنا الآخرين) يعني فرعون وقومه أغرقهم الله ~~باطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه، والإشارة بقوله ~~(إن في ذلك لآية) إلى ما تقدم ذكره مما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه ~~الغاية، ففي ذلك آية ms2827 عظيمة وقدرة باهرة من أدل العلامات على قدرة الله ~~سبحانه وعظيم سلطانه (وما كان أكثرهم مؤمنين) أي ما كان أكثر هؤلاء الذين ~~مع فرعون مؤمنين، فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته، ~~وآسية امرأة فرعون، والعجوز التي دلت على قبر يوسف، وليس المراد أكثر من ~~كان مع فرعون عند لحاقه بموسى فإنهم هلكوا في البحر جميعا بل المراد من كان ~~معه من الأصل ومن كان متابعا له ومنتسبا إليه، هذا غاية ما يمكن أن يقال. ~~وقال سيبويه وغيره: إن " كان " زائدة، وأن المراد الإخبار عن المشركين بعد ~~ما سمعوا الموعظة (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) أي المنتقم من أعدائه الرحيم ~~بأوليائه. # وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن مسعود في قوله (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) قال: ستمائة ألف وسبعون ألفا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانوا ستمائة ألف. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان أصحاب ~~موسى الذين جازوا البحر اثنى عشر سبطا، فكان في كل طريق اثنا عشر ألفا كلهم ~~ولد يعقوب ". وأخرج ابن مردويه عنه أيضا بسند. قال السيوطي: واه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان فرعون عدو الله حيث أغرقه الله هو ~~وأصحابه في سبعين قائدا مع كل قائد سبعون ألفا، وكان موسى مع سبعين ألفا ~~حيث عبروا البحر ". # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ~~ستمائة ألف ليس فيها أحد إلا على بهيم. # وأقول: هذه الروايات المضطربة قد روي عن كثير من السلف ما يماثلها في ~~الاضطراب والاختلاف، ولا يصح منها شئ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (ومقام كريم) قال: # المنابر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (كالطود) قال: ~~كالجبل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود ms2828 مثله. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس (وأزلفنا) قال: قربنا. وأخرج الفريابي وعبد بن PageV04P102 # حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، ~~فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: أن يوسف لما حضره ~~الموت أخذ علينا موثقا أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم ~~موسى: أيكم يدري أين قبره؟ # فقالوا: ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى ~~فقال: دلينا على قبر يوسف؟ # فقالت: لا والله حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في ~~الجنة، فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له أعطها حكمها، فأعطاها حكمها، فانطلقت ~~بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء، فقالت لهم: انضبوا عنها الماء ففعلوا، قالت: ~~احفروا فحفروا، فاستخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء ~~النهار " قوله (وأتل عليهم) معطوف على العامل في قوله - وإذ نادى ربك موسى ~~- وقد تقدم، والمراد بنبأ إبراهيم PageV04P103 # خبره: أي أقصص عليهم يا محمد خبر إبراهيم وحديثه، و (إذ قال) منصوب بنبأ ~~إبراهيم: أي وقت قوله (لأبيه وقومه ما تعبدون) وقيل إذا بدل من نبأ بدل ~~اشتمال، فيكون العامل فيه أتل، والأول أولى. ومعنى ما تعبدون: # أي شئ تعبدون؟ وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام، ولكنه أراد إلزامهم الحجة ~~(قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين) أي فتقيم على عبادتها مستمرا لا في ~~وقت معين، يقال ظل يفعل كذا: إذا فعله نهارا، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا، ~~فظاهره أنهم يستمرون على عبادتها نهارا لا ليلا، والمراد من العكوف لها ~~الإقامة على عبادتها، وإنما قال لها لإفادة أن ذلك العكوف لأجلها، فلما ~~قالوا هذه المقالة قال إبراهيم منبها على فساد مذهبهم (هل يسمعونكم إذ ~~تدعون) قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم، أو هل يسمعون ~~دعاءكم. # وقرأ قتادة " هل يسمعونكم " بضم الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم وقت دعائكم ms2829 ~~لهم (أو ينفعونكم) بوجه من وجوه النفع (أو يضرون) أي يضرونكم إذا تركتم ~~عبادتهم، وهذا الاستفهام للتقرير، فإنها إذا كانت لا تسمع ولا تنفع ولا تضر ~~فلا وجه لعبادتها، فإذا قالوا نعم هي كذلك أقروا بأن عبادتهم لها من باب ~~اللعب والعبث، وعند ذلك تقوم الحجة عليهم، فلما أورد عليهم الخليل هذه ~~الحجة الباهرة لم يجدوا لها جوابا إلا رجوعهم إلى التقليد البحت وهو أنهم ~~وجدوا آباءهم كذلك يفعلون أي يفعلون لهذه العبادة لهذه الأصنام مع كونها ~~بهذه الصفة التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها، وهذا الجواب هو العصى ~~التي يتوكأ عليها كل عاجز، ويمشي بها كل أعرج ويغتر بها كل مغرور، وينخدع ~~لها كل مخدوع، فإنك لو سألت الآن هذه المقلدة للرجال التي طبقت الأرض ~~بطولها والعرض، وقلت لهم: ما الحجة لهم على تقليد فرد من أفراد العلماء ~~والأخذ بكل ما يقوله في الدين ويبتدعه من الرأي المخالف للدليل لم يجدوا ~~غير هذا الجواب ولا فاهوا بسواه، وأخذوا يعددون عليك من سبقهم إلى تقليد ~~هذا من سلفهم واقتداء بأقواله وأفعاله وهم قد ملئوا صدورهم هيبة، وضاقت ~~أذهانهم عن تصورهم، وظنوا أنهم خير أهل الأرض وأعلمهم وأورعهم، فلم يسمعوا ~~لناصح نصحا ولا لداع إلى الحق دعاء، ولو فظنوا لوجدوا أنفسهم في غرور عظيم ~~وجهل شنيع وإنهم كالبهيمة العمياء، وأولئك الأسلاف كالعمى الذين يقودون ~~البهائم العمى، كمال قال الشاعر: # كبهيمة عمياء قاد زمامها * أعمى على عوج الطريق الحائر فعليك أيها العامل ~~بالكتاب والسنة المبرأ من التعصب والتعسف أن تورد عليهم حجج الله، وتقيم ~~عليهم براهينه، فإنه ربما انقاد لك منهم من لم يستحكم داء التقليد في قلبه، ~~وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء، فلو أوردت عليه كل حجة وأقمت عليه كل ~~برهان لما أعارك إلا أذنا صماء وعينا عمياء، ولكنك قد قمت بواجب البيان ~~الذي أوجبه عليك القرآن، والهداية بيد الخلاق العليم - إنك لا تهدى من ~~أحببت ولكن الله يهدى من يشاء - ولما قال هؤلاء المقلدة هذه المقالة ms2830 (قال) ~~الخليل (أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباؤكم الأقدمون) أي فهل أبصرتم ~~وتفكرتم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع حتى تعلموا ~~أنكم على ضلالة وجهالة، ثم أخبرهم بالبراءة من هذه الأصنام التي يعبدونها. ~~فقال (فإنهم عدو لي) ومعنى كونهم عدوا له مع كونهم جمادا أنه إن عبدهم ~~كانوا له عدوا يوم القيامة. قال الفراء: هذا من المقلوب: أي فإني عدو لهم ~~لأن من عاديته عاداك، والعدو كالصديق يطلق على الواحد والمثنى والجماعة ~~والمذكر والمؤنث، كذا قال الفراء. قال علي بن سليمان: # من قال عدوة الله فأثبت الهاء، قال هي بمعنى المعادية، ومن قال عدو ~~للمؤنث والجمع جعله بمعنى النسب. وقيل PageV04P104 # المراد بقوله (فإنهم عدو لي) آباؤهم الأقدمون لأجل عبادتهم الأصنام، ورد ~~بأن الكلام مسوق فيما عبدوه لا في العابدين، والاستثناء في قوله (إلا رب ~~العالمين) منقطع: أي لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو ولي في الدنيا ~~والآخرة. قال الزجاج: قال النحويون: هو استثناء ليس من الأول، وأجاز الزجاج ~~أيضا أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه ~~الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله. قال الجرجاني: تقديره ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو ~~لي، فجعله من باب التقديم والتأخير، وجعل إلا بمعنى دون وسوى كقوله - لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى - أي دون الموتة الأولى. وقال الحسن ~~بن الفضل: إن المعنى إلا من عبد رب العالمين، ثم وصف رب العالمين بقوله ~~(الذي خلقني فهو يهدين) أي فهو يرشدني إلى مصالح الدين والدنيا. وقيل إن ~~الموصول مبتدأ وما بعده خبره، والأول أولى. # ويجوز أن يكون الموصول بدلا من رب، وأن يكون عطف بيان له، وأن يكون ~~منصوبا على المدح بتقدير أعني أو أمدح، وقد وصف الخليل ربه بما يستحق ~~العبادة لأجله، فإن الخلق والهداية والرزق يدل عليه قوله (والذي هو يطعمني ~~ويسقين) ودفع ضر المرض، وجلب نفع الشفاء، والإماتة والإحياء، والمغفرة ~~للذنب، ms2831 كلها نعم يجب على المنعم عليه ببعضها فضلا عن كلها أن يشكر المنعم ~~بجميع أنواع الشكر التي أعلاها وأولاها العبادة، ودخول هذه الضمائر في صدور ~~هذه الجمل للدلالة على أنه الفاعل لذلك دون غيره، وأسند المرض إلى نفسه دون ~~غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من ~~الله سبحانه، ومراده بقوله (ثم يحيين) البعث، وحذف الياء من هذه الأفعال ~~لكونها رؤوس الآي. وقرأ ابن أبي إسحاق هذه الأفعال كلها بإثبات الياء، ~~وإنما قال عليه الصلاة والسلام (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) ~~هضما لنفسه، وقيل إن الطمع هنا بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى الرجاء في حق ~~سواه. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق " خطاياي " قالا: ليست خطيئته واحدة. قال ~~النحاس: خطيئة بمعنى خطايا في كلام العرب. قال مجاهد: يعنى بخطيئته قوله - ~~بل فعله كبيرهم هذا -، وقوله - إني سقيم - وقوله إن سارة أخته، زاد الحسن: ~~وقوله للكوكب - هذا ربي - وحكى الواحدي عن المفسرين أنهم فسروا الخطايا بما ~~فسرها به مجاهد. قال الزجاج: الأنبياء بشر، ويجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا ~~أنهم لا تكون منهم الكبيرة لأنهم معصومون، والمراد بيوم الدين يوم الجزاء ~~للعباد بأعمالهم، ولا يخفى أن تفسير الخطايا بما ذكره مجاهد ومن معه ضعيف، ~~فإن تلك معاريض، وهي أيضا إنما صدرت عنه بعد هذه المقاولة الجارية بينه ~~وبين قومه. ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه والاعتراف بنعمه عقبه ~~بالدعاء ليقتدي به غيره في ذلك، فقال (رب هب لي حكما) والمراد بالحكم العلم ~~والفهم، وقيل النبوة والرسالة، وقيل المعرفة بحدود الله وأحكامه إلى اخره ~~(وألحقني بالصالحين) يعني بالنبيين من قبلي، وقيل بأهل الجنة (واجعل لي ~~لسان صدق في الآخرين) أي اجعل لي ثناء حسنا في الآخرين الذين يأتون بعدي ~~إلى يوم القيامة. قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأن ~~القول يكون به، وقد تكنى العرب بها عن الكلمة، ومنه قول الأعشى: # * إني أتتني لسان لا أسر بها * وقد أعطى الله سبحانه ms2832 إبراهيم ذلك بقوله ~~(وتركنا عليه في الآخرين) فإن كل أمة تتمسك به وتعظمه. وقال مكي: قيل معنى ~~سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، فأجيبت دعوته في محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ولا وجه لهذا التخصيص. وقال القشيري: أراد الدعاء ~~الحسن إلى قيام الساعة، ولا وجه لهذا أيضا، فإن لسان الصدق أعم من ذلك ~~(واجعلني من ورثة جنة النعيم) من ورثة يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا، وأن ~~يكون صفة لمحذوف هو المفعول الثاني: أي وارثا من ورثة جنة النعيم، لما طلب ~~عليه PageV04P105 # السلام بالدعوة الأولى سعادة الدنيا طلب بهذه الدعوة سعادة الآخرة، وهي ~~جنة النعيم، وجعلها مما يورث تشبيها لغنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا، وقد تقدم ~~تفسير معنى الوراثة في سورة مريم (واغفر لأبي إنه كان من الضالين) كان أبوه ~~قد وعده أنه يؤمن به، فاستغفر له فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه، وقد ~~تقدم تفسير هذا مستوفى في سورة التوبة وسورة مريم، ومعنى " من الضالين " من ~~المشركين الضالين عن طريق الهداية، وكان زائدة على مذهب سيبويه كما تقدم في ~~غير موضع (ولا تحزني يوم يبعثون) أي لا تفضحني على رؤوس الأشهاد بمعاتبتي، ~~أو لا تعذبني يوم القيامة، أو لا تخزني بتعذيب أبى أو ببعثه في جملة ~~الضالين، والإخزاء يطلق على الخزي وهو الهوان، وعلى الخزاية وهي الحياء، و ~~(يوم لا ينفع مال ولا بنون) بدل من يوم يبعثون: أي يوم لا ينفع فيه المال ~~والبنون أحدا من الناس، والابن هو أخص القرابة وأولاهم بالحماية والدفع ~~والنفع، فإذا لم ينفع فغيره من القرابة والأعوان بالأولى. وقال ابن عطية: ~~إن هذا وما بعده من كلام الله، وهو ضعيف، والاستثناء بقوله (إلا من أتى ~~الله بقلب سليم) قيل هو منقطع: أي لكن من أتى الله بقلب سليم. قال في ~~الكشاف: إلا حال من أتى الله بقلب سليم، فقدر مضافا محذوفا. قال أبو حيان: ~~ولا ضرورة تدعوا إلى ذلك. وقيل إن هذا الاستثناء بدل من المفعول المحذوف، ms2833 ~~أو مستثنى منه، إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحدا من الناس إلا من كانت ~~هذه صفته، ويحتمل أن يكون بدلا من فاعل ينفع، فيكون مرفوعا. قال أبو ~~البقاء: فيكون التقدير: إلا مال من أو بنو من فإنه ينفع. # واختلف في معنى القلب السليم، فقيل السليم من الشرك، فأما الذنوب فليس ~~يسلم منها أحد، قاله أكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم ~~الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، وقيل هو القلب ~~الخالي عن البدعة المطمئن إلى السنة، وقيل السالم من آفة المال والبنين. ~~وقال الضحاك: السليم الخالص. وقال الجنيد: السليم في اللغة اللديغ، فمعناه: ~~أنه قلب كاللديغ من خوف الله تعالى، وهذا تحريف وتعكيس لمعنى القران. قال ~~الرازي: أصح الأقوال أن المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة ~~(وأزلفت الجنة للمتقين) أي قربت وأدنيت لهم ليدخلوها. وقال الزجاج: قرب ~~دخولهم إياها ونظرهم إليها (وبرزت الجحيم للغاوين) أي جعلت بارزة لهم، ~~والمراد بالغاوين الكافرون، والمعنى: أنها أظهرت قبل أن يدخلها المؤمنون ~~ليشتد حزن الكافرين ويكثر سرور المؤمنين (وقل لهم أين ما كنتم تعبدون من ~~دون الله) من الأصنام والأنداد (هل ينصرونكم) فيدفعون عنكم العذاب (أو ~~ينتصرون) بدفعه عن أنفسهم. وهذا كله توبيخ وتقريع لهم، وقرأ مالك بن دينار ~~" وبرزت " بفتح الباء والراء مبنيا للفاعل (فكبكبوا فيها هم والغاوون) أي ~~ألقوا في جهنم هم: يعني المعبودين والغاوون: يعني العابدين لهم. وقيل معنى ~~كبكبوا: قلبوا على رؤوسهم، وقيل ألقى بعضهم على بعض، وقيل جمعوا، مأخوذ من ~~الكبكبة وهي الجماعة قاله الهروي. وقال النحاس: هو مشتق من كوكب الشئ: أي ~~معظمه، والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة، وقيل دهدهوا، وهذه المعاني متقاربة، ~~وأصله كببوا بباءين الأولى مشددة من حرفين، فأبدل من الباء الوسطى الكاف. ~~وقد رجح الزجاج أن المعنى: طرح بعضهم على بعض. ورجح ابن قتيبة أن المعنى: ~~ألقوا على رؤوسهم. وقيل الضمير في كبكبوا لقريش، والغاوون الآلهة، والمراد ~~بجنود إبليس شياطينه الذين يغوون العباد، وقيل ذريته وقيل كل ms2834 من يدعوا إلى ~~عبادة الأصنام، و (أجمعون) تأكيد للضمير في كبكبوا وما عطف عليه، وجملة ~~(قالوا وهم فيها يختصون) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ماذا قالوا حين ~~فعل بهم ما فعل، ومقول القول (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) وجملة: وهم فيها ~~يختصمون في محل نصب على الحال: أي قالوا هذه المقالة حال كونهم في جهنم ~~مختصمين، و " إن " في إن PageV04P106 # كنا هي المخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية: أي قالوا ~~تالله إن الشأن كوننا في ضلال واضح ظاهر، والمراد بالضلال هنا الخسار ~~والتبار والحيرة عن الحق، والعامل في الظرف، أعني (إذ نسويكم برب العالمين) ~~هو كونهم في الضلال المبين. وقيل العامل هو الضلال، وقيل ما يدل عليه ~~الكلام، كأنه قيل ضللنا وقت تسويتنا لكم برب العالمين. وقال الكوفيون: إن " ~~إن " في إن كنا نافية واللام بمعنى إلا: أي ما كنا ألا في ضلال مبين. # والأول أولى، وهو مذهب البصريين (فما لنا من شافعين) يشفعون لنا من ~~العذاب كما للمؤمنين (ولا صديق حميم) أي ذي قرابة، والحميم القريب الذي ~~توده ويودك، ووحد الصديق لما تقدم غير مرة أنه يطلق على الواحد والاثنين ~~والجماعة والمذكر والمؤنث، والحميم مأخوذ من حامة الرجل: أي أقربائه، ويقال ~~حم الشئ وأحم إذا قرب منه، ومنه الحمى لأنه يقرب من الأجل. وقال علي بن ~~عيسى: إنما سمى القريب حميما لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية ~~(فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) هذا منهم على طريق التمني الدال على ~~كمال التحسر كأنهم قالوا: فليت لنا كرة: أي رجعة إلى الدنيا، وجواب التمني ~~فنكون من المؤمنين: أي نصير من جملتهم، والإشارة بقوله (إن في ذلك لآية) ~~إلى ما تقدم ذكره من نبأ إبراهيم، والآية العبرة والعلامة، والتنوين يدل ~~على التعظيم والتفخيم (وما كان أكثرهم مؤمنين) أي أكثر هؤلاء الذين يتلو ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبأ إبراهيم، وهم قريش ومن دان ~~بدينهم. وقيل وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين، ms2835 وهو ضعيف لأنهم كلهم غير ~~مؤمنين (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) أي هو القاهر لأعدائه الرحيم بأوليائه، ~~أو الرحيم للأعداء بتأخير عقوبتهم وترك معاجلتهم. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وألحقني ~~بالصالحين) يعنى بأهل الحنة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (واجعل لي ~~لسان صدق في الآخرين) قال: اجتماع أهل الملل على إبراهيم. وأخرج عنه أيضا ~~(واغفر لأبي) قال: امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك. وأخرج البخاري وغيره ~~من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يلقى إبراهيم ~~أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل ~~لك لا تعصني، فاليوم لا أعصينك، فيقول إبراهيم: رب إنك وعدتني أن لا تخزيني ~~يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على ~~الكافرين، ثم يقول: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ ~~بقوائمه فيلقى في النار " والذيخ هو الذكر من الضباع، فكأنه حول آزر إلى ~~صورة ذيخ. وقد أخرجه النسائي بأطول من هذا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله (إلا من أتى الله بقلب سليم) قال: شهادة أن لا إله إلا ~~الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (فكبكبوا فيها) قال: ~~جمعوا فيها (هم والغاوون) قال: مشركوا العرب والآلهة. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه أيضا (فلو أن لنا كرة) قال رجعة إلى الدنيا (فنكون من المؤمنين) حتى ~~تحل لنا الشفاعة كما حلت لهؤلاء. PageV04P107 # قوله (كذبت قوم نوح المرسلين) أنث الفعل لكونه مسندا إلى قوم، وهو في ~~معنى الجماعة أو الأمة أو القبيلة، وأوقع التكذيب على المرسلين، وهم لم ~~يكذبوا إلا الرسول المرسل إليهم، لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل، لأن كل ~~رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل. وقيل كذبوا نوحا في الرسالة وكذبوه فيما ~~أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده (إذ قال لهم أخوهم نوح) أي أخوهم من ~~أبيهم، ms2836 لا أخوهم في الدين. وقيل هي أخوة المجانسة، وقيل هو من قول العرب: ~~يا أخا بنى تميم، يريدون واحدا منهم (ألا تتقون) أي ألا تتقون الله بترك ~~عبادة الأصنام وتجيبون رسوله الذي أرسله إليكم (إني لكم رسول أمين) أي إني ~~لكم رسول من الله أمين فيما أبلغكم عنه، وقيل أمين فيما بينكم، فإنهم كانوا ~~قد عرفوا أمانته وصدقه (فاتقوا الله وأطيعون) أي اجعلوا طاعة الله وقاية ~~لكم من عذابه وأطيعون فيما آمركم به عن الله من الإيمان به وترك الشرك ~~والقيام بفرائض الدين (وما أسألكم عليه من أجر) أي ما أطلب منكم أجرا على ~~تبليغ الرسالة ولا أطمع في ذلك منكم (إن أجرى) الذي اطلبه وأريده (إلا على ~~رب العالمين) أي على ما أجري إلا عليه، وكرر قوله (فاتقوا الله وأطيعون) ~~للتأكيد والتقرير في النفوس مع كونه علق كل واحد منهم بسبب، وهو الأمانة في ~~الأول، وقطع الطمع في الثاني، ونظيره قولك: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ~~ربيتك صغيرا، ألا تتقئ الله في عقوقي وقد علمتك كبيرا، وقدم الأمر بتقوى ~~الله على الأمر بطاعته، لأن تقوى الله علة لطاعته (قالوا أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون) الاستفهام للإنكار: أي كيف نتبعك ونؤمن لك، والحال أن قد أتبعك ~~الأرذلون، وهم جمع أرذل، وجمع التكسير أرذال، والأنثى رذلى. وهم الأقلون ~~جاها ومالا PageV04P108 # والرذالة الخسة والذلة، استرذلوهم لقلة أموالهم وجاههم، أو لا تضاع ~~أنسابهم. وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة، وقد تقدم تفسير هذه الآيات ~~في هود. وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي " وأتباعك الأرذلون " قال ~~النحاس: وهي قراءة حسنة، لأن هذه الواو تتبعها الأسماء كثيرا، وأتباع جمع ~~تابع، فأجابهم نوح بقوله (وما علمي بما كانوا يعملون) كان زائدة، والمعنى: ~~وما علمي بعملهم: أي لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى ~~الإيمان والاعتبار به، لا بالحرف والصنائع والفقر والغنى، وكأنهم أشاروا ~~بقولهم (واتبعك الأرذلون) إلى أن إيمانهم لم يكن عن نظر صحيح فأجابهم بهذا. ~~وقيل المعنى: إني لم أعلم أن الله سيهديهم ms2837 ويضلكم (إن حسابهم إلا على ربي ~~لو تشعرون) أي ما حسابهم والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على الله لو ~~كنتم من أهل الشعور والفهم، قرأ الجمهور " تشعرون " بالفوقية، وقرأ ابن أبي ~~عبلة وابن السميفع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية، كأنه ترك الخطاب للكفار ~~والتفت إلى الإخبار عنهم. قال الزجاج: والصناعات لا تضر في باب الديانات ~~وما أحسن ما قال (وما أنا بطارد المؤمنين) هذا جواب من نوح على ما ظهر من ~~كلامهم من طلب الطرد لهم (إن أنا إلا نذير مبين) أي ما أنا إلا نذير موضح ~~لما أمرني الله سبحانه بإبلاغه إليكم، وهذه الجملة كالعلة لما قبلها (قالوا ~~لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) أي إن لم تترك عيب ديننا وسب ~~آلهتنا لتكونن من المرجومين بالحجارة، وقيل من المشتومين، وقيل من ~~المقتولين، فعدلوا بعد تلك المحاورة وبينهم وبين نوح إلى التجبر والتوعد ~~فلما سمع نوح قولهم هذا (قال رب إن قومي كذبون) أي أصروا على تكذيبي، ولم ~~يسمعوا قولي ولا أجابوا دعائي (فافتح بيني وبينهم فتحا) الفتح الحكم: أي ~~احكم بيني وبينهم حكما، وقد تقدم تحقيق معنى الفتح (ونجني ومن معي من ~~المؤمنين) فلما دعا ربه بهذا الدعاء استجاب له فقال (فأنجيناه ومن معه في ~~الفلك المشحون) أي السفينة المملوءة، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب ~~والمتاع (ثم أغرقنا بعد الباقين) أي ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه ~~(إن في ذلك لآية) أي علامة وعبرة عظيمة (وما كان أكثرهم مؤمنين) كان زائدة ~~عند سيبويه وغيره على ما تقدم تحقيقه (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) أي ~~القاهر لأعدائه، الرحيم بأوليائه (كذبت عاد المرسلين) أنت الفعل باعتبار ~~إسناده إلى القبيلة، لأن عادا اسم أبيهم الأعلى. ومعنى تكذيبهم المرسلين مع ~~كونهم لم يكذبوا إلا رسولا واحدا قد تقدم وجهه في قصة نوح قريبا (إذ قال ~~لهم أخوهم هود ألا تتقون) الكلام فيه كالكلام في قول نوح المتقدم قريبا، ~~وكذا قوله (إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من ms2838 أجر ~~إن أجري إلا على رب العالمين) الكلام فيه كالذي قبله سواء (أتبنون بكل ريع ~~آية تعبثون) الريع المكان المرتفع من الأرض جمع ريعة، يقال كم ريع أرضك؟ أي ~~كم ارتفاعها. قال أبو عبيدة: الريع الارتفاع جمع ريعة. وقال قتادة والضحاك ~~والكلبي: الريع الطريق، وبه قال مقاتل والسدي. وإطلاق الريع على ما ارتفع ~~من الأرض معروف عند أهل اللغة، ومنه قول ذي الرمة: # طراق الخوافي مشرف فوق ريعة * بذى ليلة في ريشه يترقرق وقيل الريع الجبل، ~~واحده ريعة، والجمع أرياع. وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين، وروى عنه أن ~~الثنية الصغيرة، وروى عنه أيضا أنه المنظرة. ومعنى الآية: أنكم تبنون بكل ~~مكان مرتفع علما تعبثون ببنيانه وتلعبون بالمارة وتسخرون منهم، لأنكم ~~تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق فتؤذون المارة وتسخرون منهم. # وقال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم حكاه الماوردي. قال ابن ~~الأعرابي: الريع الصومعة، والريع البرج يكون في الصحراء، والريع التل ~~العالي، وفي الريع لغتان كسر الراء وفتحها (وتتخذون مصانع) PageV04P109 # المصانع: هي الأبنية التي يتخذها الناس منازل. قال أبو عبيدة: كل بناء ~~مصنعة ومنه وبه قال الكلبي وغيره، ومنه قول الشاعر: # تركن ديارهم منهم قفارا * وهد من المصانع والبروجا وقيل هي الحصون ~~المشيدة، قاله مجاهد وغيره. وقال الزجاج: إنها مصانع الماء التي تجعل تحت ~~الأرض واحدتها مصنعة ومصنع، ومنه قول لبيد: # بلينا وما تبلى النجوم الطوالع * وتبقى الجبال بعدنا والمصانع وليس في ~~هذا البيت ما يدل صريحا على ما قاله الزجاج، ولكنه قال الجوهري: المصنعة ~~بضم النون الحوض يجمع فيه ماء المطر، والمصانع الحصون. وقال عبد الرزاق: ~~المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العالية: ومعنى (لعلكم تخلدون) راجين أن ~~تخلدوا، وقيل إن لعل هنا للاستفهام التوبيخي: أي هل تخلدون، كقولهم لعلك ~~تشتمني: أي هل تشتمني. وقال الفراء: كي تخلدون لا تتفكرون في الموت، وقيل ~~المعنى: كأنكم باقون مخلدون. # اقرأ الجمهور " تخلدون " مخففا. وقرأ قتادة بالتشديد. وحكى النحاس أن في ~~بعض القراءات " كأنكم مخلدون " وقرأ ابن مسعود " كي ms2839 تخلدوا " (وإذا بطشتم ~~بطشتم جبارين) البطش السطوة والأخذ بالعنف. قال مجاهد وغيره: # البطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط. والمعنى: فعلتم ذلك ظلما، وقيل هو ~~القتل على العصب قاله الحسن والكلبي. قيل والتقدير: وإذا أردتم البطش، لئلا ~~يتحد الشرط والجزاء، وانتصاب جبارين على الحال. قال الزجاج: إنما أنكر ~~عليهم ذلك لأنه ظلم، وأما في الحق فالبطش بالسوط والسيف جائز. ثم لما وصفهم ~~بهذه الأوصاف القبيحة الدالة على الظلم والعتو والتمرد والتجبر أمرهم ~~بالتقوى فقال (فاتقوا الله وأطيعون) أجمل التقوى ثم فصلها بقوله (واتقوا ~~الذي أمدكم بما تعملون، أمدكم بأنعام وبنين) وأعاد الفعل للتقرير والتأكيد ~~(وجنات وعيون) أي بساتين وأنهار وأبيار. ثم وعظهم وحذرهم فقال (إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم) إن كفرتم وأصررتم على ما أنتم فيه ولم تشكروا هذه ~~النعم، والمراد بالعذاب العظيم الدنيوي والأخروي. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس (قالوا أنؤمن لك) أي أنصدقك؟ وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن مجاهد (واتبعك الأرذلون) قال: الحواكون. وأخرج أيضا عن قتادة ~~قال: سفلة الناس وأراذلهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(الفلك المشحون) قال: الممتلئ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أنه قال " أتدرون ما المشحون؟ قلنا لا، قال: هو الموقر " ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: # هو المثقل. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (بكل ريع) قال: طريق (آية) قال: علما ~~(تعبثون) قال: تلعبون. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (بكل ريع) قال: شرف. ~~وأخرجوا أيضا عنه (لعلكم تخلدون) قال: كأنكم تخلدون. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه أيضا (جبارين) قال: أقوياء. PageV04P110 # أي وعظك وعدمه (سواء) عندنا لا نبالي بشئ منه ولا نلتفت إلى ما تقوله. ~~وقد روى العباس عن أبي عمرو، وروى بشر عن الكسائي (أوعظت) بإدغام الظاء في ~~التاء وهو بعيد، لأن حرف الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب منه جدا. وروي ~~ذلك عن عاصم والأعمش وابن محيصن. وقرأ الباقون بإظهار الظاء (إن هذا إلا ms2840 ~~خلق الأولين) أي ما هذا الذي جئتنا به ودعوتنا إليه من الدين إلا خلق ~~الأولين: أي عادتهم التي كانوا عليها. # وقيل المعنى: ما هذا الذي نحن عليه إلا خلق الأولين وعادتهم، وهذا بناء ~~على ما قاله الفراء وغيره: إن معنى خلق الأولين عادة الأولين. قال النحاس: ~~خلق الأولين عند الفراء بمعنى عادة الأولين. وحكى لنا محمد بن الوليد عن ~~محمد بن يزيد قال (خلق الأولين) مذهبهم وما جرى عليه أمرهم، والقولان ~~متقاربان. قال: وحكى لنا محمد بن يزيد أن معنى (خلق الأولين) تكذيبهم. قال ~~مقاتل: قالوا ما هذا الذي تدعونا إليه إلا كذب الأولين. قال الواحدي: وهو ~~قول ابن مسعود ومجاهد. قال: والخلق والاختلاق الكذب، ومنه قوله - وتخلقون ~~إفكا - قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب " خلق الأولين " بفتح الخاء ~~وسكون اللام. وقرأ الباقون بضم الخاء واللام. قال الهروي: معناه على ~~القراءة الأولى: اختلاقهم وكذبهم، وعلى القراءة الثانية: عادتهم، وهذا ~~التفصيل لابد منه. قال ابن الأعرابي: الخلق الدين، والخلق الطبع، والخلق ~~المروءة. وقرأ أبو قلابة بضم الخاء وسكون اللام وهي تخفيف لقراءة الضم ~~لهما، والظاهر أن المراد بالآية هو قول من قال: ما هذا الذي نحن عليه إلا ~~عادة الأولين وفعلهم، ويؤيده قولهم (وما نحن بمعذبين) أي على ما نفعل من ~~البطش ونحوه مما نحن عليه الان (فكذبوه فأهلكناهم) أي بالريح كما صرح ~~القرآن في غير هذا الموضع بذلك (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم) تقدم تفسير هذا قريبا في هذه السورة. ثم لما فرغ ~~سبحانه من ذكر قصة هود وقومه ذكر قصة صالح وقومه، وكانوا يسكنون الحجر فقال ~~(كذبت ثمود) إلى قوله (إلا على رب العالمين) قد تقدم تفسيره في قصة هود ~~المذكورة قبل هذه القصة (أتتركون فيما هاهنا آمنين) الاستفهام للإنكار، أي ~~أتتركون PageV04P111 # في هذه النعم التي أعطاكم الله آمنين من الموت والعذاب باقين في الدنيا. ~~ولما أبهم النعم في هذا فسرها بقوله (في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم) ~~والهضيم ms2841 النضيج الرخص اللين اللطيف، والطلع ما يطلع من الثمر، وذكر النخل ~~مع دخوله تحت الجنات لفضله على سائر الأشجار، وكثيرا ما يذكرون الشئ الواحد ~~بلفظ يعمه وغيره كما يذكرون النعم ولا يقصدون إلا الإبل، وهكذا يذكرون ~~الجنة، ولا يريدون إلا النخل. قال زهير: # كأن عيني في غربي مقبلة * من النواضح تسقى جنة سحقا وسحقا جمع سحوق، ولا ~~يوصف به إلا النخل. وقيل المراد بالجنات غير النخل من الشجر، والأول أولى. # وحكى الماوردي في معنى هضيم اثنى عشر قولا أحسنها وأوفقها للغة ما ذكرناه ~~(وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين) النحت: النجر والبري، نحته ينحته بالكسر ~~براه، والنحاتة البراية، وكانوا ينحتون بيوتهم من الجبال لما طالت أعمارهم ~~وتهدم بناؤهم من المدر. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان " فرهين " بغير ~~ألف. وقرأ الباقون " فارهين " بالألف. قال أبو عبيدة وغيره: وهما بمعنى ~~واحد. والفره: النشاط، وفرق بينهما أبو عبيد وغيره فقالوا " فارهين " ~~حاذقين بنحتها، وقيل متجبرين، " وفرهين " بطرين أشرين، وبه قال مجاهد ~~وغيره. وقيل شرهين. وقال الضحاك: كيسين. وقال قتادة: معجبين ناعمين آمنين، ~~وبه قال الحسن. وقيل فرحين، قاله الأخفش. وقال ابن زيد: أقوياء (فاتقوا ~~الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين) أي المشركين، وقيل الذين عقروا ~~الناقة، ثم وصف هؤلاء المسرفين بقوله (الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) ~~أي ذلك دأبهم يفعلون الفساد في الأرض ولا يصدر منهم الصلاح البتة (وقالوا ~~إنما أنت من المسحرين) أي الذين أصيبوا بالسحر قاله مجاهد وقتادة. وقيل ~~المسحر هو المعلل بالطعام والشراب قاله الكلبي وغيره، فيكون المسحر الذي له ~~سحر، وهو الرئة، فكأنهم قالوا إنما أنت بشر مثلنا تأكل وتشرب. قال الفراء: ~~أي إنك تأكل الطعام والشراب وتسحر به، ومنه قول امرئ القيس أو لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وقال امرؤ ~~القيس أيضا: # أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب قال المؤرج: المسحر ~~المخلوق بلغة ربيعة (ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين) في ~~قولك ودعواك (قال ms2842 هذه ناقة) الله (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) أي لها نصيب ~~من الماء ولكم نصيب منه معلوم ليس لكم أن تشربوا في اليوم الذي هو نصيبها، ~~ولا هي تشرب في اليوم الذي هو نصيبكم. قال الفراء: الشرب الحظ من الماء. ~~قال النحاس: فأما المصدر، فيقال فيه شرب شربا وشربا وأكثرها المضموم، ~~والشرب بفتح الشين جمع شارب، والمراد هنا الشرب بالكسر، وبه قرأ الجمهور ~~فيهما، وقرأ ابن أبي عبلة بالضم فيهما (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم ~~عظيم) أي لا تمسوها بعقر، أو ضرب، أو شئ مما يسوؤها، وجواب النهي فيأخذكم ~~(فعقروها فأصبحوا نادمين) على عقرها، لما عرفوا أن العذاب نازل بهم، وذلك ~~أنه أنظرهم ثلاثا، فظهرت عليهم العلامة في كل يوم وندموا حيث لا ينفع ~~الندم، لأن ذلك لا يجدي عند معاينة العذاب وظهور آثاره (فأخذهم العذاب) ~~الذي وعدهم به. وقد تقدم تفسير قوله (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين) وإن ربك لهو العزيز الرحيم في هذه السورة، وتقدم أيضا تفسير قصة ~~صالح وقومه في غير هذه السورة. PageV04P112 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ونخل طلعها ~~هضيم) قال: معشب. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: أينع وبلغ. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه أيضا قال: أرطب واسترخى. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (فرهين) قال: ~~حاذقين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال (فرهين) أشرين. وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ~~شرهين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخطيب وابن عساكر من طرق ~~عن ابن عباس في قوله (إنما أنت من المسحرين) قال: من المخلوقين، وأنشد قول ~~لبيد بن ربيعة: # فإن تسألينا فيم نحن...................... البيت. # وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا في قوله (لها شرب) قال: إذا كان يومها أصدر ~~لها لبنا ما شاءوا. PageV04P113 # ذكر سبحانه القصة السادسة من قصص الأنبياء مع ms2843 قومهم، وهي قصة لوط. وقد ~~تقدم تفسير قوله (إذ قال لهم) إلى قوله (إلا على رب العالمين) في هذه ~~السورة، وتقدم أيضا تفسير قصة لوط مستوفى في الأعراف، قوله (أتأتون الذكران ~~من العالمين) الذكران جمع الذكر ضد الأنثى، ومعنى تأتون: تنكحون الذكران من ~~العالمين، وهم بنو آدم، أو كل حيوان، وقد كانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما ~~تقدم في الأعراف (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) أي وتتركون ما خلقه ~~الله لأجل استمتاعكم به من النساء، وأراد بالأزواج جنس الإناث (بل أنتم قوم ~~عادون) أي مجاوزون للحد في جميع المعاصي، ومن جملتها هذه المعصية التي ~~ترتكبونها من الذكران (قالوا لئن لم تنته يا لوط) عن الإنكار علينا وتقبيح ~~أمرنا (لتكونن من المخرجين) من بلدنا المنفيين عنها (قال إني لعملكم) وهو ~~ما أنتم فيه من إتيان الذكران (من القالين) المبغضين له، والقلي البغض، ~~قليته أقليه قلا وقلاء، ومنه قول الشاعر: * فلست بمقلي الخلال ولا قالي * ~~وقال الآخر: * ومالك عندي إن نأيت قلاء * ثم رغب عليه الصلاة والسلام عن ~~محاورتهم، وطلب من الله عز وجل أن ينجيه فقال (رب نجني وأهلي مما يعملون) ~~أي من عملهم الخبيث، أو من عقوبته التي ستصيبهم، فأجاب الله سبحانه دعاءه، ~~وقال (فنجيناه وأهله أجمعين) أي أهل بيته، ومن تابعه على دينه، وأجاب دعوته ~~(إلا عجوزا في الغابرين) هي امرأة لوط، ومعنى من الغابرين: من الباقين في ~~العذاب. وقال أبو عبيدة: من الباقين في الهرم: أي بقيت حتى هرمت. # قال النحاس: يقال للذاهب غابر وللباقي غابر. قال الشاعر: # لا تكسع الشول بأغبارها * إنك لا تدري من الناتج والأغبار بقية الألبان، ~~وتقول العرب: ما مضى وما غبر: أي ما مضى وما بقي (ثم دمرنا الآخرين) أي ~~أهلكناهم بالخسف والحصب (وأمطرنا عليهم مطرا) يعنى الحجارة (فساء مطر ~~المنذرين) المخصوص بالذم محذوف، والتقدير مطرهم، وقد تقدم تفسير (إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم) في هذه السورة ~~(كذب أصحاب الأيكة المرسلين) قرأ نافع ms2844 وابن كثير وابن عامر " ليكة " بلام ~~واحدة وفتح التاء جعلوه اسما غير معرف بأل مضافا إليه أصحاب، وقرأ الباقون ~~" الأيكة " معرفا، والأيكة الشجر الملتف، وهي الغيضة، وليكة اسم للقرية، ~~وقيل هما بمعنى واحد اسم للغيضة. قال القرطبي: فأما ما حكاه أبو عبيد من أن ~~ليكة اسم القرية التي كانوا فيها، وأن الأيكة اسم البلد كله، فشئ لا يثبت ~~ولا يعرف من قاله ولو عرف لكان فيه نظر، لأن أهل العلم جميعا على خلافه. ~~قال أبو علي الفارسي: الأيكة تعريف أيكة، فإذا حذفت الهمزة تخفيفا ألقيت ~~حركتها على اللام. قال الخليل: الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ~~ناعم الشجر (إذ قال لهم شعيب ألا تتقون) لم يقل أخوهم كما قال في الأنبياء ~~قبله، لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم ~~شعيبا لأنه كان منهم، وقد مضى تحقيق نسبه في الأعراف، وقد تقدم تفسير قوله ~~(إني لكم رسول أمين) إلى قوله تعالى (إلا على رب العالمين) في هذه السورة. ~~قوله (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين) أي أتموا الكيل لمن أراده وعامل ~~به، ولا تكونوا من المخسرين: الناقضين للكيل والوزن، يقال أخسرت الكيل ~~والوزن: PageV04P114 # أي نقصته، ومنه قوله تعالى - وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون - ثم زاد ~~سبحانه في البيان فقال (وزنوا بالقسطاس المستقيم) أي أعطوا الحق بالميزان ~~السوي، وقد مر بيان تفسير هذا في سورة سبحان، وقد قرئ " بالقسطاس " مضموما ~~ومكسورا (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) البخس النقص، يقال بخسه حقه إذا نقصه: ~~أي لا تنقصوا الناس حقوقهم التي لهم، وهذا تعميم بعد التخصيص، وقد تقدم ~~تفسيره في سورة هود، وتقدم أيضا تفسير (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) فيها ~~وفي غيرها (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين) قرأ الجمهور بكسر الجيم ~~والباء وتشديد اللام، وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن والأعرج وشيبة بضمهما ~~وتشديد اللام، وقرأ السلمي بفتح الجيم مع سكون الباء، والجبلة الخليقة قاله ~~مجاهد وغيره: يعنى الأمم المتقدمة، يقال: جبل فلان على كذا: أي خلق. قال ms2845 ~~النحاس: الخلق يقال له جبلة بكسر الحرفين الأولين وبضمهما مع تشديد اللام ~~فيهما وبضم الجيم وسكون الباء وضمه فتحها، قال الهروي: الجبلة والجبلة ~~والجبل والجبل لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى ~~- جبلا كثيرا - أي خلقا كثيرا، ومن ذلك قول الشاعر: # والموت أعظم حادث * فيما يمر على الجبلة (قالوا إنما أنت من المسحرين. ~~وما أنت إلا بشر مثلنا) قد تقدم تفسيره مستوفى في هذه السورة (وإن نظنك لمن ~~الكاذبين) إن هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن مقدر، واللام هي ~~الفارقة أي فيما تدعيه علينا من الرسالة، وقيل هي النافية، واللام بمعنى ~~إلا: أي ما نظنك إلا من الكاذبين، والأول أولى (فأسقط علينا كسفا من ~~السماء) كان شعيب يتوعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا، فقالوا له هذا القول نعتا ~~واستبعادا وتعجيزا. والكسف: # القطعة. قال أبو عبيدة: الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة. قال الجوهري: ~~الكسفة القطعة من الشئ، يقال: أعطني كسفة من ثوبك والجمع كسف، وقد مضى ~~تحقيق هذا في سورة سبحان (إن كنت من الصادقين) في دعواك (قال ربي أعلم بما ~~تعملون) من الشرك والمعاصي، فهو مجازيكم على ذلك إن شاء، وفي هذا تهديد ~~شديد (فكذبوه) فاستمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك (فأخذهم عذاب يوم الظلة) ~~والظلة السحاب، أقامها الله فوق رؤوسهم فأمطرت عليهم نارا فهلكوا، وقد ~~أصابهم الله بما اقترحوا، لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر، ~~وإن أرادوا بها القطعة من السماء فقد نزل عليهم العذاب من جهتها، وأضاف ~~العذاب إلى يوم الظلة لا إلى الظلة تنبيها على أن لهم في ذلك اليوم عذابا ~~غير عذاب الظلة، كذا قيل. ثم وصف سبحانه هذا العذاب الذي أصابهم بقوله (إنه ~~كان عذاب يوم عظيم) لما فيه من الشدة عليهم التي لا يقادر قدرها وقد تقدم ~~تفسير قوله (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم) في هذه السورة مستوفى فلا نعيده، وفي هذا التكرير لهذه الكلمات في ~~آخر هذه ms2846 القصص من التهديد والزجر والتقرير والتأكيد مالا يخفى على من يفهم ~~مواقع الكلام ويعرف أساليبه. # وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم) قال: ~~تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء. وأخرج عبد ابن حميد ~~وابن المنذر عن عكرمة نحوه. وأخرجا أيضا عن قتادة (إلا عجوزا في الغابرين) ~~قال: هي امرأة لوط غبرت في عذاب الله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد " ليكة " ~~قال: هي الأيكة. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر وابن عباس في قوله (كذب ~~أصحاب الأيكة المرسلين) قال: كانوا أصحاب غيضة من ساحل البحر إلى ~~PageV04P115 # مدين (إذ قال لهم شعيب) ولم يقل أخوهم شعيب. لأنه لم يكن من جنسهم (ألا ~~تتقون) كيف لا تتقون وقد علمتم أني رسول أمين لا تعتبرون من هلاك مدين وقد ~~أهلكوا فيما يأتون. وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا ~~بسنة أصحاب مدين، فقال لهم شعيب (إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون ~~وما أسألكم) على ما أدعوكم إليه (من أجر) في العاجل من أموالكم (إن أجرى ~~إلا على رب العالمين - واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين) يعنى القرون ~~الأولين الذي أهلكوا بالمعاصي ولا تهلكوا مثلهم (قالوا إنما أنت من ~~المسحرين) يعني من المخلوقين (وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين ~~فأسقط علينا كسفا من السماء) يعني قطعا من السماء (فأخذهم عذاب يوم الظلة) ~~أرسل الله إليهم سموما من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر، ~~فحميت بيوتهم وغلت مياههم في الآبار والعيون فخرجوا من منازلهم ومحلتهم ~~هاربين، والسموم معهم، فسلط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم فغشيتهم حتى ~~تقلقلت فيها جماجمهم، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت ~~لحوم أرجلهم، ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدروها ~~يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا جميعا أطبقت عليهم فهلكوا ونجى الله شعيبا ~~والذين آمنوا معه. ms2847 وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال ~~(الجبلة الأولين) الخلق الأولين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضا أنه سئل عن قوله (فأخذهم عذاب يوم الظلة) ~~قال: بعث الله عليهم حرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت فدخل ~~عليهم أجوافها فأخذ بأنفسهم، فخرجوا من البيوت هربا إلى البرية، فبعث الله ~~عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا حتى ~~إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم نارا، فذلك عذاب يوم الظلة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضا قال من حدثك من العلماء عذاب يوم ~~الظلة فكذبه. أقول: فما نقول له رضي الله عنه فيما حدثنا به من ذلك مما ~~نقلناه عنه هاهنا؟ ويمكن أن يقال إنه لما كان هو البحر الذي علمه الله ~~تأويل كتابه بدعوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كان مختصا بمعرفة هذا ~~الحديث دون غيره من أهل العلم، فمن حدث بحديث عذاب الظلة على وجه غير هذا ~~الوجه الذي حدثنا به فقد وصانا بتكذيبه، لأنه قد علمه ولم يعلمه غيره. ~~PageV04P116 # قوله (وإنه لتنزيل رب العالمين) الضمير يرجع إلى ما نزله عليه من ~~الأخبار: أي وإن هذه الأخبار أو وإن القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، ~~قيل وهو على تقدير مضاف محذوف: أي ذو تنزيل، وأما إذا كان تنزيل بمعنى منزل ~~فلا حاجة إلى تقدير مضاف. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم (نزل) ~~مخففا، وقرأه الباقون مشددا، و (الروح الأمين) على القراءة الثانية منصوب ~~على أنه مفعول به، وقد اختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، والروح ~~الأمين جبريل، كما في قوله - قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك - ~~ومعنى (على قلبك) أنه تلاه على قلبه، ووجه تخصيص القلب، لأنه أول مدرك من ~~الحواس الباطنة. قال أبو حيان: إن على قلبك ولتكون متعلقان بنزل، وقيل يجوز ~~أن يتعلقا بتنزيل، والأول أولى، وقرئ نزل مشددا ms2848 مبنيا للمفعول والفاعل هو ~~الله تعالى، ويكون الروح على هذه القراءة مرفوعا على النيابة (تكون من ~~المنذرين) علة للإنزال: أي أنزله لتنذرهم بما تضمنه من التحذيرات ~~والإنذارات والعقوبات (بلسان عربي مبين) متعلق بالمنذرين: أي لتكون من ~~المنذرين بهذا اللسان، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلا من " به " وقيل متعلق ~~بنزل، وإنما أخر للاعتناء بذكر الإنذار، وإنما جعل الله سبحانه القرآن ~~عربيا بلسان الرسول العربي لئلا يقول مشركوا العرب لسنا نفهم ما تقوله بغير ~~لساننا فقطع بذلك حجتهم وأزاح علتهم ودفع معذرتهم (وإنه لفي زبر الأولين) ~~أي إن هذا القرآن باعتبار احكامه التي أجمعت عليها الشرائع في كتب الأولين ~~من الأنبياء، والزبر الكتب، الواحد زبور، وقد تقدم الكلام على تفسير مثل ~~هذا. وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل المراد بكون ~~القرآن في زبر الأولين أنه مذكور فيها هو نفسه، لا ما اشتمل عليه من ~~الأحكام، والأول أولى (أو لم يكن لهم اية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) ~~الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدر كما تقدم مرارا، والآية العلامة ~~والدلالة: أي ألم PageV04P117 # يكن لهؤلاء علامة دالة على أن القرآن حق، وأنه تنزيل رب العالمين. وأنه ~~في زبر الأولين. أن يعلمه علماء بني إسرائيل على العموم، أو من آمن منهم ~~كعبد الله بن سلام، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم ~~كانوا يرجعون إليهم ويصدقونهم. قرأ ابن عامر " تكن " بالفوقية، وآية بالرفع ~~على أنها اسم كان، وخبرها أن يعلمه الخ، ويجوز أن تكون تامة، وقرأ الباقون ~~" يكن " بالتحتية وآية بالنصب على أنها خبر يكن، واسمها أن يعلمه الخ. قال ~~الزجاج: أن يعلمه اسم يكن وآية خبره. والمعنى: أو لم يكن لهم علماء بني ~~إسرائيل أن محمدا نبي حق علامة ودلالة على نبوته، لأن العلماء الذين آمنوا ~~من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، وكذا قال الفراء، ووجها ~~قراءة الرفع بما ذكرنا. وفى قراءة ابن عامر نظر، لأن جعل النكرة اسما ~~والمعرفة خبرا غير سائغ، وإن ms2849 ورد شاذا في مثل قول الشاعر: * فلا يك موقف ~~منك الوداعا * وقول الآخر: # * وكان مزاجها عسل وماء * ولا وجه لما قيل إن النكرة قد تخصصت بقولهم " ~~لهم " لأنه في محل نصب على الحال والحال صفة في المعنى، فأحسن ما يقال في ~~التوجيه ما قدمنا ذكره من أن يكن تامة (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) أي لو ~~أنزلنا القرآن على الصفة التي هو عليها على رجل من الأعجمين الذي لا يقدرون ~~على التكلم بالعربية (فقرأه عليهم) قراءة صحيحة (ما كانوا به مؤمنين) مع ~~انضمام إعجاز القراءة من الرجل الأعجمي للكلام العربي إلى إعجاز القران. ~~وقيل المعنى: ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم بلغته لم ~~يؤمنوا به وقالوا: ما نفقه هذا ولا نفهمه، ومثل هذا قوله " ولو جعلناه ~~قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته " يقال رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير ~~فصيح اللسان وإن كان عربيا، ورجل عجمي إذا كان أصله من العجم وإن كان ~~فصيحا، إلا أن الفراء أجاز أن يقال رجل عجمي بمعنى أعجمي وقرأ الحسن " على ~~بعض الأعجميين " وكذلك قرأ الجحدري. قال أبو الفتح بن جني: أصل الأعجمين ~~الأعجميين، ثم حذفت ياء النسب، وجعل جمعه بالياء والنون دليلا عليها (كذلك ~~سلكناه في قلوب المجرمين) أي مثل ذلك السلك سلكناه: أي أدخلناه في قلوبهم: ~~يعني القرآن حتى فهموا معانيه وعرفوا فصاحته وأنه معجز. وقال الحسن وغيره: ~~سلكنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين. وقال عكرمة: سلكنا القسوة. والأول ~~أولى، لأن السياق في القرآن وجملة (لا يؤمنون) تحتمل وجهين: الأول ~~الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبلها. والثاني أنها في محل نصب على ~~الحال من الضمير في سلكناه، ويجوز أن يكون حالا من المجرمين. وأجاز الفراء ~~الجزم في لا يؤمنون، لأن فيه معنى الشرط والمجازاة، وزعم أن من شأن العرب ~~إذا وضعت لا موضع كيلا مثل هذا ربما جزمت ما بعدها، وربما رفعت، فتقول ربطت ~~الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم لأن معناه: إن لم أربطه ينفلت، وأنشد لبعض ~~بنى ms2850 عقيل: # وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا * مساكنه لا يقرب الشر قارب بالرفع، ومن ~~الجزم قول الآخر: # لطال ما حللتماها لا ترد * فخلياها والسخال تبترد قال النحاس: وهذا كله ~~في لا يؤمنون خطأ عند البصريين، ولا يجوز الجزم بلا جازم (حتى يروا العذاب ~~الأليم) أي لا يؤمنون إلى هذه الغاية وهي مشاهدتهم للعذاب الأليم (فيأتيهم) ~~العذاب (بغتة) أي فجأة (و) الحال (أنهم لا يشعرون) بإتيانه، وقرأ الحسن ~~فتأتيهم بالفوقية: أي الساعة وإن لم يتقدم لها ذكر، لكنه قد دل العذاب ~~PageV04P118 # عليها (فيقولوا هل نحن منظرون) أي مؤخرون وممهلون. قالوا هذا تحسرا على ~~ما فات من الإيمان، وتمنيا للرجعة إلى الدنيا لاستدراك ما فرط منهم. وقيل ~~إن المراد بقولهم (هل نحن منظرون) الاستعجال للعذاب على طريقة الاستهزاء ~~لقوله (أفبعذابنا يستعجلون) ولا يخفى ما في هذا من البعد والمخالفة للمعنى ~~الظاهر، فإن معنى (هل نحن منظرون) طلب النظرة والإمهال، وأما قوله ~~(أفبعذابنا يستعجلون) فالمراد به الرد عليهم والإنكار لما وقع منهم من ~~قولهم - أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم - وقولهم - فأتنا ~~بما تعدنا - (أفرأيت إن متعناهم سنين) الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على ~~مقدر يناسب المقام كما مر في غير موضع، ومعنى أرأيت أخبرني، والخطاب لكل من ~~يصلح له: أي أخبرني إن متعناهم سنين في الدنيا متطاولة، وطولنا لهم الأعمار ~~(ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) من العذاب والهلاك (ما أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون) ما هي الاستفهامية، والمعنى: أي شئ أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك ~~التمتع الطويل، و " ما " في ما كانوا يمتعون يجوز أن تكون المصدرية، ويجوز ~~أن تكون الموصولة والاستفهام للإنكار التقريري، ويجوز أن تكون ما الأولى ~~نافية، والمفعول محذوف: أي لم يغن عنهم تمتيعهم شيئا، وقرئ يمتعون بإسكان ~~الميم وتخفيف التاء من أمتع الله زيدا بكذا (وما أهلكنا من قرية إلا لها ~~منذرون) من مزيدة للتأكيد: أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا لها منذرون. ~~وجملة (إلا لها منذرون) يجوز أن تكون صفة لقرية، ويجوز أن تكون حالا ms2851 منها، ~~وسوغ ذلك سبق النفي، والمعنى: ما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد الأنذار ~~إليهم والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وقوله (ذكرى) بمعنى تذكرة، وهي ~~في محل نصب على العلة أو المصدرية. وقال الكسائي: ذكرى في موضع نصب على ~~الحال، وقال الفراء والزجاج: إنها في موضع نصب على المصدرية: أي يذكرون ~~ذكرى. قال النحاس: وهذا قول صحيح، لأن معنى (إلا لها منذرون) إلا لها ~~مذكرون. قال الزجاج: ويجوز أن يكون ذكرى في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ ~~محذوف: # أي إنذارنا ذكرى، أو ذلك ذكرى. قال ابن الأنباري: المعنى هي ذكرى، أو ~~يذكرهم ذكرى، وقد رجح الأخفش أنها خبر مبتدأ محذوف (وما كنا ظالمين) في ~~تعذيبهم، فقد قدمنا الحجة إليهم وأنذرناهم وأعذرنا إليهم (وما تنزلت به ~~الشياطين) أي بالقرآن، وهذا رد لما زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما ~~يلقيه الشياطين على الكهنة (وما ينبغي لهم) ذلك، ولا يصح منهم (وما ~~يستطيعون) ما نسبه الكفار إليهم أصلا (إنهم عن السمع) للقرآن، أو لكلام ~~الملائكة (لمعزولون) محجوبون مرجومون بالشهب. وقرأ الحسن وابن السميفع ~~والأعمش " وما تنزلت به الشياطين " بالواو والنون إجراء له مجرى جمع ~~السلامة. قال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين. # قال: وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: هذا من غلط ~~العلماء، وإنما يكون بشبهة لما رأى الحسن في آخره ياء ونونا، وهو في موضع ~~رفع اشتبه عليه بالجمع السالم فغلط. قال الفراء: غلط الشيخ: # يعني الحسن، فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال: إن جاز أن يحتج بقول رؤبة ~~والعجاج وذويهما جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه: يعني محمد بن السميفع مع ~~أنا نعلم أنهما لم يقرأ بذلك إلا وقد سمعا فيه شيئا. وقال المؤرج: إن كان ~~الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه. قال يونس بن حبيب: سمعت أعرابيا ~~يقول: دخلنا بساتين من ورائها بساتون. ثم لما قرر سبحانه حقية القرآن وأنه ~~منزل من عنده أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بدعاء الله ms2852 وحده فقال (ولا ~~تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين) وخطاب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بهذا مع كونه منزها عنه معصوما منه لحث العباد على التوحيد ونهيهم عن ~~شوائب الشرك، وكأنه قال: أنت أكرم الخلق علي وأعزهم عندي ولو اتخذت معي ~~إلها لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد (وأنذر عشيرتك الأقربين) خص الأقربين ~~لأن PageV04P119 # الاهتمام بشأنهم أولى، وهدايتهم إلى الحق أقدم. قيل هم قريش، وقيل بنو ~~عبد مناف، وقيل بنو هاشم. وقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت دعا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قريشا، فاجتمعوا فعم وخص، فذلك منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم بيان للعشيرة الأقربين، وسيأتي بيان ذلك (واخفض جناحك لمن ~~اتبعك من المؤمنين) يقال: خفض جناحه إذا ألانه، وفيه استعارة حسنة. ~~والمعنى: ألن جناحك وتواضع لمن اتبعك من المؤمنين وأظهر لهم المحبة ~~والكرامة وتجاوز عنهم (فإن عصوك) أي خالفوا أمرك ولم يتبعوك (فقل إني بريء ~~مما تعملون) أي من عملكم، أو من الذي تعملونه، وهذا يدل على أن المراد ~~بالمؤمنين المشارفون للإيمان المصدقون باللسان، لأن المؤمنين الخلص لا ~~يعصونه ولا يخالفونه. ثم بين له ما يعتمد عليه عند عصيانهم له فقال (فتوكل ~~على العزيز الرحيم) أي فوض أمورك إليه فإنه القادر على قهر الأعداء، وهو ~~الرحيم للأولياء. قرأ نافع وابن عامر " فتوكل " بالفاء. وقرأ الباقون " ~~وتوكل " بالواو، فعلى القراءة الأولى يكون ما بعد الفاء كالجزء مما قبلها ~~مترتبا عليه، وعلى القراءة الثانية يكون ما بعد الواو معطوفا على ما قبلها ~~عطف جملة على جملة من غير ترتيب (الذي يراك حين تقوم) أي حين تقوم إلى ~~الصلاة وحدك في قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: حين تقوم حيثما كنت (وتقلبك ~~في الساجدين) أي ويراك إن صليت في الجماعة راكعا وساجدا وقائما، كذا قال ~~أكثر المفسرين. وقيل يراك في الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه ~~الأمة. وقيل المراد بقوله " يراك " حين تقوم قيامه إلى التهجد، وقوله ~~(وتقلبك في الساجدين) يريد ترددك ms2853 في تصفح أحوال المجتهدين في العبادة وتقلب ~~بصرك فيهم، كذا قال مجاهد (إنه هو السميع) لما تقوله (العليم) به. ثم أكد ~~سبحانه معنى قوله (وما تنزلت به الشياطين) وبينه فقال (هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين) أي على من تتنزل، فحذف إحدى التاءين، وفيه بيان استحالة ~~تنزل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (تنزل على كل أفاك ~~أثيم) والأفاك الكثير الإفك، والأثيم كثير الإثم، والمراد بهم كل من كان ~~كاهنا، فإن الشياطين كانت تسترق السمع ثم يأتون إليهم فيلقونه إليهم، وهو ~~معنى قوله (يلقون السمع) أي ما يسمعونه مما يسترقونه، فتكون جملة " يلقون ~~السمع " على هذا راجعة إلى الشياطين في محل نصب على الحال: أي حال كون ~~الشياطين ملقين السمع: أي ما يسمعونه من الملأ الأعلى إلى الكهان. ويجوز أن ~~يكون المعنى: إن الشياطين يلقون السمع: أي ينصتون إلى الملأ الأعلى ~~ليسترقوا منهم شيئا، ويكون المراد بالسمع على الوجه الأول المسموع، وعلى ~~الوجه الثاني نفس حاسة السمع. ويجوز أن تكون جملة " يلقون السمع " راجعة ~~إلى كل أفاك أثيم على أنها صفة أو مستأنفة، ومعنى الإلقاء أنهم يسمعون ما ~~تلقيه إليهم الشياطين من الكلمات التي تصدق الواحدة منها، وتكذب المائة ~~الكلمة كما ورد في الحديث، وجملة (وأكثرهم كاذبون) راجعة إلى كل أفاك أثيم: ~~أي وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيما يتلقونه من الشياطين، لأنهم يضمون إلى ~~ما يسمعونه كثيرا من أكاذيبهم المختلفة، أو أكثرهم كاذبون فيما يلقونه من ~~السمع: أي المسموع من الشياطين إلى الناس، ويجوز أن تكون جملة (وأكثرهم ~~كاذبون) راجعة إلى الشياطين: أي وأكثر الشياطين كاذبون فيما يلقونه إلى ~~الكهنة مما يسمعونه، فإنهم يضمون إلى ذلك من عند أنفسهم كثيرا من الكذب. ~~وقد قيل كيف يصح على الوجه الأول وصف الأفاكين بأن أكثرهم كاذبون بعد ما ~~وصفوا جميعا بالإفك. وأجيب بأن المراد بالأفاك الذي يكثر الكذب لا الذي لا ~~ينطق إلا بالكذب، فالمراد بقوله وأكثرهم كاذبون أنه قل من يصدق منهم فيما ~~يحكى عن الشياطين، والغرض الذي ms2854 سيق لأجله هذا الكلام رد ما كان يزعمه ~~المشركون من كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جملة من يلقى إليه ~~الشيطان السمع من الكهنة ببيان أن الأغلب على الكهنة الكذب. ولم يظهر ~~PageV04P120 # من أحوال محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا الصدق، فكيف يكون كما زعموا، ~~ثم إن هؤلاء الكهنة يعظمون الشياطين، وهذا النبي المرسل من عند الله ~~برسالته إلى الناس يذمهم ويلعنهم ويأمر بالتعوذ منهم. ثم لما كان قد قال ~~قائل من المشركين: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاعر، بين سبحانه حال ~~الشعراء ومنافاة ما هم عليه لما عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ~~(والشعراء يتبعهم الغاوون) والمعنى: أن الشعراء يتبعهم: أي يجاريهم ويسلك ~~مسلكهم ويكون من جملتهم الغاوون: أي الضالون عن الحق، والشعراء جمع شاعر، ~~والغاوون جمع غاو، وهم ضلال الجن والإنس. وقيل الزائلون عن الحق، وقيل ~~الذين يروون الشعر المشتمل على الهجاء وما لا يجوز، وقيل المراد شعراء ~~الكفار خاصة. قرأ الجمهور " والشعراء " بالرفع على أنه مبتدأ وخبره ما ~~بعده، وقرأ عيسى بن عمر " الشعراء " بالنصب على الاشتغال، وقرأ نافع وشيبة ~~والحسن والسلمي يتبعهم بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد. # ثم بين سبحانه قبائح شعراء الباطل فقال (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) ~~والجملة مقررة لما قبلها، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، يقال: هام يهيم ~~هيما وهيمانا إذا ذهب على وجهه: أي ألم تر أنهم في كل فن من فنون الكذب ~~يخوضون، وفي كل شعب من شعاب الزور يتكلمون، فتارة يمزقون الأعراض بالهجاء، ~~وتارة يأتون من المجون بكل ما يمجه السمع ويستقبحه العقل، وتارة يخوضون في ~~بحر السفاهة والوقاحة، ويذمون الحق ويمدحون الباطل، ويرغبون في فعل ~~المحرمات، ويدعون الناس إلى فعل المنكرات كما تسمعه في أشعارهم من مدح ~~الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة، ثم قال سبحانه (وأنهم ~~يقولون مالا يفعلون) أي يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة في ذلك، فقد يدلون ~~بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه، وقد ينسبون إلى ms2855 أنفسهم من أفعال ~~الشر مالا يقدرون على فعله كما تجده في كثير من أشعارهم من الدعاوي الكاذبة ~~والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات، وأنهم فعلوا بهن كذا وكذا، وذلك كذب ~~محض وافتراء بحت. ثم استثنى سبحانه الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب ~~أحوالهم تحري الحق والصدق فقال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي دخلوا ~~في حزب المؤمنين وعملوا بأعمالهم الصالحة، (وذكروا الله كثيرا) في أشعارهم ~~(وانتصروا من بعد ما ظلموا) كمن يهجو منهم من هجاء، أو ينتصر لعالم أو فاضل ~~كما كان يقع من شعراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم كانوا يهجون من ~~يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم، ~~ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل السنة وكافح أهل البدعة، وزيف ما يقوله ~~شعراؤهم من مدح بدعتهم وهجو السنة المطهرة، كما يقع ذلك كثيرا من شعراء ~~الرافضة ونحوهم، فإن الانتصار للحق بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم ~~المجاهدة، وفاعله من المجاهدين في سبيل الله المنتصرين لدينه القائمين بما ~~أمر الله بالقيام به. # واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام. فقد يبلغ ما لا خير فيه منه إلى ~~قسم الحرام، وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب، وقد وردت أحاديث في ~~ذمه وذم الاستكثار منه، ووردت أحاديث أخر في إباحته وتجويزه، والكلام في ~~تحقيق ذلك يطول، وسنذكر في أخر البحث ما ورد في ذلك من الأحاديث. ثم ختم ~~سبحانه هذه السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال (وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون) فإن في قوله " سيعلم " تهويلا عظيما وتهديدا شديد، وكذا في ~~إطلاق الذين ظلموا وإبهام أي منقلب ينقلبون، وخصص هذه الآية بعضهم ~~بالشعراء، ولا وجه لذلك فإن الاعتبار بعموم اللفظ. وقوله (أي منقلب) صفة ~~لمصدر محذوف: أي ينقلبون منقلبا أي منقلب، وقدم لتضمنه معنى الاستفهام، ولا ~~يعمل فيه سيعلم، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، بل هو معلق عن العمل ~~فيه. وقرأ ابن عباس والحسن " أي منفلت ينفلتون " بالفاء مكان القاف، والتاء ms2856 ~~مكان الباء من الانفلات PageV04P121 # بالنون والفاء الفوقية. وقرأ الباقون بالقاف والباء من الانقلاب بالنون ~~والقاف الموحدة، والمعنى على قراءة ابن عباس والحسن: أن الظالمين يطمعون في ~~الانفلات من عذاب الله والانفكاك منه ولا يقدرون على ذلك. # وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ~~(وإنه لتنزيل رب العالمين) قال: # هذا القرآن (نزل به الروح الأمين) قال: جبريل. وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس (نزل به الروح الأمين) قال: # جبريل. وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله (الروح الأمين) قال: الروح الأمين جبريل، رأيت له ستمائة ~~جناح من لؤلؤ قد نشرها فيها مثل ريش الطواويس. وأخرج ابن النجار في تاريخه ~~عن ابن عباس في قوله (بلسان عربي مبين) قال: بلسان قريش ولو كان غير عربي ~~ما فهموه. # وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن بريدة في قوله (بلسان عربي ~~مبين) قال: بلسان جرهم. وأخرج مثله أيضا عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان عبد الله ~~بن سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم فآمن بكتاب محمد، فقال لهم ~~الله (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل). وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أبي هريرة قال " لما نزلت هذه الآية (وأنذر عشيرتك الأقربين) ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشا وعم وخص فقال: يا معشر قريش ~~أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بنى كعب ~~بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بنى ~~قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر بني ~~عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا نفعا، يا معشر ~~بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرا ولا ms2857 نفعا، يا ~~فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا إلا أن ~~لكم رحما وسأبلها ببلالها " وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (الذي يراك حين تقوم) قال: للصلاة. ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه (الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين) ~~يقول: قيامك وركوعك وسجودك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا (وتقلبك ~~في الساجدين) قال: يراك وأنت مع الساجدين تقوم وتقعد معهم. وأخرج ابن ~~مردويه عنه أيضا في قوله (وتقلبك في الساجدين) قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. # ومنه الحديث في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " هل ترون قبلتي هاهنا؟ فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ~~ركوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري ". وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده ~~والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن ~~عباس في قوله (وتقلبك في الساجدين) قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عنه في الآية نحوه. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: سأل أناس النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن الكهان قال: إنهم ليسوا بشئ، قالوا: يا رسول الله إنهم يحدثون ~~أحيانا بالشيء يكون حقا؟ قال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في ~~أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة وفي لفظ للبخاري " فيزيدون معها ~~مائة كذبة ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: ~~تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدهما من الأنصار ~~والاخر من قوم آخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء، ~~فأنزل الله (والشعراء يتبعهم الغاوون) الآيات. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم وابن ms2858 عساكر عن عروة قال: لما نزلت (والشعراء) إلى قوله (مالا ~~يفعلون) قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد PageV04P122 # علم الله أني منهم، فأنزل الله (إلا الذين آمنوا) إلى قوله (ينقلبون) ~~وروى نحو هذا من طرق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن ابن عباس (يتبعهم الغاوون) قال: هم الكفار يتبعون ضلال الجن ~~والإنس (في كل واد يهيمون) قال: في كل لغو يخوضون (وأنهم يقولون مالا ~~يفعلون) أكثر قولهم يكذبون، ثم استثنى منهم فقال (إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا) قال: # ردوا على الكفار كانوا يهجون المؤمنين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا ~~(والشعراء) قال: المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم (يتبعهم الغاوون) قال: قال غواة الجن في كل واد يهيمون في كل فن من ~~الكلام يأخذون. ثم استثنى فقال (إلا الذين آمنوا) الآية. يعنى حسان بن ثابت ~~وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك كانوا يذبون عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأصحابه بهجاء المشركين. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~(الغاوون) قال: هم الرواة. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عنه أيضا (إلا ~~الذين آمنوا) الآية قال: أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله بن رواحة. وأخرج أحمد ~~والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك " أنه قال للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى ~~فيه؟ فقال: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم ~~به نضح النبل ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال " بينما نحن ~~نسير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ عرض شاعر ينشد، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا ". وأخرج الديلمي ms2859 عن ~~ابن مسعود مرفوعا الشعراء الذين يموتون في الإسلام يأمرهم الله أن يقولوا ~~شعرا يتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة، والذين ماتوا في الشرك يدعون ~~بالويل والثبور في النار. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن من الشعر لحكمة " قال: وأتاه قريظة بن ~~كعب وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت فقالوا: إنا نقول الشعر وقد نزلت هذه ~~الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقرأوا فقرأوا (والشعراء) ~~إلى قوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فقال: أنتم هم (وذكروا الله ~~كثيرا) فقال: أنتم هم (وانتصروا من بعد ما ظلموا) فقال: # أنتم هم. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لحسان ابن ثابت: اهج المشركين فإن جبريل معك. ~~وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب قال: قيل يا رسول الله إن أبا سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام بن رواحة فقال: يا رسول الله ائذن لي ~~فيه، فقال: أنت الذي تقول ثبت الله؟ فقال: نعم يا رسول الله، قلت: # ثبت الله ما أعطاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا مثل ما نصرا قال: وأنت، ~~ففعل الله بك مثل ذلك، ثم وثب كعب فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه؟ فقال: ~~أنت الذي تقول همت؟ قال: نعم يا رسول الله، قلت: # همت سخينة أن تغالب ربها * فلتغلبن مغالب الغلاب فقال: أما إن الله لم ~~ينسى ذلك لك، ثم قام حسان فقال: يا رسول الله ائذن لي فيه، وأخرج لسانا له ~~أسود، فقال: يا رسول الله لو شئت لفريت به المراد، ائذن لي فيه، فقال: اذهب ~~إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم واهجهم وجبريل معك. وأخرج ~~أحمد وابن سعد عن أبي هريرة قال: مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ ~~إليه فنظر إليه، فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، فسكت ثم ms2860 التفت ~~PageV04P123 # حسان إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: أجب عني اللهم أيده بروح القدس؟ قال نعم. وأخرج ابن سعد من ~~حديث جابر مرفوعا نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال: قال رسول الله ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن من الشعر حكما ". وأخرج ابن أبي شيبة ~~عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن من الشعر حكما ومن ~~البيان سحرا ". وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه، خير من أن يمتلئ شعرا ". وفي ~~الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا " قال في الصحاح: ~~وروي القيح جوفه يريه وريا: إذا أكله. قال القرطبي: روى إسماعيل ابن عباس ~~عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " حسن الشعر كحسن الكلام وقبيح الشعر كقبيح الكلام ". ~~قال القرطبي: رواه إسماعيل عن عبد الله بن عون الشامي وحديثه عن أهل الشام ~~صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره. قال: وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن ~~الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام ". # وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال " ردفت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ قلت نعم، قال: ~~هيه فأنشدته بيتا، فقال هيه، ثم أنشدته بيتا، فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت ~~". وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيد في قوله (وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون) قال: هؤلاء الذين يخربون البيت. # تفسير سورة النمل هي ثلاث وتسعون آية، وقيل أربع وتسعون قال القرطبي: وهي ~~مكية كلها في ms2861 قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي ~~في الدلائل عن ابن عباس قال: أنزلت سورة النمل بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن الزبير مثله. PageV04P124 # قوله (طس) قد مر الكلام مفصلا في فواتح السور، وهذه الحروف إن كانت اسما ~~للسورة فمحلها الرفع على الابتداء وما بعده خبره، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ ~~محذوف: أي هذا اسم هذه السورة وإن لم تكن هذه الحروف اسما للسورة، بل ~~مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها، والإشارة بقوله (تلك) إلى نفس السورة، ~~لأنها قد ذكرت إجمالا بذكر اسمها، واسم الإشارة مبتدأ وخبره (آيات القرآن) ~~والجملة خبر المبتدأ الأول على تقدير أنه مرتفع بالابتداء (وكتاب مبين) قرأ ~~الجمهور بجر كتاب عطفا على القرآن: أي آيات القرآن وآيات كتاب مبين، ويحتمل ~~أن يكون المراد بقوله (وكتاب) القرآن نفسه، فيكون من عطف بعض الصفات على ~~بعض مع اتحاد المدلول، وأن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، أو نفس ~~السورة، وقرأ ابن عبلة " وكتاب مبين " برفعهما عطفا على آيات. وقيل هو على ~~هذه القراءة على تقدير مضاف محذوف وإقامة المضاف إليه مقامه: # أي وآيات كتاب مبين، فقد وصف الآيات بالوصفين: القرآنية الدالة على كونه ~~مقروءا مع الإشارة إلى كونه قرآنا عربيا معجزا، والكتابية الدالة على كونه ~~مكتوبا مع الإشارة إلى كونه متصفا بصفة الكتب المنزلة، فلا يكون على هذا من ~~باب عطف صفة على صفة مع اتحاد المدلول، ثم ضم إلى الوصفين وصفا ثالثا، وهي ~~الإبانة لمعانيه لمن يقرؤه، أو هو من أبان بمعنى: بان معناه واتضح إعجازه ~~بما اشتمل عليه من البلاغة. وقدم وصف القرآنية هنا نظرا إلى تقدم حال ~~القرآنية على حال الكتابة وأخره في سورة الحجر فقال - الر تلك آيات الكتاب ~~وقرآن مبين - نظرا إلى حالته التي قد صار عليها، فإنه مكتوب، والكتابة سبب ~~القراءة والله أعلم. وأما تعريف القرآن هنا وتنكير الكتاب، وتعريف الكتاب ~~في سورة الحجر، وتنكير القرآن فلصلاحية كل واحد منهما للتعريف والتنكير ~~(هدى وبشرى للمؤمنين) في موضع نصب على الحال ms2862 من الآيات أو من الكتاب: أي ~~تلك آيات هادية ومبشرة، ويجوز أن يكون في محل رفع على الابتداء: أي هو هدى: ~~أو هما خبران آخران لتلك، أو هما مصدران منصوبان بفعل مقدر: أي يهدى هدى ~~ويبشر بشرى. ثم وصف المؤمنين الذين لهم الهدى والبشرى فقال (الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة) والموصول في محل جر، أو يكون بدلا أو بيانا، أو ~~منصوبا على المدح، أو مرفوعا على تقدير مبتدأ. والمراد بالصلاة الصلوات ~~الخمس، والمراد بالزكاة الزكاة المفروضة، وجملة (وهم بالآخرة هم يوقنون) في ~~محل نصب على الحال، وكرر الضمير للدلالة على الحصر: أي لا يوقن بالآخرة حق ~~الإيقان إلا هؤلاء الجامعون PageV04P125 # بين الإيمان والعمل الصالح، وجعل الخبر مضارعا للدلالة على التجدد في كل ~~وقت وعدم الانقطاع. ثم لما ذكر سبحانه أهل السعادة ذكر بعدهم أهل الشقاوة ~~فقال (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) وهم الكفار: أي لا يصدقون بالبعث (زينا ~~لهم أعمالهم) قيل المراد زين الله لهم أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة. وقيل ~~المراد أن الله زين لهم الأعمال الحسنة وذكر لهم ما فيها من خيري الدنيا ~~والآخرة فلم يقبلوا ذلك. قال الزجاج: معنى الآية انا جعلنا جزاءهم علي ~~كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه (فهم يعمهون) أي يترددون فيها متحيرين على ~~الاستمرار لا يهتدون إلى طريقة ولا يقفون على حقيقة. وقيل معنى يعمهون ~~يتمادون. وقال قتادة: يلعبون، وفي معنى التحير. قال الشاعر: # ومهمه أطرافه في مهمه * أعمى الهدى الحائرين العمة والإشارة بقوله ~~(أولئك) إلى المذكورين قبله، وهو مبتدأ خبره (لهم سوء العذاب) قيل في ~~الدنيا كالقتل والأسر، ووجه تخصيصه بعذاب الدنيا قوله بعده (وهم في الآخرة ~~هم الأخسرون) أي هم أشد الناس خسرانا وأعظمهم خيبة، ثم مهد سبحانه مقدمة ~~نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة، فقال (وإنك لتلقى القرآن من ~~لدن حكيم عليم) أي يلقى عليك فتلقاه وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم، قيل ~~إن لدن هاهنا بمعنى عند. وفيها لغات كما تقدم في سورة الكهف (إذ قال ms2863 موسى ~~لأهله) الظرف منصوب بمضمر وهو أذكر. قال الزجاج: موضع إذ نصب، المعنى: أذكر ~~إذ قال موسى: أي أذكر قصته إذ قال لأهله، والمراد بأهله امرأته في مسيره من ~~مدين إلى مصر، ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته بنت شعيب، فكنى عنها بلفظ ~~الأهل الدال على الكثرة، ومثله قوله - امكثوا - ومعنى (إني آنست نارا) ~~أبصرتها (سآتيكم منها بخبر) السين تدل على بعد مسافة النار (أو آتيكم بشهاب ~~قبس) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين شهاب، وقرأ الباقون بإضافته إلى قبس، ~~فعلى القراءة الأولى يكون قبس بدلا من شهاب أو صفة له لأنه بمعنى مقبوس، ~~وعلى القراءة الثانية الإضافة للبيان، والمعنى على القراءتين: آتيكم بشعلة ~~نار مقبوسة: أي مأخوذة من أصلها. قال الزجاج: من نون جعل قبس من صفة شهاب، ~~وقال الفراء: هذه الإضافة كالإضافة في قولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، ~~أضاف الشئ إلى نفسه لاختلاف أسمائه. وقال النحاس: هي إضافة النوع إلى الجنس ~~كما تقول: ثوب خز، وخاتم حديد. # قال: ويجوز في غير القرآن بشهاب قبسا على أنه مصدر أو بيان أو حال (لعلكم ~~تصطلون) أي رجاء أن تستدفئوا بها، أو لكي تستدفئوا بها من البرد، يقال صلى ~~بالنار واصطلى بها إذا استدفأ بها. قال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب. ~~وقال أبو عبيدة: الشهاب النار، ومنه قول أبي النجم: # كأنما كان شهابا واقدا * أضاء ضوءا ثم صار خامدا وقال ثعلب: أصل الشهاب ~~عود في أحد طرفيه جمرة، والاخر لا نار فيه، والشهاب الشعاع المضئ، وقيل ~~للكوكب شهاب، ومنه قول الشاعر: # في كفه صعدة مثقفة * فيها سنان كشعلة القبس (فلما جاءها) أي جاء النار ~~موسى (نودي أن بورك من في النار ومن حولها) أن هي المفسرة لما في النداء من ~~معنى القول، أو هي المصدرية: أي بأن بورك، وقيل هي المخففة من الثقيلة. قال ~~الزجاج: أن في موضع نصب أي بأن قال، ويجوز أن يكون في موضع رفع اسم ما لم ~~يسم فاعله. والأولى أن النائب ضمير يعود إلى ms2864 موسى. # وقرأ أبي وابن عباس ومجاهد " أن بوركت النار ومن حولها " حكى ذلك أبو ~~حاتم. وحكى الكسائي عن العرب: PageV04P126 # باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، وكذلك حكى هذا الفراء. قال ~~ابن جرير: قال بورك من في النار، ولم يقل بورك على النار على لغة من يقول ~~باركك الله: أي بورك على من في النار، وهو موسى، أو على من في قرب النار لا ~~أنه كان في وسطها. وقال السدي: كان في النار ملائكة، والنار هنا هي مجرد ~~نور، ولكنه ظن موسى أنها نار، فلما وصل إليها وجدها نورا. وحكي عن الحسن ~~وسعيد بن جبير أن المراد بمن في النار هو الله سبحانه: أي نوره. وقيل بورك ~~ما في النار من أمر الله سبحانه الذي جعلها على تلك الصفة. قال الواحدي: ~~ومذهب المفسرين أن المراد بالنار النور، ثم نزه سبحانه نفسه فقال (وسبحان ~~الله رب العالمين) وفيه تعجيب لموسى من ذلك (يا موسى أنه أنا الله العزيز ~~الحكيم) الضمير للشأن، أنا الله العزيز الغالب القاهر الحكيم في أمره ~~وفعله. وقيل إن موسى قال: يا رب من الذي ناداني؟ فأجابه الله سبحانه بقوله: ~~إنه أنا الله، ثم أمره سبحانه بأن يلقي عصاه ليعرف ما أجراه الله سبحانه ~~على يده من المعجزة الخارقة، وجملة (وألق عصاك) معطوفة على بورك، وفي ~~الكلام حذف، والتقدير فألقاها من يده فصارت حية (فلما رآها تهتز كأنها جان) ~~قال الزجاج: # صارت العصا تتحرك كما يتحرك الجان، وهي الحية البيضاء، وإنما شبهها ~~بالجان في خفة حركتها، وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها، وجمع الجان ~~جنان وهي الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة ~~(ولى مدبرا) من الخوف (ولم يعقب) أي لم يرجع: يقال عقب فلان إذا رجع، وكل ~~راجع معقب، وقيل لم يقف ولم يلتفت. والأول أولى، لأن التعقيب هو الكر بعد ~~الفر، فلما وقع منه ذلك قال الله سبحانه (يا موسى لا تخف) أي من الحية ~~وضررها (إني لا يخاف لدي المرسلون) أي ms2865 لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي فلا ~~تخف أنت. قيل ونفي الخوف عن المرسلين ليس في جميع الأوقات، بل في وقت ~~الخطاب لهم لأنهم إذ ذاك مستغرقون. # ثم استثنى استثناء منقطعا فقال (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني ~~غفور رحيم) أي لكن من أذنب في ظلم نفسه بالمعصية " ثم بدل حسنا " أي توبة ~~وندما " بعد سوء " أي بعد عمل سوء " فإني غفور رحيم " وقيل الاستثناء من ~~مقدر محذوف: أي لا يخاف لدي المرسلون، وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم إلا من ظلم ~~ثم بدل الخ، كذا قال الفراء. قال النحاس: الاستثناء من محذوف محال، لأنه ~~استثناء من شئ لم يذكر. وروي عن الفراء أنه قال: إلا بمعنى الواو. وقيل إن ~~الاستثناء متصل من المذكور لا من المحذوف. والمعنى: إلا من ظلم من المرسلين ~~بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، واختار هذا النحاس، وقال: علم من ~~عصي منهم فاستثناه فقال: إلا من ظلم، وإن كنت قد غفرت له كآدم وداود وإخوة ~~يوسف وموسى بقتله القبطي. ولا مانع من الخوف بعد المغفرة، فإن نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقول: ~~وددت أني شجرة تعضد (وأدخل يدك في جيبك) المراد بالجيب هو المعروف، وفي ~~القصص - اسلك يدك - وفي أدخل من المبالغة ما لم يكن في اسلك (تخرج بيضاء من ~~غير سوء) أي من غير برص أو نحوه من الآفات، فهو احتراس. وقوله " تخرج " ~~جواب أدخل يدك. وقيل في الكلام حذف تقديره: أدخل يدك تدخل وأخرجها تخرج، ~~ولا حاجة لهذا الحذف ولا ملجئ إليه. قال المفسرون: كانت على موسى مدرعة من ~~صوف لا كم لها ولا إزار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها فإذا هي تبرق كالبرق، ~~وقوله (في تسع آيات) قال أبو البقاء: هو في محل نصب على الحال من فاعل ~~تخرج، وفيه بعد. وقيل متعلق بمحذوف: أي اذهب في تسع آيات. وقيل متعلق ~~بقوله: ألق عصاك وأدخل يدك في ms2866 جملة تسع آيات أو مع تسع آيات. وقيل المعنى: ~~فهما آيتان من تسع: يعني العصا واليد، فتكون الآيات إحدى عشرة: هاتان، ~~والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، PageV04P127 # والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم، قال النحاس: أحسن ما قيل فيه أن ~~هذه الآية يعنى اليد داخلة في تسع آيات، وكذا قال المهدوي والقشيري. قال ~~القشيري: تقول خرجت في عشرة نفر، وأنت أحدهم: أي خرجت عاشر عشرة، ففي بمعنى ~~من لقربها منها كما تقول خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان: أي منها. قال ~~الأصمعي في قول امرئ القيس: # وهل ينعمن من كان آخر عهده * ثلاثون شهرا في ثلاثة أحوال في بمعنى من، ~~وقيل في بمعنى مع (إلى فرعون وقومه) قال الفراء: في الكلام إضمار: أي إنك ~~مبعوث، أو مرسل إلى فرعون وقومه، وكذا قال الزجاج: (إنهم كانوا قوما ~~فاسقين) الجملة تعليل لما قبلها (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) أي جاءتهم ~~آياتنا التي على يد موسى حال كونها مبصرة: أي واضحة بينه كأنها لفرط وضوحها ~~تبصر نفسها كقوله - وآتينا ثمود الناقة مبصرة - قال الأخفش: ويجوز أن تكون ~~بمعنى مبصرة على أن اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، وقد تقدم تحقيق الكلام ~~في هذا. وقرأ علي بن الحسين وقتادة مبصرة بفتح الميم والصاد: أي مكانا يكثر ~~فيه التبصر، كما يقال: الولد مجبنة ومبخلة (قالوا هذا سحر مبين) أي لما ~~جاءتهم قالوا هذا القول: # أي سحر واضح (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) أي كذبوا بها حال كون أنفسهم ~~مستيقنة لها فالواو للحال، وانتصاب (ظلما وعلوا) على الحال: أي ظالمين ~~عالين، ويجوز أن ينتصبا على العلة: أي الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو، ~~ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف: أي جحدوا بها جحودا ظلما وعلوا. قال أبو ~~عبيدة: # والباء في " وجحدوا بها " زائدة: أي وجحدوها. قال الزجاج: التقدير: ~~وجحدوا بها ظلما وعلوا: أي شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وهم ~~يعلمون أنها من عند الله (فانظر) يا محمد (كيف كان عاقبة المفسدين) أي تفكر ms2867 ~~في ذلك فإن فيه معتبرا للمعتبرين، وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم في ~~البحر على تلك الصفة الهائلة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (فلما ~~جاءها نودي أن بورك من في النار) يعنى تبارك وتعالى نفسه كان نور رب ~~العالمين في الشجرة (ومن حولها) يعني الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: كان الله في النور نودي من النور (ومن ~~حولها) قال: # الملائكة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عنه أيضا قال: ناداه الله وهو في النور. وأخرج الفريابي وعبد بن ~~حميد وابن المنذر عنه أيضا (أن بورك من في النار) قال: بوركت النار. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: في مصحف أبي ~~بن كعب: بوركت النار ومن حولها، أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (أن بورك) قال: قدس: # وأخرج عبد بن حميد وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ~~العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسي الأشعري ~~قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال " إن الله لا ينام ~~ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ~~وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو رفع لأحرقت سبحات وجهه كل شئ أدركه ~~بصره. ثم قرأ أبو عبيدة (أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين) ". والحديث أصله مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت على موسى جبة من صوف لا تبلغ مرفقيه، ~~فقال له: أدخل يدك في جيبك فأدخلها. # وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) قال: تكبرا ~~وقد استيقنتها أنفسهم، وهذا من التقديم والتأخير. PageV04P128 # لما فرغ سبحانه من قصة موسى ms2868 شرع في قصة داود وابنه سليمان، وهذه القصص ~~وما قبلها وما بعدها هي كالبيان والتقرير لقوله - وإنك لتلقى القرآن من لدن ~~حكيم عليم -، والتنوين في (علما) إما للنوع: أي طائفة من العلم، أو ~~للتعظيم: أي علما كثيرا، والواو في قوله (وقالا الحمد لله) للعطف على ~~محذوف، لأن هذا المقام مقام الفاء، فالتقدير: ولقد آتيناهما علما فعملا به ~~وقالا الحمد لله، ويؤيده أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقا بعمل ~~القلب، وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية (الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين) أي فضلنا بالعلم والنبوة وتسخير الطير والجن والإنس ولم ~~يفضلوا أنفسهم على الكل تواضعا منهم. وفي الآية دليل على شرف العلم وارتفاع ~~محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده، وأن من ~~أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا (وورث سليمان ~~داود) أي ورثه العلم والنبوة. قال قتادة والكلبي: # كان لداود تسعة عشر ولدا ذكرا فورث سليمان من بينهم نبوته، ولو كان ~~المراد وراثة المال لم يخص سليمان بالذكر لأن جميع أولاده في ذلك سواء، ~~وكذا قال جمهور المفسرين، فهذه الوراثة هي وراثة مجازية كما في قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " العلماء ورثة الأنبياء " (وقال يا أيها الناس علمنا ~~منطق الطير) قال سليمان هذه المقالة مخاطبا PageV04P129 # للناس تحدثا بما أنعم الله به عليه وشكر النعمة التي خصه بها، وقدم منطق ~~الطير لأنها نعمة خاصة به لا يشاركه فيها غيره. قال الفراء: منطق الطير ~~كلام الطير فجعل كمنطق الرجل، وأنشد قول حميد بن ثور: # عجيب لها أن يكون غناؤها * فصيحا ولم يغفر بمنطقها فما ومعنى الآية فهمنا ~~ما يقول الطير. قال جماعة من المفسرين: إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ~~ذكر الطير لأنه كان جندا من جنده يسير معه لتظليله من الشمس. وقال قتادة ~~والشعبي: إنما علم منطق الطير خاصة ولا يعترض ذلك بالنملة فإنها من جملة ~~الطير، وكثيرا ما تخرج لها أجنحة فتطير، وكذلك كانت ms2869 هذه النملة التي سمع ~~كلامها وفهمه، ومعنى (وأوتينا من كل شئ) كل شئ تدعو إليه الحاجة: كالعلم ~~والنبوة والحكمة والمال وتسخير الجن والإنس والطير والرياح والوحش والدواب ~~وكل ما بين السماء والأرض. وجاء سليمان بنون العظمة، والمراد نفسه بيانا ~~لحاله من كونه مطاعا لا يخالف، لا تكبرا وتعظيما لنفسه، والإشارة بقوله (إن ~~هذا) إلى ما تقدم ذكره من التعليم والإيتاء (لهو الفضل المبين) أي الظاهر ~~الواضح الذي لا يخفى على أحد، أو المظهر لفضيلتنا (وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير) الحشر الجمع: أي جمع له جنوده من هذه الأجناس. وقد ~~أطال المفسرون في ذكر مقدار جنده وبالغ كثير منهم مبالغة تستبعدها العقول ~~ولا تصح من جهة النقل، ولو صحت لكان في القدرة الربانية ما هو أعظم من ذلك ~~وأكثر (فهم يوزعون) أي لكل طائفة منهم وزعة ترد أولهم على آخرهم فيقفون على ~~مراتبهم، يقال وزعه يزعه وزعا: كفه، والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع ~~من تقدم منهم: أي يرده، ومنه قول النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما أصح والشيب وازع وقول الآخر: ~~ومن لم يزعه لبه وحياؤه * فليس له من شيب فوديه وازع وقول الآخر: ولا يزع ~~النفس اللجوج عن الهوى * من الناس إلا وافر العقل كامله وقيل من التوزيع ~~بمعنى التفريق، يقال: القوم أوزاع: أي طوائف (حتى إذا أتوا على واد النمل) ~~حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ويكون غاية لما قبلها، والمعنى فهم يوزعون ~~إلى حصول هذه الغاية وهو إتيانهم على واد النمل: أي فهم يسيرون ممنوعا ~~بعضهم من مفارقة بعض حتى إذا أتوا الخ، وعلى واد النمل متعلق بأتوا، وعدي ~~بعلى لأنهم كانوا محمولين على الريح فهم مستعلون. والمعنى: أنهم قطعوا ~~الوادي وبلغوا اخره، ووقف القراء جميعهم على واد بدون ياء اتباعا للرسم حيث ~~لم تحذف لالتقاء الساكنين كقوله - الذين جابوا الصخر بالواد - إلا الكسائي ~~فإنه وقف بالياء، قال: لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل. ~~قال كعب: واد النمل بالطائف. وقال ms2870 قتادة ومقاتل: هو بالشام (قالت نملة) هذا ~~جواب إذا، أنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت ونبهت سائر النمل منادية ~~لها قائلة (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) جعل خطاب النمل كخطاب العقلاء ~~لفهمها لذلك الخطاب، والمساكن هي الأمكنة التي يسكن النمل فيها. # قيل وهذه النملة التي سمعها سليمان هي أنثى بدليل تأنيث الفعل المسند ~~إليها. ورد هذا أبو حيان فقال: لحاق التاء في قالت لا يدل على أن النملة ~~مؤنثة، بل يصح أن يقال في المذكر قالت، لأن نملة وإن كانت بالتاء فهي مما ~~لا يتميز فيه المذكر من المؤنث بتذكير الفعل ولا بتأنيثه، بل يتميز ~~بالإخبار عنه بأنه ذكر أو أنثى ولا يتعلق بمثل هذا كثير فائدة ولا بالتعرض ~~لاسم النملة ولما ذكر من القصص الموضوعة والأحاديث المكذوبة. وقرأ الحسن ~~وطلحة ومعمر بن سليمان " نملة " والنمل بضم الميم وفتح النون بزنة رجل ~~وسمرة. وقرأ سليمان التيمي بضمتين فيهما PageV04P130 # (لا يحطمنكم سليمان وجنوده) الحطم الكسر، يقال حطمته حطما: أي كسرته كسرا ~~وتحطم تكسر، وهذا النهي هو في الظاهر للنمل، وفي الحقيقة لسليمان، فهو من ~~باب: لا أرينك هاهنا، ويجوز أن يكون بدلا من الأمر، ويحتمل أن يكون جوابا ~~للأمر. قال أبو حيان: أما تخريجه على جواب الأمر فلا يكون إلا على قراءة ~~الأعمش، فإنه قرأ " لا يحطمكم " بالجزم بدون نون التوكيد، وأما مع وجود نون ~~التوكيد فلا يجوز ذلك إلا في الشعر. قال سيبويه: وهو قليل في الشعر، شبهوه ~~بالنهي حيث كان مجزوما. وقرأ أبي " ادخلوا مساكنكن " وقرأ شهر بن حوشب " ~~مسكنكم " وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني " لا يحطمنكم " بضم ~~الياء وفتح الحاء وتشديد الطاء، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب وأبو عمرو في ~~رواية بسكون نون التوكيد، وجملة (وهم لا يشعرون) في محل نصب على الحال من ~~فاعل يحطمنكم: أي لا يشعرون بحطمكم ولا يعلمون بمكانكم، وقيل إن المعنى: ~~والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها، وهو بعيد (فتبسم ضاحكا من قولها) ~~قرأ ابن السميفع " ضحكا " وعلى قراءة ms2871 الجمهور يكون ضاحكا حالا مؤكدة لأنه ~~قد فهم الضحك من التبسم، وقيل هي حال مقدره لأن التبسم أول الضحك، وقيل لم ~~كان التبسم قد يكون للغضب كان الضحك مبينا له، وقيل إن ضحك الأنبياء هو ~~التبسم لاغير، وعلى قراءة ابن السميفع يكون ضحكا مصدرا منصوبا بفعل محذوف ~~أو في موضع الحال، وكان ضحك سليمان تعجبا من قولها وفهمها واهتدائها إلى ~~تحذير النمل (وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي) قد ~~تقدم بيان معنى أوزعني قريبا في قوله " فهم يوزعون " قال في الكشاف: وحقيقة ~~أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمك عندي وأكفه وأرتبطه لا ينفلت عني حتى لا أنفك ~~شاكرا لك انتهى. قال الواحدي: أوزعني أي ألهمني أن اشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي، يقال فلان موزع بكذا: أي مولع به انتهى. قال القرطبي: وأصله من وزع، ~~فكأنه قال: كفني عما يسخطك انتهى. والمفعول الثاني لأوزعني هو: أن أشكر ~~نعمتك التي أنعمت علي، وقال الزجاج: إن معنى أوزعني: امنعني أن أكفر نعمتك، ~~وهو تفسير باللازم، ومعنى وعلى والدي: الدعاء منه بأن يوزعه الله شكر نعمته ~~على والديه كما أوزعه شكر نعمته عليه، فإن الإنعام عليهما إنعام عليه، وذلك ~~يستوجب الشكر منه لله سبحانه، ثم طلب أن يضيف الله له لواحق نعمه إلى ~~سوابقها، ولا سيما النعم الدينية، فقال (وأن أعمل صالحا ترضاه) أي عملا ~~صالحا ترضاه مني، ثم دعا أن يجعله الله سبحانه في الآخرة داخلا في زمرة ~~الصالحين فإن ذلك هو الغاية التي يتعلق الطلب بها، فقال (وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين) والمعنى: # أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمي في أسمائهم، واحشرني في زمرتهم إلى دار ~~الصالحين وهي الجنة، اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبي الكريم فتقبل ~~ذلك مني وتفضل علي به، فإني وإن كنت مقصرا في العمل ففضلك هو سبب الفوز ~~بالخير، فهذه الآية منادية بأعلى صوت وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي ~~دار المؤمنين بالتفضل منك لا بالعمل منهم كما قال رسولك الصادق المصدوق ms2872 ~~فيما ثبت عنه في الصحيح " سددوا وقاربوا واعلموا أن لن يدخل أحد الجنة ~~بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته " فإذا لم يكن إلا تفضلك الواسع فترك طلبه منك عجز، والتفريط في ~~التوسل إليك بالإيصال إليه تضييع. ثم شرع سبحانه في ذكر قصة بلقيس وما جرى ~~بينها وبين سليمان، وذلك بدلالة الهدهد فقال (وتفقد الطير) التفقد تطلب ما ~~غاب عنك وتعرف أحواله، والطير اسم جنس لكل ما يطير، والمعنى: أنه تطلب ما ~~فقد من الطير وتعرف حال ما غاب منها، وكانت الطير تصحبه في سفره، وتظله ~~بأجنحتها (فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) أي PageV04P131 # ما للهدهد لا أراه؟ فهذا الكلام من الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب ~~كثيرا، وقيل لا حاجة إلى ادعاء القلب، بل هو استفهام عن المانع له من رؤية ~~الهدهد، كأن قال: مالي لا أراه هل ذلك لساتر يستره عني، أو لشئ آخر؟ ثم ظهر ~~له أنه غائب فقال: أم كان من الغائبين، وأم هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب ~~قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام وأيوب " مالي " بفتح الياء، وكذلك قرأوا في ~~يس - ومالي لا أعبد الذي فطرني - بفتح الياء، وقرأ بإسكانها في الموضعين ~~حمزة والكسائي ويعقوب، وقرأ الباقون بفتح التي في يس وإسكان التي هنا. قال ~~أبو عمرو: لأن هذه التي هنا استفهام، والتي في يس نفي، واختار أبو حاتم ~~وأبو عبيد الإسكان (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه). # اختلفوا في هذا العذاب الشديد ما هو؟ فقال مجاهد وابن جريج: هو أن ينتف ~~ريشه جميعا. وقال يزيد بن رومان: هو أن ينتف ريش جناحيه، وقيل هو أن يحبسه ~~مع أضداده، وقيل أن يمنعه من خدمته، وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر ~~للذنب لا على قدر الجسد. وقوله عذابا اسم مصدر أو مصدر على حذف الزوائد ~~كقوله - أنبتكم من الأرض نباتا - (أو ليأتيني بسلطان مبين) قرأ ابن كثير ~~وحده بنون التأكيد المشددة بعدها نون الوقاية، ms2873 وقرأ الباقون بنون مشددة ~~فقط، وهي نون التوكيد، وقرأ عيسى ابن عمر بنون مشددة مفتوحة غير موصولة ~~بالياء، والسلطان المبين هو الحجة البينة في غيبته (فمكث غير بعيد) أي ~~الهدهد مكث زمانا غير بعيد. # قرأ الجمهور " مكث " بضم الكاف، وقرأ عاصم وحده بفتحها، ومعناه في ~~القرائتين: أقام زمانا غير بعيد. قال سيبويه: مكث يمكث مكوثا كقعد يقعد ~~قعودا. وقيل إن الضمير في مكث لسليمان. والمعنى: بقي سليمان بعد التفقد ~~والتوعد زمانا غير طويل، والأول أولى (فقال أحطت بما لم تحط به) أي علمت ما ~~لم تعلمه من الأمر، والإحاطة العلم بالشيء من جميع جهاته، ولعل في الكلام ~~حذفا، والتقدير: فمكث الهدهد غير بعيد فجاء فعوتب على مغيبه، فقال معتذرا ~~عن ذلك (أحطت بما لم تحط به). قال الفراء: ويجوز إدغام التاء في الطاء، ~~فيقال أحط، وإدغام الطاء في التاء فيقال أحت (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) قرأ ~~الجمهور من سبأ بالصرف على أنه اسم رجل، نسب إليه قوم، ومنه قول الشاعر: # الواردون وتيم في ذرى سبأ * قد غض أعناقهم جلد الجواميس وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بفتح الهمزة وترك الصرف على أنه اسم مدينة، وأنكر الزجاج أن يكون ~~اسم الرجل وقال: سبأ اسم مدينة تعرف بمأرب اليمن بينهما وبين صنعاء ثلاثة ~~أيام. وقيل هو اسم امرأة سميت بها المدينة. قال القرطبي: والصحيح أنه اسم ~~رجل كما في كتاب الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي. قال ابن عطية: # وخفي هذا على الزجاج فخبط خبط عشواء. وزعم الفراء أن الرؤاسي سأل أبا ~~عمرو بن العلاء عن سبأ فقال: # ما أدري ما هو؟ قال النحاس: وأبو عمرو أجل من أن يقول هذا، قال: والقول ~~في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل، فإن صرفته فلأنه قد صار ~~اسما للحي، وإن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود، إلا أن الاختيار عند ~~سيبويه الصرف انتهى. # وأقول: لا شك أن سبأ اسم لمدينة باليمن كانت فيها بلقيس، وهو أيضا اسم ~~رجل ms2874 من قحطان، وهو سبأ بن PageV04P132 # يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود، ولكن المراد هنا أن الهدهد جاء إلى سليمان ~~بخبر ما عاينه في مدينة سبأ مما وصفه، وسيأتي في آخر هذا البحث من المأثور ~~ما يوضح هذا ويؤيده، ومعنى الآية: أن الهدهد جاء سليمان من هذه المدينة ~~بخبر يقين، والنبأ هو الخبر الخطير الشأن، فلما قال الهدهد لسليمان ما قال، ~~قال له سليمان: وما ذاك؟ # فقال (إني وجدت امرأة تملكهم) وهي بلقيس بنت شرحبيل، وجدها الهدهد تملك ~~أهل سبأ، والجملة هذه كالبيان، والتفسير للجملة التي قبلها: أي ذلك النبأ ~~اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء (وأوتيت من كل شئ) فيه مبالغة، ~~والمراد أنها أوتيت من كل شئ من الأشياء التي تحتاجها، وقيل المعنى: أوتيت ~~من كل شئ في زمانها شيئا، فحذف شيئا لأن الكلام قد دل عليه (ولها عرش عظيم) ~~أي سرير عظيم، ووصفه بالعظم لأنه كما قيل كان من ذهب طوله ثمانون ذراعا ~~وعرضه أربعون ذراعا وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا مكلل بالدر والياقوت ~~الأحمر والزبرجد الأخضر. وقيل المراد بالعرش هنا الملك، والأول أولى لقوله: ~~" أيكم يأتيني بعرشها " قال ابن عطية: واللازم من الآية أنها امرأة ملكة ~~على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وسرير عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار (وجدتها ~~وقومها يسجدون للشمس من دون الله) أي يعبدونها متجاوزين عبادة الله سبحانه، ~~قيل كانوا مجوسا، وقيل زنادقة (وزين لهم الشيطان أعمالهم) التي يعملونها، ~~وهي عبادة الشمس وسائر أعمال الكفر (فصدهم عن السبيل) أي صدهم الشيطان بسبب ~~ذلك التزيين عن الطريق الواضح، وهو الإيمان بالله وتوحيده (فهم لا يهتدون) ~~إلى ذلك (ألا يسجدوا) قرأ الجمهور بتشديد " ألا ". قال ابن الأنباري: الوقف ~~على فهم لا يهتدون غير تام عند من شدد ألا، لأن المعنى: وزين لهم الشيطان ~~ألا يسجدوا. قال النحاس: هي أن دخلت عليها لا، وهي في موضع نصب. قال ~~الأخفش: أي زين لهم أن لا يسجدوا لله بمعنى لئلا يسجدوا لله. وقال الكسائي: ~~هي في موضع ms2875 نصب بصدهم: أي فصدهم ألا يسجدوا بمعنى لئلا يسجدوا، فهو على ~~الوجهين مفعول له. وقال اليزيدي: إنه بدل من أعمالهم في موضع نصب. وقال أبو ~~عمرو: في موضع خفض على البدل من السبيل. وقيل العامل فيها لا يهتدون: أي ~~فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، وتكون لا على هذا زائدة كقوله - ما منعك أن ~~لا تسجد - وعلى قراءة الجمهور ليس هذه الآية موضع سجدة، لأن ذلك إخبار عنهم ~~بترك السجود: # إما بالتزيين أو بالصد، أو بمنع الاهتداء، وقد رجح كونه علة للصد الزجاج، ~~ورجح الفراء كونه علة لزين، قال: زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا، ثم حذفت ~~اللام. وقرأ الزهري والكسائي بتخفيف " ألا ". قال الكسائي: # ما كنت أسمع الأشياخ يقرأونها إلا بالتخفيف على نية الأمر، فتكون " ألا " ~~على هذه القراءة حرف تنبيه واستفتاح وما بعدها حرف نداء، واسجدوا فعل أمر، ~~وكان حق الخط على هذه القراءة أن يكون هكذا ألا يا اسجدوا، ولكن الصحابة ~~رضي الله عنهم أسقطوا الألف من يا وهمزة الوصل من اسجدوا خطأ ووصلوا الياء ~~بسين اسجدوا، فصارت صورة الخط ألا يسجدوا، والمنادي محذوف، وتقديره: ألا يا ~~هؤلاء اسجدوا، وقد حذفت العرب المنادي كثيرا في كلامها، ومنه قول الشاعر: # ألا يا أسلمي يا دار مي على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر وقول ~~الآخر: ألا يا أسلمي ثم أسلمي ثمت أسلمي * ثلاث تحيات وإن لم تكلم وقول ~~الآخر أيضا: * ألا يا أسلمي يا هند هند بني بكر * وهو كثير في أشعارهم. قال ~~الزجاج: # وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون قراءة التشديد، واختار أبو حاتم ~~وأبو عبيد قراءة التشديد. قال الزجاج: ولقراءة التخفيف وجه حسن إلا أن فيها ~~انقطاع الخبر عن أمر سبأ ثم الرجوع بعد ذلك إلى ذكرهم. PageV04P133 # والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، وكذا قال ~~النحاس، وعلى هذه القراءة تكون جملة ألا يسجدوا معترضة من كلام الهدهد، أو ~~من كلام سليمان، أو من كلام الله سبحانه. وفي قراءة عبد الله بن " مسعود " ~~هل ms2876 لا تسجدوا " بالفوقية، وفي قراءة أبي (ألا تسجدوا) بالفوقية أيضا (الذي ~~يخرج الخبء في السماوات والأرض) أي يظهر ما هو مخبوء ومخفي فيهما، يقال: ~~خبأت الشئ أخبؤه خبأ، والخب ء ما خبأته. قال الزجاج: جاء في التفسير أن ~~الخب ء ها هنا بمعنى القطر من السماء والنبات من الأرض. وقيل خب ء الأرض ~~كنوزها ونباتها. وقال قتادة: الخب ء السر. قال النحاس: أي ما غاب في ~~السماوات والأرض. وقرأ أبي وعيسى بن عمر " الخب " بفتح الباء من غير همز ~~تخفيفا، وقرأ عبد الله وعكرمة ومالك بن دينار " الخبا " بالألف قال أبو ~~حاتم: وهذا لا يجوز في العربية. ورد عليه بأن سيبويه حكى عن العرب أن الألف ~~تبدل من الهمزة إذا كان قبلها ساكن. وفي قراءة عبد الله " يخرج الخب من ~~السماوات والأرض ". قال الفراء: ومن وفي يتعاقبان، والموصول يجوز أن يكون ~~في محل جر نعتا لله سبحانه، أو بدلا منه، أو بيانا له، ويجوز أن يكون في ~~محل نصب على المدح، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~وجملة (ويعلم ما تخفون وما تعلنون) معطوفة على يخرج، قرأ الجمهور بالتحتية ~~في الفعلين، وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي بالفوقية للخطاب، أما ~~القراءة الأولى فلكون الضمائر المتقدمة ضمائر غيبة، وأما القراءة الثانية ~~فلكون قراءة الزهري والكسائي فيها الأمر بالسجود والخطاب لهم بذلك، فهذا ~~عندهم من تمام ذلك الخطاب. والمعنى: أن الله سبحانه يخرج ما في هذا العالم ~~الإنساني من الخفاء بعلمه له كما يخرج ما خفي في السماوات والأرض، ثم بعد ~~ما وصف الرب سبحانه بما تقدم مما يدل على عظيم قدرته وجليل سلطانه ووجوب ~~توحيده وتخصيصه بالعبادة قال (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) قرأ ~~الجمهور العظيم بالجر نعتا للعرش، وقرأ ابن محيصن بالرفع نعتا للرب، وخص ~~العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات كما ثبت ذلك في المرفوع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن ms2877 عبد العزيز أنه كتب إن الله لم ينعم على ~~عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك ~~إلا في كتاب الله المنزل. قال الله عز وجل (ولقد آتينا داود وسليمان علما ~~وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) وأي نعمة أفضل مما ~~أعطى داود وسليمان. # أقول: ليس في الآية ما يدل على ما فهمه رحمه الله، والذي تدل عليه أنهما ~~حمدا الله سبحانه على ما فضلهما به من النعم، فمن أين تدل على أن حمده أفضل ~~من نعمته. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(وورث سليمان داود) قال: ورثه نبوته وملكه وعلمه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ~~في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال " خرج سليمان بن داود ~~يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء ~~وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقينا وإما ~~أن تهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم ". وأخرج ~~الحاكم في المستدرك عن جعفر بن محمد قال: أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ~~ومغاربها، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن ~~والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطى كل شئ، ومنطق كل شئ، وفي زمانه صنعت ~~الصنائع المعجبة، حتى إذا أراد الله أن يقبضه إليه أوحى إليه أن يستودع علم ~~الله وحكمته أخاه، وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلا أنبياء بلا ~~رسالة. قال الذهبي: هذا باطل، وقد رويت قصص في عظم ملك سليمان لا تطيب ~~النفس بذكر شئ منها، فالإمساك عن ذكرها أولى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله PageV04P134 # (فهم يوزعون) قال يدفعون. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (فهم يوزعون) قال: ~~جعل لكل صنف وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا تتقدمه في السير كما تصنع ~~الملوك. وأخرج عبد بن حميد وابن ms2878 المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(أوزعني) قال: ألهمني. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن ~~عباس أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: إن سليمان نزل ~~منزلا فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن ~~يسأله عنه ففقده، قيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقي عليه التراب ويضع ~~له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيده؟ # فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ~~ابن عباس في قوله (لأعذبنه عذابا شديدا) قال: أنتف ريشه كله، وروى نحو هذا ~~عن جماع من التابعين، وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان اسم هدهد سليمان ~~غبر. # وأقول: من أين جاء علم هذا للحسن رحمه الله، وهكذا ما رواه عنه ابن عساكر ~~أن اسم النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لها بنو الشيصان، وأنها كانت ~~عرجاء، وكانت بقدر الذئب، وهو رحمه الله أورع الناس عن نقل الكذب، ونحن ~~نعلم أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شئ، ونعلم ~~أنه ليس للحسن إسناد متصل بسليمان أو بأحد من أصحابه، فهذا العلم مأخوذ من ~~أهل الكتاب، وقد أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فإن ترحض مترخص بالرواية ~~عنهم لمثل ما روى " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " فليس ذلك فيما يتعلق ~~بتفسير كتاب الله سبحانه بلا شك، بل فيما يذكر عنهم من القصص الواقعة لهم. ~~وقد كررنا التنبيه على مثل هذا عند عروض ذكر التفاسير الغريبة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أو ليأتيني ~~بسلطان مبين) قال: خبر الحق الصدق البين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ~~عكرمة قال: # قال ابن عباس كل سلطان في ms2879 القرآن حجة وذكر هذه الآية، ثم قال: وأي سلطان ~~كان للهدهد؟ يعني أن المراد بالسلطان الحجة لا السلطان الذي هو الملك. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (أحطت بما لم تحط به) قال: # اطلعت على ما لم تطلع عليه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(وجئتك من سبأ) قال: سبأ بأرض اليمن، يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ~~ثلاث ليال (بنبأ يقين) قال: بخبر حق. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عنه ~~أيضا (إني وجدت امرأة تملكهم) قال: كان اسمها بلقيس بنت ذي شيرة، وكانت ~~صلباء شعراء. # وروي عن الحسن وقتادة وزهير بن محمد أنها بلقيس بنت شراحيل، وعن ابن جريج ~~بنت ذي شرح. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم: إحدى أبوي ~~بلقيس كان جنيا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ولها عرش ~~عظيم) قال: سرير كريم من ذهب وقوائمه من جوهر ولؤلؤ حسن الصنعة غالي الثمن. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (يخرج الخبء) قال: ~~يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. PageV04P135 # جملة (قال سننظر) مستأنفة جواب سؤال مقدر: أي قال سليمان للهدهد: سننظر ~~فيما أخبرتنا به من هذه القصة (أصدقت) فيما قلت (أم كنت من الكاذبين) هذه ~~الجملة الاستفهامية في محل نصب على أنها مفعول سننظر، وأم هي المتصلة، ~~وقوله (أم كنت من الكاذبين) أبلغ من قوله أم كذبت، لأن المعنى: من الذين ~~اتصفوا بالكذب وصار خلقا لهم. والنظر هو التأمل والتصفح، وفيه إرشاد إلى ~~البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم ~~واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه. ثم بين سليمان هذا النظر ~~الذي وعد به فقال (إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) أي إلى أهل سبأ. قال ~~الزجاج: في ألقه خمسة أوجه: # إثبات الياء في اللفظ وحذفها، وإثبات الكسرة للدلالة عليها، ms2880 وبضم الهاء ~~وإثبات الواو، وبحذف الواو وإثبات الضمة للدلالة عليها، وبإسكان الهاء. ~~وقرأ بهذه اللغة الخامسة أبو عمرو وحمزة وأبو بكر. وقرأ قالون بكسر الهاء ~~فقط من غير ياء. وروى عن هشام وجهان: إثبات الياء لفظا وحذفها مع كسر ~~الهاء. وقرأ الباقون بإثبات الياء في اللفظ، وقوله " بكتابي هذا " يحتمل أن ~~يكون اسم الإشارة صفة للكتاب، وأن يكون بدلا منه، وأن يكون بيانا له، وخص ~~الهدهد بإرساله بالكتاب لأنه المخبر بالقصة ولكونه رأى منه من مخايل الفهم ~~والعلم ما يقتضي كونه أهلا للرسالة (ثم تول عنهم) أي تنح عنهم، أمره بذلك ~~لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسل الملوك، ~~والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم حتى يخبر سليمان بما سمع، وقيل ~~معنى التولي: # الرجوع إليه، والأول أولى لقوله (فانظر ماذا يرجعون) أي تأمل وتفكر فيما ~~يرجع بعضهم إلى بعض من القول وما يتراجعونه بينهم من الكلام (قالت) أي ~~بلقيس (يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم) في الكلام حذف، PageV04P136 # والتقدير: فذهب الهدهد فألقاه إليهم، فسمعها تقول: يا أيها الملأ الخ، ~~ووصفت الكتاب بالكريم لكونه من عند عظيم في نفسها فعظمته إجلالا لسليمان، ~~وقيل وصفته بذلك لاشتماله على كلام حسن، وقيل وصفته بذلك لكونه وصل إليها ~~مختوما بخاتم سليمان، وكرامة الكتاب ختمه كما روي ذلك مرفوعا، ثم بينت ما ~~تضمنه هذا الكتاب فقالت (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) أي ~~وإن ما اشتمل عليه من الكلام وتضمنه من القول مفتتح بالتسمية وبعد التسمية ~~(أن لا تعلوا علي) أي لا تتكبروا كما يفعله جبابرة الملوك، وأن هي المفسرة، ~~وقيل مصدرية، ولا ناهية، وقيل نافية، ومحل الجملة الرفع على أنها بدل من ~~كتاب أو خبر مبتدأ محذوف: أي هو أن لا تعلوا. قرأ الجمهور " إنه من سليمان ~~وإنه " بكسرهما على الاستئناف، وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة بفتحهما على إسقاط ~~حرف الجر، وقرأ أبي " إن من سليمان وإن بسم الله " بحذف الضميرين وإسكان ~~النونين على ms2881 أنهما مفسرتان، وقرأ عبد الله بن مسعود " وإنه من سليمان " ~~بزيادة الواو، وروى ذلك أيضا عن أبي. وقرأ أشهب العقيلي وابن السميفع " أن ~~لا تغلوا " بالغين المعجمة من الغلو، وهو تجاوز الحد في الكبر (وأتوني ~~مسلمين) أي منقادين للذين مؤمنين بما جئت به (قالت يا أيها الملأ أفتوني في ~~أمري) الملأ أشراف القوم، والمعنى يا أيها الأشراف أشيروا علي وبينوا لي ~~الصواب في هذا الأمر وأجيبوني بما يقتضيه الحزم، وعبرت عن المشورة بالفتوى ~~لكون في ذلك حل لما أشكل من الأمر عليها، وفي الكلام حذف، والتقدير: فلما ~~قرأت بلقيس الكتاب جمعت أشراف قومها وقالت لهم: يا أيها الملأ إني ألقى ~~إلي، يا أيها الملأ أفتوني، وكرر قالت لمزيد العناية بما قالته لهم، ثم ~~زادت في التأدب واستجلاب خواطرهم ليمحضوها النصح ويشيروا عليها بالصواب ~~فقالت (ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) أي ما كنت مبرمة أمرا من الأمور حتى ~~تحضروا عندي وتشيروا علي، ف‍ (قالوا) مجيبين لها (نحن أولوا قوة) في العدد ~~والعدة (وأولوا بأس شديد) عند الحرب واللقاء لنا من الشجاعة والنجدة ما ~~نمنع به أنفسنا وبلدنا ومملكتنا، ثم فوضوا الأمر إليها لعلمهم بصحة رأيها ~~وقوة عقلها فقالوا (والأمر إليك) أي موكول إلى رأيك ونظرك (فانظري ماذا ~~تأمرين) أي تأملي ماذا تأمرينا به فنحن سامعون لأمرك مطيعون له، فلما سمعت ~~تفويضهم الأمر إليها (قالت: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) أي إذا دخلوا قرية من القرى خربوا ~~مبانيها، وغيروا مغانيها، وأتلفوا أموالها، وفرقوا شمل أهلها (وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة) أي أهانوا أشرافها وحطوا مراتبهم، فصاروا عند ذلك أذلة وإنما ~~يفعلون ذلك لأجل أن يتم لهم الملك وتستحكم لهم الوطأة وتتقرر لهم في قلوبهم ~~المهابة. قال الزجاج: أي إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة، والمقصود من قولها ~~هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، وقد صدقها الله ~~سبحانه فيما قالت فقال سبحانه (وكذلك يفعلون) أي مثل ذلك الفعل يفعلون. قال ~~ابن الأنباري: # الوقف على قوله (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) ms2882 وقف تام، فقال الله عز وجل ~~تحقيقا لقولها (وكذلك يفعلون) وقيل هذه الجملة من تمام كلامها، فتكون من ~~جملة مقول قولها، وعلى القول الأول تكون هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب. ثم لما قدمت لهم هذه المقدمة، وبينت لهم ما في دخول الملوك إلى ~~أرضهم من المفسدة، أوضحت لهم وجه الرأي عندها وصرحت لهم بصوابه فقالت (وإني ~~مرسلة إليهم بهدية) أي إني أجرب هذا الرجل بإرسال رسلي إليه بهدية مشتملة ~~على نفائس الأموال، فإن كان ملكا أرضيناه بذلك وكفينا أمره، وإن كان نبيا ~~لم يرضه ذلك، لأن غاية مطلبه ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين فلا ينجينا ~~منه إلا إجابته ومتابعته والتدين بدينه وسلوك طريقته، ولهذا قالت (فناظرة ~~بم يرجع المرسلون) الفاء للعطف على مرسلة، وبم متعلق بيرجع، والمعنى: إني ~~ناظرة فيما يرجع به رسلي المرسلون بالهدية من قبول أو رد فعاملة بما يقتضيه ~~ذلك، وقد طول المفسرون في ذكر PageV04P137 # هذه الهدية، وسيأتي في آخر البحث بيان ما هو أقرب ما قيل إلى الصواب ~~والصحة (فلما جاء سليمان) أي فلما جاء رسولها المرسل بالهدية سليمان، ~~والمراد بهذا المضمر الجنس فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها: " بم ~~يرجع المرسلون " وقرأ عبد الله " فلما جاءوا سليمان " أي الرسل، وجملة (قال ~~أتمدونن بمال) مستأنفة جواب سؤال مقدر والاستفهام للإستنكار: أي قال منكرا ~~لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه وكثرة ماله. وقرأ حمزة بإدغام نون ~~الإعراب في نون الوقاية، والباقون بنونين من غير إدغام، وأما الياء فإن ~~نافعا وأبا عمرو وحمزة يثبتونها وصلا ويحذفونها وقفا، وابن كثير يثبتها في ~~الحالين، والباقون يحذفونها في الحالين. وروي عن نافع أن يقرأ بنون واحدة ~~(فما آتاني الله خير مما آتاكم) أي ما آتاني من النبوة والملك العظيم ~~والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته. قرأ ~~أبو عمرو ونافع وحفص " آتاني الله " بياء مفتوحة وقرأ يعقوب بإثباتها في ~~الوقف وحذفها في الوصل، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والوقف. ms2883 ثم إنه ~~أضرب عن الإنكار المتقدم فقال (بل أنتم بهديتكم تفرحون) توبيخا لهم بفرحهم ~~بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء، وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي، ~~لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحدا من العالمين، ومع ذلك ~~أكرمني بالنبوة. والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على ~~الهدية مع الإزراء بهم والحط عليهم (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها) أي قال سليمان للرسول: ارجع إليهم: أي إلى بلقيس وقومها، وخاطب المفرد ~~هاهنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل، إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط، أو ~~خص أمير الرسل بالخطاب هنا وخاطبهم معه فيما سبق افتنانا في الكلام. # وقرأ عبد الله بن عباس " ارجعوا " وقيل إن الضمير يرجع إلى الهدهد، ~~واللام في لنأتينهم جواب قسم محذوف. # قال النحاس: وسمعت ابن كيسان يقول: هي لام توكيد ولام أمر ولام خفض، وهذا ~~قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشئ إلى أصله، وهذا لا يتهيأ إلا لمن ~~درب في العربية، ومعنى " لا قبل لهم ": لا طاقة لهم بها، والجملة في محل جر ~~صفة لجنود (ولنخرجنهم) معطوف على جواب القسم: أي لنخرجنهم من أرضهم التي هم ~~فيها (أذلة) أي حال كونهم أذلة بعد ما كانوا أعزة، وجملة (وهم صاغرون) في ~~محل نصب على الحال، قيل وهي حال مؤكدة لأن الصغار هو الذلة، وقيل إن المراد ~~بالصغار هنا الأسر والاستعباد، وقيل إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها ~~الذلة. ولما رجع الرسول إلى بلقيس تجهزت للمسير إلى سليمان، وأخبر جبريل ~~سليمان بذلك ف (قال) سليمان (يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها) أي عرش ~~بلقيس الذي تقدم وصفه بالعظم (قيل أن يأتوني مسلمين) أي قبل أن تأتيني هي ~~وقومها مسلمين. قيل إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا، ~~لأنها إذا أسلمت وأسلم قومها لم يحل أخذ أموالهم بغير رضاهم. قال ابن عطية: ~~وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان هي بعد مجيء هديتها ورده إياها ~~وبعثه ms2884 الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين. وقيل استدعاء العرش قبل ~~وصولها ليريها القدرة التي هي من عند الله ويجعله دليلا على نبوته، وقيل ~~أراد أن يختبر عقلها ولهذا (قال نكروا لها عرشها) الخ، وقيل أراد أن يختبر ~~صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم، والقول الأول هو الذي عليه الأكثر (قال ~~عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) قرأ الجمهور بكسر العين ~~وسكون الفاء وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وبالتاء، وقرأ أبو رجاء ~~وعيسى الثقفي وابن السميفع وأبو السمال " عفريه " بفتح التحتية بعدها تاء ~~تأنيث منقلبة هاء رويت هذه القراءة عن أبي بكر الصديق. وقرأ أبو حيان بفتح ~~العين. والعفريت المارد الغليظ الشديد. قال النحاس: يقال للشديد إذا كان ~~معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت، وقال قتادة: هو الداهية، وقيل هو رئيس ~~الجن. قال ابن عطية: وقرأت فرقة " عفر " بكسر العين جمعه على عفار، ومما ~~ورد من أشعار العرب مطابقا لقراءة الجمهور ما أنشده الكسائي PageV04P138 # فقال شيطان لهم عفريت * مالكم مكث ولا تبييت ومما ورد على القراءة ~~الثانية قول ذي الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية * مصوب في سواد الليل منقضب ومعنى قول العفريت ~~أنه سيأتي بالعرش إلى سليمان قبل أن يقوم من مجلسه الذي يجلس فيه للحكومة ~~بين الناس (وإني عليه لقوي أمين) إني لقوي على حمله أمين على ما فيه. قيل ~~اسم هذا العفريت كودن ذكره النحاس عن وهب بن منبه. وقال السهيلي ذكوان، ~~وقيل اسمه دعوان، وقيل صخر. وقوله: (آتيك) فعل مضارع، وأصله أأتيك بهمزتين، ~~فأبدلت الثانية ألفا، وقيل هو اسم فاعل (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) قال أكثر المفسرين: اسم هذا الذي عنده علم ~~من الكتاب آصف بن برخيا، وهو من بني إسرائيل، وكان وزيرا لسليمان، وكان ~~يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. قال ابن ~~عطية: وقالت فرقة هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت: كأن ms2885 ~~سليمان استبطأ ما قاله العفريت فقال له تحقيرا له (أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك) وقيل هو جبريل، وقيل الخضر والأول أولى. وقد قيل غير ذلك بما لا ~~أصل له. والمراد بالطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر وارتداده انضمامها. ~~وقيل هو بمعنى المطروف: أي الشئ الذي ينظره، وقيل هو نفس الجفن عبر به عن ~~سرعة الأمر كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة. قاله مجاهد. وقال سعيد بن ~~جبير: إنه قال لسليمان: انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به، فوضعه بين ~~يديه. والمعنى: حتى يعود إليك طرفك بعد مده إلى السماء، والأول أولى هذه ~~الأقوال. ثم الثالث (فلما رآه مستقرا عنده) قيل في الآية حذف، والتقدير: ~~فأذن له سليمان فدعا الله فأتى به، فلما رآه سليمان مستقرا عنده: أي رأى ~~العرش حاضرا لديه (قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) الإشارة ~~بقوله هذا إلى حضور العرش، ليبلوني: أي ليختبرني أشكره بذلك وأعترف أنه من ~~فضله من غير حول مني ولا قوة أم أكفر بترك الشكر وعدم القيام به. قال ~~الأخفش: المعنى لينظر أأشكر أم أكفر، وقال غيره: معنى ليبلوني ليتعبدني، ~~وهو مجاز، والأصل في الابتلاء الاختبار (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) لأنه ~~استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها، والمعنى: أنه لا يرجع نفع ذلك إلا إلى ~~الشاكر (ومن كفر) بترك الشكر (فإن ربي غني) عن شكره (كريم) في ترك المعالجة ~~بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها، وأم في " أم أكفر " هي ~~المتصلة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (اذهب بكتابي هذا ~~فألقه إليهم ثم تول عنهم) يقول: كن قريبا منهم (فانظر ماذا يرجعون) فانطلق ~~بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها فقرئ عليها فإذا فيه " إنه ~~من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ". وأخرج ابن مردويه عنه (كتاب ~~كريم) قال: مختوم وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يكتب ms2886 " باسمك اللهم " حتى نزلت (إنه من سليمان وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم ". وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك مرفوعا مثله. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أفتوني في أمري) قال: جمعت رؤوس ~~مملكتها فشاورتهم في رأيها، فأجمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه، فسارت حتى ~~إذا كانت قريبة قالت: أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله، وإن ردها ~~تابعته فهو نبي، فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم، فأمر الشياطين فموهوا ~~ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها قصور الذهب قالوا: ما يصنع هذا ~~بهديتنا وقصوره ذهب وفضة، فلما دخلوا عليه بهديتها (قال أتمدونن بمال) ثم ~~قال سليمان (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) فقال كاتب سليمان: ~~ارفع PageV04P139 # بصرك فرفع بصره، فلما رجع إليه طرفه فإذا هو بسرير (قال نكروا لها عرشها) ~~فنزع منه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شئ ف (قيل) لها (أهكذا عرشك؟ قالت ~~كأنه هو) وأمر الشياطين فجعلوا لها صرحا ممردا من قوارير وجعل فيها تماثيل ~~السمك، ف (قيل لها ادخلي الصرح) فكشفت عن ساقيها فإذا فيها شعر، فعند ذلك ~~أمر بصنعة النورة فصنعت، فقيل لها (إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ~~ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) ~~قال: إذا أخذوها عنوة أخربوها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: يقول الرب ~~تبارك وتعالى (وكذلك يفعلون). وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (وإني مرسلة إليهم بهدية) قال: أرسلت بلبنة ~~من ذهب، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله (أتمدونن بمال) ~~الآية. # وقال ثابت البناني أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج. وقال مجاهد: ~~جواري لباسهن لباس الغلمان وغلمان لباسهم لباس الجواري. وقال عكرمة: أهدت ~~مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية، وعلى كل فرس ms2887 لون ليس على الاخر. وقال ~~سعيد بن جبير: كانت الهدية جواهر، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل ~~بذكره. # وأخرج ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (قبل أن ~~يأتوني مسلمين) قال: طائعين. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: اسم العفريت صخر. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (قبل أن تقوم من ~~مقامك) قال: من مجلسك. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (قال الذي عنده علم من ~~الكتاب) قال: هو آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم. وأخرج أبو ~~عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال في قراءة ابن مسعود ~~" قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك " قال: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش في نفق تحت الأرض ~~حتى خرج إليهم. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله (قبل أن يرتد إليك ~~طرفك) قال: قال لسليمان انظر إلى السماء، قال: فما أطرف حتى جاءه به فوضعه ~~بين يديه. وأخرج ابن شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يجر ~~عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ~~ظهر بين يدي سليمان. # قوله (نكروا لها عرشها) التنكير التغيير، يقول غيروا سريرها إلى حال ~~تنكره إذا رأته. قيل جعل أعلاه أسلفه وأسفله أعلاه، وقيل غير بزيادة ~~ونقصان. قال الفراء وغيره: إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له إن في ~~عقلها PageV04P140 # شيئا، فأراد أن يمتحنها، وقيل خافت الجن أن يتزوج بها سليمان، فيولد له ~~منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا لسليمان إنها ضعيفة العقل ~~ورجلها كرجل الحمار، وقوله (ننظر) بالجزم على أنه جواب الأمر، وبالجزم قرأ ~~الجمهور، وقرأ أبو حيان بالرفع على الاستئناف (أتهتدي) إلى معرفته، أو إلى ~~الإيمان بالله (أم تكون من الذين لا يهتدون) إلى ذلك ms2888 (فلما جاءت) أي بلقيس ~~إلى سليمان (قيل) لها، والقائل هو سليمان، أو غيره بأمره (أهكذا عرشك) لم ~~يقل هذا عرشك لئلا يكون ذلك تلقينا لها فلا يتم الاختبار لعقلها (قالت كأنه ~~هو) قال مجاهد: جعلت تعرف وتنكر وتعجب من حضوره عند سليمان، فقالت: كأنه ~~هو. وقال مقاتل: عرفته ولكنه شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها: ~~أهذا عرشك لقالت نعم. وقال عكرمة: كانت حكيمة، قالت: إن قلت هو هو خشيت أن ~~أكذب، وإن قلت لا خشيت أن أكذب، فقالت كأنه هو، وقيل أراد سليمان أن يظهر ~~لها أن الجن مسخرون له (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) قيل هو من ~~كلام بلقيس: أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش " ~~وكنا مسلمين " منقادين لأمره. وقيل هو من قول سليمان: أي أوتينا العلم ~~بقدرة الله من قبل بلقيس، وقيل أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من ~~قبلها: أي من قبل مجيئها، وقيل هو من كلام قوم سليمان. والقول الثاني أرجح ~~من سائر الأقوال (وصدها ما كانت تعبد من دون الله) هذا من كلام الله سبحانه ~~بيان لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام. ففاعل صد هو ما كانت ~~تعبد: أي منعها من إظهار الإيمان ما كانت تعبده، وهي الشمس. قال النحاس: أي ~~صدها عبادتها من دون الله، وقيل فاعل صد هو الله: أي منعها الله ما كانت ~~تعبد من دونه فتكون " ما " في محل نصب، وقيل الفاعل سليمان: أي ومنعها ~~سليمان ما كانت تعبد، والأول أولى، والجملة مستأنفة للبيان كما ذكرنا، ~~وجملة (إنها كانت من قوم كافرين) تعليل للجملة الأولى: أي سبب تأخرها عن ~~عبادة الله، ومنع ما كانت تعبده عن ذلك أنها كانت من قوم متصفين بالكفر. ~~قرأ الجمهور " إنها " بالكسر. وقرأ أبو حيان بالفتح. وفي هذه القراءة ~~وجهان: أحدهما أن الجملة بدل مما كانت تعبد. والثاني أن التقدير: لأنها ~~كانت تعبد، فسقط حرف التعليل (قيل لها ادخلي الصرح). قال أبو عبيدة: الصرح ~~القصر. ms2889 وقال الزجاج: الصرح الصحن. يقال هذه صرحة الدار وقاعتها. قال ابن ~~قتيبة: # الصرح بلاط اتخذ لها من قوارير وجعل تحته ماء وسمك. وحكى أبو عبيد في ~~الغريب أن الصرح كل بناء عال مرتفع، وأن الممرد الطويل (فلما رأته حسبته ~~لجة وكشفت عن ساقيها) أي فلما رأت الصرح بين يديها حسبت أنه لجة، واللجة ~~معظم الماء. فلذلك كشفت عن ساقيها لتخوض الماء، فلما فعلت ذلك (قال) سليمان ~~(إنه صرح ممرد من قوارير) الممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد، وتمرد الرجل ~~إذا لم تخرج لحيته، قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق لها. ~~والممرد أيضا المطول، ومنه قيل للحصن ما رد، ومنه قول الشاعر: # غدوت صباحا باكرا فوجدتهم * قبيل الضحى في السابري الممرد أي الدروع ~~الواسعة الطويلة، فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت، و (قالت رب إني ظلمت ~~نفسي) أي بما كنت عليه من عبادة غيرك، وقيل بالظن الذي توهمته في سليمان، ~~لأنها توهمت أنه أراد تغريقها في اللجة، والأول أولى (وأسلمت مع سليمان) ~~متابعة له داخلة في دينه (لله رب العالمين) التفتت من الحطاب إلى الغيبة، ~~قيل لإظهار معرفتها بالله، والأولى أنها التفتت لما في هذا الاسم الشريف من ~~الدلالة على جميع الأسماء، ولكونه علما للذات. PageV04P141 # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (نكروا لها عرشها) ~~قال: زيد فيه ونقص ل (ننظر أتهتدي) قال: لننظر إلى عقلها فوجدت ثابتة ~~العقل. وأخرج الفريابي وأبن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله (وأوتينا العلم من قبلها) قال: من قول ~~سليمان. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد نحوه. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~عباس في قوله (فلما رأته حسبته لجة) قال: بحرا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في أثر طويل أن سليمان تزوجها بعد ذلك. ~~قال أبو بكر ابن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث. قال ابن كثير في تفسيره ms2890 بعد ~~حكايته لقول أبي بكر بن أبي شيبة: بل هو منكر جدا، ولعله من أوهام عطاء بن ~~السائب على ابن عباس، والله أعلم. # والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب بما يوجد في ~~صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله فيما نقلا إلى هذه الأمة من بني ~~إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان ومما لم يكن ومما حرف وبدل ~~ونسخ انتهى، وكلامه هذا هو شعبة مما قد كررناه في هذا التفسير ونبهنا عليه ~~في عدة مواضع، وكنت أظن أنه لم ينبه على ذلك غيري. فالحمد لله على الموافقة ~~لمثل هذا الحافظ المنصف. وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى ~~الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أول من صنعت له ~~الحمامات سليمان " وروي عنه مرفوعا من طريق أخرى رواها الطبراني وابن عدي ~~في الكامل والبيهقي في الشعب بلفظ " أول من دخل الحمام سليمان فلما وجد حرة ~~قال أوه من عذاب الله ". # قوله (ولقد أرسلنا) معطوف على قوله " ولقد آتينا داود " واللام هي ~~الموطئة للقسم، وهذه القصة من جملة بيان قوله " وإنك لتلقى القران من لدن ~~حكيم عليم " و (صالحا) عطف بيان، و (أن اعبدوا الله) تفسير للرسالة وأن هي ~~المفسرة، ويجوز أن تكون مصدرية: أي بأن اعبدوا الله، وإذا في (فإذا هم ~~فريقان) هي الفجائية: أي ففاجئوا التفرق والاختصام، والمراد بالفريقان ~~المؤمنون منهم والكافرون، ومعنى الاختصام: أن كل فريق يخاصم على ما هو فيه ~~ويزعم أن الحق معه، وقيل إن الخصومة بينهم في صالح هل هو مرسل أم لا؟ وقيل ~~أحد PageV04P142 # الفريقين صالح، والفريق الآخر جميع قومه، وهو ضعيف (قال يا قوم لم ~~تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) أي قال صالح للفريق الكافر منهم منكرا عليهم: ~~لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة؟ قال مجاهد: بالعذاب قبل الرحمة. # والمعنى: لم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب وتقدمون الكفر الذي ~~يجلب إليكم العقوبة؟ وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون: ائتنا يا صالح بالعذاب ~~(لولا تستغفرون الله) هلا تستغفرون ms2891 الله وتتوبون إليه من الشرك (لعلكم ~~ترحمون) رجاء أن ترحموا أوكي ترحموا فلا تعذبوا، فإن استعجال الخير أولى من ~~استعجال الشر، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازا، إما لأن العقاب من لوازمه، أو ~~لأنه يشبهه في كونه مكروها، فكان جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح ~~والكلام اللين أنهم (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) أصله تطيرنا، وقد قرئ بذلك، ~~والتطير التشاؤم: أي تشاءمنا بك وبمن معك ممن أجابك ودخل في دينك، وذلك ~~لأنه أصابهم قحط فتشاءموا بصالح، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة وأشقاهم ~~بها وكانوا إذا أرادوا سفرا أو أمرا من الأمور نفروا طائرا من وكره فإن طار ~~يمنة ساروا وفعلوا ما عزموا عليه، وإن طار يسرة تركوا ذلك فلما قالوا ذلك ~~(قال) لهم صالح (طائركم عند الله) أي ليس ذلك بسبب الطير الذي تتشاءمون به، ~~بل سبب ذلك عند الله، وهو ما يقدره عليكم والمعنى أن الشؤم الذي أصابكم هو ~~من عند الله بسبب كفركم، وهذا كقوله تعالى - يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما ~~طائرهم عند الله -. ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان، فقال (بل أنتم ~~قوم تفتنون) أي تمتحنون وتختبرون وقيل تعذبون بذنوبكم، وقيل يفتنكم غيركم، ~~وقيل يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة أو بما لأجله تطيرون فأضرب عن ~~ذكر الطائر إلى ما هو السبب الداعي إليه (وكان في المدينة) التي فيها صالح، ~~وهو الحجر (تسعة رهط) أي تسعة رجال من أبناء الأشراف، والرهط اسم للجماعة، ~~فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم جماعة. والجمع أرهط وأراهط. وهؤلاء ~~التسعة هم أصحاب قدار عاقر الناقة، ثم وصف هؤلاء بقوله (يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون) أي شأنهم وعملهم الفساد في الأرض الذي لا يخالطه صلاح، وقد ~~اختلف في أسماء هؤلاء التسعة اختلافا كثيرا لا حاجة إلى التطويل بذكره ~~(قالوا تقاسموا بالله) أي قال بعضهم لبعض: احلفوا بالله، هذا على أن ~~تقاسموا فعل أمر. ويجوز أن يكون فعلا ماضيا مفسرا لقالوا: كأنه قيل ما ~~قالوا، فقال تقاسموا، أو ms2892 يكون حالا على إظمار قد: أي قالوا ذلك متقاسمين، ~~وقرأ ابن مسعود " يفسدون في الأرض ولا يصلحون تقاسموا بالله " وليس فيها ~~قالوا. واللام في (لنبيتنه وأهله) جواب القسم: أي لنأتينه بغتة في وقت ~~البيات، فنقتله وأهله (ثم لنقولن لوليه) قرأ الجمهور بالنون للمتكلم في ~~لنبيتنه وفي لنقولن، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ حمزة والكسائي ~~بالفوقية فيهما على خطاب بعضهم لبعضهم، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرأ ~~مجاهد وحميد بالتحتية فيهما، والمراد بولي صالح رهطه (ما شهدنا مهلك أهله) ~~أي ما حضرنا قتلهم ولا ندري من قتله وقتل أهله، ونفيهم لشهودهم لمكان ~~الهلاك يدل على نفي شهودهم لنفس القتل بالأولى، وقيل إن المهلك بمعنى ~~الإهلاك وقرأ حفص والسلمي مهلك بفتح الميم واللام، وقرأ أبو بكر والمفضل ~~بفتح الميم وكسر اللام (وإنا لصادقون) فيما قلناه. # قال الزجاج: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحا وأهله ثم ينكروا ~~عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك ولا رأوه وكان هذا مكرا منهم، ولهذا قال ~~الله سبحانه (ومكروا مكرا) أي بهذه المحالفة (ومكرنا مكرا) جازيناهم بفعلهم ~~فأهلكناهم (وهم لا يشعرون) بمكر الله بهم (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) أي ~~انظر ما انتهى إليه أمرهم الذي بنوه على المكر وما أصابهم بسببه (أنا ~~دمرناهم وقومهم أجمعين) قرأ الجمهور بكسر همزة أنا، وقرأ حمزة PageV04P143 # والكسائي والأعمش والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم بفتحها، فمن كسر جعله ~~استئنافا. قال الفراء والزجاج: من كسر استأنف، وهو يفسر به ما كان قبله، ~~كأنه جعله تابعا للعاقبة، كأنه قال: العاقبة إنا دمرناهم، وعلى قراءة الفتح ~~يكون التقدير بأنا دمرناهم أو لأنا دمرناهم، وكان تامة وعاقبة فاعل لها، أو ~~يكون بدلا من عاقبة، أو يكون خبر مبتدأ محذوف: أي هي أنا دمرناهم ويجوز أن ~~تكون كان ناقصة وكيف خبرها، ويجوز أن يكون خبرها أنا دمرنا. قال أبو حاتم: ~~وفي حرف أبي أن دمرناهم. والمعنى في الآية: أن الله دمر التسعة الرهط ~~المذكورين، ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك، ومعنى ~~التأكيد ms2893 بأجمعين أنه لم يشذ منهم أحد ولا سلم من العقوبة فرد من أفرادهم، ~~وجملة (فتلك بيوتهم خاوية) مقررة لما قبلها. قرأ الجمهور خاوية بالنصب على ~~الحال. # قال الزجاج: المعنى فانظر إلى بيوتهم حال كونها خاوية، وكذا قال الفراء ~~والنحاس: أي خالية عن أهلها خرابا ليس بها ساكن. وقال الكسائي وأبو عبيدة: ~~نصب خاوية على القطع، والأصل فتلك بيوتهم الخاوية، فلما قطع منها الألف ~~واللام نصبت كقوله - وله الدين واصبا - وقرأ عاصم بن عمر ونصر بن عاصم ~~والجحدري وعيسى بن عمر برفع " خاوية " على أنه خبر اسم الإشارة وبيوتهم ~~بدل، أو عطف بيان، أو خبر لاسم الإشارة وخاوية خبر آخر، والباء في (بما ~~ظلموا) للسببية: أي بسبب ظلمهم (إن في ذلك) التدمير والإهلاك (لآية) عظيمة ~~(لقوم يعلمون) أي يتصفون بالعلم بالأشياء (وأنجينا الذين آمنوا) وهم صالح ~~ومن آمن به (وكانوا يتقون) الله ويخافون عذابه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (طائركم) قال: ~~مصائبكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (وكان في المدينة تسعة ~~رهط) قال: هم الذين عقروا الناقة وقالوا حين عقروها: # نبيت صالحا وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا ~~وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين. PageV04P144 # انتصاب لوطا: بفعل مضمر معطوف على أرسلنا: أي وأرسلنا لوطا، و (إذ قال) ~~ظرف للفعل المقدر ويجوز أن يقدر أذكر، والمعنى: وأرسلنا لوطا وقت قوله ~~(لقومه أتأتون الفاحشة) أي الفعلة المتناهية في القبح والشناعة، وهم أهل ~~سدوم، وجملة (وأنتم تبصرون) في محل نصب على الحال متضمنة لتأكيد الإنكار: ~~أي وأنتم تعلمون أنها فاحشة. وذلك أعظم لذنوبكم، على أن تبصرون من بصر ~~القلب، وهو العلم، أو بمعنى النظر، لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة ~~عتوا وتمردا، وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف مستوفى (أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة) فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح بأن تلك الفاحشة هي اللواطة، ~~وانتصاب شهوة على العلة: أي للشهوة، أو على أنه صفة لمصدر محذوف: ms2894 أي إتيانا ~~شهوة، أو أنه بمعنى الحال: أي مشتهين لهم (من دون النساء) أي متجاوزين ~~النساء اللاتي هن محل لذلك (بل أنتم قوم تجهلون) التحريم أو العقوبة على ~~هذه المعصية، واختار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة من أئنكم (فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) قرأ الجمهور ~~بنصب جواب على أنه خبر كان، واسمها إلا أن قالوا: # أي إلا قولهم. وقرأ ابن أبي إسحاق برفع جواب على أنه اسم كان وخبرها ما ~~بعده، ثم عللوا ما أمروا به بعضهم بعضا من الإخراج بقولهم: إنهم أناس ~~يتطهرون: أي يتنزهون عن أدبار الرجال: قالوا ذلك استهزاء منهم بهم ~~(فأنجيناه وأهله) من العذاب (إلا امرأته قدرناها من الغابرين) أي قدرنا ~~أنها من الباقين في العذاب، ومعنى قدرنا قضينا قرأ الجمهور قدرنا بالتشديد، ~~وقرأ عاصم بالتخفيف. والمعنى واحد مع دلالة زيادة البناء على زيادة المعنى ~~(وأمطرنا عليهم مطرا) هذا التأكيد يدل على شدة المطر وأنه غير معهود (فساء ~~مطر المنذرين) المخصوص بالذم محذوف: أي ساء مطر المنذرين مطرهم، والمراد ~~بالمنذرين الذين أنذروا فلم يقبلوا، وقد مضى بيان هذا كله في الأعراف ~~والشعراء (قل الحمد لله وسلام على عباده) قال الفراء: قال أهل المعاني: قيل ~~للوط قل الحمد لله على هلاكهم، وخالفه جماعة فقالوا: إن هذا خطاب لنبينا ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أي قيل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية، ~~وسلام على عباده (الذين اصطفى) قال النحاس: وهذا أولى لأن القرآن منزل على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكل ما فيه فهو مخاطب به إلا ما لم يصح ~~معناه إلا لغيره. قيل والمراد بعباده الذين اصطفى: # أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأولى حمله على العموم، فيدخل في ~~ذلك الأنباء وأتباعهم (الله خير أما PageV04P145 # يشركون) أي الله الذي ذكرت أفعاله وصفاته الدالة على عظيم قدرته خير أما ~~يشركون به من الأصنام، وهذه الخيرية ليست بمعناها الأصلي، بل هي كقول ~~الشاعر: # أتهجوه ولست له بكفء ms2895 * فشركما لخيركما الفداء فيكون ما في الآية من باب ~~التهكم بهم، إذ لا خير فيهم أصلا. وقد حكى سيبويه أن العرب تقول: السعادة ~~أحب إليك أم الشقاوة، ولا خير في الشقاوة أصلا. وقيل المعنى: أثواب الله ~~خير، أم عقاب ما تشركون به؟ # وقيل: قال لهم ذلك جريا على اعتقادهم، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة ~~الأصنام خيرا. وقيل المراد من هذا الاستفهام الخبر. قرأ الجمهور " تشركون " ~~بالفوقية على الخطاب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ أبو عمرو وعاصم ~~ويعقوب " يشركون " بالتحتية، و " أم " في " أما يشركون " هي المتصلة، وأما ~~في قوله (أمن خلق السماوات والأرض) فهي المنقطعة. وقال أبو حاتم: تقديره ~~أآلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض وقدر على خلقهن؟ وقيل المعنى: ~~أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير، أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟ # فتكون أم على هذا متصلة وفيها معنى التوبيخ والتهكم كما في الجملة ~~الأولى. وقرأ الأعمش " أمن " بتخفيف الميم (وأنزل لكم من السماء ماء) أي ~~نوعا من الماء، وهو المطر (فأنبتنا به حدائق) جمع حديقة. قال الفراء: ~~الحديقة البستان الذي عليه حائط، فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس ~~بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل (ذات بهجة) أي ذات حسن ورونق. ~~والبهجة: هي الحسن الذي يبتهج به من رآه ولم يقل ذوات بهجة على الجمع، لأن ~~المعنى جماعة حدائق (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) أي ما صح لكم أن تفعلوا ~~ذلك، ومعنى هذا النفي الحظر والمنع من فعل هذا: أي ما كان للبشر ولا يتهيأ ~~لهم ذلك ولا يدخل تحت مقدرتهم لعجزهم عن إخراج الشئ من العدم إلى الوجود. ~~ثم قال سبحانه موبخا لهم ومقرعا (أإله مع الله) أي هل معبود مع الله الذي ~~تقدم ذكر بعض أفعاله حتى يقرن به ويجعل شريكا له في العبادة، وقرئ " أإلها ~~مع الله) بالنصب على تقدير: أتدعون إلها. # ثم أضرب عن تقريعهم وتوبيخهم بما تقدم وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع ~~الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ms2896 فقال (بل هم قوم يعدلون) أي يعدلون بالله ~~غيره، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل، ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما ~~عليها فقال (أمن جعل الأرض قرارا) القرار المستقر: أي دحاها وسواها بحيث ~~يمكن الاستقرار عليها. # وقيل هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله " أمن خلق ~~السماوات والأرض " ولا ملجئ لذلك، بلى هي وما بعدها إضراب وانتقال من ~~التوبيخ والتقريع بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشئ اخر (وجعل خلالها ~~أنهارا) الخلال: الوسط. وقد تقدم تحقيقه في قوله - وفجرنا خلالهما نهرا - ~~(وجعل لها رواسي) أي جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة (وجعل بين ~~البحرين حاجزا) الحاجز: المانع: أي جعل بين البحرين من قدرته حاجزا، ~~والبحران هما العذب والمالح، فلا يختلط أحدهما بالآخر فلا هذا يغير ذاك ولا ~~ذاك يدخل في هذا، وقد مر بيانه في سورة الفرقان (أإله مع الله) أي إذا ثبت ~~أنه لا يقدر على ذلك إلا الله فهل إله في الوجود يصنع صنعه ويخلق خلقه؟ ~~فكيف يشركون به مالا يضر ولا ينفع (بل أكثرهم لا يعلمون) توحيد ربهم وسلطان ~~قدرته (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) هذا استدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان ~~إليه على العموم، والمضطر اسم مفعول من الاضطرار: وهو المكروب المجهود الذي ~~لا حول له ولا قوة. وقيل هو المذنب، وقيل هو الذي عراه ضر من فقر أو مرض، ~~فألجأه إلى التضرع إلى الله. واللام في المضطر للجنس لا للاستغراق، فقد ~~لايجاب دعاء بعض بعض المضطرين لمانع يمنع من ذلك بسبب يحدثه العبد يحول ~~بينه وبين إجابة دعائه، وإلا فقد ضمن الله سبحانه PageV04P146 # إجابة دعاء المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والوجه في إجابة دعاء ~~المضطر أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الاخلاص وقطع النظر عما سوى ~~الله، وقد أخبر الله سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين وإن كانوا ~~كافرين فقال - حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ~~جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان ms2897 وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا وإن من هذه لنكونن من الشاكرين - وقال - فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون - فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه ~~بأنهم سيعودون إلى شركهم (ويكشف السوء) أي الذي يسوء العبد من غير تعيين، ~~وقيل هو الضر، وقيل هو الجور (ويجعلكم خلفاء الأرض) أي يخلف كل قرن منكم ~~القرن الذي قبله بعد انقراضهم، والمعنى: يهلك قرنا وينشئ آخرين، وقيل يجعل ~~أولادكم خلفا منكم، وقيل يجعل المسلمين خلفا من الكفار ينزلون أرضهم ~~وديارهم (أإله مع الله) الذي يوليكم هذه النعم الجسام (قليلا ما تذكرون) أي ~~تذكرا قليلا ما تذكرون. قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب. # وقرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب بالتحتية على الخبر ردا على قوله " بل أكثرهم ~~لا يعلمون " واختار هذه القراءة أبو حاتم (أمن يهديكم في ظلمات البر ~~والبحر) أي يرشدكم في الليالي المظلمات إذا سافرتم في البر أو البحر. وقيل ~~المراد: مفاوز البر التي لا أعلام لها ولجج البحار، وشبهها بالظلمات لعدم ~~ما يهتدون به فيها (ومن يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته) والمراد بالرحمة ~~هنا المطر: أي يرسل الرياح بين يدي المطر، وقبل نزوله (أإله مع الله) يفعل ~~ذلك ويوجده (تعالى الله عما يشركون) أي تنزه وتقدس عن وجود ما يجعلونه ~~شريكا له (أم من يبدؤا الخلق ثم يعيده) كانوا يقرون بأن الله سبحانه هو ~~الخالق فألزمهم الإعادة: أي إذا قدر على الابتداء قدر على الإعادة (ومن ~~يرزقكم من السماء والأرض) بالمطر والنبات: أي هو خير أم ما تجعلونه شريكا ~~له مما لا يقدر على شئ من ذلك (أإله مع الله) حتى تجعلونه شريكا له (قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) أي حجتكم على أن الله سبحانه شريكا، أو ~~هاتوا حجتكم أن ثم صانعا يصنع كصنعه، وفي هذا تبكيت لهم وتهكم بهم (قل لا ~~يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله) أي لا يعلم أحد من المخلوقات ~~الكائنة في السماوات والأرض الغيب الذي استأثر الله بعلمه، والاستثناء ms2898 في ~~قوله إلا الله منقطع: أي لكن الله يعلم ذلك، ورفع ما بعد إلا مع كون ~~الاستثناء منقطعا هو على اللغة التميمية كما في قولهم * إلا اليعافير وإلا ~~العيس * وقيل إن فاعل يعلم هو ما بعد إلا، ومن في السماوات مفعوله، والغيب ~~بدل من من: أي لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلا الله، وقيل هو ~~استثناء متصل من من. وقال الزجاج: إلا الله بدل من من. قال الفراء: وإنما ~~رفع ما بعد إلا لأن ما بعدها خبر كقولهم ما ذهب أحد إلا أبوك وهو كقول ~~الزجاج. قال الزجاج: ومن نصب نصب على الاستثناء (وما يشعرون أيان يبعثون) ~~أي لا يشعرون متى ينشرون من القبور، وأيان مركبة من أي وإن. وقد تقدم ~~تحقيقه، والضمير للكفرة. وقرأ السلمي إيان بكسر الهمزة، وهي لغة بني سليم ~~وهي منصوبة بيبعثون ومعلقة ليشعرون، فتكون هي وما بعدها في محل نصب بنزع ~~الخافض: أي وما يشعرون بوقت بعثهم، ومعنى أيان معنى متى (بل ادارك علمهم في ~~الآخرة). قرأ الجمهور " ادارك " وأصل ادارك تدارك أدغمت التاء في الدال وجئ ~~بهمزة الوصل ليمكن الابتداء بالساكن. وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمر ~~وحميد " بل أدرك " من الإدراك. وقرأ عطاء بن يسار وسليمان بن يسار والأعمش ~~" بل أدرك " بفتح لام بل وتشديد الدال. وقرأ ابن محيصن " بل أدرك " على ~~الاستفهام. وقرأ ابن عباس وأبو رجاء وشيبة والأعمش والأعرج " بلى أدارك " ~~بإثبات الياء في بل وبهمزة قطع PageV04P147 # وتشديد الدال. وقرأ أبي " بل تدارك " ومعنى الآية: بل تكامل علمهم في ~~الآخرة لأنهم رأوا كل ما وعدوا به وعاينوه. وقيل معناه: تتابع علمهم في ~~الآخرة والقراءة الثانية معناها كمل علمهم في الآخرة مع المعاينة وذلك حين ~~لا ينفعهم العلم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين. وقال الزجاج: إنه على معنى ~~الإنكار، واستدل على ذلك بقوله فيما بعد (بل هم منها عمون) أي لم يدرك ~~علمهم علم الآخرة، وقيل المعنى: بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها ~~علم، ومعنى القراءة ms2899 الثالثة كمعنى القراءة الأولى فافتعل وتفاعل وقد يجيئان ~~لمعنى، والقراءة الرابعة هي بمعنى الإنكار. قال الفراء: وهو وجه حسن كأنه ~~وجهه إلى المكذبين على طريق الاستهزاء بهم، وفي الآية قراءات أخر لا ينبغي ~~الاشتغال بذكرها وتوجيهها (بل هم في شك منها) أي بل هم اليوم في الدنيا في ~~شك من الآخرة، ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشد منه فقال (بل هم منها عمون) ~~فلا يدركون شيئا من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك، وعمون ~~جمع عم: وهو من كان أعمى القلب، والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون ~~إلى شئ مما يوصل إلى العلم بها، فمن قال: إن معنى الآية الأولى أعني " بل ~~ادارك علمهم في الآخرة " أنه كمل علمهم وتم مع المعاينة فلا بد من حمل قوله ~~" بل هم في شك " الخ على ما كانوا عليه في الدنيا، ومن قال: إن معنى الآية ~~الأولى الاستهزاء بهم والتبكيت لهم لم يحتج إلى تقييد قوله " بل هم في شك " ~~الخ بما كانوا عليه في الدنيا وبهذا يتضح معنى هذه الآيات ويظهر ظهورا ~~بينا. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وسلام على عباده الذين اصطفى). قال: هم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم اصطفاهم الله لنبيه، وروى مثله عن ~~سفيان الثوري. والأولى ما قدمناه من التعميم فيدخل في ذلك أصحاب نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم دخولا أوليا. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني ~~عن رجل من بلجهم قال " قلت يا رسول الله إلى ما تدعو؟ # قال: أدعو الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشفه عنك " هذا طرف من حديث ~~طويل. وقد رواه أحمد من وجه آخر فبين اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا ~~حماد بن سلمة، حدثنا يونس، حدثنا عبيد بن عبيدة الهجيمي عن أبيه عن أبي ~~تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي. ولهذا الحديث طرق عند أبي داود ms2900 ~~والنسائي. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة قالت " ثلاث من تكلم بواحدة ~~منهم فقد أعظم على الله الفرية " وقالت في اخره " ومن زعم أنه يخبر الناس ~~بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول (قل لا يعلم من ~~في السماوات والأرض الغيب إلا الله) ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (بل ادارك علمهم في الآخرة) قال: حين لا ينفع العلم. ~~وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عنه أنه قرأ (بل أدرك علمهم في الآخرة) قال: لم يدرك علمهم. قال أبو ~~عبيد: يعني أنه قرأها بالاستفهام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا (بل أدرك علمهم في الآخرة) يقول: # غاب علمهم. PageV04P148 # لما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث وأنهم عمون عن النظر في ~~دلائله أراد أن يبين غاية شبههم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد ~~صيرورتهم ترابا فقال (وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا ~~لمخرجون) والعامل في إذا محذوف دل عليه مخرجون تقديره أنبعث أو نخرج إذا ~~كنا، وإنما لم يعمل فيه مخرجون لتوسط همزة الاستفهام وإن ولام الابتداء ~~بينهما. قرأ أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة. وقرأ عاصم وحمزة ~~باستفهامين، إلا أنهما حققا الهمزتين. وقرأ نافع بهمزة. وقرأ ابن عامر وورش ~~ويعقوب " أإذا " بهمزتين " وإننا " بنونين على الخبر، ورجح أبو عبيد قراءة ~~نافع، ورد على من جمع بين استفهامين، ومعنى الآية: أنهم استنكروا واستبعدوا ~~أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا ترابا، ثم أكدوا ذلك الاستبعاد ~~بما هو تكذيب للبعث فقالوا (لقد وعدنا هذا) يعنون البعث (نحن وآباؤنا من ~~قبل) أي من قبل وعد محمد لنا، والجملة مستأنفة مسوقة لقرير الإنكار مصدرة ~~بالقسم لزيادة التقرير (إن هذا) الوعد بالبعث (إلا أساطير الأولين) ~~أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة، وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة ~~المؤمنون، ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت ms2901 به الأنبياء من الإخبار ~~بالبعث، فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا ~~به وكيف كانت عاقبتهم فقال (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين) بما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث، ومعنى النظر هو مشاهدة ~~آثارهم بالبصر فإن في المشاهدة زيادة اعتبار. وقيل المعنى: فانظروا بقلوبكم ~~وبصائركم كيف كان عاقبة المكذبين لرسلهم، والأول أولى لأمرهم بالسير في ~~الأرض (ولا تحزن عليهم) لما وقع منهم من الإصرار على الكفر (ولا تكن في ~~ضيق) الضيق: الحرج، يقال ضاق الشئ ضيقا بالفتح وضيقا بالكسر قرئ بهما، وهما ~~لغتان. قال ابن السكيت: يقال في صدر فلان ضيق وضيق وهو ما تضيق عنه الصدور. # وقد تقدم تفسير هذه الآية في اخر سورة النحل (ويقولون متى هذا الوعد) أي ~~بالعذاب التي تعدنا به (إن كنتم PageV04P149 # صادقين) في ذلك (قل عسى أن يكون ردف لكم) يقال ردفت الرجل وأردفته إذا ~~ركبت خلفه، وردفه إذا أتبعه وجاء في أثره، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء ~~الكفار عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم، فتكون اللام ~~زائدة للتأكيد، أو بمعنى اقترب لكم ودنا لكم، فتكون غير زائدة. قال ابن ~~شجرة: # معنى ردف لكم تبعكم، قال ومنه ردف المرأة لأنه تبع لها من خلفها، ومنه ~~قول أبي ذؤيب: # عاد السواد بياضا في مفارقه * لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا قال الجوهري: ~~وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه بمعنى. قال خزيمة بن مالك بن نهد: # إذا الجوزاء أردفت الثريا * ظننت بال فاطمة الظنونا قال الفراء: ردف لكم: ~~دنا لكم ولهذا قيل لكم. وقرأ الأعرج " ردف لكم " بفتح الدال وهي لغة والكسر ~~أشهر. وقرأ ابن عباس " أزف لكم " وارتفاع (بعض الذي تستعجلون) أي على أنه ~~فاعل ردف، والمراد بعض الذي تستعجلونه من العذاب: أي عسى أن يكون قد قرب ~~ودنا وأزف بعض ذلك، قيل هو عذابهم بالقتل يوم بدر، وقيل هو عذاب القبر. ثم ~~ذكر سبحانه فضله في تأخير العذاب فقال (وإن ربك لذو ms2902 فضل على الناس) في ~~تأخير العقوبة، والأولى أن تحمل الآية على العموم ويكون تأخير العقوبة من ~~جملة أفضاله سبحانه وإنعامه (ولكن أكثرهم لا يشكرون) فضله وإنعامه ولا ~~يعرفون حق إحسانه، ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم، فقال (وإن ربك ليعلم ~~ما تكن صدورهم) أي ما تخفيه. قرأ الجمهور " تكن " بضم التاء من أكن. وقرأ ~~ابن محيصن وابن السميفع وحميد بفتح التاء وضم الكاف، يقال كننته بمعنى ~~سترته وخفيت أثره (وما يعلنون) وما يظهرون من أقوالهم وأفعالهم (وما من ~~غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) قال المفسرون: ما من شئ غائب ~~وأمر يغيب عن الخلق في السماء والأرض إلا في كتاب مبين إلا هو مبين في ~~اللوح المحفوظ، وغائبة هي من الصفات الغالبة والتاء للمبالغة. قال الحسن: ~~الغائبة هنا هي القيامة. وقال مقاتل: علم ما يستعجلون من العذاب هو مبين ~~عند الله وإن غاب عن الخلق. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله ~~عن خلقه وغيبه عنهم مبين في أم الكتاب، فكيف يخفى عليه شئ من ذلك، ومن جملة ~~ذلك ما يستعجلونه من العذاب فإنه موقت بوقت ومؤجل بأجل علمه عند الله فكيف ~~يستعجلونه قبل أجله المضروب له؟ (إن هذا القران يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون) وذلك لأن أهل الكتاب تفرقوا فرقا وتحزبوا أحزابا يطعن ~~بعضهم على بعض ويتبرأ بعضهم من بعض، فنزل القران مبينا لما اختلفوا فيه من ~~الحق، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم (وإنه لهدى ~~ورحمة للمؤمنين) أي وإن القران لهدى ورحمة لمن آمن بالله وتابع رسوله، وخص ~~المؤمنين لأنهم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل (إن ربك ~~يقضي بينهم بحكمه) أي يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بما يحكم به من ~~الحق فيجازي المحق ويعاقب المبطل، وقيل يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما ~~حرفوه. قرأ الجمهور بحكمه بضم الحاء وسكون الكاف. وقرأ جناح بكسرها وفتح ~~الكاف جمع حكمة (وهو العزيز ms2903 العليم) العزيز الذي لا يغالب، والعليم بما ~~يحكم به، أو الكثير العلم، ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة، فقال ~~(فتوكل على الله) والفاء لترتيب الأمر على ما تقدم ذكره، والمعنى: فوض إليه ~~أمرك واعتمد عليه فإنه ناصرك. ثم علل ذلك بعلتين: الأولى قوله (إنك على ~~الحق المبين) أي الظاهر، وقيل المظهر. والعلة الثانية قوله (إنك لا تسمع ~~الموتى) لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع أو ~~كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهموا ولا يهتدون PageV04P150 # صار ذلك سببا قويا في عدم الاعتداد بهم، شبه الكفار بالموتى الذين لا حس ~~لهم ولا عقل، وبالصم الذين لا يسمعون المواعظ ولا يجيبون الدعاء إلى الله. ~~ثم ذكر جملة لتكميل التشبيه وتأكيده فقال (إذا ولوا مدبرين) أي إذا أعرضوا ~~عن الحق إعراضا تاما، فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلا فكيف إذا كان ~~معرضا عنه موليا مدبرا. وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ~~ورد بدليل كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم خاطب القتلى في ~~قليب بدر، فقيل له يا رسول الله إنما تكلم أجسادا أرواح لها، وكذلك ما ورد ~~من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا. وقرأ ابن محيصن وحميد ~~وابن كثير وابن أبي إسحاق " لا يسمع " بالتحتية مفتوحة وفتح الميم، وفاعله ~~الصم. وقرأ الباقون " تسمع " بضم الفوقية وكسر الميم من أسمع. قال قتادة: # الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى ~~إليه من الإيمان. ثم ضرب العمى مثلا لهم فقال (وما أنت بهادي العمى عن ~~ضلالتهم) أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشادا يوصله إلى المطلوب ~~منه وهو الإيمان، وليس في وسعك ذلك، ومثله قوله - إنك لا تهدى من أحببت - ~~قرأ الجمهور بإضافة هادي إلى العمى. وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيان " بهاد ~~العمى " بتنوين هاد. وقرأ حمزة " تهدى " فعلا مضارعا، وفي حرف عبد الله " ~~وما أن تهدي ms2904 العمى " (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) أي ما تسمع إلا من يؤمن ~~لا من يكفر، والمراد بمن يؤمن بالآيات من يصدق القرآن، وجملة (فهم مسلمون) ~~تعليل للإيمان: أي فهم منقادون مخلصون. ثم هدد العباد بذكر طرف من أشراط ~~الساعة وأهوالها: فقال (وإذا وقع القول عليهم). # واختلف في معنى وقوع القول عليهم، فقال قتادة: وجب الغضب عليهم. وقال ~~مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون، وقيل حق العذاب عليهم، وقيل وجب ~~السخط، والمعاني متقاربة. وقيل المراد بالقول ما نطق به القرآن من مجيء ~~الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها، وقيل وقع القول ~~بموت العلماء وذهاب العلم، وقيل إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. ~~والحاصل أن المراد بوقع وجب، والمراد بالقول مضمونه، أو أطلق المصدر على ~~المفعول: أي المقول، وجواب الشرط (أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم). # واختلف في هذه الدابة على أقوال، فقيل إنها فصيل ناقة صالح يخرج عند ~~اقتراب القيامة ويكون من أشراط الساعة. وقيل هي دابة ذات شعر وقوائم طوال ~~يقال لها الجساسة. وقيل هي دابة على خلقة بني ادم وهي في السحاب وقوائمها ~~في الأرض. وقيل رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن ~~إيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر، ~~وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذرعا. ~~وقيل هي الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت ~~قريش بناء الكعبة، والمراد أنها هي التي تخرج في آخر الزمان وقيل هي دابة ~~ما لها ذنب ولها لحية وقيل هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع ~~الكفار، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره وقد رجح القول الأول ~~القرطبي في تفسيره. # واختلف من أي موضع تخرج؟ فقيل من جبل الصفا بمكة، وقيل تخرج من جبل أبي ~~قبيس. وقيل لها ثلاث خرجات: خرجة في بعض البوادي حتى يتقاتل عليها الناس، ~~وتكثر الدماء ثم تكمن، وتخرج ms2905 في القرى ثم تخرج من أعظم المساجد وأكرمها ~~وأشرفها، وقيل تخرج من بين الركن والمقام، وقيل تخرج في تهامة، وقيل من ~~مسجد الكوفة من حيث فار التنور، وقيل من أرض الطائف، وقيل من صخرة من شعب ~~أجياد، وقيل من صدع في الكعبة. PageV04P151 # واختلف في معنى قوله " تكلمهم " فقيل: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين ~~الإسلام وقيل تكلمهم بما يسوؤهم وقيل تكلمهم بقوله تعالى (أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون) أي بخروجها لأن خروجها من الآيات. قرأ الجمهور " تكلمهم ~~" من التكليم، ويدل عليه قراءة أبي " تنبئهم " وقرأ ابن عباس وأبو زرعة ~~وأبو رجاء والحسن: # تكلمهم بفتح الفوقية وسكون الكاف من الكلم، وهو الجرح. قال عكرمة: أي ~~تسمهم وسما، وقيل تجرحهم، وقيل إن قراءة الجمهور مأخوذة من الكلم بفتح ~~الكاف وسكون اللام وهو الجرح والتشديد للتكثير، قاله أبو حاتم. # قرأ الجمهور: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون بكسر إن على الاستئناف، ~~وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق بفتح " أن " قال الأخفش: المعنى على قراءة ~~الفتح " بأن الناس " وكذا قرأ ابن مسعود " بأن الناس " بالباء. وقال أبو ~~عبيد: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها: أي تخبرهم أن الناس، وعلى هذه القراءة ~~فالذي تكلم الناس به هو قوله " أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون " كما ~~قدمنا الإشارة إلى ذلك. وأما على قراءة الكسر فالجملة مستأنفة كما قدمنا، ~~ولا تكون من كلام الدابة. وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، وجزم به الكسائي ~~والفراء. وقال الأخفش: إن كسر " إن " هو على تقدير القول أي تقول لهم " إن ~~الناس " الخ، فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى القراءة الثانية، ~~والمراد بالناس في الآية: هم الناس على العموم، فيدخل في ذلك كل مكلف، وقيل ~~المراد الكفار خاصة، وقيل كفار مكة، والأول أولى. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (عسى ~~أن يكون ردف لكم) قال: # اقترب لكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون) قال: يعلم ما ms2906 عملوا بالليل والنهار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا (وما من غائبة) الآية يقول: ما من شئ في السماء والأرض سرا ولا ~~علانية إلا يعلمه. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن ~~أبي شيبة ونعيم بن حماد وعبد ابن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله (وإذا وقع القول عليهم) الآية ~~قال: إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر. وأخرجه ابن مردويه عنه ~~مرفوعا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية أنه فسر (وقع القول ~~عليهم) بما أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (دابة من الأرض تكلمهم) قال: ~~تحدثهم. # وأخرج ابن جرير عنه قال كلامها تنبئهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي داود نفيع الأعمى قال: ~~سألت ابن عباس عن قوله (تكلمهم) يعني هل هو من التكليم باللسان أو من الكلم ~~وهو الجرح، فقال: كل ذلك والله تفعل تكلم المؤمن وتكلم الكافر: أي تجرحه. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " ليس ذلك حديث ولا كلام، ولكنها سمة تسم من أمرها ~~الله به فيكون خروجها من الصفا ليلة منى، فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض ~~داحض ولا يجرح جارح، حتى إذا فرغت مما أمرها الله به فهلك من هلك ونجا من ~~نجا، كان أول خطوة تضعها بأنطاكية ". وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ~~الدابة ذات وبر وريش مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم تخرج بعقب من ~~الحاج. وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " تخرج الدابة فتسم على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل ~~الدابة، فيقال له ممن اشتريتها؟ ms2907 فيقول: # من الرجل المخطم ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس " إن للدابة ثلاث خرجات ~~"، وذكر نحو ما قدمنا. # . وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد رفعه قال " تخرج الدابة من أعظم ~~المساجد حرمة ". وأخرج سعيد PageV04P152 # ابن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس قال: تخرج من بعض أودية تهامة. # وأخرج الطيالسي وأحمد ونعيم بن حماد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تخرج دابة الأرض ومعها ~~عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتخطم أنف الكافر ~~بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر ". وأخرج ~~الطيالسي ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: " ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم الدابة فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر " وذكر ~~نحو ما قدمنا في حديث طويل. وفي صفتها ومكان خروجها وما تصنعه ومتى تخرج ~~أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأما كونها تخرج، ~~وكونها من علامات الساعة فالأحاديث الواردة في ذلك صحيحة. ومنها ما هو ثابت ~~في الصحيح كحديث حذيفة مرفوعا " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات " وذكر ~~منها الدابة فإنه في صحيح مسلم وفي السنن الأربعة وكحديث " بادروا بالأعمال ~~قبل طلوع الشمس من مغربها " والدجال، والدابة " فإنه في صحيح مسلم أيضا من ~~حديث أبي هريرة مرفوعا، وكحديث ابن عمر مرفوعا " إن أول الآيات خروجا طلوع ~~الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى " فإنه في صحيح مسلم أيضا. # ثم ذكر سبحانه طرفا مجملا من أهوال يوم القيامة، فقال (ويوم نحشر من كل ~~أمة فوجا) العامل في الظرف PageV04P153 # فعل محذوف خوطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحشر الجمع. قيل ~~والمراد بهذا الحشر هو حشر العذاب بعد ms2908 الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق، ومن ~~لابتداء الغاية، والفوج: الجماعة كالزمرة، ومن في (ممن يكذب بآياتنا) ~~بيانية (فهم يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم) وقد تقدم تحقيقه في هذه ~~السورة مستوفى، وقيل معناه: يدفعون، ومنه قول الشماخ: * وسمه وزعنا من خميس ~~جحفل * ومعنى الآية: واذكر يا محمد يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة ~~مكذبين بآياتنا فهم عند ذلك الحشر يرد أولهم على آخرهم أو يدفعون: أي أذكر ~~لهم هذا أو بينه تحذيرا لهم وترهيبا (حتى إذا جاءوا) إلى موقف الحساب قال ~~الله لهم توبيخا وتقريعا (أكذبتم بآياتي) التي أنزلتها على رسلي، وأمرتهم ~~بإبلاغها إليكم (و) الحال أنكم (لم تحيطوا بها علما) بل كذبتم بها بادئ بدء ~~جاهلين لها غير ناظرين فيها ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا وعنادا ~~وجرأة على الله وعلى رسله، وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ، لأن من كذب بشئ ولم ~~يحط به علما فقد كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف، وسوء ~~الفهم، وقصور الإدراك، ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية ~~أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها، ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة ~~بصيرة في معرفتها، وتعقل معانيها كعلوم اللغة العربية بأسرها، وهي اثنا عشر ~~علما، وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن ~~أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم من ~~العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله، فإنه قد نادى على ~~نفسه بأرفع صوت بأنه جاهل مجادل بالباطل طاعن على العلوم الشرعية، مستحق ~~لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله وطعنه على ~~مالا يعرفه، ولا يعلم به، ولا يحيط بكنهه حتى يصير عبرة لغيره، وموعظة يتعظ ~~بها أمثاله من ضعاف العقول وركاك الأديان، ورعاع المتلبسين بالعلم زورا ~~وكذبا، وأم في قوله (أماذا كنتم تعملون) هي المنقطعة، والمعنى: أم أي شئ ~~كنتم تعملون حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها ms2909 والتفكر في معانيها، وهذا ~~الاستفهام على طريق التبكيت لهم (ووقع القول عليهم) قد تقدم تفسيره قريبا، ~~والباء في (بما ظلموا) للسببية: أي وجب القول عليهم بسبب الظلم الذي أعظم ~~أنواعه الشرك بالله (فهم لا ينطقون) عند وقوع القول عليهم: أي ليس لهم عذر ~~ينطقون به، أو لا يقدرون على القول لما يرونه من الهول العظيم. وقال أكثر ~~المفسرين: يختم على أفواههم فلا ينطقون، ثم بعد أن خوفهم بأهوال القيامة ~~ذكر سبحانه ما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد، وعلى الحشر، وعلى النبوة ~~مبالغة في الإرشاد وإبلاء للمعذرة، فقال (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا) أي جعلنا الليل للسكون، والاستقرار والنوم، وذلك بسبب ~~ما فيه من الظلمة فإنهم لا يسعون فيه للمعاش، والنهار مبصرا ليبصروا فيه ما ~~يسعون له من المعاش الذي لا بد له منهم، ووصف النهار بالإبصار، وهو وصف ~~للناس مبالغة في إضاءته كأنه يبصر ما فيه. قيل في الكلام حذف، والتقدير: ~~وجعلنا الليل مظلما ليسكنوا، وحذف مظلما لدلالة مبصرا عليه، وقد تقدم ~~تحقيقه في الإسراء وفي يونس (إن في ذلك) المذكور (لآيات) أي علامات ودلالات ~~(لقوم يؤمنون) بالله سبحانه. ثم ذكر سبحانه علامة أخرى للقيامة فقال (ويوم ~~ينفخ في الصور) هو معطوف على " ويوم نحشر " منصوب بناصبه المتقدم. قال ~~الفراء: إن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في الصور، والأول أولى. والصور: قرن ~~ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدم في الأنعام استيفاء الكلام عليه. والنفخات رسول ~~في الصور ثلاث: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة ~~البعث. وقيل إنها نفختان، وإن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق ~~أو إلى نفخة البعث، واختار هذا القشيري والقرطبي وغيرهما. وقال PageV04P154 # الماوردي: هذه النفخة المذكورة هنا يوم النشور من القبور (ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض) أي خافوا وانزعجوا لشدة ما سمعوا، وقيل المراد ~~بالفزع هنا: الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم فزعت إليك في كذا: # إذا أسرعت إلى إجابتك، والأول أولى بمعنى الآية. وإنما عبر بالماضي ms2910 مع ~~كونه معطوفا على مضارع للدلالة على تحقق الوقوع حسبما ذكره علماء البيان. ~~وقال الفراء: هو محمول على المعنى لأن المعنى إذا نفخ (إلا من شاء الله) أي ~~إلا من شاء الله أن لا يفزع عند تلك النفخة. # واختلف في تعيين من وقع الاستثناء له، فقيل هم الشهداء والأنبياء، وقيل ~~الملائكة، وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل الحور العين، ~~وقيل هم المؤمنون كافة بدليل قوله فيما بعد " من جاء بالحسنة فله خير منها ~~وهم من فزع يومئذ آمنون " ويمكن أن يكون الاستثناء شاملا لجميع المذكورين ~~فلا مانع من ذلك (وكل أتوه داخرين) قرأ الجمهور " آتوه " على صيغة اسم ~~الفاعل مضافا إلى الضمير الراجع إلى الله سبحانه. وقرأ الأعمش ويحيى بن ~~وثاب وحمزة وحفص عن عاصم " أتوه " فعلا ماضيا، وكذا قرأ ابن مسعود. وقرأ ~~قتادة " وكل أتاه ". # قال الزجاج: إن من قرأ على الفعل الماضي فقد وحد على لفظ كل، ومن قرأ على ~~اسم الفاعل فقد جمع على معناه، وهو غلط ظاهر، فإن كلا القراءتين لا توحيد ~~فيها، بل التوحيد في قراءة قتادة فقط، ومعنى " داخرين " صاغرين ذليلين، وهو ~~منصوب على الحال، قرأ الجمهور " داخرين " وقرأ الأعرج " دخرين " بغير ألف، ~~وقد مضى تفسير هذا في سورة النحل (وترى الجبال تحسبها جامدة) معطوف على " ~~ينفخ ". والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح ~~للرؤية، و " تحسبها جامدة " في محل نصب على الحال من ضمير ترى أو من ~~مفعوله، لأن الرؤية بصرية، وقيل هي بدل من الجملة الأولى، وفيه ضعف، وهذه ~~هي العلامة الثالثة لقيام الساعة، ومعنى " تحسبها جامدة ": أي قائمة ساكنة، ~~وجملة (وهي تمر مر السحاب) في محل نصب على الحال: # أي وهي تسير سيرا حثيثا كسير السحاب التي تسيرها الرياح. قال القتيبي: ~~وذلك أن الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير. قال ~~القشيري وهذا يوم القيامة، ومثله قوله تعالى - وسيرت الجبال فكانت سرابا - ~~قرأ أهل الكوفة تحسبها بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها (صنع ms2911 الله الذي ~~أتقن كل شئ) انتصاب صنع على المصدرية عند الخليل وسيبويه وغيرهما: أي صنع ~~الله ذلك صنعا، وقيل هو مصدر مؤكد لقوله " ويوم ينفخ في الصور " وقيل منصوب ~~على الإغراء: أي انظروا صنع الله، ومعنى " الذي أتقن كل شئ " الذي أحكمه، ~~يقال رجل تقن: أي حاذق بالأشياء، وجملة (إنه خبير بما تفعلون) تعليل لما ~~قبلها من كونه سبحانه صنع ما صنع وأتقن كل شئ، والخبير: المطلع على الظواهر ~~والضمائر. قرأ الجمهور بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وهشام بالتحتية على الخبر (من جاء بالحسنة فله خير منها) الألف واللام ~~للجنس: أي من جاء بجنس الحسنة فله من الجزاء والثواب عند الله خير منها: أي ~~أفضل منها وأكثر، وقيل خير حاصل من جهتها، والأول أولى. وقيل المراد ~~بالحسنة هنا: لا إله إلا الله، وقيل هي الإخلاص، وقيل أداء الفرائض، ~~والتعميم أولى ولا وجه للتخصيص وإن قال به بعض السلف. قيل وهذه الجملة بيان ~~لقوله " إنه خبير بما تفعلون " وقيل بيان لقوله " وكل أتوه داخرين ". قرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي (وهم من فزع) بالتنوين وفتح ميم (يومئذ). وقرأ نافع ~~بفتحها من غير تنوين، وقرأ الباقون بإضافة فزع إلى يومئذ. قال أبو عبيد: ~~وهذا أعجب إلي لأنه أعم التأويلين لأن معناه: الأمن من فزع جميع ذلك اليوم، ~~ومع التنوين يكون الأمن من فزع دون فزع. وقيل إنه مصدر يتناول الكثير فلا ~~يتم الترجيح بما ذكر، فتكون القراءتان بمعنى واحد. وقيل المراد بالفزع ~~هاهنا هو الفزع الأكبر PageV04P155 # المذكور في قوله - لا يحزنهم الفزع الأكبر -، ووجه قراءة نافع أنه نصب ~~يوم على الظرفية لكون الإعراب فيه غير متمكن، ولما كانت إضافة الفزع إلى ~~ظرف غير متمكن بني، وقد تقدم في سورة هود كلام في هذا مستوفى (ومن جاء ~~بالسيئة فكبت وجوههم في النار). قال جماعة من الصحابة ومن بعدهم حتى قيل ~~إنه مجمع عليه بين أهل التأويل: إن المراد بالسيئة هنا الشرك، ووجه التخصيص ~~قوله " فكبت وجوههم في النار "، فهذا الجزاء لا ms2912 يكون إلا بمثل سيئة الشرك، ~~ومعنى " فكبت وجوههم في النار " أنهم كبوا فيها على وجوههم وألقوا فيها ~~وطرحوا عليها، يقال كببت الرجل: إذا ألقيته لوجهه فانكب وأكب، وجملة (هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون) بتقدير القول: أي يقال ذلك، والقائل خزنة جهنم: ~~أي ما تجزون إلا جزاء عملكم (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) ~~لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد أمر رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقول لهم هذه المقالة: أي قل يا محمد إنما أمرت أن أخص الله ~~بالعبادة وحده لا شريك له، والمراد بالبلدة: مكة، وإنما خصها من بين سائر ~~البلاد لكون فيها بيت الله الحرام، ولكونها أحب البلاد إلى رسوله، والموصول ~~صفة للرب، وهكذا قرأ الجمهور. وقرأ ابن عباس وابن مسعود التي حرمها على أن ~~الموصول صفة للبلدة، ومعنى " حرمها " جعلها حرما أمنا لا يسفك فيها دم، ولا ~~يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلى خلاها (وله كل شئ) من الأشياء ~~خلقا وملكا وتصرفا: أي ولله كل شئ (وأمرت أن أكون من المسلمين) أي ~~المنقادين لأمر الله المستسلمين له بالطاعة، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ~~والمراد بقوله " أن أكون " أن أثبت على ما أنا عليه (وأن أتلوا القرآن) أي ~~أداوم تلاوته وأواظب على ذلك. قيل وليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلا ~~تلاوة الدعوة إلى الإيمان، والأول أولى (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) لأن ~~نفع ذلك راجع إليه: أي فمن اهتدى على العموم، أو فمن اهتدى بما أتلوه عليه ~~فعمل بما فيه من الإيمان بالله، والعمل بشرائعه. قرأ الجمهور (وأن أتلو) ~~بإثبات الواو بعد اللام على أنه من التلاوة وهي القراءة، أو من التلو، وهو ~~الاتباع. وقرأ عبد الله " وأن أتل " بحذف الواو أمرا له صلى الله عليه وآله ~~وسلم كذا وجهه الفراء. قال النحاس: ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة، وهي ~~مخالفة لجميع المصاحف (ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين) أي ومن ضل بالكفر ~~وأعرض عن الهداية فقل ms2913 له إنما أنا من المنذرين، وقد فعلت بإبلاغ ذلك إليكم ~~وليس علي غير ذلك. وقيل الجواب محذوف: أي فوبال ضلاله عليه، وأقيم إنما أنا ~~من المنذرين مقامه لكونه كالعلة له (وقل الحمد لله) على نعمه التي أنعم بها ~~علي من النبوة والعلم وغير ذلك، وقوله (سيريكم آياته) هو من جملة ما أمر به ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله: أي سيريكم الله آياته في أنفسكم ~~وفي غيركم (فتعرفونها) أي تعرفون آياته، ودلائل قدرته ووحدانيته، وهذه ~~المعرفة لا تنفع الكفار لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان، وذلك عند ~~حضور الموت. ثم ختم السورة بقوله (وما ربك بغافل عما تعملون) وهو كلام من ~~جهته سبحانه غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يقوله، وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم. قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن ~~عاصم " تعملون " بالفوقية على الخطاب، وقرأ الباقون بالتحتية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(داخرين) قال: صاغرين. وأخرج هؤلاء عنه في قوله (وترى الجبال تحسبها جامدة) ~~قال: قائمة (صنع الله الذي أتقن كل شئ) قال: أحكم. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (صنع الله الذي أتقن كل ~~شئ) قال: أحسن كل شئ خلقه وأوثقه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من جاء PageV04P156 # بالحسنة فله خير منها) قال: هي لا إله إلا الله، (ومن جاء بالسيئة فكبت ~~وجوههم في النار) قال: هي الشرك، وإذا صح هذا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فالمصير إليه في تفسير كلام الله سبحانه متعين ويحمل على أن ~~المراد قال: لا إله إلا الله بحقها، وما يجب لها، فيدخل تحت ذلك كل طاعة، ~~ويشهد له ما أخرجه الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان يوم القيامة: جاء الإيمان ms2914 والشرك ~~يجثوان بين يدي الله سبحانه، فيقول الله للإيمان: انطلق أنت وأهلك إلى ~~الجنة، ويقول للشرك: انطلق أنت وأهلك إلى النار، ثم تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (من جاء بالحسنة فله خير منها) يعني قول: # لا إله إلا الله، (ومن جاء بالسيئة) يعني الشرك (فكبت وجوههم في النار) ~~". وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس نحوه مرفوعا: وأخرج أبو الشيخ ~~وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " - ~~من جاء بالحسنة - " يعني شهادة أن لا إله إلا الله (فله خير منها) يعني ~~بالخير الجنة (ومن جاء بالسيئة) يعني الشرك " فكبت وجوههم في النار " وقال ~~هذه تنجي، وهذه تردى ". وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات، والخرائطي في مكارم الأخلاق: عن ابن مسعود ~~(من جاء بالحسنة) قال: لا إله إلا الله، (ومن جاء بالسيئة) قال: بالشرك. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم (فله خير منها) قال: له منها خير، يعني من جهتها. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه أيضا (فله خير منها) قال: ثواب. وأخرج أيضا عنه أيضا قال: ~~البلدة مكة. # تفسير سورة القصص آياتها ثمان وثمانون آية، وهي مكية كلها في قول الحسن ~~وعكرمة وعطاء وأخرج ابن الضريس وابن النجار وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة القصص بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~الزبير مثل ذلك: قال القرطبي: قال ابن عباس وقتادة: إنها نزلت بين مكة ~~والمدينة. وقال ابن سلام: بالجحفة وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهي قوله عز وجل (إن الذي فرض عليك القران لرادك إلى معاد) وقال ~~مقاتل: فيها من المدني (الذين اتيناهم الكتاب) إلى قوله (لا نبتغي ~~الجاهلين). وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه: قال السيوطي: سنده جيد عن ~~معد يكرب قال: أتينا عبد الله بن مسعود فسألناه أن يقرأ علينا طسم ms2915 ~~المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم خباب بن الأرت. فأتيت خبابا فقلت: كيف كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقرأ طسم أو طس؟ فقال: كل كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقرأه. PageV04P157 # الكلام في فاتحة هذه السورة قد مر في فاتحة الشعراء وغيرها فلا نعيده، ~~وكذلك مر الكلام على قوله (تلك آيات الكتاب المبين) فاسم الإشارة مبتدأ ~~خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف وآيات بدل من اسم الإشارة، ويجوز أن يكون ~~تلك في موضع نصب بنتلوا، والمبين المشتمل على بيان الحق من الباطل. قال ~~الزجاج: مبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وهو من أبان بمعنى أظهر ~~(نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون) أي نوحي إليك من خبرهما ~~ملتبسا بالحق، وخص المؤمنين لأن التلاوة إنما ينتفع بها المؤمن. وقيل إن ~~مفعول نتلوا محذوف، والتقدير: نتلوا عليك شيئا من نبأهما، ويجوز أن تكون من ~~مزيدة على رأي الأخفش: أي نتلوا عليك نبأ موسى وفرعون، والأولى أن تكون ~~للبيان على تقدير المفعول كما ذكر، أو للتبعيض، ولا ملجئ للحكم بزيادتها، ~~والحق الصدق، وجملة (إن فرعون علا في الأرض) وما بعدها مستأنفة مسوقة لبيان ~~ما أجمله من النبأ. قال المفسرون: معنى علا تكبر وتجبر بسلطانه، والمراد ~~بالأرض أرض مصر. وقيل معنى علا: ادعى الربوبية، وقيل علا عن عبادة ربه ~~(وجعل أهلها شيعا) أي فرقا وأصنافا في خدمته يشايعونه على ما يريد ~~ويطيعونه، وجملة (يستضعف طائفة منهم) مستأنفة مسوقة لبيان حال الأهل الذين ~~جعلهم فرقا وأصنافا، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل جعل: أي ~~جعلهم شيعا حال كونهم مستضعفا طائفة منهم، ويجوز أن تكون صفة لطائفة، ~~والطائفة هم بنو إسرائيل، وجملة (يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم) بدل من ~~الجملة الأولى، ويجوز أن تكون مستأنفة للبيان، أو حالا، أو صفة كالتي قبلها ~~على تقدير عدم كونها بدلا منها، وإنما كان فرعون يذبح PageV04P158 # أبناءهم ms2916 ويترك النساء، لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه ~~على يد مولود من بني إسرائيل. قال الزجاج: والعجب من حمق فرعون، فإن الكاهن ~~الذي أخبره بذلك إن كان صادقا عنده فما ينفع القتل، وإن كان كاذبا فلا معنى ~~للقتل (إنه كان من المفسدين) في الأرض بالمعاصي والتجبر، وفيه بيان أن ~~القتل من فعل أهل الإفساد (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) جاء ~~بصيغة المضارع لحكاية الحالة الماضية. واستحضار صورتها: أي نريد أن نتفضل ~~عليهم بعد استضعافهم، والمراد بهؤلاء بنو إسرائيل، والواو في " ونريد " ~~للعطف على جملة " إن فرعون علا " وإن كانت الجملة المعطوف عليها اسمية، لأن ~~بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما للتفسير والبيان، ويجوز أن تكون ~~حالا من فاعل يستضعف بتقدير مبتدأ: أي ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~في الأرض كما في قول الشاعر: * نجوت وأرهنهم ملكا * والأول أولى (ونجعلهم ~~أئمة) أي قادة في الخير ودعاة إليه، وولاة على الناس وملوكا فيهم (ونجعلهم ~~الوارثين) لملك فرعون ومساكن القبط وأملاكهم، فيكون ملك فرعون فيهم ويسكنون ~~في مساكنه ومساكن قومه، وينتفعون بأملاكه وأملاكهم (ونمكن لهم في الأرض) أي ~~نجعلهم مقتدرين عليها وعلى أهلها مسلطين على ذلك يتصرفون به كيف شاءوا. # قرأ الجمهور " نمكن " بدون لام، وقرأ الأعمش " لنمكن " بلام العلة (ونرى ~~فرعون وهامان وجنودهما) قرأ الجمهور نرى بنون مضمومة وكسر الراء على أن ~~الفاعل هو الله سبحانه. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف ~~(ويرى) " بفتح الياء التحتية والراء، والفاعل فرعون، والقراءة الأولى ألصق ~~بالسياق لأن قبلها نريد ونجعل ونمكن بالنون. وأجاز الفراء " ويرى فرعون " ~~بضم الياء التحتية وكسر الراء: أي ويرى الله فرعون، ومعنى (منهم) من أولئك ~~المستضعفين (ما كانوا يحذرون) الموصول هو المفعول الثاني على القراءة ~~الأولى، والمفعول الأول على القراءة الثانية، والمعنى: أن الله يريهم، أو ~~يرون هم الذي كانوا يحذرون منه ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على ~~يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين (وأوحينا إلى أم ms2917 موسى أن أرضعيه) أي ~~ألهمناها وقذفنا في قلبها وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل، وقيل: ~~كان ذلك رؤيا في منامها، وقيل: كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك. # وقد أجمع العلماء على أنها لم تكن نبية، وإنما كان إرسال الملك إليها عند ~~من قال به على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث ~~الثابت في الصحيحين وغيرهما، وقد سلمت على عمران بن حصين الملائكة كما في ~~الحديث الثابت في الصحيح فلم يكن بذلك نبيا، وأن في " أن ارضعيه " هي ~~المفسرة، لأن في الوحي معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية: أي بأن أرضعيه، ~~وقرأ عمر بن عبد العزيز بكسر نون أن، ووصل همزة أرضعيه فالكسر لالتقاء ~~الساكنين، وحذف همزة الوصل على غير القياس (فإذا خفت عليه) من فرعون بأن ~~يبلغ خبره إليه (فألقيه في اليم) وهو بحر النيل، وقد تقدم بيان الكيفية ~~التي ألقته في اليم عليها في سورة طه (ولا تخافي ولا تحزني) أي لا تخافي ~~عليه الغرق أو الضيعة، ولا تحزني لفراقه (إنا رادوه إليك) عن قريب على وجه ~~تكون به نجاته (وجاعلوه من المرسلين) الذين نرسلهم إلى العباد، والفاء في ~~قوله (فالتقطه آل فرعون) هي الفصيحة، والالتقاط: إصابة الشئ من غير طلب، ~~والمراد بآل فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر، وفي ~~الكلام حذف، والتقدير فألقته في اليم بعد ما جعلته في التابوت فالتقطه من ~~وجده من آل فرعون، واللام في (ليكون لهم عدوا وحزنا) لام العاقبة، ووجه ذلك ~~أنهم إنما أخذوه ليكون لهم ولدا وقرة عين PageV04P159 # لا ليكون عدوا فكان عاقبة ذلك إنه كان لهم عدوا وحزنا، ولما كانت هذه ~~العداوة نتيجة لفعلهم وثمرة له شبهت بالداعي الذين يفعل الفاعل الفعل ~~لأجله، ومن هذا قول الشاعر: * لدوا للموت وابنوا للخراب * وقول الآخر: ~~وللمنايا تربي كل مرضعة * ودورنا لخراب الدهر نبنيها قرأ الجمهور وحزنا ~~بفتح الحاء والزاي، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف وحزنا ~~بضم الحاء وسكون الزاي، واختار ms2918 القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، وهما ~~لغتان كالعدم والعدم، والرشد والرشد، والسقم والسقم، وجملة (إن فرعون ~~وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) لتعليل ما قبلها، أو للاعتراض لقصد التأكيد، ~~ومعنى خاطئين: عاصين آثمين في كل أفعالهم وأقوالهم، وهو مأخوذ من الخطأ ~~المقابل للصواب، وقرئ خاطين بياء من دون همزة فيحتمل أن يكون معنى هذه ~~القراءة معنى قراءة الجمهور ولكنها خففت بحذف الهمزة، ويحتمل أن تكون من ~~خطا يخطو: أي تجاوز الصواب (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك) أي قالت ~~امرأة فرعون لفرعون، وارتفاع قرة على أنه خبر مبتدأ محذوف، قاله الكسائي ~~وغيره. وقيل على أنه مبتدأ وخبره (لا تقتلوه) قاله الزجاج، والأول أولى. ~~وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له لما وصل إليها وأخرجته من التابوت ~~وخاطبت بقولها " لا تقتلوه " فرعون ومن عنده من قومه، أو فرعون وحده على ~~طريقة التعظيم له. وقرأ عبد الله بن مسعود " وقالت امرأة فرعون لا تقتلوه ~~قرة عين لي ولك " ويجوز نصب قرة بقوله لا تقتلوه على الاشتغال. وقيل إنها ~~قالت: لا تقتلوه فإن الله أتى به من أرض بعيدة وليس من بني إسرائيل. ثم ~~عللت ما قالته بالترجي منها لحصول النفع منه لهم، أو التبني له فقالت (عسى ~~أن ينفعنا) فنصيب منه خيرا (أو نتخذه ولدا) وكانت لا تلد فاستوهبته من ~~فرعون فوهبه لها، وجملة (وهم لا يشعرون) في محل نصب على الحال: أي وهم لا ~~يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه، ولا يشعرون أن هلاكهم على يده، فتكون حالا ~~من آل فرعون، وهي من كلام الله سبحانه. وقيل هي من كلام المرأة: أي وبنو ~~إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه وهم لا يشعرون، قاله الكلبي، وهو بعيد جدا. ~~وقد حكى الفراء عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوله " لا ~~تقتلوه " من كلام فرعون واعترضه بكلام يرجع إلى اللفظ، ويكفي في رده ضعف ~~إسناده (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) قال المفسرون: معنى ذلك أنه فارغ من كل ~~شئ إلا ms2919 من أمر موسى كأنها لم تهتم بشئ سواه. قال أبو عبيدة: خاليا من ذكر ~~كل شئ في الدنيا إلا من ذكر موسى. وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: فارغا ~~مما أوحى إليها من قوله " ولا تخافي ولا تحزني "، وذلك لما سول الشيطان لها ~~من غرقه وهلاكه. وقال الأخفش: فارغا من الخوف والغم لعلمها أنه لم يغرق ~~بسبب ما تقدم من الوحي إليها، وروي مثله عن أبي عبيدة أيضا. وقال الكسائي: ~~ناسيا ذاهلا. وقال العلاء ابن زياد نافرا. وقال سعيد بن جبير: والها كادت ~~تقول وا ابناه من شدة الجزع. وقال مقاتل: كادت تصيح شفقة عليه من الغرق. ~~وقيل المعنى: أنها لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع ~~والدهش. # قال النحاس: وأصح هذه الأقوال الأول، والذين قالوه أعلم بكتاب الله. فإذا ~~كان فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي، وقول من قال فارغا ~~من الغم غلط قبيح لأن بعده " إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها " ~~وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري ومحمد بن السميفع وأبو العالية وابن محيصن " ~~فزعا " بالفاء والزاي والعين المهملة من الفزع: أي خائفا وجلا. وقرأ ابن ~~عباس " قرعا " بالقاف المفتوحة والراء المهملة المسكورة والعين المهملة من ~~قرع رأسه: إذا انحسر شعره، ومعنى وأصبح وصار: كما قال الشاعر: PageV04P160 # مضى الخلفاء في أمر رشيد * وأصبحت المدينة للوليد (إن كادت لتبدي به لولا ~~أن ربطنا على قلبها) أن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شان محذوف: أي ~~إنها كادت لتظهر أمر موسى وأنه ابنها من فرط ما دهمها من الدهش والخوف ~~والحزن، من بدا يبدو: إذا ظهر، وأبدى يبدي: إذا أظهر، وقيل الضمير في به ~~عائد إلى الوحي الذي أوحى إليها، والأول أولى. وقال الفراء: # إن كانت لتبدي باسمه لضيق صدرها لولا أن ربطنا على قلبها. قال الزجاج: ~~ومعنى الربط على القلب: إلهام الصبر وتقويته، وجواب لولا محذوف: أي لولا أن ~~ربطنا على قلبها لأبدت، واللام في (ولتكون من ms2920 المؤمنين) متعلق بربطنا، ~~والمعنى: ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله وهو قوله " إنا ~~رادوه إليك " قيل والباء في " لتبدي به " زائدة للتأكيد. والمعنى: لتبديه ~~كما تقول أخذت الحبل وبالحبل. وقيل المعنى: لتبدي القول به (وقالت لأخته ~~قصيه) أي قالت أم موسى لأخت موسى وهي مريم قصيه: أي تتبعي أثره واعرفي خبره ~~وانظري أين وقع وإلى من صار؟ يقال قصصت الشئ: إذا اتبعت أثره متعرفا لحاله ~~(فبصرت به عن جنب) أي أبصرته عن بعد، وأصله عن مكان جنب، ومنه الأجنبي. قال ~~الشاعر: # فلا تحرميني أو نائلا عن جنابة * فإني امرؤ وسط الديار غريب وقيل المراد ~~بقوله " عن جنب " عن جانب، والمعنى أنها أبصرت إليه متجانفة مخاتلة، ويؤيد ~~ذلك قراءة النعمان بن سالم عن جانب، ومحل عن جنب النصب على الحال إما من ~~الفاعل: أي بصرت به مستخفية كائنة عن جنب، وإما من المجرور: أي بعيدا منها. ~~قرأ الجمهور " بصرت به " بفتح الباء وضم الصاد، وقرأ قتادة بفتح الصاد وقرأ ~~عيسى بن عمر بكسرها. قال المبرد: أبصرته وبصرت به بمعنى، وقرأ الجمهور " عن ~~جنب " بضمتين، وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون ~~النون، وروي عن قتادة أيضا أنه قرأ بفتحهما. # وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بضم الجيم وسكون النون. وقال أبو عمرو بن ~~لعلاء: إن معنى " عن جنب " عن شوق. قال: وهي لغة جذام يقولون: جنبت إليك: ~~أي اشتقت إليك (وهم لا يشعرون) أنها تقصه وتتبع خبره وأنها أخته (وحرمنا ~~عليه المراضع) المراضع جمع مرضع: أي منعناه أن يرضع من المرضعات. وقيل ~~المراضع جمع مرضع بفتح الضاد، وهو الرضاع أو موضعه، وهو الثدي، ومعنى (من ~~قبل) من قبل أن نرده إلى أمه، أو من قبل أن تأتيه أمه، أو من قبل قصها ~~لأثره، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه، فلم يرضع من ~~واحدة منهم، (ف) عند ذلك (قالت) أي أخته لما رأت امتناعه من الرضاع (هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم) أي يضمنون ms2921 لكم القيام به وإرضاعه (وهم له ~~ناصحون) أي مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. # وفي الكلام حذف، والتقدير: فقالوا لها من هم؟ فقالت أمي، فقيل لها: وهل ~~لأمك لبن؟ قالت نعم لبن أخي هارون: فدلتهم على أم موسى فدفعوه إليها، فقبل ~~ثديها، ورضع منه، وذلك معنى قوله سبحانه (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها) ~~بولدها (ولا تحزن) على فراقه (ولتعلم أن وعد الله) أي جميع وعده، ومن جملة ~~ذلك ما وعدها بقوله " إنا رادوه إليك " (حق) لا خلف فيه واقع لا محالة ~~(ولكن أكثرهم لا يعلمون) أي أكثر آل فرعون لا يعلمون بذلك، بل كانوا في ~~غفلة عن القدر وسر القضاء، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون أن ~~الله وعدها بأن يرده إليها. # وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن مجاهد (وجعل أهلها شيعا) قال: فرق بينهم. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة (وجعل PageV04P161 # أهلها شيعا) قال: يستعبد طائفة منهم ويدع طائفة، ويقتل طائفة ويستحيى ~~طائفة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب ~~في قوله (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة) قال: ~~يوسف وولده. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ~~(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) قال: هم بنو إسرائيل (ونجعلهم ~~أئمة) أي ولاة الأمر (ونجعلهم الوارثين) أي الذين يرثون الأرض بعد فرعون ~~وقومه (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) قال ما كان القوم ~~حذروه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وأوحينا إلى أم موسى) أي ~~ألهمناها الذي صنعت بموسى. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال: قال ابن عباس ~~في قوله (فإذا خفت عليه) قال: أن يسمع جيرانك صوته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن مسعود في قوله (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) قال: ms2922 فرغ من ذكر كل شئ من ~~أمر الدنيا إلا من ذكر موسى. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في ~~قوله " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا " قال: # خاليا من كل شئ غير ذكر موسى. وفي قوله (إن كادت لتبدي به) قال: تقول: يا ~~ابناه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~عنه في قوله (وقالت لأخته قصيه) أي اتبعي أثره (فبصرت به عن جنب) قال: عن ~~جانب. وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة " أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لخديجة: أما شعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وكلثوم ~~أخت موسى وامرأة فرعون؟ قالت: هنيئا لك يا رسول الله. وأخرجه ابن عساكر عن ~~ابن أبي رواد مرفوعا بأطول من هذا، وفي آخره أنها قالت: بالرفاء والبنين. ~~وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ~~(وحرمنا عليه المراضع من قبل) قال: لا يؤتي بمرضع فيقبلها. PageV04P162 # قوله (ولما بلغ أشده) قد تقدم الكلام في بلوغ الأشد في الأنعام، وقد قال ~~ربيعة ومالك: هو الحلم لقوله تعالى - حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا - الآية، وأقصاه أربع وثلاثون سنة كما قال مجاهد وسفيان الثوري ~~وغيرهما. وقيل الأشد ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين، والاستواء من ~~الثلاثين إلى الأربعين، وقيل الاستواء هو بلوغ الأربعين، وقيل الاستواء ~~إشارة إلى كمال الخلقة، وقيل هو بمعنى واحد، وهو ضعيف لأن العطف يشعر ~~بالمغايرة (آتيناه حكما وعلما) الحكم الحكمة على العموم، وقيل النبوة، وقيل ~~الفقه في الدين. والعلم الفهم قاله السدي. وقال مجاهد الفقه. وقال ابن ~~إسحاق: العلم بدينه ودين ابائه، وقيل كان هذا قبل النبوة، وقد تقدم بيان ~~معنى ذلك في البقرة (وكذلك نجزي المحسنين) أي مثل ذلك الجزاء الذي جزينا أم ~~موسى لما استسلمت لأمر الله وألقت ولدها في البحر وصدقت بوعد الله نجزي ~~المحسنين على ms2923 إحسانهم، والمراد العموم (ودخل المدينة) أي ودخل موسى مدينة ~~مصر الكبرى، وقيل مدينة غيرها من مدائن مصر، ومحل قوله على حين غفلة من ~~أهلها) النصب على الحال: إما من الفاعل: أي مستخفيا، وإما من المفعول. قيل ~~لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون وفشا ذلك ~~منه، فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلا مستخفيا. قيل كان دخوله بين ~~العشاء والعتمة، وقيل وقت القائلة. قال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت ~~غفلة أهلها فدخل على حين علم منهم، فكان منه ما حكى الله سبحانه بقوله ~~(فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته) أي ممن شايعه على دينه، وهم بنو ~~إسرائيل (وهذا من عدوه) أي من المعادين له على دينه وهم قوم فرعون ~~(فاستغاثه الذي من شيعته) أي طلب منه أن ينصره ويعينه على خصمه (على الذي ~~من عدوه) فأغاثه لأن نصر المظلوم واجب في جميع الملل. قيل أراد القبطي أن ~~يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فأبى عليه واستغاث بموسى (فوكزه ~~موسى) الوكز الضرب بجمع الكف، وهكذا اللكز واللهز. وقيل اللكز على اللحى، ~~والوكز على القلب. وقيل ضربه بعصاه. وقرأ ابن مسعود " فلكزه " وحكى الثعلبي ~~أن في مصحف عثمان " فنكزه " بالنون. قال الأصمعي: # نكزه بالنون: ضربه ودفعه. قال الجوهري: اللكز الضرب على الصدر. وقال أبو ~~زيد: في جميع الجسد: يعني أنه يقال له لكز. واللهز الضرب بجميع اليدين في ~~الصدر، ومثله عن أبي عبيدة (فقضى عليه) أي قتله، وكل شئ أتيت عليه وفرغت ~~منه: فقد قضيت عليه، ومنه قول الشاعر: * قد عضه فقضى عليه الأشجع * قيل لم ~~يقصد موسى قتل القبطي، وإنما قصد دفعه فأتى ذلك على نفسه، ولهذا قال (هذا ~~من عمل الشيطان) PageV04P163 # وإنما قال بهذا القول مع أن المقتول كافر حقيق بالقتل لأنه لم يكن إذ ذاك ~~مأمورا بقتل الكفار. وقيل إن تلك الحالة حالة كف عن القتال لكونه مأمونا ~~عندهم، فلم يكن له أن يغتالهم. ثم وصف الشيطان بقوله (إنه ms2924 عدو مضل مبين أي ~~عدو للإنسان يسعى في إضلاله، ظاهر العداوة والإضلال. وقيل إن الإشارة بقوله ~~" هذا " إلى عمل المقتول لكونه كافرا مخالفا لما يريده الله. وقيل إنه ~~إشارة إلى المقتول نفسه: يعني أنه من جند الشيطان وحزبه. ثم طلب من الله ~~سبحانه أن يغفر له ما وقع منه (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر) الله ~~(له) ذلك (إنه هو الغفور الرحيم) ووجه استغفاره أنه لم يكن لنبي أن يقتل ~~حتى يؤمر، وقيل إنه طلب المغفرة من تركه للأولى كما هو سنة المرسلين، أو ~~أراد إني ظلمت بقتل هذا الكافر، لأن فرعون لو يعرف ذلك لقتلني به، ومعنى ~~فاغفر لي: # فاستر ذلك علي لا تطلع عليه فرعون، وهذا خلاف الظاهر فإن موسى عليه ~~السلام ما زال نادما على ذلك خائفا من العقوبة بسببه: حتى إنه يوم القيامة ~~عند طلب الناس الشفاعة منه يقول: إني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها، كما ثبت ~~ذلك في حديث الشفاعة الصحيح. وقد قيل إن هذا كان قبل النبوة، وقيل كان ذلك ~~قبل بلوغه سن التكليف وإنه كان إذ ذاك في اثنتي عشرة سنة، وكل هذه ~~التأويلات البعيدة محافظة على ما تقرر من عصمة الأنبياء ولا شك أنهم ~~معصومون من الكبائر، والقتل الواقع منه لم يكن عن عمد فليس بكبيرة، لأن ~~الوكزة في الغالب لا تقتل. ثم لما أجاب الله سؤاله وغفر له ما طلب منه ~~مغفرته (قال رب بما أنعمت علي) هذه الباء يجوز أن تكون باء القسم والجواب ~~مقدر: أي أقسم بإنعامك علي لأتوبن وتكون جملة (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) ~~كالتفسير للجواب وكأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما. ويجوز ~~أن تكون هذه الباء هي باء السببية متعلقة بمحذوف: أي أعصمني بسبب ما أنعمت ~~به علي، ويكون قوله " فلن أكون ظهيرا " مترتبا عليه، ويكون في ذلك استعطاف ~~لله تعالى وتوصل إلى إنعامه بإنعامه، و " ما " في قوله " بما أنعمت " إما ~~موصولة أو مصدرية، والمراد بما أنعم به عليه: # هو ms2925 ما آتاه من الحكم والعلم أو بالمغفرة أو بالجميع، وأراد بمظاهرة ~~المجرمين: إما صحبة فرعون والانتظام في جملته في ظاهر الأمر، أو مظاهرته ~~على ما فيه إثم. قال الكسائي والفراء: ليس قوله (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) ~~خبرا بل هو دعاء: أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا لهم. قال الكسائي: وفي قراءة ~~عبد الله " فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين " وقال الفراء: المعنى اللهم ~~فلن أكون ظهيرا للمجرمين. وقال النحاس: إن جعله من باب الخبر أو في وأشبه ~~بنسق الكلام (فأصبح في المدينة خائفا يترقب) أي دخل في وقت الصباح في ~~المدينة التي قتل فيها القبطي، وخائفا خبر أصبح، ويجوز أن يكون حالا، ~~والخبر في المدينة، ويترقب يجوز أن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا ثانية، ~~وأن يكون بدلا من خائفا، ومفعول يترقب محذوف، والمعنى: يترقب المكروه أو ~~يترقب الفرح (فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه) إذا هي الفجائية والموصول ~~مبتدأ وخبره يستصرخه: أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يقاتل ~~قبطيا آخر أراد أن يسخره ويظلمه كما أراد القبطي الذي قد قتله موسى بالأمس، ~~والاستصراخ الاستغاثة، وهو من الصراخ، وذلك أن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب ~~الغوث، ومنه قول الشاعر: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الجواب له قرع الظنابيب (قال له موسى ~~إنك لغوي مبين) أي بين الغواية، وذلك أنك تقاتل من لا تقدر على مقاتلته ولا ~~تطيقه، وقيل إنما قال له هذه المقالة لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل يريد اليوم ~~أن يتسبب لقتل آخر: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما) أي يبطش ~~بالقبطي الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي حيث لم يكن على دينهما، وقد تقدم ~~PageV04P164 # معنى يبطش واختلاف القراء فيه (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس) القائل هو الإسرائيلي لما سمع موسى يقول له (إنك لغوي مبين) ~~ورآه يريد أن يبطش بالقبطي ظن أنه يريد أن يبطش به، فقال لموسى (أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس) فلما سمع القبطي ذلك ms2926 أفشاه. ولم يكن قد علم ~~أحد من أصحاب فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس حتى أفشى عليه ~~الإسرائيلي، هكذا قال جمهور المفسرين. وقيل إن القائل (أتريد أن تقتلني كما ~~قتلت نفسا بالأمس) هو القبطي، وكان قد بلغه الخبر من جهة الإسرائيلي، وهذا ~~هو الظاهر، وقد سبق ذكر القبطي قبل هذا بلا فصل لأنه هو المراد بقوله عدو ~~لهما، ولا موجب لمخالفة الظاهر حتى يلزم عنه أن المؤمن بموسى المستغيث به ~~المرة الأولى، والمرة الأخرى هو الذي أفشى عليه، وأيضا إن قوله (إن تريد ~~إلا أن تكون جبارا في الأرض) لا يليق صدور مثله إلا من كافر، وإن في قوله ~~(إن تريد) هي النافية أي ما تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض. قال الزجاج: ~~الجبار في اللغة الذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار. وقيل ~~الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب ولا يدفع ~~بالتي هي أحسن (وما تريد أن تكون من المصلحين) أي الذين يصلحون بين الناس ~~(وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) قيل المراد بهذا الرجل حزقيل وهو مؤمن آل ~~فرعون، وكان ابن عم موسى، وقيل اسمه شمعون، وقيل طالوت، وقيل شمعان. # والمراد بأقصى المدينة: آخرها وأبعدها، ويسعى يجوز أن يكون في محل رفع ~~صفة لرجل، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال، لأن لفظ رجل وإن كان نكرة ~~فقد تخصص بقوله: من أقصى المدينة (قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك) أي يتشاورون في قتلك ويتآمرون بسببك. قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضا ~~بقتلك. وقال أبو عبيد: يتشاورون فيك ليقتلوك: يعني أشراف قوم فرعون. قال ~~الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا: أي أمر بعضهم بعضا، نظيره قوله " وائتمروا ~~بينكم بمعروف " قال النمر بن تولب: # أرى الناس قد أحدثوا شيمة * وفي كل حادثة يؤتمر (فأخرج إني لك من ~~الناصحين) في الأمر بالخروج، واللام للبيان لأن معمول المجرور لا يتقدم ~~عليه (فخرج منها خائفا يترقب) فخرج موسى من المدينة حال كونه ms2927 خائفا من ~~الظالمين مترقبا لحوقهم به وإدراكهم له، ثم دعا ربه بأن ينجيه مما خافه ~~قائلا (رب نجني من القوم الظالمين) أي خلصني من القوم الكافرين وأدفعهم ~~عني، وحل بيني وبينهم (ولما توجه تلقاء مدين) أي نحو مدين قاصدا لها. قال ~~الزجاج: أي سلك في الطريق الذي تلقاء مدين فيها انتهى، يقال داره تلقاء دار ~~فلان، وأصله من اللقاء، ولم تكن هذه القرية داخلة تحت سلطان فرعون، ولهذا ~~خرج إليها (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) أي يرشدني نحو الطريق ~~المستوية إلى مدين (ولما ورد ماء مدين) أي وصل إليه، وهو الماء الذي يستقون ~~منه (وجد عليه أمة من الناس يسقون) أي وجد على الماء جماعة كثيرة من الناس ~~يسقون مواشيهم، ولفظ الورود قد يطلق على الدخول في المورد، وقد يطلق على ~~البلوغ إليه وإن لم يدخل فيه، وهو المراد هنا، ومنه قول زهير: * فلما وردنا ~~الماء زرقا حمامه * وقد تقدم تحقيق معنى الورود في قوله - وإن منكم إلا ~~واردها - وقيل مدين اسم للقبيلة لا للقرية، وهي غير منصرفة على كلا ~~التقديرين (ووجد من دونهم) أي من دون الناس الذين يسقون ما بينهم وبين ~~الجهة التي جاء منها، وقيل معناه: في موضع أسفل منهم (امرأتين تذودان) أي ~~تحبسان أغنامهما من الماء حتى يفرغ الناس ويخلو بينهما وبين الماء، ومعنى ~~الذود الدفع والحبس، ومنه قول الشاعر: # أبيت على باب القوافي كأنما * أذود بها سربا من الوحش نزعا PageV04P165 # أي أحبس وأمنع، وورد الذود بمعنى الطرد، ومنه قول الشاعر: # لقد سلبت عصاك بنو تميم * فما تدري بأي عصى تذود أي تطرد (قال ما خطبكما) ~~أي قال موسى للمرأتين: ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ والخطب الشأن، ~~قيل وإنما يقال ما خطبك لمصاب، أو مضطهد، أو لمن يأتي بمنكر (قالتا لا نسقي ~~حتى يصدر الرعاء) أي إن عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء وينصرفوا ~~منه حذرا من مخالطتهم، أو عجزا عن السقي معهم. قرأ الجمهور " يصدر " بضم ~~الياء وكسر الدال مضارع ms2928 أصدر المتعدي بالهمزة. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ~~وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صدر يصدر لازما، فالمفعول على القراءة ~~الأولى محذوف: أي يرجعون مواشيهم، والرعاء جمع راع. قرأ الجمهور " الرعاء " ~~بكسر الراء. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بفتحها. قال أبو الفضل: هو مصدر ~~أقيم مقام الصفة، فلذلك استوى فيه الواحد والجمع. وقرئ " الرعاء " بالضم ~~اسم جمع. وقرأ طلحة بن مصرف " نسقي " بضم النون من أسقي (وأبونا شيخ كبير) ~~عالي السن، وهذا من تمام كلامهما: أي لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر، ~~فلذلك احتجنا ونحن امرأتان ضعيفتان أن نسقي الغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا ~~بذلك (فلما سمع موسى كلامهما) سقي لهما (رحمة لهما: أي سقي أغنامهما ~~لأجلهما) ثم (لما فرغ من السقي لهما) تولى إلى الظل. أي انصرف إليه، فجلس ~~فيه، قيل كان هذا الظل ظل سمرة هنالك. ثم قال لما أصابه من الجهد والتعب ~~مناديا لربه (إني لما أنزلت إلي من خير) أي خير كان (فقير) أي محتاج إلى ~~ذلك، قيل أراد بذلك الطعام، واللام في لما أنزلت معناها إلي. قال الأخفش: ~~يقال هو فقير له وإليه. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~والمحاملي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله (ولما بلغ أشده) ~~قال: ثلاثا وثلاثين سنة (واستوى) قال: أربعين سنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في ~~كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه قال: الأشد ما بين الثماني ~~عشرة إلى الثلاثين، والاستواء ما بين الثلاثين إلى الأربعين، فإذا زاد على ~~الأربعين أخذ في النقصان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ~~عنه أيضا في قوله (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال: نصف النهار. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني، عنه ~~أيضا في الآية قال: ما بين المغرب والعشاء. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (هذا من شيعته) قال: إسرائيلي ms2929 (وهذا من ~~عدوه) قال: قبطي (فاستغاثه الذي من شيعته) الإسرائيلي (على الذي من عدوه) ~~القبطي (فوكزه موسى فقضى عليه) قال: فمات، قال فكبر ذلك على موسى. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه) قال: # هو صاحب موسى الذي استنصره بالأمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن عكرمة قال: # الذي استنصره هو الذي استصرخه. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: من قتل ~~رجلين فهو جبار، ثم تلا هذه الآية؟ إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لا يكون الرجل جبارا حتى ~~يقتل نفسين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: خرج ~~موسى خائفا يترقب جائعا ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين، و (عليه أمة ~~من الناس يسقون) وامرأتان جالستان بشياههما فسألهما (ما خطبكما قالتا لا ~~نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) قال: فهل قربكما ماء؟ قالتا لا، إلا ~~بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر، قال: فانطلقتا فأريانيها، ~~فانطلقتا معه، فقال بالصخرة بيده فنحاها، PageV04P166 # ثم استقى لهم سجلا واحدا فسقى الغنم، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها (ثم تولى ~~إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) فسمعتا، قال: فرجعتا إلى ~~أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما، فسألهما فأخبرتاه، فقال لإحداهما: # انطلقي فأدعيه فأتت، ف (قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) فمشت ~~بين يديه، فقال لها أمشي خلفي، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أرى ~~منك ما حرم الله علي، وأرشديني الطريق (فلما جاءه وقص عليه القصص قال: لا ~~تخف نجوت من القوم الظالمين. قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين) قال لها أبوها: ما رأيت من قوته وأمانته؟ فأخبرته ~~بالأمر الذي كان، قالت: أما قوته فإنه قلب الحجر وحده، وكان لا يقلبه إلا ~~النفر. وأما أمانته فقال ms2930 أمشي خلفي وأرشديني الطريق لأني امرؤ من عنصر ~~إبراهيم لا يحل لي منك ما حرمه الله. قيل لابن عباس: أي الأجلين قضى موسى ~~قال: أبرهما وأوفاهما. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: إن ~~موسى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا ~~الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين، قال: ما ~~خطبكما؟ فحدثناه، فأتى الحجر، فرفعه وحده، ثم استقى فلم يستق إلا ذنوبا ~~واحدا حتى رويت الغنم، فرجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه، وتولى موسى إلى ~~الظل فقال: # رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. قال: (فجائته إحداهما تمشي على ~~استحياء) واضعة ثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة (قالت إن ~~أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) فقام معها موسى، فقال لها: أمشي خلفي ~~وانعتي لي الطريق، فإني أكره أن يصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك، فلما انتهى ~~إلى أبيها قص عليه، فقالت إحداهما: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين، قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته فرفعه الحجر ~~ولا يطيقه إلا عشرة رجال، وأما أمانته فقال إمشي خلفي وانعتي لي الطريق ~~فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك، فزاده ذلك رغبة فيه، ف (قال ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) إلى قوله (ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين) أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت (قال) موسى (ذلك بيني وبينك ~~أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي) قال: نعم، قال: (والله على ما نقول وكيل) ~~فزوجه وأقام معه يكفيه ويعمل في رعاية غنمه وما يحتاج إليه وزوجه صفورا ~~وأختها شرفا، وهما اللتان كانتا تذودان. قال ابن كثير بعد إخراجه لطرق من ~~هذا الحديث: إن إسناده صحيح. والسلفع من النساء الجريئة السليطة. وأخرج ~~أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ms2931 عباس في قوله (ولما ورد ~~ماء مدين) قال: ورد الماء حيث ورد وإنه لتتراءي خضرة البقل في بطنه من ~~الهزال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: خرج موسى من مصر إلى مدين ~~وبينه وبينها ثمان ليال، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، وخرج حافيا، فما ~~وصل إليها حتى وقع خف قدمه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال (تذودان) تحسبان غنمهما حتى ~~ينزع الناس ويخلو لهما البئر. # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والضياء في المختارة عنه أيضا قال: # لقد قال موسى رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وهو أكرم خلقه عليه، ولقد ~~افتقر إلى شق تمرة ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع. وأخرج ابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ما سأل إلا طعام. وأخرج عبد الله بن أحمد في ~~زوائد الزهد وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: سأل فلقا من الخبر يشد بها صلبه ~~من الجوع. PageV04P167 # قوله (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) في الكلام حذف يدل عليه السياق. ~~قال الزجاج: تقديره فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في ~~السقي، فحدثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه، ~~وقيل الصغرى أن تدعوه له فجاءته. وذهب أكثر المفسرين إلى أنهما ابنتا شعيب، ~~وقيل هما ابنتا أخي شعيب، وأن شعيبا كان قد مات. والأول أرجح، وهو ظاهر ~~القرآن. ومحل " تمشي " النصب على الحال من فاعل جاءت، " وعلى استحياء " حال ~~أخرى: أي كائنة على استحياء حالتي المشي والمجيء فقط، وجملة (قالت إن أبي ~~يدعوك) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ماذا قالت له لما جاءته (ليجزيك ~~أجر ما سقيت لنا) أي جزاء سقيك لنا (فلما جاءه وقص عليه القصص) القصص مصدر ~~سمي به المفعول: أي المقصوص يعني أخبره بجميع ما اتفق له من عند قتله ~~القبطي إلى عند وصوله إلى ماء مدين (قال) شعيب (لا تخف نجوت من القوم ~~الظالمين) أي ms2932 فرعون وأصحابه، لأن فرعون لا سلطان له على مدين، وللرازي في ~~هذا الموضع إشكالات باردة جدا لا تستحق أن تذكر في تفسير كلام الله عز وجل، ~~والجواب عليها يظهر للمقصر فضلا عن الكامل، وأشف ما جاء به أن موسى كيف ~~أجاب الدعوة المعللة بالجزاء لما فعله من السقي. ويجاب عنه بأنه اتبع سنة ~~الله في إجابة دعوة نبي من أنبياء الله، ولم تكن تلك الإجابة لأجل أخذ ~~الأجر على هذا العمل، ولهذا ورد أنه لما قدم إليه الطعام قال: إنا أهل بيت ~~لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا (قالت إحداهما يا أبت استأجره) القائلة هي ~~التي جاءته: PageV04P168 # أي استأجره ليرعى لنا الغنم، وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم ~~مشروعة. وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلا الأصم فإنه ~~عن سماع أدلتها أصم، وجملة (إن خير من استأجرت القوي الأمين) تعليل لما وقع ~~منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى: أي إنه حقيق باستئجارك له لكونه ~~جامعا بين خصلتي القوة والأمانة. وقد تقدم في المروى عن ابن عباس وعمر أن ~~أباها سألها عن وصفها له بالقوة والأمانة فأجابته بما تقدم قريبا (قال إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على ~~الرجل، وهذه سنة ثابته في الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبي ~~بكر وعثمان، والقصة معروفة، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوة، ~~وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(على أن تأجرني ثماني حجج) أي على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين. قال ~~الفراء: يقول على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين، ومحل (على أن ~~تأجرني) النصب على الحال، وهو مضارع أجرته، ومفعوله الثاني محذوف: أي نفسك ~~و (ثماني حجج) ظرف. قال المبرد: يقال: أجرت داري ومملوكي غير ممدود وممدودا ~~والأول أكثر (فإن أتممت عشرا فمن عندك) أي إن أتممت ما استأجرتك عليه من ~~الرعي عشر ms2933 سنين فمن عندك أي تفضلا منك لا إلزاما مني لك، جعل ما زاد على ~~الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام. موكولا إلى المروءة، ومحل (فمن ~~عندك) الرفع على تقدير مبتدأ: أي فهي من عندك (وما أريد أن أشق عليك) ~~بإلزامك إتمام العشرة الأعوام، واشتقاق المشقة من الشق: أي شق ظنه نصفين، ~~فتارة يقول أطيق، وتارة يقول لا أطيق. ثم رغبه في قبول الإجارة فقال ~~(ستجدني إن شاء الله من الصالحين) في حسن الصحبة والوفاء، وقيل أراد الصلاح ~~على العموم، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولا أوليا، ~~وقيد ذلك بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته. ثم لما فرغ شعيب ~~من كلامه قرره موسى ف (قال ذلك بيني وبينك) واسم الإشارة مبتدأ وخبره ما ~~بعده، والإشارة إلى ما تعاقدا عليه، وجملة (أيما الأجلين قضيت) شرطية ~~وجوابها (فلا عدوان علي) والمراد بالأجلين الثمانية الأعوام والعشرة ~~الأعوام، ومعي قضيت وفيت به وأتممته، والأجلين مخفوض بإضافة اي إليه، وما ~~زائدة. وقال ابن كيسان: " ما " في موضع خفض بإضافة أي إليها، و " الأجلين " ~~بدل منها، وقرأ الحسن (أيما) بسكون الياء، وقرأ ابن مسعود (أي الأجلين ما ~~قضيت) ومعنى (فلا عدوان علي) فلا ظلم علي بطلب الزيادة على ما قضيته من ~~الأجلين: أي كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام لا أطالب بالنقصان ~~على العشرة. وقيل المعنى: كما لا أطالب بالزيادة على العشرة الأعوام لا ~~أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام، وهذا أظهر. وأصل العدوان تجاوز الحد ~~في غير ما يجب. قال المبرد: وقد علم موسى أنه لا عدوان عليه إذا أتمهما، ~~ولكنه جمعهما ليجعل الأول كالأتم في الوفاء. قرأ الجمهور (عدوان) بضم ~~العين. وقرأ أبو حيوة بكسرها (والله على ما نقول وكيل) أي على ما نقول من ~~هذه الشروط الجارية بيننا شاهد وحفيظ، فلا سبيل لأحدنا إلى الخروج عن شئ من ~~ذلك. قيل هو من قول موسى، وقيل من قول شعيب، والأول أولى لوقوعه في جملة ~~كلام موسى (فلما قضى موسى الأجل) هو ms2934 أكملهما وأوفاهما، وهو العشرة الأعوام ~~كما سيأتي آخر البحث، والفاء صريحه (وسار بأهله) إلى مصر، وفيه دليل على أن ~~الرجل يذهب بأهله حيث شاء (آنس من جانب الطور نارا) أي أبصر من الجهة التي ~~تلي الطور نارا، وقد تقدم تفسير هذا في سورة طه مستوفى (قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر) وهذا تقدم تفسيره أيضا في سورة طه وفي ~~سورة النمل (أو جذوة) قرأ الجمهور بكسر الجيم، وقرأ حمزة ويحيى بن وثاب ~~بضمها، وقرأ عاصم والسلمي وذر بن حبيش بفتحها. قال الجوهري: الجذوة ~~PageV04P169 # والجذوة الجمرة، والجمع جذى وجذى وجذى. قال مجاهد: في الآية أن الجذوة ~~قطعة من الجمر في لغة جميع العرب. وقال أبو عبيدة: هي القطعة الغليظة من ~~الخشب كأن في طرفها نارا ولم يكن، ومما يؤيد أن الجذوة الجمرة قول السلمي: # وبدلت بعد المسك والبان شقوة * دخان الجذا في رأس أشمط شاحب (لعلكم ~~تصطلون) أي تستدفئون بالنار (فلما أتاها) أي أتى النار التي أبصرها، وقيل ~~أتى الشجرة، والأول أولى لعدم تقدم الذكر للشجرة (نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن) من لابتداء الغاية، والأيمن صفة للشاطئ، وهو من اليمن وهو البركة، ~~أو من جهة اليمين المقابل لليسار بالنسبة إلى موسى: أي الذي يلي يمينه دون ~~يساره، وشاطئ الوادي طرفه، وكذا شطه. قال الراغب: وجمع الشاطئ أشطاء، وقوله ~~(في البقعة المباركة) متعلق بنودي، أو بمحذوف على أنه حال من الشاطئ، و (من ~~الشجرة) بدل اشتمال من شاطئ الواد، لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ. وقال ~~الجوهري: يقول شاطئ الأودية ولا يجمع. قرأ الجمهور (في البقعة) بضم الباء، ~~وقرأ أبو سلمة والأشهب العقيلي بفتحها، وهي لغة حكاها أبو زيد (أن يا موسى ~~إني أنا الله) أن هي المفسرة، ويجوز أن تكون هي المخففة من الثقيلة واسمها ~~ضمير الشأن، وجملة النداء مفسرة له، والأول أولى. قرأ الجمهور بكسر همزة " ~~إني " على إضمار القول أو على تضمين النداء معناه. وقرئ بالفتح وهي قراءة ~~ضعيفة، وقوله (وأن ألق عصاك) معطوف على ms2935 (أن يا موسى) وقد تقدم تفسير هذا ~~وما بعده في طه والنمل، وفي الكلام حذف، والتقدير: # فألقاها فصارت ثعبانا فاهتزت (فلما رآها تهتز كأنها جان) في سرعة حركتها ~~مع عظم جسمها (ولى مدبرا) أي منهزما، وانتصاب مدبرا على الحال، وقوله (ولم ~~يعقب) في محل نصب أيضا على الحال: أي لم يرجع (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من ~~الآمنين) قد تقدم تفسير جميع ما ذكر هنا مستوفى فلا نعيده، وكذلك قوله ~~(اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك) جناح الإنسان ~~عضده، ويقال لليد كلها جناح: أي اضمم إليك يديك المبسوطتين لتتقي بهما ~~الحية كالخائف الفزع، وقد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات: الأولى اسلك يدك ~~في جيبك، والثانية: واضمم إليك جناحك، والثالثة: وأدخل يدك في جيبك، ويجوز ~~أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا ثعبانا، ومعنى (من الرهب) ~~من أجل الرهب، وهو الخوف. قرأ الجمهور (الرهب) بفتح الراء والهاء، واختار ~~هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ حفص والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي ~~إسحاق بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ ابن عامر والكوفيون إلا حفصا بضم ~~الراء وإسكان الهاء. وقال الفراء: # أراد بالجناح عصاه، وقال بعض أهل المعاني: الرهب الكم بلغة حمير وبني ~~حنيفة. قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، فسألته عن ~~الرهب، فقال الكم. فعلى هذا يكون معناه: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم ~~(فذانك) إشارة إلى العصا واليد (برهانان من ربك إلى فرعون وملائه) أي حجتان ~~نيرتان ودليلان واضحان، قرأ الجمهور " فذانك " بتخفيف النون، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بتشديدها، قيل والتشديد لغة قريش. وقرأ ابن مسعود وعيسى بن عمر ~~وشبل وأبو نوفل بياء تحتية بعد نون مكسورة، والياء بدل من من إحدى النونين ~~وهي لغة هذيل، وقيل لغة تميم، وقوله (من ربك) متعلق بمحذوف: أي كائنان منه، ~~وكذلك قوله (إلى فرعون وملائه) متعلق بمحذوف: أي مرسلان، أو واصلان إليهم ~~(إنهم كانوا قوما فاسقين) متجاوزين الحد في الظلم ms2936 خارجين عن الطاعة أبلغ ~~خروج، والجملة تعليل لما قبلها. PageV04P170 # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي ~~الهذيل عن عمر بن الخطاب في قوله (تمشي على استحياء) قال: جاءت مستترة بكم ~~درعها على وجهها. وأخرجه ابن المنذر عن أبي الهذيل موقوفا عليه. وأخرج ابن ~~عساكر عن أبي حازم قال: لما دخل موسى على شعيب إذا هو بالعشاء، فقال له ~~شعيب: كل، قال موسى: أعوذ بالله، قال: ولم؟ ألست بجائع؟ قال: بلى ولكن أخاف ~~أن يكون هذا عوضا عما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل ~~الآخرة بملء الأرض ذهبا، قال: لا والله ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري ~~الضيف ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس ~~أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه القصص. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي ~~شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: ~~كان صاحب موسى أثرون بن أخي شعيب النبي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ~~الذي استأجر موسى يثرب صاحب مدين. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عنه قال: ~~كان اسم ختن موسى يثربي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: ~~يقول أناس إنه شعيب، وليس بشعيب، ولكنه سيد الماء يومئذ. وأخرج ابن ماجة ~~والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عتبة ابن ~~المنذر السلمي قال " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ سورة ~~طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة ~~فرجه وطعام بطنه، فلما وفي الأجل قيل: يا رسول الله أي الأجلين قضى موسى؟ ~~قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن ~~يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه " الحديث بطوله. وفي ~~إسناده مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي ضعفه الأئمة. ms2937 وقد روي من وجه ~~آخر وفيه نظر. وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا: حدثنا أبو زرعة عن يحيى بن ~~عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن ~~رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن المنذر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فذكره. وابن لهيعة ضعيف، وينظر في بقية رجال السند. وأخرج ابن ~~جرير عن أنس طرفا منه موقوفا عليه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في ~~المصنف وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ~~أنه سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما. إن رسول الله ~~إذا قال فعل. وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عنه نحوه، وقوله: إن رسول الله إذا قال فعل فيه نظر، فإن ~~موسى لم يقل إنه سيقضي أكثر الأجلين بل قال: أيما الأجلين قضيت فلا عدوان ~~علي. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن موسى قضى أتم ~~الأجلين من طرق. وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل خيرهما ~~وأبرهما، وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت ~~فقالت: يا أبت استأجره ". وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " قال لي جبريل: يا محمد إن سألك اليهود أي ~~الأجلين قضى موسى؟ فقل أوفاهما، وإن سألوك أيهما تزوج؟ فقل الصغرى منهما " ~~وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه. قال السيوطي ~~بسند ضعيف عن أبي ذر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل أي الأجلين ~~قضى موسى؟ قال: # أبرهما وأوفاهما، قال: وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما " ~~قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد، وقد رواه ابن أبي ~~حاتم من حديث عويد ms2938 بن أبي عمران، وهو ضعيف. وأما روايات أنه قضى أتم ~~الأجلين فلها طرق يقوى بعضها بعضا. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: ~~قال ابن عباس: لما PageV04P171 # قضى موسى الأجل سار بأهله، فضل الطريق، وكان في الشتاء فرفعت له نار، ~~فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله (فقال لأهله امكثوا إني آنست ~~نارا لعلي آتيكم منها بخبر) فإن لم أجد خبرا آتيكم بشهاب قبس (لعلكم ~~تصطلون) من البرد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه لعلي آتيكم منها بخبر لعلي أجد ~~من يدلني على الطريق، وكانوا قد ضلوا الطريق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله (أو جذوة) قال: شهاب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في قوله (نودي من شاطئ الواد) قال: كان النداء من السماء الدنيا، وظاهر ~~القرآن يخالف ما قاله رضي الله عنه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود قال: # ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، ~~فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبي صلى الله عليه وسلم واله وسلم ~~وسلمت، فأهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ منها ملآن فيه فلاكه فلم يستطع أن ~~يسيغه فلفظه، فصليت على النبي وسلمت، ثم انصرفت. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله (واضمم إليك جناحك) قال: يدك. # لما سمع موسى قول الله سبحانه: فذانك برهانان إلى فرعون طلب منه سبحانه ~~أن يقوي قلبه، ف (قال رب إني قتلت منهم نفسا) يعني القبطي الذي وكزه فقضى ~~عليه (فأخاف أن يقتلون) بها (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا) لأنه كان في ~~لسان موسى حبسة كما تقدم بيانه، والفصاحة لغة الخلوص، يقال فصح اللبن وأفصح ~~فهو PageV04P172 # فصيح: أي خلص من الرغوة، ومنه فصح الرجل: جادت لغته، وأفصح: تكلم ~~بالعربية. وقيل الفصيح الذي ينطق، والأعجم الذي لا ينطق. وأما في اصطلاح ~~أهل البيان فالفصاحة: خلوص الكلمة عن تنافر الحروف والغرابة ومخالفة ms2939 ~~القياس، وفصاحة الكلام: خلوصه من ضعف التأليف والتعقيد، وانتصاب (ردءا) على ~~الحال، والردء المعين، من أردأته: أي أعنته، يقال فلان ردء فلان: إذا كان ~~ينصره ويشد ظهره، ومنه قول الشاعر: # ألم تر أن أصرم كان ردئي * وخير الناس في قل ومال وحذفت الهمزة تخفيفا في ~~قراءة نافع وأبي جعفر، ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم أردى على المائة: # إذا زاد عليها، فكان المعنى أرسله معي زيادة في تصديقي، ومنه قول الشاعر: # وأسمر خطيا كأن كعوبه * نوى القسب قد أردى ذراعا على العشر وروي البيت في ~~الصحاح بلفظ قد أربى، والقسب الصلب، وهو الثمر اليابس الذي يتفتت في الفم، ~~وهو صلب النواة (يصدقني) قرأ عاصم وحمزة يصدقني بالرفع على الاستئناف، أو ~~الصفة لردءا، أو الحال من مفعول أرسله، وقرأ الباقون بالجزم على جواب ~~الأمر، وقرأ أبي وزيد بن علي (يصدقون) أي فرعون وملؤه (إني أخاف أن يكذبون) ~~إذا لم يكن معي هارون لعدم انطلاق لساني بالمحاجة (قال سنشد عضدك بأخيك) أي ~~نقويك به، فشد العضد كناية عن التقوية، ويقال في دعاء الخير: شد الله عضدك، ~~وفي ضده: فت الله في عضدك. قرأ الجمهور (عضدك) بفتح العين. وقرأ الحسين ~~وزيد بن علي بضمها. وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بضمة وسكون. # وقرأ عيسى بن عمر بفتحهما (ونجعل لكم سلطانا) أي حجة وبرهانا. أو تسلطا ~~عليه، وعلى قومه (فلا يصلون إليكما) بالأذى ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة، ~~و (بآياتنا) متعلق بمحذوف: أي تمتنعان منهم بآياتنا، أو اذهبا بآياتنا. ~~وقيل الباء للقسم، وجوابه يصلون، وما أضعف هذا القول. وقال الأخفش وابن ~~جرير: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير (أنتما ومن أتبعكما الغالبون) ~~بآياتنا، وأول هذه الوجوه أولاها. وفي أنتما ومن أتبعكما الغالبون تبشير ~~لهما وتقوية لقلوبهما (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) البينات الواضحات ~~الدلالة، وقد تقدم وجه إطلاق الآيات، وهي جمع على العصا واليد في سورة طه ~~(قالوا ما هذا إلا سحر مفترى) أي مختلق مكذوب اختلقته من قبل نفسك (وما ~~سمعنا بهذا) الذي ms2940 جئت به من دعوى النبوة، أو ما سمعنا بهذا السحر (في ~~آبائنا الأولين) أي كائنا أو واقعا في آبائنا الأولين (وقال موسى ربي أعلم ~~بمن جاء بالهدى من عنده) يريد نفسه، وإنما جاء بهذه العبارة لئلا يصرح لهم ~~بما يريده قبل أن يوضح لهم الحجة، والله أعلم. قرأ الجمهور (وقال موسى) ~~بالواو، وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن (قال موسى) بلا واو، وكذلك هو في ~~مصاحف أهل مكة. وقرأ الكوفيون إلا عاصما (ومن يكون عاقبة الدار) بالتحتية ~~على أن اسم يكون عاقبة الدار. والتذكير لوقوع الفصل، ولأنه تأنيث مجازي، ~~وقرأ الباقون (تكون) بالفوقية، وهي أوضح من القراءة الأولى، والمراد بالدار ~~هنا الدنيا وعاقبتها هي الدار الآخرة. والمعنى: لمن تكون له العاقبة ~~المحمودة، والضمير في (إنه لا يفلح الظالمون) للشأن: # أي إن الشأن أنه لا يفلح الظالمون: أي لا يفوزون بمطلب خير، ويجوز أن ~~يكون المراد بعاقبة الدار خاتمة الخير، وقال فرعون (يا أيها الملأ ما علمت ~~لكم من إله غيري) تمسك اللعين بمجرد الدعوى الباطلة مغالطة لقومه منه، وقد ~~كان يعلم أنه ربه الله عز وجل، ثم رجع إلى تكبره وتجبره وإيهام قومه بكمال ~~اقتداره فقال (فأوقد لي يا هامان على الطين) أي أطبخ لي الطين حتى يصير ~~آجرا (فاجعل لي صرحا) أي اجعل لي من هذا الطين الذي توقد عليه حتى يصير ~~آجرا صرحا: أي قصرا عاليا (لعلي أطلع إلى إله موسى) أي أصعد إليه (وإني ~~لأظنه من الكاذبين) PageV04P173 # والطلوع والاطلاع واحد، يقال طلع الجبل واطلع (واستكبر هو وجنوده في ~~الأرض بغير الحق) المراد بالأرض أرض مصر، والاستكبار التعظيم بغير استحقاق، ~~بل بالعدوان لأنه لم يكن له حجة يدفع بها ما جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها ~~في مقابلة ما أظهره من المعجزات (وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) أي فرعون ~~وجنوده، والمراد بالرجوع البعث والمعاد، قرأ نافع وشيبة وابن محيصن وحميد ~~ويعقوب وحمزة والكسائي (لا يرجعون) بفتح الياء وكسر الجيم مبنيا للفاعل. ~~وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الجيم مبنيا ms2941 للمفعول، واختار القراءة الأولى ~~أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد (فأخذناه وجنوده) بعد أن عتوا ~~في الكفر وجاوزوا الحد فيه (فنبذناهم في اليم) أي طرحناهم في البحر، وقد ~~تقدم بيان الكلام في هذا (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) الخطاب لنبينا ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أي انظر يا محمد كيف كان آخر أمر الكافرين ~~حين صاروا إلى الهلاك (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) أي صيرناهم رؤساء ~~متبوعين مطاعين في الكافرين فكأنهم بإصرارهم على الكفر والتمادي فيه يدعون ~~أتباعهم إلى النار لأنهم اقتدوا وسلكوا طريقتهم تقليدا لهم. وقيل المعنى: ~~إنه يأتم بهم: أي يعتبر بهم من جاء بعدهم ويتعظ بما أصيبوا به، والأول أولى ~~(ويوم القيامة لا ينصرون) أي لا ينصرهم أحد ولا يمنعهم مانع من عذاب الله ~~(وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) أي طردا وإبعادا، أو أمرنا العباد بلعنهم، ~~فكل من ذكرهم لعنهم، والأول أولى (ويوم القيامة هم من المقبوحين) المقبوح ~~المطرود المبعد. وقال أبو عبيدة وابن كيسان: معناه من المهلكين الممقوتين. ~~وقال أبو زيد: قبح الله فلانا قبحا وقبوحا أبعده من كل خير. قال أبو عمرو: ~~قبحت وجهه بالتخفيف بمعنى قبحت بالتشديد، ومثله قول الشاعر: # ألا قبح الله البراجم كلها * وقبح يربوعا وقبح دارما وقيل المقبوح المشوه ~~الخلقة، والعامل في يوم محذوف يفسره من المقبوحين، والتقدير: وقبحوا يوم ~~القيامة، أو هو معطوف على موضع في هذه الدنيا: أي وأتبعناهم لعنة يوم ~~القيامة، أو معطوف على لعنة على حذف مضاف: # أي ولعنة يوم القيامة (ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني التوراة (من بعد ما ~~أهلكنا القرون الأولى) أي قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وقيل من بعد ما ~~أهلكنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون، وانتصاب (بصائر للناس) على أنه مفعول له ~~أو حال: أي آتيناه الكتاب لأجل يتبصر به الناس، أو حال كونه بصائر الناس ~~يبصرون به الحق ويهتدون إليه وينقذون بين أنفسهم به من الضلالة بالاهتداء ~~به (ورحمة) لهم من الله بها (لعلهم يتذكرون) هذه النعم فيشكرون الله ~~ويؤمنون به ms2942 ويجيبون داعيه إلى ما فيه خير لهم. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~(ردءا يصدقني) كي يصدقني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: لما قال فرعون (يا ~~أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) قال جبريل: # يا رب طغى عبدك فائذن لي في هلكه، فقال: يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني، له ~~أجل يجيء ذلك الأجل، فلما قال (أنا ربكم الأعلى) قال الله: يا جبريل سبقت ~~دعوتك في عبدي وقد جاء أوان هلاكه. وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " كلمتان قالهما فرعون (ما علمت لكم من إله ~~غيري) وقوله: (أنا ربكم الأعلى) قال: كان بينهما أربعون عاما - فأخذه الله ~~نكال الآخرة والأولى ". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن قتادة قال: بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر. # وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج. وأخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه ~~وابن مردويه عن أبي سعيد قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا ~~أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ PageV04P174 # أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة، ألم تر إلى قوله ~~(ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى). وأخرجه البزار ~~وابن جرير وابن أبي حاتم ومن وجه آخر عن أبي سعيد موقوفا. # قوله (وما كنت بجانب الغربي) هذا شروع في بيان إنزال القرآن: أي وما كنت ~~يا محمد بجانب الجبل الغربي، فيكون من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، ~~واختاره الزجاج. وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي: أي حيث ناجى موسى ربه ~~(إذ قضينا إلى موسى الأمر) أي عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى ~~فرعون وقومه PageV04P175 # (وما كنت من الشاهدين) لذلك حتى تقف على حقيقته وتحكيه من جهة نفسك. وإذا ~~تقرر أن الوقوف على تفاصيل تلك الأحوال لا يمكن أن يكون بالحضور عندها ms2943 من ~~نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشاهدة لها منه. # وانتفى بالأدلة الصحيحة أنه لم يتلق ذلك من غيره من البشر ولا علمه معلم ~~منهم كما قدمنا تقريره تبين أنه من عند الله سبحانه بوحي منه إلى رسوله ~~بواسطة الملك النازل بذلك، فهذا الكلام هو على طريقة - وما كنت لديهم إذ ~~يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم - وقيل معنى (إذ قضينا إلى موسى الأمر) إذ ~~كلفناه وألزمناه، وقيل أخبرناه أن أمة محمد خير الأمم، ولا يستلزم نفي كونه ~~بجانب الغربي نفي كونه من الشاهدين، لأنه يجوز أن يحضر ولا يشهد. # قيل المراد بالشاهدين السبعون الذين اختارهم موسى للميقات (ولكنا أنشأنا ~~قرونا) أي خلقنا أمما بين زمانك يا محمد وزمان موسى (فتطاول عليهم العمر) ~~طالت عليهم المهلة وتمادى عليهم الأمد فتغيرت الشرائع والأحكام وتنوسيت ~~الأديان فتركوا أمر الله ونسوا عهده، ومثله قوله سبحانه - فطال عليهم الأمد ~~فقست قلوبهم -، وقد استدل بهذا الكلام على أن الله سبحانه قد عهد إلى موسى ~~عهدوا في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي الإيمان به فلما طال عليهم ~~العمر ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها (وما كنت ~~ثاويا في أهل مدن) أي مقيما بينهم كما أقام موسى حتى تقرأ على أهل مكة ~~خبرهم وتقص عليهم من جهة نفسك يقال ثوى يثوي ثواء وثويا فهو ثاو. قال ذو ~~الرمة: # لقد كان في حول ثواء ثويته * نقضي لبانات ويسأم سائم وقال العجاج: * فبات ~~حيث يدخل الثوى * يعني الضيف المقيم، وقال آخر: * طال الثواء على رسول ~~المنزل * (تتلوا عليهم آياتنا) اي تقرأ على أهل مدين آياتنا وتتعلم منهم، ~~وقيل تذكرهم بالوعد والوعيد، والجملة في محل نصب على الحال أو خبر ثان، ~~ويجوز أن تكون هذه الجملة هي الخبر وثاويا حال. وجعلها الفراء مستأنفة كأنه ~~قيل وها أنت تتلو على أمتك (ولكنا كنا مرسلين) أي أرسلناك إلى أهل مكة ~~وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك لما علمتها. قال الزجاج: المعنى أنك لم ~~تشاهد قصص الأنبياء ms2944 ولا تليت عليك، ولكنا أوحيناها إليك وقصصناها عليك (وما ~~كنت بجانب الطور إذ نادينا) أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل المسمى بالطور ~~إذ نادينا موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين. وقيل المنادي هو أمة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم. قال وهب: وذلك أن موسى لما ذكر الله له فضل محمد ~~وأمته قال: يا رب أرنيهم، فقال الله: إنك لن تدركهم وإن شئت ناديتهم ~~فأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، فقال الله: يا أمة محمد، فأجابوا من أصلاب ~~آبائهم. فيكون معنى الآية على هذا: ما كنت يا محمد بجانب الطور إذ كلمنا ~~موسى فنادينا أمتك، وسيأتي ما يدل على هذا ويقويه ويرجحه في آخر البحث إن ~~شاء الله (ولكن رحمة من ربك) أي ولكن فعلنا ذلك رحمة منا بكم، وقيل ولكن ~~أرسلنا بالقرآن رحمة لكم، وقيل علمناك، وقيل عرفناك. قال الأخفش: هو منصوب: ~~يعني رحمة على المصدر: أي ولكن رحمناك رحمة. وقال الزجاج: هو مفعول من ~~أجله: أي فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة. قال النحاس: أي لم تشهد قصص الأنبياء ~~ولا تليت عليك ولكن بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. وقال الكسائي: هو خبر ~~لكان مقدرة: أي ولكن كان ذلك رحمة، وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة رحمة بالرفع ~~على تقدير: ولكن أنت رحمة. وقال الكسائي: الرفع على أنها اسم كان المقدرة، ~~وهو بعيد إلا على تقدير أنها تامة، واللام في (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك) متعلق بالفعل المقدر على الاختلاف في تقديره، والقوم هم أهل مكة، ~~فإنه لم يأتهم نذير ينذرهم قبله صلى الله عليه وآله وسلم. وجملة " ما أتاهم ~~" الخ صفة لقوما (لعلهم يتذكرون) PageV04P176 # أي يتعظون بإنذارك (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم) لولا هذه هي ~~الامتناعية وأن وما في حيزها في موضع رفع بالابتداء وجوابها محذوف. قال ~~الزجاج: وتقديره ما أرسلنا إليهم رسلا: يعني أن الحامل على إرسال الرسل هو ~~إزاحة عللهم، فهو كقوله سبحانه - لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ms2945 - ~~وقدره ابن عطيه لعاجلناهم بالعقوبة، ووافقه على هذا التقدير الواحدي فقال: ~~والمعنى لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم، ~~وقوله (فيقولوا) عطف على تصيبهم ومن جملة ما هو في حيز لولا: أي فيقولوا ~~(ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) ولولا هذه الثانية هي التحضيضية: أي هلا ~~أرسلت إلينا رسولا من عندك، وجوابها هو (فنتبع آياتك) وهو منصوب بإضمار أن ~~لكونه جوابا للتحضيض والمراد بالآيات الآيات التنزيلية الظاهرة الواضحة، ~~وإنما عطف القول على تصيبهم لكونه هو السبب للإرسال ولكن العقوبة لما كانت ~~هي السبب للقول، وكان وجوده بوجودها جعلت العقوبة كأنها هي السبب لإرسال ~~الرسل بواسطة القول (ونكون من المؤمنين) بهذه الآيات، ومعنى الآية: أنا لو ~~عذبناهم لقالوا طال العهد بالرسل ولم يرسل الله إلينا رسولا، ويظنون أن ذلك ~~عذر لهم ولا عذر لهم بعد أن بلغتهم أخبار الرسل، ولكنا أكملنا الحجة وأزحنا ~~العلة وأتممنا البيان بإرسالك يا محمد إليهم (فلما جاءهم الحق من عندنا ~~قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى) أي فلما جاء أهل مكة الحق من عند الله ~~وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزل عليه من القرآن قالوا تعنتا ~~منهم وجدالا بالباطل: هلا أوتي هذا الرسول مثل ما أوتي موسى من الآيات التي ~~من جملتها التوراة المنزلة عليه جملة واحدة، فأجاب الله عليهم بقوله (أو لم ~~يكفروا بما أوتي موسى من قبل) أي من قبل هذا القول، أو من قبل ظهور محمد، ~~والمعنى: أنهم قد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، وجملة (قالوا ~~ساحران تظاهرا) مستأنفة مسوقة لتقرير كفرهم وعنادهم، والمراد بقولهم " ~~ساحران " موسى ومحمد، والتظاهر التعاون: أي تعاونا على السحر، والضمير في ~~قوله " أو لم يكفروا " لكفار قريش، وقيل هو لليهود. والأول أولى، فإن ~~اليهود لا يصفون موسى بالسحر إنما يصفه بذلك كفار قريش وأمثالهم إلا أن ~~يراد من أنكر نبوة موسى كفرعون وقومه، فإنهم وصفوا موسى وهارون بالسحر، ~~ولكنهم ليسوا من اليهود. ويمكن أن يكون الضمير لمن كفر بموسى ومن كفر ms2946 ~~بمحمد، فإن الذين كفروا بموسى وصفوه بالسحر، والذين كفروا بمحمد وصفوه أيضا ~~بالسحر. وقيل المعنى: أو لم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبله ~~بالبشارة بعيسى ومحمد. قرأ الجمهور " ساحران " وقرأ الكوفيون " سحران " ~~يعنون التوراة والقرآن، وقيل الإنجيل والقرآن. قال بالأول الفراء. وقال ~~بالثاني أبو زيد. وقيل إن الضمير في " أو لم يكفروا " لليهود، وأنهم عنوا ~~بقولهم " ساحران " عيسى ومحمدا (وقالوا إنا بكل كافرون) أي بكل من موسى ~~ومحمد، أو من موسى وهارون، أو من موسى وعيسى على اختلاف الأقوال، وهذا على ~~قراءة الجمهور، وأما على القراءة الثانية فالمراد التوراة والقرآن أو ~~الإنجيل والقرآن. وفي هذه الجملة تقرير لما تقدمها من وصف النبيين بالسحر، ~~أو من وصف الكتابين به وتأكيد لذلك. ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يقول لهم ~~قولا يظهر به عجزهم فقال (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه) ~~أي قل لهم يا محمد فأتوا بكتاب هو أهدى من التوراة والقرآن، وأتبعه جواب ~~الأمر، وقد جزمه جمهور القراء لذلك. وقرأ زيد بن علي برفع أتبعه على ~~الاستئناف: أي فأنا أتبعه. # قال الفراء: إنه على هذه القراءة صفة للكتاب، وفي هذا الكلام تهكم به. ~~وفيه أيضا دليل على أن قراءة الكوفيين أقوى من قراءة الجمهور لأنه رجع ~~الكلام إلى الكتابين لا إلى الرسولين، ومعنى (إن كنتم صادقين) إن كنتم فيما ~~وصفتم به الرسولين أو الكتابين صادقين (فإن لم يستجيبوا لك) أي لم يفعلوا ~~ما كلفتم به من الإتيان بكتاب هو PageV04P177 # أهدى من الكتابين، وجواب الشرط (فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) أي آراءهم ~~الزائغة واستحساناتهم الزائفة بلا حجة ولا برهان، وقيل المعنى: فإن لم ~~يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به، وتعدية يستجيبوا باللام هو أحد الجائزين ~~(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) أي لا أحد أضل منه، بل هو الفرد ~~الكامل في الضلال (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) لأنفسهم بالكفر وتكذيب ~~الأنبياء والإعراض عن آيات الله (ولقد وصلنا لهم القول) قرأ ms2947 الجمهور " ~~وصلنا " بتشديد الصاد، وقرأ الحسن بتخفيفها، ومعنى الآية: أتبعنا بعضه بعضا ~~وبعثنا رسولا بعد رسول. وقال أبو عبيدة والأخفش: معناه أتممنا. وقال ابن ~~عيينة والسدي: بينا. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى ~~كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، والأولى أولى. وهو مأخوذ من وصل الحبال ~~بعضها ببعض، ومنه قول الشاعر: # فقل لبني مروان ما بال ذمتي * بحبل ضعيف لا تزال توصل وقال امرؤ القيس: * ~~يقلب كفيه بخيط موصل * والضمير في " لهم " عائد إلى قريش، وقيل إلى اليهود، ~~وقيل للجميع (لعلهم يتذكرون) فيكون التذكر سببا لإيمانهم مخافة أن ينزل بهم ~~ما نزل بمن قبلهم (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) أي من قبل القرآن، ~~والموصول مبتدأ وخبره (هم به يؤمنون) أخبر سبحانه أن طائفة من بني إسرائيل ~~آمنوا بالقرآن كعبد الله بن سلام وسائر من أسلم من أهل الكتاب، وقيل الضمير ~~في " من قبله " يرجع إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأول أولى. ~~والضمير في " به " راجع إلى القرآن على القول الأول، وإلى محمد على القول ~~الثاني (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به) أي وإذا يتلى القرآن عليهم قالوا ~~صدقنا به (إنه الحق من ربنا) أي الحق الذي نعرفه المنزل من ربنا (إنا كنا ~~من قبله مسلمين) أي مخلصين لله بالتوحيد، أو مؤمنين بمحمد وبما جاء به لما ~~نعلمه من ذكره في التوراة والإنجيل من التبشير به، وأنه سيبعث آخر الزمان ~~وينزل عليه القرآن، والإشارة بقوله (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) إلى ~~الموصوفين بتلك الصفات، والباء في (بما صبروا) للسببية: أي بسبب صبرهم ~~وثباتهم على الإيمان بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وبالنبي الأول والنبي ~~الآخر (ويدرءون بالحسنة السيئة) الدرء الدفع: أي يدفعون بالاحتمال والكلام ~~الحسن ما يلاقونه من الأذى. وقيل يدفعون بالطاعة المعصية، وقيل بالتوبة ~~والاستغفار من الذنوب، وقيل بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك (ومما رزقناهم ~~ينفقون) أي ينفقون أموالهم في الطاعات وفيما أمر به الشرع. ثم مدحهم سبحانه ~~بإعراضهم عن اللغو فقال (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا ms2948 عنه) تكرما وتنزها وتأدبا ~~بآداب الشرع، ومثله قوله سبحانه - وإذا مرو باللغو مروا كراما -، واللغو ~~هنا هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم ولدينهم والاستهزاء بهم ~~(وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) لا يلحقنا من ضرر كفركم شئ، ولا يلحقكم ~~من نفع إيماننا شئ (سلام عليكم) ليس المراد بهذا السلام سلام التحية، ولكن ~~المراد به سلام المتاركة، ومعناه أمنة لكم منا وسلامة لا نجاريكم لو ولا ~~نجاوبكم يكون فيما أنتم فيه. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال (لا نبتغي ~~الجاهلين) أي لا نطلب صحبتهم. وقال مقاتل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل ~~والسفه. وقال الكلبي: # لا نحب دينكم الذي أنتم عليه (إنك لا تهتدي من أحببت) من الناس وليس ذلك ~~إليك (ولكن الله يهدي من يشاء) هدايته (وهو أعلم بالمهتدين) أي القابلين ~~للهداية المستعدين لها، وهذه الآية نزلت في أبي طالب كما ثبت في الصحيحين ~~وغيرهما، وقد تقدم ذلك في براءة. قال الزجاج: أجمع المفسرون على أنها نزلت ~~في أبي طالب، وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ~~فيدخل في ذلك أبو طالب دخولا أوليا (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا) أي قال مشركو قريش ومن تابعهم: إن ندخل في دينك يا محمد نتخطف ~~PageV04P178 # من أرضنا: أي يتخطفنا العرب من أرضنا: يعنون مكة ولا طاقة لنا بهم، وهذا ~~من جملة أعذارهم الباطلة وتعلللاتهم العاطلة، والتخطف في الأصل هو الانتزاع ~~بسرعة. قرأ الجمهور " نتخطف " بالجزم جوابا للشرط، وقرأ المنقري بالرفع على ~~الاستئناف. ثم رد الله ذلك عليهم ردا مصدرا باستفهام التوبيخ والتقريع فقال ~~(أو لم نمكن لهم حرما آمنا) أي ألم نجعل لهم حرما ذا أمن. قال أبو البقاء: ~~عداه بنفسه لأنه بمعنى جعل كما صرح بذلك في قوله - أو لم يروا أنا جعلنا ~~حرما -، ثم وصف هذا الحرم بقوله (يجبي إليه ثمرات كل شئ) أي تجمع إليه ~~الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة وتحمل إليه. قرأ الجمهور " ~~يجبي " بالتحتية اعتبارا بتذكير كل ms2949 شئ ووجود الحائل بين الفعل وبين ثمرات، ~~وأيضا ليس تأنيث ثمرات بحقيقي، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد لما ذكرنا، ~~وقرأ نافع بالفوقية اعتبارا بثمرات. وقرأ الجمهور أيضا " ثمرات " بفتحتين، ~~وقرأ " أبان " بضمتين، جمع ثمر بضمتين، وقرئ بفتح الثاء وسكون الميم (رزقا ~~من لدنا) منتصب على المصدرية لأن معنى يجبي: # نرزقهم، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول له لفعل محذوف: أي نسوقه إليهم ~~رزقا من لدنا، ويجوز أن ينتصب على الحال أي رازقين (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ~~لفرط جهلهم ومزيد غفلتهم وعدم تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم لكونهم من طبع ~~الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة. # وقد أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن ~~مردويه وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن أبي هريرة في قوله (وما كنت ~~بجانب الطور إذ نادينا) قال: نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، ~~واستجبت لكم قبل أن تدعوني. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة ~~مرفوعا. وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عنه من وجه آخر بنحوه. ~~وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وأبو نصر السجزي في الإبانة ~~والديلمي عن عمرو بن عبسة قال: " سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~قوله (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا) ما كان النداء وما كانت الرحمة؟ قال: ~~كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام، ثم وضعه على عرشه، ثم نادى: يا أمة ~~محمد سبقت رحمتي غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن ~~تستغفروني، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي ~~صادقا أدخلته الجنة ". وأخرج الختلي في الديباج عن سهل بن سعد الساعدي ~~مرفوعا مثله. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن حذيفة في قوله (وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا) مرفوعا، قال نودوا: يا أمة محمد ما دعوتمونا إذ استجبنا ~~لكم، ولا سألتمونا إذ أعطيناكم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا " إن ~~الله نادى: يا ms2950 أمة محمد أجيبوا ربكم، قال: فأجابوا وهم في أصلاب آبائهم ~~وأرحام أمهاتهم إلى يوم القيامة فقالوا: لبيك أنت ربنا حقا، ونحن عبيدك ~~حقا، قال: صدقتم أنا ربكم وأنتم عبيدي حقا، قد عفوت عنكم قبل أن تدعوني، ~~وأعطيتكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله دخل ~~الجنة. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: الهالك في الفترة يقول: رب لم يأتني كتاب ولا رسول، ثم قرأ ~~هذه الآية (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا). وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله (قالوا ساحران تظاهرا) الخ: قال: # هم أهل الكتاب (إنا بكل كافرون) يعني بالكتابين: التوراة والفرقان. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي ~~والبارودي وابن قانع الثلاثة في معاجم الصحابة. والطبراني وابن مردويه بسند ~~جيد عن رفاعة القرظي قال: نزلت (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) إلى ~~قوله (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) في عشرة رهط أنا أحدهم. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عباس (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به PageV04P179 # يؤمنون) قال: يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى ~~اله عليه واله وسلم " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن ~~بالكتاب الأول والآخر، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها ~~وتزوجها. وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده ". وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما من حديث المسيب ومسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن قوله " إنك لا ~~تهدي من أحببت " نزلت في أبي طالب لما امتنع من الإسلام. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن ناسا من قريش قالوا للنبي صلى ~~اله عليه وآله وسلم: إن نتبعك يتخطفنا الناس، فنزلت (وقالوا إن نتبع الهدى ~~معك) الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ms2951 وابن أبي حاتم عنه (يجبي إليه ~~ثمرات كل شئ) قال: ثمرات الأرض. # قوله (وكم أهلكنا من قرية) أي من أهل قرية كانوا في خفض عيش ودعة ورخاء، ~~فوقع منهم البطر فأهلكوا. قال الزجاج: البطر الطغيان عند النعمة. قال عطاء: ~~عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. # قال الزجاج والمازني: معنى (بطرت معيشتها) بطرت في معيشتها، فلما حذفت في ~~" تعدي " الفعل كقوله - واختار PageV04P180 # موسى قومه - وقال الفراء: هو منصوب على التفسير كما تقول: أبطرك مالك ~~وبطرته، ونظيره عنده قوله تعالى - إلا من سفه نفسه - ونصب المعارف على ~~التمييز غير جائز عند البصريين، لأن معنى التفسير أن تكون النكرة دالة على ~~الجنس. وقيل إن معيشتها منصوبة ببطرت على تضمينه معنى جهلت (فتلك مساكنهم ~~لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) أي لم يسكنها أحد بعدهم إلا زمنا قليلا، كالذي ~~يمر بها مسافرا فإنه يلبث فيها يوما أو بعض يوم، أو لم يبق من يسكنها فيها ~~إلا أياما قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم. وقيل إن الاستثناء يرجع إلى ~~المساكن: أي لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلا من المساكن وأكثرها خراب، ~~كذا قال الفراء وهو قول ضعيف (وكنا نحن الوارثين) منهم لأنهم لم يتركوا ~~وارثا يرث منازلهم وأموالهم، ومحل جملة " لم تسكن " الرفع على أنها خبر ثان ~~لاسم الإشارة، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال (وما كان ربك مهلك القرى ~~حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا) أي وما صح ولا استقام أن يكون ~~الله مهلك القرى الكافرة: أي الكافر أهلها حتى يبعث في أمها رسولا ينذرهم ~~ويتلوا عليهم آيات الله الناطقة بما أوجبه الله عليهم وما أعده من الثواب ~~للمطيع والعقاب للعاصي، ومعنى أمها: أكبرها وأعظمها، وخص الأعظم منها ~~بالبعثة إليها، لأن فيها أشراف القوم، وأهل الفهم والرأي، وفيها الملوك ~~والأكابر، فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى. وقال الحسن: أم ~~القرى أولها. وقيل المراد بأم القرى هنا مكة كما في قوله - أن أول بيت وضع ms2952 ~~للناس - الآية، وقد تقدم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة يوسف، وجملة ~~" يتلوا عليهم آياتنا " في محل نصب على الحال: أي تاليا عليهم ومخبرا لهم ~~أن العذاب سينزل بهم إن لم يؤمنوا (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) ~~هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال: ~~أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولا يدعوهم إلى الحق ~~إلا حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار ~~إليهم، وتأكيد الحجة عليهم كما في قوله سبحانه - وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلم وأهلها مصلحون -، ثم قال سبحانه (وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها) الخطاب لكفار مكة: أي وما أعطيتم من شئ من الأشياء فهو ~~متاع الحياة الدنيا تتمتعون به مدة حياتكم أو بعض حياتكم ثم تزولون عنه أو ~~يزول عنكم، وعلى كل حال فذلك إلى فناء وانقضاء (وما عند الله) من ثوابه ~~وجزائه (خير) من ذلك الزائل الفاني لأنه لذة خالصة عن شوب الكدر (وأبقى) ~~لأنه يدوم أبدا، وهذا ينقضي بسرعة (أفلا تعقلون) أن الباقي أفضل من الفاني، ~~وما فيه لذة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر المنغصة بعوارض ~~البدن والقلب، وقرئ بنصب " متاع " على المصدرية: أي فتمتعون متاع الحياة، ~~قرأ أبو عمرو " يعقلون " بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب ~~وقراءتهم أرجح لقوله (وما أوتيتم) (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه) أي ~~وعدناه بالجنة وما فيها من النعم التي لا تحصى فهو لاقيه: أي مدركه لا ~~محالة فإن الله لا يخلف الميعاد (كمن متعناه متاع الحياة الدنيا) فأعطى ~~منها بعض ما أراد مع سرعة زواله وتنغيصه (ثم هو يوم القيامة من المحضرين) ~~هذا معطوف على قوله " متعناه " داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ~~ومقرر له، والمعنى: ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار، ~~وتخصيص المحضرين بالذين أحضروا للعذاب اقتضاه المقام، والاستفهام للإنكار: ~~أي ليس حالهما سواء، فإن الموعود بالجنة ms2953 لا بد أن يظفر بما وعد به مع أنه ~~لا يفوته نصيبه من الدنيا، وهذا حال المؤمن. وأما حال الكافر فإنه لم يكن ~~معه إلا مجرد التمتيع بشئ من الدنيا يستوي فيه هو والمؤمن، وينال كل واحد ~~منهما حظه منه، وهو صائر إلى النار، فهل يستويان؟ قرأ الجمهور " ثم هو " ~~بضم الهاء. وقرأ الكسائي وقالون بسكون الهاء إجراء لثم مجرى الواو والفاء، ~~وانتصاب يوم PageV04P181 # في قوله (ويوم يناديهم) بالعطف على يوم القيامة أو بإضمار أذكر: أي يوم ~~ينادي الله سبحانه هؤلاء المشركين (فيقول) لهم (أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون) أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم، ومفعولا يزعمون محذوفان: أي تزعمونهم ~~شركائي لدلالة الكلام عليهما (قال الذين حق عليهم القول) أي حقت عليهم كلمة ~~العذاب وهم رؤساء الضلال الذين اتخذوهم أربابا من دون الله، كذا قال ~~الكلبي. وقال قتادة: هم الشياطين (ربنا هؤلاء الذين أغوينا) أي دعوناهم إلى ~~الغواية يعنون الأتباع (أغويناهم كما غوينا) أي أضللناهم كما ضللنا (تبرأنا ~~إليك) منهم، والمعنى: أن رؤساء الضلال أو الشياطين تبرءوا ممن أطاعهم. قال ~~الزجاج: بريء بعضهم من بعض، وصاروا أعداء كما قال الله تعالى - الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو - وهؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته، والعائد محذوف: ~~أي أغويناهم، والخبر أغويناهم، وكما أغوينا نعت مصدر محذوف وقيل إن خبر ~~هؤلاء هو الذين أغوينا، وأما أغويناهم كما غوينا فكلام مستأنف لتقرير ما ~~قبله، ورجح هذا أبو علي الفارسي، واعترض الوجه الأول، ورد اعتراضه أبو ~~البقاء (ما كانوا إيانا يعبدون) وإنما كانوا يعبدون أهواءهم، وقيل إن " ما ~~" في ما كانوا مصدرية: أي تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا والأول أولى (وقيل ~~ادعوا شركاءكم) أي قيل للكفار من بني آدم هذا القول، والمعنى: استغيثوا ~~بآلهتكم التي كنتم تعبدونهم من دون الله في الدنيا لينصروكم ويدفعوا عنكم ~~(فدعوهم) عند ذلك (فلم يستجيبوا لهم) ولا نفعوهم بوجه من وجوه النفع (ورأوا ~~العذاب) أي التابع والمتبوع قد غشيهم (لو أنهم كانوا يهتدون) قال الزجاج: ~~جواب لو محذوف، والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم ms2954 ذلك ولم يروا ~~العذاب. وقيل المعنى: لو أنهم كانوا يهتدون ما دعوهم، وقيل المعنى: لو أنهم ~~كانوا يهتدون في الدنيا لعلموا أن العذاب حق. وقيل المعنى: لو كانوا يهتدون ~~لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. وقيل قد آن لهم أن يهتدوا لو كانوا ~~يهتدون، وقيل غير ذلك. والأول أولى، ويوم في قوله (ويوم يناديهم فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين) معطوف على ما قبله: أي ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من ~~النبيين لما بلغوكم رسالاتي (فعميت عليهم الأنباء يومئذ) أي خفيت عليهم ~~الحجج حتى صاروا كالعمى الذين لا يهتدون، والأصل فعموا عن الأنباء، ولكنه ~~عكس الكلام للمبالغة، والأنباء الأخبار، وإنما سمى حججهم أخبارا لأنها لم ~~تكن من الحجة في شئ، وإنما هي أقاصيص وحكايات (فهم لا يتساءلون) لا يسأل ~~بعضهم بعضا، ولا ينطقون بحجة ولا يدرون بما يجيبون، لأن الله قد أعذر إليهم ~~في الدنيا فلا يكون لهم عذر ولا حجة يوم القيامة. قرأ الجمهور " عميت " ~~بفتح العين وتخفيف الميم. وقرأ الأعمش وجناح بن حبيش بضم العين وتشديد ~~الميم (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين) أن تاب من ~~الشرك وصدق بما جاء به الرسل وأدى الفرائض واجتنب المعاصي فعسى أن يكون من ~~المفلحين: أي الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين، وعسى وإن كانت في الأصل ~~للرجاء فهو من الله واجب على ما هو عادة الكرام. وقيل إن الترجي هو من ~~التائب المذكور لا من جهة الله سبحانه (وربك يخلق ما يشاء) أي يخلقه ~~(ويختار) ما يشاء أن يختاره - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - وهذا متصل ~~بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم: أي الاختيار إلى الله (ما كان لهم ~~الخيرة) أي التخير، وقيل المراد من الآية أنه ليس لأحد من خلق الله أن ~~يختار، بل الاختيار هو إلى الله عز وجل. وقيل إن هذه الآية جواب عن قولهم - ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - وقيل هذه الآية جواب عن ~~اليهود حيث قالوا لو كان ms2955 الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به. # قال الزجاج: الوقف على " ويختار " تام على أن ما نافية. قال: ويجوز أن ~~تكون " ما " في موضع نصب PageV04P182 # بيختار، والمعنى: ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. والصحيح الأول ~~لإجماعهم على الوقف. وقال ابن جرير: # إن تقدير الآية ويختار لولايته الخيرة من خلقه، وهذا في غاية من الضعف. ~~وجوز ابن عطية أن تكون كان تامة، ويكون لهم الخيرة جملة مستأنفة. وهذا أيضا ~~بعيد جدا. وقيل إن " ما " مصدرية: أي يختار اختيارهم والمصدر واقع موقع ~~المفعول به: أي ويختار مختارهم، وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير. والراجح أول ~~هذه التفاسير، ومثله قوله سبحانه - وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة - والخيرة التخير، كالطيرة فإنها التطير، ~~إسمان يستعملان استعمال المصدر، ثم نزه سبحانه نفسه فقال (سبحان الله) أي ~~تنزه تنزها خاصا به من غير أن ينازعه منازع ويشاركه مشارك (وتعالى عما ~~يشركون) أي عن الذين يجعلونهم شركاء له، أو عن إشراكهم (وربك يعلم ما تكن ~~صدورهم) أي تخفيه من الشرك، أو من عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، أو من جميع ما يخفونه مما يخالف الحق (وما يعلنون) أي يظهرونه من ~~ذلك. قرأ الجمهور " تكن " بضم التاء الفوقية وكسر الكاف. وقرأ ابن محيصن ~~وحميد بفتح الفوقية وضم الكاف. ثم تمدح سبحانه وتعالى بالوحدانية والتفرد ~~باستحقاق الحمد فقال (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى) أي ~~الدنيا (والآخرة) أي الدار الآخرة (وله الحكم) يقضي بين عباده بما شاء من ~~غير مشارك (وإليه ترجعون) بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته، لا ~~ترجعون إلى غيره. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وما كنا مهلكي ~~القرى إلا وأهلها ظالمون) قال: قال الله لم نهلك قرية بإيمان، ولكنه أهلك ~~القرى بظلم إذا ظلم أهلها، ولو كانت مكة آمنت لم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم ~~كذبوا وظلموا فبذلك هلكوا. وأخرج مسلم والبيهقي في الأسماء والصفات ms2956 عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يقول الله عز وجل: يا بن ~~آدم مرضت فلم تعدني " الحديث بطوله. # وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن عمير قال " ~~يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا وأعطش ما كانوا وأعرى ما كانوا، فمن ~~أطعم لله عز وجل أطعمه الله، ومن كسا لله عز وجل كساه الله، ومن سقى لله عز ~~وجل سقاه الله، ومن كان في رضا الله كان الله على رضاه ". وأخرج الفريابي ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد (فعميت عليهم الأنباء) ~~قال: الحجج (فهم لا يتساءلون) قال: بالأنساب. وقد ثبت عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الصحيح تعليم الاستخارة وكيفية صلاتها ودعائها فلا نطول ~~بذكره. PageV04P183 # قوله (قل أرأيتم) أي أخبروني (إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) السرمد ~~الدائم المستمر، من السرد، وهو المتابعة فالميم زائدة، ومنه قول طرفة: # لعمرك ما أمري عليك بغمة * نهاري ولا ليلى عليك بسرمد PageV04P184 # وقيل إن ميمه أصلية ووزنه فعلل لا فعمل، وهو الظاهر، بين لهم سبحانه أنه ~~مهد لهم أسباب المعيشة ليقوموا بشكر النعمة، فإنه لو كان الدهر الذي يعيشون ~~فيه ليلا دائما إلى يوم القيامة لم يتمكنوا من الحركة فيه وطلب ما لا بد ~~لهم منه مما يقوم به العيش من المطاعم والمشارب والملابس، ثم أمتن عليهم ~~فقال (من إله غير الله يأتيكم بضياء) أي هل لكم إله من الآلهة التي ~~تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة الدائمة عنكم بضياء: أي بنور تطلبون ~~فيه المعيشة وتبصرون فيه ما تحتاجون إليه وتصلح به ثماركم وتنمو عنده ~~زرائعكم وتعيش فيه دوابكم (أفلا تسمعون) هذا الكلام سماع فهم وقبول وتدبر ~~وتفكر. ثم لما فرغ من الامتنان عليهم بوجود النهار أمتن عليهم بوجود الليل ~~فقال (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة) أي جعل ~~جميع الدهر الذي تعيشون فيه نهارا إلى يوم القيامة (من إله غير ms2957 الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه) أي تستقرون فيه من النصب والتعب وتستريحون مما تزاولون من ~~طلب المعاش والكسب (أفلا تبصرون) هذه المنفعة العظيمة إبصار متعظ متيقظ حتى ~~تنزجروا عما أنتم فيه من عبادة غير الله، وإذا أقروا بأنه لا يقدر على ذلك ~~إلا الله عز وجل فقد لزمتهم الحجة وبطل ما يتمسكون به من الشبه الساقطة، ~~وإنما قرن سبحانه بالضياء قوله (أفلا تسمعون) لأن السمع يدرك مالا يدركه ~~البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل قوله (أفلا تبصرون) لأن ~~البصر يدرك مالا يدركه السمع من ذلك (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه) أي في الليل (ولتبتغوا من فضله) أي في النهار بالسعي في ~~المكاسب (ولعلكم تشكرون) أي ولكي تشكروا نعمة الله عليكم، وهذه الآية من ~~باب اللف والنشر كما في قول امرئ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي واعلم أنه ~~وإن كان السكون في النهار ممكنا وطلب الرزق في الليل ممكنا وذلك عند طلوع ~~القمر على الأرض، أو عند الاستضاءة بشئ بما له نور كالسراج. لكن ذلك قليل ~~نادر مخالف لما يألفه العباد فلا اعتبار به (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ~~الذين كنتم تزعمون) كرر سبحانه هذا لاختلاف الحالتين لأنهم ينادون مرة ~~فيدعون الأصنام، وينادون أخرى فيسكتون، وفي هذا التكرير أيضا تقريع بعد ~~تقريع وتوبيخ بعد توبيخ، وقوله (ونزعنا من كل أمة شهيدا) عطف على ينادى، ~~وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقق، والمعنى: وأخرجنا من كل أمة من ~~الأمم شهيدا يشهد عليهم. قال مجاهد: هم الأنبياء، وقيل عدول كل أمة، والأول ~~أولى. ومثله قوله سبحانه - فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا - ثم بين سبحانه ما يقوله لكل أمة من هذه الأمم بقوله (فقلنا ~~هاتوا برهانكم) أي حجتكم ودليلكم بأن معي شركاء، فعند ذلك اعترفوا وخرسوا ~~عن إقامة البرهان، ولذا قال (فعلموا أن الحق لله) في الإلهية وأنه وحده لا ~~شريك له (وضل عنهم ما كانوا يفترون) ms2958 أي غاب عنهم وبطل وذهب ما كانوا ~~يختلقونه من الكذب في الدنيا بأن لله شركاء يستحقون العبادة. ثم عقب سبحانه ~~حديث أهل الضلال بقصة قارون لما اشتملت عليه من بديع القدرة وعجيب الصنع ~~فقال (إن قارون كان من قوم موسى) قارون على وزن فاعول اسم أعجمي ممتنع ~~للعجمة والعلمية، وليس بعربي مشتق من قرنت. قال الزجاج: لو كان قارون من ~~قرنت الشئ لانصرف. قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى، وهو قارون ~~بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى هو ابن عمران بن قاهث. وقال ابن ~~إسحاق: كان عم موسى لأب وأم فجعله أخا لعمران، وهما ابنا قاهث. وقيل هو ابن ~~خالة موسى ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، فنافق كما نافق ~~السامري وخرج عن طاعة موسى، وهو معنى قوله (فبغى عليهم) أي جاوز الحد في ~~التجبر والتكبر عليهم وخرج عن طاعة موسى وكفر بالله. قال الضحاك: بغيه على ~~بني إسرائيل استخفافه بهم PageV04P185 # لكثرة ماله وولده. وقال قتادة: بغيه بنسبته ما آتاه الله من المال إلى ~~نفسه لعلمه وحيلته. وقيل كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم ~~وظلمهم، وقيل كان بغيه بغير ذلك مما لا يناسب معنى الآية (وآتيناه من ~~الكنوز) جمع كنز وهو المال المدخر، قال عطاء: أصاب كنزا من كنوز يوسف، وقيل ~~كان يعمل الكيمياء، و " ما " في قوله (ما إن مفاتحة) موصولة صلتها إن وما ~~في حيزها، ولهذا كسرت. ونقل الأخفش الصغير عن الكوفيين منع جعل المكسورة ~~وما في حيزها صلة الذي، واستقبح ذلك منهم لوروده في الكتاب العزيز في هذا ~~الموضع، والمفاتح جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به، وقيل المراد بالمفاتح: ~~الخزائن، فيكون واحدها مفتح بفتح الميم. # قال الواحدي: إن المفاتح الخزائن في قول أكثر المفسرين كقوله - وعنده ~~مفاتح الغيب - قال: وهو اختيار الزجاج فإنه قال: الأشبه في التفسير أن ~~مفاتحه خزائن ماله. وقال آخرون: هي جمع مفتاح، وهو ما يفتح به الباب، وهذا ~~قول قتادة ومجاهد (لتنوء بالعصبة ms2959 أولى القوة) هذه الجملة خبر إن وهي واسمها ~~وخبرها صلة ما الموصولة، يقال ناء بحمله: إذا نهض به مثقلا، ويقال ناء بي ~~الحمل: إذا أثقلني، والمعنى: يثقلهم حمل المفاتح. قال أبو عبيدة: هذا من ~~المقلوب، والمعنى: لتنوء بها العصبة: أي تنهض بها. قال أبو زيد: نؤت ~~بالحمل: إذا نهضت به. قال الشاعر: # إنا وجدنا خلفا بئس الخلف * عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف وقال الفراء: ~~معنى تنوء بالعصبة: تميلهم بثقلها كما يقال: يذهب بالبؤس ويذهب البؤس وذهبت ~~به وأذهبته وجئت به وأجأته ونؤت به وأنأته، واختار هذا النحاس، وبه قال ~~كثير من السلف. وقيل هو مأخوذ من النأي، وهو البعد وهو بعيد. وقرأ بديل بن ~~ميسرة " لينوء " بالياء: أي لينوء الواحد منها أو المذكور، فحمل على المعنى ~~والمراد بالعصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض. قيل هي من الثلاثة إلى ~~العشرة، وقيل من العشرة إلى الخمسة عشر، وقيل ما بين العشرة إلى العشرين، ~~وقيل من الخمسة إلى العشرة، وقيل أربعون، وقيل سبعون، وقيل غير ذلك (إذ قال ~~له قومه لا تفرح) الظرف منصوب بتنوء، وقيل بآتيناه، وقيل ببغي. وردهما أبو ~~حبان بأن الإيتاء والبغي لم يكونا ذلك الوقت. وقال ابن جرير: هو متعلق ~~بمحذوف وهو أذكر، والمراد بقومه هنا: # هم المؤمنون من بني إسرائيل. وقال الفراء: هو موسى وهو جمع أريد به ~~الواحد، ومعنى لا تفرح: لا تبطر ولا تأشر (إن الله لا يحب الفرحين) البطرين ~~الأشرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. قال الزجاج: المعنى لا تفرح ~~بالمال، فإن الفرح بالمال لا يؤدى حقه، وقيل المعنى: لا تفسد كقول الشاعر: # إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة * وتحمل أخرى أفرحتك الودائع أي أفسدتك. قال ~~الزجاج: الفرحين والفارحين سواء. وقال الفراء: معنى الفرحين الذين هم في ~~حال الفرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل. وقال مجاهد: معنى لا تفرح ~~لا تبغ إن الله لا يحب الفرحين الباغين. وقيل معناه: لا تبخل إن الله لا ~~يحب الباخلين (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) ms2960 أي واطلب فيما أعطاك ~~الله من الأموال الدار الآخرة فأنفقه فيما يرضاه الله لا في التجبر والبغي. ~~وقرئ " واتبع " (ولا تنس نصيبك من الدنيا). قال جمهور المفسرين: وهو أن ~~يعمل في دنياه لآخرته، ونصيب الإنسان عمره وعمله الصالح. قال الزجاج: معناه ~~لا تنس أن تعمل لآخرتك، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الذي يعمل به ~~لآخرته. وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال ~~وطلبك إياه، وهذا ألصق بمعنى النظم القرآني (وأحسن كما أحسن الله إليك) أي ~~أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بما أنعم به عليك من نعم الدنيا، ~~وقيل أطع الله وأعبده كما أنعم PageV04P186 # عليك، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما " أن جبريل سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك " (ولا تبغ الفساد في الأرض) أي لا تعمل فيها بمعاصي الله ~~(إن الله لا يحب المفسدين) في الأرض (قال إنما أوتيته على علم عندي) قال ~~قارون: هذه المقالة ردا على من نصحه بما تقدم: أي إنما أعطيت ما أعطيت من ~~المال لأجل علمي، فقوله " على علم " في محل نصب على الحال، وعندي إما ظرف ~~لأوتيته، وإما صلة للعلم، وهذا العلم الذي جعله سببا لما ناله من الدنيا. ~~قيل هو علم التوراة، وقيل علمه بوجوه المكاسب والتجارات، وقيل معرفة الكنوز ~~والدفائن، وقيل علم الكيمياء، وقيل المعنى: إن الله آتاني هذه الكنوز على ~~علم منه باستحقاقي إياها لفضل علمه مني. واختار هذا الزجاج وأنكر ما عداه. ~~ثم رد الله عليه قوله هذا فقال (أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا) المراد بالقرون الأمم الخالية، ومعنى ~~أكثر جمعا: أكثر منه جمعا للمال، ولو كان المال أو القوة يدلان على فضيلة ~~لما أهلكهم الله. وقيل القوة الآلات، والجمع الأعوان. وهذا الكلام خارج ~~مخرج التقريع والتوبيخ لقارون، لأنه قد قرأ التوراة، وعلم ms2961 علم القرون ~~الأولى وإهلاك الله سبحانه لهم (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) أي لا يسألون ~~سؤال استعتاب كما في قوله - ولاهم يستعتبون - وما هم من المعتبين - وإنما ~~يسألون سؤال تقريع وتوبيخ كما في قوله - فوربك لنسألنهم أجمعين - وقال ~~مجاهد: لا تسأل الملائكة غدا عن المجرمين لأنهم يعرفون بسيماهم، فإنهم ~~يحشرون سود الوجوه زرق العيون. وقال قتادة: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم ~~لظهروها وكثرتها، بل يدخلون النار. وقيل لا يسأل مجرموا هذه الأمة عن ذنوب ~~الأمم الخالية (فخرج على قومه في زينته) الفاء للعطف على " قال " وما ~~بينهما اعتراض، و " في زينته " متعلق بخرج، أو بمحذوف هو حال من فاعل خرج. ~~وقد ذكر المفسرون في هذه الزينة التي خرج فيها روايات مختلفة، والمراد أنه ~~خرج في زينة انبهر لها من رآها، ولهذا تمنى الناظرون إليه أن يكون لهم ~~مثلها كما حكى الله عنهم بقوله (قال الذين يريدون الحياة الدنيا) وزينتها ~~(يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم) أي نصيب وافر من الدنيا. # واختلف في هؤلاء القائلين بهذه المقالة، فقيل هم من مؤمني ذلك الوقت، ~~وقيل هم قوم من الكفار (وقال الذين أوتوا العلم) وهم أحبار بني إسرائيل ~~قالوا للذين تمنوا (ويلكم ثواب الله خير) أي ثواب الله في الآخرة خير مما ~~تمنونه (لمن آمن وعمل صالحا) فلا تمنوا عرض الدنيا الزائل الذي لا يدوم ~~(ولا يلقاها) أي هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار، وقيل الضمير يعود إلى ~~الأعمال الصالحة، وقيل إلى الجنة (إلا الصابرون) على طاعة الله والمصبرون ~~أنفسهم عن الشهوات (فخسفنا به وبداره الأرض) يقال: خسف المكان يخسف خسوفا: ~~ذهب في الأرض، وخسف به الأرض خسفا: أي غاب به فيها، والمعنى: أن الله ~~سبحانه غيبه وغيب داره في الأرض (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله) ~~أي ما كان له جماعة يدفعون ذلك عنه (وما كان) هو في نفسه (من المنتصرين) من ~~الممتنعين مما نزل به من الخسف (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس) أي ms2962 منذ ~~زمان قريب (يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) أي يقول ~~كل واحد منهم متندما على ما فرط منه من التمني. قال النحاس: # أحسن ما قيل في هذا ما قاله الخليل وسيبويه ويونس والكسائي أن القوم ~~تنبهوا فقالوا: وي. والمتندم من العرب يقول في خلال ندمه وي. قال الجوهري: ~~وي كلمة تعجب، ويقال ويك، وقد تدخل وي على كأن المخففة والمشددة ويكأن ~~الله. قال الخليل: هي مفصولة تقول وي، ثم تبتدئ فيقول كأن. وقال الفراء: هي ~~كلمة PageV04P187 # تقرير كقولك: أما ترى صنع الله وإحسانه، وقيل هي كلمة تنبيه بمنزلة ألا. ~~وقال قطرب: إنما وهو يلك فأسقطت لامه، ومنه قول عنترة: # ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها * قول الفوارس ويك عنتر أقدم وقال ابن ~~الأعرابي: معنى ويكأن الله: أعلم أن الله. وقال القتيبي: معناها بلغة حمير ~~رحمة، وقيل هي بمعنى ألم تر. وروي عن الكسائي أنه قال: هي كلمة تفجع (لولا ~~أن من الله علينا) برحمته وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي ~~ولم يؤاخذنا بما وقع منا من ذلك التمني (لخسف بنا) كما خسف به. قرأ حفص " ~~لخسف " مبنيا للفاعل، وقرأ الباقون مبنيا للمفعول (ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون) أي لا يفوزون بمطلب من مطالبهم (تلك الدار الآخرة) أي الجنة، ~~والإشارة إليها لقصد التعظيم لها والتفخيم لشأنها كأنه قال: تلك التي سمعت ~~بخبرها وبلغك شأنها (نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض) أي رفعة وتكبرا ~~على المؤمنين (ولا فسادا) أي عملا بمعاصي الله سبحانه فيها، وذكر العلو ~~والفساد منكرين في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يطلق عليه أنه علو ~~وأنه فساد من غير تخصيص بنوع خاص، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شئ منه ~~كائنا ما كان، وأما العلو فالممنوع منه ما كان على طريق التكبر على الغير ~~والتطاول على الناس، وليس منه طلب العلو في الحق والرئاسة في الدين ولا ~~محبة اللباس الحسن والمركوب الحسن والمنزل الحسن (من جاء بالحسنة فله خير ms2963 ~~منها) وهو أن الله يجازيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (ومن جاء بالسيئة ~~فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون) أي إلا مثل ما كانوا ~~يعملون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد تقدم بيان معنى هذه الآية ~~في سورة النمل (إن الذي فرض عليك القرآن) قال المفسرون: أي أنزل عليك ~~القرآن. وقال الزجاج: فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن، وتقدير الكلام: فرض ~~عليك أحكام القرآن وفرائضه (لرادك إلى معاد) قال جمهور المفسرين: إي إلى ~~مكة. وقال مجاهد وعكرمة والزهري والحسن: إن المعنى: لرادك إلى يوم القيامة ~~وهو اختيار الزجاج، يقال بيني وبينك المعاد: أي يوم القيامة، لأن الناس ~~يعودون فيه أحياء. وقال أبو مالك وأبو صالح: لرادك إلى معاد إلى الجنة. وبه ~~قال أبو سعيد الخدري، وروي عن مجاهد. وقيل " إلى معاد " إلى الموت (قل ربي ~~أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين) هذا جواب لكفار مكة لما قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنك في ضلال، والمراد من جاء بالهدى هو ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هو في ضلال مبين المشركون: والأولى حمل ~~الآية على العموم، وأن الله سبحانه يعلم حال كل طائفة من هاتين الطائفتين ~~ويجازيها بما تستحقه من خير وشر (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب) أي ما ~~كنت ترجو أنا نرسلك إلى العباد وننزل عليك القرآن. وقيل ما كنت ترجو أن ~~يلقى إليك الكتاب بردك إلى معادك، والاستثناء في قوله (إلا رحمة من ربك) ~~منقطع: أي لكن إلقاؤه عليك رحمة من ربك، ويجوز أن يكون متصلا حملا على ~~المعنى، كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة من ربك. # والأول أولى وبه جزم الكسائي والفراء (فلا تكونن ظهيرا للكافرين) أي عونا ~~لهم، وفيه تعريض بغيره من الأمة. # وقيل المراد لا تكونن ظهيرا لهم بمداراتهم (ولا يصدنك عن آيات الله بعد ~~إذ أنزلت إليك) أي لا يصدنك يا محمد الكافرون وأقوالهم وكذبهم وأذاهم عن ~~تلاوة آيات الله ms2964 والعمل بها بعد إذ أنزلها الله إليك وفرضت عليك. قرأ ~~الجمهور بفتح الياء وضم الصاد من صده يصده. وقرأ عاصم بضم الياء وكسر ~~الصاد، من أصده بمعنى PageV04P188 # صده (وادع إلى ربك) أي ادع الناس إلى الله وإلى توحيده، والعمل بفرائضه ~~واجتناب معاصيه (ولا تكونن من المشركين) وفيه تعريض بغيره كما تقدم، لأنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون من المشركين بحال من الأحوال، وكذلك قوله ~~(ولا تدع مع الله إلها آخر) فإنه تعريض لغيره. ثم وحد سبحانه نفسه ووصفها ~~بالبقاء والدوام فقال (لا إله إلا هو كل شئ) من الأشياء كائنا ما كان (هالك ~~إلا وجهه) أي إلا ذاته. قال الزجاج: # وجهه منصوب على الاستثناء، ولو كان في غير القرآن كان مرفوعا بمعنى كل شئ ~~غير وجهه هالك. كما قال الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا ~~الفرقدان والمعنى كل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه (له الحكم) أي القضاء ~~النافذ يقضي بما شاء ويحكم بما أراد (وإليه ترجعون) عند البعث ليجزي المحسن ~~بإحسانه والمسئ بإساءته، لا إله غيره سبحانه وتعالى. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (سرمدا) قال: ~~دائما. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (وصل عنهم) يوم القيامة (ما كانوا يفترون) ~~قال: يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عنه أيضا (إن قارون كان من قوم موسى) قال: ~~كان ابن عمه وكان يتبع العلم حتى جمع علما فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على ~~موسى وحسده فقال له موسى إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى فقال إن موسى ~~يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة وجاءكم بأشياء فاحتملتموها فتحتملون أن ~~تعطوه أموالكم؟ فقالوا لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم أرى أن أرسل إلى بغي من ~~بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها، فأرسلوا ~~إليها فقالوا لها نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك، قالت ms2965 نعم، ~~فجاء قارون إلى موسى فقال: أجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال ~~نعم، فجمعهم فقالوا له: ما أمرك ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا وأن تصلوا الرحم وكذا وكذا، وأمرني إذا زنا وقد أحصن أن يرجم، ~~قالوا: وإن كنت أنت، قال نعم، قالوا: فإنك قد زنيت. قال أنا؟ # فأرسلوا للمرأة فجاءت، فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى: أنشدك ~~بالله إلا ما صدقت. قالت: أما إذا نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلا ~~على أن أقذفك بنفسي وأنا أشهد أنك بريء وأنك رسول الله، فخر موسى ساجدا ~~يبكي، فأوحى الله إليه ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فمرها فتعطيك، فرفع ~~رأسه فقال خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، ~~فقال خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يقولون يا موسى يا موسى، فقال خذيهم ~~فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون يا موسى يا موسى، فقال خذيهم، فأخذتهم ~~فغشيتهم، فأوحى الله يا موسى: سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم وعزتي لو ~~أنهم دعوني لأجبتهم. # قال ابن عباس: وذلك قوله " فخسفنا به وبداره الأرض " خسف به إلى الأرض ~~السفلى. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~خيثمة قال: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع كل مفتاح ~~على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلا أعز محجل. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن المنذر عنه قال: وجدت في الإنجيل أن بغال مفاتيح خزائن ~~قارون غر محجلة لا يزيد مفتاح منها على أصبع لكل مفتاح كنز، قلت: لم أجد في ~~الإنجيل هذا الذي ذكره خيثمة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (لتنوء بالعصبة) قال: تثقل. وأخرج ابن المنذر عنه قال: لا يرفعها ~~العصبة من الرجال أولو القوة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: العصبة أربعون ~~رجلا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله PageV04P189 # (إن الله لا يحب ms2966 الفرحين) قال المرحين، وفي قوله (ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا) قال: أن تعمل فيها لآخرتك. # وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في قوله (فخرج على قومه في زينته) في أربعة آلاف بغل. وقد روي عن جماعة من ~~التابعين أقوال في بيان ما خرج به على قومه من الزينة ولا يصح منها شئ ~~مرفوعا، بل هي من أخبار أهل الكتاب كما عرفناك غير مرة، ولا أدري كيف إسناد ~~هذا الحديث الذي رفعه ابن مردويه فمن ظفر بكتابه فلينظر فيه. وأخرج ~~الفريابي عن ابن عباس في قوله (فخسفنا به وبداره الأرض) قال: خسف به إلى ~~الأرض السفلى. وأخرج المحاملي والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين ~~لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا) قال: # التجبر في الأرض والأخذ بغير الحق. وروى نحوه عن مسلم البطين وابن جريج ~~وعكرمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (لا ~~يريدون علوا في الأرض) قال: بغيا في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ~~قال: هو الشرف والعلو عند ذوي سلطانهم. وأقول: إن كان ذلك للتقوى به على ~~الحق، فهو من خصال الخير لا من خصال الشر. وأخرج ابن أبن أبي شيبة وابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: إن الرجل ليحب أن يكون شسع ~~نعله أفضل من شسع نعل صاحبه، فيدخل في هذه الآية " تلك الدار الآخرة نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا " قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر ~~هذه الرواية عن علي رضي الله عنه: وهذا محمول على من أحب ذلك لا لمجرد ~~التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت " أن رجلا قال يا رسول الله إني أحب أن ~~يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ قال لا، إن الله جميل يحب ~~الجمال ". وأخرج ابن ms2967 مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب أنه قال: نزلت ~~هذه الآية، يعني (تلك الدار الآخرة) الخ في أهل العدل والتواضع من الولاة ~~وأهل القدرة من سائر الناس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن ~~مردويه عن عدي بن حاتم قال: لما دخل علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ألقى إليه وسادة، فجلس على الأرض فقال: أشهد أنك لا تبغي علوا في الأرض ولا ~~فسادا فأسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك. وأخرج أيضا ابن مردويه عن علي ~~بن الحسين بن واقد أن قوله تعالى (إن الذي فرض عليك القران) الآية أنزلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجحفة حين خرج النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مهاجرا إلى المدينة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي من طرق عن ابن عباس في قوله (لرادك إلى معاد) قال: إلى مكة، زاد ~~ابن مردويه كما أخرجك منها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه عن ~~أبي سعيد الخدري (لرادك إلى معاد) قال الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ~~في تاريخه وأبو يعلى وابن المنذر عنه أيضا في قوله (لرادك إلى معاد) قال: ~~معاده الجنة، وفي لفظ معاده آخرته. # وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي عن علي بن أبي طالب قال (لرادك إلى ~~معاد) الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه قال: لما نزلت - كل من عليها فان - ~~قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزلت - كل نفس ذائقة الموت - قالت ~~الملائكة: # هلك كل نفس، فلما نزلت - كل شئ هالك إلا وجهه - قالت الملائكة: هلك أهل ~~السماء والأرض. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس (كل شئ هالك إلا وجهه) قال: ~~إلا ما أريد به وجهه. PageV04P190 # تفسير سورة العنكبوت هي تسع وستون آية وقد اختلف في كونها مكية أو مدنية، ~~أو بعضها مكيا ms2968 وبعضها مدنيا على ثلاثة أقوال: الأول أنها مكية كلها، أخرجه ~~ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس. وأخرجه ~~ابن مردويه عن عبد الله ابن الزبير، وبه قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن ~~زيد. والقول الثاني أنها مدنية كلها، قال القرطبي: وهو أحد قولي ابن عباس ~~وقتادة. والقول الثالث أنها مكية إلا عشر آيات من أولها، قال القرطبي: وهو ~~أحد قولي ابن عباس وقتادة، وهو قول يحيى بن سلام. وحكي عن علي بن أبي طالب ~~أنها نزلت بين مكة والمدينة، وهذا قول رابع. وأخرج الدارقطني في السنن عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر ~~أربع ركعات وأربع سجدات، يقرأ في الركعة الأولى العنكبوت أو الروم، وفي ~~الثانية يس. PageV04P191 # قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة مستوفى في سورة البقرة، والاستفهام ~~في قوله (أحسب الناس) للتقريع والتوبيخ، و (أن يتركوا) في موضع نصب بحسب، ~~وهي وما دخلت عليه قائمة مقام المفعولين على قول سيبويه والجمهور، و (أن ~~يقولوا) في موضع نصب على تقدير: لأن يقولوا، أو بأن يقولوا، أو على أن ~~يقولوا، وقيل هو بدل من أن يتركوا، ومعنى الآية: أن الناس لا يتركون بغير ~~اختبار ولا ابتلاء (أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) أي وهم لا يبتلون في ~~أموالهم وأنفسهم، وليس الأمر كما حسبوا، بل لا بد أن يختبرهم حتى يتبين ~~المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، فالآية مسوقة لإنكار ذلك الحسبان ~~واستعباده، وبيان أنه لا بد من الامتحان بأنواع التكاليف وغيرها. قال ~~الزجاج: المعنى أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط ولا يمتحنون ~~بما تتبين به حقيقة إيمانهم، وهو قوله (أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون) قال السدي وقتادة ومجاهد: أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل ~~والتعذيب، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح معنى ما ذكرناه. ~~وظاهرها شمول كل الناس من أهل الإيمان، وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم ms2969 ~~اللفظ كما قررناه غير مرة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة في سبب ~~خاص فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم موجود حكمها بقية ~~الدهر، وذلك أن الفتنة من الله باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو ~~وغير ذلك (ولقد فتنا الذين من قبلهم) أي هذه سنة الله في عباده وأنه يختبر ~~مؤمني هذه الأمة كما اختبر من قبلهم من الأمم كما جاء به القرآن في غير ~~موضع من قصص الأنبياء وما وقع مع قومهم من المحن وما اختبر الله به أتباعهم ~~ومن آمن بهم من تلك الأمور التي نزلت بهم (فليعلمن الله الذين صدقوا) في ~~قولهم: آمنا (وليعلمن الكاذبين) منهم في ذلك، قرأ الجمهور " فليعلمن " بفتح ~~الياء واللام في الموضعين: أي ليظهرن الله الصادق والكاذب في قولهم ويميز ~~بينهم، وقرأ علي بن أبي طالب في الموضعين بضم الياء وكسر اللام. والمعنى: ~~أي يعلم الطائفتين في الآخرة بمنازلهم، أو يعلم الناس بصدق من صدق ويفضح ~~الكاذبين بكذبهم، أو يضع لكل طائفة علامة تشتهر بها وتتميز عن غيرها (أم ~~حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) أي يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم ~~بما يعملون، وهو ساد مسد مفعولي حسب، وأم هي المنقطعة (ساء ما يحكمون) أي ~~بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك. وقال الزجاج: " ما " في موضع نصب بمعنى ساء ~~شيئا أو حكما يحكمون. قال: ويجوز أن تكون " ما " في موضع رفع بمعنى ساء ~~الشئ أو الحكم حكمهم، وجعلها ابن كيسان مصدرية: أي ساء حكمهم (من كان يرجوا ~~لقاء الله) أي من كان يطمع، والرجاء بمعنى الطمع. قاله سعيد بن جبير. وقيل ~~الرجاء هنا بمعنى الخوف. قال القرطبي: وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: من ~~كان يخاف الموت، ومنه قول الهذلي: # * إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها * قال الزجاج: معنى من كان يرجو لقاء ~~الله: من كان يرجو ثواب لقاء الله: أي ثواب المصير إليه، فالرجاء على هذا ~~معناه الأمل (فإن أجل الله لآت) أي الأجل المضروب للبعث ms2970 آت لا محالة. قال ~~مقاتل: يعني يوم القيامة، والمعنى: فليعمل لذلك اليوم كما في قوله " فمن ~~كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا " ومن في الآية التي هنا يجوز أن ~~تكون شرطية والجزاء فإن أجل الله لآت، ويجوز أن تكون موصولة ودخلت الفاء في ~~جوابها تشبيها لها بالشرطية. وفي الآية من الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ~~مالا يخفى PageV04P192 # (وهو السميع) لأقوال عباده (العليم) بما يسرونه وما يعلنونه (ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه) أي من جاهد الكفار وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات فإنما ~~يجاهد لنفسه: أي ثواب ذلك له لا لغيره ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك ~~شئ (إن الله لغني عن العالمين) فلا يحتاج إلى طاعاتهم كما لا تضره معاصيهم. ~~وقيل المعنى: ومن جاهد عدوه لنفسه لا يريد بذلك وجه الله، فليس لله حاجة ~~بجهاده، والأول أولى (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئآتهم) ~~أي لنغطينها عنهم بالمغفرة بسبب ما عملوا من الصالحات (ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون) أي بأحسن جزاء أعمالهم، وقيل بجزاء أحسن أعمالهم، والمراد ~~بأحسن مجرد الوصف لا التفضيل لئلا يكون جزاؤهم بالحسن مسكوتا عنه، وقيل ~~يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن منه كما في قوله - من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها - (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) انتصاب حسنا على أنه نعت مصدر ~~محذوف: أي إيصاء حسنا على المبالغة، أو على حذف المضاف: أي ذا حسن. هذا ~~مذهب البصريين، وقال الكوفيون: تقديره ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا، فهو ~~مفعول لفعل مقدر، ومنه قول الشاعر: # عجبت من دهماء إذ تشكونا * ومن أبي دهماء إذ يوصينا * خيرا بها كأنما ~~خافونا أي يوصينا أن نفعل بها خيرا، ومثله قول الحطيئة: # وصيت من برة قلبا حرا * بالكلب خيرا والحمأة شرا قال الزجاج: معناه ~~ووصينا الإنسان: أن يفعل بوالديه ما يحسن، وقيل هو صفة لموصوف محذوف: أي ~~ووصيناه أمرا ذا حسن، وقيل هو منتصب على أنه مفعول به على التضمين أي ~~ألزمناه حسنا، وقيل منصوب ينزع الخافض: أي ووصيناه بحسن، وقيل هو مصدر ms2971 لفعل ~~محذوف: أي يحسن حسنا، ومعنى الآية: التوصية للإنسان بوالديه بالبر بهما ~~والعطف عليهما. قرأ الجمهور " حسنا " بضم الحاء وإسكان السين، وقرأ أبو ~~رجاء وأبو العالية والضحاك بفتحهما، وقرأ الجحدري " إحسانا " وكذا في مصحف ~~أبي (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) أي طلبا منك ~~وألزماك أن تشرك بي إلها ليس لك به علم بكونه إلها فلا تطعهما، فإنه لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعبر بنفي العلم عن نفي الإله لأن ما لا يعلم ~~صحته لا يجوز اتباعه، فكيف بما علم بطلانه؟ وإذا لم تجز طاعة الأبوين في ~~هذا المطلب مع المجاهدة منهما له فعدم جوازها مع مجرد الطلب بدون مجاهدة ~~منهما أولى، ويلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه، فلا طاعة لهما ~~فيما هو معصية لله كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) أي أخبركم بصالح أعمالكم وطالحها، فأجازي ~~كلا منكم بما يستحقه، والموصول في قوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) في ~~محل رفع على الابتداء وخبره (لندخلنهم في الصالحين) أي في زمرة الراسخين في ~~الصلاح، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال، ويجوز أن يكون المعنى: ~~لندخلنهم في مدخل الصالحين، وهو الجنة كذا قيل، والأول أولى (ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله) أي في شأن الله ولأجله كما يفعله أهل ~~الكفر مع أهل الإيمان، وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات من إيقاع ~~الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به (جعل فتنة الناس) التي ~~هي ما يوقعونه عليه من الأذى (كعذاب الله) أي جزع من أذاهم. فلم يصبر عليه ~~وجعله في الشدة والعظم كعذاب الله فأطاع الناس كما يطيع الله، وقيل هو ~~المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين فكفر. قال الزجاج: # ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله (ولئن جاء نصر من ربك) أي نصر ~~من الله للمؤمنين وفتح وغلبة للأعداء وغنيمة يغنمونها ms2972 منهم (ليقولن إنا كنا ~~معكم) أي داخلون معكم في دينكم ومعاونون لكم على عدوكم، فكذبهم PageV04P193 # الله، وقال (أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) أي هو سبحانه أعلم ~~بما في صدورهم منهم من خير وشر، فكيف يدعون هذه الدعوى الكاذبة. وهؤلاء هم ~~قوم ممن كان في إيمانهم ضعف، كانوا إذا مسهم الأذى من الكفار وافقوهم. وإذا ~~ظهرت قوة الإسلام ونصر الله المؤمنين في موطن من المواطن (قالوا إنا كنا ~~معكم) وقيل المراد بهذا وما قبله المنافقون. قال مجاهد: نزلت في ناس كانوا ~~يؤمنون بالله بألسنتهم. فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة افتتنوا. وقال ~~الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون. فإذا أوذوا رجعوا إلى ~~الشرك، والظاهر أن هذا النظم من قوله (ومن الناس من يقول) إلى قوله (وقال ~~الذين كفروا) نازل في المنافقين لما يظهر من السياق، ولقوله (وليعلمن الله ~~الذين آمنوا وليعلمن المنافقين) فإنها لتقرير ما قبلها وتأكيده: أي ليميزن ~~الله بين الطائفتين ويظهر إخلاص المخلصين ونفاق المنافقين، فالمخلص الذي لا ~~يتزلزل بما يصيبه من الأذى ويصبر في الله حق الصبر، ولا يجعل فتنة الناس ~~كعذاب الله. والمنافق الذي يميل هكذا وهكذا، فإن أصابه أذى من الكافرين ~~وافقهم وتابعهم وكفر بالله عز وجل، وإن خفقت ريح الإسلام وطلع نصره ولاح ~~فتحه رجع إلى الإسلام، وزعم أنه من المسلمين (وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا) اللام في " للذين آمنوا " هي لام التبليغ: أي قالوا مخاطبين ~~لهم كما سبق بيانه في غير موضع: أي قالوا لهم اسلكوا طريقتنا وادخلوا في ~~ديننا (ولنحمل خطاياكم) أي إن كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند ~~البعث والنشور كما تقولون فلنحمل ذلك عنكم فنؤاخذ به دونكم واللام في لنحمل ~~لام الأمر كأنهم أمروا أنفسهم بذلك. وقال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل ~~الشرط والجزاء: أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، ثم رد الله عليهم بقوله ~~(وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ) من الأولى بيانية. والثانية مزيدة ~~للاستغراق: أي وما هم ms2973 بحاملين شيئا من خطيئاتهم التي التزموا بها وضمنوا ~~لهم حملها، ثم وصفهم الله سبحانه بالكذب في هذا التحمل فقال (إنهم لكاذبون) ~~فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم. قال المهدوي: هذا التكذيب لهم من الله عز ~~وجل حمل على المعنى، لأن المعنى: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، فلما كان ~~الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر أوقع عليه التكذيب كما يوقع على الخبر ~~(وليحملن أثقالهم) أي أوزارهم التي عملوها، والتعبير عنها بالأثقال للإيذان ~~بأنها ذنوب عظيمة (وأثقالا مع أثقالهم) أي أوزارا مع أوزارهم. وهي أوزار من ~~أضلوهم وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة ومثله قوله سبحانه - إن أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم - ومثله قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " كما في ~~حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم وغيره (وليسألن يوم القيامة) تقريعا ~~وتوبيخا (عما كانوا يفترون) أي يختلقونه من الأكاذيب التي كانوا يأتون بها ~~في الدنيا. وقال مقاتل: # يعني قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله (ألم ~~أحسب الناس أن يتركوا) الآية قال: أنزلت في ناس كانوا بمكة قد أقروا ~~بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة ~~لما أنزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا، قال: ~~فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، ~~فكتبوا إليهم أنه قد أنزل فيكم كذا وكذا، فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد ~~قتلناه، فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، ~~فأنزل الله فيهم - ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم -. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة نحوه ~~بأخصر منه. وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله ~~بن PageV04P194 # عبيد الله بن عمير قال: نزلت ms2974 في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله (ألم ~~أحسب الناس أن يتركوا) الآية. وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن مسعود ~~قال: أول من أظهر الله إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأبو بكر، وسمية أم عمار، وعمار، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه ~~الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في ~~الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت ~~عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به ~~في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (أن يسبقونا) قال: أن يعجزونا. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: قالت ~~أمي لا آكل طعاما ولا أشرب شرابا حتى تكفر بمحمد فامتنعت من الطعام والشراب ~~حتى جعلوا يشجرون فاها بالعصا. فنزلت هذه الآية (ووصينا الإنسان بوالديه ~~حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما). وأخرجه أيضا ~~الترمذي من حديثه، وقال: نزلت في أربع آيات وذكر نحو هذه القصة، وقال: حسن ~~صحيح. وقد أخرج هذا الحديث أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا. وأخرج أحمد ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان ~~وأبو نعيم والبيهقي والضياء عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد " ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ~~ولقد أتت علي ثالثة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال ~~". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله) قال: يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله. PageV04P195 # أجمل سبحانه قصة نوح تصديقا لقوله ms2975 في أول السورة (ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم) وفيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كأنه قيل له: إن نوحا ~~لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى ~~بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. قيل ووقع في النظم إلا خمسين عاما ~~ولم يقل تسعمائة سنة وخمسين. # لأن في الاستثناء تحقيق العدد بخلاف الثاني، فقد يطلق على ما يقرب منه. ~~وقد اختلف في مقدار عمر نوح. # وسيأتي آخر البحث. وليس في الآية إلا أنه لبث فيهم هذه المدة، وهي لا تدل ~~على أنها جميع عمره. فقد تلبث في غيرهم قبل اللبث فيهم، وقد تلبث في الأرض ~~بعد هلاكهم بالطوفان، والفاء في (فأخذهم الطوفان) للتعقيب: أي أخذهم عقب ~~تمام المدة المذكورة، والطوفان يقال لكل شئ كثير مطيف بجمع محيط بهم من مطر ~~أو قتل أو موت قاله النحاس. وقال سعيد بن جبير وقتادة والسدي: هو المطر. ~~وقال الضحاك: الغرق، وقيل الموت، ومنه قول الشاعر: * أفناهم طوفان موت جارف ~~* وجملة (وهم ظالمون) في محل نصب على الحال: أي مستمرون على الظلم ولم ينجع ~~فيهم ما وعظهم به نوح وذكرهم هذه المدة بطولها (فأنجيناه وأصحاب السفينة) ~~أي أنجينا نوحا وأنجينا من معه في السفينة من أولاده وأتباعه. واختلف في ~~عددهم على أقوال (وجعلناها) أي السفينة (آية للعالمين) أي عبرة عظيمة لهم، ~~وفي كونها آية وجوه: أحدها أنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. # وثانيها أن الله سلم السفينة من الرياح المزعجة. وثالثها أن الماء غيض ~~قبل نفاذ الزاد. وهذا غير مناسب لوصف السفينة بأن الله جعلها آية، وقيل إن ~~الضمير راجع في جعلناها إلى الواقعة أو إلى النجاة، أو إلى العقوبة بالغرق. # (وإبراهيم إذ قال لقومه) انتصاب إبراهيم بالعطف على نوحا. وقال النسائي: ~~هو معطوف على الهاء في جعلناها. # وقيل منصوب بمقدر: أي واذكر إبراهيم. وإذ قال منصوب على الظرفية: أي ~~وأرسلنا إبراهيم وقت قوله لقومه اعبدوا الله أو جعلنا إبراهيم آية وقت قوله ~~هذا: ms2976 أو واذكر إبراهيم وقت قوله، على أن الظرف بدل اشتمال من إبراهيم ~~(اعبدوا الله واتقوه) أي أفردوه بالعبادة وخصوه بها واتقوه أن تشركوا به ~~شيئا (ذلكم خير لكم) أي عبادة الله وتقواه خير لكم من الشرك، ولا خير في ~~الشرك أبدا، ولكنه خاطبهم باعتبار اعتقادهم (إن كنتم تعلمون) شيئا من ~~العلم، أو تعلمون علما تميزون به بين ما هو خير وما هو شر. قرأ الجمهور " ~~وإبراهيم " بالنصب، ووجهه ما قدمنا. وقرأ النخعي وأبو جعفر وأبو حنيفة ~~بالرفع على الابتداء والخبر مقدر: أي ومن المرسلين إبراهيم (إنما تعبدون من ~~دون الله أوثانا) بين لهم إبراهيم أنهم يعبدون مالا ينفع ولا يضر ولا يسمع ~~ولا يبصر، والأوثان هي PageV04P196 # الأصنام. وقال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن ~~ما يتخذ من جص أو حجارة. # وقال الجوهري: الوثن الصنم والجمع أوثان (وتخلقون إفكا) أي وتكذبون كذبا ~~على أن معنى تخلقون تكذبون، ويجوز أن يكون معناه: تعملون وتنحتون: أي ~~تعملونها وتنحتونها للإفك. قال الحسن: معنى تخلقون تنحتون: # أي إنما تعبدون أوثانا وأنتم تصنعونها. قرأ الجمهور " تخلقون " بفتح ~~الفوقية وسكون الخاء وضم اللام مضارع خلق وإفكا بكسر الهمزة وسكون الفاء. ~~وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن علي والسلمي وقتادة بفتح الخاء واللام مشددة، ~~والأصل تتخلقون. وروي عن زيد بن علي أنه قرأ بضم التاء وتشديد اللام ~~مكسورة. وقرأ ابن الزبير وفضيل بن ورقان " أفكا " بفتح الهمزة وكسر الفاء ~~وهو مصدر كالكذب، أو صفة لمصدر محذوف: أي خلقا أفكا (إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا) أي لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئا من الرزق ~~(فابتغوا عند الله الرزق) أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فهو الذي ~~عنده الرزق كله فاسألوه من فضله ووحدوه دون غيره (واشكروا له) أي على ~~نعمائه، فإن الشكر موجب لبقائها وسبب للمزيد عليها، يقال شكرته وشكرت له ~~(إليه ترجعون) بالموت ثم البعث لا إلى غيره (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من ~~قبلكم) ms2977 قيل هذا من قول إبراهيم: أي وإن تكذبوني فقد وقع ذلك لغيري ممن ~~قبلكم، وقيل هو من قول الله سبحانه: أي وإن تكذبوا محمدا فذلك عادة الكفار ~~مع من سلف (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) لقومه أرسل إليهم، وليس عليه ~~هدايتهم، وليس ذلك في وسعه (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده) قرأ ~~الجمهور " أو لم يروا " بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو عبيد ~~وأبو حاتم. قال أبو عبيد: كأنه قال: أو لم ير الأمم. وقرأ أبو بكر والأعمش ~~وابن وثاب وحمزة والكسائي بالفوقية على الخطاب من إبراهيم لقومه، وقيل هو ~~خطاب من الله لقريش. # قرأ الجمهور " كيف يبدئ " بضم التحتية من أبدأ يبدئ. وقرأ الزبيري وعيسى ~~بن عمر وأبو عمرو بفتحها من بدأ يبدأ. وقرأ الزهري " كيف بدأ " والمعنى ألم ~~يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح ثم ~~يخرجه إلى الدنيا ثم يتوفاه بعد ذلك، وكذلك سائر الحيوانات وسائر النباتات، ~~فإذا رأيتم قدرة الله سبحانه على الابتداء والإيجاد فهو القادر على ~~الإعادة، والهمزة لإنكار عدم رؤيتهم، والواو للعطف على مقدر (إن ذلك على ~~الله يسير) لأنه إذا أراد أمرا قال له كن فيكون. ثم أمر سبحانه إبراهيم أن ~~يأمر قومه بالمسير في الأرض ليتفكروا ويعتبروا فقال (قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف بدأ الخلق) على كثرتهم واختلاف ألوانهم وطبائعهم وألسنتهم ~~وانظروا إلى مساكن القرون الماضية والأمم الخالية وآثارهم لتعلموا بذلك ~~كمال قدرة الله. وقيل إن المعنى: قل لهم يا محمد سيروا، ومعنى قوله (ثم ~~الله ينشئ النشأة الآخرة) أن الله الذي بدأ النشأة الأولى وخلقها على تلك ~~الكيفية ينشئها نشأة ثانية عند البعث، والجملة عطف على جملة سيروا في الأرض ~~داخلة معها في حيز القول، وجملة (إن الله على كل شئ قدير) تعليل لما قبلها. ~~قرأ الجمهور ب " النشأة " بالقصر وسكون الشين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بالمد وفتح الشين، وهما لغتان كالرأفة والرأفة. وهي منتصبة على المصدرية ms2978 ~~بحذف الزوائد، والأصل الإنشاءة (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء) أي هو سبحانه ~~بعد النشأة الآخرة يعذب من يشاء تعذيبه وهم الكفار والعصاة ويرحم من يشاء ~~رحمته، وهم المؤمنون به المصدقون لرسله العاملون بأوامره ونواهيه (وإليه ~~تقلبون) أي ترجعون وتردون لا إلى غيره (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في ~~السماء) قال الفراء: ولا من في السماء بمعجزين الله فيها. قال: وهو كما في ~~قول حسان: # فمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء PageV04P197 # أي ومن يمدحه وينصره سواء. ومثله قوله تعالى - وما منا إلا له مقام معلوم ~~- أي إلا من له مقام معلوم. # والمعنى: أنه لا يعجزه سبحانه أهل الأرض ولا أهل السماء في السماء إن ~~عصوه. وقال قطرب: إن معنى الآية: # ولا في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان هاهنا ولا ~~بالبصرة: يعني ولا بالبصرة لو صار إليها. وقال المبرد: المعنى ولا من في ~~السماء. على أن من ليست موصولة بل نكرة، وفي السماء صفة لها، فأقيمت الصفة ~~مقام الموصوف، ورد ذلك علي بن سليمان وقال: لا يجوز، ورجح ما قاله قطرب ~~(وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) من مزيدة للتأكيد: أي ليس لكم ولي ~~يواليكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم عذاب الله (والذين كفروا بآيات الله ~~ولقائه) المراد بالآيات الآيات التنزيلية أو التكوين أو جميعهما، وكفروا ~~بلقاء الله: أي أنكروا البعث وما بعده ولم يعملوا بما أخبرتهم به رسل الله ~~سبحانه، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الكافرين بالآيات واللقاء. # وهو مبتدأ وخبره (يئسوا من رحمتي) أي إنهم في الدنيا آيسون فيه من رحمة ~~الله لم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله ولا ما أخبرتهم به رسله. وقيل ~~المعنى: أنهم ييأسون يوم القيامة من رحمة الله وهي الجنة. والمعنى: أنهم أو ~~يسوا من الرحمة (وأولئك لهم عذاب أليم) كرر سبحانه الإشارة للتأكيد، ووصف ~~العذاب بكونه أليما للدلالة على أنه في غاية الشدة (فما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا اقتلوه أو حرقوه) ms2979 هذا رجوع إلى خطاب إبراهيم بعد الاعتراض بما ~~تقدم من خطاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قول من قال: إن قوله قل ~~سيروا في الأرض خطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما على قول من قال: ~~إنه خطاب لإبراهيم عليه السلام، فالكلام في سياقه سابقا ولاحقا: أي قال ~~بعضهم لبعض عند المشاورة بينهم: افعلوا بإبراهيم أحد الأمرين المذكورين، ثم ~~اتفقوا على تحريقه (فأنجاه الله من النار) وجعلها عليه بردا وسلاما (إن في ~~ذلك) أي في إنجاء الله لإبراهيم (لآيات) بينة: أي دلالات واضحة وعلامات ~~ظاهرة على عظيم قدرة الله وبديع صنعه: حيث أضرموا تلك النار العظيمة وألقوه ~~فيها ولم تحرقه ولا أثرت فيه أثرا، بل ثارت إلى حالة مخالفة لما هو شأن ~~عنصرها من الحرارة والإحراق، وإنما خص المؤمنون، لأنهم الذين يعتبرون بآيات ~~الله سبحانه، وأما من عداهم فهم عن ذلك غافلون. قرأ الجمهور بنصب " جواب ~~قومه " على أنه خبر كان وما بعده اسمها. وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار ~~والحسن برفعه على أنه اسم كان وما بعده في محل نصب على الخبر (وقال إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا) أي قال إبراهيم ~~لقومه: أي للتوادد صلى بينكم والتواصل لاجتماعكم على عبادتها، وللخشية من ~~ذهاب المودة فيما بينكم إن تركتم عبادتها. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ~~" مودة بينكم " برفع مودة غير منونة، وإضافتها إلى بينكم. # وقرأ الأعمش وابن وثاب " مودة " برفعها منونة. وقرأ نافع وابن عامر وأبو ~~بكر بنصب " مودة " منونة ونصب بينكم على الظرفية. وقرأ حمزة وحفص بنصب " ~~مودة " مضافة إلى بينكم. فأما قراءة الرفع فذكر الزجاج لها وجهين: # الأول أنها ارتفعت على خبر إن في إنما اتخذتم وجعل ما موصولة، والتقدير: ~~إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودة بينكم. والوجه الثاني أن تكون ~~على إضمار مبتدأ: أي هي مودة أو تلك مودة. والمعنى: أن المودة هي التي ~~جمعتكم على عبادة الأوثان واتخاذها. قيل ويجوز أن تكون مودة مرتفعة ms2980 ~~بالابتداء وخبرها في الحياة الدنيا. # ومن قرأ برفع مودة منونة فتوجيهه كالقراءة الأولى، ونصب بينكم على ~~الظرفية. ومن قرأ بنصب مودة ولم ينونها جعلها مفعول اتخذتم وجعل إنما حرفا ~~واحدا للحصر، وهكذا من نصبها ونونها. ويجوز أن يكون النصب في هاتين ~~القراءتين على أن المودة علة فهي مفعول لأجله، وعلى قراءة الرفع يكون مفعول ~~اتخذتم الثاني محذوفا: أي أوثانا آلهة، وعلى تقدير أن ما في قوله " إنما ~~اتخذتم " موصولة يكون المفعول الأول ضميرها: أي اتخذتموه، والمفعول ~~PageV04P198 # الثاني أوثانا (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) أي يكفر بعض هؤلاء ~~المتخذين للأوثان العابدين لها بالبعض الآخر منهم فيتبرأ القادة من الأتباع ~~والأتباع من القادة، وقيل المعنى: يتبرأ العابدون للأوثان من الأوثان ~~وتتبرأ الأوثان من العابدين لها (ويلعن بعضكم بعضا) أي يلعن كل فريق الآخر ~~على التفسيرين المذكورين (ومأواكم النار) أي الكفار، وقيل يدخل في ذلك ~~الأوثان: أي هي منزلكم الذي تأوون إليه (وما لكم من ناصرين) يخلصونكم منها ~~بنصرتهم لكم (فآمن له لوط) أي آمن لإبراهيم لوط فصدقه في جميع ما جاء به، ~~وقيل إنه لم يؤمن به إلا حين رأى النار لا تحرقه، وكان لوط ابن أخي إبراهيم ~~(وقال إني مهاجر إلى ربي) قال النخعي وقتادة: الذي قال إني مهاجر إلى ربي ~~هو إبراهيم. قال قتادة: هاجر من كوثي وهي قرية من سواد الكوفة إلى حران ثم ~~إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط وامرأته سارة. والمعنى: إني مهاجر عن دار قومي ~~إلى حيث أعبد ربي (إنه هو العزيز الحكيم) أي الغالب الذي أفعاله جارية على ~~مقتضى الحكمة، وقيل إن القائل إني مهاجر إلى ربي هو لوط، والأول أولى لرجوع ~~الضمير في قوله (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) إلى إبراهيم، وكذا في قوله ~~(وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب)، وكذا في قوله (وآتيناه أجره في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين) فإن هذه الضمائر كلها لإبراهيم بلا خلاف: # أي من الله عليه بالأولاد فوهب له إسحاق ولدا له ويعقوب ولدا لولده إسحاق ~~وجعل في ms2981 ذريته النبوة والكتاب فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه، ~~ووحد الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب، والمراد التوراة ~~والإنجيل والزبور والقرآن، ومعنى (وآتيناه أجره في الدنيا) أنه أعطي في ~~الدنيا الأولاد، وأخبره الله باستمرار النبوة فيهم، وذلك مما تقر به عينه ~~ويزداد به سروره، وقيل أجره في الدنيا أن أهل الملل كلها تدعيه وتقول هو ~~منهم. وقيل أعطاه في الدنيا عملا صالحا وعاقبة حسنة وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين: أي الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجرة وكثرة العطاء من ~~الرب سبحانه. وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: بعث الله نوحا ~~وهو ابن أربعين سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله ~~وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وأخرج عبد بن حميد عن ~~عكرمة قال: كان عمر نوح قبل أن يبعث إلى قومه وبعد ما بعث ألفا وسبعمائة ~~سنة. وأخرج ابن جرير عن عوف بن أبي شداد قال: إن الله أرسل نوحا إلى قومه ~~وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ~~ذلك خمسين وثلاثمائة سنة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس ~~بن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح فقال: يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت ~~الدنيا ولذتها؟ # قال: كرجل دخل بيتا له بابان، فقال في وسط البيت هنيهة، ثم خرج من الباب ~~الآخر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (وجعلناها آية للعالمين) قال: أبقاها الله آية فهي على الجودي. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وتخلقون ~~إفكا) قال: تقولون كذبا. # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (النشأة الآخرة) قال: هي الحياة بعد ~~الموت. وهو النشور. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ms2982 أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله (فآمن له لوط) قال: صدق لوط إبراهيم. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن ~~أنس قال: " أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر إلى ~~الله بأهله بعد لوط ". وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر ~~قالت: " هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه أول ~~من هاجر بعد إبراهيم ولوط ". وأخرج ابن عساكر والطبراني والحاكم في الكنى ~~عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله PageV04P199 # عليه وآله وسلم: ما كان بين عثمان وبين رقية وبين لوط مهاجر ". وأخرج ابن ~~عساكر عن ابن عباس قال: أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) قال هما ولدا ~~إبراهيم، وفي قوله (وآتيناه أجره في الدنيا) قال إن الله وصى أهل الأديان ~~بدينه فليس من أهل الأديان دين إلا وهم يقولون إبراهيم ويرضون به. # وأخرج هؤلاء عنه أيضا في قوله (وآتيناه أجره في الدنيا) قال الذكر الحسن. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: # الولد الصالح والثناء، وقول ابن عباس: هما ولدا إبراهيم لعله يريد ولده ~~وولد ولده، لأن ولد الولد بمنزلة الولد، ومثل هذا لا يخفى على مثل ابن عباس ~~فهو حبر الأمة، وهذه الرواية عنه هي من رواية العوفي، وفي الصحيحين " إن ~~الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم ". PageV04P200 # قوله (ولوطا) منصوب بالعطف على نوحا، أو على إبراهيم، أو بتقدير أذكر. ~~قال الكسائي: المعنى وأنجينا لوطا، أو وأرسلنا لوطا (إذ قال لقومه) ظرف ~~للعامل في لوط (إنكم لتأتون الفاحشة) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر ~~" أئنكم " بالاستفهام. وقرأ الباقون بلا استفهام، والفاحشة الخصلة ~~المتناهية في ms2983 القبح، وجملة (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) مقررة لكمال ~~قبح هذه الخصلة، وأنهم منفردون بذلك لم يسبقهم إلى عملها أحد من الناس على ~~اختلاف أجناسهم. ثم بين سبحانه هذه الفاحشة فقال (أئنكم لتأتون الرجال) أي ~~تلوطون وقال بهم (وتقطعون السبيل) قيل إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر ~~بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم، فقطعوا السبيل ~~بهذا السبب. قال الفراء: كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث، وقيل ~~كانوا يقطعون الطريق على المارة بقتلهم ونهبهم، والظاهر أنهم كانوا يفعلون ~~ما يكون سببا لقطع الطريق من غير تقييد بسبب خاص، وقيل إن معنى قطع الطريق: ~~قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال (وتأتون في ناديكم المنكر) النادي ~~والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم. # واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه، فقيل كانوا يحذفون الناس ~~بالحصباء، ويستخفون بالغريب، وقيل كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقيل كانوا ~~يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضا، وقيل كانوا يلعبون بالحمام، وقيل ~~كانوا يخضبون أصابعهم بالحناء، وقيل كانوا يناقرون بين الديكة ويناطحون بين ~~الكباش، وقيل يلعبون بالنرد والشطرنج ويلبسون المصبغات، ولا مانع من أنهم ~~كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات. قال الزجاج: وفي هذا إعلام أنه لا ينبغي ~~أن يتعاشر الناس على المنكر وأن لا يجتمعوا على الهزؤ والمناهي. ولما أنكر ~~لوط عليهم ما كانوا يفعلونه أجابوا بما حكى الله عنهم بقوله (فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) أي فما أجابوا بشئ ~~إلا بهذا القول رجوعا منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد، وقد تقدم الكلام ~~على هذه الآية، وقد تقدم في سورة النمل - فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم - وتقدم في سورة الأعراف - فما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا أخرجوهم من قريتكم - وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطا ~~كان ثابتا على الإرشاد ومكررا للنهي لهم والوعيد عليهم، فقالوا له أولا: ~~ائتنا بعذاب الله كما في هذه الآية، فلما ms2984 كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا: ~~أخرجوهم كما في الأعراف والنمل، وقيل إنهم قالوا أولا أخرجوهم من قريتكم، ~~ثم قالوا ثانيا ائتنا بعذاب الله. ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة ~~عليهم من الله سبحانه ف (قال رب انصرني على القوم المفسدين) بإنزال عذابك ~~عليهم وإفسادهم هو بما سبق من إتيان الرجال وعمل المنكر في ناديهم، فاستجاب ~~الله سبحانه وبعث لعذابهم ملائكته وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم، ولهذا ~~قال (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) أي بالبشارة بالولد وهو إسحاق، ~~وبولد الولد وهو يعقوب (قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية) أي قالوا ~~لإبراهيم هذه المقالة، والقرية هي قرية سدوم التي كان فيها قوم لوط، وجملة ~~(إن أهلها كانوا ظالمين) تعليل للإهلاك: أي إهلاكنا لهم بهذا السبب (قال إن ~~فيها لوطا) أي قال لهم إبراهيم: إن في هذه القرية التي أنتم مهلكوها لوطا ~~فكيف تهلكونها؟ (قالوا نحن أعلم بمن فيها) فيها من الأخيار والأشرار ونحن ~~أعلم من غيرنا بمكان لوط (لننجينه وأهله) من العذاب. قرأ الأعمش وحمزة ~~ويعقوب والكسائي " لننجينه " بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد (إلا امرأته ~~كانت من الغابرين) أي الباقين في العذاب، وهو لفظ مشترك بين الماضي ~~والباقي، وقد تقدم تحقيقه، وقيل المعنى: من الباقين في القرية التي سينزل ~~بها العذاب، فتعذب من جملتهم ولا تنجو فيمن نجا (ولما أن جاءت رسلنا لوطا ~~سئ بهم) أي لما جاءت الرسل لوطا بعد مفارقتهم إبراهيم سئ بهم: PageV04P201 # أي جاءه ما ساءه وخاف منه، لأنه ظنهم من البشر، فخاف عليهم من قومه ~~لكونهم في أحسن صورة من الصور البشرية، و " أن " في أن جاءت زائدة للتأكيد ~~(وضاق بهم ذرعا) أي عجز عن تدبيرهم وحزن وضاق صدره، وضيق الذراع كناية عن ~~العجز، كما يقال في الكناية عن الفقر: ضاقت يده، وقد تقدم تفسير هذا مستوفى ~~في سورة هود. ولما شاهدت الملائكة ما حل به من الحزن والتضجر (قالوا لا تخف ~~ولا تحزن) أي لا تخف علينا من قومك ولا تحزن فإنهم لا يقدرون ms2985 علينا (إنا ~~منجوك وأهلك) من العذاب الذي أمرنا الله بأن ننزله بهم (إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين) أخبروا لوطا بما جاءوا به من إهلاك قومه وتنجيته وأهله إلا ~~امرأته كما أخبروا بذلك إبراهيم، قرأ حمزة والكسائي وشعبة ويعقوب والأعمش " ~~منجوك " بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد. قال المبرد: الكاف في منجوك ~~مخفوض ولم يجز عطف الظاهر على المضمر المخفوض، فحمل الثاني على المعنى وصار ~~التقدير: # وننجي أهلك (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء) هذه الجملة ~~مستأنفة لبيان هلاكهم المفهوم من تخصيص التنجية به وبأهله، والرجز العذاب ~~أي عذابا من السماء، وهو الرمي بالحجارة، وقيل إحراقهم بنار نازلة من ~~السماء، وقيل هو الخسف والحصب كما في غير هذا الموضع، ومعنى كون الخسف من ~~السماء أن الأمر به نزل من السماء. قرأ ابن عامر " منزلون " بالتشديد. وبها ~~قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون بالتخفيف، والباء في (بما كانوا يفسقون) ~~للسببية: أي لسبب فسقهم (ولقد تركنا منها آية بينة) أي أبقينا من القرية ~~علامة ودلالة بينة وهي الآثار التي بها من الحجارة رجموا بها وخراب الديار. ~~وقال مجاهد: هو الماء الأسود الباقي على وجه أرضهم ولا مانع من حمل الآية ~~على جميع ما ذكر، وخص من يعقل، لأنه الذي يفهم أن تلك الآثار عبرة يعتبر ~~بها من يراها (وإلى مدين أخاهم شعيبا) أي وأرسلناه إليهم، وقد تقدم ذكره ~~وذكر نسبه وذكر قومه في سورة الأعراف وسورة هود (قال يا قوم اعبدوا الله) ~~أي أفردوه بالعبادة وخصوه بها (وأرجوا اليوم الآخر) أي توقعوه وافعلوا ~~اليوم من الأعمال ما يدفع عذابه عنكم. قال يونس النحوي: معناه أخشوا الآخرة ~~التي فيها الجزاء على الأعمال (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) العثو والعثى ~~أشد الفساد. وقد تقدم تفسيره (فأخذتهم الرجفة) أي الزلزلة، وتقدم في سورة ~~هود - وأخذ الذين ظلموا الصيحة - أي صيحة جبريل وهي سبب الرجفة (فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين) أي أصبحوا في بلدهم أو منازلهم جاثمين على الركب ميتين ~~(وعادا وثمود) قال الكسائي: قال بعضهم هو راجع ms2986 إلى أول السورة: أي ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم وفتنا عادا وثمود، قال: وأحب إلي أن يكون على " ~~فأخذتهم الرجفة " أي وأخذت عادا وثمود. وقال الزجاج: التقدير وأهلكنا عادا ~~وثمود، وقيل المعنى: واذكر عادا وثمودا إذ أرسلنا إليهم هودا وصالحا (وقد ~~تبين لكم من مساكنهم) أي وقد ظهر لكم يا معاشر الكفار من مساكنهم بالحجر ~~والأحقاف آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها، ففاعل تبين محذوف (وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم) التي يعملونها من الكفر ومعاصي الله (فصدهم) بهذا التزيين ~~(عن السبيل) أي الطريق الواضح الموصل إلى الحق (وكانوا مستبصرين) أي أهل ~~بصائر يتمكنون بها من معرفة الحق بالاستدلال. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي ~~بصائر فلم تنفعهم بصائرهم، وقيل المعنى: كانوا مستبصرين في كفرهم وضلالتهم ~~معجبين بها يحسبون أنهم على هدى ويرون أن أمرهم حق، فوصفهم بالاستبصار على ~~هذا باعتبار ما عند أنفسهم (وقارون وفرعون وهامان) قال الكسائي: إن شئت كان ~~محمولا على " عادا " وكان فيه ما فيه، وإن شئت كان على " فصدهم عن السبيل " ~~أي وصد قارون وفرعون وهامان. وقيل التقدير: وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم ~~الرسل (فاستكبروا في الأرض) عن عبادة الله (وما كانوا سابقين) أي فائتين، ~~يقال سبق طالبه: إذا فاته: وقيل وما كانوا سابقين في الكفر، PageV04P202 # بل قد سبقهم إليه قرون كثيرة. (فكلا أخذنا بذنبه) أي عاقبنا بكفره ~~وتكذيبه. قال الكسائي (فكلا أخذنا) أي فأخذنا كلا بذنبه (فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا) أي ريحا تأتي بالحصباء، وهي الحصى الصغار فترجمهم بها، وهم قوم ~~لوط (ومنهم من أخذته الصيحة) وهم ثمود وأهل مدين (ومنهم من خسفنا به الأرض) ~~وهو قارون وأصحابه (ومنهم من أغرقنا) وهم قوم نوح وقوم فرعون (وما كان الله ~~ليظلمهم) بما فعل بهم، لأنه قد أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه (ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون) باستمرارهم على الكفر وتكذيبهم للرسل وعملهم بمعاصي ~~الله. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وتأتون في ناديكم المنكر) قال: # مجلسكم. وأخرج الفريابي وأحمد ms2987 وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي ~~الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن أم هانئ بنت ~~أبي طالب قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله سبحانه ~~(وتأتون في ناديكم المنكر) قال: كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناء السبيل ~~ويسخرون منهم. قال الترمذي: بعد إخراجه وتحسينه: ولا نعرفه إلا من حديث ~~حاتم بن أبي صغيرة عن سماك. وأخرج ابن مردويه عن جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن الحذف، وهو قول الله سبحانه (وتأتون في ناديكم ~~المنكر). وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في الآية قال: هو الحذف. وأخرج عبد ~~بن حميد عن ابن عباس مثله. وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة في الآية قالت: الضراط. وأخرج الفريابي ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ~~(فأخذتهم الرجفة) قال: الصيحة، وفي قوله (وما كانوا مستبصرين) قال: في ~~الضلالة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا) قال: قوم لوط (ومنهم من أخذته الصيحة) قال: ثمود (ومنهم من ~~خسفنا به الأرض) قال: قارون (ومنهم من أغرقنا) قال: قوم نوح. PageV04P203 # قوله (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء) يوالونهم ويتكلون عليهم في ~~حاجاتهم من دون الله سواء كانوا من الجماد أو الحيوان، ومن الأحياء أو من ~~الأموات (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) فإن بيتها لا يغني عنها شيئا لا في حر ~~ولا قر ولا مطر، كذلك ما اتخذوه وليا من دون الله، فإنه لا ينفعهم بوجه من ~~وجوه النفع ولا يغني عنهم شيئا. قال الفراء: هو مثل ضربه الله لمن اتخذ من ~~دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا. ~~قال: ولا يحسن الوقف على العنكبوت لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها ms2988 الذي لا ~~يقيها من شئ شبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به، وقد جوز الوقف على ~~العنكبوت الأخفش، وغلطه ابن الأنباري قال: لأن اتخذت صلة للعنكبوت كأنه ~~قال: كمثل العنكبوت التي اتخذت بيتا، فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول ~~والعنكبوت تقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وتجمع على عناكب ~~وعنكبوتات، وهي الدويبة الصغيرة التي تنسج نسجا رقيقا. وقد يقال لها ~~عكنبات، ومنه قول الشاعر: # كأنما يسقط من لغامها * بيت عكنبات على زمامها (وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت) لا بيت أضعف منه مما يتخذه الهوام بيتا ولا يدانيه في الوهي ~~والوهن شئ من ذلك (لو كانوا يعلمون) أن اتخاذهم الأولياء من دون الله ~~كاتخاذ العنكبوت بيتا، أو لو كانوا يعلمون شيئا من العلم لعلموا بهذا (إن ~~الله يعلم ما تدعون من دونه من شئ) ما استفهامية، أو نافية أو موصولة، ومن ~~للتبعيض أو مزيدة للتوكيد. وقيل إن هذه الجملة على إضمار القول: أي قل ~~للكافرين إن الله يعلم أي شئ يدعون من دونه. وحرم أبو علي الفارسي بأنها ~~استفهامية، وعلى تقدير النفي كأنه قيل: إن الله يعلم أنكم لا تدعون من دونه ~~من شئ: يعني ما تدعونه ليس بشئ، وعلى تقدير الموصولة: إن الله يعلم الذين ~~تدعونهم من دونه، ويجوز أن تكون ما مصدرية، ومن شئ عبارة عن المصدر. قرأ ~~عاصم وأبو عمرو ويعقوب " يدعون " بالتحتية. # واختار هذه القراءة أبو عبيد لذكر الأمم قبل هذه الآية. وقرأ الباقون ~~بالفوقية على الخطاب (وهو العزيز الحكيم) الغالب المصدر أفعاله على غاية ~~الإحكام والإتقان (وتلك الأمثال نضربها للناس) أي هذا المثل وغيره من ~~الأمثال التي في القرآن نضربها للناس نبها لهم وتقريبا لما بعد من أفهامهم ~~(وما يعقلها) أي يفهمها ويتعقل الأمر الذي ضربناها لأجله (إلا العالمون) ~~بالله الراسخون في العلم المتدبرون المتفكرون لما يتلى عليهم وما يشاهدونه ~~(خلق الله السماوات والأرض بالحق) أي بالعدل والقسط مراعيا في خلقها مصالح ~~عباده. وقيل المراد بالحق كلامه وقدرته. # ومحل بالحق النصب على الحال (إن ms2989 في ذلك لآية للمؤمنين) أي لدلالة عظيمة ~~وعلامة ظاهرة على قدرته وتفرده بالإلهية، وخص المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون ~~بذلك (أتل ما أوحي إليك من الكتاب) أي القرآن. وفيه الأمر بالتلاوة للقرآن ~~والمحافظة على قراءته مع التدبر لآياته والتفكر في معانيه (وأقم الصلاة إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) أي دم على إقامتها واستمر على أدائها كما ~~أمرت بذلك. وجملة " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " تعليل لما قبلها، ~~والفحشاء ما قبح من العمل، والمنكر مالا يعرف في الشريعة: أي تمنعه عن ~~معاصي الله وتبعده منها، ومعنى نهيها عن ذلك أن فعلها يكون سببا للانتهاء، ~~والمراد هنا الصلوات المفروضة (ولذكر الله أكبر) أي أكبر من كل شئ: أي أفضل ~~من العبادات كلها بغير ذكر. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر ~~على الإطلاق: أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في ~~الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة لأن الانتهاء لا يكون ~~إلا من ذاكر لله مراقب له. وقيل ذكر الله أكبر من الصلاة في النهي عن ~~الفحشاء والمنكر مع المداومة عليه. قال الفراء وابن قتيبة: المراد بالذكر ~~في الآية التسبيح والتهليل، يقول هو PageV04P204 # أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر. وقيل المراد بالذكر هنا الصلاة: ~~أي وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وعبر عنها بالذكر كما في قوله - فاسعوا ~~إلى ذكر الله - للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في تفضيلها على ~~سائر الطاعات، وقيل المعنى: ولذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم منه أكبر ~~من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، واختار هذا ابن جرير، ويؤيده حديث " من ~~ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " ~~(والله يعلم ما تصنعون) لا تخفى عليه من ذلك خافية فهو مجازيكم بالخير خيرا ~~وبالشر شرا (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) أي إلا بالخصلة ~~التي هي أحسن، وذلك على سبيل الدعاء لهم إلى الله عز ms2990 وجل والتنبيه لهم على ~~حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة ~~(إلا الذين ظلموا منهم) بأن أفرطوا في المجادلة ولم يتأدبوا مع المسلمين ~~فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم، هكذا فسر الآية أكثر ~~المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى. وقيل معنى الآية: # لا تجادلوا من آمن بمحمد من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وسائر من آمن ~~منهم إلا بالتي هي أحسن: يعني بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أهل ~~الكتاب، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا القول هم الباقون على كفرهم. # وقيل هذه الآية منسوخة بآيات القتال، وبذلك قال قتادة ومقاتل. قال ~~النحاس: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال ~~مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك. قال سعيد بن جبير ومجاهد: إن المراد ~~بالذين ظلموا منهم الذين نصبوا القتال للمسلمين فجدالهم بالسيف حتى يسلموا ~~أو يعطوا الجزية (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا) من القرآن (وأنزل إليكم) ~~من التوراة والإنجيل: أي آمنا بأنهما منزلان من عند الله وأنهما شريعة ~~ثابته إلى قيام الشريعة الإسلامية والبعثة المحمدية، ولا يدخل في ذلك ما ~~حرفوه وبدلوه (وإلهنا وإلهكم واحد) لا شريك له ولا ضد ولا ند (ونحن له ~~مسلمون) أي ونحن معاشر أمة محمد مطيعون له خاصة، لم نقل عزير ابن الله ولا ~~المسيح ابن الله، ولا اتخذنا أحبارنا ورهباننا به أربابا من دون الله، ~~ويحتمل أن يراد ونحن جميعا منقادون له، ولا يقدح في هذا الوجه كون انقياد ~~المسلمين أتم من انقياد أهل الكتاب وطاعتهم أبلغ من طاعاتهم. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء) الآية قال: ذاك مثل ضربه الله لمن عبد غيره أن مثله كمثل بيت ~~العنكبوت. وأخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " العنكبوت شيطان مسخها الله فمن وجدها فليقتلها ~~". وأخرج ابن أبي حاتم عن ms2991 مزيد بن ميسرة قال: العنكبوت شيطان. وأخرج الخطيب ~~عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " دخلت أنا وأبو بكر ~~الغار فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن " وروى القرطبي في تفسيره ~~عن علي أيضا أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيت يورث ~~الفقر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني قال: نسجت العنكبوت مرتين مرة ~~على داود، والثانية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) قال: # في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~عمران بن حصين قال " سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله (إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فقال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء ~~والمنكر فلا صلاة له ". وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من لم تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا ". وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير والبيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " من لم تنهه صلاته عن PageV04P205 # الفحشاء والمنكر فلا صلاة له " وفي لفظ " لم يزدد بها من الله إلا بعدا ~~". وأخرج الخطيب عن ابن عمر مرفوعا نحوه. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا نحوه. قال ~~السيوطي: وسنده ضعيف. # وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في ~~الشعب عنه نحوه موقوفا. قال ابن كثير في تفسيره: والأصح في هذا كله ~~الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش وغيرهم. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولذكر ~~الله أكبر) يقول: ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ذكرهم إياه. وأخرج ~~الفريابي وسعيد بن منصور وابن ms2992 جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن ربيعة قال: سألني ابن عباس عن قول ~~الله (ولذكر الله أكبر) فقلت: ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتكبير قال: ~~لذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، ثم قال: # اذكروني أذكركم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ~~وابن جرير عن ابن مسعود (ولذكر الله أكبر) قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر ~~العبد لله. وأخرج ابن السني وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر نحوه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: لها وجهان: ~~ذكر الله أكبر مما سواه، وفي لفظ: ذكر الله عندما حرمه وذكر الله إياكم ~~أعظم من ذكركم إياه. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال: ~~ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في ~~سبيل الله؟ قال: ولا أن يضرب بسيفه حتى يتقطع، لأن الله يقول في كتابه ~~العزيز (ولذكر الله أكبر). وأخرج سعيد ابن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر ~~والحاكم في الكنى والبيهقي في الشعب عن عنترة قال: قلت لابن عباس أي العمل ~~أفضل؟ قال: ذكر الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن) قال: بلا إله إلا الله. وأخرج البخاري والنسائي ~~وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: ~~كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ~~ونحن له مسلمون ". وأخرج البيهقي في الشعب والديلمي وأبو نصر السجزي في ~~الإبانة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدقوا ms2993 ~~بباطل، أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن ~~يتبعني ". وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود قال: " لا تسألوا أهل ~~الكتاب، وذكر نحو حديث جابر، ثم قال: فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما ~~واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه ". PageV04P206 # قوله (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب) هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والإشارة إلى مصدر الفعل كما بيناه في مواضع كثيرة: أي ومثل ذلك ~~الإنزال البديع أنزلنا إليك الكتاب، وهو القرآن، وقيل المعنى: # كما أنزلنا الكتاب عليهم أنزلنا عليك القرآن (فالذين آتيناهم الكتاب ~~يؤمنون به) يعني مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام، وخصهم بإيتائهم ~~الكتاب لكونهم العاملين به وكأن غيرهم لم يؤتوه لعدم عملهم بما فيه وجحدهم ~~لصفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المذكورة فيه (ومن هؤلاء من يؤمن ~~به) الإشارة إلى أهل مكة، والمراد أن منهم، وهو من قد أسلم من يؤمن به: أي ~~بالقرآن. وقيل الإشارة إلى جميع العرب (وما يجحد بآياتنا) أي آيات القرآن ~~(إلا الكافرون) المصممون على كفرهم من المشركين وأهل الكتاب (وما كنت تتلوا ~~من قبله من كتاب) الضمير في قبله راجع إلى القرآن لأنه المراد بقوله أنزلنا ~~إليك الكتاب: أي ما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتابا ولا تقدر على ذلك ~~لأنك أمي لا تقرأ ولا تكتب (ولا تخطه بيمينك) أي ولا تكتبه لأنك لا تقدر ~~على الكتابة. قال مجاهد: # كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لا يخط ~~ولا يقرأ فنزلت هذه الآية. قال النحاس: وذلك دليل على نبوته لأنه لا يكتب ~~ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل كتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم ~~(إذا لارتاب المبطلون) أي لو كانت ممن يقدر على التلاوة والخط لقالوا لعله ~~وجد ما يتلوه علينا من كتب الله السابقة أو من الكتب المدونة في أخبار ~~الأمم، فلما كنت أميا لا تقرأ ولا ms2994 تكتب لم يكن هناك موضع للريبة ولا محل ~~للشك أبدا، بل إنكار من أنكر وكفر من كفر مجرد عناد وجحود بلا شبهة، وسماهم ~~مبطلين لأن ارتيابهم على تقدير أنه صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ ويكتب ظلم ~~منهم لظهور نزاهته ووضوح معجزاته (بل هو آيات بينات) يعني القرآن (في صدور ~~الذين أوتوا العلم) يعني المؤمنين الذين حفظوا القرآن على عهده صلى الله ~~عليه وآله وسلم وحفظوه بعده، وقال قتادة ومقاتل: إن الضمير يرجع إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أي بل محمد آيات بينات: أي ذو آيات. وقرأ ابن ~~مسعود " بل هي آيات بينات " قال الفراء: معنى هذه القراءة: بل آيات القرآن ~~آيات بينات. واختار ابن جرير ما قاله قتادة ومقاتل، وقد استدل لما قالاه ~~بقراءة ابن السميفع " بل هذا آيات بينات " ولا دليل في هذه القراءة على ~~ذلك، لأن الإشارة يجوز أن تكون إلى القرآن كما جاز أن تكون إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، بل رجوعها إلى القرآن أظهر لعدم احتياج ذلك إلى ~~التأويل، والتقدير (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) أي المجاوزون للحد في ~~الظلم (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه) أي قال المشركون هذا القول، ~~والمعنى: هلا أنزلت عليه آيات كآيات الأنبياء، وذلك كآيات موسى وناقة صالح ~~وإحياء المسيح للموتى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم فقال (قل إنما ~~الآيات عند الله) ينزلها على من يشاء من عباده ولا قدرة لأحد على ~~PageV04P207 # ذلك (وإنما أنا نذير مبين) أنذركم كما أمرت وأبين لكم كما ينبغي، ليس في ~~قدرتي غير ذلك. قرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي " لولا أنزل عليه آية ~~" بالإفراد. وقرأ الباقون بالجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله " قل ~~إنما الآيات " (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) هذه الجملة ~~مستأنفة للرد على اقتراحهم وبيان بطلانه. # أي أو لم يكف المشركين من الآيات التي اقترحوها هذا الكتاب المعجز الذي ~~قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه فعجزوا، ولو ms2995 أتيتهم بآيات موسى ~~وآيات غيره من الأنبياء لما آمنوا، كما لم يؤمنوا بالقرآن الذي يتلى عليهم ~~في كل زمان ومكان (إن في ذلك) الإشارة إلى الكتاب الموصوف بما ذكر (لرحمة) ~~عظيمة في الدنيا والآخرة (وذكرى) في الدنيا يتذكرون بها وترشدهم إلى الحق ~~(لقوم يؤمنون) أي لقوم يصدقون بما جئت به من عند الله فإنهم هم الذين ~~ينتفعون بذلك (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا) أي قل للمكذبين كفى الله ~~شهيدا بما وقع بيني وبينكم (يعلم ما في السماوات والأرض) لا تخفى عليه من ~~ذلك خافية، ومن جملته ما صدر بينكم وبين رسوله (والذين آمنوا بالباطل ~~وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون) أي آمنوا بما يعبدونه من دون الله وكفروا ~~بالحق وهو الله سبحانه، أولئك هم الجامعون بين خسران الدنيا والآخرة ~~(ويستعجلونك بالعذاب) استهزاء وتكذيبا منهم بذلك كقولهم - أمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم - (ولولا أجل مسمى) قد جعله الله لعذابهم ~~وعينه، وهو القيامة، وقال الضحاك: الأجل مدة أعمارهم لأنهم إذا ماتوا صاروا ~~إلى العذاب (لجاءهم العذاب) أي لولا ذلك الأجل المضروب لجاءهم العذاب الذي ~~يستحقونه بذنوبهم. وقيل المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى، وقيل الوقت ~~الذي قدره الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر. والحاصل أن لك ~~عذاب أجلا لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه كما في قوله سبحانه - لكل نبأ مستقر ~~- وجملة (وليأتينهم بغتة) مستأنفة مبينة لمجيء العذاب المذكور قبلها، ومعنى ~~بغتة فجأة، وجملة (وهم لا يشعرون) في محل نصب على الحال: أي حال كونهم لا ~~يعلمون بإتيانه، ثم ذكر سبحانه أن موعد عذابهم النار فقال (يستعجلونك ~~بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي يطلبون منك تعجيل عذابهم والحال أن ~~مكان العذاب محيط بهم: أي سيحيط بهم عن قرب، فإن ما هو آت قريب، والمراد ~~بالكافرين جنسهم فيدخل فيه هؤلاء المستعجلون دخولا أوليا، فقوله ~~(ويستعجلونك بالعذاب) إخبار عنهم، وقوله ثانيا (يستعجلونك بالعذاب تعجب) ~~منهم، وقيل التكرير للتأكيد. ثم ذكر سبحانه كيفية إحاطة العذاب بهم فقال ~~(يوم يغشاهم العذاب ms2996 من فوقهم ومن تحت أرجلهم) أي من جميع جهاتهم فإذا غشيهم ~~العذاب على هذه الصفة فقد أحاطت بهم جهنم (ونقول ذوقوا ما كنتم تعملون) ~~القائل هو الله سبحانه أو بعض ملائكته يأمره: أي ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون ~~من الكفر والمعاصي. قرأ أهل المدينة والكوفة " نقول " بالنون. وقرأ الباقون ~~بالتحتية، واختار القراءة الأخيرة أبو عبيد لقوله (قل كفى بالله) وقرأ ابن ~~مسعود وابن أبي عبلة " ويقال ذوقوا ". # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والإسماعيلي في معجمه عن ~~ابن عباس في قوله (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) قال: لم ~~يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ ولا يكتب كان أميا، وفي قوله ~~(بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) قال: كان الله أنزل شأن محمد ~~في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم وجعله لهم آية فقال لهم: إن آية ~~نبوته أن يخرج حين يخرج ولا يعلم كتابا ولا يخطه بيمينه، وهي الآيات ~~البينات التي قال الله تعالى. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله ~~(وما كنت PageV04P208 # تتلوا من قبله من كتاب) الآية قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقرأ ولا يكتب. وأخرج الفريابي والدارمي وأبو داود في مراسيله وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة قال: جاء أناس من المسلمين ~~بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم " كفى بقوم حمقا أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ~~ما جاء به غيره إلى غيرهم " فنزلت (أو لم يكفهم) الآية. وأخرجه الإسماعيلي ~~في معجمه وابن مردويه من طريق يحيى بن جعدة عن أبي هريرة فذكره بمعناه. ~~وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب عن الزهري " أن حفصة جاءت ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف، فجعلت تقرؤه ~~والنبي صلى الله عليه وآله ms2997 وسلم يتلون وجهه فقال: والذي نفسي بيده لو أتاكم ~~يوسف وأنا نبيكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم ". وأخرج عبد الرزاق وابن سعد ~~وابن الضريس والحاكم في الكنى والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن الحارث ~~الأنصاري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب ~~فيه مواضع من التوراة فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، ~~فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغيرا شديدا لم أر مثله قط، ~~فقال عبد الله بن الحرث لعمر: أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، فسرى عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني ~~لضللتم، أنا حظكم من النبيين وأنتم حظكم من الأمم ". وأخرج نحوه عبد الرزاق ~~والبيهقي من طريق أبي قلابة عن عمر. وأخرج البيهقي وصححه عن عمر بن الخطاب ~~قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تعلم التوراة فقال: لا ~~تتعلمها وآمن بها، وتعلموا ما أنزل إليكم وآمنوا به ". وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) قال: # جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه وتكون فيه الشمس والقمر ثم ~~يستوقد فيكون هو جهنم، وفي هذا نكارة شديدة، فإن الأحاديث الكثيرة الصحيحة ~~ناطقة بأن جهنم موجودة مخلوقة على الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة. ~~PageV04P209 # لما ذكر سبحانه حال الكفرة من أهل الكتاب ومن المشركين وجمعهم في الإنذار ~~وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء المسلمين ~~بكل وجه فقال الله سبحانه (يا عبادي الذين آمنوا) أضافهم إليه بعد خطابه ~~لهم تشريفا وتكريما، والذين آمنوا صفة موضحة أو مميزة (إن أرضي واسعة إن ~~كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان، وفي مكايدة للكفار فأخرجوا منها لتتيسر ~~لكم عبادتي وحدي وتتسهل رسول عليكم. # قال الزجاج: أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله، ~~وكذلك ms2998 يجب على من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن ~~يهاجر إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته. وقال مطرف بن الشخير: # المعنى إن رحمتي واسعة ورزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض. وقيل المعنى: إن ~~أرضي التي هي أرض الجنة واسعة فاعبدون حتى أورثكموها. وانتصاب إياي بفعل ~~مضمر: أي فاعبدوا إياي. ثم خوفهم سبحانه بالموت ليهون عليهم أمر الهجرة ~~فقال (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) أي كل نفس من النفوس واجدة ~~مرارة الموت لا محالة، فلا يصعب عليكم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان ~~والخلان، ثم إلى الله المرجع بالموت والبعث لا إلى غيره، فكل حي في سفر إلى ~~دار القرار وإن طال لبثه في هذه الدار (والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا) في هذا الترغيب إلى الهجرة، وأن جزاء من هاجر أن ~~يكون في غرف الجنة ومعنى " لنبوئنهم " لننزلنهم غرف الجنة، وهي علاليها: ~~فانتصاب غرفا على أنه المفعول الثاني على تضمين نبوتهم معنى ننزلنهم أو على ~~الظرفية مع عدم التضمين، لأن نبوتهم لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. وإما ~~منصوب بنزع الخافض اتساعا: أي في غرف الجنة، وهو مأخوذ من المباءة وهي ~~الإنزال. قرأ أبو عمرو ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش ~~وحمزة والكسائي وخلف " يا عبادي " بإسكان الياء وفتحها الباقون. وقرأ ابن ~~عامر " إن أرضي " بفتح الياء، وسكنها الباقون. وقرأ السلمي وأبو بكر عن ~~عاصم " يرجعون " بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية. وقرأ ابن مسعود والأعمش ~~ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي " لنثوينهم " بالثاء المثلثة مكان الباء ~~الموحدة. وقرأ الباقون بالباء الموحدة، ومعنى لنثوينهم بالمثلثة: لنعطينهم ~~غرفا يثوون فيها من الثوى وهو الإقامة. قال الزجاج: يقال ثوى الرجل: إذا ~~أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. قال الأخفش: لا تعجبني هذه ~~القراءة لأنك لا تقول أثويته الدار، بل تقول في الدار، وليس في الآية حرف ~~جر في المفعول الثاني. قال أبو علي الفارسي: هو على إرادة حرف الجر، ثم حذف ~~كما ms2999 تقول أمرتك الخير: أي بالخير. ثم وصف سبحانه تلك الغرف فقال (تجري من ~~تحتها الأنهار) PageV04P210 # أي من تحت الغرف (خالدين فيها) أي في الغرف لا يموتون أبدا، أو في الجنة، ~~والأول أولى (نعم أجر العاملين) المخصوص بالمدح محذوف: أي نعم أجر العاملين ~~أجرهم، والمعنى: العاملين للأعمال الصالحة. ثم وصف هؤلاء العاملين فقال ~~(الذين صبروا) على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون ~~منصوبا على المدح (وعلى ربهم يتوكلون) أي يفوضون أمورهم إليه في كل إقدام ~~وإحجام. ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب ~~فقال (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) فقد تقدم الكلام في ~~كأين، وأن أصلها أي دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم كما صرح به ~~الخليل وسيبويه، وتقديرها عندهما كشئ كثير من العدد من دابة. وقيل المعنى: ~~وكم من دابة. ومعنى " لا تحمل رزقها " لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره، ~~وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم ~~وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها. قال الحسن: ~~تأكل لوقتها، لا تدخر شيئا. قال مجاهد: # يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئا (وهو السميع) الذي يسمع ~~كل مسموع (العليم) بكل معلوم. # ثم إنه سبحانه ذكر حال المشركين من أهل مكة وغيرهم وعجب السامع من كونهم ~~يقرون بأنه خالقهم ورازقهم ولا يوحدونه ويتركون عبادة غيره فقال (ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله) أي خلقها، ~~لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يتمكنون من جحوده (فأنى يؤفكون) أي فكيف ~~يصرفون عن الإقرار بتفرده بالإلهية، وأنه وحده لا شريك له، والاستفهام ~~للإنكار والاستبعاد. ولما قال المشركون لبعض المؤمنين: لو كنتم على حق لم ~~تكونوا فقراء دفع سبحانه ذلك بقوله (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر له) أي التوسيع في الرزق والتقتير له هو من الله الباسط القابض يبسطه ~~لمن يشاء ويضيقه على من ms3000 يشاء على حسب ما تقتضيه حكمته، وما يليق بحال عباده ~~من القبض والبسط، ولهذا قال (إن الله بكل شئ عليم) يعلم ما فيه صلاح عباده ~~وفسادهم (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله) أي نزله وأحيا به الأرض الله،: يعترفون بذلك لا يجدون إلى ~~إنكاره سبيلا. ثم لما اعترفوا هذا الاعتراف في هذه الآيات، وهو يقتضي بطلان ~~ما هم عليه من الشرك وعدم إفراد الله سبحانه بالعبادة، أمر رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يحمد الله على إقرارهم وعدم جحودهم مع تصلبهم في العناد ~~وتشددهم في رد كل ما جاء به رسول الله من التوحيد فقال (قل الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعقلون) أي احمد الله على أن جعل الحق معك، وأظهر حجرك عليهم، ثم ~~ذمهم فقال (بل أكثرهم لا يعقلون) الأشياء التي يتعقلها العقلاء. فلذلك لا ~~يعملون بمقتضى ما عترفوا به مما يستلزم بطلان ما هم عليه عند كل عاقل. ثم ~~أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا وأنها من جنس اللعب واللهو: وأن الدار على ~~الحقيقة هي دار الآخرة فقال (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولهب) من جنس ~~ما يلهو به الصبيان ويلعبون به (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان). قال ابن ~~قتيبة وأبو عبيدة: إن الحيوان الحياة. قال الواحدي: وهو قول جميع المفسرين ~~ذهبوا إلى أن معنى الحيوان ههنا الحياة، وأنه مصدر بمنزلة الحياة فيكون ~~كالنزوان والغليان ويكون التقدير: وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أو ~~ذات الحيوان: أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا ينغصها موت ولا مرض، ~~ولا هم ولا غم (لو كانوا يعلمون) شيئا من العلم لما آثروا عليها الدار ~~الفانية المنغصة. ثم بين سبحانه أنه ليس المانع لهم من الإيمان إلا مجرد ~~تأثير الحياة فقال (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) أي إذا ~~انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق رجعوا إلى الفطرة، فدعوا الله وحده ~~كائنين على صورة المخلصين له الدين بصدق ms3001 نياتهم، وتركهم عند ذلك لدعاء ~~الأصنام لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه ~~(فلما نجاهم PageV04P211 # إلى البر إذا هم يشركون) أي فاجئوا المعاودة إلى الشرك، ودعوا غير الله ~~سبحانه. والركوب هو الاستعلاء، وهو متعد بنفسه، وإنما عدي بكلمة في للإشعار ~~بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة، واللام في (ليكفروا بما آتيناهم) وفي ~~قوله (وليتمتعوا) للتعليل: أي فاجئوا الشرك بالله ليكفروا بنعمة الله ~~وليتمتعوا بهما فهما في الفعلين لام كي، وقيل هما لاما الأمر تهديدا ~~ووعيدا: أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة وتمتعوا، ويدل على هذه القراءة ~~قراءة أبي " وتمتعوا " وهذا الاحتمال للأمرين إنما هو على قراءة أبي عمرو ~~وابن عامر وعاصم وورش بكسر اللام، وأما على قراءة الجمهور بسكونها فلا خلاف ~~أنها لام الأمر، وفي قوله (فسوف يعلمون) تهديد عظيم لهم: # أي فسيعلمون عاقبة ذلك وما فيه من الوبال عليهم (أو لم يروا أنا جعلنا ~~حرما آمنا) أي ألم ينظروا: يعني كفار قريش أنا جعلنا حرمهم هذا حرما آمنا ~~يأمن فيه ساكنه من الغارة والقتل والسبي والنهب فصاروا في سلامة وعافية مما ~~صار فيه غيرهم من العرب فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم ~~الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب ~~وشياطينها، وجملة (ويتخطف الناس من حولهم) في محل نصب على الحال: أي ~~يختلسون من حولهم بالقتل والسبي والنهب، والخطف: الأخذ بسرعة، وقد مضى ~~تحقيق معناه في سورة القصص (أفبالباطل يؤمنون) وهو الشرك بعد ظهور حجة الله ~~عليهم وإقرارهم بما يوجب التوحيد (وبنعمة الله يكفرون) يجعلون كفرها مكان ~~شكرها، وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ مالا يقادر قدره (ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا) أي لا أحد أظلم منه، وهو من زعم أن الله شريكا ~~(أو كذب بالحق لما جاءه) أي كذب بالرسول الذي أرسل إليه والكتاب الذي أنزله ~~على رسوله. وقال السدي: كذب بالتوحيد، والظاهر شموله لما يصدق عليه أنه حق. ~~ثم هدد المكذبين وتوعدهم فقال: أليس في جهنم ms3002 مثوى للكافرين (أي مكان ~~يستقرون فيه، والاستفهام للتقرير، والمعنى: أليس يستحقون الاستقرار فيها ~~وقد فعلوا. ثم لما ذكر حال المشركين الجاحدين للتوحيد الكافرين بنعم الله ~~أردفه بحال عباده الصالحين، فقال (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) أي ~~جاهدوا في شأن الله لطلب مرضاته ورجاء ما عنده من الخير لنهدينهم سبلنا: أي ~~الطريق الموصل إلينا. قال ابن عطية: هي مكية نزلت قبل فرض الجياد العرفي، ~~وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته، وقيل: الآية هذه نزلت في ~~العباد. وقال إبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون (وإن الله ~~لمع المحسنين) بالنصر والعون، ومن كان معه لم يخذل، ودخلت لام التوكيد على ~~مع بتأويل كونها اسما، أو على أنها حرف ودخلت عليها لإفادة معنى الاستقرار ~~كما تقول: ان زيدا لفي الدار، والبحث مقرر في علم النحو. # وقد أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " لما نزلت هذه الآية - إنك ميت وإنهم ميتون - قلت يا رب ~~أيموت الخلائق كلهم ويبقى الأنبياء؟ فنزلت - كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون - ". وينظر كيف صحة هذا، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن ~~يسمع قول الله سبحانه - إنك ميت وانهم ميتون - يعلم أنه ميت، وقد علم أن من ~~قبله من الأنبياء قد ماتوا، وأنه خاتم الأنبياء فكيف ينشأ عن هذه الآية ما ~~سأل عنه علي رضي الله عنه من قوله " أيموت الخلائق ويبقى الأنبياء " فلعل ~~هذه الرواية لا تصح مرفوعة ولا موقوفة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر، قال السيوطي بسند ضعيف عن ابن عمر قال " ~~خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، ~~فجعل يلتقط التمر ويأكل، فقال لي: مالك لا تأكل؟ قلت: لا أشتهيه يا رسول ~~الله، قال: لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ولم أجده، ولو شئت ~~لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى ms3003 وقيصر، PageV04P212 # فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يحبون رزق سنتهم ويضعف اليقين. قال: ~~فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت (وكأين من دابة لا تحمل رزقها) الآية، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ~~ولا باتباع الشهوات، إلا وإني لا أكنز دينارا ولا درهما، ولا أخبأ رزقا لغد ~~". وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته لما كان عليه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث ~~المعتبرة. وفي إسناده أبو العطوف الجوزي وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وان الدار الآخرة لهي الحيوان) قال: ~~باقية. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن أبي جعفر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الحيوان وهو ~~يسعى لدار الغرور " وهو مرسل. # تفسير سورة الروم هي ستون اية، قال القرطبي كلها مكية بلا خلاف وأخرج ابن ~~الضرير والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة الروم بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج عبد ~~الرزاق وأحمد. قال السيوطي بسند حسن عن رجل من الصحابة: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ فيهم سورة الروم. وأخرج البزار عن ~~الأغر المدني مثله. وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك بن عمير أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروم. وأخرج ~~ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد وابن قانع من طريق عبد الملك بن عمير مثل ~~حديث الرجل الذي من الصحابة وزاد يتردد فيها، فلما انصرف قال: إنما يلبس ~~علينا في صلاتنا قوم يحضرون الصلاة بغير طهور، من شهد الصلاة فليحسن ~~الطهور. PageV04P213 # قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة وتقدم الكلام ~~على محلها من الإعراب ومحل أمثالها في ms3004 غير موضع من فواتح السور، قرأ ~~الجمهور: غلبت الروم بضم الغين المعجمة وكسر اللام مبنيا للمفعول، وقرأ علي ~~بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري ومعاوية بن قرة وابن عمر وأهل الشام بفتح ~~الغين واللام مبنيا للفاعل. قال النحاس: قراءة أكثر الناس (غلبت) بضم الغين ~~وكسر اللام. قال أهل التفسير: غلبت فارس الروم ففرح بذلك كفار مكة وقالوا: ~~الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين وقالوا: ~~نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم ~~على فارس لأنهم أهل كتاب. ومعنى (في أدنى الأرض) في أقرب أرضهم من أرض ~~العرب، أو في أقرب أرض العرب منهم، قيل هي أرض الجزيرة، وقيل أذرعات، وقيل ~~كسكر، وقيل الأردن، وقيل فلسطين، وهذه المواضع هي أقرب إلى بلاد العرب من ~~غيرها، وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهود في ألسنتهم إذا ~~أطلقوا الأرض أرادوا بها جزيرة العرب وقيل إن الألف واللام عوض عن المضاف ~~إليه، والتقدير: في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم، ويكون المعنى: في ~~أقرب أرض الروم من العرب. قال ابن عطية: إن كانت الوقعة بأذرعات فهي من ~~أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس ~~إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم (وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون) أي والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون أهل فارس، والغلب ~~والغلبة لغتان، والمصدر مضاف إلى المفعول على قراءة الجمهور، وإلى الفاعل ~~على قراءة غيرهم. قرأ الجمهور " سيغلبون " مبنيا للفاعل وقرأ علي وأبو سعيد ~~ومعاوية بن قرة وابن عمر وأهل الشام على البناء للمفعول، وسيأتي في آخر ~~البحث ما يقوي قراءة الجمهور في الموضعين. وقرأ أبو حياة الشامي وابن ~~السميفع " من بعد غلبهم " بسكون اللام (في بضع سنين) متعلق بما قبله، وقد ~~تقدم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف، والمراد به هنا ما بين الثلاثة ~~إلى العشرة (لله الأمر من قبل ومن بعد) أي هو المنفرد بالقدرة وإنقاذ ms3005 ~~الأحكام وقت مغلوبيتهم ووقت غالبيتهم، فكل ذلك بأمر الله سبحانه وقضائه، ~~قرأ الجمهور " من قبل ومن بعد " بضمهما لكونهما مقطوعين عن الإضافة، ~~والتقدير: من قبل الغلب ومن بعده، أو من قبل كل أمر ومن بعده. وحكى الكسائي ~~من قبل ومن بعد بكسر الأول منونا وضم الثاني بلا تنوين. وحكى الفراء من قبل ~~ومن بعد بكسرهما من غير تنوين، وغلطه النحاس. قال شهاب الدين: قد قرئ ~~بكسرهما منونين. قال الزجاج: ومعنى الآية: من متقدم ومن متأخر (ويومئذ يفرح ~~المؤمنون بنصر الله) أي يوم أن تغلب الروم على فارس في بضع سنين يفرح ~~المؤمنون بنصر الله للروم لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب، بخلاف ~~فارس فإنه لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم، وقيل نصر الله ~~هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، ~~والأول أولى. قال الزجاج: وهذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من ~~عند الله لأنه إنباء بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه (ينصر من ~~يشاء) أن ينصره (وهو العزيز) الغالب القاهر (الرحيم) الكثير الرحمة لعباده ~~المؤمنين، وقيل المراد بالرحمة هنا: الدنيوية، وهي شاملة للمسلم والكفر ~~(وعد الله لا يخلف الله وعده) أي وعد الله وعدا لا يخلفه، وهو ظهور الروم ~~على فارس (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أن الله لا يخلف وعده، وهم ~~PageV04P214 # الكفار، وقيل كفار مكة على الخصوص (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) أي ~~يعلمون ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها وأمر معاشهم وأسباب تحصيل ~~فوائدهم الدنيوية، وقيل هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند ~~استراقهم السمع، وقيل الظاهر الباطل (وهم عن الآخرة) التي هي النعمة ~~الدائمة، واللذة الخالصة (هم غافلون) لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما ~~يحتاج إليه. أو غافلون عن الإيمان بها والتصديق بمجيئها (أو لم يتفكروا في ~~أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما) الهمزة للانكار عليهم ~~والواو للعطف على مقدر كما في نظائره، وفي أنفسهم ms3006 ظرف للتفكر وليس مفعولا ~~للتفكر والمعنى: أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ~~ينبغي لعلموا وحدانية الله وصدق أنبيائه، وقيل إنها مفعول للتفكر. والمعنى: ~~أو لم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئا، و " ما " في " ما خلق ~~الله " نافية: أي لم يخلقها إلا بالحق الثابت الذي يحق ثبوته أو هي اسم في ~~محل نصب على إسقاط الخافض: أي بما خلق الله والعامل فيها إما العلم الذي ~~يؤدي إليه التفكر. وقال الزجاج: في الكلام حذف: أي فيعلموا، فجعل ما معمولة ~~للفعل المقدر لا للعلم المدلول عليه، والباء في (إلا بالحق) إما للسببية، ~~أو هي ومجرورها في محل نصب على الحال: أي ملتبسة بالحق. قال الفراء: معناه ~~إلا للحق: أي للثواب والعقاب، وقيل بالحق بالعدل، وقيل بالحكمة، وقيل ~~بالحق: أي أنه هو الحق وللحق خلقها (وأجل مسمى) معطف على الحق: أي وبأجل ~~مسمى للسموات والأرض وما بينهما تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وفي هذا ~~تنبيه على الفناء، وأن لكل مخلوق أجلا لا يجاوزه. وقيل معنى (وأجل مسمى) ~~أنه خلق ما خلق في وقت سماه لخلق ذلك الشئ (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون) أي الكافرون بالبعث بعد الموت، واللام هي المؤكدة، والمراد بهؤلاء ~~الكفار على الإطلاق، أو كفار مكة (أو لم يسيروا في الأرض) الاستفهام ~~للتقريع والتوبيخ لعدم تفكرهم في الآثار وتأملهم لمواقع الاعتبار، والفاء ~~في (فينظروا) للعطف على يسيروا داخل تحت ما تضمنه الاستفهام من التقريع ~~والتوبيخ، والمعنى: أنهم قد ساروا وشاهدوا (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) ~~من طوائف الكفار الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم بالله وجحودهم للحق وتكذيبهم ~~للرسل، وجملة (كانوا أشد منهم قوة) مبينة للكيفية التي كانوا عليها، وأنهم ~~أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية، ومعنى (وأثاروا الأرض) ~~حرثوها وقلبوها للزراعة وزاولوا إلى أسباب ذلك ولم يكن أهل مكة أهل حرث ~~(وعمروها أكثر مما عمروها) أي عمروها عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء، لأن ~~أولئك كانوا أطول منهم أعمارا، ms3007 وأقوى أجساما، وأكثر تحصيلا لأسباب المعاش، ~~فعمروا الأرض بالأبنية والزراعة والغرس (وجاءتهم رسلهم) بالبينات أي ~~المعجزات، وقيل بالأحكام الشرعية (فما كان الله ليظلمهم) بتعذيبهم على غير ~~ذنب (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بالكفر والتكذيب (ثم كان عاقبة الذين ~~أساءوا) أي علموا السيئات من الشرك والمعاصي (السوآي) هي فعلى من السوء ~~تأنيث الأسوأ، وهو الأقبح: أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، ~~وقيل هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، ويجوز أن تكون مصدرا كالبشرى ~~والذكرى، وصفت به العقوبة مبالغة. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاقبة ~~بالرفع على أنها اسم كان، وتذكير الفعل لكون تأنيثها مجازيا، والخبر ~~السوآي: # أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوآي أو الخبر (أن كذبوا) أي كان آخر ~~أمرهم التكذيب، وقرأ الباقون " عاقبة " بالنصب على خبر كان والاسم السويء، ~~أو أن كذبوا، ويكون التقدير: ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا، والسوآي ~~مصدر أساءوا أو صفة لمحذوف. وقال الكسائي: إن قوله (أن كذبوا) في محل نصب ~~على العلة: أي لأن كذبوا بآيات الله التي أنزلها على رسله، أو بأن كذبوا، ~~ومن القائلين بأن السوآي جهنم. الفراء والزجاج وابن قتيبة PageV04P215 # وأكثر المفسرين، وسميت سوآي لكونها تسوء صاحبها. قال الزجاج: المعنى ثم ~~كان عاقبة الذين أشركوا النار بتكذيبهم آيات الله واستهزائهم، وجملة ~~(وكانوا بها يستهزءون) عطف على كذبوا داخلة معه في حكم العلية على أحد ~~القولين، أو في حكم الاسمية لكان، أو الخبرية لها على القول الآخر. # وقد أخرج أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني في الكبير والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ~~والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله (ألم غلبت الروم) قال: كان ~~المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم كانوا أصحاب أوثان، وكان ~~المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر، ~~فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " أما إنهم سيغلبون " فذكره ms3008 أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل ~~بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، ~~فجعل بينهم أجلا خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقال: ألا جعلته أراه قال دون العشر، فظهرت الروم بعد ~~ذلك، فذلك قوله (ألم غلبت الروم) فغلبت، ثم غلبت بعد بقول الله (لله الأمر ~~من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) قال سفيان: سمعت أنهم ~~ظهروا عليهم يوم بدر. وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر ~~عن البراء بن عازب نحوه، وزاد أنه لما مضى الأجل ولم تغلب الروم فارسا، ساء ~~النبي ما جعله أبو بكر من المدة وكرهه وقال: ما دعاك إلى هذا؟ قال: تصديقا ~~لله ولرسوله فقال: تعرض لهم وأعظم الخطة واجعله إلى بضع سنين، فأتاهم أبو ~~بكر فقال: هل لكم في العود فإن العود أحمد؟ قالوا نعم، فلم تمض تلك السنون ~~حتى غلبت الروم فارسا وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا رومية، فقمر أبو بكر ~~فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: هذا ~~السحت تصدق به. وأخرج الترمذي وصححه والدارقطني في الأفراد والطبراني وابن ~~مردويه وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في الشعب عن نيار بن مكرم الأسلمي ~~قال: لما نزلت (ألم غلبت الروم) الآية كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين ~~الروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ~~ذلك يقول الله (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) وكانت قريش تحب ظهور فارس ~~لأنهم وإياهم ليسوا أهل الكتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية ~~خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة (ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون في بضع سنين) فقال ناس من قريش لأبي بكر: ذلك بيننا وبينكم ~~يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال ~~بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن ms3009 أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، ~~وقالوا لأبي بكر: لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك ~~وسطا ننتهي إليه، قال: فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست قبل أن يظهروا، فأخذ ~~المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم، فعاب المسلمون ~~على أبي بكر تسميته ست سنين لأن الله قال (في بضع سنين) فأسلم عند ذلك ناس ~~كثير. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " لأبي بكر: لا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع ما ~~بين ثلاث إلى تسع ". وأخرج البخاري عنه في تاريخه نحوه. وأخرج الفريابي ~~والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ~~سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت ~~(ألم غلبت الروم) قرأها بالنصب: يعني للغين على البناء للفاعل إلى قوله ~~(يفرح المؤمنون بنصر الله). قال: # ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس، وهذه الرواية مفسرة لقراءة أبي سعيد ~~ومن معه. وأخرج الحاكم وصححه PageV04P216 # عن أبي الدرداء قال: سيجيء أقوام يقرءون (ألم غلبت الروم) يعني بفتح ~~الغين، وإنما هي غلبت: يعني بضمها، وفي الباب روايات وما ذكرناه يغني عما ~~سواه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا) يعني معايشهم متى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عمر في قوله (كانوا أشد منهم قوة) قال: كان الرجل ممن كان ~~قبلكم بين منكبيه ميل. # قوله (الله يبدأ الخلق ثم يعيده) أي يخلقهم أولا، ثم يعيدهم بعد الموت ~~أحياء كما كانوا (ثم إليه ترجعون) إلى موقف الحساب، فيجازي المحسن بإحسانه ~~والمسئ بإساءته، وأفرد الضمير في يعيده باعتبار لفظ الخلق، وجمعه في ترجعون ~~باعتبار معناه. قرأ أبو بكر وأبو عمرو " يرجعون " بالتحتية. وقرأ الباقون ~~بالفوقية على الخطاب PageV04P217 # والالتفات المؤذن بالمبالغة (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) قرأ ~~الجمهور " يبلس " على البناء للفاعل. وقرأ السلمي على ms3010 البناء للمفعول، يقال ~~أبلس الرجل: إذا سكت وانقطعت حجته. قال الفراء والزجاج: المبلس الساكت ~~المنقطع في حجته الذي أيس أن يهتدى إليها، ومنه يقول العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا وقال الكلبي: أي يئس ~~المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب، وقد قدمنا تفسير الإبلاس عند قول - ~~فإذا هم مبلسون - (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء) أي لم يكن للمشركين يوم ~~تقوم الساعة من شركائهم الذين عبدوهم من دون الله شفعاء يجيرونهم من عذاب ~~الله (وكانوا) في ذلك الوقت (بشركائهم) أي بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله ~~(كافرين) أي جاحدين لكونهم آلهة لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا ~~يضرون، وقيل إن معنى الآية: كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتهم، والأول ~~أولى (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) أي يتفرق جميع الخلق المدلول عليهم ~~بقوله (الله يبدأ الخلق) والمراد بالتفرق أن كل طائفة تنفرد، فالمؤمنون ~~يصيرون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، وليس المراد تفرق كل فرد منهم عن ~~الآخر، ومثله قوله تعالى - فريق في الجنة وفريق في السعير - وذلك بعد تمام ~~الحساب فلا يجتمعون أبدا. ثم بين سبحانه كيفية تفرقهم فقال (فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون) قال النحاس: سمعت الزجاج يقول ~~معنى " أما " دع ما كنا فيه وخذ في غيره، وكذا قال سيبويه: إن معناها: مهما ~~يكن من شئ فخذ في غير ما كنا فيه، والروضة كل أرض ذات نبات. # قال المفسرون: والمراد بها هنا الجنة، ومعنى يحبرون يسرون، والحبور ~~والحبرة السرور: أي فهم في رياض الجنة ينعمون. قال أبو عبيد: الروضة ما كان ~~في سفل، فإذا كان مرتفعا فهو ترعه. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا ~~كانت في مكان مرتفع، ومنه قول الأعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل وقيل معنى " ~~يحبرون " يكرمون. قال النحاس: حكى الكسائي حبرته: أي أكرمته ونعمته، ~~والأولى تفسير يحبرون بالسرور كما هو المعنى العربي، ونفس دخول الجنة ~~يستلزم الإكرام والنعيم، ms3011 وفي السرور زيادة على ذلك. وقيل التحبير التحسين ~~فمعنى يحبرون يحسن إليهم، وقيل هو السماع الذي يسمعونه في الجنة، وقيل غير ~~ذلك، والوجه ما ذكرناه (وأما الذين كفروا) بالله (وكذبوا بآياتنا) وكذبوا ب ~~(لقاء الآخرة) أي البعث والجنة والنار، والإشارة بقوله (فأولئك) إلى ~~المتصفين بهذه الصفات، وهو مبتدأ وخبره (في العذاب محضرون) أي مقيمون فيه، ~~وقيل مجموعون، وقيل نازلون، وقيل معذبون، والمعاني متقاربة، والمراد دوام ~~عذابهم. ثم لما بين عاقبة طائفة المؤمنين وطائفة الكافرين أرشد المؤمنين ~~إلى ما فيه الأجر الوافر والخير العام فقال (فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون) والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فإذا علمتم ذلك فسبحوا ~~الله: أي نزهوه عما لا يليق به في وقت الصباح والمساء وفي العشي وفي وقت ~~الظهيرة. وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس، فقوله " حين تمسون " ~~صلاة المغرب والعشاء، وقوله " وحين تصبحون " صلاة الفجر، وقوله " وعشيا " ~~صلاة العصر، وقوله " وحين تظهرون " صلاة الظهر، كذا قال الضحاك وسعيد بن ~~جبير وغيرهما. قال الواحدي: قال المفسرون: إن معنى " فسبحان الله " فصلوا ~~لله. قال النحاس: أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات قال: # وسمعت محمد بن يزيد يقول: حقيقته عندي فسبحوا الله في الصلوات، لأن ~~التسبيح يكون في الصلاة، وجملة (وله الحمد في السماوات والأرض) معترضة ~~مسوقة للإرشاد إلى الحمد والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين PageV04P218 # التسبيح كما في قوله سبحانه - فسبح بحمد ربك - وقوله - ونحن نسبح بحمدك - ~~وقيل معنى وله الحمد: أي الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ فيها الحمد، والأول ~~أولى. وقرأ عكرمة " حينا تمسون وحينا تصبحون " والمعنى: # حينا تمسون فيه وحينا تصبحون فيه والعشي من صلاة المغرب إلى العتمة. قال ~~الجوهري، وقال قوم: هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، ومنه قول الشاعر: # غدونا غدوة سحرا بليل * عشيا بعد ما انتصف النهار وقوله (عشيا) معطوف على ~~حين، وفي السماوات متعلق بنفس الحمد: أي الحمد له يكون في السماوات والأرض ~~(يخرج الحي من الميت) كالإنسان من النطفة والطير من البيضة (ويخرج ms3012 الميت من ~~الحي) كالنطفة والبيضة من الحيوان. وقد سبق بيان هذا في سورة آل عمران. قيل ~~ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت، ~~وهو النوم إلى شبه الوجود، وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة إلى ~~النوم (ويحيي الأرض بعد موتها) أي يحييها بالنبات بعد موتها باليباس، وهو ~~شبيه بإخراج الحي من الميت (وكذلك تخرجون) أي ومثل ذلك الإخراج تخرجون من ~~قبوركم. قرأ الجمهور " تخرجون " على البناء للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي ~~على البناء للفاعل، فأسند الخروج إليهم كقوله - يوم يخرجون من الأجداث - ~~(ومن آياته أن خلقكم من تراب) أي من آياته الباهرة الدالة على البعث أن ~~خلقكم: أي خلق أباكم آدم من تراب وخلقكم في ضمن خلقه، لأن الفرع مستمد من ~~الأصل ومأخوذ منه، وقد مضى تفسير هذا في الإنعام، وأن في موضع رفع بالابداء ~~ومن آياته خبره (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) إذا هي الفجائية: أي ثم فاجأتم ~~بعد ذلك وقت كونكم بشرا تنتشرون في الأرض. وإذا الفجائية وإن كانت أكثر ما ~~تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة ~~الخاصة، وهي أطوار الإنسان كما حكاه الله في مواضع: من كونه نطفة ثم علقة ~~ثم مضغة ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية والانتشار، ومعنى تنتشرون: ~~تنصرفون فيما هو قوام معايشكم (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا) أي ~~ومن علاماته ودلالاته الدالة على البعث أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا: أي من ~~جنسكم في البشرية والانسانية، وقيل المراد حواء فإنه خلقها من ضلع آدم ~~(لتسكنوا إليها) أي تألفوها وتميلوا إليها، فإن الجنسين المختلفين لا يسكن ~~أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه (وجعل بينكم مودة ورحمة) أي ودادا ~~وترحما بسبب عصمة النكاح يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم قبل ~~ذلك معرفة فضلا عن مودة ورحمة. وقال مجاهد: # المودة الجماع، والرحمة الولد، وبه قال الحسن. وقال السدي: المودة ~~المحبة، والرحمة الشفقة. وقيل ms3013 المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها ~~من أن يصيبها بسوء. وقوله " أن خلق لكم " في موضع رفع على الابتداء، ومن ~~آياته خبره (إن في ذلك) المذكور سابقا. (لآيات) عظيمة الشأن بديعة البيان ~~واضحة الدلالة على قدرته سبحانه على البعث والنشور (لقوم يتفكرون) لأنهم ~~الذين يقتدرون على الاستدلال لكون التفكر مادة له يتحصل عنه. وأما الغافلون ~~عن التفكر فما هم إلا كالأنعام (ومن آياته خلق السماوات والأرض) فإن من خلق ~~هذه الأجرام العظيمة التي هي أجرام السماوات والأرض وجعلها باقية ما دامت ~~هذه الدار وخلق فيها من عجائب الصنع وغرائب التكوين ما هو عبرة للمعتبرين ~~قادر على أن يخلقكم بعد موتكم وينشركم من قبوركم (واختلاف ألسنتكم) أي ~~لغاتكم من عرب وعجم، وترك، وروم وغير ذلك من اللغات (وألوانكم) من البياض ~~والسواد والحمرة والصفرة والزرقة والخضرة مع كونكم أولاد رجل واحد وأم ~~واحدة، ويجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية، وفصل واحد وهو الناطقية، حتى صرتم ~~متميزين في ذات بينكم لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل فرد من أفرادكم ~~PageV04P219 # ما يميزه عن غيره من الأفراد، وفي هذا من بديع القدرة مالا يعقله إلا ~~العالمون، ولا يفهمه الا المتفكرون (إن في ذلك لآيات للعالمين) الذين هم من ~~جنس هذا العالم من غير فرق بين بر وفاجر، قرأ الجمهور بفتح لام العالمين. # وقرأ حفص وحده بكسرها. قال الفراء: وله وجه جيد لأنه قد قال " لآيات لقوم ~~يعقلون - لآيات لأولي الألباب - وما يعقلها إلا العالمون " (ومن آياته ~~منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) قيل في الكلام تقديم وتأخير، ~~والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار. وقيل المعنى ~~صحيح من دون تقديم وتأخير: أي ومن آياته العظيمة أنكم تنامون بالليل ~~وتنامون بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة كوقت القيلولة وابتغاؤكم من فضله ~~فيهما، فإن كل واحد منهما يقع فيه ذلك، وإن كان ابتغاء الفضل في النهار ~~أكثر. والأول هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى، والآخر هو ~~المناسب للنظم القرآني هاهنا. ووجه ذكر النوم ms3014 والابتغاء هاهنا وجعلهما من ~~جملة الأدلة على البعث أن النوم شبيه بالموت، والتصرف في الحاجات والسعي في ~~المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) أي يسمعون ~~الآيات والمواعظ سماع متفكر متدبر فيستدلون بذلك على البعث (ومن آياته ~~يريكم البرق خوفا وطمعا) المعنى: أن يريكم، فحذف أن لدلالة الكلام عليه كما ~~قال طرفه: ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي ~~والتقدير: أن أحضر، فلما حذف الحرف في الآية والبيت بطل عمله، ومنه المثل ~~المشهور " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " وقيل هو على التقديم والتأخير: ~~أي ويريكم البرق من آياته، فيكون من عطف جملة فعليه على جملة اسمية، ويجوز ~~أن يكون " يريكم " صفة لموصوف محذوف: أي ومن آياته آية يريكم بها وفيها ~~البرق، وقيل التقدير: ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته. قال ~~الزجاج: فيكون من عطف جملة على جملة. قال قتادة: خوفا للمسافر وطمعا ~~للمقيم. وقال الضحاك: خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث. وقال يحيى بن سلام: # خوفا من البرد أن يهلك الزرع، وطمعا في المطر أن يحيي الزرع. وقال ابن ~~بحر: خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر، وطمعا أن يكون ممطرا، وأنشد: # لا يكن برقك برقا خلبا * إن خير البرق ما الغيث معه وانتصاب خوفا وطمعا ~~على العلة (وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها) أي يحييها ~~بالنبات بعد موتها باليباس (إن ذلك لآيات لقوم يعقلون) فإن من له نصيب من ~~العقل يعلم أن ذلك آية يستدل بها على القدرة الباهرة (ومن آياته أن تقوم ~~السماء والأرض بأمره) أي قيامهما واستمساكهما بإرادته سبحانه وقدرته بلا ~~عمد يعمد هما، ولا مستقر يستقران عليه. قال الفراء: يقول أن تدوما قائمتين ~~بأمره (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون) أي ثم بعد موتكم ~~ومصيركم في القبور إذا دعاكم دعوة واحدة فاجأتم الخروج منها بسرعة من غير ~~تلبث ولا توقف، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع. ومن ms3015 الأرض ~~متعلق بدعا: أي دعاكم من الأرض التي أنتم فيها، كما يقال دعوته من أسفل ~~الوادي فطلع إلي، أو متعلق بمحذوف هو صفة لدعوة، أو متعلق بمحذوف يدل عليه ~~تخرجون: أي خرجتم من الأرض، ولا يجوز أن يتعلق بتخرجون، لأن ما بعد إذ لا ~~يعمل فيما قبلها، وهذه الدعوة هي نفخة إسرافيل الآخرة في الصور على ما تقدم ~~بيانه، وقد أجمع القراء على فتح التاء في " تخرجون " هنا، وغلط من قال إنه ~~قرئ هنا بضمها على البناء للمفعول، وإنما قرئ بضمها في الأعراف (وله من في ~~السماوات والأرض) من جميع المخلوقات ملكا وتصرفا وخلقا، ليس لغيره في ذلك ~~شئ (كل له قانتون) أي مطيعون طاعة انقياد، وقيل مقرون بالعبودية، وقيل ~~مصلون، وقيل قائمون يوم القيامة كقوله PageV04P220 # - يوم يقوم الناس لرب العالمين -: أي للحساب، وقيل بالشهادة أنهم عباده، ~~وقيل مخلصون (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) بعد الموت فيحييه الحياة ~~الدائمة (وهو أهون عليه) أي هين عليه لا يستصعبه، أو أهون عليه بالنسبة إلى ~~قدرتكم وعلى ما يقوله بعضكم لبعض، وإلا فلا شئ في قدرته بعضه أهون من بعض، ~~بل كل الأشياء مستوية يوجدها بقوله كن فتكون. قال أبو عبيد: من جعل أهون ~~عبارة عن تفضيل شئ على شئ فقوله مردود بقوله - وكان ذلك على الله يسيرا - ~~وبقوله - ولا يؤده حفظهما - والعرب تحمل أفعل على فاعل كثيرا كما في قول ~~الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول أي عزيزة طويلة، ~~وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب على ذلك: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي لست بواحد، ~~ومثله قول الآخر: # لعمرك إن الزبرقان لباذل * لمعروفه عند السنين وأفضل أي وفاضل، وقرأ عبد ~~الله بن مسعود " وهو عليه هين " وقال مجاهد وعكرمة والضحاك: إن الإعادة ~~أهون عليه: # أي على الله من البداية: أي أيسر وإن كان جميعه هينا. وقيل المراد أن ~~الإعادة فيما بين الخلق أهون من البداية، وقيل الضمير في عليه للخلق: أي ms3016 هو ~~أهون على الخلق لأنه يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم كونوا فيكونون، ~~فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخر النشأة (وله ~~المثل الأعلى) قال الخليل: # المثل الصفة: أي وله الوصف الأعلى (في السماوات والأرض) كما قال - مثل ~~الجنة التي وعد المتقون - أي صفتها. # وقال مجاهد: المثل الأعلى قول لا إله إلا الله، وبه قال قتادة. وقال ~~الزجاج (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض) أي قوله " وهو أهون عليه " ~~قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل. وقيل المثل الأعلى هو أنه ليس كمثله شئ، ~~وقيل هو أن ما أراده كان بقول كن، وفي السماوات والأرض متعلق بمضمون الجملة ~~المتقدمة. # والمعنى: أنه سبحانه عرف بالمثل الأعلى، ووصف به في السماوات والأرض، ~~ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الأعلى، أو من المثل، أو من الضمير ~~في الأعلى (وهو العزيز) في ملكه القادر الذي لا يغالب (الحكيم) في أقواله ~~وأفعاله. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (يبلس) قال: يبتئس. وأخرج ~~الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم (يبلس) قال: يكتئب، وعنه ~~الإبلاس: الفضيحة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ~~(يحبرون) قال: يكرمون. وأخرج الديلمي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إذا كان يوم القيامة قال الله: أين الذين كانوا ينزهون ~~‌أسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ميزوهم، فيميزون في كثب المسك ~~والعنبر، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم من تسبيحي وتحميدي وتهليلي، قال: ~~فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط ". وأخرج الدينوري في المجالسة ~~عن مجاهد قال: ينادي مناد يوم القيامة فذكر نحوه، ولم يسم من رواه له عن ~~رسول الله. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، والأصبهاني في الترغيب عن ~~محمد بن المنكدر نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا والضياء المقدسي كلاهما في صفة ~~الجنة، قال السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس قال " في الجنة شجرة على ساق قدر ~~ما يسير الراكب ms3017 المجد في ظلها مائة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم ~~فيتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحا من ~~الجنة فتحرك PageV04P221 # تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا ". وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر ~~الأصول عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. # وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس قال " كل تسبيح في القرآن فهو ~~صلاة ". وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم وصححه عن أبي رزين قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس ~~فقال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال نعم، فقرأ (فسبحان الله حين ~~تمسون) صلاة المغرب (وحين تصبحون) صلاة الصبح (وعشيا) صلاة العصر (وحين ~~تظهرون) صلاة الظهر، وقرأ - ومن بعد صلاة العشاء -. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر عنه قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة، (فسبحان ~~الله حين تمسون) قال: المغرب والعشاء (وحين تصبحون) الفجر (وعشيا) العصر ~~(وحين تظهرون) الظهر. وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~السني في عمل يوم وليلة، والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدعوات عن ~~معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ألا أخبركم لم سمى ~~الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله ~~حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون " ~~وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ~~ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " من قال حين يصبح ~~(سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا ~~وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها ~~وكذلك تخرجون) أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ~~ليلته وإسناده ضعيف. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (كل له قانتون) ~~يقول مطيعون: يعني الحياة والنشور والموت وهم له عاصون فيما ms3018 سوى ذلك من ~~العبادة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وهو أهون عليه) قال: أيسر. وأخرج ابن الأنباري عنه أيضا في قوله (وهو أهون ~~عليه) قال: الإعادة أهون على المخلوق، لأنه يقول له يوم القيامة كن فيكون، ~~وابتدأ الخلقة من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (وله المثل الأعلى) يقول: ليس كمثله ~~شئ. PageV04P222 # قوله (ضرب لكم مثلا) قد تقدم تحقيق معنى المثل، ومن في (من أنفسكم) ~~لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محل نصب صفة لمثلا: أي مثلا منتزعا ومأخوذا ~~من أنفسكم فإنها أقرب شئ منكم، وأبين من غيرها عندكم، فإذا ضرب لكم المثل ~~بها في بطلان الشرك كان أظهر دلالة وأعظم وضوحا. ثم بين المثل المذكور فقال ~~(هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم) " من " في مما ملكت ~~للتبعيض، وفي " من شركاء " زائدة للتأكيد، والمعنى هل لكم شركاء فيما ~~رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم، وهم العبيد والإماء، ~~والاستفهام للإنكار، وجملة (فأنتم فيه سواء) جواب للاستفهام الذي بمعنى ~~النفي، ومحققه لمعنى الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في ~~أموالهم: أي هل ترضون لأنفسكم، والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في ~~البشرية أن يساووكم في التصرف بما رزقناكم من الأموال، ويشاركوكم فيها من ~~غير فرق بينكم وبينهم (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) الكاف نعت مصدر محذوف: أي ~~تخافونهم خيفة كخيفتكم أنفسكم: أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في ~~الحرية وملك الأموال وجواز التصرف، والمقصود نفي الأشياء الثلاثة الشركة ~~بينهم وبين المملوكين والاستواء معهم وخوفهم إياهم. وليس المراد ثبوت ~~الشركة ونفي الاستواء والخوف كما قيل في قولهم: ما تأتينا فتحدثنا. # والمراد: إقامة الحجة على المشركين فإنهم لا بد أن يقولوا لا نرضى بذلك، ~~فيقال لهم فكيف تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في ~~البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له؟ فإذا بطلت الشركة بين العبيد ~~وساداتهم فيما يملكه السادة بطلت ms3019 الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق ~~كلهم عبيد الله تعالى، ولم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له. قرأ الجمهور ~~" أنفسكم " بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وقرأ ابن أبي ~~عبلة بالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله (كذلك نفصل الآيات) تفصيلا واضحا ~~وبيانا جليا (لقوم يعقلون) لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية ~~والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها. ثم أضرب سبحانه عن ~~مخاطبة المشركين وإرشادهم إلى الحق بما ضربه لهم من المثل فقال (بل اتبع ~~الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) أي لم يعقلوا الآيات بل اتبعوا أهواءهم ~~الزائغة، وآراءهم الفاسدة الزائفة، ومحل " بغير علم " النصب على الحال: أي ~~جاهلين بأنهم على ضلالة (فمن يهدي من أضل الله) أي لا أحد يقدر على هدايته، ~~لأن الرشاد والهداية بتقدير الله وإرادته (وما لهم من ناصرين) أي ما لهؤلاء ~~الذين أضلهم الله من ناصرين ينصرونهم ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه. ~~ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بتوحيده وعبادته كما أمره فقال (فأقم ~~وجهك للدين حنيفا) شبه الإقبال على الدين بتقويم وجهه إليه وإقباله عليه، ~~وانتصاب حنيفا على الحال من فاعل أقم أو من مفعوله: أي مائلا إليه مستقيما ~~عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة (فطرت الله التي فطر الناس ~~عليها) PageV04P223 # الفطرة في الأصل: الخلقة، والمراد بها هنا الملة، وهي الإسلام والتوحيد. ~~قال الواحدي: هذا قول المفسرين في فطرة الله، والمراد بالناس هنا: الذين ~~فطرهم الله على الإسلام، لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، وهذا الخطاب وإن ~~كان خاصا برسول الله فأمته داخلة معه فيه. قال القرطبي باتفاق من أهل ~~التأويل: والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، ~~وأنهم جميعا مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم فيبقون بسببها على الكفر ~~كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ". وفي رواية " على هذه ~~الملة، ms3020 ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ~~على تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم (فطرت الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) وفي رواية " حتى تكونوا أنتم ~~تجدعونها ". وسيأتي في آخر البحث ما ورد معاضدا لحديث أبي هريرة هذا، فكل ~~فرد من أفراد الناس مفطور: أي مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار ~~بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا ~~قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين وهو الحق. والقول ~~بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب جمهور السلف. وقال آخرون: # هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، فإنه ابتدأهم للحياة والموت ~~والسعادة والشقاوة. والفاطر في كلام العرب هو المبتدئ، وهذا مصير من ~~القائلين به إلى معنى الفطرة لغة وإهمال معناها شرعا. والمعنى الشرعي مقدم ~~على المعنى اللغوي باتفاق أهل الشرع، ولا ينافي ذلك ورود الفطرة في الكتاب ~~أو السنة في بعض المواضع مرادا بها المعنى اللغوي كقوله تعالى - الحمد لله ~~فاطر السماوات والأرض - أي خالقهما ومبتديهما، وكقوله - وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني - إذ لا نزاع في أن المعنى اللغوي هو هذا، ولكن النزاع في ~~المعنى الشرعي للفطرة وهو ما ذكره الأولون كما بيناه، وانتصاب فطرة على ~~أنها مصدر مؤكد للجملة التي قبلها. وقال الزجاج: فطرة منصوب بمعنى اتبع ~~فطرة الله، قال: لأن معنى (فأقم وجهك للدين) اتبع الدين واتبع فطرة الله. ~~وقال ابن جرير: هي مصدر من معنى " فأقم وجهك " لأن معنى ذلك فطرة الله ~~الناس على الدين، وقيل هي منصوبة على الإغراء: أي الزموا فطرة الله، أو ~~عليكم فطرة الله، ورد هذا الوجه أبو حيان وقال: إن كلمة الإغراء لا تضمر إذ ~~هي عوض عن الفعل، فلو حذفها لزم حذف العوض والمعوض عنه وهو إجحاف. وأجيب ~~بأن هذا رأى البصريين، وأما الكسائي وأتباعه فيجيزون ذلك وجملة (لا تبديل ~~لخلق الله) تعليل لما قبلها من الأمر بلزوم الفطرة: أي هذه الفطرة التي فطر ~~الله ms3021 الناس عليها لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه. وقيل هو نفي معناه ~~النهي: أي لا تبدلوا خلق الله. قال مجاهد وإبراهيم النخعي: معناه لا تبديل ~~لدين الله. قال قتادة وابن جبير والضحاك وابن زيد: هذا في المعتقدات. وقال ~~عكرمة: إن المعنى لا تغيير لخلق في البهائم بأن تخصي فحولها (ذلك الدين ~~القيم) أي ذلك الدين المأمور بإقامة الوجه له هو الدين القيم، أو لزوم ~~الفطرة هو الدين القيم (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ذلك حتى يفعلوه ويعملوا ~~به (منيبين إليه) أي راجعين إليه بالتوبة والإخلاص، ومطيعين له في أوامره ~~ونواهيه. ومنه قول أبي قيس بن الأسلت: فإن تابوا فإن بني سليم * وقومهم ~~هوازن قد أنابوا قال الجوهري: أناب إلى الله: أقبل وتاب، وانتصابه على ~~الحال من فاعل أقم. قال المبرد: لأن معنى أقم وجهك: أقيموا وجوهكم. قال ~~الفراء: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين، وكذا قال الزجاج وقال تقديره: # فأقم وجهك وأمتك، فالحال من الجميع. وجاز حذف المعطوف لدلالة منيبين ~~عليه. وقيل هو منصوب على القطع، وقيل على أنه خبر لكان محذوفة: أي وكونوا ~~منيبين إليه لدلالة " ولا تكونوا من المشركين " على ذلك. PageV04P224 # ثم أمرهم سبحانه بالتقوى بعد أمرهم بالإنابة فقال (واتقوه) أي باجتناب ~~معاصيه وهو معطوف على الفعل المقدر ناصبا لمنيبين (وأقيموا الصلاة) التي ~~أمرتم بها (ولا تكونوا من المشركين) بالله. وقوله (من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا) هو بدل مما قبله بإعادة الجار، والشيع الفرق: أي لا تكونوا من ~~الذين تفرقوا فرقا في الدين يشايع بعضهم بعضا من أهل البدع والأهواء. وقيل ~~المراد بالذين فرقوا دينهم شيعا اليهود والنصارى. وقرأ حمزة والكسائي " ~~فارقوا دينهم " ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب: أي فارقوا دينهم ~~الذي يجب اتباعه، وهو التوحيد. # وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنعام (كل حزب بما لديهم فرحون) ~~أي كل فريق بما لديهم من الدين المبني على غير الصواب مسرورون مبتهجون ~~يظنون أنهم على الحق وليس بأيديهم منه شئ. وقال الفراء: ms3022 يجوز أن يكون قوله ~~" من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا " مستأنفا كما يجوز أن يكون متصلا بما ~~قبله (وإذا مس الناس ضر) أي قحط وشدة (دعوا ربهم) أن يرفع ذلك عنهم ~~واستغاثوا به (منيبين إليه) أي راجعين إليه ملتجئين به لا يعولون على غيره، ~~وقيل مقبلين عليه بكل قلوبهم (ثم إذا أذاقهم منه رحمة) بإجابة دعائهم ورفع ~~تلك الشدائد عنهم (إذا فريق منهم بربهم يشركون) إذا هي الفجائية وقعت جواب ~~الشرط لأنها كالفاء في إفادة التعقيب: أي فاجأ فريق منهم الإشراك وهم الذين ~~دعوه فخلصهم مما كانوا فيه. وهذا الكلام مسوق للتعجيب من أحوالهم وما صاروا ~~عليه من الاعتراف بوحدانية الله سبحانه عند نزول الشدائد والرجوع إلى الشرك ~~عند رفع ذلك عنهم، واللام في (ليكفروا بما آتيناهم) هي لام كي، وقيل لام ~~الأمر لقصد الوعيد والتهديد، وقيل هي لام العاقبة. ثم خاطب سبحانه هؤلاء ~~الذين وقع منهم ما وقع فقال (فتمتعوا فسوف تعلمون) ما يتعقب هذا التمتع ~~الزائل من العذاب الأليم. # قرأ الجمهور " فتمتعوا " على الخطاب. وقرأ أبو العالية بالتحتية على ~~البناء للمفعول، وفي مصحف ابن مسعود " فليتمتعوا " (أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا) أم هي المنقطعة، والاستفهام للإنكار والسلطان الحجة الظاهرة (فهو ~~يتكلم) أي يدل كما في قوله - هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق - قال الفراء: إن ~~العرب تؤنث السلطان، يقولون: قضت به عليك السلطان. فأما البصريون فالتذكير ~~عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة، وقيل ~~المراد بالسلطان هنا الملك (بما كانوا به يشركون) أي ينطق بإشراكهم بالله ~~سبحانه، ويجوز أن تكون الباء سببية: أي بالأمر الذي بسببه يشركون (وإذا ~~أذقنا الناس رحمة) أي خصبا ونعمة وسعة وعافية (فرحوا بها) فرح بطر وأشر، لا ~~فرح شكر بها وابتهاج بوصولها إليهم - قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ~~- ثم قال سبحانه (وإن تصبهم سيئة) شدة على أي صفة (بما قدمت أيديهم) أي ~~بسبب ذنوبهم (إذا هم يقنطون) القنوط الإياس من الرحمة، كذا قال الجمهور. ~~وقال الحسن: القنوط ترك فرائض الله ms3023 سبحانه. قرأ الجمهور " يقنطون " بضم ~~النون. # وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب بكسرها (أو لم يروا أن الله يبسط الزرق ~~لمن يشاء) من عباده ويوسع له (ويقدر) أي يضيق على من يشاء لمصلحة في ~~التوسيع لمن وسع له وفي التضييق على من ضيق عليه (إن في ذلك لايات لقوم ~~يؤمنون) فيستدلون على الحق لدلالتها على كمال القدرة وبديع الصنع وغريب ~~الخلق. # وقد أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك لبيك ~~لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، فأنزل الله (هل لكم مما ملكت ~~أيمانكم من شركاء) الآية. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال هي في الآلهة، ~~وفيه يقول تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله (لا تبديل لخلق الله) قال: دين الله (ذلك الدين القيم) قال: ~~القضاء القيم. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عن الأسود بن سريع " أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعث PageV04P225 # سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى القتل إلى الذرية، فلما جاءوا ~~قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد ~~المشركين، قال: وهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ # والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها ". ~~وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه ~~لسانه إما شاكرا وإما كفورا " رواه أحمد عن الربيع بن أنس عن الحسن عن ~~جابر. وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام حدثنا ~~قتادة عن مطرف عن عياض بن حماد " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب ~~يوما فقال في خطبته حاكيا عن الله سبحانه: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم " ~~وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن ms3024 دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم الحديث. # لما بين سبحانه كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من مواساة ~~القرابة وأهل الحاجات ممن بسط الله له في رزقه فقال (فآت ذا القربى حقه) ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال ~~وسع الله به عليه، وقدم الإحسان إلى القرابة لأن خير الصدقة ما كان على ~~قريب، فهو صدقة مضاعفة وصلة رحم مرغب فيها، والمراد الإحسان إليهم بالصدقة ~~والصلة والبر (والمسكين وابن السبيل) أي وآت المسكين وابن السبيل حقهما ~~الذي يستحقانه. ووجه تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر أنهم أولى من سائر ~~الأصناف بالإحسان، ولكون ذلك واجبا لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته ~~وكفاية من يعول. PageV04P226 # وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل هي منسوخة بآية ~~المواريث. وقيل محكمة وللقريب في مال قريبه الغني حق واجب، وبه قال مجاهد ~~وقتادة. قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاج. قال مقاتل: حق ~~المسكين أن يتصدق عليه، وحق ابن السبيل الضيافة. وقيل المراد بالقربى قرابة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال القرطبي: والأول أصح، فإن حقهم مبين في ~~كتاب الله عز وجل في قوله - فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى - وقال ~~الحسن: إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب (ذلك خير للذين يريدون وجه الله) ~~أي ذلك الإيتاء أفضل من الإمساك لمن يريد التقرب إلى الله سبحانه (وأولئك ~~هم المفلحون) أي الفائزون بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه الله امتثالا لأمره ~~(وما آتيتم من ربا) قرأ الجمهور " آتيتم " بالمد بمعنى أعطيتم، وقرأ مجاهد ~~وحميد وابن كثير بالقصر بمعنى ما فعلتم، وأجمعوا على القراءة بالمد في قوله ~~" وما آتيتم من زكاة " وأصل الربى الزيادة، وقراءة القصر تئول إلى قراءة ~~المد، لأن معناها ما فعلتم على وجه الإعطاء، كما تقول: أتيت خطأ وأتيت ~~صوابا، والمعنى في الآية: ما أعطيتم من زيادة خالية عن العوض (ليربو في ~~أموال الناس) أي ليزيد ويزكوا في أموالهم ms3025 (فلا يربو عند الله) أي لا يبارك ~~الله فيه. قال السدي: الربا في هذا الموضع الهداية يهديها الرجل لأخيه يطلب ~~المكافأة، لأن ذلك لا يربو عند الله لا يؤجر عليه صاحبه ولا إثم عليه، ~~وهكذا قال قتادة والضحاك. قال الواحدي: وهذا قول جماعة المفسرين. قال ~~الزجاج: يعني دفع الإنسان الشئ ليعوض أكثر منه وذلك ليس بحرام، ولكنه لا ~~ثواب فيه، لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه. وقال الشعبي: معنى ~~الآية أن ما خدم به الإنسان أحدا لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي ~~يجزى به الخدمة لا يربو عند الله. وقيل هذا كان حراما على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم على الخصوص لقوله سبحانه - ولا تمنن تستكثر - ومعناها: أن ~~تعطي فتأخذ أكثر منه عوضا عنه. وقيل إن هذه الآية نزلت في هبة الثواب. قال ~~ابن عطية: وما يجري مجراه مما يصنعه الإنسان ليجازي عليه. قال عكرمة: الربا ~~ربوان: فربا حلال، وربا حرام. فأما الربا الحلال فهو الذي يهدى يلتمس ما هو ~~أفضل منه: يعني كما في هذه الآية. وقيل إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا ~~المحرم، فمعنى لا يربو عند الله على هذا القول لا يحكم به، بل هو للمأخوذ ~~منه. # قال المهلب: اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب بها الثواب، فقال مالك: ~~ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة ~~الفقير للغني، وهبة الخادم للمخدوم، وهبة الرجل لأميره، وهو أحد قولي ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي ~~الآخر. قرأ الجمهور " ليربو " بالتحتية على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا. ~~وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية مضمومة خطابا للجماعة بمعنى لتكونوا ذوي زيادات. ~~وقرأ أبو مالك " لتربوها " ومعنى الآية: أنه لا يزكو عند الله ولا يثيب ~~عليه لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه خالصا له (وما آتيتم من زكاة تريدون ~~وجه الله) أي وما أعطيتم من صدقة لا ms3026 تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ~~ما عند الله (فأولئك هم المضعفون) المضعف دون الأضعاف من الحسنات الذين ~~يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الفراء: هو نحو قولهم: ~~مسمن ومعطش ومضعف إذا كانت له إبل سمان، أو عطاش، أو ضعيفة. وقرأ أبي " ~~المضعفون " بفتح العين اسم مفعول (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ) عاد سبحانه إلى الاحتجاج على ~~المشركين، وأنه الخالق الرازق المميت المحيي، ثم قال على جهة الاستفهام (هل ~~من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ) ومعلوم أنهم يقولون ليس فيهم من يفعل ~~شيئا من ذلك، فتقوم عليهم الحجة، ثم نزه سبحانه نفسه فقال (سبحانه وتعالى ~~عما PageV04P227 # يشركون) أي نزهوه تنزيها، وهو متعال عن أن يجوز عليه شئ من ذلك، وقوله " ~~من شركائكم " خبر مقدم ومن للتبعيض، والمبتدأ هو الموصول: أعني من يفعل، ~~ومن ذلكم متعلق بمحذوف لأنه حال من شئ المذكور بعده، ومن في " من شئ " ~~مزيدة للتوكيد، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم آلهة، ويجعلون لهم ~~نصيبا من أموالهم (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) بين ~~سبحانه أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد في العالم. # واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور، فقيل هو القحط وعدم الثبات، ونقصان ~~الرزق، وكثرة الخوف ونحو ذلك. وقال مجاهد وعكرمة: فساد البر قتل ابن آدم ~~أخاه: يعني قتل قابيل لهابيل، وفي البحر الملك الذي كان يأخذ كل سفينة ~~غصبا. # وليت شعري أي دليل دلهما على هذا التخصيص البعيد والتعيين الغريب، فإن ~~الآية نزلت على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتعريف في الفساد يدل على ~~الجنس، فيعم كل فساد واقع في حيزي البر والبحر. وقال السدي: الفساد الشرك، ~~وهو أعظم الفساد. ويمكن أن يقال إن الشرك وإن كان الفرد الكامل في أنواع ~~المعاصي، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه. وقيل الفساد كساد الأسعار ~~وقلة المعاش، وقيل الفساد قطع السبل والظلم، وقيل غير ذلك ms3027 مما هو تخصيص لا ~~دليل عليه. والظاهر من الآية ظهور ما يصح إطلاق اسم الفساد عليه سواء كان ~~راجعا إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات وتقاطعهم وتظالمهم ~~وتقاتلهم، أو راجعا إلى ما هو من جهة الله سبحانه بسبب ذنوبهم كالقحط وكثرة ~~الخوف والموتان ونقصان الزرائع ونقصان الثمار. والبر والبحر هما المعروفان ~~المشهوران، وقيل البر الفيافي، والبحر القرى التي على ماء قاله عكرمة، ~~والعرب تسمي الأمصار البحار. قال مجاهد: البر ما كان من المدن والقرى على ~~غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر. والأول أولى. # ويكون معنى البر مدن البر، ومعنى البحر مدن البحر، وما يتصل بالمدن من ~~مزارعها ومراعيها، والباء في بما كسبت للسببية، وما إما موصولة أو مصدرية ~~(ليذيقهم بعض الذي عملوا) اللام متعلقة بظهر، وهي لام العلة: # أي ليذيقهم عقاب بعض عملهم أو جزاء بعض عملهم (لعلهم يرجعون) عما هم فيه ~~من المعاصي ويتوبون إلى الله (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبل) لما بين سبحانه ظهور الفساد بما كسبت أيدي المشركين والعصاة ~~بين لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأول، وأمرهم بأن يسيروا لينظروا ~~آثارهم ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم، فإن منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة ~~كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار. # وجملة (كان أكثرهم مشركين) مستأنفة لبيان الحالة التي كانوا عليها، ~~وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه (فأقم وجهك للدين ~~القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له) هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأمته أسوته فيه، كأن المعنى إذا قد ظهر الفساد بالسبب المتقدم ~~فأقم وجهك يا محمد الخ. قال الزجاج: # اجعل جهتك اتباع الدين القيم، وهو الإسلام المستقيم " من قبل أن يأتي يوم ~~" يعني يوم القيامة " لا مرد له " لا يقدر أحد على رده، والمرد مصدر رد، ~~وقيل المعنى: أوضح الحق وبالغ في الأعذار، و (من الله) يتعلق بيأتي، أو ~~بمحذوف يدل عليه المصدر: أي لا يرده من الله أحد، ms3028 وقيل يجوز أن يكون المعنى ~~لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه، وفيه من الضعف وسوء الأدب مع ~~الله مالا يخفى (يومئذ يصدعون) أصله يتصدعون، والتصدع التفرق، يقال: تصدع ~~القوم إذا تفرقوا، ومنه قول الشاعر: # وكنا كندماني جذيمة برهة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا PageV04P228 # والمراد بتفرقهم ها هنا أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة، وأهل النار ~~يصيرون إلى النار (من كفر فعليه كفره) أي جزاء كفره، وهو النار (ومن عمل ~~صالحا فلأنفسهم يمهدون) أي يوطئون لأنفسهم منازل في الجنة بالعمل الصالح، ~~والمهاد الفراش، وقد مهدت الفراش مهدا: إذا بسطته ووطأته، فجعل الأعمال ~~الصالحة التي هي سبب لدخول الجنة كبناء المنازل في الجنة وفرشها. وقيل ~~المعنى: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في المشفق: # أم فرشت فأنا مت، وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص. وقال ~~مجاهد " فلأنفسهم يمهدون " في القبر، واللام في (ليجزي الذين آمنوا) متعلقة ~~بيصدعون، أو يمهدون: أي يتفرقون ليجزي الله المؤمنين بما يستحقونه (من ~~فضله) أو يمهدون لأنفسهم بالأعمال الصالحة ليجزيهم، وقيل يتعلق بمحذوف. قال ~~ابن عطية: # تقديره ذلك ليجزي، وتكون الإشارة إلى ما تقدم من قوله: من عمل ومن كفر. ~~وجعل أبو حيان قسيم قوله " الذين آمنوا وعملوا الصالحات " محذوفا لدلالة ~~قوله (إنه لا يحب الكافرين) عليه لأنه كناية عن بغضه لهم الموجب لغضبه ~~سبحانه، وغضبه يستتبع عقوبته (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) أي ومن ~~دلالات بديع قدرته إرسال الرياح مبشرات بالمطر لأنها تتقدمه كما في قوله ~~سبحانه - بشرا بين يدي رحمته - قرأ الجمهور " الرياح " وقرأ الأعمش " الريح ~~" بالإفراد على قصد الجنس لأجل قوله " مبشرات " واللام في قوله (وليذيقكم ~~من رحمته) متعلقة بيرسل: أي يرسل الرياح مبشرات ويرسلها ليذيقكم من رحمته: ~~يعني الغيث والخصب، وقيل هو متعلق بمحذوف: أي وليذيقكم أرسلها، وقيل الواو ~~مزيدة على رأي من يجوز ذلك، فتتعلق اللام بيرسل (ولتجري الفلك بأمره) معطوف ~~على ليذيقكم من رحمته: أي يرسل الرياح لتجرى الفلك في البحر عند هبوبها، ~~ولما أسند الجري إلى الفلك عقبه ms3029 بقوله بأمره (ولتبتغوا من فضله) أي تبتغوا ~~الرزق بالتجارة التي تحملها السفن (ولعلكم تشكرون) هذه النعم فتفردون الله ~~بالعبادة وتستكثرون من الطاعة. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وما آتيتم من ربا) الآية ~~قال: الربا ربوان: ربا لا بأس به وربا لا يصلح. فأما الربا الذي لا بأس به ~~فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها وأضعافها. وأخرج البيهقي عنه قال: # هذا هو الربا الحلال أن يهدي يريد أكثر منه وليس له أجر ولا وزر، ونهى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة فقال - ولا تمنن تستكثر -. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا (وما آتيتم من زكاة) قال: # هي الصدقة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ظهر الفساد في البر ~~والبحر) قال: البر البرية التي ليس عندها نهر، والبحر ما كان من المدائن ~~والقرى على شط نهر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: ~~نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا. وأخرج ابن المنذر أيضا (لعلهم ~~يرجعون) قال: من الذنوب. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (يصدعون) قال: ~~يتفرقون. PageV04P229 # قوله (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم) كما أرسلناك إلى قومك ~~(فجاءوهم بالبينات) أي بالمعجزات والحجج النيرات فانتقمنا منهم: أي فكفروا ~~(فانتقمنا من الذين أجرموا) أي فعلوا الإجرام، وهي الآثام (وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين) هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه ~~وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده ~~الصالحين، ووقف بعض القراء على حقا وجعل اسم كان ضميرا فيها وخبرها حقا: أي ~~وكان الانتقام حقا. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، والصحيح أن نصر المؤمنين ~~اسمها وحقا خبرها وعلينا متعلق بحقا، أو بمحذوف هو صفة له (الله الذي يرسل ~~الرياح) قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وابن محيصن يرسل " الريح " بالإفراد. ~~وقرأ الباقون " الرياح " قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، ~~وما كان ms3030 بمعنى العذاب فهو موحد، وهذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سبق من ~~أحوال الرياح، فتكون على هذا جملة " ولقد أرسلنا " إلى قوله " وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين " معترضة (فتثير سحابا) أي تزعجه من حيث هو (فيبسطه في ~~السماء كيف يشاء) تارة سائرا وتارة واقفا، وتارة مطبقا، وتارة غير مطبق، ~~وتارة إلى مسافة بعيدة، وتارة إلى مسافة قريبة، وقد تقدم تفسير هذه الآية ~~في سورة البقرة وفي سورة النور (ويجعله كسفا) تارة أخرى، أو يجعله بعد بسطه ~~قطعا متفرقة، والكسف جمع كسفة، والكسفة القطعة من السحاب. وقد تقدم تفسيره ~~واختلاف PageV04P230 # القراءة فيه (فترى الودق يخرج من خلاله) الودق المطر، ومن خلاله من وسطه. ~~وقرأ أبو العالية والضحاك " يخرج من خلله " (فإذا أصاب به) أي بالمطر (من ~~يشاء من عباده) أي بلادهم وأرضهم (إذا هم يستبشرون) إذا هي الفجائية: أي ~~فاجئوا الاستبشار بمجيء المطر، والاستبشار الفرح (وإن كانوا من قبل أن ينزل ~~عليهم) أي من قبل أن ينزل عليهم المطر، وإن هي المخففة وفيها ضمير شأن مقدر ~~هو اسمها: أي وإن الشأن كانوا من قبل أن ينزل عليهم، وقوله (من قبله) تكرير ~~للتأكيد، قاله الأخفش وأكثر النحويين كما حكاه عنهم النحاس. وقال قطرب: إن ~~الضمير في قبله راجع إلى المطر: أي وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر. # وقيل المعنى: من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع والمطر، وقيل من قبل ~~أن ينزل عليهم من قبل السحاب: # أي من قبل رؤيته، واختار هذا النحاس. وقيل الضمير عائد إلى الكسف، وقيل ~~إلى الإرسال، وقيل إلى الاستبشار. والراجح الوجه الأول، وما بعده من هذه ~~الوجوه كلها ففي غاية التكلف والتعسف، وخبر كان (لمبلسين) أي آيسين حديث أو ~~بائسين. وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا (فانظر إلى أثر رحمت الله) الناشئة ~~عن إنزال المطر من النبات والثمار والزرائع لأنه التي بها يكون الخصب ورخاء ~~العيش: أي انظر نظر اعتبار واستبصار لتستدل بذلك على توحيد الله وتفرده ~~بهذا الصنع العجيب. قرأ الجمهور " أثر " بالتوحيد. ms3031 وقرأ ابن عامر وحفص ~~وحمزة والكسائي آثار بالجمع (كيف يحيي الأرض بعد موتها) فاعل الإحياء ضمير ~~يعود إلى الله سبحانه، وقيل ضمير يعود إلى الأثر، وهذه الجملة في محل نصب ~~بانظر: أي انظر إلى كيفية هذا الإحياء البديع للأرض. وقرأ الجحدري وأبو ~~حيوة " تحيي " بالفوقية على أن فاعله ضمير يعود إلى الرحمة أو إلى الآثار ~~على قراءة من قرأ بالجمع، والإشارة بقوله (إن ذلك) إلى الله سبحانه: أي إن ~~الله العظيم الشأن المخترع لهذه الأشياء المذكورة (لمحيي الموتى) أي لقادر ~~على إحيائهم في الآخرة وبعثهم ومجازاتهم كما أحيا الأرض الميتة بالمطر (وهو ~~على كل شئ قدير) أي عظيم القدرة كثيرها (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا) ~~الضمير في فرأوه يرجع إلى الزرع والنبات الذي كان من أثر رحمة الله: أي ~~فرأوه مصفرا من البرد الناشئ عن الريح التي أرسلها الله بعد اخضراره. وقيل ~~راجع إلى الريح، وهو يجوز تذكيره وتأنيثه. وقيل راجع إلى الأثر المدلول ~~عليه بالآثار. وقيل راجع إلى السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر، والأول ~~أولى. واللام هي الموطئة، وجواب القسم (لظلوا من بعده يكفرون) وهو يسد مسد ~~جواب الشرط. والمعنى: ولئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة، فضربت زرعهم بالصفار ~~لظلوا من بعد ذلك يكفرون بالله ويجحدون نعمه، وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم ~~وعدم صبرهم وضعف قلوبهم، وليس كذا حال أهل الإيمان. ثم شبههم بالموتى ~~وبالصم فقال (فإنك لا تسمع الموتى) إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء لعدم فهمهم ~~للحقائق ومعرفتهم للصواب (ولا تسمع الصم الدعاء) إذا دعوتهم إلى الحق ~~ووعظتهم بمواعظ الله، وذكرتهم الآخرة وما فيها. وقوله (إذا ولوا مدبرين) ~~بيان لإعراضهم عن الحق بعد بيان كونهم كالأموات وكونهم صم الآذان، قد تقدم ~~تفسير هذا في سورة النمل. ثم وصفهم بالعمى فقال (وما أنت بهاد العمى عن ~~ضلالتهم) لفقدهم للانتفاع بالأبصار كما ينبغي، أو لفقدهم للبصائر (إن تسمع ~~إلا من يؤمن بآياتنا) أي ما تسمع إلا هؤلاء لكونهم أهل التفكر والتدبر ~~والاستدلال بالآثار على المؤثر (فهم مسلمون) أي ms3032 منقادون للحق متبعون له ~~(الله الذي خلقكم من ضعف) ذكر سبحانه استدلالا آخر على كمال قدرته، وهو خلق ~~الإنسان نفسه على أطوار مختلفة، ومعنى من ضعف: # من نطفة. قال الواحدي: قال المفسرون: من نطفة، والمعنى من ذي ضعف. وقيل ~~المراد حال الطفولية والصغر (ثم جعل من بعد ضعف قوة) وهي قوة الشباب، فإنه ~~إذ ذاك تستحكم القوة وتشتد الخلقة إلى بلوغ النهاية PageV04P231 # (ثم جعل من بعد قوة ضعفا) أي عند الكبر والهرم (وشيبة) الشيبة هي تمام ~~الضعف ونهاية الكبر. قرأ الجمهور " ضعف " بضم الضاد في هذه المواضع. وقرأ ~~عاصم وحمزة بفتحها. وقرأ الجحدري بالفتح في الأولين والضم في الثالث. قال ~~الفراء: الضم لغة قريش والفتح لغة تميم. قال الجوهري: الضعف والضعف خلاف ~~القوة، وقيل هو بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسم (يخلق ما يشاء) يعني من ~~جميع الأشياء ومن جملتها القوة والضعف في بني آدم (وهو العليم) بتدبيره ~~(القدير) على خلق ما يريده، وأجاز الكوفيون من ضعف بفتح الضاد والعين (ويوم ~~تقوم الساعة) أي القيامة، وسميت ساعة لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات ~~الدنيا (يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) أي يحلفون ما لبثوا في الدنيا، ~~أو في قبورهم غير ساعة، فيمكن أن يكونوا استقلوا مدة لبثهم واستقر ذلك في ~~أذهانهم، فحلفوا عليه وهم يظنون أن حلفهم مطابق للواقع. وقال ابن قتيبة: ~~إنهم كذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل، وهذا هو الظاهر لأنهم إن ~~أرادوا لبثهم في الدنيا فقد علم كل واحد منهم مقداره، وإن أرادوا لبثهم في ~~القبور فقد حلفوا على جهالة إن كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ (كذلك ~~كانوا يؤفكون) يقال أفك الرجل: إذا صرف عن الصدق، فالمعنى: مثل ذلك الصرف ~~كانوا يصرفون. وقيل المراد يصرفون عن الحق، وقيل عن الخير، والأول أولى، ~~وهو دليل على أن حلفهم كذب " وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في ~~كتاب الله إلى يوم البعث " اختلف في تعيين هؤلاء الذين أتوا العلم، فقيل ~~الملائكة، وقيل الأنبياء، ms3033 وقيل علماء الأمم، وقيل مؤمنو هذه الأمة، ولا ~~مانع من الحمل على الجميع. ومعنى في كتاب الله: في علمه وقضائه. # قال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ. قال الواحدي: ~~والمفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير على تقدير: وقال الذين أوتوا ~~العلم في كتاب الله، وكان رد الذين أوتوا العلم عليهم باليمين للتأكيد، أو ~~للمقابلة لليمين باليمين، ثم نبهوهم على طريقة التبكيت بأن (هذا) الوقت ~~الذي صاروا فيه هو (يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) أنه حق، بل كنتم ~~تستعجلونه تكذيبا واستهزاء (فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم) أي لا ~~ينفعهم الاعتذار يومئذ ولا يفيدهم علمهم بالقيامة. وقيل لما رد عليهم ~~المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا. قرأ الجمهور " لا ~~تنفع " بالفوقية، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتحتية (ولا هم يستعتبون) ~~يقال استعتبته فأعتبني: أي استرضيته فأرضاني، وذلك إذا كنت جانيا عليه، ~~وحقيقة أعتبته أزلت عتبه، والمعنى: أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من ~~التوبة والطاعة كما دعوا إلى ذلك في الدنيا (ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل) أي من كل مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله وصدق ~~رسله واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك (ولئن جئتهم بآية) من ~~آيات القران الناطقة بذلك، أو لئن جئتهم بآية كالعصا واليد (ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون) أي ما أنت يا محمد وأصحابك إلا مبطلون أصحاب ~~أباطيل تتبعون السحر وما هو مشاكل له في البطلان (كذلك يطبع الله على قلوب ~~الذين لا يعلمون) أي مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب الفاقدين للعلم ~~النافع الذي يهتدون به إلى الحق وينجون به من الباطل، ثم أمر الله سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر معللا لذلك بحقية وعد الله وعدم الخلف ~~فيه، فقال (فاصبر) على ما تسمعه منهم من الأذى وتنظره من الأفعال الكفرية ~~فإن الله قد وعدك بالنصر عليهم وإعلاء حجتك وإظهار دعوتك ووعده حق لا خلف ~~فيه (ولا يستخفنك الذين ms3034 لا يوقنون) أي لا يحملنك على الخفة ويستفزنك عن ~~دينك وما أنت عليه الذين لا يوقنون بالله ولا يصدقون أنبياءه ولا يؤمنون ~~بكتبه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقال استخف فلان فلانا: أي ~~استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي. قرأ الجمهور " يستخفنك " بالخاء ~~المعجمة والفاء، وقرأ يعقوب وابن أبي إسحاق بحاء مهملة وقاف من الاستحقاق، ~~والنهي في الآية من باب: لا أرينك هاهنا. PageV04P232 # وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا ~~كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا (وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين) "، وهو من طريق شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء. ~~وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عنه في قوله (فيجعله كسفا) قال: قطعا بعضها فوق ~~بعض (فترى الودق) قال: المطر (يخرج من خلاله) قال: من بينه. وأخرج ابن ~~مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: # نزلت هذه الآية (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء) في دعاء النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لأهل بدر، والإسناد ضعيف. والمشهور في الصحيحين ~~وغيرهما أن عائشة استدلت بهذه الآية على رد رواية من روى من الصحابة أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نادى أهل قليب بدر، وهو من الاستدلال بالعام ~~على رد الخاص فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قيل له: إنك تنادي ~~أجسادا بالية " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " وفي مسلم من حديث أنس " أن ~~عمر بن الخطاب لما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يناديهم، فقال: يا ~~رسول الله تناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون؟ يقول الله إنك لا تسمع الموتى، ~~فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا ". # تفسير سورة لقمان آياتها أربع وثلاثون آية وهي مكية إلا ثلاث آيات، وهي ms3035 ~~قوله " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام " إلى تمام الآيات الثلاث. # قاله ابن عباس فيما أخرجه النحاس عنه. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عنه أنها مكية ولم يستثن، وحكى القرطبي عن قتادة أنها ~~مكية إلا آيتين. وأخرج النسائي وابن ماجة عن البراء قال: كنا نصلي خلف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظهر نسمع منه الآية بعد الآية من سورة ~~لقمان والذاريات. PageV04P233 # قوله (ألم تلك آيات الكتاب) قد تقدم الكلام على أمثال فاتحة هذه السورة ~~ومحلها من الإعراب مستوفى فلا نعيده، وبيان مرجع الإشارة أيضا، و (الحكيم) ~~إما أن يكون بمعنى مفعل، أو بمعنى فاعل، أو بمعنى ذي الحكمة أو الحكيم ~~قائلة، و (هدى ورحمة) منصوبان على الحال على قراءة الجمهور. قال الزجاج: ~~المعنى تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة، وقرأ حمزه " ورحمة " ~~بالرفع على أنهما خبر مبتدأ محذوف: أي هو هدى ورحمة، ويجوز أن يكونا خبر ~~تلك، والمحسن العامل للحسنات، أو من يعبد الله كأنه يراه كما ثبت عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم في الصحيح لما سأله جبريل عن الاحسان: فقال " أن تعبد ~~الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ثم بين عمل المحسنين فقال ~~(الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون) والموصول في ~~محل جر على الوصف للمحسنين، أو في محل رفع، أو نصب على المدح أو القطع، وخص ~~هذه العبادات الثلاث لأنها عمدة العبادات (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون) قد تقدم تفسير هذا في أوائل سورة البقرة، والمعنى هنا: أن أولئك ~~المتصفين بالإحسان وفعل تلك الطاعات التي هي أمهات العبادات هم على طريقة ~~الهدى. وهم الفائزون بمطالبهم الظافرون بخيري الدارين (ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث) محل " ومن الناس " الرفع على الابتداء كما تقدم بيانه في سورة ~~البقرة، وخبره " من يشتري لهو الحديث " ومن إما موصولة أو موصوفة، ولهو ~~الحديث كل ما يلهي عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة وكل ما ~~هو ms3036 منكر، والإضافة بيانية. # وقيل المراد شراء القينات المغنيات والمغنين، فيكون التقدير: ومن يشتري ~~أهل لهو الحديث. قال الحسن: لهو الحديث المعازف والغناء. وروي عنه أنه قال: ~~هو الكفر والشرك. قال القرطبي: أن أولى ما قيل في هذا الباب هو تفسير لهو ~~الحديث بالغناء، قال: وهو قول الصحابة والتابعين، واللام في (ليضل عن سبيل ~~الله) للتعليل. # قرأ الجمهور بضم الياء من " ليضل " أي ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج ~~الحق، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن ~~وحميد وورش وابن أبي إسحاق بفتح الياء: أي ليضل هو في نفسه. # قال الزجاج: من قرأ بضم الياء، فمعناه ليضل غيره، فإذا أضل غيره فقد ضل ~~هو، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه ليصير أمره إلى الضلال، وهو وإن لم يكن ~~يشتري للضلالة، فإنه يصير أمره إلى ذلك، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق ~~الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد، ويؤيد هذا سبب نزول الآية وسيأتي. ~~قال الطبري: قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه، وإنما ~~فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبد الله العنبري. قال القاضي أبو بكر بن ~~العربي: يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته إذ ليس شئ منها عليه حرام لا من ~~ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ # قلت: قد جمعت رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء وما استدل به ~~المحللون له والمحرمون له، وحققت هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها ~~وتدبر معانيها إلى النظر في غيرها، وسميتها (إبطال دعوى الإجماع، على تحريم ~~مطلق السماع) فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إليها. PageV04P234 # ومحل قوله " بغير علم " النصب على الحال: أي حال كونه غير عالم بحال ما ~~يشتريه، أو بحال ما ينفع من التجارة وما يضر. فلهذا استبدل بالخير ما هو شر ~~محض (ويتخذها هزوا) قرأ الجمهور برفع " يتخذها " عطفا على يشتري فهو من ~~جملة الصلة، وقيل الرفع على الاستئناف، والضمير المنصوب في يتخذها يعود إلى ms3037 ~~الآيات المتقدم ذكرها، والأول أولى. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش " ويتخذها ~~" بالنصب عطفا على يضل، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل، فتكون على هذه ~~القراءة من جملة التعليل للتحريم، والمعنى: أنه يشتري لهو الحديث للإضلال ~~عن سبيل الله واتخاذ السبيل هزوا: أي مهزوءا به، والسبيل يذكر ويؤنث، ~~والإشارة بقوله (أولئك لهم عذاب مهين) إلى من، والجمع باعتبار معناها كما ~~أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها، والعذاب المهين: هو الشديد الذي يصير ~~به من وقع عليه مهينا (وإذا تتلى عليه آياتنا) أي وإذا تتلى آيات القران ~~على هذا المستهزيء (ولى مستكبرا) أي أعرض عنها حال كونه مبالغا في التكبر، ~~وجملة (كأن لم يسمعها) في محل نصب على الحال: أي كأن ذلك المعرض المستكبر ~~لم يسمعها مع أنه قد سمعها، ولكن أشبهت حاله حال من لم يسمع، وجملة (كأن في ~~أذنيه وقرا) حال ثانية، أو بدل من التي قبلها، أو حال من ضمير يسمعها، ~~ويجوز أن تكون مستأنفة، والوقر الثقل، وقد تقدم بيانه، وفيه مبالغة في ~~إعراض ذلك المعرض (فبشره بعذاب أليم) أي أخبره بأن له العذاب البليغ في ~~الألم، ثم لما بين سبحانه حال من يعرض عن الآيات بين حال من يقبل عليها، ~~فقال (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي آمنوا بالله وبآياته ولم يعرضوا ~~عنها بل قبلوها وعملوا بها (لهم جنات النعيم) أي نعيم الجنات فعكسه ~~للمبالغة، جعل لهم جنات النعيم كما جعل للفريق الأول العذاب المهين، ~~وانتصاب (خالدين فيها) على الحال وقرأ زيد بن علي " خالدون فيها " على أنه ~~خبر ثان لأن (وعد الله حقا) هما مصدران الأول مؤكد لنفسه: أي وعد الله ~~وعدا. والثاني مؤكدة لغيره، وهو مضمون الجملة الأولى وتقديره حق ذلك حقا. # والمعنى: أن وعده كائن لا محالة ولا خلف فيه (وهو العزيز) الذي لا يغلبه ~~غالب (الحكيم) في كل أفعاله وأقواله. ثم بين سبحانه عزته وحكمته بقوله (خلق ~~السماوات بغير عمد ترونها) العمد جمع عماد، وقد تقدم الكلام فيه في سورة ~~الرعد. وترونها في محل جر صفة ms3038 لعمد فيمكن أن تكون ثم عمد، ولكن لا ترى. ~~ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال: أي ولا عمد البتة. قال النحاس: وسمعت ~~علي بن سليمان يقول: الأولى أن يكون مستأنفا: أي ولا عمد ثم (وألقى في ~~الأرض رواسي) أي جبالا ثوابت (أن تميد بكم) في محل نصب على العلة: أي كراهة ~~أن تميد بكم. والكوفيون يقدرونه لئلا تميد، والمعنى: أنها خلقها وجعلها ~~مستقرة ثابتة لا تتحرك بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها (وبث فيها من ~~كل دابة) أي من كل نوع من أنواع الدواب، وقد تقدم بيان معنى البث (وأنزلنا ~~من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) أي أنزلنا من السماء مطرا ~~فأنبتنا فيها بسبب إنزاله من كل زوج: أي من كل صنف، ووصفه بكونه كريما لحسن ~~لونه وكثرة منافعه. وقيل إن المراد بذلك الناس، فالكريم منهم من يصير إلى ~~الجنة، واللئيم من يصير إلى النار. قاله الشعبي وغيره، والأول أولى. ~~والإشارة بقوله (هذا) إلى ما ذكر في خلق السماوات والأرض، وهو مبتدأ وخبره ~~(خلق الله) أي مخلوقه (فأروني ماذا خلق الذين من دونه) من آلهتكم التي ~~تعبدونها، والاستفهام للتقريع والتوبيخ، والمعنى: فأروني أي شئ خلقوا مما ~~يحاكى خلق الله أو يقاربه، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت. ثم أضرب ~~عن تبكيتهم بما ذكر إلى الحكم عليهم بالضلال الظاهر فقال (بل الظالمون في ~~ضلال) فقرر ظلمهم أولا وضلالهم ثانيا، ووصف ضلالهم بالوضوح والظهور، ومن ~~كان هكذا فلا يعقل الحجة ولا يهتدي إلى الحق. PageV04P235 # وقد أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث) يعني باطل الحديث. وهو النضر بن الحارث بن علقمة اشترى أحاديث ~~الأعاجم وصنيعهم في دهرهم. وكان يكتب الكتب من الحيرة إلى الشام ويكذب ~~بالقرآن. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عنه في الآية قال: باطل ~~الحديث. # وهو الغناء ونجوه (ليضل عن سبيل الله) قال: قراءة القرآن وذكر الله، نزلت ~~في رجل من قريش اشترى جارية مغنية. وأخرج ms3039 البخاري في الأدب المفرد وابن أبي ~~الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن عنه أيضا في ~~الآية قال: هو الغناء وأشباهه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه ~~أيضا في الآية قال: # الجواري الضاريات. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن ~~المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي الصهباء قال: سألت عبد الله ~~بن مسعود عن قوله (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) قال: # هو والله الغناء. ولفظ ابن جرير: هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو، ~~يرددها ثلاث مرات. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي ~~الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ~~والبيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا ~~تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام " في مثل ~~هذا أنزلت هذه الآية (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) الآية، وفي إسناده ~~عبيد بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم بن عبد الرحمن وفيهم ضعف. وأخرج ابن ~~أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إن الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها ~~والاستماع إليها، ثم قرأ (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) ". وأخرج ابن أبي ~~الدنيا والبيهقي في السنن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل " وروياه عنه موقوفا. ~~وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شياطين يجلسان ~~على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك " وفي الباب أحاديث في كل ~~حديث منها مقال. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله (ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث) قال: الرجل يشتري جارية تغنيه ليلا ونهارا. وأخرج ابن ms3040 ~~مردويه عن عبد الله بن عمر " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول في قوله (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) إنما ذلك شراء الرجل اللعب ~~والباطل ". وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن نافع قال: كنت أسير مع عبد ~~الله بن عمر في طريق فسمع زمارة فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، ~~فلم يزل يقول يا نافع أتسمع؟ قلت لا فأخرج أصبعيه من أذنيه وقال: هكذا رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صنع. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد ~~الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إنما نهيت عن ~~صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش ~~وجوه وشق جيوب ورنة شيطان ". PageV04P236 # أختلف في لقمان هل هو عجمي أم عربي؟ مشتق من اللقم، فمن قال إنه عجمي ~~منعه للتعريف والعجمة، ومن قال إنه عربي منعه للتعريف ولزيادة الألف ~~والنون. واختلفوا أيضا هو نبي أم رجل صالح؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ~~ليس بنبي. وحكى الواحدي عن عكرمة والسدي والشعبي أنه كان نبيا، والأول أرجح ~~لما سيأتي في آخر البحث. وقيل لم يقل بنبوته إلا عكرمة فقط، مع أن الراوي ~~لذلك عنه جابر الجعفي وهو ضعيف جدا. وهو لقمان بن باعورا ابن ناحور بن ~~تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم، وقيل هو لقمان بن عنقا بن مروان، وكان نوبيا من ~~أهل أيلة ذكره السهيلي. قال وهب: هو ابن أخت أيوب. وقال مقاتل: هو ابن ~~خالته، عاش ألف سنة وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث ~~داود قطع الفتوى، فقيل له؟ فقال ألا أكتفي إذ كفيت. قال الواقدي: كان قاضيا ~~في بني إسرائيل، والحكمة التي آتاه الله هي الفقه والعقل والإصابة في القول ~~وفسر الحكمة من قال بنبوته بالنبوة (أن اشكر لي) أن هي المفسرة، لأن في ~~إيتاء الحكمة معنى القول. وقيل التقدير قلنا له أن اشكر لي. وقال الزجاج: ~~المعنى ولقد ms3041 آتينا لقمان الحكمة لأن اشكر لي. وقيل بأن اشكر لي فشكر فكان ~~حكيما بشكره والشكر لله الثناء عليه في مقابلة النعمة وطاعته فيما أمر به. ~~ثم بين سبحانه أن الشكر لا ينتفع به إلا الشاكر، فقال (ومن يشكر فإنما يشكر ~~لنفسه) لأن نفع ذلك راجع إليه وفائدته حاصلة له إذ به تستبقي النعمة وبسببه ~~يستجلب المزيد لها من الله سبحانه (ومن كفر فإن الله غني حميد) أي من جعل ~~كفر النعم مكان شكرها، فإن الله غني عن شكره غير محتاج إليه حميد مستحق ~~للحمد من خلقه لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها ولا يحصر عددها وإن ~~لم يحمده أحد من خلقه، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال. قال يحيى بن ~~سلام: غني عن خلقه حميد في فعله (وإذ قال لقمان لابنه) قال السهيلي: اسم ~~ابنه ثاران في قول ابن جرير والقتيبي. وقال الكلبي: مشكم. وقال النقاش ~~أنعم. وقيل مأتان. قال القشيري: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظها حتى ~~أسلما، وهذه الجملة معطوفة على ما تقدم، والتقدير: آتينا لقمان الحكمة حين ~~جعلناه شاكرا في نفسه، وحين جعلناه واعظا لغيره. قال الزجاج: إذ في موضع ~~نصب بآتينا. والمعنى: ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال. قال النحاس: وأحسبه ~~غلطا لأن في الكلام واوا وهي تمنع من ذلك، ومعنى (وهو يعظه) PageV04P237 # يخاطبه بالمواعظ التي ترغبه في التوحيد وتصده عن الشرك (يا بني لا تشرك ~~بالله) قرأ الجمهور بكسر الياء. وقرأ ابن كثير بإسكانها. وقرأ حفص بفتحها، ~~ونهيه عن الشرك يدل على أنه كان كافرا كما تقدم، وجملة (إن الشرك لظلم ~~عظيم) تعليل لما قبلها، وبدأ في وعظه بنهيه عن الشرك لأنه أهم من غيره. # وقد اختلف في هذه الجملة، فقيل هي من كلام لقمان، وقيل هي من كلام الله، ~~فتكون منقطعة عما قبلها. # ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح إنها لما نزلت - ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم - شق ذلك على الصحابة، وقالوا: # أينا لم يظلم نفسه. فأنزل الله (إن الشرك لظلم ms3042 عظيم) فطابت أنفسهم ~~(ووصينا الإنسان بوالديه) هذه الوصية بالوالدين وما بعدها إلى قوله (بما ~~كنتم تعملون) اعتراض بين كلام لقمان لقصد التأكيد لما فيها من النهي عن ~~الشرك بالله، وتفسير التوصية هي قوله (أن اشكر لي ولوالديك) وما بينهما ~~اعتراض بين المفسر والمفسر وفي جعل الشكر لهما مقترنا بالشكر لله دلالة على ~~أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد وأكبرها وأشدها وجوبا ومعنى (حملته أمه ~~وهنا على وهن) أنها حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفا على ضعف، وقيل ~~المعنى: إن المرأة ضعيفة الخلقة، ثم يضعفها الحمل وانتصاب وهنا على المصدر. ~~وقال النحاس على أنه مفعول ثان بإسقاط الحرف: أي حملته بضعف على ضعف. وقال ~~الزجاج: المعنى لزمها بحملها إياه أن تضعف، مرة بعد مرة وقيل انتصابه على ~~الحال من أمه و " على وهن " صفة لوهنا أي وهنا كائنا على وهن. قرأ الجمهور ~~بسكون الهاء في الموضعين. وقرأ عيسى الثقفي وهي رواية عن أبي عمرو بفتحهما ~~وهما لغتان. قال قعنب: # هل للعواذل من ناه فيزجرها * إن العواذل فيها الأين والوهن (وفصاله في ~~عامين) الفصال الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم، وهو مبتدأ وخبره الظرف. ~~وقرأ الجحدري وقتادة وأبو رجاء والحسن ويعقوب " وفصله " وهما لغتان، يقال ~~انفصل عن كذا: أي تميز، وبه سمي الفصيل. وقد قدمنا أن أمه في قوله (أن اشكر ~~لي ولوالديك) هي المفسرة. وقال الزجاج: هي مصدرية. # والمعنى: بأن اشكر لي. قال النحاس: وأجود منه أن تكون أن مفسرة، وجملة ~~(إلي المصير) تعليل لوجوب امتثال الأمر: أي الرجوع إلي لا إلى غيري (وإن ~~جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) أي مالا علم لك بشركته (فلا ~~تطعهما) في ذلك. وقد قدمنا تفسير الآية وسبب نزولها في سورة العنكبوت، ~~وانتصاب (معروفا) على أنه صفة لمصدر محذوف: أي وصاحبهما صحابا معروفا، وقيل ~~هو منصوب بنزع الخافض، والتقدير بمعروف (واتبع سبيل من أناب إلي) أي اتبع ~~سبيل من رجع إلي من عبادي الصالحين بالتوبة والإخلاص (ثم ms3043 إلي مرجعكم) جميعا ~~لا إلى غيري (فأنبئكم) أي أخبركم عند رجوعكم (بما كنتم تعملون) من خير وشر ~~فأجازي كل عامل بعمله. وقد قيل إن هذا السياق من قوله " ووصينا الإنسان " ~~إلى هنا من كلام لقمان فلا يكون اعتراضا وفيه بعد. ثم شرع سبحانه في حكاية ~~بقية كلام لقمان في وعظه لابنه فقال (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل) ~~الضمير في إنها عائد إلى الخطيئة لما روي أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت ~~إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد هل يعلمها الله؟ فقال إنها: أي الخطيئة، ~~والجملة الشرطية مفسرة للضمير: أي إن الخطيئة إن تك مثقال حبة من خردل. قال ~~الزجاج: التقدير أن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل، وعبر ~~بالخردلة لأنها أصغر الحبوب ولا يدرك بالحس ثقلها ولا ترجح ميزانا. وقيل إن ~~الضمير في " إنها " راجع إلى الخصلة من الإساءة والإحسان: أي إن الخصلة من ~~الإساءة والإحسان إن تك مثقال حبة الخ، ثم زاد في بيان خفاء الحبة مع خفتها ~~فقال (فتكن في صخرة) فإن كونها في الصخرة قد صارت في أخفى مكان وأحرزه (أو ~~في السماوات أو في الأرض) PageV04P238 # أي أو حيث كانت من بقاع السماوات أو من بقاع الأرض (يأت بها الله) أي ~~يحضرها ويحاسب فاعلها عليها (إن الله لطيف) لا تخفى عليه خافية، بل يصل ~~علمه إلى كل خفى (خبير) بكل شئ لا يغيب عنه شئ. قرأ الجمهور " إن تك " ~~بالفوقية على معنى إن تك الخطيئة أو المسألة أو الخصلة أو القصة. وقرأوا " ~~مثقال " بالنصب على أنه خبر كان، واسمها هو أحد تلك المقدرات. وقرأ نافع ~~برفع مثقال على أنه اسم كان وهي تامة، وأنث الفعل في هذه القراءة لإضافة ~~مثقال إلى المؤنث. وقرأ الجمهور " فتكن " بضم الكاف، وقرأ الجحدري بكسرها ~~وتشديد النون، من الكن الذي هو الشئ المغطى. قال السدي: هذه الصخرة هي صخرة ~~ليست في السماوات ولا في الأرض. ثم حكى سبحانه عن لقمان أنه أمر ابنه ms3044 ~~بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصيبة. ووجه ~~تخصيص هذه الطاعات أنها أمهات العبادات وعماد الخير كله. والإشارة بقوله ~~(إن ذلك) إلى الطاعات المذكورة. وخبر إن قوله (من عزم الأمور) أي مما جعله ~~الله عزيمة وأوجبه على عباده. وقيل المعنى: # من حق الأمور التي أمر الله بها، والعزم يجوز أن يكون بمعنى المعزوم: أي ~~من معزومات الأمور أو بمعنى العازم كقوله - فإذا عزم الأمر - قال المبرد: ~~إن العين تبدل جاء، فيقال عزم وحزم. قال ابن جرير: ويحتمل أن يريد أن ذلك ~~من مكارم أهل الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، وصوب هذا ~~القرطبي (ولا تصاعر خدك للناس) قرأ الجمهور " تصعر " وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر وعاصم " تصاعر " والمعنى متقارب، والصعر الميل، يقال صعر خده وصاعر ~~خده: إذا أمال وجهه وأعرض تكبرا. والمعنى لا تعرض عن الناس تكبرا عليهم، ~~ومنه قول الشاعر: # وكنا إذا الجبار صعر خده * مشينا إليه بالسيوف نعاتبه ورواه ابن جرير ~~هكذا: # وكنا إذا الجبار صعر خده * أقمنا له من ميله فتقوما قال الهروي (ولا ~~تصاعر خدك للناس) أي لا تعرض عنهم تكبرا، يقال أصاب البعير صعر: إذا أصابه ~~داء يلوي عنقه. وقيل المعنى: ولا تلو شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره. ~~قال ابن خويز منداد: كأنه نهى أن يذل الإنسان نفسه من غير حاجة، ولعله فهم ~~من التصعير التذلل (ولا تمش في الأرض مرحا) أي خيلاء وفرحا، والمعنى النهي ~~عن التكبر والتجبر، والمختال يمرح في مشيه، وهو مصدر في موضع الحال، وقد ~~تقدم تحقيقه، وجمله (إن الله لا يحب كل مختال فخور) تعليل للنهي لأن ~~الاختيال هو المرح، والفخور هو الذي يفتخر على الناس بماله من المال أو ~~الشرف أو القوة أو غير ذلك، وليس منه التحدث بنعم الله، فإن الله يقول - ~~وأما بنعمة ربك فحدث - (واقصد في مشيك) أي توسط فيه، والقصد ما بين الإسراع ~~والبطء، يقال قصد فلان في مشيته: إذا مشى مستويا لا يدب دبيب المتماوتين ~~ولا يثب وثوب ms3045 الشياطين. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كان ~~إذا مشى أسرع، فلا بد أن يحمل القصد هنا على ما جاوز الحد في السرعة. وقال ~~مقاتل: معناه لا تختل في مشيتك. وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله - ~~يمشون على الأرض هونا - (واغضض من صوتك) أي انقص منه واخفضه ولا تتكلف ~~رفعه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع، وجملة (إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير) تعليل للأمر بالغض من الصوت: أي أوحشها وأقبحها. قال قتادة: أقبح ~~الأصوات صوت الحمير أوله زفير وآخره شهيق. قال المبرد: تأويله أن الجهر ~~بالصوت ليس بمحمود وإنه PageV04P239 # داخل في باب الصوت المنكر، واللام في لصوت للتأكيد، ووحد الصوت مع كونه ~~مضافا إلى الجمع لأنه مصدر، وهو يدل على الكثرة، وهو مصدر صات يصوت صوتا ~~فهو صائت. # وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " أتدرون ما كان لقمان؟ # قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: كان حبشيا ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في ~~الزهد وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا. وأخرج الطبراني وابن ~~حبان في الضعفاء وابن عساكر عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، ~~والنجاشي، وبلال المؤذن ". قال الطبراني: أراد الحبشة. # وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في قوله (ولقد آتينا لقمان الحكمة) يعني العقل ~~والفهم والفطنة في غير نبوة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة أنه ~~كان نبيا، وقد قدمنا أن الراوي عنه جابر الجعفي، وهو ضعيف جدا. # وأخرج أحمد والحكيم والترمذي والحاكم في الكنى والبيهقي في الشعب عن ابن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن لقمان الحكيم كان يقول: إن ~~الله إذا استودع شيئا حفظه " وقد ذكر جماعة من أهل الحديث روايات عن جماعة ~~من الصحابة والتابعين تتضمن كلمات من ms3046 مواعظ لقمان وحكمه، ولم يصح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك شئ ولا ثبت إسناد صحيح إلى لقمان بشئ ~~منها حتى نقبله. وقد حكى الله سبحانه من مواعظه لابنه ما حكاه في هذا ~~الوضع، وفيه كفاية وما عدا ذلك مما لم يصح فليس في ذكره إلا شغلة للحيز ~~وقطيعة للوقت، ولم يكن نبيا حتى يكون ما نقل عنه من شرع من قبلنا، ولا صح ~~إسناد ما روي عنه من الكلمات حتى يكون ذكر ذلك من تدوين كلمات الحكمة التي ~~هي ضالة المؤمن. وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ~~عثمان النهدي أن سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت في هذه الآية " وإن جاهداك على ~~أن تشرك بي "، وقد تقدم ذكر هذا. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: نزلت ~~هذه الآية في سعد بن أبي وقاص. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وهنا ~~على وهن) قال: شدة بعد شدة وخلقا بعد خلق. # وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن قوله (ولا تصعر خدك للناس) فقال لي الشدق. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولا تصعر ~~خدك للناس) قال: لا تتكبر فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم إذا كلموك. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه ~~كالمستكبر. PageV04P240 # لما فرغ سبحانه من قصة لقمان رجع إلى توبيخ المشركين وتبكيتهم وإقامة ~~الحجج عليهم فقال (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) ~~قال الزجاج: معنى تسخيرها للادميين الانتفاع بها انتهى، فمن مخلوقات ~~السماوات المسخرة لبني آدم: أي التي ينتفعون بها الشمس والقمر والنجوم ونحو ~~ذلك. ومن جملة ذلك الملائكة فإنهم حفظة لبني آدم بأمر الله سبحانه، ومن ~~مخلوقات الأرض المسخرة لبني آدم الأحجار والتراب والزرع والشجر والثمر ~~والحيوانات التي ينتفعون بها ms3047 والشعب الذي يرعون فيه دوابهم وغير ذلك مما لا ~~يحصى كثرة، فالمراد بالتسخير جعل المسخر بحيث ينتفع به المسخر له سواء كان ~~منقادا له وداخلا تحت تصرفه أم لا (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) أي أتم ~~وأكمل عليكم نعمه، يقال سبغت النعمة إذا تمت وكملت. قرأ الجمهور " أسبغ " ~~بالسين، وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة " أصبغ " بالصاد مكان السين. والنعم ~~جمع نعمة على قراءة نافع وأبي عمرو وحفص، وقرأ الباقون " نعمة " بسكون ~~العين على الإفراد والتنوين اسم جنس يراد به الجمع ويدل به على الكثرة، ~~كقوله - وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها - وهي قراءة ابن عباس. والمراد ~~بالنعم الظاهرة ما يدرك بالعقل أو الحس ويعرفه من يتعرفه، وبالباطنة فلا ~~مالا يدرك للناس ويخفى عليهم. وقيل الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة ~~المعرفة والعقل. وقيل الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال ~~وفعل الطاعات، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين ~~وما يدفعه الله عن البعد من الآفات. وقيل الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم ~~الآخرة. # وقيل الظاهرة الإسلام والجمال، والباطنة ما ستره الله على العبد من ~~الأعمال السيئة (ومن الناس من يجادل في الله) أي في شأن الله سبحانه في ~~توحيده وصفاته مكابرة وعنادا بعد ظهور الحق له وقيام الحجة عليه، ولهذا قال ~~(بغير علم) من عقل ولا نقل (ولا هدى) يهتدي به إلى طريق الصواب (ولا كتاب ~~منير) أنزله الله سبحانه، بل مجرد تعنت ومحض عناد. وقد تقدم تفسير هذه ~~الآية في سورة البقرة (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) أي إذا قيل ~~لهؤلاء المجادلين. والجمع باعتبار معنى من، اتبعوا ما أنزل الله على رسوله ~~من الكتاب تمسكوا بمجرد التقليد البحت، و (قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام، ونمشي منه في الطريق التي كانوا ~~يمشون بها في دينهم، ثم قال على طريق الاستفهام للاستبعاد والتبكيت (أو لو ~~كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) أي يدعو آباءهم الذين اقتدوا ms3048 بهم في ~~دينهم: أي يتبعونهم في الشرك، ولو كان الشيطان يدعوهم فيما هم عليه من ~~الشرك، ويجوز أن يراد أنه يدعو هؤلاء الأتباع إلى عذاب السعير، لأنه زين ~~لهم اتباع آبائهم والتدين PageV04P241 # بدينهم، ويجوز أن يراد أنه يدعو جميع التابعين والمتبوعين إلى العذاب، ~~فدعاؤه للمتبوعين بتزيينه لهم الشرك، ودعاؤه للتابعين بتزيينه لهم دين ~~آبائهم، وجواب لو محذوف: أي يدعوهم فيتبعونهم، ومحل الجملة النصب على ~~الحال. وما أقبح التقليد، وأكثر ضرره على صاحبه، وأوخم عاقبته، وأشأم ~~عائدته على من وقع فيه. فإن الداعي له إلى ما أنزل الله على رسوله كمن يريد ~~أن يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحترق، فتأبى ذلك وتتهافت في نار الحريق ~~وعذاب السعير (ومن يسلم وجهه إلى الله) أي يفوض إليه أمره، ويخلص له عبادته ~~ويقبل عليه بكليته (وهو محسن) في أعماله، لأن العبادة من غير إحسان لها ولا ~~معرفة بما يحتاج إليه فيها لا تقع بالموقع الذي تقع به عبادة المحسنين. وقد ~~صح عن الصادق المصدوق لما سأله جبريل عن الإحسان أنه قال له " أن تعبد الله ~~كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (فقد استمسك بالعروة الوثقى) أي ~~اعتصم بالعهد الأوثق وتعلق به، وهو تمثيل لحال من أسلم وجهه إلى الله بحال ~~من أراد أن يترقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرى حبل متدل منه (وإلى الله ~~عاقبة الأمور) أي مصيرها إليه لا إلى غيره. وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي ~~وعبد الله بن مسلم بن يسار " ومن يسلم " بالتشديد. قال النحاس: والتخفيف في ~~هذا أعرف كما قال عز وجل - فقل أسلمت وجهي لله - (ومن كفر فلا يحزنك كفره) ~~أي لا تحزن لذلك، فإن كفره لا يضرك، بين سبحانه حال الكافرين بعد فراغه من ~~بيان حال المؤمنين، ثم توعدهم بقوله (إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا) أي ~~تخبرهم بقبائح أعمالهم ونجازيهم عليها (إن الله عليم بذات الصدور) أي بما ~~تسره صدورهم لا تخفى عليه من ذلك خافية. فالسر عنده كالعلانية (نمتعهم ~~قليلا) أي نبقيهم ms3049 في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها. فإن النعيم الزائل هو ~~أقل قليل بالنسبة إلى النعيم الدائم. وانتصاب قليلا على أنه صفة لمصدر ~~محذوف: أي تمتيعا قليلا (ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) أي نلجهئم غير إلى عذاب ~~النار. # فإنه لا أثقل منه على من وقع فيه وأصيب به، فلهذا أستعير له الغلظ (ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) أي يعترفون بالله خالق ذلك ~~لوضوح الأمر فيه عندهم. وهذا اعتراف منهم بما يدل على التوحيد وبطلان الشرك ~~ولهذا قال (قل الحمد لله) أي قل يا محمد الحمد لله على اعترافكم، فكيف ~~تعبدون غيره وتجعلونه شريكا له؟ أو المعنى: فقل الحمد لله على ما هدانا له ~~من دينه ولا حد لغيرة ثم أضرب عن ذلك فقال (بل أكثرهم لا يعلمون) أي لا ~~ينظرون ولا يتدبرون حتى يعلموا أن خالق هذه الأشياء هو الذي تجب له العبادة ~~دون غيره (لله ما في السماوات والأرض) ملكا وخلقا فلا يستحق العبادة غيره ~~(إن الله هو الغني) عن غيره (الحميد) أي المستحق للحمد أو المحمود من عباده ~~بلسان المقال أو بلسان الحال. ثم لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات ~~والأرض أتبعه بما يدل على أن له وراء ذلك مالا يحيط به عدد ولا يحصر بحد ~~فقال (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) أي لو أن جميع ما في الأرض من ~~الشجر أقلام، ووحد الشجرة لما تقرر في علم المعاني أن استغراق المفرد أشمل، ~~فكأنه قال: كل شجرة شجرة حتى لا يبقي من جنس الشجر واحدة إلا وقد بريت ~~أقلاما، وجمع الأقلام لقصد التكثير: # أي لو أن يعد كل شجرة من الشجر أقلاما. قال أبو حيان: وهو من وقوع المفرد ~~موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة كقوله - ما ننسخ من آية -، ثم قال سبحانه ~~(والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) أي يمده من بعد نفاده سبعة أبحر. قرأ ~~الجمهور " والبحر " بالرفع على أنه مبتدأ، ويمده خبره، والجملة في محل ~~الحال: أي والحال أن ms3050 البحر المحيط مع سعته يمده السبعة الأبحر مدا لا ~~ينقطع، كذا قال سيبويه. وقال المبرد: إن البحر مرتفع بفعل مقدر تقديره ولو ~~ثبت البحر حال كونه تمده من بعده سبعة أبحر، وقيل: هو مرتفع بالعطف على أن ~~وما في حيزها. # وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق والبحر بالنصب عطفا على اسم أن، أو بفعل ~~مضمر يفسره يمده. وقرأ ابن هرمز والحسن " يمده " بضم حرف المضارعة وكسر ~~الميم، من أمد. وقرأ جعفر بن محمد والبحر " مداده " وجواب لو PageV04P242 # (ما نفذت كلمات الله) أي كلماته التي هي عبارة عن معلوماته. قال أبو علي ~~الفارسي: المراد بالكلمات والله أعلم ما في المقدور دون ما خرج منه إلى ~~الوجود، ووافقه القفال فقال: المعنى أن الأشجار لو كانت أقلاما والبحار ~~مدادا فكتب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته ووحدانيته لم تنفذ تلك ~~العجائب. قال القشيري: رد القفال معنى الكلمات إلى المقدورات، وحمل الآية ~~على الكلام القديم أولى. قال النحاس: قد تبين أن الكمات هاهنا يراد بها ~~العلم وحقائق الأشياء، لأنه جل وعلا قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في ~~السماوات والأرض من شئ، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها وما ~~فيها من شعرة وعضو وما في الشجرة من ورقة وما فيها من ضروب الخلق. وقيل إن ~~قريشا قالت: ما أكثر كلام محمد، فنزلت قاله السدي، وقيل إنها لما نزلت - ~~وما أو تيتم من العلم إلا قليلا - في اليهود، قالوا كيف وقد أوتينا التوراة ~~فيها كلام الله وأحكامه، فنزلت. قال أبو عبيدة: # المراد بالبحر هنا الماء العذب الذي ينبت الأقلام، وأما الماء المالح فلا ~~ينبت الأقلام. قلت: ما أسقط هذا الكلام وأقل جدواه (إن الله عزيز حكيم) أي ~~غالب لا يعجزه شئ، ولا يخرج عن حكمته وعلمه فرد من أفراد مخلوقاته (ما ~~خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) أي إلا كخلق نفس واحدة وبعثها. قال ~~النحاس: كذا قدره النحويون كخلق نفس مثل قوله - واسئل القرية -. قال ~~الزجاج: أي قدرة الله على ms3051 بعث الخلق كلهم وعلى خلقهم كقدرته على خلق نفس ~~واحدة وبعث نفس واحدة (إن الله سميع) لكل ما يسمع (بصير) بكل ما يبصر. # وقد أخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال: سألت ابن عباس عن قوله (وأسبغ ~~عليكم) الآية، قال: هذه من كنوز علمي سألت عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال " أما الظاهرة فما سوى من خلقك، وأما الباطنة فما ستر من ~~عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم ". وأخرج ابن مردويه والبيهقي في ~~الشعب والديلمي وابن النجار عنه قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن قوله (وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة) فقال: # أما الظاهرة فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه، وأما ~~الباطنة فما ستر من مساوئ عملك ". # وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال: النعمة الظاهرة الإسلام، والنعمة الباطنة ~~كل يستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا أنه قال في تفسير الآية هي: ~~لا إله إلا الله. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله (ولو أن ما في الأرض) الآية " إن أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك - وما أو تيتم من العلم ~~إلا قليلا - إيانا تريد أم قومك؟ فقال كلا، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك ~~أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شئ؟ فقال: إنها في علم الله قليل، ~~وأنزل الله (ولو أن ما في الأرض ". وأخرجه ابن مردويه عنه بأطول منه. وأخرج ~~ابن مردويه أيضا عن ابن مسعود نحوه. PageV04P243 # الخطاب بقوله (ألم تر) لكل أحد يصلح لذلك أو للرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم (أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) أي يدخل كل ~~واحد منهما في الآخر، وقد تقدم تفسيره في سورة الحج والأنعام (وسخر الشمس ~~والقمر) أي ذللهما وجعلهما منقادين بالطلوع والأفول تقديرا للآجال وتتميما ~~للمنافع، والجملة ms3052 معطوفة على ما قبلهما مع اختلافهما (كل يجري إلى أجل ~~مسمى) اختلف في الأجل المسمى ماذا هو؟ فقيل هو يوم القيامة، وقيل وقت ~~الطلوع ووقت الأفول، والأول أولى، وجملة (وأن الله بما تعملون خبير) معطوفة ~~على أن الله يولج: أي خبير بما تعملونه من الأعمال لا تخفى عليه منها خافية ~~لأن من قدر على قبل هذه الأمور العظيمة فقدرته على العلم بما تعملونه ~~بالأولى. قرأ الجمهور " تعملون " بالفوقية، وقرأ السلمي ونصر بن عامر ~~والدوري عن أبي عمرو بالتحتية على الخبر، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ~~ذكره، والباء في (بأن الله) للسببية: أي ذلك بسبب أنه سبحانه (هو الحق) ~~وغيره الباطل، أو متعلقة بمحذوف: أي فعل ذلك ليعلموا أنه الحق (وأن ما ~~يدعون من دونه الباطل) قال مجاهد: الذي يدعون من دونه هو الشيطان، وقيل ما ~~أشركوا به من صنم أو غيره، وهذا أولى (وأن الله هو العلي الكبير) معطوفة ~~على جملة " أن الله هو الحق " والمعنى: أن ذلك الصنع البديع الذي وصفه في ~~الآيات المتقدمة للاستدلال به على حقيقة الله، وبطلان ما سواه، وعلوه ~~وكبريائه: هو العلي في مكانته، ذو الكبرياء في ربوبيته وسلطانه. ثم ذكر من ~~عجيب صنعه وبديع قدرته نوعا آخر فقال (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة ~~الله) أي بلطفه بكم ورحمته لكم، وذلك من أعظم نعمه عليكم لأنها تخلصكم من ~~الغرق عند أسفاركم في البحر لطلب الرزق، وقرأ ابن هرمز " بنعمات الله " جمع ~~نعمة (ليريكم من آياته) من للتبعيض: أي ليريكم بعض آياته. قال يحيى بن ~~سلام: وهو جري السفن في البحر بالريح. وقال ابن شجرة: المراد بقوله " من ~~آياته ما يشاهدونه من قدرة الله ". وقال النقاش: ما يرزقهم الله في البحر ~~(إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) هذه الجملة تعليل لما قبلها: أي أن فيما ~~ذكر لآيات عظيمة لكل من له صبر بليغ وشكر كثير يصبر عن معاصي الله ويشكر ~~نعمه (وإذا غشيهم موج كالظلل) شبه الموج لكبره بما يظل الإنسان ms3053 من جبل أو ~~سحاب أو غيرهما، وإنما شبه الموج وهو واحد بالظلل. وهى جمع، لأن الموت يأتي ~~شيئا بعد شئ ويركب بعضه بعضا. وقيل إن الموج في معنى الجمع لأنه مصدر، وأصل ~~الموج الحركة والازدحام، ومنه يقال ماج البحر وماج الناس. وقرأ محمد بن ~~الحنفية " موج كالظلال " جمع ظل (دعوا الله مخلصين له الدين) أي دعوا الله ~~وحده لا يعولون على غيره في خلاصهم لأنهم يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع سواه، ~~ولكنه تغلب على طبائعهم العادات وتقليد الأموات. فإذا PageV04P244 # وقعوا في مثل هذه الحالة اعترفوا بوحدانية الله وأخلصوا دينهم له طلبا ~~للخلاص والسلامة مما وقعوا فيه (فلما نجاهم إلى البر) صاروا على قسمين: ~~فقسم (مقتصد) أي موف بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين له باق ~~على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر، وأخرجه إلى البر سالما. قال الحسن: ~~معنى مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة. وقال مجاهد: مقتصد في القول مضمر ~~للكفر، والأولى ما ذكرناه، ويكون في الكلام حذف، والتقدير فمنهم مقتصد ~~ومنهم كافر، ويدل على هذا المحذوف قوله (وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ~~كفور) الختر: # أسوأ الغدر وأقبحه، ومنه قول الأعشى: # بالأبلق الفرد من تيماء منزله * حصن حصين وجار غير ختار قال الجوهري: ~~الختر الغدر، يقال ختره فهو ختار. قال الماوردي: وهذا قول الجمهور. وقال ~~ابن عطية: إنه الجاحد، وجحد الآيات: إنكارها، والكفور: عظيم الكفر بنعم ~~الله سبحانه (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده) ~~أي لا يغني الوالد عن ولده شيئا ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله ~~بنفسه. وقد تقدم بيان معناه في البقرة (ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) ~~ذكر سبحانه فردين من القرابات وهو الوالد والولد وهما الغاية في الحنو ~~والشفقة على بعضهم البعض فما عداهما من القرابات لا يجزي بالأولى فكيف ~~بالأجانب. اللهم اجعلنا ممن لا يرجو سواك ولا يعول على غيرك (إن وعد الله ~~حق) لا يتخلف فما وعد به من ms3054 الخير وأوعد به من الشر فهو كائن لا محالة (فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا) وزخارفها فإنها زائلة ذاهبة (ولا يغرنكم بالله ~~الغرور) قرأ الجمهور " الغرور " بفتح الغين المعجمة، والغرور هو الشيطان، ~~لأن من شأنه أن يغر الخلق ويمنيهم بالأماني الباطلة، ويلهيهم عن الآخرة، ~~ويصدهم عن طريق الحق. وقرأ سماك بن حرب وأبو حيوة وابن السميفع بضم الغين ~~مصدر غر يغر غرورا، ويجوز أن يكون مصدرا واقعا وصفا للشيطان على المبالغة ~~(إن الله عنده علم الساعة) أي علم وقتها الذي تقوم فيه. قال الفراء: إن ~~معنى هذا الكلام النفي: أي ما يعلمه أحد إلا الله عز وجل. قال النحاس: ~~وإنما صار فيه معنى النفي لما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال في قوله - وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو - إنها هذه (وينزل ~~الغيث) في الأوقات التي جعلها معينة لإنزاله ولا يعلم ذلك غيره (ويعلم ما ~~في الأرحام) من الذكور والإناث والصلاح والفساد (وما تدري نفس) من النفوس ~~كائنة ما كانت من غير فرق بين الملائكة والأنبياء والجن والإنس (ماذا تكسب ~~غدا) من كسب دين أو كسب دنيا (وما تدري نفس بأي أرض تموت) أي بأي مكان يقضي ~~الله عليها بالموت. قرأ الجمهور " وينزل الغيث " مشددا. وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وحمزة والكسائي مخففا. وقرأ الجمهور " بأي أرض " وقرأ أبي بن كعب ~~وموسى الأهوازي " بأية " وجوز ذلك الفراء وهي لغة ضعيفة. قال الأخفش: يجوز ~~أن يقال مررت بجارية أي جارية. قال الزجاج: من ادعى أنه يعلم شيئا من هذه ~~الخمس فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (ختار) قال: جحاد. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (ولا يغرنكم بالله الغرور) قال: هو ~~الشيطان. وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن مجاهد قال " جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني ~~ما تلد؟ وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت ms3055 متى ولدت فأخبرني ~~متى أموت؟ فأنزل الله (إن الله عنده علم الساعة) الآية ". وأخرج ابن المنذر ~~عن عكرمة نحوه وزاد: وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا؟ PageV04P245 # وزاد أيضا أنه سأله عن قيام الساعة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " مفاتيح الغيب خمس لا ~~يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا ~~الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل الغيث إلا الله، وما تدرى ~~نفس بأي أرض تموت إلا الله، " وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة في ~~حديث سؤاله عن الساعة وجوابه بأشراطها، ثم قال " في خمس لا يعلمهن إلا ~~الله، ثم تلا هذه الآية " وفي الباب أحاديث. # تفسير سورة السجدة هي ثلاثون آية وهي مكية كما رواه ابن الضريس وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، ورواه ابن مردويه عن ابن الزبير. ~~وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال: هي مكية سوى ثلاث آيات (أفمن كان مؤمنا) ~~إلى تمام الآيات الثلاث، وكذا قال الكلبي ومقاتل، وقيل إلا خمس آيات من ~~قوله (تتجافى جنوبهم) إلى قوله (الذي كنتم به تكذبون) وقد ثبت عند مسلم ~~وأهل السنن من حديث أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ ~~في صلاة الفجر يوم الجمعة بآلم تنزيل السجدة. وهل أتى على الإنسان ". ~~وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه أيضا. وأخرج أبو عبيد في فضائله ~~وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه ~~عن جابر قال " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأ آلم ~~تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك ". وأخرج أبو نصر والطبراني والبيهقي ~~في سننه عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " من ~~صلى أربع ركعات خلف العشاء الأخيرة قرأ في الركعتين الأوليين قل يا أيها ~~الكافرون (و) (قل هو الله أحد) وفي الركعتين ms3056 الأخريين (تبارك الذي بيده ~~الملك) و (آلم تنزيل) السجدة كتبن له كأربع ركعات من ليلة القدر ". # وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" من قرأ تبارك الذي بيده الملك وآلم تنزيل السجدة بين المغرب والعشاء ~~الآخرة فكأنما قام ليلة القدر ". وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ في ليلة آلم تنزيل ~~السجدة ويس واقتربت الساعة وتبارك الذي بيده الملك كن له نورا وحرزا من ~~الشيطان، ورفع في الدرجات إلى يوم القيامة. " وأخرج ابن الضريس عن المسيب ~~بن رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " آلم تنزيل تجيء لها ~~جناحات يوم القيامة تظل صاحبها وتقول: لا سبيل عليه لا سبيل عليه ". ~~PageV04P246 # قوله (آلم) قد قدمنا الكلام على فاتحة هذه السورة وعلى محلها من الإعراب ~~في سورة البقرة وفي مواضع كثيرة من فواتح السور، وارتفاع (تنزيل) على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر على تقدير أن آلم في محل رفع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف، أو خبر لقوله آلم على تقدير أنه اسم للسورة، و (لا ريب فيه) ~~في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون ارتفاع تنزيل على أنه مبتدأ وخبره لا ~~ريب فيه، ومن رب العالمين في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون هذه كلها ~~أخبارا للمبتدأ المقدر قبل تنزيل، أو لقوله آلم على تقدير أنه مبتدأ لا على ~~تقدير أنه حروف مسرودة على نمط التعديد. قال مكي: وأحسن الوجوه أن تكون " ~~لا ريب فيه " في موضع الحال. و " من رب العالمين " الخبر، والمعنى على هذه ~~الوجوه: أن تنزيل الكتاب المتلو لا ريب فيه ولا شك وأنه منزل من رب ~~العالمين، وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا أساطير الأولين، و " أم " ~~في (أم يقولون افتراه) هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة: أي بل أيقولون ~~هو مفترى فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو معتقد الكفار مع ms3057 الاستفهام ~~المتضمن للتقريع والتوبيخ، ومعنى " افتراه " افتعله واختلقه. ثم أضرب عن ~~معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن الكتاب فقال (بل هو الحق من ربك) ~~فكذبهم سبحانه في دعوى الافتراء، ثم بين العلة التي كان التنزيل لأجلها ~~فقال (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) وهم العرب وكانوا أمة أمية لم ~~يأتهم رسول، وقيل قريش خاصة، والمفعول الثاني لتنذر محذوف: أي لتنذر قوما ~~العقاب، وجملة ما أتاهم من نذير في محل نصب على الحال ومن قبلك صفة لنذير. ~~وجوز أبو حيان أن تكون ما موصولة، والتقدير: لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم ~~من نذير من قبلك، وهو ضعيف جدا، فإن المراد تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم ~~يأتهم نذير قبله، لا تعليله بالإنذار لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به، وقيل ~~المراد بالقوم أهل الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~(لعلهم يهتدون) رجاء أن يهتدوا، أو كي يهتدوا (الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة ~~الأعراف، والمراد من ذكرها هنا تعريفهم كمال قدرته وعظيم صنعته ليسمعوا ~~القرآن ويتأملوه، ومعنى خلق: أوجد وأبدع. قال الحسن: الأيام هنا هي من أيام ~~الدنيا، وقيل مقدار اليوم ألف سنة من سني الدنيا، قاله الضحاك. فعلى هذا ~~المراد بالأيام هنا هي من أيام الآخرة لا من أيام الدنيا، وليست ثم للترتيب ~~في قوله (ثم استوى على العرش) وقد تقدم تفسير هذا مستوفى (مالكم من دونه من ~~ولي ولا شفيع) PageV04P247 # أي ليس لكم من دون الله أو من دون عذابه من ولي يواليكم ويرد عنكم عذابه ~~ولا شفيع يشفع لكم عنده (أفلا تتذكرون) تذكر تدبر وتفكر وتسمعون هذه ~~المواعظ سماع من يفهم ويعقل حتى تنتفعوا بها (يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض) لما بين سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما بين تدبيره لأمرها: ~~أي يحكم الأمر بقضائه وقدره من السماء إلى الأرض، والمعنى: ينزل أمره من ~~أعلا السماوات إلى أقصى تخوم ms3058 الأرض السابعة كما قال سبحانه - الله الذي خلق ~~سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن - ومسافة ما بين سماء الدنيا ~~والأرض التي تحتها نزولا وطلوعا ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل المراد ~~بالأمور المأمور به من الأعمال: أي ينزله مدبرا من السماء إلي الأرض. وقيل ~~يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة أحكامها وآثارها ~~إلى الأرض. # وقيل ينزل الوحي مع جبريل. وقيل العرش موضع التدبير كما أن ما دون العرش ~~موضع التفصيل كما في قوله - ثم استوى على العرش يدبر الأمر يفصل الآيات - ~~وما دون السماوات موضع التصرف. قال الله - ولقد صرفناه بينهم ليذكروا - ثم ~~لما ذكر سبحانه تدبير الأمر قال (ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون) أي ثم يرجع ذلك الأمر ويعود ذلك التدبير إليه سبحانه في يوم ~~مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك باعتبار مسافة النزول من السماء ~~والطلوع من الأرض كما قدمنا. وقيل إن المراد أنه يعرج إليه في يوم القيامة ~~الذي مقداره ألف سنة من أيام الدنيا، وذلك حين ينقطع أمر الدنيا ويموت من ~~فيها. وقيل هي أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع من يرسله إليها من الملائكة، ~~والمعنى: أنه يثبت ذلك عنده ويكتب في صحف ملائكته ما عمله أهل الأرض في كل ~~وقت من الأوقات إلى أن تبلغ مدة الدنيا آخرها. وقيل معنى يعرج إليه: يثبت ~~في علمه موجودا بالفعل في برهة من الزمان هي مقدار ألف سنة، والمراد طول ~~امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان. وقيل يدبر أمر الحوادث ~~اليومية باثباتها في اللوح المحفوظ فتنزل بها الملائكة، ثم تعرج إليه في ~~زمان هو كألف سنة من أيام الدنيا. وقيل يقضى قضاء ألف سنة فتنزل به ~~الملائكة، ثم تعرج بعد الألف لألف آخر. وقيل المراد أن الأعمال التي هي ~~طاعات يدبرها الله سبحانه وينزل بها ملائكته ثم لا يعرج إليها منها إلا ~~الخالص بعد مدة متطاولة لقلة المخلصين من عباده. وقيل الضمير في يعرج ms3059 يعود ~~إلى الملك وإن لم يجر له ذكر لأنه مفهوم من السياق، وقد جاء صريحا في قوله ~~- تعرج الملائكة والروح إليه - والضمير في إليه يرجع إلى السماء على لغة من ~~يذكرها، أو إلى مكان الملك الذي يرجع إليه وهو الذي أقره الله فيه. وقيل ~~المعنى: يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع في ~~يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة. وقيل المعنى: أن الملك يعرج إلى الله ~~في يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة، لأن ما بين السماء والأرض ~~مسافة خمسمائة عام، فمسافة النزول من السماء إلى الأرض والرجوع من الأرض ~~إلى السماء ألف عام، وقد رجح هذا جماعة من المفسرين منهم ابن جرير. # وقيل مسافة النزول ألف سنة ومسافة الطلوع ألف سنة، روى ذلك عن الضحاك. ~~وهذا اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة، وليس المراد به مسمى اليوم ~~الذي هو مدة النهار بين ليلتين، والعرب قد تعبر عن المدة باليوم كما قال ~~الشاعر: يومان يوم مقامات وأندية * ويوم سير إلى الأعداء تأديب فإن الشاعر ~~لم يرد يومين مخصوصين، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين، فعبر عن كل واحد ~~من الشطرين بيوم. # قرأ الجمهور " يعرج " على البناء للفاعل. وقرأ ابن عبلة على البناء ~~للمفعول، والأصل يعرج به، ثم حذف حرف الجار فاستر الضمير. وقد استشكل جماعة ~~الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه - تعرج الملائكة والروح إليه في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة - فقيل في الجواب إن يوم القيامة مقداره الف سنة ~~من أيام الدنيا، ولكنه باعتبار PageV04P248 # صعوبته وشدة أهواله على الكفار كخمسين ألف سنة، والعرب تصف كثيرا يوم ~~المكروه بالطول كما تصف يوم السرور بالقصر كما قال الشاعر: # ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطفاف المزاهر وقول الآخر: * ~~ويوم كإبهام القطاة قطعته * وقيل إن يوم القيامة فيه أيام، فمنها ما مقداره ~~ألف سنة، ومنها ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل هي أوقات مختلفة يعذب الكافر ~~بنوع من ms3060 أنواع العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى نوع آخر، فيعذب به خمسين ألف ~~سنة. وقيل مواقف القيامة خمسون موقفا كل موقف ألف سنة، فيكون معنى (يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة) أنه يعرج إليه في وقت من تلك الأوقات أو ~~موقف من تلك المواقف. وحكى الثعلبي عن مجاهد وقتادة والضحاك أنه أراد ~~سبحانه في قوله (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة) المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، والمراد أنه ~~يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض مسيرة خمسين ألف ~~سنة في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا، وأراد بقوله (في يوم كان مقداره ألف ~~سنة) المسافة التي بين الأرض وبين سماء الدنيا هبوطا وصعودا فإنها مقدار ~~ألف سنة من أيام الدنيا. وقيل إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك ~~لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ ~~أمره في سنين متطاولة، فقوله (في يوم كان مقداره ألف سنة) يعني يدبر الأمر ~~في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون الشهر منه؟ وكم تكون السنة منه؟ وعلى ~~هذا فلا فرق بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة. وقيل غير ذلك. وقد وقف حبر ~~الأمة ابن عباس لما سئل عن الآيتين كما سيأتي في آخر البحث إن شاء الله. ~~قرأ الجمهور (مما تعدون) بالفوقية على الخطاب، وقرأ الحسن والسلمي وابن ~~وثاب والأعمش بالتحتية على الغيبة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى الله سبحانه ~~باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف، وهو مبتدأ وخبره (عالم الغيب والشهادة) أي ~~العالم بما غاب عن الخلق وما حضرهم. وفي هذا معنى التهديد لأنه سبحانه إذا ~~علم بما يغيب وما يحضر فهو مجاز لكل عامل بعمله، أو فهو يدبر الأمر بما ~~تقتضيه حكمته (العزيز) القاهر الغالب (الرحيم) بعباده، وهذه أخبار لذلك ~~المبتدأ، وكذلك قوله (الذي أحسن كل شئ خلقه) هو خبر آخر. # قرأ الجمهور " خلقه " بفتح اللام. وقرأ ms3061 ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ~~بإسكانها، فعلى القراءة الأولى هو فعل ماض نعتا لشئ، فهو في محل جر. وقد ~~اختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم، ويجوز أن تكون صفة للمضاف، فيكون ~~في محل نصب. وأما على القراءة الثانية ففي نصبه أوجه: الأول أن يكون بدلا ~~من كل شئ بدل اشتمال، والضمير عائد إلى كل شئ، وهذا هو الوجه المشهور عند ~~النحاة. الثاني أنه بدل كل من كل، والضمير راجع إلى الله سبحانه، ومعنى ~~أحسن: حسن، لأنه مامن شئ إلا وهو مخلوق على ما تقتضيه الحكمة، فكل ~~المخلوقات حسنة. الثالث أن يكون كل شئ هو المفعول الأول، وخلقه هو المفعول ~~الثاني على تضمين أحسن معنى أعطى، والمعنى: أعطى كل شئ خلقه الذي خصه به. ~~وقيل على تضمينه معنى ألهم. قال الفراء: ألهم خلقه كل شئ مما يحتاجون إليه. ~~الرابع أنه منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة: أي خلقه خلقا كقوله - ~~صنع الله - وهذا قول سيبويه والضمير يعود إلى الله سبحانه. والخامس أنه ~~منصوب بنزع الخافض، والمعنى أحسن كل شئ في خلقه، ومعنى الآية: أنه أتقن ~~وأحكم خلق مخلوقاته، فبعض المخلوقات وإن لم تكن حسنة في نفسها، فهي متقنة ~~محكمة، فتكون هذه الآية معناها معنى - أعطى كل شئ خلقه - أي يخلق الإنسان ~~على خلق البهيمة وخلق لا البهيمة على خلق الإنسان، وقيل هو عموم في اللفظ ~~خصوص في المعنى: أي أحسن خلق كل شئ حسن (وبدأ PageV04P249 # خلق الإنسان من طين) يعني آدم خلقه من طين فصار على صورة بديعة وشكل حسن ~~(وجعل نسله) أي ذريته (من سلالة) سميت الذرية سلالة لأنها تسل من الأصل ~~وتنفصل عنه، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين، ومعنى (من ماء مهين) من ~~ماء ممتهن لاخطر له عند الناس وهو المني. وقال الزجاج: من ماء ضعيف (ثم ~~سواه) أي الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم، أو جميع النوع، والمراد ~~أنه عدل خلقه وسوى شكله وناسب بين أعضائه (ونفخ فيه من روحه) الإضافة ~~للتشريف والتكريم، ms3062 وهذه الإضافة تقوى أن الكلام في آدم لا في ذريته وإن ~~أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع. ثم خاطب جميع النوع فقال (وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة) أي خلق لكم هذه الأشياء تكميلا لنعمته عليكم وتتميما ~~لتسويته لخلقكم حتى تجتمع لكم النعم، فتسمعون كل مسموع وتبصرون كل مبصر، ~~وتتعقلون كل متعقل، وتفهمون كل ما يفهم، وأفرد السمع لكونه مصدرا يشمل ~~القليل والكثير، وخص السمع بذكر المصدر دون البصر والفؤاد فذكرهما بالاسم ~~ولهذا جمعا، لأن السمع قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأذن ولا اختيار لها ~~فيه، فإن الصوت يصل إليها ولا تقدر على رده، ولا على تخصيص السمع ببعض ~~المسموعات دون بعض، بخلاف الأبصار فمحلها العين وله فيه اختيار، فإنها ~~تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشئ، ~~وكذلك الفؤاد له نوع اختيار في إدراكه، فيتعقل هذا دون هذا، ويفهم هذا دون ~~هذا. قرأ الجمهور " وبدأ " بالهمز، والزهري بألف خالصة بدون همز، وانتصاب ~~(قليلا ما تشكرون) على أنه صفة مصدر محذوف: أي شكرا قليلا، أو صفة زمان ~~محذوف: أي زمانا قليلا. وفي هذا بيان لكفرهم لنعم الله وتركهم لشكرها إلا ~~فيما ندر من الأحوال (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض) قد تقدم اختلاف القراء ~~في هذه الهمزة وفي الهمزة التي بعدها، والضلال الغيبوبة، يقال: ضل الميت في ~~التراب إذا غاب وبطل، والعرب تقول للشيء إذا غلب عليه غيره حتى خفي أثره قد ~~ضل. ومنه قول الأخطل: # كنت القذى في موج أكدر مزبد * قذف الأتى بها فضل ضلالا قال قطرب: معنى ~~ضللنا في الأرض: غبنا في الأرض. قرأ الجمهور " ضللنا " بفتح ضاد معجمة ولام ~~مفتوحة بمعنى ذهبنا وضعنا وصرنا ترابا وغبنا عن الأعين. وقرأ يحيى بن يعمر ~~وابن محيصن وأبو رجاء " ضللنا " بكسر اللام، وهي لغة العالية من نجد. قال ~~الجوهري: وأهل العالية يقولون ضللت بالكسر. قال وأضله: أي أضاعه وأهلكه، ~~يقال ضل الميت إذا دفن. وقرأ علي بن أبي طالب والحسن والأعمش وأبان بن سعيد ~~" صللنا " بصاد ms3063 مهملة ولام مفتوحة: أي أنتنا. قال النحاس: ولا يعرف في ~~اللغة صللنا، ولكن يقال صل اللحم إذا أنتن. # قال الجوهري: صل اللحم يصل بالكسر صلولا إذا أنتن، مطبوخا كان أو نيئا، ~~ومنه قول الحطيئة: # ذاك فتى يبذل ذا قدرة * لا يفسد اللحم لديه الصلول (أإنا لفي خلق جديد) ~~أي نبعث ونصير أحياء، والاستفهام للاستنكار. وهذا قول منكري البعث من ~~الكفار، فأضرب الله سبحانه من بيان كفرهم بإنكار البعث إلى بيان ما هو أبلغ ~~منه، وهو كفرهم بلقاء الله، فقال (بل هم بلقاء ربهم كافرون) أي جاحدون له ~~مكابرة وعنادا، فإن اعترافهم بأنه المبتدئ للخلق يستلزم اعترافهم بأنه قادر ~~على الإعادة. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبين لهم ~~الحق ويرد عليهم ما زعموه من الباطل، فقال (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم) يقال: توفاه الله واستوفى روحه إذا قبضه إليه، وملك الموت هو عزرائيل، ~~ومعنى وكل بكم: وكل بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم (ثم إلى ربكم ترجعون) أي ~~تصيرون إليه أحياء بالبعث والنشور لا إلى غيره، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر. PageV04P250 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (يدبر الأمر) الآية ~~قال: هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة. وأخرج الفريابي ~~وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه في قوله (في يوم كان مقداره ألف ~~سنة) قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض. وأخرج عبد ~~الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف ~~والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة قال: دخلت على عبد الله بن عباس ~~أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان، فقال له ابن فيروز: # يا أبا عباس. قوله (يدبر الأمر من السماء إلي الأرض ثم يعرج إليه في يوم ~~كان مقدره ألف سنة) فكأن ابن عباس اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة؟ قال: إنما سألتك لتخبرني، ms3064 فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في ~~كتابه الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله مالا أعلم، فضرب الدهر ~~من ضرباته حتى جلست إلي ابن المسيب، فسأله عنهما إنسان فلم يخبره ولم يدر. ~~فقلت: ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس؟ قال بلى، فأخبرته فقال للسائل: هذا ~~ابن عباس قد أبى أن يقول فيها، وهو أعلم مني. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (كان مقداره ألف سنة) قال: لا يتنصف النهار في مقدار يوم من ~~أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنة الجنة وأهل ~~النار النار، ولو كان إلى غيره لم يفرغ في خمسين ألف سنة. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا في قوله (ثم يعرج إليه في يوم) من أيامكم هذه، ومسيرة ما بين ~~السماء والأرض خمسمائة عام. وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر ~~الأصول وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ (الذي أحسن كل شئ ~~خلقه) قال: أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في الآية أنه قال: أما إن است القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم ~~خلقها، وقال (خلقه) صورته. وقال (أحسن كل شئ) القبيح والحسن والعقارب ~~والحيات وكل شئ مما خلق، وغيره لا يحسن شيئا من ذلك. وأخرج الطبراني عن أبي ~~أمامة قال " بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ لقينا عمرو ~~بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل. فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بناحية ثوبه، فقال: يا رسول الله إني أحمش الساقين، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: يا عمرو بن زرارة إن الله عز وجل قد أحسن كل شئ خلقه، ~~يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين ". وأخرج أحمد والطبراني عن ~~الشريد بن سويد قال " أبصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا قد أسبل ~~إزاره، فقال: ارفع إزارك، فقال: يا رسول الله ms3065 إني أحنف تصطك ركبتاي، فقال: ~~ارفع إزارك كل خلق الله حسن ". PageV04P251 # قوله (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم) المراد بالمجرمين هم ~~القائلون أئذا ضللنا، والخطاب هنا لكل من يصلح له، أو لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. ويجوز أن يراد بالمجرمين كل مجرم ويدخل فيه أولئك القائلون ~~دخولا أوليا، ومعنى (ناكسوا رؤوسهم) مطأطؤها حياء وندما على ما فرط منهم في ~~الدنيا من الشرك بالله والعصيان له، ومعنى عند ربهم: عند محاسبته لهم. قال ~~الزجاج: والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مخاطبة لأمته، فالمعنى: ~~ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب (ربنا أبصرنا وسمعنا) ~~أي يقولون: # ربنا أبصرنا الآن ما كنا نكذب به وسمعنا ما كنا ننكره، وقيل أبصرنا صدق ~~وعيدك وسمعنا تصديق رسلك، فهؤلاء أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين ~~لم ينفعهم السمع (فارجعنا) إلى الدنيا (نعمل) عملا (صالحا) كما أمرتنا (إنا ~~موقنون) أي مصدقون، وقيل مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وصفوا أنفسهم بالإيقان الآن طمعا فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، ~~وأنى لهم ذلك فقد حقت عليهم كلمة الله فإنهم - لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~وإنهم لكاذبون - وقيل معنى (إنا موقنون) أنها قد زالت عنهم الشكوك التي ~~كانت تخالطهم في الدنيا لما رأوا ما رأوا وسمعوا ما سمعوا، ويجوز أن يكون ~~معنى (أبصرنا وسمعنا) صرنا ممن يسمع ويبصر فلا يحتاج إلى تقدير مفعول، ~~ويجوز أن يكون صالحا مفعولا لنعمل كما يجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، ~~وجواب لو محذوف: أي لرأيت أمرا فظيعا وهولا هائلا (ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها) هذا رد عليهم لما طلبوا الرجعة: أي لو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~فهدينا الناس جميعا فلم يكفر منهم أحد. قال النحاس: في معنى هذا قولان: ~~أحدهما أنه في الدنيا، والآخر أنه في الآخرة: أي ولو شئنا لرددناهم إلى ~~الدنيا (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) وجملة ولو ~~شئنا مقدرة ms3066 بقول معطوف على المقدر قبل قوله " أبصرنا " أي ونقول لو شئنا، ~~ومعنى (ولكن حق القول مني) أي نفذ قضائي وقدري وسبقت كلمتي (لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين) هذا هو القول الذي وجب من الله وحق على عباده ونفذ ~~فيه قضاؤه، فكان مقتضى هذا القول أنه لا يعطي كل نفس هداها، وإنما قضى ~~عليهم بهذا، لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الشقاوة، وأنهم ممن يختار ~~الضلالة على الهدى، والفاء في قوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) ~~لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله، والباء في " بما نسيتم " للسببية، وفيه ~~إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدم، بل بذاك وهذا. PageV04P252 # واختلف في النسيان المذكور هنا، فقيل هو النسيان الحقيقي، وهو الذي يزول ~~عنده الذكر، وقيل هو الترك. والمعنى على الأول: أنهم لم يعلموا لذلك اليوم، ~~فكانوا كالناسين له الذين لا يذكرونه. وعلى الثاني لابد من تقدير مضاف قبل ~~لقاء: أي ذوقوا بسبب ترككم لما أمرتكم به عذاب لقاء يومكم هذا، ورجح الثاني ~~المبرد وأنشد: كأنه خارج من جنب صفحته * سفود شرب نسوه عند مفتأد أي تركوه، ~~وكذا قال الضحاك ويحيى بن سلام: إن النسيان هنا بمعنى الترك. قال يحيى بن ~~سلام: والمعنى: # بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم تركناكم من الخير، وكذا قال ~~السدي، وقال مجاهد: تركناكم في العذاب. # وقال مقاتل: إذا دخلوا النار. قالت لهم الخزنة: ذوقوا العذاب بما نسيتم، ~~واستعار الذوق للإحساس، ومنه قول طفيل: فذقوا كما ذقنا غداة محجة * من ~~الغيظ في أكبادنا والتحوب وقوله (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون) تكرير ~~لقصد التأكيد: أي ذوقوا العذاب الدائم الذي لا ينقطع أبدا بما كنتم تعملونه ~~في الدنيا من الكفر والمعاصي. قال الرازي في تفسيره: إن اسم الإشارة في ~~قوله (بما نسيتم لقاء يومكم هذا) يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون إشارة إلى ~~اللقاء، وأن يكون إشارة إلى اليوم، وأن يكون إشارة إلى العذاب، وجملة (إنما ~~يؤمن بآياتنا) مستأنفة لبيان ما يستحق الهداية إلى الإيمان، ومن لا ms3067 ~~يستحقها، والمعنى: # إنما يصدق بآياتنا وينتفع بها (الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا) لا غيرهم ~~ممن يذكر بها: أي يوعظ بها ولا يتذكر ولا يؤمن بها، ومعنى " خروا سجدا " ~~سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيما لآيات الله وخوفا من سطوته وعذابه (وسبحوا ~~بحمد ربهم) أي نزهوه عن كل مالا يليق به ملتبسين بحمده على نعمه التي أجلها ~~وأكملها الهداية إلى الإيمان، والمعنى: قالوا في سجودهم: سبحان الله ~~وبحمده، أو سبحان ربي الأعلى وبحمده. وقال سفيان: المعنى صلوا حمدا لربهم، ~~وجملة (وهم لا يستكبرون) في محل نصب على الحال: أي حال كونهم خاضعين لله، ~~متذللين له غير مستكبرين عليه (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) أي ترتفع وتنبو ~~يقال: جفي الشئ عن الشئ وتجافى عنه: إذا لم يلزمه ونبا عنه، والمضاجع جمع ~~المضجع، وهو الموضع الذي يضطجع فيه. قال الزجاج والرماني: التجافي والتجفي ~~إلى جهة فوق، وكذلك هو في الصفح عن المخطئ في سب ونحوه، والجنوب جمع جنب، ~~والجملة في محل نصب على الحال: أي متجافية جنوبهم عن مضاجعهم، وهم ~~المتهجدون في الليل الذين يقومون للصلاة عن الفراش، وبه قال الحسن ومجاهد ~~وعطاء والجمهور، والمراد بالصلاة صلاة التنفل بالليل من غير تقييد. وقال ~~قتادة وعكرمة: # هو التنقل ما بين المغرب والعشاء، وقيل صلاة العشاء فقط، وهو رواية عن ~~الحسن وعطاء. وقال الضحاك: # صلاة العشاء والصبح في جماعة، وقيل هم الذين يقومون لذكر الله سواء كان ~~في صلاة أو غيرها (يدعون ربهم خوفا وطمعا) هذه الجملة في محل نصب على الحال ~~أيضا من الضمير الذي في جنوبهم فهي حال بعد حال، ويجوز أن تكون الجملة ~~الأولى مستأنفة لبيان نوع من أنواع طاعاتهم، والمعنى: تتجافى جنوبهم حال ~~كونهم داعين ربهم خوفا من عذابه وطمعا في رحمته (ومما رزقناهم ينفقون) أي ~~من الذي رزقناهم أو من رزقهم، وذلك الصدقة الواجبة، وقيل صدقة النفل، ~~والأولى الحمل على العموم، وانتصاب خوفا وطمعا على العلة، ويجوز أن يكونا ~~مصدرين منتصبين بمقدر (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين) ms3068 النكرة في ~~سياق النفي تفيد العموم: أي لاتعلم نفس من النفوس أي نفس كانت ما أخفاه لله ~~سبحانه لأولئك الذين تقدم ذكرهم مما تقر به أعينهم، قرأ الجمهور قرة ~~بالإفراد. وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء " من قرأت " بالجمع. ~~وقرأ حمزة ما أخفى بسكون الياء على أنه فعل مضارع مسند إلى الله سبحانه، ~~وقرأ الباقون بفتحها فعلا ماضيا مبنيا للمفعول. وقرأ ابن مسعود PageV04P253 # " ما تخفى " بالنون مضمومة، وقرأ الأعمش " يخفى " بالتحتية مضمومة. قال ~~الزجاج في معنى قراءة حمزة: أي منه ما أخفى الله لهم، وهى قراءة محمد بن ~~كعب، و " ما " في موضع نصب. ثم بين سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم الصالحة ~~فقال (جزاء بما كانوا يعملون) أي لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا ~~أو جوزوا جزاء بذلك (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) الاستفهام للإنكار: أي ~~ليس المؤمن كالفاسق فقد ظهر ما بينهما من التفاوت، ولهذا قال (لا يستوون) ~~ففيه زيادة تصريف لما أفاده الإنكار الذي أفاده الاستفهام. قال الزجاج: جعل ~~الاثنين جماعة حيث قال (لا يستوون) لأجل معنى من، وقيل لكون الاثنين أقل ~~الجمع، وسيأتي بيان سبب نزولها آخر البحث. ثم بين سبحانه عاقبة حال ~~الطائفتين وبدأ بالمؤمنين فقال (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات ~~المأوى) قرأ الجمهور " جنات " بالجمع، وقرأ طلحة بن مصرف " جنة المأوى " ~~بالإفراد، والمأوى هو الذي يأوون إليه، وأضاف الجنات إليه لكونه المأوى ~~الحقيقي، وقيل المأوى جنة من الجنات، وقد تقدم الكلام على هذا، ومعنى ~~(نزلا) أنها معدة لهم عند نزولهم، وهو في الأصل ما يعد للنازل من الطعام ~~والشراب كما بيناه في آل عمران، وانتصابه على الحال. وقرأ أبو حيوة " نزلا ~~" بسكون الزاي، والباء في (بما كانوا يعملون) للسببية: # أي بسبب ما كانوا يعملونه، أو بسبب عملهم. ثم ذكر الفريق الآخر فقال ~~(وأما الذين فسقوا) أي خرجوا عن طاعة الله وتمردوا عليه وعلى رسله (فمأواهم ~~النار) أي منزلهم الذي يصيرون إليه ويستقرون فيه هو النار (كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها ms3069 أعيدوا فيها) أي إذا أرادوا الخروج منها ردوا إليها راغمين ~~مكرهين، وقيل إذ دفعهم اللهب إلى أعلاها ردوا إلى مواضعهم (وقيل لهم ذوقوا ~~عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) والقائل لهم هذه المقالة هو خزنة جهنم من ~~الملائكة، أو القائل لهم هو الله عز وجل، وفي هذا القول لهم حال كونهم قد ~~صاروا في النار من الإغاظة لهم مالا يخفى (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) وهو ~~عذاب الدنيا. قال الحسن وأبو العالية والضحاك والنخعي: هو مصائب الدنيا ~~وأسقامها، وقيل الحدود، وقيل القتل بالسيف يوم بدر، وقيل سنين الجوع بمكة، ~~وقيل عذاب القبر، ولا مانع من الحمل على الجميع (دون العذاب الأكبر) وهو ~~عذاب الآخرة (لعلهم يرجعون) مما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم ~~من العذاب إلى الإيمان والطاعة ويتوبون عما كانوا فيه. وفي هذا التعليل ~~دليل على ضعف قول من قال: إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر (ومن أظلم ممن ~~ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) أي لا أحد أظلم منه لكونه سمع من أيات الله ما ~~يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، فجعل الإعراض مكان ذلك، والمجيء بثم ~~للدلالة على استبعاد ذلك، وأنه مما ينبغي أن لا يكون (إنا من المجرمين ~~منتقمون) أي من أهل الإجرام على العموم فيدخل فيه من أعرض عن آيات الله ~~دخولا أوليا. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إنا ~~نسيناكم) قال: تركناكم. # وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس ~~(إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا) أي أتوها (وسبحوا) أي ~~صلوا بأمر ربهم (وهم لا يستكبرون) عن إتيان الصلاة في الجماعات. # وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ومحمد بن نصر ~~في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك أن هذه الآية (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) ~~نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وأخرج البخاري في تاريخه وابن ~~مردويه عنه قال: نزلت في صلاة العشاء. ms3070 وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: كانوا لا ينامون حتى يصلوا ~~العشاء. وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء. ~~وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن مردويه عنه أيضا قال: ما رأيت رسول الله ~~صلى PageV04P254 # الله عليه وآله وسلم راقدا قط قبل العشاء، ولا متحدثا بعدها، فإن هذه ~~الآية نزلت في ذلك (تتجافى جنوبهم عن المضاجع). وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال. تتجافى جنوبهم عن المضاجع قال: ~~هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهم، فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل ~~فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقتها قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير. وأخرج ~~ابن مردويه عن بلال قال: كنا نجلس في المسجد وناس من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يصلون بعد المغرب العشاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع. ~~وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن عدي وابن مردويه عن أنس نحوه. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ومحمد ابن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس في قوله (تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع) قال: كانوا ينتظرون ما بين المغرب والعشاء يصلون. وأخرج أحمد وابن ~~جرير وابن مردويه عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ~~(تتجافى جنوبهم) قال: قيام العبد من الليل. وأخرج أحمد والترمذي وصححه ~~والنسائي وابن ماجة وابن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وذكر حديثا وأرشد فيه إلى أنواع من الطاعات وقال فيه ~~" وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) ". # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا في حديث قال فيه " وصلاة المرء في ~~جوف الليل، ثم تلا هذه الآية ". # وأخرج ابن مردويه عن أنس ms3071 في الآية قال: كان لا تمر عليهم ليلة إلا أخذوا ~~منها. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من طريق أبي عبد الله الجدلي ~~عن عبادة بن الصامت عن كعب قال " إذا حشر الناس نادى مناد: # هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع " الحديث. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس في الآية يقول: تتجافى لذكر الله كلما استيقظوا ذكروا ~~الله، إما في الصلاة، وإما في القيام أو قعود، أو على جنوبهم لا يزالون ~~يذكرون الله. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن ~~عباس قال: كان عرش الله على الماء فاتخذ جنة لنفسه، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم ~~أطبقهما بلؤلؤة واحدة، ثم قال - ومن دونهما جنتان - لم يعلم الخلق ما ~~فيهما. وهي التي قال الله (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين) تأتيهم ~~منها كل يوم تحفة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في ~~التوراة: لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم ~~تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ولا يعلم ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنه لفي ~~القرآن (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين). وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله ~~تعالى " أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر. قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة ~~أعين) ". وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة، وهي معروفة فلا نطول ~~بذكرها. وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني والواحدي وابن عدي وابن ~~مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة ~~لعلي بن أبي طالب: أنا أحد ms3072 منك سنانا، وأنشط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، ~~فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون) يعنى بالمؤمن عليا، وبالفاسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وأخرج ~~ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه في الآية نحوه. # وروي نحو هذا عن عطاء بن يسار والسدي وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وأخرج ~~الفريابي وابن منيع وابن جرير PageV04P255 # وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ~~في الدلائل عن ابن مسعود في قوله (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) قال: يوم ~~بدر (دون العذاب الأكبر) قال: يوم القيامة (لعلهم يرجعون) قال: لعل من بقي ~~منهم أن يتوب فيرجع. وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في الآية قال: العذاب الأدنى سنون أصابتهم ~~(لعلهم يرجعون) قال: يتوبون. وأخرج مسلم وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ~~وأبو عوانة في صحيحه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب عن أبي بن كعب في قوله (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) ~~قال: مصائب الدنيا والروم. # والبطشة والدخان. وأخرج ابن جرير عنه قال: يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (ومن العذاب الأدنى) قال: ~~الحدود (لعلهم يرجعون) قال: يتوبون. وأخرج ابن منيع وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والطبراني وابن مردويه. قال السيوطي بسند ضعيف عن معاذ بن جبل: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد ~~لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم " يقول الله ~~(إنا من المجرمين منتقمون). قال ابن كثير بعد إخراجه: # هذا حديث غريب. # قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التوراة (فلا تكن) يا محمد (في مرية) ~~أي شك وريبة (من لقائه) قال الواحدي: قال المفسرون: وعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم ms3073 لقيه في السماء أو في بيت ~~المقدس حين أسرى به. وهذا قول مجاهد والكلبي والسدي. وقيل فلا تكن في شك من ~~لقاء موسى في القيامة وستلقاه فيها. وقيل فلا تكن في شك من لقاء موسى ~~للكتاب قاله الزجاج. وقال الحسن: إن معناه: ولقد آتينا موسى الكتاب فكذب ~~وأوذي، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى فيكون ~~الضمير في لقائه على هذا عائدا على محذوف، والمعنى من لقاء مالا موسى. قال ~~النحاس: وهذا قول غريب. وقيل في الكلام تقدير وتأخير، والمعنى: قل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم، فلا تكن في مرية من PageV04P256 # لقائه، فجاء معترضا بين (ولقد آتينا موسى الكتاب) وبين (وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل) وقيل الضمير راجع إلى الكتاب الذي هو الفرقان كقوله - وإنك لتلقى ~~القرآن - والمعنى: أنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما ~~لقيناك من الوحي فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وما أبعد هذا، ~~ولعل الحامل لقائله عليه قوله (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) فإن الضمير راجع ~~إلى الكتاب، وقيل إن الضمير في لقائه عائد إلى الرجوع المفهوم من قوله - ثم ~~إلى ربكم ترجعون - أي لا تكن في مرية من لقاء الرجوع وهذا بعيد أيضا. # واختلف في الضمير في قوله " وجعلناه " فقيل هو راجع إلى الكتاب: أي جعلنا ~~التوراة هدى لبني إسرائيل، قاله الحسن وغيره. وقال قتادة: إنه راجع إلى ~~موسى: أي وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل (وجعلنا منهم أئمة) أي قادة يقتدون ~~به في دينهم، وقرأ الكوفيون " أئمة " قال النحاس: وهو لحن عند جميع ~~النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، ومعنى (يهدون بأمرنا) أي ~~يدعونهم إلى الهداية بما يلقونه إليه من أحكام التوراة ومواعظها بأمرنا: أي ~~بأمرنا لهم بذلك، أو لأجل أمرنا. وقال قتادة: المراد بالأئمة الأنبياء ~~منهم. وقيل العلماء (لما صبروا) قرأ الجمهور " لما " بفتح اللام وتشديد ~~الميم: أي حين صبروا، والضمير للأئمة، وفي لما معنى الجزاء، والتقدير: لما ~~صبروا جعلناهم أئمة. ms3074 وقرأ حمزة والكسائي وخلف وورش عن يعقوب ويحيى بن وثاب ~~بكسر اللام وتخفيف الميم: أي جعلناهم أئمة لصبرهم، واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد مستدلا بقراءة ابن مسعود " بما صبروا " بالباء، وهذا الصبر هو صبرهم ~~على مشاق التكليف والهداية للناس، وقيل صبروا عن الدنيا (وكانوا بآياتنا) ~~التنزيلية (يوقنون) أي يصدقونها ويعلمون أنها حق وأنها من عند الله لمزيد ~~تفكرهم وكثرة تدبرهم (إن ربك هو يفصل بينهم) أي يقضي بينهم ويحكم بين ~~المؤمنين والكفار (يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وقيل يقضي بين ~~الأنبياء وأممهم، حكاه النقاش (أو لم يهد لهم) أي أولم يبين لهم، والهمزة ~~للإنكار، والفاعل ما دل عليه (كم أهلكنا من قبلهم من القرون) أي أولم نبين ~~لهم كثرة إهلاكنا من قبلهم. قال الفراء: كم في موضع رفع بيهد. وقال المبرد: ~~إن الفاعل الهدى المدلول عليه بيهد: أي أو لم يهد لهم الهدى. وقال الزجاج: ~~كم في موضع نصب بأهلكنا، قرأ الجمهور " أولم يهد " بالتحتية، وقرأ السلمي ~~وقتادة وأبو زيد عن يعقوب بالنون، وهذه القراءة واضحة. قال النحاس: ~~والقراءة بالياء التحتية فيها إشكال لأنه يقال: الفعل لا يخلو من فاعل فأين ~~الفاعل ليهد؟ ويجاب عنه بأن الفاعل هو ما قدمنا ذكره، والمراد بالقرون: عاد ~~وثمود ونحوهم، وجملة (يمشون في مساكنهم) في محل نصب على الحال من ضمير لهم: ~~أي والحال أنهم يمشون في مساكن المهلكين ويشاهدونها، وينظرون ما فيها من ~~العبر، وآثار العذاب، ولا يعتبرون بذلك، وقيل يعود إلى المهلكين، والمعنى: ~~أهلكناهم حال كونهم ماشين في مساكنهم، والأول أولى (إن في ذلك) المذكور ~~(لآيات) عظيمات (أفلا يسمعونها) ويتعظون بها (أو لم يروا أنا نسوق الماء ~~إلى الأرض الجرز) أي أولم يعلموا بسوقنا الماء إلى الأرض التي لا تنبت إلا ~~بسوق الماء إليها، وقيل هي اليابسة، وأصله من الجرز وهو القطع: أي التي قطع ~~نباتها لعدم الماء، ولا يقال للتي لا تنبت أصلا كالسباخ جرز لقوله (فتخرج ~~به زرعا) قيل هي أرض اليمن، وقيل أرض عدن. وقال الضحاك: هي الأرض ms3075 العطشى. ~~وقال الفراء: هي الأرض التي لانبات فيها. وقال الأصمعي: هي الأرض التي لا ~~تنبت شيئا. قال المبرد: يبعد أن تكون لأرض بعينها لدخول الألف واللام، ~~وقيل: هي مشتقة من قولهم رجل جروز: إذا كان لا يبقى شيئا إلا أكله، ومنه ~~قول الراجز: # خب جروز وإذا جاع بكى * ويأكل التمر ولا يلقى النوى PageV04P257 # وكذلك ناقة جروز: إذا كانت تأكل كل شئ تجده. وقال مجاهد: إنها أرض النيل، ~~لأن الماء إنما يأتيها في كل عام (فنخرج به): أي بالماء (زرعا تأكل منه ~~أنعامهم) أي من الزرع كالتبن والورق ونحوهما مما لا يأكله الناس (وأنفسهم) ~~أي يأكلون الحبوب الخارجة في الزرع مما يقتاتونه، وجملة (تأكل منه أنعامهم) ~~في محل نصب على الحال (أفلا يبصرون) هذه النعم ويشكرون المنعم ويوحدونه ~~لكونه المنفرد بإيجاد ذلك (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) القائلون ~~هم الكفار على العموم، أو كفار مكة على الخصوص: أي متى الفتح الذي تعدونا ~~به، يعنون بالفتح القضاء والفصل بين العباد، وهو يوم البعث الذي يقضي الله ~~فيه بين عباده، قاله مجاهد وغيره. وقال الفراء والقتيبي: هو فتح مكة. قال ~~قتادة: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكفار: # إن لنا يوما ننعم فيه ونستريح ويحكم الله بيننا وبينكم: يعنون يوم ~~القيامة، فقال الكفار: متى هذا الفتح؟ وقال السدي: هو يوم بدر، لأن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون للكفار: إن الله ناصرنا ومظهرنا ~~عليكم، ومتى في قوله (متى هذا الفتح) في موضع رفع، أو في موضع نصب على ~~الظرفية. ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عليهم ~~فقال (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولاهم ينظرون) وفي هذا ~~دليل على أن يوم الفتح هو يوم القيامة، لأن يوم فتح مكة ويوم بدر هما مما ~~ينفع فيه الإيمان، وقد أسلم أهل مكة يوم الفتح، وقبل ذلك منهم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ومعنى (ولا هم ينظرون) لا يمهلون ولا يؤخرون، ms3076 ويوم في ~~" يوم الفتح " منصوب على الظرفية، وأجاز الفراء الرفع (فأعرض عنهم) أي عن ~~سفههم وتكذيبهم ولا تجبهم إلا بما أمرت به (وانتظر إنهم منتظرون) أي وانتظر ~~يوم الفتح، وهو يوم القيامة، أو يوم إهلاكهم بالقتل إنهم منتظرون بك حوادث ~~الزمان من موت أو قتل أو غلبة كقوله - فتربصوا إنا معكم متربصون - ويجوز أن ~~يراد إنهم منتظرون لإهلاكهم، والآية منسوخة بآية السيف، وقيل غير منسوخة، ~~إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال. وقرأ ابن السميفع " إنهم منتظرون " ~~بفتح الظاء مبنيا للمفعول، ورويت هذه القراءة عن مجاهد وابن محيصن. قال ~~الفراء: لا يصح هذا إلا بإضمار: أي إنهم منتظر بهم. قال أبو حاتم: الصحيح ~~الكسر: أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم " رأيت ليلة أسرى بي موسى بن عمران رجلا طويلا جعدا ~~كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ~~سبط الرأس، ورأيت مالكا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه " قال ~~(فلا تكن في مرية من لقائه) فكان قتادة يفسرها أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد لقي موسى (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) قال: جعل الله موسى هدى لبني ~~إسرائيل. وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند قال ~~السيوطي: # صحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فلا تكن في مرية من ~~لقائه) قال من لقاء موسى، قيل أو لقى موسى؟ قال نعم، ألا ترى إلى قوله - ~~واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا - وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز) ~~قال: الجرز التي لا تمطر إلا مطرا لا يغنى عنها شيئا إلا ما يأتيها من ~~السيول. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله (إلى الأرض الجرز) قال: أرض باليمن. قال القرطبي ms3077 في تفسيره: والإسناد ~~عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ~~ابن عباس في قوله (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) قال: يوم بدر فتح ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت. ~~PageV04P258 # تفسير سورة الأحزاب هي ثلاث وسبعون آية، وهي مدنية أخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: نزلت ~~سورة الأحزاب بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج عبد ~~الرزاق في المصنف والطيالسي وسعيد بن منصور وعبد الله بن أحمد في زوائد ~~المسند وابن منيع والنسائي وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف ~~والدارقطني في الإفراد والحاكم وصححه، وابن مردويه والضياء في المختارة عن ~~زر قال: قال لي أبي بن كعب كأي تقرأ سورة الأحزاب أو كأين تعدها، قلت ثلاثا ~~وسبعين آية، فقال أقط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة، أو أكثر من ~~سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ~~نكالا من الله والله عزيز حكيم " فرفع فيما رفع قال ابن كثير: وإسناده حسن. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قام، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل ~~عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها " الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " ورجم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية ~~الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وقد روي عنه نحو هذا ~~من طرق. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدون ~~سورة الأحزاب؟ قلت ثنتين أو ثلاثا وسبعين، قال: إن كانت لتقارب سورة ~~البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم. وأخرج البخاري في تاريخه عن حذيفة قال: ~~قرأت سورة الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms3078 فنسيت منها سبعين ~~آية ما وجدتها. وأخرج أبو عبيد في الفضائل وابن الأنباري وابن مردويه عن ~~عائشة قالت: # كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائتي ~~آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقرر منها إلا على ما هو الآن. PageV04P259 # قوله (يا أيها النبي اتق الله) أي دم على ذلك وازدد منه (ولا تطع ~~الكافرين) من أهل مكة ومن هو على مثل كفرهم (والمنافقين) أي الذين يظهرون ~~الإسلام ويبطنون الكفر. قال الواحدي: إنه أراد سبحانه بالكافرين أبا سفيان ~~وعكرمة وأبا الأعور السلمي، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ارفض ذكر آلهتنا، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها. قال: والمنافقين عبد ~~الله بن أبي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. وسيأتي آخر البحث بيان سبب نزول ~~الآية (إن الله كان عليما حكيما) أي كثير العلم والحكمة بليغهما، قال ~~النحاس: ودل بقوله (إن الله كان عليما حكيما) على أنه كان يميل إليهم: يعنى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم استدعاء لهم إلى الإسلام، والمعنى: # أن الله عز وجل لو علم أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنهم لأنه حكيم، ~~ولا يخفى بعد هذه الدلالة التي زعمها، ولكن هذه الجملة تعليل لجملة الأمر ~~بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين، والمنافقين، والمعنى: أنه لا يأمرك أو ~~ينهاك إلا بما علم فيه صلاحا أو فسادا لكثرة علمه وسعة حكمته (واتبع ما ~~يوحى إليك من ربك) من القرآن: أي اتبع الوحي في كل أمورك ولا تتبع شيئا مما ~~عداه من مشورات الكافرين والمنافقين ولا من الرأي البحت، فإن فيما أوحى ~~إليك ما يغنيك عن ذلك، وجملة (إن الله كان بما تعملون خبيرا) تعليل لأمره ~~باتباع ما أوحى إليك، والأمر له صلى الله عليه وآله وسلم أمر لأمته، فهم ~~مأمورون باتباع القرآن كما هو مأمور باتباعه، ولهذا جاء بخطابه وخطابهم في ~~قوله (بما تعملون) على قراءة الجمهور بالفوقية للخطاب، واختار هذه القراءة ~~أبو عبيد وأبو حاتم. # وقرأ أبو عمرو ms3079 والسلمي وابن أبي إسحاق بالتحتية (وتوكل على الله وكفى ~~بالله وكيلا) أي اعتمد عليه وفوض أمورك إليه، وكفى به حافظا يحفظ من توكل ~~عليه. ثم ذكر سبحانه مثلا توطئة وتمهيدا لما يتعقبه من الأحكام القرآنية ~~التي هي من الوحي الذي أمره الله باتباعه فقال (ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه). # وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية كما سيأتي، وقيل هي مثل ضربه الله ~~للمظاهر: أي كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى ~~يكون له أمان، وكذلك لا يكون الدعي ابنا لرجلين. وقيل كان الواحد من ~~المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا وقلب بكذا، فنزلت الآية لرد النفاق ~~وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام كما لا يجتمع قلبان، والقلب بضعة صغيرة على ~~هيئة الصنوبرة خلقها الله وجعلها محلا للعلم (وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظهرون منهن أمهاتكم) وقرأ الكوفيون وابن عامر " اللائي " بياء ساكنة بعد ~~همزة، وقرأ أبو عمرو والبزي بياء ساكنة بعد ألف محضة. قال أبو عمرو بن ~~العلاء: إنها لغة قريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقرأ قنبل وورش بهمزة ~~مكسورة بدون ياء. قرأ عاصم تظاهرون بضم الفوقية وكسر الهاء بعد ألف مضارع ~~ظاهر، وقرأ ابن عامر بفتح الفوقية والهاء وتشديد الظاء مضارع تظاهر، والأصل ~~تتظاهرون وقرأ الباقون PageV04P260 # " تظهرون " بفتح الفوقية وتشديد الظاء بدون ألف، والأصل تتظهرون، والظهار ~~مشتق من الظهر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، والمعنى: ~~وما جعل الله نساءكم اللائي تقولون لهن هذا القول كأمهاتكم في التحريم، ~~ولكنه منكر من القول وزور (و) كذلك (ما جعل) الأدعياء الذين تدعون أنهم ~~(أبناءكم) أبناء لكم، والأدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه، ~~وسيأتي الكلام في الظهار في سورة المجادلة، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى ما ~~تقدم من ذكر الظهار والادعاء، وهو مبتدأ وخبره (قولكم بأفواهكم) أي ليس ذلك ~~إلا مجرد قول بالأفواه ولا تأثير له، فلا تصير المرأة به أما ولا ابن الغير ~~به ابنا، ولا ms3080 يترتب على ذلك شئ من أحكام الأمومة والبنوة. وقيل الإشارة ~~راجعة إلى الادعاء: أي ادعاؤكم أن أبناء الغير أبناؤكم لا حقيقة له، بل هو ~~مجرد قول بالفم (والله يقول الحق) الذي يحق اتباعه لكونه حقا في نفسه لا ~~باطلا، فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم (وهو يهدي السبيل) أي يدل على ~~الطريق الموصلة إلى الحق، وفي هذا إرشاد للعباد إلى قول الحق وترك قول ~~الباطل والزور. ثم صرح سبحانه بما يجب على العباد من دعاء الأبناء للآباء ~~فقال (ادعوهم لآبائهم) للصلب وانسبوهم إليهم ولا تدعوهم إلى غيرهم، وجملة ~~(هو أقسط عند الله) تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء، والضمير راجع إلى ~~مصدر ادعوهم، ومعنى أقسط أعدل: أي أعدل كل كلام يتعلق بذلك، فترك الإضافة ~~للعموم كقوله الله أكبر، وقد يكون المضاف إليه مقدرا خاصا: أي أعدل من ~~قولكم هو ابن فلان ولم يكن ابنه لصلبه. ثم تمم سبحانه الإرشاد للعباد فقال ~~(فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) أي فهم إخوانكم في ~~الدين وهم مواليكم، فقولوا: أخي ومولاي ولا تقولوا ابن فلان، حيث لم تعلموا ~~آباءهم على الحقيقة. قال الزجاج: ويجوز أن يكون مواليكم أولياءكم في الدين. ~~وقيل المعنى: فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحرارا، فقولوا موالي فلان (وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به) أي لا إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من ~~غير عمد، (ولكن) الإثم (فيما تعمدت قلوبكم) وهو ما قلتموه على طريقة العمد ~~من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك. قال قتادة: # لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس (وكان الله ~~غفورا رحيما) يغفر للمخطئ ويرحمه ويتجاوز عنه، أو غفورا للذنوب رحيما ~~بالعباد، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلا لغير أبيه خطأ. أو قبل ~~النهي عن ذلك. ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة وخصوصية جليلة لا يشاركه ~~فيها أحد من العباد فقال (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي هو أحق بهم ~~في كل أمور الدين ms3081 والدنيا، وأولى بهم من أنفسهم فضلا عن أن يكون أولى بهم ~~من غيرهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم، وإن كانوا محتاجين ~~إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم، ويجب عليهم أن يقدموا ~~حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم. وبالجملة فإذا دعاهم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لشئ ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ~~ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم ~~ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم. وقيل المراد ~~بأنفسهم في الآية بعضهم، فيكون المعنى: أن النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم ~~ببعض. وقيل هي خاصة بالقضاء: أي هو أولى بهم من أنفسهم فيما قضى به بينهم. ~~وقيل أولى بهم في الجهاد بين يديه وبذل النفس دونه، والأول أولى (وأزواجه ~~أمهاتهم) أي مثل أمهاتهم في الحكم بالتحريم ومنزلات منزلتهن في استحقاق ~~التعظيم فلا يحل لأحد أن يتزوج بواحدة منهن كما لا يحل له أن يتزوج بأمه، ~~فهذه الأمومة مختصة بتحريم النكاح لهن وبالتعظيم لجنابهن، وتخصيص المؤمنين ~~يدل على أنهن لسن أمهات نساء المؤمنين ولا بنات أخوات المؤمنين، ولا أخوتهن ~~أخوال المؤمنين. وقال القرطبي: الذي يظهر لي أنهن PageV04P261 # أمهات الرجال والنساء تعظيما لحقهن على الرجال والنساء كما يدل عليه قوله ~~" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة. قال: ~~ثم إن في مصحف أبي بن كعب " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " وقرأ ابن عباس " ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب وأزواجه أمهاتهم "، ثم بين الله سبحانه أن ~~القرابة أولى ببعضهم البعض فقال (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) المراد ~~بأولى الأرحام القرابات: أي هم أحق ببعضهم البعض في الميراث، وقد تقدم ~~تفسير هذه الآية في سورة الأنفال وهى ناسخة لما كان في صدر الإسلام من ~~التوارث بالهجرة والموالاة. قال قتادة: لما نزل قوله سبحانه في سورة ~~الأنفال - والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا - ~~فتوارث المسلمون بالهجرة، ثم نسخ ذلك ms3082 بهذه الآية، وكذا قال غيره. وقيل إن ~~هذه الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين، و (في كتاب الله) يجوز ~~أن يتعلق بأفعل التفضيل في قوله (أولى ببعض) لأنه يعمل في الظرف، ويجوز أن ~~يتعلق بمحذوف هو حال من الضمير: أي كائنا في كتاب الله والمراد بالكتاب ~~اللوح المحفوظ أو القرآن أو آية المواريث، وقوله (من المؤمنين) يجوز أن ~~يكون بيانا لأولوا الأرحام والمعنى إن ذوي القرابات من المؤمنين ~~(والمهاجرين) بعضهم أولى ببعض، ويجوز أن يتعلق بأولى: أي وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين الذين هم أجانب، وقيل إن معنى ~~الآية: وأولوا الأرحام ببعضهم أولى ببعض: إلا ما يجوز لأزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من كونهم كالأمهات في تحريم النكاح، وفي هذا من الضعف ~~مالا يخفى (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) هذا الاستثناء إما متصل من ~~أعم العام، والتقدير: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كل شئ من الإرث ~~وغيره إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا من صدقة أو وصية فإن ذلك جائز. ~~قاله قتادة والحسن وعطاء ومحمد ابن الحنفية. قال محمد ابن الحنفية: نزلت في ~~إجازة الوصية لليهودي والنصراني. فالكافر ولي في النسب لا في الدين، فتجوز ~~الوصية له، ويجوز أن يكون منقطعا، والمعنى: لكن فعل المعروف للأولياء لا ~~بأس به، ومعنى الآية: أن الله سبحانه لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح ~~أن يوصى لهم. وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة بحق الإيمان ~~والهجرة، والإشارة بقوله (كان ذلك) إلى ما تقدم ذكره: أي كان نسخ الميراث ~~بالهجرة والمحالفة والمعاقدة، ورده إلى ذوي الأرحام من القرابات (في الكتاب ~~مسطورا) أي في اللوح المحفوظ، أو في القرآن مكتوبا. # وقد أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: قام النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون ~~معه: ألا ترى أن له قلبين قلبا معكم وقلبا ms3083 معهم؟ فنزل (ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه). وأخرج ابن مردويه عنه من طريق أخرى بلفظ صلى لله النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم صلاة فسها فيها. # فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون، فقالوا: إن له قلبين، فنزلت. وأخرج ابن ~~جرير وابن مردويه عنه أيضا قال: كان رجل من قريش يسمى من هائه ذا القلبين، ~~فأنزل الله هذا في شأنه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر أن زيد بن ~~حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن ~~محمد حتى نزل القرآن (ادعوهم لآبائهم) الآية، فقال رسول الله: أنت زيد بن ~~حارثة بن شراحيل. وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " مامن مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، ~~اقرءوا إن شئتم (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) فأيما مؤمن ترك مالا ~~فلترثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ". وأخرج ~~أحمد وأبو داود وابن مردويه من حديث جابر نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ~~PageV04P262 # والنسائي عن بريدة قال " غزوت مع علي إلى اليمن فرأيت منه جفوة، فلما ~~قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت عليا فتنقصته، فرأيت وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغير وقال: يا بريدة ألست أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه ~~" وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال " والذي نفسي بيده لا ~~يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ". وأخرج ~~ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة أن امرأة قالت لها: يا أمه، ~~فقالت: أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم. وأخرج ابن سعد عن أم سلمة قالت: أنا ~~أم الرجال منكم والنساء. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه ~~وابن المنذر والبيهقي في دلائله عن بجالة: قال مر عمر ms3084 بن الخطاب بغلام وهو ~~يقرأ في المصحف " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب ~~لهم " فقال يا غلام حكها، فقال: # هذا مصحف أبي، فذهب إليه فسأله، فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك ~~الصفق في الأسواق. وأخرج الفريابي والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ~~ابن عباس أنه يقرأ " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه ~~أمهاتهم ". PageV04P263 # قوله (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) العامل في الظرف محذوف: أي واذكر، ~~كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين. قال ~~قتادة: أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصا أن يصدق بعضهم بعضا ويتبع بعضهم ~~بعضا. وقال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، ~~وأن يصدق بعضهم بعضا، وأن ينصحوا لقومهم. والميثاق هو اليمين، وقيل هو ~~الإقرار بالله، والأول أولى، وقد سبق تحقيقه. ثم خصص سبحانه بعض النبيين ~~بالذكر بعد التعميم الشامل لهم ولغيرهم، فقال (ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم) ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل لكونهم ~~من أصحاب الشرائع المشهورة من أولي العزم من الرسل، وتقديم ذكر نبينا صلى ~~الله عليه وآله وسلم مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم مالا يخفى. ~~قال الزجاج: وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذر. ثم أكد ما أخذه على ~~النبيين من الميثاق بتكرير ذكره وصفه بالغلظ فقال (وأخذنا منهم ميثاقا ~~غليظا) أي عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا وما أخذه الله عليهم، ويجوز أن ~~يكون قد أخذ الله عليهم الميثاق مرتين، فأخذ عليهم في المرة الأولى مجرد ~~الميثاق بدون تغليظ ولا تشديد، ثم أخذه عليهم ثانيا مغلظا مشددا، ومثل هذه ~~الآية قوله - وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه - واللام في قوله (ليسأل ~~الصادقين عن صدقهم) يجوز أن تكون لام كي: أي لكي يسأل الصادقين من النبيين ~~عن صدقهم في تبليغ الرسالة إلى قومهم، ms3085 وفي هذا وعيد لغيرهم، لأنهم إذا ~~كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم. وقيل ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم ~~كما في قوله - فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين - ويجوز أن تتعلق ~~بمحذوف: أي فعل ذلك ليسأل (وأعد للكافرين عذابا أليما) معطوف على ما دل ~~عليه (ليسأل الصادقين) إذ التقدير: أثاب الصادقين وأعد للكافرين، ويجوز أن ~~يكون معطوفا على أخذنا، لأن المعنى: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ~~ليثيب المؤمنين وأعد للكافرين. وقيل إنه قد حذف من الثاني ما أثبت مقابله ~~في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابله في الثاني، والتقدير: ليسأل الصادقين ~~عن صدقهم فأثابهم، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم وأعد لهم عذابا ~~أليما. وقيل إنه معطوف على المقدر عاملا في ليسأل كما ذكرنا، ويجوز أن يكون ~~الكلام قد تم عند قوله (ليسأل الصادقين عن صدقهم) وتكون جملة (وأعد لهم) ~~مستأنفة لبيان ما أعده للكفار (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم) هذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معها خوف من ~~أحد وقوله " عليكم " متعلق بالنعمة إن كانت مصدرا أو بمحذوف هو حال: أي ~~كائنة عليكم، ومعنى (إذ جاءتكم جنود) حين جاءتكم جنود، وهو ظرف للنعمة، أو ~~للمقدر عاملا في عليكم، أو لمحذوف هو أذكر، والمراد بالجنود: جنود الأحزاب ~~الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغزوه إلى المدينة، ~~وهي الغزوة المسماة " غزوة الخندق " وهم: أبو سفيان بن حرب بقريش ومن معهم ~~من الألفاف، وعيينة بن حفص الفزاري ومن معه من قومه غطفان وبنو قريظة ~~والنضير، فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما وصف الله سبحانه في هذه ~~الآيات، وكانت هذه الغزوة في شوال سنة خمس من الهجرة. قاله ابن إسحاق. وقال ~~ابن وهب وابن القاسم عن مالك: كانت في سنة أربع. وقد بسط أهل السير في هذه ~~الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها (فأرسلنا عليهم ريحا) معطوف على ~~جاءتكم. قال مجاهد: هي الصبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت ms3086 ~~قدورهم ونزعت فساطيطهم، ويدل على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~من قوله " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور "، والمراد بقوله (وجنودا لم ~~تروها) الملائكة. قال المفسرون: بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، ~~وقطعت أطناب PageV04P264 # الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، ~~وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد ~~كل قوم يقول لقومه: يا بني فلان هلم إلي، فإذا اجتمعوا قال لهم: النجاء ~~النجاء (وكان الله بما تعملون بصيرا) قرأ الجمهور " تعملون " بالفوقية: أي ~~بما تعملون أيها المسلمون من ترتيب الحرب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، ~~وتوكلكم عليه، وقرأ أبو عمرو بالتحتية: أي بما يعلمه الكفار من العناد لله ~~ولرسوله، والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من كل جهة (إذ جاءكم من ~~فوقكم) إذ هذه وما بعدها بدل من إذ الأولى، والعامل في هذه هو العامل في ~~تلك، وقيل منصوبة بمحذوف هو أذكر، ومعنى (من فوقكم) من أعلى الوادي، وهو من ~~جهة المشرق، والذين جاءوا من هذه الجهة هم غطفان وسيدهم عيينة بن حصن، ~~وهوازن وسيدهم عوف بن مالك، وأهل نجد وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي، وانضم ~~إليهم عوف بن مالك وبنو النضير، ومعنى (ومن أسفل منكم) من أسفل الوادي من ~~جهة المغرب من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش، وسيدهم أبو سفيان ~~بن حرب، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني ~~قريظة من وجه الخندق، ومعهم عامر بن الطفيل، وجملة (وإذ زاغت الأبصار) ~~معطوفة على ما قبلها: أي مالت عن كل شئ فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل ~~جانب، وقيل شخصت دهشا من فرط الهول والحيرة (وبلغت القلوب الحناجر) جمع ~~حنجرة، وهي جوف الحلقوم: أي ارتفعت القلوب عن مكانها، ووصلت من الفزع ~~والخوف إلى الحناجر، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها، وهو الذي نهايته الحنجرة ~~لخرجت، كذا قال قتادة. وقيل هو على طريق المبالغة المعهودة في كلام العرب ~~وإن لم ترتفع القلوب ms3087 إلى ذلك المكان ولا خرجت عن موضعها، ولكنه مثل في ~~اضطرابها وجبنها. قال الفراء: والمعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل ~~الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى ~~الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: # انتفخ سحره (وتظنون بالله الظنونا) أي الظنون المختلفة، فبعضهم ظن النصر ~~ورجا الظفر، وبعضهم ظن خلاف ذلك. وقال الحسن: ظن المنافقون أنه يستأصل محمد ~~وأصحابه، وظن المؤمنون أنه ينصر. وقيل الآية خطاب للمنافقين، والأولى ما ~~قاله الحسن. فيكون الخطاب لمن أظهر الإسلام على الإطلاق أعم من أن يكون ~~مؤمنا في الواقع أو منافقا. # واختلف القراء في هذه الألف في " الظنونا ": فأثبتها وصلا ووقفا نافع ~~وابن عامر وأبو بكر، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو والكسائي، وتمسكوا بخط ~~المصحف العثماني وجميع المصاحف في جميع البلدان فإن الألف فيها كلها ثابتة، ~~واختار هذه القراءة أبو عبيد إلا أنه قال: لا ينبغي للقارئ أن يدرج القراءة ~~بعدهن بل يقف عليهن، وتمسكوا أيضا بما في أشعار العرب من مثل هذا. وقرأ أبو ~~عمرو وحمزة والجحدري ويعقوب بحذفها في الوصل والوقف معا، وقالوا: هي من ~~زيادات الخط فكتبت كذلك، ولا ينبغي النطق بها. وأما في الشعر فهو يجوز فيه ~~للضرورة مالا يجوز في غيره. وقرأ ابن كثير والكسائي وابن محيصن بإثباتها ~~وقفا وحذفها وصلا، وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة العربية، وهذه الألف ~~هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق، والكلام فيها معروف في علم النحو، ~~وهكذا اختلف القراء في الألف التي في قوله " الرسولا، والسبيلا " كما سيأتي ~~آخر هذه السورة (هنالك ابتلى المؤمنون) الظرف منتصب بالفعل الذي بعده، وقيل ~~بتظنون، واستضعفه ابن عطية، وهو ظرف مكان يقال للمكان البعيد هنالك كما ~~يقال للمكان القريب هنا، وللمتوسط هناك. وقد يكون ظرف زمان: أي عند ذلك ~~الوقت ابتلى المؤمنون ومنه قول الشاعر: PageV04P265 # وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت * فهناك يعترفون أين المفزع أي في ذلك الوقت، ~~والمعنى: أن في ذلك المكان أو الزمان اختبر المؤمنون بالخوف والقتال والجوع ~~والحصر والنزال ليتبين المؤمن من ms3088 المنافق (وزلزلوا زلزالا شديدا) قرأ ~~الجمهور " زلزلوا " بضم الزاي الأولى وكسر الثانية على ما هو الأصل في ~~المبني للمفعول، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بكسر الأولى، وروى الزمخشري عنه ~~أنه قرأ بإشمامها كسرا، وقرأ الجمهور " زلزالا " بكسر الزاي الأولى، وقرأ ~~عاصم والجحدري وعيسى بن عمر بفتحها. # قال الزجاج: كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح: نحو ~~قلقلته قلقالا، وزلزلوا زلزالا، والكسر أجود. قال ابن سلام: معنى زلزلوا: ~~حركوا بالخوف تحريكا شديدا. وقال الضحاك: هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن ~~لهم إلا موضع الخندق، وقيل المعنى أنهم اضطربوا اضطرابا مختلفا، فمنهم من ~~اضطراب في نفسه، ومنهم من اضطرب في دينه (وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض) معطوف على " إذ زاغت الأبصار "، والمرض في القلوب هو الشك ~~والريبة، والمراد بالمنافقون: عبد الله بن أبي وأصحابه، وبالذين في قلوبهم ~~مرض: أهل الشك والاضطراب (ما وعدنا الله ورسوله) من النصر والظفر (إلا ~~غرورا) أي باطلا من القول، وكان القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلا من ~~أهل النفاق والشك، وهذا القول المحكى عن هؤلاء هو كالتفسير للظنون ~~المذكورة: أي كان ظن هؤلاء هذا الظن، كما كان ظن المؤمنين النصر وإعلاء ~~كلمة الله (وإذ قالت طائفة منهم) أي من المنافقين. قال مقاتل: هم بنو سالم ~~من المنافقين. وقال السدي: هم عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل هم أوس بن ~~قبطي وأصحابه، والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، والقول الذي قالته هذه ~~الطائفة هو قوله (يا أهل يثرب لا مقام لكم) أي لا موضع إقامة لكم، أو لا ~~إقامة لكم هاهنا في العسكر. قال أبو عبيد: # يثرب اسم الأرض، ومدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية منها. ~~قال السهيلي: وسميت يثرب، لأن الذي نزلها من العمالقة اسمه يثرب بن عميل، ~~قرأ الجمهور " لا مقام لكم " بفتح الميم، وقرأ حفص والسلمي والجحدري وأبو ~~حيوة بضمها، على أنه مصدر من أقام يقيم، وعلى القراءة الأولى هو اسم مكان ~~(فارجعوا) أي إلى ms3089 منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وذلك " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين خرجوا عام ~~الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينهم وبين القوم، فقال هؤلاء ~~المنافقون: ليس هاهنا موضع إقامة، وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم ~~بالمدينة " (ويستأذن فريق منهم النبي) معطوف على " قالت طائفة منهم ": أي ~~يستأذنون في الرجوع إلى منازلهم وهم بنو حارثة وبنو سلمة، وجملة (يقولون) ~~بدل من قوله " يستأذن " أو حال أو استئناف جوابا لسؤال مقدر، والقول الذي ~~قالوه هو قولهم (إن بيوتنا عورة) أي ضائعة سائبة ليست بحصينة ولا ممتنعة من ~~العدو. قال الزجاج: يقال عور المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة وعورة، ~~وهي مصدر. قال مجاهد ومقاتل والحسن: قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق. ~~وقال قتادة: قالوا بيوتنا مما يلي العدو ولا تأمن على أهلنا. قال الهروي: ~~كل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة، والعورة في الأصل: الخلل فأطلقت ~~على المختل، والمراد: ذات عورة، وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو رجاء ~~العطاردي عورة بكسر الواو أي قصيرة الجدران. قال الجوهري: العورة كل حال ~~يتخوف منه في ثغر أو حرب. قال النحاس يقال أعور المكان: إذا تبينت فيه ~~عورة، وأعور الفارس: إذا تبين منه موضع الخلل، ثم رد الله سبحانه عليهم ~~بقوله (وما هي بعورة) فكذبهم الله سبحانه فيما ذكروه، والجملة في محل نصب ~~على الحال، ثم بين سبب استئذانهم وما يريدونه به، فقال (إن يريدون إلا ~~فرارا) أي ما يريدون PageV04P266 # إلا الهرب من القتال، وقيل المراد: ما يريدون إلا الفرار من الدين (ولو ~~دخلت عليهم من أقطارها) يعني بيوتهم أو المدينة، والأقطار: النواحي جمع ~~قطر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: لو دخلت عليهم بيوتهم أو المدينة من ~~جوانبها جميعا لا من بعضها، ونزلت بهم هذه النازلة الشديدة، واستبيحت ~~ديارهم، وهتكت حرمهم ومنازلهم (ثم سئلوا الفتنة) من جهة أخرى عند نزول هذه ~~النازلة الشديدة بهم (لآتوها) أي لجاؤوها أو أعطوها، ومعنى الفتنة هنا: إما ~~القتال في ms3090 العصبية كما قال الضحاك، أو الشرك بالله والرجعة إلى الكفر الذي ~~يبطنونه ويظهرون خلافه كما قال الحسن. قرأ الجمهور لآتوها بالمد: أي ~~لأعطوها من أنفسهم، وقرأ نافع وابن كثير بالقصر: # أي لجاؤوها (وما تلبثوا بها إلا يسيرا) أي بالمدينة بعد أن أتوا الفتنة ~~إلا تلبثا يسيرا حتى يهلكوا، كذا قال الحسن والسدي والفراء والقتيبي. وقال ~~أكثر المفسرين: إن المعنى: وما احتبسوا عن فتنة الشرك إلا قليلا، بل هم ~~مسرعون إليها راغبون فيها لا يقفون عنها إلا مجرد وقوع السؤال لهم، ولا ~~يتعللون عن الإجابة بأن بيوتهم في هذه الحالة عورة مع أنها قد صارت عورة ~~على الحقيقة كما تعللوا عن إجابة الرسول والقتال معه بأنها عورة ولم تكن إذ ~~ذاك عورة. ثم حكى الله سبحانه عنهم ما قد كان وقع منهم من قبل من المعاهدة ~~لله ولرسوله بالثبات في الحرب وعدم الفرار عنه فقال (ولقد كانوا عاهدوا ~~الله من قبل لا يولون الأدبار) أي من قبل غزوة الخندق ومن بعد بدر قال ~~قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة ~~والنصر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، وهم بنو حارثة وبنو سلمة ~~(وكان عهد الله مسؤولا) أي مسؤولا عنه، ومطلوبا صاحبه بالوفاء به، ومجازي ~~على ترك الوفاء به (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل) فإن ~~من حضر أجله مات أو قتل فر أو لم يفر (وإذا لا تمتعون إلا قليلا) أي تمتعا ~~قليلا أو زمانا قليلا بعد فرارهم إلى أن تنقضي آجالهم، وكل ما هو آت فهو ~~قريب. قرأ الجمهور " تمتعون " بالفوقية، وقرأ يعقوب الحضرمي في رواية ~~الساجي عنه بالتحتية، وفى بعض الروايات " لا تمتعوا " بحذف النون إعمالا ~~لإذن، وعلى قراءة الجمهور هي ملغاة (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد ~~بكم سوءا) أي هلاكا أو نقصا في الأموال وجدبا ومرضا (أو أراد بكم رحمة) ~~يرحمكم بها من خصب ونصر وعافية (ولا يجدون لهم من دون الله وليا) ms3091 يواليهم ~~ويدفع عنهم (ولا نصيرا) ينصرهم من عذاب الله. # وقد أخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني ~~أن أعرابيا قال: يا رسول الله أي شئ كان أول نبوتك؟ قال: أخذ الله مني ~~الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) ~~ودعوة إبراهيم قال - وابعث فيهم رسولا منهم -، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت ~~أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها ~~سراج أضاءت له قصور الشام. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال " قيل يا رسول ~~الله متى أخذ ميثاقك؟ قال: وآدم بين الروح والجسد ". وأخرج البزار ~~والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عنه قال " قيل يا رسول الله متى ~~كنت نبيا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد ". وفي الباب أحاديث قد صحح بعضها. # وأخرج الحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل ~~والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) الآية قال: # كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، فبدأ به قبلهم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال (ميثاقهم) عهدهم. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس (وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم) قال: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وأخرج ~~الحاكم وصححه PageV04P267 # وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر من طرق عن ~~حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه من ~~الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ~~ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهى ظلمة ما ~~يرى أحد منا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله ms3092 صلى الله عليه وآله ~~وسلم و (يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة) فما يستأذن أحد منهم إلا أذن ~~له، فيتسللون ونحن ثلاثمائة، أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم رجلا رجلا حتى مر علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد ~~إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ ~~فقلت حذيفة، قال حذيفة، فتقاصرت إلى الأرض، فقلت بلى يا رسول الله كراهية ~~أن أقوم، قال: قم فقمت، فقال: إنه كان في القوم خبر، فأتني بخبر القوم، ~~قال: وأنا من أشد القوم فزعا وأشدهم قرا، فخرجت فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن ~~فوقه ومن تحته، قال: فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من ~~جوفي، فما أجد منه شيئا، فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا ~~حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، ~~وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول: # الرحيل الرحيل، ثم دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا ~~آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبرا، ~~فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضربهم، ثم خرجت نحو ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا ~~بنحو من عشرين فارسا معتمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته وهو مشتمل في شملة يصلي، ~~وكان إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أنى تركتهم يترحلون، وأنزل الله ~~(يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود) الآية. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في ~~قوله (إذ جاءتكم ms3093 جنود) قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وأبو الشيخ وابن مردويه ~~وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: لما كان ليلة الأحزاب جاءت الشمال ~~إلى الجنوب، فقالت: انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب: # إن الحرة لا تسري بالليل، فغضب الله عليها وجعلها عقيما، فأرسل عليهم ~~الصبا، فأطفأت نيرانهم وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " فذلك قوله (فأرسلنا عليهم ريحا ~~وجنودا لم تروها). وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". ~~وأخرج البخاري وغيره عن عائشة في قوله (إذ جاءوكم من فوقكم) الآية قالت: ~~كان ذلك يوم الخندق، وفي الباب أحاديث في وصف هذه الغزوة وما وقع فيها، وقد ~~اشتملت عليها كتب الغزوات والسير. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أمرت بقرية تأكل القرى ~~يقولون يثرب، وهي المدينة تنفي البأس كما ينفي الكير خبث الحديد ". وأخرج ~~أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة ~~هي طابة " ولفظ أحمد " إنما هي طابة " وإسناده ضعيف. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس مرفوعا نحوه. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ~~PageV04P268 # ابن عباس في قوله (ويستأذن فريق منهم النبي) قال: هم بنو حارثة قالوا ~~(بيوتنا عورة) أي مختلة نخشى عليها السرق. وأخرج ابن مردويه عن جابر نحوه. ~~وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ~~ستين سنة (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها) قال: ~~لأعطوها: يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على المدينة. # قوله (قد يعلم الله المعوقين منكم) يقال عاقه واعتاقه وعوقه: إذا صرفه عن ~~الوجه الذي ms3094 يريده. قال الواحدي قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا ~~يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أنهم قالوا لهم: ما محمد ~~وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتقمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم ~~وتعالوا إلينا، وقيل إن القائل هذه المقالة اليهود قالوا (لإخوانهم) من ~~المنافقين (هلم إلينا) ومعنى هلم أقبل واحضر وأهل الحجاز يسوون فيه بين ~~الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث، وغيرهم من العرب يقولون: هلم للواحد ~~المذكر، وهلمي للمؤنث، وهلما للاثنين، وهلموا للجماعة، وقد مر الكلام على ~~هذا في سورة الأنعام (ولا يأتون البأس) أي الحرب (إلا قليلا) خوفا من ~~الموت، وقيل المعنى: لا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة من غير احتساب (أشحة ~~عليكم) أي بخلاء عليكم لا يعاونوكم بحفر الخندق ولا بالنفقة في سبيل الله، ~~قاله مجاهد وقتادة. وقيل أشحة بالقتال معكم، وقيل بالنفقة على فقرائكم ~~ومساكينكم، وقيل أشحة بالغنائم إذا أصابوها. قاله السدي. وانتصابه على ~~PageV04P269 # الحال من فاعل يأتون. أو من المعوقين. وقال الفراء: يجوز في نصبه أربعة ~~أوجه: منها النصب على الذم، ومنها بتقدير فعل محذوف: أي يأتونه أشحة. قال ~~النحاس: ولا يجوز أن يكون العامل فيه للمعوقين ولا القائلين لئلا يفرق بين ~~الصلة والموصول (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم) أي تدور ~~يمينا وشمالا، وذلك سبيل الجبان إذا شاهد ما يخافه (كالذي يغشى عليه من ~~الموت) أي كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي نزل به الموت وغشيته ~~أسبابه، فيذهل ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم ~~لما يلحقهم من الخوف، ويقال للميت إذا شخص بصره: دارت عيناه، ودارت حماليق ~~عينيه، والكاف نعت مصدر محذوف (فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد) يقال ~~سلق فلانا فلانا بلسانه: إذا أغلظ له في القول مجاهرا. قال الفراء: أي ~~آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة، ويقال: خطيب مسلاق ومصلاق إذا ~~كان بليغا، ومنه قول الأعشى: # فيهم المجد والسماحة والنج‍ * دة فيهم والخاطب السلاق قال القتيبي: ~~المعنى آذوكم بالكلام الشديد، والسلق ms3095 الأذى، ومنه قول الشاعر: # ولقد سلقت هوازنا * بنو أهل حتى انحنينا قال قتادة: معنى الآية: بسطوا ~~ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة يقولون: أعطنا فإنا قد شهدنا معكم، فعند ~~الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس: ~~وهذا قول حسن، وانتصاب (أشحة على الخير) على الحالية من فاعل سلقوكم، ويجوز ~~أن يكون نصبه على الذم. وقرأ ابن أبي عبلة برفع أشحة، والمراد هنا أنهم أشح ~~على الغنيمة يشاحون كان المسلمين عند القسمة، قاله يحيى بن سلام. وقيل على ~~المال أن ينفقوه في سبيل الله. قاله السدي. ويمكن أن يقال معناه: أنهم ~~قليلو الخير من غير تقييد بنوع من أنواعه والإشارة بقوله (أولئك) إلى ~~الموصوفين بتلك الصفات (لم يؤمنوا) إيمانا خالصا بل هم منافقون: يظهرون ~~الإيمان ويبطنون الكفر (فأحبط الله أعمالهم) أي أبطلها بمعنى أظهر بطلانها، ~~لأنها لم تكن لهم أعمال تقتضي الثواب حتى يبطلها الله. قال مقاتل: أبطل ~~جهادهم لأنه لم يكن في إيمان (وكان ذلك على الله يسيرا) أي وكان ذلك ~~الإحباط لأعمالهم، أو كان نفاقهم على الله هينا (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) ~~أي يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ~~ديارهم، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع (وإن يأت الأحزاب) مرة أخرى بعد ~~هذه المرة (يودوا لو أنهم بأدون في الأعراب) أي يتمنون أنهم في بادية ~~الأعراب لما حل بهم من الرهبة، والبادي خلاف الحاضر، يقال: بدا يبدو بداوة ~~إذا خرج إلى البادية (يسألون عن أنبائكم) أي عن أخباركم وما جرى لكم، كل ~~قادم عليهم من جهتكم، أو يسأل بعضهم بعضا عن الأخبار التي بلغته من أخبار ~~الأحزاب ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والمعنى: أنهم يتمنون أنهم ~~بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال لفرط جبنهم وضعف نياتهم ~~(ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا) أي لو كانوا معكم في هذه الغزوة ~~مشاهدين للقتال ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا خوفا من العار وحمية ms3096 على ~~الديار (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) أي قدوة صالحة، يقال لي في ~~فلاة أسوة: أي لي به، والأسوة من الائتساء، كالقدوة من الاقتداء: اسم يوضع ~~موضع المصدر. قال الجوهري: والأسوة والإسوة بالضم والكسر، والجمع أسى وإسى. ~~قرأ الجمهور " أسوة " بالضم للهمزة، وقرأ عاصم بكسرها، وهما لغتان كما قال ~~الفراء وغيره. PageV04P270 # وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أي لقد كان لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال وخرج إلى الخندق ~~لنصرة دين الله أسوة، وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فهي عامة في كل شئ، ~~ومثلها - ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا -، وقوله - قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله -، واللام في (لمن كان يرجوا الله ~~واليوم الآخر) متعلق بحسنة، أو بمحذوف هو صفة لحسنة: أي كائنة لمن يرجو ~~الله. وقيل إن الجملة بدل من الكاف في لكم، ورده أبو حيان وقال: إنه لا ~~يبدل من ضمير المخاطب بإعادة الجار. ويجاب عنه بأنه قد أجاز ذلك الكوفيون ~~والأخفش وإن منعه البصريون، والمراد بمن كان يرجو الله: المؤمنون، فإنهم ~~الذين يرجون الله ويخافون عذابه، ومعنى يرجون الله: يرجون ثوابه أو لقاءه، ~~ومعنى يرجون اليوم الآخر: أنهم يرجون رحمة الله فيه أو يصدقون بحصوله وأنه ~~كائن لا محالة، وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى (وذكر الله ~~كثيرا) معطوف على كان: أي ولمن ذكر الله في جميع أحواله ذكرا كثيرا، وجمع ~~بين الرجاء لله والذكر له، فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. ثم بين سبحانه ما وقع من المؤمنين المخلصين عند ~~رؤيتهم للأحزاب ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم كالبحر العباب فقال ~~(ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) الإشارة بقوله ~~" هذا " إلى ما رأوه من الجيوش، أو إلى الخطب الذي نزل والبلاء الذي دهم، ~~وهذا القول منهم قالوه استبشارا بحصول ما وعدهم الله ورسوله من مجيء ms3097 هذه ~~الجنود، وإنه يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله، و " ما " ~~في " ما وعدنا الله " هي الموصولة، أو المصدرية، ثم أردفوا ما قالوه بقولهم ~~(صدق الله ورسوله) أي ظهر صدق خبر الله ورسوله (وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما) أي ما زادهم ما رأوه إلا إيمانا بالله وتسليما لأمره. قال الفراء: ~~ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانا وتسليما. قال علي بن سليمان: " رأى ~~" يدل على الرؤية وتأنيث الرؤية غير حقيقي، والمعنى: # ما زادهم الرؤية إلا إيمانا للرب وتسليما للقضاء، ولو قال ما زادتهم لجاز ~~(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) أي من المؤمنين المخلصين ~~رجال صدقوا أتوا بالصدق، من صدقني إذا قال الصدق، ومحل " ما عاهدوا الله ~~عليه " النصب بنزع الخافض، والمعنى: أنهم وفوا بما عاهدوا عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة من الثبات معه، والمقاتلة لمن قاتله، ~~بخلاف من كذب في عهده وخان الله ورسوله وهم المنافقون، وقيل هم الذين نذروا ~~أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثبتوا له ولم ~~يفروا، ووجه إظهار الاسم الشريف، والرسول في قوله (صدق الله ورسوله) بعد ~~قوله (ما وعد الله ورسوله) هو قصد التعظيم كما في قول الشاعر: * أرى الموت ~~لا يسبق الموت شئ * وأيضا لو أضمرهما لجمع بين ضمير الله وضمير رسوله في ~~لفظ واحد. وقال صدقا، وقد ورد النهي عن جمعهما كما في حديث " بئس خطيب ~~القوم أنت " لمن قال ومن يعصها فقد غوى. ثم فصل سبحانه حال الصادقين بما ~~وعدوا الله ورسوله وقسمهم إلى قسمين فقال (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر) النحب: ما التزمه الإنسان وأعتقد الوفاء به. ومنه قول الشاعر: # عشية فر الحارثيون بعد ما * قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر وقال الآخر: ~~بطخفة لا جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب أي على أمر عظيم، ~~والنحب يطلق على النذر والقتل والموت. قال ابن قتيبة: قضى نحبه: أي قتل ~~وأصل النحب ms3098 النذر. كانوا يوم بدر نذورا إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى ~~يقتلوا أو يفتح لهم فقتلوا، فقيل فلان قضى PageV04P271 # نحبه: أي قتل، والنحب أيضا الحاجة وإدراك الأمنية، يقول قائلهم: مالي ~~عندهم نحب، والنحب العهد، ومنه قول الشاعر: لقد نحبت كلب على الناس أنهم * ~~أحق بتاج الماجد المتكرم وقال آخر: * قد نحب المجد علينا نحبا * ومن ورود ~~النحب في الحاجة وإدراك الأمنية قول الشاعر: # * أنحب فيقضي أم ضلال وباطل * ومعنى الآية: أن من المؤمنين رجالا أدركوا ~~أمنيتهم وقضوا حاجتهم ووفوا بنذرهم فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم أحد كحمزة ~~ومصعب بن عمير وأنس بن النضر (ومنهم من ينتظر) قضاء نحبه حتى يحضر أجله ~~كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وأمثالهم فإنهم مستمرون على الوفاء بما ~~عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقتال ~~لعدوه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل وإدراك فضل الشهادة، ~~وجملة (وما بدلوا تبديلا) معطوفة على صدقوا: أي ما غيروا عهدهم الذي عاهدوا ~~الله ورسوله عليه كما غير المنافقون عهدهم، بل ثبتوا عليه ثبوتا مستمرا، ~~أما الذين قضوا نحبهم فظاهر، وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم فقد استمروا ~~على ذلك حتى فارقوا الدنيا ولم يغيروا ولا بدلوا، واللام في قوله (ليجزي ~~الله الصادقين بصدقهم) يجوز أن يتعلق بصدقوا أو بزادهم، أو بما بدلوا، أو ~~بمحذوف، كأنه قيل: # وقع جميع ما وقع ليجزي الله الصادقين بصدقهم (ويعذب المنافقين إن شاء) ~~بما صدر عنهم من التغيير والتبديل، جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء ~~وأرادوها بسبب تبديلهم وتغييرهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل ~~من الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبها ~~والسعي لتحصيلها، ومفعول " إن شاء " وجوابها محذوفان: أي إن شاء تعذيبهم ~~عذبهم، وذلك إذا أقاموا على النفاق ولم يتركوه ويتوبوا عنه (إن الله كان ~~غفورا رحيما) أي لمن تاب منهم وأقلع عما كان عليه من النفاق. ثم رجع سبحانه ~~إلى حكاية بقية القصة وما أمتن به على رسوله والمؤمنين من النعمة ms3099 فقال (ورد ~~الله الذين كفروا) وهم الأحزاب، والجملة معطوفة على (فأرسلنا عليهم ريحا) ~~أو على المقدر عاملا في ليجزي الله الصادقين بصدقهم، كأنه قيل: # وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الذين كفروا، ومحل (بغيظهم) النصب على ~~الحال، والباء للمصاحبة: أي حال كونهم متلبسين بغيظهم ومصاحبين له، ويجوز ~~أن تكون للسببية، وجملة (لم ينالوا خيرا) في محل نصب على الحال أيضا من ~~الموصول، أو من الحال الأولى على التعاقب، أو التداخل. والمعنى: أن الله ~~ردهم بغيظهم لم يشف صدورهم ولا نالوا خيرا في اعتقادهم، وهو الظفر ~~بالمسلمين، أو لم ينالوا خيرا أي خير، بل رجعوا خاسرين لم يربحوا إلا عناء ~~السفر وغرم النفقة (وكفى الله المؤمنين القتال) بما أرسله من الريح والجنود ~~من الملائكة (وكان الله قويا عزيزا) على كل ما يريده إذا قال له كن كان، ~~عزيزا غالبا قاهرا لا يغالبه أحد من خلقه ولا يعارضه معارض في سلطانه ~~وجبروته. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله (سلقوكم) قال: ~~استقبلوكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (وكان ذلك على الله يسيرا) قال: هينا. ~~وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر وابن النجار عن عمر في قوله (لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة) قال: في جوع رسول الله، وقد استدل بهذه الآية ~~جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب السنة، وهي خارجة عما ~~نحن بصدده. وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في ~~قوله (ولما رأى المؤمنون الأحزاب) إلى آخر الآية قال: إن الله قال لهم في ~~سورة البقرة - أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء - فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في ~~الخندق (قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) فتأول المسلمون ذلك فلم يزدهم ~~PageV04P272 # (إلا إيمانا وتسليما). وأخرج البخاري وغيره عن أنس قال: نرى هذه الآية ~~نزلت في أنس بن النضر (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه). وأخرج ~~ابن ms3100 سعد وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي والبغوي في معجمه وابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر ~~عن بدر فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~غبت عنه لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما ~~بعد ليرين الله ما أصنع، فشهد يوم أحد، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا ~~عمرو وأين؟ قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في ~~جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية (رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه) وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. # وقد روى عنه نحوه من طريق أخرى عند الترمذي وصححه والنسائي وغيرهما. ~~وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف ~~عليه ودعا له، ثم قرأ (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية، ~~ثم قال: أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا ~~يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه " وقد تعقب الحاكم في تصحيحه ~~الذهبي كما ذكر ذلك السيوطي، ولكنه قد أخرج الحاكم حديثا آخر وصححه. # وأخرجه أيضا البيهقي في الدلائل عن أبي ذر قال: " لما فرغ رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم أحد مر على مصعب بن عمير مقتولا على طريقه، فقرأ ~~(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية ". وأخرج ابن مردويه ~~من حديث خباب مثله، وهما يشهدان لحديث أبي هريرة. وأخرج الترمذي وحسنه وأبو ~~يعلى وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة " أن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا ~~لا يجترئون على مسئلته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم ~~سأله فأعرض عنه، ثم ms3101 إني اطلعت من باب المسجد فقال: أين السائل عمن قضى ~~نحبه؟ قال الأعرابي: أنا، قال: هذا ممن قضى نحبه ". وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من حديثه نحوه. وأخرج الترمذي وابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول " طلحة ممن قضى نحبه ". وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وأبو ~~نعيم وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى ~~طلحة ". وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله. وأخرج ابن منده وابن عساكر من ~~حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي أن هذه ~~الآية نزلت في طلحة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (فمنهم من قضى نحبه) قال: الموت على ما ~~عاهدوا الله عليه، ومنهم من ينتظر الموت على ذلك. وأخرج أحمد والبخاري وابن ~~مردويه عن سليمان بن صرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم ~~الأحزاب " الآن نغزوهم ولا يغزونا " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~عمر في قوله (فمنهم من قضى نحبه) قال: مات على ما هو عليه من التصديق ~~والإيمان (ومنهم من ينتظر) ذلك (وما بدلوا تبديلا) لم يغيروا كما غير ~~المنافقون. PageV04P273 # قوله (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب) أي عاضدوهم وعاونوهم على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم بنو قريظة، فإنهم عاونوا الأحزاب ونقضوا ~~العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاروا يدا ~~واحدة مع الأحزاب. والصياصي جمع صيصية: وهي الحصون، وكل شئ يتحصن به يقال ~~له صيصية، ومنه صيصية الديك، وهي الشوكة التي في رجله، وصياصي البقر قرونها ~~لأنها تمتنع بها، ويقال لشوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة صيصية، ~~ومنه قول دريد بن ms3102 الصمة: # فجئت إليه والرماح تنوشه * كوقع الصياصي في النسيج الممدد ومن إطلاقها ~~على الحصون قول الشاعر: # فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت * نساء تميم يبتدرن الصياصيا (وقذف في قلوبهم ~~الرعب) أي الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي وهي ~~معنى قوله (فريقا تقتلون وتأسرون فريقا) فالفريق الأول هم الرجال، والفريق ~~الثاني هم النساء والذرية، وهذه الجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم. ~~قرأ الجمهور " تقتلون " بالفوقية على الخطاب، وكذلك قرأوا " تأسرون " وقرأ ~~ابن ذكوان في رواية عنه بالتحتية فيهما، وقرأ اليماني بالفوقية في الأول ~~والتحتية في الثاني، وقرأ أبو حيوة " تأسرون " بضم السين. وقد حكى الفراء ~~كسر السين وضمها فهما لغتان، ووجه تقديم مفعول الفعل الأول وتأخير مفعول ~~الفعل الثاني أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة، وكان الوارد عليهم أشد ~~الأمرين وهو القتل، كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام. # وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين، فقيل كان المقتولون من ستمائة ~~إلى سبعمائة، وقيل ستمائة، وقيل سبعمائة، وقيل ثمانمائة، وقيل تسعمائة، ~~وكان المأسورون سبعمائة، وقيل سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة (وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم) المراد بالأرض العقار والنخيل، وبالديار المنازل ~~والحصون، وبالأموال والحلي والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير ~~(وأرضا لم تطئوها) أي وأورثكم أرضا لم تطئوها، وجملة لم تطئوها صفة لأرضا. ~~قرأ الجمهور " لم تطئوها " بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة، وقرأ زيد بن علي " ~~تطوها " بفتح الطاء وواو ساكنة. # واختلف المفسرون في تعيين هذه الأرض المذكورة فقال يزيد بن رومان وابن ~~زيد ومقاتل: إنها خيبر ولم يكونوا إذ ذاك قد نالوها، فوعدهم الله بها. وقال ~~قتادة: كنا نتحدث أنها مكة. وقال الحسن: فارس والروم. # وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة (وكان الله على كل شئ قديرا) أي ~~هو سبحانه قدير على كل ما أراده من خير وشر ونعمة ونقمة، وعلى إنجاز ما وعد ~~به من الفتح للمسلمين. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (من صياصيهم) قال: حصونهم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة قالت ms3103 " خرجت يوم الخندق ~~أقفو الناس، فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له ابن الفرقدة ~~بسهم فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله سعدا فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني ~~من قريظة، PageV04P274 # فبعث الله الريح على المشركين (وكفى الله المؤمنين القتال) ولحق أبو ~~سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة ~~فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ~~وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاء جبريل، وإن على ~~ثناياه لوقع الغبار، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة ~~بعد السلاح: اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، فلبس رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لامته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فحاصرهم خمسا وعشرين ~~ليلة، فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء عليهم، قيل لهم أنزلوا على حكم رسول ~~الله، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى سعد بن معاذ فأتى به على حمار، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: احكم فيهم، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ~~ذراريهم وتقسم أموالهم، فقال: # لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله ". # قوله (يا أيها النبي قل لأزواجك) قيل هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من ~~المنع من إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان قد تأذى ببعض الزوجات. ~~قال الواحدي: قال المفسرون: إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألنه ~~شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه الزيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على ~~بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهن شهرا، وأنزل الله آية ~~التخيير هذه، وكن يومئذ تسعا: عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وسودة هؤلاء ~~من نساء قريش وصفية الخيبرية وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، ~~وجويرية بنت الحارث المصطلقية. ومعنى (الحياة الدنيا وزينتها) سعتها ~~ونضارتها ورفاهيتها والتنعم فيها (فتعالين) أي أقبلن إلي ms3104 (أمتعكن) بالجزم ~~جوابا للأمر: أي أعطكن المتعة (و) كذا (أسرحكن) بالجزم: أي أطلقكن ~~PageV04P275 # وبالجزم في الفعلين قرأ الجمهور، وقرأ حميد الخراز بالرفع في الفعلين على ~~الاستئناف، والمراد بالسراح الجميل: # هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة. وقيل إن حزم الفعلين على أنهما ~~جواب الشرط، وعلى هذا يكون قوله " فتعالين " اعتراضا بين الشرط والجزاء ~~(وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة) أي الجنة ونعيمها (فأن الله أعد ~~للمحسنات منكن) أي اللاتي عملن عملا صالحا (أجرا عظيما) لا يمكن وصفه، ولا ~~يقادر قدره وذلك بسبب إحسانهن، وبمقابلة صالح عملهن. # وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وآله وسلم أزواجه ~~على قولين: القول الأول أنه خيرهن بإذن الله في البقاء على الزوجية أو ~~الطلاق فاخترن البقاء، وبهذا قالت عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي والزهري ~~وربيعة. والقول الثاني أنه إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن، وبين الآخرة ~~فيمسكهن ولم يخيرهن في الطلاق، وبهذا قال علي والحسن وقتادة، والراجح ~~الأول. واختلفوا أيضا في المخيرة إذا اختارت زوجها هل يحسب مجرد ذلك ~~التخيير على الزوج طلقة أم لا؟ فذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا ~~يكون التخيير مع اختيار المرأة لزوجها طلاقا لا واحدة ولا أكثر. وقال علي ~~وزيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وبه قال الحسن والليث: وحكاه ~~الخطابي والنقاش عن مالك. والراجح الأول لحديث عائشة الثابت في الصحيحين ~~قالت " خيرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاخترناه فلم يعد طلاقا " ~~ولا وجه لجعل مجرد التخيير طلاقا، ودعوى أنه كناية من كنايات الطلاق مدفوعة ~~بأن المخير لم يرد الفرقة لمجرد التخيير، بل أراد تفويض المرأة وجعل أمرها ~~بيدها، فإن اختارت البقاء بقيت على ما كانت عليه من الزوجية، وإن اختارت ~~الفرقة صارت مطلقة. # واختلفوا في اختيارها لنفسها هل يكون ذلك طلقة رجعية أو بائنة. فقال ~~بالأول عمر وابن مسعود وابن عباس وابن أبي ليلى والثوري والشافعي، وقال ~~بالثاني علي وأبو حنيفة وأصحابه وروي عن مالك. والراجح الأول، لأنه يبعد ms3105 كل ~~البعد أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه على خلاف ما أمره ~~الله به، وقد أمره بقوله - إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن - وروي عن زيد ~~بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها فثلاث طلقات، وليس لهذا القول وجه. وقد روي ~~عن علي أنها إذا اختارت نفسها فليس بشئ، وإذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. ~~ثم لما اختار نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله أنزل فيهن ~~هذه الآيات تكرمة لهن وتعظيما لحقهن فقال (يا نساء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة) أي ظاهرة القبح واضحة الفحش، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهن ~~وطهرهن (يضاعف لها العذاب ضعفين) أي يعذبهن مثلي عذاب غيرهن من النساء إذا ~~أتين بمثل تلك الفاحشة، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع منزلتهن. وقد ثبت ~~في هذه الشريعة في غير موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه ~~إذا عصى تضاعف العقوبات. وقرأ أبو عمرو " يضعف " على البناء للمفعول، وفرق ~~هو وأبو عبيد بين يضاعف ويضعف فقالا: يكون يضاعف ثلاثة عذابات ويضعف ~~عذابين. قال النحاس: هذه التفرقة التي جاء بها لا يعرفها أحد من أهل اللغة، ~~والمعنى في يضاعف ويضعف واحد: أي يجعل ضعفين، وهكذا ضعف ما قالاه ابن جرير ~~(وكان ذلك على الله يسيرا) لا يتعاظمه ولا يصعب عليه (ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله وتعمل صالحا) قرأ الجمهور " يقنت " بالتحتية، وكذا قرأوا: يأت منكن ~~حملا على لفظ من في الموضعين، وقرأ الجحدري ويعقوب وابن عامر في رواية وأبو ~~جعفر بالفوقية حملا على المعنى، ومعنى " من يقنت " من يطع، وكذا اختلف ~~القراء في " مبينة "، فمنهم من قرأها بالكسر ومنهم من قرأها بفتح الياء كما ~~تقدم في النساء. وقرأ ابن كثير وابن عامر " نضعف " بالنون ونصب العذاب، ~~وقرئ PageV04P276 # " نضاعف " بكسر العين على البناء للفاعل (نؤتها أجرها مرتين) قرأ حمزة ~~والكسائي بالتحتية، وكذا قرأ يعمل بالتحتية، وقرأ الباقون تعمل بالفوقية، ~~ونؤت بالنون، ومعنى إتيانهن الأجر مرتين أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة ~~مثلا ما ms3106 يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلن تلك الطاعة. وفي هذا دليل قوي على ~~أن معنى " يضاعف لها العذاب ضعفين " أنه يكون العذاب مرتين لا ثلاثا، لأن ~~المراد إظهار شرفهن ومزيتهن في الطاعة والمعصية بكون حسنتهن كحسنتين، ~~وسيئتهن كسيئتين، ولو كانت سيئتهن كثلاث سيئات لم يناسب ذلك كون حسنتهن ~~كحسنتين، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهن مضاعفة تزيد على مضاعفة ~~أجرهن (وأعتدنا لها) زيادة على الأجر مرتين (رزقا كريما). قال المفسرون: ~~الرزق الكريم هو نعيم الجنة، حكى ذلك عنهم النحاس. # ثم أظهر سبحانه فضيلتهن على سائر النساء تصريحا فقال (يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء) قال الزجاج: لم يقل كواحدة من النساء، لأن أحد نفي عام ~~للمذكر والمؤنث والواحدة والجماعة. وقد يقال على ما ليس بآدمي كما يقال: ~~ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير. والمعنى: لستن كجماعة واحدة من جماعات ~~النساء في الفضل والشرف. # ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال (إن اتقيتن) فبين سبحانه أن هذه ~~الفضيلة لهن إنما تكون بملازمتهن للتقوى، لا لمجرد اتصالهن بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وقد وقعت منهن ولله الحمد التقوى البينة، والإيمان الخالص، ~~والمشي على طريقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد مماته. ~~وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه: أي إن اتقيتن فلستن كأحد من ~~النساء. وقيل إن جوابه (فلا تخضعن) والأول أولى. ومعنى (فلا تخضعن بالقول) ~~لا تلن القول عند مخاطبة الناس كما تفعله المريبات من النساء، فإنه يتسبب ~~عن ذلك مفسدة عظيمة، وهي قوله (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي فجور وشك ونفاق، ~~وانتصاب يطمع لكونه جواب النهي. كذا قرأ الجمهور. وحكى أبو حاتم أن الأعرج ~~قرأ " فيطمع " بفتح الياء وكسر الميم. قال النحاس: أحسب هذا غلطا، ورويت ~~هذه القراءة عن أبي السمأل وعيسي بن عمر وابن محيصن، وروي عنهم أنهم قرأوا ~~بالجزم عطفا على محل فعل النهي (وقلن قولا معروفا) عند الناس بعيدا من ~~الريبة على سنن الشرع، لا ينكر منه ms3107 سامعه شيئا، ولا يطمع فيهن أهل الفسق ~~والفجور بسببه (وقرن في بيوتكن) قرأ الجمهور " وقرن " بكسر القاف من وقر ~~يقر وقارا: أي سكن، والأمر منه قر بكسر القاف، وللنساء قرن مثل عدن وزن. ~~وقال المبرد: هو من القرار، لا من الوقار، تقول قررت بالمكان بفتح الراء، ~~والأصل اقررن بكسر الراء، فحذفت الراء الأولى تخفيفا كما قالوا في ظللت ~~ظلت، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغنى عن ألف الوصل بتحريك القاف. وقال ~~أبو علي الفارسي: # أبدلت الراء الأولى ياء كراهة التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار، وصار ~~للياء حركة الحرف الذي أبدلت منه، والتقدير أقيرن، ثم تلقي حركة الياء على ~~القاف كراهة تحريك الياء بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة ~~الوصل لتحريك ما بعدها فيصير قرن. وقرأ نافع وعاصم بفتح القاف وأصله قررت ~~بالمكان: إذا أقمت فيه بكسر الراء، أقر بفتح القاف كحمد يحمد، وهي لغة أهل ~~الحجاز، ذكر ذلك أبو عبيد عن الكسائي، وذكرها الزجاج وغيره. قال الفراء: هو ~~كما تقول هل حست صاحبك: أي هل أحسسته؟ قال أبو عبيد: كان أشياخنا من أهل ~~العربية ينكرون القراءة بالفتح للقاف، وذلك لأن قررت بالمكان أقر لا يجوزه ~~كثير من أهل العربية. والصحيح قررت أقر بالكسر، ومعناه: الأمر لهن بالتوقر ~~والسكون في بيوتهن وأن لا يخرجن، وهذا يخالف ما ذكرناه هنا عنه عن الكسائي ~~وهو من أجل مشايخه. وقد وافقه على الإنكار لهذه القراءة أبو حاتم فقال: # إن قرن بفتح القاف لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس: قد خولف أبو ~~حاتم في قوله إنه لا مذهب له في PageV04P277 # في كلام العرب بل فيه مذهبان: أحدهما حكاه الكسائي، والآخر عن علي بن ~~سليمان، فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدمناه من رواية أبي عبيد ~~عنه، وأما المذهب الذي حكاه علي بن سليمان، فقال: إنه من قررت به عينا أقر. ~~والمعنى: واقررن به عينا في بيوتكن. قال النحاس: وهو وجه حسن. # وأقول: ليس بحسن ولا هو معنى الآية، فإن المراد بها ms3108 أمرهن بالسكون ~~والاستقرار في بيوتهن، وليس من قرة العين. وقرأ ابن أبي عبلة " واقررن " ~~بألف وصل ورائين، الأولى مكسورة على الأصل (ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى) التبرج: أن تبدي المرأة زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما ~~تستدعي به شهوة الرجل. وقد تقدم معنى التبرج في سورة النور. قال المبرد: هو ~~مأخوذ من السعة، يقال في أسنانه برج: إذا كانت متفرقة. # وقيل التبرج هو التبختر في المشي، وهذا ضعيف جدا. # وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى، فقيل ما بين آدم ونوح، وقيل ما ~~بين نوح وإدريس، وقيل ما بين نوح وإبراهيم، وقيل ما بين موسى وعيسى، وقيل ~~ما بين عيسى ومحمد. وقال المبرد: الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية ~~الجهلاء. قال: وكان نساء الجاهلية تظهر ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة ~~تجلس مع زوجها وخليلها، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى، وينفرد ~~زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. # قال ابن عطية: والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فأمرن ~~بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة، لأنهم كانوا ~~لا غيرة عندهم، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى كذا قال، وهو قول حسن. ويمكن ~~أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبيه بأهل الجاهلية بقول ~~أو فعل، فيكون المعنى: # ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجا مثل تبرج أهل الجاهلية التي ~~كنتن عليها، وكان عليها من قبلكن: # أي لا تحدثن بأفعالكن فلا وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من ~~قبل (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) خص الصلاة والزكاة ~~لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية. ثم عمم فأمرهن بالطاعة لله ولرسوله ~~في كل ما هو شرع (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) أي إنما ~~أوصاكن الله بما أوصاكن من التقوى، وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول المعروف، ~~والسكون في البيوت وعدم التبرج، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والطاعة ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، والمراد بالرجس الإثم ms3109 والذنب المدنسان للأعراض ~~الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، فيدخل تحت ذلك كل ما ~~ليس فيه لله رضا، وانتصاب أهل البيت على المدح كما قال الزجاج، قال: وإن ~~شئت على البدل. قال: ويجوز الرفع والخفض. قال النحاس: إن خفض فعلى أنه بدل ~~من الكاف والميم، واعترضه المبرد بأنه لا يجوز البدل من المخاطب، ويجوز أن ~~يكون نصبه على النداء (ويطهركم تطهيرا) أي يطهركم من الأرجاس والأردان ~~تطهيرا كاملا. وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها ~~بليغ، وزجر لفاعلها شديد. # وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية، فقال ابن عباس ~~وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير: إن أهل البيت المذكورين في ~~الآية هن زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. قالوا: # والمراد بالبيت بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومساكن زوجاته لقوله " ~~واذكرن ما يتلى في بيوتكن ". وأيضا السياق في الزوجات من قوله (يا أيها ~~النبي قل لأزواجك) إلي قوله (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا). وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة، ~~وروي عن الكلبي أن أهل البيت PageV04P278 # المذكورين في الآية هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم الخطاب ~~في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث، وهو قوله " عنكم وليطهركم " ولو كان ~~للنساء خاصة لقال عنكن ويطهركن. وأجاب الأولون عن هذا أن التذكير باعتبار ~~لفظ الأهل كما قال سبحانه - أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت - وكما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد زوجته أو زوجاته، ~~فيقول: هم بخير. # ولنذكر ههنا ما تمسك به كل فريق: أما الأولون فتمسكوا بالسياق، فإنه في ~~الزوجات كما ذكرنا، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ~~ابن عباس في قوله (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: نزلت ~~في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته ~~أنها نزلت ms3110 في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج نحوه ابن مردويه ~~من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. # وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن سعد عن عروة نحوه. # وأما ما تمسك به الآخرون، فأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة قالت: في ~~بيتي نزلت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وفي البيت فاطمة ~~وعلي الحسن والحسين، فجللهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكساء كان ~~عليه، ثم قال: " هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة أيضا ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في بيتها على منامة له عليه كساء ~~خيبري، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: " ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا) فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفضلة كسائه ~~فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء، ثم قال: اللهم ~~هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالها ثلاث مرات. ~~قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي في الستر فقلت: يا رسول الله وأنا معكم؟ فقال: # إنك إلى خير مرتين ". وأخرجه أيضا أحمد من حديثها قال: حدثنا عبد الله بن ~~نمير. حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رياح، حدثني من سمع أم ~~سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره. وفي إسناده مجهول وهو ~~شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه الطبراني عنها من طريقين بنحوه. وقد ~~ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أم سلمة طرقا كثيرة في مسند أحمد وغيره. ~~وأخرج ابن مردويه والخطيب من حديث أبي سعيد الخدري نحوه. وأخرج ms3111 الترمذي ~~وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وذكر نحو حديث أم سلمة. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة قالت: ~~" خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، ~~فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي ~~فأدخله معه، ثم قال (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا) ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع قال " جاء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى فاطمة ومعه علي وحسن وحسين حتى دخل، فأدنى ~~عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ~~ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية (إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم PageV04P279 # الرجس أهل البيت) وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا، قلت: # يا رسول الله وأنا من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي ". قال واثلة: إنه لأرجا ~~ما أرجوه. وله طرق في مسند أحمد. # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر ~~والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل ~~البيت الصلاة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ~~". وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ~~أذكركم الله في أهل بيتي " فقيل لزيد: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل ~~بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده: آل علي ~~وآل عقيل وآل جعفر، ms3112 وآل العباس. وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما، فذلك قوله - ~~وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال - فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب ~~اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلاثا، فذلك قوله - وأصحاب ~~الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون - فأنا من السابقين، وأنا خير ~~السابقين. ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله - ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم - وأنا أتقى ولد ~~آدم وأكرمهم على الله ولا فخر. ثم جعل القبائل بيوتا، فجعلني في خيرها ~~بيتا، فذلك قوله (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا) فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب ". وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ~~أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله، قال: " رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة ~~فقال: الصلاة الصلاة (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم) ~~". وفي إسناده أبو داود الأعمى، وهو وضاع كذاب. وفي الباب أحاديث وآثار، ~~وقد ذكرنا ههنا ما يصلح للتمسك به دون مالا يصلح. # وقد توسطت طائفة ثالثة بين الطائفتين، فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات ~~ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق هذه ~~الآيات كما قدمنا، ولكونهن الساكنات في بيوته صلى الله عليه وآله وسلم ~~النازلات في منازله، ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره. وأما دخول علي ~~وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيده ذلك ما ~~ذكرناه من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول، فمن جعل الآية خاصة بأحد ~~الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل مالا يجوز إهماله. وقد رجح هذا ~~القول جماعة من المحققين منهم القرطبي وابن كثير وغيرهما. وقال جماعة: هم ~~بنو هاشم، واستدلوا بما تقدم من حديث ابن عباس ويقول زيد بن ms3113 أرقم المتقدم ~~حيث قال: ولكن آله من حرم الصدقة بعده: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل ~~العباس، فهؤلاء ذهبوا إلى أن المراد بالبيت بيت النسب. قوله (واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) أي أذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله ~~في بيوت يتلى فيها آيات الله والحكمة أو أذكرنها وتفكرن يقول فيها لتتعظن ~~بمواعظ الله، أو أذكرنها للناس ليتعظوا بها ويهتدوا بهداها، أو أذكرنها ~~بالتلاوة لها لتحفظنها ولا تتركن الاستكثار من التلاوة. قال القرطبي: قال ~~أهل التأويل: آيات الله هي القرآن، والحكمة السنة. وقال مقاتل: المراد ~~بالآيات والحكمة أمره ونهيه في القرآن. وقيل إن القرآن جامع بين كونه آيات ~~بينات دالة على التوحيد وصدق النبوة وبين كونه حكمة مشتملة على فنون من ~~العلوم والشرائع (إن الله كان لطيفا خبيرا) PageV04P280 # أي لطيفا بأوليائه خبيرا بجميع خلقه وجميع ما يصدر منهم من خير وشر وطاعة ~~ومعصية، فهو يجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته. # وقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر ~~قال " أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس ~~ببابه جلوس والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر ~~فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمرت: لأكلمن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة ~~عمر سألت النفقة آنفا فوجأت في عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حتى بدت نواجذه وقال: هن حولي يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة ~~ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل ~~الله الخيار، فنادى بعائشة فقال: إني ms3114 ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى ~~تستأمري أبويك، قالت: ما هو؟ فتلا عليها (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية، ~~قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي، بل أختار الله رسوله، وأسألك أن لا تذكر ~~لنسائك ما اخترت فقال: # إن الله لن يبعثني متعنتا ولكن بعثني مبشرا، لا تسألني امرأة منهن عما ~~اخترت إلا أخبرتها ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة " أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت: # فبدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمر فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري ~~أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: إن الله قال (يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا) إلى تمام الآية، فقلت ~~له: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل ~~أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما فعلت ". وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا) ~~قال يقول: من يطع الله منكن وتعمل منكن لله ورسوله بطاعته. وأخرج ابن ~~المنذر عنه في قوله (فلا تخضعن بالقول) قال: يقول لا ترخصن بالقول ولا ~~تخضعن بالكلام. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله (فلا تخضعن بالقول) قال: ~~مقارنة الرجال في القول حتى يطمع الذي في قلبه مرض. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت ~~واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت، ~~قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن مسروق قال: كانت ~~عائشة إذا قرأت (وقرن في بيوتكن) بكت حتى تبل خمارها. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن ms3115 أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب قال: كانت ~~الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب سأله فقال: ~~أرأيت قول الله لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى) هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال ابن عباس ما سمعت بأولى ~~إلا ولها آخرة، فقال له عمر: فأتني من كتاب الله ما يصدق ذلك، فقال: إن ~~الله يقول - وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم أول مرة - فقال عمر: من ~~أمرنا أن نجاهد؟ قال: مخزوم وعبد شمس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا ~~في الآية قال: تكون جاهلية أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها تلت هذه ~~الآية PageV04P281 # فقالت الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد. وقد قدمنا ذكر الآثار ~~الواردة في سبب نزول قوله (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت). ~~وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ~~في قوله (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) قال: القرآن ~~والسنة يمتن بذلك عليهن. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة عن سهل في قوله ~~(واذكرن ما يتلى في بيوتكن) الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار. # قوله (إن المسلمين) بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرد الدخول في ~~الدين والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما سأله جبريل عن الإسلام قال: " هو أن تشهد أن لا إله إلا ~~الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان. ثم عطف على ~~المسلمين (المسلمات) تشريفا لهن بالذكر " وهكذا فيما بعد وإن كن داخلات في ~~لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك، والتذكير إنما هو لتغليب الذكور ms3116 على ~~الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك، ثم ذكر (المؤمنين ~~والمؤمنات) وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره كما ~~ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والقانت العابد ~~المطيع، وكذا القانتة، وقيل الدوامين على العبادة والطاعة، والصادق ~~والصادقة هما من يتكلم بالصدق ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه، والصابر ~~والصابرة هما من يصبر عن الشهوات وعلى مشاق التكليف، والخاشع والخاشعة هما ~~المتواضعان لله الخائفان منه الخاضعان في عباداتهم لله، والمتصدق والمتصدقة ~~هما من تصدق من ماله بما أوجبه الله عليه. وقيل ذلك أعم من صدقة الفرض ~~والنفل، وكذلك الصائم والصائمة، قيل ذلك مختص بالفرض، وقيل هو أعم، والحافظ ~~والحافظة لفرجيهما عن الحرام بالتعفف والتنزه والاقتصار على الحلال، ~~والذاكر والذاكرة هما من يذكر الله على أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على ~~مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان، واكتفى في الحافظات ~~بما تقدم في الحافظين من ذكر الفروج والتقدير: والحافظين فروجهم والحافظات ~~فروجهن، وكذا في الذاكرات والتقدير: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات الله ~~كثيرا، والخبر لجميع ما تقدم هو قوله (أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) أي ~~مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها وأجرا عظيما على طاعاتهم التي فعلوها من ~~الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم والعفاف ~~والذكر، ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ ولا شئ أعظم ~~من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد، اللهم اغفر ذنوبنا ~~وأعظم أجورنا (وما كان لمؤمن PageV04P282 # ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) أي ما ~~صح ولا أسقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين، ولفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما ~~معناها المنع والحظر من الشئ والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعا، وقد يكون ~~لما يمتنع عقلا كقوله - ما كان لكم أن تنبتوا شجرها - ومعنى الآية: أنه لا ~~يحل لمن يؤمن بالله إذا قضى الله أمرا أن يختار من أمر ms3117 نفسه ما شاء، بل يجب ~~عليه أن يذعن للقضاء ويوقف نفسه تحت ما قضاه الله عليه واختاره له، وجمع ~~الضميرين في قوله: لهم ومن أمرهم لأن مؤمن ومؤمنة وقعا في سياق النفي فهما ~~يعمان كل مؤمن ومؤمنة. قرأ الكوفيون " أن يكون " بالتحتية، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد لأنه قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله لهم مع كون ~~التأنيث غير حقيقي، وقرأ الباقون بالفوقية لكونه مسندا إلى الخيرة وهى ~~مؤنثة لفظا، والخيرة مصدر بمعنى الاختيار. وقرأ ابن السميفع " الخيرة " ~~بسكون التحتية، والباقون بتحريكها، ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله ~~وقدره فقال (ومن يعص الله ورسوله) في أمر من الأمور، ومن ذلك عدم الرضا ~~بالقضاء (فقد ضل ضلالا مبينا) أي ضل عن طريق الحق ضلالا ظاهرا واضحا لا ~~يخفى. # وقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ~~أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله مالنا لا نذكر أنه في القرآن كما يذكر ~~الرجال فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: إن الله يقول ~~(إن المسلمين والمسلمات) إلى آخر الآية. وروي نحو هذا عنها من طريق أخرى ~~أخرجها الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد والترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه عن أم عمارة الأنصارية ~~أنها أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: ما أرى كل شئ إلا للرجال، ~~وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت هذه الآية (إن المسلمين والمسلمات). ~~وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بإسناد. قال السيوطي: حسن، عن ابن ~~عباس قال: قالت النساء يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر ~~المؤمنات؟ فنزلت (إن المسلمين والمسلمات) الآية. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم انطلق ليخطب على فتاة زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت ms3118 جحش الأسدية ~~فخطبها، قالت: لست بناكحته، قال: بلى فانكحيه، قالت: يا رسول الله أؤامر ~~نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله (وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة) الآية، قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا، قال نعم، قالت: ~~إذن لا أعصي رسول الله قد أنكحته نفسي. وأخرج نحوه عنه ابن جرير من طريق ~~أخرى. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزينب: " إني أريد أن أزوجك زيد ~~بن حارثة فإني قد رضيته لك، قالت يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي وأنا ~~أيم قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل، فنزلت هذه الآية (وما كان لمؤمن) يعنى ~~زيدا (ولا مؤمنة) يعني زينب (إذا قضى الله ورسوله أمرا) يعني النكاح في هذا ~~الموضع (أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) يقول: ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ~~ما أمر الله به (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) قالت: قد أطعتك ~~فاصنع ما شئت، فزوجها زيدا ودخل عليها ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ~~قال: # نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت فوهبت ~~نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها ~~وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوجنا عبده. PageV04P283 # لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة بزينب بنت جحش ~~كما مر في تفسير الآية التي قبل هذه أنزل الله سبحانه (وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه) أي واذكر إذ تقول للذي أنعم الله عليه وهو زيد بن ~~حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الجاهلية وأعتقه وتبناه، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية ~~في آخر البحث ما يوضح المراد منها. قال القرطبي: وقد اختلف في تأويل هذه ~~الآية، فذهب ms3119 قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وغيره ~~إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهى ~~في عصمة زيد، وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما ~~أخبره بأنه يريد فراقها ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان ~~وتعظما بالشرف قال له: اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك، وهو يخفي ~~الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه ولكنه لزم ما يجب من ~~الأمر بالمعروف انتهى (أمسك عليك زوجك) يعنى زينب (واتق الله) في أمرها ولا ~~تعجل بطلاقها (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) وهو نكاحها إن طلقها زيد، وقيل ~~حبها (وتخشى الناس) أي تستحيهم، أو تخاف من تعييرهم بأن يقولوا أمر مولاه ~~بطلاق امرأته ثم تزوجها (والله أحق أن تخشاه) في كل حال وتخاف منه وتستحييه ~~والواو للحال: أي تخفى في نفسك ذلك الأمر مخافة من الناس (فلما قضى زيد ~~منها وطرا) قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشئ، يقال قضى ~~وطرا منه: إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # أيها الرائح المجد ابتكارا * قد قضى من تهامة الأوطارا أي فرغ من أعمال ~~الحج وبلغ ما أراد منه، والمراد هنا أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها ~~بحيث لم يبق وله فيها حاجة، وقيل المراد به الطلاق، لأن الرجل إنما يطلق ~~امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة وقال المبرد: الوطر الشهوة والمحبة وأنشد: # وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما * قضى وطرا منها جميل بن معمر وقال أبو ~~عبيدة: الوطر: الأرب والحاجة، وأنشد قول الفزاري: # ودعنا قبل أن نودعه * لما قضى من شبابنا وطرا PageV04P284 # قرأ الجمهور (زوجناكها) وقرأ علي وابناه الحسن والحسين زوجتكها فلما ~~أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شئ مما هو ~~معتبر في النكاح في حق أمته. وقيل المراد به الأمر ms3120 له بأن يتزوجها. # والأول أولى، وبه جاءت الأخبار الصحيحة. ثم علل سبحانه ذلك بقوله (لكيلا ~~يكون على المؤمنين حرج) أي ضيق ومشقة (في أزواج أدعيائهم) أي في التزوج ~~بأزواج من يجعلونه ابنا كما كانت تفعله العرب فإنهم كانوا يتبنون من ~~يريدون، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تبنى زيد بن حارثة، فكان ~~يقال زيد بن محمد حتى نزل قوله سبحانه - ادعوهم لآبائهم - وكانت العرب ~~تعتقد أنه يحرم عليه نساء من تبنوه كما تحرم عليه نساء أبنائهم حقيقة. ~~والأدعياء جمع دعي، وهو الذي يدعي ابنا من غير أن يكون ابنا على الحقيقة، ~~فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم (إذا قضوا منهن وطرا) بخلاف ابن ~~الصلب فإن امرأته تحرم على أبيه بنفس العقد عليها (وكان أمر الله مفعولا) ~~أي كان قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قضاء ماضيا مفعولا لا محالة. ثم بين سبحانه أنه لم يكن على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حرج في هذا النكاح فقال (ما كان على النبي من حرج فيما ~~فرض الله له) أي فيما أحل الله وقدره وقضاه، يقال فرض له كذا: أي قدر له ~~(سنة الله في الذين خلوا من قبل) أي إن هذا هو السنن الأقدم في الأنبياء ~~والأمم‌ الماضية أن ينالوا ما أحله الله لهم من أمر النكاح وغيره (وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا) أي قضاء مقضيا. قال مقاتل: أخبر الله أن أمر زينب كان من ~~حكم الله وقدره، وانتصاب سنة على المصدر: أي سن الله سنة الله، أو اسم وضع ~~موضع المصدر أو منصوب بجعل أو بالإغراء. ورده أبو حبان بأن عامل الإغراء لا ~~يحذف. ثم ذكر سبحانه الأنبياء الماضين وأثنى عليهم فقال (الذين يبلغون ~~رسالات الله) والموصول في محل جر صفة " للذين خلو " أو منصوب على المدح، ~~مدحهم سبحانه بتبليغ ما أرسلهم به إلى عباده وخشيته في كل فعل وقول ولا ~~يخشون سواه ولا يبالون بقول الناس ولا بتعييرهم، ms3121 بل خشيتهم مقصورة على الله ~~سبحانه (وكفى بالله حسيبا) حاضرا في كل مكان يكفي عباده كل ما يخافونه، أو ~~محاسبا لهم في كل شئ، ولما تزوج صلى الله عليه وآله وسلم زينب قال الناس: ~~تزوج امرأة ابنة، فأنزل الله (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) أي ليس بأب ~~لزيد بن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أب لأحد لم يلده. ~~قال الواحدي: قال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد من الذكور ~~إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر. قال القرطبي: ولكن لم يعش له ابن حتى يصير ~~رجلا: قال: وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له ~~(ولكن رسول الله) قال الأخفش والفراء: ولكن كان رسول الله وأجازا الرفع. ~~وكذا قرأ ابن أبي عبلة بالرفع في رسول وفي خاتم على معنى: ولكن هو رسول ~~الله وخاتم النبيين. وقرأ الجمهور بتخفيف لكن، ونصب رسول وخاتم، ووجه النصب ~~على خبرية كان المقدرة كما تقدم، ويجوز أن يكون بالعطف على أبا أحد. وقرأ ~~أبو عمرو في رواية عنه بتشديد لكن ونصب رسول على أنه اسمها وخبرها محذوف: ~~أي ولكن رسول الله هو. وقرأ الجمهور خاتم بكسر التاء. وقرأ عاصم بفتحها. ~~ومعنى القراءة الأولى: # أنه ختمهم: أي جاء آخرهم. ومعنى القراءة الثانية: أنه صار كالخاتم لهم ~~الذي يتخمون به ويتزينون بكونه منهم. # وقيل كسر التاء وفتحها لغتان. قال أبو عبيد: الوجه الكسر لأن التأويل أنه ~~ختمهم فهو خاتمهم، وأنه قال " أنا خاتم النبيين " وخاتم الشئ آخره ومنه ~~قولهم: خاتمة المسك. وقال الحسن: الخاتم هو الذي ختم به (وكان الله بكل شئ ~~عليما) قد أحاط علمه بكل شئ، ومن جملة معلوماته هذه الأحكام المذكورة هنا. ~~PageV04P285 # وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن أنس قال " جاء زيد بن حارثة ~~يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، فنزلت (وتخفي في نفسك ما ~~الله مبديه) ms3122 " قال أنس: فلو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كاتما ~~شيئا لكتم هذه الآية، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما أولم ~~على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة (فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها) فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول: زوجكن ~~أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم ~~عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لزيد: " اذهب فاذكرها علي، فانطلق، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: ~~يا زينب أبشري أرسلني رسول الله يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ~~ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون ~~في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتبعته، ~~فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقولون: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما ~~أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت ~~أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به (لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) الآية ". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه عن عائشة قالت: لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كاتما ~~شيئا من الوحي لكتم هذه الآية (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) يعني ~~بالإسلام (وأنعمت عليه) يعني بالعتق (أمسك عليك زوجك) إلى قوله (وكان أمر ~~الله مفعولا) وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما تزوجها قالوا تزوج ~~حليلة ابنه، فأنزل الله (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين) وكان رسول الله صلى الله ms3123 عليه وآله وسلم تبناه وهو صغير، ~~فلبث حتى صار رجلا يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله - ادعوهم لآبائهم هو ~~أقسط عند الله - يعني أعدل عند الله. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي ~~في قوله (سنة الله في الذين خلوا من قبل) قال: يعني يتزوج من النساء ما شاء ~~هذا فريضة، وكان من قبل من الأنبياء هذا سنتهم، قد كان لسليمان بن داود ألف ~~امرأة، وكان لداود مائة امرأة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن جريج في ~~قوله - سنة الله في الذين خلوا من قبلي - قال داود: والمرأة التي نكح ~~وزوجها واسمها اليسية، فذلك سنة في محمد وزينب (وكان أمر الله قدرا مقدورا) ~~كذلك من سنته في داود والمرأة والنبي وزينب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~قوله (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) قال: نزلت في زيد بن حارثة. وأخرج ~~أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارا، فانتهى إلا لبنة واحدة، فجئت أنا ~~فأتممت تلك اللبنة ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى دارا ~~فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال ما أحسنها ~~إلا موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة حتى ختم بي الأنبياء ". وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه. وأخرج أحمد والترمذي وصححه من حديث ~~أبي بن كعب نحوه أيضا. PageV04P286 # قوله (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكر كثيرا) أمر سبحانه عباده بأن ~~يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير وكل ما هو ذكر لله ~~تعالى. قال مجاهد: هو أن لا ينساه أبدا، وقال الكلبي: ويقال ذكرا كثيرا ~~بالصلوات الخمس، وقال مقاتل: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل ~~حال (وسبحوه بكرة وأصيلا) أي نزهوه هما لا يليق به في وقت البكرة ووقت ~~الأصيل، وهما أول النهار وآخره، وتخصيصهما ms3124 بالذكر لمزيد ثواب التسبيح ~~فيهما، وخص التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله (اذكروا الله) تنبيها ~~على مزيد شرفه، وإنافة ثوابه على غيره من الأذكار. وقيل المراد بالتسبيح ~~بكرة صلاة الفجر، وبالتسبيح أصيلا صلاة المغرب. وقال قتادة وابن جرير: ~~المراد صلاة الغداة وصلاة العصر. وقال الكلبي: أما بكرة فصلاة الفجر، وأما ~~أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال المبرد: والأصيل العشي ~~وجمعه أصائل (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) والصلاة من الله على العباد ~~رحمته لهم وبركته عليهم، ومن الملائكة الدعاء لهم والاستغفار كما قال - ~~ويستغفرون للذين آمنوا - قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: المعنى ويأمر ~~ملائكته بالاستغفار لكم، والجملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها من الأمر ~~بالذكر والتسبيح. وقيل الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له ~~في عباده، وقيل الثناء عليه، وعطف ملائكته علي الضمير المستكن في يصلي ~~لوقوع الفصل بقوله " عليكم " فأغنى ذلك عن التأكيد بالضمير المنفصل. ~~والمراد بالصلاة هنا معنى مجازي يعم صلاة الله بمعنى الرحمة، وصلاة ~~الملائكة بمعنى الدعاء لئلا يجمع بين حقيقة ومجاز في كلمة واحدة، واللام في ~~(ليخرجكم من الظلمات إلى النور متعلق بيصلي: أي يعتني بأموركم هو ملائكته ~~ليخرجكم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهدى، ~~ومعنى الآية تثبيت المؤمنين على الهداية ودوامهم عليها لأنهم كانوا وقت ~~الخطاب على الهداية. ثم أخبر سبحانه برحمته للمؤمنين تأنيسا لهم وتثبيتا ~~فقال (وكان بالمؤمنين رحيما) وفي هذه الجملة تقرير لمضمون ما تقدمها، ثم ~~بين سبحانه أن هذه الرحمة منه لا تخص السامعين وقت الخطاب بل هي عامة لهم ~~ولمن بعدهم وفي الدار الآخرة فقال (تحيتهم يوم يلقونه سلام) أي تحية ~~المؤمنين من الله سبحانه يوم لقائهم له عند الموت أو عند البعث أو عند دخول ~~الجنة هي التسليم عليهم منه عز وجل. وقيل المراد تحية بعضهم لبعض يوم يلقون ~~ربهم سلام، وذلك لأنه كان بالمؤمنين رحيما فلما شملتهم رحمته وأمنوا من ~~عقابه حيا بعضهم بعضا سرورا واستبشارا. والمعنى: سلامة ms3125 لنا من عذاب النار. ~~قال الزجاج: المعنى فيسلمهم الله من الآفات ويبشرهم بالأمن من المخافات يوم ~~يلقونه. وقيل الضمير في " يلقونه " راجع إلى ملك الموت، وهو الذي يحييهم ~~كما ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. وقال مقاتل: هو تسليم الملائكة ~~عليهم يوم يلقون الرب كما في قوله - والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم - (وأعد لهم أجرا PageV04P287 # كريما) أي أعد لهم في الجنة رزقا حسنا ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم. ثم ~~ذكر سبحانه صفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي أرسله لها فقال ~~(يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا) أي على أمته يشهد لمن صدقه وآمن به، ~~وعلى من كذبه وكفر به. قال مجاهد: شاهدا على أمته بالتبليغ إليهم وعلى سائر ~~الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم (ومبشرا) للمؤمنين برحمة الله وبما أعده لهم ~~من جزيل الثواب وعظيم الأجر (ونذيرا) للكافرين والعصاة بالنار، وبما أعده ~~الله لهم من عظيم العقاب (وداعيا إلى الله) يدعون عباد الله إلى التوحيد ~~والإيمان بما جاء به، والعمل بما شرعه لهم، ومعنى قوله (بإذنه) بأمره له ~~بذلك وتقديره، وقيل بتبشيره (وسراجا منيرا) أي يستضاء به في ظلم الضلالة ~~كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. قال الزجاج (وسراجا) أي ذا سراج منير أي ~~كتاب نير، وانتصاب شاهدا وما بعده على الحال (وبشر المؤمنين) عطف على مقدر ~~يقتضيه المقام كأنه قال فاشهد وبشر، أو فدبر أحوال الناس (وبشر المؤمنين) ~~أو هو من عطف جملة على جملة، وهي المذكورة سابقا، ولا يمنع من ذلك الاختلاف ~~بين الجملتين بالإخبار والإنشاء. أمره سبحانه بأن يبشرهم بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا على سائر الأمم، وقد بين ذلك سبحانه بقوله - والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل ~~الكبير - ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال (ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين) أي لا تطعهم فيما يشيرون عليك به من المداهنة في الدين، وفي ~~الآية تعريض لغيره من أمته لأنه صلى الله ms3126 عليه وآله وسلم معصوم عن طاعتهم ~~في شئ مما يريدونه ويشيرون به عليه، وقد تقدم تفسير هذه الآية في أول ~~السورة (ودع أذاهم) أي لا تبال بما يصدر منهم إليك من الأذى بسبب يصيبك في ~~دين الله وشدتك على أعدائه، أو دع أن تؤذيهم مجازاة لهم على ما يفعلونه من ~~الأذى لك، فالمصدر على الأول مضاف إلى الفاعل. وعلى الثاني مضاف إلى ~~المفعول، وهي منسوخة بآية السيف (وتوكل على الله) في كل شؤونك (وكفى بالله ~~وكيلا) توكل إليه الأمور وتفوض إليه الشؤون، فمن فوض إليه أموره كفاه، ومن ~~وكل إليه أحواله لم يحتج فيها إلى سواه. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(اذكروا الله ذكرا كثيرا) يقول: # لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها أجلا معلوما، ثم عذر أهلها في حال ~~العذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في ~~تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: اذكروا الله قياما وقعودا، وعلى جنوبكم ~~بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، في ~~الصحة والسقم، في السر والعلانية وعلى كل حال، وقال (وسبحوه بكرة وأصيلا) ~~إذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته قال الله (هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته). # وقد ورد في فضل الذكر والاستكثار منه أحاديث كثيرة وقد صنف في الأذكار ~~المتعلقة بالليل والنهار جماعة من الأئمة كالنسائي والنووي والجزري وغيرهم، ~~وقد نطقت الآيات القرآنية بفضل الذاكرين وفضيلة الذكر - ولذكر الله أكبر - ~~وقد ورد أنه أفضل من الجهاد كما في حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي ~~والبيهقي " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل: أي العباد أفضل درجة ~~عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرا، قلت: يا رسول الله ومن ~~الغازي في سبيل الله؟ قال: لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ~~ويختضب دما لكان الذاكرون أفضل منه درجة ". وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: ~~قال رسول الله ms3127 صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها ~~عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب PageV04P288 # والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ~~قالوا: وما هو يا رسول الله؟ # قال: ذكر الله عز وجل ". وأخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة. وفي صحيح مسلم ~~وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبق ~~المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: # الذاكرون الله كثيرا ". وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه ~~والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أكثروا ~~ذكر الله حتى يقولوا مجنون ". وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اذكروا الله حتى يقول المنافقون إنكم ~~مراؤون ". # وورد في فضل التسبيح بخصوصه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك ~~حديث أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قال في يوم مائة مرة سبحان الله ~~وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ". وأخرج أحمد ومسلم والترمذي ~~وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال لنا: أيعجز أحدكم أن يكتسب في اليوم ألف حسنة؟ فقال رجل: كيف يكتسب ~~أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ~~ألف خطيئة ". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا ~~في ذكر الموت وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن البراء بن عازب في قوله (تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام) قال: يوم يلقون ملك الموت ليس من مؤمن يقبض روحه إلا سلم ~~عليه. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن ~~عباس قال: لما نزلت (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) وقد ~~كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن، فقال انطلقا ms3128 فبشرا ولا تنفرا، ~~ويسرا ولا تعسرا، فإنها قد أنزلت علي (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا) قال: شاهد على أمتك، ومبشرا بالجنة، ونذيرا من النار، ~~وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله (بإذنه وسراجا منيرا) بالقرآن. وأخرج ~~أحمد والبخاري وغيرهما عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله ابن عمرو بن ~~العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: ~~أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفة في القرآن " يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذير، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك ~~المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا تجزي بالسيئة السيئة، ~~ولكن تعفو وتصفح " زاد أحمد " ولن يقبضه الله حتى يقيم الملة العوجاء بأن ~~يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا " ~~وقد ذكر البخاري في صحيحه في البيوع هذا الحديث فقال: وقال سعيد عن هلال عن ~~عطاء عن عبد الله بن سلام، ولم يقل عبد الله بن عمرو، وهذا أولى، فعبد الله ~~بن سلام هو الذي كان يسئل عن التوراة فيخبر بما فيها. PageV04P289 # لما ذكر سبحانه قصة زيد وطلاقه لزينب، وكان قد دخل بها وخطبها النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد انقضاء عدتها كما تقدم خاطب المؤمنين مبينا لهم ~~حكم الزوجة إذا طلقها زوجها قبل الدخول فقال (يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات) أي عقدتم بهن عقد النكاح، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله ~~إلا في معنى العقد كما قاله صاحب الكشاف والقرطبي وغيرهما. # وقد اختلف في لفظ النكاح هل هو حقيقة في الوطء، أو في العقد، أو فيهما ~~على طريقة الاشتراك، وكلام صاحب الكشاف في هذا الموضع يشعر بأنه حقيقة في ~~الوطء، فإنه قال النكاح الوطء، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من حيث أنه ~~طريق إليه، ونظيره تسمية الخمر إثما لأنها سبب في اقتراف الإثم. ومعنى (من ~~قبل أن تمسوهن) من قبل أن تجامعوهن، فكنى عن ms3129 ذلك بلفظ المس (فمالكم عليهن ~~من عدة تعتدونها) وهذا مجمع عليه كما حكى ذلك القرطبي وابن كثير، ومعنى ~~تعتدونها: تستوفون عددها، من عددت الدراهم فأنا أعتدها. # وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم كما يفيده (فمالكم ~~عليهن من عدة) قرأ الجمهور " تعتدونها " بتشديد الدال، وقرأ ابن كثير في ~~رواية عنه وأهل مكة بتخفيفها. وفى هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تكون بمعنى ~~الأولى، مأخوذة من الاعتداد: أي تستوفون عددها، ولكنهم تركوا التضعيف لقصد ~~التخفيف. قال الرازي: ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف، لأن ~~الاعتداء يتعدى بعلى. وقيل يجوز أن يكون من الاعتداء بحذف حرف الجر: أي ~~تعتدون عليها: أي على العدة مجازا، ومثله قوله: # تحن فتبدي ما بها من صبابة * وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني أي لقضى علي. ~~والوجه الثاني أن يكون المعنى تعتدون فيها، والمراد بالاعتداء هذا هو ما في ~~قوله - ولا تمسكوهن ضرار لتعتدوا - فيكون معنى الآية على القراءة الآخرة: ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدون عليهن فيها بالمضارة. وقد أنكر ابن عطية صحة ~~هذه القراءة عن ابن كثير وقال: إن البزي غلط عليه، وهذه الآية مخصصة لعموم ~~قوله تعالى - والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء - وبقوله - واللائي يئسن ~~من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر - والمتعة المذكورة هنا ~~قد تقدم الكلام فيها في البقرة. وقال سعيد بن جبير: هذه المتعة المذكورة ~~هنا PageV04P290 # منسوخة بالآية التي في البقرة وهي قوله - وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم - وقيل المتعة هنا هي أعم من أن تكون ~~نصف الصداق، أو المتعة خاصة إن لم يكن قد سمى لها، فمع التسمية للصداق ~~تستحق نصف المسمى عملا بقوله - فنصف ما فرضتم لهن -، ومع عدم التسمية تستحق ~~المتعة عملا بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى - لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره - وهذا الجمع لابد منه، وهو مقدم على ms3130 الترجيح وعلى دعوى النسخ، ~~وتخصص من هذه الآية المتوفى عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد عليها وقبل ~~الدخول بها كان الموت كالدخول فتعتد أربعة أشهر وعشرا. قال ابن كثير: ~~بالإجماع، فيكون المخصص هو الإجماع، وقد استدل بهذه الآية القائلون بأنه ~~لاطلاق قبل النكاح، وهم الجمهور، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى صحة الطلاق قبل ~~النكاح إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتطلق إذا تزوجها. ووجه ~~الاستدلال بالآية لما قاله الجمهور أنه قال - إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن - فعقب الطلاق بالنكاح بلفظ ثم المشعرة بالترتيب والمهلة (وسرحوهن ~~سراحا جميلا) أي أخرجوهن من منازلكم: إذ ليس لكم عليهن عدة، والسراح الجميل ~~الذي لاضرار فيه، وقيل السراح الجميل أن لا يطالبها بما كان قد أعطاها، ~~وقيل السراح الجميل هنا كناية عن الطلاق، وهو بعيد لأنه قد تقدم ذكر الطلاق ~~ورتب عليه التمتيع وعطف عليه السراج الجميل، فلا بد أن يراد به معنى غير ~~الطلاق (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) ذكر ~~سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي ~~قد أعطاهن أجورهن: أي مهورهن، فإن المهور أجور الأبضاع، وإيتاؤها: إما ~~تسليمها معجلة أو تسميتها في العقد. # واختلف في معنى قوله (أحللنا لك أزواجك) فقال ابن زيد والضحاك: إن الله ~~أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ما ~~عدا ذوات المحارم. وقال الجمهور: المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك ~~لأنهن قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر، لأن قوله أحللنا ~~وآتيت ماضيان، وتقييد الإحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحل عليه، لأنه يصح ~~العقد بلا تسمية، ويجب مهر المثل مع الوطء والمتعة مع عدمه، فكأنه لقصد ~~الإرشاد إلى ما هو أفضل (وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) أي السراري ~~اللاتي دخلن في ملكه بالغنيمة. ومعنى (مما أفاء الله عليك) مما رده الله ~~عليك من الكفار بالغنيمة لنسائهم المأخوذات على وجه القهر والغلبة، وليس ~~المراد بهذا القيد إخراج ما ms3131 ملكه بغير الغنيمة، فإنها تحل له السرية ~~المشتراة والموهوبة ونحوهما، ولكنه إشارة إلى ما هو أفضل كالقيد الأول ~~المصرح بإيتاء الأجور، وهكذا قيد المهاجرة في قوله (وبنات عمك وبنات عماتك ~~وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك) فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، ~~وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر والمراد بالمعية هنا الاشتراك في الهجرة ~~لا في الصحبة فيها. # وقيل إن هذا القيد: أعني المهاجرة معتبر وأنها لا تحل له من لم تهاجر من ~~هؤلاء كما في قوله - والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى ~~يهاجروا - ويؤيد هذا حديث أم هانئ، وسيأتي آخر البحث هذا إن شاء الله تعالى ~~ووجه إفراد العم والخال وجمع العمة والخالة ما ذكره القرطبي أن العم والخال ~~في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة. قال: وهذا ~~عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان. وحكاه عن ابن العربي. وقال ابن ~~كثير: إنه وحد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله - عن اليمين والشمائل - ~~وقوله - يخرجهم من الظلمات إلى النور - وجعل الظلمات والنور - وله نظائر ~~كثيرة انتهى. وقال النيسابوري. وإنما لم PageV04P291 # يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك ~~لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن هذا الاختصار في العمة والخالة ~~لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى. وكل وجه من هذه الوجوه ~~يحتمل المناقشة بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة بسبق ~~الوهم إلى أن التاء للوحدة، وليس في العم والحال ما يسبق الوهم إليه بأنه ~~أريد به الوحدة إلا مجرد صيغة الإفراد وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما ~~تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة، على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن ~~شوب المناقشة (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) هو معطوف على مفعول ~~أحللنا: أي وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد إن وهبت نفسها منك بغير صداق. ~~وأما من لم تكن مؤمنة فلا تحل لك بمجرد هبتها نفسها لك. ولكن ليس ذلك بواجب ms3132 ~~عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، بل مقيدا بإرادتك، ولهذا قال (إن أراد النبي أن ~~يستنكحها) أي يصيرها منكوحة له ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر. وقد قيل ~~إنه لم ينكح النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الواهبات أنفسهن أحدا ولم ~~يكن عنده منهن شئ. وقيل كان عنده منهن خولة بنت حكيم كما في صحيح البخاري ~~عن عائشة. وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث. وقال الشعبي: هي زينب بنت ~~خزيمة الأنصارية أم المساكين. وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل: هي أم ~~شريك بنت جابر الأسدية. وقال عروة بن الزبير: هي أم حكيم بنت الأوقص ~~السلمية. ثم بين سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا يحل لغيره من أمته فقال (خالصة لك من دون المؤمنين) أي ~~هذا الإحلال الخالص هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين. ولفظ خالصة إما حال من ~~امرأة، قاله الزجاج. أو مصدر مؤكد كوعد الله: أي خالص لك خلوصا. قرأ ~~الجمهور " وامرأة " بالنصب. # وقرأ أبو حيوة بالرفع على الابتداء. وقرأ الجمهور " إن وهبت " بكسر إن. ~~وقرأ أبي والحسن وعيسى بن عمر بفتحها على أنه بدل من امرأة بدل اشتمال. أو ~~على حذف لام العلة: أي لأن وهبت. وقرأ الجمهور " خالصة " بالنصب، وقرئ ~~بالرفع على أنها صفة لامرأة على قراءة من قرأ امرأة بالرفع، وقد أجمع ~~العلماء على أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لا يجوز ~~لغيره ولا ينعقد النكاح بهبة المرأة نفسها إلا ما روي عن أبي حنيفة وصاحبيه ~~أنه يصح النكاح إذا وهبت، وأشهد هو على نفسه بمهر. وأما بدون مهر فلا خلاف ~~في أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا قال (قد علمنا ما ~~فرضنا عليهم في أزواجهم) أي ما فرضه الله سبحانه على المؤمنين في حق ~~أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه، فإن ذلك حق عليهم مفروض لا يحل لهم الاخلال ~~به، ولا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله ms3133 وسلم فيما خصه الله به ~~توسعة عليه وتكريما له، فلا يتزوجوا إلا أربعا بمهر وبينة وولي (وما ملكت ~~أيمانهم) أي وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهن ممن يجوز ~~سبيه وحربه، لا من كان لا يجوز سبيه أو كان له عهد من المسلمين (لكيلا يكون ~~عليك حرج). قال المفسرون: هذا يرجع إلى أول الآية: أي أحللنا لك أزواجك وما ~~ملكت يمينك والموهوبة لكيلا يكون عليك حرج، فتكون اللام متعلقة بأحللنا، ~~وقيل هي متعلقة بخالصة، والأول أولى والحرج الضيق: أي وسعنا عليك في ~~التحليل لك لئلا يضيق صدرك، فتظن أنك قد أثمت في بعض المنكوحات (وكان الله ~~غفورا رحيما) يغفر الذنوب ويرحم العباد، ولذلك وسع الأمر ولم يضيقه (ترجى ~~من تشاء منهن) قرئ " ترجى " مهموزا وغير مهموز، وهما لغتان، والإرجاء ~~التأخير، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخرته (وتؤوي إليك من تشاء) أي ~~تضم إليك، يقال آواه إليه بالمد: ضمه إليه، وأوى مقصورا: أي ضم إليه، ~~والمعنى: أن الله وسع على رسوله وجعل الخيار إليه في نسائه، فيؤخر من شاء ~~منهن ويؤخر نوبتها ويتركها ولا يأتيها من غير طلاق، ويضم إليه من شاء منهن ~~PageV04P292 # ويضاجعها ويبيت عندها، وقد كان القسم واجبا عليه حتى نزلت هذه الآية، ~~فارتفع الوجوب وصار الخيار إليه، وكان ممن أوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة ~~وزينب، وممن أرجأه سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان صلى الله ~~عليه وآله وسلم يسوي بين من آواه في القسم، وكان يقسم لمن أرجأه ما شاء. ~~هذا قول جمهور المفسرين في معنى الآية، وهو الذي دلت عليه الأدلة الثابتة ~~في الصحيح وغيره. وقيل هذه الآية في الواهبات أنفسهن، لا في غيرهن من ~~الزوجات. قاله الشعبي وغيره. وقيل معنى الآية في الطلاق: أي تطلق من تشاء ~~منهن وتمسك من تشاء. وقال الحسن: إن المعنى: تنكح من شئت من نساء أمتك ~~وتترك نكاح من شئت منهن، وقد قيل إن هذه الآية ناسخة لقوله - لا يحل لك ~~النساء من بعد - وسيأتي بيان ذلك ms3134 (ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) ~~الابتغاء الطلب، والعزل الإزالة، والمعنى: أنه إن أراد أن يؤوي إليه امرأة ~~ممن قد عزلهن من القسمة ويضمها إليه فلا حرج عليه في ذلك. والحاصل أن الله ~~سبحانه فوض الأمر إلى رسوله يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير، وعزل ~~وإمساك، وضم من أرجا، وإرجاء من ضم إليه، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ~~ونفيا للحرج عنه. وأصل الجناح الميل، يقال جنحت السفينة: إذا مالت. ~~والمعنى: لا ميل عليك بلوم ولا عتب فيما فعلت، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ~~تقدم من التفويض إلى مشيئته، وهو مبتدأ وخبره (أن تقر أعينهن) أي ذلك ~~التفويض الذي فوضناك أقرب إلى رضاهن لأنه حكم الله سبحانه. قال قتادة: أي ~~ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا، لأنهن ~~إذا علمن أنه من الله قرت أعينهن. قرأ الجمهور " تقر " على البناء للفاعل ~~مسندا إلى أعينهن، وقرأ ابن محيصن " تقر " بضم التاء من أقرر وفاعله ضمير ~~المخاطب ونصب أعينهن على المفعولية، وقرئ على البناء للمفعول. وقد تقدم ~~بيان معنى قرة العين في سورة مريم، (و) معنى (لا يحزن) لا يحصل معهن حزن ~~بتأثيرك بعضهن دون بعض (ويرضين بما آتيتهن كلهن) أي يرضين جميعا بما ~~أعطيتهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء. قرأ الجمهور " كلهن " بالرفع تأكيدا ~~لفاعل يرضين. وقرأ أبو إياس بالنصب تأكيدا لضمير المفعول في آتيتهن (والله ~~يعلم ما في قلوبكم) من كل ما تضمرونه، ومن ذلك ما تضمرونه من أمور النساء ~~(وكان الله عليما) بكل شئ لا تخفى عليه خافية (حليما) لا يعاجل العصاة ~~بالعقوبة (لا يحل لك النساء من بعد) قرأ الجمهور " لا يحل " بالتحتية للفصل ~~بين الفعل وفاعله المؤنث، وقرأ ابن كثير بالفوقية. # وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على أقوال: الأول أنها محكمة، ~~وأنه حرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوج على نسائه مكافأة ~~لهن بما فعلن من اختيار الله ورسوله والدار ms3135 الآخرة لما خيرهن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بأمر الله له بذلك، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك ~~وقتادة والحسن وابن سيرين وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن ~~زيد وابن جرير. وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: # لما حرم الله عليهن أن يتزوجن من بعده حرم عليه أن يتزوج غيرهن. وقال أبي ~~بن كعب وعكرمة وأبو رزين: # إن المعنى: لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سماها الله. قال ~~القرطبي: وهو اختيار ابن جرير. وقيل لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات ~~لأنهن لا يصح أن يتصفن بأنهن أمهات المؤمنين. وهذا القول فيه بعد لأنه يكون ~~التقدير: لا يحل لك النساء من بعد المسلمات، ولم يجر للمسلمات ذكر. وقيل ~~هذه الآية منسوخة بالسنة وبقوله سبحانه (ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك من ~~تشاء) وبهذا قالت عائشة وأم سلمة وعلي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وغيرهم، ~~وهذا هو الراجح، وسيأتي في آخر البحث ما يدل عليه من الأدلة (ولا أن تبدل ~~بهن من PageV04P293 # أزواج) أي تتبدل فحذفت إحدى التاءين: أي ليس لك أن تطلق واحدة منهن أو ~~أكثر وتتزوج بدل من طلقت منهن، و " من " في قوله (من أزواج) مزيدة للتأكيد. ~~وقال ابن زيد: هذا شئ كانت العرب تفعله يقول: # خذ زوجتي وأعطني زوجتك، وقد أنكر النحاس وابن جرير ما ذكره ابن زيد. قال ~~ابن جرير: ما فعلت العرب هذا قط. ويدفع هذا الإنكار منهما ما أخرجه ~~الدارقطني عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: ~~تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي. فأنزل الله عز وجل (ولا أن تبدل ~~بهن). وأخرجه أيضا عنه البزاز وابن مردويه، وجملة (ولو أعجبك حسنهن) في محل ~~نصب على الحال من فاعل تبدل، والمعنى: # أنه لا يحل التبدل بأزواجك ولو أعجبك حسن غيرهن ممن أردت أن تجعلها بدلا ~~من إحداهن، وهذا التبدل أيضا من جملة ما نسخه الله في حق رسوله على ms3136 القول ~~الراجح. وقوله (إلا ما ملكت يمينك) استثناء من النساء لأنه يتناول الحرائر ~~والإماء. # وقد اختلف العلماء في تحليل الأمة الكافرة. القول الأول: أنها تحل للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لعموم هذه الآية، وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير ~~وعطاء والحكم. القول الثاني: أنها لا تحل له تنزيها لقدره عن مباشرة ~~الكافرة. ويترجح القول بعموم هذه الآية، وتعليل المنع بالتنزه ضعيف فلا ~~تنزه عما أحله الله سبحانه، فإن ما أحله فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق ~~بأمور النكاح، لا باعتبار غير ذلك، فالمشركون نجس بنص القرآن. # ويمكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه - ولا تمسكوا بعصم الكوافر - فإنه ~~نهي عام (وكان الله على كل شئ رقيبا) أي مراقبا حافظا مهيمنا لا يخفى عليه ~~شئ ولا يفوته شئ. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إذا ~~نكحتم المؤمنات) قال: هذا في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها من قبل أن ~~يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه ولا عدة عليها تتزوج من شاءت، ثم قال ~~(فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) يقول: إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا ~~النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقا متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح ~~الجميل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) ~~منسوخة نسختها التي في البقرة - فنصف ما فرضتم -. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير عن سعيد بن المسيب نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبى العالية ~~قالا: ليست بمنسوخة، لها نصف الصداق ولها المتاع. وأخرج عبد الرزاق عن ابن ~~جريج قال: بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز، ~~فقال ابن عباس أخطأ في هذا، إن الله يقول (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن) ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. وأخرج ابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية وقال: لا يكون طلاق حتى ~~يكون ms3137 نكاح. وقد وردت أحاديث منها أنه " لا طلاق إلا بعد نكاح " وهي معروفة. ~~وأخرج ابن سعد وابن راهويه وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أم هانئ بنت أبي ~~طالب. قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ~~فأنزل الله (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله (هاجرن معك) ~~قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت: نزلت في هذه الآية (وبنات عمك ~~وبنات عماتك اللاتي هاجرن معك) أراد النبي أن يتزوجني، فنهى عني إذ لم ~~أهاجر. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (إنا أحللنا لك ~~أزواجك) إلى قوله (خالصة لك) قال فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان ~~قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء لم يحرم ذلك PageV04P294 # عليه، وكان نساؤه يجدن من ذلك وجدا شديدا أن ينكح في أي النساء أحب، فلما ~~أنزل إني حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خولة بنت حكيم. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي وابن مردويه عن عروة: # أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وعمر بن الحكم ~~وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث ~~عشرة امرأة: ست من قريش: خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، ~~وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت ~~الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله ms3138 عليه وآله وسلم، وزينب أم ~~المساكين، والعامرية وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون وهي التي ~~استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتين: صفية بنت حيي، وجويرية بنت ~~الحارث الخزاعية. وأخرج البخاري وابن مردويه عن أنس قال: جاءت امرأة إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: # يا نبي الله هل لك بي حاجة؟ فقالت ابنة أنس: ما كان أقل حياءها، فقال: هي ~~خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعرضت نفسها عليه. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فوهبت نفسها له فصمت، الحديث بطوله. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عمر في قوله (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) قال: فرض الله عليهم ~~أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله وزاد ~~ومهر. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن توطأ الحامل حتى تضع، والحائل حتى تستبرأ بحيضة. وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس (ترجى من تشاء منهن) قال: تؤخر. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه ~~في قوله (ترجى من تشاء منهن) يقول: من شئت خليت سبيله منهن، ومن أحببت ~~أمسكت منهن. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: # كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأقول تهب المرأة نفسها، فلما أنزل الله (ترجى من تشاء منهن) الآية قلت: ما ~~أرى ربك إلا يسارع في هواك. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال: هم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك أتينه فقلن: لا تخل سبيلنا ~~وأنت في حل فيما بيننا وبينك، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأنزل الله ~~(ترجى من تشاء منهن) يقول: تعزل من تشاء فأرجأ منهن نسوة وآوى ms3139 نسوة، وكان ~~ممن أرجى ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقسم بينهن من نفسه ~~وماله ما شاء، وكان ممن أوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكانت قسمته من ~~نفسه وماله بينهن سواء. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه ~~الآية (ترجى من تشاء منهن) فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن ~~كان ذلك إلي فإني لا أريد أن أوثر عليك أحدا. وأخرج الروياني والدارمي وابن ~~سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن زياد رجل من الأنصار قال: قلت ~~لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم متن أما كان ~~يحل له أن يتزوج؟ قال: وما يمنعه من ذلك؟ قلت: قوله (لا يحل لك النساء من ~~بعد) قال: إنما أحل له ضربا من النساء ووصف له صفة فقال (يا أيها النبي إنا ~~حللنا لك PageV04P295 # أزواجك) إلى قوله (وامرأة مؤمنة) ثم قال: لا يحل لك النساء من بعد هذه ~~الصفة. وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أصناف ~~النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات قال (لا يحل لك النساء من بعد ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك) فأحل له الفتيات ~~المؤمنات (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ~~وقال (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله (خالصة لك من دون ~~المؤمنين) وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء. وأخرج ابن مردويه عنه قال " ~~نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئا ". وأخرج ~~ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه. ms3140 وأخرج ~~أبو داود في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال: لما خيرهن ~~فاخترن الله ورسوله قصره عليهن فقال (لا يحل لك النساء من بعد). وأخرج ابن ~~سعد وابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى أحل الله أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله ~~(ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء). وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ~~وابن سعد وأحمد وعبد ابن حميد وأبو داود في ناسخه والترمذي وصححه والنسائي ~~وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء عن ~~عائشة قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحل الله له أن ~~يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله (ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك ~~من تشاء). وأخرج ابن سعد عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد ~~وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ~~رزين (لا يحل لك النساء من بعد) قال: من المشركات إلا ما سبيت عند فملكت ~~يمينك. وأخرج البزار وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية ~~أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك امرأتي: # أي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله (ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن) قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: " أين الاستئذان؟ قال: يا رسول الله ما استأذنت على ~~رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول ~~الله: هذه عائشة أم المؤمنين، قال: أفلا أنزل لك عن أحسن خلق الله؟ قال: يا ~~عيينة إن الله حرم ذلك، فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: أحمق مطاع، ~~وإنه على ms3141 ما ترين لسيد قومه ". PageV04P296 # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي) هذا نهي عام لكل مؤمن ~~أن يدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بإذن منه. وسبب النزول ~~ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب، وسيأتي بيان ذلك آخر البحث إن شاء ~~الله. وقوله (إلا أن يؤذن لكم) استثناء مفرغ من أعم الأحوال: أي لا تدخلوها ~~في حال من الأحوال إلا في حال كونكم مأذونا لكم، وهو في موضع نصب على ~~الحال: أي إلا مصحوبين بالإذن أو بنزع الخافض: أي إلا بأن يؤذن لكم، أو ~~منصوب على الظرفية: أي إلا وقت أن يؤذن لكم، وقوله (إلى طعام) متعلق بيؤذن ~~على تضمينه معنى الدعاء: أي إلا أن يؤذن لكم مدعوين إلى طعام، وانتصاب (غير ~~ناظرين إناه) على الحال، والعامل فيه يؤذن أو مقدر: أي ادخلوا غير ناظرين، ~~ومعنى ناظرين: منتظرين، وإناه: نضجه وإدراكه، يقال أنى يأني أنى: إذا حان ~~وأدرك. قرأ الجمهور " غير ناظرين " بالنصب. وقرأ ابن أبي عبلة غير بالجر ~~صفة لطعام، وضعف النحاة هذه القراءة لعدم بروز الضمير لكونه جاريا على غير ~~من هو له، فكان حقه أن يقال غير ناظرين إناه أنتم. ثم بين لهم سبحانه ما ~~ينبغي في ذلك فقال (ولكن إذا دعيتم فأدخلوا) وفيه تأكيد للمنع، وبيان الوقت ~~الذي يكون فيه الدخول، وهو عند الإذن. قال ابن العربي: وتقدير الكلام: ولكن ~~إذا دعيتم وأذن لكم فأدخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذنا كافيا في ~~الدخول، وقيل إن فيه دلالة بينة على أن المراد بالإذن إلى الطعام هو الدعوة ~~إليه (فإذا طعمتم فانتشروا) أمرهم سبحانه بالانتشار بعد الطعام، وهو ~~التفرق، والمراد الإلزام بالخروج من المنزل الذي وقعت الدعوة إليه عند ~~انقضاء المقصود من الأكل (ولا مستأنسين لحديث) عطف على قوله غير ناظرين، أو ~~على مقدر: أي ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين. والمعنى: النهي لهم عن أن ~~يجلسوا بعد الطعام يتحدثون مستأنسين بالحديث. قال الرازي في قوله (إلا أن ~~يؤذن لكم إلى ms3142 طعام) إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره: ولا تدخلوا إلى ~~طعام إلا أن يؤذن لكم، فلا يكون منعا من الدخول في غير وقت الطعام بغير ~~إذن. وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه: ولا تدخلوا إلا أن ~~يؤذن لكم إلى طعام، فيكون الإذن مشروطا بكونه إلى طعام، فإن لم يؤذن إلى ~~طعام فلا يجوز الدخول، فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام ~~فلا يجوز، فنقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدخول. وأما كونه لا يجوز ~~إلا بإذن إلى طعام فلما هو مذكور في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا ~~يتحينون حين الطعام ويدخلون من غير إذن، فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير ~~إذن. وقال ابن عادل: الأولى أن يقال المراد هو الثاني، لأن التقديم ~~والتأخير خلاف الأصل، وقوله (إلى طعام) من باب التخصيص بالذكر، فلا يدل على ~~نفي ما عداه، لا سيما إذا علم مثله، فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه ~~جاز دخوله بإذنه إلى غير الطعام انتهى. والأولى في التعبير عن هذا المعنى ~~الذي أراده أن يقال: قد دلت الأدلة على جواز دخول بيوته صلى الله عليه وآله ~~وسلم بإذنه لغير الطعام، وذلك معلوم لاشك فيه، فقد كان الصحابة وغيرهم ~~يستأذنون عليه لغير الطعام فيأذن لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب ~~الذي نزلت فيه، وهو القوم الذين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيدخلون PageV04P297 # ويقعدون منتظرين لإدراكه وأمثالهم، فلا تدل على المنع من الدخول مع الإذن ~~لغير ذلك، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بإذنه لغير الطعام، واللازم ~~باطل فالملزوم مثله. قال ابن عطية: وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام ~~وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه، وكذلك ~~إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله ~~لهم ms3143 في ذلك، فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل لا قبله لانتظار نضج ~~الطعام، والإشارة بقوله (إن ذلكم) إلى الانتظار والاستئناس للحديث، وأشير ~~إليهما بما يشار به إلى الواحد بتأويلهما بالمذكور كما في قوله - عوان بين ~~ذلك - أي إن ذلك المذكور من الأمرين (كان يؤذي النبي) لأنهم كانوا يضيقون ~~المنزل عليه وعلى أهله ويتحدثون بما لا يريده. قال الزجاج: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يحتمل إطالتهم كرما منه فيصبر على الأذى في ذلك، فعلم ~~الله من يحضره الأدب صار أدبا لهم ولمن بعدهم (فيستحيي منكم) أي يستحيي أن ~~يقول لكم قوموا أو اخرجوا (والله لا يستحيي من الحق) أي لا يترك أن يبين ~~لكم ما هو الحق ولا يمتنع من بيانه وإظهاره والتعبير عنه بعدم الاستحياء ~~للمشاكلة. قرأ الجمهور " يستحيي " بياءين، وروي عن ابن كثير أنه قرأ بياء ~~واحدة، وهي لغة تميم يقولون استحى يستحي مثل استقى يستقي، ثم ذكر سبحانه ~~أدبا آخر متعلقا بنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال (وإذا سألتموهن ~~متاعا) أي شيئا يتمتع به، من الماعون وغيره (فاسألوهن من وراء حجاب) أي من ~~وراء ستر بينكم وبينهن. والمتاع يطلق على كل ما يتمتع به، فلا وجه لما قيل ~~من أن المراد به العارية أو الفتوى أو المصحف، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى ~~سؤال المتاع من وراء حجاب، وقيل الإشارة إلى جميع ما ذكر من عدم الدخول ~~بغير إذن، وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول وسؤال المتاع، والأول أولى، ~~واسم الإشارة مبتدأ وخبره (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) أي أكثر تطهيرا لها من ~~الريبة، وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر ~~الرجال. وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من ~~لا تحل له والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه (وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله) أي ما صح لكم ولا استقام أن تؤذوه بشئ من الأشياء كائنا ما كان، ومن ~~جملة ذلك دخول بيوته بغير ms3144 إذن منه، واللبث فيها على غير الوجه الذي يريده، ~~وتكليم نسائه من دون حجاب (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) أي ولا كان ~~لكم ذلك بعد وفاته لأنهن أمهات المؤمنين، ولا يحل للأولاد نكاح الأمهات، ~~والإشارة بقوله (إن ذلكم) إلى نكاح أزواجه من بعده (كان عند الله عظيما) أي ~~ذنبا عظيما وخطبا هائلا شديدا، وكان سبب نزول الآية أنه قال قائل: لو قد ~~مات محمد لتزوجنا نساءه، وسيأتي بيان ذلك (إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله ~~كان بكل شئ عليما) يعلم كل شئ من الأشياء، ومن جملة ذلك ما تظهرونه في شأن ~~أزواج رسوله، وما تكتمونه في صدوركم. وفي هذا وعيد شديد، لأن إحاطته ~~بالمعلومات تستلزم المجازاة على خيرها وشرها. ثم بين سبحانه من لا يلزم ~~الحجاب منه فقال (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا اخوانهن ولا ~~أبناء اخوانهن ولا أبناء أخواتهن) فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولا غيرهن من النساء الاحتجاب منهم، ولم يذكر العم ~~والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقال الزجاج: العم والخال ربما يصفان ~~المرأة لولديهما، فإن المرأة تحل لابن العم وابن الخال فكره لهما الرؤية، ~~وهذا ضعيف جدا، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحل له ممكن من غيرهما ممن يجوز ~~له النظر إليها، لا سيما أبناء الإخوة وأبناء الأخوات، واللازم باطل ~~فالملزوم مثله، وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها ~~لأنهن يصفنها، واللازم باطل فالملزوم مثله، وهكذا لاوجه لما قاله الشعبي ~~وعكرمة PageV04P298 # من أنه يكره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، والأولى أن يقال ~~أنه سبحانه اقتصر ههنا على بعض ما ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاء ~~بما تقدم (ولا نسائهن) هذه الإضافة تقتضي أن يكون المراد بالنساء المؤمنات، ~~لأن الكافرات غير مأمونات على العورات، والنساء كلهن عورة (ولا ما ملكت ~~أيمانهن) من العبيد والإماء، وقيل الإماء خاصة، ومن لم يبلغ من العبيد، ~~والخلاف في ذلك معروف. وقد تقدم ms3145 في سورة النور ما فيه كفاية. # ثم أمرهن سبحانه بالتقوى التي هي ملاك الأمر كله. (و) المعنى (اتقين) ~~الله في كل الأمور التي من جملتها ما هو مذكور هنا (إن الله كان على كل شئ ~~شهيدا) لم يغب عنه شئ من الأشياء كائنا ما كان، فهو مجاز للمحسن بإحسانه ~~وللمسئ بإسائته. # وقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إن ~~نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن، فأنزل الله آية الحجاب. وفي لفظ ~~أنه قال عمر: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات ~~المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~أنس قال " لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت جحش دعا ~~القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، ~~فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت ~~فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، ~~فذهبت أدخل فألقي الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي) الآية. وأخرج ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد ~~أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحجب ~~نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت ~~زمعة ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: ~~قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب قال (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي) الآية. وأخرج ابن سعد عن أنس قال: ~~نزل الحجاب مبتني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزينب بنت جحش، وذلك ~~سنة خمس من الهجرة، وحجب نساءه من يومئذ ms3146 وأنا ابن خمس عشرة سنة. وكذا أخرج ~~ابن سعد عن صالح بن كيسان، وقال: نزل الحجاب على نسائه في ذي القعدة سنة ~~خمس من الهجرة، وبه قال قتادة والواقدي. وزعم أبو عبيدة وخليفة بن خياط أن ~~ذلك كان في سنة ثلاث. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده. قال سفيان: وذكروا أنها عائشة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن السدي قال: بلغنا أن طلحة بن عبيد الله قال: أيحجبنا محمد ~~عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا؟ لئن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من ~~بعده، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن عيد وابن المنذر عن قتادة ~~قال: قال طلحة بن عبيد الله: لو قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتزوجت ~~عائشة. فنزلت. وأخرج ابن سعد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: نزلت ~~في طلحة لأنه قال: إذا توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوجت عائشة. ~~قال ابن عطية: وهذا عندي لا يصح على طلحة ابن عبيد الله. قال القرطبي: قال ~~شيخنا الإمام أبو العباس: وقد حكى هذا القول عن بعض فضلاء الصحابة وحاشاهم ~~عن مثله، وإنما الكذب في نقله، وإنما يليق مثل هذا القول بالمنافقين ~~الجهال. وأخرج البيهقي في السنن عن ابن عباس قال: قال رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لو قد مات رسول الله صلى الله PageV04P299 # عليه وآله وسلم تزوجت عائشة أو أم سلمة، فأنزل الله (وما كان لكن أن ~~تؤذوا رسول الله) الآية. وأخرج ابن جرير عنه " أن رجلا أتى بعض أزواج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكلمها وهو ابن عمها، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا، فقال: يا رسول الله إنها ~~ابنة عمي، والله ما قلت لها منكرا ولا قالت لي، ms3147 قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: قد عرفت ذلك إنه ليس أحد أغير من الله، وإنه ليس أحد أغير مني، ~~فمضى ثم قال: يمنعني من كلام ابنة عمى لأتزوجنها من بعده، فأنزل الله هذه ~~الآية، فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحج ماشيا ~~توبة من كلمته. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس قالت: خطبني علي فبلغ ~~ذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أسماء متزوجة ~~عليا، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما كان لها أن تؤذي الله ~~ورسوله. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قوله (إن تبدوا شيئا ~~أو تخفوه) قال: إن تكلموا به فتقولون تتزوج فلانه لبعض أزواج النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، أو تخفوه ذلك في أنفسكم فلا تنطقوا به يعلمه الله. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (لا جناح عليهن) إلى آخر الآية قال: ~~أنزلت هذه في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وقوله (نساء النبي) ~~يعني نساء المسلمات (وما ملكت أيمانهن) من المماليك والإماء ورخص لهن أن ~~يروهن بعد ما ضرب الحجاب عليهن. # قرأ الجمهور (وملائكته) بنصب الملائكة عطفا على لفظ اسم إن. وقرأ ابن ~~عباس (وملائكته) بالرفع عطفا على محل اسم إن، والضمير في قوله (يصلون) راجع ~~إلى الله وإلى الملائكة، وفيه تشريف للملائكة عظيم حيث جعل الضمير لهم ولله ~~سبحانه واحدا، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~سمع قول الخطيب يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، ~~فقال: بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله، ووجه ذلك أنه ليس لأحد ~~أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد، وهذا الحديث ثابت في ~~الصحيح. وثبت أيضا في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ~~مناديا ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن ms3148 لحوم الحمر الأهلية. ~~ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة ~~للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحدا، والتعليل بالتشريف للملائكة ~~يقال مثله في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحمل الذم لذلك الخطيب ~~الجامع بينهما على أنه صلى الله عليه وآله وسلم فهم منه إرادة التسوية بين ~~الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك، وهذا أحسن ما قيل في الجمع. # وقالت طائفة: في هذه حذف، والتقدير: إن الله يصلي وملائكته يصلون، وعلى ~~هذا القول فلا تكون الآية مما جمع فيه بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير ~~واحد، ولا يرد أيضا ما قيل إن الصلاة من الله الرحمة ومن ملائكته الدعاء ~~PageV04P300 # فكيف يجمع بين هذين المعنيين المختلفين في لفظ يصلون، ويقال على القول ~~الأول أنه أريد بيصلون معنى مجازى يعم المعنيين، وذلك بأن يراد بقوله يصلون ~~يهتمون بإظهار شرفه، أو يعظمون شأنه، أو يعتنون بأمره. وحكى البخاري عن أبي ~~العالية أن صلاة الله سبحانه ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة ~~الدعاء. وروى الترمذي في سننه عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم ~~قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. # وحكى الواحدي عن مقاتل أنه قال: أما صلاة الرب فالمغفرة، وأما صلاة ~~الملائكة فالاستغفار. وقال عطاء بن أبي رباح: صلاته تبارك وتعالى سبوح قدوس ~~سبقت رحمتي غضبي. والمقصود من هذه الآية أن سبحانه أخبر عباده بمنزلة نبيه ~~عنده في الملأ الأعلى بأنه يثنى عليه عند ملائكته وأن الملائكة تصلي عليه، ~~وأمر عباده بأن يقتدوا بذلك ويصلوا عليه. # وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل هي ~~واجبة أم مستحبة؟ بعد اتفاقهم على أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة. وقد ~~حكى هذا الإجماع القرطبي في تفسيره، فقال قوم من أهل العلم: إنها واجبة عند ~~ذكره، وقال قوم: تجب في كل مجلس مرة. وقد وردت أحاديث مصرحة بذم من سمع ذكر ~~النبي صلى الله عليه وآله ms3149 وسلم فلم يصل عليه. # واختلف العلماء في الصلاة علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تشهد ~~الصلاة المفترضة هل هي واجبة أم لا؟ # فذهب الجمهور إلى أنها فيها سنة مؤكدة غير واجبة. قال ابن المنذر: يستحب ~~أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري ~~وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول جمهور أهل العلم. قال: وشذ ~~الشافعي فأوجب على تاركها الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، وهذا القول ~~عن الشافعي لم يروه عنه إلا حرملة بن يحيى ولا يوجد عن الشافعي إلا من ~~روايته. قال الطحاوي: لم يقل به أحد من أهل العلم غير الشافعي. وقال ~~الخطابي، وهو من الشافعية: إنها ليست بواجبة في الصلاة. قال: وهو قول جماعة ~~الفقهاء إلا الشافعي ولا أعلم له في ذلك قدوة انتهى. وقد قال يقول الشافعي ~~جماعة من أهل العلم منهم الشعبي والباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب أحمد بن ~~حنبل أخيرا، كما حكاه أبو زرعة الدمشقي، وبه قال ابن راهويه وابن المواز من ~~المالكية. # وقد جمعت في هذه المسألة رسالة مستقلة ذكرت فيها ما احتج به الموجبون لها ~~وما أجاب به الجمهور، وأشف ما يستدل به على الوجوب الحديث الثابت بلفظ " إن ~~الله أمرنا أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك في صلاتنا، فقال قولوا " الحديث. ~~فإن هذا الأمر يصلح للاستدلال به على الوجوب. وأما على بطلان الصلاة بالترك ~~ووجوب الإعادة لها فلا، لأن الواجبات لا يستلزم عدمها العدم كما يستلزم ذلك ~~الشروط والأركان. # وأعلم أنه قد ورد في فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أحاديث كثيرة لو جمعت لجاءت في مصنف مستقل ولو لم يكن منها إلا الأحاديث ~~الثابتة في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " من صلى علي صلاة صلى ~~الله عليه بها عشرا " فناهيك بهذه الفضيلة الجليلة والمكرمة النبيلة. وأما ~~صفة ms3150 الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ~~ثابتة في الصحيحين وغيرهما، منها ما هو مقيد بصفة الصلاة عليه في الصلاة، ~~ومنها ما هو مطلق، وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها. والذي يحصل ~~به الامتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل: اللهم صلي وسلم ~~على رسولك، أو على محمد أو على النبي، PageV04P301 # أو اللهم صلي على محمد وسلم. ومن أراد أن يصلي عليه ويسلم بصفة من الصفات ~~التي ورد التعليم بها والإرشاد إليها فذلك أكمل، وهي صفات كثيرة قد اشتملت ~~عليها كتب السنة المطهرة، وسيأتي بعضها آخر البحث، وسيأتي الكلام في الصلاة ~~على الآل، وكان ظاهر هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل: ~~صليت عليه وسلمت عليه، أو الصلاة عليه والسلام عليه، أو عليه الصلاة ~~والتسليم، لأن الله سبحانه أمرنا بإيقاع الصلاة عليه والتسليم منا، ~~فالامتثال هو أن يكون ذلك على ما ذكرنا، فكيف كان الامتثال لأمر الله لنا ~~بذلك أن نقول: اللهم صل عليه وسلم بمقابلة أمر الله لنا بأمرنا له بأن يصلى ~~عليه ويسلم عليه. وقد أجيب عن هذا بأن الصلاة والتسليم لما كانتا شعارا ~~عظيما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتشريفا كريما وكلنا ذلك إلى الله عز ~~وجل وأرجعناه إليه، وهذا الجواب ضعيف جدا. وأحسن ما يجاب به أن يقال: إن ~~الصلاة والتسليم المأمور بهما في الآية هما أن نقول: # اللهم صل عليه وسلم، أو نحو ذلك مما يؤدي معناه كما بينه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لنا، فاقتضى ذلك البيان في الأحاديث الكثيرة أن هذه هي ~~الصلاة الشرعية. # واعلم أن هذه الصلاة من الله على رسوله وإن كان معناها الرحمة فقد صارت ~~شعارا له يختص به دون غيره، فلا يجوز لنا أن نصلي على غيره من أمته كما ~~يجوز لنا أن نقول: اللهم ارحم فلانا أبو رحم الله فلانا، وبهذا قال جمهور ~~العلماء مع اختلافهم هل هو محرم، أو مكروه كراهة ms3151 شديدة، أو مكروه كراهة ~~تنزيه على ثلاثة أقوال. # وقد قال ابن عباس كما رواه عنه ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب لا تصلح ~~الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن يدعى للمسلمين ~~والمسلمات بالاستغفار. وقال قوم: إن ذلك جائز لقوله تعالى - وصلي عليهم إن ~~صلاتك سكن لهم - ولقوله - أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة - ولقوله - هو ~~الذي يصلي عليكم وملائكته - ولحديث عبد الله بن أبي أوفى الثابت في ~~الصحيحين وغيرهما قال " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه ~~قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صلي على آل ~~أبي أوفى " ويجاب عن هذا بأن هذا الشعار الثابت لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم له أن يخص به من شاء، وليس لنا أن نطلقه على غيره. وأما قوله ~~تعالى - هو الذي يصلي عليكم وملائكته - وقوله - أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~- فهذا ليس فيه إلا أن الله سبحانه يصلي على طوائف من عباده كما يصلي على ~~من صلى على رسوله مرة واحدة عشر صلوات، وليس في ذلك أمر لنا ولا شرعه الله ~~في حقنا، بل لم يشرع لنا إلا الصلاة والتسليم على رسوله. وكما أن لفظ ~~الصلاة على رسول الله شعار له، فكذا لفظ السلام عليه. وقد جرت عادة جمهور ~~هذه الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي عن الصحابة والترحم ~~على من بعدهم والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه كما أرشدنا إلى ذلك بقوله ~~سبحانه - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا - ثم لما ذكر سبحانه ~~ما يجب لرسوله من التعظيم ذكر الوعيد الشديد للذين يؤذونه فقال (إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) قيل المراد بالأذى هنا هو ~~فعل ما يكرهانه من المعاصي لاستحالة التأذي منه سبحانه. قال الواحدي: قال ~~المفسرون هم المشركون واليهود والنصارى وصفوا الله بالولد فقالوا - عزير ~~ابن الله، ms3152 والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسول الله، وشجوا ~~وجهه وكسروا رباعيته وقالوا مجنون شاعر كذاب ساحر. قال القرطبي: وبهذا قال ~~جمهور العلماء. وقال عكرمة: الأذية لله سبحانه بالتصوير والتعرض لفعل مالا ~~يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها. وقال جماعة: إن الآية على حذف مضاف، ~~والتقدير: إن الذين يؤذون أولياء الله، وأما أذية رسوله فهي كل ما يؤذيه من ~~الأقوال والأفعال، PageV04P302 # ومعنى اللعنة: الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك في الدنيا والآخرة ~~لتشملهم اللعنة فيهما بحيث لا يبقى وقت من أوقات محياهم ومماتهم إلا ~~واللعنة واقعة عليهم ومصاحبة لهم (وأعد لهم) مع ذلك اللعن (عذابا مهينا) ~~يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة لما يفيده معنى الإعداد من كونه في ~~الدار الآخرة. ثم لما فرغ من الذم لمن آذى الله ورسوله ذكر الأذية لصالحي ~~عباده فقال (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات) بوجه من وجوه الأذى من قول ~~أو فعل، ومعنى (بغير ما اكتسبوا) أنه لم يكن ذلك لسبب فعلوه يوجب عليهم ~~الأذية ويستحقونها به، فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبه مما يوجب عليه ~~حدا أو تعزيرا أو نحوهما، فذلك حق أثبته الشرع وأمر أمرنا الله به وندبنا ~~إليه، وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة ~~أو ضرب، فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على أي وجه كان ما لم ~~يجاوز ما شرعه الله. ثم أخبر عما لهؤلاء الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا فقال (فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) أي ظاهرا واضحا ~~لاشك في كونه من البهتان والإثم، وقد تقدم بيان حقيقة البهتان وحقيقة ~~الإثم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ~~(يصلون على النبي) يبركون. # وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس أن بني ~~إسرائيل قالوا لموسى: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه: يا موسى سألوك هل يصلي ربك؟ ~~فقل نعم أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله على ms3153 نبيه (إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي) الآية. وأخرج ابن مردويه عنه قال: إن صلاة ~~الله على النبي هي المغفرة، إن الله لا يصلي ولكن يغفر، وأما صلاة الناس ~~على النبي فهي الاستغفار له. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قرأ " صلوا ~~عليه كما صلى الله عليه وسلموا تسليما ". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت (إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي) الآية، قلنا: # يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللهم ~~صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد. وأخرجه البخاري ومسلم وغيرها من حديثه بلفظ: قال رجل يا ~~رسول الله: أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: قل اللهم ~~صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم ~~بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد والنسائي من حديث طلحة بن عبيد ~~الله قال: قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: قل اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وفي ~~الأحاديث اختلاف، ففي بعضها على إبراهيم فقط، وفي بعضها على آل إبراهيم ~~فقط، وفي بعضها بالجمع بينهما كحديث طلحة هذا. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا ~~رسول الله " كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا ~~اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد ~~وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ms3154 " والأحاديث في هذا ~~الباب كثيرة جدا، وفي بعضها التقييد بالصلاة كما في حديث أبي مسعود عند ابن ~~خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه: أن رجلا قال: يا رسول الله أما ~~السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ ~~الحديث وأخرج الشافعي في مسنده من حديث أبي هريرة مثله. وجميع التعليمات ~~الواردة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في PageV04P303 # الصلاة عليه مشتملة على الصلاة على آله معه إلا النادر اليسير من ~~الأحاديث، فينبغي للمصلي عليه أن يضم آله إليه في صلاته عليه، وقد قال بذلك ~~جماعة، ونقله إمام الحرمين والغزالي قولا عن الشافعي كما رواه عنهما ابن ~~كثير في تفسيره، ولا حاجة إلى التمسك بقول قائل في مثل هذا مع تصريح ~~الأحاديث الصحيحة به، ولا وجه لقول من قال إن هذه التعليمات الواردة عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم في صفة الصلاة عليه مقيدة بالصلاة في الصلاة حملا ~~لمطلق الأحاديث على المقيد منها بذلك القيد، لما في حديث كعب بن عجرة وغيره ~~أن ذلك السؤال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عند نزول الآية. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم ~~كما بعثني " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله) الآية قال: نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي وروى عنه أنها نزلت في الذين قذفوا ~~عائشة. # لما فرغ سبحانه من الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده ~~أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما ~~يدفع ما يقع عليه منه فقال (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) من للتبعيض، والجلابيب جمع جلباب، وهو ~~ثوب أكبر من الخمار. قال الجوهري: الجلباب ms3155 الملحقة، وقيل القناع، وقيل هو ~~ثوب يستر جميع بدن المرأة، كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت: ~~يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال: لتلبسها أختها من جلبابها، ~~قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة، فيعلم ~~أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى. # وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم ~~تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، والإشارة ~~بقوله (ذلك) إلى إدناء الجلابيب، وهو مبتدأ وخبره (أدنى أن PageV04P304 # يعرفن) أي أقرب أن يعرفن فيتميزن عن الإماء ويظهر للناس أنهن حرائر (فلا ~~يؤذين) من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن مراقبة لهن ولأهلهن، وليس المراد ~~بقوله (ذلك أدنى أن يعرفن) أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن يعرفن ~~أنهن حرائر لا إماء لأنهن قد لبسن لبسة تختص بالحرائر (وكان الله غفورا) ~~لما سلف منهن من ترك إدناء الجلابيب (رحيما) بهن أو غفور الذنوب المذنبين ~~رحيما بهم فيدخلن في ذلك دخولا أوليا. ثم توعد سبحانه أهل النفاق والإرجاف ~~فقال (لئن لم ينته المنافقون) عما هم عليه من النفاق (والذين في قلوبهم ~~مرض) أي شك وريبة عما هم عليه من الاضطراب (والمرجفون في المدينة) عما يصدر ~~منهم من الإرجاف بذكر الأخبار الكاذبة المتضمنة لتوهين جانب المسلمين وظهور ~~المشركين عليهم. قال القرطبي: أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشئ ~~واحد، والمعنى: أن المنافقين قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب والإرجاف على ~~المسلمين، فهو على هذا من باب قوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم أي إلى الملك ~~القرم بن الهمام ليث الكتيبة. وقال عكرمة وشهر بن حوشب: الذين في قلوبهم ~~مرض هم الزناة. # والإرجاف في اللغة: إشاعة الكذب والباطل، يقال أرجف بكذا: إذا أخبر به ~~على غير حقيقة لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت، من الرجفة وهي الزلزلة. يقال ~~رجفت الأرض: أي تحركت وتزلزلت ترجف رجفا، والرجفان: الاضطراب الشديد، وسمي ~~البحر رجافا لاضطرابه، ومنه قول ms3156 الشاعر: # المطعمون اللحم كل عشية * حتى تغيب الشمس في الرجاف والإرجاف واحد ~~الأراجيف، وأرجفوا في الشئ خاضوا فيه، ومنه قول شاعر: # فانا وان عيرتمونا بقلة * وأرجف بالإسلام باغ وحاسد وقول الآخر: # أبا لأراجيف يا بن اللوم توعدني * وفي الأراجيف خلت اللؤم والخور وذلك ~~بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هزموا، وتارة ~~بأنهم قتلوا، وتارة بأنهم غلبوا ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب المسلمين من ~~الأخبار، فتوعدهم الله سبحانه بقوله (لنغرينك بهم) أي لنسلطنك عليهم ~~فتستأصلهم بالقتل والتشريد بأمرنا لك بذلك. قال المبرد: قد أغراه الله بهم ~~في قوله بعد هذه الآية (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) فهذا فيه ~~معنى الأمر بقتلهم وأخذهم: أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق ~~والإرجاف. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وأقول ليس هذا بحسن ~~ولا أحسن، فإن قوله ملعونين الخ، إنما هو لمجرد الدعاء عليهم لا أنه أمر ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتالهم ولا تسليط لهم عليهم، وقد قيل ~~إنهم انتهوا بعد نزول هذه الآية عن الإرجاف فلم يغره الله بهم، وجملة ~~(لنغرينك بهم) جواب القسم، وجملة (ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا) معطوفة ~~على جملة جواب القسم: أي لا يجاورونك فيها إلا جوارا قليلا حتى يهلكوا، ~~وانتصاب (ملعونين) على الحال كما قال المبرد وغيره، والمعنى مطرودين ~~(أينما) وجودوا وأدركوا (أخذوا وقتلوا) دعاء عليهم بأن يؤخذوا ويقتلوا ~~(تقتيلا) وقيل إن هذا هو الحكم فيهم وليس بدعاء عليهم، والأول أولى. وقيل ~~معنى الآية: أنهن إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم ~~مطرودون (سنة الله في الذين خلوا من قبل) أي سن الله ذلك في الأمم الماضية، ~~وهو لعن المنافقين وأخذهم PageV04P305 # وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين، وهو منتصب على المصدر. قال الزجاج: بين ~~الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا (ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا) أي تحويلا وتغييرا، بل هي ثابتة دائمة في أمثال ~~هؤلاء في الخلف والسلف ms3157 (يسألك الناس عن الساعة) أي عن وقت قيامها وحصولها، ~~قيل السائلون عن الساعة هم أولئك المنافقون والمرجفون لما توعدوا بالعذاب ~~سألوا عن الساعة استبعادا وتكذيبا (وما يدريك) يا محمد: # أي ما يعلمك ويخبرك (لعل الساعة تكون قريبا) أي في زمان قريب، وانتصاب ~~قريبا على الظرفية، والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم أو الوقت مع كون ~~تأنيث الساعة ليس بحقيقي، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها، وهو رسول الله، فكيف بغيره ~~من الناس؟ وفي هذا تهديد لهم عظيم (إن الله لعن الكافرين) أي طردهم وأبعدهم ~~من رحمته (وأعد لهم) في الآخرة مع ذلك اللعن منه لهن في الدنيا (سعيرا) أي ~~نارا شديدة التسعر (خالدين فيها أبدا) بلا انقطاع (لا يجدون وليا) يواليهم ~~ويحفظهم من عذابها (ولا نصيرا) ينصرهم ويخلصهم منها، ويوم في قوله (يوم ~~تقلب وجوهم في النار) ظرف لقوله لا يجدون، وقيل لخالدين، وقيل لنصيرا، وقيل ~~لفعل مقدر، وهو أذكر. قرأ الجمهور " تقلب " بضم التاء وفتح اللام على ~~البناء للمفعول. وقرأ عيسى الهمذاني وابن أبي إسحاق " نقلب " بالنون وكسر ~~اللام على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. وقرأ عيسى أيضا بضم التاء وكسر ~~اللام على معنى تقلب السعير وجوههم. وقرأ أبو حيوة وأبو جعفر وشيبة بفتح ~~التاء واللام على معنى تتقلب، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية: هو ~~تقلبها تارة على جهة منها، وتارة على جهة أخرى ظهرا لبطن، أو تغير ألوانهم ~~بلفح النار فتسود تارة وتخضر أخرى، أو تبديل جلودهم بجلود أخرى، فحينئذ ~~(يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) والجملة مستأنفة كأنه قيل فما ~~حالهم؟ فقيل يقولون، ويجوز أن يكون المعنى يقولون يوم تقلب وجوهم في النار ~~يا ليتنا الخ. تمنوا أنهم أطاعوا الله والرسول وآمنوا بما جاء به لينجوا ~~مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون. وهذه الألف في الرسولا، والألف ~~التي ستأتي في " السبيلا " هي الألف التي تقع في الفواصل ويسميها النحاة ~~ألف الإطلاق، وقد ms3158 سبق بيان هذا في أول هذه السورة (وقالوا ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا) هذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى، والمراد بالسادة ~~والكبراء هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون ~~بهم، وفي هذا زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على ~~هذا والتحذير منه والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله ويقتدى به ~~وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام، في سوء الفهم ومزيد البلادة وشدة ~~التعصب. وقرأ الحسن وابن عامر " ساداتنا " بكسر التاء جمع سادة فهو جمع ~~الجمع. وقال مقاتل: هم المطعمون في غزوة بدر، والأول أولى، ولا وجه للتخصيص ~~بطائفة معينة (فأضلونا السبيلا) أي عن السبيل بما زينوا لنا من الكفر بالله ~~ورسوله، والسبيل هو التوحيد، ثم دعوا عليهم في ذلك الموقف فقالوا (ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب) أي مثل عذابنا مرتين. وقال قتادة: عذاب الدنيا ~~والآخرة، وقيل عذاب الكفر وعذاب الإضلال (والعنهم لعنا كبيرا) قرأ الجمهور ~~" كثيرا " بالمثلثة: أي لعنا كثير العدد عظيم القدر شديد الموقع، واختار ~~هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس، وقرأ ابن مسعود وأصحابه ويحيى بن ~~وثاب وعاصم بالباء الموحدة: أي كبيرا في نفسه شديدا عليهم ثقيل الموقع. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قال: خرجت سودة بعد ما ضرب ~~الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال: ~~يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين؟ # قال: فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي وإنه ~~ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت وقالت: PageV04P306 # يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، فأوحى إليه ثم ~~رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~أبي مالك قال: كان نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرجن بالليل ~~لحاجتهن، وكان ناس ms3159 من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين، فقيل ذلك للمنافقين، ~~فقالوا: إنما نفعله بالإماء، فنزلت هذه (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية. ~~وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رجل من المنافقين يتعرض ~~النساء المؤمنين يؤذيهن، فإذا قيل له قال كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن ~~يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها ~~(ذلك أدنى أن يعرفن) يقول: ذلك أحرى أن يعرفن. وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمر الله نساء المؤمنات ~~إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ~~ويبدين عينا واحدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية (يدنين ~~عليهن من جلابيبهن) خرج نساء الأنصار كأن رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن ~~أكسية سود يلبسنها، هكذا في الزوائد بلفظ من السكينة، وليس لها معنى، فإن ~~المراد تشبيه الأكسية السود بالغربان، لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما ~~يقال: كأن على رؤوسهم الطير. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: رحم الله ~~نساء الأنصار لما نزلت (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية شقن مروطهن، ~~فاعتجرن بها وصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنما على رؤوسهن ~~الغربان. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: كانت الحرة ~~تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، ~~وإدناء الجلباب أن تقنع وتشده على جبينها. # وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب في قوله (لئن لم ينته المنافقون) يعني ~~المنافقين بأعيانهم (والذين في قلوبهم مرض) شك: يعني المنافقين أيضا. وأخرج ~~ابن سعد أيضا عن عبيد بن جبير قال (الذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة) هم المنافقون جميعا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (لنغرينك بهم) قال: لنسلطنك عليهم. # قوله (لا تكونوا كالذين ms3160 آذوا موسى) هو قولهم: إن به أدرة أو برصا أو ~~عيبا، وسيأتي بيان ذلك آخر البحث. وفيه تأديب للمؤمنين وزجر لهم عن أن ~~يدخلوا في شئ من الأمور التي تؤذي رسول الله قال مقاتل: PageV04P307 # وعظ الله المؤمنين أن لا يؤذوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كما آذى ~~بنو إسرائيل موسى. وقد وقع الخلاف فيما أوذي به نبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم حتى نزلت هذه الآية، فحكى النقاش أن أذيتهم محمدا قولهم زيد بن ~~محمد. وقال أبو وائل: إنه صلى الله عليه وآله وسلم قسم قسما، فقال رجل من ~~الأنصار: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وقيل نزلت في قصة زيد بن ثابت ~~وزينب بنت جحش وما سمع فيها من قالة الناس، ومعنى (وكان عند الله وجيها) ~~وكان عند الله عظيما ذا وجاهة، والوجيه عند الله العظيم القدر الرفيع ~~المنزلة، وقيل في تفسير الوجاهة إنه كلمه تكليما. قرأ الجمهور " وكان عند ~~الله " بالنون على الظرفية المجازية، وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة عبد ~~الله بالباء الموحدة من العبودية، وما في قوله (فبرأه الله مما قالوا) هي ~~الموصولة أو المصدرية: أي من الذي قالوه، أو من قولهم (يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله) أي في كل أمر من الأمور (وقولوا قولا سديدا) أي قولا صوابا ~~وحقا. قال قتادة ومقاتل: يعني قولوا قولا سديدا في شأن زيد وزينب، ولا ~~تنسبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مالا يحل. وقال عكرمة: إن القول ~~السديد لا إله إلا الله. وقيل هو الذي يوافق ظاهره باطنه، وقيل هو ما أريد ~~به وجه الله دون غيره، وقيل هو الإصلاح بين الناس. والسديد مأخوذ من تسديد ~~السهم ليصاب به الغرض، والظاهر من الآية أنه أمرهم بأن يقولوا قولا سديدا ~~في جميع ما يأتونه ويذرونه فلا يخص ذلك نوعا دون نوع، وإن لم يكن في اللفظ ~~ما يقتضي العموم فالمقام يفيد هذا المعنى، لأنه أرشد سبحانه عباده إلى أن ~~يقولوا قولا يخالف قول ms3161 أهل الأذى. ثم ذكر ما لهؤلاء الذين امتثلوا الأمر ~~بالتقوى والقول السديد من الأجر فقال (يصلح لكم أعمالكم) أي يجعلها صالحة ~~لا فاسدة بما يهديهم إليه ويوفقهم فيه (ويغفر لكم ذنوبكم) أي يجعلها مكفرة ~~مغفورة (ومن يطع الله ورسوله) في فعل ما هو طاعة واجتناب ما هو معصية (فقد ~~فاز فوزا عظيما) أي ظفر بالخير ظفرا عظيما، ونال خير الدنيا والآخرة، وهذه ~~الجملة مستأنفة مقررة لما سبقها. ثم لما فرغ سبحانه من بيان ما لأهل الطاعة ~~من الخير بعد بيان ما لأهل المعصية من العذاب بين عظم شأن التكاليف الشرعية ~~وصعوبة أمرها فقال (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين ~~أن يحملنها منها). # واختلف في تفسير هذه الأمانة المذكورة هنا، فقال الواحدي: معنى الأمانة ~~ههنا في قول جميع المفسرين الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب ~~وبتضييعها العقاب. قال القرطبي: والأمانة تعم جميع وصائف الدين على الصحيح ~~من الأقوال، وهو قول الجمهور. # وقد اختلف في تفاصيل بعضها، فقال ابن مسعود: هي في أمانة الأموال ~~كالودائع وغيرها، وروي عنه أنها في كل الفرائض، وأشدها أمانة المال. وقال ~~أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء: غسل ~~الجنابة أمانة، وإن الله لم يأمن ابن آدم على شئ من دينه غيرها. وقال ابن ~~عمر: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة استودعكها فلا ~~تلبسها إلا بحق، فإن حفظتها حفظتك. فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة ~~واللسان أمانة والبطن أمانة واليد أمانة والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا ~~أمانة له. # وقال السدي: هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده هابيل وخيانته إياه في ~~قتله. وما أبعد هذا القول، وليت شعري ما هو الذي سوغ للسدي تفسير هذه الآية ~~بهذا، فإن كان ذلك لدليل دله على ذلك فلا دليل، وليست هذه الآية حكاية عن ~~الماضين من العباد حتى يكون له في ذلك متمسك أبعد من كل بعيد وأوهن من بيوت ~~العنكبوت، وإن كان تفسير هذا عملا بما ms3162 تقتضيه اللغة العربية، فليس في لغة ~~العرب ما يقتضي هذا ويوجب حمل هذه الأمانة PageV04P308 # المطلقة على شئ كان في أول هذا العالم، وإن كان هذا تفسيرا منه بمحض ~~الرأي، فليس الكتاب العزيز عرضة لتلاعب آراء الرجال به، ولهذا ورد الوعيد ~~على من فسر القرآن برأيه، فاحذر أيها الطالب للحق عن قبول مثل هذه التفاسير ~~واشدد يديك في تفسير كتاب الله ما تقتضيه اللغة العربية، فهو قرآن عربي كما ~~وصفه الله، فإن جاءك التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ~~تلتفت إلى غيره، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وكذلك ما جاء عن الصحابة ~~رضي الله عنهم فإنهم من جملة العرب ومن أهل اللغة وممن جمع إلى اللغة ~~العربية العلم بالاصطلاحات الشرعية، ولكن إذا كان معنى اللفظ أوسع مما ~~فسروه به في لغة العرب فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما تقتضيه لغة ~~العرب وأسرارها، فخذ هذه كلية تنتفع بها، وقد ذكرنا في خطبة هذا التفسير ما ~~يرشدك ما إلى هذا. # قال الحسن: إن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال فقالت: وما ~~فيها؟ فقال لها: إن أحسنت آجرتك وإن أسأت عذبتك، فقالت لا. قال مجاهد: فلما ~~خلق الله آدم عرضها عليه، وقيل له ذلك فقال: قد تحملتها. # وروى نحو هذا عن غير الحسن ومجاهد. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه ~~أهل التفسير. وقيل هذه الأمانة هي ما أودعه الله في السماوات والأرض ~~والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها، إلا ~~الإنسان فإنه كتمها وجحدها. كذا قال بعض المتكلمين مفسرا للقرآن برأيه ~~الزائف، فيكون على هذا معنى عرضنا أظهرنا. قال جماعة من العلماء: ومن ~~المعلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلابد من تقدير الحياة فيها، وهذا ~~العرض في الآية هو عرض تخيير لا عرض إلزام. وقال القفال وغيره: العرض في ~~هذه الآية ضرب مثل: أي إن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت ~~بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما ms3163 فيها من الثواب والعقاب: أي ~~أن التكليف أمر عظيم حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد كلفه ~~الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل، وهذا كقوله - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~- وقيل إن عرضنا بمعنى عارضنا: # أي عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن ~~الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها. # وقيل إن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه ~~السلام، وأن الله أمره أن يعرض ذلك عليها، وهذا أيضا تحريف لا تفسير، ومعنى ~~(وحملها الإنسان) أي التزم بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول لما يلزمه، ~~أو جهول لقدر ما دخل فيه كما قال سعيد بن جبير، أو جهول بربه كما قال ~~الحسن. وقال الزجاج: # معنى حملها خان فيها، وجعل الآية في الكفار والفساق والعصاة، وقيل معنى ~~حملها: كلفها وألزمها، أو صار مستعدا لها بالفطرة، أو حملها عند عرضها عليه ~~في عالم الذر عند خروج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم، واللام في ~~(ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) متعلق بحملها أي ~~حملها الإنسان ليعذب الله العاصي ويثيب المطيع، وعلى هذا فجملة (إنه كان ~~ظلوما جهولا) معترضة بين الجملة وغايتها للإيذان بعدم وفائه بما تحمله. قال ~~مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حبان: ليعذبهم بما خانوا من الأمانة وكذبوا من ~~الرسل ونقضوا من الميثاق الذي أقروا به حين أخرجوا من ظهر آدم. وقال الحسن ~~وقتادة: هؤلاء المعذبون هم الذين خانوها، وهؤلاء الذين يتوب الله عليهم هم ~~الذين أدوها. وقال ابن قتيبة: أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك ~~فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه: أي يعود عليه بالمغفرة ~~والرحمة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات، ولذلك ذكر بلفظ التوبة، فدل على ~~أن المؤمن العاصي خارج من العذاب (وكان الله غفورا رحيما) أي كثير المغفرة ~~والرحمة للمؤمنين من عباده إذا قصروا في شئ مما يجب عليهم. وقد قيل إن ~~المراد بالأمانة العقل، PageV04P309 # والراجح ما قدمنا عن الجمهور، وما عداه فلا يخلو ms3164 عن ضعف لعدم وروده على ~~المعنى العربي ولا انطباقه على ما يقتضيه الشرع ولا موافقته لما يقتضيه ~~تعريف الأمانة. # وقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ استحياء ~~منه، فأذاه من أذاه من بني إسرائيل، فقالوا ما تستر هذا الستر إلا من عيب ~~بجلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله عز وجل أراد أن يبرئ موسى ~~مما قالوا، فخلا يوما وحده فخلع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل ~~على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر فجعل ~~يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا ~~أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق ~~بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو ~~خمسا ". وأخرج نحوه البزار وابن الأنباري وابن مردويه من حديث أنس. وأخرج ~~ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله (لا تكونوا كالذين آذوا موسى) قال: قال له قومه إنه ~~آدر، فخرج ذات يوم ليغتسل فوضع ثيابه على حجر فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، ~~فخرج موسى يتبعها عريانا حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل فرأوه وليس ~~بآدر فذلك قوله (فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها). وأخرج الحاكم ~~وصححه من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من ~~الصحابة: أن الله أوحى إلى موسى إني متوف هارون فأت به جبل كذا وكذا، ~~فانطلقا نحو الجبل فإذا هم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب، فلما ~~نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال: يا موسى إني أحب أن ~~أنام على هذا السرير، قال نم عليه، قال نم معي، فلما ناما أخذ هارون الموت، ms3165 ~~فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت الشجرة ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع ~~موسى إلى بني إسرائيل قالوا قتل هارون وحسده حب بني إسرائيل له، وكان هارون ~~أألف بهم وألين، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال: ويحكم ~~إنه كان أخي أفتروني من أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا ~~الله، فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ذات يوم قسما، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فذكر ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فاحمر وجهه ثم قال: رحمة الله على موسى لقد ~~أوذي أكثر من هذا فصبر. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ~~أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة ~~الظهر ثم قال: على مكانكم أثبتوا، ثم أتى الرجال فقال: إن الله أمرني أن ~~آمركم أن تتقوا الله وأن تقولوا قولا سديدا، ثم أتى النساء فقال: إن الله ~~أمرني أن آمركن أن تتقين الله وأن تقلن قولا سديدا. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس في قوله ~~(إنا عرضنا الأمانة) الآية قال الأمانة الفرائض عرضها الله على السماوات ~~والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من ~~غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم ~~فقبلها بما فيها، وهو قوله (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) يعني غرا ~~بأمر الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والحاكم وصححه عنه في ~~الآية قال: عرضت على آدم، فقيل خذها بما فيها فإن أطعت غفرت لك وإن عصيت ~~عذبتك، قال: قبلتها بما فيها، فما كان إلا ما بين العصر إلى ms3166 الليل من ذلك ~~اليوم حتى أصاب الذنب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه أيضا من طريق أخرى ~~نحوه. PageV04P310 # تفسير سورة سبأ هي أربع وخمسون آية وهي مكية. قال القرطبي في قول الجميع ~~إلا آية واحدة اختلف فيها، وهي قوله (ويرى الذين أوتوا العلم) فقالت فرقة ~~هي مكية، وقالت فرقة هي مدنية، وسيأتي الخلاف في معنى هذه الآية إن شاء ~~الله وفيمن نزلت. # وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ~~قال: نزلت سورة سبأ بمكة. # قوله (الحمد لله) تعريف الحمد مع لام الاختصاص مشعران باختصاص جميع أفراد ~~الحمد بالله سبحانه على ما تقدم تحقيقه في فاتحة الكتاب، والموصول في محل ~~جر على النعت، أو البدل، أو النصب على الاختصاص، أو الرفع على تقدير مبتدأ، ~~ومعنى (له ما في السماوات وما في الأرض) أن جميع ما هو فيها في ملكه وتحت ~~تصرفه PageV04P311 # يفعل به ما يشاء ويحكم فيه بما يريد، وكل نعمة واصلة إلى العبد فهي مما ~~خلقه له ومن به عليه، فحمده على ما في السماوات والأرض هو حمد له على النعم ~~التي أنعم بها على خلقه مما خلقه لهم. ولما بين أن الحمد الدنيوي من عباده ~~الحامدين له مختص به بين أن الحمد الأخروي مختص به كذلك فقال (وله الحمد في ~~الآخرة) وقوله " له " متعلق بنفس الحمد، أو بما تعلق به خبر الحمد أعني في ~~الآخرة، فإنه متعلق بمتعلق عام هو الاستقرار أو نحوه، والمعنى: # أن له سبحانه على الاختصاص حمد عباده الذين يحمدونه في الدار الآخرة إذا ~~دخلوا الجنة كما في قوله - وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده - وقوله - ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا - وقوله الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن - وقوله ~~- الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله - وقوله - وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين - فهو سبحانه المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في ~~الدنيا وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للدنيا (وهو الحكيم) الذي أحكم ~~أمر الدارين (الخبير) بأمر ms3167 خلقه فيهما، قيل والفرق بين الحمدين أن الحمد في ~~الدنيا عبادة، وفي الآخرة تلذذ وابتهاج، لأنه قد انقطع التكليف فيها. ثم ~~ذكر سبحانه بعض ما يحيط به علمه من أمور السماوات والأرض فقال (يعلم ما يلج ~~في الأرض) أي ما يدخل فيها من مطر أو كنز أو دفين (وما يخرج منها) من زرع ~~ونبات وحيوان (وما ينزل من السماء) من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق ~~والبركات، ومن ذلك ما ينزل منها من ملائكته وكتبه إلى أنبيائه (وما يعرج ~~فيها) من الملائكة وأعمال العباد. قرأ الجمهور " ينزل " بفتح الياء وتخفيف ~~الزاي مسندا إلى " ما " وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي بضم الياء وتشديد ~~الزاي مسندا إلى الله سبحانه (وهو الرحيم) بعباده (الغفور) لذنوبهم (وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة) المراد بهؤلاء القائلين جنس الكفرة على ~~الإطلاق، أو كفار مكة على الخصوص ومعنى لا تأتينا الساعة: أنها لا تأتي ~~بحال من الأحوال، إنكارا منهم لوجودها لا لمجرد إتيانها في حال تكلمهم أو ~~في حال حياتهم مع تحقق وجودها فيما بعد، فرد الله عليهم وأمر رسوله أن يقول ~~لهم (قل بلى وربي لتأتينكم) وهذا القسم لتأكيد الإتيان، قرأ الجمهور " ~~لتأتينكم " بالفوقية: أي الساعة، وقرأ طلق المعلم بالتحتية على تأويل ~~الساعة باليوم أو الوقت. قال طلق: سمعت أشياخنا يقرءون بالياء: يعني ~~التحتية على المعنى، كأنه قال ليأتينكم البعث أو أمره كما قال - هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك - قرأ نافع وابن عامر (عالم الغيب) ~~بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره لا يعزب، أو على تقدير مبتدأ، وقرأ عاصم وابن ~~كثير وأبو عمرو بالجر على أنه نعت لربي، وقرأ حمزة والكسائي علام بالجر مع ~~صيغة المبالغة، ومعنى (لا يعزب) لا يغيب عنه ولا يستتر عليه ولا يبعد (عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك) المثقال (ولا أكبر) ~~منه (إلا في كتاب مبين) وهو اللوح المحفوظ. والمعنى: إلا وهو مثبت في اللوح ~~المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله سبحانه ms3168 فهو مؤكد لنفي العزوب. قرأ ~~الجمهور " يعزب " بضم الزاي، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها. قال الفراء: والكسر ~~أحب إلي، وهما لغتان، يقال عزب يعزب بالضم، ويعزب بالكسر إذا بعد وغاب. ~~وقرأ الجمهور " ولا أصغر ولا أكبر " بالرفع على الابتداء، والخبر إلا في ~~كتاب، أو على العطف على مثقال، وقرأ قتادة والأعمش بنصبهما عطفا على ذرة، ~~أو على أن لا هي لا التبرئة التي يبني اسمها على الفتح، واللام في (ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات) للتعليل لقوله " لتأتينكم " أي إتيان الساعة ~~فائدته جزاء المؤمنين بالثواب والكافرين بالعقاب، والإشارة بقوله (أولئك) ~~إلى الموصول: أي أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات (لهم مغفرة) لذنوبهم ~~(ورزق كريم) وهو الجنة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح مع التفضل عليهم من الله ~~سبحانه. ثم ذكر فريق الكافرين الذين يعاقبون عند إتيان الساعة فقال (والذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين) أي سعوا في إبطال آياتنا المنزلة على الرسل، ~~وقدحوا فيها PageV04P312 # وصدوا الناس عنها، ومعنى " معاجزين " مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا ولا ~~يدركون، وذلك باعتقادهم أنهم لا يبعثون، يقال عاجزه وأعجزه: إذا غالبه ~~وسبقه. قرأ الجمهور " معاجزين " وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد ~~وأبو عمرو " معجزين " أي مثبطين للناس عن الإيمان بالآيات (أولئك) أي الذين ~~سعوا (لهم عذاب من رجز) الرجز هو العذاب، فمن للبيان، وقيل الرجز هو أسوأ ~~العذاب وأشده، والأول أولى، ومن ذلك قوله - فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا ~~من السماء - قرأ الجمهور (أليم) بالجر صفة لرجز، وقرأ ابن كثير وحفص عن ~~عاصم بالرفع صفة لعذاب، والأليم الشديد الألم (ويرى الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك هو الحق) لما ذكر الذين سعوا في إبطال آيات الله ذكر ~~الذين يؤمنون بها، ومعنى (ويرى الذين أوتوا العلم) أي يعلمون وهم الصحابة. ~~وقال مقاتل: هم مؤمنو أهل الكتاب، وقيل جميع المسلمين، والموصول هو المفعول ~~الأول ليرى، والمفعول الثاني الحق، والضمير هو ضمير الفصل. وبالنصب قرأ ~~الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر الضمير، والجملة في محل نصب ~~على أنها ms3169 المفعول الثاني، وهي لغة تميم، فإنهم يرفعون ما بعد ضمير الفصل، ~~وزعم الفراء أن الاختيار الرفع، وخالفه غيره وقالوا النصب أكثر. قيل وقوله ~~" يرى " معطوف على ليجزي، وبه قال الزجاج والفراء، واعترض عليهما بأن قوله ~~" ليجزي " متعلق بقوله " لتأتينكم " ولا يقال لتأتينكم الساعة ليرى الذين ~~أوتوا العلم أن القرآن حق، والأولى أنه كلام مستأنف لدفع ما يقوله الذين ~~سعوا في الآيات: أي إن ذلك السعي منهم يدل على جهلهم لأنهم مخالفون لما ~~يعلمه أهل العلم في شأن القرآن (ويهدي إلى صراط مستقيم) معطوف على الحق عطف ~~فعل على اسم، لأنه في تأويله كما في قوله - صافات ويقبضن - أي وقابضات كأنه ~~قيل وهاديا، وقيل إنه مستأنف وفاعله ضمير يرجع إلى فاعل أنزل، وهو القرآن، ~~والصراط الطريق: أي ويهدي إلى طريق (العزيز) في ملكه (الحميد) عند خلقه، ~~والمراد أنه يهدي إلى دين الله وهو التوحيد. ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من ~~كلام منكري البعث فقال (وقال الذين كفروا) أي قال بعض لبعض (هل ندلكم على ~~رجل)، يعنون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أي هل نرشدكم إلى رجل (ينبئكم) ~~أي يخبركم بأمر عجيب ونبأ غريب هو أنكم (إذا مزقتم كل ممزق) أي فرقتم كل ~~تفريق وقطعتم كل تقطيع وصرتم بعد موتكم رفاتا وترابا (إنك لفي خلق جديد) أي ~~تخلقون خلقا جديدا وتبعثون من قبوركم أحياء وتعودون إلى الصور التي كنتم ~~عليها، قال هذا القول بعضهم لبعض استهزاء بما وعدهم الله على لسان رسوله من ~~البعث، وأخرجوا الكلام مخرج التلهي به والتضاحك مما يقوله من ذلك، " وإذا " ~~في موضع نصب بقوله " مزقتم ". قال النحاس: ولا يجوز أن يكون العامل فيها ~~ينبئكم لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت، ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد إن ~~لأنه لا يعمل فيما قبلها. وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفا، ~~والتقدير: إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو نبئتم بأنكم تبعثون إذا مزقتم، وقال ~~المهدوي: لا يجوز أن يعمل فيه مزقتم لأنه مضاف إليه والمضاف إليه لا ms3170 يعمل ~~في المضاف. وأصل المزق خرق الأشياء، يقال ثوب مزيق وممزق ومتمزق وممزوق. ثم ~~حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم رددوا ما وعدهم به رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من البعث بين أمرين فقالوا (أفترى على الله كذبا أم به جنة) ~~أي أهو كاذب فيما قاله أم به جنون بحيث لا يعقل ما يقوله، والهمزة في أفترى ~~هي همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل كما تقدم في قوله - أطلع الغيب ~~- ثم رد عليهم سبحانه ما قالوه في رسوله فقال (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~في العذاب والضلال البعيد) أي ليس الأمر كما زعموا، بل هم الذين ضلوا عن ~~الفهم وإدراك الحقائق، فكفروا بالآخرة ولم يؤمنوا بما جاءهم به، فصاروا ~~بسبب ذلك في العذاب الدائم في الآخرة وهم اليوم في الضلال البعيد عن الحق ~~غاية البعد. PageV04P313 # ثم وبخهم سبحانه بما اجترء عليه من التكذيب مبينا لهم أن ذلك لم يصدر ~~منهم إلا لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض، وأن من قدر على هذا ~~الخلق العظيم لا يعجزه أن يبعث من مخلوقاته ما هو دون ذلك ويعيده إلى ما ~~كان عليه من الذات والصفات، ومعنى (إلى ما بين أيديهم وما خلفهم) أنهم إذا ~~نظروا رأوا السماء خلفهم وقدامهم، وكذلك إذا نظروا في الأرض رأوها خلفهم ~~وقدامهم، فالسماء والأرض محيطتان بهم فهو القادر على أن ينزل بهم ما شاء من ~~العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسوله وإنكارهم للبعث، فهذه الآية اشتملت على ~~أمرين: أحدهما أن هذا الخلق الذي خلقه الله من السماء والأرض يدل على كمال ~~القدرة على ما هو دونه من البعث كما في قوله - أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم -. والأمر الآخر: التهديد لهم بأن من خلق ~~السماء والأرض على هذه الهيئة التي قد أحاطت بجميع المخلوقات فيهما قادر ~~على تعجيل العذاب لهم (إن نشأ نخسف بهم الأرض) كما خسف بقارون (أو نسقط ~~عليهم كسفا) أي قطعا (من السماء) كما أسقطها على أصحاب الأيكة فكيف ms3171 يأمنون ~~ذلك. قرأ الجمهور " إن نشأ " بنون العظمة، وكذا نخسف ونسقط. وقرأ حمزة ~~والكسائي بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة، أي أن يشأ الله. وقرأ الكسائي ~~وحده بإدغام الفاء في الباء في " نخسف بهم ". قال أبو علي الفارسي: وذلك ~~غير جائز لأن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا بخلاف ~~الباء، وقرأ الجمهور " كسفا " بسكون السين. وقرأ حفص والسلمي بفتحها (إن في ~~ذلك) المذكور من خلق السماء والأرض (لآية) واضحة ودلالة بينة (لكل عبد ~~منيب) أي راجع إلى ربه بالتوبة والإخلاص وخص المنيب لأنه المنتفع بالتفكر. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله (يعلم ما يلج في الأرض) قال: من ~~المطر (وما يخرج منها) قال: من النبات (وما ينزل من السماء) قال: من ~~الملائكة (وما يعرج فيها) قال: الملائكة، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (من رجز أليم) قال: الرجز هو العذاب ~~الأليم الموجع، وفي قوله (ويرى الذين أوتوا العلم) قال: أصحاب محمد. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: يعني المؤمنين من أهل الكتاب. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في ~~قوله (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل) قال: قال ذلك مشركو قريش (إذا ~~مزقتم كل ممزق) يقول: إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتا وعظاما وتقطعكم السباع ~~والطير (إنكم لفي خلق جديد) إنكم ستحيون وتبعثون، قالوا ذلك تكذيبا به ~~(أفترى على الله كذبا أم به جنة) قال: قالوا إما أن يكون يكذب على الله ~~وإما أن يكون مجنونا (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض) قالوا: إنك إن نظرت عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك رأيت ~~السماء والأرض (إن نشأ نخسف بهم الأرض) كما خسفنا بمن كان قبلهم (أو نسقط ~~عليهم كسفا من السماء) أي قطعا من السماء إن يشأ أن يعذب بسمائه فعل وإن ~~يشأ أن يعذب بأرضه فعل ms3172 وكل خلقه له جند (إن في ذلك لآية لكل عبد منيب) قال: ~~نائب مقبل إلى الله. PageV04P314 # ثم ذكر سبحانه من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في داود - ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب - وقال في سليمان - وألقينا على كرسيه جسدا ثم ~~أناب - فقال (ولقد آتينا داود منا فضلا) أي آتيناه بسبب إنابته فضلا منا ~~على سائر الأنبياء. واختلف في هذا الفضل على أقوال: فقيل النبوة، وقيل ~~الزبور، وقيل العلم، وقيل القوة كما في قوله - واذكر عبدنا داود ذا الأيد - ~~وقيل تسخير الجبال كما في قوله (يا جبال أوبي معه) وقيل التوبة وقيل الحكم ~~بالعدل كما في قوله - يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق - وقيل هو إلانة الحديد كما في قوله (وألنا له الحديد) وقيل حسن ~~الصوت، والأولى أن يقال: إن هذا الفضل المذكور هو ما ذكره الله بعده من ~~قوله (يا جبال) إلى آخر الآية، وجملة (يا جبال أوبي معه) مقدرة بالقول: أي ~~قلنا يا جبال: # والتأويب: التسبيح كما في قوله - إنا سخرنا الجبال معه يسبحن -. قال أبو ~~ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة. # وكان إذا سبح داود سبحت معه، ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يجعلها قادرة ~~على ذلك، أو يخلق فيها التسبيح معجزة لداود، وقيل معنى أوبي: سيرى معه، من ~~التأويب الذي هو سير النهار أجمع، ومنه قول ابن مقبل: # لحقنا بحي أو بوا السير بعد ما * دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح قرأ ~~الجمهور " أوبي " بفتح الهمزة وتشديد الواو على صيغة الأمر، من التأويب: ~~وهو الترجيع أو التسبيح أو السير أو النوح. وقرأ ابن عباس والحسن قتادة ~~وابن أبي إسحاق " أوبي " بضم الهمزة أمرا من آب يئوب إذا رجع: # أي ارجعي معه. قرأ الجمهور (والطير) بالنصب عطفا على " فضلا " على معنى: ~~وسخرنا له الطير، لأن إيتاءه إياها تسخيرها له، أو عطفا على محل " يا جبال ~~" لأنه منصوب تقديرا، إذ المعنى: نادينا الجبال والطير. وقال سيبويه وأبو ~~عمرو بن العلاء: انتصابه بفعل مضمر على معنى ms3173 وسخرنا له الطير. وقال الزجاج ~~والنحاس: يجوز أن يكون مفعولا معه كما تقول: استوى الماء والخشبة. وقال ~~الكسائي إنه معطوف على فضلا لكن على تقدير مضاف محذوف أي آتيناه فضلا ~~وتسبيح الطير. وقرأ السلمي والأعرج ويعقوب وأبو نوفل وابن أبي إسحاق ونصر ~~بن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك بالرفع عطفا على لفظ الجبال، أو على ~~المضمر في أوبي لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه (وألنا له الحديد) ~~معطوف على آتيناه: أي جعلناه لينا ليعمل به ما شاء. قال الحسن: صار الحديد ~~كالشمع يعمله من غير نار. وقال السدي: كان الحديد في يده كالطين المبلول ~~والعجين والشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة، وكذا قال مقاتل، ~~وكان يفرغ من عمل الدرع في بعض يوم (أن اعمل سابغات) في أن هذه وجهان: ~~أحدهما أنها مصدرية على حذف حرف الجر: أي بأن اعمل، والثاني أنها المفسرة ~~لقوله (وألنا) وفيه نظر لأنها لا تكون إلا بعد القول أو ما هو في معناه. ~~وقدر بعضهم فعلا فيه معنى القول فقال التقدير وأمرناه أن اعمل. وقوله ~~(سابغات) صفة لموصوف محذوف: أي دروعا سابغات، والسابغات الكوامل ~~PageV04P315 # الواسعات، يقال سبغ الدرع والثوب وغيرهما: إذا غطى كل ما هو عليه وفضل ~~منه فضلة (وقدر في السرد) السرد نسج الدروع، ويقال السرد والزرد كما يقال ~~السراد والزراد لصانع الدروع، والسرد أيضا الخرز، يقال سرد يسرد: إذا خرز، ~~ومنه سرد الكلام: إذا جاء به متواليا، ومنه حديث عائشة لم يكن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يسرد الحديث كسردكم. قال سيبويه: ومنه سريد: أي جري، ~~ومعنى سرد الدروع إحكامها، وأن يكون نظام حلقها ولاء غير مختلف، ومنه قول ~~لبيد: # سرد الدروع مضاعفا أسراده * لينال طول العيش غير مروم وقول أبي ذؤيب ~~الهذلي: # وعليهما مسرودتان قضاهما * داود إذ صنع السوابغ تبع قال قتادة: كانت ~~الدروع قبل داود ثقالا، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع الخفة والحصانة: ~~أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه فلا تقصد الحصانة ms3174 فيثقل ولا الخفة ~~فيزيل المنعة، وقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة: أي لا ~~تعملها صغيرة فتضعف ولا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فتثقل على ~~لابسها. وقيل إن التقدير هو في المسمار: أي لا تجعل مسمار الدرع دقيقا ~~فيقلق ولا غليظا فيفصم الحلق. ثم خاطب داود وأهله فقال (واعملوا صالحا) أي ~~عملا صالحا كما في قوله - اعملوا آل داود شكرا - ثم علل الأمر بالعمل ~~الصالح بقوله (إني بما تعملون بصير) أي لا يخفى على شئ من ذلك (ولسليمان ~~الريح) قرأ الجمهور " الريح " بالنصب على تقدير: وسخرنا لسليمان الريح كما ~~قال الزجاج، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بالرفع على الابتداء والخبر: ~~أي ولسليمان الريح ثابتة أو مسخرة، وقرأ الجمهور " الريح " وقرأ الحسن وأبو ~~حيوة وخالد ابن إلياس " الرياح " بالجمع (غدوها شهر ورواحها شهر) أي تسير ~~بالغداة مسيرة شهر وتسير بالعشي كذلك، والجملة إما مستأنفة لبيان تسخير ~~الريح، أو في محل نصب على الحال، والمعنى: أنها كانت تسير في اليوم الواحد ~~مسيرة شهرين. قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة شهر ~~للمسرع، ثم يروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر (وأسلنا له عين ~~القطر) القطر: النحاس الذائب. قال الواحدي: # قال المفسرون: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وإنما ~~يعمل الناس اليوم بما أعطى سليمان، والمعنى: أسلنا له عين النحاس كما ألنا ~~الحديد لداود، وقال قتادة: أسال الله له عينا يستعملها فيما يريد (ومن الجن ~~من يعمل بين يديه بإذن ربه) من مبتدأ ويعمل خبره ومن الجن متعلق به أو ~~بمحذوف على أنه حال، أو من يعمل معطوف على الريح ومن الجن حال، والمعنى: ~~وسخرنا له من يعمل بين يديه حال كونه من الجن بإذن ربه: # أي بأمره. والإذن مصدر مضاف إلى فاعله، والجار والمجرور في محل نصب على ~~الحال: أي مسخرا أو ميسرا بأمر ربه (ومن يزغ منهم عن أمرنا) أي ومن يعدل من ~~الجن عن أمرنا ms3175 الذي أمرنا به: وهو طاعة سليمان (نذقه من عذاب السعير) قال ~~أكثر المفسرين: وذلك في الآخرة، وقيل في الدنيا. قال السدي: وكل الله بالجن ~~ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة فتحرقه. ~~ثم ذكر سبحانه ما يعمله الجن لسليمان فقال (يعملون له ما يشاء) و " من " في ~~قوله (من محاريب) للبيان، والمحاريب في اللغة كل موضع مرتفع وهي الأبنية ~~الرفيعة والقصور العالية. قال المبرد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه ~~بدرج، ومنه قيل للذي يصلي فيه محراب لأنه يرفع ويعظم. وقال مجاهد: المحاريب ~~دون القصور. وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار، ومنه قول الشاعر: ~~PageV04P316 # وماذا عليه إن ذكرت أو أنسا * كغزلان رمل في محاريب أقيال وقال الضحاك: ~~المراد بالمحاريب هنا المساجد، والتماثيل جمع تمثال وهو كل شئ مثلته بشئ: ~~أي صورته بصورته من نحاس أو زجاج أو رخام أو غير ذلك. قيل كانت هذه ~~التماثيل صور الأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء، وكانوا يصورونها في ~~المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا. وقيل هي تماثيل أشياء ليست ~~من الحيوان. وقد استدل بهذا على أن التصوير كان مباحا في شرع سليمان، ونسخ ~~ذلك بشرع نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والجفان جمع جفنة وهى القصعة ~~الكبيرة. والجواب جمع جابية وهي حفيرة كالحوض، وقيل هي الحوض الكبير يجبي ~~الماء: أي يجمعه. قال الواحدي: قال المفسرون: يعني قصاعا في العظم كحياض ~~الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. قال النحاس: الأولى ~~إثبات الياء في الجوابي، ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على ~~النكرة فلا تغيرها عن حالها، فلما كان يقال جواب ودخلت الألف واللام أقر ~~على حاله فحذف الياء. قال الكسائي: يقال جبوت الماء وجبيته في الحوض: أي ~~جمعته، والجابية الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل. وقال النحاس: والجابية ~~القدر العظيمة والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشئ: أي يجمع، ومنه ~~جبيت الخراج وجبيت الجراد: جمعته في الكساء (وقدور راسيات) قال ms3176 قتادة: هي ~~قدور النحاس تكون بفارس، وقال الضحاك: هي قدور تنحت من الجبال الصم عملتها ~~له الشياطين، ومعنى راسيات: ثابتات لا تحمل ولا تحرك لعظمها. ثم أمرهم ~~سبحانه بالعمل الصالح على العموم: أي سليمان وأهله، فقال (اعملوا آل داود ~~شكرا) أي وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرا له على ما آتاكم أو ~~اعملوا عملا شكرا على أنه صفة مصدر محذوف، أو اعملوا للشكر على أنه مفعول ~~له أو حال: أي شاكرين أو مفعول به، وسميت الطاعة شكرا لأنها من جملة ~~أنواعه، أو منصوب على المصدرية بفعل مقدر من جنسه: أي اشكر واشكرا. ثم بين ~~بعد أمرهم بالشكر أن الشاكرين له من عباده ليسوا بالكثير فقال (وقليل من ~~عبادي الشكور) أي العامل بطاعتي الشاكر لنعمتي قليل. وارتفاع قليل على أنه ~~خبر مقدم. ومن عبادي صفة له. والشكور مبتدأ (فلما قضينا عليه الموت) أي ~~حكمنا عليه به وألزمناه إياه (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض) يعني ~~الأرضة. وقرئ " الأرض " بفتح الراء: أي الأكل، يقال أرضت الخشبة أرضا: إذا ~~أكلتها الأرضة. ومعنى تأكل منسأته: # تأكل عصاه التي كان متكئا عليها، والمنسأة: العصا بلغة الحبشة، أو هي ~~مأخوذة من نسأت الغنم: أي زجرتها. # قال الزجاج: المنسأة التي ينسأ بها: أي يطرد. قرأ الجمهور " منسأته " ~~بهمزة مفتوحة. وقرأ ابن ذكوان بهمزة ساكنة. وقرأ نافع وأبو عمرو بألف محضة. ~~قال المبرد: بعض العرب يبدل من همزتها ألفا وأنشد: # إذا دببت على المنساة من كبر * فقد تباعد عنك اللهو والغزل ومثل قراءة ~~الجمهور قول الشاعر: # ضربنا بمنسأة وجهه * فصار بذاك مهينا ذليلا ومثله: أمن أجل حبل لا أباك ~~ضربته * بمنسأة قد جر حبلك أحبلا ومما يدل على قراءة ابن ذكوان قول طرفة: # أمون كألواح الأران نسأتها * على لأحب كأنه ظهر برجد (فلما خر) أي سقط ~~(تبينت الجن) أي ظهر لهم، من تبينت الشئ إذا علمته: أي علمت الجن (أن ~~PageV04P317 # لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) أي لو صح ما يزعمونه ms3177 ~~من أنهم يعلمون الغيب لعلموا بموته ولم يلبثوا بعد موته مدة طويلة في ~~العذاب المهين في العمل الذي أمرهم به والطاعة له وهو إذ ذاك ميت. قال ~~مقاتل: # العذاب المهين: الشقاء والنصب في العمل. قال الواحدي: قال المفسرون: كانت ~~الناس في زمان سليمان يقولون إن الجن تعلم الغيب، فلما مكث سليمان قائما ~~على عصاه حولا ميتا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة ~~سليمان لا يشعرون بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ميتا فعلموا بموته، وعلم ~~الناس أن الجن لا تعلم الغيب، ويجوز أن يكون تبينت الجن من تبين الشئ، لا ~~من تبينت الشيء: أي ظهر وتجلى، وأن وما في حيزها بدل اشتمال من الجن مع ~~تقدير محذوف: أي ظهر أمر الجن للناس أنهم وكانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين، أو ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب الخ. قرأ الجمهور " ~~تبينت " على البناء للفاعل مسندا إلى الجن. وقرأ ابن عباس ويعقوب " تبينت " ~~على البناء للمفعول، ومعنى القراءتين يعرف مما قدمنا. # وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (أوبي معه) قال: سبحي معه، وروي مثله عن أبي ميسرة ومجاهد ~~وعكرمة وقتادة وابن زيد. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وألنا له ~~الحديد) قال: كالعجين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ~~عنه أيضا في قوله (وقدر في السرد) قال: حلق الحديد. وأخرج عبد الرزاق ~~والحاكم عنه أيضا (وقدر في السرد) قال: لا تدق المسامير وتوسع الحلق فتسلس، ~~ولا تغلظ المسامير وتضيق الحلق فتقصم، واجعله قدرا. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه أيضا في قوله ~~(وأسلنا له عين القطر) قال النحاس. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال: القطر ~~النحاس لم يقدر عليها أحد بعد سليمان، وإنما يعمل الناس بعده فيما كان أعطى ~~سليمان. وأخرج عبد بن حميد عن ms3178 مجاهد قال: القطر الصفر. وأخرج الحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس في قوله (وتماثيل) قال: اتخذ سليمان ~~تماثيل من نحاس فقال: يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة، فنفخ ~~الله فيها الروح فكانت تخدمه، وكان اسفنديار من بقاياهم، فقيل لداود ~~وسليمان (اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور). وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (كالجواب) قال: كالجوبة من الأرض (وقدور ~~راسيات) قال: أثافيها منها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله (وقليل من عبادي الشكور) يقول: قليل من عبادي الموحدين ~~توحيدهم. وأخرج هؤلاء عنه أيضا قال: لبث سليمان على عصاه حولا بعد ما مات، ~~ثم خر على رأس الحول، فأخذت الجن عصى مثل عصاه ودابة مثل دابته فأرسلوها ~~عليها فأكلتها في سنة، وكان ابن عباس يقرأ (فلما خر تبينت الجن) الآية، قال ~~سفيان: وفي قراءة ابن مسعود " وهم يدأبون له حولا ". وأخرج البزار وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " كان سليمان إذا صلى رأى شجرة ~~نابتة بين يديه، فيقول لها ما اسمك؟ فتقول كذا وكذا، فيقول لما أنت؟ # فتقول لكذا وكذا، فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت " وصلى ذات ~~يوم فإذا شجرة نابتة بين يديه فقال لها ما اسمك؟ قالت الخروب؟ قال لأي شئ ~~أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عم عن الجن موتي حتى يعلم ~~الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فهيأ عصا فتوكأ عليها، وقبضه الله وهو متكئ ~~عليها، فمكث حولا ميتا والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فسقطت، فعلموا عند ذلك ~~بموته، فتبينت الإنس (أن) الجن (لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين) وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، فشكرت الجن للأرضة، PageV04P318 # فأينما كانت يأتونها بالماء. وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس موقوفا. ~~وأخرج الديلمي عن زيد بن أرقم مرفوعا يقول الله ms3179 عز وجل: " إني تفضلت على ~~عبادي بثلاث: ألقيت الدابة على الحبة ولولا ذلك لكنزها الملوك كما يكنزون ~~الذهب والفضة، وألقيت النتن على الجسد ولولا ذلك لم يدفن حبيب حبيبه، ~~واستلبت الحزن ولولا ذلك لذهب النسل ". # لما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقبه بحال بعض الجاحدين لها، فقال ~~(لقد كان لسبأ) المراد بسبأ القبيلة التي هي من أولاد سبأ، وهو سبأ بن يشجب ~~بن يعرب بن قحطان بن هود. قرأ الجمهور " لسبأ " بالجر والتنوين على أنه اسم ~~حي: أي الحي الذين هم أولاد سبأ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " لسبأ " ممنوع ~~الصرف بتأويل القبيلة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، ويقوي القراءة الأولى ~~قوله (في مساكنهم) ولو كان على تأويل القبيلة لقال في مساكنها، فمما ورد ~~على القراءة الأولى قول الشاعر: # الواردون وتيم في ذرى سبأ * قد عض أعناقها جلد الجواميس ومما ورد على ~~القراءة الثانية قول الشاعر: # من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون مسيله العرما وقرأ قنبل وأبو ~~حيوة والجحدري " لسبأ " بإسكان الهمزة، وقرئ بقلبها ألفا. وقرأ الجمهور " ~~في مساكنهم " على الجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، ووجه ~~الاختيار أنها كانت لهم منازل كثيرة، ومساكن متعددة. وقرأ حمزة وحفص ~~بالإفراد مع فتح الكاف. وقرأ الكسائي بالإفراد مع كسرها، وبهذه القراءة قرأ ~~يحيى بن وثاب والأعمش، ووجه الإفراد أنه مصدر يشمل القليل والكثير، أو اسم ~~مكان وأريد به معنى الجمع، وهذه PageV04P319 # المساكن التي كانت لهم هي التي يقال لها الآن مأرب، وبينها وبين صنعاء ~~مسيرة ثلاث ليال، ومعنى قوله (آية) أي علامة دالة على كمال قدرة الله وبديع ~~صنعه، ثم بين هذه الآية فقال (جنتان) وارتفاعهما على البدل من آية قاله ~~الفراء، أو على أنهما خبر مبتدأ محذوف قاله الزجاج، أو على أنهما مبتدأ ~~وخبره " عن يمين وشمال " واختار هذا الوجه ابن عطية، وفيه أنه لا يجوز ~~الابتداء بالنكرة من غير مسوغ وقرأ ابن أبي عبلة " جنتين " بالنصب على ~~أنهما خبر ثان واسمها آية، وهاتان الجنتان كانتا ms3180 عن يمين واديهم وشماله قد ~~أحاطتا لو به من جهتيه، وكانت مساكنهم في الوادي، والآية هي الجنتان، كانت ~~المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها المكتل، فيمتلئ من أنواع الفواكه التي تتساقط ~~من غير أن تمسها بيدها. وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت لأهل ~~سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا ~~عقربا ولا حية ولا غير ذلك من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل ~~ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم. قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين، بل أراد من ~~الجهتين يمنة ويسرة في كل جهة بساتين كثيرة (كلوا من رزق ربكم) أي قيل لهم ~~ذلك ولم يكن ثم أمر، ولكن المراد تمكينهم من تلك النعم، وقيل إنها قالت لهم ~~الملائكة، والمراد بالرزق هو ثمار الجنتين، وقيل إنهم خوطبوا بذلك على لسان ~~نبيهم (واشكروا له) على ما رزقكم من هذه النعم واعملوا بطاعته واجتنبوا ~~معاصيه، وجملة (بلدة طيبة ورب غفور) مستأنفة لبيان موجب الشكر. والمعنى: ~~هذه بلدة طيبة لكثرة أشجارها وطيب ثمارها. وقيل معنى كونها طيبة: # أنها غير سبخة، وقيل ليس فيها هوام. وقال مجاهد: هي صنعاء. ومعنى (ورب ~~غفور) أن المنعم عليهم رب غفور لذنوبهم. قال مقاتل: المعنى وربكم إن شكرتم ~~فيما رزقكم رب غفور للذنوب. وقيل إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة ~~للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقرأ ورش بنصب بلدة ورب على المدح، ~~أو على تقدير اسكنوا بلدة واشكروا ربا. ثم ذكر سبحانه ما كان منهم بعد هذه ~~النعمة التي أنعم بها عليهم فقال (فاعرضوا) عن الشكر وكفروا بالله وكذبوا ~~أنبياءهم قال السدي: بعث الله إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم، وكذا ~~قال وهب. ثم لما وقع منهم الإعراض عن شكر النعمة أرسل الله عليهم نقمة سلب ~~بها ما أنعم به عليهم فقال (فأرسلنا عليهم سيل العرم) وذلك أن الماء كان ~~يأتي أرض سبأ من أودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا ~~في ms3181 ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم ~~من الباب الثاني، ثم من الثالث فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسلهم ~~بعث الله جرذا، ففتقت ذلك الردم حتى انتقض فدخل الماء جنتهم فغرقها ودفن ~~السيل بيوتهم، فهذا هو سيل العرم، وهو جمع عرمة: وهي السكر التي تحبس ~~الماء، وكذا قال قتادة وغيره. وقال السدي: العرم اسم للسد. والمعنى: أرسلنا ~~عليهم سيل العرم. وقال عطاء: # العرم اسم الوادي. وقال الزجاج: العرم اسم الجرذ الذي نقب السد عليهم، ~~وهو الذي يقال له الخلد: فنسب السيل إليه لكونه سبب جريانه. قال ابن ~~الأعرابي: العرم من أسماء الفأر. وقال مجاهد وابن أبي نجيح: العرم ماء أحمر ~~أرسله الله في السد فشقه وهدمه. وقيل إن العرم اسم المطر الشديد، وقيل اسم ~~للسيل الشديد، والعرامة في الأصل: # الشدة والشراسة والصعوبة: يقال عرم فلان: إذا تشدد وتصعب. وروي عن ابن ~~الأعرابي أنه قال: العرم السيل الذي لا يطاق. وقال المبرد: العرم كل شئ ~~حاجز بين شيئين (وبدلناهم بجنتيهم جنتين) أي أهلكنا جنتيهم PageV04P320 # اللتين كانتا مشتملتين على تلك الفواكه الطيبة والأنواع الحسنة وأعطيناهم ~~بدلهما جنتين لا خير فيهما ولا فائدة لهم فيما هو نابت فيهما، ولهذا قال ~~(ذواتي أكل خمط) قرأ الجمهور بتنوين " أكل " وعدم إضافته إلى " خمط " وقرأ ~~أبو عمرو بالإضافة. قال الخليل: الخمط الأراك، وكذا قال كثير من المفسرين. ~~وقال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة مرة ذات شوك. وقال الزجاج: كل نبت فيه مرارة ~~لا يمكن أكله. وقال المبرد: كل شئ تغير إلى مالا يشتهي يقال له خمط، ومنه ~~اللبن إذا تغير، وقراءة الجمهور أولى من قراءة أبي عمرو. والخمط نعت لأكل ~~أو بدل منه، لأن الأكل هو الخمط بعينه. وقال الأخفش: الإضافة أحسن في كلام ~~العرب: مثل ثوب خز ودار آجر، والأولى تفسير الخمط بما ذكره الخليل ومن معه. ~~قال الجوهري: الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل، وتسمية البدل جنتين ~~للمشاكلة أو التهكم بهم، والأثل هو الشجر المعروف الشبيه بالطرفاء ms3182 كذا قال ~~الفراء وغيره قال: # إلا أنه أعظم من الطرفاء طولا، الواحدة أثلة، والجمع أثلاث. وقال الحسن: ~~الأثل الخشب. وقال أبو عبيدة: # هو شجر النطار، والأول أولى، ولا ثمر للأثل. والسدر شجر معروف. قال ~~الفراء: هو السمر. قال الأزهري: # السدر من الشجر سدران: بري لا ينتفع به ولا يصلح للغسول، وله ثمر عفص لا ~~يؤكل، وهو الذي يسمى الضال. والثاني سدر ينبت على الماء وثمره النبق، وورقه ~~غسول يشبه شجر العناب. قيل ووصف السدر بالقلة لأن منه نوعا يطيب أكله، وهو ~~النوع الثاني الذي ذكره الأزهري. قال قتادة: بينما شجرهم من خير شجر إذ ~~صيره الله من ثمر الشجر بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها ~~الأراك والطرفاء والسدر. ويحتمل أن يرجع قوله (قليل) إلى جميع ما ذكر من ~~الخمط والأثل والسدر. والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من التبديل، أو إلى ~~مصدر (جزيناهم) والباء في (بما كفروا) للسببية: أي ذلك التبديل، أو ذلك ~~الجزاء بسبب كفرهم للنعمة بإعراضهم عن شكرها (وهل نجازي إلا الكفور) أي وهل ~~نجازي هذا الجزاء بسلب النعمة ونزول النقمة إلا الشديد الكفر المتبالغ فيه. ~~قرأ الجمهور " يجازى " بضم التحتية وفتح الزاي على البناء للمفعول. وقرأ ~~حمزة والكسائي ويعقوب وحفص بالنون وكسر الزاي على البناء للفاعل وهو الله ~~سبحانه، والكفور على القراءة الأولى مرفوع، وعلى القراءة الثانية منصوب، ~~واختار القراءة الثانية أبو عبيد وأبو حاتم قالا: لأن قبله (جزيناهم) وظاهر ~~الآية أنه لا يجازي إلا الكفور مع كون أهل المعاصي يجازون، وقد قال قوم: إن ~~معنى الآية أنه لا يجازي هذا الجزاء، وهو الاصطدام والإهلاك إلا من كفر. ~~وقال مجاهد: إن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل عمل عمله. وقال ~~طاووس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش. وقال الحسن: إن ~~المعنى إنه يجازي الكافر مثلا بمثل ورجح هذا الجواب النحاس (وجعلنا بينهم ~~وبين القرى التي باركنا فيها) هذا معطوف على قوله - لقد كان لسبأ - أي وكان ~~من قصتهم: أنا جعلنا بينهم وبين القرى التي ms3183 باركنا فيها بالماء والشجر، وهي ~~قرى الشام (قرى ظاهرة) أي متواصلة، وكان متجرهم من أرضهم التي هي مأرب إلى ~~الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون ~~إلى زاد يحملونه من أرضهم إلى الشام، فهذا من جملة الحكاية لما أنعم الله ~~به عليهم. # قال الحسن: إن هذه القرى هي بين اليمن والشام، قيل إنها كانت أربعة آلاف ~~وسبعمائة قرية، وقيل هي بين المدينة والشام. وقال المبرد: القرى الظاهرة هي ~~المعروفة، وإنما قيل لها ظاهرة لظهورها، إذا خرجت من هذه ظهرت لك الأخرى ~~فكانت قرى ظاهرة: أي معروفة، يقال هذا أمر ظاهر: أي معروف (وقدرنا فيها ~~السير) أي جعلنا السير من القرية إلى القرية مقدارا معينا واحدا، وذلك نصف ~~يوم كما قال المفسرون. قال الفراء: أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى ~~يكون المقيل في قرية، والمبيت في أخرى إلى أن يصل إلى الشام، وإنما ~~PageV04P321 # يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد ~~والأمن لم يحمل نفسه المشقة، بل ينزل أينما أراد. والحاصل أن الله سبحانه ~~عدد عليهم النعم، ثم ذكر ما نزل بهم من النقم، ثم عاد لتعديد بقية ما أنعم ~~به عليهم مما هو خارج عن بلدهم من اتصال القرى بينهم وبين ما يريدون السفر ~~إليه، ثم ذكر بعد ذلك تبديله بالمفاوز والبراري كما سيأتي وقوله (سيروا ~~فيها) هو على تقدير القول: أي وقلنا لهم سيروا في تلك القرى المتصلة، فهو ~~أمر تمكين: أي ومكناهم من السير فيها متى شاءوا (ليالي وأياما آمنين) مما ~~يخافونه، وانتصاب ليالي وأياما على الظرفية، وانتصاب آمنين على الحال. قال ~~قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظمأ، كانوا يسيرون مسيرة ~~أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا ولو لقى الرجل قاتل أبيه لم يحركه. ~~ثم ذكر سبحانه أنهم لم يشكروا النعمة، بل طلبوا التعب والكد (فقالوا ربنا ~~باعد بين أسفارنا) وكان هذا القول منهم بطرا وطغيانا لما سئموا النعمة ولم ~~يصبروا على العافية، ms3184 فتمنوا طول الأسفار والتباعد بين الديار، وسألوا الله ~~تعالى أن يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء ~~والشجر والأمن والمفاوز والقفاز والبراري المتباعدة الأقطار، فأجابهم الله ~~إلى ذلك وخرب تلك القرى المتواصلة وذهب بما فيها من الخير والماء والشجر، ~~فكانت دعوتهم هذه كدعوة بني إسرائيل حيث قالوا - ادع لنا ربك يخرج لنا مما ~~تنبت الأرض من بقلها - الآية مكان المن والسلوى، وكقول النضر بن الحارث - ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء - الآية. ~~قرأ الجمهور " ربنا " بالنصب على أنه منادي مضاف، وقرأوا أيضا " باعد " ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وهشام عن ابن عامر بعد بتشديد العين، ~~وقرأ ابن السميفع بضم العين فعلا ماضيا، فيكون معنى هذه القراءة الشكوى من ~~بعد الأسفار، وقرأ أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر بن عاصم ~~ويعقوب " ربنا " بالرفع " باعد " بفتح العين على أنه فعل ماضي على الابتداء ~~والخبر. والمعنى: لقد باعد ربنا بين أسفارنا، ورويت هذه القراءة عن ابن ~~عباس، واختارها أبو حاتم، قال لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ~~ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة بطرا وأشرا وكفرا ~~للنعمة. وقرأ يحيى بن يعمر وعيسى بن عمر " ربنا " بالرفع " بعد " بفتح ~~العين مشددة، فيكون معنى هذه القراءة الشكوى بأن ربهم بعد بين أسفارهم مع ~~كونها قريبة متصلة بالقرى والشجر والماء، فيكون هذا من جملة بطرهم، وقرأ ~~أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميفع السابقة مع رفع بين على أنه الفاعل ~~كما قيل في قوله - لقد تقطع بينكم - وروى الفراء والزجاج قراءة مثل هذه ~~القراءة لكن مع نصب بين على أنه ظرف، والتقدير: بعد سيرنا بين أسفارنا. قال ~~النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من ~~الأخرى كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكن أخبر ~~عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم، فلما فعل ذلك بهم شكوا وتضرروا، ~~ولهذا ms3185 قال سبحانه (وظلموا أنفسهم) حيث كفروا بالله وبطروا نعمته وتعرضوا ~~لنقمته (فجعلناهم أحاديث) يتحدث الناس بأخبارهم. والمعنى: # جعلناهم ذوي أحاديث يتحدث بها من بعدهم تعجبا من فعلهم واعتبارا بحالهم ~~وعاقبتهم (ومزقناهم كل ممزق) أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، ~~وهذه الجملة مبنية لجعلهم أحاديث، وذلك أن الله سبحانه لما أغرق مكانهم ~~وأذهب جنتهم، تفرقوا في البلاد فصارت العرب تضرب بهم الأمثال، فتقول: ~~تفرقوا أيدي سبا. # قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة ~~بتهامة (إن في ذلك لآيات) أي فيما ذكر من قصتهم وما فعل الله بهم لآيات ~~بينات، ودلالات واضحات (لكل صبار شكور) أي لكل من هو كثير الصبر والشكر، ~~وخص الصبار الشكور لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات (ولقد صدق عليهم ~~إبليس PageV04P322 # ظنه) قرأ الجمهور صدق بالتخفيف ورفع إبليس ونصب ظنه. قال الزجاج: وهو على ~~المصدر: أي صدق عليهم ظنا ظنه، أو صدق في ظنه، أو على الظرف. والمعنى: أنه ~~ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، ويجوز أن يكون منتصبا على ~~المفعولية، أو بإسقاط الخافض. وقرأ حمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش ~~وعاصم " صدق " بالتشديد، وظنه بالنصب على أنه مفعول به. قال أبو علي ~~الفارسي: أي صدق الظن الذي ظنه. قال مجاهد: ظن ظنا فصدق ظنه، فكان كما ظن، ~~وقرأ أبو جعفر وأبو الجهجاء والزهري وزيد بن علي " صدق " بالتخفيف و " ~~إبليس " بالنصب و " ظنه " بالرفع، قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي، ~~وقد أجاز هذه القراءة الفراء وذكرها الزجاج، وجعل الظن فاعل صدق وإبليس ~~مفعوله، والمعنى: أن إبليس سول له ظنه شيئا فيهم فصدق ظنه، فكأنه قال: ولقد ~~صدق عليهم ظن إبليس. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ برفعهما مع تخفيف صدق على أن ~~يكون ظنه بدل اشتمال من إبليس. قيل وهذه الآية خاصة بأهل سبأ. والمعنى: ~~أنهم غيروا وبدلوا بعد أن كانوا قد آمنوا بها جاءت به رسلهم، وقيل هي عامة: ~~أي صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من ms3186 أطاع الله. قاله مجاهد والحسن. قال ~~الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه، وإن أضلهم أطاعوه فصدق ظنه (فاتبعوه) ~~قال الحسن: ما ضربهم بصوت ولا بعصى، وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته، ~~وانتصاب (إلا فريقا من المؤمنين) على الاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما أن ~~يراد به بعض المؤمنين، لأن كثيرا من المؤمنين يذنب وينقاد لإبليس في بعض ~~المعاصي، ولم يسلم منه إلا فريق، وهم الذين قال فيهم - إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان - وقيل المراد بفريقا من المؤمنين: المؤمنون كلهم على أن تكون ~~من بيانية (وما كان له عليهم من سلطان) أي ما كان له تسلط عليهم: أي لم ~~يقهرهم على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والوسوسة والتزيين، وقيل السلطان ~~القوة، وقيل الحجة، والاستثناء في قوله (إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو ~~منها في شك) منقطع، والمعنى: # لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم. وقيل هو متصل مفرغ من ~~أعم العام: أي ما كان له عليهم تسلط بحال من الأحوال ولا لعلة من العلل إلا ~~ليتميز من يؤمن، ومن لا يؤمن، لأنه سبحانه قد علم ذلك علما أزليا. وقال ~~الفراء: المعنى إلا لنعلم ذلك عندكم، وقيل إلا لتعلموا أنتم، وقيل ليعلم ~~أولياؤنا والملائكة. وقرأ الزهري " إلا ليعلم " على البناء للمفعول، ~~والأولى حمل العلم هنا على التمييز والإظهار كما ذكرنا (وربك على كل شئ ~~حفيظ) أي محافظ عليه. قال مقاتل: علم كل شئ من الإيمان والشك. # وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم عن فروة بن ~~مسيك المرادي قال " أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله ~~ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما ~~خرجت من عنده أرسل في أثري فردني فقال: ادع القوم، فمن أسلم منهم فاقبل ~~منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، وأنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: ~~يا رسول الله وما سبأ: أرض أم امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا ms3187 امرأة، ولكنه رجل ~~ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين ~~تشاءموا: فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا، فالأزد والأشعريون ~~وحمير وكندة ومذحج وأنمار، فقال الرجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: الذي ~~منهم خثعم وبجيلة ". وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن عدي والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بأخصر منه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (سيل العرم) قال: الشديد. وأخرج ابن ~~جرير عنه قال (سيل العرم) واد كان باليمن كان يسيل إلى مكة. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم أيضا في قوله (أكل PageV04P323 # خمط) قال: الأراك. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله (وهل نجازي إلا ~~الكفور) قال: تلك المناقشة وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عنه أيضا في قوله ~~(وجعلنا بينهم) يعني بين مساكنهم (وبين القرى التي باركنا فيها) يعني الأرض ~~المقدسة (قرى ظاهرة) يعني عامرة مخصبة (وقدرنا فيها السير) يعني فيما بين ~~مساكنهم وبين أرض الشام (سيروا فيها) إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام ~~من المقدسة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه) قال: إبليس: إن آدم خلق من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون ~~خلقا ضعيفا، وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شئ لأحتنكن ذريته إلا قليلا. ~~قال فصدق ظنه عليهم (فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) قال هم المؤمنون كلهم. # قوله (قل ادعو الذين زعمتم من دون الله) هذا أمر للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بأن يقول لكفار قريش أو للكفار على الإطلاق هذا القول، ومفعولا ~~زعمتم محذوفان: أي زعمتموهم آلهة لدلالة السياق عليهما. قال مقاتل: # يقول ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سنين الجوع. ثم أجاب ~~سبحانه عنهم فقال (لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) أي ليس ~~لهم قدرة على خير ولا شر، ولا على جلب نفع ولا دفع ضرر ms3188 في أمر من الأمور، ~~وذكر السماوات والأرض لقصد التعميم لكونهما ظرفا موجودات الخارجية (وما لهم ~~فيهما من شرك) أي ليس للآلهة في السماوات والأرض مشاركة لا بالخلق ولا ~~بالملك ولا بالتصرف (وما له من ظهير) أي وما لله سبحانه من تلك الآلهة من ~~معين يعينه على شئ من أمر السماوات والأرض ومن فيهما (ولا تنفع الشفاعة ~~عنده) أي شفاعة من يشفع عنده من الملائكة وغيرهم، وقوله (إلا لمن أذن له) ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال: # أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أن يشفع من ~~الملائكة والنبيين ونحوهم من أهل العلم والعمل، ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون ~~إلا لمن يستحق الشفاعة، لا للكافرين، ويجوز أن يكون المعنى: لا تنفع ~~الشفاعة من الشفعاء المتأهلين لها في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له: ~~أي لأجله وفى شأنه من المستحقين للشفاعة لهم، لا من عداهم من غير المستحقين ~~لها، واللام في " لمن " يجوز أن تتعلق بنفس الشفاعة. قال أبو البقاء: # كما تقول شفعت له، ويجوز أن تتعلق بتنفع، والأولى أنها متعلقة بالمحذوف ~~كما ذكرنا. قيل والمراد بقوله (لا تنفع الشفاعة) أنها لا توجد أصلا إلا لمن ~~أذن له، وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها تصريحا بنفي ما هو غرضهم من ~~PageV04P324 # وقوعها. قرأ الجمهور " أذن " بفتح الهمزة: أي أذن له الله سبحانه: لأن ~~اسمه سبحانه مذكور قبل هذا، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضمها على البناء ~~للمفعول، والآذن هو الله سبحانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى - من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه - وقوله - ولا يشفعون إلا لمن ارتضى - ثم أخبر سبحانه ~~عن خوف هؤلاء الشفعاء والمشفوع لهم فقال (حتى إذا فزع عن قلوبهم) قرأ ~~الجمهور " فزع " مبنيا للمفعول، والفاعل هو الله، والقائم مقام الفاعل هو ~~الجار والمجرور، وقرأ ابن عامر " فزع " مبنيا للفاعل، وفاعله ضمير يرجع إلى ~~الله سبحانه، وكلا القراءتين بتشديد الزاي، وفعل معناه السلب، فالتفزيع ~~إزالة الفزع. وقرأ الحسن مثل قراءة الجمهور إلا ms3189 أنه خفف الزاي. قال قطرب: ~~معنى فزع عن قلوبهم أخرج ما فيها من الفزع، وهو الخوف. وقال مجاهد: كشف عن ~~قلوبهم الغطاء يوم القيامة. والمعنى: أن الشفاعة لا تكون من أحد من هؤلاء ~~المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن الله سبحانه ~~يأذن للملائكة والأنبياء ونحوهم في الشفاعة لمن يستحقها، وهم على غاية ~~النزع من الله كما قال تعالى - وهم من خشيته مشفقون - فإذا أذن لهم في ~~الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من الأمر الهائل والخوف الشديد من أن ~~يحدث شئ من أقدار الله، فإذا سرى عليهم (قالوا) للملائكة فوقهم، وهم الذين ~~يوردون عليهم الوحي بالإذن (ماذا قال ربكم) أي ماذا أمر به، فيقولون لهم ~~قال: القول (الحق) وهو قبول شفاعتكم للمستحقين لها دون غيرهم (وهو العلي ~~الكبير) فله أن يحكم في عباده بما يشاء ويفعل ما يريد، وقيل هذا الفزع يكون ~~للملائكة في كل أمر يأمر به الرب. والمعنى: لا تنفع الشفاعة إلا من ~~الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون لله، دون الجمادات والشياطين، وقيل ~~إن الذين يقولون: ماذا قال ربكم هم المشفوع لهم، والذين أجابوهم: هم ~~الشفعاء من الملائكة والأنبياء. وقال الحسن وابن زيد ومجاهد: معنى الآية: ~~حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين في الآخرة. قالت لهم الملائكة: ماذا ~~قال ربكم في الدنيا؟ قالوا الحق، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار. وقرأ ابن ~~عمر وقتادة: فرغ بالراء المهملة والغين المعجمة من الفراغ. والمعنى: فرغ ~~الله قلوبهم: أي كشف عنها الخوف. وقرأ ابن مسعود " افرنقع " بعد الفاء راء ~~مهملة ثم نون ثم قاف ثم عين مهملة من الافرنقاع وهو التفرق. ثم أمر الله ~~سبحانه رسوله أن يبكت المشركين ويوبخهم فقال (قل من يرزقكم من السماوات ~~والأرض) أي من ينعم عليكم بهذه الأرزاق التي تتمتعون بها، فإن آلهتكم لا ~~يملكون مثقال ذرة، والرزق من السماء هو المطر وما ينتفع به منها من الشمس ~~والقمر والنجوم، والرزق من الأرض هو النبات والمعادن ونحو ذلك ولما كان ~~الكفار ms3190 لا يقدرون على جواب هذا الاستفهام، ولم تقبل عقولهم نسبة هذا الرزق ~~إلى آلهتهم، وربما يتوقفون في نسبته إلى الله مخافة أن تقوم عليهم الحجة، ~~فأمر الله رسوله بأن يجيب عن ذلك فقال (قل الله) أي هو الذي يرزقكم من ~~السماوات والأرض، ثم أمره سبحانه أن يخبرهم بأنهم على ضلالة، لكن على وجه ~~الإنصاف في الحجة بعد ما سبق تقرير من هو على الهدى ومن هو على الضلالة، ~~فقال (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) والمعنى: أن أحد الفريقين ~~من الذين يوحدون الله الخالق الرازق ويخصونه بالعبادة، والذين يعبدون ~~الجمادات التي لا تقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر لعلى أحد الأمرين من ~~الهدى والضلالة، ومعلوم لكل عاقل أن من عبد الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر هو ~~الذي على الهدى، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر هو ~~الذي على الضلالة، فقد تضمن هذا الكلام بيان فريق الهدى، وهم المسلمون، ~~وفريق الضلالة وهم المشركون على وجه أبلغ من التصريح. قال المبرد: ومعنى ~~هذا الكلام معنى قول المتبصر في الحجة لصاحبه: أحدنا كاذب، وقد عرف أنه ~~الصادق المصيب، وصاحبه الكاذب المخطئ. قال: وأو عند البصريين PageV04P325 # على بابها وليست للشك، لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد ~~المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى. # وقال أبو عبيدة والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى وإياكم ~~لفي ضلال مبين، ومنه قول جرير: # أثعلبة الفوارس أو رباحا * عدلت بهم طهية والربابا أي ثعلبة ورباحا، وكذا ~~قول الآخر: # فلما اشتد بأس الحرب فينا * تأملنا رباحا أو رزاما أي ورزاما، وقوله: أو ~~إياكم معطوف على اسم إن وخبرها هو المذكور، وحذف خبر الثاني للدلالة عليه: ~~أي أي إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ~~ويجوز العكس: وهو كون المذكور خبر الثاني، وخبر الأول محذوفا كما تقدم في ~~قوله - والله ورسوله أحق أن يرضوه - ثم ms3191 أردف سبحانه هذا الكلام المنصف ~~بكلام أبلغ منه في الإنصاف، وأبعد من الجدل والمشاغبة فقال (قل لا تسألون ~~عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون) أي إنما أدعوكم إلى ما فيه خير لكم ونفع، ~~ولا ينالني من كفركم وترككم لإجابتي ضرر، وهذا كقوله سبحانه - لكم دينكم ~~ولي دين - وفي إسناد الجرم إلى المسلمين ونسبة مطلق العمل إلى المخاطبين، ~~مع كون أعمال المسلمين من البر الخالص والطاعة المحضة، وأعمال الكفار من ~~المعصية البينة والإثم الواضح من الإنصاف ما لا يقادر قدره. والمقصود: ~~المهادنة والمتاركة، وقد نسخت هذه الآية وأمثالها بآية السيف. ثم أمره ~~سبحانه بأن يهددهم بعذاب الآخرة، لكن على وجه لا تصريح فيه فقال (قل يجمع ~~بيننا ربنا) أي يوم القيامة (ثم يفتح بيننا بالحق) أي يحكم ويقضي بيننا ~~بالحق، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي (وهو الفتاح) أي الحاكم بالحق القاضي ~~بالصواب (العليم) بما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح. وهذه أيضا منسوخة ~~بآية السيف. ثم أمره سبحانه أن يورد عليهم حجة أخرى يظهر بها ما هم عليه من ~~الخطأ فقال (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء) أي أروني الذين ألحقتموهم ~~بالله شركاء له، وهذه الرؤية هي القلبية، فيكون شركاء هو المفعول الثالث، ~~لأن الفعل تعدى بالهمزة إلى ثلاثة. الأول الياء في أروني، والثاني الموصول، ~~والثالث شركاء، وعائد الموصول محذوف: أي ألحقتموهم، ويجوز أن تكون هي ~~البصرية، وتعدى الفعل بالهمزة إلى اثنين: الأول الياء، والثاني الموصول، ~~ويكون شركاء منتصبا على الحال. ثم رد عليهم ما يدعونه من الشركاء وأبطل ذلك ~~فقال (كلا بل هو الله العزيز الحكيم) أي ارتدعوا عن دعوى المشاركة، بل ~~المنفرد بإلاهية، هو الله العزيز بالقهر والغلبة، الحكيم بالحكمة الباهرة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فزع عن قلوبهم) ~~قال: جلى. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال: لما أوحى الجبار إلى ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت ~~الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن ms3192 قلوبهم سألوا عما قال الله، ~~فقالوا الحق، وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا. قال ابن عباس: وصوت الوحي ~~كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوا خروا سجدا، فلما رفعوا رؤوسهم (قالوا ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير). وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ينزل الأمر إلى السماء الدنيا له وقعة ~~كوقعة السلسلة على الصخرة، فيفزع له جميع أهل السماوات فيقولون: ماذا قال ~~ربكم؟ ثم يرجعون إلى أنفسهم فيقولون: الحق وهو العلي الكبير. وأخرج البخاري ~~وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ~~خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على صفوان PageV04P326 # ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال ~~الحق وهو العلي الكبير " الحديث، وفي معناه أحاديث. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله (وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) قال: نحن على هدى، وإنكم لفي ضلال ~~مبين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس قال (الفتاح) القاضي. # في انتصاب (كافة) وجوه، فقيل إنه منتصب على الحال من الكاف في (أرسلناك) ~~قال الزجاج: أي وما أرسلناك إلا جامعا للناس بالإنذار والإبلاغ، والكافة ~~بمعنى الجامع، والهاء فيه للمبالغة كعلامة. قال أبو حيان: # أما قول الزجاج إن كافة بمعنى جامعا، والهاء فيه للمبالغة، فإن اللغة لا ~~تساعد عليه لأن كف ليس معناه جمع، بل معناه منع. يقال كف يكف: أي منع يمنع. ~~والمعنى: إلا مانعا لهم من الكفر، ومنه الكف لأنها تمنع من خروج ما فيه. ~~وقيل إنه منتصب على المصدرية والهاء للمبالغة كالعاقبة والعافية، والمراد ~~أنها صفة مصدر محذوف: # أي إلا رسالة كافة. وقيل إنه حال من الناس والتقدير: وما أرسلناك إلا ~~للناس كافة، ورد بأنه لا يتقدم الحال من ms3193 المجرور عليه كما هو مقرر في علم ~~الإعراب. ويجاب عنه بأنه قد جوز ذلك أبو علي الفارسي وابن كيسان وابن ~~برهان، ومنه قول الشاعر: # إذا المرء أعيته السيادة ناشئا * فمطلبها كهلا عليه عسير وقول الآخر: ~~تسليت طرا عنكم بعد بينكم * بذكراكم حتى كأنكم عندي وقول الآخر: غافلا تعرض ~~المنية للمرء * فيدعى ولات حين إباء وممن رجح كونها حالا من المجرور بعدها ~~ابن عطية، وقال: قدمت للاهتمام والتقوى. وقيل المعنى إلا PageV04P327 # ذا كافة: أي ذا منع، فحذف المضاف. قيل واللام في (للناس) بمعنى إلى: أي ~~وما أرسلناك إلى الناس إلا جامعا لهم بالإنذار والإبلاغ، أو مانعا لهم من ~~الكفر والمعاصي، وانتصاب (بشيرا ونذيرا) على الحال: أي مبشرا لهم بالجنة، ~~ومنذرا لهم من النار (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ما عند الله وما لهم من ~~النفع في إرسال الرسل (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) أي متى يكون ~~هذا الوعد الذي تعدونا به وهو قيام الساعة أخبرونا به إن كنتم صادقين، ~~قالوا هذا على طريقة الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه ~~من المؤمنين فأمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عنهم فقال ~~(قل لكم ميعاد يوم) أي ميقات يوم وهو يوم البعث. وقيل وقت حضور الموت، وقيل ~~أراد يوم بدر لأنه كان يوم عذابهم في الدنيا، وعلى كل تقدير فهذه الإضافة ~~للبيان، ويجوز في ميعاد أن يكون مصدرا مرادا به الوعد، وأن يكون اسم زمان. ~~قال أبو عبيدة: الوعد والوعيد والميعاد بمعنى. وقرأ ابن أبي عبلة بتنوين " ~~ميعاد " ورفعه، ونصب " يوم " على أن يكون ميعاد مبتدأ، ويوما ظرف، والخبر ~~لكم. وقرأ عيسى بن عمر برفع " ميعاد " منونا، ونصب " يوم " مضافا إلى ~~الجملة بعده. # وأجاز النحويون " ميعاد يوم " برفعهما منونين على أن ميعاد مبتدأ ويوم ~~بدل منه، وجملة (لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون) صفة لميعاد: أي هذا ~~الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون عليه، بل يكون لا محالة في ~~الوقت الذي قد ms3194 قدر الله وقوعه فيه. ثم ذكر سبحانه طرفا من قبائح الكفار ~~ونوعا من أنواع كفرهم فقال (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه) وهي الكتب القديمة، كالتوراة والإنجيل والرسل المتقدمون. ~~وقيل المراد بالذي بين يديه الدار الآخرة. ثم أخبر سبحانه عن حالهم في ~~الآخرة فقال (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم) الخطاب لمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح له، ومعنى موقوفون عند ربهم: محبوسون في ~~موقف الحساب (يرجع بعضهم إلى بعض القول) أي يتراجعون الكلام فيما بينهم ~~باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا متعارضين متناصرين متحابين. ثم بين ~~سبحانه تلك المراجعة فقال (يقول الذين استضعفوا) وهم الأتباع (للذين ~~استكبروا) وهم الرؤساء المتبوعون (لولا أنتم) صددتمونا عن الإيمان بالله ~~والاتباع لرسوله (لكنا مؤمنين) بالله مصدقين لرسوله وكتابه (قال الذين ~~استكبروا للذين استضعفوا) مجيبين عليهم مستنكرين لما قالوه (أنحن صددناكم ~~عن الهدى) أي منعناكم عن الإيمان (بعد إذ جاءكم) الهدى، قالوا هذا منكرين ~~لما ادعوه عليهم من الصد لهم، وجاحدين لما نسبوه إليهم من ذلك، ثم بينوا ~~لهم أنهم الصادون لأنفسهم، الممتنعون من الهدي بعد إذ جاءهم فقالوا (بل ~~كنتم مجرمين) أي مصرين على الكفر، كثيري الإجرام، عظيمي الآثام (وقالوا ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا) ردا لما أجابوا به عليهم، ودفعا لما نسبوه ~~إليهم من صدهم لأنفسهم (بل مكر الليل والنهار) أصل المكر في كلام العرب: ~~الخديعة والحيلة، يقال: مكر به إذا خدعه واحتال عليه. والمعنى: بل مكركم ~~بنا الليل والنهار، فحذف المضاف إليه، وأقيم الظرف مقامه اتساعا. # وقال الأخفش: هو على تقدير هذا مكر الليل والنهار. قال النحاس: المعنى ~~والله أعلم، بل مكركم في الليل والنهار، ودعاؤكم لنا إلى الكفر هو الذي ~~حملنا على هذا. وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار، ويجوز أن ~~يجعل الليل والنهار ماكرين على الإسناد المجازي كما تقرر في علم المعاني. ~~قال المبرد كما تقول العرب: # نهاره صائم، وليله قائم، وأنشد قول جرير: # لقد لمتنا يا ms3195 أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم PageV04P328 # وأنشد سيبويه: * قيام ليلى وتجلى همي * وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر برفع " ~~مكر " منونا، ونصب الليل والنهار، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار. ~~وقرأ سعيد بن جبير وأبو رزين بفتح الكاف وتشديد الراء مضافا بمعنى الكرور، ~~من كر يكر إذا جاء وذهب، وارتفاع مكر على هذه القراءات على أنه مبتدأ وخبره ~~محذوف: أي مكر الليل والنهار صدنا، أو على أنه فاعل لفعل محذوف: أي صدنا ~~مكر الليل والنهار، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف كما تقدم عن الأخفش. وقرأ ~~طلحة بن راشد كما قرأ سعيد بن جبير، ولكنه نصب مكر على المصدرية: أي بل ~~تكررن الإغواء مكرا دائما لا تفترون عنه، وانتصاب (إذ تأمروننا) على أنه ~~ظرف للمكر: # أي بل مكركم بنا وقت أمركم لنا (أن نكفر بالله ونجعل له أندادا) أي ~~أشباها وأمثالا. قال المبرد يقال ند فلان فلان: أي مثله وأنشد: # أتيما تجعلون إلي ندا * وما تيم بذي حسب نديد والضمير في قوله (وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب) راجع إلى الفريقين: أي أضمر الفريقان الندامة على ~~ما فعلوا من الكفر وأخفوها عن غيرهم، أو أخفاها كل منهم عن الآخر مخافة ~~الشماتة. وقيل المراد بأسروا هنا أظهروا لأنه من الأضداد يكون، تارة بمعنى ~~الإخفاء، وتارة بمعنى الإظهار، ومنه قول امرئ القيس: # تجاوزت أحراسا وأهوال معشر * علي حراص لو يسرون مقتلي وقيل معنى أسروا ~~الندامة: تبينت الندامة في أسرة وجوههم (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين ~~كفروا) الأغلال جمع غل، يقال في رقبته غل من حديد: أي جعلت الأغلال من ~~الحديد في أعناق هؤلاء في النار، والمراد بالذين كفروا: هم المذكورون ~~سابقا، والإظهار لمزيد الذم أو للكفار على العموم فيدخل هؤلاء فيهم دخولا ~~أوليا (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) أي إلا جزاء ما كانوا يعملونه من ~~الشرك بالله، أو إلا بما كانوا يعملون على حذف الخافض. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله (وما أرسلناك إلا ms3196 ~~كافة للناس) قال: إلى الناس جميعا. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: أرسل الله ~~محمدا إلى العرب والعجم فأكرمهم على الله أطوعهم له. وأخرج هؤلاء عنه في ~~قوله (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن) قال: هذا قول مشركي العرب ~~كفروا بالقرآن وبالذي بين يديه من الكتب والأنبياء. PageV04P329 # لما قص سبحانه حال من تقدم من الكفار أتبعه بما فيه التسلية لرسوله وبيان ~~أن كفر الأمم السابقة بمن أرسل إليهم من الرسل هو كائن مستمر في الأعصر ~~الأول فقال (وما أرسلنا في قرية) من القرى (من نذير) ينذرهم ويحذرهم عقاب ~~الله (إلا قال مترفوها) أي رؤساؤها وأغنياؤها وجبابرتها وقادة الشر لرسلهم ~~(إنا بما أرسلتم به كافرون) أي بما أرسلتم به من التوحيد والإيمان، وجملة ~~(إلا قال مترفوها) في محل نصب على الحال. ثم ذكر ما افتخروا به من الأموال ~~والأولاد وقاسوا حالهم في الدار الآخرة على حالهم في هذه الدار على تقدير ~~صحة ما أنذرهم به الرسل فقال (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين) والمعنى: أن الله فضلنا عليكم بالأموال والأولاد في الدنيا، وذلك ~~يدل على أنه قد رضى ما نحن عليه من الدين وما نحن بمعذبين في الآخرة بعد ~~إحسانه إلينا في الدنيا ورضاه عنا، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأن يجيب عنهم وقال (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء) أن يبسطه له (ويقدر) ~~أي يضيق على من يشاء أن يضيقه عليه، فهو سبحانه قد يرزق الكافر والعاصي ~~استدراجا له، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير توفيرا لأجره، وليس مجرد ~~بسط الرزق لمن بسطه له يدل على أنه قد رضي عنه ورضي عمله، ولا قبضه عمن ~~قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه ولا رضى عمله، فقياس الدار الآخرة على الدار ~~الأولى في مثل هذا من الغلط البين أو المغالطة الواضحة (ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) هذا، ومن جملة هؤلاء الأكثر من قاس أمر الآخرة على الأولى، ثم زاد ms3197 ~~هذا الجواب تأييدا وتأكيدا (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا ~~زلفى) أي ليسوا بالخصلة التي تقربكم عندنا قربى. قال مجاهد: الزلفى القربى ~~والزلفة القربة. قال الأخفش: # زلفى اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا فتكون زلفى منصوبة ~~المحل. قال الفراء: إن التي تكون للأموال والأولاد جميعا. وقال الزجاج: إن ~~المعنى وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ولا أولادكم بالشيء يقربكم ~~عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه وأنشد: # نحن بما عندنا وأنت بما عن * دك راض والرأي مختلف ويجوز في غير القرآن ~~باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذي للأولاد خاصة: أي لا تزيدكم الأموال ~~عندنا درجة ورفعة ولا تقربكم تقريبا (إلا من آمن وعمل صالحا) هو استثناء ~~منقطع فيكون محله النصب: أي لكن من آمن وعمل صالحا، أو في محل جر بدلا من ~~الضمير في تقربكم، كذا قال الزجاج. قال النحاس: وهذا القول غلط، لأن الكاف ~~والميم للمخاطب فلا يجوز البدل ولو جاز هذا لجاز رأيتك زيدا. ويجاب عنه بأن ~~الأخفش والكوفيين يجوزون ذلك، وقد قال بمثل قول الزجاج الفراء وأجاز الفراء ~~أن يكون في موضع رفع بمعنى ما هو إلا من آمن، والإشارة بقوله (فأولئك) إلى ~~من، والجمع باعتبار معناها وهو مبتدأ وخبره (لهم جزاء الضعف) أي جزاء ~~الزيادة، وهي المرادة بقوله - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - وهو من ~~إضافة المصدر إلى المفعول: أي جزاء PageV04P330 # التضعيف للحسنات، وقيل لهم جزاء الإضعاف لأن الضعف في معنى الجمع، والباء ~~في (بما عملوا) للسببية (وهم في الغرفات آمنون) من جميع ما يكرهون، والمراد ~~غرفات الجنة، قرأ الجمهور " جزاء الضعف " بالإضافة، وقرأ الزهري ويعقوب ~~ونصر بن عاصم وقتادة برفعهما على أن الضعف بدل من جزاء. وروي عن يعقوب أنه ~~قرأ " جزاء " بالنصب منونا، و " الضعف " بالرفع على تقدير: فأولئك لهم ~~الضعف جزاء: أي حال كونه جزاء. وقرأ الجمهور " في الغرفات " بالجمع، واختار ~~هذه القراءة أبو عبيد لقوله - لنبوئنهم من الجنة غرفا - وقرأ الأعمش ويحيى ~~ابن وثاب وحمزة وخلف " في الغرفة ms3198 " بالإفراد لقوله - أولئك يجزون الغرفة - ~~ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين ذكر حال الكافرين فقال (والذين يسعون في ~~آياتنا) بالرد لها والطعن فيها حال كونهم (معاجزين) مسابقين لنا زاعمين ~~أنهم يفوتوننا بأنفسهم، أو معاندين لنا بكفرهم (أولئك في العذاب محضرون) أي ~~في عذاب جهنم تحضرهم الزبانية إليها لا يجدون عنها محيصا. ثم كرر سبحانه ما ~~تقدم لقصد التأكيد للحجة والدفع لما قاله الكفرة فقال (قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) أي يوسعه لمن يشاء ويضيفه على من يشاء، ~~وليس في ذلك دلالة على سعادة ولا شقاوة (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه) أي ~~يخلفه عليكم، يقال أخلف له وأخلف عليه: # إذا أعطاه عوضه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة (وهو خير ~~الرازقين) فإن رزق العباد لبعضهم البعض إنما هو بتيسير الله وتقديره، ~~وليسوا برازقين على الحقيقة بل على طريق المجاز، كما يقال في الرجل إنه ~~يرزق عياله، وفي الأمير إنه يرزق جنده، والرازق للأمير والمأمور والكبير ~~والصغير هو الخالق لهم، ومن أخرج من العباد إلى غيره شيئا مما رزقه الله ~~فهو إنما تصرف في رزق الله له فاستحق بما خرج منه الثواب عليه المضاعف ~~لامتثاله لأمر الله وإنفاقه فيما أمره الله (ويوم نحشرهم جميعا) الظرف ~~منصوب بفعل مقدر نحو أذكر، أو هو متصل بقوله - ولو ترى إذ الظالمون موقوفون ~~- أي ولو تراهم أيضا يوم نحشرهم جميعا للحساب العابد والمعبود والمستكبر ~~والمستضعف، (ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) تقريعا للمشركين ~~وتوبيخا لمن عبد غير الله عز وجل كما في قوله لعيسى - أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله - وإنما خصص الملائكة بالذكر مع أن بعض ~~الكفار قد عبد غيرهم من الشياطين والأصنام لأنهم أشرف معبودات المشركين. ~~قال النحاس: والمعنى أن الملائكة إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت للمشركين، ~~وجملة (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) مستأنفة جواب سؤال مقدر: أي ~~تنزيها لك أنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم، ما اتخذناهم ms3199 عابدين ولا ~~توليناهم وليس لنا غيرك وليا، ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه فقالوا ~~(بل كانوا يعبدون الجن) أي الشياطين وهم إبليس وجنوده ويزعمون أنهم يرونهم ~~وأنهم ملائكة وأنهم بنات الله. وقيل كانوا يدخلون أجواف الأصنام ويخاطبونهم ~~منها (أكثرهم بهم مؤمنون) أي أكثر المشركين بالجن مؤمنون بهم مصدقون لهم، ~~قيل والأكثر في معنى الكل (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا) يعني ~~العابدين والمعبودين لا يملك بعضهم وهم المعبودون لبعض، وهم العابدون ~~(نفعا) أي شفاعة ونجاة (ولا ضرا) أي عذابا وهلاكا، وإنما قيل لهم هذا القول ~~إظهارا لعجزهم وقصورهم وتبكيتا لعابديهم، وقوله (ولا ضرا) هو على حذف مضاف: ~~أي لا يملكون لهم دفع ضر، وقوله (ونقول للذين ظلموا) عطف على قوله (نقول ~~للملائكة) أي للذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله (ذوقوا عذاب النار التي ~~كنتم بها تكذبون) في الدنيا. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكين، ~~خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه PageV04P331 # أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: ~~دلني عليه، وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إلى ~~ما تدعو؟ قال: إلى كذا وكذا، قال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما علمك بذلك؟ ~~قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم، فنزلت هذه الآيات ~~(وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها) الآيات، فأرسل إليه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إن الله قد أنزل تصديق ما قلت. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عن مجاهد في قوله (جزاء الضعف) قال: تضعيف الحسنة. # وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد ~~بن كعب قال: إذا كان الرجل غنيا تقيا آتاه الله أجره مرتين، وتلا هذه الآية ~~(وما أموالكم ولا أولادكم) إلى قوله (فأولئك ms3200 لهم جزاء الضعف) قال: تضعيف ~~الحسنة. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب المفرد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (وما أنفقتم من شئ فهو ~~يخلفه) قال: في غير إسراف ولا تقتير، وعن مجاهد مثله، وعن الحسن مثله. ~~وأخرج الدارقطني والبيهقي في الشعب عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " كلما أنفق العبد من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا نفقة في ~~بيان أو معصية ". وأخرج نحوه ابن عدي في الكامل والبيهقي من وجه آخر عنه ~~مرفوعا بأطول منه. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " قال الله عز وجل أنفق يا ابن آدم أنفق عليك " ~~وثبت في الصحيح من حديثه أيضا قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ~~وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم ~~أعط ممسكا تلفا ". وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول " إن لكل يوم نحسا، فادفعوا نحس ذلك اليوم ~~بالصدقة " ثم قال: # اقرءوا مواضع الخلف، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ~~وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه " إذا لم تنفقوا كيف يخلف. وأخرج الحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " إن المعونة تنزل من السماء على قدر المئونة ". PageV04P332 # ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أنواع كفرهم، فقال (وإذا تتلى عليهم آياتنا) ~~أي الآيات القرآنية حال كونها (بينات) واضحات الدلالات ظاهرات المعاني ~~(قالوا ما هذا) يعنون التالي لها، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إلا ~~رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم) أي أسلافكم من الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها (وقالوا) ثانيا (ما هذا) يعنون القرآن الكريم (إلا إفك مفترى) أي ~~كذب مختلق (وقال الذين كفروا) ثالثا (للحق ms3201 لما جاءهم) أي لأمر الدين الذي ~~جاءهم به رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم (إن هذا إلا سحر مبين) وهذا ~~الإنكار منهم خاص بالتوحيد، وأما إنكار القرآن والمعجزة فكان متفقا عليه ~~بين أهل الكتاب والمشركين، وقيل أريد بالأول، وهو قولهم (إلا إفك مفترى) ~~معناه، وبالثاني، وهو قولهم (إن هذا إلا سحر مبين) نظمه المعجز. وقيل إن ~~طائفة منهم قالوا: إنه إفك، وطائفة قالوا: إنه سحر، وقيل إنهم جميعا قالوا ~~تارة إنك إفك، وتارة إنه سحر، والأول أولى (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) ~~أي ما أنزلنا على العرب كتبا سماوية يدرسون فيها (وما أرسلنا إليهم قبلك من ~~نذير) يدعوهم إلى الحق وينذرهم بالعذاب، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول ~~وجه، ولا شبهة يتشبثون بها. # قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا ~~قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال الفراء: أي من أين كذبوك، ولم يأتهم ~~كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه. ثم خوفهم سبحانه وأخبر عن عاقبتهم وعاقبة ~~من كان قبلهم فقال (وكذب الذين من قبلهم) من القرون الخالية (وما بلغوا ~~معشار ما آتيناهم) أي ما بلغ أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب عشر ما ~~آتينا من قبلهم من القوة وكثرة المال وطول العمر فأهلكهم الله، كعاد وثمود ~~وأمثالهم. والمعشار: هو العشر. قال الجوهري: معشار الشئ عشره. وقيل ~~المعشار: # عشر العشر، والأول أولى. وقيل إن المعنى: ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا ~~هؤلاء من البينات والهدى. وقيل ما بلغ من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، ~~وقيل ما أعطى الله من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة ~~والبرهان، والأول أولى. وقيل: المعشار عشر العشير، والعشير عشر العشر، ~~فيكون جزءا من ألف جزء. قال الماوردي: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة ~~في التقليل قلت مراعاة المبالغة في التقليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن ~~المعنى العربي، وقوله (فكذبوا رسلي) عطف على (كذب الذين من قبلهم) على ~~طريقة التفسير كقوله - كذبت قبلهم قوم ms3202 نوح فكذبوا عبدنا - الآية، والأولى ~~أن يكون من عطف الخاص على العام، لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق ~~للتكذيب أفاد العموم، فمعناه: كذبوا الكتب المنزلة والرسل المرسلة ~~والمعجزات الواضحة، وتكذيب الرسل أخص منه، وإن كان مستلزما له فقد روعيت ~~الدلالة اللفظية لا الدلالة الإلتزامية (فكيف كان نكير) أي فكيف كان إنكاري ~~لهم بالعذاب والعقوبة، فليحذر هؤلاء من مثل ذلك، قيل وفي الكلام حذف، ~~والتقدير: فأهلكناهم فكيف كان نكير، والنكير اسم بمعنى الإنكار. ثم أمر ~~سبحانه رسوله أن يقيم عليهم حجة ينقطعون عندها فقال (قل إنما أعظكم بواحدة) ~~أي أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وأوصيكم بخصلة واحدة، وهي (أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى) هذا تفسير للخصلة الواحدة، أو بدل منها: أي هي ~~قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة متفرقين اثنين اثنين، وواحدا ~~واحدا، لأن الاجتماع يشوش الفكر، وليس المراد القيام على الرجلين، بل ~~المراد القيام بطلب الحق وإصداق الفكر فيه، كما يقال قام فلان بأمر كذا (ثم ~~تتفكروا) في أمر PageV04P333 # النبي وما جاء به من الكتاب، فإنكم عند ذلك تعلمون أن (ما بصاحبكم من ~~جنة) وذلك لأنهم كانوا يقولون: # إن محمدا مجنون، فقال الله سبحانه قل لهم اعتبروا أمري بواحدة، وهى أن ~~تقوموا لله، وفي ذاته مجتمعين، فيقول الرجل لصاحبه هلم فلنتصادق، هل رأينا ~~بهذا الرجل من جنة: أي جنون أو جربنا عليه كذبا، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه ~~فيتفكر وينظر، فإن في ذلك ما يدل على أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ~~صادق وأنه رسول من عند الله، وأنه ليس بكاذب ولا ساحر ولا مجنون، وهو معنى ~~قوله (إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) أي ما هو إلا نذير لكم بين ~~يدي الساعة، وقيل إن جملة (ما بصاحبكم من جنة) مستأنفة من جهة الله سبحانه ~~مسوقة للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بأن هذا الأمر العظيم والدعوى ~~الكبيرة لا يعرض نفسه له إلا مجنون لا يبالي بما يقال فيه وما ينسب إليه ms3203 من ~~الكذب، وقد علموا أنه أرجح الناس عقلا، فوجب أن يصدقوه في دعواه، لا سيما ~~مع انضمام المعجزة الواضحة وإجماعهم على أنه لم يكن ممن يفتري الكذب، ولا ~~قد جربوا عليه كذبا مدة عمره وعمرهم. وقيل يجوز أن تكون " ما " في " ما ~~بصاحبكم " استفهامية: أي ثم تتفكروا أي شئ به من آثار الجنون، وقيل المراد ~~بقوله (إنما أعظكم بواحدة) هي " لا إله إلا الله " كذا قال مجاهد والسدي. ~~وقيل القرآن لأنه يجمع المواعظ كلها، والأولى ما ذكرناه أولا. وقال الزجاج: ~~إن " أن " في قوله (أن تقوموا) في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا. وقال السدي: ~~معنى مثنى وفرادى: منفردا برأيه ومشاورا لغيره. وقال القتيبي: مناظرا مع ~~عشيرته ومفكرا في نفسه. وقيل المثنى عمل النهار، والفرادى عمل الليل، قاله ~~الماوردي. وما أبرد هذا القول وأقل جدواه. واختار أبو حاتم وابن الأنباري ~~الوقف على قوله (ثم تتفكروا) وعلى هذا تكون جملة (ما بصاحبكم من جنة) ~~مستأنفة كما قدمنا، وقيل ليس بوقف، لأن المعنى: ثم تتفكروا هل جربتم عليه ~~كذبا، أو رأيتم منه جنة، أو في أحواله من فساد. ثم أمر سبحانه أن يخبرهم ~~أنه لم يكن له غرض في الدنيا ولا رغبة فيها حتى تنقطع عندهم الشكوك ويرتفع ~~الريب فقال (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) أي ما طلبت منكم من جعل تجعلونه ~~لي مقابل الرسالة فهو لكم إن سألتكموه، والمراد نفي السؤال بالكلية، كما ~~يقول القائل: ما أملكه في هذا فقد وهبته لك، يريد أنه لا ملك له فيه أصلا، ~~ومثل هذه الآية قوله - قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى - ~~وقوله - ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا -. ثم بين ~~لهم أن أجره عند الله سبحانه فقال (إن أجري إلا على الله) أي ما أجري إلا ~~على الله لا على غيره (وهو على كل شئ شهيد) أي مطلع لا يغيب عنه منه شئ (قل ~~إن ربي يقذف بالحق) القذف الرمي بالسهم والحصى ms3204 والكلام. قال الكلبي: يرمى ~~على معنى يأتي به، وقال مقاتل: # يتكلم بالحق وهو القرآن والوحي: أي يلقيه إلى أنبيائه. وقال قتادة ~~(بالحق) أي بالوحي، والمعنى: أنه يبين الحجة ويظهرها للناس على ألسن رسله، ~~وقيل يرمي الباطل بالحق فيدمغه (علام الغيوب) قرأ الجمهور برفع " علام " ~~على أنه خبر ثان لأن، أو خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من الضمير في يقذف، أو ~~معطوف على محل اسم إن. قال الزجاج: الرفع من وجهين على الموضع، لأن الموضع ~~موضع رفع، أو على البدل. وقرأ زيد بن علي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ~~بالنصب نعتا لاسم إن، أو بدلا منه، أو على المدح. قال الفراء: والرفع في ~~مثل هذا أكثر كقوله - إن ذلك لحق تخاصم أهل النار -، وقرئ الغيوب بالحركات ~~الثلاث في الغين، وهو جمع غيب، والغيب هو الأمر الذي غاب وخفى جدا (قل جاء ~~الحق) أي الإسلام والتوحيد. وقال قتادة: القرآن. # وقال النحاس: التقدير صاحب الحق: أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. ~~PageV04P334 # وأقول: لا وجه لتقدير المضاف، فإن القرآن قد جاء كما جاء صاحبه (وما يبدئ ~~الباطل وما يعيد) أي ذهب الباطل ذهابا لم يبق منه إقبال ولا إدبار ولا ~~إبداء ولا إعادة. قال قتادة: الباطل هو الشيطان: أي ما يخلق لشيطان ابتداء ~~ولا يبعث، وبه قال مقاتل والكلبي. وقيل يجوز أن تكون ما استفهامية: أي أي ~~شئ يبديه وأي شئ يعيده؟ والأول أولى (قل إن ضللت) عن الطريق الحقة الواضحة ~~(فإنما أضل على نفسي) أي إثم ضلالتي يكون على نفسي، وذلك أن الكفار قالوا ~~له تركت دين آبائك فضللت، فأمره الله أن يقول لهم هذا القول (وإن اهتديت ~~فيما يوحى إلى ربي) من الحكمة والموعظة والبيان بالقرآن (إنه سميع قريب) ~~مني ومنكم يعلم الهدي والضلالة، قرأ الجمهور " ضللت " بفتح اللام، وقرأ ~~الحسن ويحيى بن وثاب بكسر اللام، وهي لغة أهل العالية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وما بلغوا ~~معشار ما آتيناهم) يقول: من القوة في ms3205 الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ~~نحوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال: ~~يقوم الرجل مع الرجل أو وحده فيفكر ما بصاحبه من جنة. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة (ما بصاحبكم من جنة) يقول: إنه ليس ~~بمجنون. وأخرج هؤلاء عنه أيضا في قوله (ما سألتكم من أجر) أي من جعل فهو ~~لكم، يقول: لم أسألكم على الإسلام جعلا، وفي قوله (قل إن ربي يقذف بالحق) ~~قال: بالوحي، وفي قوله (وما يبدئ الباطل وما يعيد) قال: الشيطان لا يبدئ ~~ولا يعيد إذا هلك. # وأخرج هؤلاء أيضا عنه في قوله (وما يبدئ الباطل وما يعيد) قال: ما يخلق ~~إبليس شيئا ولا يبعثه. وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر عن عمر بن سعد في ~~قوله (إن ضللت فإنما أضل على نفسي) قال: إنما أوخذ بجنايتي. # ثم ذكر سبحانه حالا من أحوال الكفار فقال (ولو ترى إذ فزعوا) والخطاب ~~لرسول الله، أو لكل من يصلح له، قيل المراد فزعهم عند نزول الموت بهم. وقال ~~الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة، وقال قتادة: هو فزعهم إذا خرجوا من ~~قبورهم. وقال السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم ~~يستطيعوا فرارا ولا رجوعا إلى التوبة. وقال ابن مغفل: هو فزعهم إذا عاينوا ~~عقاب الله يوم القيامة. # وقال سعيد بن جبير: هو الخسف الذي يخسف بهم في البيداء، فيبقى رجل منهم ~~فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون. وجواب لو محذوف: أي لرأيت أمرا هائلا، ~~ومعنى (فلا فوت) فلا يفوتني أحد منهم ولا ينجو منهم ناج. قال مجاهد: فلا ~~مهرب (وأخذوا من مكان قريب) من ظهر الأرض أو من القبور أو من موقف الحساب ~~وقيل من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه. قيل ويجوز ~~أن يكون هذا الفزع هو الفزع الذي بمعنى الإجابة، يقال فزع الرجل: إذا أجاب ~~الصارخ الذي يستغيث به كفزعهم إلى ms3206 الحرب يوم بدر (وقالوا آمنا به) أي ~~بمحمد، قاله قتادة، أو بالقرآن. وقال مجاهد: بالله عز وجل. وقال الحسن: ~~بالبعث (وأنى لهم PageV04P335 # التناوش) التناوش التناول، وهو تفاعل من التناوش الذي هو التناول، ~~والمعنى: كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بعد، يعني في الآخرة وقد تركوه في ~~الدنيا، وهو معنى (من مكان بعيد) وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد ما ~~فات عنهم. قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه أو ~~بلحيته ناشه ينوشه نوشا، وأنشد: # فهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أحواز الفلا أي تناول ماء ~~الحوض من فوق، ومنه المناوشة في القتال، وقيل التناوش الرجعة: أي وأنى لهم ~~الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا، ومنه قول الشاعر: # تمنى أن تئوب إلى مي * وليس إلى تناوشها سبيل وجملة (وقد كفروا به من ~~قبل) في محل نصب على الحال: أي والحال أن قد كفروا بما آمنوا به الآن من ~~قبل هذا الوقت، وذلك حال كونهم في الدنيا. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~والأعمش " التناؤش " بالهمز، وقرأ الباقون بالواو، واستبعد أبو عبيد ~~والنحاس القراءة الأولى، ولا وجه للاستبعاد، فقد ثبت ذلك في لغة العرب ~~وأشعارها، ومنه قول الشاعر: # قعدت زمانا عن طلابك للعلا * وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخير أي وجئت ~~أخيرا. قال الفراء: الهمز وترك الهمز متقارب (ويقذفون بالغيب) أي يرمون ~~بالظن فيقولون: # لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار (من مكان بعيد) أي من جهة بعيدة ليس ~~فيها مستند لظنهم الباطل. وقيل المعنى: # يقولون في القرآن أقوال باطلة: إنه سحر وشعر وأساطير الأولين. وقيل ~~يقولون في محمد إنه ساحر شاعر كاهن مجنون. وقرأ أبو حيوة ومجاهد ومحبوب عن ~~أبي عمرو " يقذفون " مبنيا للمفعول: أي يرجمون بما يسوؤهم من جراء أعمالهم ~~من حيث لا يحتسبون، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان ~~بعيد لا مجال للوهم في لحوقه، والجملة إما معطوفة على: وقد كفروا به على ~~أنها حكاية للحال الماضية واستحضار لصورتها، ms3207 أو مستأنفة لبيان تمثيل حالهم ~~(وحيل بينهم وبين ما يشتهون) من النجاة من العذاب ومنعوا من ذلك، وقيل حيل ~~بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم، أو حيل بينهم وبين ما ~~يشتهونه من الرجوع إلى الدنيا (كما فعل بأشياعهم من قبل) أي بأمثالهم ~~ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، والأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة، وجملة ~~(إنهم كانوا في شك مريب) تعليل لما قبلها: أي في شك موقع في الريبة أو ذي ~~ريبة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار، أو في التوحيد وما جاءتهم به ~~الرسل من الدين، يقال أراب الرجل إذا صار ذا ريبة فهو مريب، وقيل هو من ~~الريب الذي هو الشك، فهو كما يقال عجب عجيب وشعر شاعر. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (فلا فوت) قال: فلا ~~نجاة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من ~~مكان قريب) قال: هو جيش السفياني، قيل من أين أخذوا؟ قال: من تحت أقدامهم. ~~وقد ثبت في الصحيح أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة وعائشة، وخارج ~~الصحيح من حديث أم سلمة وصفية وأبي هريرة وابن مسعود، وليس في شيء منها أن ~~ذلك سبب نزول هذه الآية، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان قصة ~~الخسف هذه مرفوعة، وقال في آخرها: # فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) الآية. وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~عن ابن عباس في قوله (وأنى لهم التناوش) قال: كيف لهم الرد (من مكان بعيد) ~~قال: يسألون الرد، وليس بحين رد. وأخرج ابن المنذر عن التيمي قال: أتيت ابن ~~عباس قلت: ما التناوش؟ قال: تناول الشئ وليس بحين ذاك. PageV04P336 # تفسير سورة فاطر هي خمس وأربعون آية وهي مكية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع. وأخرج البخاري وابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن ~~عباس ms3208 قال: أنزلت سورة فاطر بمكة. # الفطر: الشق عن الشئ، يقال فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير إذا طلع ~~فهو بعير فاطر، وتفطر الشئ تشقق، والفطر الابتداء والاختراع، وهو المراد ~~هنا، والمعنى (الحمد لله) مبدع (السماوات والأرض) ومخترعهما، والمقصود من ~~هذا أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم فهو قادر على الإعادة. قرأ ~~الجمهور " فاطر " على صيغة اسم الفاعل، وقرأ الزهري والضحاك " فطر " على ~~صيغة الفعل الماضي، فعلى القراءة الأولى هو نعت لله لأن إضافته محضة لكونه ~~بمعنى الماضي، وإن كانت غير محضة كان بدلا، ومثله (جاعل الملائكة رسلا) ~~يجوز فيه الوجهان، وانتصاب رسلا بفعل مضمر على الوجه الأول، لأن اسم الفاعل ~~إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل، وجوز الكسائي عمله. وأما على الوجه الثاني ~~فهو منصوب بجاعل، والرسل من الملائكة هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. ~~وقرأ الحسن " جاعل " بالرفع، وقرأ خليل بن نشيط ويحيى بن يعمر " جعل " على ~~PageV04P337 # صيغة الماضي. وقرأ الحسن وحميد " رسلا " بسكون السين، وهي لغة تميم (أولى ~~أجنحة) صفة لرسلا، والأجنحة جمع جناح (مثنى وثلاث ورباع) صفة لأجنحة، وقد ~~تقدم الكلام في مثنى وثلاث ورباع في النساء. قال قتادة: بعضهم له جناحان، ~~وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة ينزلون بها من السماء إلى الأرض ويعرجون بها من ~~الأرض إلى السماء. قال يحيى بن سلام: يرسلهم الله إلى الأنبياء. وقال ~~السدي: إلى العباد بنعمه أو نقمه، وجملة (يزيد في الخلق ما يشاء) مستأنفة ~~مقررة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة، والمعنى: أنه يزيد في خلق ~~الملائكة ما يشاء، وهو قول أكثر المفسرين، واختاره الفراء والزجاج. وقيل إن ~~هذه الزيادة في الخلق غير خاصة بالملائكة فقال الزهري وابن جريج: إنها حسن ~~الصوت. وقال قتادة: الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في الفم، ~~وقيل الوجه الحسن، وقيل الخط الحسن، وقيل الشعر الجعد، وقيل العقل ~~والتمييز، وقيل العلوم والصنائع ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص بل يتناول كل ~~زيادة، وجملة (إن الله على كل شئ قدير) تعليل لما قبلها من ms3209 أنه يزيد في ~~الخلق ما يشاء (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) أي ما يأتيهم ~~الله به من مطر ورزق لا يقدر أحد أن يمسكه (وما يمسك) من ذلك لا يقدر أحد ~~أن يرسله من بعد إمساكه، وقيل المعنى: إن الرسل بعثوا رحمة للناس فلا يقدر ~~على إرسالهم غير الله، وقيل هو الدعاء، وقيل التوبة، وقيل التوفيق ~~والهداية. ولا وجه لهذا التخصيص بل المعنى: كل ما يفتحه الله للناس من ~~خزائن رحمته فيشمل كل نعمة ينعم الله بها على خلقه، وهكذا الإمساك يتناول ~~كل شئ يمنعه الله من نعمه، فهو سبحانه المعطي المانع القابض الباسط لا معطي ~~سواه ولا منعم غيره. ثم أمر سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم ~~التي لا تعد ولا تحصى - وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها - ومعنى هذا الأمر ~~لهم بالذكر هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها وطلب المزيد منها (هل من خالق ~~غير الله) من زائدة وخالق مبتدأ وغير الله صفة له. قال الزجاج: ورفع غير ~~على معنى هل خالق غير الله لأن " من " زيادة مؤكدة، ومن خفض غير جعلها صفة ~~على اللفظ. قرأ الجمهور برفع " غير " وقرأ حمزة والكسائي بخفضها، وقرأ ~~الفضل بن إبراهيم بنصبها على الاستثناء، وجملة (يرزقكم من السماء والأرض) ~~خبر المبتدأ، أو جملة مستأنفة أو صفة أخرى لخالق، وخبره محذوف، والرزق من ~~السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات وغير ذلك، وجملة (لا إله إلا هو) مستأنفة ~~لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام (فأنى تؤفكون) من الإفك بالفتح وهو ~~الصرف، يقال ما أفكك عن كذا: أي ما صرفك: أي فكيف تصرفون، وقيل هو مأخوذ من ~~الإفك بالكسر، وهو الكذب لأنه مصروف عن الصدق. قال الزجاج: أي من أين يقع ~~لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله والبعث وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم. ~~ثم عزى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال (وإن يكذبوك فقد ~~كذبت رسل من قبلك) ليتأسى بمن قبله من الأنبياء ويتسلى عن تكذيب كفار العرب ~~له (وإلى ms3210 الله ترجع الأمور) لا إلى غيره فيجازي كلا بما يستحقه. قرأ الحسن ~~والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن محيض وحميد والأعمش ويحيى بن وثاب ~~وحمزة والكسائي وخلف " ترجع " بفتح الفوقية على البناء للفاعل، وقرأ ~~الباقون بضمها على البناء للمفعول (يا أيها الناس إن وعد الله حق) أي وعده ~~بالبعث والنشور والحساب والعقاب والجنة والنار، كما أشير إليه بقوله " وإلى ~~الله ترجع الأمور " فلا تغرنكم الحياة الدنيا بزخرفها ونعيمها. قال سعيد بن ~~جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة ~~حتى يقول - يا ليتني قدمت لحياتي - (ولا يغرنكم بالله الغرور) قرأ الجمهور ~~بفتح الغين: أي المبالغ في الغرور، وهو الشيطان. قال ابن السكيت وأبو حاتم: ~~الغرور الشيطان ويجوز أن يكون مصدرا، واستبعده الزجاج، لأن غرر به متعدي ~~ومصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو PageV04P338 # ضربته ضربا، إلا في أشياء يسيرة معروفة لا يقاس عليها، ومعنى الآية: لا ~~يغرنكم الشيطان بالله فيقول لكم: إن الله يتجاوز عنكم ويغفر لكم لفضلكم أو ~~لسعة رحمته لكم. وقرأ أبو حيوة وأبو سماك ومحمد بن السميفع بضم الغين، وهو ~~الباطل. قال ابن السكيت: والغرور بالضم ما يغر من متاع الدنيا. وقال ~~الزجاج: يجوز أن يكون الغرور جمع غار، مثل قاعدة وقعود، قيل ويجوز أن يكون ~~مصدر غره كاللزوم والنهوك، وفيه ما تقدم عن الزجاج من الاستبعاد. ثم حذر ~~سبحانه عباده من الشيطان فقال (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) أي فعادوه ~~بطاعة الله ولا تطيعوه في معاصي الله. ثم بين لعباده كيفية عداوة الشيطان ~~لهم فقال (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) أي إنما يدعو أشياعه ~~وأتباعه والمطيعين له إلى معاصي الله سبحانه لأجل أن يكونوا من أهل النار، ~~ومحل الموصول في قوله (الذين كفروا لهم عذاب شديد) الرفع على الابتداء، ~~ولهم عذاب شديد خبره، أو الرفع على البدل من فاعل يكونوا، أو النصب على ~~البدل من حزبه، أو النعت له، أو إضمار فعل يدل على الذم، والجر على البدل ms3211 ~~من أصحاب، أو النعت له. والرفع على الابتداء أقوى هذه الوجوه، لأنه سبحانه ~~بعد ذكر عداوة الشيطان ودعائه لحزبه ذكر حال الفريقين من المطيعين له ~~والعاصين عليه فالفريق الأول قال " لهم عذاب شديد " والفريق الآخر قال فيه ~~(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير) أي يغفر الله لهم بسبب ~~الإيمان والعمل الصالح، ويعطيهم أجرا كبيرا وهو الجنة (أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا) هذه الجملة مستأنفة لتقرير ما سبق من ذكر التفاوت بين ~~الفريقين، و " من " في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف. قال الكسائي: # والتقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: ويدل عليه قوله - فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات - قال: وهذا كلام عربي ظريف لا يعرفه إلا القليل. وقال الزجاج: ~~تقديره كمن هداه، وقدره غيرهما كمن لم يزين له، وهذا أولى لموافقته لفظا ~~ومعنى، وقد وهم صاحب الكشاف، فحكى عن الزجاج ما قاله الكسائي. قال النحاس: # والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره من الدلالة على ~~المحذوف، والمعنى: أن الله عز وجل نهى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن شدة ~~الاغتمام بهم والحزن عليهم كما قال - فلعلك باخع نفسك - وجملة (فإن الله ~~يضل من يشاء ويهدي من يشاء) مقررة لما قبلها: أي يضل من يشاء أن يضله ويهدي ~~من يشاء أن يهديه (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) قرأ الجمهور بفتح الفوقية ~~والهاء مسندا إلى النفس، فتكون من باب: لا أرينك ها هنا. # وقرأ أبو جعفر وشيبة وابن محيصن والأشهب بضم التاء وكسر الهاء، ونصب " ~~نفسك " وانتصاب " حسرات " على أنه علة: أي للحسرات، ويجوز أن ينتصب على ~~الحال كأنها صارت كلها حسرات لفرط التحسر كما روي عن سيبويه. وقال المبرد: ~~إنها تمييز. والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر (إن الله عليم بما ~~يصنعون) لا يخفى عليه من أفعالهم وأقوالهم خافية، والجملة تعليل لما قبلها ~~مع ما تضمنته من الوعيد الشديد. # وقد أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ms3212 ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني ~~أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: # ابتدأتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال (فاطر السماوات) بديع ~~السماوات. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله (يزيد في الخلق ما يشاء) قال: ~~الصوت الحسن. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ما يفتح ~~الله للناس من رحمة) الآية قال: ما يفتح الله من باب توبة (فلا ممسك لها) ~~هم يتوبون إن شاءوا وإن أبوا، وما أمسك من باب توبة (فلا مرسل له من بعده) ~~وهم لا يتوبون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في الآية قال: # يقول ليس لك من الأمر شئ. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (لهم ~~مغفرة وأجر كبير) قال: كل PageV04P339 # شئ في القرآن لهم مغفرة وأجر كبير، ورزق كريم فهو الجنة. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن في قوله (أفمن زين له سوء ~~عمله) قال: الشيطان زين لهم هي والله الضلالات (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) ~~أي لا تحزن عليهم. # ثم أخبر سبحانه عن نوع من أنواع بديع صنعه وعظيم قدرته، ليتفكروا في ذلك ~~وليعتبروا به، فقال (والله الذي أرسل الرياح) قرأ الجمهور: الرياح، وقرأ ~~ابن كثير وابن محيصن والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي " الريح " ~~بالإفراد (فتثير سحابا) جاء بالمضارع بعد الماضي استحضارا للصورة، لأن ذلك ~~أدخل في اعتبار المعتبرين، ومعنى كونها: تثير السحاب أنها تزعجه من حيث هو ~~(فسقناه إلى بلد ميت) قال أبو عبيدة: سبيله فتسوقه، لأنه قال: فتثير سحابا. ~~قيل النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع: الدلالة على التحقق. قال ~~المبرد: # ميت وميت واحد، وقال هذا قول البصريين، وأنشد: # ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء (فأحيينا به الأرض) أي ~~أحيينا بالمطر الأرض بإنبات ما ينبت فيها، وإن لم يتقدم ذكر المطر فالسحاب ~~يدل عليه، أو أحيينا بالسحاب، لأنه سبب المطر (بعد ms3213 موتها) أي بعد يبسها، ~~استعار الإحياء للنبات والموت لليبس (كذلك النشور) أي كذلك يحيي الله ~~العباد بعد موتهم كما أحيا الأرض بعد موتها، والنشور: البعث، من نشر نشورا، ~~والكاف في محل رفع على الخبرية: أي مثل إحياء موات الأرض إحياء الأموات، ~~فكيف PageV04P340 # تنكرونه وقد شاهدتم غير مرة ما هو مثله وشبيه به (من كان يريد العزة) قال ~~الفراء: معناه من كان علم العزة لمن هي؟ فإنها لله جميعا. وقال قتادة: من ~~كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله، فجعل معنى فلله العزة: الدعاء إلى طاعة ~~من له العزة، كما يقال من أراد المال فالمال لفلان: أي فليطلبه من عنده. ~~وقال الزجاج: تقديره من كان يريد بعبادة الله العزة، والعزة له سبحانه، فإن ~~الله عز وجل يعزه في الدنيا والآخرة. وقيل المراد بقوله (من كان يريد ~~العزة) المشركون، فإنهم كانوا يتعززون بعبادة الأصنام: كقوله - واتخذوا من ~~دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا - وقيل المراد: الذين كانوا يتعززون بهم من ~~الذين آمنوا بألسنتهم - الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~أيبتغون عندهم العزة - الآية (فلله العزة جميعا) أي فليطلبها منه لا من ~~غيره، والظاهر في معنى الآية: أن من كان يريد العزة ويطلبها فليطلبها من ~~الله عز وجل: فلله العزة جميعا، ليس لغيره منها شئ، فتشمل الآية كل من طلب ~~العزة، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة، ~~ومن أي جهة تطلب؟ # (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) أي إلى الله يصعد لا إلى ~~غيره، ومعنى صعوده إليه قبوله له، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه ~~من الصحف، وخص الكلم الطيب بالذكر لبيان الثواب عليه، وهو يتناول كل كلام ~~يتصف بكونه طيبا من ذكر لله، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتلاوة وغير ذلك، ~~فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد، أو بالتحميد والتمجيد. وقيل المراد بصعوده ~~صعوده إلى سماء الدنيا. وقيل المراد بصعوده علم الله به، ومعنى (والعمل ~~الصالح يرفعه) أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، كما قال الحسن ms3214 وشهر بن ~~حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبو العالية والضحاك، ووجهه أنه لا يقبل ~~الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح. # وقيل إن فاعل يرفعه هو الكلم الطيب، ومفعوله العمل الصالح، ووجهه أن ~~العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان. وقيل إن فاعل يرفعه ضمير ~~يعود إلى الله عز وجل. والمعنى: أن الله يرفع العمل الصالح على الكلم ~~الطيب، لأن العمل يحقق الكلام. وقيل والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي ~~أراد العزة. وقال قتادة: # المعنى أن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه: أي يقبله، فيكون قوله (والعمل ~~الصالح) على هذا مبتدأ خبره يرفعه، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه. قرأ ~~الجمهور " يصعد " من صعد الثلاثي. " والكلم الطيب " بالرفع على الفاعلية. ~~وقرأ علي وابن مسعود " يصعد " بضم حرف المضارعة من أصعد، " والكلم الطيب " ~~بالنصب على المفعولية وقرأ الضحاك على البناء للمفعول وقرأ الجمهور " الكلم ~~" وقرأ أبو عبد الرحمن " الكلام " وقرأ الجمهور " والعمل الصالح " بالرفع ~~على العطف أو على الابتداء. وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر بالنصب على ~~الاشتغال (والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد) انتصاب السيئات على أنها ~~صفة لمصدر محذوف: أي يمكرون المكرات السيئات وذلك لأن " مكر " لازم، ويجوز ~~أن يضمن يمكرون معنى يكسبون، فتكون السيئات مفعولا به. قال مجاهد وقتادة: # هم أهل الرياء. وقال أبو العالية: هم الذين مكروا بالنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما اجتمعوا في دار الندوة. # وقال الكلبي: هم الذين يعملون السيئات في الدنيا. وقال مقاتل: هم ~~المشركون، ومعنى (لهم عذاب شديد) لهم عذاب بالغ الغاية في الشدة (ومكر ~~أولئك هو يبور) أي يبطل ويهلك، ومنه - وكنتم قوما بورا - والمكر في الأصل: ~~الخديعة والاحتيال، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الذين مكروا السيئات على ~~اختلاف الأقوال في تفسير مكرهم، وجملة (هو يبور) خبر مكر أولئك. ثم ذكر ~~سبحانه دليلا آخر على البعث والنشور فقال (والله خلقكم من تراب) أي خلقكم ~~ابتداء في ضمن خلق أبيكم آدم من تراب. وقال قتادة: يعني آدم، والتقدير على ~~هذا: ms3215 خلق أباكم الأول، وأصلكم الذي ترجعون إليه من تراب (ثم من نطفة) ~~أخرجها من ظهر آبائكم (ثم PageV04P341 # جعلكم أزواجا) أي زوج بعضكم ببعض، فالذكر زوج الأنثى، أو جعلكم أصنافا ~~ذكرانا وإناثا (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) أي لا يكون حمل ولا ~~وضع إلا والله عالم به، فلا يخرج شئ عن عمله وتدبيره (وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب) أي ما يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب: أي في اللوح المحفوظ قال الفراء: يريد آخر غير الأول، فكنى عنه ~~بالضمير كأنه الأول لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول كأنه قال: ولا ينقص ~~من عمر معمر، فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأول، ومثله قولك عندي ~~درهم ونصفه: أي نصف آخر. قيل إنما سمي معمرا باعتبار مصيره إليه. والمعنى: ~~وما يمد في عمر أحد ولا ينقص من عمر أحد، لكن لا على معنى لا ينقص من عمره ~~بعد كونه زائدا، بل على معنى أنه لا يجعل من الابتداء ناقصا إلا وهو في ~~كتاب. قال سعيد بن جبير: وما يعمر من معمر إلا كتب عمره: كم هو سنة، كم هو ~~شهرا، كم هو يوما، كم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر نقص من عمره ساعة، نقص ~~من عمره يوم، نقص من عمره شهر، نقص من عمره سنة حتى يستوفى أجله، فما مضى ~~من أجله فهو النقصان، وما يستقبل، فهو الذي يعمره. وقال قتادة: المعمر من ~~بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. وقيل المعنى: إن ~~الله كتب عمر الإنسان كذا إن أطاع، ودونه إن عصى فأيهما بلغ فهو في كتاب، ~~والضمير على هذا يرجع إلى معمر. وقيل المعنى: وما يعمر من معمر إلى الهرم، ~~ولا ينقص آخر من عمر الهرم إلا في كتاب: أي بقضاء الله قاله الضحاك، ~~واختاره النحاس. قال: وهو أشبهها بظاهر التنزيل، والأولى أن يقال ظاهر ~~النظم القرآني أن تطويل العمر ms3216 وتقصيره: هما بقضاء الله وقدره لأسباب تقتضي ~~التطويل، وأسباب تقتضي التقصير. # فمن أسباب التطويل: ما ورد في صلة الرحم عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ونحو ذلك. ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي الله عز وجل، فإذا ~~كان العمر المضروب للرجل مثلا سبعين سنة، فقد يزيد الله له عليها إذا فعل ~~أسباب الزيادة، وقد ينقصه منها إذا فعل أسباب النقصان، والكل في كتاب مبين ~~فلا تخالف بين هذه الآية، وبين قوله سبحانه - فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون - ويؤيد هذا قوله سبحانه - يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب - وقد قدمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحا ~~وبيانا. قرأ الجمهور " ينقص " مبنيا للمفعول. وقرأ يعقوب وسلام وروي عن أبي ~~عمرو " ينقص " مبنيا للفاعل. وقرأ الجمهور " من عمره " بضم الميم. وقرأ ~~الحسن والأعرج والزهري بسكونها، والإشارة بقوله (إن ذلك) إلى ما سبق من ~~الخلق وما بعده (على الله يسير) لا يصعب عليه منه شئ، ولا يعزب عنه كثير ~~ولا قليل، ولا كبير ولا صغير. ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من بديع صنعه، وعجيب ~~قدرته فقال (وما يستوي البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) ~~فالمراد بالبحران هو العذب والمالح، فالعذب الفرات الحلو، والأجاج المر، ~~والمراد (بسائغ شرابه) الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته. وقرأ عيسى بن ~~عمر " سيغ " بتشديد الياء، وروي تسكينها عنه. وقرأ طلحة وأبو نهيك " ملح " ~~بفتح الميم (ومن كل) منهما (تأكلون لحما طريا) وهو ما يصاد منهما من ~~حيواناتهما التي تؤكل (وتستخرجون حلية تلبسونها) الظاهر أن المعنى: ~~وتستخرجون فيها حلية تلبسونها. وقال المبرد: إنما تستخرج الحلية من المالح، ~~وروي عن الزجاج أنه قال: إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا، لا من كل ~~واحد منهما على انفراده، ورجح النحاس قول المبرد. ومعنى (تلبسونها) تلبسون ~~كل شئ منها بحسبه، كالخاتم في الأصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في ~~العنق، والخلخال في الرجل، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف والدرع ~~ونحوهما (وترى الفلك ms3217 فيه) أي في كل واحد من البحرين. وقال النحاس: الضمير ~~يعود إلى PageV04P342 # الماء المالح خاصة، ولولا ذلك لقال: فيهما (مواخر) يقال مخرت السفينة ~~تمخر: إذا شقت الماء. فالمعنى: وترى السفن في البحرين شواق للماء بعضها ~~مقبلة، وبعضها مدبرة بريح واحدة، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة النحل، ~~واللام في (لتبتغوا من فضله) متعلقة بما يدل عليه الكلام السابق: أي فعل ~~ذلك لتبتغوا أو بمواخر. قال مجاهد: ابتغاء الفضل هو التجارة في البحر إلى ~~البلدان البعيدة في مدة قريبة كما تقدم في البقرة (ولعلكم تشكرون) الله على ~~ما أنعم عليكم به من ذلك. قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل ~~في حق المؤمن والكافر، والكفر والإيمان، فكما لا يستوي البحران كذلك لا ~~يستوي المؤمن والكافر، ولا الكفر والإيمان (يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل) أي يضيف بعض أجزائهما إلى بعض، فيزيد في أحدهما بالنقص في ~~الآخر، وقد تقدم تفسيره في آل عمران، وفي مواضع من الكتاب العزيز (وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) قدره الله لجريانهما، وهو يوم القيامة. ~~وقيل هو المدة التي يقطعان في مثلها الفلك، وهو سنة للشمس، وشهر للقمر. ~~وقيل المراد به جري الشمس في اليوم، والقمر في الليلة. وقد تقدم تفسير هذا ~~مستوفى في سورة لقمان، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى الفاعل لهذه الأفعال وهو ~~الله سبحانه، واسم الإشارة مبتدأ وخبره (الله ربكم له الملك) أي هذا الذي ~~من صنعته ما تقدم: هو الخالق المقدر والقادر المقتدر المالك للعالم، ~~والمتصرف فيه، ويجوز أن يكون قوله: له الملك جملة مستقلة في مقابلة قوله ~~(والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) أي لا يقدرون عليه ولا على ~~خلقه، والقطمير: القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة والنواة وتصير على ~~النواة كاللفافة لها. وقال المبرد: هو شق النواة. وقال قتادة: هو القمع ~~الذي على رأس النواة. قال الجوهري: ويقال هي النكتة البيضاء التي في ظهر ~~النواة تنبت منها النخلة. ثم بين سبحانه حال هؤلاء الذين ms3218 يدعونهم من دون ~~الله بأنهم لا ينفعون ولا يضرون فقال (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) أي إن ~~تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لكونها جمادات لا تدرك شيئا من ~~المدركات (ولو سمعوا) على طريقة الفرض، والتقدير (ما استجابوا لكم) لعجزهم ~~عن ذلك. قال قتادة: المعنى ولو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل المعنى: لو جعلنا ~~لهم سماعا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم ولم يستجيبوا لكم إلى ~~ما دعوتموهم إليه من الكفر (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) أي يتبرؤون من ~~عبادتكم لهم، ويقولون - ما كنتم إيانا تعبدون - ويجوز أن يرجع (والذين ~~تدعون من دونه) وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار، وهم الملائكة والجن ~~والشياطين. والمعنى: أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا، وينكرون أنهم ~~أمروكم بعبادتهم (ولا ينبئك مثل خبير) أي لا يخبرك مثل من هو خبير بالأشياء ~~عالم بها، وهو الله سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه ~~سبحانه، وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: يقوم ملك ~~بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق لله في السماوات والأرض ~~إلا من شاء الله إلا مات، ثم يرسل الله من تحت العرش منيا كمني الرجال، ~~فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد ~~الله (الله الذي أرسل الرياح) الآية. وأخرج أبو داود والطيالسي وأحمد وعبد ~~بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن أبي رزين العقيلي قال " قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ ~~قال: أما مررت بأرض مجدبة ثم مررت بها مخصبة تهتز خضراء؟ قلت بلى، قال: ~~كذلك يحيي الله الموتى، وكذلك النشور ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود ~~قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم ~~إذا قال: سبحان الله PageV04P343 # وبحمده والحمد ms3219 لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، قبض عليهن ~~ملك يضمهن تحت جناحه، ثم يصعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من ~~الملائكة إلا استغفر لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن، ثم قرأ (إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) قال: أداء الفرائض، فمن ذكر الله في أداء ~~فرائضه حمل عمله ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه ~~رد كلامه على عمله، وكان عمله أولى به. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (وما يعمر من معمر) الآية قال: يقول ليس أحد قضيت له طول ~~العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت له ذلك، فإنما ~~ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير ~~العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له، فذلك قوله ~~(ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وأخرج أحمد ~~ومسلم وأبو عوانة وابن حبان والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة ~~بن أسيد الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يدخل الملك ~~على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمسة وأربعين ليلة، فيقول أي ~~رب أشقى أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان، ثم يكتب عمله ورزقه ~~وأجله وأثره ومصيبته، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص ". وأخرج ابن ~~أبي شيبة ومسلم والنسائي وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم ~~حبيبة: اللهم أمتعني بزوجي النبي، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # " إنك سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، ولن يعجل ~~الله شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في ~~النار، أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل " وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من ~~قبول الدعاء، وأنه يعتلج ms3220 هو والقضاء، وبما ورد في صلة الرحم أنها تزيد في ~~العمر، فلا معارضة بين الأدلة كما قدمنا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ما يملكون من ~~قطمير) قال: القطمير القشر، وفي لفظ: الجلد الذي يكون على ظهر النواة. ~~PageV04P344 # ثم ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه، ومزيد حاجتهم إلى فضله، فقال (يا أيها ~~الناس أنتم الفقراء إلى الله) أي المحتاجون إليه في جميع أمور الدين ~~والدنيا، فهم الفقراء إليه على الإطلاق و (هو الغني) على الإطلاق (الحميد) ~~أي المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم. ثم ذكر سبحانه نوعا من الأنواع ~~التي يتحقق عندها افتقارهم إليه واستغناؤه عنهم فقال (إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد) أي إن يشأ يفنكم ويأت بدلكم بخلق جديد يطيعونه ولا يعصونه، أو ~~يأت بنوع من أنواع الخلق وعالم من العالم غير ما تعرفون (وما ذلك) إلا ذهاب ~~لكم والإتيان بآخرين (على الله بعزيز) أي بممتنع ولا متعسر، وقد مضى تفسير ~~هذا في سورة إبراهيم (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي نفس وازرة فحذف الموصوف ~~للعلم به، ومعنى تزر: تحمل. والمعنى: لا تحمل نفس حمل نفس أخرى: # أي إثمها بل كل نفس تحمل وزرها، ولا تخالف هذه الآية قوله - وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم - لأنهم إنما حملوا أثقال إضلالهم مع أثقال ~~ضلالهم، والكل من أوزارهم، لا من أوزار غيرهم، ومثل هذا حديث " من سن سنة ~~سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " فإن الذي سن السنة ~~السيئة إنما حمل وزر سنته السيئة، وقد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى ~~(وإن تدع مثقلة إلى حملها) قال الفراء: أي نفس مثقلة، قال: وهذا يقع للمذكر ~~والمؤنث. قال الأخفش: أي وإن تدع مثقلة إنسانا إلى حملها، وهو ذنوبها (لا ~~يحمل منه) أي من حملها (شئ ولو كان ذا قربى) أي ولو كان الذي تدعوه ذا ~~قرابة لها، لم يحمل من حملها شيئا. ومعنى الآية: # وإن تدع ms3221 نفس مثقلة بالذنوب نفسا أخرى إلى حمل شئ من ذنوبها معها لم تحمل ~~تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئا، ولو كانت قريبة لها في النسب، فكيف بغيرها ~~مما لا قرابة بينها وبين الداعية لها؟ وقرئ " ذو قربى " على أن كان تامة، ~~كقوله - وإن كان ذو عسرة - وجملة (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) ~~مستأنفة مسوقة لبيان من يتعظ بالإنذار، ومعنى (يخشون ربهم بالغيب) أنه ~~يخشونه حال كونهم غائبين عن عذابه أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم، أو يخشونه ~~في الخلوات عن الناس. قال الزجاج: تأويله أن إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ~~ربهم، فكأنك تنذرهم دون غيرهم ممن لا ينفعهم الإنذار، كقوله - إنما أنت ~~منذر من يخشاها - وقوله - إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب - ~~ومعنى (وأقاموا الصلاة) أنهم احتفلوا بأمرها، ولم يشتغلوا عنها بشئ مما ~~يلهيهم (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه) التزكي: التطهر من أدناس الشرك ~~والفواحش، والمعنى: أن من تطهر بترك المعاصي واستكثر من العمل الصالح فإنما ~~يتطهر لنفسه، لأن نفع ذلك مختص به كما أن وزر من تدنس لا يكون إلا عليه لا ~~على غيره. قرأ الجمهور " ومن تزكى فإنما يتزكى " وقرأ أبو عمرو " فإنما ~~يزكى " بإدغام التاء في الزاي وقرأ ابن مسعود وطلحة " ومن أزكى فإنما يزكى ~~" (وإلى الله المصير) لا إلى غيره، ذكر سبحانه أولا أنه لا يحمل أحد ذنب ~~أحد، ثم ذكر ثانيا أن المذنب إن دعا غيره ولو كان من قرابته إلى حمل شئ من ~~ذنوبه لا يحمله، ثم ذكر ثالثا أن ثواب الطاعة مختص بفاعلها ليس لغيره منه ~~شئ. ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر فقال (وما يستوي الأعمى) أي المسلوب حاسة ~~البصر (والبصير) الذي له ملكة البصر، فشبه الكافر بالأعمى، وشبه المؤمن ~~بالبصير (ولا الظلمات ولا النور) أي ولا تستوي الظلمات ولا النور، فشبه ~~الباطل بالظلمات، وشبه الحق بالنور. قال الأخفش: ولا في قوله " ولا النور، ~~ولا الحرور " زائدة، والتقدير وما يستوي الظلمات والنور ولا الظل والحرور، ~~والحرور شدة حر الشمس. قال ms3222 الأخفش: والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، ~~PageV04P345 # والسموم يكون بالليل، وقيل عكسه. وقال رؤبة بن العجاج: الحرور يكون ~~بالليل خاصة، والسموم يكون بالنهار خاصة. وقال الفراء: السموم لا يكون إلا ~~بالنهار، والحرور يكون فيهما. قال النحاس: وهذا أصح. # وقال قطرب: الحرور الحر، والظل البرد، والمعنى: أنه لا يستوي الظل الذي ~~لا حر فيه ولا أذى، والحر الذي يؤذي. قيل أراد الثواب والعقاب، وسمى الحر ~~حرورا مبالغة في شدة الحر، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقال ~~الكلبي: أراد بالظل الجنة، وبالحرور النار. وقال عطاء: يعني ظل الليل وشمس ~~النهار. # قيل وإنما جمع الظلمات وأفرد النور لتعدد فنون الباطل واتحاد الحق. ثم ~~ذكر سبحانه تمثيلا آخر للمؤمن والكافر فقال (وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات) فشبه المؤمنين بالأحياء، وشبه الكافرين بالأموات، وقيل أراد تمثيل ~~العلماء والجهلة. وقال ابن قتيبة: الأحياء العقلاء، والأموات الجهال. قال ~~قتادة: هذه كلها أمثال: أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر ~~والمؤمن (إن الله يسمع من يشاء) أن يسمعه من أوليائه الذين خلقهم لجنته ~~ووفقهم لطاعته (وما أنت بمسمع من في القبور) يعني الكفار الذين أمات الكفر ~~قلوبهم: أي كما لا تسمع من مات كذلك لا تسمع من مات قلبه، قرأ الجمهور ~~بتنوين " مسمع " وقطعه عن الإضافة. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وعمرو بن ميمون ~~بإضافته (إن أنت إلا نذير) أي ما أنت إلا رسول منذر ليس عليك إلا الإنذار ~~والتبليغ، والهدى والضلالة بيد الله عز وجل (إنا أرسلناك بالحق) يجوز أن ~~يكون بالحق في محل نصب على الحال من الفاعل: أي محقين، أو من المفعول: أي ~~محقا، أو نعت لمصدر محذوف: أي إرسالا ملتبسا بالحق، أو هو متعلق ببشيرا: أي ~~بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعد الحق، والأولى أن يكون نعتا للمصدر ~~المحذوف، ويكون معنى بشيرا: بشيرا لأهل الطاعة ونذيرا لأهل المعصية (وإن من ~~أمة إلا خلا فيها نذير) أي ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير ~~من الأنبياء ينذرها، واقتصر ms3223 على ذكر النذير دون البشير، لأنه ألصق بالمقام، ~~ثم سلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعزاه، فقال (وإن يكذبوك فقد كذب ~~الذين من قبلهم) أي كذب من قبلهم من الأمم الماضية أنبياءهم (جاءتهم رسلهم ~~بالبينات) أي بالمعجزات الواضحة والدلالات الظاهرة (وبالزبر) أي الكتب ~~المكتوبة كصحف إبراهيم (وبالكتاب المنير) كالتوراة والإنجيل، قيل الكتاب ~~المنير داخل تحت الزبر وتحت البينات والعطف لتغاير المفهومات، وإن كانت ~~متحدة في الصدق، والأولى تخصيص البينات بالمعجزات، والزبر بالكتب التي فيها ~~مواعظ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام، (ثم أخذت الذين كفروا) وضع الظاهر ~~موضع الضمير يفيد التصريح بذمهم بما في حيز الصلة، ويشعر بعلة الأخذ (فكيف ~~كان نكير) أي فكيف كان نكيري عليهم وعقوبتي لهم، وقرأ ورش عن نافع وشيبة ~~بإثبات الياء في " نكير " وصلا لا وقفا، وقد مضى بيان معنى هذا قريبا. # وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في حجة الوداع " ألا لا يجني جان ~~إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده ". # وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فلما رأيته قال لأبي: ابنك هذا؟ قال: إي ورب الكعبة، قال: أما أنه لا ~~يجني عليك ولا تجني عليه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى) وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ) قال: # يكون عليه وزر لا يجد أحدا يحمل عنه من وزره شيئا. PageV04P346 # ثم ذكر سبحانه نوعا من أنواع قدرته الباهرة وخلقا من مخلوقاته البديعة. ~~فقال (ألم تر) والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح ~~له (أن الله أنزل من السماء ماء) وهذه الرؤية هي القلبية: أي ألم ms3224 تعلم، وأن ~~واسمها وخبرها سدت مسد المفعولين (فأخرجنا به) أي بالماء، والنكتة في هذا ~~الالتفات إظهار كمال العناية بالفعل لما فيه من الصنع البديع، وانتصاب ~~(مختلفا ألوانها) على الوصف لثمرات، والمراد بالألوان الأجناس والأصناف: أي ~~بعضها أبيض، وبعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أخضر، وبعضها أسود (ومن ~~الجبال جدد) الجدد جمع جدة، وهي الطريق. قال الأخفش: ولو كان جمع جديد لقال ~~جدد بضم الجيم والدال، نحو سرير وسرر. قال زهير: # كأنه أسفع الخدين ذو جدد * طار ويرتع بعد الصيف أحيانا وقيل الجدد القطع، ~~مأخوذ من جددت الشئ إذا قطعته، حكاه ابن بحر. قال الجوهري: الجدة: الخطة ~~التي في ظهر الجمار تخالف لونه، والجدة الطريقة، والجمع جدد وجدائد، ومن ~~ذلك قول أبي ذؤيب: # * جون السراة له جدائد أربع * قال المبرد: جدد: طرائق وخطوط. قال ~~الواحدي: ونحو هذا قال المفسرون في تفسير الجدد. وقال الفراء: هي الطرق ~~تكون في الجبال كالعروق بيض وسود وحمر واحدها جدة. # والمعنى: أن الله سبحانه أخبر عن جدد الجبال، وهي طرائقها، أو الخطوط ~~التي فيها بأن لون بعضها البياض ولون بعضها الحمرة، وهو معنى قوله (بيض ~~وحمر مختلف ألوانها) قرأ الجمهور " جدد " بضم الجيم وفتح الدال. وقرأ ~~PageV04P347 # الزهري بضمهما جمع جديدة وروي عنه أنه قرأ بفتحهما وردها أبو حاتم وصححها ~~غيره وقال: الجدد الطريق الواضح البين (وغرابيب سود) الغربيب الشديد السواد ~~الذي يشبه لونه لون الغراب. قال الجوهري: تقول هذا أسود غربيب: أي شديد ~~السواد، وإذا قلت غرابيب سود جعلت السود بدلا من غرابيب. قال الفراء: في ~~الكلام تقديم وتأخير تقديره وسود غرابيب، لأنه يقال أسود غربيب، وقل ما ~~يقال غربيب أسود، وقوله (مختلف ألوانها) صفة لجدد، وقوله (وغرابيب) معطوف ~~على جدد على معنى: ومن الجبال جدد بيض وحمر، ومن الجبال غرابيب على لون ~~واحد، وهو السواد، أو على حمر على معنى، ومن الجبال جدد بيض وحمر وسود، ~~وقيل معطوف على بيض، ولا بد من تقدير مضاف محذوف قبل جدد: أي ومن الجبال ذو ~~جدد، لأن الجدد إنما ms3225 هي في ألوان بعضها (ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ~~ألوانه) قوله مختلف صفة لموصوف محذوف: أي ومنهم صنف، أو نوع أو بعض مختلف ~~ألوانه بالحمرة والسواد والبياض والخضرة والصفرة. قال الفراء: أي خلق مختلف ~~ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال، وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه ~~الأشياء، لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله وبديع صنعه، ومعنى ~~(كذلك) أي مختلفا مثل ذلكك الاختلاف، وهو صفة لمصدر محذوف، والتقدير مختلف ~~ألوانه اختلافا كائنا كذلك: أي كاختلاف الجبال والثمار. وقرأ الزهري " ~~والدواب " بتخفيف الباء. وقرأ ابن السميفع " ألوانها ". وقيل إن قوله " ~~كذلك " متعلق بما بعده: أي مثل ذلك المطر والاعتبار في مخلوقات الله ~~واختلاف ألوانها يخشى الله من عباده العلماء، وهذا اختاره ابن عطيه، وهو ~~مردود بأن ما بعد إنما لا يعمل فيما قبلها. والراجح الوجه الأول، والوقف ~~على كذلك تام. ثم استؤنف الكلام وأخبر سبحانه بقوله (إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء) أو هو من تتمة قوله - إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب - ~~على معنى إنما يخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته ~~الجليلة وأفعاله الجميلة، وعلى كل تقدير فهو سبحانه قد عين في هذه الآية ~~أهل خشيته، وهم العلماء به وتعظيم قدرته. قال مجاهد: إنما العالم من خشي ~~الله عز وجل. # وقال مسروق: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا، فمن كان أعلم ~~بالله كان أخشاهم له. قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم. وقال ~~الشعبي: العالم من خاف الله، ووجه تقديم المفعول أن المقام مقام حصر ~~الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر. وقرأ عمر بن عبد العزيز برفع الاسم الشريف ~~ونصب العلماء، ورويت هذه القراءة عن أبي حنيفة قال في الكشاف: الخشية في ~~هذه القراءة استعارة، والمعنى: أنه يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من ~~الرجال بين الناس، وجملة (إن الله عزيز غفور) تعليل لوجوب الخشية لدلالته ~~على أنه معاقب على معصيته غافر لمن تاب من عباده (إن الذين يتلون كتاب ~~الله) أي ms3226 يستمرون على تلاوته ويداومونها. والكتاب هو القرآن الكريم، ولا ~~وجه لما قيل إن المراد به جنس كتب الله (وأقاموا الصلاة) أي فعلوها في ~~أوقاتها مع كمال أركانها وأذكارها (وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) فيه ~~حث على الإنفاق كيف ما تهيأ، فإن تهيأ سرا فهو أفضل وإلا فعلانية، ولا ~~يمنعه ظنه أن يكون رياء، ويمكن أن يراد بالسر صدقة النفل، وبالعلانية صدقة ~~الفرض، وجملة (يرجون تجارة لن تبور) في محل رفع على خبرية إن كما قال ثعلب ~~وغيره، والمراد بالتجارة ثواب الطاعة ومعنى (لن تبور) لن تكسد ولن تهلك، ~~وهي صفة للتجارة والإخبار برجائهم لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول ~~مرجوهم، واللام في (ليوفيهم أجورهم) متعلق بلن تبور، على معنى: أنها لن ~~تكسد لأجل أن يوفيهم أجور أعمالهم الصالحة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - ~~فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله - وقيل ~~إن اللام متعلقة بمحذوف دل عليه السياق: أي فعلوا ذلك ليوفيهم، ومعنى ~~(ويزيدهم من PageV04P348 # فضله) أنه يتفضل عليهم بزيادة على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم، وجملة ~~(إنه غفور شكور) تعليل لما ذكر من التوفية والزيادة: أي غفور لذنوبهم شكور ~~لطاعتهم، وقيل إن هذه الجملة هي خبر إن، وتكون جملة يرجون في محل نصب على ~~الحال، والأول أولى (والذي أوحينا إليك من الكتاب) يعني القرآن، وقيل اللوح ~~المحفوظ على أن من تبعيضية أو ابتدائية، وجملة (هو الحق) خبر الموصول ~~(ومصدقا لما بين يديه) منتصب على الحال: # أي موافقا لما تقدمه من الكتب (إن الله بعباده لخبير بصير) أي محيط بجميع ~~أمورهم (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) المفعول الأول لأورثنا ~~الموصول، والمفعول الثاني الكتاب، وإنما قدم المفعول الثاني لقصد التشريف ~~والتعظيم للكتاب، والمعنى: ثم أورثنا الذين اصطفيناهم من عبادنا الكتاب، ~~وهو القرآن: أي قضينا وقدرنا بأن نورث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب ~~الذي أنزلناه عليك، ومعنى اصطفائهم اختيارهم واستخلاصهم، ولا شك أن علماء ~~هذه الأمة من الصحابة فمن بعدهم قد شرفهم الله على سائر ms3227 العباد وجعلهم أمة ~~وسطا ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء وسيد ولد ~~آدم. قال مقاتل: يعني قرآن محمد جعلناه ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا. ~~وقيل إن المعنى: أورثناه من الأمم السالفة: أي أخرناه عنهم وأعطيناه الذين ~~اصطفينا، والأول أولى. ثم قسم سبحانه هؤلاء الذي أورثهم كتابه واصطفاهم من ~~عباده إلى ثلاثة أقسام فقال (فمنهم ظالم لنفسه) قد استشكل كثير من أهل ~~العلم معنى هذه الآية، لأنه سبحانه جعل هذا القسم الظالم لنفسه من ذلك ~~المقسم، وهو من اصطفاهم من العباد، فكيف يكون من اصطفاه الله ظالما لنفسه؟ ~~فقيل إن التقسيم هو راجع إلى العباد: أي فمن عبادنا ظالم لنفسه، وهو ~~الكافر، ويكون ضمير يدخلونها عائدا إلى المقتصد والسابق. وقيل المراد ~~بالظالم لنفسه هو المقصر في العمل به، وهو المرجأ لأمر الله، وليس من ضرورة ~~ورثة الكتاب مراعاته حق رعايته، لقوله - فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب - ~~وهذا فيه نظر، لأن ظلم النفس لا يناسب الاصطفاء. وقيل الظالم لنفسه: هو ~~الذي عمل الصغائر، وقد روي هذا القول عن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي ~~الدرداء وعائشة، وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء ولا ~~يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور من ذهب إلى ~~آخر ما سيأتي. ووجه كونه ظالما لنفسه أنه نقصها من الثواب بما فعل من ~~الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات لكان لنفسه فيها ~~من الثواب حظا عظيما، وقيل الظالم لنفسه هو صاحب الكبائر. # وقد اختلف السلف في تفسير السابق والمقتصد، فقال عكرمة وقتادة والضحاك: ~~إن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق، وبه قال الفراء، ~~وقال مجاهد في تفسير الآية: فمنهم ظالم لنفسه أصحاب المشأمة (ومنهم مقتصد) ~~أصحاب الميمنة (ومنهم سابق بالخيرات) السابقون من الناس كلهم. وقال المبرد: ~~إن المقتصد هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها. وقال الحسن: الظالم ~~الذي ترجح سيآته على حسناته، والمقتصد الذي استوت حسناته وسيئاته، والسابق ~~من رجحت ms3228 حسناته على سيآته. وقال مقاتل: الظالم لنفسه أصحاب الكبائر من أهل ~~التوحيد، والمقتصد الذي لم يصب كبيرة، والسابق الذي سبق إلى الأعمال ~~الصالحة. وحكى النحاس أن الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق ~~الجنة بزيادة حسناته على سيآته، فتكون جنات عدن يدخلونها الذين سبقوا ~~بالخيرات لا غير، قال: وهذا قول جماعة من أهل النظر، لأن الضمير في حقيقة ~~النظر لما يليه أولى. وقال الضحاك فيهم ظالم لنفسه: أي من ذريتهم ظالم ~~لنفسه. وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم والظالم ~~لنفسه الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم لنفسه الذاكر لله بلسانه فقط، ~~والمقتصد الذاكر بقلبه، PageV04P349 # والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد ~~صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب الله ~~من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحب الله من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط ~~مراده بمراد الحق. وقيل الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد ~~الذي يعبده طمعا في الجنة، والسابق الذي يعبده لا لسبب. وقيل الظالم الذي ~~يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل الظالم الذي ~~ينتصف ولا ينصف، والمقتصد الذي ينتصف وينصف، والسابق الذي ينصف ولا ينتصف. ~~وقد ذكر الثعلبي وغيره أقوالا كثيرة، ولا شك أن المعاني اللغوية للظالم ~~والمقتصد والسابق معروفة، وهو يصدق على الظلم للنفس بمجرد إحرامها للحظ ~~وتفويت ما هو خير لها، فتارك الاستكثار من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما ~~فوتها من الثواب، وإن كان قائما بما أوجب الله عليه تاركا لما نهاه الله ~~عنه، فهو من هذه الحيثية ممن اصطفاه الله ومن أهل الجنة فلا إشكال في ~~الآية، ومن هذا قول آدم - ربنا ظلمنا أنفسنا - وقول يونس - إني كنت من ~~الظالمين - ومعنى المقتصد هو من يتوسط في أمر الدين ولا يميل إلى جانب ~~الإفراط ولا إلى جانب التفريط وهذا من أهل الجنة، وأما السابق فهو الذي سبق ~~غيره في أمور الدين، وهو خير الثلاثة. # وقد استشكل تقديم الظالم على المقتصد ms3229 وتقديمهما على السابق مع كون ~~المقتصد أفضل من الظالم لنفسه والسابق أفضل منهما، فقيل إن التقديم لا ~~يقتضي التشريف كما في قوله - لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة - ونحوها ~~من الآيات القرآنية التي فيها تقديم أهل الشر على أهل الخير وتقديم ~~المفضولين على الفاضلين. وقيل وجه التقديم هنا أن المقتصدين بالنسبة إلى ~~أهل المعاصي قليل والسابقين بالنسبة إلى الفريقين أقل قليل، فقدم الأكثر ~~على الأقل، والأول أولى فإن الكثرة بمجردها لا تقتضي تقديم الذكر، وقد قيل ~~في وجه التقديم غير ما ذكرنا مما لا حاجة إلى التطويل به، والإشارة بقوله ~~(ذلك) إلى توريث الكتاب والاصطفاء، وقيل إلى السبق بالخيرات. # والأول أولى، وهو مبتدأ وخبره (هو الفضل الكبير) أي الفضل الذي لا يقادر ~~قدره، وارتفاع (جنات عدن) على أنها مبتدأ وما بعدها خبرها، أو على البدل من ~~الفضل لأنه لما كان هو السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب، وعلى هذا ~~فتكون جملة (يدخلونها) مستأنفة وقد قدمنا أن الضمير في يدخلونها يعود إلى ~~الأصناف الثلاثة، فلا وجه لقصره على الصنف الأخير، وقرأ زر بن حبيش ~~والترمذي " جنة " بالإفراد، وقرأ الجحدري " جنات " بالنصب على الاشتغال، ~~وجوز أبو البقاء أن تكون جنات خبرا ثانيا لاسم الإشارة، وقرأ أبو عمرو " ~~يدخلونها " على البناء للمفعول، وقوله (يحلون) خبر ثان لجنات عدن، أو حال ~~مقدرة، وهو من حليت المرأة فهي حال، وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في ~~تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال (يحلون فيها) أشار أن دخولهم ~~على وجه السرعة (من أساور من ذهب) من الأولى تبعيضية، والثانية بيانية: أي ~~يحلون بعض أساور كائنة من ذهب، والأساور جمع أسورة جمع سوار، وانتصاب ~~(لؤلؤا) بالعطف على محل (من أساور) وقرئ بالجر عطفا على ذهب (ولباسهم فيها ~~حرير) قد تقدم تفسير الآية مستوفى في سورة الحج (وقالوا الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن) قرأ الجمهور " الحزن " بفتحتين. وقرأ جناح بن حبيش بضم ~~الحاء وسكون الزاي. والمعنى: أنهم يقولون هذه المقالة إذا دخلوا الجنة. قال ~~قتادة: ms3230 حزن الموت. وقال عكرمة: حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات. وقال ~~القاسم: حزن زوال النعم وخوف العاقبة. وقيل حزن أهوال يوم القيامة. وقال ~~الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: ~~هم الخبز في الدنيا، وقيل هم المعيشة. وقال الزجاج: # أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو معاد. وهذا أرجح ~~الأقوال، فإن الدنيا وإن بلغ PageV04P350 # نعيمها أي بلغ لا تخلو من شوائب ونوائب تكثر لأجلها الأحزان، وخصوصا أهل ~~الإيمان، فإنهم لا يزالون وجلين من عذاب الله خائفين من عقابه، مضطربي ~~القلوب في كل حين، هل تقبل أعمالهم أو ترد؟ حذرين من عاقبة السوء وخاتمة ~~الشر، ثم لا تزال همومهم وأحزانهم حتى يدخلوا الجنة. وأما أهل العصيان: فهم ~~وإن نفس عن خناقهم قليلا في حياة الدنيا التي هي دار الغرور، وتناسوا دار ~~القرار يوما من دهرهم فلا بد أن يشتد وجلهم وتعظم مصيبتهم، وتغلي مراجل ~~أحزانهم إذا شارفوا الموت وقربوا من منازل الآخرة، ثم إذا قبضت أرواحهم ~~ولاح لهم ما يسوؤهم من جزاء أعمالهم ازدادوا غما وحزنا فإن تفضل الله عليهم ~~بالمغفرة وأدخلهم الجنة فقد أذهب عنهم أحزانهم وأزال غمومهم وهمومهم (إن ~~ربنا لغفور شكور) أي غفور لمن عصاه، شكور لمن أطاعه (الذي أحلنا دار ~~المقامة من فضله) أي دار الإقامة التي يقام فيها أبدا ولا ينتقل عنها تفضلا ~~منه ورحمة (لا يمسنا فيها نصب) أي لا يصيبنا في الجنة عناء ولا تعب ولا ~~مشقة (ولا يمسنا فيها لغوب) وهو الإعياء من التعب، والكلال من النصب. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ثمرات مختلفا ~~ألوانها) قال: الأبيض والأحمر والأسود، وفي قوله (ومن الجبال جدد) قال: ~~طرائق (بيض) يعنى الألوان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: # الغربيب الأسود الشديد السواد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: (ومن الجبال جدد) قال: طرائق ~~تكون في الجبل ms3231 بيض (وحمر) فتلك الجدد (وغرابيب سود) قال: جبال سود (ومن ~~الناس والدواب والأنعام) قال (كذلك) اختلاف الناس والدواب والأنعام كاختلاف ~~الجبال، ثم قال (إنما يخشى الله من عباده العلماء) قال: فصل لما قبلها. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ~~قال: العلماء بالله الذين يخافونه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في الآية قال: الذين يعلمون أن الله على كل شئ قدير. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود قال: # ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عنه قال: كفى بخشية الله علما، وكفى ~~باغترار بالله جهلا. وأخرج أحمد في الزهد عنه أيضا قال: ليس العلم بكثرة ~~الرواية ولكن العلم الخشية. وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: يحسب المؤمن ~~من العلم أن يخشى الله. وأخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن ~~عباس أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف نزلت فيه (إن الذين ~~يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله (ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، ~~وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وأخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي ~~وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث ~~عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في هذه الآية ~~" (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات) قال: # هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم يدخلون الجنة ". وفي إسناده رجلان ~~مجهولان. قال الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا شعبة عن الوليد بن العيزار، ~~أنه سمع رجلا ms3232 من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد. # وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي الدرداء قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " قال الله (ثم أورثنا PageV04P351 # الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله) فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير ~~حساب. وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا. وأما الذين ظلموا ~~أنفسهم، فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله ~~برحمته، فهم الذين يقولون (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور ~~شكور) إلى آخر الآية. " قال البيهقي: إذا كثرت روايات في حديث ظهر أن ~~للحديث أصلا، وفي إسناد أحمد محمد بن إسحاق، وفي إسناد ابن أبي حاتم رجل ~~مجهول، لأنه رواه من طريق الأعمش عن رجل عن أبي ثابت عن أبي الدرداء، ورواه ~~ابن جرير عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن ~~عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " أمتي ثلاث أثلاث: ~~فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، ~~وثلث يمحصون ويكشفون ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون: لا إله إلا ~~الله وحده، فيقول الله: أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده واحملوا ~~خطاياهم على أهل التكذيب، وهي التي قال الله - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم - وتصديقها في التي ذكر في الملائكة. قال الله تعالى (ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) فجعلهم ثلاثة أفواج. فمنهم ظالم لنفسه، ~~فهذا الذي يكشف ويمحص، ومنهم مقتصد، وهو الذي يحاسب حسابا يسيرا. # ومنهم سابق بالخيرات، فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب بإذن الله ~~يدخلونها جميعا ". قال ابن كثير بعد ذكر هذا الحديث: غريب جدا. وهذه ~~الأحاديث يقوي بعضها بعضا ويجب المصير إليها، ويدفع بها قول من حمل الظالم ~~لنفسه على ms3233 الكافر، ويؤيدها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي في ~~البعث عن أسامة بن زيد: # (فمنهم ظالم لنفسه) الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~كلهم من هذه الأمة، وكلهم في الجنة " وما أخرجه الطيالسي وعبد بن حميد وابن ~~أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قال: ~~قلت لعائشة أرأيت قول الله (ثم أورثنا الكتاب) الآية، قالت: أما السابق، ~~فمن مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشهد له بالجنة. وأما ~~المقتصد فمن تبع آثارهم، فعمل بمثل عملهم حتى لحق بهم. وأما الظالم لنفسه، ~~فمثلي ومثلك ومن اتبعنا، وكل في الجنة. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: ~~هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث ~~يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا، فيقول ~~الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، ثم قرأ (ثم أورثنا الكتاب) الآية. # وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر ~~بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية (ثم أورثنا الكتاب) قال: ألا إن ~~سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له. وأخرجه العقيلي وابن مردويه ~~والبيهقي في البعث من وجه آخر عنه مرفوعا. وأخرجه ابن النجار من حديث أنس ~~مرفوعا. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير ~~حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف ~~يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان أنه ~~نزع بهذه الآية، ثم قال: ألا إن سابقنا أهل جهادنا، ألا وإن مقتصدنا أهل ~~حضرنا، ألا وإن ظالمنا أهل بدونا. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في البعث ~~عن البراء بن عازب في قوله (فمنهم ظالم لنفسه) الآية قال: أشهد على الله ~~أنه يدخلهم جميعا الجنة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عنه قال: ms3234 ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية " (ثم أورثنا الكتاب ~~PageV04P352 # الذين اصطفينا من عبادنا) قال: كلهم ناج وهي هذه الأمة. وأخرج الفريابي ~~وعبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: هي مثل التي في الواقعة أصحاب ~~الميمنة وأصحاب المشأمة. والسابقون: صنفان ناجيان، وصنف هالك. # وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عنه ~~في قوله: فمنهم ظالم لنفسه قال: هو الكافر، والمقتصد أصحاب اليمين. وهذا ~~المروي عنه رضي الله عنه لا يطابق ما هو الظاهر من النظم القرآني، ولا ~~يوافق ما قدمنا من الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن ~~جماعة من الصحابة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~عن عبد الله بن الحرث أن ابن عباس سأل كعبا عن هذه الآية، فقال نجوا كلهم، ~~ثم قال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم، وقد وقدمنا عن ~~ابن عباس ما يفيد أن الظالم لنفسه من الناجين، فتعارضت الأقوال عنه. وأخرج ~~الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم تلا قول الله (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور ~~من ذهب ولؤلؤا) فقال: إن عليهم التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين ~~المشرق والمغرب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (وقالوا الحمد لله) الآية قال: هم قوم في الدنيا يخافون الله ~~ويجتهدون له في العبادة سرا وعلانية، وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم، ~~فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت، فعندها ~~(قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور) غفر لنا العظيم، ~~وشكر لنا القليل من أعمالنا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عنه في الآية قال: حزن النار. PageV04P353 # ثم لما فرغ سبحانه من ذكر جزاء عباده الصالحين، ذكر جزاء عباده ms3235 الطالحين ~~فقال (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا) أي لا يقضى عليهم ~~بالموت فيموتوا ويستريحوا من العذاب (ولا يخفف عنهم من عذابها) بل - كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب - وهذه الآية هي مثل قوله ~~سبحانه - لا يموت فيها ولا يحيى - قرأ الجمهور " فيموتوا " بالنصب جوابا ~~للنفي، وقرأ عيسى بن عمر والحسن بإثبات النون. قال المازني: على العطف على ~~يقضى. وقال ابن عطية: هي قراءة ضعيفة ولا وجه لهذا التضعيف بل هي كقوله - ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون - (كذلك نجزي كل كفور) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع ~~نجزي كل من هو مبالغ في الكفر، وقرأ أبو عمرو " نجزي " على البناء للمفعول ~~(وهم يصطرخون فيها) من الصراخ وهو الصياح أي وهم يستغيثون في النار رافعين ~~أصواتهم، والصارخ: المستغيث، ومنه قول الشاعر: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع * كان الصراخ له قرع الطنابيب (ربنا أخرجنا ~~نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) أي وهم فيها يصطرخون يقولون: ربنا الخ. قال ~~مقاتل: # هو أنهم ينادون: ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل: من الشرك ~~والمعاصي، فنجعل الإيمان منا بدل ما كنا عليه من الكفر، والطاعة بدل ~~المعصية، وانتصاب صالحا على أنه صفة لمصدر محذوف: أي عملا صالحا، أو صفة ~~لموصوف محذوف: أي نعمل شيئا صالحا. قيل وزيادة قوله (غير الذي كنا نعمل) ~~للتحسر على ما عملوه من غير الأعمال الصاحة مع الاعتراف منهم بأن أعمالهم ~~في الدنيا كانت غير صالحة، فأجاب الله سبحانه عليهم بقوله (أو لم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر) والاستفهام للتقريع والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر ~~كما في نظائره، وما نكرة موصوفة: أي أولم نعمركم عمرا يتمكن من التذكر فيه ~~من تذكر. فقيل هو ستون سنة، وقيل أربعون، وقيل ثماني عشرة سنة. قال بالأول ~~جماعة من الصحابة، وبالثاني الحسن ومسروق وغيرهما. وبالثالث عطاء وقتادة. ~~وقرأ الأعمش " ما يذكر " بالإدغام (وجاءكم النذير) قال الواحدي: قال جمهور ~~المفسرين: هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال عكرمة وسفيان ms3236 بن عيينة ~~ووكيع والحسن بن الفضل والفراء وابن جرير: # هو الشيب، ويكون معناه على هذا القول: أولم نعمركم حتى شبتم، وقيل هو ~~القرآن، وقيل الحمى. قال الأزهري: معناه: أن الحمى رسول الموت: أي كأنها ~~تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه، والشيب نذير أيضا، لأنه يأتي في سن الاكتهال، ~~وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب، وقيل هو موت الأهل ~~PageV04P354 # والأقارب، وقيل هو كمال العقل، وقيل البلوغ (فذوقوا فما للظالمين من ~~نصير) أي فذوقوا عذاب جهنم، لأنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا، فما لكم ناصر ~~يمنعكم من عذاب الله، ويحول بينكم وبينه. قال مقاتل: فذوقوا العذاب، فما ~~للمشركين من مانع يمنعهم (إن الله عالم غيب السماوات والأرض) قرأ الجمهور ~~بإضافة عالم إلى غيب، وقرأ جناح بن حبيش بالتنوين ونصب غيب. والمعنى: أنه ~~عالم بكل شئ ومن ذلك أعمال لا تخفى عليه منها خافية، فلو ردكم إلى الدنيا ~~لم تعملوا صالحا كما قال سبحانه - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - (إنه ~~عليم بذات الصدور) تعليل لما قبله، لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى من ~~كل شئ علم ما فوقها بالأولى، وقيل هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى (هو الذي ~~جعلكم خلائف في الأرض) أي جعلكم أمة خالفة لمن قبلها. قال قتادة: خلفا بعد ~~خلف وقرنا بعد قرن، والخلف: هو التالي للمتقدم، وقيل جعلكم خلفاءه في أرضه ~~(فمن كفر) منكم هذه النعمة (فعليه كفره) أي عليه ضرر كفره، لا يتعداه إلى ~~غيره (ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا) أي غضبا وبغضا (ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم إلا خسارا) أي نقصا وهلاكا، والمعنى: أن الكفر لا ينفع عند ~~الله حيث لا يزيدهم إلا المقت، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا ~~الخسار. ثم أمره سبحانه أن يوبخهم ويبكتهم فقال (قل أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون الله) أي أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهة وعبدتموهم ~~من دون الله، وجملة (أروني ماذا خلقوا من الأرض) بدل اشتمال من أرأيتم، ~~والمعنى: أخبروني عن شركائكم، ms3237 أروني أي شئ خلقوا من الأرض؟ وقيل إن ~~الفعلان، وهما أرأيتم وأروني من باب التنازع. وقد أعمل الثاني على ما هو ~~اختيار البصريين (أم لهم شرك في السماوات) أي أم لهم شركة مع الله في خلقها ~~أو ملكها أو التصرف فيها حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلهية (أم آتيناهم ~~كتابا) أي أم أنزلنا عليهم كتابا بالشركة (فهم على بينات منه) أي على حجة ~~ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم " ~~بينة " بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع. قال مقاتل: يقول هل أعطينا كفار مكة ~~كتابا، فهم على بيان منه بأن مع الله شريكا. ثم أضرب سبحانه عن هذا إلى ~~غيره فقال (بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا) أي ما يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا كما يفعله الرؤساء والقادة من المواعيد لأتباعهم إلا غرورا ~~يغرونهم به ويزينونه لهم، وهو الأباطيل التي تغر ولا حقيقة لها، وذلك ~~قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده. وقيل إن ~~الشياطين تعد المشركين بذلك، وقيل المراد بالوعد الذي يعد بعضهم بعضا هو ~~أنهم ينصرون على المسلمين ويغلبونهم، وجملة (إن الله يمسك السماوات والأرض ~~أن تزولا) مستأنفة لبيان قدرة الله سبحانه، وبديع صنعه بعد بيان ضعف ~~الأصنام وعدم قدرتها على شئ، وقيل المعنى: إن شركهم يقتضي زوال السماوات ~~والأرض كقوله - تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن ~~ادعوا للرحمن ولدا - (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) أي ما أمسكهما ~~من أحد من بعد إمساكه، أو من بعد زوالهما، والجملة سادة مسد جواب القسم ~~والشرط، ومعنى (أن تزولا) لئلا تزولا، أو كراهة أن تزولا. قال الزجاج: ~~المعنى أن الله يمنع السماوات والأرض من أن تزولا، فلا حاجة إلى التقدير. ~~قال الفراء: أي ولو زالتا ما أمسكهما من أحد، قال: وهو مثل قوله - ولئن ~~أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون - وقيل المراد زوالهما يوم ~~القيامة، وجملة (إنه كان حليما غفورا) تعليل لما ms3238 قبلها من إمساكه تعالى ~~للسموات والأرض (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم) المراد قريش، أقسموا قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم بهذا القسم حيث بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، ومعنى (من إحدى ~~الأمم) يعني المكذبة للرسل، والنذير: PageV04P355 # النبي، والهدى: الاستقامة، وكانت العرب تتمنى أن يكون منهم رسول كما كان ~~الرسل في بني إسرائيل (فلما جاءهم) ما تمنوه، وهو رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الذي هو أشرف (نذير) وأكرم مرسل وكان من أنفسهم (ما زادهم) مجيئه ~~(إلا نفورا) منهم عنه، وتباعدا عن إجابته (استكبارا في الأرض) أي لأجل ~~الاستكبار والعتو (و) لأجل (مكر السيء) أي مكر العمل السييء، أو مكروا ~~المكر السيء، والمكر هو الحيلة والخداع والعمل القبيح، وأضيف إلى صفته ~~كقوله: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وأنث إحدى لكون أمة مؤنثة كما قال ~~الأخفش. وقيل المعنى: من إحدى الأمم على العموم، وقيل من الأمة التي يقال ~~لها إحدى الأمم تفضيلا لها. قرأ الجمهور " ومكر السيء " بخفض همزة السيء، ~~وقرأ الأعمش وحمزة بسكونها وصلا. وقد غلط كثير من النحاة هذه القراءة، ~~ونزهوا الأعمش على جلالته أن يقرأ بها، قالوا: وإنما كان يقف بالسكون، فغلط ~~من روى عنه أنه كان يقرأ بالسكون وصلا، وتوجيه هذه القراءة ممكن، بأن من ~~قرأ بها أجرى الوصل مجرى الوقف كما في قول الشاعر: # فاليوم أشرب غير مستحقب * إنما من الله ولا واغل بسكون الباء من أشرب، ~~ومثله قراءة من قرأ " وما يشعركم " بسكون الراء، ومثل ذلك قراءة أبى عمرو " ~~إلى بارئكم " بسكون الهمزة، وغير ذلك كثير. قال أبو علي الفارسي: هذا على ~~إجراء الوصل مجرى الوقف، وقرأ ابن مسعود " ومكرا سيئا " (ولا يحيق المكر ~~السيء إلا بأهله) أي لا تنزل عاقبة السوء إلا بمن أساء. قال الكلبي: يحيق ~~بمعنى يحيط، والحوق الإحاطة، يقال حاق به كذا إذا أحاط به وهذا هو الظاهر ~~من معنى يحيق في لغة العرب، ولكن قطرب فسره هنا بينزل، وانشد: ms3239 # وقد رفعوا المنية فاستقلت * ذراعا بعد ما كانت تحيق أي تنزل (فهل ينظرون ~~إلا سنة الأولين) أي فهل ينتظرون إلا سنة الأولين: أي سنة الله فيهم بأن ~~ينزل بهؤلاء العذاب كما نزل بأولئك (فلن تجد لسنة الله تبديلا) أي لا يقدر ~~أحد أن يبدل سنة الله التي سنها بالأمم المكذبة من إنزال عذابه بهم بأن يضع ~~موضعه غيره بدلا عنه (ولن تجد لسنة الله تحويلا) بأن يحول ما جرت به سنة ~~الله من العذاب فيدفعه عنهم ويضعه على غيرهم، ونفى وجدان التبديل والتحويل ~~عبارة عن نفي وجودهما (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم) هذه الجملة مسوقة لتقرير معنى ما قبلها وتأكيده: أي ألم يسيروا ~~في الأرض فينظروا ما أنزلنا بعاد وثمود ومدين وأمثالهم من العذاب لما كذبوا ~~الرسل، فإن ذلك هو من سنة الله في المكذبين التي لا تبدل ولا تحول، وآثار ~~عذابهم وما أنزل الله بهم موجودة في مساكنهم ظاهرة في منازلهم (و) الحال أن ~~أولئك (كانوا أشد منهم قوة) وأطول أعمارا وأكثر أموالا وأقوى أبدانا (وما ~~كان الله ليعجزه من شئ في السماوات ولا في الأرض) أي ما كان ليسبقه ويفوته ~~من شئ من الأشياء كائنا ما كان فيهما (إنه كان عليما قديرا) أي كثير العلم ~~وكثير القدرة لا يخفى عليه شئ ولا يصعب عليه أمر (ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا) من الذنوب وعملوا من الخطايا (ما ترك على ظهرها) أي الأرض (من دابة) ~~من الدواب التي تدب كائنة ما كانت، أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم ~~معاصي بني آدم. وقيل المراد ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب من بني آدم ~~والجن، وقد قال بالأول ابن مسعود وقتادة، وقال بالثاني الكلبي. وقال ابن ~~جريج والأخفش والحسين ابن الفضل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم ~~(ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) وهو يوم القيامة فإذا PageV04P356 # جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا) أي بمن يستحق منهم الثواب ومن ~~يستحق منهم ms3240 العقاب، والعامل في إذا هو جاء، لا بصيرا، وفي هذا تسلية ~~للمؤمنين ووعيد للكافرين. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في السنن عن ~~ابن عباس في قوله (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) قال: ستين سنة. وأخرج ~~الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عنه أن النبي صلى اله عليه وآله ~~وسلم قال " إذا كان يوم القيامة قيل أين أبناء الستين؟ # وهو العمر الذي قال الله أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " وفي إسناده ~~إبراهيم بن الفضل المخزومي، وفيه مقال. # وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة " ~~وأخرج عبد بن حميد والطبراني والحاكم وابن مردويه عن سهل بن سعد مرفوعا ~~نحوه. وأخرج ابن جرير عن علي ابن أبي طالب قال: العمر الذي عيرهم الله به ~~ستون سنة. وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وابن المنذر والبيهقي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أعمار أمتي ما بين ~~الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك ". قال الترمذي بعد إخراجه: حسن ~~غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ثم أخرجه في موضع آخر من كتاب الزهد وقال: ~~هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عنه. # وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: هو ست وأربعون ~~سنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم فيه ~~بقوله (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) أربعون سنة. # وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الإفراد وابن ms3241 ~~مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر " قال وقع في نفس ~~موسى هل ينام الله عز وجل؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا وأعطاه ~~قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، فجعل ينام وتكاد يداه ~~تلتقيان ثم يستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه ~~وانكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلا إن الله تبارك وتعالى لو كان ~~ينام لم تستمسك السماء والأرض " وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن ~~سلام أن موسى قال: يا جبريل هل ينام ربك؟ # فذكر نحوه. وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن ~~أبيه أن موسى فذكر نحوه. وأخرج الفريابي وابن المنذر والطبراني والحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود قال: إنه كاد الجعل ليعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ ~~(ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) الآية. PageV04P357 # تفسير سورة يس هي ثلاث وثمانون آية وهي مكية. قال القرطبي: بالإجماع إلا ~~أن فرقة قالت (ونكتب ما قدموا وآثارهم) نزلت في بنى سلمة من الأنصار حين ~~أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وسيأتي بيان ذلك. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: سورة يس نزلت بمكة. وأخرج ابن مردويه ~~عن عائشة مثله. وأخرج الدارمي والترمذي ومحمد بن نصر والبيهقي في الشعب عن ~~أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن لكل شئ قلبا، وقلب ~~القرآن يس، من قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات " قال ~~الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد ~~الرحمن، وفي إسناده هارون أبو محمد، وهو شيخ مجهول، وفي الباب عن أبي بكر، ~~ولا يصح لضعف إسناده. وأخرج البزار من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه ms3242 وآله وسلم " إن لكل شئ قلبا، وقلب القرآن يس "، ثم قال بعد ~~إخراجه: لا نعلم رواه إلا زيد عن حميد: يعني زيد بن الخباب عن حميد المكي ~~مولى آل علقمة. وأخرج الدارمي وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ ~~يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له في تلك الليلة " قال ابن كثير: إسناده ~~جيد. وأخرج ابن حبان والضياء عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له " وإسناده ~~في صحيح ابن حبان هكذا: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا ~~الوليد بن شجاع بن الوليد الكوبي، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا ~~محمد ابن جحادة عن الحسن عن جندب بن عبد الله قال: قام رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فذكره. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ومحمد بن ~~نصر وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يس قلب القرآن، لا يقرؤها عبد ~~يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ما تقدم من ذنبه، فاقرأوها على موتاكم ~~" وقد ذكر له أحمد إسنادين: أحدهما فيه مجهول، والآخر ذكر فيه عن أبي عثمان ~~وقال: وليس بالنهدي عن أبيه عن معقل. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن حسان ~~بن عطية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " من قرأ يس فكأنما قرأ ~~القرآن عشر مرات ". وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والخطيب والبيهقي عن أبي ~~بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " سورة يس تدعى في ~~التوراة المعممة، تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة، تكابد عنه بلوى الدنيا ~~والآخرة، وتدفع عنه أهاويل الآخرة، وتدعى الدافعة والقاضية، تدفع عن صاحبها ~~كل سوء وتقضي له كل حاجة، من قرأها عدلت عشرين حجة، ms3243 ومن سمعها عدلت له ألف ~~دينار في سبيل الله، ومن كتبها ثم شربها أدخلت جوفه ألف دواء وألف نور وألف ~~يقين وألف بركة وألف رحمة ونزعت عنه كل غل وداء " قال البيهقي: تقرب به عبد ~~الرحمن بن أبي بكر الجدعاني عن سليمان بن رافع الجندي، وهو منكر. قلت: وهذا ~~الحديث هو الذي تقدمت الإشارة من الترمذي إلى ضعف إسناده، ولا يبعد أن يكون ~~موضوعا، فهذه الألفاظ كلها منكرة بعيدة من كلام من أوتي جوامع الكلم، ~~PageV04P358 # وقد ذكره الثعلبي من حديث عائشة، وذكره الخطيب من حديث أنس، وذكر نحوه ~~الخطيب من حديث علي بأخصر منه. وأخرج البزار عن ابن عباس قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في سورة يس لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي " ~~وإسناده هكذا: قال حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن ~~أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذكره. وأخرج الطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من داوم على قراءة يس كل ليلة ثم مات ~~مات شهيدا ". وأخرج الدارمي عن ابن عباس قال: من قرأ يس حين يصبح أعطى يسر ~~يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلته أعطى يسر ليلته حتى يصبح. # قوله (يس) قرأ الجمهور بسكون النون، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص ~~وقالون وورش بإدغام النون في الواو الذي بعدها، وقرأ عيسى بن عمر بفتح ~~النون، وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم بكسرها، فالفتح على ~~البناء أو على أنه مفعول فعل مقدر تقديره: أتل يس، والكسر على البناء أيضا ~~كجير، وقيل الفتح والكسر للفرار من التقاء الساكنين. وأما وجه قراءة ~~الجمهور بالسكون للنون فلكونها مسرودة على نمط التعديد فلا حظ لها من ~~الإعراب. وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السميفع والكلبي بضم النون على البناء ~~كمنذ وحيث وقط، وقيل على أنها خبر مبتدأ ms3244 محذوف: أي هذه يس، ومنعت من الصرف ~~للعلمية والتأنيث. # واختلف في معنى هذه اللفظة، فقيل معناها يا رجل، أو يا إنسان. قال ابن ~~الأنباري: الوقف على يس حسن لمن قال هو افتتاح للسورة، ومن قال معناه يا ~~رجل لم يقف عليه. وقال سعيد بن جبير وغيره: هو اسم من أسماء محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم دليله (إنك لمن المرسلين) ومنه قول السعد الحميري: # يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة * على المودة إلا آل ياسين ومنه قوله - ~~سلام على آل ياسين - أي على آل محمد، وسيأتي في الصافات ما المراد بآل ~~ياسين. قال الواحدي: PageV04P359 # قال ابن عباس والمفسرون: يريد يا إنسان: يعنى محمدا صلى اله عليه وآله ~~وسلم. وقال أبو بكر الوراق: معناه يا سيد البشر. وقال مالك: هو اسم من ~~أسماء الله تعالى، روى ذلك عنه أشهب. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر ~~الصادق أن معناه يا سيد. وقال كعب: هو قسم أقسم الله به، ورجح الزجاج أن ~~معناه يا محمد. # واختلفوا هل هو عربي أو غير عربي؟ فقال سعيد بن جبير وعكرمة: حبشي. وقال ~~الكلبي: سرياني تكلمت به العرب فصار من لغتهم. وقال الشعبي: هو بلغة طي. ~~وقال الحسن: هو بلغة كلب. وقد تقدم في طه وفي مفتتح سورة البقرة ما يغنى عن ~~التطويل ها هنا (والقرآن الحكيم) بالجر على أنه مقسم به ابتداء. وقيل هو ~~معطوف على يس على تقدير كونه مجرورا بإضمار القسم. قال النقاش: لم يقسم ~~الله لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~تعظيما له وتمجيدا، والحكيم المحكم الذي لا يتناقض ولا يتخالف، أو الحكيم ~~قائله، وجواب القسم (إنك لمن المرسلين) وهذا رد على من أنكر رسالته من ~~الكفار بقولهم (لست مرسلا) وقوله (على صراط مستقيم) خبر آخر لأن: أي إنك ~~على صراط مستقيم، والصراط المستقيم: الطريق القيم الموصل إلى المطلوب. قال ~~الزجاج: على طريقة الأنبياء الذين تقدموك، ويجوز أن يكون في محل نصب على ~~الحال (تنزيل ms3245 العزيز الرحيم) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر برفع " ~~تنزيل " على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هو تنزيل، ويجوز أن يكون خبرا لقوله ~~يس إن جعل اسما للسورة، وقرأ الباقون بالنصب على المصدرية: أي نزل الله ذلك ~~تنزيل العزيز الرحيم. والمعنى: أن القرآن تنزيل العزيز الرحيم، وقيل ~~المعنى: إنك يا محمد تنزيل العزيز الرحيم، والأول أولى. وقيل هو منصوب على ~~المدح على قراءة من قرأ بالنصب، وعبر سبحانه عن المنزل بالمصدر مبالغة حتى ~~كأنه نفس التنزيل، وقرأ أبو حيوة والترمذي وأبو جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة ~~" تنزيل " بالجر على النعت للقرآن أو البدل منه، واللام في (لتنذر قوما ما ~~أنذر آباؤهم) يجوز أن تتعلق بتنزيل، أو بفعل مضمر يدل عليه من المرسلين: أي ~~أرسلناك لتنذر، و " ما " في (ما أنذر آباؤهم) هي النافية: أي لم ينذر ~~آباؤهم، ويجوز أن تكون موصولة أو موصوفة: أي لتنذر قوما الذي أنذره آباؤهم، ~~أو لتنذرهم عذابا أنذره آباؤهم، ويجوز أن تكون مصدرية: أي إنذار آبائهم، ~~وعلى القول بأنها نافية يكون المعنى: ما أنذر آباؤهم برسول من أنفسهم، ~~ويجوز أن يراد من أنذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة، وقوله (فهم ~~غافلون) متعلق بنفي الإنذار على الوجه الأول: أي لم ينذر آباؤهم فهم بسبب ~~ذلك غافلون، وعلى الوجوه الآخرة متعلق بقوله لتنذر: أي فهم غافلون عما ~~أنذرنا به آباءهم، وقد ذهب أكثر أهل التفسير إلى أن المعنى على النفي، وهو ~~الظاهر من النظم لترتيب فهم غافلون على ما قبله، واللام في قوله (لقد حق ~~القول على أكثرهم) هي الموطئة للقسم أي والله لقد حق القول على أكثرهم، ~~ومعنى حق: ثبت ووجب القول: أي العذاب على أكثرهم: أي أكثر أهل مكة، أو أكثر ~~الكفار على الإطلاق، أو أكثر كفار العرب، وهم من مات على الكفر وأصر عليه ~~طول حياته فيتفرع قوله (فهم لا يؤمنون) على ما قبله بهذا الاعتبار: أي لأن ~~الله سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه، ms3246 وقيل ~~المراد بالقول المذكور هنا هو قوله سبحانه - فالحق والحق أقول لأملأن جهنم ~~منك وممن تبعك - وجملة (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) تقرير لما قبلها مثلت ~~حالهم بحال الذين غلت أعناقهم (فهي) الأغلال منهية (إلى الأذقان) فلا ~~يقدرون عند ذلك على الالتفات ولا يتمكنون من عطفها، وهو معنى قوله (فهم ~~مقمحون) أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم. قال الفراء والزجاج: المقمح: ~~الغاض بصره بعد رفع رأسه، ومعنى الإقماح رفع الرأس وغض البصر، يقال أقمح ~~البعير رأسه وقمح: إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء PageV04P360 # قال الأزهري: أراد الله أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال إلى ~~أذقانهم ورؤوسهم صعداء، فهم مرفوعوا الرؤوس برفع الأغلال إياها. وقال ~~قتادة: معنى مقمحون: مغلولون، والأول أولى، ومنه قول الشاعر: # ونحن على جوانبها قعود * نغض الطرف كالإبل القماح قال الزجاج: قيل ~~للكانونين شهرا قماح، لأن الإبل إذا وردت الماء رفعت رؤوسها لشدة البرد، ~~وأنشد قول أبي الهذلي: # فتى ما ابن الأغر إذا استوينا * وجب الزاد في شهري قماح قال أبو عبيدة: ~~قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. وقال أبو عبيدة أيضا: هو مثل ~~ضربة الله لهم في امتناعهم عن الهدى كامتناع المغلول، كما يقال فلان حمار: ~~أي لا يبصر الهدى، وكما قال الشاعر: # * لهم عن الرشد أغلال وأقياد * وقال الفراء: هذا ضرب مثل: أي حبسناهم عن ~~الإنفاق في سبيل الله، وهو كقوله - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - وبه قال ~~الضحاك. وقيل الآية إشارة إلى ما يفعل بقوم في النار من وضع الأغلال في ~~أعناقهم كما قال تعالى - إذ الأغلال في أعناقهم - وقرأ ابن عباس " إنا ~~جعلنا في أيمانهم أغلالا " قال الزجاج: أي في أيديهم. قال النحاس: وهذه ~~القراءة تفسير ولا يقرأ بما خالف المصحف. قال: وفي الكلام حذف على قراءة ~~الجماعة، التقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفى أيديهم أغلالا فهي إلى ~~الأذقان، فلفظ هي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا، ~~ونظيره - سرابيل تقيكم الحر - وتقديره: وسرابيل تقيكم البرد، ms3247 لأن ما وقى من ~~الحر وقى من البرد، لأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا ~~سيما وقد قال الله (فهي إلى الأذقان) فقد علم أنه يراد به الأيدي فهم ~~مقمحون: أي رافعوا رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق، لأن من غلت يداه إلى ذقنه ~~ارتفع رأسه. وروي عن ابن عباس أنه قرأ " إنا جعلنا في أيديهم أغلالا " وعن ~~ابن مسعود أنه قرأ " إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا " كما روي سابقا من قراءة ~~ابن عباس (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) أي منعناهم عن الإيمان ~~بموانع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه وخلفه ~~بالأسداد، والسد بضم السين وفتحها لغتان، ومن هذا المعنى في الآية قول ~~الشاعر: # ومن الحوادث لا أبالك أنني * ضربت على الأرض بالأسداد لا أهتدي فيها ~~لموضع تلعة * بين العذيب وبين أرض مراد (فأغشيناهم) أي غطينا أبصارهم (فهم) ~~بسبب ذلك (لا يبصرون) أي لا يقدرون على إبصار شئ. قال الفراء: فألبسنا ~~أبصارهم غشوة: أي عمى فهم لا يبصرون سبيل الهدى، وكذا قال قتادة: إن المعنى ~~لا يبصرون الهدى. وقال السدى: لا يبصرون محمدا حين ائتمروا على قتله. وقال ~~الضحاك: وجعلنا من بين أيديهم سدا: # أي الدنيا ومن خلفهم سدا: أي الآخرة فأغشيناهم فهم لا يبصرون: أي عموا عن ~~البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا. وقيل ما بين أيديهم الآخرة وما ~~خلفهم الدنيا، وقرأ الجمهور بالغين المعجمة: أي غطينا أبصارهم، فهو على حذف ~~مضاف. وقرأ ابن عباس وعمر بن عبد العزيز والحسن ويحيى بن يعمر وأبو رجاء ~~وعكرمة بالعين المهملة من العشا وهو ضعف البصر. ومنه - ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن - (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) أي إنذارك إياهم ~~وعدمه سواء. قال الزجاج: أي من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار، ~~إنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب) أي اتبع القرآن، وخشي الله في الدنيا، وجملة PageV04P361 # " لا ms3248 يؤمنون " مستأنفة مبينة لما قبلها من الاستواء، أو في محل نصب على ~~الحال، أو بدل، وبالغيب في محل نصب على الحال من الفاعل أو المفعول (فبشره ~~بمغفرة وأجر كريم) أي بشر هذا الذي اتبع الذكر، وخشي الرحمن بالغيب بمغفرة ~~عظيمة وأجر كريم: أي حسن، وهو الجنة. ثم أخبر سبحانه بإحيائه الموتى فقال ~~(إنا نحن نحيي الموتى) أي نبعثهم بعد الموت. وقال الحسن والضحاك: أي نحييهم ~~بالإيمان بعد الجهل، والأول أولى. ثم توعدهم بكتب آثارهم فقال (ونكتب ما ~~قدموا) أي أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة (وآثارهم) أي ما أبقوه من ~~الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت: كمن سن سنة حسنة أو نحو ذلك، أو ~~السيئات التي تبقى بعد موت فاعلها: # كمن سن سنة سيئة. قال مجاهد وابن زيد: ونظيره قوله - علمت نفس ما قدمت ~~وأخرت - وقوله - ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر - وقيل المراد بالآية ~~آثار المشائين إلى المساجد، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين. قال ~~النحاس: وهو أولى ما قيل في الآية لأنها نزلت في ذلك. ويجاب عنه بأن ~~الاعتبار بعموم الآية لا بخصوص سببها، وعمومها يقتضي كتب جميع آثار الخير ~~والشر، ومن الخير تعليم العليم وتصنيفه والوقف على القرب وعمارة المساجد ~~والقناطر. ومن الشر ابتداع المظالم وإحداث ما يضر بالناس ويقتدى به أهل ~~الجور ويعملون عليه من مكس أو غيره، ولهذا قال سبحانه (وكل شئ أحصيناه في ~~إمام مبين) أي وكل شئ من أعمال العباد وغيرها كائنا ما كان في إمام مبين: ~~أي كتاب مقتدى به موضح لكل شئ. قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح ~~المحفوظ، وقالت فرقة: أراد صحائف الأعمال. قرأ الجمهور " ونكتب " على ~~البناء للفاعل. وقرأ زر ومسروق على البناء للمفعول. وقرأ الجمهور (كل شئ ~~أحصيناه) بنصب كل على الاشتغال. وقرأ أبو السمأل بالرفع على الابتداء. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود وابن عباس قوله (يس) قالا: يا محمد. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من ms3249 ~~طرق عن ابن عباس في قوله (يس) قال: يا إنسان. # وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والضحاك وعكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه وأبو ~~نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقرأ في المسجد فيجهر بالقراءة، حتى تأذى به ناس من قريش، حتى قاموا ~~ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمى لا يبصرون، فجاءوا ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، ~~قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ~~قرابة، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت (يس ~~والقرآن الحكيم) إلى قوله (أم لم تنذرهم لا يؤمنون) قال: فلم يؤمن من ذلك ~~النفر أحد " وفي الباب روايات في سبب نزول ذلك هذه الرواية أحسنها وأقربها ~~إلى الصحة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: الأغلال ما بين الصدر إلى الذقن ~~(فهم مقمحون) كما تقمح الدابة باللجام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في قوله ~~(وجعلنا من بين أيديهم سدا) الآية قال: كانوا يمرون على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلا يرونه. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال: # اجتمعت قريش بباب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينتظرون خروجه ليؤذوه، ~~فشق ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يس وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفا من تراب ~~وخرج وهو يقرؤها ويذر التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز، فجعل أحدهم ~~يلمس رأسه فيجد التراب، وجاء بعضهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا ننتظر محمدا، ~~فقال: لقد رأيته داخلا المسجد، قال: قوموا فقد سحركم. وأخرج عبد الرزاق ~~والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري قال: # كان بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، ~~فأنزل الله (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب PageV04P362 # ما قدموا وآثارهم) فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنه ms3250 ~~يكتب آثاركم، ثم قرأ عليهم الآية فتركوا. وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد ~~وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ~~ابن عباس نحوه. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر قال " إن بني سلمة أرادوا ~~أن يبيعوا ديارهم ويتحولوا قريبا من المسجد، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم ". # قوله (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية) قد تقدم الكلام على نظير هذا في سورة ~~البقرة وسورة النمل، والمعنى: # اضرب لأجلهم مثلا، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلا: أي مثلهم عند ~~نفسك بأصحاب القرية، فعلى الأول لما قال تعالى - إنك لمن المرسلين - وقال - ~~لتنذر قوما - قال قل لهم: ما أنا بدعا من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب ~~القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد، وخوفوا بالقيامة، ~~وبشروا بنعيم دار الإقامة. وعلى الثاني لما قال: إن الإنذار لا ينفع من ~~أضله الله، وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~اضرب لنفسك ولقومك مثلا: أي مثل لهم عند نفسك مثلا بأصحاب القرية حيث جاءهم ~~ثلاثة رسل ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على الإيذاء وأنت جئت إليهم واحدا، وقومك ~~أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية، وأنت بعثتك إلى الناس ~~كافة. والمعنى: واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية: أي أذكر لهم قصة عجيبة ~~قصة أصحاب القرية، فترك المثل، وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب. وقيل ~~لا حاجة إلى الإضمار، بل المعنى: اجعل أصحاب القرية لهم مثلا على أن يكون ~~مثلا وأصحاب القرية مفعولين لا ضرب، أو يكون أصحاب القرية بدلا من مثلا، ~~وقد قدمنا الكلام على المفعول الأول من هذين المفعولين هل هو مثلا أو أصحاب ~~القرية. # وقد قيل إن ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها ~~كما في قوله - ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط - ويستعمل ~~أخرى في ذكر حالة غريبة، وبيانها للناس من غير قصد ms3251 إلى تطبيقها PageV04P363 # بنظيره لها كما في قوله - وضربنا لكم الأمثال - أي بينا لكم أحوالا بديعة ~~غريبة: هي في الغرابة كالأمثال، فقوله سبحانه هنا (واضرب لهم مثلا) يصح ~~اعتبار الأمرين فيه. قال القرطبي: هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع ~~المفسرين، وقوله (إذ جاءها المرسلون) بدل اشتمال من أصحاب القرية، ~~والمرسلون: هم أصحاب عيسى بعثهم إلى أهل أنطاكية للدعاء إلى الله، فأضاف ~~الله سبحانه الإرسال إلى نفسه في قوله (إذ أرسلنا إليهم اثنين) لأن عيسى ~~أرسلهم بأمر الله سبحانه، ويجوز أن يكون الله أرسلهم بعد رفع عيسى إلى ~~السماء، فكذبوهما في الرسالة، وقيل ضربوهما وسجنوهما. قيل واسم الاثنين ~~يوحنا وشمعون. وقيل أسماء الثلاثة صادق ومصدوق وشلوم قاله ابن جرير وغيره. ~~وقيل سمعان ويحيى وبولس (فعززنا بثالث) قرأ الجمهور بالتشديد، وقرأ أبو بكر ~~عن عاصم بتخفيف الزاي. قال الجوهري " فعززنا " يخفف ويشدد: أي قوينا وشددنا ~~فالقراءتان على هذا بمعنى. وقيل التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا، ومنه - وعزني ~~في الخطاب - والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا. قيل وهذا الثالث هو شمعون، وقيل ~~غيره (فقالوا إنا إليكم مرسلون) أي قال الثلاثة جميعا، وجاءوا بكلامهم هذا ~~مؤكدا لسبق التكذيب للاثنين، والتكذيب لهما تكذيب للثالث، لأنهم أرسلوا ~~جميعا بشئ واحد، وهو الدعاء إلى الله عز وجل، وهذه الجملة مستأنفة جواب ~~سؤال مقدر، كأنه قيل: ما قال هؤلاء الرسل بعد التعزيز لهم بثالث؟ وكذلك ~~جملة (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) فإنها مستأنفة جواب سؤال مقدر: كأنه ~~قيل فما قال لهم أهل أنطاكية، فقيل: قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا: أي ~~مشاركون لنا في البشرية، فليس لكم مزية علينا تختصون بها. ثم صرحوا بجحود ~~إنزال الكتب السماوية فقالوا (وما أنزل الرحمن من شئ) مما تدعونه أنتم ~~ويدعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل وأتباعهم (إن أنتم إلا تكذبون) أي ما أنتم ~~إلا تكذبون في دعوى ما تدعون من ذلك، فأجابوهم بإثبات رسالتهم بكلام مؤكد ~~تأكيدا بليغا لتكرر الإنكار من أهل أنطاكية، وهو قولهم (ربنا يعلم إنا ~~إليكم لمرسلون) فأكدوا الجواب بالقسم ms3252 الذي يفهم من قولهم: ربنا يعلم، وبان، ~~وباللام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي ما يجب علينا من جهة ربنا إلا ~~تبليغ رسالته على وجه الظهور والوضوح وليس علينا غير ذلك، وهذه الجملة ~~مستأنفة كالتي قبلها، وكذلك جملة (قالوا إنا تطيرنا بكم) فإنها مستأنفة ~~جوابا عن سؤال مقدر: أي إنا تشاءمنا بكم، لم تجدوا جوابا تجيبون به على ~~الرسل إلا هذا الجواب المبني على الجهل المنبئ عن الغباوة العظيمة، وعدم ~~وجود حجة تدفعون الرسل بها. # قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين. قيل إنهم أقاموا ينذرونهم عشر ~~سنين، ثم رجعوا إلى التجبر والتكبر لما ضاقت صدورهم وأعيتهم العلل فقالوا ~~(لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) أي لئن لم تتركوا هذه الدعوى وتعرضوا عن هذه ~~المقالة لنرجمنكم بالحجارة (وليمسنكم منا عذاب أليم) أي شديد فظيع. قال ~~الفراء: عامة ما في القرآن من الرجم المراد به القتل. وقال قتادة: هو على ~~بابه من الرجم بالحجارة. قيل ومعنى العذاب الأليم: القتل، وقيل الشتم، وقيل ~~هو التعذيب المؤلم من غير تقييد بنوع خاص وهذا هو الظاهر. ثم أجاب عليهم ~~الرسل دفعا لما زعموه من التطير بهم ف (قالوا طائركم معكم) أي شؤمكم معكم ~~من جهة أنفسكم، لازم في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا. قال الفراء: طائركم ~~معكم: أي رزقكم وعملكم وبه قال قتادة. قرأ الجمهور " طائركم " اسم فاعل: أي ~~ما طار لكم من الخير والشر، وقرأ الحسن " أطيركم " أي تطيركم (أئن ذكرتم) ~~قرأ الجمهور من السبعة وغيرهم بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية على الخلاف ~~بينهم في التسهيل والتحقيق، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه. وقرأ أبو جعفر ~~وزر بن حبيش وابن السميفع وطلحة بهمزتين مفتوحتين. وقرأ الأعمش وعيسى بن ~~عمر والحسن " أين " بفتح الهمزة وسكون الباء على صيغة الظرف. PageV04P364 # واختلف سيبويه ويونس إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب؟ فذهب سيبويه إلى ~~أنه يجاب الاستفهام، وذهب يونس إلى أنه يجاب الشرط، وعلى القولين فالجواب ~~هنا محذوف: أي أئن ذكرتم فطائركم معكم لدلالة ما تقدم عليه. وقرأ الماجشون ~~" أن ms3253 ذكرتم " بهمزة مفتوحة: أي لأن ذكرتم. ثم أضربوا عما يقتضيه الاستفهام ~~والشرط من كون التذكير سببا للشؤم فقالوا (بل أنتم قوم مسرفون) أي ليس ~~الأمر كذلك، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في المعصية. قال قتادة: مسرفون في ~~تطيركم. وقال يحيى بن سلام: مسرفون في كفركم. وقال ابن بحر: # السرف هنا الفساد، والإسراف في الأصل مجاوزة الحد في مخالفة الحق (وجاء ~~من أقصى المدينة رجل يسعى) هو حبيب بن موسى النجار، وكان نجارا، وقيل ~~إسكافا، وقيل قصارا. وقال مجاهد ومقاتل: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ~~ينحت الأصنام. وقال قتادة: كان يعبد الله في غار، فلما سمع بخبر الرسل جاء ~~يسعى، وجملة (قال يا قوم اتبعوا المرسلين) مستأنفة جواب سؤال مقدر: كأنه ~~قيل فماذا قال لهم عند مجيئه؟ فقيل: قال يا قوم اتبعوا المرسلين هؤلاء ~~الذين أرسلوا إليكم فإنهم جاءوا بحق. ثم أكد ذلك وكرره فقال (اتبعوا من لا ~~يسألكم أجرا) أي لا يسألونكم أجرا على ما جاءوكم به من الهدى (وهم مهتدون) ~~يعني الرسل. ثم أبرز الكلام في معرض النصيحة لنفسه، وهو يريد مناصحة قومه ~~فقال (وما لي لا أعبد الذي فطرني)؟ أي أي مانع من جانبي يمنعني من عبادة ~~الذي خلقني. ثم رجع إلى خطابهم لبيان أنه ما أراد نفسه، بل أرادهم بكلامه ~~فقال (وإليه ترجعون) ولم يقل إليه أرجع، وفيه مبالغة في التهديد. ثم عاد ~~إلى المساق الأول لقصد التأكيد ومزيد الايضاح فقال (أأتخذ من دونه آلهة) ~~فجعل الإنكار متوجها إلى نفسه، وهم المرادون به: أي لا أتخذ من دون الله ~~آلهة وأعبدها، وأترك عبادة من يستحق العبادة وهو الذي فطرني. ثم بين حال ~~هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله سبحانه إنكارا عليهم، وبيانا لضلال ~~عقولهم وقصور إدراكهم فقال (إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا) ~~أي شيئا من النفع كائنا ما كان (ولا ينقذون) من ذلك الضر الذي أرادني ~~الرحمن به، وهذه الجملة صفة لآلهة، أو مستأنفة لبيان حالها في عدم النفع ~~والدفع، وقوله ms3254 (لا تغن) جواب الشرط، وقرأ طلحة بن مصرف " إن يردني " بفتح ~~الياء، قال (إني إذا لفي ضلال مبين) أي إني إذا اتخذت من دونه آلهة لفي ~~ضلال مبين واضح، وهذا تعريض بهم كما سبق، والضلال الخسران. ثم صرح بإيمانه ~~تصريحا لا يبقى بعده شك فقال (إني آمنت بربكم فاسمعون) خاطب بهذا الكلام ~~المرسلين. قال المفسرون: أرادوا القوم قتله، فأقبل هو على المرسلين، فقال: ~~إني آمنت بربكم أيها الرسل فاسمعون: أي اسمعوا إيماني واشهدوا لي به. وقيل ~~إنه خاطب بهذا الكلام قومه لما أرادوا قتله تصلبا في الدين وتشددا في الحق، ~~فلما قال هذا القول وصرح بالإيمان وثبوا عليه فقتلوه، وقيل وطئوه بأرجلهم، ~~وقيل حرقوه، وقيل حفروا له حفيرة وألقوه فيها، وقيل إنهم لم يقتلوه بل رفعه ~~الله إلى السماء فهو في الجنة، وبه قال الحسن، وقيل نشروه بالمنشار (قيل ~~ادخل الجنة) أي قيل له ذلك تكريما له بدخولها بعد قتله كما هي سنة الله في ~~شهداء عباده. وعلى قول من قال إنه رفع إلى السماء ولم يقتل يكون المعنى: ~~أنهم لما أرادوا قلته نجاه الله من القتل، وقيل له ادخل الجنة فلما دخلها ~~وشاهدها (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي وجعلني من المكرمين) والجملة ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر: أي فماذا قال بعد أن قيل له ادخل الجنة فدخلها، ~~فقيل قال يا ليت قومي الخ، وما في (بما غفر لي) هي المصدرية: أي بغفران ~~ربي، وقيل هي الموصولة: أي بالذي غفر لي ربي، والعائد محذوف: أي غفره لي ~~ربي، واستضعف هذا لأنه لا معنى لتمنيه أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة، وليس ~~المراد إلا التمني منه بأن يعلم قومه بغفران ربه له. وقال الفراء: إنها ~~استفهامية بمعنى التعجب، كأنه قال: بأي شئ غفر لي PageV04P365 # ربي. قال الكسائي: لو صح هذا لقال بم من غير ألف. ويجاب عنه بأنه ورد في ~~لغة العرب إثباتها وإن كان مكسورا بالنسبة إلى حذفها، ومنه قول الشاعر: # على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في ms3255 دمان وفي معنى تمنيه قولان: ~~أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله، وحميد عاقبته إرغاما ~~لهم. وقيل إنه تمنى أن يعلموا بذلك ليؤمنوا مثل إيمانه، فيصيروا إلى مثل ~~حاله. # وقد أخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية) ~~قال: هي أنطاكية. وأخرج ابن أبي حاتم عن بريده مثله. وأخرج ابن سعد وابن ~~عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: # كان بين موسى بن عمران وبين عيسى ابن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن ~~بينهما فترة، وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من ~~غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة سنة ~~وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء وهو قوله (إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) والذي عزز به شمعون، وكان من الحواريين، ~~وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربع وثلاثون ~~سنة. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله (طائركم معكم) قال: شؤمكم معكم. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (وجاء من أقصى المدينة رجل) ~~قال: هو حبيب النجار. وأخرج ابن أبي حاتم عنه من وجه آخر، قال اسم صاحب يس: ~~حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: لما قال ~~صاحب يس (يا قوم اتبعوا المرسلين) خنقوه ليموت فالتفت إلى الأنبياء فقال ~~(إني آمنت بربكم فاسمعون) أي فاشهدوا لي. PageV04P366 # لما وقع ما وقع منهم مع حبيب النجار غضب الله له وعجل لهم النقمة وأهلكهم ~~بالصيحة، ومعنى (وما أنزلنا على قومه من بعده) أي على قوم حبيب النجار من ~~بعد قتلهم له، أو من بعد رفع الله له إلى السماوات على الاختلاف السابق (من ~~جند من السماء) لإهلاكهم وللانتقام منهم: أي لم تحتج إلى إرسال جنود من ~~السماء لإهلاكهم كما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر من ~~إرسال الملائكة لنصرته وحرب أعدائه ms3256 (وما كنا منزلين) أي وما صح في قضائنا ~~وحكمتنا عبد أن ننزل لإهلاكهم جندا لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة ~~لا بإنزال الجند. وقال قتادة ومجاهد والحسن: أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ~~من السماء ولا نبي بعد قتله. وروي عن الحسن أنه قال: هم الملائكة النازلون ~~بالوحي على الأنبياء، والظاهر أن معنى النظم القرآني تحقير شأنهم وتصغير ~~أمرهم: أي ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جندا من السماء، بل أهلكناهم ~~بصيحة واحدة كما يفيده قوله (إن كانت إلا صيحة واحدة) أي إن كانت العقوبة ~~أو النقمة أو الأخذة إلا صيحة واحدة صاح بها جبريل فأهلكهم. # قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ~~ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت، وهو معنى قوله (فإذا هم خامدون) أي ~~قوم خامدون ميتون، شبههم بالنار إذا طفئت، لأن الحياة كالنار الساطعة، ~~والموت كخمودها. قرأ الجمهور " صيحة " بالنصب على أن كان ناقصة، واسمها ~~ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق كما قدمنا. وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج ~~ومعاذ القاري برفعها على أن كان تامة: أي وقع وحدث، وأنكر هذه القراءة أبو ~~حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث في قوله (إن كانت) قال أبو حاتم: فلو ~~كان كما قرأ أبو جعفر لقال " إن كان إلا صيحة " وقدر الزجاج هذه القراءة ~~بقوله: إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدرها غيره: ما وقعت عليهم إلا ~~صيحة واحدة. وقرأ عبد الله بن مسعود " إن كانت إلا زقية واحدة " والزقية ~~الصيحة قال النحاس: وهذا مخالف للمصحف، وأيضا فإن اللغة المعروفة زقا يزقو ~~إذا صاح، ومنه المثل " أثقل من الزواقي " فكان يجب على هذا أن تكون زقوة، ~~ويجاب عنه بما ذكره الجوهري قال: الزقو والزقي مصدر وقد زقا الصدا يزقو ~~زقا: أي صاح: وكل صائح زاق، والزقية الصيحة (يا حسرة على العباد) قرأ ~~الجمهور بنصب حسرة، على أنها منادي منكر كأنه نادى الحسرة وقال لها: هذا ~~أوانك فاحضري. وقيل إنها منصوبة على المصدرية، ms3257 والمنادي محذوف، والتقدير: ~~يا هؤلاء تحسروا حسرة. وقرأ قتادة وأبي في رواية عنه بضم حسرة على النداء. ~~قال الفراء: في توجيه هذه القراءة: إن الاختيار النصب وإنها لو رفعت النكرة ~~لكان صوابا، واستشهد بأشياء نقلها عن العرب منها أنه سمع من العرب يا مهتم ~~بأمرنا لا تهتم، وأنشد: * يا دار غيرها البلى تغييرا * قال النحاس: وفي هذا ~~إبطال باب النداء أو أكثره. قال: وتقدير ما ذكره: يا أيها المهتم لا تهتم ~~بأمرنا، وتقدير البيت: يا أيتها الدار. وحقيقة الحسرة أن يلحق الإنسان من ~~الندم ما يصير به حسيرا. قال ابن جرير: المعنى يا حسرة من العباد على ~~أنفسهم وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل الله، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس ~~وعلي بن الحسين " يا حسرة العباد " على الإضافة، ورويت هذه القراءة عن أبي. ~~وقال الضحاك: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل هي من ~~قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة. وقيل إن القائل: يا حسرة على العباد ~~هم الكفار المكذبون، والعباد الرسل، وذلك أنهم لما رأوا العذاب تحسروا على ~~قتلهم وتمنوا الإيمان قاله أبو العالية ومجاهد، وقيل إن التحسر عليهم هو من ~~الله عز وجل بطريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه. وقرأ ابن هرمز ومسلم ابن جندب ~~وعكرمة وأبو الزناد " يا حسره " بسكون الهاء إجراء للوصل مجرى الوقف، وقرئ ~~" يا حسرتا " كما قرئ بذلك في سورة الزمر، وجملة (ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون) مستأنفة مسوقة لبيان ما كانوا عليه PageV04P367 # من تكذيب الرسل والاستهزاء بهم، وأن ذلك هو سبب التحسر عليهم. ثم عجب ~~سبحانه من حالهم حيث لم يعتبروا بأمثالهم من الأمم الخالية فقال (ألم يروا ~~كم أهلكنا قبلهم من القرون) أي ألم يعلموا كثرة من أهلكنا قبلهم من القرون ~~التي أهلكناها من الأمم الخالية، وجملة (إنهم إليهم لا يرجعون) بدل من كم ~~أهلكنا على المعنى. قال سيبويه: أن بدل من كم، وهي الخبرية، فلذلك جاز أن ~~يبدل منها ما ليس باستفهام، والمعنى: ألم يروا أن القرون ms3258 الذين أهلكناهم ~~أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الفراء: كم في موضع نصب من وجهين: أحدهما ~~بيروا، واستشهد على هذا بأنه في قراءة ابن مسعود " ألم يروا من أهلكنا " ~~والوجه الآخر أن تكون كم في موضع نصب بأهلكنا. قال النحاس: القول الأول ~~محال، لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها لأنها استفهام، ومحال أن يدخل ~~الاستفهام في حيز ما قبله، وكذا حكمها إذا كانت خبرا، وإن كان سيبويه قد ~~أومأ إلى بعض هذا فجعل أنهم بدلا من كم، وقد رد ذلك المبرد أشد رد (وإن كل ~~لما جميع لدينا محضرون) أي محضرون لدينا يوم القيامة للجزاء. قرأ ابن عامر ~~وعاصم وحمزة لما بتشديدها، وقرأ الباقون بتخفيفها. قال الفراء: من شدد جعل ~~لما بمعنى إلا، وإن بمعنى ما: # أي ما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى جميع مجموعون، فهو فعيل بمعنى ~~مفعول، ولدينا ظرف له، وأما على قراءة التخفيف فإن هي المخففة من الثقيلة، ~~وما بعدها مرفوع بالابتداء، وتنوين " كل " عوض عن المضاف إليه وما بعده ~~الخبر، واللام هي الفارقة بين المخففة والنافية. قال أبو عبيدة: وما على ~~هذه القراءة زائدة، والتقدير عنده: وإن كل لجميع. وقيل معنى محضرون معذبون، ~~والأولى أنه على معناه الحقيقي من الإحضار للحساب. # ثم ذكر سبحانه البرهان على التوحيد والحشر مع تعداد النعم وتذكيرها فقال ~~(وآية لهم الأرض الميتة) فآية خبر مقدم وتنكيرها للتفخيم ولهم صفتها، أو ~~متعلقة بآية لأنها بمعنى علامة، والأرض مبتدأ، ويجوز أن تكون آية مبتدأ ~~لكونها قد تخصصت بالصفة، وما بعدها الخبر. قرأ أهل المدينة " الميتة " ~~بالتشديد وخففها الباقون، وجملة (أحييناها) مستأنفة مبينة لكيفية كونها ~~آية، وقيل هي صفة للأرض فنبههم الله بهذا على إحياء الموتى وذكرهم نعمه ~~وكمال قدرته، فإنه سبحانه أحيا الأرض بالنبات. وأخرج منها الحبوب التي ~~يأكلونها ويتغذون بها، وهو معنى قوله (وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون) وهو ~~ما يقتاتونه من الحبوب، وتقديم منه للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ~~ما يقوم به المعاش (وجعلنا فيها جنات من ms3259 نخيل وأعناب) أي جعلنا في الأرض ~~جنات من أنواع النخل والعنب، وخصصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار وأنفعها ~~للعباد (وفجرنا فيها من العيون) أي فجرنا في الأرض بعضا من العيون، فحذف ~~الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، أو المفعول العيون، ومن مزيدة على رأي من جوز ~~زيادتها في الإثبات وهو الأخفش ومن وافقه، والمراد بالعيون عيون الماء. قرأ ~~الجمهور " فجرنا " بالتشديد، وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف، والفجر والتفجير ~~كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى، واللام في (ليأكلوا من ثمره) متعلق بجعلنا، ~~والضمير في " من ثمره " يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل، وقيل هو راجع ~~إلى ماء العيون لأن الثمر منه، قاله الجرجاني. قرأ الجمهور " ثمره " بفتح ~~الثاء والميم، وقرأ حمزة والكسائي بضمهما، وقرأ الأعمش بضم الثاء وإسكان ~~الميم، وقد تقدم الكلام في هذا في الأنعام، وقوله (وما عملته أيديهم) معطوف ~~على ثمره: أي ليأكلوا من ثمره ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ~~ونحوهما، وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن ما موصولة، وقيل هي نافية، والمعنى: ~~لم يعملوه، بل العامل له هو الله: أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها، وهو ~~قول الضحاك ومقاتل. قرأ الجمهور " عملته " وقرأ الكوفيون " عملت " بحذف ~~الضمير، والاستفهام في قوله (أفلا يشكرون) للتقريع والتوبيخ لهم لعدم شكرهم ~~للنعم، وجملة (سبحان الذي خلق الأزواج كلها) مستأنفة مسوقة PageV04P368 # لتنزيهه سبحانه عما وقع منهم من ترك الشكر لنعمه المذكورة والتعجب من ~~إخلالهم بذلك، وقد تقدم الكلام مستوفى في معنى سبحان، وهو في تقدير الأمر ~~للعباد بأن ينزهوه عما لا يليق به، والأزواج: الأنواع والأصناف، لأن كل صنف ~~مختلف الألوان والطعوم والأشكال، و (مما تنبت الأرض) بيان للأزواج، والمراد ~~كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها (ومن أنفسهم) أي خلق الأزواج ~~من أنفسهم، وهم الذكور والإناث (ومما لا يعلمون) من أصناف خلقه في البر ~~والبحر والسماء والأرض (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) الكلام في هذا كما ~~قدمنا في قوله - وآية لهم الأرض الميتة أحييناها - والمعنى: أن ذلك علامة ~~دالة على توحيد الله وقدرته ms3260 ووجوب إلهيته، والسلخ: الكشط والنزع، يقال سلخه ~~الله من بدنه، ثم يستعمل بمعنى الإخراج، فجعل سبحانه ذهاب الضوء ومجئ ~~الظلمة كالسلخ من الشئ، وهو استعارة بليغة (فإذا هم مظلمون) أي داخلون في ~~الظلام مفاجأة وبغتة، يقال أظلمنا: أي دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا دخلنا ~~في وقت الظهر، وكذلك أصبحنا وأمسينا، وقيل " منه " بمعنى عنه، والمعنى: ~~نسلخ عنه ضياء النهار. قال الفراء: يرمي بالنهار على الليل فيأتي بالظلمة، ~~وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليه، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من ~~الليل: أي كشط وأزيل فتظهر الظلمة (والشمس تجري لمستقر لها) يحتمل أن تكون ~~الواو للعطف على الليل، والتقدير: وآية لهم الشمس، ويجوز أن تكون الواو ~~ابتدائية، والشمس مبتدأ، وما بعدها الخبر، ويكون الكلام مستأنفا مشتملا على ~~ذكر آية مستقلة. قيل وفي الكلام حذف، والتقدير: تجرى لمجرى مستقر لها، ~~فتكون اللام للعلة: أي لأجل مستقر لها، وقيل اللام بمعنى إلى وقد قرئ بذلك. ~~قيل والمراد بالمستقر: يوم القيامة، فعنده تستقر ولا يبقى لها حركة، وقيل ~~مستقرها هو أبعد ما تنتهي إليه ولا تجاوزه، وقيل نهاية ارتفاعها في الصيف ~~ونهاية هبوطها في الشتاء، وقيل مستقرها تحت العرش، لأنها تذهب إلى هنالك ~~فتسجد، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وهذا هو الراجح. وقال الحسن: إن للشمس ~~في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا تنزل في كل يوم مطلعا ثم لا تنزل إلى الحول، ~~فهي تجري في تلك المنازل، وهو مستقرها، وقيل غير ذلك. وقرأ ابن مسعود وابن ~~عباس وعكرمة وزين العابدين وابنه الباقر والصادق بن الباقر " لا مستقر لها ~~" بلا التي لنفي الجنس، وبناء مستقر على الفتح. وقرأ ابن أبي عبلة: لا ~~مستقر بلا التي بمعنى ليس، ومستقر اسمها، ولها خبرها، والإشارة بقوله (ذلك) ~~إلى جري الشمس: أي ذلك الجري (تقدير العزيز) أي الغالب القاهر (العليم): أي ~~المحيط علمه بكل شئ، ويحتمل أن تكون الإشارة راجعة إلى المستقر: أي ذلك ~~المستقر: تقدير الله (والقمر قدرناه منازل). قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~برفع القمر على ms3261 الابتداء. وقرأ الباقون بالنصب على الاشتغال، وانتصاب منازل ~~على أنه مفعول ثان، لأن قدرنا بمعنى صيرنا، ويجوز أن يكون منتصبا على ~~الحال: أي قدرنا سيره حال كونه ذا منازل، ويجوز أن يكون منتصبا على ~~الظرفية: أي في منازل. واختار أبو عبيد النصب في القمر، قال: لأن قبله فعلا ~~وهو نسلخ، وبعده فعلا وهو قدرنا. قال النحاس: أهل العربية جميعا فيما علمت ~~على خلاف ما قال. منهم الفراء قال: الرفع أعجب إلي، قال: وإنما كان الرفع ~~عندهم أولى لأنه معطوف على ما قبله، ومعناه: وآية لهم القمر. قال أبو حاتم: ~~الرفع أولى، لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء، والمنازل: هي ~~الثمانية والعشرون التي ينزل القمر في كل ليلة في واحد منها وهي معروفة ~~وسيأتي ذكرها، فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها، فيقطع الفلك في ثمان ~~وعشرين ليلة، ثم يستتر ليلتين، ثم يطلع هلالا، فيعود في قطع تلك المنازل من ~~الفلك (حتى عاد كالعرجون القديم) قال الزجاج: العرجون هو عود العذق الذي ~~فيه الشماريخ، وهو فعلون من الانعراج، وهو الانعطاف: PageV04P369 # أي سار في منازله، فإذا كان في آخرها دق واستقوس وصغر حتى صار كالعرجون ~~القديم، وعلى هذا فالنون زائدة. قال قتادة: وهو العذق اليابس المنحني من ~~النخلة. قال ثعلب: العرجون الذي يبقى في النخلة إذا قطعت، والقديم: البالي. ~~وقال الخليل: العرجون أصل العذق وهو أصفر عريض، يشبه به الهلال إذا انحنى، ~~وكذا قال الجوهري: إنه أصل العذق الذي يعوج ويقطع منه الشماريخ، فيبقى على ~~النخل يابسا، وعرجته: ضربته بالعرجون، وعلى هذا فالنون أصلية. قرأ الجمهور ~~" العرجون " بضم العين والجيم: وقرأ سليمان التيمي بكسر العين وفتح الجيم، ~~وهما لغتان، والقديم: العتيق (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) الشمس ~~مرفوعة بالابتداء، لأنه لا يجوز أن تعمل لا في المعرفة: أي لا يصح ولا يمكن ~~للشمس أن تدرك القمر في سرعة السير وتنزل في المنزل الذي فيه القمر، لأن ~~لكل واحد منهما سلطانا على انفراده، فلا يتمكن أحدهما من الدخول على ms3262 الآخر، ~~فيذهب سلطانه إلى أن يأذن الله بالقيامة، فتطلع الشمس من مغربها. وقال ~~الضحاك: معناه إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم يكن ~~للشمس ضوء. وقال مجاهد: أي لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر. وقال الحسن: ~~إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة، وكذا قال يحيى بن سلام. وقيل ~~معناه: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منزل لا يشتركان ~~فيه. وقيل القمر في سماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة. ذكره النحاس ~~والمهدوي. قال النحاس: وأحسن ما قيل في معناه وأبينه: أن سير القمر سير ~~سريع، والشمس لا تدركه في السير. وأما قوله - وجمع الشمس والقمر - فذلك حين ~~حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في الأنعام، ويأتي في سورة القيامة ~~أيضا، وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة (ولا الليل سابق النهار) ~~أي لا يسبقه فيفوته، ولكن يعاقبه. ويجيء كل واحد منهما في وقته ولا يسبق ~~صاحبه، وقيل المراد من الليل والنهار آيتاهما، وهما الشمس والقمر، فيكون ~~عكس قوله (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) أي ولا القمر سابق الشمس، ~~وإيراد السبق مكان الإدراك لسرعة سير القمر (وكل في فلك يسبحون) التنوين في ~~كل عوض عن المضاف إليه: أي وكل واحد منهما، والفلك: هو الجسم المستدير أو ~~السطح المستدير أو الدائرة، والخلاف في كون السماء مبسوطة أو مستديرة ~~معروف، والسبح: السير بانبساط وسهولة، والجمع في قوله (يسبحون) باعتبار ~~اختلاف مطالعهما، فكأنهما متعددان بتعددها، أو المراد: الشمس والقمر ~~والكواكب. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله (وما أنزلنا على ~~قومه من بعده) الآية يقول: # ما كابدناهم بالجموع: أي الأمر أيسر علينا من ذلك. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (يا حسرة على العباد) يقول: يا ويلا للعباد. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: يا حسرة على العباد قال: الندامة على ~~العباد الذين (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) ms3263 يقول: الندامة ~~عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (وما عملته ~~أيديهم) قال: وجدوه معمولا لم تعمله أيديهم: يعني الفرات ودجلة ونهر بلخ ~~وأشباهها (أفلا يشكرون) لهذا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر قال: ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله (والشمس تجري لمستقر لها) ~~قال: مستقرها تحت العرش، وفي لفظ للبخاري وغيره من حديثه قال: " كنت مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: (يا أبا ذر ~~أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تذهب حتى تسجد تحت ~~العرش، فذلك قوله (والشمس تجري لمستقر لها) ". وفي لفظ من حديثه أيضا عند ~~أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم قال: يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه؟ قلت: ~~الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها فتستأذن في ~~الرجوع فيأذن PageV04P370 # لها، وكأنها قد قيل لها اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها. ثم قرأ (ذلك ~~مستقر لها) وذلك قراءة عبد الله. # وأخرج الترمذي والنسائي وغيرهما من قول ابن عمر نحوه. وأخرج الخطيب في ~~كتاب النجوم عن ابن عباس في قوله (والقمر قدرناه منازل) الآية قال: هي ~~ثمانية وعشرون منزلا ينزلها القمر في كل شهر: أربعة عشر منها شامية، وأربعة ~~عشر منها يمانية، أولها الشرطين والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة ~~والذراع والنثرة والطرف والجبهة والدبرة والصرفة والعواء والسماك، وهو آخر ~~الشامية، والغفر والزبانا والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد ~~الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية ومقدم الدلو ومؤخر الدلو والحوت، ~~وهو آخر اليمانية، فإذا سار هذه الثمانية وعشرين منزلا (عاد كالعرجون ~~القديم) كما كان في أول الشهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه في قوله: كالعرجون القديم: يعني أصل العذق العتيق. # ثم ذكر سبحانه وتعالى نوعا آخر مما أمتن به على عباده من النعم فقال ~~(وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون) أي دلالة وعلامة، وقيل معنى ~~" آية " هنا العبرة ms3264 وقيل النعمة، وقيل النذارة. # وقد اختلف في معنى (أنا حملنا ذرياتهم) وإلى من يرجع الضمير، لأن الضمير ~~الأول وهو قوله (وآية لهم) لأهل مكة، أو لكفار العرب، أو للكفار على ~~الإطلاق الكائنين في عصر محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقيل الضمير يرجع ~~إلى القرون الماضية، والمعنى: أن الله حمل ذرية القرون الماضية في الفلك ~~المشحون، فالضميران مختلفان. وهذا حكاه النحاس عن علي بن سليمان الأخفش. ~~وقيل الضميران لكفار مكة ونحوهم. والمعنى: أن PageV04P371 # الله حمل ذرياتهم من أولادهم وضعفائهم على الفلك، فامتن الله عليهم بذلك: ~~أي إنهم يحملونهم معهم في السفن إذا سافروا، أو يبعثون أولادهم للتجارة لهم ~~فيها. وقيل الذرية الآباء والأجداد، والفلك هو سفينة نوح: أي إن الله حمل ~~آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح. قال الواحدي: والذرية تقع على الآباء ~~كما تقع على الأولاد. # قال أبو عثمان: وسمى الآباء ذرية، لأن منهم ذرء الأبناء، وقيل الذرية ~~النطف الكائنة في بطون النساء، وشبه البطون بالفلك المشحون، والراجح القول ~~الثاني ثم الأول ثم الثالث، وأما الرابع ففي غاية البعد والنكارة. وقد تقدم ~~الكلام في الذرية واشتقاقها في سورة البقرة مستوفى، والمشحون المملوء ~~الموقر، والفلك يطلق على الواحد والجمع كما تقدم في يونس، وارتفاع آية على ~~أنها خبر مقدم، والمبتدأ " أنا حملنا " أو العكس على ما قدمنا. # وقيل إن الضمير في قوله (وآية لهم) يرجع إلى العباد المذكورين في قوله ~~(يا حسرة على العباد) لأنه قال بعد ذلك (وآية لهم الأرض الميتة) وقال (وآية ~~لهم الليل). ثم قال (وآية لهم أنا حملنا ذرياتهم) فكأنه قال: وآية للعباد ~~أنا حملنا ذريات العباد، ولا يلزم أن يكون المراد بأحد الضميرين البعض ~~منهم، وبالضمير الآخر البعض الآخر، وهذا قول حسن (وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون) أي وخلقنا لهم مما يماثل الفلك ما يركبونه على أن ما هي الموصولة. ~~قال مجاهد وقتادة وجماعة من أهل التفسير: وهي الإبل خلقها لهم للركوب في ~~البر مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تسمي الإبل سفائن البر، ms3265 وقيل ~~المعنى: وخلقنا لهم سفنا أمثال تلك السفن يركبونها، قاله الحسن والضحاك ~~وأبو مالك. قال النحاس: وهذا أصح لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس، وقيل: هي ~~السفن المتخذة بعد سفينة نوح (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون) ~~هذا من تمام الآية التي أمتن الله بها عليهم، ووجه الامتنان أنه لم يغرقهم ~~في لجج البحار مع قدرته على ذلك، والضمير يرجع إما إلى أصحاب الذرية، أو ~~إلى الذرية، أو إلى الجميع على اختلاف الأقوال، والصريخ بمعنى المصرخ ~~والمصرخ هو المغيث: أي فلا مغيث لهم يغيثهم إن شئنا إغراقهم، وقيل: هو ~~المنعة. ومعنى ينقذون: يخلصون، يقال أنقذه واستنقذه، إذا خلصه من مكروه ~~(إلا رحمة منا) استثناء مفرغ من أعم العلل: أي لا صريخ لهم، ولا ينقذون لشئ ~~من الأشياء إلا رحمة منا، كذا قال الكسائي والزجاج وغيرهما، وقيل هو ~~استثناء منقطع: أي لكن لرحمة منا. وقيل هو منصوب على المصدرية بفعل مقدر ~~(و) انتصاب (متاعا) على العطف على رحمة: أي نمتعهم بالحياة الدنيا (إلى ~~حين) وهو الموت، قاله قتادة. وقال يحيى بن سلام: إلى القيامة (وإذا قيل لهم ~~اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم) أي ما بين أيديكم من الآفات والنوازل فإنها ~~محيطة بكم، وما خلفكم منها. قال قتادة معنى (اتقوا ما بين أيديكم) أي من ~~الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم (وما خلفكم) في الآخرة. وقال سعيد بن جبير ~~ومجاهد (ما بين أيديكم) ما مضى من الذنوب (وما خلفكم) ما بقي منها. وقيل ~~(ما بين أيديكم) الدنيا (وما خلفكم) الآخرة، قاله سفيان. وحكى عكس هذا ~~القول الثعلبي عن ابن عباس. وقيل (ما بين أيديكم) ما ظهر لكم (وما خلفكم) ~~ما خفي عنكم، وجواب إذا محذوف، والتقدير: إذا قيل لهم ذلك أعرضوا كما يدل ~~عليه " إلا كانوا عنها معرضين " (لعلكم ترحمون) أي رجاء أن ترحموا، أو كي ~~ترحموا، أو راجين أن ترحموا (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا ~~عنها معرضين) ما هي النافية، وصيغة المضارع للدلالة ms3266 على التجدد، ومن الأولى ~~مزيدة للتوكيد، والثانية للتبعيض: والمعنى: ما تأتيهم من آية دالة على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من ~~الأحوال إلا كانوا عنها معرضين. وظاهره يشمل الآيات التنزيلية، والآيات ~~التكوينية، وجملة (إلا كانوا عنها معرضين) في محل نصب على الحال كما مر ~~تقريره في غير موضع. والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها، وترك النظر ~~الصحيح PageV04P372 # فيها، وهذه الآية متعلقة بقوله (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول ~~إلا كانوا به يستهزئون) أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا، وإذا أتوا بالآيات ~~أعرضوا عنها (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله) أي تصدقوا على الفقراء ~~مما أعطاكم الله، وأنعم به عليكم من الأموال، قال الحسن: يعني اليهود أمروا ~~بإطعام الفقراء. وقال مقاتل: إن المؤمنين قالوا لكفار قريش: أنفقوا على ~~المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم من الحرث والأنعام كما في قوله ~~سبحانه - وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا - فكان جوابهم ما ~~حكاه الله عنهم بقوله (قال الذين كفروا للذين آمنوا) استهزاء بهم، وتهكما ~~بقولهم (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) أي من لو يشاء الله رزقه، وقد كانوا ~~سمعوا المسلمين يقولون: إن الرزاق هو الله، وأنه يغني من يشاء، ويفقر من ~~يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين وقالوا: نحن نوافق مشيئة ~~الله فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا غلط منهم ومكابرة ومجادلة بالباطل، ~~فإن الله سبحانه أغنى بعض خلقه وأفقر بعضا، وأمر الغني أن يطعم الفقير ~~وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة. وقولهم (من لو يشاء الله أطعمه) ~~هو وإن كان كلاما صحيحا في نفسه، ولكنهم لما قصدوا به الإنكار لقدرة الله، ~~أو إنكار جواز الأمر بالانفاق مع قدرة الله كان احتجاجهم من هذه الحيثية ~~باطلا. وقوله (إن أنتم إلا في ضلال مبين) من تمام كلام الكفار. والمعنى: ~~أنكم أيها المسلمون في سؤال المال، وأمرنا بإطعام الفقراء لفي ضلال في غاية ~~الوضوح ms3267 والظهور. وقيل هو من كلام الله سبحانه جوابا على هذه المقالة التي ~~قالها الكفار. وقال القشيري والماوردي: إن الآية نزلت في قوم من الزنادقة. ~~وقد كان في كفار قريش وغيرهم من سائر العرب قوم يتزندقون فلا يؤمنون ~~بالصانع، فقالوا هذه المقالة استهزاء بالمسلمين ومناقضة لهم. وحكى نحو هذا ~~القرطبي عن ابن عباس (ويقولون متى هذا الوعد) الذي تعدونا به من العذاب ~~والقيامة، والمصير إلى الجنة أو النار. (إن كنتم صادقين) فيما تقولونه ~~وتعدونا به. قالوا ذلك استهزاء منهم وسخرية بالمؤمنين، ومقصودهم إنكار ذلك ~~بالمرة، ونفى تحققه وجحد وقوعه، فأجاب الله سبحانه عنهم بقوله (ما ينظرون ~~إلا صيحة واحدة) أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهي نفخة إسرافيل في الصور ~~(تأخذهم وهم يخصمون) أي يختصمون في ذات بينهم في البيع والشراء ونحوهما من ~~أمور الدنيا، وهذه هي النفخة الأولى، وهى نفخة الصعق. # وقد اختلف القراء في يخصمون، فقرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم ~~يخصم، والمعنى: يخصم بعضهم بعضا، فالمفعول محذوف. وقرأ أبو عمرو وقالون ~~بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد، وقرأ نافع وابن كثير وهشام وكذلك إلا أنهم ~~أخلصوا فتحة الخاء، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد. والأصل في ~~القراءات الثلاث يختصمون فأدغمت التاء في الصاد، فنافع وابن كثير وهشام ~~نقلوا فتحة التاء إلى الساكن قبلها نقلا كاملا، وأبو عمرو وقالون اختلسا ~~حركتها تنبيها على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها، فالتقى ~~ساكنان فكسروا أولهما. وروي عن أبي عمرو وقالون أنهما قرءا بتسكين الخاء ~~وتشديد الصاد وهي قراءة مشكلة لاجتماع ساكنين فيها. وقرأ أبي " يختصمون " ~~على ما هو الأصل (فلا يستطيعون توصية) أي لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض ~~بماله وما عليه، أو لا يستطيع أن يوصيه بالتوبة والإقلاع عن المعاصي، بل ~~يموتون في أسواقهم ومواضعهم (ولا إلى أهلهم يرجعون) أي إلى منازلهم التي ~~ماتوا خارجين عنها، وقيل المعنى: لا يرجعون إلى أهلهم قولا، وهذا إخبار عما ~~ينزل بهم عند النفخة الأولى. ثم أخبر سبحانه عما ينزل بهم ms3268 عند النفخة ~~الثانية فقال (ونفخ في الصور) وهي النفخة التي يبعثون بها من قبورهم، ولهذا ~~قال (فإذا هم من الأجداث) أي القبور (إلى ربهم ينسلون) أي PageV04P373 # يسرعون، وبين النفختين أربعون سنة. وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي حيث قال ~~" ونفخ " تنبيها على تحقق وقوعه كما ذكره أهل البيان، وجعلوا هذه الآية ~~مثالا له، والصور بإسكان الواو: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل كما وردت ~~بذلك السنة، وإطلاق هذا الاسم على القرن معروف في لغة العرب، ومنه قول ~~الشاعر: # نحن نطحناهم غداة الغورين * نطحا شديدا لا كنطح الصورين أي القرنين. وقد ~~مضى هذا مستوفى في سورة الأنعام. وقال قتادة: الصور جمع صورة: أي نفخ في ~~الصور الأرواح، والأجداث جمع جدث وهو القبر. وقرئ " الأجداف " بالفاء وهي ~~لغة، واللغة الفصيحة بالثاء المثلثة والنسل والنسلان: الإسراع في السير، ~~يقال نسل ينسل كضرب يضرب، ويقال ينسل بالضم، ومنه قول امرئ القيس: * فسلي ~~ثيابي من ثيابك تنسل *. وقول الآخر: # عسلان الذيب أمسى قارنا * برد الليل عليه فنسل قالوا (يا ويلنا من بعثنا ~~من مرقدنا) أي قالوا عند بعثهم من القبور بالنفخة يا ويلنا: نادوا ويلهم، ~~كأنهم قالوا له أحضر فهذا أوان حضورك، وهؤلاء القائلون هم الكفار. قال ابن ~~الأنباري: الوقف على يا ويلنا وقف حسن. # ثم يبتدئ الكلام بقوله (من بعثنا من مرقدنا) ظنوا لاختلاط عقولهم بما ~~شاهدوا من الهول، وما داخلهم من الفزع أنهم كانوا نياما. قرأ الجمهور " يا ~~ويلنا " وقرأ ابن أبي ليلى " يا ويلتنا " بزيادة التاء. وقرأ الجمهور " من ~~بعثنا " بفتح ميم من على الاستفهام. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو نهيك بكسر ~~الميم على أنها حرف جر، ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب. وعلى هذه ~~القراءة تكون من متعلقة بالويل، وقرأ الجمهور " من بعثنا ". وفي قراءة أبي ~~" من أهبنا " من هب من نومه: إذا انتبه، وأنشد ثعلب على هذه القراءة: # وعاذلة هبت بليل تلومني * ولم يعتمدني قبل ذاك عذول وقيل إنهم يقولون ذلك ~~إذا عاينوا جهنم. وقال أبو صالح: إذا نفخ ms3269 النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل ~~القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية، وجملة (هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون) جواب عليهم من جهة الملائكة، أو من جهة المؤمنين. وقيل هو من ~~كلام الكفرة يجيب به بعضهم على بعض. قال بالأول الفراء. # وبالثاني مجاهد. وقال قتادة: هي من قول الله سبحانه، و " ما " في قوله ~~(ما وعد الرحمن) موصولة وعائدها محذوف والمعنى: هذا الذي وعده الرحمن، وصدق ~~فيه المرسلون قد حق عليكم، ونزل بكم، ومفعولا الوعد والصدق محذوفان: أي ~~وعدكموه الرحمن وصدقكموه المرسلون، والأصل وعدكم به، وصدقكم فيه، أو وعدناه ~~الرحمن. # وصدقناه المرسلون على أن هذا من قول المؤمنين، أو من قول الكفار (إن كانت ~~إلا صيحة واحدة) أي ما كانت تلك النفخة المذكورة إلا صيحة واحدة صاحها ~~إسرافيل بنفخة في الصور (فإذا هم جميع لدينا محضرون) أي فإذا هم مجموعون ~~محضرون لدينا بسرعة للحساب والعقاب (فاليوم لا تظلم نفس) من النفوس (شيئا) ~~مما تستحقه: # أي لا ينقص من ثواب عملها شيئا من النقص، ولا تظلم فيه بنوع من أنواع ~~الظلم (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) أي إلا جزاء ما كنتم تعملونه في ~~الدنيا، أو إلا بما كنتم تعملونه: أي بسببه، أو في مقابلته. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله (أنا حملنا ~~ذرياتهم) الآية قال: في سفينة نوح حمل فيها من كل زوجين اثنين (وخلقنا لهم ~~من مثله ما يركبون) قال: السفن التي في البحر والأنهار التي يركب الناس ~~فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح نحوه. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن PageV04P374 # ابن عباس في قوله (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) قال: هي السفن جعلت من ~~بعد سفينة نوح. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: يعني الإبل ~~خلقها الله كما رأيت، فهي سفن البر يحملون عليها ويركبونها. # ومثله عن الحسن وعكرمة وعبد الله بن شداد ومجاهد. وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وعبد بن حميد ms3270 وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله (فلا ~~يستطيعون توصية) الآية قال: تقوم الساعة والناس في أسواقهم يتبايعون ~~ويذرعون الثياب ويحلبون اللقاح، وفي حوائجهم فلا يستطيعون توصية (ولا إلى ~~أهلهم يرجعون) وأخرج عبد ابن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن ~~المنذر عن الزبير بن العوام قال: إن الساعة تقوم والرجل يذرع الثوب والرجل ~~يحلب الناقة، ثم قرأ (فلا يستطيعون توصية) الآية. وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لتقومن ~~الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة ~~وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته ~~فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها ". وأخرج ~~الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب ~~في قوله (من بعثنا من مرقدنا) قال: ينامون قبل البعث نومة. # لما ذكر الله سبحانه حال الكافرين أتبعه بحكاية حال عباده الصالحين، ~~وجعله من جملة ما يقال للكفار يومئذ زيادة لحسرتهم وتكميلا لجزعهم، وتتميما ~~لما نزل بهم من البلاء وما شاهدوه من الشقاء، فإذا رأوا ما أعده الله لهم ~~من أنواع العذاب، وما أعده لأوليائه من أنواع النعيم، بلغ ذلك من قلوبهم ~~مبلغا عظيما، وزاد في ضيق صدورهم زيادة لا يقادر قدرها. والمعنى (إن أصحاب ~~الجنة) في ذلك (اليوم في شغل) بما هم فيه من اللذات التي هي PageV04P375 # ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر عن الاهتمام بأمر ~~الكفار، ومصيرهم إلى النار وإن كانوا من قراباتهم. والأولى عدم تخصيص الشغل ~~بشئ معين. قال قتادة ومجاهد: شغلهم ذلك اليوم بافتضاض العذارى. # وقال وكيع: شغلهم بالسماع. وقال ابن كيسان: بزيارة بعضهم بعضا، وقيل ~~شغلهم كونهم ذلك اليوم في ضيافة الله. قرأ الكوفيون وابن عامر: شغل بضمتين. ~~وقرأ الباقون بضم الشين وسكون الغين: وهما لغتان كما قال الفراء. وقرأ ~~مجاهد وأبو السماك بفتحتين. وقرأ ms3271 يزيد النحوي وابن هبيرة بفتح الشين وسكون ~~الغين. وقرأ الجمهور (فاكهون) بالرفع على أنه خبر إن، وفي شغل متعلق به، أو ~~في محل نصب على الحال: ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر إن وفاكهون ~~خبر ثان. وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف " فاكهين " بالنصب على أنه حال، وفي ~~شغل هو الخبر. وقرأ الحسن وأبو جعفر وأبو حيوة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ~~ومجاهد " فكهون " قال الفراء: هما لغتان كالفاره والفره، والحاذر والحذر. ~~وقال الكسائي وأبو عبيدة الفاكه: ذو الفاكهة مثل تأمر ولابن، والفكه: ~~المتفكه والمتنعم. وقال قتادة: الفكهون المعجبون. وقال أبو زيد: يقال رجل ~~فكه: إذا كان طيب النفس ضحوكا. وقال مجاهد والضحاك كما قال قتادة. وقال ~~السدي كما قال الكسائي (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون) هذه ~~الجملة مستأنفة مسوقة لبيان كيفية شغلهم وتفكههم وتكميلها بما يزيدهم سرورا ~~وبهجة من كون أزواجهم معهم على هذه الصفة من الاتكاء على الأرائك، فالضمير ~~وهو هم مبتدأ وأزواجهم معطوف عليه والخبر متكئون، ويجوز أن يكون هم تأكيدا ~~للضمير في " فاكهون " وأزواجهم معطوف على ذلك الضمير، وارتفاع متكئون على ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف، وفي ظلال متعلق به أو حال، وكذا على الأرائك وجوز ~~أبو البقاء أن يكون (في ضلال) هو الخبر و (على الأرائك) مستأنف. قرأ ~~الجمهور " في ظلال " بكسر الظاء وبالألف وهو جمع ظل. وقرأ ابن مسعود وعبيد ~~بن عمير والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف " في ظلل " بضم الظاء ~~من غير ألف جمع ظلة، وعلى القراءتين فالمراد الفرش والستور التي تظللهم ~~كالخيام والحجال، والأرائك جمع أريكة، كسفائن جمع سفينة، والمراد بها السرر ~~التي في الحجال. قال أحمد بن يحيى ثعلب: الأريكة لا يكون إلا سريرا في قبة. ~~وقال مقاتل: إن المراد بالظلال أكنان القصور، وجملة (لهم فيها فاكهة) مبنية ~~لما يتمتعون به في الجنة من المآكل والمشارب ونحوها. والمراد فاكهة كثيرة ~~من كل نوع من أنواع الفواكه (ولهم ما يدعون) ما هذه هي الموصولة والعائد ~~محذوف أو موصوفة ms3272 أو مصدرية، ويدعون مضارع ادعى. قال أبو عبيدة: يدعون ~~يتمنون، والعرب تقول: ادع علي ما شئت: أي تمن، وفلان في خير ما يدعي: أي ما ~~يتمنى. وقال الزجاج: # هو من الدعاء: أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم، من دعوت غلامي، فيكون ~~الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل ~~افتعل بمعنى تفاعل: أي ما يتداعونه كقولهم ارتموا وتراموا. وقيل المعنى: إن ~~من ادعى منهم شيئا فهو له، لأن الله قد طبعهم على أن لا يدعي أحد منهم شيئا ~~إلا وهو يحسن ويجمل به أن يدعيه، وما مبتدأ وخبرها لهم والجملة معطوفة على ~~ما قبلها. وقرئ " يدعون " بالتخفيف ومعناها واضح. قال ابن الأنباري: والوقف ~~على يدعون وقف حسن، ثم يبتدئ (سلام) على معنى لهم سلام، وقيل إن سلام هو ~~خبر ما: أي مسلم خالص أو ذو سلامة. وقال الزجاج: سلام مرفوع على البدل من ~~ما: أي ولهم أن يسلم الله عليهم، وهذا منى أهل الجنة، والأولى أن يحمل قوله ~~(ولهم ما يدعون) على العموم، وهذا السلام يدخل تحته دخولا أوليا، ولا وجه ~~لقصره على نوع خاص، وإن كان أشرف أنواعه تحقيقا لمعنى العموم، ورعاية لما ~~يقتضيه النظم القرآني. وقيل إن سلام مرتفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي ~~سلام يقال لهم (قولا) وقيل إن سلام مبتدأ، وخبره PageV04P376 # الناصب لقولا: أي سلام يقال لهم قولا وقيل خبره من رب العالمين وقيل ~~التقدير: سلام عليكم هذا على قراءة الجمهور وقرأ أبي وابن مسعود وعيسى " ~~سلاما " بالنصب إما على المصدرية أو على الحالية بمعنى خالصا، والسلام: إما ~~من التحية أو من السلامة. وقرأ محمد بن كعب القرظي " سلم " كأنه قال سلم ~~لهم لا يتنازعون فيه، وانتصاب قولا على المصدرية بفعل محذوف على معنى: قال ~~الله لهم ذلك قولا، أو يقوله لهم قولا، أو يقال لهم قولا (من رب رحيم) أي ~~من جهته، قيل يرسل الله سحابة إليهم بالسلام. وقال مقاتل: إن الملائكة تدخل ~~على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم ms3273 يا أهل الجنة من رب رحيم ~~(وامتازوا اليوم أيها المجرمون) هو على إضمار القول مقابل ما قيل للمؤمنين: ~~أي ويقال للمجرمين امتازوا: أي انعزلوا، من مازه غيره، يقال مزت الشئ من ~~الشئ: إذا عزلته عنه ونحيته. قال مقاتل: معناه اعتزلوا اليوم: يعني في ~~الآخرة من الصالحين. وقال السدي: كونوا على حدة. وقال الزجاج: انفردوا عن ~~المؤمنين. وقال قتادة: عزلوا عن كل خير. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم ~~من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة ~~وعبدة الأوثان فرقة. # وقال داود بن الجراح: يمتاز المسلمون من المجرمين إلا أصحاب الأهواء ~~فإنهم يكونون مع المجرمين. ثم وبخهم الله سبحانه وقرعهم بقوله (ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) وهذا من جملة ما يقال لهم. والعهد ~~الوصية: # أي ألم أوصكم وأبلغكم على ألسن رسلي أن لا تعبدوا الشيطان: أي لا تطيعوه. ~~قال الزجاج: المعنى ألم أتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم. وقال ~~مقاتل: يعنى الذين أمروا بالاعتزال. قال الكسائي: لا للنهي، وقيل المراد ~~بالعهد هنا: الميثاق المأخوذ عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم، وقيل هو ما نصبه ~~الله لهم من الدلائل العقلية التي في سماواته وأرضه وجملة (إنه لكم عدو ~~مبين) تعليل لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان وقبول وسوسته، وجملة (وأن ~~اعبدوني) عطف على أن لا تعبدوا، وأن في الموضعين هي المفسرة للعهد الذي فيه ~~معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية فيهما: أي لم أعهد إليكم بأن لا تعبدوا ~~بأن اعبدوني، أو ألم أعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان وفي عبادتي (هذا صراط ~~مستقيم) أي عبادة الله وتوحيده، أو الإشارة إلى دين الإسلام. ثم ذكر سبحانه ~~عداوة الشيطان لبني آدم فقال (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) اللام هي الموطئة ~~للقسم، والجملة مستأنفة للتقريع والتوبيخ أي والله لقد أضل الخ. قرأ نافع ~~وعاصم " جبلا " بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر ~~بضم الجيم وسكون الباء، وقرأ الباقون بضمتين مع تخفيف اللام، ms3274 وقرأ ابن أبي ~~إسحاق والزهري وابن هرمز بضمتين مع تشديد اللام، وكذلك قرأ الحسن وعيسى بن ~~عمر والنضر بن أنس، وقرأ أبو يحيى وحماد بن سلمة والأشهب العقيلي بكسر ~~الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام. قال النحاس: وأبينها القراءة الأولى. ~~والدليل على ذلك أنهم قد قرأوا جميعا " والجبلة الأولين " بكسر الجيم ~~والباء وتشديد اللام. فيكون جبلا جمع جبلة، واشتقاق الكل من جبل الله ~~الخلق: أي خلقهم، ومعنى الآية: أن الشيطان قد أغوى خلقا كثيرا كما قال ~~مجاهد. وقال قتادة: جموعا كثيرة، وقال الكلبي: أمما كثيرة. قال الثعلبي: ~~والقراءات كلها بمعنى الخلق، وقرئ " جيلا " بالجيم والياء التحتية. قال ~~الضحاك: الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما يحصيه إلا الله عز وجل، ورويت ~~هذه القراءة عن علي بن أبي طالب، والهمزة في قوله (أفلم تكونوا تعقلون) ~~للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام كما تقدم في ~~نظائره: أي أتشاهدون آثار العقوبات، أفلم تكونوا تعقلون، أو أفلم تكونوا ~~تعقلون عداوة الشيطان لكم، أو أفلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا. قرأ الجمهور " ~~أفلم تكونوا تعقلون " بالخطاب. وقرأ طلحة وعيسى بالغيبة (هذه جهنم التي ~~كنتم توعدون) أي ويقال لهم عند أن يدنوا من النار: هذه جهنم التي كنتم ~~توعدون بها في الدنيا PageV04P377 # على ألسنة الرسل، والقائل لهم الملائكة، ثم يقولون لهم (اصلوها اليوم بما ~~كنتم تكفرون) أي قاسوا حرها اليوم وأدخلوها وذوقوا أنواع العذاب فيها بما ~~كنتم تكفرون: أي بسبب كفركم بالله في الدنيا وطاعتكم للشيطان وعبادتكم ~~للأوثان، وهذا الأمر أمر تنكيل وإهانة كقوله - ذق إنك أنت العزيز الكريم - ~~(اليوم نختم على أفواههم) اليوم ظرف لما بعده، وقرئ يختم على البناء ~~للمفعول، والنائب الجار والمجرور بعده. قال المفسرون: إنهم ينكرون الشرك ~~وتكذيب الرسل كما في قولهم - والله ربنا ما كنا مشركين - فيختم الله على ~~أفواههم ختما لا يقدرون معه على الكلام، وفي هذا التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة للإيذان بأن أفعالهم القبيحة مستدعية للإعراض عن خطابهم، ثم قال ~~(وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) أي تكلمت ms3275 أيديهم بما كانوا ~~يفعلونه، وشهدت أرجلهم عليهم بما كانوا يعملون. قرأ الجمهور " تكلمنا وتشهد ~~" وقرأ طلحة بن مصرف " ولتكلمنا، ولتشهد " بلام كي. # وقيل سبب الختم على أفواههم ليعرفهم أهل الموقف. وقيل ختم على أفواههم ~~لأجل أن يكون الإقرار من جوارحهم لأن شهادة غير الناطق أبلغ في الحجة من ~~شهادة الناطق لخروجه مخرج الإعجاز. وقيل ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت ~~أعوانا لهم في معاصي الله صارت شهودا عليهم، وجعل ما تنطق به الأيدي كلاما ~~وإقرارا لأنها كانت المباشرة لغالب المعاصي، وجعل نطق الأرجل شهادة لأنها ~~حاضرة عند كل معصية، وكلام الفاعل إقرار، وكلام الحاضر شهادة، وهذا اعتبار ~~بالغالب، وإلا فالأرجل قد تكون مباشرة للمعصية كما تكون الأيدي مباشرة لها ~~(ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) أي أذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها ~~شق ولا جفن. قال الكسائي: طمس يطمس ويطمس والمطموس والطميس عند أهل اللغة ~~الذي ليس في عينيه شق كما في قوله - ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم - ~~ومفعول المشيئة محذوف: أي لو نشاء أن نطمس على أعينهم لطمسنا. قال السدي ~~والحسن: # المعنى لتركناهم عميا يترددون لا يبصرون طريق الهدى، واختار هذا ابن جرير ~~(فاستبقوا الصراط) معطوف على لطمسنا: أي تبادروا إلى الطريق ليجوزوه ويمضوا ~~فيه، والصراط منصوب بنزع الخافض: أي فاستبقوا إليه، وقال عطاء ومقاتل ~~وقتادة: المعنى لو نشاء لفقأنا أعينهم وأعميناهم عن غيهم. وحولنا أبصارهم ~~من الضلالة إلى الهدى، فأبصروا رشدهم، واهتدوا وتبادروا إلى طريق الآخرة، ~~ومعنى (فأنى يبصرون) أي كيف يبصرون الطريق ويحسنون سلوكه ولا أبصار لهم. ~~وقرأ عيسى بن عمر " فاستبقوا " على صيغة الأمر: أي فيقال لم استبقوا. # وفي هذا تهديد لهم. ثم كرر التهديد لهم فقال (ولو نشاء لمسخناهم على ~~مكانتهم) المسخ تبديل الخلقة إلى حجر أو غيره من الجماد أو بهيمة، والمكانة ~~المكان: أي لو شئنا لبدلنا خلقهم على المكان الذي هم فيه. قيل والمكانة أخص ~~من المكان كالمقامة والمقام. قال الحسن: أي لأقعدناهم (فما استطاعوا مضيا ~~ولا يرجعون) أي لا يقدرون على ذهاب ms3276 ولا مجيء. قال الحسن: فلا يستطيعون أن ~~يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل ~~المعنى: لو نشاء لأهلكناهم في مساكنهم، وقيل لمسخناهم في المكان الذي فعلوا ~~فيه المعصية. # وقال يحيى بن سلام: هذا كله يوم القيامة. قرأ الجمهور " على مكانتهم " ~~بالإفراد. وقرأ الحسن والسلمي وزر ابن حبيش وأبو بكر عن عاصم " مكاناتهم " ~~بالجمع. وقرأ الجمهور " مضيا " بضم الميم، وقرأ أبو حيوة " مضيا " بفتحها، ~~وروي عنه أنه قرأ بكسرها ورويت هذه القراءة عن الكسائي. قيل والمعنى: ولا ~~يستطيعون رجوعا، فوضع الفعل موضع المصدر لمراعاة الفاصلة، يقال مضى يمضي ~~مضيا: إذا ذهب في الأرض، ورجع يرجع رجوعا: إذا عاد من حيث جاء (ومن نعمره ~~ننكسه في الخلق) قرأ الجمهور " ننكسه " بفتح النون الأولى وسكون الثانية ~~وضم الكاف مخففة. وقرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر ~~الكاف مشددة. والمعنى: من PageV04P378 # نطل عمره نغير خلقه، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا من القوة والطراوة. ~~قال الزجاج: المعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة الضعف، وبدل ~~الشباب الهرم، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا - وقوله - ثم رددناه أسفل سافلين - ومعنى (أفلا ~~تعقلون) أفلا تعلمون بعقولكم أن من قدر على ذلك قدر على البعث والنشور. قرأ ~~الجمهور " يعقلون " بالتحتية. وقرأ نافع وابن ذكوان بالفوقية على الخطاب. ~~ولما قال كفار مكة: إن القرآن شعر، وإن محمدا شاعر رد الله عليهم بقوله ~~(وما علمناه الشعر) والمعنى: نفي كون القرآن شعرا، ثم نفى أن يكون النبي ~~شاعرا، فقال (وما ينبغي له) أي لا يصح له الشعر ولا يتأتى منه ولا يسهل ~~عليه لو طلبه وأراد أن يقوله، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن ~~ينشد بيتا قد قاله شاعر متمثلا به كسر وزنه، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن ~~العبد المشهور، وهو قوله: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود قال: ms3277 ويأتيك ~~من لم تزوده بالأخبار وأنشد مرة أخرى قول العباس بن مرداس السلمي: # أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع فقال: بين الأقرع وعيينة، ~~وأنشد أيضا * كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا * فقال أبو بكر: # يا رسول الله إنما قال الشاعر * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا * فقال: ~~أشهد أنك رسول الله، يقول الله عز وجل - وما علمناه الشعر وما ينبغي له - ~~وقد وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم كثير من مثل هذا. قال الخليل كان ~~الشعر أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كثير من الكلام، ولكن ~~لا يتأتى منه، ووجه عدم تعليمه الشعر وعدم قدرته عليه، التكميل للحجة ~~والدحض للشبهة، كما جعله الله أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأما ما روي عنه من ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: # هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت وقوله: أنا النبي لا كذب * ~~أنا ابن عبد المطلب ونحو ذلك، فمن الاتفاق الوارد من غير قصد كما يأتي ذلك ~~في بعض آيات القرآن، وليس بشعر ولا مراد به الشعر، بل اتفق ذلك اتفاقا كما ~~يقع في كثير من كلام الناس، فإنهم قد يتكلمون بما لو اعتبره معتبر لكان على ~~وزن الشعر ولا يعدونه شعرا، وذلك كقوله تعالى - لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون - وقوله - وجفان كالجواب وقدور راسيات - على أنه قد قال الأخفش ~~إن قوله * أنا النبي لا كذب * ليس بشعر. وقال الخليل في كتاب العين: # إن ما جاء من السجع على جزءين لا يكون شعرا. قال ابن العربي: والأظهر من ~~حاله أنه قال لا كذب برفع الباء من كذب، وبخفضها من عبد المطلب. قال ~~النحاس: قال بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب لم يكن ~~شعرا، لأنه إذا فتح الباء من الأول أو ضمهما أو نونها وكسر الباء من الثاني ~~خرج عن وزن الشعر. وقيل إن الضمير في له عائد إلى القرآن أي وما ينبغي ~~للقرآن أن يكون شعرا (إن هو إلا ذكر) أي ms3278 ما القرآن إلا ذكر من الأذكار ~~وموعظة من المواعظ (وقرآن مبين) أي كتاب من كتب الله السماوية مشتمل على ~~الأحكام الشرعية (لينذر من كان حيا) أي لينذر القرآن من كان حيا: أي قلبه ~~صحيح يقبل الحق ويأبى الباطل، أو لينذر الرسول من كان حيا. قرأ الجمهور ~~بالياء التحتية، وقرأ نافع وابن عامر بالفوقية، فعلى القراءة الأولى المراد ~~القرآن، وعلى الثانية PageV04P379 # المراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ويحق القول على الكافرين) أي وتجب ~~كلمة العذاب على المصرين على الكفر الممتنعين من الإيمان بالله وبرسله. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله (في شغل فاكهون) قال: في افتضاض ~~الأبكار. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد في زوائد ~~الزهد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال: شغلهم افتضاض ~~العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وقتادة مثله. وأخرج عبد الله بن أحمد ~~في زوائد الزهد عن ابن عمر قال: إن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء. وقد ~~روي نحوه مرفوعا عن أبي سعيد مرفوعا عند الطبراني في الصغير وأبي الشيخ في ~~العظمة. # وروي أيضا نحوه عن أبي هريرة مرفوعا عند الضياء المقدسي في صفة الجنة. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (في شغل فاكهون) قال: ضرب الأوتار. ~~قال أبو حاتم: هذا لعله خطأ من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال (فاكهون) فرحون. وأخرج ابن ~~ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم والآجري في ~~الرؤية وابن مردويه عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " بينا ~~أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف ~~عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله (سلام ~~قولا من رب رحيم) قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، ms3279 فلا يلتفتون إلى شئ من ~~النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ~~ديارهم " قال ابن كثير: في إسناده نظر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في الآية قوله: إن الله هو يسلم عليهم. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي ~~والبزار وابن أبي الدنيا في التوبة واللفظ له وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس في قوله (اليوم نختم على أفواههم) قال: ~~" كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه، قال: أتدرون ~~مما ضحكت؟ قلنا: لا يا رسول الله، قال: من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب ~~ألم تجرني من الظلم؟ فيقول بلى، فيقول: إني لا أجيز علي إلا شاهدا مني، ~~فيقول: # كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه. ~~ويقال لأركانه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: ~~بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل ". وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه ~~والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " يلقى العبد ربه فيقول الله: قل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك ~~الخيل والإبل وأذرك ترأس وترتع؟ فيقول بلى أي رب، فيقول أفظننت أنك ملاقي؟ ~~فيقول لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول مثل ذلك، ثم ~~يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت ~~وتصدقت ويثنى بخير ما استطاع، فيقول ألا نبعث شاهدنا عليك، فيفكر في نفسه ~~من الذي يشهد علي فيختم على فيه، ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه وفمه وعظامه ~~بعمله ما كان وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط عليه ". ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث أبي موسى نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ~~(ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) قال: أعميناهم وأضللناهم عن الهدى (فأنى ~~يبصرون) فكيف يهتدون. وأخرج ابن ms3280 جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (ولو نشاء ~~لمسخناهم) قال: أهلكناهم (على مكانتهم) قال: في مساكنهم. وأخرج عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم قال بلغني أنه قيل ~~لعائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل بشئ من الشعر؟ ~~قالت: كان أبغض PageV04P380 # الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بنى قيس فيجعل أوله آخره يقول: ~~" ويأتيك من لم تزود بالأخبار، فقال أبو بكر: ليس هكذا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي " وهذا يرد ما ~~نقلناه عن الخليل سابقا أن الشعر كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من كثير من الكلام. # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفة: * ويأتيك بالأخبار من لم تزود * ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يتمثل من الأشعار * ويأتيك بالأخبار من لم تزود * وأخرج البيهقي في ~~سننه عن عائشة قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت شعر قط ~~إلا بيتا واحدا: # تفاءل بما تهوى يكن فلقلما * يقال لشئ كان إلا تحقق قالت عائشة: ولم يقل ~~تحققا لئلا يعربه فيصير شعرا، وإسناده هكذا: قال أخبرنا أبو عبيد الله ~~الحافظ: يعني الحاكم حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم حدثنا أبو محمد عبد ~~الله بن هلال النحوي الضرير حدثنا علي بن عمرو الأنصاري حدثنا سفيان بن ~~عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره. وقد سئل المزي عن هذا الحديث ~~فقال: هو منكر ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير. # ثم ذكر سبحانه قدرته العظيمة، وإنعامه على عبيده وجحد الكفار لنعمه فقال ~~(أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما) والهمزة للإنكار ~~والتعجيب من حالهم، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره والرؤية هي ~~القلبية: أي ms3281 أولم يعلموا بالتفكر والاعتبار (أنا خلقنا لهم): أي لأجلهم ~~(مما عملت أيدينا): أي مما أبدعناه وعملناه من PageV04P381 # غير واسطة ولا شركة، وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد ~~بالخلق كما يقول الواحد منا: # عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله، وما بمعنى الذي، وحذف العائد لطول ~~الصلة، ويجوز أن تكون مصدرية، والأنعام جمع نعم، وهي البقر والغنم والإبل، ~~وقد سبق تحقيق الكلام فيها. ثم ذكر سبحانه المنافع المترتبة على خلق ~~الأنعام فقال (فهم لها مالكون) أي ضابطون قاهرون يتصرفون بها كيف شاءوا، ~~ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم ولم يقدروا على ضبطها، ويجوز أن يكون المراد ~~أنها صارت في أملاكهم ومعدودة من جملة أموالهم المنسوبة إليهم نسبة الملك ~~(وذللناها لهم) أي جعلناها لهم مسخرة لا تمتنع مما يريدون منها من منافعهم ~~حتى الذبح، ويقودها الصبي فتنقاد له ويزجرها فتنزجر، والفاء في قوله (فمنها ~~ركوبهم) لتقريع أحكام التذليل عليه: أي فمنها مركوبهم الذي يركبونه كما ~~يقال ناقة حلوب: أي محلوبة. قرأ الجمهور " ركوبهم " بفتح الراء. وقرأ ~~الأعمش والحسن وابن السميفع بضم الراء على المصدر. وقرأ أبي وعائشة " ~~ركوبتهم " والركوب والركوبة واحد، مثل الحلوب والحلوبة والحمول والحمولة. ~~وقال أبو عبيدة: الركوبة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا ~~للجماعة. # وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز فمنها ركوبهم بضم الراء لأنه مصدر، والركوب ما ~~يركب، وأجاز ذلك الفراء كما يقال: # فمنها أكلهم ومنها شربهم ومعنى (ومنها يأكلون) ما يأكلونه من لحمها، ومن ~~للتبعيض (ولهم فيها منافع) أي لهم في الأنعام منافع غير الركوب لها والأكل ~~منها وهي ما ينتفعون به من أصوافها وأوبارها وأشعارها وما يتخذونه من ~~الأدهان من شحومها، وكذلك الحمل عليها والحراثة بها (ومشارب) أي ولهم فيها ~~مشارب مما يحصل من ألبانها (أفلا يشكرون) الله على هذه النعم ويوحدونه ~~ويخصونه بالعبادة. ثم ذكر سبحانه جهلهم واغترارهم ووضعهم كفران النعم مكان ~~شكرها فقال (واتخذوا من دون الله آلهة) من الأصنام ونحوها يعبدونها ولا ~~قدرة لها على شئ ولم يحصل لهم منها فائدة، ولا ms3282 عاد عليهم من عبادتها عائدة ~~(لعلهم ينصرون) أي رجاء أن ينصروا من جهتهم إن نزل بهم عذاب أو دهمهم أمر ~~من الأمور، وجملة (لا يستطيعون نصرهم) مستأنفة لبيان بطلان ما رجوه منها ~~وأملوه من نفعها، وجمعهم بالواو والنون جمع العقلاء بناء على زعم المشركين ~~أنهم ينفعون ويضرون ويعقلون (وهم لهم جند محضرون) أي والكفار جند للأصنام ~~محضرون: أي يحضرونهم في الدنيا. قال الحسن: يمنعون منهم ويدفعون عنهم، وقال ~~قتادة: أي يغضبون لهم في الدنيا. قال الزجاج: ينتصرون للأصنام وهي لا ~~تستطيع نصرهم. وقيل المعنى: يعبدون الآلهة ويقومون بها فهم لهم بمنزلة ~~الجند، هذه الأقوال على جعل ضميرهم للمشركين وضمير لهم للآلهة، وقيل وهم: ~~أي الآلهة لهم: أي للمشركين جند محضرون معهم في النار فلا يدفع بعضهم عن ~~بعض. وقيل معناه: وهذه الأصنام لهؤلاء الكفار جند الله عليهم في جهنم لأنهم ~~يلعنونهم ويتبرؤون منهم. وقيل المعنى: إن الكفار يعتقدون أن الأصنام جند ~~لهم يحضرون يوم القيامة لإعانتهم. ثم سلى سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال (فلا يحزنك قولهم) هذا القول هو ما يفيده قوله (واتخذوا من دون ~~الله آلهة) فإنهم لا بد أن يقولوا هؤلاء آلهتنا وإنها شركاء لله في ~~المعبودية ونحو ذلك، وهو نهي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن التأثر ~~بذلك. وقيل إنه نهى لهم عن الأسباب التي تحزن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وإن النهي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن التأثر لما يصدر ~~منهم هو من باب " لا أرينك ها هنا " فإنه يراد به نهي من خاطبه عن الحضور ~~لديه. # لا نهى نفسه عن الرؤية، وهذا بعيد والأول أولى والكلام من باب التسلية ~~كما ذكرنا، ويجوز أن يكون المراد بالقول المذكور هو قولهم: إنه ساحر وشاعر ~~ومجنون، وجملة (إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) لتعليل ما تقدم من النهي. ~~فإن علمه سبحانه بما يظهرون ويضمرون مستلزم للمجازاة لهم بذلك. وأن جميع ما ~~صدر منهم لا يعزب عنه PageV04P382 # سواء كان خافيا ms3283 أو باديا سرا أو جهرا مظهرا أو مضمرا. وتقديم السر على ~~الجهر للمبالغة في شمول علمه لجميع المعلومات، وجملة (أو لم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة) مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث ~~وللتعجيب من جهله، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية ~~إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم على ما هو دون ذلك من ~~بعث الأجسام وردها كما كانت، والإنسان المذكور في الآية المراد به جنس ~~الإنسان كما في قوله - أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا - ~~ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين كما قيل: إنه عبد الله بن أبي، وأنه قيل له ~~ذلك لما أنكر البعث. وقال الحسن: هو أمية بن خلف. وقال سعيد بن جبير: # هو العاص بن وائل السهمي. وقال قتادة ومجاهد: هو أبي بن خلف الجمحي، فإن ~~أحد هؤلاء وإن كان سببا للنزول فمعنى الآية خطاب الإنسان من حيث هو، لا ~~إنسان معين، ويدخل من كان سببا للنزول تحت جنس الإنسان دخولا أوليا، ~~والنطفة هي اليسير من الماء، وقد تقدم تحقيق معناها (فإذا هو خصيم مبين) ~~هذه الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها داخلة معها في حيز الإنكار ~~المفهوم من الاستفهام، وإذا هي الفجائية: أي ألم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~أضعف الأشياء، ففجأ خصومتنا في أمر قد قامت فيه عليه حجج الله وبراهينه، ~~والخصيم الشديد الخصومة الكثير الجدال، ومعنى المبين: المظهر لما يقوله ~~الموضح له بقوة عارضته وطلاقة لسانه، وهكذا جملة (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه) ~~معطوفة على الجملة المنفية داخله في حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام، فهي ~~تكميل للتعجيب من حال الإنسان وبيان جهله بالحقائق وإهماله للتفكر في نفسه ~~فضلا عن التفكر في سائر مخلوقات الله، ويجوز أن تكون جملة (فإذا هو خصيم) ~~معطوفة على خلقنا، وهذه معطوفة عليها: أي أورد في شأننا قصة غريبة كالمثل: ~~وهي إنكاره أحيانا للعظام، ونسي خلقه: أي خلقنا إياه. وهذه الجملة معطوفة ~~على ضرب، أو في محل ms3284 نصب على الحال بتقدير قد، وجملة (قال من يحيي العظام ~~وهي رميم) استئناف جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل ما هذا المثل الذي ضربه؟ ~~فقيل قال: من يحيي العظام وهي رميم، وهذا الاستفهام للإنكار لأنه قاس قدرة ~~الله على قدرة العبد، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية حيث لم يكن ذلك في ~~مقدور البشر، يقال رم العظم يرم رما إذا بلى فهو رميم ورمام وإنما قال رميم ~~ولم يقل رميمة مع كونه خبرا للمؤنث لأنه اسم لما بلى من العظام غير صفة ~~كالرمة والرفات. وقيل لكونه معدولا عن فاعلة وكل معدول عن وجهه يكون مصروفا ~~عن إعرابه كما في قوله - وما كانت أمك بغيا - لأنه مصروف عن باغية، كذا قال ~~البغوي والقرطبي وقال بالأول صاحب الكشاف. # والأولى أن يقال إنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وهو يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث كما قيل في جريح وصبور. ثم أجاب سبحانه عن الضارب لهذا المثل فقال ~~(قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) أي ابتدأها وخلقها أول مرة من غير شئ، ومن ~~قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية (وهو بكل شئ عليم) لا يخفى ~~عليه خافية ولا يخرج عن علمه خارج كائنا من كان. وقد استدل أبو حنيفة وبعض ~~أصحاب الشافعي بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة. # وقال الشافعي: لا تحله الحياة وأن المراد بقوله " من يحيي العظام " من ~~يحيي أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف، ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر ~~(الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا) هذا رجوع منه سبحانه إلى تقرير ما ~~تقدم من دفع استبعادهم، فنبه سبحانه على وحدانيته ودل على قدرته على إحياء ~~الموات بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من العود الندي الرطب، وذلك أن ~~الشجر المعروف بالمرخ والشجر المعروف بالعفار إذا قطع منهما عودان وضرب ~~أحدهما على الآخر انقدحت النار وهما أخضران. قيل المرخ هو الذكر والعفار هو ~~الأنثى، ويسمى الأول الزند والثاني الزندة، وقال الأخضر ولم يقل الخضراء ~~اعتبارا باللفظ. وقرئ ms3285 " الخضر " اعتبارا PageV04P383 # بالمعنى، وقد تقرر أنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه كما في قوله - نخل ~~منقعر - وقوله - نخل خاوية - فبنو تميم ونجد يذكرونه وأهل الحجاز يؤنثونه ~~إلا نادرا، والموصول بدل من الموصول الأول (فإذا أنتم منه توقدون) أي ~~تقدحون منه النار وتوقدونها من ذلك الشجر الأخضر. ثم ذكر سبحانه ما هو أعظم ~~خلقا من الإنسان فقال (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم) والهمزة لإنكار، والواو للعطف على مقدر كنظائره، ومعنى الآية: أن من ~~قدر على خلق السماوات والأرض وهما في غاية العظم وكبر الأجزاء يقدر على ~~إعادة خلق البشر الذي هو صغير الشكل ضعيف القوة، كما قال سبحانه - لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس -. # قرأ الجمهور " بقادر " بصيغة اسم الفاعل. وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق ~~والأعرج وسلام بن المنذر وأبو يعقوب الحضرمي " يقدر " بصيغة الفعل المضارع. ~~ثم أجاب سبحانه عما أفاده الاستفهام من الإنكار التقريري بقوله (بلى وهو ~~الخلاق العليم) أي بلى هو قادر على ذلك وهو المبالغ في الخلق والعلم على ~~أكمل وجه وأتمه. وقرأ الحسن والجحدري ومالك بن دينار " وهو الخالق ". ثم ~~ذكر سبحانه ما يدل على كمال قدرته وتيسر المبدأ والإعادة عليه فقال (إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) أي إنما شأنه سبحانه إذا تعلقت ~~إرادته بشئ من الأشياء أن يقول له أحدث فيحدث من غير توقف على شئ آخر أصلا، ~~وقد تقدم تفسير هذا في سورة النحل وفي البقرة. وقرأ الجمهور " فيكون " ~~بالرفع على الاستئناف. وقرأ الكسائي بالنصب عطفا على يقول. ثم نزه سبحانه ~~نفسه عن أن يوصف بغير القدرة فقال (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ) والملكوت ~~في كلام العرب لفظ مبالغة في الملك كالجبروت والرحموت كأنه قال: فسبحان ~~الذي بيده مالكية الأشياء الكلية. قال قتادة: ملكوت كل شئ: مفاتح كل شئ. ~~قرأ الجمهور " ملكوت " وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف وإبراهيم التيمي " ملكة " ~~بزنة شجرة، وقرئ " مملكة " بزنة مفعلة، وقرئ " ملك " والملكوت أبلغ من ~~الجميع. وقرأ ms3286 الجمهور (وإليه ترجعون) بالفوقية على الخطاب مبنيا للمفعول. ~~وقرأ السلمي وزر بن حبيش وأصحاب ابن مسعود بالتحتية على الغيبة مبنيا ~~للمفعول أيضا. وقرأ زيد بن علي على البناء للفاعل: أي ترجعون إليه لا إلى ~~غيره وذلك في الدار الآخرة بعد البعث. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في معجمه والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: جاء ~~العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعظم حائل ففته بيده ~~فقال: يا محمد أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ قال: " نعم يبعث الله هذا ثم ~~يميتك ثم يحيك ثم يدخلك نار جهنم " فنزلت الآيات من آخر يس (أولم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة) إلى آخر السورة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه ~~عنه قال: جاء عبد الله بن أبي في يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذكر مثل ما تقدم قال ابن كثير: وهذا منكر، لأن السورة مكية وعبد الله ~~بن أبي إنما كان بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: جاء أبي بن ~~خلف الجمحي وذكر نحو ما تقدم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال: نزلت في أبي ~~جهل وذكر نحو ما تقدم. PageV04P384 # تفسير سورة الصافات هي مائة واثنتان وثمانون آية وهي مكية. قال القرطبي: ~~في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس وابن النحاس وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة. وأخرج النسائي والبيهقي في سننه عن ~~ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا بالتخفيف ~~ويؤمنا بالصافات. قال ابن كثير: تفرد به النسائي. وأخرج ابن أبي داود في ~~فضائل القرآن، وابن النجار في تاريخه من طريق نهشل بن سعد الورداني عن ~~الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ ~~يس والصافات يوم الجمعة ثم سأل الله أعطاه سؤله ". # وأخرج أبو نعيم في الدلائل والسلفي في الطيوريات عن ابن ms3287 عباس: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله ملوك حضرموت عند قدومهم عليه أن يقرأ ~~عليهم شيئا مما أنزل الله قرأ (الصافات صفا) حتى بلغ (رب المشارق والمغارب) ~~" الحديث. # قوله (والصافات صفا) قرأ أبو عمرو وحمزة. وقيل حمزة فقط بإدغام التاء من ~~الصافات في صاد صفا، وإدغام التاء من الزاجرات في زاي زجرا، وإدغام التاء ~~من التاليات في ذال ذكرا، وهذه القراءة قد أنكرها أحمد بن حنبل PageV04P385 # لما سمعها. قال النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاثة جهات: الجهة ~~الأولى أن التاء ليست من مخرج الصاد ولا من مخرج الزاي ولا من مخرج الدال ~~ولا من أخواتهن. الجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. # الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ~~ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة. وقال الواحدي: إدغام التاء في ~~الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنهما من طرف اللسان. # وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك، والواو للقسم، والمقسم به الملائكة: ~~الصافات، والزاجرات، والتاليات. # والمراد بالصافات: التي تصف في السماء من الملائكة كصفوف الخلق في ~~الدنيا، قاله ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. ~~وقيل إنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وقال ~~الحسن: صفا كصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل المراد بالصافات هنا الطير ~~كما في قوله - أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات -. والأول أولى، والصف: ~~ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة. وقيل الصافات جماعة الناس المؤمنين ~~إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد، ذكره القشيري. والمراد ب (الزاجرات) ~~الفاعلات للزجر من الملائكة، إما لأنها تزجر السحاب كما قال السدي، وإما ~~لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: المراد بالزاجرات ~~الزواجر من القرآن، وهي كل ما ينهى ويزجر عن القبيح. والأول أولى. وانتصاب ~~صفا و (زجرا) على المصدرية لتأكيد ما قبلهما. وقيل المراد بالزاجرات ~~العلماء، لأنهم هم الذين يزجرون أهل المعاصي ms3288 والزجر في الأصل: الدفع بقوة، ~~وهو هنا قوة التصويت، ومنه قول الشاعر: # زجر أبي عروة السباع إذا * أشفق أن يختلطن بالغنم ومنه زجرت الإبل ~~والغنم: إذا أفزعتها بصوتك، والمراد ب (التاليات ذكرا) الملائكة التي تتلو ~~القرآن كما قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي. وقيل ~~المراد جبريل وحده، فذكر بلفظ الجمع تعظيما له مع أنه لا يخلو من أتباع له ~~من الملائكة. وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله وكتبه. وقيل المراد ~~آيات القرآن، ووصفها بالتلاوة وإن كانت متلوة كما في قوله - إن هذا القرآن ~~يقص على بني إسرائيل - وقيل لأن بعضها يتلو بعضا ويتبعه. وذكر الماوردي أن ~~التاليات هم الأنبياء يتلون الذكر على أممهم، وانتصاب ذكرا على أنه مفعول ~~به ويجوز أن يكون مصدرا كما قبله من قوله " صفا، وزجرا " قيل وهذه الفاء في ~~قوله " فالزاجرات، فالتاليات " إما لترتيب الصفات أنفسها في الوجود أو ~~لترتيب موصوفاتها في الفضل، وفي الكل نظر، وقوله (إن إلهكم لواحد) جواب ~~القسم: أي أقسم الله بهذه الأقسام إنه واحد ليس له شريك. وأجاز الكسائي فتح ~~إن الواقعة في جواب القسم (رب السماوات والأرض) يجوز أن يكون خبرا ثانيا، ~~وأن يكون بدلا من " لواحد " وأن يكون خبر مبتدأ محذوف. قال ابن الأنباري: ~~الوقف على لواحد وقف حسن، ثم يبتدئ رب السماوات والأرض على معنى هو رب ~~السماوات والأرض. قال النحاس: ويجوز أن يكون بدلا من لواحد. والمعنى في ~~الآية: أن وجود هذه المخلوقات على هذا الشكل البديع من أوضح الدلائل على ~~وجود الصانع وقدرته، وأنه رب ذلك كله: أي خالقه ومالكه. والمراد بما ~~بينهما: ما بين السماوات والأرض من المخلوقات. والمراد ب (المشارق) مشارق ~~الشمس. # قيل إن الله سبحانه خلق للشمس كل يوم مشرقا ومغربا بعدد أيام السنة، تطلع ~~كل يوم من واحد منها وتغرب من واحد، كذا قال ابن الأنباري وابن عبد البر. ~~وأما قوله في سورة الرحمن - رب المشرقين ورب المغربين - فالمراد بالمشرقين: ~~أقصى مطلع تطلع منه الشمس في ms3289 الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار، ~~وكذلك في المغربين. # وأما ذكر المشرق والمغرب بالإفراد فالمراد به الجهة التي تشرق منها ~~الشمس، والجهة التي تغرب منها، ولعله قد PageV04P386 # تقدم لنا في هذا كلام أوسع من هذا (إنا زينا السماء الدنيا بزينة ~~الكواكب) المراد بالسماء الدنيا التي تلي الأرض، من الدنو وهو القرب، فهي ~~أقرب السماوات إلى الأرض. قرأ الجمهور " بزينة الكواكب " بإضافة زينة إلى ~~الكواكب. والمعنى: زيناها بتزيين الكواكب: أي بحسنها. وقرأ مسروق والأعمش ~~والنخعي وحمزة بتنوين " زينة " وخفض " الكواكب " على أنها بدل من الزينة ~~على أن المراد بالزينة الاسم لا المصدر، والتقدير بعد طرح المبدل منه: إنا ~~زينا السماء بالكواكب، فإن الكواكب في أنفسها زينة عظيمة، فإنها في أعين ~~الناظرين لها كالجواهر المتلألئة. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بتنوين " ~~زينة " ونصب " الكواكب " على أن الزينة مصدر وفاعله محذوف، والتقدير: بأن ~~الله زين الكواكب بكونها مضيئة حسنة في أنفسها، أو تكون الكواكب منصوبة ~~بإضمار أعني، أو بدلا من السماء بدل اشتمال، وانتصاب حفظا على المصدرية ~~بإضمار فعل: أي حفظناها حفظا، أو على أنه مفعول لأجله: أي زيناها بالكواكب ~~للحفظ، أو بالعطف على محل زينة كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء ~~(وحفظا من كل شيطان مارد) أي متمرد خارج عن الطاعة يرمى بالكواكب، كقوله - ~~ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين -، وجملة (لا ~~يسمعون إلى الملأ الأعلى) مستأنفة لبيان حالهم بعد حفظ السماء منهم. وقال ~~أبو حاتم: أي لئلا يسمعوا، ثم حذف إن فرفع الفعل، وكذا قال الكلبي، والملأ ~~الأعلى: أهل السماء الدنيا فما فوقها، وسمى الكل منهم أعلى بإضافته إلى ملأ ~~الأرض، والضمير في يسمعون إلى الشياطين. # وقيل إن جملة لا يسمعون صفة لكل شيطان، وقيل جوابا عن سؤال مقدر كأنه ~~قيل: فما كان حالهم بعد حفظ السماء عنهم؟ فقال (لا يسمعون إلى الملأ ~~الأعلى) قرأ الجمهور " يسمعون " بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص عنه بتشديد الميم والسين، والأصل يتسمعون ~~فأدغم ms3290 التاء في السين، فالقراءة الأولى تدل على انتفاء سماعهم دون ~~استماعهم، والقراءة الثانية تدل على انتفائهما وفي معنى القراءة الأولى ~~قوله تعالى - إنهم عن السمع لمعزولون - قال مجاهد: كانوا يتسمعون ولكن لا ~~يسمعون. واختار أبو عبيدة القراءة الثانية، قال: # لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه، وتقول تسمعت إليه (ويقذفون من كل ~~جانب دحورا) أي يرمون من كل جانب من جوانب السماء بالشهب إذا أرادوا الصعود ~~لاستراق السمع، وانتصاب دحورا على أنه مفعول لأجله والدحور الطرد، تقول ~~دحرته دحرا ودحورا: طردته. قرأ الجمهور " دحورا " بضم الدال، وقرأ علي ~~والسلمي ويعقوب الحضرمي وابن أبي عبلة بفتحها. وروي عن أبي عمرو أنه قرأ " ~~يقذفون " مبنيا للفاعل، وهي قراءة غير مطابقة لما هو المرد من النظم ~~القرآني، وقيل إن انتصاب دحورا على الحال: أي مدحورين، وقيل هو جمع داحر ~~نحو قاعد وقعود فيكون حالا أيضا. وقيل إنه مصدر لمقدر: أي يدحرون دحورا. ~~وقال الفراء: إن المعنى يقذفون بما يدحرهم: أي بدحور، ثم حذفت الباء فانتصب ~~بنزع الخافض. # واختلف هل كان هذا الرمي لهم بالشهب قبل المبعث أو بعده، فقال بالأول ~~طائفة، وبالآخر آخرون. # وقالت طائفة بالجمع بين القولين: إن الشياطين لم تكن ترمي قبل المبعث ~~رميا يقطعها عن السمع، ولكن كانت ترمي وقتا ولا ترمي وقتا آخر وترمي من ~~جانب ولا ترمي من جانب آخر، ثم بعد المبعث رميت في كل وقت ومن كل جانب حتى ~~صارت لا تقدر على استراق شئ من السمع إلا من اختطف الخطفة فأتبعه شهاب ~~ثاقب، ومعنى (ولهم عذاب واصب) ولهم عذاب دائم لا ينقطع، والمراد به العذاب ~~في الآخرة غير العذاب الذي لهم في الدنيا من الرمي بالشهب. وقال مقاتل: ~~يعنى دائما إلى النفخة الأولى، والأول أولى. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ~~الواصب الدائم. وقال السدي وأبو صالح والكلبي: هو الموجع الذي يصل وجعه إلى ~~القلب، مأخوذ من PageV04P387 # الوصب وهو المرض، وقيل هو الشديد، والاستثناء في قوله (إلا من خطف ~~الخطفة) هو من قوله " لا يسمعون ms3291 " أو من قوله " ويقذفون ". وقيل الاستثناء ~~راجع إلى غير الوحي لقوله: - إنهم عن السمع لمعزولون - بل يخطف الواحد منهم ~~خطفة مما يتفاوض فيه الملائكة ويدور بينهم مما سيكون في العالم قبل أن ~~يعلمه أهل الأرض. والخطف الاختلاس مسارقة وأخذ الشئ بسرعة. قرأ الجمهور " ~~خطف " بفتح الخاء وكسر الطاء مخففة، وقرأ قتادة والحسن بكسرهما وتشديد ~~الطاء، وهي لغة تميم بن مر وبكر بن وائل. وقرأ عيسى بن عمر بفتح الخاء وكسر ~~الطاء مشددة. # وقرأ ابن عباس بكسرهما مع تخفيف الطاء، وقيل إن الاستثناء منقطع (فأتبعه ~~شهاب ثاقب) أي لحقه وتبعه شهاب ثاقب: نجم مضيء فيحرقه، وربما لا يحرقه ~~فيلقي إلى إخوانه ما خطفه، وليست الشهب التي يرجم بها هي من الكواكب ~~الثوابت بل من غير الثوابت، وأصل الثقوب الإضاءة. قال الكسائي: ثقبت النار ~~تثقب ثقابة وثقوبا: # إذا اتقدت، وهذه الآية هي كقوله - إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين - ~~(فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا) أي اسأل الكفار المنكرين للبعث أهم ~~أشد خلقا وأقوى أجساما وأعظم أعضاء، أم من خلقنا من السماوات والأرض ~~والملائكة؟ قال الزجاج: المعنى فاسألهم سؤال تقرير أهم أشد خلقا: أي أحكم ~~صنعة أم من خلقا قبلهم من الأمم السالفة؟ يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من ~~غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب فما الذي يؤمنهم من العذاب؟ ثم ذكر ~~خلق الإنسان فقال (إنا خلقناهم من طين لازب) أي إنا خلقناهم في ضمن خلق ~~أبيهم آدم من طين لازب: أي لاصق، يقال لزب يلزب لزوبا: إذا لصق. وقال قتادة ~~وابن زيد: اللازب اللازق. وقال عكرمة: اللازب اللزج. وقال سعيد بن جبير: ~~اللازب الجيد الذي يلصق باليد. وقال مجاهد: هو اللازم، والعرب تقول: طين ~~لازب ولازم تبدل الباء من الميم، واللازم الثابت كما يقال: صار الشئ ضربة ~~لازب، ومنه قول النابغة: # لا تحسبون الخير لا شر بعده * ولا تحسبون الشر ضربة لازب وحكى الفراء عن ~~العرب: طين لا تب بمعنى لازم، واللاتب الثابت. قال الأصمعي: واللاتب اللاصق ~~مثل اللازب. ms3292 والمعنى في الآية: أن هؤلاء كيف يستبعدون المعاد وهم مخلقون من ~~هذا الخلق الضعيف ولم ينكره من هو مخلوق خلقا أقوى منهم وأعظم وأكمل وأتم. ~~وقيل اللازب هو المنتن قاله مجاهد والضحاك. قرأ الجمهور " أم من خلقنا " ~~بتشديد الميم وهي أم المتصلة، وقرأ الأعمش بالتخفيف، وهو استفهام ثان على ~~قراءته. قيل وقد قرئ لازم ولا تب، ولا أدري من قرأ بذلك. ثم أضرب سبحانه عن ~~الكلام السابق فقال (بل عجبت) يا محمد من قدرة الله سبحانه (ويسخرون) منك ~~بسبب تعجبك، أو ويسخرون منك بما تقوله من إثبات المعاد. قرأ الجمهور بفتح ~~التاء من " عجبت " على الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقرأ حمزة ~~والكسائي بضمها، ورويت هذه القراءة عن علي وابن مسعود وابن عباس، واختارها ~~أبو عبيد والفراء. قال الفراء: قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحب ~~إلي لأنها عن علي وعبد الله وابن عباس. قال: والعجب أن أسند إلى الله فليس ~~معناه من الله كمعناه من العباد. قال الهروي: وقال بعض الأئمة: معنى قوله ~~(بل عجبت) بل جازيتهم على عجبهم، لأن الله أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب ~~من الخلق كما قال - وعجبوا أن جاءهم منذر منهم - وقالوا: # - إن هذا لشئ عجاب - أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم - وقال علي ~~بن سليمان: معنى القراءتين واحد، والتقدير: قل يا محمد بل عجبت لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مخاطب بالقرآن. قال النحاس: وهذا قول حسن وإضمار ~~القول كثير. وقيل إن معنى الإخبار من الله سبحانه عن نفسه بالعجب أنه ظهر ~~من أمره وسخطه على PageV04P388 # من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين. قال الهروي: ويقال معنى عجب ~~ربكم: أي رضي ربكم وأثاب، فسماه عجبا، وليس بعجب في الحقيقة، فيكون معنى ~~عجبت هنا عظم فعلهم عندي. وحكى النقاش أن معنى بل عجبت: بل أنكرت. قال ~~الحسن بن الفضل: التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب، وقيل ~~معناه: أنه بلغ في كمال قدرته وكثرة مخلوقاته ms3293 إلى حيث عجب منها، وهؤلاء ~~لجهلهم يسخرون منها، والواو في " ويسخرون " للحال: أي بل عجبت والحال أنهم ~~يسخرون، ويجوز أن تكون للاستئناف (وإذا ذكروا لا يذكرون) أي وإذا وعظوا ~~بموعظة من مواعظ الله أو مواعظ رسوله لا يذكرون: أي لا يتعظون بها ولا ~~ينتفعون بما فيها. قال سعيد بن المسيب: أي إذا ذكر لهم ماحل بالمكذبين ممن ~~كان قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا (وإذا رأوا آية) أي معجزة من معجزات رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم (يستسخرون) أي يبالغون في السخرية. # قال قتادة: يسخرون ويقولون إنها سخرية، يقال سخر واستسخر بمعنى، مثل قر ~~واستقر، وعجب واستعجب. # والأول أولى، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقيل معنى ~~يستسخرون: يستدعون السخري من غيرهم. # وقال مجاهد: يستهزئون (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين) أي ما هذا الذي ~~تأتينا به إلا سحر واضح ظاهر (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما) الاستفهام ~~للإنكار: أي أنبعث إذا متنا؟ فالعامل في إذا هو ما دل عليه (أإنا لمبعوثون) ~~وهو أنبعث، لا نفس مبعوثون لتوسط ما يمنع من عمله فيه، وهذا الإنكار للبعث ~~منهم هو السبب الذي لأجله كذبوا الرسل وما نزل عليهم واستهزأوا بما جاءوا ~~به من المعجزات، وقد تقدم تفسير معنى هذه الآية في مواضع (أو آباؤنا ~~الأولون) هو مبتدأ وخبره محذوف: أي أو آباؤنا الأولون مبعوثون، وقيل معطوف ~~على محل إن واسمها، وقيل على الضمير في مبعوثون لوقوع الفصل بينهما والهمزة ~~للإنكار داخلة على حرف العطف، ولهذا قرأ الجمهور بفتح الواو، وقرأ ابن عامر ~~وقالون بسكونها على أن أو هي العاطفة، وليست الهمزة للاستفهام. ثم أمر الله ~~سبحانه رسوله بأن يجيب عنهم تبكيتا لهم، فقال (قل نعم وأنتم داخرون) أي نعم ~~تبعثون وأنتم صاغرون ذليلون. قال الواحدي: والدخور أشد الصغار، وجملة وأنتم ~~داخرون في محل نصب على الحال. ثم ذكر سبحانه أن بعثهم يقع بزجرة واحدة فقال ~~(فإنما هي زجرة واحدة) الضمير للقصة أو البعثة المفهومة مما قبلها: أي إنما ~~قصة البعث أو البعثة ms3294 زجرة واحدة: أي صيحة واحدة من إسرافيل بنفخه في الصور ~~عند البعث (فإذا هم ينظرون) أي يبصرون ما يفعل الله بهم من العذاب. وقال ~~الحسن: هي النفخة الثانية، وسميت الصيحة زجرة، لأن المقصود منها الزجر، ~~وقيل معنى ينظرون ينتظرون ما يفعل بهم، والأول أولى. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود (والصافات صفا) قال: ~~الملائكة (فالزاجرات زجرا) قال: الملائكة (فالتاليات ذكرا) قال: الملائكة. ~~وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة مثله. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في ~~العظمة عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عنه أنه كان يقرأ (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) مخففة، وقال: ~~إنهم كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله (عذاب ~~واصب) قال: دائم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عنه أيضا إذا ~~رمى الشهاب لم يخط من رمى به وتلا (فأتبعه شهاب ثاقب). وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عنه أيضا (فأتبعه شهاب ثاقب) قال: لا يقتلون بالشهاب ولا يموتون، ~~ولكنها تحرق وتخبل وتجرح في غير قتل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (من طين لازب) قال: ملتصق. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر PageV04P389 # عنه أيضا (من طين لازب) قال: اللزج الجيد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال: اللازب والحمأ والطين واحد: كان أوله ترابا ثم صار حمأ منتنا، ثم صار ~~طينا لازبا، فخلق الله منه آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: ~~اللازب الذي يلصق بعضه إلى بعض. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه كان يقرأ (بل عجبت ~~ويسخرون) بالرفع للتاء من عجبت. # قوله (وقالوا يا ويلنا) أي قال أولئك المبعوثون لما عاينوا البعث الذي ~~كانوا يكذبون به في ms3295 الدنيا يا ويلنا، دعوا بالويل على أنفسهم. قال الزجاج: ~~الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة، وقال الفراء: إن أصله يأوي لنا، ووي ~~بمعنى الحزن كأنه قال: يا حزن لنا. قال النحاس: ولو كان كما قال لكان ~~منفصلا، وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحدا يكتبه إلا متصلا، وجملة (هذا ~~يوم الدين) تعليل لدعائهم بالويل على أنفسهم، والدين الجزاء، فكأنهم قالوا ~~هذا اليوم الذي نجازي فيه بأعمالنا من الكفر والتكذيب للرسل فأجاب عليهم ~~الملائكة بقولهم (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون)، ويجوز أن يكون هذا ~~من قول بعضهم لبعض، والفصل الحكم والقضاء لأنه يفصل فيه بين المحسن والمسئ، ~~وقوله (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) هو أمر من الله سبحانه PageV04P390 # للملائكة بأن يحشروا المشركين وأزواجهم، وهم أشباههم في الشرك، ~~والمتابعون لهم في الكفر، والمشايعون لهم في تكذيب الرسل، كذا قال قتادة ~~وأبو العالية. وقال الحسن ومجاهد: المراد بأزواجهم نساؤهم المشركات ~~الموافقات لهم على الكفر والظلم. وقال الضحاك: أزواجهم قرناؤهم من الشياطين ~~يحشر كل كافر مع شيطانه، وبه قال مقاتل (وما كانوا يعبدون من دون الله) من ~~الأصنام والشياطين، وهذا العموم المستفاد من ما الموصولة، فإنها عبارة عن ~~المعبودين، لا عن العابدين كما قيل مخصوص، لأن من طوائف الكفار من عبد ~~المسيح، ومنهم من عبد الملائكة فيخرجون بقوله - إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون - ووجه حشر الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل هو ~~زيادة التبكيت لعابديها وتخجيلهم وإظهار أنها لا تنفع ولا تضر (فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم) أي عرفوا هؤلاء المحشورين طريق النار وسوقوهم إليها، يقال ~~هديته الطريق وهديته إليها: أي دللته عليها، وفي هذا تهكم بهم (وقفوهم إنهم ~~مسؤولون) أي احبسوهم، يقال وقفت الدابة أقفها وقفا فوقفت هي وقوفا يتعدى ~~ولا يتعدى، وهذا الحبس لهم يكون قبل السوق إلى جهنم: أي وقفوهم للحساب ثم ~~سوقوهم إلى النار بعد ذلك، وجملة (إنهم مسؤولون) تعليل للجملة الأولى. قال ~~الكلبي: أي مسؤولون عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم. # وقال الضحاك: عن خطاياهم، وقيل عن ms3296 لا إله إلا الله، وقيل عن ظلم العباد، ~~وقيل هذا السؤال هو المذكور بعد هذا بقوله (ما لكم لا تناصرون) أي أي شئ ~~لكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا، وهذا توبيخ لهم وتقريع وتهكم ~~بهم، وأصله تتناصرون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. قرأ الجمهور (إنهم ~~مسؤولون) بكسر الهمزة، وقرأ عيسى بن عمر بفتحها. قال الكسائي: أي لأنهم أو ~~بأنهم، وقيل الإشارة بقوله (ما لكم لا تناصرون) إلى قول أبي جهل يوم بدر - ~~نحن جميع منتصر - ثم أضرب سبحانه عما تقدم إلى بيان الحالة التي هم عليها ~~هنالك فقال (بل هم اليوم مستسلمون) أي منقادون لعجزهم عن الحيلة. قال ~~قتادة: مستسلمون في عذاب الله. وقال الأخفش: ملقون بأيديهم، يقال استسلم ~~للشيء: إذا انقاد له وخضع (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) أي أقبل بعض ~~الكفار على بعض يتسائلون. قيل هم الأتباع والرؤساء يسأل بعضهم بعضا سؤال ~~توبيخ وتقريع ومخاصمة. # وقال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين. وقال قتادة: هو قول الإنس للجن، ~~والأول أولى لقوله (قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) أي كنتم تأتوننا في ~~الدنيا عن اليمين: أي من جهة الحق والدين والطاعة وتصدونا عنها. # قال الزجاج: كنتم تأتوننا من قبل الدين، فتروننا أن الدين والحق ما ~~تضلوننا به، واليمين عبارة عن الحق، وهذا كقوله تعالى إخبار عن إبليس - ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم - قال الواحدي: قال أهل ~~المعاني: إن الرؤساء كانوا قد حلفوا لهؤلاء الأتباع أن ما يدعونهم إليه هو ~~الحق فوثقوا بأيمانهم، فمعنى (تأتوننا عن اليمين) أي من ناحية الإيمان التي ~~كنتم تحلفونها فوثقنا بها. قال: والمفسرون على القول الأول. وقيل المعنى: # تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفائل بها لتغرونا بذلك عن جهة النصح، ~~والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. وقيل اليمين بمعنى القوة: ~~أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر كما في قوله فراغ عليهم ضربا باليمين - أي ~~بالقوة وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، وكذلك جملة (قالوا بل لم ~~تكونوا مؤمنين) فإنها ms3297 مستأنفة جواب سؤال مقدر، والمعنى: أنه قال الرؤساء أو ~~الشياطين لهؤلاء القائلين: كنتم تأتوننا عن اليمين بل لم تكونوا مؤمنين ولم ~~نمنعكم من الإيمان. والمعنى: أنكم لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم عن ~~الإيمان إلى الكفر بل كنتم من الأصل على الكفر فأقمتم عليه (وما كان لنا ~~عليكم من سلطان) من تسلط بقهر وغلبة حتى ندخلكم في الإيمان ونخرجكم من ~~الكفر (بل كنتم قوما طاغين) أي متجاوزين الحد في الكفر والضلال، وقوله (فحق ~~علينا قول ربنا إنا PageV04P391 # لذائقون) من قول المتبوعين: أي وجب علينا وعليكم ولزمنا قول ربنا، يعنون ~~قوله تعالى - لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين - إنا لذائقوا العذاب: ~~أي إنا جميعا لذائقوا العذاب الذي ورد به الوعيد. قال الزجاج: أي إن المضل ~~والضال في النار (فأغويناكم) أي أضللناكم عن الهدى، ودعوناكم إلى ما كنا ~~فيه من الغي، وزينا لكم ما كنتم عليه من الكفر (إنا كنا غاوين) فلا عتب ~~علينا في تعرضنا لإغوائكم، لأنا أردنا أن تكونوا أمثالنا في الغواية، ومعنى ~~الآية: أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية، فأقروا ها ~~ها هنا بأنهم تسببوا لإغوائهم، لكن لا بطريق القهر والغلبة، ونفوا عن ~~أنفسهم فيما سبق أنهم قهروهم وغلبوهم، فقالوا (وما كان لنا عليكم من سلطان) ~~ثم أخبر الله سبحانه عن الأتباع والمتبوعين بقوله (فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون) كما كانوا مشتركين في الغواية (إنا كذلك نفعل بالمجرمين) أي إنا ~~نفعل مثل ذلك الفعل بالمجرمين: أي أهل الإجرام، وهم المشركون كما يفيده ~~قوله سبحانه (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) أي إذا قيل ~~لهم قولوا لا إله إلا الله يستكبرون عن القبول، ومحل يستكبرون النصب على ~~أنه خبر كان، أو الرفع على أنه خبر إن، وكان ملغاة (ويقولون أئنا لتاركوا ~~آلهتنا لشاعر مجنون) يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي لقول شاعر ~~مجنون، فرد الله سبحانه عليهم بقوله (بل جاء بالحق) يعني القرآن المشتمل ~~على التوحيد والوعد والوعيد (وصدق المرسلين) ms3298 أي صدقهم فيما جاءوا به من ~~التوحيد والوعيد وإثبات الدار الآخرة ولم يخالفهم ولا جاء بشئ لم تأت به ~~الرسل قبله (إنكم لذائقوا العذاب الأليم) أي أنكم بسبب شرككم وتكذيبكم ~~لذائقوا العذاب الشديد الألم. قرأ الجمهور " لذائقوا " بحذف النون وخفض ~~العذاب، وقرأ أبان بن ثعلب عن عاصم وأبو السماك بحذفها ونصب العذاب، وأنشد ~~سيبويه في مثل هذه القراءة بالحذف للنون والنصب للعذاب قول الشاعر: # فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا وأجاز سيبويه أيضا - ~~والمقيمي الصلاة - بنصب الصلاة على هذا التوجيه. وقد قرئ بإثبات النون ونصب ~~العذاب على الأصل. ثم بين سبحانه أن ما ذاقوه من العذاب ليس إلا بسبب ~~أعمالهم، فقال (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون) أي إلا جزاء ما كنتم تعملون ~~من الكفر والمعاصي، أو إلا بما كنتم تعملون. ثم استثنى المؤمنين فقال (إلا ~~عباد الله المخلصين) قرأ أهل المدينة والكوفة " المخلصين " بفتح اللام: أي ~~الذين أخلصهم الله لطاعته وتوحيده. وقرأ الباقون بكسرها: أي الذين أخلصوا ~~لله العبادة والتوحيد، والاستثناء إما متصل على تقدير تعميم الخطاب في ~~تجزون لجميع المكلفين، أو منقطع: أي لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون ~~العذاب، والإشارة بقوله (أولئك) إلى المخلصين، وهو مبتدأ وخبره قوله (لهم ~~رزق معلوم) أي لهؤلاء المخلصين رزق يرزقهم الله إياه معلوم في حسنه وطيبة ~~وعدم انقطاعه. قال قتادة: يعني الجنة، وقيل معلوم الوقت، وهو أن يعطوا منه ~~بكرة وعشية كما في قوله - ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا - وقيل هو المذكور في ~~قوله بعده (فواكه) فإنه بدل من رزق أو خبر مبتدأ محذوف: # أي هو فواكه، وهذا هو الظاهر. والفواكه جمع الفاكهة وهي الثمار كلها ~~رطبها ويابسها، وخصص الفواكه بالذكر لأن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه كذا ~~قيل. والأولى أن يقال: إن تخصيصها بالذكر لأنها أطيب ما يأكلونه وألذ ما ~~تشتهيه أنفسهم. وقيل إن الفواكه من أتباع سائر الأطعمة، فذكرها يغنى عن ذكر ~~غيرها، وجملة (وهم مكرمون) في محل نصب على الحال: أي ولهم من الله عز وجل ms3299 ~~إكرام عظيم برفع درجاتهم عنده وسماع كلامه ولقائه في الجنة. قرأ الجمهور " ~~مكرمون " بتخفيف الراء. وقرأ أبو مقسم بتشديدها وقوله (في جنات النعيم) ~~يجوز أن يتعلق بمكرمون وأن يكون خبرا ثانيا، وأن يكون حالا، وقوله (على ~~سرر) يحتمل أن يكون حالا، وأن يكون خبرا ثالثا، PageV04P392 # وانتصاب (متقابلين) على الحالية من الضمير في مكرمون، أو من الضمير في ~~متعلق على سرر. قال عكرمة ومجاهد: معنى التقابل أنه لا ينظر بعضهم في قفا ~~بعض، وقيل إنها تدور بهم الأسرة كيف شاءوا فلا يرى بعضهم قفا بعض. قرأ ~~الجمهور " سرر " بضم الراء. وقرأ أبو السماك بفتحها، وهي لغة بعض تميم. ثم ~~ذكر سبحانه صفة أخرى لهم فقال (يطاف عليهم بكأس من معين) ويجوز أن تكون هذه ~~الجملة مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ~~ضمير متقابلين، والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكل إناء فيه الشراب، فإن ~~كان فارغا فليس بكأس. وقال الضحاك والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر. قال ~~النحاس: وحكى من يوثق به من أهل اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر ~~كأس، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام ~~مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة، ومن معين متعلق بمحذوف هو ~~صفة لكأس. قال الزجاج: بكأس من معين: أي من خمر تجري كما تجري العيون على ~~وجه الأرض، والمعين الماء الجاري، وقوله (بيضاء لذة للشاربين) صفتان لكأس. ~~قال الزجاج: أي ذات لذة فحذف المضاف، ويجوز أن يكون الوصف بالمصدر لقصد ~~المبالغة في كونها لذة فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. قال الحسن: خمر الجنة ~~أشد بياضا من اللبن له لذة لذيذة، يقال شراب لذ ولذيذ كما يقال نبات غض ~~وغضيض، ومنه قول الشاعر: بحديثها اللذ الذي لو كلمت * أسد الفلاة به أتين ~~سراعا واللذيذ: كل شئ مستطاب، وقيل البيضاء: هي التي لم يعتصرها الرجال. ثم ~~وصف هذه الكأس من الخمر بغير ms3300 ما يتصف به خمر الدنيا، فقال (لا فيها غول) أي ~~لا تغتال عقولهم فتذهب بها ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع (ولا هم عنها ~~ينزفون) أي يسكرون: يقال نزف الشارب فهو منزوف ونزيف إذا سكر، ومنه قول ~~امرئ القيس: وإذا هي تمشي كمشي النزيف * يصرعه بالكثيب البهر وقال أيضا: * ~~نزيف إذا قامت لوجه تمايلت * ومنه قول الآخر: # فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج قال الفراء: العرب ~~تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء. وقال أبو عبيدة: الغول أن تغتال ~~عقولهم، وأنشد قول مطيع بن إياس: # وما زالت الكأس تغتالهم * وتذهب بالأول الأول وقال الواحدي: الغول حقيقته ~~الإهلاك، يقال غاله غولا واغتاله: أي أهلكه، والغول كل ما اغتالك: # أي أهلكك. قرأ الجمهور " ينزفون " بضم الياء وفتح الزاي مبنيا للمفعول. ~~وقرأ حمزة والكسائي بضم الياء وكسر الزاي من أنزف الرجل: إذا ذهب عقله من ~~السكر فهو نزيف ومنزوف ومنزف، يقال أحصد الزرع: إذا حان حصاده، وأقطف ~~الكرم: إذا حان قطافه. قال الفراء: من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف ~~الرجل: إذا فنيت خمره، وأنزف: إذا ذهب عقله من السكر، وتحمل هذه القراءة ~~على معنى لا ينفد شرابهم لزيادة الفائدة. قال النحاس: والقراءة الأولى أبين ~~وأصح في المعنى، لأن معنى لا ينزفون عند جمهور المفسرين: لا تذهب عقولهم، ~~فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من ~~الصداع والسكر. وقال الزجاج وأبو علي الفارسي معنى: لا ينزفون بكسر الزاي: ~~لا يسكرون. قال المهدوي: لا يكون معنى ينزفون يسكرون، لأن قبله (لا غول ~~فيها) أي لا تغتال عقولهم فيكون تكريرا، وهذا يقوي ما قاله قتادة: إن الغول ~~وجع البطن وكذا روى PageV04P393 # ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال الحسن: إن الغول الصداع. وقال ابن كيسان: هو ~~المغص، فيكون معنى الآية: # لا فيها نوع من أنواع الفساد المصاحبة لشرب الخمر في الدنيا من مغص أو ~~وجع بطن أو صداع أو عربدة أو لغو أو تأثيم ولا هم ms3301 يسكرون منها. ويؤيد هذا ~~أن أصل الغول الفساد الذي يلحق في خفاء، يقال اغتاله اغتيالا: إذا فسد عليه ~~أمره في خفية، ومنه الغول والغيلة القتل خفية. وقرأ ابن أبي إسحاق " ينزفون ~~" بفتح الياء وكسر الزاي. وقرأ طلحة بن مصرف بفتح الياء وضم الزاي. ولما ~~ذكر سبحانه صفة مشروبهم ذكر عقبه صفة منكوحهم فقال (وعندهم قاصرات الطرف) ~~أي نساء قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، والقصر معناه الحبس، ومنه ~~قول امرئ القيس: # من القاصرات الطرف لو دب محول * من الذر فوق الأتب منها لأثرا والمحول ~~الصغير من الذر، والأتب القميص، وقيل القاصرات: المحبوسات على أزواجهن، ~~والأول أولى لأنه قال: قاصرات الطرف، ولم يقل مقصورات. والعين عظام العيون ~~جمع عيناء وهي الواسعة العين. قال الزجاج: معنى (عين) كبار الأعين حسناها. ~~وقال مجاهد: العين حسان العيون. وقال الحسن: هن الشديدات بياض العين ~~الشديدات سوادها، والأول أولى (كأنهن بيض مكنون) قال الحسن وأبو زيد: شبههن ~~ببيض النعام تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار. فلونه أبيض في صفرة، ~~وهو أحسن ألوان النساء. وقال سعيد بن جبير والسدي: شبههن ببطن البيض قبل أن ~~يقشر وتمسه الأيدي وبه قال ابن جرير، ومنه قول امرئ القيس: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها * تمتعت من لهو بها غير معجل قال المبرد: وتقول ~~العرب إذا وصفت الشئ بالحسن والنظافة كأنه بيض النعام المغطى بالريش. وقيل ~~المكنون: المصون عن الكسر: أي إنهن عذارى، وقيل المراد بالبيض اللؤلؤ كما ~~في قوله - وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون - ومثله قول الشاعر: # وهي بيضاء مثل لؤلؤة ألغوا * ص ميزت من جوهر مكنون والأول أولى، وإنما ~~قال مكنون ولم يقل مكنونات لأنه وصف البيض باعتبار اللفظ. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم) قال: تقول الملائكة للزبانية هذا القول. وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وابن أبي شيبة وابن منيع في مسنده، وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث من ~~طريق ms3302 النعمان بن بشير عن عمر ابن الخطاب في قوله (احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم) قال: أمثالهم الذين هم مثلهم: يجيء أصحاب الربا مع أصحاب الربا، ~~وأصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، أزواج في ~~الجنة، وأزواج في النار. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن ~~المنذر وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن ~~عباس في قوله (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) قال: أشباههم، وفي لفظ: # نظراءهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم) قال: وجهوههم. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: دلوهم (إلى صراط الجحيم) قال: ~~طريق النار. وأخرج عنه أيضا في قوله (وقفوهم إنهم مسؤولون) قال: احبسوهم ~~انهم محاسبون. وأخرج البخاري في تاريخه والدارمي والترمذي PageV04P394 # وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما من داع دعا إلى شئ إلا ~~كان موقوفا معه يوم القيامة لازما به لا يفارقه وإن دعا رجل رجلا، ثم قرأ ~~(وقفوهم إنهم مسؤولون) " وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) قال: ذلك إذا بعثوا في النفخة ~~الثانية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله (كانوا إذا قيل لهم ~~لا إله إلا الله يستكبرون) قال: كانوا إذا لم يشرك بالله يستنكفون، ~~(ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) لا يعقل، قال: فحكى الله صدقه ~~فقال (بل جاء بالحق وصدق المرسلين). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ~~". وأنزل الله في كتابه وذكر قوما استكبروا، فقال (إنهم كانوا إذا ms3303 قيل لهم ~~لا إله إلا الله يستكبرون)، وقال - إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ~~حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها - وهي " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ~~استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على قضية المدة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله (يطاف عليهم بكأس من معين) قال: ~~الخمر (لا فيها غول) قال ليس فيها صداع (ولا هم عنها ينزفون) قال: لا تذهب ~~عقولهم. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال في الخمر أربع خصال: السكر ~~والصداع والقئ والبول، فنزه الله خمر الجنة عنها، فقال (لا فيها غول) لا ~~تغول عقولهم من السكر (ولا هم عنها ينزفون) قال: يقيئون عنها كما يقيء صاحب ~~خمر الدنيا عنها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (لا فيها غول) قال: هي الخمر ~~ليس فيها وجع بطن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~البعث عنه أيضا في قوله (وعندهم قاصرات الطرف) يقول: من غير أزواجهن (كأنهن ~~بيض مكنون) قال: اللؤلؤ المكنون. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (كأنهن بيض ~~مكنون) قال: بياض البيضة ينزع عنها فوفها وغشاؤها. PageV04P395 # قوله (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) معطوف على يطاف: أي يسأل هذا ذاك، ~~وذاك هذا حال شربهم عن أحوالهم التي كانت في الدنيا، وذلك من تمام نعيم ~~الجنة، والتقدير: فيقبل بعضهم على بعض، وإنما عبر عنه بالماضي للدلالة على ~~تحقق وقوعه (قال قائل منهم) أي قال قائل من أهل الجنة في حال إقبال بعضهم ~~على بعض بالحديث وسؤال بعضهم لبعض (إني كان لي قرين) أي صاحب ملازم لي في ~~الدنيا كافر بالبعث منكر له كما يدل عليه قوله (أئنك لمن المصدقين) يعني ~~بالبعث والجزاء، وهذا الاستفهام من القرين لتوبيخ ذلك المؤمن وتبكيته ~~بإيمانه وتصديقه بما وعد الله به من البعث، وكان هذا القول ms3304 منه في الدنيا. ~~ثم ذكر ما يدل على الاستبعاد للبعث عنده وفي زعمه فقال (إذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أإنا لمدينون) أي مجزيون بأعمالنا ومحاسبون بها بعد أن صرنا ~~ترابا وعظاما، وقيل معنى مدينون مسوسون، يقال دانه: إذا ساسه. قال سعيد بن ~~جبير: قرينه شريكه، وقيل أراد بالقرين الشيطان الذي يقارنه وأنه كان يوسوس ~~إليه بإنكار البعث، وقد مضى ذكر قصتهما في سورة الكهف، والاختلاف في ~~أسميهما، قرأ الجمهور " لمن المصدقين " بتخفيف الصاد من التصديق: أي لمن ~~المصدقين بالبعث، وقرئ بتشديدها، ولا أدري من قرأ بها، ومعناها بعيد لأنها ~~من التصدق لا من التصديق، ويمكن تأويلها بأنه أنكر عليه التصدق بماله لطلب ~~الثواب، وعلل ذلك باستبعاد البعث وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات ~~الثلاثة، فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة، والثالثة بكسر الألف ~~من غير استفهام، ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين، وابن عامر ~~الأولى والثالثة بهمزتين، والثانية بكسر الألف من غير استفهام، والباقون ~~بالاستفهام في جميعها. ثم اختلفوا، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة ~~وبعده ساكنه خفيفة، وأبو عمرو مطولة، وعاصم وحمزة بهمزتين (قال هل أنتم ~~مطلعون) القائل هو المؤمن الذي في الجنة بعد ما حكى لجلسائه فيها ما قاله ~~له قرينه في الدنيا: أي هل أنتم مطلعون إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين ~~الذي قال لي تلك المقالة كيف منزلته في النار؟ قال ابن الأعرابي: ~~والاستفهام هو بمعنى الأمر: # أي اطلعوا، وقيل القائل هو الله سبحانه، وقيل الملائكة، والأول أولى ~~(فاطلع فرآه في سواء الجحيم) أي فاطلع على النار ذلك المؤمن الذي صار يحدث ~~أصحابه في الجنة بما قال له قرينه في الدنيا، فرأى قرينه في وسط الجحيم. # قال الزجاج: سواء كل شئ وسطه. قرأ الجمهور " مطلعون " بتشديد الطاء ~~مفتوحة وبفتح النون، فاطلع ماضيا مبنيا للفاعل من الطلوع. وقرأ ابن عباس ~~ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو مطلعون بسكون الطاء وفتح النون " فأطلع " ~~بقطع الهمزة مضمومة وكسر اللام ماضيا مبنيا للمفعول. قال النحاس: فأطلع فيه ~~قولان ms3305 على هذه القراءة أحدهما أن يكون فعلا مستقبلا: أي فأطلع أنا، ويكون ~~منصوبا على أنه جواب الاستفهام، والقول الثاني أن يكون فعلا ماضيا، وقرأ ~~حماد بن أبي عمار " مطلعون " بتخفيف الطاء وكسر النون فاطلع مبنيا للمفعول، ~~وأنكر PageV04P396 # هذه القراءة أبو حاتم وغيره. قال النحاس: هي لحن، لأنه لا يجوز الجمع بين ~~النون والإضافة، ولو كان مضافا لقال هل أنتم مطلعي، وإن كان سيبويه والفراء ~~قد حكيا مثله وأنشدا: # هم القائلون الخير والآمرونه * إذا ما خشوا من محدث الدهر معظما ولكنه ~~شاذ خارج عن كلام العرب (قال تالله إن كدت لتردين) أي قال ذلك الذي من أهل ~~الجنة لما اطلع على قرينه ورآه في النار: تالله إن كدت لتردين: أي لتهلكني ~~بالإغواء. قال الكسائي: لتردين لتهلكني، والردى الهلاك. قال المبرد: لو قيل ~~لتردين لتوقعني في النار لكان جائزا. قال مقاتل: المعنى والله لقد كدت أن ~~تغويني فأنزل منزلتك، والمعنى متقارب، فمن أغوى إنسانا فقد أهلكه (ولولا ~~نعمة ربي لكنت من المحضرين) أي لولا رحمة ربي وإنعامه علي بالإسلام وهدايتي ~~إلى الحق وعصمتي عن الضلال لكنت من المحضرين معك في النار، قال الفراء: أي ~~لكنت معك في النار محضرا. قال الماوردي: وأحضر لا يستعمل إلا في الشر. ولما ~~تمم كلامه مع ذلك القرين الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل ~~الجنة فقال (أفما نحن بميتين)، والهمزة للاستفهام التقريري وفيها معنى ~~التعجيب، والفاء للعطف على محذوف كما في نظائره: أي نحن مخلدون منعمون فما ~~نحن بميتين (إلا موتتنا الأولى) التي كانت في الدنيا، وقوله هذا كان على ~~طريقة الابتهاج والسرور بما أنعم الله عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع ~~وأنهم مخلدون لا يموتون أبدا، وقوله (وما نحن بمعذبين) هو من تمام كلامه: ~~أي وما نحن بمعذبين كما يعذب الكفار. ثم قال مشيرا إلى ما هم فيه من النعيم ~~(إن هذا لهو الفوز العظيم) أي أن هذا الأمر العظيم والنعيم المقيم والخلود ~~الدائم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم الذي ms3306 لا يقادر قدره ولا يمكن الإحاطة ~~بوصفه، وقوله (لمثل هذا فليعمل العاملون) من تمام كلامه: أي لمثل هذا ~~العطاء والفضل العظيم فليعمل العاملون، فإن هذه هي التجارة الرابحة، لا ~~العمل للدنيا الزائلة فإنها صفقة خاسرة نعيمها منقطع وخيرها زائل وصاحبها ~~عن قريب منها راحل. وقيل إن هذا من قول الله سبحانه، وقيل من قول الملائكة، ~~والأول أولى. قرأ الجمهور " بميتين " وقرأ زيد بن علي " بمايتين " وانتصاب ~~إلا موتتنا على المصدرية، والاستثناء مفرغ، ويجوز أن يكون الاستثناء ~~منقطعا. أي لكن الموتة الأولى التي كانت في الدنيا (أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم) الإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكره من نعيم الجنة، وهو مبتدأ وخبره ~~خير، ونزلا تمييز، والنزل في اللغة الرزق الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا ~~فيه والخيرية بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غيره. قال الزجاج: المعنى ~~أذلك خير في باب الإنزال التي يبقون بها نزلا أم نزل أهل النار، وهو قوله ~~(أم شجرة الزقوم) وهو ما يكره تناوله. قال الواحدي: وهو شئ مر كريه يكره ~~أهل النار على تناوله فهم يتزقمونه، وهي على هذا مشتقة من التزقم وهو البلع ~~على جهد لكراهتها ونتنها. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي يعرفها ~~العرب أم لا على قولين: أحدهما أنها معروفة من شجر الدنيا فقال قطرب: إنها ~~شجرة مرة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. القول ~~الثاني أنها غير معروفة في شجر الدنيا. قال قتادة: لما ذكر الله هذه الشجرة ~~افتتن بها الظلمة فقالوا: كيف تكون في النار شجرة. فأنزل الله تعالى (إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين) قال الزجاج: حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها. وقيل ~~معنى جعلها فتنة لهم: أنها محنة لهم لكونهم يعذبون بها، والمراد بالظالمين ~~هنا الكفار أو أهل المعاصي الموجبة للنار. ثم بين سبحانه أوصاف هذه الشجرة ~~ردا على منكريها فقال (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) أي في قعرها، قال ~~الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترفع إلى دركاتها، ثم ms3307 قال (طلعها كأنه ~~رؤوس الشياطين) أي ثمرها وما تحمله كأنه في تناهي قبحه وشناعة منظره رؤوس ~~الشياطين، فشبه المحسوس بالمتخيل، وإن كان غير مرئي للدلالة على أنه غاية ~~في القبح كما PageV04P397 # تقول في تشبيه من يستقبحونه: كأنه شيطان، وفي تشبيه من يستحسنونه: كأنه ~~ملك، كما في قوله - ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم - ومنه قول امرئ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال وقال الزجاج ~~والفراء: الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها ~~وأخفها جسما. # وقيل إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح معروف باليمن يقال له الاستن، ويقال ~~له الشيطان. قال النحاس: # وليس ذلك معروفا عند العرب. وقيل هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ~~ثمره رؤوس الشياطين (فإنهم لآكلون منها) أي من الشجرة أو من طلعها، ~~والتأنيث لاكتساب الطلع التأنيث من إضافته إلى الشجرة (فمالئون منها ~~البطون) وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم، فهذا طعامهم ~~وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة (ثم إن لهم عليها) بعد الأكل منها (لشوبا من ~~حميم) الشوب الخلط. قال الفراء: يقال شاب طعامه وشرابه: إذا خلطهما بشئ ~~يشوبهما شوبا وشيابة، والحميم الماء الحار. فأخبر سبحانه أنه يشاب لهم ~~طعامهم من تلك الشجرة بالماء الحار ليكون أفظع لعذابهم وأشنع لحالهم كما في ~~قوله - وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم - قرأ الجمهور " شوبا " بفتح الشين، ~~وهو مصدر، وقرأ شيبان النحوي بالضم. قال الزجاج: المفتوح مصدر، والمضموم ~~اسم بمعنى المشوب، كالنقص بمعنى المنقوص (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) أي ~~مرجعهم بعد شرب الحميم وأكل الزقوم إلى الجحيم، وذلك أنهم يوردون الحميم ~~لشربه، وهو خارج الجحيم كما تورد الإبل، ثم يردون إلى الجحيم كما في قوله ~~سبحانه - يطوفون بينها وبين حميم آن - وقيل إن الزقوم والحميم نزل يقدم ~~إليهم قبل دخولها. قال أبو عبيدة: ثم بمعنى الواو، وقرأ ابن مسعود " ثم إن ~~مقيلهم لا إلى الجحيم " وجملة (إنهم ألفوا، إي وجدوا (آباءهم ضالين) تعليل ~~لاستحقاقهم ما تقدم ذكره أي صادفوهم كذلك ms3308 فاقتدوا بهم تقليدا وضلالة لا ~~لحجة أصلا (فهم على آثارهم يهرعون) الإهراع الإسراع. قال الفراء: الإهراع ~~الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة: يهرعون: يستحثون من خلفهم، يقال جاء فلان ~~يهرع إلى النار: إذا استحثه البرد إليها. وقال المفضل يزعجون من شدة ~~الإسراع. قال الزجاج: هرع وأهرع: إذا استحث وانزعج، والمعنى: يتبعون آباءهم ~~في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) أي ضل ~~قبل هؤلاء المذكورين أكثر الأولين من الأمم الماضية (ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين) أي أرسلنا في هؤلاء الأولين رسلا أنذروهم العذاب وبينوا لهم الحق ~~فلم ينجع ذلك فيهم (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) أي الذين أنذرتهم الرسل ~~فإنهم صاروا إلى النار. # قال مقاتل: يقول كان عاقبتهم العذاب، يحذر كفار مكة ثم استثنى عباده ~~المؤمنين فقال (إلا عباد الله المخلصين) أي إلا من أخلصهم الله بتوفيقهم ~~إلى الإيمان والتوحيد، وقرئ " المخلصين " بكسر اللام: أي الذين أخلصوا لله ~~طاعاتهم ولم يشوبوها بشئ مما يغيرها. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله (فاطلع ~~فرآه في سواء الجحيم) قال: اطلع ثم التفت إلى أصحابه فقال: لقد رأيت جماجم ~~القوم تغلى. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: قول الله لأهل الجنة - ~~كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون - قال هنيئا: أي لا تموتون فيها فعند ~~ذلك قالوا (أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى ما نحن بمعذبين إن هذا لهو ~~الفوز العظيم) قال: هذا قول الله (لمثل هذا فليعمل العاملون). وأخرج ابن ~~مردويه عن البراء بن عازب قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يده في يدي، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثى على ركبتيه ~~فجعل يبكي حتى بل الثرى، ثم قال (لمثل هذا فليعمل العاملون) PageV04P398 # وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: دخلت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ~~مريض يجود بنفسه فقال (لمثل هذا فليعمل العاملون). وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: مر أبو ms3309 جهل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس، فلما ~~بعد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسم: أولى لك فأولى ثم أولى لك ~~فأولى، فلما سمع أبو جهل قال: من توعد يا محمد؟ قال إياك، قال بما توعدني؟ ~~قال أوعدك بالعزيز الكريم، فقال أبو جهل: # أليس أنا العزيز الكريم؟ فأنزل الله (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) إلى ~~قوله (ذق إنك أنت العزيز الكريم) فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه، ~~فأخرج إليهم زبدا وتمرا فقال: تزقموا من هذا، فوالله ما يتوعدكم محمد إلا ~~بهذا، فأنزل الله (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) إلى قوله (ثم إن لهم ~~عليها لشوبا من حميم). وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: لو أن قطرة من زقوم ~~جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت على الناس معايشهم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عنه أيضا (ثم إن لهم عليها لشوبا) قال: لمزجا. وأخرج ابن المنذر عنه ~~أيضا قال في قوله (لشوبا من حميم) يخالط طعامهم ويشاب بالحميم. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى ~~يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء أهل الجنة وأهل النار، وقرأ (ثم إن مقيلهم لا إلى ~~الجحيم). وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(إنهم ألفوا آباءهم ضالين) قال: وجدوا آباءهم. PageV04P399 # لما ذكر سبحانه أنه أرسل في الأمم الماضية منذرين ذكر تفصيل بعض ما أجمله ~~فقال (ولقد نادانا نوح) واللام هي الموطئة للقسم، وكذا اللام في قوله ~~(فلنعم المجيبون) أي نحن، والمراد أن نوحا دعا ربه على قومه لما عصوه، ~~فأجاب الله دعاءه وأهلك قومه بالطوفان. فالنداء هنا هو نداء الدعاء لله ~~والاستغاثة به، كقوله - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - وقوله - ~~إني مغلوب فانتصر - قال الكسائي: أي فلنعم المجيبون له كنا (فنجيناه وأهله ~~من الكرب العظيم) المراد بأهله أهل دينه، وهم من آمن معه وكانوا ثمانين، ~~والكرب العظيم هو الغرق، وقيل تكذيب قومه ms3310 له وما يصدر منهم إليه من أنواع ~~الأذايا (وجعلنا ذريته هم الباقين) وحدهم دون غيرهم كما يشعر به ضمير ~~الفصل، وذلك لأن الله أهلك الكفرة بدعائه ولم يبق منهم باقية، ومن كان معه ~~في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل ولم يبق إلا أولاده. قال سعيد بن ~~المسيب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب وفارس ~~والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند، ~~والهند، والنوب، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر وغيرهم. ويافث أبو ~~الصقالب والترك والخزر ويأجوج ومأجوج وغيرهم، وقيل إنه كان لمن مع نوح ذرية ~~كما يدل عليه قوله - ذرية من حملنا مع نوح - وقوله - قيل يا نوح اهبط بسلام ~~منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم - ~~فيكون على هذا معنى (وجعلنا ذريته هم الباقين) وذريته وذرية من معه دون ~~ذرية من كفر، فإن الله أغرقهم فلم يبق لهم ذرية (وتركنا عليه في الآخرين) ~~يعنى في الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة من الأمم، والمتروك هذا هو قوله ~~(سلام على نوح) أي تركنا هذا الكلام بعينه وارتفاعه على الحكاية، والسلام ~~هو الثناء الحسن: أي يثنون عليه ثناء حسنا ويدعون له ويترحمون عليه. قال ~~الزجاج: تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر هو قوله ~~(سلام على نوح). قال الكسائي: في ارتفاع سلام وجهان: أحدهما وتركنا عليه في ~~الآخرين يقال سلام على نوح. # والوجه الثاني أن يكون المعنى: وأبقينا عليه، وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: ~~سلام على نوح: أي سلامة له من أن يذكر بسوء في الآخرين. قال المبرد: أي ~~تركنا عليه هذه الكلمة باقية: يعني يسلمون عليه تسليما ويدعون له، وهو من ~~الكلام المحكى كقوله - سورة أنزلناها - وقيل إنه ضمن تركنا معنى قلنا. قال ~~الكوفيون: جملة سلام على نوح في العالمين في محل نصب مفعول تركنا، لأنه ضمن ~~معنى قلنا. قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود " سلاما " منصوب بتركنا: أي ~~تركنا عليه ثناء ms3311 حسنا، وقيل المراد بالآخرين أمة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وفي العالمين متعلق بما تعلق به الجار والمجرور الواقع خبرا، وهو على ~~نوح: أي سلام ثابت أو مستمر أو مستقر على نوح في العالمين من الملائكة ~~والجن والإنس، وهذا يدل على عدم اختصاص ذلك بأمة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم PageV04P400 # كما قيل (إنا كذلك نجزي المحسنين) هذه الجملة تعليل لما قبلها من التكرمة ~~لنوح بإجابة دعائه وبقاء الثناء من الله عليه وبقاء ذريته: أي إنا كذلك ~~نجزي من كان محسنا في أقواله وأفعاله راسخا في الاحسان معروفا به، والكاف ~~في كذلك نعت مصدر محذوف: أي جزاء كذلك الجزاء (إنه من عبادنا المؤمنين) هذا ~~بيان لكونه من المحسنين وتعليل له بأنه كان عبدا مؤمنا مخلصا لله (ثم ~~أغرقنا الآخرين) أي الكفرة الذين لم يؤمنوا بالله ولا صدقوا نوحا. ثم ذكر ~~سبحانه قصة إبراهيم وبين أنه ممن شايع نوحا فقال (وإن من شيعته لإبراهيم) ~~أي من أهل دينه وممن شايعه ووافقه على الدعاء إلى الله وإلى توحيده ~~والإيمان به. قال مجاهد: أي على منهاجه وسنته. قال الأصمعي: الشيعة الأعوان ~~وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد، ~~وقال الفراء: المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم، فالهاء في شيعته على هذا ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا قال الكلبي. ولا يخفى ما في هذا من ~~الضعف والمخالفة للسياق. والظرف في قوله (إذ جاء ربه بقلب سليم) منصوب بفعل ~~محذوف: أي أذكر، وقيل بما في الشيعة من معنى المتابعة. قال أبو حيان: لا ~~يجوز لأن فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو إبراهيم، والأولى أن ~~يقال: إن لام الابتداء تمنع ما بعدها من العمل فيما قبلها، والقلب السليم ~~المخلص من الشرك والشك. وقيل هو الناصح لله في خلقه، وقيل الذي يعلم أن ~~الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. ومعنى مجيئه إلى ~~ربه يحتمل وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته. الثاني ms3312 عند إلقائه ~~في النار. # وقوله (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون) بدل من الجملة الأولى، أو ظرف ~~لسليم، أو ظرف لجاء، والمعنى: # وقت قال لأبيه آزر وقومه من الكفار: أي شئ تعبدون (أئفكا آلهة دون الله ~~تريدون) انتصاب إفكا على أنه مفعول لأجله، وانتصاب آلهة على أنه مفعول ~~تريدون، والتقدير: أتريدون آلهة من دون الله للإفك، ودون ظرف لتريدون، ~~وتقديم هذه المعمولات للفعل عليه للاهتمام. وقيل انتصاب إفكا على أنه مفعول ~~به لتريدون، وآلهة بدل منه، جعلها نفس الإفك مبالغة، وهذا أولى من الوجه ~~الأول. وقيل انتصابه على الحال من فاعل تريدون: أي أتريدون آلهة آفكين أو ~~ذوي إفك. قال المبرد: الإفك أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب ومنه ~~ائتفكت بهم الأرض (فما ظنكم برب العالمين) أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد ~~عبدتم غيره وما ترونه يصنع بكم؟ وهو تحذير مثل قوله - ما غرك بربك الكريم - ~~وقيل المعنى: أي شئ توهمتموه بالله حتى أشركتم به غيره (فنظر نظرة في ~~النجوم فقال إني سقيم) قال الواحدي: قال المفسرون: كانوا يتعاطون علم ~~النجوم فعاملهم بذلك لئلا ينكروا عليه وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ~~لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه، ~~وأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم: وذلك أنهم كلفوه أن يخرج معهم إلى عيدهم ~~فنظر إلى النجوم يريهم أنه مستدل بها على حاله، فلما نظر إليها قال إني ~~سقيم أي سأسقم. وقال الحسن: إنهم لما كلفوه أن يخرج معهم تفكر فيما يعمل، ~~فالمعنى على هذا أنه نظر فيما نجم له من الرأي: أي فيما طلع له منه، فعلم ~~أن كل شئ يسقم (فقال إني سقيم). قال الخليل والمبرد: يقال للرجل إذا فكر في ~~الشئ يدبره: نظر في النجوم. # وقيل كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعة تعتاده فيها ~~الحمى. وقال الضحاك: معنى إني سقيم: # سأسقم سقم الموت، لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا ~~تورية ms3313 وتعريض كما قال للملك لما سأله عن ساره هي أختي: يعنى أخوة الدين. ~~وقال سعيد بن جبير: أشار لهم إلى مرض يسقم ويعدي وهو الطاعون وكانوا يهربون ~~من ذلك، ولهذا قال (فتولوا عنه مدبرين) أي تركوه وذهبوا مخافة العدوي (فراغ ~~إلى آلهتهم) يقال راغ يروغ روغا وروغانا: إذا مال، ومنه طريق رائغ: أي ~~مائل. ومنه قول الشاعر: # فيريك من طرف اللسان حلاوة * ويروغ عنك كما يروغ الثعلب PageV04P401 # وقال السدي: ذهب إليهم، وقال أبو مالك: جاء إليهم، وقال الكلبي: أقبل ~~عليهم، والمعنى متقارب (فقال ألا تأكلون) أي فقال إبراهيم للأصنام التي راغ ~~إليها استهزاء وسخرية: ألا تأكلون من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها، ~~وخاطبها كما يخاطب من يعقل، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة، وكذا قوله (مالكم ~~لا تنطقون) فإنه خاطبهم خطاب من يعقل، والاستفهام للتهكم بهم لأنه قد علم ~~أنها جمادات لا تنطق. قيل إنهم تركوا عند أصنامهم طعامهم للتبرك بها ~~وليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم. وقيل تركوه للسدنة، وقيل إن إبراهيم هو الذي ~~قرب إليها الطعام مستهزئا بها (فراغ عليهم ضربا باليمين) أي فمال عليهم ~~يضربهم ضربا باليمين فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، أو هو مصدر ~~لراغ، لأنهم بمعنى ضرب. قال الواحدي: قال المفسرون: يعني بيده اليمنى ~~يضربهم بها. وقال السدي: بالقوة والقدرة لأن اليمين أقوى اليدين. قال ~~الفراء وثعلب ضربا بالقوة، واليمين القوة. وقال الضحاك والربيع بن أنس: ~~المراد باليمين اليمين التي حلفها حين قال - وتالله لأكيدن أصنامكم - وقيل ~~المراد باليمين هنا العدل كما في قوله - ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين - أي بالعدل، واليمين كناية عن العدل كما أن الشمال ~~كناية عن الجور، وأول هذه الأقوال أولا ها (فأقبلوا إليه يزفون) أي أقبل ~~إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون لما علموا بما صنعه بها، ويزفون في محل نصب ~~على الحال من فاعل أقبلوا. قرأ الجمهور " يزفون " بفتح الياء من زف الظليم ~~يزف إذا عدا بسرعة، وقرأ حمزة بضم الياء من أزف يزف: أي دخل في الزفيف، ms3314 أو ~~يحملون غيرهم على الزفيف. قال الأصمعي: أزففت الإبل: أي حملتها على أن تزف، ~~وقيل هما لغتان، يقال زف القوم وأزفوا، وزفت العروس وأزففتها، حكى ذلك عن ~~الخليل. قال النحاس: زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة: يعني يزفون بضم ~~الياء، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء، وشبهها بقولهم أطردت ~~الرحل: أي صيرته إلى ذلك، وقال المبرد: الزفيف الإسراع. وقال الزجاج: ~~الزفيف أول عدو النعام. وقال قتادة والسدي: معنى يزفون يمشون. وقال الضحاك: ~~يسعون. وقال يحيى بن سلام: يرعدون غضبا. وقال مجاهد: يختالون: أي يمشون مشي ~~الخيلاء، وقيل يتسللون تسللا بين المشي والعدو، والأولى تفسير يزفون ~~بيسرعون، وقرئ " يزفون " على البناء للمفعول، وقرئ " يزفون " كيرمون. وحكى ~~الثعلبي عن الحسن ومجاهد وابن السميفع أنهم قرأوا " يرفون " بالراء ~~المهملة، وهي ركض بين المشي والعدو (قال أتعبدون ما تنحتون) لما أنكروا على ~~إبراهيم ما فعله بالأصنام، ذكر لهم الدليل الدال على فساد عبادتها فقال ~~مبكتا لهم ومنكرا عليهم (أتعبدون ما تنحتون) أي أتعبدون أصناما أنتم ~~تنحتونها، والنحت النجر والبري، نحته ينحته بالكسر نحتا: أي براه، والنحاتة ~~البراية، وجملة (والله خلقكم وما تعملون) في محل نصب على الحال من فاعل ~~تعبدون، و " ما " في " وما تعملون " موصولة: أي وخلق الذي تصنعونه على ~~العموم ويدخل فيها الأصنام التي ينحتونها دخولا أوليا، ويكون معنى العمل ~~هنا التصوير والنحت ونحوهما، ويجوز أن تكون مصدرية: أي خلقكم وخلق عملكم، ~~ويجوز أن تكون استفهامية، ومعنى الاستفهام التوبيخ والتقريع: أي وأي شئ ~~تعملون، ويجوز أن تكون نافية: أي إن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا ~~تعملون شيئا، وقد طول صاحب الكشاف الكلام في رد قول من قال إنها مصدرية، ~~ولكن بما لا طائل تحته، وجعلها موصولة أولى بالمقام وأوفق بسياق الكلام، ~~وجملة (قالوا بنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم) مستأنفة جواب سؤال مقدر ~~كالجملة التي قبلها، قالوا هذه المقالة لما عجزوا عن جواب ما أورده عليهم ~~من الحجة الواضحة، فتشاوروا فيما بينهم أن يبنوا له حائطا من ms3315 حجارة ويملؤوه ~~حطبا ويضرموه، ثم يلقوه فيه، والجحيم النار الشديدة الاتقاد. قال الزجاج: ~~وكل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم، واللام في الجحيم عوض عن المضاف إليه: أي ~~في جحيم ذلك البنيان، ثم لما ألقوه فيها نجاه الله منها وجعلها عليه بردا ~~وسلاما، وهو معنى قوله (فأرادوا به كيدا فجعلناهم PageV04P402 # الأسفلين) الكيد: المكر والحيلة: أي احتالوا لإهلاكه فجعلناهم الأسفلين ~~المقهورين المغلوبين، لأنها قامت له بذلك عليهم الحجة التي لا يقدرون على ~~دفعها ولا يمكنهم جحدها، فإن النار الشديدة الاتقاد العظيمة الاضطرام ~~المتراكمة الجمار إذا صارت بعد إلقائه عليها بردا وسلاما، ولم تؤثر فيه أقل ~~تأثير كان ذلك من الحجة بمكان يفهمه كل من له عقل، وصار المنكر له سافلا ~~ساقط الحجة ظاهر التعصب واضح التعسف، وسبحان من يجعل المحن لمن يدعو إلى ~~دينه منحا، ويسوق إليهم الخير بما هو من صور الضير. ولما انقضت هذه الوقعة ~~وأسفر الصبح لذي عينين، وظهرت حجة الله لإبراهيم، وقامت براهين نبوته، ~~وسطعت أنوار معجزته (قال إني ذاهب إلى ربي) أي مهاجر من بلد قومي الذين ~~فعلوا ما فعلوا تعصبا للأصنام وكفرا بالله وتكذيبا لرسله إلى حيث أمرني ~~بالمهاجرة إليه. # أو إلى حيث أتمكن من عبادته (سيهديني) أي سيهديني إلى المكان الذي أمرني ~~بالذهاب إليه، أو إلى مقصدي. # قيل إن الله سبحانه أمره بالمسير إلى الشام، وقد سبق بيان هذا في سورة ~~الكهف مستوفى. قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال (رب ~~هب لي من الصالحين) أي ولدا صالحا من الصالحين يعينني على طاعتك ويؤنسني في ~~الغربة هكذا قال المفسرون، وعللوا ذلك بأن الهبة قد غلب معناها في الولد، ~~فتحمل عند الاطلاق عليه، وإذا وردت مقيدة حملت على ما قيدت به كما في قوله ~~- ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا - وعلى فرض أنها لم تغلب في طلب ~~الولد فقوله (فبشرناه بغلام حليم) يدل على أنه ما أراد بقوله (رب هب لي من ~~الصالحين) إلا الولد، ومعنى حليم: أن يكون حليما عند ms3316 كبره، فكأنه بشر ببقاء ~~ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما، لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: ~~هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر: وأنه يبقى حتى ينتهي في السن ويوصف ~~بالحلم (فلما بلغ معه السعي) في الكلام حذف كما تشعر به هذه الفاء الفصيحة ~~والتقدير: فوهبنا له الغلام فنشأ حتى صار إلى السن التي يسعى فيها مع أبيه ~~في أمور دنياه. قال مجاهد: # (فلما بلغ معه السعي) أي شب وأدرك سعيه سعي إبراهيم. وقال مقاتل: لما مشى ~~معه. قال الفراء: كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. وقال الحسن: هو سعي العقل ~~الذي تقوم به الحجة. وقال ابن زيد: هو السعي في العبادة، وقيل هو الاحتلام ~~(قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك) قال إبراهيم لابنه لما بلغ معه ~~ذلك المبلغ: إني رأيت في المنام هذه الرؤيا. قال مقاتل: رأى إبراهيم ذلك ~~ثلاث ليال متتابعات. قال قتادة: رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئا فعلوه. # وقد اختلف أهل العلم في الذبيح؟ هل هو إسحاق أو إسماعيل. قال القرطبي: ~~فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد ~~الله، وهو الصحيح عن عبد الله بن مسعود، ورواه أيضا عن جابر وعلي بن أبي ~~طالب وعبد الله بن عمر وعمر بن الخطاب، قال: فهؤلاء سبعة من الصحابة. قال: ~~ومن التابعين وغيرهم علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار ~~وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي برزة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن ~~سابط والزهري والسدي وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس كلهم قالوا ~~الذبيح إسحاق، وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد، منهم ~~النحاس وابن جرير الطبري وغيرهما. قال وقال آخرون: هو إسماعيل، وممن قال ~~بذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ~~أيضا، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع ~~بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وعلقمة، وعن الأصمعي قال: سألت ms3317 أبا ~~عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عزب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق ~~بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة. قال ابن كثير في تفسيره: وقد ذهب جماعة من ~~أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكى ذلك عن طائفة من السلف PageV04P403 # حتى يقال عن بعض الصحابة وليس في ذلك كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا ~~عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ مسلما من غير حجة، وكتاب الله شاهد ومرشد إلى ~~أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، وقال بعد ~~ذلك (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين). # واحتج القائلون بأنه إسحاق بأن الله عز وجل قد أخبرهم عن إبراهيم حين ~~فارق قومه، فهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط فقال - إني ذاهب ~~إلى ربي سيهدين - أنه دعا فقال - رب هب لي من الصالحين - فقال تعالى - فلما ~~اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب - ولأن الله قال - ~~وفديناه بذبح عظيم - فذكر أنه في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم، وإنما ~~بشر بإسحاق، لأنه قال - وبشرناه بإسحاق - وقال هنا - بغلام حليم - وذلك قبل ~~أن يعرف هاجر، وقبل أن يصير له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بشر بولد إلا ~~إسحاق. قال الزجاج: # الله أعلم أيهما الذبيح، وما استدل به الفريقان يمكن الجواب عنه ~~والمناقشة له. # ومن جملة ما احتج به من قال إنه إسماعيل بأن الله وصفه بالصبر دون إسحاق ~~كما في قوله - وإسماعيل واليسع وذا الكفل كل من الصابرين - وهو صبره على ~~الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله - إنه كان صادق الوعد - لأنه وعد أباه من ~~نفسه بالصبر على الذبح، فوفى به، ولأن الله سبحانه قال - وبشرناه بإسحاق ~~نبيا - فكيف يأمره بذبحه، وقد وعده أن يكون نبيا، وأيضا فإن الله قال - ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب - فكيف يأمر بذبح إسحاق قبل إنجاز ~~الوعد في يعقوب، وأيضا ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على ~~أن الذبيح إسماعيل، ولو كان إسحاق ms3318 لكان الذبح واقعا ببيت المقدس وكل هذا ~~أيضا يحتمل المناقشة (فانظر ماذا ترى) قرأ حمزة والكسائي " ترى " بضم ~~الفوقية وكسر الراء، والمفعولان محذوفان: أي أنظر ماذا تريني إياه من صبرك ~~واحتمالك. وقرأ الباقون من السبعة بفتح التاء والراء من الرأي، وهو مضارع ~~رأيت، وقرأ الضحاك والأعمش، " ترى " بضم التاء وفتح الراء مبنيا للمفعول: ~~أي ماذا يخيل إليك ويسنح لخاطرك. قال الفراء في بيان معنى القراءة الأولى: ~~انظر ماذا ترى من صبرك وجزعك. قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره، وإنما قال ~~العلماء ماذا تشير: # أي ما تريك نفسك من الرأي، وقال أبو عبيد: إنما يكون هذا من رؤية العين ~~خاصة وكذا قال أبو حاتم، وغلطهما النحاس وقال: هذا يكون من رؤية العين ~~وغيرها، ومعنى القراءة الثانية ظاهر واضح، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر ~~الله، وإلا فرؤيا الأنبياء وحي، وامتثالها لازم لهم متحتم عليهم (قال يا ~~أبت افعل ما تؤمر) أي ما تؤمر به مما أوحي إليك من ذبحي، وما موصولة، وقيل ~~مصدرية على معنى افعل أمرك، والمصدر مضاف إلى المفعول، وتسمية المأمور به ~~أمرا، والأول أولى (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) على ما ابتلاني به من ~~الذبح، والتعليق بمشيئة الله سبحانه تبركا بها منه (فلما أسلما) أي استسلما ~~لأمر الله وأطاعاه وانقادا له. قرأ الجمهور " أسلمنا " وقرأ علي وابن مسعود ~~وابن عباس " فلما سلما " أي فوضا أمرهما إلى الله، وروي عن ابن عباس أنه ~~قرأ استسلما قال قتادة: أسلم أحدهما نفسه لله، وأسلم الآخر ابنه، يقال: سلم ~~لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد. # وقد اختلف في الجواب لما ماذا هو؟ فقيل هو محذوف، وتقديره ظهر صبرهما أو ~~أجزلنا لهما أجرهما أو فديناه بكبش هكذا قال البصريون. وقال الكوفيون: ~~الجواب هو ناديناه، والواو زائدة مقحمة، واعترض عليهم النحاس بأن الواو من ~~حروف المعاني ولا يجوز أن تزاد، وقال الأخفش الجواب - وتله للجبين - والواو ~~زائدة، وروي هذا أيضا عن الكوفيين، واعتراض النحاس يرد عليه كما ورد على ~~الأول (وتله للجبين) التل: ms3319 الصرع PageV04P404 # والدفع، يقال تللت الرجل: إذا ألقيته، والمراد أنه أضجعه على جبينه على ~~الأرض، والجبين أحد جانبي الجبهة، فللوجه جبينان والجبهة بينهما، وقيل كبه ~~على وجهه كيلا يرى منه ما يؤثر الرقة لقلبه. # واختلف في الموضع الذي أراد ذبحه فيه، فقيل هو مكة في المقام، وقيل في ~~المنحر بمنى عند الجمار، وقيل على الصخرة التي بأصل جبل ثبير، وقيل بالشام ~~(وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أي عزمت على الإتيان بما رأيته. ~~قال المفسرون: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، ~~وجعله مصدقا بمجرد العزم وإن لم يذبحه لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب ~~استسلامهما لأمر الله وقد فعلا. قال القرطبي: قال أهل السنة إن نفس الذبح ~~لم يقع، ولو وقع لم يتصور رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل، لأنه لو ~~حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء. قال: ومعنى (صدقت ~~الرؤيا) فعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك، هذا أصح ما قيل في هذا الباب. ~~وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه، لأن معنى ذبحت الشئ قطعته، وقد كان ~~إبراهيم يأخذ السكين فيمر بها على حلقه فتنقلب كما قال مجاهد. وقال بعضهم: ~~كان كلما قطع جزءا التأم وقالت طائفة منهم السدي: ضرب الله على عنقه صفيحة ~~نحاس، فجعل إبراهيم يحز ولا يقطع شيئا. وقال بعضهم إن إبراهيم ما أمر ~~بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج وانهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه ~~للذبح، فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي فلما أتى بما أمر به من الاضجاع قيل ~~له قد (صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين) أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد ~~والسلامة من المحن، فالجملة كالتعليل لما قبلها. قال مقاتل: جزاه الله ~~سبحانه بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه (إن هذا لهو البلاء المبين) ~~البلاء والابتلاء: الاختبار، والمعنى: إن هذا هو الاختبار الظاهر حيث ~~اختبره الله في طاعته بذبح ولده. وقيل المعنى: إن هذا لهو النعمة الظاهرة ~~حيث سلم الله ولده من ms3320 الذبح وفداه بالكبش، يقال أبلاه الله إبلاء وبلاء: ~~إذا أنعم عليه: والأول أولى، وإن كان الابتلاء يستعمل في الاختبار بالخير ~~والشر، ومنه - ونبلوكم بالشر والخير فتنة - ولكن المناسب للمقام المعنى ~~الأول. قال أبو زيد: # هذا في البلاء الذي نزل به في أن يذبح ولده. قال: وهذا من البلاء المكروه ~~(وفديناه بذبح عظيم) الذبح: اسم المذبوح وجمعه ذبوح كالطحن اسم للمطحون، ~~وبالفتح المصدر، ومعنى عظيم: عظيم القدر، ولم يرد عظم الجثة وإنما عظم قدره ~~لأنه فدى به الذبيح، أو لأنه متقبل. قال النحاس: العظيم في اللغة يكون ~~للكبير وللشريف، وأهل التفسير على أنه ها هنا للشريف: أي المتقبل. قال ~~الواحدي: قال أكثر المفسرين: أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. ~~وقال الحسن: ما فدى إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير فذبحه إبراهيم ~~فداء عن ابنه. قال الزجاج: قد قيل إنه فدى بوعل، والوعل التيس الجبلي، ~~ومعنى الآية: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح (وتركنا عليه في ~~الآخرين سلام على إبراهيم) أي في الأمم الآخرة التي تأتي بعده، والسلام ~~الثناء الجميل. وقال عكرمة: سلام منا، وقيل سلامة من الآفات، والكلام في ~~هذا كالكلام في قوله - سلام على نوح في العالمين - وقد تقدم في هذه السورة ~~بيان معناه، ووجه إعرابه (كذلك نجزي المحسنين) أي مثل ذلك الجزاء العظيم ~~نجزي من انقاد لأمر الله (إنه من عبادنا المؤمنين) أي الذين أعطوا العبودية ~~حقها ورسخوا في الإيمان بالله وتوحيده (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) ~~أي بشرنا إبراهيم بولد يولد له ويصير نبيا بعد أن يبلغ السن التي يتأهل ~~فيها لذلك، وانتصاب نبيا على الحال، وهي حال مقدرة. قال الزجاج: إن كان ~~الذبيح إسحاق فيظهر كونها مقدرة والأولى أن يقال إن من فسر الذبيح بإسحاق ~~جعل البشارة هنا خاصة بنبوته. وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه، ولا ~~حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال ليس بشرط، وإنما ~~الشرط المقارنة للفعل، و " من الصالحين " كما يجوز ms3321 أن يكون صفة لنبيا يجوز ~~أن يكون حالا من الضمير المستتر فيه، فتكون PageV04P405 # أحوالا متداخلة (وباركنا عليه وعلى إسحاق) أي على إبراهيم وعلى إسحاق ~~بمرادفة نعم الله عليهما، وقيل كثرنا ولدهما وقيل إن الضمير في عليه يعود ~~إلى إسماعيل وهو بعيد، وقيل المراد بالمباركة هنا: هي الثناء الحسن عليهما ~~إلى يوم القيامة (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) أي محسن في عمله ~~بالإيمان والتوحيد، وظالم لها بالكفر والمعاصي لما ذكر سبحانه البركة في ~~الذرية بين أن كون الذرية من هذا العنصر الشريف والمحتد المبارك ليس بنافع ~~لهم، بل إنما ينتفعون بأعمالهم، لا بآبائهم، فإن اليهود والنصارى وإن كانوا ~~من ولد إسحاق فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال البين، والعرب وإن ~~كانوا من ولد إسماعيل فقد ماتوا على الشرك إلا من أنقذه الله بالإسلام. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وجعلنا ذريته هم ~~الباقين) يقول: لم يبق إلا ذرية نوح (وتركنا عليه في الآخرين) يقول: يذكر ~~بخير. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سمرة بن ~~جندب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (وجعلنا ذريته هم الباقين) ~~قال: حام وسام ويافث. وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن سمرة أيضا أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم ~~" والحديثان هما من سماع الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه مقال معروف، وقد قيل ~~إنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة فقط وما عداه فبواسطة. قال ابن عبد البر: ~~وقد روي عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله. وأخرج ~~البزار وابن أبي حاتم والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فولد سام ~~العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد يافث يأجوج ms3322 ومأجوج والترك والصقالبة ~~ولا خير فيهم، وولد حام القبط والبربر والسودان " وهو من حديث إسماعيل بن ~~عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وإن من شيعته لإبراهيم) قال: من أهل ~~دينه. وأخرج عبد بن حميد عنه في قوله (إني سقيم) قال: مريض. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا قال: مطعون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في قوله (فأقبلوا إليه يزفون) قال: يخرجون. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في ~~قوله (قال إني ذاهب إلى ربي) قال: حين هاجر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا (فلما بلغ معه السعي) قال: # العمل. وأخرج الطبراني عنه أيضا قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق قال ~~لأبيه: إذا ذبحتني فاعتزل لا أضطرب فينتضح عليك دمي فشده، فلما أخذ الشفرة ~~وأراد أن يذبحه نودي من خلفه (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) وأخرج أحمد ~~عنه أيضا مرفوعا مثله مع زيادة. وأخرجه عنه موقوفا. وأخرج ابن المنذر ~~والحاكم وصححه من طريق مجاهد عنه أيضا في قوله (وإن من شيعته لإبراهيم) ~~قال: من شيعة نوح على منهاجه وسننه (فلما بلغ معه السعي) قال شب حتى بلغ ~~سعيه سعي أبيه في العمل (فلما أسلما) سلما ما أمر به (وتله) وضع وجهه إلى ~~الأرض، فقال لا تذبحني وأنت تنظر عسى أن ترحمني، فلا تجهز علي، وأن أجزع ~~فأنكص فامتنع منك، ولكن اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي إلى الأرض، فلما ~~أدخل يده ليذبحه فلم تحل المدية حتى نودي: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ~~فأمسك يده، قوله (وفديناه بذبح عظيم) بكبش عظيم متقبل، وزعم ابن عباس أن ~~الذبيح إسماعيل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " رؤيا الأنبياء وحي " وأخرجه البخاري وغيره من قول عبيد بن ~~عمير واستدل بهذه الآية. وأخرج ابن جرير والحاكم من طريق عطاء ms3323 ابن أبي رباح ~~عن ابن عباس قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود. ~~وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ~~الشعبي عن ابن عباس قال: الذبيح إسماعيل. PageV04P406 # وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد ويوسف بن ~~ماهك عن ابن عباس قال: # الذبيح إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك وأبي ~~الطفيل عن ابن عباس قال: # الذبيح إسماعيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه ~~عن ابن عمر في قوله (وفديناه بذبح عظيم) قال: إسماعيل ذبح عنه إبراهيم ~~الكبش. وأخرج عبد بن حميد من طريق الفرزدق الشاعر قال: رأيت أبا هريرة يخطب ~~على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: إن الذي أمر بذبحه ~~إسماعيل. وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن ~~العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قال ~~نبي الله داود: يا رب أسمع الناس يقولون: رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني ~~رابعا، قال: إن إبراهيم ألقي في النار فصبر من أجلي، وإن إسحاق جاد لي ~~بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تنلك " وفي إسناده الحسن بن ~~دينار البصري، وهو متروك عن علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. # وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا نحوه. وأخرج الدارقطني في ~~الأفراد والديلمي عن ابن مسعود قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الذبيح إسحاق ". وأخرج ابن جرير ~~وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ~~الذبيح إسحاق ". وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا مثله. وأخرج ابن ~~مردويه عن بهار وكانت له صحبة، قال: إسحاق ذبيح الله. وأخرج الطبراني وابن ~~مردويه عن ابن مسعود قال سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكرم الناس؟ ~~قال: " يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ". وأخرج عبد ms3324 الرزاق والحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود قال: الذبيح إسحاق. وأخرج عبد بن حميد والبخاري في ~~تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن العباس بن عبد ~~المطلب قال: الذبيح إسحاق. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: الذبيح إسحاق. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وتله للجبين) قال: ~~أكبه على وجهه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: صرعه للذبح. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله (وفديناه ~~بذبح عظيم) قال: كبش أعين أبيض أقرن قد ربط بسمرة في أصل ثبير. وأخرج ابن ~~أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وفديناه بذبح عظيم) قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. # وأخرج عبد بن حميد عنه قال: فدى إسماعيل بكبشين أملحين أقرنين أعينين. ~~وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ~~أن رجلا قال: نذرت لأنحر نفسي، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة، ثم تلا (وفديناه بذبح عظيم)، فأمره بكبش فذبحه. وأخرج الطبراني ~~من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله (وبشرناه بإسحاق ~~نبيا من الصالحين) قال: إنما بشر به نبيا حين فداه الله من الذبح ولم تكن ~~البشارة بالنبوة عند مولده. # وبما سقناه من الاختلاف في الذبيح هل هو إسحاق أو إسماعيل، وما استدل به ~~المختلفون في ذلك تعلم أنه لم يكن في المقام ما يوجب القطع أو يتعين رجحانه ~~تعينا ظاهرا، وقد رجح كل قول طائفة من المحققين المنصفين كابن جرير فإنه ~~رجح إنه إسحاق، ولكنه لم يستدل على ذلك إلا ببعض مما سقناه ها هنا، وكابن ~~كثير فإنه رجح أنه إسماعيل، وجعل الأدلة على ذلك أقوى وأصح، وليس الأمر كما ~~ذكره، فإنها إن لم تكن دون أدلة القائلين بأن الذبيح إسحاق لم تكن ms3325 فوقها ~~ولا أرجح منها، ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شئ، ~~وما روي عنه فهو إما موضوع أو ضعيف جدا، ولم يبق إلا مجرد استنباطات من ~~القرآن كما أشرنا إلى ذلك فيما PageV04P407 # سبق، وهي محتملة ولا تقوم حجة بمحتمل، فالوقف هو الذي لا ينبغي مجاوزته، ~~وفيه السلامة من الترجيح، بلا مرجح، ومن الاستدلال بما هو محتمل. # لما فرغ سبحانه من ذكر إنجاء الذبيح من الذبح، وما من عليه بعد ذلك من ~~النبوة ذكر ما من به على موسى وهارون، فقال (ولقد مننا على موسى وهارون) ~~يعنى بالنبوة وغيرها من النعم العظيمة التي أنعم الله بها عليهما ~~(ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم) المراد بقومهما هم المؤمنون من بني ~~إسرائيل، والمراد بالكرب العظيم هو ما كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، ~~وما كان نصيبهم من جهته من البلاء، وقيل هو الغرق الذي أهلك فرعون وقومه، ~~والأول أولى (ونصرناهم) جاء بضمير الجماعة. قال الفراء: الضمير لموسى ~~وهارون وقومهما، لأن قبله ونجيناهما وقومهما، والمراد بالنصر التأييد لهم ~~على عدوهم (فكانوا) بسبب ذلك (هم الغالبين) على عدوهم بعد أن كانوا تحت ~~أسرهم وقهرهم، وقيل الضمير في نصرناهم عائد على الاثنين موسى وهارون تعظيما ~~لهما، والأول PageV04P408 # أولى (وآتيناهما الكتاب المستبين) المراد بالكتاب التوراة: والمستبين: ~~البين الظاهر، يقال استبان كذا، أي صار بينا (وهديناهما الصراط المستقيم) ~~أي القيم لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام فإنه الطريق الموصلة إلى المطلوب ~~(وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون) أي أبقينا عليهما في ~~الأمم المتأخرة الثناء الجميل، وقد قدمنا الكلام في السلام وفي وجه إعرابه ~~بالرفع، وكذلك تقدم تفسير (إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا ~~المؤمنين) في هذه السورة (وإن إلياس لمن المرسلين) قال المفسرون: هو نبي من ~~أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه، قيل وهو إلياس بن يس من سبط ~~هارون أخي موسى. قال ابن إسحاق وغيره: كان إلياس هو القيم بأمر بني إسرائيل ~~بعد يوشع، وقيل هو إدريس، والأول ms3326 أولى. قرأ الجمهور " إلياس " بهمزة مكسورة ~~مقطوعة، وقرأ ابن ذكوان بوصلها، ورويت هذه القراءة عن ابن عامر، وقرأ ابن ~~مسعود والأعمش ويحيى بن وثاب " وإن إدريس لمن المرسلين " وقرأ أبي " وإن ~~إبليس " بهمزة مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم لام مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم سين ~~مهملة مفتوحة (إذا قال لقومه ألا تتقون) هو ظرف لقوله من المرسلين، أو ~~متعلق بمحذوف: # أي أذكر يا محمد إذ قال، والمعنى: ألا تتقون عذاب الله، ثم أنكر عليهم ~~بقوله (أتدعون بعلا) هو اسم لصنم كانوا يعبدونه: أي أتعبدون صنما وتطلبون ~~الخير منه. # قال ثعلب: اختلف الناس في قوله سبحانه " بعلا " فقالت طائفة: البعل هنا ~~الصنم، وقالت طائفة: البعل هنا ملك، وقال ابن إسحاق: امرأة كانوا يعبدونها. ~~قال الواحدي: والمفسرون يقولون ربا، وهو بلغة اليمن، يقولون للسيد والرب ~~البعل. قال النحاس: القولان صحيحان: أي أتدعون صنما عملتوه ربا (وتذرون ~~أحسن الخالقين) أي وتتركون عبادة أحسن من يقال له خالق، وانتصاب الاسم ~~الشريف في قوله (الله ربكم ورب آبائكم الأولين) على أنه بدل من أحسن، هذا ~~على قراءة حمزة والكسائي والربيع بن خثيم وابن أبي إسحاق ويحيى ابن وثاب ~~والأعمش، فإنهم قرأوا بنصب الثلاثة الأسماء، وقيل النصب على المدح، وقيل ~~على عطف البيان، وحكى أبو عبيد أن النصب على النعت. قال النحاس: وهو غلط ~~وإنما هو بدل، ولا يجوز النعت لأنه ليس بتحلية واختار هذه القراءة أبو عبيد ~~وأبو حاتم. وقرأ ابن كثير وأبوا عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة ونافع بالرفع. ~~قال أبو حاتم: بمعنى هو الله ربكم. قال النحاس: وأولى ما قيل إنه مبتدأ ~~وخبر بغير إضمار ولا حذف، وحكي عن الأخفش أن الرفع أولى وأحسن. قال ابن ~~الأنباري: من رفع أو نصب لم يقف على أحسن الخالقين على جهة التمام لأن الله ~~مترجم عن أحسن الخالقين على الوجهين جميعا، والمعنى: أنه خالقكم وخالق من ~~قبلكم فهو الذي تحق له العبادة (فكذبوه فإنهم لمحضرون) أي فإنهم بسبب ~~تكذيبه لمحضرون في العذاب، وقد تقدم أن الإحضار ms3327 المطلق مخصوص بالشر (إلا ~~عباد الله المخلصين) أي من كان مؤمنا به من قومه، قرئ بكسر اللام وفتحها ~~كما تقدم، والمعنى على قراءة الكسر: أنهم أخلصوا لله، وعلى قراءة الفتح: أن ~~الله استخلصهم من عباده. وقد تقدم تفسير (وتركنا عليه في الآخرين سلام على ~~آل ياسين) قرأ نافع وابن عامر والأعرج وشيبة على آل ياسين بإضافة آل بمعنى ~~آل ياسين، وقرأ الباقون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة بياسين إلا الحسن، ~~فإنه قرأ " الياسين " بإدخال آلة التعريف على ياسين، قيل المراد على هذه ~~القراءات كلها إلياس، وعليه وقع التسليم، ولكنه اسم أعجمي، والعرب تضطرب في ~~هذه الأسماء الأعجمية ويكثر تغييرهم لها. قال ابن جني: العرب تتلاعب ~~بالأسماء الأعجمية تلاعبا، فياسين، وإلياس، وإلياسين شئ واحد. قال الأخفش: ~~العرب تسمي قوم الرجل باسم الرجل الجليل منهم، فيقولون المهالبة على أنهم ~~سموا كل رجل منهم بالمهلب. قال: فعلى هذا إنه سمي كل رجل منهم بالياسين. # قال الفراء: يذهب بالياسين إلى أن يجعله جمعا فيجعل أصحابه داخلين معه في ~~اسمه. قال أبو علي الفارسي: PageV04P409 # تقديره الياسين إلا أن اليائين للنسبة حذفتا كما حذفتا في الأشعرين ~~والأعجمين. ورجح الفراء وأبو عبيدة قراءة الجمهور قالا: لأنه لم يقل في شئ ~~من السور على آل فلان، إنما جاء بالاسم كذلك الياسين لأنه إنما هو بمعنى ~~إلياس أو بمعنى إلياس وأتباعه. وقال الكلبي: المراد بآل ياسين آل محمد. قال ~~الواحدي: وهذا بعيد لأن ما بعده من الكلام وما قبله لا يدل عليه، وقد تقدم ~~تفسير (إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين) مستوفى (وأن لوطا ~~لمن المرسلين) قد تقدم ذكر قصة لوط مستوفاة (إذ نجيناه وأهله أجمعين) الظرف ~~متعلق بمحذوف هو أذكر ولا يصح تعلقه بالمرسلين، لأنه لم يرسل وقت تنجيته ~~(إلا عجوزا في الغابرين) قد تقدم أن الغابر يكون بمعنى الماضي، ويكون بمعنى ~~الباقي، فالمعنى: إلا عجوزا في الباقين في العذاب، أو الماضين الذين قد ~~هلكوا (ثم دمرنا الآخرين) أي أهلكناهم بالعقوبة، والمعنى: أن في نجاته ~~وأهله ms3328 جميعا إلا العجوز وتدمير الباقين من قومه الذين لم يؤمنوا به دلالة ~~بينة على ثبوت كونه من المرسلين (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين) خاطب بهذا ~~العرب أو أهل مكة على الخصوص: أي تمرون على منازلهم التي فيها آثار العذاب ~~وقت الصباح (وبالليل) والمعنى: تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى الشام ~~ورجوعكم منه نهارا وليلا (أفلا تعقلون) ما تشاهدونه في ديارهم من آثار ~~عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين وموعظة للمتدبرين (وإن ~~يونس لمن المرسلين) يونس هو ذو النون، وهو ابن متي. قال المفسرون: وكان ~~يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج عنهم وقصد البحر وركب ~~السفينة، فكان بذهابه إلى البحر كالفار من مولاه فوصف بالإباق، وهو معنى ~~قوله (إذ أبق إلى الفلك المشحون) وأصل الإباق الهرب من السيد، لكن لما كان ~~هربه من قومه بغير إذن ربه وصف به. وقال المبرد: # تأويل أبق بباعد: أي ذهب إليه، ومن ذلك قولهم عبد آبق. # وقد اختلف أهل العلم هل كانت رسالته قبل التقام الحوت إياه أو بعده؟ ~~ومعنى المشحون: المملوء (فساهم فكان من المدحضين) المساهمة أصلها المغالبة، ~~وهي الاقتراع، وهو أن يخرج السهم على من غلب. قال المبرد: # أي فقارع. قال: وأصله من السهام التي تجال، ومعنى " فكان من المدحضين " ~~فصار من المغلوبين. قال: # يقال دحضت حجته وأحضها الله، وأصله من الزلق عن مقام الظفر، ومنه قول ~~الشاعر: # قتلنا المدحضين بكل فج * فقد قرت بقتلهم العيون أي المغلوبين (فالتقمه ~~الحوت وهو مليم) يقال لقمت اللقمة والتقمتها: إذا ابتلعتها: أي فابتلعه ~~الحوت، ومعنى (وهو مليم) وهو مستحق للوم، يقال: رجل مليم إذا أتى بما يلام ~~عليه، وأما الملوم فهو الذي يلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا، ~~وقيل المليم المعيب، يقال ألام الرجل إذا عمل شيئا صار به معيبا. ومعنى هذه ~~المساهمة: أن يونس لما ركب السفينة احتبست، فقال الملاحون: ها هنا عبد أبق ~~من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، ms3329 فاقترعوا فوقعت ~~القرعة على يونس، فقال أنا الآبق وزج نفسه في الماء. قال سعيد ابن جبير: ~~لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه حتى إذا ألقى ~~نفسه في الماء أخذه الحوت (فلو لا أنه كان من المسبحين) أي الذاكرين لله، ~~أو المصلين له (للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) أي لصار بطن الحوت له قبرا ~~إلى يوم البعث، وقيل للبث في بطنه حيا. # واختلف المفسرون كم أقام في بطن الحوت؟ فقال السدي والكلبي ومقاتل بن ~~سليمان: أربعين يوما. وقال الضحاك: عشرين يوما. وقال عطاء: سبعة أيام. وقال ~~مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام، وقيل ساعة واحدة. # وفي هذه الآية ترغيب في ذكر الله وتنشيط للذاكرين له (فنبذناه بالعراء ~~وهو سقيم) النبذ الطرح. والعراء. # قال ابن الأعرابي: هو الصحراء، وقال الأخفش: الفضاء، وقال أبو عبيدة: ~~الواسع من الأرض، PageV04P410 # وقال الفراء: المكان الخالي. وروي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال: هو وجه ~~الأرض، وأنشد لرجل من خزاعة: # ورفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي والمعنى: أن الله ~~طرحه من بطن الحوت في الصحراء الواسعة التي لا نبات فيها، وهو عند إلقائه ~~سقيم لما ناله في بطن الحوت من الضرر، قيل صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. # وقد استشكل بعض المفسرين الجمع بين ما وقع هنا من قوله (فنبذناه ~~بالعراء)، وقوله في موضع آخر - لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء ~~وهو مذموم - فإن هذه الآية تدل على أنه لم ينبذ بالعراء. وأجاب النحاس ~~وغيره بأن الله سبحانه أخبرها هنا أنه نبذ بالعراء وهو غير مذموم، ولولا ~~رحمته عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) أي شجرة ~~فوقه تظلل عليه، وقيل معنى عليه عنده وقيل معنى عليه له. واليقطين هي شجرة ~~الدباء. وقال المبرد: اليقطين يقال لكل شجرة ليس لها ساق، بل تمتد على وجه ~~الأرض نحو الدباء والبطيخ والحنظل، فإن كان لها ساق يقلها فيقال لها شجرة ~~فقط، وهذا قول الحسن ومقاتل ms3330 وغيرهما. وقال سعيد بن جبير: هو كل شئ ينبت ثم ~~يموت من عامه. قال الجوهري: اليقطين مالا ساق له من شجر كشجر القرع ونحوه. # قال الزجاج: اشتقاق اليقطين من قطن بالمكان: أي أقام به فهو يفعيل، وقيل ~~هو اسم أعجمي. قال المفسرون: # كان يستظل بظلها من الشمس، وقيض الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة ~~وعشية، فكان يشرب من لبنها حتى اشتد لحمه ونبت شعره ثم أرسله الله بعد ذلك، ~~وهو معنى قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) هم قومه الذين هرب منهم ~~إلى البحر وجرى له ما جرى بعد هربه كما قصه الله علينا في هذه السورة، وهم ~~أهل نينوى. # قال قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل، وقد مر الكلام على قصته في ~~سورة يونس مستوفى، " وأو " في أو يزيدون قيل هي بمعنى الواو، والمعنى: ~~ويزيدون. وقال الفراء: أو ها هنا بمعنى بل، وهو قول مقاتل والكلبي. وقال ~~المبرد والزجاج والأخفش: أو هنا على أصله، والمعنى: أو يزيدون في تقديركم ~~إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، فالشك إنما دخل على حكاية ~~قول المخلوقين. قال مقاتل والكلبي: # كانوا يزيدون عشرين ألفا. وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. وقال سعيد بن ~~جبير: سبعين ألفا. وقرأ جعفر ابن محمد ويزيدون بدون ألف الشك. # وقد وقع الخلاف بين المفسرين هل هذا الإرسال المذكور هو الذي كان قبل ~~التقام الحوت له، وتكون الواو في وأرسلناه لمجرد الجمع بين ما وقع له مع ~~الحوت وبين إرساله إلى قومه من غير اعتبار تقديم ما تقدم في السياق وتأخير ~~ما تأخر، أو هو إرسال له بعد ما وقع له مع الحوت ما وقع على قولين، وقد ~~قدمنا الإشارة إلى الاختلاف بين أهل العلم هل كان قد أرسل قبل أن يهرب من ~~قومه إلى البحر أو لم يرسل إلا بعد ذلك؟ والراجح أنه كان رسولا قبل أن يذهب ~~إلى البحر كما يدل عليه ما قدمنا في سورة يونس وبقي مستمرا على الرسالة، ms3331 ~~وهذا الإرسال المذكور هنا هو بعد تقدم نبوته ورسالته (فآمنوا فمتعناهم إلى ~~حين) أي وقع منهم الإيمان بعد ما شاهدوا أعلام نبوته فمتعهم الله في الدنيا ~~إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ~~ابن مسعود قال: إلياس هو إدريس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ~~مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم ~~الخضر هو إلياس. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل وضعفه عن أنس قال ~~" كنا مع رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم في سفر، فنزل منزلا فإذا رجل في ~~الوادي يقول: اللهم اجعلني من PageV04P411 # أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم المرحومة المغفور المثاب لها فأشرفت ~~على الوادي فإذا طوله ثمانون ذراعا وأكثر، فقال من أنت؟ فقلت: أنس خادم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أين هو؟ فقلت: هو ذا يسمع كلامك، ~~قال: فأته وأقرأه مني السلام وقل له أخوك إلياس يقرئك السلام، فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته، فجاء حتى عانقه وقعدا يتحدثان، فقال له: ~~يا رسول الله إني إنما آكل في كل سنة يوما وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت، ~~فنزلت عليهما المائدة من السماء خبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني وصليا ~~العصر ثم ودعه، ثم رأيته مر على السحاب نحو السماء. قال الذهبي متعقبا ~~لتصحيح الحاكم له: بل موضوع قبح الله من وضعه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~عن ابن عباس في قوله (أتدعون بعلا) قال: صنما. وأخرج وابن أبي حاتم ~~والطبراني وابن مردويه عنه في قوله (سلام على الياسين) قال: نحن آل محمد آل ~~ياسين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: بعث الله يونس إلى ~~أهل قريته فردوا عليه ما جاءهم به فامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله ~~إليهم إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا. فأخرج من بين أظهرهم، فأعلم ms3332 ~~قومه الذي وعد الله من عذابه إياهم، فقالوا ارمقوه فإن خرج من بين أظهركم ~~فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبيحتها ~~أدلج فرآه القوم فحذروا، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم وفرقوا بين كل ~~دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله وأنابوا واستقالوا فأقالهم الله، وانتظر ~~يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار، فقال ما فعل أهل القرية؟ قال: ~~إن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب، ~~فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها ثم ~~عجوا إلى الله وتابوا إليه، فتقبل منهم وأخر عنهم العذاب. فقال يونس عند ~~ذلك: لا أرجع إليهم كذابا أبدا ومضى على وجهه، وقد قدمنا الكلام على قصته ~~وما روي فيها في سورة يونس فلا نكرره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي ~~عن ابن عباس في قوله (فساهم) قال: اقترع (فكان من المدحضين) قال: ~~المقروعين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (وهو ~~مليم) قال: مسيء. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وعبد ابن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (فلولا أنه كان من ~~المسبحين) قال: من المصلين. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (فنبذناه بالعراء) ~~قال: ألقيناه بالساحل. وأخرج هؤلاء عنه أيضا (شجرة من يقطين) قال: القرع. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عنه أيضا قال: ~~اليقطين كل شئ يذهب على وجه الأرض. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن مردويه عنه أيضا قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ~~ثم تلا (فنبذناه بالعراء) إلى قوله (وأرسلناه إلى مائة ألف) وقد تقدم عنه ~~ما يدل على أن رسالته كانت من قبل ذلك. وليس في الآية: ما يدل على ما ذكره ~~كما قدمنا. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر ms3333 وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله ~~(وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) قال: يزيدون عشرين ألفا. قال الترمذي: ~~غريب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يزيدون ~~ثلاثين ألفا. وروي عنه أنهم يزيدون بضعة وثلاثين ألفا. وروي عنه أنهم ~~يزيدون بضعة وأربعين ألفا، ولا يتعلق بالخلاف في هذا كثير فائدة. ~~PageV04P412 # لما كانت قريش وقبائل من العرب يزعمون أن الملائكة بنات الله أمر الله ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم باستفتائهم على طريقة التقريع ~~والتوبيخ، فقال (فاستفتهم) يا محمد: أي استخبرهم (ألربك البنات ولهم ~~البنون) أي كيف يجعلون لله على تقدير صدق ما زعموه من الكذب أدنى الجنسين ~~وأوضعهما ذلك وهو الإناث، ولهم أعلاهما وأرفعهما وهم الذكور، وهل هذا إلا ~~حيف في القسمة لضعف عقولهم وسوء إدراكهم ومثله قوله - ألكم الذكر وله ~~الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى - ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال (أم خلقنا ~~الملائكة إناثا وهم شاهدون) فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو أشد منه في ~~التبكيت والتهكم بهم: أي كيف جعلوهم إناثا وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم، ~~وهذا كقوله - وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم - ~~فبين سبحانه أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة ولم يشهدوا، ولا دل دليل على ~~قولهم من السمع، ولا هو مما يدرك بالعقل حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم. ثم ~~أخبر سبحانه عن كذبهم فقال (ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم ~~لكاذبون) فبين سبحانه أن قولهم هذا هو من الإفك والافتراء من دون دليل ولا ~~شبهة دليل فإنه لم يلد ولم يولد. قرأ الجمهور " ولد الله " فعلا ماضيا ~~مسندا إلى الله. وقرئ بإضافة ولد إلى الله على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي ~~يقولون الملائكة ولد الله، والولد بمعنى مفعول يستوي فيه المفرد والمثنى ~~والمجموع والمذكر والمؤنث. ثم كرر سبحانه تقريعهم وتوبيخهم فقال (أصطفى ~~البنات على البنين) ms3334 قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري، ~~وقد حذف معها همزة الوصل استغناء به عنها. وقرأ نافع في رواية عنه وأبو ~~جعفر وشيبة والأعمش بهمزة وصل تثبت ابتداء وتسقط درجا، PageV04P413 # ويكون الاستفهام منويا قاله الفراء. وحذف حرفه للعلم به من المقام، أو ~~على أن اصطفى وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول. وعلى تقدير عدم ~~الاستفهام والبدل. فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء أن التوبيخ يكون ~~باستفهام وبغير استفهام كما في قوله - أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا - ~~وقيل هو على إضمار القول (ما لكم كيف تحكمون) جملتان استفهاميتان ليس ~~لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب: استفهمهم أولا عما استقر لهم وثبت ~~استفهام بإنكار، وثانيا استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به، والمعنى: ~~أي شئ ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات وهم القسم الذي تكرهونه، ولكم ~~بالبنين وهم القسم الذي تحبونه (أفلا تذكرون) أي تتذكرون فحذفت إحدى ~~التاءين، والمعنى: ألا تعتبرون وتتفكرون فتتذكرون بطلان قولكم (أم لكم ~~سلطان مبين) أي حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه، وهو إضراب عن توبيخ ~~إلى توبيخ وانتقال من تقريع إلى تقريع. # (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) أي فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا إن كنتم ~~صادقين فيما تقولونه، أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة ويشتمل عليها ~~(وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) قال أكثر المفسرين: إن المراد بالجنة هنا ~~الملائكة، قيل لهم جنة لأنهم لا يرون. وقال مجاهد: هم بطن من بطون الملائكة ~~يقال لهم الجنة. وقال أبو مالك: # إنما قيل لهم الجنة لأنهم خزان على الجنان. والنسب الصهر. قال قتادة ~~والكلبي: قالوا لعنهم الله: إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من أولادهم، ~~قالا: والقائل بهذه المقالة اليهود. وقال مجاهد والسدي ومقاتل: إن القائل ~~بذلك كنانة وخزاعة قالوا: إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات ~~بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات الجن. وقال الحسن: أشركوا الشيطان في ~~عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله (ولقد ms3335 ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون) أي علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول ~~يحضرون النار ويعذبون فيها. وقيل علمت الجنة إنهم أنفسهم يحضرون للحساب. ~~والأول أولى، لأن الإحضار إذا أطلق فالمراد لعذاب. وقيل المعنى: ولقد علمت ~~الجنة إنهم لمحضرون إلى الجنة. ثم نزه سبحانه نفسه فقال (سبحان الله عما ~~يصفون) أو هو حكاية لتنزيه الملك لله عز وجل عما وصفه به المشركون، ~~والاستثناء في قوله. (إلا عباد الله المخلصين) منقطع، والتقدير: لكن عباد ~~الله المخلصين بريئون عن أن يصفوا الله بشئ من ذلك. وقد قرئ بفتح اللام ~~وكسرها ومعناهما ما بيناه قريبا. وقيل هو استثناء من المحضرين: أي إنهم ~~يحضرون النار إلا من أخلص، فيكون متصلا لا منقطعا، وعلى هذا تكون جملة ~~التسبيح معترضة. ثم خاطب الكفار على العموم أو كفار مكة على الخصوص فقال ~~(فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين) أي فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من ~~دون الله لستم بفاتنين على الله بإفساد عباده وإضلالهم، وعلى متعلقة ~~بفاتنين، والواو في وما تعبدون إما للعطف على اسم إن، أو هو بمعنى مع، وما ~~موصولة أو مصدرية: أي فإنكم والذي تعبدون، أو عبادتكم، ومعنى فاتنين مضلين، ~~يقال فتنت الرجل وأفتنته، ويقال فتنه على الشئ وبالشيء كما يقال أصله على ~~الشئ وأضله به. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنته، وأهل نجد يقولون ~~أفتنته، ويقال فتن فلان على فلان امرأته: أي أفسدها عليه: فالفتنة هنا ~~بمعنى الإضلال والإفساد. قال مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحدا بآلهتكم إلا ~~من قدر الله له أن يصلى الجحيم، " وما " في " وما أنتم " نافية " وأنتم " ~~خطاب لهم ولمن يعبدونه على التغليب. قال الزجاج: أهل التفسير مجمعون فيما ~~علمت أن المعنى: ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر الله عز وجل عليه أن يضل، ~~ومنه قول الشاعر: # فرد بفتنته كيده * عليه وكان لنا فاتنا أي مضلا (إلا من هو صال الجحيم) ~~قرأ الجمهور " صال " بكسر اللام لأنه منقوص مضاف حذفت الياء PageV04P414 # لالتقاء الساكنين وحمل على لفظ من، وأفرد ms3336 كما أفرد هو. وقرأ الحسن وابن ~~أبي عبلة بضم اللام مع واو بعدها، وروي عنهما أنهما قرآ بضم اللام بدون ~~واو. فأما مع الواو فعلى أنه جمع سلامة بالواو حملا على معنى من، وحذفت نون ~~الجمع للإضافة، وأما بدون الواو فيحتمل أن يكون جمعا، وإنما حذفت الواو خطأ ~~كما حذفت لفظا، ويحتمل أن يكون مفردا، وحقه على هذا كسر اللام. قال النحاس: ~~وجماعة أهل التفسير يقولون: إنه لحن لأنه لا يجوز هذا قاض المدينة، ~~والمعنى: أن الكفار وما يعبدونه لا يقدرون على إضلال أحد من عباد الله إلا ~~من هو من أهل النار وهم المصرون على الكفر، وإنما يصر على الكفر من سبق ~~القضاء عليه بالشقاوة، وإنه ممن يصلى النار: أي يدخلها. ثم قال الملائكة ~~مخبرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما حكاه الله سبحانه عنهم (وما منا ~~إلا له مقام معلوم) وفي الكلام حذف، والتقدير: وما منا أحد، أو وما منا ملك ~~إلا له مقام معلوم في عبادة الله. وقيل التقدير: وما منا إلا من له مقام ~~معلوم، رجح البصريون التقدير الأول، ورجح الكوفيون الثاني. قال الزجاج: # هذا قول الملائكة وفيه مضمر. المعنى وما منا ملك إلا له مقام معلوم. ثم ~~قالوا (وإنا لنحن الصافون) أي في مواقف الطاعة. قال قتادة: هم الملائكة ~~صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في ~~الأرض (وإنا لنحن المسبحون) أي المنزهون لله المقدسون له عما أضافه إليه ~~المشركون، وقيل المصلون، وقيل المراد بقولهم المسبحون مجموع التسبيح ~~باللسان وبالصلاة، والمقصود أن هذه الصفات هي صفات الملائكة، وليسوا كما ~~وصفهم به الكفار من أنهم بنات الله (وإن كانوا ليقولون) هذا رجوع إلى ~~الإخبار عن المشركين: # أي كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عيروا بالجهل قالوا (لو أن عندنا ذكرا ~~من الأولين) أي كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل (لكنا عباد الله ~~المخلصين) أي لأخلصنا العبادة له ولم نكفر به، وإن في قوله (وإن كانوا) هي ~~المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير شأن ms3337 محذوف، واللام هي الفارقة بينها وبين ~~النافية: أي وإن الشأن كان كفار العرب ليقولون الخ، والفاء في قوله (فكفروا ~~به) هي الفصيحة الدالة على محذوف مقدر في الكلام. قال الفراء: تقديره ~~فجاءهم محمد بالذكر فكفروا به، وهذا على طريق التعجب منهم (فسوف يعلمون) أي ~~عاقبة كفرهم ومغبته، وفي هذا تهديد لهم شديد، وجملة (ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين) مستأنفة مقررة للوعيد، والمراد بالكلمة ما وعدهم الله به ~~من النصر والظفر على الكفار. قال مقاتل: عنى بالكلمة قوله سبحانه - كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي -. # وقال الفراء: سبقت كلمتنا بالسعادة لهم، والأولى تفسير هذه الكلمة بما هو ~~مذكور هنا، فإنه قال (إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) فهذه هي ~~الكلمة المذكورة سابقا وهذا تفسير لها، والمراد بجند الله حزبه وهم الرسل ~~وأتباعهم. قال الشيباني: جاء هنا على الجمع: يعني قوله (لهم الغالبون) من ~~أجل أنه رأس آية، وهذا الوعد لهم بالنصر والغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض ~~المواطن وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم على الأعداء ~~وغلبتهم لهم، فخرج الكلام مخرج الغالب، على أن العاقبة المحمودة لهم على كل ~~حال وفي كل موطن كما قال سبحانه - والعاقبة للمتقين - ثم أمر الله سبحانه ~~رسوله بالإعراض عنهم والإغماض عما يصدر منهم من الجهالات والضلالات فقال ~~(فتول عنهم حتى حين) أي أعرض عنهم إلى مدة معلومة عند الله سبحانه، وهي مدة ~~الكف عن القتال. قال السدي ومجاهد: حتى نأمرك بالقتال. وقال قتادة: إلى ~~الموت، وقيل إلى يوم بدر، وقيل إلى يوم فتح مكة، وقيل هذه الآية منسوخة ~~بآية السيف (وأبصرهم فسوف يبصرون) أي وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب بالقتل ~~والأسر فسوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار، وعبر الإبصار عن قرب الأمر: أي ~~فسوف يبصرون عن قريب. وقيل المعنى: فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة. ثم ~~هددهم بقوله سبحانه (أفبعذابنا يستعجلون) كانوا يقولون من فرط تكذيبهم: متى ~~هذا العذاب؟ (فإذا نزل بساحتهم) أي إذا نزل عذاب الله PageV04P415 # لهم بفنائهم، والساحة في اللغة: ms3338 فناء الدار الواسع. قال الفراء: نزل ~~بساحتهم ونزل بهم سواء. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل، قيل المراد به ~~نزول رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم بساحتهم يوم فتح مكة. قرأ الجمهور " ~~نزل " مبنيا للفاعل. وقرأ عبد الله بن مسعود على البناء للمفعول، والجار ~~والمجرور قائم مقام الفاعل (فساء صباح المنذرين) أي بئس صباح الذين أنذروا ~~بالعذاب، والمخصوص بالذم محذوف: أي صباحهم. وخص الصباح بالذكر لأن العذاب ~~كان يأتيهم فيه. ثم كرر سبحانه ما سبق تأكيدا للوعد بالعذاب فقال (وتول ~~عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون) وحذف مفعول أبصر هاهنا وذكره أولا إما ~~للدلالة الأول عليه فتركه هنا اختصارا، أو قصدا إلى التعميم للإيذان بأن ما ~~يبصره من أنواع عذابهم لا يحيط به الوصف، وقيل هذه الجملة المراد بها أحوال ~~القيامة، والجملة الأولى المراد بها عذابهم في الدنيا، وعلى هذا فلا يكون ~~من باب التأكيد، بل من باب التأسيس. # ثم نزه سبحانه نفسه عن قبيح ما يصدر منهم فقال (سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون) العزة الغلبة والقوة، والمراد تنزيهه عن كل ما يصفونه به مما لا ~~يليق بجنابه الشريف، ورب العزة بدل من ربك. ثم ذكر ما يدل على تشريف رسله ~~وتكريمهم فقال (وسلام على المرسلين) أي الذين أرسلهم إلى عباده وبلغوا ~~رسالاته، وهو من السلام الذي هو التحية، وقيل معناه أمن لهم وسلامة من ~~المكاره (والحمد لله رب العالمين) إرشاد لعباده إلى حمده على إرسال رسله ~~إليهم مبشرين ومنذرين، وتعليم لهم كيف يصنعون عند إنعامه عليهم وما يثنون ~~عليه به، وقيل إنه الحمد على هلاك المشركين ونصر الرسل عليهم، والأولى أنه ~~حمد لله سبحانه على كل ما أنعم به على خلقه أجمعين كما يفيده حذف المحمود ~~عليه، فإن حذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم المعاني، والحمد هو الثناء ~~الجميل بقصد التعظيم. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (وجعلوا بينه وبين الجنة نسيا) ~~قال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان. وأخرج ms3339 ابن أبي حاتم ~~عنه في قوله (فإنكم وما تعبدون) قال: فإنكم يا معشر المشركين وما تعبدون: ~~يعني الآلهة (ما أنتم عليه بفاتنين) قال: بمضلين (إلا من هو صال الجحيم) ~~يقول: إلا من سبق في علمي أنه سيصلى الجحيم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في الآية يقول: إنكم لا تضلون أنتم ولا أضل منكم إلا من قضيت عليه ~~أنه صال الجحيم. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: # لا تفتنون إلا من هو صال الجحيم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير عنه أيضا في قوله (وما منا إلا له مقام معلوم) قال: الملائكة (وإنا ~~لنحن الصافون) قال: الملائكة (وإنا لنحن المسبحون) قال: الملائكة. وأخرج ~~محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما في ~~السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة (وما منا ~~إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون) ". وأخرج محمد بن نصر وابن عساكر عن ~~العلاء بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوما لأصحابه " ~~أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد، ~~ثم قرأ (وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) ". وأخرج عبد الرزاق ~~والفريابي وسعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال " إن من السماوات لسماء ~~ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائما أو ساجدا، ثم قرأ ~~(وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) ". وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير ~~وابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إني ~~أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت وحق لها أن تئط، ~~PageV04P416 # ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع ms3340 جبهته ساجدا لله " وقد ثبت في ~~الصحيح وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة أن يصفوا كما ~~تصف الملائكة عند ربهم، فقالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم قال: يقيمون ~~الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف ". وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله (لو أن عندنا ذكرا من الأولين) قال: لما جاء المشركين من أهل ~~مكة ذكر الأولين وعلم الآخرين كفروا بالكتاب (فسوف يعلمون). وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن أنس قال " صبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر ~~وقد خرجوا بالمساحي، فلما نظروا إليه قالوا: محمد والخميس، فقال: الله أكبر ~~خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " الحديث. وأخرج ~~ابن سعد وابن مردويه من طريق سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " إذا سلمتم على المرسلين فسلموا علي فإنما أنا بشر من ~~المرسلين " وأخرج ابن مردويه من طريق أبي العوام عن قتادة عن أنس مرفوعا ~~نحوه بأطول منه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى ~~وابن مردويه عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا ~~أراد أن يسلم من صلاته قال (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين) وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كنا ~~نعرف انصراف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة بقوله (سبحان ~~ربك) إلى آخر الآية. وأخرج الخطيب نحوه من حديث أبي سعيد. وأخرج الطبراني ~~عن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " من قال دبر كل ~~صلاة: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين ثلاث مرات، فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر ". وأخرج حميد بن ~~زنجويه في ترغيبه من طريق الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب نحوه. # وإلى هنا انتهى الجزء الثالث من هذا التفسير المبارك بمعونة ms3341 الله، ~~المقبول بفضل الله، بقلم مصنفه الحقير " محمد بن علي الشوكاني غفر الله ~~لهما " في نهار الخميس الحادي والعشرين من شهر محرم الحرام من شهور سنة تسع ~~وعشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية، حامدا لله شاكرا له مصليا مسلما ~~على رسوله وآله، ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة ص. # انتهى سماع هذا الجزء على مؤلفه حفظه الله في يوم الاثنين غرة شهر جمادي ~~الآخرة سنة 1239 ه‍ كتبه يحيى بن علي الشوكاني غفر الله لهما PageV04P417 # تفسير سورة ص آياتها ست وثمانون، وقيل خمس وثمانون، وقيل ثمان وثمانون ~~آية وهي مكية: قال القرطبي: في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة " ص " بمكة. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ~~ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقال: ~~إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، ~~فبعث إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل البيت، وبينهم وبين ~~أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل أن يجلس إلى أبي طالب ويكون أرقي ~~عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك ~~يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم. وتقول وتقول، قال: وأكثروا عليه من القول، ~~وتكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا عم إني أريدهم على كلمة ~~واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا ~~لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا، قالوا فما هي؟ قال: ~~لا إله إلا الله، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون - أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب - فنزل فيهم (ص والقرآن ms3342 ذي الذكر) إلى قوله (بل ~~لما يذوقوا عذاب). PageV04P418 # قوله (ص) قرأ الجمهور بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور ~~فإنها ساكنة الأواخر على الوقف. وقرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ~~ونصر بن عاصم وابن أبي عبلة وأبو السماك بكسر الدال من غير تنوين، ووجه ~~الكسر أنه لالتقاء الساكنين، وقيل وجه الكسر أنه من صادي يصادي إذا عارض، ~~والمعنى صاد القرآن بعملك: أي عارضه بعملك وقابله فاعمل به. وهذا حكاه ~~النحاس عن الحسن البصري وقال: إنه فسر قراءته هذه بهذا، وعنه أن المعنى: ~~أتله وتعرض لقراءته. وقرأ عيسى بن عمر: صاد بفتح الدال، والفتح لالتقاء ~~الساكنين، وقيل نصب على الإغراء. وقيل معناه: صاد محمد قلوب الخلق ~~واستمالها حتى آمنوا به، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، وروي عن ابن إسحاق ~~أيضا أنه قرأ " صاد " بالكسر والتنوين تشبيها لهذا الحرف بما هو غير متمكن ~~من الأصوات. وقرأ هارون الأعور وابن السميفع " صاد " بالضم من غير تنوين ~~على البناء نحو منذ وحيث. # وقد اختلف في معنى " صاد " فقال الضحاك: معناه صدق الله. وقال عطاء: صدق ~~محمد. وقال سعيد بن جبير: هو بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. وقال ~~محمد بن كعب: هو مفتاح اسم الله. وقال قتادة: # هو اسم من أسماء الله. وروي عنه أنه قال: هو اسم من أسماء الرحمن. وقال ~~مجاهد: هو فاتحة السورة. # وقيل هو مما استأثر الله بعلمه، وهذا هو الحق كما قدمنا في فاتحة سورة ~~البقرة. قيل وهو إما اسم للحروف مسرودا على نمط التعبد، أو اسم للسورة، أو ~~خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب بإضمار أذكر أو اقرأ، والواو في قوله (والقرآن ~~ذي الذكر) هي واو القسم، والإقسام بالقرآن فيه تنبيه على شرف قدره وعلو ~~محله، ومعنى (ذي الذكر) أنه مشتمل على الذكر الذي فيه بيان كل شئ. قال ~~مقاتل: معنى (ذي الذكر) ذي البيان. وقال الضحاك: ذي الشرف كما في قوله - ~~لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم - أي شرفكم، وقيل أي ذي الموعظة. ms3343 # واختلف في جواب هذا القسم ما هو؟ فقال الزجاج والكسائي والكوفيون غير ~~الفراء: إنه قوله - إن ذلك لحق - وقال الفراء: لا نجده مستقيما لتأخره جدا ~~عن قوله (والقرآن) ورجح هو وثعلب أن الجواب قوله (كم أهلكنا) وقال الأخفش: ~~الجواب هو (إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب) وقيل هو صاد، لأن معناه حق، فهو ~~جواب لقوله " والقرآن " كما تقول حقا والله، وجب والله. ذكره ابن الأنباري، ~~وروي أيضا عن ثعلب والفراء، وهو مبني على أن جواب القسم يجوز تقدمه وهو ~~ضعيف. وقيل الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن ذي الذكر لتبعثن ونحو ذلك. ~~وقال ابن عطية: تقديره ما الأمر كما يزعم الكفار، والقول بالحذف أولى. وقيل ~~أن قوله " ص " مقسم به، وعلى هذا القول تكون الواو في " والقرآن " لعطف ~~عليه، ولما كان الإقسام بالقرآن دالا على صدقه، وأنه حق، وأنه ليس بمحل ~~للريب قال سبحانه (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) فأضرب عن ذلك وكأنه قال لا ~~ريب فيه قطعا، ولم يكن عدم قبول المشركين له لريب فيه. بل هم في عزة عن ~~قبول الحق: # أي تكبر وتجبر وشقاق: أي وامتناع عن قبول الحق، والعزة عند العرب: الغلبة ~~والقهر، يقال: من عز بز أي من غلب سلب، ومنه - وعزني في الخطاب - أي غلبني، ~~ومنه قول الشاعر: # يعز على الطريق بمنكبيه * كما أنترك الخليع على القداح والشقاق: مأخوذ من ~~الشق وقد تقدم بيانه. ثم خوفهم سبحانه وهددهم بما فعله بمن قبلهم من الكفار ~~فقال (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) يعني الأمم الخالية المهلكة بتكذيب ~~الرسل: أي كم أهلكنا من الأمم الخالية الذين PageV04P419 # كانوا أمنع من هؤلاء وأشد قوة وأكثر أموالا، وكم هي الخبرية الدالة على ~~التكثير، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به، ومن قرن تمييز، " ومن ~~" في " من قبلهم " هي لابتداء الغاية (فنادوا ولات حين مناص) النداء هنا: ~~هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم، وليس الحين حين مناص. قال ~~الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ms3344 ينفع العمل. والمناص مصدر ~~ناص ينوص، وهو الفوت والتأخر. ولات بمعنى ليس بلغة أهل اليمن. وقال ~~النحويون: هي لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم: رب وربت، ~~وثم وثمت قال الفراء: النوص التأخر، وأنشد قول امرئ القيس: * أمن ذكر ليلى ~~إذ نأتك تنوص * قال: يقال ناص عن قرنه ينوص نوصا: أي فر وزاغ. قال الفراء: ~~ويقال ناص ينوص: إذا تقدم. وقيل المعنى: أنه قال بعضهم لبعض مناص: أي عليكم ~~بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص، فقال الله (ولات حين ~~مناص) قال سيبويه: لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر: أي ليس حيننا حين ~~مناص. قال الزجاج: التقدير وليس أواننا. قال ابن كيسان: والقول كما قال ~~سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد والأخفش. قال ~~الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش: والتاء تكتب منقطعة عن حين، ~~وكذلك هي في المصاحف. وقال أبو عبيد: تكتب متصلة بحينن، فيقال " ولا تحين " ~~ومنه قول أبي وجرة السعدي: # العاطفون تحين ما من عاطف * والمطعمون زمان ما من مطعم وقد يستغنى بحين ~~عن المضاف إليه كما قال الشاعر: # تذكر حب ليلى لات حينا * وأمسى الشيب قد قطع القرينا قال أبو عبيد: لم ~~نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن. قلت: بل قد يزيدونها في ~~غير ذلك كما في قول الشاعر: # فلتعرفن خلائقا مشمولة * ولتندمن ولات ساعة مندم وقد أنشد الفراء هذا ~~البيت مستدلا به على أن من العرب من يخفض بها، وجملة (ولات حين مناص) في ~~محل نصب على الحال من ضمير نادوا. قرأ الجمهور " لات " بفتح التاء، وقرئ " ~~لات " بالكسر كجير (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم) أي عجب الكفار الذين وصفهم ~~الله سبحانه بأنهم في عزة وشقاق أن جاءهم منذر منهم: # أي رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب إن استمروا على الكفر، وأن وما في ~~حيزها في محل نصب بنزع الخافض أي من أن جاءهم، وهو كلام مستأنف مشتمل على ~~ذكر نوع من أنواع كفرهم (وقال الكافرون هذا ساحر ms3345 كذاب) قالوا هذا القول لما ~~شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر: أي هذا المدعي ~~للرسالة ساحر فيما يظهره من المعجزات كذاب فيما يدعيه من أن الله أرسله. ~~قيل ووضع الظاهر موضع المضمر لإظهار الغضب عليهم وأن ما قالوه لا يتجاسر ~~على مثله إلا المتوغلون في الكفر. ثم أنكروا ما جاء به صلى الله عليه وآله ~~وسلم من التوحيد وما نفاه من الشركاء لله فقالوا (أجعل الآلهة إلها واحدا) ~~أي صيرها إلها واحدا وقصرها على الله سبحانه (إن هذا لشئ عجاب) أي لأمر ~~بالغ في العجب إلى الغاية. قال الجوهري: العجيب الأمر الذي يتعجب منه، ~~وكذلك العجاب بالضم والعجاب بالتشديد أكثر منه. قرأ الجمهور " عجاب " ~~مخففا. وقرأ علي والسلمي وعيسى بن عمر وابن مقسم بتشديد الجيم. قال مقاتل: ~~عجاب يعني بالتخفيف لغة أزد شنوءة، قيل والعجاب بالتخفيف والتشديد يدلان ~~على أنه قد تجاوز الحد في العجب، كما يقال الطويل الذي فيه طول، والطوال ~~الذي قد تجاوز حد الطول PageV04P420 # وكلام الجوهري يفيد اختصاص المبالغة بعجاب مشدد الجيم لا بالمخفف، وقد ~~قدمنا في صدر هذه السورة سبب نزول هذه الآيات (وانطلق الملأ منهم) المراد ~~بالملأ: الأشراف كما هو مقرر في غير موضع من تفسير الكتاب العزيز أي ~~انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب كما تقدم قائلين (أن امشوا) ~~أي قائلين لبعضهم بعضا امضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه (واصبروا ~~على آلهتكم) أي أثبتوا على عبادتها، وقيل المعنى: وانطلق الأشراف منهم ~~فقالوا للعوام امشوا واصبروا على آلهتكم، و " أن " في قوله (أن امشوا) هي ~~المفسرة للقول المقدر، أو لقوله " وانطلق " لأنه مضمن معنى القول، ويجوز أن ~~تكون مصدرية معمولة للمقدر أو للمذكور: أي بأن امشوا. # وقيل المراد بالانطلاق: الاندفاع في القول، وامشوا من مشت المرأة إذا ~~كثرت ولادتها: أي اجتمعوا وأكثروا، وهو بعيد جدا، وخلاف ما يدل عليه ~~الانطلاق والمشي بحقيقتهما، وخلاف ما تقدم في سبب النزول، وجملة (إن هذا ~~لشئ يراد) تعليل لما ms3346 تقدمه من الأمر بالصبر: أي يريده محمد بنا وبآلهتنا، ~~ما ويود تمامه ليعلو علينا، ونكون له أتباعا فيتحكم فينا بما يريد، فيكون ~~هذا الكلام خارجا مخرج التحذير منه والتنفير عنه. وقيل المعنى: # إن هذا الأمر يريده الله سبحانه، وما أراده فهو كائن لا محالة، فاصبروا ~~على عبادة آلهتكم. وقيل المعنى: إن دينكم لشئ يراد: أي يطلب ليؤخذ منكم ~~وتغلبوا عليه، والأول أولى (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة) أي ما سمعنا ~~بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد في الملة الآخرة. وهي ملة النصرانية فإنها ~~آخر الملل قبل ملة الإسلام، كذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة ومقاتل ~~والكلبي والسدي. وقال مجاهد: يعنون ملة قريش، وروي مثله عن قتادة أيضا. ~~وقال الحسن: المعنى ما سمعنا: أن هذا يكون آخر الزمان. وقيل المعنى: ما ~~سمعنا من اليهود والنصارى أن محمدا رسول (إن هذا إلا اختلاق) أي ما هذا إلا ~~كذب اختلقه محمد وافتراه. ثم استنكروا أن يخص الله رسوله بمزية النبوة ~~دونهم فقالوا: (أأنزل عليه الذكر من بيننا) والاستفهام للإنكار: أي كيف ~~يكون ذلك ونحن الرؤساء والاشراف. قال الزجاج: قالوا كيف أنزل على محمد ~~القرآن من بيننا ونحن أكبر سنا وأعظم شرفا منه، وهذا مثل قولهم - لولا أنزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - فأنكروا أن يتفضل الله سبحانه على ~~من يشاء من عباده بما شاء. ولما ذكر استنكارهم لنزول القرآن على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم دونهم بين السبب الذي لأجله تركوا تصديق رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به، فقال (بل هم في شك من ذكري) أي من ~~القرآن أو الوحي لإعراضهم عن النظر الموجب لتصديقه وإهمالهم للأدلة الدالة ~~على أنه حق منزل من عند الله (بل لما يذوقوا عذاب) أي بل السبب أنهم لم ~~يذوقوا عذابي فاغتروا بطول المهلة، ولو ذاقوا عذابي على ما هم عليه من ~~الشرك والشك لصدقوا ما جئت به من القرآن ولم يشكوا فيه (أم عندهم خزائن ~~رحمة ربك ms3347 العزيز الوهاب) أي مفاتيح نعم ربك وهي النبوة وما هو دونها من ~~النعم حتى يعطوها من شاءوا، فما لهم ولانكار ما تفضل الله به على هذا النبي ~~واختاره له واصطفاه لرسالته. والمعنى: بل أعندهم، لأن أم هي المنقطعة ~~المقدرة ببل والهمزة. والعزيز الغالب القاهر. والوهاب: المعطي بغير حساب ~~(أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما) أي بل ألهم ملك هذه الأشياء حتى ~~يعطوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ويعترضوا على إعطاء الله سبحانه ما شاء ~~لمن شاء، وقوله (فليرتقوا في الأسباب) جواب شرط محذوف: أي إن كان لهم ذلك ~~فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء أو إلى العرش حتى يحكموا بما ~~يريدون من عطاء ومنع ويدبروا أمر العالم بما يشتهون، أو فليصعدوا، وليمنعوا ~~الملائكة من نزولهم بالوحي على محمد صلى الله عليه وسلم. والأسباب: أبواب ~~السماوات التي تنزل الملائكة منها. # قاله مجاهد وقتادة، ومنه قول زهير * ولو رام أسباب السماء بسلم * قال ~~الربيع بن أنس: الأسباب أدق PageV04P421 # من الشعر، وأشد من الحديد ولكن لا ترى. وقال السدي (في الأسباب) في الفضل ~~والدين. وقيل فليعملوا في أسباب القوة إن ظنوا أنها مانعة وهو قول أبي ~~عبيدة. وقيل الأسباب الحبال: يعنى إن وجدوا حبالا يصعدون فيها إلى السماء ~~فعلوا، والأسباب عند أهل اللغة كل شئ يتوصل به إلى المطلوب كائنا ما كان. ~~وفي هذا الكلام تهكم بكم وتعجيز لهم (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) هذا ~~وعد من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر عليهم والظفر ~~بهم، وجند مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هم جند، يعني الكفار مهزوم ~~مكسور عما قريب، فلا تبال بهم ولا تظن أنهم يصلون إلى شئ مما يضمرونه بك من ~~الكيد، و " ما " في قوله " ما هنالك " هي صفة لجند لإفادة التعظيم ~~والتحقير: أي جند أي جند. وقيل هي زائدة، يقال هزمت الجيش كسرته، وتهزمت ~~القرية: إذا تكسرت، وهذا الكلام متصل بما تقدم، وهو قوله (بل الذين كفروا ~~في عزة وشقاق) وهم ms3348 جند من الأحزاب مهزومون، فلا تحزن لعزتهم وشقاقهم، فإني ~~أسلب عزهم وأهزم جمعهم، وقد وقع ذلك ولله الحمد في يوم بدر وفيما بعده من ~~مواطن الله. # وقد أخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئل جابر بن عبد الله وابن عباس ~~عن (ص) فقال: لا ندري ما هو. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ص محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير عنه (والقرآن ذي الذكر) قال: ذي ~~الشرف. وأخرج أبو داود الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن قول الله ~~تعالى (فنادوا ولات حين مناص) قال: ليس بحين نزو ولا فرار. وأخرج ابن أبي ~~حاتم من طريق عكرمة عنه في الآية قال: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد: # تذكرت ليلى لات حين تذكر * وقد بنت منها والمناص بعيد وأخرج عنه أيضا في ~~الآية قال: ليس هذا حين زوال. وأخرج ابن المنذر من طريق عطية عنه أيضا قال: # لا حين فرار. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وانطلق ~~الملأ منهم) الآية قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب فكلموه في ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه (وانطلق الملأ منهم) ~~قال: أبو جهل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ~~(ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة) قال: النصرانية. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (فليرتقوا في الأسباب) قال: في ~~السماء. PageV04P422 # لما ذكر سبحانه أحوال الكفار المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ذكر أمثالهم ممن تقدمهم وعمل عملهم من الكفر والتكذيب، فقال (كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد) قال المفسرون: كانت له أوتاد يعذب ~~بها الناس، وذلك أنه كان إذا غضب على أحد وتد يديه ورجليه ورأسه على الأرض. ~~وقيل المراد بالأوتاد: الجموع والجنود الكثيرة، يعني أنهم كانوا يقوون أمره ms3349 ~~ويشدون سلطانه كما تقوي الأوتاد ما ضربت عليه، فالكلام خارج مخرج الاستعارة ~~على هذا. قال ابن قتيبة: العرب تقول هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت ~~الأوتاد، يريدون ملكا دائما شديدا، وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما ~~يثبت ويقوم بالأوتاد. وقيل المراد بالأوتاد هنا البناء المحكم: أي وفرعون ~~ذو الأبنية المحكمة. قال الضحاك: والبنيان يسمى أوتادا، والأوتاد جمع وتد ~~أفصحها فتح الواو وكسر التاء، ويقال وتد بفتحهما وود بإدغام التاء في الدال ~~وودت. قال الأصمعي: # ويقال وتد واتد مثل شغل شاغل وأنشد: # لاقت على الما جديلا واتدا * ولم يكن يخلفها المواعدا (وثمود وقوم لوط ~~وأصحاب الأيكة) الأيكة الغيضة، وقد تقدم تفسيرها واختلاف القراء في قراءتها ~~في سورة الشعراء، ومعنى (أولئك الأحزاب) أنهم الموصوفون بالقوة والكثرة ~~كقولهم: فلان هو الرجل وقريش وإن كانوا حزبا كما قال الله سبحانه فيما تقدم ~~- جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب - ولكن هؤلاء الذين قصهم الله علينا من ~~الأمم السالفة هم أكثر منهم عددا، وأقوى أبدانا، وأوسع أموالا وإعمارا، ~~وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة، ويجوز أن تكون خبرا، والمبتدأ قوله " ~~وعاد " كذا قال أبو البقاء وهو ضعيف، بل الظاهر أن عاد وما بعده معطوفات ~~على قوم نوح، والأولى أن تكون هذه الجملة خبرا لمبتدأ محذوف، أو بدلا من ~~الأمم المذكورة (إن كل إلا كذب الرسل) إن هي النافية، والمعنى: ما كل حزب ~~من هذه الأحزاب إلا كذب الرسل، لأن تكذيب الحزب لرسوله المرسل إليه تكذيب ~~لجميع الرسل أو هو من مقابلة الجمع بالجمع، والمراد تكذيب كل حزب لرسوله، ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال: أي ما كل أحد من الأحزاب في جميع أحواله ~~إلا وقع منه تكذيب الرسل (فحق عقاب) أي فحق عليهم عقابي بتكذيبهم، ومعنى حق ~~ثبت ووجب، وإن تأخر فكأنه واقع بهم، وكل ما هو آت قريب. قرأ يعقوب بإثبات ~~الياء في " عقاب " وحذفها الباقون مطابقة لرؤوس الآي PageV04P423 # (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة) أي ما ينتظرون إلا صيحة، وهي النفخة ~~الكائنة ms3350 عند قيام الساعة. وقيل هي النفخة الثانية، وعلى الأول المراد من ~~عاصر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار، وعلى الثاني المراد كفار ~~الأمم المذكورة: أي ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من عذاب النار إلا ~~أن ينفخ في الصور النفخة الثانية. وقيل المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم في ~~الدنيا كما قال الشاعر: # صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان وجملة (ما لها من ~~فواق) في محل نصب صفة لصيحة. قال الزجاج: فواق وفواق بفتح الفاء وضمها أي ~~ما لها من رجوع، والفواق ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتق من الرجوع أيضا، ~~لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين، وأفاق من مرضه: أي رجع إلى الصحة، ~~ولهذا قال مجاهد ومقاتل: إن الفواق الرجوع. وقال قتادة مالها من مثنوية. ~~وقال السدي: مالها من إفاقة، وقيل مالها من مرد. قال الجوهري: مالها من ~~نظرة وراحة وإفاقة، ومعنى الآية أن تلك الصيحة هي ميعاد عذابهم، فإذا جاءت ~~لم ترجع ولا ترد عنهم ولا تصرف منهم ولا تتوقف مقدار فواق ناقة، وهي ما بين ~~حلبتي الحالب لها، ومنه قول الأعشى: # حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت * جاءت لترضع شق النفس لو رضعا والفيقة اسم ~~اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، وجمعها فيق وأفواق. قرأ حمزة والكسائي ما ~~لها من فواق بضم الفاء وقرأ الباقون بفتحها. قال الفراء وأبو عبيدة: الفواق ~~بفتح الفاء الراحة: أي لا يفيقون فيها كما يفيق المريض والمغشي عليه، ~~وبالضم الانتظار (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب) لما سمعوا ما ~~توعدهم الله به من العذاب قالوا هذه المقالة استهزاء وسخرية، والقط في ~~اللغة النصيب، من القط، وهو القطع، وبهذا قال قتادة وسعيد بن جبير قال ~~الفراء: القط في كلام العرب الحظ والنصيب، ومنه قيل للصك قط. قال أبو عبيدة ~~والكسائي: القط الكتاب بالجوائز، والجمع القطوط، ومنه قول الأعشى: # ولا الملك النعمان يوم لقيته * بغبطته يعطي القطوط ويأفق ومعنى يأفق ~~يصلح، ومعنى الآية سؤالهم لربهم أن يعجل ms3351 لهم نصيبهم وحظهم من العذاب، وهو ~~مثل قوله - ويستعجلونك بالعذاب -. وقال السدي: سألوا ربهم أن يمثل لهم ~~منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به وقال إسماعيل بن أبي خالد: ~~المعنى عجل لنا أرزاقنا، وبه قال سعيد بن جبير والسدي. وقال أبو العالية ~~والكلبي ومقاتل: لما نزل - وأما من أوتي كتابه بيمينه، وأما من أوتى كتابه ~~بشماله - قالت قريش: زعمت يا محمد أنا نؤتي كتابنا بشمالنا فعجل لنا قطنا ~~قبل يوم الحساب. ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يصبر على ما يسمعه من أقوالهم ~~فقال (اصبر على ما يقولون) من أقوالهم الباطلة التي هذا القول المحكي عنهم ~~من جملتها، وهذه الآية منسوخة بآية السيف (واذكر عبدنا داود ذا الأيد) لما ~~فرغ من ذكر قرون الضلالة، وأمم الكفر والتكذيب، وأمر نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالصبر على ما يسمعه زاد في تسليته وتأسيته بذكر قصة داود وما ~~بعدها. ومعنى (أذكر عبدنا داود) أذكر قصته فإنك تجد فيها ما تتسلى به، ~~والأيد: القوة ومنه رجل أيد: أي قوي، وتأيد الشئ: تقوي والمراد ما كان فيه ~~عليه السلام من القوة على العبادة. قال الزجاج: وكانت قوة داود على العبادة ~~أتم قوة، ومن قوته ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان ~~يصوم يوما يفطر يوما، وكان يصلي نصف الليل وكان لا يفر إذا لاقى العدو، ~~وجملة (إنه أواب) تعليل لكونه ذا الأيد، والأواب: الرجاع عن كل ما يكرهه ~~الله PageV04P424 # سبحانه إلى ما يحبه، ولا يستطيع ذلك إلا من كان قويا في دينه. وقيل: ~~معناه كلما ذكر ذنبه استغفر منه وتاب عنه، وهذا داخل تحت المعنى الأول، ~~يقال آب يئوب: إذا رجع (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) أي ~~يقدسن الله سبحانه وينزهنه عما لا يليق به. وجملة " يسبحن " في محل نصب على ~~الحال، وفي هذا بيان ما أعطاه الله من البرهان والمعجزة، وهو تسبيح الجبال ~~معه. قال مقاتل: كان داود إذا ذكر الله ذكرت الجبال معه، وكان يفقه ms3352 تسبيح ~~الجبال. وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال ~~دوي حسن، فهذا معنى تسبيح الجبال، والأول أولى. وقيل معنى " يسبحن " يصلين، ~~و " معه " متعلق بسخرنا. ومعنى " بالعشي والإشراق " قال الكلبي: غدوة ~~وعشية، يقال أشرقت الشمس: إذا أضاءت، وذلك وقت الضحى. وأما شروقها فطلوعها. ~~قال الزجاج: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت (والطير محشورة) ~~معطوف على الجبال، وانتصاب محشورة على الحال من الطير: أي وسخرنا الطير حال ~~كونها محشورة: أي مجموعة إليه تسبح الله معه. قيل كانت تجمعها إليه ~~الملائكة. وقيل كانت تجمعها الريح (كل له أواب) أي كل واحد من داود والجبال ~~والطير رجاع إلى طاعة الله وأمره، والضمير في له راجع إلى الله عز وجل. ~~وقيل الضمير لداود: أي لأجل تسبيح داود مسبح، فوضع أواب موضع مسبح، والأول ~~أولى. وقد قدمنا أن الأواب: الكثير الرجوع إلى الله سبحانه (وشددنا ملكه) ~~قويناه وثبتناه بالنصر في المواطن على أعدائه وإلقاء الرعب منه في قلوبهم. ~~وقيل بكثرة الجنود (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) المراد بالحكمة النبوة ~~والمعرفة بكل ما يحكم به. وقال مقاتل: الفهم والعلم. # وقال مجاهد: العدل. وقال أبو العالية: العلم بكتاب الله. وقال شريح: ~~السنة. والمراد بفصل الخطاب الفصل في القضاء وبه قال الحسن والكلبي ومقاتل. ~~وحكى الواحدي عن الأكثر أن فصل الخطاب الشهود والإيمان لأنها إنما تنقطع ~~الخصومة بهذا. وقيل هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل (وهل ~~أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) لما مدحه الله سبحانه بما تقدم ذكره ~~أردف ذلك بذكر هذه القصة الواقعة له لما فيها من الأخبار العجيبة. # قال مقاتل: بعث الله إلى داود ملكين، جبريل وميكائيل لينبهه على التوبة، ~~فأتياه وهو في محرابه. قال النحاس: # ولا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بالخصم ها هنا الملكان، والخصم مصدر ~~يقع على الواحد والاثنين والجماعة. # ومعنى (تسوروا المحراب) أتوه من أعلى سوره ونزلوا إليه، والسور: الحائط ~~المرتفع، وجاء بلفظ الجمع في تسوروا مع كونهم اثنين نظرا إلى ms3353 ما يحتمله لفظ ~~الخصم من الجمع. ومنه قول الشاعر: # وخصم غضاب قد نفضت لحاهم * كنفض البراذين العراب المخاليا والمحراب: ~~الغرفة، لأنهم تسوروا عليه وهو فيها، كذا قال يحيى بن سلام. وقال أبو ~~عبيدة: إنه صدر المجلس ومنه محراب المسجد. وقيل إنهما كانا إنسيين ولم ~~يكونا ملكين، والعامل في " إذ " في قوله (إذ دخلوا عليه) النبأ: # أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم، وبهذا قال ابن عطية ومكي وأبو ~~البقاء. وقيل العامل فيه أتاك. # وقيل معمول للخصم. وقيل معمول لمحذوف: أي وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. وقيل ~~هو معمول لتسوروا. وقيل هو بدل مما قبله. وقال الفراء إن أحد الظرفين ~~المذكورين بمعنى لما (ففزع منهم) وذلك لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول ~~الخصوم ودخلوا عليه بغير إذنه ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس. ~~قال ابن الأعرابي: وكان محراب داود من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي ~~إليه آدمي بحيلة، وجملة (قالوا لا تخف) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ~~فماذا قالوا لداود لما فزع منهم وارتفاع (خصمان) على أنه خبر مبتدأ محذوف: ~~أي نحن خصمان، وجاء فيما سبق بلفظ الجمع، وهنا بلفظ التثنية لما ذكرنا من ~~أن لفظ الخصم يحتمل المفرد والمثنى والمجموع، فالكل PageV04P425 # جائز. قال الخليل: هو كما تقول نحن فعلنا كذا: إذا كنتما اثنين. وقال ~~الكسائي: جمع لما كان خبرا فلما انقضى الخبر وجاءت المخاطبة أخبر الاثنان ~~عن أنفسهما فقالا خصمان، وقوله (بغى بعضنا على بعض) هو على سبيل الفرض ~~والتقدير، وعلى سبيل التعريض لأن من المعلوم أن الملكين لا يبغيان. ثم طلبا ~~منه أن يحكم بينهما بالحق ونهياه عن الجور فقالا (فاحكم بيننا بالحق ولا ~~تشطط) أي لا تجر في حكمك، يقال شط الرجل وأشط شططا وإشطاطا: إذا جار في ~~حكمه. قال أبو عبيد: شططت عليه وأشططت: أي جرت. وقال الأخفش: معناه لا ~~تسرف، وقيل لا تفرط، وقيل لا تمل. والمعنى متقارب، والأصل فيه البعد، من ~~شطت الدار: إذا بعدت. # قال أبو عمرو: الشطط مجاوزة ms3354 القدر في كل شئ (واهدنا إلى سواء الصراط) ~~سواء الصراط: وسطه. والمعنى: # أرشدنا إلى الحق واحملنا عليه. ثم لما أخبراه عن الخصومة إجمالا شرعا في ~~تفصيلهما وشرحها فقالا (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة) المراد بالأخوة ~~هنا: أخوة الدين أو الصحبة، والنعجة هي الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقر ~~الوحش نعجة (ولي نعجة واحدة) قال الواحدي: النعجة البقرة الوحشية، والعرب ~~تكنى عن المرأة بها، وتشبه النساء بالنعاج من البقر. قرأ الجمهور (تسع ~~وتسعون) بكسر التاء الفوقية. وقرأ الحسن وزيد بن علي بفتحها. # قال النحاس: وهي لغة شاذة، وإنما عنى ب " هذا " داود لأنه كان له تسع ~~وتسعون امرأة، وعنى بقوله " ولي نعجة واحدة " (أوريا) زوج المرأة التي أراد ~~أن يتزوجها داود كما سيأتي بيان ذلك (فقال أكفلنيها) أي ضمها إلي وانزل لي ~~عنها حتى أكفلها وأصير بعلا لها. قال ابن كيسان: اجعلها كفلي ونصيبي (وعزني ~~في الخطاب) أي غلبني، يقال عزه يعزه عزا: إذا غلبه. وفي المثل " من عزيز " ~~أي من غلب سلب والاسم العزة: وهي القوة. # قال عطاء: المعنى إن تكلم كان أفصح مني. وقرأ ابن مسعود وعبيد بن عمير " ~~وعازني في الخطاب " أي غالبني من المعازة وهي المغالبة (قال لقد ظلمك بسؤال ~~نعجتك إلى نعاجه) أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه التسع والتسعين إن كان ~~الأمر على ما تقول، واللام هي الموطئة للقسم، وهي وما بعدها جواب للقسم ~~المقدر، وجاء بالقسم في كلامه مبالغة في إنكار ما سمعه من طلب صاحب التسع ~~والتسعين النعجة أن يضم إليه النعجة الواحدة التي مع صاحبه ولم يكن معه ~~غيرها. ويمكن أنه إنما قال بهذا بعد أن سمع الاعتراف من الآخر. قال النحاس. # ويقال إن خطيئة داود هي قوله (لقد ظلمك) لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت (وأن ~~كثيرا من الخلطاء) وهم الشركاء واحدهم خليط: وهو المخالط في المال (ليبغي ~~بعضهم على بعض) أي يتعدى بعضهم على بعض ويظلمه غير مراع لحقه (إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) فإنهم يتحامون ذلك، ولا ms3355 يظلمون خليطا ولا غيره ~~(وقليل ما هم) أي وقليل هم، وما زائدة للتوكيد والتعجيب. وقيل هي موصولة، ~~وهم مبتدأ، وقليل خبره (وظن داود أنما فتناه) قال أبو عمرو والفراء: ظن ~~يعني أيقن. ومعنى " فتناه " ابتليناه، والمعنى: أنه عند أن تخاصما إليه ~~وقال ما قال علم عند ذلك أنه المراد، وأن مقصودهما التعريض به وبصاحبه الذي ~~أراد أن ينزل له عن امرأته. قال الواحدي: قال المفسرون: فلما قضى بينهما ~~داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، فعند ذلك علم داود بما أراده. # قرأ الجمهور " فتناه " بالتخفيف للتاء وتشديد النون. وقرأ عمر بن الخطاب ~~والحسن وأبو رجاء بالتشديد للتاء والنون، وهي مبالغة في الفتنة. وقرأ ~~الضحاك " أفتناه " وقرأ قتادة وعبيد بن عمير وابن السميفع " فتناه " ~~بتخفيفهما وإسناد الفعل إلى الملكين، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو ~~(فاستغفر ربه) لذنبه (وخر راكعا) أي ساجدا، وعبر بالركوع عن السجود. قال ~~ابن العربي: لا خلاف بين العلماء أن المراد بالركوع هنا السجود، فإن السجود ~~هو الميل، والركوع هو الانحناء وأحدهما يدخل في الآخر ولكنه قد يختص كل ~~واحد منهما بهيئة. ثم جاء في هذا على PageV04P426 # تسمية أحدهما بالآخر. وقيل المعنى للسجود راكعا: أي مصليا. وقيل بل كان ~~ركوعهم سجودا، وقيل بل كان سجودهم ركوعا (وأناب) أي رجع إلى الله بالتوبة ~~من ذنبه. # وقد اختلف المفسرون في ذنب داود الذي استغفر له وتاب عنه على أقوال: ~~الأول أنه نظر إلى امرأة الرجل التي أراد أن تكون زوجة له، كذا قال سعيد بن ~~جبير وغيره. قال الزجاج: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر ~~إليها، وصارت الأولى له والثانية عليه. القول الثاني أنه أرسل زوجها في ~~جملة الغزاة. الثالث أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع أن أوريا كان ~~خطب تلك المرأة فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا، ~~فعتب الله عليه حيث لم يتركها لخاطبها. الخامس أنه لم يجزع على قتل أوريا ~~كما كان يجزع على من هلك من الجند، ثم ms3356 تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك، ~~لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة. السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن ~~يسمع من الآخر كما قدمنا. # وأقول: الظاهر من الخصومة التي وقعت بين الملكين تعريضا لداود عليه ~~السلام أنه طلب من زوج المرأة الواحدة أن ينزل له عنها ويضمها إلى نسائه، ~~ولا ينافي هذا العصمة الكائنة للأنبياء، فقد نبهه الله على ذلك وعرض له ~~بإرسال ملائكته إليه ليتخاصموا في مثل قصته حتى يستغفر لذنبه ويتوب منه ~~فاستغفر وتاب. وقد قال سبحانه - وعصى آدم ربه فغوى - وهو أبو البشر وأول ~~الأنبياء، ووقع لغيره من الأنبياء ما قصه الله علينا في كتابه. ثم أخبر ~~سبحانه أنه قبل استغفاره وتوبته قال (فغفرنا له ذلك) أي ذلك الذنب الذي ~~استغفر منه. قال عطاء الخراساني وغيره: إن داود بقي ساجدا أربعين يوما حتى ~~نبت الرعى حول وجهه وغمر رأسه. قال ابن الأنباري: الوقف على قوله (فغفرنا ~~له ذلك) تام، ثم يبتدئ الكلام بقوله (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) الزلفى: ~~القربة والكرامة بعد المغفرة لذنبه. قال مجاهد: الزلفى الدنو من الله عز ~~وجل يوم القيامة، والمراد بحسن المآب: حسن المرجع وهو الجنة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (مالها من فواق) ~~قال: من رجعة. (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا) قال: سألوا الله أن يعجل لهم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الزبير ابن عدي عنه (عجل لنا قطنا) قال: نصيبنا ~~من الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله (ذا الأيد) قال: القوة. # وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: الأواب المسبح. وأخرج الديلمي عن مجاهد ~~قال: سألت ابن عمر عن الأواب فقال سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه ~~فقال: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله. وأخرج عبد ابن حميد عن ~~ابن عباس قال: الأواب الموقن. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد عن عطاء ~~الخراساني عنه قال: # لم يزل في نفسي من صلاة الضحى حتى قرأت هذه ms3357 الآية (إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق). وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عنه أيضا قال: لقد ~~أتى علي زمان وما أدرى وجه هذه الآية (يسبحن بالعشي والإشراق) حتى رأيت ~~الناس يصلون الضحى. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عنه قال: كنت أمر ~~بهذه الآية (يسبحن بالعشي والإشراق) فما أدري ما هي؟ حتى حدثتني أم هانئ ~~بنت أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها يوم الفتح، فدعا ~~بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى، ثم قال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق. # وأخرج ابن جرير وابن مردويه من وجه آخر عنه نحوه. والأحاديث في صلاة ~~الضحى كثيرة جدا قد ذكرناها في شرحنا للمنتقى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: استعدى رجل من بني إسرائيل عند داود على ~~رجل من عظمائهم فقال: إن هذا غصبني بقرا لي، فسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، ~~فسأل الآخر البينة فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في ~~أمركما، فقاما من عنده، فأتى داود في منامه PageV04P427 # فقيل له: اقتل الرجل الذي استعدى، فقال: إن هذه رؤيا ولست أعجل حتى ~~أتثبت، فأتى الليلة الثانية في منامه فأمر أن يقتل الرجل فلم يفعل، ثم أتى ~~الليلة الثالثة، فقيل له: اقتل الرجل أو تأتيك العقوبة من الله، فأرسل داود ~~إلى الرجل فقال: إن الله أمرني أن أقتلك، قال: تقتلني بغير بينة ولا تثبت؟ ~~قال نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك، فقال الرجل: لا تعجل علي حتى أخبرك، ~~إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته فبذلك أخذت، ~~فأمر به داود فقتل فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وشدد به ملكه، فهو قول الله ~~(وشددنا ملكه). # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (وآتيناه الحكمة) قال: أعطى الفهم. ~~وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي موسى الأشعري قال: أول من قال أما بعد ~~داود عليه السلام (و) هو (فصل الخطاب). وأخرج سعيد بن منصور ms3358 وابن أبي شيبة ~~وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الشعبي أنه سمع زياد بن أبيه يقول: ~~فصل الخطاب الذي أوتى داود أما بعد. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس: أن داود حدث نفسه إذا ابتلى أنه يعتصم، فقيل له: إنك ~~ستبتلى وستعلم اليوم الذي تبتلى فيه فخذ حذرك، فقيل له هذا اليوم الذي ~~تبتلى فيه، فأخذ الزبور ودخل المحراب وأغلق باب المحراب وأخذ الزبور في ~~حجره، وأقعد منصفا: يعني خادما على الباب وقال: لا تأذن لأحد علي اليوم، ~~فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير، فيه من كل ~~لون، فجعل يدور بين يديه، فدنا منه فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه ~~فاستوفز الرحمن من خلفه، فأطبق الزبور وقام إليه ليأخذه، فطار فوقع على كوة ~~المحراب، فدنا منه ليأخذه فأفضى فوقع على خص فأشرف عليه لينظر أين وقع؟ ~~فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها، فغطت ~~جسدها أجمع بشعرها، وكان زوجها غازيا في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس ~~الغزاة: انظر أوريا فاجعله في حملة التابوت وكان حملة التابوت إما أن يفتح ~~عليهم وإما أن يقتلوا، فقدمه في حملة التابوت فقتل، فلما انقضت عدتها خطبها ~~داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه ~~خمسين من بني إسرائيل وكتب عليه بذلك كتابا، فلما شعر بفتنته أنه أفتتن حتى ~~ولدت سليمان، وشب فتسور عليه الملكان المحراب وكان شأنهما ما قص الله في ~~كتابه وخر داود ساجدا، فغفر الله له وتاب عليه. وأخرج الحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب قال: # ما أصاب داود بعد ما أصابه بعد القدر إلا من عجب عجب بنفسه، وذلك أنه ~~قال: يا رب ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا وعابد من آل داود يعبدك يصلي لك ~~أو يسبح أو يكبر وذكر أشياء، فكره الله ذلك، فقال: يا داود إن ذلك لم يكن ~~إلا بي ms3359 فلولا عوني ما قويت عليه، وعزتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوما، قال: ~~يا رب فأخبرني به، فأخبر به فأصابته الفتنة ذلك اليوم. وأخرج أصل القصة ~~الحكيم والترمذي في نوارد الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس مرفوعا ~~بإسناد ضعيف. وأخرجها ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس مطولة. وأخرجها ~~جماعة عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله (إن ~~هذا أخي) قال: على ديني. # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير والطبراني عنه قال: ~~ما زاد داود على أن (قال أكفلنيها). # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (أكفلنيها) قال: # ما زاد داود على أن قال: تحول لي عنها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله (وقليل ما هم) يقول: قليل الذي هم فيه، وفي قوله (وظن ~~داود أنما فتناه) قال: اختبرناه. وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عنه أيضا أنه قال في السجود في ص ~~ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد ~~فيها. وأخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عنه أيضا أن PageV04P428 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد في ص وقال: سجدها داود ونسجدها شكرا. ~~وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سجد في ~~ص ". وأخرج ابن مردويه عن أنس مثله مرفوعا. وأخرج الدارمي وأبو داود وابن ~~خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ~~أبي سعيد قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر ص، فلما بلغ ~~السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة ~~تهيأ الناس للسجود، فقال: إنما هي توبة ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل ~~فسجد ". وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه ms3360 وآله ~~وسلم أنه ذكر يوم القيامة فعظم شأنه وشدته قال: ويقول الرحمن عز وجل لداود ~~عليه السلام مر بين يدي، فيقول داود: يا رب أخاف أن تدحضني خطيئتي، فيقول ~~خذ بقدمي، فيأخذ بقدمه عز وجل فيمر، قال: فتلك الزلفى التي قال الله (وإن ~~له عندنا لزلفى وحسن مآب). # لما تمم سبحانه قصة داود أردفها ببيان تفويض أمر خلافة الأرض إليه، ~~والجملة مقولة لقول مقدر معطوف على غفرنا: أي وقلنا له (يا داود إنا) ~~استخلفناك على الأرض، أو (جعلناك خليفة) لمن قبلك من الأنبياء لتأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر (فاحكم بين الناس بالحق) أي بالعدل الذي هو حكم ~~الله بين عباده (ولا تتبع الهوى) أي هوى النفس في الحكم بين العباد. وفيه ~~تنبيه لداود عليه السلام أن الذي عوتب عليه ليس بعدل وأن فيه شائبة من ~~اتباع هوى النفس (فيضلك عن سبيل الله) بالنصب على أنه جواب للنهي وفاعل ~~يضلك هو الهوى، ويجوز أن يكون الفعل مجزوما بالعطف على النهي، وإنما حرك ~~لالتقاء الساكنين، فعلى الوجه الأول يكون المنهى عنه الجمع بينهما، وعلى ~~الوجه الثاني يكون النهي عن كل واحد منهما على حدة. وسبيل الله: هو طريق ~~الحق، أو طريق الجنة، وجملة (إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد) ~~تعليل للنهي عن اتباع الهوى والوقوع في الضلال، والباء في (بما نسوا يوم ~~الحساب) للسببية، ومعنى النسيان الترك: أي بسبب تركهم العمل لذلك اليوم: ~~قال الزجاج: أي بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين وإن كانوا ~~ينذرون ويذكرون. PageV04P429 # وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ولهم عذاب يوم ~~الحساب بما نسوا: أي تركوا القضاء بالعدل، والأول أولى. وجملة (وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا) مستأنفة مقررة لما قبلها من أمر البعث ~~والحساب: أي ما خلقنا هذه الأشياء خلقا باطلا خارجا على الحكمة الباهرة، بل ~~خلقناها للدلالة على قدرتنا، فانتصاب باطلا على المصدرية، أو على الحالية، ~~أو على أنه مفعول لأجله، والإشارة بقوله (ذلك) إلى المنفي قبله وهو مبتدأ، ms3361 ~~وخبره (ظن الذين كفروا) أي مظنونهم، فإنهم يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا ~~لغرض ويقولون إنه لا قيامة ولا بعث ولا حساب، وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه ~~المخلوقات باطلا (فويل للذين كفروا من النار) والفاء لإفادة ترتب ثبوت ~~الويل لهم على ظنهم الباطل: أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم ~~وكفرهم. ثم وبخهم وبكتهم فقال (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض) قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في ~~الآخرة كما تعطون فنزلت، وأم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة: أي بل أنجعل ~~الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله وعملوا بفرائضه كالمفسدين في الأرض ~~بالمعاصي. ثم أضرب سبحانه إضرابا آخر وانتقل عن الأول إلى ما هو أظهر ~~استحالة منه فقال (أم نجعل المتقين كالفجار) أي بل تجعل أتقياء المؤمنين ~~كأشقياء الكافرين والمنافقين والمنهمكين في معاصي الله سبحانه من المسلمين، ~~وقيل إن الفجار هنا خاص بالكافرين، وقيل المراد بالمتقين الصحابة، ولا وجه ~~للتخصيص بغير مخصص، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (كتاب أنزلناه ~~إليك مبارك) ارتفاع كتاب على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأنزلناه إليك صفة له، ~~ومبارك خبر ثان للمبتدأ ولا يجوز أن يكون صفة أخرى لكتاب لما تقرر من أنه ~~لا يجوز تأخير الوصف الصريح عن غير الصريح، وقد جوزه بعض النحاة والتقدير: ~~القرآن كتاب أنزلناه إليك يا محمد كثير الخير والبركة. وقرئ " مباركا " على ~~الحال وقوله (ليدبروا) أصله ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال وهو متعلق ~~بأنزلناه. وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر ~~والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر. قرأ الجمهور " ليدبروا " ~~بالإدغام. وقرأ أبو جعفر وشيبة " لتدبروا " بالتاء الفوقية على الخطاب، ~~ورويت هذه القراءة عن عاصم والكسائي، وهي قراءة علي رضي الله عنه، والأصل ~~لتتدبروا بتاءين فحذف إحداهما تخفيفا (وليتذكر أولوا الألباب) أي ليتعظ أهل ~~العقول، والألباب جمع لب: وهو العقل (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه ~~أواب) أخبر سبحانه بأن من جملة نعمه على داود أنه وهب ms3362 له سليمان ولدا، ثم ~~مدح سليمان فقال (نعم العبد) والمخصوص بالمدح محذوف: أي نعم العبد سليمان، ~~وقيل إن المدح هنا بقوله: نعم العبد هو لداود، والأول أولى، وجملة (إنه ~~أواب) تعليل لما قبلها من المدح، والأواب: الرجاع إلى الله بالتوبة كما ~~تقدم بيانه، والظرف في قوله (إذ عرض عليه) متعلق بمحذوف وهو أذكر: أي أذكر ~~ما صدر عنه وقت عرض الصافنات الجياد عليه (بالعشي) وقيل هو متعلق بنعم، وهو ~~مع كونه غير متصرف لا وجه لتقييده بذلك الوقت، وقيل متعلق بأواب، ولا وجه ~~لتقييد كونه أوابا بذلك الوقت، والعشي من الظهر أو العصر إلى آخر النهار، ~~والصافنات جمع صافن. # وقد اختلف أهل اللغة في معناه، فقال القتيبي والفراء: الصافن في كلام ~~العرب الواقف من الخيل أو غيرها، وبه قال قتادة، ومنه الحديث " من أحب أن ~~يتمثل له الناس صفونا فليتبوأ مقعده من النار " أي يديمون القيام له، ~~واستدلوا بقول النابغة: # لنا قبة مضروبة بفنائها * عتاق المهاري والجياد الصوافن PageV04P430 # ولا حجة لهم في هذا فإنه استدلال بمحل النزاع، وهو مصادرة لأن النزاع في ~~الصافن ماذا هو؟ وقال الزجاج: # هو الذي يقف على إحدى اليدين ويرفع الأخرى ويجعل على الأرض طرف الحافر ~~منها حتى كأنه يقوم على ثلاث وهي الرجلان وإحدى اليدين، وقد يفعل ذلك بإحدى ~~رجليه وهي علامة الفراهة، وأنشد الزجاج قول الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسير ومن هذا قول عمرو ~~بن كلثوم: # تركنا الخيل عاكفة عليه * مقلدة أعنتها صفونا فإن قوله صفونا لا بد أن ~~يحمل على معنى غير مجرد القيام، لأن مجرد القيام قد استفيد من قوله: عاكفة ~~عليه. وقال أبو عبيد: الصافن هو الذي يجمع يديه ويسويهما، وأما الذي يقف ~~على سنبكه فاسمه المتخيم، والجياد جمع جواد، يقال للفرس إذا كان شديد ~~العدو. وقيل إنها الطوال الأعناق، مأخوذ من الجيد وهو العنق، قيل كانت مائة ~~فرس، وقيل كانت عشرين ألفا، وقيل كانت عشرين فرسا، وقيل إنها خرجت له من ~~البحر وكانت لها ms3363 أجنحة (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي) انتصاب حب ~~الخير على أنه مفعول أحببت بعد تضمينه معنى آثرت. قال الفراء: يقول آثرت حب ~~الخير، وكل من أحب شيئا فقد آثره. وقيل انتصابه على المصدرية بحذف الزوائد ~~والناصب له أحببت، وقيل هو مصدر تشبيهي: أي حبا مثل حب الخير، والأول أولى. ~~والمراد بالخير هنا الخيل. قال الزجاج: الخير هنا الخيل. وقال الفراء: ~~الخير والخيل في كلام العرب واحد. قال النحاس: # وفي الحديث " الخيل معقود بنواصيها الخير " فكأنها سميت خيرا لهذا. وقيل ~~إنها سميت خيرا لما فيها من المنافع. # " وعن " في (عن ذكر ربي) بمعنى على. والمعنى: آثرت حب الخيل على ذكر ربي: ~~يعني صلاة العصر (حتى توارت بالحجاب) يعني الشمس ولم يتقدم لها ذكر ولكن ~~المقام يدل على ذلك. قال الزجاج: إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشئ أو ~~دليل الذكر، وقد جرى هنا الدليل وهو قوله بالعشي. والتواري: الاستتار عن ~~الأبصار والحجاب: ما يحجبها عن الأبصار. قال قتادة وكعب: الحجاب جبل أخضر ~~محيط بالخلائق وهو جبل قاف، وسمى الليل حجابا لأنه يستر ما فيه، وقيل ~~الضمير في قوله (حتى توارت) للخيل: أي حتى توارت في المسابقة عن الأعين. ~~والأول أولى، وقوله (ردوها علي) من تمام قول سليمان: أي أعيدوا عرضها علي ~~مرة أخرى. # قال الحسن: إن سليمان لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب لله ~~وقال ردوها علي: أي أعيدوها. # وقيل الضمير في ردوها يعود إلى الشمس ويكون ذلك معجزة له، وإنما أمر ~~بإرجاعها بعد مغيبها لأجل أن يصلي العصر، والأول أولى، والفاء في قوله ~~(فطفق مسحا بالسوق والأعناق) هي الفصيحة التي تدل على محذوف في الكلام، ~~والتقدير هنا: فردوها عليه. قال أبو عبيدة: طفق يفعل مثل ما زال يفعل، وهو ~~مثل ظل وبات وانتصاب مسحا على المصدرية بفعل مقدر: أي يمسح مسحا لأن خبر ~~طفق لا يكون إلا فعلا مضارعا، وقيل هو مصدر في موضع الحال، والأول أولى. ~~والسوق جمع ساق، والأعناق جمع عنق، والمراد ms3364 أنه طفق يضرب أعناقها وسوقها، ~~يقال مسح علاوته: أي ضرب عنقه. قال الفراء: المسح هنا القطع، قال: والمعنى ~~أنه أقبل يضرب سوقها وأعناقها لأنها كانت سبب فوت صلاته، وكذا قال أبو ~~عبيدة. قال الزجاج: ولم يكن يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له، وجائز أن يباح ~~ذلك لسليمان ويحضر في هذا الوقت. # وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية، فقال قوم: المراد بالمسح ما ~~تقدم. وقال آخرون منهم الزهري وقتادة: إن المراد به المسح على سوقها ~~وأعناقها لكشف الغبار عنها حبا لها. والقول الأول أولى بسياق الكلام فإنه ~~PageV04P431 # ذكر أنه آخرها على ذكر ربه حتى فاتته صلاة العصر، ثم أمرهم بردها عليه ~~ليعاقب نفسه فإفساد ما ألهاه عن ذلك وما صده عن عبادة ربه وشغله عن القيام ~~بما فرضه الله عليه، ولا يناسب هذا أن يكون الغرض من ردها عليه هو كشف ~~الغبار عن سوقها وأعناقها بالمسح عليها بيده أو بثوبه، ولا متمسك لمن قال: ~~إن إفساد المال لا يصدر عن النبي فإن هذا مجرد استبعاد باعتبار ما هو ~~المتقرر في شرعنا مع جواز أن يكون في شرع سليمان أن مثل هذا مباح على أن ~~إفساد المال المنهي عنه في شرعنا هو مجرد إضاعته لغير غرض صحيح، وأما لغرض ~~صحيح فقد جاز مثله في شرعنا كما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من إكفاء ~~القدور التي طبخت من الغنيمة قبل القسمة، ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة، ~~ومن ذلك ما وقع من الصحابة من إحراق طعام المحتكر. # وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس في قوله (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض) قال: الذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن ~~الحارث، والمفسدين في الأرض عتبة وشيبة والوليد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ~~هريرة قال (الصافنات الجياد) خيل خلقت على ما شاء. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله (الصافنات) قال: صفون الفرس رفع إحدى ~~يديه حتى يكون على أطراف الحافر، وفي قوله ms3365 (الجياد) السراع. وأخرج ابن جرير ~~من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله (حب الخير) قال: # الماء، وفي قوله ردوها علي قال: الخيل (فطفق مسحا) قال: عقرا بالسيف. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: الصلاة التي فرط فيها ~~سليمان صلاة العصر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن إبراهيم التيمي في قوله: إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد قال: كانت ~~عشرين ألف فرس ذات أجنحة فعقرها. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن مسعود ~~بقوله (حتى توارت بالحجاب) قال: توارت من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء ~~منها. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال: # كان سليمان لا يكلم إعظاما له، فلقد فاتته صلاة العصر وما استطاع أحد أن ~~يكلمه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (عن ذكر ربي) ~~يقول: من ذكر ربي (فطفق مسحا بالسوق والأعناق) قال: قطع سوقها وأعناقها ~~بالسيف. # قوله (ولقد فتنا سليمان) أي ابتليناه واختبرناه. قال الواحدي: قال أكثر ~~المفسرين: تزوج سليمان امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره ولم يعلم ~~بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته عن ذلك. وقيل إن سبب الفتنة أنه تزوج ~~سليمان امرأة يقال لها جرادة وكان يحبها حبا شديدا، فاختصم إليه فريقان: ~~أحدهما من أهل جرادة، فأحب PageV04P432 # أن يكون القضاء لهم، ثم قضى بينهم بالحق. وقيل إن السبب أنه احتجب عن ~~الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد. # وقيل إنه تزوج جرادة هذه وهي مشركة لأنه عرض عليها الإسلام فقالت: اقتلني ~~ولا أسلم. وقال كعب الأحبار: # إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن: إنه قارب بعض نسائه في ~~شئ من حيض أو غيره. وقيل إنه أمر أن لا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل ~~فتزوج امرأة من غيرهم. وقيل إن سبب فتنته ما ثبت في الحديث الصحيح أنه قال: ~~لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله، ms3366 ~~ولم يقل إن شاء الله. وقيل غير ذلك. ثم بين سبحانه ما عاقبه به فقال ~~(وألقينا على كرسيه جسدا) انتصاب جسدا على أنه مفعول ألقينا، وقيل انتصابه ~~على الحال على تأويله بالمشتق: أي ضعيفا أو فارغا، والأول أولى. قال أكثر ~~المفسرين: هذا الجسد الذي ألقاه الله على كرسي سليمان هو شيطان اسمه صخر، ~~وكان متمردا عليه غير داخل في طاعته، ألقى الله شبه سليمان عليه وما زال ~~يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان، وذلك عند دخول سليمان الكنيف لأنه كان يلقيه ~~إذ دخل الكنيف، فجاء صخر في صورة سليمان فأخذ الخاتم من امرأة من نساء ~~سليمان، فقعد على سرير سليمان وأقام أربعين يوما على ملكه وسليمان هارب. ~~وقال مجاهد: إن شيطانا قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك ~~أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر، فذهب ملكه وقعد الشيطان على كرسيه ~~ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن، وكان سليمان يستطعم فيقول: أتعرفونني ~~أطعموني؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه في بطنه ~~فرجع إليه ملكه، وهو معنى قوله (ثم أناب) أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما. ~~وقيل معنى أناب: رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه، وهذا هو الصواب، وتكون جملة ~~(قال رب اغفر لي) بدلا من جملة أناب وتفسيرا له: # أي اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله. ثم لما قدم التوبة ~~والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة طلبته فقال (وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعدي) قال أبو عبيدة: معنى لا ينبغي لأحد من بعده: لا يكون لأحد من ~~بعدي، وقيل المعنى: لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة، أو لا يصح ~~لأحد من بعدي لعظمته وليس هذا من سؤال نبي الله سليمان عليه السلام للدنيا ~~وملكها والشرف بين أهلها، بل المراد بسؤاله الملك أن يتمكن به من إنفاذ ~~أحكام الله سبحانه، والأخذ على يد المتمردين من عباده من الجن والإنس، ولو ~~لم يكن من المقتضيات لهذا السؤال منه ms3367 إلا ما رآه عند قعود الشيطان على ~~كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد الله، وجملة (إنك أنت الوهاب) ~~تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة الله له وهبة الملك الذي لا ينبغي لأحد ~~من بعده: أي فإنك كثير الهبات عظيم الموهوبات. ثم ذكر سبحانه إجابته لدعوته ~~وإعطاءه لمسألته فقال (فسخرنا له الريح) أي ذللناها له وجعلناها منقادة ~~لأمره. ثم بين كيفية التسخير لها بقوله (تجري بأمره رخاء) أي لينة الهبوب ~~ليست بالعاصف، مأخوذ من الرخاوة، والمعنى أنها ريح لينة لا تزعزع ولا تعصف ~~مع قوة هبوبها وسرعة جريها، ولا ينافي هذا قوله في آية أخرى - ولسليمان ~~الريح عاصفة تجري بأمره - لأن المراد أنها في قوة العاصفة ولا تعصف. وقيل ~~إنها كانت تارة رخاء، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان ويشتهيه، وهذا أولى ~~في الجمع بين الآيتين (حيث أصاب) أي حيث أراد. قال الزجاج: إجماع أهل اللغة ~~والمفسرين أن معنى حيث أصاب: حيث أراد، وحقيقته حيث قعد. وقال الأصمعي وابن ~~الأعرابي: العرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب. وقيل إن معنى أصاب بلغة ~~حمير أراد وليس من لغة العرب، وقيل هو بلسان هجر، والأول أولى، وهو مأخوذ ~~من إصابة السهم للغرض (والشياطين) معطوف على الريح: أي وسخرنا له الشياطين، ~~وقوله (كل بناء وغواص) بدل من الشياطين: أي كل بناء PageV04P433 # منهم وغواص منهم يبنون له ما يشاء من المباني، ويغوصون في البحر ~~فيستخرجون له الدر منه، ومن هذا قول الشاعر: # إلا سليمان إذ قال الجليل له * قم في البرية فأحددها عن الفند وخبر الجن ~~أني قد أذنت لهم * يبنون تذمر بالصفاح والعمد (وآخرين مقرنين في الأصفاد) ~~معطوف على كل داخل في حكم البدل، وهم مردة الشياطين سخروا له حتى قرنهم في ~~الأصفاد. يقال قرنهم في الحبال إذا كانوا جماعة كثيرة، والأصفاد: الأغلال ~~واحدها صفد. قال الزجاج: هي السلاسل، فكل ما شددته شدا وثيقا بالحديد وغيره ~~فقد صفدته. قال أبو عبيدة: صفدت الرجل فهو مصفود، وصفدته فهو مصفد، ومن هذا ~~قول عمرو بن ms3368 كلثوم في معلقته: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا * وأبناء بالملوك مصفدينا قال يحيى بن سلام: ولم ~~يكن يفعل ذلك إلا بكفارهم، فإذا آمنوا أطلقهم ولم يسخرهم، والإشارة بقوله " ~~هذا " إلى ما تقدم من تسخير الريح والشياطين له، وهو بتقدير القول: أي ~~وقلنا له (هذا عطاؤنا) الذي أعطيناكه من الملك العظيم الذي طلبته (فامنن أو ~~أمسك) قال الحسن والضحاك وغيرهما: أي فأعط من شئت وامنع من شئت (بغير حساب) ~~لا حساب عليك في ذلك الإعطاء أو الإمساك، أو عطاؤنا لك بغير حساب لكثرته ~~وعظمته. # وقال قتادة: إن قوله (هذا عطاؤنا) إشارة إلى ما أعطيه من قوة الجماع، ~~وهذا لا وجه لقصر الآية عليه لو قدرنا أنه قد تقدم ذكره من جملة تلك ~~المذكورات، فكيف يدعى اختصاص الآية به مع عدم ذكره (وإن له عندنا لزلفى) أي ~~قربة في الآخرة (وحسن مآب) وحسن مرجع، وهو الجنة. # وقد أخرج الفريابي والحكيم الترمذي والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ~~(ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا) قال: هو الشيطان الذي كان على ~~كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوما، وكان لسليمان امرأة يقال لها جرادة، ~~وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ود أن الحق ~~كان لأهلها، فأوحى الله إليه أن سيصيبك بلاء، فكان لا يدري أيأتيه من ~~السماء أم من الأرض؟ وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم قال السيوطي ~~بسند قوى عن ابن عباس قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء فأعطى لجرادة خاتمه، ~~وكانت جرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان ~~فقال لها: هاتي خاتمي فأعطته، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، ~~فلما خرج سليمان من الخلاء قال هاتي خاتمي، قالت قد أعطيته سليمان. قال أنا ~~سليمان، قالت كذبت لست سليمان، فجعل لا يأتي أحدا يقول أنا سليمان إلا ~~كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله، ~~وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرد على ms3369 سليمان سلطانه ~~ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا ~~لهن: تنكرن من أمر سليمان شيئا؟ قلن نعم إنه يأتينا ونحن نحيض، وما كان ~~يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع، ~~فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرأوها ~~على الناس وقالوا بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس ~~سليمان فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر ~~فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل ~~فاشترى سمكا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان فقال: تحمل ~~لي هذا السمك؟ قال نعم، قال بكم، قال بسمكة PageV04P434 # من هذا السمك، فحمل سليمان السمك ثم انطلق به إلى منزله، فلما انتهى ~~الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان ~~فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الجن ~~والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر ~~البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطانا مريدا، فجعلوا يطلبونه ولا ~~يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص ~~فاستيقظ فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنباط معه الرصاص فأخذوه ~~فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخله في ~~جوفه ثم شد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله (ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا) يعني الشيطان الذي كان سلط عليه. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وألقينا على كرسيه جسدا) ~~قال: صخر الجني تمثل على كرسيه على صورته. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن عفريتا من الجن ~~جعل يتفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي وإن الله أمكنني منه، فلقد هممت أن ~~أربطه ms3370 إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول ~~أخي سليمان (وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) فرده الله خاسئا ". وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فامنن) يقول: أعتق من الجن من ~~شئت وأمسك منهم من شئت. # قوله (واذكر عبدنا أيوب) معطوف على قوله - واذكر عبدنا داود - وأيوب عطف ~~بيان، و (إذ نادى ربه) بدل اشتمال من عبدنا (أني مسني الشيطان) قرأ الجمهور ~~بفتح الهمزة على أنه حكاية لكلامه الذي نادى ربه به، ولو لم يحكه لقال إنه ~~مسه. وقرأ عيسى بن عمر بكسرها على إضمار القول. وفي ذكر قصة أيوب إرشاد ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاقتداء به في الصبر على المكاره. ~~قرأ الجمهور بضم النون من قوله (بنصب) وسكون PageV04P435 # الصاد، فقيل هو جمع نصب بفتحتين نحو أسد وأسد، وقيل هو لغة في النصب، نحو ~~رشد ورشد. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة وحفص ونافع في رواية عنه ~~بضمتين، ورويت هذه القراءة عن الحسن. وقرأ أبو حيوة ويعقوب وحفص في رواية ~~بفتح وسكون، وهذه القراءات كلها بمعنى واحد، وإنما اختلفت القراءات باختلاف ~~اللغات. وقال أبو عبيدة: إن النصب بفتحتين: التعب والإعياء، وعلى بقية ~~القراءات الشر والبلاء، ومعنى قوله (وعذاب) أي ألم. قال قتادة ومقاتل: ~~النصب في الجسد، والعذاب في المال. قال النحاس وفيه بعد كذا قال. والأولى ~~تفسير النصب بالمعنى اللغوي وهو التعب والإعياء، وتفسير العذاب بما يصدق ~~عليه مسمى العذاب وهو الألم، وكلاهما راجع إلى البدن (اركض برجلك) هو ~~بتقدير القول: أي قلنا له: اركض برجلك كذا قال الكسائي: والركض الدفع ~~بالرجل، يقال ركض الدابة برجله: إذا ضربها بها. وقال المبرد: الركض ~~التحريك. قال الأصمعي: يقال ركضت الدابة، ولا يقال ركضت هي، لأن الركض إنما ~~هو تحريك راكبها رجليه، ولا فعل لها في ذلك، وحكى سيبويه: ركضت الدابة ~~فركضت، مثل جبرت العظم فجبر (هذا مغتسل بارد وشراب) هذا أيضا من مقول القول ~~المقدر: المغتسل ms3371 هو الماء الذي يغتسل به، والشراب الذي يشرب منه. # وقيل إن المغتسل هو المكان الذي يغتسل فيه. قال قتادة: هما عينان بأرض ~~الشام في أرض يقال لها الجابية فاغتسل من إحداهما فأذهب الله ظاهر دائه، ~~وشرب من الأخرى فأذهب الله باطن دائه، وكذا قال الحسن. وقال مقاتل: # نبعث عين جارية فاغتسل فيها فخرج صحيحا، ثم نبعث عين أخرى فشرب منها ماء ~~عذبا باردا. وفي الكلام حذف، والتقدير: فركض برجله فنبعت عين، فقلنا له هذا ~~مغتسل الخ، وأسند المس إلى الشيطان مع أن الله سبحانه هو الذي مسه بذلك: ~~إما لكونه لما عمل بوسوسته عوقب على ذلك بذلك النصب والعذاب. فقد قيل إنه ~~أعجب بكثرة ماله، وقيل استغاثة مظلوم فلم يغثه، وقيل إنه قال ذلك على طريقة ~~الأدب، وقيل إنه قال ذلك لأن الشيطان وسوس إلى أتباعه فرفضوه وأخرجوه من ~~ديارهم، وقيل المراد به ما كان يوسوسه الشيطان إليه حال مرضه وابتلائه من ~~تحسين الجزع وعدم الصبر على المصيبة، وقيل غير ذلك. وقوله (ووهبنا له أهله) ~~معطوف على مقدر كأنه قيل: فاغتسل وشرب، فكشفنا بذلك ما به من ضر ووهبنا له ~~أهله. قيل أحياهم الله بعد أن أماتهم: # وقيل جمعهم بعد تفرقهم، وقيل غيرهم مثلهم، ثم زاده مثلهم معهم، وهو معنى ~~قوله (ومثلهم معهم) فكانوا مثل ما كانوا من قبل ابتلائه، وانتصاب قوله ~~(رحمة منا وذكرى لأولي الألباب) على أنه مفعول لأجله: أي وهبنا هم له لأجل ~~رحمتنا إياه، وليتذكر بحاله أولو الألباب فيصبروا على الشدائد كما صبر، وقد ~~تقدم في سورة الأنبياء تفسير هذه الآية مستوفى فلا نعيده (وخذ بيدك ضغثا) ~~معطوف على اركض، أو على وهبنا. أو التقدير وقلنا له (خذ بيدك ضغثا) والضغث: ~~عثكال النخل بشماريخه، وقيل هو قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها وقيل ~~الحزمة الكبيرة من القضبان وأصل المادة تدل على جمع المختلطات. قال ~~الواحدي: الضغث ملء الكف من الشجر والحشيش والشماريخ (فاضرب به ولا تحنث) ~~أي اضرب بذلك الضغث ولا تحنث في يمينك، والحنث: الإثم، ms3372 ويطلق على فعل ما ~~حلف على تركه، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة. # واختلف في سبب ذلك، فقال سعيد بن المسيب إنها جاءته بزيادة على ما كانت ~~تأتيه من الخبز فخاف خيانتها فحلف ليضربنها. وقال يحيى بن سلام وغيره: إن ~~الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقربا إليه، فإنه إذا فعل ~~ذلك بريء، فحلف ليضربنها إن عوفي مائة جلدة. وقيل باعت ذؤابتها برغيفين إذ ~~لم تجد شيئا PageV04P436 # وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام، فلهذا حلف ليضربنها. وقيل جاءها ~~إبليس في صورة طبيب فدعته لمداواة أيوب، فقال أداويه على أنه إذا بريء قال ~~أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه، قالت نعم، فأشارت على أيوب بذلك فحلف ~~ليضربنها. # وقد اختلف العلماء هل هذا خاص بأيوب أو عام للناس كلهم؟ وأن من حلف خرج ~~من يمينه بمثل ذلك. # قال الشافعي: إذا حلف ليضربن فلانا مائة جلدة أو ضربا ولم يقل ضربا شديدا ~~ولم ينو بقلبه فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور في الآية، حكاه ابن المنذر عنه ~~وعن أبي ثور وأصحاب الرأي. وقال عطاء: هو خاص بأيوب ورواه ابن القاسم عن ~~مالك. ثم أثنى الله سبحانه على أيوب فقال (إنا وجدناه صابرا) أي على البلاء ~~الذي ابتليناه به، فإنه ابتلى بالداء العظيم في جسده وذهاب ماله وأهله ~~وولده فصبر (نعم العبد) أي أيوب (إنه أواب) أي رجاع إلى الله بالاستغفار ~~والتوبة (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب) قرأ الجمهور " عبادنا " ~~بالجمع. وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد وابن محيصن وابن كثير " عبدنا " ~~بالإفراد. فعلى قراءة الجمهور يكون إبراهيم وإسحاق ويعقوب عطف بيان، وعلى ~~القراءة الأخرى يكون إبراهيم عطف بيان، وما بعده عطف على عبدنا لا على ~~إبراهيم. وقد يقال لما كان المراد بعبدنا الجنس جاز إبدال الجماعة منه. ~~وقيل إن إبراهيم وما بعده بدل، أو النصب بإضمار أعني وعطف البيان أظهر، ~~وقراءة الجمهور أبين وقد اختارها أبو عبيد وأبو حاتم (أولى الأيدي ~~والأبصار) الأيدي، جمع اليد التي ms3373 بمعنى القوة والقدرة. قال قتادة: أعطوا ~~قوة في العبادة ونصروا في الدين. قال الواحدي: # وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والمفسرون. قال النحاس: أما الأبصار فمتفق ~~على أنها البصائر في الدين والعلم. # وأما الأيدي فمختلف في تأويلها، فأهل التفسير يقولون إنها القوة في ~~الدين، وقوم يقولون: الأيدي جمع يد وهي النعمة: أي هم أصحاب النعم: أي ~~الذين أنعم الله عز وجل عليهم، وقيل هم أصحاب النعم على الناس والإحسان ~~إليهم، لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور " ~~أولى الأيدي " بإثبات الياء في الأيدي. وقرأ ابن مسعود والأعمش والحسن ~~وعيسى " الأيد " بغير ياء، فقيل معناها معنى القراءة الأولى، وإنما حذفت ~~الياء لدلالة كسرة الدال عليها، وقيل الأيد: القوة، وجملة (إنا أخلصناهم ~~بخالصة ذكرى الدار) تعليل لما وصفوا به. قرأ الجمهور " بخالصة " بالتنوين ~~وعدم الإضافة على أنها مصدر بمعنى الإخلاص، فيكون ذكرى منصوبا به، أو بمعنى ~~الخلوص فيكون ذكرى مرفوعا به، أو يكون خالصة اسم فاعل على بابه، وذكرى بدل ~~منها أو بيان لها أو بإضمار أعني أو مرفوعة بإضمار مبتدأ، والدار يجوز أن ~~تكون مفعولا به لذكرى وأن تكون ظرفا: إما على الاتساع، أو على إسقاط ~~الخافض، وعلى كل تقدير فخالصة صفة لموصوف محذوف والباء للسببية: # أي بسبب خصلة خالصة. وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر بإضافة ~~خالصة إلى ذكرى على أن الإضافة للبيان، لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى، ~~أو على أن خالصة مصدر مضاف إلى مفعوله والفاعل محذوف. # أي بأن أخلصوا ذكرى الدار، أو مصدر بمعنى الخلوص مضافا إلى فاعله. قال ~~مجاهد: معنى الآية استصفيناهم بذكر الآخرة فأخلصناهم بذكرها. وقال قتادة: ~~كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله. وقال السدي: أخلصوا بخوف الآخرة. قال ~~الواحدي: فمن قرأ بالتنوين في خالصة كان المعنى جعلناهم لنا خالصين بأن ~~خلصت لهم ذكرى الدار، والخالصة مصدر بمعنى الخلوص والذكرى بمعنى التذكر: أي ~~خلص لهم تذكر الدار، وهو أنهم يذكرون التأهب لها ويزهدون في الدنيا، وذلك ~~من شأن ms3374 الأنبياء. وأما من أضاف فالمعنى: أخلصنا لهم بأن خلصت لهم ذكرى ~~الدار، والخالصة مصدر مضاف إلى الفاعل، والذكرى على هذا المعنى الذكر ~~(وإنهم عندنا لمن المصطفين PageV04P437 # الأخبار) الاصطفاء: الاختيار، والأخيار جمع خير بالتشديد والتخفيف كأموات ~~في جمع ميت مشددا ومخففا، والمعنى: إنهم عندنا لمن المختارين من أبناء ~~جنسهم من الأخيار (واذكر إسماعيل) قيل وجه إفراده بالذكر بعد ذكر أبيه ~~وأخيه وابن أخيه للإشعار بأنه عريق في الصبر الذي هو المقصود بالتذكير هنا ~~(واليسع وذا الكفل) قد تقدم ذكر اليسع، والكلام فيه في الأنعام، وتقدم ذكر ~~ذا الكفل والكلام فيه في سورة الأنبياء، والمراد من ذكر هؤلاء أنهم من جملة ~~من صبر من الأنبياء وتحملوا الشدائد في دين الله. أمر الله رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأن يذكرهم ليسلك مسلكهم في الصبر (وكل من الأخيار) يعني ~~الذين اختارهم الله لنبوته واصطفاهم من خلقه (هذا ذكر) الإشارة إلى ما تقدم ~~من ذكر أوصافهم: أي هذا ذكر جميل في الدنيا وشرف يذكرون به أبدا (وإن ~~للمتقين لحسن مآب) أي لهم مع هذا الذكر الجميل حسن مآب في الآخرة، والمآب ~~المرجع، والمعنى: أنهم يرجعون في الآخرة إلى مغفرة الله ورضوانه ونعيم ~~جنته. ثم بين حسن المرجع فقال (جنات عدن) قرأ الجمهور " جنات " بالنصب بدلا ~~من حسن مآب، سواء كان جنات عدن معرفة أو نكرة لأن المعرفة تبدل من النكرة ~~وبالعكس، ويجوز أن يكون جنات عطف بيان إن كانت نكرة، ولا يجوز ذلك فيها إن ~~كانت معرفة على مذهب جمهور النحاة وقد جوزه بعضهم. ويجوز أن يكون نصب جنات ~~بإضمار فعل. والعدن في الأصل الإقامة، يقال عدن بالمكان: إذا أقام فيه وقيل ~~هو اسم لقصر في الجنة، وقرئ برفع جنات على أنها مبتدأ. وخبرها مفتحة أو على ~~أنها خبر مبتدأ محذوف: # أي هي جنات عدن، وقوله (مفتحة لهم الأبواب) حال من جنات، والعامل فيها ما ~~في المتقين من معنى الفعل، والأبواب مرتفعة باسم المفعول: كقوله - وفتحت ~~أبوابها - والرابط بين الحال وصاحبها ضمير مقدر، أي ms3375 منها، أو الألف واللام ~~لقيامه مقام الضمير، إذ الأصل أبوابها. وقيل إن ارتفاع الأبواب على البدل ~~من الضمير في مفتحة العائد على جنات، وبه قال أبو علي الفارسي: أي مفتحة هي ~~الأبواب. قال الفراء: المعنى مفتحة أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفا ~~من الإضافة. وقال الزجاج: المعنى مفتحة لهم الأبواب منها. قال الحسن: إن ~~الأبواب يقال لها: انفتحي فتنفتح انغلقي فتنغلق، وقيل تفتح لهم الملائكة ~~الأبواب، وانتصاب (متكئين فيها) على الحال من ضمير لهم، والعامل فيه مفتحة، ~~وقيل هو حال من (يدعون) قدمت على العامل (فيها) أي يدعون في الجنات حال ~~كونهم متكئين فيها (بفاكهة كثيرة) أي بألوان متنوعة متكثرة من الفواكه ~~(وشراب) كثير، فحذف كثيرا لدلالة الأول عليه، وعلى جعل " متكئين " حالا من ~~ضمير لهم، والعامل فيه مفتحة، فتكون جملة " يدعون " مستأنفة لبيان حالهم. ~~وقيل إن يدعون في محل نصب على الحال من ضمير متكئين (وعندهم قاصرات الطرف ~~أتراب) أي قاصرات طرفهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، وقد مضى بيانه في ~~سورة الصافات. والأتراب: المتحدات في السن، أو المتساويات في الحسن. وقال ~~مجاهد: معنى أتراب أنهن متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن. وقيل أترابا ~~للأزواج. والأتراب جمع ترب، واشتقاقه من التراب لأنه يمسهن في وقت واحد ~~لاتحاد مولدهن (هذا ما توعدون ليوم الحساب) أي هذا الجزاء الذي وعدتم به ~~لأجل يوم الحساب، فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء، أو المعنى في يوم ~~الحساب. قرأ الجمهور " ما توعدون " بالفوقية على الخطاب. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن محيصن ويعقوب بالتحتية على الخبر، واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد وأبو حاتم لقوله " وإن للمتقين " فإنه خبر (إن هذا لرزقنا) أي إن هذا ~~المذكور من النعم والكرامات لرزقنا الذي أنعمنا به عليكم (ماله من نفاد) أي ~~انقطاع ولا يفنى أبدا، ومثله قوله - عطاء غير مجذوذ - فنعم الجنة لا تنقطع ~~عن أهلها. PageV04P438 # وقد أخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن ~~الشيطان عرج إلى السماء، فقال: يا رب ms3376 سلطني على أيوب، قال الله: لقد سلطتك ~~على ماله وولده ولم أسلطك على جسده، فنزل فجمع جنوده، فقال لهم: قد سلطت ~~على أيوب فأروني سلطانكم، فصاروا نيرانا ثم صاروا ماء، فبينما هم في المشرق ~~إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق. فأرسل طائفة منهم إلى ~~زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه وقال: إنه لا ~~يعتصم منكم إلا بالمعروف، فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع ~~فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك نارا فأحرقته؟ ثم جاء صاحب ~~الإبل، فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل إلى إبلك عدوا فذهب بها؟ ثم جاء ~~صاحب البقر فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل إلى بقرك عدوا فذهب بها؟ ثم ~~جاءه صاحب الغنم فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على غنمك عدوا فذهب ~~بها؟ # وتفرد هو لبنيه فجمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبت ~~ريح فأخذت بأركان البيت فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام ~~بأذنيه قرطان فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم فبينما ~~هم يأكلون ويشربون إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت فألقته عليهم، فلو رأيتهم ~~حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم؟ فقال له أيوب: فأين كنت؟ قال: ~~كنت معهم، قال: فكيف انفلت؟ قال: انفلت، قال أيوب: # أنت الشيطان، ثم قال أيوب أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام فحلق رأسه ~~وقام يصلي، فرن إبليس رنة سمعها أهل السماء وأهل الأرض، ثم عرج إلى السماء ~~فقال: أي رب إنه قد اعتصم فسلطني عليه فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: ~~قد سلطتك على جسده ولم أسلطك على قلبه، فنزل فنفخ تحت قدمه نفخة قرح ما بين ~~قدمه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة وألقى على الرماد حتى بدا حجاب قلبه، فكانت ~~امرأته تسعي عليه، حتى قالت له: # ألا ترى يا أيوب قد نزل والله بي من الجهد والفاقة ما إن بعت ms3377 قروني برغيف ~~فأطعمتك فادع الله أن يشفيك ويريحك قال: ويحك كنا في النعيم سبعين عاما ~~فاصبري حتى نكون في الضراء سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين ودعا فجاء ~~جبريل يوما فدعا بيده، ثم قال قم، فقام فنحاه عن مكانه وقال: اركض برجلك ~~هذا مغتسل بارد وشراب فركض برجله فنبعت عين، فقال اغتسل، فاغتسل منها، ثم ~~جاء أيضا فقال: اركض برجلك فنبعت عين أخرى فقال له اشرب منها، وهو قوله ~~(اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب ~~فجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله أين المبتلى ~~الذي كان ها هنا؟ لعل الكلاب قد ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ~~ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي، ورد عليه ماله وولده عيانا ومثلهم ~~معهم، وأمطر عليه جرادا من ذهب، فجعل يأخذ الجراد بيده ثم يجعله في ثوبه ~~وينشر كساءه ويأخذه فيجعل فيه، فأوحى الله إليه يا أيوب أما شبعت؟ قال: يا ~~رب من ذا الذي يشبع من فضلك ورحمتك. # وفي هذا نكارة شديدة، فإن الله سبحانه لا يمكن الشيطان من نبي من أنبيائه ~~ويسلط عليه هذا التسليط العظيم. # وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس ~~قال: إن إبليس قعد على الطريق وأخذ تابوتا يداوي الناس، فقالت امرأة أيوب: ~~يا عبد الله إن ها هنا مبتلى من أمره كذا وكذا فهل لك أن تداويه قال: نعم ~~بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجرا غيره. فأتت أيوب ~~فذكرت له ذلك، فقال: # ويحك ذاك الشيطان، لله علي إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه ~~الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضربها به، فأخذ عذقا فيه مائة شمراخ فضربها به ~~ضربة واحدة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه في قوله (وخذ ~~بيدك ضغثا) قال: هو الأسل. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال: الضغث القبضة من ms3378 ~~المرعى الرطب. وأخرج ابن PageV04P439 # جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: الضغث الحزمة. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ~~وابن جرير والطبراني وابن عساكر من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: " ~~حملت وليدة في بني ساعدة من زنا، فقيل لها ممن حملك؟ قالت من فلان المقعد، ~~فسئل المقعد فقال صدقت، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: خذوا عثكولا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة ". وأخرج أحمد ~~وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني وابن عساكر نحوه من طريق أخرى عن أبي ~~أمامة بن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة. وأخرج الطبراني عن سهل بن ~~سعد نحوه. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أيوب رأس الصابرين يوم ~~القيامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(أولي الأيدي) قال: القوة في العبادة (والأبصار) قال: الفقه في الدين. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه (أولي الأيدي) قال: النعمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) قال: أخلصوا بذكر دار ~~الآخرة أن يعملوا لها. # قوله (هذا) قال الزجاج: هذا خبر مبتدأ محذوف: أي الأمر هذا فيوقف على ~~هذا، قال ابن الأنباري: # وهذا وقف حسن ثم يبتدئ (وإن للطاغين) ويجوز أن يكون هذا مبتدأ وخبره ~~محذوف: أي هذا كما ذكر، أو هذا ذكر. ثم ذكر سبحانه ما لأهل الشر بعد أن ذكر ~~ما لأهل الخير فقال (وإن للطاغين لشر مآب) أي الذين طغوا على الله وكذبوا ~~رسله " لشر مآب " لشر منقلب ينقلبون إليه، ثم بين ذلك فقال (جهنم يصلونها) ~~وانتصاب جهنم على أنها بدل من شر مآب، أو منصوبة بأعني، ويجوز أن يكون عطف ~~بيان على قول البعض كما سلف قريبا، ويجوز أن يكون منصوبا على الاشتغال: أي ~~يصلون جهنم يصلونها، ومعنى يصلونها يدخلونها، وهو في محل نصب على الحالية ~~(فبئس المهاد) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم، وهو الفراش، مأخوذ من مهد الصبي، ~~ويجوز ms3379 أن يكون المراد بالمهد الموضع، والمخصوص بالذم محذوف: أي بئس المهاد ~~هي كما في قوله - لهم من جهنم مهاد - شبه PageV04P440 # الله سبحانه ما تحتهم من نار جهنم بالمهاد (هذا فليذوقوه حميم وغساق) هذا ~~في موضع رفع بالابتداء وخبره حميم وغساق على التقديم والتأخير: أي هذا حميم ~~وغساق فليذوقوه. قال الفراء والزجاج: تقدير الآية: هذا حميم وغساق ~~فليذوقوه: أو يقال لهم في ذلك اليوم هذه المقالة. والحميم الماء الحار الذي ~~قد انتهى حره، والغساق ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، من ~~قولهم غسقت عينه إذا انصبت، والغسقان الانصباب. # قال النحاس: ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا، وارتفاع حميم وغساق على ~~أنهما خبران لمبتدأ محذوف: أي هو حميم وغساق، ويجوز أن يكون هذا في موضع ~~نصب بإضمار فعل يفسره ما بعده: أي ليذوقوا هذا فليذوقوه، ويجوز أن يكون ~~حميم مرتفع على الابتداء وخبره مقدر قبله: أي منه حميم ومنه غساق، ومثله ~~قول الشاعر: # حتى ما إذا أضاء البرق في غلس * وغودر البقل ملوي ومخضود أي منه ملوي ~~ومنه مخضود، وقيل الغساق ما قتل ببرده، ومنه قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من ~~النهار، وقيل هو الزمهرير، وقيل الغساق المنتن، وقيل الغساق عين في جهنم ~~يسيل منه كل ذوب حية وعقرب. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج النساء الزواني ~~ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم. وقال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. # وقال السدي: الغساق الذي يسيل من دموع أهل النار يسقونه مع الحميم، وكذا ~~قال ابن زيد. وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده، ~~وتفسير الغساق بالبارد أنسب بما تقتضيه لغة العرب، ومنه قول الشاعر: # إذا ما تذكرت الحياة وطيبها * إلي جرى دمع من الليل غاسق أي بارد، وأنسب ~~أيضا بمقابلة الحميم. وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين بتخفيف ~~السين من " غساق " وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة بالتشديد، وهما لغتان ~~بمعنى واحد كما قال الأخفش. وقيل معناهما مختلف. # فمن خفف فهو اسم مثل عذاب ms3380 وجواب وصواب، ومن شدد قال: هو اسم فاعل ~~للمبالغة نحو ضراب وقتال (وآخر من شكله) قرأ الجمهور " وآخر " مفرد مذكر، ~~وقرأ أبو عمرو " وأخر " بضم الهمزة على أنه جمع، وأنكر قراءة الجمهور لقوله ~~أزواج، وأنكر عاصم الجحدري قراءة أبى عمرو وقال: لو كانت كما قرأ لقال من ~~شكلها، وارتفاع آخر على أنه مبتدأ وخبره أزواج، ويجوز أن يكون من شكله خبرا ~~مقدما وأزواج مبتدأ مؤخرا والجملة خبر آخر، ويجوز أن يكون خبرا آخر مقدرا: ~~أي وآخر لهم، و (من شكله أزواج) جملة مستقلة، ومعنى الآية على قراءة ~~الجمهور: وعذاب آخر أو مذوق آخر، أو نوع آخر من شكل العذاب أو المذوق أو ~~النوع الأول والشكل المثل، وعلى القراءة الثانية يكون معنى الآية: ومذوقات ~~أخر، أو أنواع أخر من شكل ذلك المذوق أو النوع المتقدم. وإفراد الضمير في ~~شكله على تأويل المذكور: أي من شكل المذكور، ومعنى (أزواج) أجناس وأنواع ~~وأشباه. وحاصل معنى الآية: أن لأهل النار حميما وغساقا وأنواعا من العذاب ~~من مثل الحميم والغساق. قال الواحدي: قال المفسرون: هو الزمهرير، ولا يتم ~~هذا الذي حكاه عن المفسرين إلا على تقدير أن الزمهرير أنواع مختلفة وأجناس ~~متفاوتة ليطابق معنى أزواج، أو على تقدير أن لكل فرد من أهل النار زمهريرا ~~(هذا فوج مقتحم معكم) الفوج الجماعة، والاقتحام الدخول، وهذا حكاية لقول ~~الملائكة الذين هم خزنة النار وذلك أن القادة والرؤساء إذا دخلوا النار ثم ~~دخل بعدهم الأتباع. قالت الخزنة للقادة: هذا فوج، يعنون الأتباع " مقتحم ~~معكم ": أي داخل معكم إلى النار، وقوله (لا مرحبا بهم) من قول القادة ~~والرؤساء لما قالت لهم الخزنة ذلك قالوا لا مرحبا بهم: أي لا اتسعت منازلهم ~~في النار، والرحب السعة، والمعنى: لا كرامة لهم، وهذا إخبار من الله ~~PageV04P441 # سبحانه بانقطاع المودة بين الكفار، وأن المودة التي كانت بينهم تصير ~~عداوة. وجملة لا مرحبا بهم دعائية لا محل لها من الإعراب، أو صفة للفوج، أو ~~حال منه أو بتقدير القول: أي مقولا في حقهم لا ms3381 مرحبا بهم، وقيل إنها من ~~تمام قول الخزنة. والأول أولى كما يدل عليه جواب الأتباع الآتي، وجملة ~~(إنهم صالوا النار) تعليل من جهة القائلين لا مرحبا بهم: أي إنهم صالوا ~~النار كما صليناها ومستحقون لها كما استحقيناها. وجملة (قالوا بل أنتم لا ~~مرحبا بكم) مستأنفة جواب سؤال مقدر: أي قال الأتباع عند سماع ما قاله ~~الرؤساء لهم بل أنتم لا مرحبا بكم: أي لا كرامة لكم، ثم عللوا ذلك بقولهم ~~(أنتم قدمتموه لنا) أي أنتم قدمتم العذاب أو الصلي لنا وأوقعتمونا فيه ~~ودعوتمونا إليه بما كنتم تقولون لنا من أن الحق ما أنتم عليه وأن الأنبياء ~~غير صادقين فيما جاءوا به (بئس القرار) أي بئس المقر جهنم لنا ولكم. ثم حكى ~~عن الأتباع أيضا أنهم أردفوا هذا القول بقول آخر، وهو (قالوا ربنا من قدم ~~لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار) أي زده عذابا ذا ضعف، والضعف بأن يزيد ~~عليه مثله، ومعنى من قدم لنا هذا من دعانا إليه وسوغه لنا. قال الفراء: ~~المعنى من سوغ لنا هذا وسنه، وقيل معناه: قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا ~~إلى الكفر فزده عذابا ضعفا في النار: أي عذابا بكفره وعذابا بدعائه إيانا، ~~فصار ذلك ضعفا، ومثله قوله سبحانه - ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار - وقوله - ربنا آتهم ضعفين من العذاب - وقيل المراد بالضعف هنا ~~الحيات والعقارب (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار) قيل هو ~~من قول الرؤساء، وقيل من قول الطاغين المذكورين سابقا. قال الكلبي: ينظرون ~~في النار فلا يرون من كان يخالفهم من المؤمنين معهم فيها، فعند ذلك قالوا: ~~ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار. وقيل يعنون فقراء المؤمنين ~~كعمار وخباب وصهيب وبلال وسالم وسلمان. وقيل أرادوا أصحاب محمد على العموم ~~(اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار) قال مجاهد: المعنى اتخذناهم سخريا ~~في الدنيا فأخطأنا أم زاغت عنهم الأبصار فلم نعلم مكانهم؟ والإنكار المفهوم ~~من الاستفهام متوجه إلى كل واحد من ms3382 الأمرين. قال الحسن: كل ذلك قد فعلوا: ~~اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم. قال الفراء: والاستفهام هنا بمعنى ~~التوبيخ والتعجب. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن كثير والأعمش بحذف همزة ~~اتخذناهم في الوصل، وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خبرا محضا، وتكون ~~الجملة في محل نصب صفة ثانية لرجالا، وأن يكون المراد الاستفهام، وحذفت ~~أداته لدلالة أم عليها، فتكون أم على الوجه الأول منقطعة بمعنى بل والهمزة: ~~أي بل أزاغت عنهم الأبصار على معنى توبيخ أنفسهم على الاستسخار، ثم الإضراب ~~والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء والتحقير، وعلى الثاني أم هي ~~المتصلة. وقرأ الباقون بهمزة استفهام سقطت لأجلها همزة الوصل، ولا محل ~~للجملة حينئذ وفيه التوبيخ لأنفسهم على الأمرين جميعا لأن أم على هذه ~~القراءة هي للتسوية. وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة والمفضل وهبيرة ويحيى بن ~~وثاب والأعمش وحمزة والكسائي (سخريا) بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها. قال ~~أبو عبيدة: من كسر جعله من الهزء، ومن ضم جعله من التسخير والإشارة بقوله ~~(إن ذلك) إلى ما تقدم من حكاية حالهم، وخبر إن قوله (لحق) أي لواقع ثابت في ~~الدار الآخرة لا يتخلف البتة، و (تخاصم أهل النار) خبر مبتدأ محذوف، ~~والجملة بيان لذلك، وقيل بيان لحق، وقيل بدل منه، وقيل بدل من محل ذلك، ~~ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وهذا على قراءة الجمهور برفع تخاصم. # والمعنى: إن ذلك الذي حكاه الله عنهم لحق لا بد أن يتكلموا به، وهو تخاصم ~~أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء PageV04P442 # للأتباع، وما قالته الأتباع لهم. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب " تخاصم " على ~~أنه بدل من ذلك أو بإضمار أعني. وقرأ ابن السميفع " تخاصم " بصيغة الفعل ~~الماضي فتكون جملة مستأنفة. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يقول قولا جامعا بين التخويف والإرشاد إلى التوحيد فقال (قل إنما ~~أنا منذر) أي مخوف لكم من عقاب الله وعذابه (وما من إله) يستحق العبادة ~~(إلا الله الواحد) الذي لا شريك له (القهار) لكل شئ ms3383 سواه (رب السماوات ~~والأرض وما بينهما) من المخلوقات (العزيز) الذي لا يغالبه مغالب (الغفار) ~~لمن أطاعه. وقيل معنى " العزيز " المنيع الذي لا مثل له، ومعنى " الغفار " ~~الستار لذنوب خلقه. ثم أمره سبحانه أن يبالغ في إنذارهم ويبين لهم عظم ~~الأمر وجلالته فقال (قل هو نبأ عظيم) أي ما أنذرتكم به من العقاب وما بينته ~~لكم من التوحيد هو خبر عظيم ونبأ جليل، من شأنه العناية به والتعظيم له ~~وعدم الاستخفاف به، ومثل هذه الآية قوله - عم يتساءلون عن النبأ العظيم -. ~~وقال مجاهد وقتادة ومقاتل: هو القرآن، فإنه نبأ عظيم لأنه كلام الله. قال ~~الزجاج: قل النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم: يعني ما أنبأهم به من ~~قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه ونبوته لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من ~~الله، وجملة (أنتم عنه معرضون) توبيخ لهم وتقريع لكونهم أعرضوا عنه ولم ~~يتفكروا فيه فيعلموا صدقه ويستدلوا به على ما أنكروه من البعث، وقوله (ما ~~كان لي من علم بالملأ الأعلى) استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم، والملأ ~~الأعلى هم الملائكة (إذ يختصمون) أي وقت اختصامهم، فقوله (بالملأ الأعلى) ~~متعلق بعلم على تضمينه معنى الإحاطة، وقوله " إذ يختصمون " متعلق بمحذوف: ~~أي ما كان لي فيما سبق علم بوجه من الوجوه بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم، ~~والضمير في يختصمون راجع إلى الملأ الأعلى، والخصومة الكائنة بينهم هي في ~~أمر آدم كما يفيده ما سيأتي قريبا، وجملة (إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير ~~مبين) معترضة بين اختصامهم المجمل وبين تفصيله بقوله (إذ قال ربك للملائكة) ~~والمعنى: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين. قال الفراء: # المعنى ما يوحى إلي إلا أنني نذير مبين أبين لكم ما تأتون من الفرائض ~~والسنن وما تدعون من الحرام والمعصية. # قال: كأنك قلت ما يوحى إلي إلا الإنذار. قال النحاس: ويجوز أن تكون في ~~محل نصب بمعنى ما يوحى إلي إلا لأنما أنا نذير مبين. قرأ الجمهور بفتح همزة ~~أنما على أنها وما ms3384 في حيزها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل: أي ما يوحى ~~إلي إلا الإنذار، أو إلا كوني نذيرا مبينا، أو في محل نصب، أو جر بعد إسقاط ~~لام العلة، والقائم مقام الفاعل على هذا الجار والمجرور. وقرأ أبو جعفر ~~بكسر الهمزة لأن في الوحي معنى القول، وهي القائمة مقام الفاعل على سبيل ~~الحكاية، كأنه قيل ما يوحى إلي إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار، وهو ~~أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين. وقيل إن الضمير في يختصمون عائد إلى قريش، ~~يعني قول من قال منهم: الملائكة بنات الله، والمعنى: ما كان لي علم ~~بالملائكة إذ تختصم فيهم قريش، والأول أولى. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وغساق) قال: ~~الزمهرير (وآخر من شكله) قال: من نحوه (أزواج) قال: ألوان من العذاب. وأخرج ~~أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لو أن دلوا من غساق يهرق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " قال ~~الترمذي بعد إخراجه: لا نعرفه إلا من حديث رشدين ابن سعد. قلت: ورشدين فيه ~~مقال معروف. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في ~~قوله (فزده عذابا ضعفا في النار) قال: أفاعي وحيات. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بالملأ الأعلى) قال: الملائكة حين شوروا ~~الذي في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة. ~~PageV04P443 # وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~(ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون) قال: هي الخصومة في شأن آدم ~~حيث قالوا - أتجعل فيها من يفسد فيها -. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن ~~حميد والترمذي وحسنه وابن نصر في كتاب الصلاة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " أتاني الليلة ربي في أحسن صورة، أحسبه قال ms3385 في المنام، ~~قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا، فوضع يده بين كتفي ~~حتى وجدت بردها بين ثديي أو في نحري، فعلمت ما في السماوات والأرض، ثم قال ~~لي: # يا محمد هل تدرى فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت نعم في الكفارات والكفارات: ~~المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ ~~الوضوء في المكاره " الحديث. وأخرج الترمذي وصححه ومحمد ابن نصر والطبراني ~~والحاكم وابن مردويه من حديث معاذ بن جبل نحوه بأطول منه، وقال " وإسباغ ~~الوضوء في السبرات ". وأخرج الطبراني وابن مردويه من حديث جابر بن سمرة ~~نحوه بأخصر منه. وأخرجا أيضا من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث. # لما ذكر سبحانه خصومة الملائكة إجمالا فيما تقدم ذكرها هنا تفصيلا، فقال ~~(إذ قال ربك للملائكة) إذ هذه هي بدل من - إذ يختصمون - لاشتمال ما في حيز ~~هذه على الخصومة. وقيل: هي منصوبة بإضمار أذكر والأول أولى إذا كانت خصومة ~~الملائكة في شأن من يستخلف في الأرض. وأما إذا كانت في غير ذلك مما تقدم ~~ذكره فالثاني أولى (إني خالق بشرا من طين) أي خالق فيما سيأتي من الزمن " ~~بشرا ": أي جسما من جنس البشر مأخوذ من مباشرته للأرض، أو من كونه بادي ~~البشرة. وقوله (من طين) متعلق بمحذوف هو صفة لبشر أو بخالق ومعنى (فإذا ~~سويته) صورته على صورة البشر وصارت أجزاؤه مستوية (ونفخت فيه من روحي) أي ~~من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري. وقيل هو تمثيل، ولا نفخ ولا منفوخ ~~فيه. والمراد جعله حيا بعد أن كان جمادا لا حياة PageV04P444 # فيه. وقد مر الكلام في هذا في سورة النساء (فقعوا له ساجدين) هو أمر من ~~وقع يقع، وانتصاب ساجدين على الحال، والسجود هنا هو سجود التحية لا سجود ~~العبادة، وقد مضى تحقيقه في سورة البقرة (فسجد الملائكة) في الكلام حذف تدل ~~عليه الفاء والتقدير: فخلقه فسواه ونفخ فيه من روحه فسجد له الملائكة. ~~وقوله (كلهم) يفيد أنهم سجدوا جميعا ولم يبق ms3386 منهم أحد. وقوله (أجمعون) يفيد ~~أنهم اجتمعوا على السجود في وقت واحد: فالأول لقصد الإحاطة، والثاني لقصد ~~الاجتماع. قال في الكشاف: فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك ~~إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات. وقيل إنه ~~أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم (إلا إبليس) الاستثناء متصل على تقدير ~~أنه كان متصفا بصفات الملائكة داخلا في عدادهم فغلبوا عليه، أو منقطع على ~~ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم: أي لكن إبليس (استكبر) أي أنف من السجود ~~جهلا منه بأنه طاعة لله، (و) كان استكباره استكبار كفر، فلذلك (كان من ~~الكافرين) أي صار منهم بمخالفته لأمر الله واستكباره عن طاعته، أو كان من ~~الكافرين في علم الله سبحانه، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في سورة ~~البقرة والأعراف وبني إسرائيل والكهف وطه. ثم إن الله سبحانه سأله عن سبب ~~تركه للسجود الذي أمره به ف (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) ~~أي ما صرفك وصدك عن السجود لما توليت خلقه من غير واسطة، وأضاف خلقه إلى ~~نفسه تكريما له وتشريفا، مع أنه سبحانه خالق كل شئ كما أضاف إلى نفسه ~~الروح، والبيت، والناقة، والمساجد. # قال مجاهد: اليد هنا بمعنى التأكيد والصلة مجازا كقوله - ويبقى وجه ربك ~~-. وقيل أراد باليد القدرة، يقال: # ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان: أي قدرة، ومنه قول الشاعر: # تحملت من ذلفاء ما ليس لي يد * ولا للجبال الراسيات يدان وقيل التثنية في ~~اليد للدلالة على أنها ليس بمعنى القوة والقدرة، بل للدلالة على أنهما ~~صفتان من صفات ذاته سبحانه، و " ما " في قوله " لما خلقت " هي المصدرية أو ~~الموصولة. وقرأ الجحدري " لما " بالتشديد مع فتح اللام على أنها ظرف بمعنى ~~حين كما قال أبو علي الفارسي. وقرئ " بيدي " على الإفراد (استكبرت) قرأ ~~الجمهور بهمزة الاستفهام، وهو استفهام توبيخ وتقريع، و (أم) متصلة. وقرأ ~~ابن كثير في رواية عنه وأهل مكة بألف وصل، ms3387 ويجوز أن يكون الاستفهام مراد ~~فيوافق القراءة الأولى كما في قول الشاعر: # * تروح من الحي أم تبتكر * وقول الآخر * بسبع رمين الجمر أم بثمانيا * ~~ويحتمل أن يكون خبرا محضا من غير إرادة للاستفهام فتكون " أم " منقطعة، ~~والمعنى: استكبرت عن السجود الذي أمرت به بل أ (كنت من العالين) أي ~~المستحقين للترفع عن طاعة أمر الله المتعالين عن ذلك، وقيل المعنى: استكبرت ~~عن السجود الآن أم لم تزل من القوم الذين يتكبرون عن ذلك، وجملة (قال أنا ~~خير منه) مستأنفة جواب سؤال مقدر، ادعى اللعين لنفسه أنه خير من آدم، وفي ~~ضمن كلامه هذا أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن. ثم علل ما ادعاه من كونه ~~خيرا منه بقوله (خلقتني من نار وخلقته من طين) وفي زعمه أن عنصر النار أشرف ~~من عنصر الطين، وذهب عنه أن النار إنما هي بمنزلة الخادم لعنصر عمر الطين ~~إن احتيج إليها استدعيت كما يستدعى الخادم وإن استغنى عنها طردت، وأيضا ~~فالطين يستولي على النار فيطفئها، وأيضا فهي لا توجد إلا بما أصله من عنصر ~~الأرض، وعلى كل حال فقد شرف آدم بشرف وكرم بكرامة لا يوازيها شئ من شرف ~~العناصر، وذلك أن الله خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه، والجواهر في أنفسها ~~متجانسة، وإنما تشرف بعارض من عوارضها، وجملة (قال فأخرج منها) مستأنفة ~~كالتي قبلها: أي فأخرج من الجنة أو من زمرة الملائكة، ثم علل أمره بالخروج ~~بقوله (فإنك رجيم) PageV04P445 # أي مرجوم بالكواكب مطرود من كل خير (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) أي ~~طردي لك عن الرحمة وإبعادي لك منها، ويوم الدين يوم الجزاء، فأخبر سبحانه ~~وتعالى أن تلك اللعنة مستمرة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم في الآخرة ~~يلقى من أنواع عذاب الله وعقوبته وسخطه ما هو به حقيق، وليس المراد أن ~~اللعنة تزول عنه في الآخرة، بل هو ملعون أبدا، ولكن لما كان له في الآخرة ~~ما ينسى عنده اللعنة ويذهل عند الوقوع فيه منها صارت كأنها لم تكن بجنب ms3388 ما ~~يكون فيه، وجملة (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) مستأنفة كما تقدم فيما ~~قبلها: أي أمهلني ولا تعاجلني إلى غاية هي يوم يبعثون: يعني آدم وذريته ~~(قال فإنك من المنظرين) أي الممهلين (إلى يوم الوقت المعلوم) الذي قدره ~~الله لفناء الخلائق، وهو عند النفخة الآخرة، وقيل هو النفخة الأولى. قيل ~~إنما طلب إبليس الإنظار إلى يوم البعث ليتخلص من الموت، لأنه إذا أنظر إلى ~~يوم البعث لم يمت قبل البعث، وعند مجيء البعث لا يموت، فحينئذ يتخلص من ~~الموت. فأجيب بما يبطل مراده، وينقض عليه مقصده، وهو الإنظار إلى يوم الوقت ~~المعلوم وهو الذي يعلمه الله ولا يعلمه غيره، فلما سمع اللعين إنظار الله ~~له إلى ذلك الوقت (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين) فأقسم بعزة الله أنه يضل ~~بني آدم بتزيين الشهوات لهم، وإدخال الشبه عليهم حتى يصيروا غاوين جميعا. ~~ثم لما علم أن كيده لا ينجع إلا في أتباعه وأحزابه من أهل الكفر والمعاصي، ~~استثنى من لا يقدر على إضلاله ولا يجد السبيل إلى إغوائه فقال (إلا عبادك ~~منهم المخلصين) أي الذين أخلصتهم لطاعتك وعصمتهم من الشيطان الرجيم وقد ~~تقدم تفسير هذه الآيات في سورة الحجر وغيرها. وقد أقسم ها هنا بعزة الله، ~~وأقسم في موضع آخر بقوله - فبما أغويتني - ولا تنافي بين القسمين فإن ~~إغواءه إياه من آثار عزته سبحانه وجملة (قال فالحق والحق أقول) مستأنفة ~~كالجمل التي قبلها. قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين على أنه مقسم به حذف ~~منه حرف القسم فانتصب، أو هما منصوبان على الإغراء: أي الزموا الحق، أو ~~مصدران مؤكدان لمضمون قوله (لأملأن جهنم) وقرأ ابن عباس ومجاهد والأعمش ~~وعاصم وحمزة برفع الأول ونصب الثاني، فرفع الأول على أنه مبتدأ وخبره مقدر: # أي فالحق مني، أو فالحق أنا، أو خبره لأملأن، أو هو خبر مبتدأ محذوف، ~~وأما نصب الثاني فبالفعل المذكور بعده: أي وأنا أقول الحق، وأجاز الفراء ~~وأبو عبيد أن يكون منصوبا بمعنى حقا لأملأن جهنم. واعترض عليهما بأن ما بعد ~~اللام ms3389 مقطوع عما قبلها. وروي عن سيبويه والفراء أيضا أن المعنى: فالحق أن ~~إملاء جهنم. وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قرآ برفعها، فرفع الأول على ما ~~تقدم، ورفع الثاني بالابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، والعائد محذوف. ~~وقرأ ابن السميفع وطلحة بن مصرف بخفضهما على تقدير حرف القسم. قال الفراء: ~~كما يقول الله عز وجل لأفعلن كذا، وغلطه أبو العباس ثعلب وقال: لا يجوز ~~الخفض بحرف مضمر، وجملة (لأملأن جهنم) جواب القسم على قراءة الجمهور، وجملة ~~(والحق أقول) معترضة بين القسم وجوابه، ومعنى (منك) أي من جنسك من الشياطين ~~(وممن تبعك منهم) أي من ذرية آدم فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلال والغواية و ~~(أجمعين) تأكيد للمعطوف والمعطوف عليه: أي لأملأنها من الشياطين وأتباعهم ~~أجمعين. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يخبرهم بأنه إنما يريد بالدعوة إلى ~~الله امتثال أمره لا عرض الدنيا الزائل، فقال (قل ما أسألكم عليه من أجر) ~~والضمير في عليه راجع إلى تبليغ الوحي ولم يتقدم له ذكر، ولكنه مفهوم من ~~السياق. وقيل هو عائد إلى ما تقدم من قوله - أأنزل عنه عليه الذكر من بيننا ~~- وقيل الضمير راجع إلى القرآن، وقيل إلى الدعاء إلى الله على العموم، ~~فيشمل القرآن وغيره من الوحي ومن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ~~والمعنى ما أطلب منكم من جعل تعطونيه عليه (وما أنا من المتكلفين) حتى أقول ~~ما لا أعلم إذ أدعوكم إلى غير ما أمرني الله بالدعوة إليه، PageV04P446 # والتكلف: التصنع (إن هو إلا ذكر للعالمين) أي ما هذا القرآن، أو الوحي، ~~أو ما أدعوكم إليه إلا ذكر من الله عز وجل للجن والإنس. قال الأعمش: ما ~~القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين (ولتعلمن) أيها الكفار (نبأه) أي ما أنبأ ~~عنه، وأخبر به من الدعاء إلى الله وتوحيده، والترغيب إلى الجنة، والتحذير ~~من النار (بعد حين) قال قتادة والزجاج والفراء: بعد الموت. وقال عكرمة وابن ~~زيد: يوم القيامة. وقال الكلبي: من بقي علم ذلك لما أظهر أمره وعلا، ومن ~~مات علمه ms3390 بعد الموت. وقال السدي وذلك يوم بدر. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس (إذ يختصمون) أن الخصومة هي (إذ قال ~~ربك) الخ. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن ابن عمر قال: ~~خلق الله أربعا بيده: العرش، وجنة عدن، والقلم، وآدم. # وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، ~~وغرس الفردوس بيده " وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله (فالحق والحق أقول) قال: أنا الحق أقول الحق. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (قل ما أسألكم عليه من أجر) قال: ~~قل يا محمد (ما أسألكم عليه) ما أدعوكم إليه (من أجر) عرض دنيا. وفي ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال بينما رجل يحدث في المسجد، فقال فيما ~~يقول - يوم تأتي السماء بدخان مبين - قال: دخان يكون يوم القيامة يأخذ ~~بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، قال: قمنا حتى ~~دخلنا على عبد الله وهو في بيته وكان متكئا فاستوى قاعدا فقال: يا أيها ~~الناس من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم. فإن من ~~العلم أن يقول العالم لما لا يعلم الله أعلم، قال الله تعالى لرسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). ~~وأخرج البخاري عن عمر قال: نهينا عن التكلف. وأخرج الطبراني والحاكم ~~والبيهقي عن سلمان قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتكلف ~~للضيف. # تفسير سورة الزمر هي اثنتان وسبعون آية، وقيل خمس وسبعون وهي مكية في قول ~~الحسن وعكرمة وجابر بن زيد. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن ابن عباس قال: أنزلت سورة الزمر بمكة. وأخرج النحاس في ناسخه ~~عنه قال: نزلت ms3391 بمكة سورة الزمر سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي قاتل ~~حمزة (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) الثلاث الآيات. وقال آخرون: إلى ~~سبع آيات من قوله (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) إلى آخر السبع. ~~وأخرج النسائي عن عائشة قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم ~~حتى نقول ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ في ~~كل ليلة بني إسرائيل والزمر " وأخرجه الترمذي عنها بلفظ: " كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل ". ~~PageV04P447 # قوله (تنزيل الكتاب) ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف هو اسم إشارة: أي ~~هذا تنزيل. وقال أبو حيان: # إن المبتدأ المقدر لفظ هو ليعود على قوله - إن هو إلا ذكر للعالمين -، ~~كأنه قيل: وهذا الذكر ما هو؟ فقيل هو تنزيل الكتاب، وقيل ارتفاعه على أنه ~~مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده: أي تنزيل كائن من الله، وإلى هذا ذهب ~~الزجاج والفراء. قال الفراء: ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هذا تنزيل، وأجاز ~~الفراء والكسائي النصب على أنه مفعول به لفعل مقدر: أي اتبعوا أو اقرؤا ~~تنزيل الكتاب. وقال الفراء: يجوز نصبه على الإغراء: أي الزموا، والكتاب هو ~~القرآن، وقوله (من الله العزيز الحكيم) على الوجه الأول صلة للتنزيل، أو ~~خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو متعلق بمحذوف على أنه حال عمل فيه اسم ~~الإشارة المقدر (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) الباء سببية متعلقة ~~بالإنزال: أي أنزلناه بسبب الحق، ويجوز أن تتعلق بمحذوف هو حال من الفاعل: # أي متلبسين بالحق، أو من المفعول: أي متلبسا بالحق، والمراد كل ما فيه من ~~إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف. قال مقاتل: يقول لم ننزله ~~باطلا لغير شئ (فاعبد الله مخلصا له الدين) الفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها، وانتصاب مخلصا على الحال من فاعل أعبد، والإخلاص أن يقصد العبد ~~بعمله وجه الله سبحانه، والدين العبادة والطاعة، ورأسها توحيد الله وأنه لا ms3392 ~~شريك له. قرأ الجمهور " الدين " بالنصب على أنه مفعول مخلصا. وقرأ ابن أبي ~~عبلة برفعه على أن مخلصا مسند إلى الدين على طريقة المجاز. قيل وكان عليه ~~أن يقرأ مخلصا بفتح اللام. وفي الآية دليل على وجوب النية وإخلاصها عن ~~الشوائب، لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب، ~~وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية، كما في ~~حديث " إنما PageV04P448 # الأعمال بالنيات "، وحديث " لا قول ولا عمل إلا بنية "، وجملة (ألا لله ~~الدين الخالص) مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإخلاص: أي إن الدين ~~الخالص من شوائب الشرك وغيره هو لله، وما سواه من الأديان فليس بدين الله ~~الخالص الذي أمر به. قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله ~~(والذين اتخذوا من دونه أولياء) لما أمر سبحانه بعبادته على وجه الإخلاص ~~وأن الدين الخالص له لا لغيره بين بطلان الشرك الذي هو مخالف للإخلاص ~~والموصول عبارة عن المشركين، ومحله الرفع على الابتداء، وخبره قوله - إن ~~الله يحكم بينهم -، وجملة (وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) في محل ~~نصب على الحال بتقدير القول، والاستثناء مفرغ من أعم العلل، والمعنى: # والذين لم يخلصوا العبادة لله، بل شابوها بعبادة غيره قائلين ما نعبدهم ~~لشئ من الأشياء إلا ليقربونا إلى الله تقريبا والضمير في نعبدهم راجع إلى ~~الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام، وهم المرادون ~~بالأولياء والمراد بقولهم (إلا ليقربونا إلى الله زلفى) الشفاعة، كما حكاه ~~الواحدي عن المفسرين. قال قتادة: كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم ومن ~~خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله، فيقال لهم: ما معنى ~~عبادتكم للأصنام؟ # قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى ويشفعوا لنا عنده. قال الكلبي: جواب هذا ~~الكلام قوله في سورة الأحقاف - فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة -، والزلفى اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى ~~الله تقريبا. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ومجاهد " قالوا ما ms3393 نعبدهم " ~~ومعنى (إن الله يحكم بينهم) أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما ~~يستحقه، وقيل بين المخلصين للدين وبين الذين لم يخلصوا، وحذف الأول لدلالة ~~الحال عليه، ومعنى (فيما هم فيه يختلفون) في الذي اختلفوا فيه من الدين ~~بالتوحيد والشرك، فإن كل طائفة تدعي أن الحق معها (إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار) أي لا يرشد لدينه ولا يوفق للاهتداء إلى الحق من هو كاذب في ~~زعمه أن الآلهة تقربه إلى الله وكفر باتخاذها آلهة وجعلها شركاء لله، ~~والكفار صيغة مبالغة تدل على أن كفر هؤلاء قد بلغ إلى الغاية. وقرأ الحسن ~~والأعرج كذاب على صيغة المبالغة ككفار، ورويت هذه القراءة عن أنس (لو أراد ~~الله أن يتخذ ولدا لاصطفى) هذا مقرر لما سبق من إبطال قول المشركين بأن ~~الملائكة بنات الله لتضمنه استحالة الولد في حقه سبحانه على الإطلاق، فلو ~~أراد أن يتخذ ولدا لامتنع اتخاذ الولد حقيقة ولم يتأت ذلك إلا بأن يصطفى ~~(مما يخلق ما يشاء) أي يختار من جملة خلقه ما يشاء أن يصطفيه، إذ لا موجود ~~سواه إلا وهو مخلوق له، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق لعدم المجانسة ~~بينهما، فلم يبق إلا أن يصطفيه عبدا كما يفيد التعبير بالاصطفاء مكان ~~الاتخاذ. فمعنى الآية: لو أراد أن يتخذ ولدا لوقع منه شئ ليس هو من اتخاذ ~~الولد، بل إنما هو من الاصطفاء لبعض مخلوقاته، ولهذا نزه سبحانه نفسه عن ~~اتخاذ الولد على الإطلاق فقال (سبحانه) أي تنزيها له عن ذلك، وجملة (هو ~~الله الواحد القهار) مبينة لتنزهه بحسب الصفات بعد تنزهه بحسب الذات: أي هو ~~المستجمع لصفات الكمال المتوحد في ذاته فلا مماثل له القهار لكل مخلوقاته، ~~ومن كان متصفا بهذه الصفات استحال وجود الولد في حقه، لأن الولد مماثل ~~لوالده ولا مماثل له سبحانه، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا -. ثم لما ذكر سبحانه كونه منزها عن الولد ~~بكونه إلها واحدا قهارا ms3394 ذكر ما يدل على ذلك من صفاته فقال (خلق السماوات ~~والأرض بالحق) أي لم يخلقهما باطلا لغير شئ، ومن كان هذا الخلق العظيم خلقه ~~استحال أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد. ثم بين كيفية تصرفه في السماوات ~~والأرض فقال (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) التكوير في ~~اللغة طرح الشئ بعضه على بعض. يقال كور المتاع: # إذا ألقى بعضه على بعض، ومنه كور العمامة، فمعنى تكوير الليل على النهار ~~تغشيته إياه حتى يذهب ضوؤه، PageV04P449 # ومعنى تكوير النهار على الليل: تغشيته إياه حتى تذهب ظلمته، وهو معنى ~~قوله تعالى - يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا - هكذا قال قتادة وغيره. وقال ~~الضحاك: أي يلقى هذا على هذا، وهذا على هذا، وهو مقارب للقول الأول. وقيل ~~معنى الآية: أن ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في ~~الليل، وهو معنى قوله - يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل - وقيل ~~المعنى: إن هذا يكر على هذا وهذا يكر على هذا كرورا متتابعا. قال الراغب: ~~تكوير الشئ إدارته وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة. والإشارة بهذا التكوير ~~المذكور في الآية إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص الليل والنهار ~~وازديادهما. قال الرازي: إن النور والظلمة عسكران عظيمان، وفي كل يوم يغلب ~~هذا ذاك، وذاك هذا، ثم ذكر تسخيره لسلطان النهار وسلطان الليل، وهما الشمس ~~والقمر فقال: (وسخر الشمس والقمر) أي جعلهما منقادين لأمره بالطلوع والغروب ~~لمنافع العباد، ثم بين كيفية هذا التسخير فقال (كل يجري لأجل مسمى) أي يجري ~~في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا، وذلك يوم القيامة وقد تقدم الكلام على الأجل ~~المسمى لجريهما مستوفى في سورة " يس " (ألا هو العزيز الغفار) ألا حرف ~~تنبيه، والمعنى: تنبهوا أيها العباد، فالله هو الغالب الساتر لذنوب خلقه ~~بالمغفرة. ثم بين سبحانه نوعا آخر من قدرته وبديع صنعه، فقال (خلقكم من نفس ~~واحدة) وهي نفس آدم (ثم جعل منها زوجها) جاء بثم للدلالة على ترتب خلق حواء ~~على خلق ms3395 آدم، وتراخيه عنه لأنها خلقت منه، والعطف: إما على مقدر هو صفة ~~لنفس. قال الفراء والزجاج: # التقدير خلقكم من نفس خلقها واحدة ثم جعل منها زوجها. ويجوز أن يكون ~~العطف على معنى واحدة: أي من نفس انفردت ثم جعل الخ، والتعبير بالجعل دون ~~الخلق مع العطف بثم للدلالة على أن خلق حواء من ضلع آدم أدخل في كونه آية ~~باهرة دالة على كمال القدرة، لأن خلق آدم هو على عادة الله المستمرة في ~~خلقه، وخلقها على الصفة المذكورة لم تجر به عادة لكونه لم يخلق سبحانه أنثى ~~من ضلع رجل غيرها، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الأعراف. ثم ~~بين سبحانه نوعا آخر من قدرته الباهرة فقال (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج) وهو معطوف على خلقكم، وعبر بالإنزال لما يروى أنه خلقها في الجنة ثم ~~أنزلها، فيكون الإنزال حقيقة، ويحتمل أن يكون مجازا، لأنها لم تعش إلا ~~بالنبات، والنبات إنما يعيش بالماء الماء منزل من السماء، كانت الأنعام ~~كأنها منزلة، لأن سبب سببها منزل كما أطلق على السبب في قوله: # إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا وقيل إن أنزل بمعنى ~~أنشأ وجعل، أو بمعنى أعطى، وقيل جعل الخلق إنزالا، لأن الخلق إنما يكون ~~بأمر ينزل من السماء، والثمانية الأزواج هي ما في قوله - من الضأن اثنين ~~ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين - ويعني بالاثنين في ~~الأربعة المواضع الذكر والأنثى، وقد تقدم تفسير الآية في سورة الأنعام. ثم ~~بين سبحانه نوعا آخر من قدرته البديعة فقال (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا ~~من بعد خلق) والجملة استئنافية لبيان ما تضمنته من الأطوار المختلفة في ~~خلقهم، وخلقا مصدر مؤكد للفعل المذكور، و (من بعد خلق) صفة له: # أي خلقا كائنا من بعد خلق. قال قتادة والسدي: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ~~عظما ثم لحما. وقال ابن زيد: خلقكم خلقا في بطون أمهاتكم من بعد خلقكم في ~~ظهر آدم، وقوله (في ظلمات ثلاث) متعلق ms3396 بقوله " يخلقكم " وهذه الظلمات ~~الثلاث هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة قاله مجاهد وعكرمة ~~وقتادة والضحاك. وقال سعيد بن جبير: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة ~~الليل. وقال أبو عبيدة: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم، ~~والإشارة بقوله (ذلكم الله) إليه سبحانه باعتبار أفعاله السابقة، والاسم ~~الشريف PageV04P450 # خبره (ربكم) خبر آخر (له الملك) الحقيقي في الدنيا والآخرة لا شركة لغيره ~~فيه، وهو خبر ثالث، وقوله (لا إله إلا هو) خبر رابع (فأنى تصرفون) أي فكيف ~~تنصرفون عن عبادته وتنقلبون عنها إلى عبادة غيره. قرأ حمزة " أمهاتكم " ~~بكسر الهمزة والميم. وقرأ الكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم. وقرأ الباقون ~~بضم الهمزة وفتح الميم. # وقد أخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي أن رجلا قال: " يا رسول الله إنا ~~نعطي أموالنا التماس الذكر فهل لنا في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: لا، قال: يا رسول الله إنما نعطي التماس الأجر والذكر فهل ~~لنا أجر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لا يقبل إلا ما ~~أخلص له، ثم تلا هذه الآية (ألا لله الدين الخالص) ". وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (يكور الليل) قال: يحمل الليل. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (خلقا من ~~بعد خلق) قال: علقة ثم مضغة ثم عظاما (في ظلمات ثلاث) البطن والرحم ~~والمشيمة. # لما ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها على عباده وبين لهم من بديع صنعه ~~وعجيب فعله ما يوجب على كل عاقل أن يؤمن به عقبه بقوله (إن تكفروا فإن الله ~~غني عنكم) أي غير محتاج إليكم ولا إلى إيمانكم ولا إلى عبادتكم له فإنه ~~الغني المطلق، (و) مع كون كفر الكافر لا يضره كما أنه لا ينفعه إيمان ~~المؤمن، فهو أيضا (لا يرضى لعباده الكفر) أي لا يرضى لأحد من عباده الكفر ~~ولا يحبه ولا يأمر به، ومثل هذه الآية ms3397 قوله - إن تكفروا أنتم ومن في الأرض ~~جميعا فإن الله لغني حميد - ومثلها ما ثبت في صحيح مسلم من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب ~~أفجر رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ". # وقد اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي على عمومها، وإن الكفر غير مرضي ~~لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، أو هي خاصة؟ والمعنى: لا يرضى لعباده ~~المؤمنين الكفر، وقد ذهب إلى التخصيص حبر الأمة PageV04P451 # ابن عباس رضي الله عنه كما سيأتي بيانه آخر البحث، وتابعه على ذلك عكرمة ~~والسدي وغيرهما. ثم اختلفوا في الآية اختلافا آخر. فقال قوم: إنه يريد كفر ~~الكافر ولا يرضاه، وقال آخرون: إنه لا يريده ولا يرضاه، والكلام في تحقيق ~~مثل هذا يطول جدا. وقد استدل القائلون بتخصيص هذه الآية، والمثبتون للإرادة ~~مع عدم الرضا بما ثبت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز أنه سبحانه - يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء وما تشاءون إلا أن يشاء الله - ونحو هذا مما يؤدي معناه ~~كثير في الكتاب العزيز. ثم لما ذكر سبحانه أن لا يرضى لعباده الكفر بين أنه ~~يرضى لهم الشكر فقال (وإن تشكروا يرضه لكم) أي يرض لكم الشكر المدلول عليه ~~بقوله وإن تشكروا ويثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب ~~سعادتهم في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه - لئن شكرتم لأزيدنكم - قرأ أبو ~~جعفر وأبو عمرو وشيبة وهبيرة عن عاصم بإسكان الهاء من يرضه، وأشبع الضمة ~~على الهاء ابن ذكوان وابن كثير والكسائي وابن محيصن وورش عن نافع، واختلس ~~الباقون (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل نفس ~~أخرى، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى (ثم إلى ربكم مرجعكم) يوم القيامة ~~(فينبئكم بما كنتم تعملون) من خير وشر، وفيه تهديد شديد (إنه عليم بذات ~~الصدور) أي بما تضمره القلوب وتستره، فكيف بما تظهره وتبديه (وإذا مس ~~الإنسان ضر) أي ضر كان ms3398 من مرض أو فقر أو خوف (دعا ربه منيبا إليه) أي راجعا ~~إليه مستغيثا به في دفع ما نزل به تاركا لما كان يدعوه ويستغيث به من ميت ~~أو حي أو صنم أو غير ذلك (ثم إذا خوله نعمة منه) أي أعطاء وملكه، يقال خوله ~~الشئ أي ملكه إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد: # هنالك إن يستخولوا المال يخولوا * وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا ~~ومنه قول أبي النجم: # أعطى ولم يبخل ولم يبخل * كوم الذرى من خول المخول (نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل) أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما ~~خوله وقيل نسي الدعاء الذي كان يتضرع به وتركه أو نسي ربه الذي كان يدعوه ~~ويتضرع إليه، ثم جاوز ذلك إلى الشرك بالله، وهو معنى قوله (وجعل لله ~~أندادا) أي شركاء من الأصنام أو غيرها يستغيث بها ويعبدها (ليضل عن سبيله) ~~أي ليضل الناس عن طريق الله التي هي الإسلام والتوحيد. وقال السدي: يعني ~~أندادا من الرجال يعتمد عليهم في جميع أموره. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يهدد من كان متصفا بتلك الصفة فقال (قل تمتع بكفرك ~~قليلا) أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا، فمتاع الدنيا قليل، ثم علل ذلك ~~بقوله (إنك من أصحاب النار) أي مصيرك إليها عن قريب، وفيه من التهديد أمر ~~عظيم. قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد قرأ الجمهور " ~~ليضل " بضم الياء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتحها. ثم لما ذكر سبحانه صفات ~~المشركين وتمسكهم بغير الله عند اندفاع المكروهات عنهم ذكر صفات المؤمنين ~~فقال (أمن هو قانت آناء الليل) وهذا إلى آخره من تمام الكلام المأمور به ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والمعنى ذلك الكافر أحسن حالا ومآلا، ~~أمن هو قائم بطاعات الله في السراء والضراء في ساعات الليل، مستمر على ذلك، ~~غير مقتصر على دعاء الله سبحانه عند نزول الضرر به. قرأ ms3399 الحسن وأبو عمرو ~~وابن عامر وعاصم والكسائي " أمن " بالتشديد، وقرأ نافع وابن كثير وحمزة ~~ويحيى بن وثاب والأعمش بالتخفيف، فعلى القراءة الأولى أم داخلة على من ~~الموصولة وأدغمت الميم في الميم وأم هي المتصلة ومعادلها محذوف تقديره: ~~الكافر خير أم الذي هو قانت. وقيل هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة ~~PageV04P452 # أي بل أمن هو قانت كالكافر، وأما على القراءة الثانية فقيل الهمزة ~~للاستفهام دخلت على من، والاستفهام للتقرير ومقابله محذوف: أي أمن هو قانت ~~كمن كفر. وقال الفراء: إن الهمزة في هذه القراءة للنداء ومن منادى، وهي ~~عبارة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المأمور بقوله " قل تمتع " ~~والتقدير: يا من هو قانت، قل كيت وكيت، وقيل التقدير: يا من هو قانت إنك من ~~أصحاب الجنة. ومن القائلين بأن الهمزة للنداء الفراء، وضعف ذلك أبو حيان، ~~وقال: هو أجنبي عما قبله وعما بعده، وقد سبقه إلى هذا التضعيف أبو علي ~~الفارسي، واعترض على هذه القراءة من أصلها أبو حاتم والأخفش ولا وجه لذلك ~~فإنا إذا ثبتت الرواية بطلت الدراية. # وقد اختلف في تفسير القانت هنا فقيل المطيع، وقيل الخاشع في صلاته، وقيل ~~القائم في صلاته، وقيل الداعي لربه. قال النحاس: أصل القنوت الطاعة، فكل ما ~~قيل فيه فهو داخل في الطاعة، والمراد بآناء الليل ساعاته، وقيل جوفه، وقيل ~~ما بين المغرب والعشاء، وانتصاب (ساجدا وقائما) على الحال أي جامعا بين ~~السجود والقيام، وقدم السجود على القيام لكونه أدخل في العبادة، ومحل (يحذر ~~الآخرة) بالنصب على الحال أيضا: # أي يحذر عذاب الآخرة قاله سعيد بن جبير ومقاتل (ويرجو رحمة ربه) فيجمع ~~بين الرجاء والخوف، وما اجتمعا في قلب رجل إلا فاز. قيل وفي الكلام حذف، ~~والتقدير: كمن لا يفعل شيئا من ذلك كما يدل عليه السياق. ثم أمر الله ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم قولا آخر يتبين به الحق ~~من الباطل فقال (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أي الذين ~~يعلمون أن ما وعد ms3400 الله به من البعث والثواب والعقاب حق والذين لا يعلمون ~~ذلك، أو الذين يعلمون ما أنزل الله على رسله والذين لا يعلمون ذلك، أو ~~المراد العلماء والجهال ومعلوم عند كل من له عقل أنه لا استواء بين العلم ~~والجهل، ولا بين العالم والجاهل. قال الزجاج: أي كما لا يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي. وقيل المراد بالذين ~~يعلمون: هم العاملون بعلمهم فإنهم المنتفعون به، لأن من لم يعمل بمنزلة من ~~لم يعلم (إنما يتذكر أولوا الألباب) أي إنما يتعظ ويتدبر ويتفكر أصحاب ~~العقول، وهم المؤمنون لا الكفار، فإنهم وإن زعموا أن لهم عقولا فهي كالعدم ~~وهذه الجملة ليست من جملة الكلام المأمور به بل من جهة الله سبحانه (قل يا ~~عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم) لما نفى سبحانه المساواة بين من يعلم ومن لا ~~يعلم، وبين أنه (إنما يتذكر أولوا الألباب) أمر رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على تقواه والإيمان به. والمعنى: ~~يا أيها الذين صدقوا بتوحيد الله اتقوا ربكم بطاعته، واجتناب معاصيه، ~~وإخلاص الإيمان له، ونفي الشركاء عنه، والمراد قل لهم قولي هذا بعينه. ثم ~~لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالتقوى بين لهم ما في هذه التقوى من الفوائد ~~فقال (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) أي للذين عملوا الأعمال الحسنة في ~~هذه الدنيا على وجه الإخلاص حسنة عظيمة وهي الجنة، وقوله (في هذه الدنيا) ~~متعلق بأحسنوا، وقيل هو متعلق بحسنة على أنه بيان لمكانها، فيكون المعنى: ~~للذين أحسنوا في العمل حسنة في الدنيا بالصحة والعافية والظفر والغنيمة، ~~والأول أولى. ثم لما كان بعض العباد قد يتعسر عليه فعل الطاعات والإحسان في ~~وطنه أرشد الله سبحانه من كان كذلك إلى الهجرة فقال (وأرض الله واسعة) أي ~~فليهاجر إلى حيث يمكنه طاعة الله. والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه، ~~ومثل ذلك قوله سبحانه - ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها - وقد مضى ~~الكلام في الهجرة مستوفى ms3401 في سورة النساء، وقيل المراد بالأرض هنا: أرض ~~الجنة، رغبهم في سعتها وسعة نعيمها كما في قوله - جنة عرضها السماوات ~~والأرض - والأول أولى. ثم لما بين سبحانه ما للمحسنين إذا أحسنوا، وكان ~~PageV04P453 # لا بد في ذلك من الصبر على فعل الطاعة وعلى كف النفس عن الشهوات، أشار ~~إلى فضيلة الصبر وعظيم مقداره فقال (إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب) ~~أي يوفيهم الله أجرهم في مقابلة صبرهم بغير حساب: أي بما لا يقدر على حصره ~~حاصر، ولا يستطيع حسبانه حاسب. قال عطاء: بما لا يهتدى إليه عقل ولا وصف. ~~وقال مقاتل: # أجرهم الجنة، وأرزاقهم فيها بغير حساب. والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب ~~الصابرين وأجرهم لا نهاية له، لأن كل شئ يدخل تحت الحساب فهو متناه، وما ~~كان لا يدخل تحت الحساب فهو غير متناه، وهذه فضيلة عظيمة ومثوبة جليلة ~~تقتضي أن على كل راغب في ثواب الله، وطامع فيما عنده من الخير أن يتوفر على ~~الصبر ويزم نفسه بزمامه ويقيدها بقيده، فإن الجزع لا يرد قضاء قد نزل، ولا ~~يجلب خيرا قد سلب، ولا يدفع مكروها قد وقع، وإذا تصور العاقل هذا حق تصوره ~~وتعقله حق تعقله علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم، ~~وظفر بهذا الجزاء الخطير، وغير الصابر قد نزل به القضاء شاء أم أبى، ومع ~~ذلك فاته من الأجر ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، فضم إلى مصيبته مصيبة ~~أخرى ولم يظفر بغير الجزع، وما أحسن قول من قال: # أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب * فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب هناك يحق ~~الصبر والصبر واجب * وما كان منه للضرورة أوجب ثم أمر الله سبحانه رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بما أمر به من التوحيد والإخلاص فقال ~~(قل إنما أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) أي أعبده عبادة خالصة من الشرك ~~والرياء وغير ذلك. قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ms3402 ما يحملك على الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات ~~قومك يعبدون اللات والعزى فتأخذ بها؟ فأنزل الله الآية، وقد تقدم بيان معنى ~~الآية في أول هذه السورة (وأمرت لأن أكون أول المسلمين) أي من هذه الأمة، ~~وكذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أول من خالف دين آبائه ودعا إلى ~~التوحيد، واللام للتعليل: أي وأمرت بما أمرت به لأجل أن أكون، وقيل إنها ~~مزيدة للتأكيد، والأول أولى. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس في قوله (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) يعني الكفار ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولون لا إله إلا الله ثم قال (ولا ~~يرضى لعباده الكفر) وهم عباده المخلصون الذين قال - إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان - فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم. وأخرج عبد بن حميد ~~عن عكرمة (ولا يرضى لعباده الكفر) قال: لا يرضى لعباده المسلمين الكفر. ~~وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: والله ما رضى الله لعبد ضلالة ولا أمره ~~بها ولا دعا إليها، ولكن رضى لكم طاعته وأمركم بها ونهاكم عن معصيته. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ~~ابن عمر أنه تلا هذه الآية (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة) قال: ذاك عثمان بن عفان وفي لفظ: نزلت في عثمان بن عفان. وأخرج ابن ~~سعد في طبقاته وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله (أمن هو قانت) ~~الآية قال: نزلت في عمار بن ياسر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله (يحذر الآخرة) يقول: يحذر عذاب الآخرة. وأخرج الترمذي والنسائي وابن ~~ماجة عن أنس قال " دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل وهو في ~~الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا يجتمعان ms3403 في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه ~~الله الذي يرجو وأمنه الذي PageV04P454 # يخاف " أخرجوه من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس. ~~قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم مرسلا. # قوله (قل إني أخاف إن عصيت ربي) أي بترك إخلاص العبادة له وتوحيده ~~والدعاء إلى ترك الشرك وتضليل أهله (عذاب يوم عظيم) وهو يوم القيامة. قال ~~أكثر المفسرين: المعنى إني أخاف إن عصيت ربي بإجابة المشركين إلى ما دعوني ~~إليه من عبادة غير الله. قال أبو حمزة اليماني وابن المسيب: هذه الآية ~~منسوخة بقوله - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - وفي هذه الآية ~~دليل على أن الأمر للوجوب، لأن قبله - إنما أمرت أن أعبد الله - فالمراد ~~عصيان هذا الأمر (قل الله أعبد) التقديم مشعر بالاختصاص: أي لا أعبد غيره ~~لا استقلالا ولا على جهة الشركة، ومعنى (مخلصا له ديني) أنه خالص لله غير ~~مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما، وقد تقدم تحقيقه في أول السورة. قال ~~الرازي: فإن قيل ما معنى التكرير في قوله - قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا ~~له الدين - وقوله (قل الله أعبد مخلصا له ديني) قلنا: ليس هذا بتكرير، لأن ~~الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإيمان والعبادة، والثاني إخبار بأنه ~~أمر أن لا يعبد أحدا غير الله (فاعبدوا ما شئتم) أن تعبدوه (من دونه) هذا ~~الأمر للتهديد والتقريع والتوبيخ كقوله - اعملوا ما شئتم - وقيل إن الأمر ~~على حقيقته، وهو منسوخ بآية السيف، والأول أولى (قل إن الخاسرين الذين ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) أي إن الكاملين في الخسران هم هؤلاء، ~~لأن من دخل النار فقد خسر نفسه وأهله. قال الزجاج: وهذا يعني به الكفار ~~فإنهم خسروا أنفسهم بالتخليد في النار، وخسروا أهليهم، لأنهم لم يدخلوا ~~مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، وجملة (ألا ذلك هو الخسران المبين) ~~مستأنفة لتأكيد ما قبلها، وتصديرها بحرف التنبيه ms3404 للإشعار بأن هذا الخسران ~~الذي حل بهم قد بلغ من العظم إلى غاية ليس فوقها غاية، وكذلك تعريف الخسران ~~ووصفه بكونه مبينا، فإنه يدل على أنه الفرد الكامل من أفراد الخسران وأنه ~~لا خسران يساويه ولا عقوبة تدانيه. ثم بين سبحانه هذا الخسران الذي حل بهم ~~والبلاء النازل عليهم بقوله (لهم من فوقهم ظلل من النار) الظلل عبارة عن ~~أطباق النار: أي لهم من فوقهم أطباق من النار تلتهب عليهم (ومن PageV04P455 # تحتهم ظلل) أي أطباق من النار، وسمى ما تحتهم ظللا لأنها تظل من تحتها من ~~أهل النار، لأن طبقات النار صارت في كل طبقة منها طائفة من طوائف الكفار، ~~ومثل هذه الآية قوله - لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش - وقوله - يوم ~~يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم - والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ~~ذكره من وصف عذابهم في النار، وهو مبتدأ وخبره قوله (يخوف الله به عباده) ~~أي يحذرهم بما توعد به الكفار من العذاب ليخافوه فيتقوه، وهو معنى (يا عباد ~~فاتقون) أي اتقوا هذه المعاصي الموجبة لمثل هذا العذاب على الكفار، ووجه ~~تخصيص العباد بالمؤمنين أن الغالب في القرآن إطلاق لفظ العباد عليهم، وقيل ~~هو للكفار وأهل المعاصي، وقيل هو عام للمسلمين والكفار (والذين اجتنبوا ~~الطاغوت أن يعبدوها) الموصول مبتدأ وخبره قوله (لهم البشرى) والطاغوت بناء ~~مبالغة في المصدر كالرحموت والعظموت، وهو الأوثان والشيطان. وقال مجاهد ~~وابن زيد: هو الشيطان. # وقال الضحاك والسدي: هو الأوثان. وقيل إنه الكاهن، وقيل هو اسم أعجمي مثل ~~طالوت وجالوت، وقيل إنه اسم عربي مشتق من الطغيان. قال الأخفش: الطاغوت ~~جمع، ويجوز أن يكون واحدة مؤنثا، ومعنى اجتنبوا الطاغوت: أعرضوا عن عبادته ~~وخصوا عبادتهم بالله عز وجل، وقوله: " أن يعبدوها " في محل نصب على البدل ~~من الطاغوت بدل اشتمال، كأنه قال: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وقد تقدم الكلام ~~على تفسير الطاغوت مستوفى في سورة البقرة، وقوله (وأنابوا إلى الله) معطوف ~~على اجتنبوا، والمعنى: رجعوا إليه وأقبلوا على عبادته معرضين عما سواه (لهم ms3405 ~~البشرى) بالثواب الجزيل وهو الجنة، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل، أو ~~عند حضور الموت أو عند البعث (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه) المراد بالعباد هنا العموم، فيدخل الموصوفون بالاجتناب والإنابة ~~إليه دخولا أوليا، والمعنى: يستمعون القول الحق من كتاب الله وسنة رسوله ~~فيتبعون أحسنه أي محكمه، ويعملون به. قال السدي: يتبعون أحسن ما يؤمرون به ~~فيعملون بما فيه، وقيل هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن وينكف عن ~~القبيح فلا يتحدث به، وقيل يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، وقيل ~~يستمعون الرخص والعزائم فيتبعون العزائم ويتركون الرخص، وقيل يأخذون بالعفو ~~ويتركون العقوبة. ثم أثنى سبحانه على هؤلاء المذكورين فقال (أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) أي هم الذين أوصلهم الله إلى الحق وهم ~~أصحاب العقول الصحيحة، لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم ولم ينتفع من عداهم ~~بعقولهم. ثم ذكر سبحانه من سبقت له الشقاوة وحرم السعادة فقال (أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب) من هذه يحتمل أن تكون موصولة في محل رفع بالابتداء ~~وخبرها محذوف: أي كمن يخاف، أو فأنت تخلصه أو تتأسف عليه، ويحتمل أن تكون ~~شرطية، وجوابه (أفأنت تنقذ من في النار) فالفاء فاء الجواب دخلت على جملة ~~الجزاء وأعيدت الهمزة الإنكارية لتأكيد معنى الإنكار. وقال سيبويه إنه كرر ~~الاستفهام لطول الكلام. وقال الفراء: المعنى أفأنت تنقذ من حقت عليه كلمة ~~العذاب، والمراد بكلمة العذاب هنا هي قوله تعالى لإبليس - لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين - وقوله - لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين - ~~ومعنى الآية التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه كان حريصا ~~على إيمان قومه، فأعلمه الله أن من سبق عليه القضاء وحقت عليه كلمة الله لا ~~يقدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينقذه من النار بأن يجعله ~~مؤمنا. قال عطاء: يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن الإيمان، وفي الآية تنزيل لمن يستحق العذاب بمن قد صار ~~فيه، وتنزيل ms3406 دعائه إلى الإيمان منزلة الإخراج له من عذاب النار. ولما ذكر ~~سبحانه فيما سبق أن لأهل الشقاوة ظللا من فوقهم النار ومن تحتهم ظلل استدرك ~~عنهم من كان من أهل السعادة فقال (لكن الذين اتقوا ربهم لهم PageV04P456 # غرف من فوقها غرف مبنية) وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض، ومعنى " ~~مبنية " أنها مبنية بناء المنازل في إحكام أساسها وقوة بنائها وإن كانت ~~منازل الدنيا ليست بشئ بالنسبة إليها (تجري من تحتها الأنهار) أي من تحت ~~تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها وزيادة لرونقها، وانتصاب (وعد الله) على ~~المصدرية المؤكدة لمضمون الجملة، لأن قوله (لهم غرف) في معنى وعدهم الله ~~بذلك، وجملة (لا يخلف الله الميعاد) مقررة للوعد: # أي لا يخلف الله ما وعد به الفريقين من الخير والشر. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم) الآية. قال: هم الكفار الذين خلقهم الله للنار زالت عنهم الدنيا ~~وحرمت عليهم الجنة. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (خسروا أنفسهم وأهليهم) ~~قال: أهليهم من أهل الجنة كانوا أعدوا لهم لو عملوا بطاعة الله فغيبوهم. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: كان سعيد بن زيد وأبو ذر وسلمان يتبعون ~~في الجاهلية أحسن القول والكلام لا إله إلا الله قالوا بها، فأنزل الله على ~~نبيه (يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الآية. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد ~~قال: # لما نزل " فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " أرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مناديا فنادى: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل ~~الجنة، فاستقبل عمر الرسول فرده فقال: يا رسول الله خشيت أن يتكل الناس فلا ~~يعملون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو يعلم الناس قدر رحمة ~~ربي لاتكلوا، ولو يعلمون قدر سخط ربي وعقابه لاستصغروا أعمالهم " وهذا ~~الحديث أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة. # لما ذكر سبحانه الآخرة ووصفها بوصف يوجب الرغبة فيها والشوق إليها أتبعه ~~بذكر الدنيا ووصفها بوصف ms3407 يوجب الرغبة عنها والنفرة منها، فذكر تمثيلا لها ~~في سرعة زوالها وقرب اضمحلالها مع ما في ذلك من ذكر نوع من أنواع قدرته ~~الباهرة وصنعه البديع فقال (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) أي من ~~السحاب مطرا (فسلكه PageV04P457 # ينابيع في الأرض) أي فأدخله وأسكنه فيها، والينابيع جمع ينبوع من نبع ~~الماء ينبع، والينبوع عين الماء والأمكنة التي ينبع منها الماء، والمعنى ~~أدخل الماء النازل من السماء في الأرض وجعله فيها عيونا جارية، أو جعله في ~~ينابيع: # أي في أمكنة ينبع منها الماء، فهو على الوجه الثاني منصوب بنزع الخافض. ~~قال مقاتل: فجعله عيونا وركايا في الأرض (ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه) ~~أي يخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا ألوانه من أصفر وأخضر وأبيض ~~وأحمر، أو من بر وشعير وغيرهما إذا كان المراد بالألوان الأصناف (ثم يهيج) ~~يقال هاج النبت يهيج هيجا إذا تم جفافه. قال الجوهري: يقال هاج النبت ~~هياجا: إذا يبس، وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر، وأهاجت الريح النبت أيبسته. ~~قال المبرد: قال الأصمعي: يقال هاجت الأرض تهيج: إذا أدبر نبتها وولى. قال: ~~وكذلك هاج النبت (فتراه مصفرا) أي تراه بعد خضرته ونضارته وحسن رونقه مصفرا ~~قد ذهبت خضرته ونضارته (ثم يجعله حطاما) أي متفتتا منكسرا، من تحطم العود ~~إذا تفتت من اليبس (إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب) أي فيما تقدم ذكره ~~تذكير الأهل العقول الصحيحة، فإنهم الذين يتعقلون الأشياء على حقيقتها ~~فيتفكرون ويعتبرون ويعلمون بأن الحياة الدنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة ~~التصرم وقرب التقضي، وذهاب بهجتها وزوال رونقها ونضارتها، فإذا أنتج لهم ~~التفكر والاعتبار العلم بذلك لم يحصل منهم الاغترار بها والميل إليها ~~وإيثارها على دار النعيم الدائم والحياة المستمرة واللذة الخالصة، ولم يبق ~~معهم شك في أن الله قادر على البعث والحشر، لأن من قدر على هذا قدر على ~~ذلك. وقيل هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض. والمعنى: أنزل من ~~السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين، ms3408 ثم يخرج به دينا بعضه أفضل من بعض، ~~فأما المؤمن فيزداد أيمانا ويقينا، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما ~~يهيج الزرع، وهذا بالتغيير أشبه منه بالتفسير. قرأ الجمهور " ثم يجعله " ~~بالرفع عطفا على ما قبله، وقرأ أبو بشر بالنصب بإضمار أن، ولا وجه لذلك. ثم ~~لما ذكر سبحانه أن في ذلك لذكرى لأولي الألباب، ذكر شرح الصدر للإسلام، لأن ~~الانتفاع الكامل لا يحصل إلا به فقال (أفمن شرح الله صدره للإسلام) أي وسعه ~~لقبول الحق وفتحه للاهتداء إلى سبيل الخير. قال السدي: وسع صدره للإسلام ~~للفرح به والطمأنينة إليه، والكلام في الهمزة والفاء كما تقدم في - أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب - ومن مبتدأ وخبرها محذوف تقديره كمن قسا قلبه وحرج صدره، ~~ودل على هذا الخبر المحذوف قوله (فويل للقاسية قلوبهم) والمعنى: أفمن وسع ~~الله صدره للإسلام فقبله واهتدى بهديه (فهو) بسبب ذلك الشرح (على نور من ~~ربه) يفيض عليه كمن قسا قلبه لسوء اختياره، فصار في ظلمات الضلالة وبليات ~~الجهالة. قال قتادة: النور كتاب الله به يؤخذ وإليه ينتهي. قال الزجاج: ~~تقدير الآية: أفمن شرح الله صدره كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته (فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله) قال الفراء والزجاج: أي عن ذكر الله كما تقول ~~أتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته، والمعنى: أنه غلظ قلبه وجفا عن قبول ~~ذكر الله، يقال قسا القلب إذا صلب، وقلب قاس: أي صلب لا يرق ولا يلين، وقيل ~~معنى من ذكر الله من أجل ذكره الذي حقه أن تنشرح له الصدور وتطمئن به ~~القلوب. والمعنى: أنه إذا ذكر الله اشمأزوا، والأول أولى، ويؤيده قراءة من ~~قرأ عن ذكر الله، والإشارة بقوله (أولئك) إلى القاسية قلوبهم، وهو مبتدأ ~~وخبره (في ضلال مبين) أي ظاهر واضح. ثم ذكر سبحانه بعض أوصاف كتابه العزيز ~~فقال (الله أنزل أحسن الحديث) يعني القرآن، وسماه حديثا لأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يحدث به قومه ويخبرهم بما ينزل عليه منه. PageV04P458 # وفيه ms3409 بيان أن أحسن القول المذكور سابقا هو القرآن، وانتصاب (كتابا) على ~~البدل من أحسن الحديث، ويحتمل أن يكون حالا منه (متشابها) صفة لكتابا: أي ~~يشبه بعضه بعضا في الحسن والإحكام وصحة المعاني وقوة المباني، وبلوغه إلى ~~أعلى درجات البلاغة. وقال قتادة: يشبه بعضه بعضا في الآي والحروف، وقيل ~~يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه، و (مثاني) صفة أخرى لكتابا: أي تثنى ~~فيه القصص وتتكرر فيه المواعظ والأحكام. وقيل يثنى في التلاوة فلا يمل ~~سامعه ولا يسأم قارئه. قرأ الجمهور " مثاني " بفتح الياء، وقرأ هشام عن ابن ~~عامر وبشر بسكونها تخفيفا واستثقالا لتحريكها، أو على أنها خبر مبتدأ ~~محذوف: أي هو مثاني، وقال الرازي في تبيين مثاني أن أكثر الأشياء المذكورة ~~في القرآن متكررة زوجين زوجين مثل الأمر والنهي والعام والخاص والمجمل ~~والمفصل وأحوال السماوات والأرض والجنة والنار والنور والظلمة واللوح ~~والقلم والملائكة والشياطين والعرش والكرسي والوعد والوعيد والرجاء والخوف، ~~والمقصود من ذلك البيان بأن كل ما سوى الحق زوج، وأن الفرد الأحد الحق هو ~~الله ولا يخفى ما في كلامه هذا من التكلف والبعد عن مقصود التنزيل (تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم) هذه الجملة يجوز أن تكون صفة لكتابا، وأن تكون ~~حالا منه، لأنه وإن كان نكرة فقد تخصص بالصفة، أو مستأنفة لبيان ما يحصل ~~عند سماعه من التأثر لسامعيه، والاقشعرار التقبض، يقال اقشعر جلده: إذا ~~تقبض وتجمع من الخوف، والمعنى: أنها تأخذهم منه قشعريرة. قال الزجاج: إذا ~~ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله (ثم تلين جلودهم وقلوبهم) إذا ~~ذكرت آيات الرحمة. قال الواحدي: وهذا قول جميع المفسرين، ومن ذلك قول امرئ ~~القيس: # فبت أكابد ليل التمام * والقلب من خشية مقشعر وقيل المعنى: أن القرآن لما ~~كان في غاية الجزالة والبلاغة، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته اقشعرت ~~الجلود منه إعظاما له وتعجبا من حسنه وبلاغته ثم تلين جلودهم وقلوبهم (إلى ~~ذكر الله) عدى تلين بإلى لتضمينه فعلا يتعدى بها، كأنه قيل: سكنت واطمأنت ~~إلى ذكر الله لينة ms3410 غير منقبضة، ومفعول ذكر الله محذوف، والتقدير: إلى ذكر ~~الله رحمته وثوابه وجنته، وحذف للعلم به. قال قتادة: هذا نعت أولياء الله ~~نعتهم بأنها تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب ~~عقولهم والغشيان عليهم إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان، والإشارة ~~بقوله (ذلك) إلى الكتاب الموصوف، بتلك الصفات، وهو مبتدأ، و (هدى الله) ~~خبره: أي ذلك الكتاب هدى الله (يهدي به من يشاء) أن يهديه من عباده، وقيل ~~إن الإشارة بقوله " ذلك " إلى ما وهبه الله لهؤلاء من خشية عذابه ورجاء ~~ثوابه (ومن يضلل الله) أي يجعل قلبه قاسيا مظلما غير قابل للحق (فما له من ~~هاد) يهديه إلى الحق ويخلصه من الضلال. قرأ الجمهور " من هاد " بغير ياء. ~~وقرأ ابن كثير وابن محيصن بالياء. ثم لما حكم على القاسية قلوبهم بحكم في ~~الدنيا وهو الضلال، حكم عليهم في الآخرة بحكم آخر وهو العذاب فقال (أفمن ~~يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) والاستفهام للإنكار، وقد تقدم الكلام ~~فيه وفي هذه الفاء الداخلة على من في قوله - أفمن حقت عليه كلمة العذاب - ~~ومن مبتدأ وخبرها محذوف لدلالة المقام عليه، والمعنى: # أفمن شأنه أن يقي نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه سوء العذاب يوم القيامة ~~لكون يده قد صارت مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه شئ من ذلك ولا ~~يحتاج إلى الاتقاء. قال الزجاج: المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن ~~يدخل الجنة. قال عطاء وابن زيد: يرمى به مكتوفا في النار، فأول شئ تمس منه ~~وجهه. وقال مجاهد: # يجر على وجهه في النار. قال الأخفش: المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ~~أفضل أم من سعد؟ مثل قوله - أفمن PageV04P459 # يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة - ثم أخبر سبحانه عما ~~تقوله الخزنة للكفار فقال (وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون) وهو معطوف ~~على يتقي: أي ويقال لهم، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقيق. قال عطاء: # أي جزاء ما كنتم تعملون، ومثل هذه ms3411 الآية قوله - هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون - وقد تقدم الكلام على معنى الذوق في غير موضع. ثم ~~أخبر سبحانه عن حال من قبلهم من الكفار، فقال (كذب الذين من قبلهم) أي من ~~قبل الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. والمعنى: أنهم كذبوا ~~رسلهم (فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) أي من جهة لا يحتسبون إتيان العذاب ~~منها، وذلك عند أمنهم وغفلتهم عن عقوبة الله لهم بتكذيبهم (فأذاقهم الله ~~الخزي) أي الذل والهوان (في الحياة الدنيا) بالمسخ والخسف والقتل والأسر ~~وغير ذلك (ولعذاب الآخرة أكبر) لكونه في غاية الشدة مع دوامه (لو كانوا ~~يعلمون) أي لو كانوا ممن يعلم الأشياء ويتفكر فيها ويعمل بمقتضى علمه. قال ~~المبرد: يقال لكل ما نال الجارحة من شئ قد ذاقته: أي وصل إليها كما تصل ~~الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما. قال: والخزي المكروه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء) الآية قال: ما في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في ~~الأرض تغيره، فذلك قوله (فسلكه ينابيع في الأرض) فمن سره أن يعود الملح ~~عذبا فليصعده. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله (أفمن شرح الله صدره للإسلام) ~~قال: أبو بكر الصديق. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: تلا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم هذه الآية (أفمن شرح الله صدره) قلنا يا نبي الله كيف ~~انشراح صدره؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح. قلنا: فما علامة ذلك ~~يا رسول الله؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، ~~والتأهب للموت قبل نزول الموت. # وأخرجه ابن مردويه عن محمد بن كعب القرظي مرفوعا مرسلا. وأخرج الحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عمر " أن رجلا قال: يا نبي الله أي ~~المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت، وأحسنهم له استعدادا، وإذا دخل ~~النور في القلب انفسح واستوسع، فقالوا: ما آية ذلك يا نبي الله؟ قال: ~~الإنابة ms3412 إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول ~~الموت ". وأخرجه عن أبي جعفر عبد الله بن المسور عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بنحوه، وزاد فيه. ثم قرأ (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو ~~على نور من ربه). وأخرج الترمذي وابن مردويه وابن شاهين في الترغيب في ~~الذكر، والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر ~~الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ". وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس قال " قالوا يا رسول الله لو حدثتنا، فنزل (الله نزل أحسن ~~الحديث) الآية ". وأخرج ابن مردويه عنه في قوله (مثاني) قال: القرآن كله ~~مثاني. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: القرآن يشبه بعضه بعضا ~~ويرد بعضه إلى بعض. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: ~~كتاب الله مثاني ثنى فيه الأمر مرارا. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ~~وابن مردويه وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي ~~أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأوا ~~القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قلت: فإن ~~ناسا ها هنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية، قالت: أعوذ بالله من الشيطان. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب) قال: ~~ينطلق به إلى النار مكتوفا ثم يرمى به فيها، فأول ما تمس وجهه النار. ~~PageV04P460 # قوله (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) قد قدمنا تحقيق المثل ~~وكيفية ضربه في غير موضع، ومعنى (من كل مثل) ما يحتاجون إليه، وليس المراد ~~ما هو أعم من ذلك، فهو هنا كما في قوله - ما فرطنا في الكتاب من شئ - أي من ~~شئ يحتاجون إليه في أمر دينهم، وقيل المعنى: ما ذكرنا من إهلاك الأمم ms3413 ~~السالفة مثل لهؤلاء (لعلهم يتذكرون) يتعظمون فيعتبرون، وانتصاب (قرآنا ~~عربيا) على الحال من هذا وهي حال مؤكدة، وتسمى هذه حالا موطئة، لأن الحال ~~في الحقيقة هو عربيا، وقرآنا توطئة له، نحو جاءني زيد رجلا صالحا: كذا قال ~~الأخفش، ويجوز أن ينتصب على المدح. قال الزجاج: عربيا منتصب على الحال، ~~وقرآنا توكيد، ومعنى (غير ذي عوج) لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه. قال ~~الضحاك: أي غير مختلف. قال النحاس: # أحسن ما قيل في معناه قول الضحاك، وقيل غير متضاد. وقيل غير ذي لبس، وقيل ~~غير ذي لحن، وقيل غير ذي شك كما قال الشاعر: # وقد أتاك يمين غير ذي عوج * من الإله وقول غير مكذوب (لعلهم يتقون) علة ~~أخرى بعد العلة الأولى. وهي (لعلهم يتذكرون) أي لكي يتقوا الكفر والكذب. ثم ~~ذكر سبحانه مثلا من الأمثال القرآنية للتذكير والإيقاظ، فقال (ضرب الله ~~مثلا) أي تمثيل حالة عجيبة بأخرى مثلها. ثم بين المثل فقال (رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون) قال الكسائي: نصب رجلا لأنه تفسير للمثل، وقيل هو منصوب بنزع ~~الخافض: أي ضرب الله مثلا برجل، وقيل إن رجلا هو المفعول الأول، ومثلا هو ~~المفعول الثاني، وأخر المفعول الأول ليتصل بما هو من تمامه، وقد تقدم تحقيق ~~هذا في سورة " يس "، وجملة (فيه شركاء) في محل نصب صفة لرجل، والتشاكس ~~التخالف. قال الفراء: أي مختلفون. وقال المبرد: أي متعاسرون من شكس يشكس ~~شكسا فهو شكس مثل عسر يعسر عسرا فهو عسر. قال الجوهري: التشاكس الاختلاف. ~~قال: # ويقال رجل شكس بالتسكين: أي صعب الخلق، وهذا مثل من أشرك بالله وعبد آلهة ~~كثيرة. ثم قال (ورجلا سلما لرجل) أي خالصا له، وهذا مثل من يعبد الله وحده. ~~قرأ الجمهور " سلما " بفتح السين واللام، وقرأ سعيد PageV04P461 # ابن جبير وعكرمة وأبو العالية بكسر السين وسكون اللام. وقرأ ابن عباس ~~ومجاهد والجحدري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب " سالما " بالألف وكسر اللام ~~اسم فاعل من سلم له فهو سالم، واختار هذه القراءة أبو عبيد قال: لأن السالم ~~الخالص ضد ms3414 المشترك، والسلم ضد الحرب ولا موضع للحرب ها هنا. وأجيب عنه بأن ~~الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما فالسلم وإن كان ضد الحرب ~~فله معنى آخر بمعنى سالم، من سلم له كذا: إذا خلص له. وأيضا يلزمه في سالم ~~ما ألزم به، لأنه يقال شئ سالم: أي لا عاهة به، واختار أبو حاتم القراءة ~~الأولى. # والحاصل أن قراءة الجمهور هي على الوصف بالمصدر للمبالغة، أو على حذف ~~مضاف: أي ذا سلم، ومثلها قراءة سعيد بن جبير ومن معه. ثم جاء سبحانه بما ~~يدل على التفاوت بين الرجلين فقال (هل يستويان مثلا) وهذا الاستفهام ~~للإنكار والاستبعاد، والمعنى: هل يستوي هذا الذي يخدم جماعة شركاء أخلاقهم ~~مختلفة ونياتهم متباينة يستخدمه كل واحد منهم فيتعب وينصب مع كون كل واحد ~~منهم غير راض بخدمته، وهذا الذي يخدم واحدا لا ينازعه غيره إذا أطاعه رضي ~~عنه، وإذا عصاه عفا عنه. فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا ~~يقدر عاقل أن يتفوه باستوائهما، لأن أحدهما في أعلى المنازل، والآخر في ~~أدناها، وانتصاب مثلا على التمييز المحول عن الفاعل لأن الأصل هل يستوي ~~مثلهما، وأفرد التمييز ولم يثنه لأن الأصل في التمييز الإفراد لكونه مبينا ~~للجنس وجملة (الحمد لله) تقرير لما قبلها من نفي الاستواء، وللإيذان ~~للموحدين بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة المستحقة لتخصيص الحمد به. ~~ثم أضرب سبحانه عن نفي الاستواء المفهوم من الاستفهام الإنكاري إلى بيان أن ~~أكثر الناس لا يعلمون فقال (بل أكثرهم لا يعلمون) وهم المشركون فإنهم لا ~~يعلمون ذلك مع ظهوره ووضوحه. # قال الواحدي والبغوي: والمراد بالأكثر الكل والظاهر خلاف ما قالاه، فإن ~~المؤمنين بالله يعلمون ما في التوحيد من رفعة شأنه وعلو مكانه، وإن الشرك ~~لا يمائله بوجه من الوجوه، ولا يساويه في وصف من الأوصاف، ويعلمون أن الله ~~سبحانه يستحق الحمد على هذه النعمة، وأن الحمد مختص به. ثم أخبر سبحانه ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن الموت يدركه ويدركهم ms3415 لا محالة فقال (إنك ~~ميت وإنهم ميتون) قرأ الجمهور " ميت، وميتون " بالتشديد وقرأ ابن محيصن ~~وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق واليماني " مائت ومائتون " وبها ~~قرأ عبد الله بن الزبير. # وقد استحسن هذه القراءة بعض المفسرين لكون موته وموتهم مستقبلا، ولا وجه ~~للاستحسان، فإن قراءة الجمهور تفيد هذا المعنى. قال الفراء والكسائي: الميت ~~بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف من قد مات وفارقته الروح. قال ~~قتادة: نعيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ونعيت إليهم أنفسهم. ~~ووجه هذا الإخبار الإعلام للصحابة بأنه يموت، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا ~~يموت مع كونه توطئة وتمهيدا لما بعده حيث قال (ثم إنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون) أي تخاصمهم يا محمد وتحتج عليهم بأنك قد بلغتهم وأنذرتهم وهم ~~يخاصمونك، أو يخاصم المؤمن الكافر والظالم المظلوم. ثم بين سبحانه حال كل ~~فريق من المختصمين فقال (فمن أظلم ممن كذب على الله) أي لا أحد أظلم ممن ~~كذب على الله، فزعم أن له ولدا أو شريكا أو صاحبة (وكذب بالصدق إذ جاءه) ~~وهو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دعاء الناس إلى ~~التوحيد، وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع ونهيهم عن محرماته وإخبارهم بالبعث ~~والنشور، وما أعد الله للمطيع والعاصي. ثم استفهم سبحانه استفهاما تقريريا ~~فقال (أليس في جهنم مثوى للكافرين) أي أليس لهؤلاء المفترين المكذبين ~~بالصدق، والمثوى المقام، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به يثوي ثواء ~~وثويا، مثل مضى مضاء ومضيا. وحكى أبو عبيد أنه يقال أتوى وأنشد قول الأعشى: ~~PageV04P462 # أتوى وأقصر ليله ليرودا * فمضت وأخلف من قبيلة موعدا وأنكر ذلك الأصمعي ~~وقال لا نعرف أثوى. ثم ذكر سبحانه فريق المؤمنين المصدقين فقال (والذي جاء ~~بالصدق وصدق به) الموصول في موضع رفع بالابتداء، وهو عبارة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومن تابعه وخبره (أولئك هم المتقون) وقيل الذي جاء ~~بالصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي صدق ms3416 به أبو بكر. وقال ~~مجاهد: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي صدق به ~~علي بن أبي طالب. وقال السدي: الذي جاء بالصدق جبريل، والذي صدق به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وقال قتادة ومقاتل وابن زيد: الذي جاء بالصدق النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والذي صدق به المؤمنون، وقال النخعي: الذي جاء بالصدق وصدق به هم ~~المؤمنون الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة. وقيل إن ذلك عام في كل من دعا ~~إلى توحيد الله وأرشد إلى ما شرعه لعباده، واختار هذا ابن جرير وهو الذي ~~اختاره من هذه الأقوال، ويؤيده قراءة ابن مسعود " والذين جاءوا بالصدق ~~وصدقوا به ". ولفظ الذي كما وقع في قراءة الجمهور وإن كان مفردا فمعناه ~~الجمع، لأنه يراد به الجنس كما يفيده قوله (أولئك هم المتقون) أي المتصفون ~~بالتقوى التي هي عنوان النجاة. وقرأ أبو صالح " وصدق به " مخففا: أي صدق به ~~الناس. ثم ذكر سبحانه ما لهؤلاء الصادقين المصدقين في الآخرة فقال (لهم ما ~~يشاءون عند ربهم) أي لهم كل ما يشاؤونه من رفع الدرجات ودفع المضرات وتكفير ~~السيئات، وفي هذا ترغيب عظيم وتشويق بالغ، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ~~تقدم ذكره من جزائهم وهو مبتدأ، وخبره قوله (جزاء المحسنين) أي الذين ~~أحسنوا في أعمالهم. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ثم ~~بين سبحانه ما هو الغاية مما لهم عند ربهم فقال (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا) فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم لأن الله سبحانه إذا ~~غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى، واللام ~~متعلقة بيشاؤون أو بالمحسنين أو بمحذوف. قرأ الجمهور " أسوأ " على أنه أفعل ~~تفضيل. وقيل ليست للتفضيل بل بمعنى سئ الذي عملوا. وقرأ ابن كثير في رواية ~~عنه أسوأ بألف بين الهمزة والواو بزنة ms3417 أجمال جمع سوء، (ويجزيهم أجرهم بأحسن ~~الذي كانوا يعملون) لما ذكر سبحانه ما يدل على دفع المضار عنهم ذكر ما يدل ~~على جلب أعظم المنافع إليهم وإضافة الأحسن إلى ما بعده ليست من إضافة ~~المفضل إلى المفضل عليه، بل من إضافة الشئ إلى بعضه قصدا إلى التوضيح من ~~غير اعتبار تفضيل. قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم ~~بالمساوئ. # وقد أخرج الآجري والبيهقي عن ابن عباس في قوله (غير ذي عوج) قال: غير ~~مخلوق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (ضرب الله مثلا رجلا) ~~الآية قال: الرجل يعبد آلهة شتى، فهذا مثل ضربه الله لأهل الأوثان (ورجلا ~~سالما) يعبد إلها واحدا ضرب لنفسه مثلا. وأخرجا عنه أيضا في قوله (ورجلا ~~سالما) قال: # ليس لأحد فيه شئ. وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني ~~وابن مردويه عن ابن عمر قال: # لقد لبثنا برهة من دهرنا، ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل ~~الكتابين من قبلنا (إنك ميت وإنهم ميتون) الآية، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه ~~بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا. وأخرج نعيم بن حماد في الفتن والحاكم ~~وصححه وابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~مردويه عنه أيضا قال: # نزلت علينا الآية (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) وما ندري ما ~~تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وأخرج ~~عبد الرزاق وأحمد وابن منيع وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن PageV04P463 # أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في ~~البعث والنشور عن الزبير بن العوام قال: " لما نزلت - إنك ميت وإنهم ميتون ~~ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون - قلت: يا رسول الله أيكرر علينا ما ~~يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: نعم ليكررن عليكم ذلك حتى يؤدي ~~إلى كل ذي حق حقه. قال الزبير: # فوالله إن الأمر لشديد ". وأخرج سعيد بن منصور عن أبي ms3418 سعيد الخدري قال: ~~لما نزلت (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) كنا نقول: ربنا واحدا ~~وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على ~~بعض بالسيوف، قلنا نعم هو هذا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (والذي جاء ~~بالصدق) يعني بلا إله إلا لله (وصدق به) يعني برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم (أولئك هم المتقون) يعني اتقوا الشرك. وأخرج ابن جرير والباوردي ~~في معرفة الصحابة وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان، وله صحبة عن علي بن ~~أبي طالب قال: الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصدق به أبو ~~بكر. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مثله. # قوله (أليس الله بكاف عبده) قرأ الجمهور " عبده " بالإفراد. وقرأ حمزة ~~والكسائي " عباده " بالجمع، فعلى القراءة الأولى المراد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أو الجنس، ويدخل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~دخولا أوليا، وعلى القراءة الأخرى المراد الأنبياء أو المؤمنون أو الجميع، ~~واختار أبو عبيد قراءة الجمهور لقوله عقبه " ويخوفونك " والاستفهام للإنكار ~~لعدم كفايته سبحانه على أبلغ وجه كأنها بمكان من الظهور لا يتيسر لأحد أن ~~ينكره. وقيل المراد بالعبد والعباد ما يعم المسلم والكافر. قال الجرجاني: ~~إن الله كاف عبده المؤمن وعبده الكافر PageV04P464 # هذا بالثواب، وهذا بالعقاب. وقرئ " بكافي عباده " بالإضافة، وقرئ " يكافي ~~" بصيغة المضارع، وقوله (ويخوفونك بالذين من دونه) يجوز أن يكون في محل نصب ~~على الحال، إذ المعنى أليس كافيك حال تخويفهم إياك، ويجوز أن تكون مستأنفة، ~~والذين من دونه عبارة عن المعبودات التي يعبدونها (ومن يضلل الله فما له من ~~هاد) أي من حق عليه القضاء بضلاله فماله من هاد يهديه إلى الرشد ويخرجه من ~~الضلالة، (ومن يهد الله فماله من مضل) يخرجه من الهداية ويوقعه في الضلالة ~~(أليس الله بعزيز) أي غالب لكل شئ قاهر له (ذي انتقام) ينتقم من ms3419 عصاته بما ~~يصبه عليهم من عذابه وما ينزله بهم من سوط عقابه (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله) ذكر سبحانه اعترافهم إذا سئلوا عن الخالق بأن ~~الله سبحانه مع عبادتهم للأوثان، واتخاذهم الآلهة من دون الله، وفي هذا ~~أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة وجهالة عظيمة لأنهم إذا علموا أن ~~الخالق لهم ولما يعبدون من دون الله هو الله سبحانه، فكيف استحسنت عقولهم ~~عبادة غير خالق الكل وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ وقد كانوا يذكرون ~~بحسن العقول وكمال الإدراك والفطنة التامة، ولكنهم لما قلدوا أسلافهم ~~وأحسنوا الظن بهم هجروا ما يقتضيه العقل، وعملوا بما هو محض الجهل. ثم أمر ~~الله سبحانه رسوله أن يبكتهم بعد هذا الاعتراف ويوبخهم فقال (قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره) أي أخبروني عن ~~آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر، والضر هو الشدة أو ~~أعلى (أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته) عنى بحيث لا تصل إلي، والرحمة ~~النعمة والرخاء. قرأ الجمهور ممسكات وكاشفات في الموضعين بالإضافة وقرأهما ~~أبو عمرو بالتنوين. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فسكتوا، وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئا من قدر الله ولكنها ~~تشفع، فنزل (قل حسبي الله) في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر (عليه ~~يتوكل المتوكلون) أي عليه، لا على غيره يعتمد المعتمدون، واختار أبو عبيد ~~وأبو حاتم قراءة أبي عمرو، لأن كاشفات اسم فاعل في معنى الاستقبال، وما كان ~~كذلك فتنوينه أجود، وبها قرأ الحسن وعاصم ثم أمره سبحانه أن يهددهم ~~ويتوعدهم فقال (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) أي على حالتكم التي أنتم ~~عليها وتمكنتم منها (إني عامل) أي على حالتي التي أنا عليها وتمكنت منها، ~~وحذف ذلك للعلم به مما قبله (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه) أي يهينه ~~ويذله في الدنيا، فيظهر عند ذلك أنه المبطل وخصمه ms3420 المحق، والمراد بهذا ~~العذاب عذاب الدنيا وما حل بهم من القتل والأسر والقهر والذلة. ثم ذكر عذاب ~~الآخرة فقال (ويحل عليه عذاب مقيم) أي دائم مستمر في الدار الآخرة، وهو ~~عذاب النار. ثم لما كان يعظم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إصرارهم على الكفر أخبره بأنه لم يكلف إلا بالبيان، لا بأن يهدي من ضل، ~~فقال (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس) أي لأجلهم ولبيان ما كلفوا به، و ~~(بالحق) حال من الفاعل أو المفعول: أي محقين أو ملتبسا بالحق (فمن اهتدى) ~~طريق الحق وسلكها (فلنفسه ومن ضل) عنها (فإنما يضل عليها) أي على نفسه، ~~فضرر ذلك عليه لا يتعدى إلى غيره (وما أنت عليهم بوكيل) أي بمكلف بهدايتهم ~~مخاطب بها، بل ليس عليك إلا البلاغ وقد فعلت. وهذه الآيات هي منسوخة بآية ~~السيف، فقد أمر الله رسوله بعد هذا أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~ويعملوا بأحكام الإسلام. ثم ذكر سبحانه نوعا من أنواع قدرته البالغة وصنعته ~~العجيبة فقال (الله يتوفى الأنفس حين موتها) أي يقبضها عند حضور أجلها ~~ويخرجها من الأبدان (والتي لم تمت في منامها) أي ويتوفى الأنفس التي لم ~~تمت: أي لم يحضر أجلها في منامها. # وقد اختلف في هذا، فقيل يقبضها عن التصرف مع بقاء الروح في الجسد. وقال ~~الفراء: المعنى ويقبض التي PageV04P465 # لم تمت عند انقضاء أجلها قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على ~~هذا: والتي لم تمت وفاتها نومها. # قال الزجاج: لكل إنسان نفسان: أحدهما نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا ~~نام فلا يعقل، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس. ~~قال القشيري: في هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة في الحالين ~~شئ واحد، ولهذا قال (فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى) أي النائمة ~~(إلى أجل مسمى) وهو الوقت المضروب لموته، وقد قال بمثل قول الزجاج ابن ~~الأنباري. وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح ~~الأحياء ms3421 إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف (فيمسك التي قضى عليها ~~الموت ويرسل الأخرى) فيعيدها، والأولى أن يقال إن توفى الأنفس حال النوم ~~بإزالة الإحساس وحصول الآفة به في محل الحس، فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ولا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه ويرسل الأخرى بأن يعيد عليها إحساسها. ~~قيل ومعنى (يتوفى الأنفس عند موتها) هو على حذف مضاف: أي عند موت أجسادها. # وقد اختلف العقلاء في النفس والروح هل هما شئ واحد أو شيئان؟ والكلام في ~~ذلك يطول جدا وهو معروف في الكتب الموضوعة لهذا الشأن. قرأ الجمهور " قضى " ~~مبنيا للفاعل: أي قضى الله عليها الموت. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى ~~بن وثاب على البناء للمفعول، واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الأولى ~~لموافقتها لقوله (الله يتوفى الأنفس) والإشارة بقوله (إن في ذلك) إلى ما ~~تقدم من التوفي والإمساك والإرسال للنفوس (لآيات) أي لآيات عجيبة بديعة ~~دالة على القدرة الباهرة، ولكن ليس كون ذلك آيات يفهمه كل أحد بل (لقوم ~~يتفكرون) في ذلك ويتدبرونه ويستدلون به على توحيد الله وكمال قدرته، فإن في ~~هذا التوفي والإمساك والإرسال موعظة للمتعظين وتذكرة للمتذكرين. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها) الآية قال: # نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه ويدع الروح ~~في جوفه تتقلب وتعيش، فإن بدا له أن يقبضه قبض الروح فمات، وإن أخر أجله رد ~~النفس إلى مكانها من جوفه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه والضياء في ~~المختارة عنه في الآية قال: تلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام ~~فيتسائلون بينهم ما شاء الله، ثم يمسك الله أرواح الأموات ويرسل أرواح ~~الأحياء إلى أجسادها (إلى أجل مسمى) لا يغلط بشئ منها فذلك قوله (إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون). وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا في الآية قال: كل نفس لها ~~سبب ms3422 تجري فيه، فإذا قضى عليها الموت نامت حتى ينقطع السبب، والتي لم تمت في ~~منامها تترك. وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا أوى أحدكم إلى فراشه ~~فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت ~~جنبي وباسمك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ ~~به عبادك الصالحين ". PageV04P466 # قوله (أم اتخذوا من دون الله شفعاء) أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة: ~~أي بل اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء لهم عند الله (قل أو لو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون) الهمزة للإنكار والتوبيخ والواو للعطف على محذوف ~~مقدر: أي أيشفعون ولو كانوا الخ، وجواب لو محذوف تقديره تتخذونهم: أي وإن ~~كانوا بهذه الصفة تتخذونهم، ومعنى لا يملكون شيئا أنهم غير مالكين لشئ من ~~الأشياء وتدخل الشفاعة في ذلك دخولا أوليا ولا يعقلون شيئا من الأشياء ~~لأنها جمادات لا عقل لها، وجمعهم بالواو والنون لاعتقاد الكفار فيهم أنهم ~~يعقلون. ثم أمره سبحانه بأن يخبرهم أن الشفاعة لله وحده فقال (قل لله ~~الشفاعة جميعا) فليس لأحد منها شئ إلا أن يكون بإذنه لمن ارتضى، كما في ~~قوله - من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه - وقوله - ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~- وانتصاب جميعا على الحال، وإنما أكد الشفاعة بما يؤكد به الاثنان فصاعدا ~~لأنها مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة ثم وصفه بسعة الملك فقال (له ~~ملك السماوات والأرض) أي يملكهما ويملك ما فيهما ويتصرف في ذلك كيف يشاء ~~ويفعل ما يريد (ثم إليه ترجعون) لا إلى غيره، وذلك بعد البعث (وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) انتصاب وحده على الحال عند ~~يونس، وعلى المصدر عند الخليل وسيبويه، والاشمئزاز في اللغة النفور. قال ~~أبو عبيدة: اشمأزت نفرت، وقال المبرد: انقبضت. وبالأول قال قتادة، وبالثاني ~~قال مجاهد والمعنى متقارب. وقال المؤرج: أنكرت، وقال أبو زيد: اشمأز الرجل ~~ذعر من الفزع، والمناسب ms3423 للمقام تفسير اشمأزت بانقبضت، وهو في الأصل ~~الأزورار، وكان المشركون إذا قيل لهم لا إله إلا الله انقبضوا، كما حكاه ~~الله عنهم في قوله - وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ~~- ثم ذكر سبحانه استبشارهم بذكر أصنامهم فقال (وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون) أي يفرحون بذلك ويبتهجون به، والعامل في إذا في قوله (وإذا ~~ذكر الله) الفعل الذي بعدها، وهو اشمأزت، والعامل في إذا في قوله (وإذا ذكر ~~الذين من دونه) الفعل العامل في إذا الفجائية، والتقدير: فاجئوا الاستبشار ~~وقت ذكر الذين من دونه. ولما لم يقبل المتمردون من الكفار ما جاءهم به صلى ~~الله عليه وسلم من الدعاء إلى الخير وصمموا على كفرهم، أمره الله سبحانه أن ~~يرد الأمر إليه فقال (قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) وقد تقدم تفسير فاطر السماوات، ~~وتفسير عالم الغيب والشهادة، وهما منصوبان على النداء ومعنى (تحكم بين ~~عبادك) تجازي المحسن بإحسانه وتعاقب المسئ بإساءته، فإنه بذلك يظهر من هو ~~المحق ومن هو المبطل، ويرتفع عند خلاف المختلفين وتخاصم المتخاصمين. ثم لما ~~حكى عن الكفار ما حكاه من الاشمئزاز عند ذكر الله والاستبشار عند ذكر ~~الأصنام ذكر ما يدل على شدة عذابهم وعظيم عقوبتهم فقال (ولو أن للذين ظلموا ~~ما في الأرض جميعا) أي جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر (ومثله معه) ~~أي منضما إليه (لافتدوا به PageV04P467 # من سوء العذاب يوم القيامة) أي من سوء عذاب ذلك اليوم وقد مضى تفسير هذا ~~في آل عمران (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) أي ظهر لهم من عقوبات ~~الله وسخطه وشدة عذابه ما لم يكن في حسابهم، وفي هذا وعيد عظيم وتهديد ~~بالغ، وقال مجاهد: عملوا أعمالا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات، وكذا قال ~~السدي. وقال سفيان الثوري: ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء ويل لأهل ~~الرياء هذه آيتهم وقصتهم. وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد ms3424 بن المنكدر عند ~~موته جزعا شديدا، فقيل له ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله (وبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب ~~(وبدا لهم سيئات ما كسبوا) أي مساو أعمالهم من الشرك وظلم أولياء الله، و " ~~ما " يحتمل أن تكون مصدرية: أي سيئات كسبهم، وأن تكون موصولة: أي سيئات ~~الذي كسبوه (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أي أحاط بهم ونزل بهم ما كانوا ~~يستهزئون به من الإنذار الذي كان ينذرهم به رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت) ~~الآية قال: قست ونفرت (قلوب) هؤلاء الأربعة (الذين لا يؤمنون بالآخرة) أبو ~~جهل بن هشام والوليد بن عقبة وصفوان وأبي بن خلف (وإذا ذكر الذين من دونه) ~~اللات والعزى (وإذا هم يستبشرون). وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن عائشة قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر ~~السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه ~~يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم ". PageV04P468 # قوله (فإذا مس الإنسان) المراد بالإنسان هنا الجنس باعتبار بعض أفراده أو ~~غالبها، وقيل المراد به الكفار فقط والأول أولى، ولا يمنع من حمله على ~~الجنس خصوص سببه، لأن الاعتبار بعموم اللفظ وفاء بحق النظم القرآني ووفاء ~~بمدلوله، والمعنى: أن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا مسه ضر من مرض أو فقر ~~أو غيرهما دعا الله وتضرع إليه في رفعه ودفعه (ثم إذا خولناه نعمة منا) أي ~~أعطيناه نعمة كائنة من عندنا (قال إنما أوتيته على علم) مني بوجوه المكاسب، ~~أو على خير عندي، أو على علم من الله بفضلي. وقال الحسن: على علم علمني ~~الله إياه، وقيل قد علمت أني إذا أوتيت هذا في ms3425 الدنيا أن لي عند الله منزلة ~~وجاء بالضمير في أوتيته مذكرا مع كونه راجعا إلى النعمة لأنها بمعنى ~~الإنعام. وقيل إن الضمير عائد إلى ما، وهي موصولة، والأول أولى (بل هي ~~فتنة) هذا رد لما قاله أي ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت، بل هو محنة لك ~~واختبار لحالك أتشكر أم تكفر؟ قال الفراء: أنت الضمير في قوله " هي " ~~لتأنيث الفتنة، ولو قال بل هو فتنة لجاز. وقال النحاس: بل عطيته فتنة. وقيل ~~تأنيث الضمير باعتبار لفظ الفتنة، وتذكير الأول في قوله " أوتيته " باعتبار ~~معناها (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن ذلك استدراج لهم من الله وامتحان لما ~~عندهم من الشكر أو الكفر (قد قالها الذين من قبلهم) أي قال هذه الكلمة التي ~~قالوها وهي قولهم: إنما أوتيته على علم الذين من قبلهم كقارون وغيره، فإن ~~قارون قال: إنما أوتيته على علم عندي (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) يجوز ~~أن تكون ما هذه نافية: أي لم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا، وأن ~~تكون استفهامية: أي أي شئ أغنى عنهم ذلك (فأصابهم سيئات ما كسبوا) أي جزاء ~~سيئات كسبهم، أو أصابهم سيئات هي جزاء كسبهم، وسمى الجزاء سيئات لوقوعها في ~~مقابلة سيئاتهم، فيكون ذلك من باب المشاكلة كقوله - وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~- ثم أوعد سبحانه الكفار في عصره فقال (والذين ظلموا من هؤلاء) الموجودين ~~من الكفار (سيصيبهم سيئات ما كسبوا) كما أصاب من قبلهم، وقد أصابهم في ~~الدنيا ما أصابهم من القحط والقتل والأسر والقهر (وما هم بمعجزين) أي ~~بفائتين على الله بل مرجعهم إليه يصنع بهم ما شاء من العقوبة (أولم يعلموا ~~أن الله يبسط الرزق لمن يشاء) أي يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه له (ويقدر) ~~أي يقبضه لمن يشاء أن يقبضه ويضيقه عليه. قال مقاتل: وعظهم الله ليعتبروا ~~في توحيده، وذلك حين مطروا بعد سبع سنين، فقال: أولم يعلموا أن الله يوسع ~~الرزق لمن يشاء ويقتر على من يشاء (إن في ذلك لآيات) أي في ms3426 ذلك المذكور ~~لدلالات عظيمة وعلامات جليلة (لقوم يؤمنون) وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون ~~بالآيات المتفكرون فيها. ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبه بذكر ~~سعة رحمته وعظيم مغفرته وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبشرهم بذلك ~~فقال (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) المراد ~~بالإسراف الإفراط في المعاصي والاستكثار منها. # ومعنى لا تقنطوا: لا تيأسوا من رحمة الله من مغفرته. ثم لما نهاهم عن ~~القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه ويجعل الرجاء مكان القنوط فقال (إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا). PageV04P469 # واعلم أن هذه الآية أرجا آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم ~~بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم ~~وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن ~~القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين ~~غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقي بعده شك ولا ~~يتخالج القلب عند سماعه ظن، فقال (إن الله يغفر الذنوب) فالألف واللام قد ~~صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده، فهو في قوة ~~إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآني وهو الشرك - ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - ثم لم يكتف بما ~~أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله (جميعا) فيالها من بشارة ~~ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه. الخالعين ~~لثياب القنوط الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ~~ورحمته على عباده المتوجهين إليه في طلب العفو الملتجئين به في مغفرة ~~ذنوبهم وما أحسن ما علل سبحانه به هذا الكلام قائلا هو الغفور الرحيم: أي ~~كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما، فمن أبى هذا التفضل العظيم ~~والعطاء الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله وتأييسهم حدثنا من رحمته أولى بهم ~~مما بشرهم ms3427 الله به، فقد ركب أعظم الشطط وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير وعدم ~~التقنيط الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز، والمسلك الذي سلكه ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما صح عنه من قوله " يسروا ولا تعسروا ~~وبشروا ولا تنفروا ". # وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن الجمع بين هذه الآية وبين قوله - إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - هو أن كل ذنب كائنا ما كان ما ~~عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال إن ~~إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعا يدل على أنه يشاء غفرانها جميعا، وذلك ~~يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين فلم يبق بين الآيتين ~~تعارض من هذه الحيثية. وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية ~~بالتوبة وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين ~~الآيات. فهو جمع بين الضب والنون، وبين الملاح والحادي، وعلى نفسها براقش ~~تجنى، ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، ~~فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، ~~وقد قال - إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - فلو ~~كانت التوبة قيدا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقد قال ~~سبحانه - وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم - قال الواحدي: المفسرون كلهم ~~قالوا: إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من ~~الذنوب العظام، كالشرك وقتل النفس ومعاداة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # قلت: هب أنها في هؤلاء القوم، فكان ماذا؟ فإن الاعتبار بما اشتملت عليه ~~من العموم لا بخصوص السبب كما هو متفق عليه بين أهل العلم، ولو كانت الآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها لارتفعت أكثر ~~التكاليف عن الأمة إن لم ترتفع كلها، واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم ~~مثله. ms3428 # وفي السنة المطهرة من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما في هذا الباب ~~ما إن عرفه المطلع عليه حق معرفته وقدره حق قدره علم صحة ما ذكرناه وعرف ~~حقية ما حررناه. قرأ الجمهور " يا عبادي " بإثبات الياء وصلا ووقفا، وروى ~~أبو بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. وقرأ الجمهور " تقنطوا " بفتح النون. ~~وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسرها (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ~~يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) أي راجعوا إليه بالطاعة لما بشرهم سبحانه بأنه ~~يغفر الذنوب جميعا، أمرهم بالرجوع إليه بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، وليس ~~في هذا PageV04P470 # ما يدل على تقييد الآية الأولى بالتوبة لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام، ~~بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى، ثم دعاهم إلى الخير وخوفهم ~~من الشر على أنه يمكن أن يقال: إن هذه الجملة مستأنفة خطابا للكفار الذين ~~لم يسلموا بدليل قوله (وأسلموا له) جاء بها لتحذير الكفار وإنذارهم بعد ~~ترغيب المسلمين بالآية الأولى وتبشيرهم، وهذا وإن كان بعيدا ولكنه يمكن أن ~~يقال به. والمعنى على ما هو الظاهر: أن الله جمع لعباده بين التبشير ~~العظيم، والأمر بالإنابة إليه والإخلاص له والاستسلام لأمره والخضوع لحكمه، ~~وقوله (من قبل أن يأتيكم العذاب) أي عذاب الدنيا كما يفيده قوله (من قبل أن ~~يأتيكم) فليس في ذلك ما يدل على ما زعمه الزاعمون وتمسك به القانطون ~~المقنطون والحمد لله لله رب العالمين (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) ~~يعني القرآن، يقول: # أحلوا حلاله وحرموا حرامه، والقرآن كله حسن. قال الحسن: التزموا طاعته ~~واجتنبوا معاصيه. وقال السدي: # الأحسن ما أمر الله به في كتابه. وقال ابن زيد: يعني المحكمات، وكلوا علم ~~المتشابه إلى عالمه. وقيل الناسخ دون المنسوخ، وقيل العفو دون الانتقام بما ~~يحق فيه الانتقام، وقيل أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية (من قبل ~~أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) أي من قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم ~~غافلون عنه لا تشعرون به، وقيل أراد أنهم ms3429 يموتون بغتة فيقعون في العذاب. ~~والأول أولى لأن الذي يأتيهم بغتة هو العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ~~والقهر والخوف والجدب، لا عذاب الآخرة ولا الموت، لأنه لم يسند الإتيان ~~إليه (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) قال البصريون: أي ~~حذرا أن تقول. وقال الكوفيون: لئلا تقول. قال المبرد: # بادروا خوف أن تقول، أو حذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا ~~إلى حال تقولون فيها: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، قيل والمراد ~~بالنفس هنا النفس الكافرة، وقيل المراد به التكثير كما في قوله - علمت نفس ~~ما أحضرت - قرأ الجمهور " يا حسرتا " بالألف بدلا من الياء المضاف إليها، ~~والأصل يا حسرتي، وقرأ ابن كثير " يا حسرتاه " بهاء السكت وقفا، وقرأ أبو ~~جعفر " يا حسرتي " بالياء على الأصل. # والحسرة: الندامة، ومعنى (على ما فرطت في جنب الله) على ما فرطت في طاعة ~~الله، قال الحسن. وقال الضحاك: على ما فرطت في ذكر الله، ويعنى به القرآن ~~والعمل به. وقال أبو عبيدة (في جنب الله) أي في ثواب الله. وقال الفراء: ~~الجنب القرب والجوار: أي في قرب الله وجواره، ومنه قوله - والصاحب بالجنب - ~~والمعنى على هذا القول، على ما فرطت في طلب جنب الله: أي في طلب جواره ~~وقربه وهو الجنة، وبه قال ابن الأعرابي وقال الزجاج: أي فرطت في الطريق ~~الذي هو طريق الله من توحيده والإقرار بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وعلى هذا فالجنب بمعنى الجانب: أي قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا ~~الله، ومنه قول الشاعر: # * للناس جنب والأمير جنب * أي الناس من جانب والأمير من جانب (وإن كنت ~~لمن الساخرين) أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين الله في الدنيا، ومحل ~~الجملة النصب على الحال. قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من ~~أهلها (أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين) أي لو أن الله أرشدني ~~إلى دينه لكنت ممن ms3430 يتقي الشرك والمعاصي، وهذا من جملة ما يحتج به المشركون ~~من الحجج الزائفة، ويتعللون به من العلل الباطلة كما في قوله - سيقول الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما أشركنا - فهي كلمة حق يريدون بها باطلا. ثم ذكر ~~سبحانه مقالة أخرى مما قالوا فقال (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة) ~~أي رجعة إلى الدنيا (فأكون من المحسنين) المؤمنين بالله الموحدين له، ~~المحسنين في أعمالهم، وانتصاب أكون إما لكونه معطوفا على كرة فإنها مصدر، ~~وأكون في تأويل المصدر: كما في قول الشاعر: PageV04P471 # للبس عباءة وتقر عيني * أحب إلي من لبس الشفوف وأنشد الفراء على هذا: # فما لك منها غير ذكري وخشية * وتسأل عن ركبانها أين يمموا وإما لكونه ~~جواب التمني المفهوم من قوله (لو أن لي كرة). ثم ذكر سبحانه جوابه على هذه ~~النفس المتمنية المتعللة بغير علة فقال (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكافرين) المراد بالآيات هي الآيات التنزيلية وهو ~~القرآن، ومعنى التكذيب بها قوله: إنها ليس من عند الله وتكبر عن الإيمان ~~بها، وكان مع ذلك التكذيب والاستكبار من الكافرين بالله. وجاء سبحانه بخطاب ~~المذكر في قوله: جاءتك وكذبت واستكبرت وكنت، لأن النفس تطلق على المذكر ~~والمؤنث. قال المبرد: تقول العرب نفس واحد: أي إنسان واحد، وبفتح التاء في ~~هذه المواضع قرأ الجمهور. وقرأ الجحدري وأبو حيوة ويحيى بن يعمر بكسرها في ~~جميعها، وهي قراءة أبي بكر وابنته عائشة وأم سلمة، ورويت عن ابن كثير (ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) أي ترى الذين كذبوا على ~~الله بأن له شركاء وصاحبة وولدا وجوههم مسودة لما أحاط بهم من العذاب، ~~وشاهدوه من غضب الله ونقمته، وجملة " وجوههم مسودة " في محل نصب على الحال. ~~قال الأخفش: ترى غير عامل في وجوههم مسودة، إنما هو مبتدأ وخبر، والأولى أن ~~ترى إن كانت من الرؤية البصرية، فجملة " وجوههم مسودة " حالية، وإن كانت ~~قلبية فهي في محل نصب على أنها المفعول الثاني لترى، والاستفهام في ms3431 قوله ~~(أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) للتقرير: أي أليس فيها مقام للمتكبرين عن ~~طاعة الله، والكبر هو بطر الحق وغمط الناس كما ثبت في الحديث الصحيح (وينجي ~~الله الذين اتقوا) أي اتقوا الشرك ومعاصي الله، والباء في (بمفازتهم) ~~متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول: أي ملتبسين بمفازتهم. قرأ الجمهور " ~~بمفازتهم " بالإفراد على أنها مصدر ميمي والفوز: الظفر بالخير والنجاة من ~~الشر. قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة، وإن جمع فحسن: ~~كقولك السعادة والسعادات. والمعنى ينجيهم الله بفوزهم: أي بنجاتهم من النار ~~وفوزهم بالجنة. # وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بمفازاتهم جمع مفازة، وجمعها مع كونها مصدرا ~~لاختلاف الأنواع، وجملة (لا يمسهم السوء) في محل نصب على الحال من الموصول، ~~وكذلك جملة (ولا هم يحزنون) في محل نصب على الحال: أي ينفي السوء والحزن ~~عنهم، ويجوز أن تكون الباء في بمفازتهم للسببية: أي بسبب فوزهم مع انتفاء ~~مساس السوء لهم وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم لأنهم رضوا بثواب الله وأمنوا ~~من عقابه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم قال السيوطي بسند صحيح وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: أنزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الآية في مشركي أهل مكة. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ~~عن ابن عمر قال: كنا نقول ليس لمفتتن توبة وما الله بقابل منه شيئا، عرفوا ~~الله وآمنوا به وصدقوا رسوله ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم، وكانوا يقولونه ~~لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أنزل الله ~~فيهم (يا عبادي الذين أسرفوا) الآيات، قال ابن عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت ~~بها إلى هشام بن العاصي. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعد قال: ~~لما أسلم وحشي أنزل الله - والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق - قال وحشي وأصحابه: قد ارتكبنا هذا كله، ~~فأنزل الله (قل يا عبادي الذين أسرفوا) الآية. وأخرج البخاري في الأدب ~~المفرد ms3432 عن أبي هريرة قال: " خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رهط من ~~أصحابه وهم يضحكون ويتحدثون فقال: والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم ~~لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ثم انصرف وأبكى القوم، وأوحى الله إليه: يا ~~محمد لم تقنط عبادي PageV04P472 # فرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أبشروا وسددوا وقاربوا ". ~~وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب أنها نزلت فيمن أفتن. ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنها نزلت في مشركي مكة لما قالوا ~~إن الله لا يغفر لهم ما قد اقترفوه من الشرك وقتل الأنفس وغير ذلك. وأخرج ~~أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ثوبان: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ما أحب أن لي الدنيا وما ~~فيها بهذه الآية (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) إلى آخر الآية، فقال ~~رجل ومن أشرك؟ # فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال إلا ومن أشرك ثلاث مرات ". ~~وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن ~~الأنباري في المصاحف والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي إنه هو الغفور ~~الرحيم ". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في حسن الظن ~~بالله وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود ~~أنه مر على قاض يذكر الناس فقال: يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ (يا ~~عبادي الذين أسرفوا) الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال: قال علي أي ~~آية أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن - من يعمل سوءا أو يظلم نفسه - ~~الآية ونحوها، فقال علي: # ما في القرآن أوسع من (يا عبادي) الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (يا عبادي ms3433 الذين أسرفوا على أنفسهم) الآية قال: قد دعا ~~الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيرا ابن الله، ~~ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ~~ثلاثة يقول لهؤلاء - أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم - ثم ~~دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء من - قال أنا ربكم الأعلى - وقال - ~~ما علمت لكم من إله غيري - قال ابن عباس، ومن آيس العباد من التوبة بعد هذا ~~فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أن تقول نفس) ~~قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وعلمهم قبل أن يعلموا. ~~PageV04P473 # قوله (الله خالق كل شئ) من الأشياء الموجودة في الدنيا والآخرة كائنا ما ~~كان من غير فرق بين شئ وشئ وقد تقدم تفسير هذه الآية في الأنعام (وهو على ~~كل شئ وكيل) أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من ~~غير مشارك له (له مقاليد السماوات والأرض) المقاليد واحدها مقليد ومقلاد أو ~~لا واحد له من لفظه كأساطير، وهي مفاتيح السماوات والأرض والرزق والرحمة. ~~قاله مقاتل وقتادة وغيرهما. وقال الليث: المقلاد الخزانة، ومعنى الآية له ~~خزائن السماوات والأرض، وبه قال الضحاك والسدي. وقيل خزائن السماوات المطر ~~وخزائن الأرض النبات. وقيل هي عبارة عن قدرته سبحانه وحفظه لها، والأول ~~أولى. قال الجوهري: الإقليد المفتاح، ثم قال: والجمع المقاليد. وقيل هي لا ~~إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله. وقيل غير ذلك (والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون) ~~أي بالقرآن وسائر الآيات الدالة على الله سبحانه وتوحيده، ومعنى الخاسرون: ~~الكاملون في الخسران لأنهم صاروا بهذا الكفر إلى النار (قل أفغير الله ~~تأمروني أعبد أيها الجاهلون) الاستفهام للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على ~~مقدر كنظائره، وغير منصوب ms3434 بأعبد، وأعبد معمول لتأمروني كان على تقدير أن ~~المصدرية، فلما حذفت بطل عملها، والأصل: أفتأمروني أن أعبد غير الله. قاله ~~الكسائي وغيره. ويجوز أن يكون غير منصوبا بتأمروني، وأعبد بدل منه بدل ~~اشتمال، وأن مضمرة معه أيضا. ويجوز أن يكون غير منصوبة بفعل مقدر: أي ~~أفتلزموني غير الله: أي عبادة غير الله أو أعبد غير الله أعبد. أمره الله ~~سبحانه أن يقول هذا للكفار لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام ~~وقالوا هو دين آبائك. قرأ الجمهور " تأمروني " بإدغام نون الرفع في نون ~~الوقاية على خلاف بينهم في فتح الياء وتسكينها. وقرأ نافع " تأمروني " بنون ~~خفيفة وفتح الياء، وقرأ ابن عامر " تأمرونني " بالفك وسكون الياء (ولقد ~~أوحى إليك وإلى الذين من قبلك) أي من الرسل (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين) هذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل، لأن الله سبحانه قد ~~عصمهم عن الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه التحذير والإنذار للعباد من ~~الشرك، لأنه إذا كان موجبا لإحباط عمل الأنبياء على الفرض، والتقدير فهو ~~محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى. قيل وفي الكلام تقديم وتأخير، ~~والتقدير: ولقد أوحى إليك لئن أشركت وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك. قال ~~مقاتل: أي أوحى إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف، ثم قال: ~~لئن أشركت يا محمد ليحبطن عملك، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~خاصة. وقيل إفراد الخطاب في قوله (لئن أشركت) باعتبار كل واحد من الأنبياء: ~~كأنه قيل أوحى إليك وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام. وهو لئن أشركت، ~~وهذه الآية مقيدة بالموت على الشرك كما في الآية الأخرى - ومن يرتد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم - وقيل هذا خاص بالأنبياء لأن ~~الشرك منهم أعظم ذنبا من الشرك من غيرهم، والأول أولى، PageV04P474 # ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بتوحيده، فقال (بل ~~الله فاعبد) وفي هذا رد على المشركين حيث أمروه بعبادة الأصنام، ووجه الرد ~~ما ms3435 يفيده التقديم من القصر. قال الزجاج: لفظ اسم الله منصوب بأعبد قال: ولا ~~اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين. وقال الفراء: هو منصوب بإضمار فعل، ~~وروي مثله عن الكسائي، والأول أولى. قال الزجاج: والفاء في فاعبد للمجازاة. ~~وقال الأخفش: زائدة. قال عطاء ومقاتل: # معنى فاعبد وحد، لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده (وكن من الشاكرين) ~~لإنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد والدعاء إلى دينه واختصك به من ~~الرسالة (وما قدروا الله حق قدره) قال المبرد: أي ما عظموه حق عظمته، من ~~قولك فلان عظيم القدر، وإنما وصفهم بهذا لأنهم عبدوا غير الله وأمروا رسوله ~~بأن يكون مثلهم في الشرك. # وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمر قدروا بالتشديد (والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة) القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك، فأخبر سبحانه عن ~~عظيم قدرته بأن الأرض كلها مع عظمها وكثافتها في مقدوره كالشئ الذي يقبض ~~عليه القابض بكفه كما يقولون: هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون ~~عليه التصرف فيه وإن لم يقبض عليه، وكذا قوله (والسماوات مطويات بيمينه) ~~فإن ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة كما يطوي الواحد منا الشئ المقدور ~~له طيه بيمينه، واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك. قال ~~الأخفش: # بيمينه يقول في قدرته، نحو قوله - أو ما ملكت أيمانكم - أي ما كانت لكم ~~قدرة عليه، وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر الجسد، ومنه قوله سبحانه - ~~لأخذنا منه باليمين - أي بالقوة والقدرة، ومنه قول الشاعر: # إذا ما راية نصبت لمجد * تلقاها عرابة باليمين وقول الآخر: ولما رأيت ~~الشمس أشرق نورها * تناولت منها حاجتي بيمين وقول الآخر: عطست بأنف شامخ ~~وتناولت * يداي الثريا قاعدا غير قائم وجملة (والأرض جميعا قبضته) في محل ~~نصب على الحال: أي ما عظموه حق تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة ~~على كمال القدرة. قرأ الجمهور برفع " قبضته " على أنها خبر المبتدأ، وقرأ ~~الحسن بنصبها، ووجهه ابن خالويه بأنه على الظرفية: أي في قبضته. وقرأ ms3436 ~~الجمهور " مطويات " بالرفع على أنها خبر المبتدأ، والجملة في محل نصب على ~~الحال كالتي قبلها، وبيمينه متعلق بمطويات، أو حال من الضمير في مطويات أو ~~خبر ثان، وقرأ عيسى والجحدري بنصب " مطويات " ووجه ذلك أن السماوات معطوفة ~~على الأرض، وتكون قبضته خبرا عن الأرض والسماوات، وتكون مطويات حالا، أو ~~تكون مطويات منصوبة بفعل مقدر، وبيمينه الخبر، وخص يوم القيامة بالذكر وإن ~~كانت قدرته شاملة، لأن الدعاوي تنقطع فيه كما قال سبحانه - الملك يومئذ لله ~~- وقال - مالك يوم الدين - ثم نزه سبحانه نفسه فقال (سبحانه وتعالى عما ~~يشركون) به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة العظيمة ~~والحكمة الباهرة (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض) هذه هي ~~النفخة الأولى، والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدم غير مرة، ~~ومعنى صعق: زالت عقولهم فخروا مغشيا عليهم، وقيل ماتوا. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: مات من الفزع وشدة الصوت أهل السماوات والأرض. قرأ الجمهور " ~~الصور " بسكون الواو، وقرأ قتادة وزيد بن علي بفتحها جمع صورة، والاستثناء ~~في قوله (إلا من شاء الله) متصل، والمستثنى جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل ~~رضوان وحملة العرش وخزنة الجنة والنار (ثم نفخ فيه أخرى) يجوز أن يكون أخرى ~~في محل رفع على النيابة وهي صفة لمصدر محذوف: أي نفخة أخرى، ويجوز أن يكون ~~في محل نصب والقائم مقام الفاعل فيه (فإذا هم قيام ينظرون) يعنى الخلق كلهم ~~قيام على أرجلهم PageV04P475 # ينظرون ما يقال لهم أو ينتظرون ذلك. قرأ الجمهور " قيام " بالرفع على أنه ~~خبر، وينظرون في محل نصب على الحال وقرأ زيد بن علي بالنصب على أنه حال، ~~والخبر ينظرون، والعامل في الحال ما عمل في إذا الفجائية. قال الكسائي: # كما تقول خرجت فإذا زيد جالسا (وأشرقت الأرض بنور ربها) الإشراق الإضاءة، ~~يقال أشرقت الشمس: # إذا أضاءت، وشرقت: إذا طلعت، ومعنى بنور ربها: بعدل ربها، قاله الحسن ~~وغيره. وقال الضحاك: بحكم ربها، والمعنى: أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه ~~الله من العدل ms3437 بين أهلها، وما قضى به من الحق فيهم، فالعدل نور والظلم ~~ظلمات. وقيل إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير ~~نور الشمس والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي، فإن الله سبحانه ~~هو نور السماوات والأرض. قرأ الجمهور " أشرقت " مبنيا للفاعل، وقرأ ابن ~~عباس وأبو الجوزاء وعبيد بن عمير على البناء للمفعول " ووضع الكتاب " قيل ~~هو اللوح المحفوظ. وقال قتادة: يعني الكتب والصحف التي فيها أعمال بني آدم ~~فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وكذا قال مقاتل. وقيل هو من وضع المحاسب كتاب ~~المحاسبة بين يديه: أي وضع الكتاب للحساب (وجئ بالنبيين) أي جيء بهم إلى ~~الموقف فسئلوا عما أجابتهم به أممهم (والشهداء) الذين يشهدون على الأمم من ~~أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله - وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس - وقيل المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل ~~الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله. وقيل هم الحفظة كما قال ~~تعالى - وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد - (وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون) ~~أي وقضى بين العباد بالعدل والصدق، والحال أنهم لا يظلمون: أي لا ينقصون من ~~ثوابهم ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم (ووفيت كل نفس ما عملت) من خير ~~وشر (وهو أعلم بما يفعلون) في الدنيا لا يحتاج إلى كاتب ولا حاسب ولا شاهد، ~~وإنما وضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء لتكميل الحجة وقطع المعذرة. ثم ذكر ~~سبحانه تفصيل ما ذكره من توفية كل نفس ما كسبت فقال (وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا) أي سيق الكافرون إلى النار حال كونهم زمرا: أي جماعات متفرقة ~~بعضها يتلوا بعضا. قال أبو عبيدة والأخفش: زمرا جماعات متفرقة بعضها إثر ~~بعض، ومنه قول الشاعر: # وترى الناس إلى أبوابه * زمرا تنتابه بعد زمر واشتقاقه من الزمر، وهو ~~الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) أي فتحت ~~أبواب النار ليدخلوها، وهي سبعة أبواب، وقد مضى بيان ذلك في ms3438 سورة الحجر ~~(وقال لهم خزنتها) جمع خازن نحو سدنة وسادن (ألم يأتكم رسل منكم) أي من ~~أنفسكم (يتلون عليكم آيات ربكم) التي أنزلها عليهم (وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا) أي يخوفونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم فيه، قالوا لهم هذا القول ~~تقريعا وتوبيخا، فأجابوا بالاعتراف ولم يقدروا على الجدل الذي كانوا ~~يتعللون به في الدنيا لانكشاف الأمر وظهوره، ولهذا (قالوا بلى) أي قد أتتنا ~~الرسل بآيات الله وأنذرونا بما سنلقاه (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) ~~وهي - لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين - فلما اعترفوا هذا الاعتراف ~~(قيل ادخلوا أبواب جهنم) التي قد فتحت لكم لتدخلوها وانتصاب (خالدين) على ~~الحال: أي مقدرين الخلود (فبئس مثوى المتكبرين) المخصوص بالذم محذوف: # أي بئس مثواهم جهنم، وقد تقدم تحقيق المثوى في غير موضع. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(مقاليد السماوات والأرض) قال: # مفاتيحها. وأخرج أبو يعلى ويوسف القاضي في سننه وأبو الحسن القطان وابن ~~السني وابن المنذر وابن أبي حاتم PageV04P476 # وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن قول الله (له مقاليد السماوات والأرض) فقال لي: " يا عثمان لقد ~~سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، مقاليد السماوات والأرض: لا إله ~~إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وأستغفر الله الذي لا إله ~~إلا هو، الأول والآخر، والظاهر والباطن، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده ~~الخير وهو على كل شئ قدير، ثم ذكر فضل هذه الكلمات " وأخرجه ابن مردويه عن ~~ابن عباس عن عثمان قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: ~~أخبرني عن مقاليد السماوات والأرض، فذكره. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة وابن ~~مردويه عن أبي هريرة عن عثمان. # وأخرجه العقيلي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر عن عثمان. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس أن قريشا دعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يعطوه مالا فيكون ms3439 أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء ويطأون عقبه، ~~فقالوا له: هذا لك يا محمد وتكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء، قال: حتى ~~أنظر ما يأتيني من ربي، فجاء بالوحي - قل يا أيها الكافرون - إلى آخر ~~السورة، وأنزل الله عليه (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) إلى ~~قوله (من الخاسرين). وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: جاء ~~حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إنا ~~نجد أن الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع والشجر على أصبع والماء ~~والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول أنا الملك، فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة) وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي ~~السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ " وفي الباب أحاديث ~~وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف لتأويل ولا تعسف لقال وقيل. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رجل من اليهود بسوق ~~المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، ~~فقال: أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: " قال الله (ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون) فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ~~فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله ". وأخرج أبو يعلى ~~والدارقطني في الإفراد وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في ~~البعث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms3440 في قوله (إلا من شاء ~~الله) قال: " هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم ~~القيامة " الحديث. وأخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد من أقوال أبي هريرة. ~~وأخرج الفريابي وابن جرير وأبو نصر السجزي في الإبانة وابن مردويه عن أنس ~~أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله (إلا من شاء الله) ~~فقال: " جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل وحملة العرش ". وأخرج ابن ~~المنذر عن جابر في قوله (إلا من شاء الله) قال: موسى، لأنه كان صعق قبل. ~~والأحاديث الواردة في كيفية نفخ الصور كثيرة. وأخرج عبد ابن حميد عن ابن ~~عباس في قوله (وجئ بالنبيين والشهداء) قال: النبيين الرسل، والشهداء الذين ~~يشهدون لهم بالبلاغ ليس فيهم طعان ولا لعان. وأخرج ابن جرير وابن مردويه ~~عنه في الآية قال: يشهدون بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم. PageV04P477 # لما ذكر فيما تقدم حال الذين كفروا وسوقهم إلى جهنم، ذكر هنا حال المتقين ~~وسوقهم إلى الجنة فقال (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) أي ساقتهم ~~الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم. وقد سبق بيان معنى الزمر (حتى إذا ~~جاءوها وفتحت أبوابها) جواب إذا محذوف. قال المبرد تقديره: سعدوا وفتحت، ~~وأنشد قول الشاعر: # فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا فحذف جواب لو، ~~والتقدير: لكان أروح. وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير: # حتى إذا جاءوها، وكانت هذه الأشياء التي ذكرت دخلوها فالجواب دخولها وحذف ~~لأن في الكلام دليلا عليه. وقال الأخفش والكوفيون: الجواب فتحت والواو ~~زائدة، وهو خطأ عند البصريين، لأن الواو من حروف المعاني فلا تزاد. وقيل إن ~~زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله، ~~والتقدير: حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتحة بدليل قوله - جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب - وحذفت الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد ~~وقوفهم إذلالا وترويعا. ذكر معناه النحاس منسوبا إلى بعض أهل العلم، قال: ~~ولا أعلم أنه سبقه إليه أحد. ms3441 وعلى هذا القول تكون الواو واو الحال بتقدير ~~قد: أي جاءوها وقد فتحت لهم الأبواب. وقيل إنها واو الثمانية، وذلك أن من ~~عادة العرب أنهم كانوا يقولون في العدد: خمسة ستة سبعة وثمانية، وقد مضى ~~القول في هذا في سورة براءة مستوفى وفي سورة الكهف أيضا. ثم أخبر سبحانه أن ~~خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين فقال (وقال لهم خزنتها سلام عليكم) أي ~~سلامة لكم من كل آفة (طبتم) في الدنيا فلم تتدنسوا أبي بالشرك والمعاصي. ~~قال مجاهد: طبتم بطاعة الله، وقيل بالعمل الصالح، والمعنى واحد. قال مقاتل: ~~إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض ~~مظالم كانت بينهم حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه (سلام عليكم) ~~الآية (فادخلوها) أي ادخلوا الجنة (خالدين) أي مقدرين الخلود فعند ذلك قال ~~أهل الجنة (الحمد لله الذي صدقنا وعده) بالبعث والثواب بالجنة (وأورثنا ~~الأرض) أي أرض الجنة كأنها صارت من غيرهم إليهم فملكوها وتصرفوا فيها، وقيل ~~إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين. قاله أكثر ~~المفسرين. وقيل إنها أرض الدنيا، وفي الكلام تقديم وتأخير (نتبوأ من الجنة ~~حيث نشاء) أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء حيث نشاء (فنعم أجر العاملين) ~~المخصوص بالمدح محذوف: أي فنعم أجر العاملين الجنة، وهذا من تمام قول أهل ~~الجنة. وقيل هو من قول الله سبحانه (وترى الملائكة حافين من حول العرش) أي ~~محيطين محدقين به، يقال حف القوم بفلان إذا أطافوا به، و " من " مزيدة. ~~PageV04P478 # قاله الأخفش، أو للابتداء، والمعنى: أن الرائي يراهم بهذه الصفة في ذلك ~~اليوم وجملة (يسبحون بحمد ربهم) في محل نصب على الحال: أي حال كونهم مسبحين ~~لله ملتبسين بحمده، وقيل معنى يسبحون يصلون حول العرش شكرا لربهم، والحافين ~~جمع حاف، قاله الأخفش. وقال الفراء: لا واحد له إذ لا يقع لهم هذا الاسم ~~إلا مجتمعين (وقضى بينهم بالحق) أي بين العباد بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم ~~النار، وقيل بين النبيين الذين جيء بهم ms3442 مع الشهداء وبين أممهم بالحق، وقيل ~~بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم، والأول أولى (وقيل ~~الحمد لله رب العالمين) القائلون هم المؤمنون حمدوا الله على قضائه بينهم ~~وبين أهل النار بالحق، وقيل القائلون هم الملائكة حمدوا الله تعالى على ~~عدله في الحكم وقضائه بين عباده بالحق. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة ~~البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة ". وأخرجا ~~وغيرهما عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " في ~~الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى باب الريان لا يدخله إلا الصائمون " وقد ~~ورد في كون أبواب الجنة ثمانية أبواب أحاديث في الصحيحين وغيرهما. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله (وأورثنا الأرض) قال: أرض الجنة. # وأخرج هناد عن أبي العالية مثله. # تفسير سورة غافر وهي سورة المؤمن، وتسمى سورة الطول وهي مكية في قول ~~الحسن وعطاء وعكرمة وجابر. قال الحسن: إلا قوله (وسبح بحمد ربك) لأن ~~الصلوات نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين نزلتا بالمدينة، ~~وهما (إن الذين يجادلون في آيات الله) والتي بعدها، وهي خمس وثمانون آية، ~~وقيل اثنتان وثمانون آية. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت سورة حم ~~المؤمن بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: أنزلت الحواميم السبع بمكة. ~~وأخرج ابن مردويه والديلمي عن سمرة بن جندب قال: # نزلت الحواميم جميعا بمكة. وأخرج محمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن الله أعطاني السبع ~~الحواميم مكان التوراة، وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل وأعطاني ~~ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل ما ~~قرأهن نبي قبلي ". وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن ms3443 عباس قال: إن لكل شئ ~~لبابا، وإن لباب القرآن آل حم. وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن المنذر ~~والحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: الحواميم ديباج القرآن. وأخرج ~~أبو عبيد ومحمد بن نصر وابن المنذر عنه قال: إذا وقعت في آل حم وقعت في ~~روضات دمثات أتأنق فيهن. وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي عن أنس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الحواميم ديباج القرآن ". # وأخرج البيهقي في الشعب عن خليل بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " الحواميم سبع، وأبواب النار سبع، تجيء كل حم منها تقف على باب ~~من هذه الأبواب تقول: اللهم لا تدخل من هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني ~~". وأخرج أبو عبيد وابن سعد ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ~~أبي هريرة قال: PageV04P479 # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ حم المؤمن إلى إليه ~~المصير وآية الكرسي حين يصبح، حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي، حفظ ~~بهما حتى يصبح ". # قوله (حم) قرأ الجمهور بفتح الحاء مشبعا، وقرأ حمزة والكسائي بإمالته ~~إمالة محضة. وقرأ أبو عمرو بإمالته بين بين، وقرأ الجمهور حم بسكون الميم ~~كسائر الحروف المقطعة. وقرأ الزهري بضمها على أنها خبر مبتدأ مضمر أو مبتدأ ~~والخبر ما بعده. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بفتحها على أنها منصوبة بفعل مقدر ~~أو على أنها حركة بناء لا حركة إعراب. وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو السماك ~~بكسرها لالتقاء الساكنين، أو بتقدير القسم. وقرأ الجمهور بوصل الحاء ~~بالميم. وقرأ أبو جعفر بقطعها. # وقد اختلف في معناه، فقيل هو اسم من أسماء الله، وقيل اسم من أسماء ~~القرآن. وقال الضحاك والكسائي: # معناه قضى، وجعلاه بمعنى حم: أي قضى ووقع، وقيل معناه حم أمر الله: أي ~~قرب نصره لأوليائه وانتقامه من أعدائه. وهذا كله تكلف لا موجب له وتعسف لا ~~ملجئ إليه، والحق أن هذه الفاتحة لهذه السورة وأمثالها من المتشابه الذي ms3444 ~~استأثر الله بعلم معناه كما قدمنا تحقيقه في فاتحة سورة البقرة (تنزيل ~~الكتاب) هو خبر لحم على تقدير أنه مبتدأ، أو خبر لمبتدأ مضمر، أو هو مبتدأ ~~وخبره (من الله العزيز العليم) قال الرازي: المراد بتنزيل المنزل، والمعنى: ~~أن القرآن منزل من عند الله ليس بكذب عليه. والعزيز الغالب القاهر، ~~والعليم: الكثير العلم بخلقه وما يقولونه ويفعلونه (غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب) قال الفراء: جعلها كالنعت للمعرفة، وهي PageV04P480 # نكرة، ووجه قوله هذا أن إضافتها لفظية، ولكنه يجوز أن تجعل إضافتها ~~معنوية كما قال سيبويه أن كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة وتوصف ~~به المعارف إلا الصفة المشبهة. وأما الكوفيون فلم يستثنوا شيئا بل جعلوا ~~الصفة المشبهة كاسم الفاعل في جواز جعلها إضافة محضة، وذلك حيث لا يراد بها ~~زمان مخصوص، فيجوزون في شديد هنا أن تكون إضافته محضة. وعلى قول سيبويه لا ~~بد من تأويله بمشدد. وقال الزجاج: إن هذه الصفات الثلاث مخفوضة على البدل. ~~وروي عنه أنه جعل غافر وقابل مخفوضين على الوصف وشديد مخفوض على البدل ~~والمعنى: غافر الذنب لأوليائه وقابل توبتهم وشديد العقاب لأعدائه، والتوب ~~مصدر بمعنى التوبة من تاب يتوب توبة وتوبا، وقيل هو جمع توبة، وقيل غافر ~~الذنب لمن قال لا إله إلا الله، وقابل التوب من الشرك، وشديد العقاب لمن لا ~~يوحده، وقوله (ذي الطول) يجوز أن يكون صفة، لأنه معرفة وأن يكون بدلا، وأصل ~~الطول الإنعام والتفضل: أي ذي الإنعام على عباده والتفضل عليهم. وقال ~~مجاهد: ذي الغنى والسعة. ومنه قوله - ومن لم يستطع منكم طولا - أي غنى ~~وسعة، وقال عكرمة: ذي الطول ذي المن. قال الجوهري: والطول بالفتح المن يقال ~~منه طال عليه ويطول عليه إذا أمتن عليه. وقال محمد بن كعب: ذي الطول ذي ~~التفضل. قال الماوردي: # والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحق. ~~ثم ذكر ما يدل على توحيده وأنه الحقيق بالعبادة فقال (لا إله إلا هو إليه ~~المصير) لا ms3445 إلى غيره، وذلك في اليوم الآخر. ثم لما ذكر أن القرآن كتاب الله ~~أنزله ليهتدى به في الدين ذكر أحوال من يجادل فيه لقصد إبطاله فقال (ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) أي ما يخاصم في دفع آيات الله ~~وتكذيبها إلا الذين كفروا، والمراد الجدال بالباطل والقصد إلى دحض الحق كما ~~في قوله - وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق - فأما الجدال لاستيضاح الحق ~~ورفع اللبس والبحث عن الراجح والمرجوح وعن المحكم والمتشابه ودفع ما يتعلق ~~به المبطلون من متشابهات القرآن، وردهم بالجدال إلى المحكم فهو من أعظم ما ~~يتقرب المتقربون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب فقال - ~~وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه - وقال - ~~إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون - وقال - ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن - (فلا يغررك تقلبهم في البلاد) لما حكم سبحانه ~~على المجادلين في آيات الله بالكفر، نهى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~أن يغتر بشئ من حظوظهم الدنيوية فقال: فلا يغررك ما يفعلونه من التجارة في ~~البلاد وما يحصلونه من الأرباح ويجمعونه من الأموال فإنهم معاقبون عما قليل ~~وإن أمهلوا فإنهم لا يهملون. قال الزجاج: لا يغررك سلامتهم بعد كفرهم، فإن ~~عاقبتهم الهلاك. قرأ الجمهور " لا يغررك " بفك الإدغام. وقرأ زيد ابن علي ~~وعبيد بن عمير بالإدغام. ثم بين حال من كان قبلهم، وأن هؤلاء سلكوا سبيل ~~أولئك في التكذيب فقال (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم) الضمير في ~~من بعدهم يرجع إلى قوم نوح: أي وكذبت الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل من ~~بعد قوم نوح كعاد وثمود (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) أي همت كل أمة من ~~تلك الأمم المكذبة برسولهم الذي أرسل إليهم ليأخذوه ليتمكنوا منه فيحبسوه ~~ويعذبوه ويصيبوا منه ما أرادوا. وقال قتادة والسدي: ليقتلوه، والأخذ قد يرد ~~بمعنى الإهلاك، كقوله - فأخذتهم فكيف كان نكير ms3446 - والعرب تسمي الأسير الأخيذ ~~(وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) أي خاصموا رسولهم بالباطل من القول ~~ليدحضوا به الحق ليزيلوه، ومنه مكان دحض: أي مزلقة ومزلة أقدام، والباطل ~~داحض لأنه يزلق ويزول فلا يستقر. قال يحيى ابن سلام: جادلوا الأنبياء ~~بالشرك ليبطلوا به الإيمان (فأخذتهم فكيف كان عقاب) أي فأخذت هؤلاء ~~المجادلين PageV04P481 # بالباطل، فكيف كان عقابي الذي عاقبتهم به، وحذف ياء المتكلم من عقاب ~~اجتراء بالكسرة عنها وصلا ووقفا لأنها رأس آية (وكذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا) أي وجبت وثبتت ولزمت، يقال حق الشئ إذا لزم وثبت، والمعنى: ~~وكما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة لرسلهم حقت على الذين كفروا به ~~وجادلوك بالباطل وتحزبوا عليك، وجملة (أنهم أصحاب النار) للتعليل: أي لأجل ~~أنهم مستحقون للنار. قال الأخفش: أي لأنهم، أو بأنهم. ويجوز أن تكون في محل ~~رفع بدلا من كلمة. قرأ الجمهور " كلمة " بالتوحيد، وقرأ نافع وابن عامر " ~~كلمات " بالجمع. ثم ذكر أحوال حملة العرش ومن حوله فقال (الذين يحملون ~~العرش ومن حوله) والموصول مبتدأ، وخبره يسبحون بحمد ربهم، والجملة مستأنفة ~~مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان أن هذا الجنس من ~~الملائكة الذين هم أعلى طبقاتهم يضمون إلى تسبيحهم لله والإيمان به ~~الاستغفار للذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا، والمراد بمن حول العرش: هم ~~الملائكة الذين يطوفون به مهللين مكبرين، وهو في محل رفع عطفا على الذين ~~يحملون العرش، وهذا هو الظاهر. وقيل يجوز أن تكون في محل نصب عطفا على ~~العرش، والأول أولى. والمعنى: أن الملائكة الذين يحملون العرش، وكذلك ~~الملائكة الذين هم حول العرش ينزهون الله ملتبسين بحمده على نعمه ويؤمنون ~~بالله ويستغفرون الله لعباده المؤمنين به. ثم بين سبحانه كيفية استغفارهم ~~للمؤمنين فقال حاكيا عنهم (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما) وهو بتقدير القول: ~~أي يقولون ربنا، أو قائلين: # ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما انتصاب رحمة وعلما على التمييز المحول عن ~~الفاعل، الفاعل، والأصل وسعت رحمتك وعلمك كل شئ (فاغفر للذين تابوا ms3447 واتبعوا ~~سبيلك) أي أوقعوا التوبة عن الذنوب واتبعوا سبيل الله، وهو دين الإسلام ~~(وقهم عذاب الجحيم) أي احفظهم منه (ربنا وأدخلهم جنات عدن) " وأدخلهم " ~~معطوف على قوله " قهم " ووسط الجملة الندائية لقصد المبالغة بالتكرير، ووصف ~~جنات عدن بأنها (التي وعدتهم) إياها (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) ~~أي وأدخل من صلح، والمراد بالصلاح ها هنا: الإيمان بالله والعمل بما شرعه ~~الله، فمن فعل ذلك فقد صلح لدخول الجنة، ويجوز عطف ومن صلح على الضمير في ~~وعدتهم: أي ووعدت من صلح، والأولى عطفه على الضمير الأول في وأدخلهم. قال ~~الفراء والزجاج: نصبه من مكانين إن شئت على الضمير في أدخلهم، وإن شئت على ~~الضمير في وعدتهم. قرأ الجمهور بفتح اللام من صلح. وقرأ ابن أبي عبلة ~~بضمها. وقرأ الجمهور " وذرياتهم " على الجمع. وقرأ عيسى بن عمر على الإفراد ~~(إنك أنت العزيز الحكيم) أي الغالب القاهر الكثير الحكمة الباهرة (وقهم ~~السيئات) أي العقوبات، أو جزاء السيئات على تقدير مضاف محذوف. قال قتادة: ~~وقهم ما يسوؤهم من العذاب (ومن تق السيئات يومئذ) أي يوم القيامة (فقد ~~رحمته) يقال وقاه يقيه وقاية: أي حفظه، ومعنى (فقد رحمته) أي رحمته من ~~عذابك وأدخلته جنتك، والإشارة بقوله (وذلك) إلى ما تقدم من إدخالهم الجنات، ~~ووقايتهم السيئات وهو مبتدأ، وخبره (هو الفوز العظيم) أي الظفر الذي لا ظفر ~~مثله، والنجاة التي لا تساويها نجاة. # وقد أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال (حم) اسم من أسماء الله. وأخرج عبد ~~الرزاق في المصنف وأبو عبيد وابن سعد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي ~~والحاكم وصححه وابن مردويه عن المهلب بن أبي صفرة قال: # حدثني من سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ليلة الخندق " إن أتيتم ~~الليلة فقولوا حم لا ينصرون ". وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وابن ~~مردويه عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إنكم ~~تلقون عدوكم فليكن شعاركم حم لا ينصرون ". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي ms3448 في الأسماء والصفات PageV04P482 # عن ابن عباس في قوله (ذي الطول) قال: ذي السعة والغنى. وأخرج الطبراني في ~~الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر في قوله (غافر الذنب) الآية قال: غافر الذنب ~~لمن يقول لا إله إلا الله (قابل التوب) ممن يقول لا إله إلا الله (شديد ~~العقاب) لمن لا يقول لا إله إلا الله (ذي الطول) ذي الغنى (لا إله إلا هو) ~~كانت كفار قريش لا يوحدونه فوحد نفسه (إليه المصير) مصير من يقول لا إله ~~إلا الله فيدخله الجنة، ومصير من لا يقول لا إله إلا الله فيدخله النار. ~~وأخرج عبد عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن جدالا ~~في القرآن كفر ". وأخرج عبد بن حميد بن حميد وأبو داود عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " مراء في القرآن كفر ". # لما ذكر سبحانه حال أصحاب النار، وأنها حقت عليهم كلمة العذاب، وأنهم ~~أصحاب النار ذكر أحوالهم بعد دخول النار فقال (إن الذين كفروا ينادون). قال ~~الواحدي: قال المفسرون: إنهم لما رأوا أعمالهم ونظروا في كتابهم وأدخلوا ~~النار ومقتوا أنفسهم بسوء صنيعهم ناداهم حين عاينوا عذاب الله مناد (لمقت ~~الله) إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (أكبر من مقتكم ~~أنفسكم) اليوم. قال الأخفش: هذه اللام في لمقت هي لام الابتداء أوقعت بعد ~~ينادون، لأن معناه يقال لهم، والنداء قول. قال الكلبي: يقول كل إنسان لنفسه ~~من أهل النار: مقتك يا نفس، فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله ~~إياكم في الدنيا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. # وقال الحسن: يعطون كتابهم، فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم، ~~فينادون: لمقت الله إياكم في الدنيا PageV04P483 # (إذ تدعون إلى الإيمان) أكبر من مقتكم أنفسكم إذ عاينتم النار، والظرف في ~~(إذ تدعون) منصوب بمقدر محذوف دل عليه المذكور: أي مقتكم وقت دعائكم، وقيل ~~بمحذوف هو اذكروا، وقيل بالمقت المذكور والمقت أشد البغض: ثم أخبر سبحانه ~~عما يقولون في النار فقال (قالوا ربنا أمتنا ms3449 اثنتين وأحييتنا اثنتين) ~~اثنتين في الموضعين نعتان لمصدر محذوف: أي أمتنا إماتتين اثنتين، وأحييتنا ~~احيائتين اثنتين والمراد بالإماتتين: أنهم كانوا نطفا لا حياة لهم في أصلاب ~~آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا، والمراد بالإحيائتين: أنه ~~أحياهم الحياة الأولى في الدنيا، ثم أحياهم عند البعث، ومثل هذه الآية قوله ~~- وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم - وقيل معنى الآية: أنهم ~~أميتوا في الدنيا عند انقضاء آجالهم ثم أحياهم الله في قبورهم للسؤال، ثم ~~أميتوا ثم أحياهم الله في الآخرة ووجه هذا القول أن الموت سلب الحياة ولا ~~حياة للنطفة. ووجه القول الأول أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، ~~وقد ذهب إلى تفسير الأول جمهور السلف. وقال ابن زيد: المراد بالآية أنه ~~خلقهم في ظهر آدم واستخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق ثم أماتهم ثم ~~أحياهم في الدنيا ثم أماتهم. ثم ذكر سبحانه اعترافهم بعد أن صاروا في النار ~~بما كذبوا به في الدنيا فقال حاكيا عنهم (فاعترفنا بذنوبنا) التي أسلفناها ~~في الدنيا من تكذيب الرسل والإشراك بالله وترك توحيده، فاعترفوا حيث لا ~~ينفعهم الاعتراف، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، وقد جعلوا اعترافهم هذا ~~مقدمة لقولهم (فهل إلى خروج من سبيل) أي هل إلى خروج لنا من النار ورجوع ~~لنا إلى الدنيا من سبيل، ومثل هذا قولهم الذي حكاه الله عنهم - فهل إلى مرد ~~من سبيل - وقوله - فارجعنا نعمل صالحا - وقوله - يا ليتنا نرد - الآية. ثم ~~أجاب الله سبحانه عن قولهم هذا بقوله (ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم) ~~أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعى الله في الدنيا وحده دون ~~غيره كفرتم به وتركتم توحيده (وإن يشرك به) غيره من الأصنام أو غيرها ~~(تؤمنوا) بالإشراك به وتجيبوا الداعي إليه، فبين سبحانه لهم السبب الباعث ~~على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله ~~وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء، ومحل ذلكم الرفع على ms3450 أنه خبر ~~مبتدأ محذوف: أي الأمر ذلكم أو مبتدأ خبره محذوف: أي ذلكم العذاب الذي أنتم ~~فيه بذلك السبب، وفي الكلام حذف، والتقدير: فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد، ~~وذلك لأنكم كنتم إذا دعى الله الخ (فالحكم لله) وحده دون غيره، وهو الذي ~~حكم عليكم بالخلود في النار وعدم الخروج منها و (العلي) المتعالي عن أن ~~يكون له مماثل في ذاته ولا صفاته، و (الكبير) الذي كبر عن أن يكون له مثل ~~أو صاحبة أو ولد أو شريك (هو الذي يريكم آياته) أي دلائل توحيده وعلامات ~~قدرته (وينزل لكم من السماء رزقا) يعني المطر فإنه سبب الأرزاق. جمع سبحانه ~~بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق، لأن باظهار الآيات قوام الأديان، ~~وبالأرزاق في قوام الأبدان، وهذه الآيات هي التكوينية التي جعلها الله ~~سبحانه في سماواته وأرضه وما فيهما وما بينهما. وقرأ الجمهور " ينزل " ~~بالتشديد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف (وما يتذكر إلا من ينيب) أي ما ~~يتذكر ويتعظ بتلك الآيات الباهرة فيستدل بها على التوحيد وصدق الوعد ~~والوعيد إلا من ينيب: أي يرجع إلى طاعة الله بما يستفيده من النظر في آيات ~~الله. ثم لما ذكر سبحانه ما نصبه من الأدلة على التوحيد أمر عباده بدعائه ~~وإخلاص الدين له فقال (فادعوا الله مخلصين له الدين) أي إذا كان الأمر كما ~~ذكر من ذلك فادعوا الله وحده مخلصين له العبادة التي أمركم بها (ولو كره ~~الكافرون) ذلك، فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا بغيظهم ويهلكوا ~~بحسرتهم (رفيع الدرجات) وارتفاع رفيع الدرجات على أنه خبر آخر عن المبتدأ ~~المتقدم: أي هو الذي يريكم آياته، وهو رفيع الدرجات، وكذلك (ذو العرش) خبر ~~ثالث، ويجوز أن يكون رفيع الدرجات مبتدأ، وخبره PageV04P484 # " ذو العرش " ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف، ورفيع صفة مشبهة. ~~والمعنى: رفيع الصفات، أو رفيع درجات ملائكته: أي معارجهم، أو رفيع درجات ~~أنبيائه وأوليائه في الجنة. وقال الكلبي وسعيد بن جبير: # رفيع السماوات السبع، وعلى هذا الوجه يكون رفيع بمعنى رافع، ومعنى ذو ms3451 ~~العرش: مالكه وخالقه والمتصرف فيه، وذلك يقتضي علو شأنه وعظم سلطانه، ومن ~~كان كذلك فهو الذي يحق له العبادة ويجب له الإخلاص، وجملة (يلقي الروح من ~~أمره) في محل رفع على أنها خبر آخر للمبتدأ المتقدم أو للمقدر، ومعنى ذلك ~~أنه سبحانه يلقي الوحي (على من يشاء من عباده)، وسمى الوحي روحا، لأن الناس ~~يحيون به من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح وقوله (من أمره) متعلق ~~بيلقى، و " من " لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال ~~من الروح، ومثل هذه الآية قوله تعالى - وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا - ~~وقيل الروح جبريل كما في قوله - نزل به الروح الأمين على قلبك - وقوله - ~~نزله روح القدس من ربك بالحق - وقوله " على من يشاء من عباده " هم ~~الأنبياء، ومعنى (من أمره) من قضائه (لينذر يوم التلاق) قرأ الجمهور " ~~لينذر " مبنيا للفاعل ونصب اليوم، والفاعل هو الله سبحانه أو الرسول أو من ~~يشاء، والمنذر به محذوف تقديره: لينذر العذاب يوم التلاق. وقرأ أبي وجماعة ~~كذلك إلا أنه رفع اليوم على الفاعلية مجازا. وقرأ ابن عباس والحسن وابن ~~السميفع " لتنذر " بالفوقية على أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول، أو ~~ضمير يرجع إلى الروح لأنه يجوز تأنيثها. وقرأ اليماني " لينذر " على البناء ~~للمفعول، ورفع يوم على النيابة، ومعنى (يوم التلاق) يوم يلتقي أهل السماوات ~~والأرض في المحشر، وبه قال قتادة. وقال أبو العالية ومقاتل: يوم يلتقي ~~العابدون والمعبودون، وقيل الظالم والمظلوم، وقيل الأولون والآخرون، وقيل ~~جزاء الأعمال والعاملون، وقوله (يوم هم بارزون) بدل من يوم التلاق. وقال ~~ابن عطية: # هو منتصب بقوله (لا يخفى على الله) وقيل منتصب بإضمار أذكر، والأول أولى، ~~ومعنى بارزون: خارجون من قبورهم لا يسترهم شئ، وجملة (لا يخفى على الله ~~منهم شئ) مستأنفة مبينة لبروزهم ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ~~ضمير بارزون، ويجوز أن تكون خبرا ثانيا للمبتدأ: أي لا يخفى عليه سبحانه شئ ~~منهم ولا من أعمالهم التي عملوها في الدنيا، ms3452 وجملة (لمن الملك اليوم) ~~مستأنفة جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا يقال عند بروز الخلائق في ذلك ~~اليوم؟ فقيل: يقال لمن الملك اليوم؟ قال المفسرون: إذا هلك كل من في ~~السماوات والأرض، فيقول الرب تبارك وتعالى (لمن الملك اليوم) يعني يوم ~~القيامة فلا يجيبه أحد فيجيب تعالى نفسه، فيقول (لله الواحد القهار) قال ~~الحسن: هو السائل تعالى، وهو المجيب حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه، وقيل إنه ~~سبحانه يأمر مناديا ينادي بذلك، فيقول أهل المحشر مؤمنهم وكافرهم (لله ~~الواحد القهار) وقيل إنه يجيب المنادي بهذا الجواب أهل الجنة دون أهل ~~النار، وقيل هو حكاية لما ينطق به لسان الحال في ذلك اليوم لانقطاع دعاوي ~~المبطلين، كما في قوله تعالى - وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله - وقوله (اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب) من تمام الجواب على القول ~~بأن المجيب هو الله سبحانه، وأما على القول بأن المجيب هم العباد كلهم أو ~~بعضهم فهو مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه بعد جوابهم: أي اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت من خير وشر لا ظلم اليوم على أحد منهم بنقص من ثوابه أو ~~بزيادة في عقابه (إن الله سريع الحساب) أي سريع حسابه لأنه سبحانه لا يحتاج ~~إلى تفكر في ذلك كما يحتاجه غيره لإحاطة علمه بكل شئ فلا يعزب عنه مثقال ~~ذرة. ثم أمر الله سبحانه رسوله بإنذار عباده فقال (وأنذرهم يوم الآزفة) أي ~~يوم القيامة سميت بذلك لقربها، يقال أزف فلان: أي قرب يأزف أزفا، ومنه قول ~~النابغة: PageV04P485 # أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل بركابنا وكأن قد ومنه قوله تعالى - ~~أزفة الآزفة - أي قربت الساعة، وقيل إن يوم الآزفة هو يوم حضور الموت، ~~والأول أولى. قال الزجاج: وقيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس ~~أمرها، وما هو كائن فهو قريب (إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين) وذلك ms3453 أنها ~~تزول عن مواضعها من الخوف حتى تصير إلى الحنجرة كقوله - وبلغت القلوب ~~الحناجر - (كاظمين) مغمومين مكروبين ممتلئين غما. قال الزجاج: المعنى إذ ~~قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم. قال قتادة: وقعت قلوبهم في الحناجر ~~من المخافة، فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها. وقيل هو إخبار عن نهاية ~~الجزع، وإنما قال كاظمين باعتبار أهل القلوب، لأن المعنى: إذ قلوب الناس ~~لدى حناجرهم، فيكون حالا منهم. وقيل حالا من القلوب، وجمع الحال منها جمع ~~العقلاء لأنه أسند إليها ما يسند إلى العقلاء، فجمعت جمعه. ثم بين سبحانه ~~أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد فقال (ما للظالمين من حميم) أي قريب ~~ينفعهم (ولا شفيع يطاع) في شفاعته لهم، ومحل يطاع الجر على أنه صفة لشفيع. ~~ثم وصف سبحانه شمول علمه لكل شئ وإن كان في غاية الخفاء فقال (يعلم خائنة ~~الأعين) وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، والجملة خبر آخر لقوله ~~(هو الذي يريكم) قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير: أي يعلم الأعين الخائنة. ~~وقال قتادة: خائنة الأعين: الهمز بالعين فيما لا يحب الله. وقال الضحاك: هو ~~قول الإنسان ما رأيت وقد رأى، ورأيت وما رأى. وقال سفيان: # هي النظرة بعد النظرة. والأول أولى، وبه قال مجاهد (وما تخفي الصدور) من ~~الضمائر وتسره من معاصي الله (والله يقضي بالحق) فيجازي كل أحد بما يستحقه ~~من خير وشر (والذين تدعون من دونه) أي تعبدونهم من دون الله (لا يقضون بشئ) ~~لأنهم لا يعلمون شيئا ولا يقدرون على شئ. قرأ الجمهور " يدعون " بالتحتية ~~يعني الظالمين، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ نافع وشيبة ~~وهشام بالفوقية على الخطاب لهم (إن الله هو السميع البصير) فلا يخفى عليه ~~من المسموعات والمبصرات خافية. # وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله (أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) قال: ~~هي مثل التي في البقرة - كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ms3454 يحييكم - كانوا ~~أمواتا في صلب آبائهم ثم أخرجهم فأحياهم ثم أماتهم ثم يحييهم بعد الموت. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: كنتم ~~ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم ~~فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة، فهما ~~موتتان وحياتان كقوله - كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم - الآية. ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (يوم التلاق) قال: # يوم القيامة يلتقي فيه آدم وآخر ولده. وأخرج عنه أيضا قال: (يوم التلاق) ~~يوم الأزفة، ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده. وأخرج ~~عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في ~~الحلية عنه أيضا قال: ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم ~~الساعة، فيسمعها الأحياء والأموات، وينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول ~~(لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث ~~والديلمي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله. وأخرج عبد بن ~~حميد عن ابن مسعود قال " يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض ~~بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأول ما يتكلم أن ينادي مناد - ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم ~~اليوم إن الله سريع الحساب - فأول ما يبدأ به من الخصومات الدماء ". وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~PageV04P486 # قوله (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) قال: الرجل يكون في القوم فتمر ~~بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، وإذا غفلوا لحظ إليها، وإذا نظروا غض ~~بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أن ينظر إلى عورتها. # وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في ~~الشعب عنه في الآية قال: إذا نظر إليها يريد ms3455 الخيانة أم لا (وما تخفي ~~الصدور) قال: إذا قدر عليها أيزني بها أم لا؟ ألا أخبركم بالتي تليها ~~(والله يقضي بالحق) قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة. ~~وأخرج أبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد قال: " لما كان يوم فتح مكة ~~أمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: ~~اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح، فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الناس إلى البيعة جاء به، فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع ~~رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى بيعته، ثم بايعه، ثم أقبل على أصحابه ~~فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته ~~فيقتله؟ فقالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك؟ ~~فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين ". PageV04P487 # لما خوفهم سبحانه بأحوال الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال ~~(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم) أرشدهم ~~سبحانه إلى الاعتبار بغيرهم، فإن الذين مضوا من الكفار (كانوا هم أشد منهم ~~قوة) من هؤلاء الحاضرين من الكفار وأقوى (وآثارا في الأرض) بما عمروا فيها ~~من الحصون والقصور وبما لهم من العدد والعدة، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم ~~الله، وقوله - فينظروا - إما مجزوم بالعطف على يسيروا، أو منصوب بجواب ~~الاستفهام، وقوله (كانوا أشد منهم قوة) بيان للتفاوت بين حال هؤلاء وأولئك، ~~وقوله (وآثارا) عطف على قوة. قرأ الجمهور " أشد منهم " وقرأ ابن عامر " أشد ~~منكم " على الالتفات (فأخذهم الله بذنوبهم) أي بسبب ذنوبهم (وما كان لهم من ~~الله من واق) أي من دافع يدفع عنهم العذاب، وقد مر تفسير هذه الآية في ~~مواضع، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من الأخذ (بأنهم كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحة (فكفروا) بما جاءوهم به (فأخذهم الله ~~إنه ms3456 قوي) يفعل كل ما يريده لا يعجزه شئ (شديد العقاب) لمن عصاه ولم يرجع ~~إليه، ثم ذكر سبحانه قصة موسى وفرعون ليعتبروا فقال (ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا) هي التسع الآيات التي قد تقدم ذكرها في غير موضع (وسلطان مبين) أي ~~حجة بينة واضحة، وهي التوراة (إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا) إنه (ساحر ~~كذاب) أي فيما جاء به، وخصهم بالذكر لأنهم رؤساء المكذبين بموسى، ففرعون ~~الملك، وهامان الوزير، وقارون صاحب الأموال والكنوز (فلما جاءهم بالحق من ~~عندنا) وهي معجزاته الظاهرة الواضحة (قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ~~واستحيوا نساءهم) قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول، لأن فرعون قد كان ~~أمسك عن قتل الولدان وقت ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على ~~بني إسرائيل، فكان يأمر بقتل الذكور وترك النساء، ومثل هذا قول فرعون - ~~سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم - (وما كيد الكافرين إلا في ضلال) أي في ~~خسران ووبال، لأنه يذهب باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل (وقال فرعون ~~ذروني أقتل موسى) إنما قال هذا لأنه كان في خاصة قومه يمنعه من قتل موسى ~~مخافة أن ينزل بهم العذاب، والمعنى: اتركوني أقتله (وليدع ربه) الذي يزعم ~~أنه أرسله إلينا فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك: أي لا يهولنكم ذلك فإنه ~~لا رب له حقيقة، بل أنا ربكم الأعلى، ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن ~~يقتله فقال (إني أخاف أن يبدل دينكم) الذي أنتم عليه من عبادة غير الله ~~ويدخلهم في دينه الذي هو عبادة الله وحده (أو أن يظهر في الأرض الفساد) أي ~~يوقع بين الناس الخلاف والفتنة، جعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى وانتشاره ~~في الأرض واهتداء الناس به فسادا، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ومن ~~تابعه. # قرأ الكوفيون ويعقوب " أو أن يظهر " بأو التي للإبهام، والمعنى: أنه لا ~~بد من وقوع أحد الأمرين. وقرأ الباقون " وأن يظهر " بدون ألف على معنى وقوع ~~الأمرين جميعا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح ms3457 الياء من " إني أخاف " ~~وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص يظهر بضم الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير ~~موسى، والفساد نصبا على أنه مفعول به، وقرأ الباقون بفتح الياء والهاء، ~~ورفع الفساد على الفاعلية (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " عذت " بإدغام الذال، وقرأ ~~الباقون بالإظهار، لما هدده فرعون بالقتل استعاذ بالله عز وجل من كل متعظم ~~عن الإيمان بالله غير مؤمن بالبعث والنشور، ويدخل فرعون في هذا العموم ~~دخولا أوليا (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) قال الحسن ومقاتل ~~والسدي: كان قبطيا وهو ابن عم فرعون، وهو الذي نجا مع موسى، وهو المراد ~~بقوله - وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى - الآية، وقيل كان من ~~بني إسرائيل ولم يكن من آل فرعون وهو خلاف ما في PageV04P488 # الآية، وقد تمحل لذلك بأن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: وقال رجل ~~مؤمن من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون. قال القشيري: ومن جعله ~~إسرائيليا ففيه بعد، لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه كما قال ~~سبحانه - ولا يكتمون الله حديثا - وأيضا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل ~~مثل هذا القول. # وقد اختلف في اسم هذا الرجل، فقيل حبيب، وقيل حزقيل، وقيل غير ذلك، قرأ ~~الجمهور " رجل " بضم الجيم، وقرأ لأعمش وعبد الوارث بسكونها، وهي لغة تميم ~~ونجد، والأولى هي الفصيحة، وقرئ بكسر الجيم " ومؤمن " صفة لرجل، " ومن آل ~~فرعون " صفة أخرى، " ويكتم إيمانه " صفة ثالثة، والاستفهام في (أتقتلون ~~رجلا) للإنكار، و (أن يقول ربي الله) في موضع نصب بنزع الخافض: أي لأن يقول ~~أو كراهة أن يقول، وجملة (وقد جاءكم بالبينات من ربكم) في محل نصب على ~~الحال: أي والحال أنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحات والدلالات الظاهرات على ~~نبوته وصحة رسالته، ثم تلطف لهم في الدفع عنه فقال (وإن يك كاذبا فعليه ~~كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) ولم يكن ms3458 قوله هذا لشك منه، فإنه ~~كان مؤمنا كما وصفه الله، ولا يشك المؤمن، ومعنى (يصبكم بعض الذي يعدكم) ~~أنه إذا لم يصبكم كله فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وحذفت النون من يكن في ~~الموضعين تخفيفا لكثرة الاستعمال: كما قال سيبويه، وقال أو عبيدة وأبو ~~الهيثم: بعض هنا بمعنى كل: أي يصيبكم كل الذي يعدكم، وأنشد أبو عبيدة على ~~هذا أقول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها أي كل النفوس، وقد ~~اعترض عليه، وأجيب بأن البعض قد يستعمل في لغة العرب بمعنى الكل كما في قول ~~الشاعر: قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل وقول ~~الآخر: إن الأمور إذا الأحداث دبرها * دون الشيوخ ترى في بعضها خللا وليس ~~في البيتين ما يدل على ما زعموه، وأما بيت لبيد فقيل إنه أراد ببعض النفوس ~~نفسه، ولا ضرورة تلجئ إلى حمل ما في الآية على ذلك، لأنه أراد التنزل معهم ~~وإيهامهم أنه لا يعتقد صحة نبوته كما يفيده قوله (يكتم إيمانه) قال أهل ~~المعاني: وهذا على المظاهرة في الحجاج، كأنه قال لهم: أقل ما يكون في صدقه ~~أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم، فكأن الحاصل بالبعض هو ~~الحاصل بالكل: وقال الليث: بعض ها هنا صلة يريد يصبكم الذي يعدكم، وقيل ~~يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا وهو بعض ما يتوعدكم به من العذاب، ~~وقيل إنه وعدهم بالثواب والعقاب، فإذا كفروا أصابهم العقاب، وهو بعض ما ~~وعدهم به (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) هذا من تمام كلام الرجل ~~المؤمن، وهو احتجاج آخر ذو وجهين: أحدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه ~~الله إلى البينات ولا أيده بالمعجزات، وثانيهما أنه إذا كان كذلك خذله الله ~~وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله، والمسرف المقيم على المعاصي المستكثر منها، ~~والكذاب المفتري (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض) ذكرهم ذك الرجل ~~المؤمن ما هم فيه من الملك ليشكروا الله ms3459 ولا يتمادوا في كفرهم، ومعنى ~~ظاهرين: # الظهور على الناس والغلبة لهم والاستعلاء عليهم، والأرض أرض مصر، وانتصاب ~~ظاهرين على الحال (فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) أي من يمنعنا من عذابه ~~ويحول بيننا وبينه عند مجيئه، وفي هذا تحذير منه لهم من نقمة الله بهم ~~وإنزال عذابه عليهم، فلما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح الصحيح جاء ~~بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين، وأنه لا ~~يسلك بهم إلا مسلكا يكون فيه جلب النفع لهم ودفع الضر عنهم، ولهذا قال (ما ~~أريكم إلا ما أرى) قال ابن زيد: أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي. وقال ~~الضحاك: PageV04P489 # ما أعلمكم إلا ما أعلم، والرؤية هنا هي القلبية لا البصرية، والمفعول ~~الثاني هو إلا ما أرى (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) أي ما أهديكم بهذا ~~الرأي إلا طريق الحق. قرأ الجمهور " الرشاد " بتخفيف الشين، وقرأ معاذ بن ~~جبل بتشديدها على أنها صيغة مبالغة كضراب. وقال النحاس: هي لحن، ولا وجه ~~لذلك. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وقال رجل مؤمن ~~من آل فرعون) قال: لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير ~~المؤمن الذي أنذر موسى الذي قال - إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك - قال ابن ~~المنذر: أخبرت أن اسمه حزقيل. وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق قال: اسمه ~~حبيب. وأخرج البخاري وغيره عن طريق عروة قال: قيل لعبد الله بن عمرو بن ~~العاص أخبرنا بأشد شئ صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل ~~عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولوى ثوبه ~~في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثم قال (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم ~~بالبينات من ms3460 ربكم). وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة والبزار عن علي بن أبي ~~طالب أنه قال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا أنت. قال: أما أني ~~ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا لا نعلم ~~فمن؟ قال أبو بكر، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذته قريش، ~~فهذا يجنبه وهذا يتلتله، وهم يقولون أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا، قال: ~~فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجيء هذا ويتلتل هذا، وهو ~~يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم رفع بردة كانت عليه، فبكى ~~حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت ~~القوم، فقال: ألا تجيبون؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل ~~فرعون، وذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه. PageV04P490 # ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم، ~~فقال الله حاكيا عنه (وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب) أي مثل يوم عذاب الأمم الماضية الذين تحزبوا على أنبيائهم وأفرد ~~اليوم لأن جمع الأحزاب قد أغنى عن جمعه، ثم فسر الأحزاب فقال (مثل دأب قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم) أي مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في ~~الإقامة على التكذيب، أو مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب (وما ~~الله يريد ظلما للعباد) أي لا يعذبهم بغير ذنب، ونفي الإرادة للظلم يستلزم ~~نفي الظلم بفحوى الخطاب. ثم زاد في الوعظ والتذكير فقال (ويا قوم إني أخاف ~~عليكم يوم التناد) قرأ الجمهور " التناد " بتخفيف الدال وحذف الياء، والأصل ~~التنادي، وهو التفاعل من النداء، يقال تنادى القوم: أي نادى بعضهم بعضا. ~~وقرأ الحسن وابن السميفع ويعقوب وابن كثير ومجاهد بإثبات الياء على الأصل، ~~وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة بتشديد الدال. قال بعض أهل اللغة هو لحن، ~~لأنه من ند يند: إذا مر على وجهه هاربا. قال ms3461 النحاس: وهذا غلط، والقراءة ~~حسنة على معنى التنافي. قال الضحاك: في معناه أنهم إذا سمعوا بزفير جهنم ~~ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفا من الملائكة ~~فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله (يوم التناد) وعلى قراءة ~~الجمهور المعنى: يوم ينادي بعضهم بعضا، أو ينادي أهل النار أهل الجنة وأهل ~~الجنة أهل النار، أو ينادي فيه بسعادة السعداء وشقاوة الأشقياء، أو يوم ~~ينادي فيه كل أناس بإمامهم، ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وقوله ~~(يوم تولون مدبرين) بدل من يوم التناد: أي منصرفين عن الموقف إلى النار، أو ~~فارين منها. قال قتادة ومقاتل: المعنى إلى النار بعد الحساب، وجملة (ما لكم ~~من الله من عاصم) في محل نصب على الحال: أي مالكم من يعصمكم من عذاب الله ~~ويمنعكم منه (ومن يضلل الله فما له من هاد) يهديه إلى طريق الرشاد. ثم زاد ~~في وعظهم وتذكيرهم فقال (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات) أي يوسف بن ~~يعقوب، والمعنى: أن يوسف بن يعقوب جاءهم بالمعجزات والآيات الواضحات من قبل ~~مجيء موسى إليهم: أي جاء إلى آبائكم، فجعل المجيء إلى الآباء مجيئا إلى ~~الأبناء، وقيل المراد بيوسف هنا يوسف بن إفراثيم ابن يوسف بن يعقوب، وكان ~~أقام فيهم نبيا عشرين سنة. وحكى النقاش عن الضحاك أن الله بعث إليهم رسولا ~~من الجن يقال له يوسف، والأول أولى. وقد قيل إن فرعون موسى أدرك أيام يوسف ~~بن يعقوب لطول عمره (فما زلتم في شك مما جاءكم به) من البينات ولم تؤمنوا ~~به (حتى إذا هلك) يوسف (قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) فكفروا به في ~~حياته وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب) ~~اي مثل ذلك الضلال الواضح يضل الله من هو مسرف في معاصي الله مستكثر منها ~~مرتاب في دين الله شاك في وحدانيته ووعده ووعيده، والموصول في قوله (الذين ~~يجادلون في آيات الله) بدل من " من "، والجمع ms3462 باعتبار معناها، أو بيان لها، ~~أو صفة، أو في محل نصب بإضمار أعني، أو خبر مبتدأ محذوف: أي هم الذين، أو ~~مبتدأ PageV04P491 # وخبره يطبع، و (بغير سلطان) متعلق بيجالدون: أي يجادلون في آيات الله ~~بغير حجة واضحة، و (أتاهم) صفة لسلطان (كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا) يحتمل أن يراد به التعجب، وأن يراد به الذم كبئس، وفاعل كبر ضمير ~~يعود إلى الجدال المفهوم من يجادلون، وقيل فاعله ضمير يعود إلى من في " من ~~هو مسرف " والأول أولى. وقوله (عند الله) متعلق بكبر، وكذلك (عند الذين ~~آمنوا) قيل هذا من كلام الرجل المؤمن، وقيل ابتداء كلام من الله سبحانه ~~(كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) أي كما طبع على قلوب هؤلاء ~~المجادلين فكذلك يطبع: أي يختم على كل قلب متكبر جبار. قرأ الجمهور بإضافة ~~قلب إلى متكبر، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، وفي الكلام حذف ~~تقديره: كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فحذف كل الثانية لدلالة ~~الأولى عليها، والمعنى: أنه سبحانه يطبع على قلوب جميع المتكبرين الجبارين، ~~وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وابن ذكوان عن أهل الشام بتنوين قلب على أن متكبر ~~صفة له، فيكون القلب مراد به الجملة، لأن القلب هو محل التكبر وسائر ~~الأعضاء تبع له في ذلك، وقرأ ابن مسعود على قلب كل متكبر. ثم لما سمع فرعون ~~هذا رجع إلى تكبره وتجبره معرضا عن الموعظة نافرا من قبولها وقال (يا هامان ~~ابن لي صرحا) أي قصرا مشيدا كما تقدم بيان تفسيره (لعلي أبلغ الأسباب) أي ~~الطرق. قال قتادة والزهري والسدي والأخفش: هي الأبواب. وقوله (أسباب ~~السماوات) بيان للأسباب، لأن الشئ إذا أبهم ثم فسر كان أوقع في النفوس، ~~وأنشد الأخفش عند تفسيره للآية بيت زهير: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السماء يسلم وقيل أسباب ~~السماوات الأمور التي يستمسك بها (فأطلع إلى إله موسى) قرأ الجمهور بالرفع ~~عطفا على أبلغ، فهو على هذا داخل في حيز الترجي. ms3463 وقرأ الأعرج والسلمي وعيسى ~~بن عمر وحفص بالنصب على جواب الأمر في قوله (ابن لي) أو على جواب الترجي ~~كما قال أبو عبيد وغيره. قال النحاس: ومعنى النصب خلاف معنى الرفع، لأن ~~معنى النصب: متى بلغت الأسباب اطلعت، ومعنى الرفع: لعلي أبلغ الأسباب ولعلي ~~أطلع بعد ذلك، وفي هذا دليل على أن فرعون كان بمكان من الجهل عظيم، وبمنزلة ~~من فهم حقائق الأشياء سافلة جدا (وإني لأظنه كاذبا) أي وإني لأظن موسى ~~كاذبا في ادعائه بأن له إلها، أو فيما يدعيه من الرسالة (وكذلك زين لفرعون ~~سوء عمله) أي ومثل ذلك التزيين زين الشيطان لفرعون سوء عمله من الشرك ~~والتكذيب، فتمادى في الغي واستمر على الطغيان (وصد عن السبيل) أي سبيل ~~الرشاد. قرأ الجمهور " وصد " بفتح الصاد والدال: أي صد فرعون الناس عن ~~السبيل، وقرأ الكوفيون " وصد " بضم الصاد مبنيا للمفعول، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، ولعل وجه الاختيار لها منهما كونها مطابقة لما ~~أجمعوا عليه في زين من البناء للمفعول، وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة " صد " ~~بكسر الصاد، وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة بفتح الصاد وضم ~~الدال منونا على أنه مصدر معطوف على سوء عمله: أي زين له الشيطان سوء العمل ~~والصد (وما كيد فرعون إلا في تباب) التباب: الخسار والهلاك ومنه - تبت يدا ~~أبي لهب -، ثم إن ذلك الرجل المؤمن أعاد التذكير والتحذير كما حكى الله عنه ~~بقوله (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد) أي اقتدوا بي في ~~الدين أهدكم طريق الرشاد، وهو الجنة، وقيل هذا من قول موسى، والأول أولى. ~~وقرأ معاذ بن جبل " الرشاد " بتشديد الشين كما تقدم قريبا في قول فرعون ~~ووقع في المصحف اتبعون بدون ياء، وكذلك قرأ أبو عمرو ونافع بحذفها في الوقف ~~وإثباتها في الوصل، وقرأ يعقوب وابن كثير بإثباتها وصلا ووقفا وقرأ الباقون ~~بحذفها وصلا ووقفا فمن أثبتها فعلى ما هو الأصل، ومن حذفها فلكونها حذفت في ~~المصحف (يا قوم إنما هذه ms3464 الحياة الدنيا متاع) يتمتع بها أياما ثم تنقطع ~~وتزول (وإن الآخرة هي دار PageV04P492 # القرار) أي الاستقرار لكونها دائمة لا تنقطع ومستمرة لا تزول (من عمل ~~سيئة فلا يجزى إلا مثلها) أي من عمل في دار الدنيا معصية من المعاصي كائنة ~~ما كانت فلا يجزى إلا مثلها ولا يعذب إلا بقدرها، والظاهر شمول الآية لكل ~~ما يطلق عليه اسم السيئة، وقيل هي خاصة بالشرك، ولا وجه لذلك (ومن عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) أي من عمل عملا صالحا مع كونه مؤمنا بالله ~~وبما جاءت به رسله (فأولئك) الذين جمعوا بين العمل الصالح والإيمان (يدخلون ~~الجنة يرزقون فيها بغير حساب) أي بغير تقدير ومحاسبة. قال مقاتل: يقول لا ~~تبعة عليكم فيما يعطون في الجنة من الخير، وقيل العمل الصالح، هو لا إله ~~إلا الله. قرأ الجمهور " يدخلون " بفتح التحتية مبنيا للفاعل. وقرأ ابن ~~كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بضمها مبنيا للمفعول. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس (مثل دأب) قال: مثل حال. وأخرج عبد ~~الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة (مثل دأب قوم نوح) قال: هم الأحزاب: قوم نوح ~~وعاد وثمود. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (ولقد جاءكم يوسف من قبل ~~بالبينات) قال: رؤيا يوسف، وفي قوله (الذين يجادلون في آيات الله) قال ~~يهود. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إلا في تباب) ~~قال: خسران. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (إنما هذه الحياة الدنيا متاع) قال: الدنيا جمعة من جمع ~~الآخرة سبعة آلاف سنة. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إن الحياة الدنيا متاع وليس من متاعها شئ أفضل ~~من المرأة الصالحة، التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في ~~نفسها ومالها ". PageV04P493 # كرر ذلك الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله وصرح بإيمانه، ولم يسلك ms3465 المسالك ~~المتقدمة من إيهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدى التذكير كراهة أن يصيبهم ~~بعض ما توعدهم به موسى كما يقوله الرجل المحب قومه من التحذير عن الوقوع ~~فيما يخاف عليهم الوقوع فيه فقال (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني ~~إلى النار) أي أخبروني عنكم كيف هذه الحال: أدعوكم إلى النجاة من النار ~~ودخول الجنة بالإيمان بالله وإجابة رسله، وتدعونني إلى النار بما تريدونه ~~منى من الشرك. قيل معنى (مالي أدعوكم) مالكم أدعوكم كما تقول: مالي أراك ~~حزينا أي مالك. ثم فسر الدعوتين فقال (تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس ~~لي به علم)، فقوله تدعونني بدل من تدعونني الأولى أو بيان لها (ما ليس لي ~~به علم) أي ما لا علم لي بكونه شريكا لله (وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) ~~أي إلى العزيز في انتقامه ممن كفر " الغفار " لذنب من آمن به (لا جرم) قد ~~تقدم تفسير هذا في سورة هود، وجرم فعل ماض بمعنى حق، ولا الداخلة عليه لنفي ~~ما ادعوه ورد ما زعموه، وفاعل هذا الفعل هو قوله (إنما تدعونني إليه ليس له ~~دعوة في الدنيا ولا في الآخرة) أي حق ووجب بطلان دعوته. قال الزجاج: معناه ~~ليس له استجابة دعوة تنتفع، وقيل ليس له دعوة توجب له الألوهية في الدنيا ~~ولا في الآخرة. قال الكلبي: ليس له شفاعة (وأن مردنا إلى الله) أي مرجعنا ~~ومصيرنا إليه بالموت أولا، وبالبعث آخرا، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير ~~وشر (وأن المسرفين هم أصحاب النار) أي المستكثرين من معاصي الله. قال قتادة ~~وابن سيرين: يعني المشركين. وقال مجاهد والشعبي: # هم السفهاء السفاكون للدماء بغير حقها. وقال عكرمة: الجبارون والمتكبرون. ~~وقيل هم الذين تعدوا حدود الله، " وأن " في الموضعين عطف على " أن " في ~~قوله (أنما تدعونني إليه) والمعنى: وحق أن مردنا إلى الله، وحق أن المسرفين ~~الخ (فستذكرون ما أقول لكم) إذا نزل بكم العذاب وتعلمون أني قد بالغت في ~~نصحكم وتذكيركم، وفي هذا الإبهام من التخويف والتهديد ms3466 ما لا يخفى (وأفوض ~~أمري إلى الله) أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه. قيل إنه قال هذا لما أرادوا ~~الإيقاع به. قال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه. وقيل ~~القائل هو موسى، والأول أولى (فوقاه الله سيئات ما مكروا) أي وقاه الله ما ~~أرادوا به من المكر السيء، وما أرادوه به من الشر. قال قتادة: نجاه الله مع ~~بني إسرائيل (وحاق بآل فرعون سوء العذاب) أي أحاط بهم ونزل عليهم سوء ~~العذاب. قال الكسائي: يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا: إذا نزل ولزم. قال ~~الكلبي: غرفوا في البحر ودخلوا النار، والمراد بآل فرعون: فرعون وقومه، ~~وترك التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره لكونه أولى بذلك منهم، أو المراد ~~بآل فرعون فرعون نفسه. والأول أولى لأنهم قد عذبوا في الدنيا جميعا بالغرق، ~~وسيعذبون في الآخرة بالنار ثم بين سبحانه ما أجمله من سوء العذاب، فقال ~~(النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) فارتفاع النار على أنها بدل من سوء ~~العذاب، وقيل على أنها خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره يعرضون، والأول ~~أولى ورجحه الزجاج وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر. وقرئ بالنصب على تقدير فعل يفسره يعرضون من حيث المعنى: أي يصلون ~~النار يعرضون عليها، أو على الاختصاص، وأجاز الفراء الخفض على البدل من ~~PageV04P494 # العذاب. وذهب الجمهور أن هذا العرض هو في البرزخ، وقيل هو في الآخرة. قال ~~الفراء: ويكون في الآية تقديم وتأخير: أي أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا، ولا ملجئ إلى هذا التكلف فإن قوله (ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) يدل دلالة واضحة على أن ذلك العرض هو ~~في البرزخ، وقوله (أدخلوا) هو بتقدير القول: أي يقال للملائكة أدخلوا آل ~~فرعون، و (أشد العذاب) هو عذاب النار. قرأ حمزة والكسائي ونافع وحفص " ~~أدخلوا " بفتح الهمزة وكسر الخاء، وهو على تقدير القول كما ذكر. وقرأ ~~الباقون " ادخلوا " بهمزة وصل من دخل يدخل أمرا لآل فرعون بالدخول بتقدير ~~حرف النداء: ms3467 أي ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب (وإذ يتحاجون في النار) ~~الظرف منصوب بإضمار أذكر. والمعنى: أذكر لقومك وقت تخاصمهم في النار ثم بين ~~سبحانه هذا التخاصم فقال (فيقول الضعفاء للذين استكبروا) عن الانقياد ~~للأنبياء والاتباع لهم، وهم رؤساء الكفر (إنا كنا لكم تبعا) جمع لتابع، ~~كخدم وخادم، أو مصدر واقع موقع اسم الفاعل: أي تابعين أو على حذف مضاف: أي ~~ذوي تبع. قال البصريون: التبع يكون واحدا ويكون جمعا. وقال الكوفيون: # هو جمع لا واحد له (فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار) أي هل تدفعون عنا ~~نصيبا منها أو تحملونه معنا، وانتصاب نصيبا بفعل مقدر يدل عليه مغنون: أي ~~هل تدفعون عنا نصيبا أو تمنعون على تضمينه معنى حاملين: أي هل أنتم حاملون ~~معنا نصيبا، أو على المصدرية (قال الذين استكبروا إنا كل فيها) هذه الجملة ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر والمعنى: إنا نحن وأنتم جميعا في جهنم، فكيف نغني ~~عنكم. قرأ الجمهور " كل " بالرفع على الابتداء، وخبره " فيها "، والجملة ~~خبر إن، قاله الأخفش. وقرأ ابن السميفع وعيسى بن عمر " كلا " بالنصب. قال ~~الكسائي والفراء على التأكيد لاسم إن بمعنى كلنا، وتنوينه عوض عن المضاف ~~إليه: وقيل على الحال ورجحه ابن مالك (إن الله قد حكم بين العباد) أي قضى ~~بينهم بأن فريقا في الجنة، وفريقا في السعير (وقال الذين في النار) من ~~الأمم الكافرة، مستكبرهم وضعيفهم (لخزنة جهنم) جمع خازن، وهو القوام بتعذيب ~~أهل النار (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) يوما ظرف ليخفف، ومفعول ~~يخفف محذوف: أي يخفف عنا شيئا من العذاب مقدار يوم أو في يوم، وجملة (قالوا ~~أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات) مستأنفة جواب سؤال مقدر، والاستفهام ~~للتوبيخ والتقريع (قالوا بلى) أي أتونا بها فكذبناهم ولم نؤمن بهم ولا بما ~~جاءوا به من الحجج الواضحة، فلما اعترفوا (قالوا) أي قال لهم الملائكة ~~الذين هم خزنة جهنم (فادعوا) أي إذا كان الأمر كذلك فادعوا أنتم، فإنا لا ~~ندعو لمن كفر بالله وكذب رسله بعد ms3468 مجيئهم بالحجج الواضحة. ثم أخبروهم بأن ~~دعاءهم لا يفيد شيئا فقالوا (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي في ضياع ~~وبطلان وخسار وتبار، وجملة (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) مستأنفة من جهته ~~سبحانه: أي نجعلهم الغالبين لأعدائهم القاهرين لهم، والموصول في محل نصب ~~عطفا على رسلنا: أي لننصر رسلنا، وننصر الذين آمنوا معهم (في الحياة ~~الدنيا) بما عودهم الله من الانتقام منهم بالقتل والسلب والأسر والقهر ~~(ويوم يقوم الأشهاد) وهو يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: الأشهاد هم ~~الملائكة والنبيون. وقال مجاهد والسدي: الأشهاد الملائكة تشهد للأنبياء ~~بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب. قال الزجاج: الأشهاد جمع شاهد مثل صاحب ~~وأصحاب. قال النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه، ولكن ~~ما جاء منه مسموعا أدى على ما يسمع، فهو على هذا جمع شهيد، مثل شريف ~~وأشراف، ومعنى نصرهم يوم يقوم الأشهاد أن الله يجازيهم بأعمالهم فيدخلهم ~~الجنة ويكرمهم بكراماته ويجازي الكفار بأعمالهم فيلعنهم ويدخلهم النار، وهو ~~PageV04P495 # معنى قوله (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة) أي البعد عن ~~الرحمة (ولهم سوء الدار) أي النار ويوم بدل من يوم يقوم الأشهاد، وإنما لم ~~تنفعهم المعذرة لأنها معذرة باطلة وتعلة داحضة وشبهة زائغة. قرأ الجمهور " ~~تنفع " بالفوقية. وقرأ نافع والكوفيون بالتحتية، والكل جائز في اللغة. # وقد أخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله (وأن ~~المسرفين هم أصحاب النار) قال: # السفاكين للدماء بغير حقها. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده ~~بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار ~~فمن أهل النار، يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " زاد ~~ابن مردويه. ثم قرأ (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا). وأخرج البزار وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms3469 قال " ما أحسن محسن مسلم أو كافر إلا أثابه ~~الله، قلنا يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ قال: المال والولد والصحة وأشباه ~~ذلك، قلنا: وما إثابته في الآخرة؟ قال: عذابا دون العذاب، وقرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب). وأخرج أحمد ~~والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب ~~عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من رد عن عرض أخيه ~~رد الله عن وجهه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا (إنا لننصر رسلنا والذين ~~آمنوا) ". وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة مثله. PageV04P496 # قوله (ولقد آتينا موسى الهدى) هذا من جملة ما قصه الله سبحانه قريبا من ~~نصره لرسله: أي آتيناه التوراة والنبوة، كما في قوله سبحانه - إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور - قال مقاتل: الهدى من الضلالة: يعني التوراة ~~(وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب) المراد بالكتاب ~~التوراة، ومعنى أورثنا أن الله سبحانه لما أنزل التوراة على موسى بقيت بعده ~~فيهم وتوارثوها خلفا عن سلف. وقيل المراد بالكتاب سائر الكتب المنزلة على ~~أنبياء بني إسرائيل بعد موت موسى وهدى وذكرى في محل نصب على أنهما مفعول ~~لأجله: أي لأجل الهدى والذكر، أو على أنهما مصدران في موضع الحال أي هاديا ~~ومذكرا، والمراد بأولي الألباب أهل العقول السليمة. # ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على الأذى فقال (فاصبر ~~إن وعد الله حق) أي اصبر على أذى المشركين كما صبر من قبلك من الرسل إن وعد ~~الله الذي وعد به رسله حق لا خلف فيه ولا شك في وقوعه كما في قوله - إنا ~~لننصر رسلنا - وقوله - ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون - قال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف. ثم ~~أمره سبحانه بالاستغفار لذنبه فقال (واستغفر لذنبك) قيل المراد ذنب أمتك ~~فهو على حذف مضاف، وقيل المراد الصغائر عند من يجوزها على الأنبياء، وقيل ~~هو مجرد ms3470 تعبد له صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار لزيادة الثواب، وقد ~~غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) أي ~~دم على تنزيه الله ملتبسا بحمده، وقيل المراد صل في الوقتين صلاة العصر ~~وصلاة الفجر، قاله الحسن وقتادة، وقيل هما صلاتان ركعتان غدوة وركعتان ~~عشية، وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم) أي بغير حجة ظاهرة واضحة جاءتهم من جهة الله سبحانه (إن في ~~صدورهم إلا كبر) أي ما في قلوبهم إلا تكبرا عن الحق يحملهم على تكذيبك، ~~وجملة (ما هم ببالغيه) صفة لكبر قال الزجاج: المعنى ما في صدورهم إلا كبر ~~ما هم ببالغي إرادتهم فيه، فجعله على حذف المضاف. وقال غيره: # ما هم ببالغي الكبر. وقال ابن قتيبة: المعنى إن في صدورهم إلا كبر: أي ~~تكبر على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطمع أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك، ~~وقيل المراد بالكبر الأمر الكبير: أي يطلبون النبوة، أو يطلبون أمرا كبيرا ~~يصلون به إليك من القتل ونحوه ولا يبلغون ذلك. وقال مجاهد: معناه في صدورهم ~~عظمة ما هم ببالغيها. والمراد بهذه الآية المشركون، وقيل اليهود كما سيأتي ~~بيانه آخر البحث إن شاء الله. ثم أمره الله سبحانه بأن يستعيذ بالله من ~~شرورهم فقال (فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير) أي فالتجئ إليه من شرهم ~~وكيدهم وبغيهم عليك إنه السميع لأقوالهم البصير بأفعالهم لا تخفى عليه من ~~ذلك خافية. ثم بين سبحانه عظيم قدرته فقال (لخلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الناس) أي أعظم في النفوس وأجل في الصدور، لعظم أجرامهما واستقرارهما ~~من غير عمد، وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب، فكيف ينكرون البعث وإحياء ~~ما هو دونهما من كل وجه كما في قوله - أوليس الذي خلق السماوات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم - قال أبو العالية: المعنى لخلق السماوات والأرض ~~أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن سلام: هو احتجاج ms3471 على ~~منكري البعث: أي هما أكبر من إعادة خلق الناس (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ~~بعظيم قدرة الله وأنه لا يعجزه شئ. ثم لما ذكر PageV04P497 # سبحانه الجدال بالباطل ذكر مثالا للباطل والحق وأنهما لا يستويان فقال ~~(وما يستوي الأعمى والبصير) أي الذي يجادل بالباطل، والذي يجادل بالحق (ولا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ) أي ولا يستوي المحسن بالإيمان ~~والعمل الصالح والمسئ بالكفر والمعاصي، وزيادة " لا " في ولا المسئ للتأكيد ~~(قليلا ما يتذكرون) قرأ الجمهور " يتذكرون " بالتحتية على الغيبة، واختار ~~هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، لأن قبلها وبعدها على الغيبة لا على ~~الخطاب، وقرأ الكوفيون بالفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات: أي تذكرا ~~قليلا ما تتذكرون (إن الساعة لآتية لا ريب فيها) أي لا شك في مجيئها ~~وحصولها (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) بذلك ولا يصدقونه لقصور أفهامهم وضعف ~~عقولهم عن إدراك الحجة، والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث. ثم ~~لما بين سبحانه أن قيام الساعة حق لا شك فيه ولا شبهة، أرشد عباده إلى ما ~~هو الوسيلة إلى السعادة في دار الخلود، فأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يحكي عنه ما أمره بإبلاغه وهو (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) قال أكثر ~~المفسرين المعنى: وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم، وقيل المراد ~~بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضر. قيل الأول أولى لأن الدعاء في أكثر ~~استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة. قلت: بل الثاني أولى لأن معنى الدعاء ~~حقيقة وشرعا هو الطلب، فإن استعمل في غير ذلك فهو مجاز، على أن الدعاء في ~~نفسه باعتبار معناه الحقيقي هو عبادة، بل مخ العبادة كما ورد بذلك الحديث ~~الصحيح، فا الله سبحانه قد أمر عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة ووعده الحق، ~~وما يبدل القول لديه ولا يخلف الميعاد. ثم صرح سبحانه بأن هذا الدعاء ~~باعتبار معناه الحقيقي وهو الطلب هو من عبادته فقال (إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) أي ذليلين صاغرين وهذا وعيد شديد لمن استكبر ~~عن دعاء ms3472 الله، وفيه لطف بعباده عظيم وإحسان إليهم جليل حيث توعد من ترك طلب ~~الخير منه واستدفاع الشر به بهذا الوعيد البالغ وعاقبه بهذه العقوبة ~~العظيمة، فيا عباد الله وجهوا رغباتكم وعولوا في كل طلباتكم على من أمركم ~~بتوجيهها إليه وأرشدكم إلى التعويل عليه وكفل لكم الإجابة به بإعطاء الطلبة ~~فهو الكريم المطلق الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ويغضب على من لم يطلب من ~~فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاجه من أمور الدنيا والدين، قيل وهذا الوعد ~~بالإجابة مقيد بالمشيئة: أي أستجب لكم إن شئت كقوله سبحانه - فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء الله - قرأ الجمهور " سيدخلون " بفتح الياء وضم الخاء ~~مبنيا للفاعل، وقرأ ابن كثير وابن محيصن وورش وأبو جعفر بضم الياء وفتح ~~الخاء مبنيا للمفعول. ثم ذكر سبحانه بعض ما أنعم به على عباده فقال (الله ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) من الحركات في طلب الكسب لكونه جعله مظلما ~~باردا تناسبه الراحة بالسكون والنوم (والنهار مبصرا) أي مضيئا لتبصروا فيه ~~حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم (إن الله لذو فضل على الناس) يتفضل عليهم ~~بنعمه التي لا تحصى (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) النعم ولا يعترفون بها، ~~إما لجحودهم لها وكفرهم بها كما هو شأن الكفار، أو لإغفالهم للنظر وإهمالهم ~~لما يجب من شكر المنعم، وهم الجاهلون (ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله ~~إلا هو) بين سبحانه في هذا كمال قدرته المقتضية لوجوب توحيده قرأ الجمهور ~~خالق بالرفع على أنه خبر بعد الخبر الأول عن المبتدأ، وقرأ زيد بن علي ~~بنصبه على الاختصاص (فأنى تؤفكون) أي فكيف تنقلبون عن عبادته وتنصرفون عن ~~توحيده (كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون) أي مثل الإفك يؤفك ~~الجاحدون لآيات الله المنكرون لتوحيده. ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من نعمه ~~التي أنعم بها عليهم مع ما في ذلك من الدلالة على كمال قدرته وتفرده ~~بالإلهية فقال (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء) أي موضع قرار ~~فيها تحيون وفيها ms3473 تموتون (والسماء بناء): أي سقفا قائما ثابتا. ثم بين بعض ~~PageV04P498 # نعمه المتعلقة بأنفس العباد فقال (وصوركم فأحسن صوركم) أي خلقكم في أحسن ~~صورة. قال الزجاج: خقلكم أحسن الحيوان كله. قرأ الجمهور " صوركم " بضم ~~الصاد وقرأ الأعمش وأبو رزين بكسرها. قال الجوهري: # والصور بكسر الصاد لغة في الصور بضمها (ورزقكم من الطيبات) أي المستلذات ~~(ذلكم) المبعوث بهذه النعوت الجليلة (الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) ~~أي كثرة خيره وبركته (هو الحي لا إله إلا هو) أي الباقي الذي لا يفنى ~~المنفرد بالألوهية (فادعوه مخلصين له الدين) أي الطاعة والعبادة (الحمد لله ~~رب العالمين) قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار أمر: أي احمدوه. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم. قال السيوطي بسند صحيح عن أبي ~~العالية قال: إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إن ~~الدجال يكون منا في آخر الزمان، ويكون في أمره فعظموا أمره، وقالوا: # نصنع كذا ونصنع كذا، فأنزل الله (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه) قال: لا يبلغ الذي يقول ~~(فاستعذ بالله) فأمر نبيه أن يتعوذ من فتنة الدجال لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الدجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في الآية قال: هم ~~اليهود نزلت فيهم فيما ينتظرونه من أمر الدجال. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر عن مجاهد في قوله (إن في صدورهم إلا كبر) قال: عظمة قريش. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد ~~وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ~~والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " الدعاء هو العبادة، ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي) قال: عن دعائي (سيدخلون جهنم داخرين) ". قال ~~الترمذي: حسن صحيح. وأخرج ms3474 ابن مردويه والخطيب عن البراء أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " إن الدعاء هو العبادة (وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم) " وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في ~~قوله (ادعوني أستجب لكم) قال: وحدوني أغفر لكم. وأخرج الحاكم وصححه عن جرير ~~بن عبد الله في الآية قال: اعبدوني. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الدعاء الاستغفار " وأخرج ابن أبي ~~شيبة والحاكم وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " من لم يدع الله يعضب عليه ". وأخرج أحمد والحكيم والترمذي وأبو يعلى ~~والطبراني عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا ينفع ~~حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم بالدعاء ". ~~وأخرج الترمذي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الدعاء مخ العبادة ". وأخرج ابن ~~المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: # أفضل العبادة الدعاء، وقرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) الآية. وأخرج ~~البخاري في الأدب عن عائشة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي ~~العبادة أفضل؟ فقال: دعاء المرء لنفسه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: من قال لا ~~إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله (فادعوه ~~مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين). PageV04P499 # أمر الله سبحانه رسوله أن يخبر المشركين بأن الله نهاه عن عبادة غيره ~~وأمره بالتوحيد فقال (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله) وهي ~~الأصنام. ثم بين وجه النهي فقال (لما جاءني بالبينات من ربي) وهي الأدلة ~~العقلية والنقلية، فإنها توجب التوحيد (وأمرت أن أسلم لرب العالمين) أي ~~أستسلم له بالانقياد والخضوع. ثم أردف هذا بذكر دليل من الأدلة على التوحيد ~~فقال (هو الذي ms3475 خلقكم من تراب) أي خلق أباكم الأول، وهو آدم، وخلقه من تراب ~~يستلزم خلق ذريته منه (ثم من نطفة ثم من علقة) قد تقدم تفسير هذا في غير ~~موضع (ثم يخرجكم طفلا) أي أطفالا، وأفرده لكونه اسم جنس، أو على معنى يخرج ~~كل واحد منكم طفلا (ثم لتبلغوا أشدكم) وهي الحالة التي تجتمع فيها القوة ~~والعقل، وقد سبق بيان الأشد مستوفى في الأنعام، واللام التعليلية في ~~لتبلغوا معطوفة على علة أخرى ليخرجكم مناسبة لها، والتقدير: لتكبروا شيئا ~~فشيئا، ثم لتبلغوا غاية الكمال، وقوله (ثم لتكونوا شيوخا) معطوف على ~~لتبلغوا، قرأ نافع وحفص وأبو عمرو وابن محيصن وهشام " شيوخا " بضم الشين، ~~وقرأ الباقون بكسرها، وقرئ وشيخا على الإفراد لقوله طفلا، والشيخ من جاوز ~~أربعين سنة (ومنكم من يتوفى من قبل) أي من قبل الشيخوخة (ولتبلغوا أجلا ~~مسمى) أي وقت الموت أو يوم القيامة، واللام هي لام العاقبة (ولعلكم تعقلون) ~~أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار ~~المختلفة (هو الذي يحيي ويميت) أي يقدر على الإحياء والإماتة (فإذا قضى ~~أمرا) من الأمور التي يريدها (فإنما يقول له كن فيكون) من غير توقف، وهو ~~تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات عند تعلق إرادته بها، وقد تقدم تحقيق ~~معناه في البقرة وفيما بعدها. ثم عجب سبحانه من أحوال المجادلين في آيات ~~الله فقال (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله) وقد سبق بيان معنى ~~المجادلة (أنى يصرفون) أي كيف يصرفون عنها مع قيام الأدلة الدالة على ~~صحتها، وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد. قال ابن زيد: هم المشركون بدليل ~~قوله (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا) قال القرطبي: وقال أكثر ~~المفسرين نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في ~~القدرية فلا أدري فيمن نزلت، ويجاب عن هذا بأن الله سبحانه قد وصف هؤلاء ~~بصفة تدل على غير ما قالوه فقال (الذين كذبوا بالكتاب) أي بالقرآن، وهذا ~~وصف لا يصح أن يطلق على فرقة من ms3476 فرق الإسلام، والموصول إما في محل جر على ~~أنه نعت للموصول الأول، أو بدل منه، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم، ~~والمراد بالكتاب إما القرآن أو جنس الكتب المنزلة من عند الله، وقوله (وبما ~~أرسلنا به رسلنا) معطوف على قوله بالكتاب، ويراد به ما يوحى إلى الرسل من ~~غير كتاب إن كانت اللام في الكتاب للجنس أو سائر الكتب إن كان المراد ~~بالكتاب القرآن (فسوف يعلمون) عاقبة أمرهم ووبال كفرهم، وفي هذا وعيد شديد، ~~والظرف في قوله (إذ الأغلال في أعناقهم) متعلق بيعلمون: أي فسوف يعلمون وقت ~~كون الأغلال في أعناقهم (والسلاسل) معطوف على الأغلال، والتقدير: إذ ~~الأغلال والسلاسل في أعناقهم، ويجوز أن يرتفع السلاسل على أنه مبتدأ وخبره ~~محذوف لدلالة في أعناقهم عليه، ويجوز أن يكون خبره (يسحبون في الحميم) بحذف ~~العائد: أي يسحبون بها في الحميم، وهذا على قراءة الجمهور برفع السلاسل، ~~وقرأ ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وأبو الجوزاء بنصبها، وقرأوا " يسحبون " ~~بفتح الياء مبنيا للفاعل، فتكون السلاسل مفعولا مقدما، وقرأ بعضهم بجر ~~السلاسل. قال الفراء: # وهذه القراءة محمولة على المعنى، إذ المعنى: أعناقهم في الأغلال ~~والسلاسل. وقال الزجاج: المعنى على هذه القراءة: وفي السلاسل يسحبون، ~~واعترضه ابن الأنباري بأن ذلك لا يجوز في العربية، ومحل يسحبون على تقدير ~~عطف السلاسل على الأغلال، وعلى تقدير كونها مبتدأ وخبرها في أعناقهم النصب ~~على الحال، أو لا محل له، PageV04P501 # بل هو مستأنف جواب سؤال مقدر، والحميم هو المتناهي في الحر، وقيل الصديد ~~وقد تقدم تفسيره (ثم في النار يسجرون) يقال سجرت التنور: أي أوقدته وسجرته ~~ملأته بالوقود، ومنه - والبحر المسحور - أي المملوء، فالمعنى: # توقد بهم النار أو تملأ بهم. قال مجاهد ومقاتل: توقد بهم النار فصاروا ~~وقودها (ثم قيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله) هذا توبيخ وتقريع لهم: ~~أي أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون الله (قالوا ضلوا عنا) أي ذهبوا ~~وفقدناهم فلا نراهم، ثم أضربوا عن ذلك وانتقلوا إلى الإخبار بعدمهم وأنه لا ms3477 ~~وجود لهم فقالوا (بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا) أي لم نكن نعبد شيئا، قالوا ~~هذا لما تبين لهم ما كانوا فيه من الضلالة والجهالة وأنهم كانوا يعبدون ما ~~لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وليس هذا إنكار منهم لوجود الأصنام ~~التي كانوا يعبدونها، بل اعتراف منهم بأن عبادتهم إياها كانت باطلة (كذلك ~~يضل الله الكافرين) أي مثل ذلك الضلال يضل الله الكافرين حيث عبدوا هذه ~~الأصنام التي أوصلتهم إلى النار، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى الإضلال ~~المدلول عليه بالفعل: أي ذلك الإضلال بسبب (ما كنتم تفرحون في الأرض) أي ~~بما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي الله والسرور بمخالفة رسله ~~وكتبه، وقيل بما كنتم تفرحون به من المال والأتباع والصحة، وقيل بما كنتم ~~تفرحون به من إنكار البعث، وقيل المراد بالفرح هنا البطر والتكبر، وبالمرح ~~الزيادة في البطر. وقال مجاهد وغيره: تمرحون: أي تبطرون وتأشرون. وقال ~~الضحاك: الفرح والسرور، والمرح العدوان. وقال مقاتل: المرح: البطر والخيلاء ~~(ادخلوا أبواب جهنم) حال كونكم (خالدين فيها) أي مقدرين الخلود فيها (فبئس ~~مثوى المتكبرين) عن قبول الحق جهنم. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالصبر، فقال (فاصبر إن وعد الله حق) أي وعده بالانتقام ~~منهم كائن لا محالة، إما في الدنيا أو في الآخرة، ولهذا قال (فإما نرينك ~~بعض الذي نعدهم) من العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والقهر، وما في " فإما ~~" زائدة على مذهب المبرد والزجاج، والأصل فإن نرك، ولحقت بالفعل نون ~~التأكيد وقوله (أو نتوفينك) معطوف على نرينك: أي أو نتوفينك قبل إنزال ~~العذاب بهم (فإلينا يرجعون) يوم القيامة فنعذبهم (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~منهم من قصصنا عليك) أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوه من قومهم (ومنهم من لم ~~نقصص عليك) خبره ولا أوصلنا إليك علم ما كان بينه وبين قومه (وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله) لا من قبل نفسه، والمراد بالآية المعجزة ~~الدالة على نبوته (فإذا جاء أمر الله) أي ms3478 إذا جاء الوقت المعين لعذابهم في ~~الدنيا أو في الآخرة (قضى بالحق) فيما بينهم فينجي الله بقضائه الحق عباده ~~المحقين (وخسر هنالك) أي في ذلك الوقت (المبطلون) الذين يتبعون الباطل ~~ويعملون به، ثم أمتن سبحانه على عباده بنوع من أنواع نعمه التي لا تحصى ~~فقال (الله الذي جعل لكم الأنعام) أي خلقها لأجلكم، قال الزجاج: الأنعام ها ~~هنا الإبل، وقيل الأزواج الثمانية (لتركبوا منها) من للتبعيض، وكذلك في ~~قوله (ومنها تأكلون) ويجوز أن تكون لابتداء الغاية في الموضعين ومعناها ~~ابتداء الركوب وابتداء الأكل، والأول أولى. والمعنى: لتركبوا بعضها وتأكلوا ~~بعضها (ولكم فيها منافع) أخر غير الركوب والأكل من الوبر والصوف والشعر ~~والزبد والسمن والجبن وغير ذلك (لتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) قال مجاهد ~~ومقاتل وقتادة: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وقد تقدم بيان هذا مستوفى في ~~سورة النحل (وعليها وعلى الفلك تحملون) أي على الإبل في البر، وعلى السفن ~~في البحر. وقيل المراد بالحمل على الأنعام هنا حمل الولدان والنساء ~~بالهوادج (ويريكم آياته) أي دلالاته الدالة على كمال قدرته ووحدانيته (فأي ~~آيات الله تنكرون) فإنها كلها من الظهور وعدم الخفاء بحيث لا ينكرها منكر ~~ولا يجحدها جاحد، وفيه تقريع لهم وتوبيخ عظيم، ونصب أي يتنكرون، وإنما قدم ~~على العامل فيه لأن له صدر الكلام. ثم أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار والتفكر ~~في آيات الله فقال (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم) من PageV04P502 # الأمم التي عصت الله وكذبت رسلها، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدل على ~~ما نزل بهم من العقوبة وما صاروا إليه من سوء العاقبة. ثم بين سبحانه أن ~~تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة والقوة فقال (كانوا أكثر منهم وأشد ~~قوة) أي أكثر منهم عددا وأقوى منهم أجسادا وأوسع منهم أموالا، (و) أظهر ~~منهم (آثارا في الأرض) بالعمائر والمصانع والحرث (فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون) يجوز أن تكون ما الأولى استفهامية: أي أي شئ أغنى عنهم، أو نافية: ~~أي لم يغن ms3479 عنهم، وما الثانية يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية (فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحات والمعجزات الظاهرات (فرحوا بما ~~عندهم من العلم) أي أظهروا الفرح بما عندهم مما يدعون أنه من العلم من ~~الشبه الداحضة والدعاوى الزائغة، وسماه علما تهكما بهم، أو على ما ~~يعتقدونه. وقال مجاهد: # قالوا نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث، وقيل المراد من علم أحوال الدنيا ~~لا الدين كما في قوله - يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا - وقيل الذين فرحوا ~~بما عندهم من العلم هم الرسل، وذلك أنه لما كذبهم قومهم أعلمهم الله بأنه ~~مهلك الكافرين ومنجي المؤمنين ففرحوا بذلك (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) ~~أي أحاط بهم جزاء استهزائهم (فلما رأوا بأسنا) أي عاينوا عذابنا النازل بهم ~~(قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين) وهي الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) أي عند معاينة عذابنا، ~~لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان النافع لصاحبه، فإنه إنما ينفع الإيمان ~~الاختياري لا الإيمان الاضطراري (سنة الله التي قد خلت في عباده) أي التي ~~قد مضت في عباده، والمعنى: أن الله سبحانه سن هذه السنة في الأمم كلها أنه ~~لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب وقد مضى بيان هذا في سورة النساء وسورة ~~التوبة، وانتصاب سنة على أنها مصدر مؤكد لفعل محذوف بمنزلة وعد الله وما ~~أشبهه من المصادر المؤكدة. وقيل هو منصوب على التحذير: أي احذروا يا أهل ~~مكة سنة الله في الأمم الماضية، والأول أولى (وخسر هنالك الكافرون) أي وقت ~~رؤيتهم بأس الله ومعاينتهم لعذابه. قال الزجاج: # الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب. # وقد أخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~البعث والنشور عن عبد الله بن عمرو قال " تلا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم (إذا الأغلال في أعناقهم) إلى قوله (يسجرون) فقال: لو أن رصاصة مثل ~~هذه، وأشار إلى جمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي ms3480 مسيرة خمسمائة سنة ~~لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا ~~الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها، أو قال قعرها ". وأخرج ابن أبي الدنيا في ~~صفة النار عن ابن عباس قال: يسحبون في الحميم فينسلخ كل شئ عليهم من جلد ~~ولحم وعرق حتى يصير في عقبه حتى إن لحمه قدر طوله، وطوله ستون ذراعا، ثم ~~يكسى جلدا آخر، ثم يسجر في الحميم. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه ~~عن علي بن أبي طالب في قوله (ومنهم من لم نقصص عليك) قال: بعث الله عبدا ~~حبشيا فهو ممن لم يقصص على محمد. PageV04P503 # تفسير سورة حم السجدة وتسمى سورة فصلت وهي أربع وخمسون آية، وقيل ثلاث ~~وخمسون قال القرطبي: وهي مكية في قول الجميع. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~وابن الزبير أنها نزلت بمكة. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه ~~وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال ~~" اجتمع قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا ~~الرجل الذي قد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد ~~عليه؟ فقالوا: # ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: ائت يا أبا الوليد، فأتاه فقال: ~~يا محمد أنت خير أم عبد الله، أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة ~~التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما ~~رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا ~~وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا، ~~والله ما تنتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، يا رجل ~~إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك ms3481 ~~الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجنك عشرا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: فرغت؟ قال نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته، حتى ~~بلغ " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " فقال عتبة: حسبك ~~حسبك ما عندك غير هذا؟ قال لا، فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك؟ قال: ما ~~تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، فقالوا: فهل أجابك قال: والذي ~~نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود، قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال؟ قال: لا والله ~~ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة ". وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما ~~في الدلائل عن ابن عمر قال: " لما قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ~~عتبة بن ربيعة حم تنزيل من الرحمن الرحيم أتى أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني ~~في هذا اليوم واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت ~~أذني قط كلاما مثله، وما دريت ما أرد عليه " وفي هذا الباب روايات تدل على ~~اجتماع قريش وإرسالهم عتبة بن ربيعة وتلاوته صلى الله عليه وآله وسلم أول ~~هذه السورة عليه. PageV04P504 # قوله (حم) قد تقدم الكلام على إعرابه ومعناه في السورة التي قبل هذه ~~السورة فلا نعيده، وكذلك تقدم الكلام على معنى (تنزيل) وإعرابه. قال الزجاج ~~والأخفش: تنزيل مرفوع بالابتداء وخبره (كتاب فصلت) وقال الفراء: يجوز أن ~~يكون على إضمار هذا ويجوز أن يقال كتاب بدل من قوله تنزيل، و (من الرحمن ~~الرحيم) متعلق بتنزيل، ومعنى (فصلت آياته) بينت أو جعلت أساليب مختلفة، قال ~~قتادة: فصلت ببيان حلاله من حرامه وطاعته من معصيته. وقال الحسن: بالوعد ~~والوعيد. وقال سفيان: بالثواب والعقاب ولا مانع من الحمل على الكل. والجملة ~~في محل نصب صفة لكتاب. وقرئ " فصلت " بالتخفيف: أي فرقت بين الحق والباطل، ~~وانتصاب (قرآنا عربيا) على الحال ms3482 أي فصلت آياته حال كونه قرآنا عربيا. وقال ~~الأخفش: نصب على المدح وقيل على المصدرية: أي يقرؤه قرآنا، وقيل مفعول ثان ~~لفصلت، وقيل على إضمار فعل يدل عليه فصلت: # أي فصلناه قرآنا عربيا (لقوم يعلمون) أي يعلمون معانيه ويفهمونها: وهم ~~أهل اللسان العربي. قال الضحاك: # أي يعلمون أن القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إله ~~واحد في التوراة والإنجيل، واللام متعلقة بمحذوف صفة أخرى لقرآن: أي كائنا ~~لقوم أو متعلق بفصلت، والأول أولى، وكذلك (بشيرا ونذيرا) صفتان أخريان ~~لقرآنا أو حالان من كتاب، والمعنى بشيرا لأولياء الله ونذيرا لأعدائه. وقرئ ~~" بشير ونذير " بالرفع على أنهما صفة لكتاب أو خبر مبتدأ محذوف (فأعرض ~~أكثرهم) المراد بالأكثر هنا الكفار: أي فأعرض الكفار عما اشتمل عليه من ~~النذارة (فهم لا يسمعون) سماعا ينتفعون به لإعراضهم عنه (وقالوا قلوبنا في ~~أكنة) أي في أغطية مثل الكنانة التي فيها السهام فهي لا تفقه ما تقول ولا ~~يصل إليها قولك، والأكنة جمع كنان وهو الغطاء، قال مجاهد: الكنان للقلب ~~كالجنة للنبل، وقد تقدم بيان هذا في البقرة (وفي آذاننا وقر) أي صمم وأصل ~~الوقر PageV04P505 # الثقل. وقرأ طلحة بن مصرف " وقر " بكسر الواو. وقرئ بفتح الواو والقاف، و ~~" من " في (ومن بيننا وبينك حجاب) لابتداء الغاية، والمعنى: أن الحجاب ~~ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة بين جهتنا وجهتك مستوعية منه ~~بالحجاب لا فراغ فيها، وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق ومج أسماعهم ~~له وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فاعمل ~~إننا عاملون) أي اعمل على دينك إننا عاملون على ديننا. وقال الكلبي: اعمل ~~في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك. وقال مقاتل: اعمل لإلاهك الذي أرسلك فإنا ~~نعمل لآلهتنا التي نعبدها، وقيل اعمل لآخرتك فإنا عاملون لدنيانا. ثم أمره ~~الله سبحانه أن يجيب عن قولهم هذا فقال (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد) أي إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي، ولم أكن من ms3483 جنس ~~مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه وفي آذانكم وقر ومن ~~بيني وبينكم حجاب، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل، وإنما أدعوكم إلى ~~التوحيد. قرأ الجمهور " يوحى " مبنيا للمفعول. وقرأ الأعمش والنخعي مبنيا ~~للفاعل: أي يوحى الله إلي. قيل ومعنى الآية: إني لا أقدر على أن أحملكم على ~~الإيمان قسرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز لي عنكم إلا أني أوحى إلي التوحيد ~~والأمر به، فعلى البلاغ وحده فإن قبلتم رشدتم وإن أبيتم هلكتم. وقيل ~~المعنى: إني لست بملك وإنما أنا بشر مثلكم وقد أوحى إلي دونكم، فصرت بالوحي ~~نبيا ووجب عليكم اتباعي. وقال الحسن في معنى الآية: إن الله سبحانه علم ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يتواضع (فاستقيموا إليه) عداه بإلى ~~لتضمنه معنى توجهوا، والمعنى: وجهوا استقامتكم إليه بالطاعة ولا تميلوا عن ~~سبيله (واستغفروه) لما فرط منكم من الذنوب. ثم هدد المشركين وتوعدهم فقال ~~(وويل للمشركين) ثم وصفهم بقوله (الذين لا يؤتون الزكاة) أي يمنعونها ولا ~~يخرجونها إلى الفقراء. وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بوجوبها. وقال الضحاك ~~ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. وقيل معنى الآية، لا يشهدون أن ~~لا إله إلا الله لأنها زكاة الأنفس وتطهيرها. وقال الفراء: # كان المشركون ينفقون النفقات ويسقون الحجيج ويطعمونهم فحرموا ذلك على من ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت فيهم هذه الآية (وهم بالآخرة هم ~~كافرون) معطوف على لا يؤتون داخل معه في حيز الصلة: أي منكرون للآخرة ~~جاحدون لها والمجيء بضمير الفصل لقصد الحصر (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون) أي غير مقطوع عنهم، يقال مننت الحبل: إذا ~~قطعته، ومنه قول الأصبغ الأودي: # إني لعمرك ما آبي بذى علق * على الصديق ولا خيري بممنون وقيل الممنون ~~المنقوص، قاله قطرب، وأنشد قول زهير: # فضل الجواد على الخيل البطاقا: * يعطي بذلك ممنونا ولا مرقا قال الجوهري: ~~المن القطع ويقال النقص، ومنه قوله تعالى (لهم أجر غير ممنون) وقال لبيد: # * عنسا كواسب لا ms3484 يمن طعامها * وقال مجاهد غير ممنون: غير محسوب، وقيل ~~معنى الآية، لا يمن عليهم به لأنه إنما يمن بالتفضل، فأما الأجر فحق أداؤه. ~~وقال السدي: نزلت في المرضى والزمني والهرمي إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم ~~من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يوبخهم ويقرعهم فقال (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين) أي لتكفرون بمن شأنه هذا الشأن العظيم وقدرته هذه القدرة الباهرة. ~~قيل اليومان هما يوم الأحد ويوم الاثنين، وقيل المراد مقدار يومين لأن ~~اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض والسماء. قرأ الجمهور " أئنكم " ~~بهمزتين الثانية بين بين، وقرأ ابن كثير بهمزة PageV04P506 # وبعدها ياء خفيفة (وتجعلون له أندادا) أي أضدادا وشركاء، والجملة معطوفة ~~على تكفرون داخلة تحت الاستفهام والإشارة بقوله (ذلك) إلى الموصول المتصف ~~بما ذكر وهو مبتدأ وخبره (رب العالمين) ومن جملة العالمين ما تجعلونها ~~أندادا لله فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته، وقوله (وجعل فيها ~~رواسي) معطوف على خلق: # أي كيف تكفرون بالذي خلق الأرض وجعل فيها رواسي: أي جبالا ثوابت من ~~فوقها، وقيل جملة وجعل فيها رواسي مستأنفة غير معطوفة على خلق لوقوع الفصل ~~بينهما بالأجنبي. والأول أولى لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها ~~فكانت بمنزلة التأكيد، ومعنى (من فوقها) أنها مرتفعة عليها لأنها من أجزاء ~~الأرض، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع، فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة ~~لها (وبارك فيها) أي جعلها مباركة كثيرة الخير بما خلق فيها من المنافع ~~للعباد. قال السدي: أنبت فيها شجرها (وقدر فيها أقواتها) قال قتادة ومجاهد: ~~خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها، وقال الحسن وعكرمة والضحاك: قدر فيها ~~أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع، جعل في كل ~~بلد ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد ~~إلى بلد، ومعنى (في أربعة أيام) أي في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدمين. ~~قاله الزجاج وغيره. قال ابن الأنباري: ومثاله قول ms3485 القائل خرجت من البصرة ~~إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما: أي في تتمة خمسة عشر ~~يوما، فيكون المعنى أن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وما بعدها في أربعة ~~أيام. وانتصاب (سواء) على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة للأيام: أي ~~استوت سواء بمعنى استواء، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من الأرض أو من ~~الضمائر الراجعة إليها. قرأ الجمهور بنصب " سواء " وقرأ زيد بن علي والحسن ~~وابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب وعمرو بن عبيد بخفضه على أنه صفة لأيام. وقرأ ~~أبو جعفر برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. # قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة، وقوله (للسائلين) متعلق ~~بسواء: أي مستويات للسائلين، أو بمحذوف كأنه قيل هذا الحصر للسائلين في كم ~~خلقت الأرض وما فيها؟ أو متعلق بقدر: أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين ~~المحتاجين إليها. قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها ~~أقواتها سواء للمحتاجين في أربعة أيام واختار هذا ابن جرير. ثم لما ذكر ~~سبحانه خلق الأرض وما فيها ذكر كيفية خلقه للسموات فقال (ثم استوى إلى ~~السماء) أي عمد وقصد نحوها قصدا سويا. قال الرازي: هو من قولهم: استوى إلى ~~مكان كذا: إذا توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء ~~الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم استقام إليه، ومنه قوله تعالى - ~~فاستقيموا إليه -، والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماوات بعد خلق ~~الأرض وما فيها. قال الحسن: معنى الآية صعد أمره إلى السماء (وهي دخان) ~~الدخان ما ارتفع من لهب النار، ويستعار لما يرى من بخار الأرض. قال ~~المفسرون: هذا الدخان هو بخار الماء، وخص سبحانه الاستواء إلى السماء مع ~~كون الخطاب المترتب على ذلك متوجها إليها وإلى الأرض كما يفيده قوله (فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها) استغناء بما تقدم من ذكر تقديرها وتقدير ما ~~فيها، ومعنى ائتيا: افعلا ما آمركما به وجيئا به، كما يقال ائت ما ms3486 هو ~~الأحسن أي افعله. قال الواحدي: قال المفسرون: إن الله سبحانه قال: أما أنت ~~يا سماء فاطلعي شمسك وقمرك ونجومك وأما أنت يا أرض فشققي أنهارك وأخرجي ~~ثمارك ونباتك. قرأ الجمهور " ائتيا " أمرا من الإتيان. وقرأ ابن عباس وابن ~~جبير ومجاهد " آتيا " قالتا آتينا بالمد فيهما، وهو إما من المؤاتاة، وهي ~~الموافقة: أي لتوافق كل منكما الأخرى أو من الإيتاء وهو الإعطاء فوزنه على ~~الأول فاعلا كقاتلا، وعلى الثاني افعلا كأكرما (طوعا أو كرها) مصدران في ~~موضع الحال: أي طائعتين أو مكرهتين، وقرأ الأعمش " كرها " بالضم. قال ~~الزجاج: أطيعا طاعة أو تكرهان PageV04P507 # كرها. قيل ومعنى هذا الأمر لهما التسخير: أي كونا فكانتا، كما قال تعالى ~~- إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون - فالكلام من باب التمثيل ~~لتأثير قدرته واستحالة امتناعها (قالتا أتينا طائعين) أي أتينا أمرك ~~منقادين وجمعهما جمع من يعقل لخطابهما بما يخاطب به العقلاء. قال القرطبي: ~~قال أكثر أهل العلم إن الله سبحانه خلق فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد ~~سبحانه وقيل هو تمثيل لظهور الطاعة منهما وتأثير القدرة الربانية فيهما ~~(فقضاهن سبع سماوات) أي خلقهن وأحكمهن وفرغ منهن، كما في قول الشاعر: # وعليهما مسرودتان قضاهما * داود إذ صبغ السوابغ تبع والضمير في قضاهن إما ~~راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سماوات، أو مبهم مفسر بسبع سماوات، ~~وانتصاب سبع سماوات على التفسير أو على البدل من الضمير. وقيل إن انتصابه ~~على أنه المفعول الثاني لقضاهن لأنه مضمن معنى صبرهن، وقيل على الحال: أي ~~قضاهن حال كونهن معدودات بسبع ويكون قضى بمعنى صنع، وقيل على التمييز، ~~ومعنى (في يومين) كما سبق في قوله - خلق الأرض في يومين) فالجملة ستة أيام، ~~كما في قوله سبحانه - خلق السماوات والأرض في ستة أيام - وقد تقدم بيانه في ~~سورة الأعراف. قال مجاهد: ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون. قال ~~عبد الله بن سلام: خلق الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين وقدر فيها أقواتها ~~يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق ms3487 السماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة، ~~وقوله (وأوحى في كل كل سماء أمرها) عطف على قضاهن. قال قتادة والسدي: أي ~~خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها وما فيها من الملائكة والبحار ~~والبرد والثلوج. وقيل المعنى: أوحى فيها ما أراده وما أمر به، والإيحاء قد ~~يكون بمعنى الأمر كما في قوله - بأن ربك أوحى - وقوله - وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين - أي أمرتهم. # وقد استشكل الجمع بين هذه الآية وبين قوله - والأرض بعد ذلك دحاها - فإن ~~ما في هذه الآية من قوله (ثم استوى إلى السماء) مشعر بأن خلقها متأخر عن ~~خلق الأرض، وظاهره يخالف قوله - والأرض بعد ذلك دحاها - فقيل إن " ثم " في ~~(ثم استوى إلى السماء) ليست للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبي، فيندفع ~~الإشكال من أصله، وعلى تقدير أنها للتراخي الزماني فالجمع ممكن بأن الأرض ~~خلقها متقدم على خلق السماء، ودحوها بمعنى بسطها هو أمر زائد على مجرد ~~خلقها فهي متقدمة خلقا متأخرة دحوا وهذا ظاهر، ولعله يأتي عند تفسيرنا ~~لقوله - والأرض بعد ذلك دحاها - زيادة إيضاح للمقام إن شاء الله (وزينا ~~السماء الدنيا بمصابيح) أي بكواكب مضيئة متلألئة عليها كتلألؤ المصابيح، ~~(و) انتصاب (حفظا) على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف: أي وحفظناها حفظا أو على ~~أنه مفعول لأجله على تقدير: وخلقنا المصابيح زينة وحفظا، والأول أولى. قال ~~أبو حبان: في الوجه الثاني هو تكلف وعدول عن السهل البين، والمراد بالحفظ ~~حفظها من الشياطين الذين يسترقون السمع، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ~~ذكره (تقدير العزيز العليم) أي البليغ القدرة الكثير العلم (فإن أعرضوا) عن ~~التدبر والتفكر في هذه المخلوقات (فقل أنذرتكم) أي فقل لهم يا محمد أنذرتكم ~~خوفتكم (صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) أي عذابا مثل عذابهم، والمراد بالصاعقة ~~العذاب المهلك من كل شئ. قال المبرد: الصاعقة المرة المهلكة لأي شئ كان. ~~قرأ الجمهور " صاعقة " في الموضعين بالألف، وقرأ ابن الزبير والنخعي ~~والسلمي وابن محيصن " صعقة " في الموضعين، وقد تقدم بيان معنى الصاعقة ~~والصعقة في البقرة، وقوله (إذا جاءتهم الرسل) ms3488 ظرف لأنذرتكم. # أو لصاعقة، لأنها بمعنى العذاب: أي أنذرتكم العذاب الواقع وقت مجيء ~~الرسل، أو حال من صاعقة عاد. وهذا أولى من الوجهين الأولين، لأن الإنذار لم ~~يقع وقت مجيء الرسل فلا يصح أن يكون ظرفا له، وكذلك الصاعقة لا يصح ~~PageV04P508 # أن يكون الوقت ظرفا لها، وقوله (من بين أيديهم ومن خلفهم) متعلق بجاءتهم: ~~أي جاءتهم من جميع جوانبهم وقيل المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون ~~على تنزيل مجيء كلامهم منزلة مجيئهم أنفسهم، فكأن الرسل قد جاءوهم وخاطبوهم ~~بقولهم (أن لا تعبدوا إلا الله) أي بأن لا تعبدوا على أنها المصدرية، ويجوز ~~أن تكون التفسيرية أو المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف. ثم ذكر ~~سبحانه ما أجابوا به على الرسل فقال (قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة) أي ~~لأرسلهم إلينا ولم يرسل إلينا بشرا من جنسنا، ثم صرحوا بالكفر ولم ~~يتلعثموا، فقالوا (فإنا بما أرسلتم به كافرون) أي كافرون بما تزعمونه من أن ~~الله أرسلكم إلينا، لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا، فكيف اختصكم برسالته ~~دوننا، وقد تقدم دفع هذه الشبهة الداحضة التي جاءوا بها في غير موضع. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس في قوله (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) قال: ~~لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وفي قوله (لهم أجر غير ممنون) قال: غير ~~منقوص. وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ في العظمة والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عنه " أن اليهود أتت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن خلق السماوات والأرض فقال خلق الله ~~الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، ~~وخلق يوم الأربعاء الشجر والحجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه ~~أربعة أيام، فقال تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ~~وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها ~~وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ms3489 سواء للسائلين) وخلق يوم الخميس السماء ~~وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه، ~~فخلق من أول ساعة من هذه الثلاث الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى ~~فيها من كل شئ مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس ~~بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة، قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال ثم ~~استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا ثم استراح، فغضب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم غضبا شديدا، فنزل - ولقد خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون -. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا في قوله (وقدر فيها أقواتها) قال: شق الأنهار، وغرس ~~الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه وفي هذه ما ~~ليس في هذه. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا قال: إن الله تعالى خلق يوما فسماه ~~الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق ~~رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس وذكر نحو ما تقدم. وأخرج ~~أبو الشيخ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله فرغ ~~من خلقه في ستة أيام وذكر نحو ما تقدم ". وأخرج ابن جرير عن أبي بكر نحو ما ~~تقدم عن ابن عباس. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس في قوله (فقال لها وللأرض ائتنا طوعا أو كرها) قال قال ~~للسماء أخرجي شمسك وقمرك ونجومك، وللأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك (قالتا ~~أتينا طائعين) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~(ائتيا) قال أعطيا وفي قوله (قالتا أتينا) قال: أعطينا. PageV04P509 # لما ذكر سبحانه عادا وثمودا إجمالا ذكر ما يختص بكل طائفة من الطائفتين ~~تفصيلا، فقال (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق) أي تكبروا عن ~~الإيمان بالله وتصديق رسله واستعلوا على من في الأرض بغير ms3490 الحق: أي بغير ~~استحقاق ذلك الذي وقع منهم من التكبر والتجبر. ثم ذكر سبحانه بعض ما صدر ~~عنهم من الأقوال الدالة على الاستكبار فقال (وقالوا من أشد منا قوة) وكانوا ~~ذوي أجسام طوال وقوة شديدة، فاغتروا بأجسامهم حين تهددهم هود بالعذاب، ~~ومرادهم بهذا القول أنهم قادرون على دفع ما ينزل بهم من العذاب، فرد الله ~~عليهم بقوله (أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) والاستفهام ~~للاستنكار عليهم وللتوبيخ لهم: أي أولم يعلموا بأن الله أشد منهم قدرة، فهو ~~قادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء بقوله كن فيكون (وكانوا ~~بآياتنا يجحدون) أي بمعجزات الرسل التي خصهم الله بها وجعلها دليلا على ~~نبوتهم، أو بآياتنا التي أنزلناها على رسلنا، أو بآياتنا التكوينية التي ~~نصبناها لهم وجعلناها حجة عليهم، أو بجميع ذلك. ثم ذكر سبحانه ما أنزل ~~عليهم من عذابه، فقال (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا) الصرصر الريح الشديدة ~~الصوت من الصرة، وهي الصيحة. قال أبو عبيدة: معنى صرصر شديدة عاصفة. وقال ~~الفراء: هي الباردة تحرق كما تحرق النار. وقال عكرمة وسعيد ابن جبير ~~وقتادة: هي الباردة، وأنشد قطرب قول الحطيئة: # المطعمون إذا هبت بصرصرة * والحاملون إذا استودوا عن الناس أي إذا سئلوا ~~الدية. وقال مجاهد: هي الشديدة السموم، والأولى تفسيرها بالبرد، لأن الصر ~~في كلام العرب البرد، ومنه قول الشاعر: # لها غدر كقرون النسا * ء ركبن في يوم ريح وصر قال ابن السكيت: صرصر يجوز ~~أن يكون من الصر وهو البرد، ويجوز أن يكون من صرصر الباب ومن الصرة وهي ~~الصيحة، ومنه " فأقبلت امرأته في صرة ". ثم بين سبحانه وقت نزول ذلك العذاب ~~عليهم فقال (في أيام نحسات) PageV04P510 # أي مشئومات ذوات نحوس. قال مجاهد وقتادة: كن آخر شوال من يوم الأربعاء ~~إلى يوم الأربعاء، وذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما، وقيل نحسات باردات، ~~وقيل متتابعات، وقيل شداد، وقيل ذوات غبار. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " ~~نحسات " بإسكان الحاء على أنه جمع نحس وقرأ الباقون ms3491 بكسرها، واختار أبو ~~حاتم القراءة الأولى لقوله - في يوم نحس مستمر - واختار أبو عبيد القراءة ~~الثانية (لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا) أي لكي نذيقهم، والخزي هو ~~الذل والهوان بسبب ذلك الاستكبار (ولعذاب الآخرة أخزى) أي أشد إهانة وذلا، ~~ووصف العذاب بذلك، وهو في الحقيقة وصف للمعذبين، لأنهم الذين صاروا متصفين ~~بالخزي (وهم لا ينصرون) أي لا يمنعون من العذاب النازل بهم ولا يدفعه عنهم ~~دافع. ثم ذكر حال الطائفة الأخرى فقال (وأما ثمود فهديناهم) أي بينا لهم ~~سبيل النجاة ودللناهم على طريق الحق بإرسال الرسل إليهم، ونصب الدلالات لهم ~~من مخلوقات الله، فإنها توجب على كل عاقل أن يؤمن بالله ويصدق رسله. قال ~~الفراء: معنى الآية دللناهم على مذهب الخير بإرسال الرسل. قرأ الجمهور " ~~وأما ثمود " بالرفع ومنع الصرف. وقرأ الأعمش وابن وثاب بالرفع والصرف. وقرأ ~~ابن عباس وابن أبي إسحاق وعاصم في رواية بالنصب والصرف. وقرأ الحسن وابن ~~هرمز وعاصم في رواية بالنصب والمنع، فأما الرفع فعلى الابتداء والجملة بعده ~~الخبر، وأما النصب فعلى الاشتغال، وأما الصرف فعلى تفسير الاسم بالأب أو ~~الحي، وأما المنع فعلى تأويله بالقبيلة (فاستحبوا العمى على الهدى) أي ~~اختاروا الكفر على الإيمان وقال أبو العالية: اختاروا العمى على البيان. ~~وقال السدي: اختاروا المعصية على الطاعة (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون) قد ~~تقدم أن الصاعقة اسم للشيء المهلك لأي شئ كان، والهون الهوان والإهانة ~~فكأنه قال أصابهم مهلك العذاب ذي الهوان أو الإهانة، ويقال عذاب هون: أي ~~مهين كقوله - ما لبثوا في العذاب المهين - والباء في (بما كانوا يكسبون) ~~للسببية أي بسبب الذي كانوا يكسبونه، أو بسبب كسبهم (ونجينا الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون) وهم صالح ومن معه من المؤمنين فان الله نجاهم من ذلك العذاب ~~ثم لما ذكر سبحانه ما عاقبهم به في الدنيا ذكر عاقبهم به في الآخرة فقال ~~(ويوم يحشر أعداء الله إلى النار) وفي وصفهم بكونهم أعداء الله مبالغة في ~~ذمهم، والعامل في الظرف محذوف دل عليه ما بعده تقديره: يساق الناس ms3492 يوم ~~يحشر، أو بأذكر: أي أذكر يوم يحشرهم. قرأ الجمهور " يحشر " بتحتية مضمومة ~~ورفع أعداء على النيابة، وقرأ نافع " نحشر " بالنون ونصب أعداء، ومعنى ~~حشرهم إلى النار سوقهم إليها أو إلى موقف الحساب، لأنه يتبين عنده فريق ~~الجنة وفريق النار (فهم يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ~~ويجتمعوا، كذا قال قتادة والسدي وغيرهما، وقد سبق تحقيق معناه في سورة ~~النمل مستوفى (حتى إذا ما جاءوها) أي جاءوا النار التي حشروا إليها أو موقف ~~الحساب و " ما " مزيدة للتوكيد (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون) في الدنيا من المعاصي. قال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت ~~الألسن من عملهم بالشرك، والمراد بالجلود هي جلودهم المعروفة في قول أكثر ~~المفسرين. وقال السدي وعبيد الله بن أبي جعفر والفراء: أراد بالجلود ~~الفروج، والأول أولى (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا) وجه تخصيص الثلاثة ~~بالشهادة دون غيرها ما ذكره الرازي أن الحواس الخمس: وهي السمع والبصر ~~والشم والذوق واللمس، وآلة المس هي الجلد، فالله سبحانه ذكر هنا ثلاثة ~~أنواع من الحواس، وهي السمع والبصر واللمس، وأهمل ذكر نوعين وهما الذوق ~~والشم، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى ~~بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير ~~جلدة الحنك مماسة لجرم المشموم، فكانا داخلين في جنس اللمس، وإذا عرفت من ~~كلامه هذا وجه تخصيص الثلاثة بالذكر عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسؤال ~~لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس، فكان تأتي المعصية من جهتها أكثر ~~PageV04P511 # وأما على قول من فسر الجلود بالفروج فوجه تخصيصها بالسؤال ظاهر، لأن ما ~~يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحا وأجلب للخزي والعقوبة، وقد قدمنا وجه ~~إفراد السمع وجمع الأبصار (قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ) أي أنطق كل ~~شئ مما ينطق من مخلوقاته فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وقيل المعنى: ~~ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله. والأول أولى (وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون) قيل هذا من ms3493 تمام كلام الجلود، وقيل مستأنف من كلام الله، والمعنى: ~~أن من قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم ورجعكم إليه (وما ~~كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) هذا تقريع لهم ~~وتوبيخ من جهة الله سبحانه، أو من كلام الجلود: أي ما كنتم تستخفون عند ~~الأعمال القبيحة حذرا من شهادة الجوارح عليكم، ولما كان الإنسان لا يقدر ~~على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا ترك ~~المعصية. وقيل معنى الاستتار الاتقاء: أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد ~~عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة و " أن " في ~~قوله (أن تشهد) في محل نصب على العلة: أي لأجل أن تشهد، أو مخافة أن تشهد. ~~وقيل منصوبة بنزع الخافض، وهو الباء، أو عن، أو من. وقيل إن الاستتار مضمن ~~معنى الظن: أي وما كنتم تظنون أن تشهد، وهو بعيد (ولكن ظننتم أن الله لا ~~يعلم كثيرا مما تعلمون) من المعاصي فاجترأتم على فعلها، قيل كان الكفار ~~يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكن يعلم ما نظهر دون ما نسر. قال ~~قتادة: الظن هنا بمعنى العلم، وقيل أريد بالظن معنى مجازي يعم معناه ~~الحقيقي وما هو فوقه من العلم، (و) الإشارة بقوله (ذلكم) إلى ما ذكر من ~~ظنهم، وهو مبتدأ وخبره (ظنكم الذي ظننتم بربكم) وقوله (أرداكم) خبر آخر ~~للمبتدأ: وقيل إن أرداكم في محل نصب على الحال المقدرة. وقيل إن ظنكم بدل ~~من ذلكم، والذي ظننتم خبره، وأرداكم خبر آخر، أو حال وقيل إن ظنكم خبر أول، ~~والموصول وصلته خبر ثان، وأرداكم خبر ثالث، والمعنى: أن ظنكم بأن الله لا ~~يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم وطرحكم في النار (فأصبحتم من الخاسرين) أي ~~الكاملين في الخسران. ثم أخبر عن حالهم فقال (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم) ~~أي فإن يصبروا على النار فالنار مثواهم: أي محل استقرارهم وإقامتهم لا خروج ~~لهم منها. وقيل المعنى: فان يصبروا في الدنيا على ms3494 أعمال أهل النار، فالنار ~~مثوى لهم (وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين) يقال أعتبني فلان: أي أرضاني ~~بعد إسخاطه إياي وإستعتبته طلبت منه أن يرضى، والمعنى: # أنهم إن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما يحبون لم يرجع لأنهم لا يستحقون ذلك. ~~قال الخليل: تقول إستعتبته فأعتبني: # أي استرضيته فأرضاني، ومعنى الآية: إن يطلبوا الرضى لم يقع الرضى عنهم، ~~بل لا بد لهم من النار. قرأ الجمهور " يستعتبوا " بفتح التحتية وكسر التاء ~~الفوقية الثانية مبنيا للفاعل. وقرأوا " من المعتبين " بفتح الفوقية اسم ~~مفعول وقرأ الحسن وعبيد بن عمير وأبو العالية " يستعتبوا " مبنيا للمفعول " ~~فما هم من المعتبين " اسم فاعل: أي إنهم إن أقالهم الله وردهم إلى الدنيا ~~لم يعملوا بطاعته كما في قوله سبحانه - ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه -. # وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله (فهم يوزعون) قال: يحبس أولهم على ~~آخرهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: يدفعون. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ~~ثلاثة نفر: قرشي وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، كثير لحم بطونهم قليل فقه ~~قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا ~~هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإنا إذا لم نرفعه لم ~~يسمعه، فقال الآخران: إن سمع منه شيئا سمعه كله، قال: فذكرت ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم PageV04P512 # فأنزل الله (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم) إلى قوله (من ~~الخاسرين). وأخرج عبد الرزاق وأحمد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " تحشرون ها هنا، وأومأ بيده إلى الشام، مشاة وركبانا ~~وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام، وأول ما يعرب عن أحدكم ~~فخذه وكتفه، وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) ". وأخرج أحمد وأبو ms3495 داود ~~الطيالسي وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن ~~جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يموتن أحدكم إلا وهو ~~يحسن الظن بالله تعالى، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله ~~(وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين). # قوله (وقيضنا لهم قرناء) أي هيأنا قرناء من الشياطين. وقال الزجاج: سببنا ~~لهم قرناء حتى أضلوهم، وقيل سلطنا عليهم قرناء، وقيل قدرنا، والمعاني ~~متقاربة، وأصل التقييض التيسير والهيئة، والقرناء جمع قرين، وهم الشياطين، ~~جعلهم بمنزلة الأخلاء لهم. وقيل إن الله قيض لهم قرناء في النار، والأولى ~~أن ذلك في الدنيا لقوله PageV04P513 # (فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم) فإن المعنى: زينوا لهم ما بين ~~أيديهم من أمور الدنيا وشهواتها، وحملوهم على الوقوع في معاصي الله ~~بانهماكهم فيها، وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة فقالوا: لا بعث ولا ~~حساب ولا جنة ولا نار. وقال الزجاج: ما بين أيديهم ما عملوه، وما خلفهم ما ~~عزموا على أن يعملوه. وروي عن الزجاج أيضا أنه قال: ما بين أيديهم من أمر ~~الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا (وحق عليهم ~~القول) أي وجب وثبت عليهم العذاب، وهو قوله سبحانه - لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين - و (في أمم) في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم، ~~والمعنى: كائنين في جملة أمم، وقيل في بمعنى مع: أي مع أمم من الأمم ~~الكافرة التي (قد خلت) ومضت (من قبلهم من الجن والإنس) على الكفر، وجملة ~~(إنهم كانوا خاسرين) تعليل لاستحقاقهم العذاب (وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرآن) أي قال بعضهم لبعض لا تسمعوه ولا تنصتوا له، وقيل معنى لا ~~تسمعوا: لا تطيعوا، يقال سمعت لك: أي أطعتك (والغوا فيه) أي عارضوه باللغو ~~والباطل، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارئ له. وقال مجاهد: ألغوا فيه ~~بالمكاء والتصدية والتصفيق والتخليط في الكلام حتى يصير لغوا. وقال الضحاك: ms3496 ~~أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول. وقال أبو العالية: قعوا فيه وعيبوه. ~~قرأ الجمهور " والغوا " بفتح الغين، من لغا إذا تكلم باللغو، وهو ما لا ~~فائدة فيه، أو من لغى بالفتح يلغى بالفتح أيضا كما حكاه الأخفش، وقرأ عيسى ~~بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وبكر بن حبيب السهمي وقتادة ~~والسماك والزعفراني بضم الغين. وقد تقدم الكلام في اللغو في سورة البقرة ~~(لعلكم تغلبون) أي لكي تغلبوهم فيسكتوا. ثم توعدهم سبحانه على ذلك فقال ~~(فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا) وهذا وعيد لجميع الكفار، ويدخل فيهم ~~الذين السياق معهم دخولا أوليا (ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون) أي ~~ولنجزينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. قال مقاتل: ~~وهو الشرك. وقيل المعنى: أنه يجازيهم بمساوئ أعمالهم لا بمحاسنها كما يقع ~~منهم من صلة الأرحام وإكرام الضيف، لأن ذلك باطل لا أجر له مع كفرهم، ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم، وهو مبتدأ وخبره جزاء أعداء الله، أو ~~خبر مبتدأ محذوف. أي الأمر ذلك، وجملة (جزاء أعداء الله النار) مبينة ~~للجملة التي قبلها، والأول أولى وتكون النار عطف بيان للجزاء، أو بدلا منه، ~~أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ والخبر (لهم فيها دار الخلد). # وعلى الثلاثة الوجوه الأولى تكون جملة لهم فيها دار الخلد مستأنفة مقررة ~~لما قبلها، ومعنى دار الخلد: دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها ~~(جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون) أي يجزون جزاء بسبب جحدهم بآيات الله. قال ~~مقاتل: يعنى القرآن يجحدون أنه من عند الله، وعلى هذا يكون التعبير عن ~~اللغو بالجحود لكونه سببا له، إقامة للسبب مقام المسبب (وقال الذين كفروا ~~ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس) قالوا هذا وهم في النار، وذكره ~~بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه، والمراد أنهم طلبوا من الله سبحانه أن ~~يريهم من أضلهم من فريق الجن والإنس من الشياطين الذين كانوا يسولون لهم ~~ويحملونهم على المعاصي، ومن الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر. وقيل ~~المراد إبليس وقابيل ms3497 لأنهما سنا المعصية لبني آدم. قرأ الجمهور " أرنا " ~~بكسر الراء. وقرأ ابن محيصن والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر بسكون الراء، ~~وبها قرأ أبو بكر والمفضل وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الخليل: إذا قلت ~~أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه وبالسكون أعطنيه (نجعلهما تحت أقدامنا) أي ~~ندسهما بأقدامنا لنشتفي منهم، وقيل نجعلهم أسفل منا في النار (ليكونا من ~~الأسفلين) فيها مكانا، أو ليكونا من الأذلين المهانين، وقيل ليكونوا أشد ~~عذابا منا. ثم لما ذكر عقاب الكافرين وما أعده لهم ذكر حال المؤمنين وما ~~أنعم عليهم PageV04P514 # به فقال (إن الذين قالوا ربنا الله) أي وحده لا شريك له (ثم استقاموا) ~~على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله. قال جماعة من الصحابة ~~والتابعين: معنى الاستقامة إخلاص العمل لله. وقال قتادة وابن زيد: ثم ~~استقاموا على طاعة الله. # وقال الحسن: استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال ~~مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا. وقال ~~الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال ~~الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية (تتنزل عليهم ~~الملائكة) من عند الله سبحانه بالبشرى التي يريدونها من جلب نفع أو دفع ضر ~~أو رفع حزن. قال ابن زيد ومجاهد: تتنزل عليهم عند الموت. وقال مقاتل ~~وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال وكيع: البشرى في ثلاثة مواطن: عند ~~الموت، وفي القبر، وعند البعث (أ) ن (لا تخافوا ولا تحزنوا) أن هي المخففة ~~أو المفسرة أو الناصبة، و " لا " على الوجهين الأولين ناهية، وعلى الثالث ~~نافية، والمعنى: لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ~~ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل وولد ومال. قال مجاهد: لا تخافوا الموت ولا ~~تحزنوا على أولادكم، فإن الله خليفتكم عليهم. وقال عطاء: # لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم. ~~والظاهر عدم تخصيص تنزل الملائكة عليهم بوقت معين، وعدم تقييد نفي ms3498 الخوف ~~والحزن بحالة مخصوصة كما يشعر به حذف المتعلق في الجميع (وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون) بها في الدنيا فإنكم واصلون إليها مستقرون بها خالدون في ~~نعيمها. ثم بشرهم سبحانه بما هو أعظم من ذلك كله، فقال (نحن أولياؤكم في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة) أي نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا ~~وأمور الآخرة، ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب ونجا من كل مخافة. وقيل إن ~~هذا من قول الملائكة. قال مجاهد: يقولون لهم نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في ~~الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال ~~السدي: نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة. وقيل إنهم ~~يشفعون لهم في الآخرة ويتلقونهم بالكرامة (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) من ~~صنوف اللذات وأنواع النعم (ولكم فيها ما تدعون) أي ما تتمنون، افتعال من ~~الدعاء بمعنى الطلب، وقد تقدم بيان معنى هذا في قوله " ولهم ما يدعون " ~~مستوفى، والفرق بين الجملتين أن الأولى باعتبار شهوات أنفسهم، والثانية ~~باعتبار ما يطلبونه أعم من أن يكون مما تشتهيه أنفسهم أولا. وقال الرازي: ~~الأقرب عندي أن قوله (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) إشارة إلى الجنة ~~الروحانية المذكورة في قوله " دعواهم فيها سبحانك اللهم " الآية، وانتصاب ~~(نزلا من غفور رحيم) على الحال من الموصول، أو من عائده، أو من فاعل تدعون، ~~أو هو مصدر مؤكد لفعل محذوف: أي أنزلناه نزلا، والنزل: ما يعد لهم حال ~~نزولهم من الرزق والضيافة، وقد تقدم تحقيقه في سورة آل عمران (ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله) أي إلى توحيد الله وطاعته. قال الحسن: هو المؤمن ~~أجاب الله دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من طاعته (وعمل صالحا) في ~~إجابته (وقال إنني من المسلمين) لربي. وقال ابن سيرين والسدي وابن زيد: هو ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وروي هذا أيضا عن الحسن. وقال عكرمة ~~وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في المؤذنين. # ويجاب عن هذا بأن الآية مكية، والأذان ms3499 إنما شرع بالمدينة. والأولى حمل ~~الآية على العموم كما يقتضيه اللفظ ويدخل فيها من كان سببا لنزولها دخولا ~~أوليا، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله وعمل عملا صالحا، وهو ~~تأدية ما فرضه الله عليه مع اجتناب ما حرمه عليه، وكان من المسلمين دينا لا ~~من غيرهم فلا شئ أحسن منه ولا أوضح من طريقته ولا أكثر ثوابا من عمله. ثم ~~بين سبحانه الفرق بين محاسن الأعمال ومساويها فقال (ولا PageV04P515 # تستوي الحسنة ولا السيئة) أي لا تستوي الحسنة التي يرضى الله بها ويثيب ~~عليها، ولا السيئة التي يكرهها الله ويعاقب عليها، ولا وجه لتخصيص الحسنة ~~بنوع من أنواع الطاعات، وتخصيص السيئة بنوع من أنواع المعاصي، فإن اللفظ ~~أوسع من ذلك. وقيل الحسنة التوحيد والسيئة الشرك. وقيل الحسنة المداراة، ~~والسيئة الغلظة. وقيل الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقيل الحسنة العلم، ~~والسيئة الفحش. قال الفراء " لا " في قوله ولا السيئة زائدة (ادفع بالتي هي ~~أحسن) أي ادفع السيئة إذا جاءتك من المسئ بأحسن ما يمكن دفعها به من ~~الحسنات، ومنه مقابلة الإساءة بالإحسان والذنب بالعفو، والغضب بالصبر، ~~والإغضاء عن الهفوات، والاحتمال للمكروهات. # وقال مجاهد وعطاء: بالتي هي أحسن: يعني بالسلام إذا لقى من يعاديه، وقيل ~~بالمصافحة عند التلاقي (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) هذه هي ~~الفائدة الحاصلة من الدفع بالتي هي أحسن، والمعنى: أنك إذا فعلت ذلك الدفع ~~صار العدو كالصديق، والبعيد عنك كالقريب منك. وقال مقاتل: نزلت في أبي ~~سفيان بن حرب كان معاديا للنبي لي الله عليه وآله وسلم فصار له وليا ~~بالمصاهرة التي وقعت بينه وبينه، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما ~~بالصهارة، وقيل غير ذلك، والأولى حمل الآية على العموم (وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا) قال الزجاج: ما يلقى هذه الفعلة وهذه الحالة، وهي دفع السيئة ~~بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ واحتمال المكروه (وما يلقاها إلا ذو ~~حظ عظيم) في الثواب والخير. وقال قتادة: الحظ العظيم الجنة: أي ما يلقاها ms3500 ~~إلا من وجبت له الجنة، وقيل الضمير في يلقاها عائد إلى الجنة، وقيل راجع ~~إلى كلمة التوحيد. قرأ الجمهور " يلقاها " من التلقية، وقرأ طلحة بن مصرف ~~وابن كثير في رواية عنه " يلاقاها " من الملاقاة. ثم أمره سبحانه ~~بالاستعاذة من الشيطان فقال (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) ~~النزغ شبيه النخس شبه به الوسوسة لأنها تبعث على الشر، والمعنى: وإن صرفك ~~الشيطان عن شئ مما شرعه الله لك، أو عن الدفع بالتي هي أحسن فاستعذ بالله ~~من شره، وجعل النزغ نازغا على المجاز العقلي كقولهم: جد جده، وجملة (إنه هو ~~السميع العليم) تعليل لما قبلها: # أي السميع لكل ما يسمع، والعليم بكل ما يعلم، ومن كان كذلك فهو يعيذ من ~~استعاذ به. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس ~~عنه ويقولون (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) وكان إذا ~~أخفى قراءته لم يسمع من يحب أن يسمع القرآن، فأنزل الله - لا تجهر بصلاتك ~~ولا تخافت بها -. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر ~~عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن قوله (ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس) قال: هو ابن آدم الذي قتل أخاه وإبليس. وأخرج الترمذي والنسائي ~~والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه عن أنس ~~قال: " قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية (إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا) قال: قد قالها ناس من الناس ثم كفر أكثرهم، ~~فمن قالها حين يموت فهو ممن استقام عليها. # وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وابن سعد ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عمران ~~عن أبي بكر الصديق ms3501 في قوله (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) قال: ~~الاستقامة أن لا يشركوا بالله شيئا. وأخرج ابن راهويه وعبد بن حميد والحكيم ~~الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من ~~طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق أنه قال: # ما تقولون في هاتين الآيتين (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)، و - ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - قالوا: PageV04P516 # الذين قالوا ربنا الله ثم عملوا بها واستقاموا على أمره فلم يذنبوا، ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم لم يذنبوا. قال: لقد حملتموهما على أمر شديد. الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - يقول بشرك، والذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وأخرج ابن مردويه عن بعض الصحابة: ~~ثم استقاموا على فرائض الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ~~(ثم استقاموا) قال: على شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن المبارك وسعيد ~~ابن منصور وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عمر ~~بن الخطاب (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) قال: استقاموا بطاعة ~~الله ولم يروغوا روغان الثعلب. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والبخاري ~~في تاريخه ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن سفيان الثقفي أن ~~رجلا قال: يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: ~~قل آمنت بالله ثم استقم، قلت: فما أتقى؟ فآوى إلى لسانه. قال الترمذي: حسن ~~صحيح. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة في قوله (ومن ~~أحسن قولا ممن دعا إلى الله) قالت: المؤذن (وعمل صالحا) قالت: ركعتان فيما ~~بين الأذان والإقامة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن ~~مردويه من وجه آخر عنها قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في ~~قوله (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ms3502 أحسن) قال: أمر المسلمين ~~بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك ~~عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم (كأنه ولي حميم). وأخرج ابن مردويه ~~عنه (ادفع بالتي هي أحسن) قال: القه بالسلام فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله (وما يلقاها إلا الذين ~~صبروا) قال: الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت ~~كاذبا فغفر الله لك. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سليمان بن صرد قال: " ~~استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاشتد غضب أحدهما، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب: ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل: أمجنون تراني؟ فتلا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم) ". PageV04P517 # شرع سبحانه في بيان بعض آياته البديعة الدالة على كمال قدرته وقوة تصرفه ~~للاستدلال بها على توحيده فقال (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر) ثم ~~لما بين أن ذلك من آياته نهاهم عن عبادة الشمس والقمر، وأمرهم بأن يسجدوا ~~لله عز وجل فقال (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) لأنهما مخلوقان من مخلوقاته، ~~فلا يصح أن يكونا شريكين له في ربوبيته (واسجدوا لله الذي خلقهن) أي خلق ~~هذه الأربعة المذكورة، لأن جمع ما لا يعقل حكمه حكم جمع الإناث، أو الآيات، ~~أو الشمس والقمر، لأن الاثنين جمع عند جماعة من الأئمة (إن كنتم إياه ~~تعبدون) قيل كان ناس يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ~~ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله فنهوا عن ذلك، فهذا وجه تخصيص ~~ذكر السجود بالنهي عنه. وقيل وجه تخصيصه أنه أقصى مراتب العبادة، وهذه ~~الآية من آيات السجود بلا خلاف، وإنما اختلفوا في موضع السجدة، فقيل موضعه ~~عند قوله (إن كنتم إياه تعبدون) لأنه متصل بالأمر، وقيل عند قوله (وهم لا ~~يسأمون) لأنه تمام الكلام (فإن استكبروا فالذين ms3503 عند ربك يسبحون له بالليل ~~والنهار وهم لا يسأمون) أي إن استكبر هؤلاء عن الامتثال فالملائكة يديمون ~~التسبيح لله سبحانه بالليل والنهار وهم لا يملون ولا يفترون (ومن آياته أنك ~~ترى الأرض خاشعة) الخطاب هنا لكل من يصلح له أو لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والخاشعة: اليابسة الجدبة. وقيل الغبراء التي لا تنبت. قال ~~الأزهري: إذا يبست الأرض ولم تمطر قيل قد خشعت (فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت) أي ماء المطر، ومعنى اهتزت تحركت بالنبات: يقال اهتز الإنسان: ~~إذا تحرك، ومنه قول الشاعر: # تراه كنصل السيف يهتز للندى * إذا لم تجد عند امرئ السوء مطعما ومعنى ~~ربت: انتفخت وعلت قبل أن تنبت: قاله مجاهد وغيره، وعلى هذا ففي الكلام ~~تقديم وتأخير، وتقديره: ربت واهتزت، وقيل الاهتزاز والربو قد يكونان قبل ~~خروج النبات وقد يكونان بعده، ومعنى الربو لغة الارتفاع، كما يقال للموضع ~~المرتفع ربوة ورابية، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الحج، وقيل ~~اهتزت استبشرت بالمطر، وربت انتفخت بالنبات. وقرأ أبو جعفر وخالد " وربأت " ~~(إن الذي أحياها لمحيي الموتى) بالبعث والنشور (إنه على كل شئ قدير) لا ~~يعجزه شئ كائنا ما كان (إن الذين يلحدون في آياتنا) أي يميلون عن الحق، ~~والإلحاد الميل والعدول، ومنه اللحد في القبر لأنه أميل إلى ناحية منه: ~~يقال ألحد في دين الله: أي مال وعدل عنه، ويقال لحد، وقد تقدم في تفسير ~~الإلحاد. قال مجاهد: معنى الآية يميلون عن الإيمان بالقرآن. # وقال مجاهد: يميلون عند تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية واللغو والغناء. ~~وقال قتادة: يكذبون في آياتنا. وقال السدي: # يعاندون ويشاقون. قال ابن زيد يشركون (لا يخفون علينا) بل نحن نعلمهم ~~فنجازيهم بما يعملون. ثم بين كيفية الجزاء والتفاوت بين المؤمن والكافر ~~فقال (أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة) هذا الاستفهام ~~للتقرير، PageV04P518 # والغرض منه التنبيه على إن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن ~~المؤمنين بها يأتون آمنين يوم القيامة. وظاهر الآية العموم اعتبارا بعموم ~~اللفظ ms3504 لا بخصوص السبب. وقيل المراد بمن يلقى في النار: أبو جهل ومن يأتي ~~آمنا: # النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل حمزة، وقيل عمر بن الخطاب، وقيل أبو ~~سلمة بن عبد الأسد المخزومي (اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) هذا أمر ~~تهديد: أي اعملوا من أعمالكم التي تلقيكم في النار ما شئتم إنه بما تعملون ~~بصير، فهو مجازيكم على كل ما تعملون. قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه ~~الوعيد (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، ~~وخبر إن محذوف: أي إن الذين كفروا بالقرآن ما جاءهم يجازون بكفرهم، أو ~~هالكون، أو يعذبون، وقيل هو قوله (ينادون من مكان بعيد) وهذا بعيد وإن رجحه ~~أبو عمرو بن العلاء. وقال الكسائي: إنه سد مسده الخبر السابق، وهو (لا ~~يخفون علينا). وقيل إن الجملة بدل من الجملة الأولى وهي: الذين يلحدون في ~~آياتنا، وخبر إن هو الخبر السابق (وإنه لكتاب عزيز) أي القرآن الذي كانوا ~~يلحدون فيه: أي عزيز عن أن يعارض أو يطعن فيه الطاعنون، منيع عن كل عيب. ثم ~~وصفه بأنه حق لا سبيل للباطل إليه بوجه من الوجوه فقال (لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه). قال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه ~~الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وبه قال قتادة ~~والسدي. # ومعنى الباطل على هذا: الزيادة والنقصان. وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب ~~من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله، وبه قال الكلبي وسعيد ~~بن جبير. وقيل الباطل هو الشيطان: أي لا يستطيع أن يزيد فيه ولا ينقص منه. ~~وقيل لا يزاد فيه ولا ينقص منه، لا من جبريل ولا من محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم (تنزيل من حكيم حميد) هو خبر مبتدأ محذوف أو صفة أخرى لكتاب عند ~~من يجوز تقديم غير الصريح من الصفات على الصريح، وقيل إنه الصفة لكتاب، ~~وجملة لا يأتيه معترضة بين الموصوف والصفة. ثم ms3505 سلى سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن ما كان يتأثر له من أذية الكفار فقال (ما يقال لك إلا ما ~~قد قيل للرسل من قبلك) أي ما يقال لك من هؤلاء الكفار من وصفك بالسحر ~~والكذب والجنون إلا مثل ما قيل للرسل من قبلك، فإن قومهم كانوا يقولون لهم ~~مثل ما يقول لك هؤلاء، وقيل المعنى: ما يقال لك من التوحيد وإخلاص العبادة ~~لله إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، فإن الشرائع كلها متفقة على ذلك، وقيل هو ~~استفهام: أي أي شئ يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك (إن ربك لذو مغفرة) ~~لمن يستحق مغفرته من الموحدين الذين بايعوك وبايعوا من قبلك من الأنبياء ~~(وذو عقاب أليم) للكفار المكذبين المعادين لرسل الله، وقيل لذو مغفرة ~~للأنبياء، وذو عقاب لأعدائهم (ولو جعلناه قرآنا أعجميا) أي لو جعلنا هذا ~~القرآن الذي تقرؤه على الناس بغير لغة العرب (لقالوا لولا فصلت آياته) أي ~~بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم لغة العجم، والاستفهام في قوله (أأعجمي ~~وعربي) للإنكار، وهو من جملة قول المشركين: أي لقالوا أكلام أعجمي ورسول ~~عربي. والأعجمي: الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم. والأعجم ضد ~~الفصيح: وهو الذي لا يبين كلامه، ويقال للحيوان غير الناطق أعجم. قرأ أبو ~~بكر وحمزة والكسائي " أأعجمي " بهمزتين محققتين. وقرأ الحسن وأبو العالية ~~ونصر بن عاصم وهشام بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ الباقون بتسهيل الثانية ~~بين بين، وقيل المراد: هلا فصلت آياته فجعل بعضها أعجميا لإفهام العجم ~~وبعضها عربيا لإفهام العرب. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يجيبهم فقال (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) أي يهتدون به إلى الحق ~~ويشتفون به من كل شك وشبهة، ومن الأسقام والآلام (والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقرا) أي صمم عن سماعه وفهم معانيه، ولهذا تواصوا باللغو فيه (وهو ~~عليهم عمى) قال قتادة: عموا عن PageV04P519 # القرآن وصموا عنه. وقال السدي: عميت قلوبهم عنه. والمعنى: ms3506 وهو عليهم ذو ~~عمى، أو وصف بالمصدر للمبالغة، والموصول في قوله (والذين لا يؤمنون) مبتدأ ~~وخبره (في آذانهم وقر) أو الموصول الثاني عطف على الموصول الأول، ووقر عطف ~~على هدى عند من جوز العطف على عاملين مختلفين، والتقدير: هو للأولين هدى ~~وشفاء، وللآخرين وقر في آذانهم. قرأ الجمهور " عمى " بفتح الميم منونة على ~~أنه مصدر، وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص وابن عمر بكسر ~~الميم منونة على أنه اسم منقوص على أنه وصف به مجازا. وقرأ عمرو بن دينار ~~بكسر الميم وفتح الياء على أنه فعل ماض، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى ~~لقوله أولا " هدى وشفاء " ولم يقل هاد وشاف، وقيل المعنى: والوقر عليهم ~~عمى، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الذين لا يؤمنون وما في حيزه، وخبره ~~(وينادون من مكان بعيد) مثل حالهم باعتبار عدم فهمهم للقرآن بحال من ينادي ~~من مسافة بعيدة لا يسمع صوت من يناديه منها. قال الفراء: تقول للرجل الذي ~~لا يفهم كلامك أنت تنادي من مكان بعيد. وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة ~~بأقبح أسمائهم من مكان بعيد. وقال مجاهد: من مكان بعيد من قلوبهم. # وقد أخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أنه كان يسجد بآخر الآيتين من حم السجدة، وكان ابن مسعود ~~يسجد بالأولى منهما. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر ~~أنه كان يسجد بالأولى. وأخرج سعيد بن منصور عنه أنه كان يسجد في الآية ~~الأخيرة. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن الذين يلحدون في آياتنا) ~~قال: هو أن يضع الكلام على غير موضعه. وأخرج ابن مردويه عنه في قوله (أفمن ~~يلقى في النار) قال: أبو جهل بن هشام (أمن يأتي آمنا يوم القيامة) قال: أبو ~~بكر الصديق. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن بشير ~~بن تميم قال: نزلت هذه الآية في أبي جهم وعمار بن ms3507 ياسر. وأخرج ابن عساكر عن ~~عكرمة مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (اعملوا ما شئتم) قال: ~~هذا لأهل بدر خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(ولو جعلناه قرآنا أعجميا) الآية يقول: لو جعلنا القرآن أعجميا ولسانك يا ~~محمد عربي لقالوا أعجمي وعربي تأتينا به مختلفا أو مختلطا (لولا فصلت ~~آياته) هلا بينت آياته فكان القرآن مثل اللسان. يقول: فلم نفعل لئلا يقولوا ~~فكانت حجة عليهم. PageV04P520 # قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) هذا كلام مستأنف يتضمن تسلية ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما كان يحصل له من الاغتمام بكفر قومه ~~وطعنهم في القرآن، فأخبره أن هذا عادة قديمة في أمم الرسل، فإنهم يختلفون ~~في الكتب المنزلة إليهم، والمراد بالكتاب التوراة، والضمير من قوله " فيه " ~~راجع إليه. وقيل يرجع إلى موسى، والأول أولى (ولولا كلمة سبقت من ربك) في ~~تأخير العذاب عن المكذبين من أمتك كما في قوله - ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~- (لقضي بينهم) بتعجيل العذاب لمن كذب منهم (وإنهم لفي شك منه مريب) أي من ~~كتابك المنزل عليك وهو القرآن، ومعنى الشك المريب: الموقع في الريبة، أو ~~الشديد الريبة. وقيل إن المراد اليهود، وأنهم في شك من التوراة مريب، ~~والأول أولى (من عمل صالحا فلنفسه) أي من أطاع الله وآمن برسوله ولم يكذبهم ~~فثواب ذلك راجع إليه ونفعه خاص به (ومن أساء فعليها) أي عقاب إساءته عليه ~~لا على غيره (وما ربك بظلام للعبيد) فلا يعذب أحدا إلا بذنبه، ولا يقع منه ~~الظلم لأحد كما في قوله سبحانه - إن الله لا يظلم الناس شيئا - وقد تقدم ~~الكلام على معنى هذه الآية في سورة آل عمران عند قوله - وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد - وفي سورة الأنفال أيضا. ثم أخبر سبحانه أن علم القيامة ووقت ~~قيامها لا يعلمه غيره، فقال (إليه يرد علم الساعة) فإذا وقع السؤال عنها ~~وجب على المسؤول أن يرد علمها إليه لا إلى غيره، وقد روي ms3508 أن المشركين ~~قالوا: يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى تقوم الساعة؟ فنزلت، و " ما " في ~~قوله (وما تخرج من ثمرات من أكمامها) نافية، ومن الأولى للاستغراق، ومن ~~الثانية لابتداء الغاية، وقيل هي موصولة في محل جر عطفا على الساعة: أي علم ~~الساعة وعلم التي تخرج، والأول أولى. والأكمام جمع كم بكسر الكاف، وهو وعاء ~~الثمرة ويطلق على كل ظرف لمال أو غيره. قال أبو عبيدة: أكمامها أوعيتها، ~~وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة. قال الراغب: الكم ما يغطي اليد من ~~القميص، وما يغطي الثمرة، وجمعه أكمام، وهذا يدل على أن الكم بضم الكاف ~~لأنه جعله مشتركا بين كم القميص وكم الثمرة، ولا خلاف في كم القميص أنه ~~بالضم. ويمكن أن يقال: إن في الكم الذي هو وعاء الثمر لغتين. قرأ الجمهور " ~~من ثمرة " بالإفراد، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالجمع (وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه) أي ما تحمل أنثى حملا في بطنها ولا تضع ذلك الحمل إلا ~~بعلم الله سبحانه، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال: أي ما يحدث شئ من خروج ~~ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع في حال من الأحوال إلا كائنا بعلم الله ~~فإليه يرد علم الساعة كما إليه يرد علم هذه الأمور (ويوم يناديهم) أي ينادي ~~الله سبحانه المشركين، وذلك PageV04P521 # يوم القيامة فيقول لهم (أين شركائي) الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي في ~~الدنيا من الأصنام وغيرها فادعوهم الان فليشفعوا لكم أو يدفعوا عنكم ~~العذاب، وهذا على طريقة التهكم بهم. قرأ الجمهور " شركائي " بسكون الياء، ~~وقرأ ابن كثير بفتحها، والعامل في يوم محذوف: أي أذكر (قالوا آذناك ما منا ~~من شهيد) يقال آذن يأذن: إذا أعلم، ومنه قول الشاعر: # آذنتنا ببينها أسماء * رب ثاو يمل منه الثواء والمعنى: أعلمناك ما منا ~~أحد يشهد بأن لك شريكا، وذلك أنهم لما عاينوا القيامة تبرءوا من الشركاء ~~وتبرأت منهم تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها. وقيل إن القائل بهذا هي ~~المعبودات التي كانوا يعبدونها: أي ms3509 ما منا من شهيد يشهد لهم بأنهم كانوا ~~محقين، والأول أولى (وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل) أي زال وبطل في ~~الآخرة ما كانوا يعبدون في الدنيا من الأصنام ونحوها (وظنوا ما لهم من ~~محيص) أي أيقنوا وعلموا أنه لا محيص لهم، يقال حاص يحيص حيصا: إذا هرب. ~~وقيل الظن على معناه الحقيقي لأنه بقي لهم في تلك الحال ظن ورجاء، والأول ~~أولى. ثم ذكر سبحانه بعض أحوال الإنسان فقال (لا يسأم الإنسان من دعاء ~~الخير) أي لا يمل من دعاء الخير لنفسه وجلبه إليه، والخير هنا: المال ~~والصحة والسلطان والرفعة. وقال السدي: والإنسان هنا يراد به الكافر، وقيل ~~الوليد بن المغيرة، وقيل عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف. والأولى حمل ~~الآية على العموم باعتبار الغالب فلا ينافيه خروج خلص العباد. وقرأ عبد ~~الله بن مسعود " لا يسأم الإنسان من دعاء المال " (وإن مسه الشر فيئوس ~~قنوط) أي وإن مسه البلاء والشدة والفقر والمرض فيئوس من روح الله قنوط من ~~رحمته. وقيل يئوس من إجابة دعائه قنوط بسوء الظن بربه. وقيل يئوس من زوال ~~ما به من المكروه قنوط بما يحصل له من ظن دوامه، وهما صيغتا مبالغة يدلان ~~على أنه شديد اليأس عظيم القنوط (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته) ~~أي ولئن آتيناه خيرا وعافية وغنى من بعد شدة ومرض وفقر (ليقولن هذا لي) أي ~~هذا شئ أستحقه على الله لرضاه بعملي، فظن أن تلك النعمة التي صار فيها وصلت ~~إليه باستحقاقه لها ولم يعلم أن الله يبتلي عباده بالخير والشر ليتبين له ~~الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع. قال مجاهد: معناه هذا بعملي وأنا ~~محقوق به (وما أظن الساعة قائمة) أي ما أظنها تقوم كما يخبرنا به الأنبياء، ~~أو لست على يقين من البعث، وهذا خاص بالكافرين والمنافقين، فيكون المراد ~~بالإنسان المذكور في صدر الآية الجنس باعتبار غالب أفراده، لأن اليأس من ~~رحمة الله، والقنوط من خيره، والشك في البعث لا يكون إلا من ms3510 الكافرين أو ~~المتزلزلين في الدين المتظهرين بالإسلام المبطنين للكفر (ولئن رجعت إلى ~~ربي) على تقدير: صدق ما يخبرنا به الأنبياء من قيام الساعة وحصول البعث ~~والنشور (إن لي عنده للحسنى) أي للحالة الحسنى من الكرامة، فظن أنه استحق ~~خير الدنيا بما فيه من الخير، واستحق خير الآخرة بذلك الذي اعتقده في نفسه ~~وأثبته لها، وهو اعتقاد باطل وظن فاسد (فلننبئن الذين كفروا بما عملوا) أي ~~لنخبرنهم بها يوم القيامة (ولنذيقنهم من عذاب غليظ) شديد بسبب ذنوبهم، ~~واللام هذه والتي قبلها هي الموطئة للقسم (وإذا أنعمنا على الإنسان) أي على ~~هذا الجنس باعتبار غالب أفراده (أعرض) عن الشكر (ونأى بجانبه) أي ترفع عن ~~الانقياد للحق وتكبر وتجبر، والجانب هنا مجاز عن النفس، ويقال نأيت ~~وتناءيت: أي بعدت وتباعدت، والمنتأى: الموضع البعيد. ومنه قول النابغة: ~~PageV04P522 # فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وقرأ يزيد بن ~~القعقاع " وناء بجانبه " بالألف قبل الهمزة (وإذا مسه الشر) أي البلاء ~~والجهد والفقر والمرض (فذو دعاء عريض) أي كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض ~~في الكثرة مجازا، يقال أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء: إذا أكثر، ~~والمعنى: أنه إذا مسه الشر تضرع إلى الله واستغاث به أن يكشف عنه ما نزل به ~~واستكثر من ذلك، فذكره في الشدة ونسيه في الرخاء واستغاث به عند نزول ~~النقمة وتركه عند حصول النعمة، وهذا صنيع الكافرين ومن كان غير ثابت القدم ~~من المسلمين. ثم رجع سبحانه إلى مخاطبة الكفار ومحاجتهم فقال (قل أرأيتم) ~~أي أخبروني (إن كان من عند الله) أي القرآن (ثم كفرتم به) أي كذبتم به ولم ~~تقبلوه ولا عملتم بما فيه (من أضل ممن هو في شقاق بعيد) أي لا أحد أضل منكم ~~لفرط شقاوتكم وشدة عداوتكم، والأصل أي شئ أضل منكم، فوضع (من هو في شقاق) ~~موضع الضمير لبيان حالهم في المشاقة، وأنها السبب الأعظم في ضلالهم (سنريهم ~~آياتنا في الآفاق) أي سنريهم دلالات صدق القرآن وعلامات كونه من عند الله ~~في ms3511 الآفاق (وفي أنفسهم) الآفاق جمع أفق وهو الناحية. والأفق بضم الهمزة ~~والفاء، كذا قال أهل اللغة. ونقل الراغب أنه يقال أفق بفتحهما، والمعنى: ~~سنريهم آياتنا في النواحي وفي أنفسهم. قال ابن زيد: في الآفاق آيات السماء، ~~وفي أنفسهم حوادث الأرض. وقال مجاهد: في الآفاق فتح القرى التي يسر الله ~~فتحها لرسوله وللخلفاء من بعده ونصار دينه في آفاق الدنيا شرقا وغربا، ومن ~~الظهور على الجبابرة والأكاسرة، وفي أنفسهم فتح مكة، ورجح هذا ابن جرير. ~~وقال قتادة والضحاك: في الآفاق وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم في يوم ~~بدر. وقال عطاء: # في الآفاق: يعني أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل ~~والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال ~~والبحار وغير ذلك، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، كما في قوله - ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون - (حتى يتبين لهم أنه الحق) الضمير راجع إلى ~~القرآن، وقيل إلى الإسلام الذي جاءهم به رسول الله، وقيل إلى ما يريهم الله ~~ويفعل من ذلك، وقيل إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الرسول الحق من ~~عند الله، والأول أولى (أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) الجملة مسوقة ~~لتوبيخهم وتقريعهم و " بربك " في موضع رفع على أنه الفاعل ليكف، والباء ~~زائدة، و " أنه " بدل من ربك والهمزة للإنكار. والمعنى: ألم يغنهم عن ~~الآيات الموعودة المبينة لحقية القرآن أنه سبحانه شهيد على جميع الأشياء. # وقيل المعنى: أولم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار. وقيل ~~أولم يكف بربك شاهدا على أن القرآن منزل من عنده، والشهيد بمعنى العالم، أو ~~هو بمعنى الشهادة التي هي الحضور. قال الزجاج: ومعنى الكناية ها هنا أن ~~الله عز وجل قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة، والمعنى: أولم يكف ربك ~~أنه على كل شئ شهيد شاهد للأشياء لا يغيب عنه شئ (ألا إنهم في مرية من لقاء ~~ربهم) أي في شك من البعث والحساب والثواب والعقاب (ألا إنه بكل شئ محيط) ~~أحاط ms3512 علمه بجميع المعلومات وأحاطت قدرته بجميع المقدورات، يقال أحاط يحيط ~~إحاطة وحيطة، وفي هذا وعيد شديد لأن من أحاط بكل شئ بحيث لا يخفى عليه شئ ~~جازى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته. # وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: في قوله (ولولا كلمة سبقت من ربك) ~~سبق لهم من الله حين وأجل هم بالغوه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ~~مجاهد في قوله (وما تخرج من ثمرات من أكمامها) قال: حين PageV04P523 # تطلع. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (آذناك) قال: ~~أعلمناك. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله (لا يسأم ~~الإنسان) قال: لا يمل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ~~(سنريهم آياتنا في الآفاق) قال: محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن المنذر عنه في الآية قال: ما يفتح الله من القرى (وفي أنفسهم) ~~قال: تفتح مكة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: # أمسك المطر عن الأرض كلها (وفي أنفسهم) قال: البلايا التي تكون في ~~أجسامهم. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: كانوا يسافرون فيرون ~~آثار عاد وثمود، فيقولون: والله لقد صدق محمد. وما أراهم في أنفسهم: قال ~~الأمراض. # تفسير سورة الشورى هي ثلاث وخمسون آية، وهي مكية كلها أخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: نزلت (حم عسق) بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، ~~وكذا قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وروي عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا ~~أريع آيات منها أنزلت بالمدينة (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى) إلى آخرها. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ونعيم بن حماد والخطيب ~~عن أرطاة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان فقال: ~~أخبرني عن تفسير حم عسق، فأعرض عنه، ثم كرر مقالته فأعرض عنه وكرر مقالته، ~~ثم كررها الثالثة فلم يجبه، فقال له حذيفة: أنا أنبئك ms3513 بها لم كرهها؟ نزلت ~~في رجل من أهل بيته يقال له عبد إله أو عبد الله تنزل على نهر من أنهار ~~المشرق، يبنى عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا، يجتمع فيهما كل جبار ~~عنيد، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث الله على ~~إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح ~~صاحبتها متعجبة كيف افتلتت، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل ~~جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا، فذلك قوله (حم عسق) يعني ~~عزيمة من الله وفتنة وقضاء جمع: يعني عدلا منه، سين: يعنى سيكون، ق لهاتين ~~المدينتين. أقول: هذا الحديث لا يصح ولا يثبت وما أظنه إلا من الموضوعات ~~المكذوبات، والحامل لواضعه عليه ما يقع لكثير من الناس من عداوة الدول ~~والحط من شأنهم والإزراء عليهم. # وأخرج أبو يعلى وابن عساكر قال السيوطي بسند ضعيف: قلت بل بسند موضوع ~~ومتن مكذوب عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب المنبر فقال: أيها الناس ~~هل سمع منكم أحد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفسر حم عسق فوثب ابن ~~عباس فقال: إن حم اسم من أسماء الله، قال: فعين قال: عاين المذكور عذاب يوم ~~بدر، قال: فسين، قال: فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال: فقاف ~~فسكت، فقام أبو ذر ففسر كما قال ابن عباس وقال: قاف قارعة من السماء تصيب ~~الناس. قال ابن كثير في الحديث الأول: إنه غريب عجيب منكر، وفي الحديث ~~الثاني: إنه أغرب من الحديث الأول. وعندي أنهما موضوعان مكذوبان. ~~PageV04P524 # قوله (حم عسق) قد تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح، وسئل الحسن بن الفضل ~~لم قطع " حم عسق " ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أولها حم فجرت مجرى ~~نظائرها، فكأن حم مبتدأ وعسق خبره، ولأنهما عدا آيتين، وأخواتهما مثل: ~~كهيعص والمر والمص آية واحدة. وقيل لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص ~~وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في حم ms3514 فقيل معناها حم: أي قضى ~~كما تقدم. وقيل إن ح حلمه ومن مجده، وع علمه، و س سناه، وق قدرته، أقسم ~~الله بها. وقيل غير ذلك مما هو متكلف متعسف لم يدل عليه دليل ولا جاءت به ~~حجة ولا شبهة حجة، وقد ذكرنا قبل هذا ما روي في ذلك مما لا أصل له، والحق ~~ما قدمناه لك في فاتحة سورة البقرة. وقيل هما اسمان للسورة، وقيل اسم واحد ~~لها، فعلى الأول يكونان خبرين لمبتدأ محذوف، وعلى الثاني يكون خبرا لذلك ~~المبتدأ المحذوف. وقرأ ابن مسعود وابن عباس " حم سق " (كذلك يوحى إليك وإلى ~~الذين من قبلك الله العزيز الحكيم) هذا كلام مستأنف غير متعلق بما قبله: أي ~~مثل ذلك الإيحاء الذي أوحى إلى سائر الأنبياء من كتب الله المنزلة عليهم ~~المشتملة على الدعوة إلى التوحيد والبعث يوحى إليك يا محمد في هذه السورة. ~~وقيل إن حم عسق أوحيت إلى من قبله من الأنبياء، فتكون الإشارة بقوله " كذلك ~~" PageV04P525 # إليها. قرأ الجمهور " يوحي " بكسر الحاء مبنيا للفاعل وهو الله. وقرأ ~~مجاهد وابن كثير وابن محيصن بفتحها مبنيا للمفعول، والقائم مقام الفاعل ~~ضمير مستتر يعود على كذلك، والتقدير: مثل ذلك الإيحاء يوحي هو إليك، أو ~~القائم مقام الفاعل إليك، أو الجملة المذكورة: أي يوحى إليك هذا اللفظ أو ~~القرآن أو مصدر يوحي، وارتفاع الاسم الشريف على أنه فاعل لفعل محذوف كأنه ~~قيل من يوحي؟ فقيل الله العزيز الحكيم. وأما قراءة الجمهور فهي واضحة اللفظ ~~والمعنى، وقد تقدم مثل هذا في قوله - يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال - ~~وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان " نوحي " بالنون فيكون قوله (الله العزيز ~~الحكيم) في محل نصب، والمعنى: نوحي إليك هذا اللفظ (له ما في السماوات وما ~~في الأرض وهو العلي العظيم) ذكر سبحانه لنفسه هذا الوصف وهو ملك جميع ما في ~~السماوات والأرض لدلالته على كمال قدرته ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته ~~(تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن) قرأ الجمهور " تكاد " بالفوقية، وكذلك " ~~تتفطرن " قرأوه بالفوقية مع تشديد ms3515 الطاء. وقرأ نافع والكسائي وابن وثاب ~~يكاد " يتفطرن " بالتحتية فيهما، وقرأ أبو عمرو والمفضل وأبو بكر وأبو عبيد ~~" ينفطرن " بالتحتية والنون من الانفطار كقوله " إذا السماء انفطرت " ~~والتفطر: التشقق. قال الضحاك والسدي: يتفطرن يتشققن من عظمة الله وجلاله من ~~فوقهن. وقيل المعنى: تكاد كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها من قول ~~المشركين اتخذ الله ولدا، وقيل من فوقهن: من فوق الأرضين، والأول أولى. ومن ~~في من فوقهن لابتداء الغاية: أي يبتدئ التفطر من جهة الفوق. وقال الأخفش ~~الصغير: إن الضمير يعود إلى جماعات الكفار: أي من فوق جماعات الكفار وهو ~~بعيد جدا، ووجه تخصيص جهة الفوق أنها أقرب إلى الآيات العظيمة والمصنوعات ~~الباهرة، أو على طريق المبالغة كأن كلمة الكفار مع كونها جاءت من جهة التحت ~~أثرت في جهة الفوق، فتأثيرها في جهة التحت بالأولى (والملائكة يسبحون بحمد ~~ربهم) أي ينزهونه عما لا يليق به ولا يجوز عليه متلبسين بحمده. وقيل إن ~~التسبيح موضوع موضع التعجب: أي يتعجبون من جراءة المشركين على الله. وقيل ~~معنى " بحمد ربهم " بأمر ربهم قاله السدي (ويستغفرون لمن في الأرض) من عباد ~~الله المؤمنين كما في قوله " ويستغفرون للذين آمنوا " وقيل الاستغفار منهم ~~بمعنى السعي فيما يستدعي المغفرة لهم وتأخير عقوبتهم طمعا في إيمان الكافر ~~وتوبة الفاسق فتكون الآية عامة كما هو ظاهر اللفظ غير خاصة بالمؤمنين وإن ~~كانوا داخلين فيها دخولا أوليا (ألا إن الله هو الغفور الرحيم) أي كثير ~~المغفرة والرحمة لأهل طاعته وأوليائه أو لجميع عباده فإن تأخير عقوبة ~~الكفار والعصاة نوع من أنواع مغفرته ورحمته (والذين اتخذوا من دونه أولياء) ~~أي أصناما يعبدونها (الله حفيظ عليهم) أي يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها (وما ~~أنت عليهم بوكيل) أي لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بذنوبهم، ولا وكل إليك ~~هدايتهم، وإنما عليك البلاغ قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف (وكذلك ~~أوحينا إليك قرآنا عربيا) أي مثل ذلك الإيحاء أوحينا إليك، وقرآنا مفعول ~~أوحينا، والمعنى: أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك كما أرسلنا كل رسول ms3516 ~~بلسان قومه (لتنذر أم القرى) وهي مكة والمراد أهلها (ومن حولها) من الناس ~~والمفعول الثاني محذوف: أي لتنذرهم العذاب (وتنذر يوم الجمع) أي ولتنذر ~~بيوم الجمع: وهو يوم القيامة لأنه مجمع الخلائق. وقيل المراد جمع الأرواح ~~بالأجساد. وقيل جمع الظالم والمظلوم، وقيل جمع العامل والعمل (لا ريب فيه) ~~أي لا شك فيه، والجملة معترضة مقررة لما قبلها أو صفة ليوم الجمع أو حال ~~منه (فريق في الجنة وفريق في السعير) قرأ الجمهور برفع في الموضعين، إما ~~على أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور، وشاع الابتداء بالنكرة لأن المقام ~~مقام تفصيل، أو على أن الخبر مقدر قبله: PageV04P526 # أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير، أو أنه خبر مبتدأ محذوف وهو ~~ضمير عائد إلى المجموعين المدلول عليهم بذكر الجمع: أي هم فريق في الجنة ~~وفريق في السعير. وقرأ زيد بن علي " فريقا " بالنصب في الموضعين على الحال ~~من جملة محذوفة: أي افترقوا حال كونهم كذلك، وأجاز الفراء والكسائي النصب ~~على تقدير لتنذر فريقا (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) قال الضحاك: أهل ~~دين واحد، إما على هدى وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة ~~بالمشيئة الأزلية، وهو معنى قوله (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) في الدين ~~الحق: وهو الإسلام (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير) أي المشركون ما لهم ~~من ولي يدفع عنهم العذاب، ولا نصير ينصرهم في ذلك المقام، ومثل هذا قوله - ~~ولو شاء الله لجمعهم على الهدى - وقوله - ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها - ~~وها هنا مخاصمات بين المتمذهبين المحامين على ما درج عليه أسلافهم فدبوا ~~عليه من بعدهم وليس بنا إلى ذكر شئ من ذلك فائدة كما هو عادتنا في تفسيرنا ~~هذا فهو تفسير سلفي يمشى مع الحق ويدور مع مدلولات النظم الشريف، وإنما ~~يعرف ذلك من رسخ قدمه وتبرأ من التعصب قلبه ولحمه ودمه، وجملة (أم اتخذوا ~~من دونه أولياء) مستأنفة مقرر لما قبلها من انتفاء كون للظالمين وليا ~~ونصيرا، وأن هذه هي المنقطعة ms3517 المقدرة ببل المفيدة للانتقال وبالهمزة ~~المفيدة للإنكار: أي بل أأتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام ~~يعبدونها؟ (فالله هو الولي) أي هو الحقيق بأن يتخذوه وليا، فإنه الخالق ~~الرازق الضار النافع، وقيل الفاء جواب شرط محذوف: أي إن أرادوا أن يتخذوا ~~أولياء في الحقيقة فالله هو الولي (وهو) أي ومن شأنه أنه (يحيي الموتى وهو ~~على كل شئ قدير) أي يقدر على كل مقدور، فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية ~~وإفراده بالعبادة (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) هذا عام في كل ما ~~اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم ~~القيامة بحكمه ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل، ~~ويتميز فريق الجنة وفريق النار. قال الكلبي: وما اختلفتم فيه من شئ: أي من ~~أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه. وقال مقاتل: إن أهل مكة كفر بعضهم ~~بالقرآن وآمن به بعضهم فنزلت، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويمكن ~~أن يقال: # معنى حكمه إلى الله: أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل على الحكم بين ~~عباده فيما يختلفون فيه فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين ~~أنه يرد إلى كتاب الله، ومثله قوله - فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله ~~والرسول - وقد حكم سبحانه بأن الدين هو الإسلام، وأن القرآن حق، وأن ~~المؤمنين في الجنة والكافرين في النار، ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ~~ذلك حقا إلا في الدار الآخرة وعدهم الله بذلك يوم القيامة (ذلكم) الحاكم ~~بهذا الحكم (الله ربي عليه توكلت) اعتمدت عليه في جميع أموري، لا على غيره ~~وفوضته في كل شؤوني (وإليه أنيب) أي أرجع في كل شئ يعرض لي لا إلى غيره ~~(فاطر السماوات والأرض) قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر آخر لذلكم، أو خبر ~~مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره ما بعده، أو نعت لربي لأن الإضافة محضة، ويكون ~~- عليه توكلت وإليه أنيب - معترضا بين الصفة والموصوف. وقرأ زيد بن علي ms3518 " ~~فاطر " بالجر على أنه نعت للاسم الشريف في قوله " إلى الله " وما بينهما ~~اعتراض أو بدل من الهاء في عليه أو إليه، وأجاز الكسائي النصب على النداء ~~وأجازه غيره على المدح. والفاطر: الخالق المبدع، وقد تقدم تحقيقه (جعل لكم ~~من أنفسكم أزواجا) أي خلق لكم من جنسكم نساء، أو المراد حواء لكونها خلقت ~~من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلا بعد نسل (ومن الأنعام أزواجا) أي خلق للأنعام ~~من جنسها إناثا، أو وخلق لكم من الأنعام أصنافا من الذكور والإناث، وهي ~~الثمانية التي ذكرها PageV04P527 # في الأنعام (يذرؤكم فيه) أي يبثكم، من الذرء: وهو البث، أو يخلقكم ~~وينشئكم، والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام إلا أنه غلب فيه العقلاء، ~~وضمير فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل، وقيل راجع إلى ما ذكر من ~~التدبير. وقال الفراء والزجاج وابن كيسان: معنى يذرؤكم فيه يكثركم به: أي ~~يكثركم بجعلكم أزواجا لأن ذلك سبب النسل. وقال ابن قتيبة: يذرؤكم فيه: أي ~~في الزوج، وقيل في البطن، وقيل في الرحم (ليس كمثله شئ) المراد بذكر المثل ~~هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية، فإنه إذا نفى عمن يناسبه كان نفيه ~~عنه أولى: # كقولهم: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، وقيل إن الكاف زائدة للتوكيد: أي ~~ليس مثله شئ، وقيل إن مثل زائدة قاله ثعلب وغيره كما في قوله " فإن آمنوا ~~بمثل ما آمنتم به " أي بما آمنتم به، ومنه قول أوس بن حجر: # وقتلى كمثل جذوع النخي * ل يغشاهم مطر منهمر أي كجذوع، والأول أولى، فإن ~~الكناية باب مسلوك للعرب ومهيع مألوف لهم، ومنه قول الشاعر: # ليس كمثل الفتى زهير * خلق يوازيه في الفضائل وقال آخر: # على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وإن بات من ليلى على اليأس طاويا وقال ~~آخر: # سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم * فما كمثلهم في الناس من أحد قال ابن قتيبة: ~~العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا: أي أنا لا يقال ~~لي. وقال أبو البقاء مرجحا لزيادة الكاف: ms3519 إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك ~~إلى المحال، إذ يكون المعنى: أن له مثلا وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض، ~~لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو مع أن إثبات المثل لله سبحانه ~~محال، وهذا تقرير حسن، ولكنه يندفع ما أورده بما ذكرنا من كون الكلام خارجا ~~مخرج الكناية ومن فهم هذه الآية الكريمة حق فهمها وتدبرها حق تدبرها مشى ~~بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة ~~إذا تأمل معنى قوله (وهو السميع البصير) فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي ~~للماثل قد اشتمل على برد اليقين وشفاء الصدور وانثلاج القلوب فاقدر يا طالب ~~الحق قدر هذه الحجة النيرة والبرهان القوي، فإنك تحطم بها كثيرا من البدع ~~وتهشم بها رؤوسا من الضلالة، وترغم بها آناف طوائف من المتكلفين، ولا سيما ~~إذا صممت إليه قول الله سبحانه - ولا يحيطون به علما - فإنك حينئذ قد أخذت ~~بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام وعلم أصول الدين: # ودع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديث ما حديث الرواحل (له مقاليد ~~السماوات والأرض) أي خزائنهما أو مفاتيحهما، وقد تقدم تحقيقه في سورة ~~الزمر، وهي جمع إقليد، وهو المفتاح جمع على خلاف القياس. قال النحاس: والذي ~~يملك المفاتيح يملك الخزائن. ثم لما ذكر سبحانه أن بيده مقاليد السماوات ~~والأرض ذكر بعده البسط والقبض فقال (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يوسعه ~~لمن يشاء من خلقه ويضيقه على من يشاء (إنه بكل شئ) من الأشياء (عليم) فلا ~~تخفى عليه خافية، وأحاط علمه بكل شئ يندرج تحتها علمه بطاعة المطيع ومعصية ~~العاصي، فهو يجازي كلا بما يستحقه من خير وشر. # وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن ~~مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: # خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي يده كتابان، فقال: ~~أتدرون ما هذا الكتابان؟ قلنا لا، إلا أن PageV04P528 # تخبرنا يا رسول الله، قال: للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من ms3520 رب العالمين ~~بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ~~ولا ينقص منهم، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل ~~النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص ~~منهم أبدا، فقال أصحابه: # ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سددوا وقاربوا، ~~فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار ~~يحتم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل له. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق ~~في السعير، قال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن صحيح غريب. وروى ابن جرير ~~طرفا منه عن ابن عمرو موقوفا عليه. قال ابن جرير: # وهذا الموقوف أشبه بالصواب. قلت: بل المرفوع أشبه بالصواب، فقد رفعه ~~الثقة ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح، ويقوي الرفع ما أخرجه ابن مردويه عن ~~البراء. قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يده كتاب ~~ينظر فيه قالوا انظروا إليه كيف وهو أمي لا يقرأ، قال: فعلمها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة ~~وأسماء قبائلهم لا يزاد منهم ولا ينقص منهم، وقال: فريق في الجنة، وفريق في ~~السعير فرغ ربكم من أعمال العباد. # الخطاب في قوله (شرع لكم من الدين) أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أي ~~بين وأوضح لكم من الدين ما وصى به نوحا من التوحيد ودين الإسلام وأصول ~~الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل وتوافقت عليها الكتب PageV04P529 # (والذي أوحينا إليك) من القرآن وشرائع الإسلام والبراءة من الشرك، ~~والتعبير عنه بالموصول لتفخيم شأنه، وخص ما شرعه لنبينا صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالإيحاء مع كون ما بعده وما قبله مذكورا بالتوصية للتصريح برسالته ~~(وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) مما تطابقت عليه الشرائع. ثم ms3521 بين ما ~~وصى به هؤلاء فقال (أن أقيموا الدين) أي توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله ~~وقبول شرائعه، وأن هي المصدرية، وهي وما بعدها في محل رفع على الخبرية ~~لمبتدأ محذوف، كأنه قيل ما ذلك الذي شرعه الله؟ فقيل هو إقامة الدين، أو هي ~~في محل نصب بدلا من الموصول، أو في محل جر بدلا من الدين، أو هي المفسرة، ~~لأنه قد تقدمها ما فيه معنى القول. قال مقاتل: يعني أنه شرع لكم ولمن قبلكم ~~من الأنبياء دينا واحدا. قال مقاتل: يعنى التوحيد. قال مجاهد: لم يبعث الله ~~نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة، فذلك ~~دينه الذي شرع لهم. وقال قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام، وخص ~~إبراهيم وموسى وعيسى بالذكر مع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم أرباب ~~الشرائع. ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين، نهاهم عن الاختلاف فيه فقال ~~(ولا تتفرقوا فيه) أي لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله وطاعة رسله ~~وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها ~~الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف ~~فيها الأدلة وتتعارض فيها الأمارات وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح ~~الاجتهاد ومواطن الخلاف. ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شق على ~~المشركين فقال (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) أي عظم وشق عليهم ما ~~تدعوهم إليه من لتوحيد ورفض الأوثان. قال قتادة: كبر على المشركين واشتد ~~عليهم شهادة أن لا إله إلا الله وحده وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا ~~أن ينصرها ويعليها ويظهرها ويظفرها هذا على من ناوأها. ثم خص أولياءه فقال ~~(الله يجتبي إليه من يشاء) أي يختار والاجتباء الاختيار، والمعنى: يختار ~~لتوحيده والدخول في دينه من يشاء من عباده (ويهدي إليه من ينيب) أي يوفق ~~لدينه ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته ويقبل إلى عبادته. ثم لما ذكر ~~سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين وعدم التفرق فيه ذكر ما ms3522 وقع من التفرق ~~الاختلاف فقال (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي ما تفرقوا إلا عن ~~علم بأن الفرقة ضلالة، ففعلوا ذلك التفرق للبغي بينهم بطلب الرياسة وشدة ~~الحمية، قيل المراد قريش هم الذين تفرقوا بعد ما جاءهم العلم، وهو محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم (بغيا) منهم عليه، وقد كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم ~~بقوله - وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير - الآية، وبقوله - فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به - وقيل المراد أمم الأنبياء المتقدمين، وأنهم فيما ~~(بينهم) اختلفوا لما طال بهم المدى فآمن قوم وكفر قوم، وقيل اليهود ~~والنصارى خاصة كما في قوله - وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة - (ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي تأخير العقوبة (إلى أجل ~~مسمى) وهو يوم القيامة كما في قوله - والساعة موعدهم - وقيل إلى الأجل الذي ~~قضاه الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر والذل والقهر (لقضى بينهم) أي ~~لوقع القضاء بينهم بإنزال العقوبة بهم معجلة، وقيل لقضى بين من آمن منهم ~~ومن كفر بنزول العذاب بالكافرين ونجاة المؤمنين (وإن الذين أورثوا الكتاب) ~~من اليهود والنصارى (من بعدهم) من بعد من قبلهم من اليهود والنصارى (لفي شك ~~منه) أي من القرآن، أو من محمد (مريب) موقع في الريب ولذلك لم يؤمنوا. وقال ~~مجاهد: معنى من بعدهم من قبلهم: يعني من قبل مشركي مكة، وهم اليهود ~~والنصارى. وقيل المراد كفار المشركين من العرب الذين أورثوا القرآن من بعد ~~ما أورث أهل الكتاب كتابهم، وصفهم بأنه في شك من القرآن مريب. قرأ الجمهور ~~" أورثوا " وقرأ زيد بن علي " ورثوا " بالتشديد (فلذلك فادع واستقم) أي ~~فلأجل ما ذكر PageV04P530 # من التفرق والشك، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع فادع واستقم، أي فأدع ~~إلى الله وإلى توحيده واستقم على ما دعوت إليه. قال الفراء والزجاج: المعنى ~~فإلى ذلك فادع كما تقول: دعوت إلى فلان ولفلان، وذلك إشارة إلى ما وصى به ~~الأنبياء من التوحيد. وقيل في الكلام تقديم ms3523 وتأخير. والمعنى: كبر على ~~المشركين ما ندعوهم إليه فلذلك فادع. قال قتادة: استقم على أمر الله. وقال ~~سفيان: استقم على القران. وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة (كما أمرت) ~~بذلك من جهة الله (ولا تتبع أهواءهم) الباطلة وتعصباتهم الزائغة، ولا تنظر ~~إلى خلاف من خالفك في ذكر الله (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي بجميع ~~الكتب التي أنزلها الله على رسله، لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض ~~(وأمرت لأعدل بينكم) في أحكام الله إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة ~~على ما شرعه الله أو بنقصان منه، وأبلغ إليكم ما أمرني الله بتبليغه كما ~~هو، واللام لام كي: أي أمرت بذلك الذي أمرت به لكي أعدل بينكم، وقيل هي ~~زائدة، والمعنى: أمرت أن أعدل. والأول أولى. قال أبو العالية: # أمرت لأسوي بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول. والظاهر أن الآية ~~عامة في كل شئ، والمعنى: # أمرت لأعدل بينكم في كل شئ (الله ربنا وربكم) أي إلهنا وإلهكم، وخالقنا ~~وخالقكم (لنا أعمالنا) أي ثوابها وعقابها خاص بنا (ولكم أعمالكم) أي ثوابها ~~وعقابها خاص بكم (لا حجة بيننا وبينكم) أي لا خصومة بيننا وبينكم، لأن الحق ~~قد ظهر ووضح (الله يجمع بيننا) في المحشر (وإليه المصير) أي المرجع يوم ~~القيامة فيجازي كلا بعمله: وهذا منسوخ بآية السيف. قيل الخطاب لليهود، وقيل ~~للكفار على العموم (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له) أي يخاصمون ~~في دين الله من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا فيه. قال مجاهد: من بعد ما ~~أسلم الناس. قال: وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود. وقال قتادة: هم ~~اليهود والنصارى ومحاجتهم قولهم: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ~~وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأنهم أولاد الأنبياء، وكان ~~المشركون يقولون - أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا -؟ فنزلت هذه الآية، ~~والموصول مبتدأ، وخبره الجملة بعده وهي (حجتهم داحضة عند ربهم) أي لا ثبات ~~لها كالشئ الذي يزول عن موضعه، يقال: # دحضت حجته ms3524 دحوضا: بطلت، والإدحاض: الإزلاق، ومكان دحض: أي زلق، ودحضت ~~رجله: # زلقت. وقيل الضمير في له راجع إلى الله. وقيل راجع إلى محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. والأول أولى (وعليهم غضب) أي غضب عظيم من الله لمجادلتهم ~~بالباطل (ولهم عذاب شديد) في الآخرة (الله الذي أنزل الكتاب بالحق) المراد ~~بالكتاب: الجنس فيشمل جميع الكتب المنزلة على الرسل. وقيل المراد به القران ~~خاصة، وبالحق متعلق بمحذوف: أي ملتبسا بالحق وهو الصدق (و) المراد ب ~~(الميزان) العدل، كذا قال أكثر المفسرين، قالوا وسمى العدل ميزانا لأن ~~الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق. وقيل: الميزان ما بين في الكتب ~~المنزلة مما يجب على كل إنسان أن يعمل به. وقيل: هو الجزاء على الطاعة ~~بالثواب، وعلى المعصية بالعقاب. وقيل إنه الميزان نفسه أنزله الله من ~~السماء وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس كما في قوله - ~~لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط - وقيل هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وما يدريك لعل الساعة ~~قريب) أي أي شئ يجعلك داريا بها، عالما بوقتها لعلها شئ قريب أو قريب ~~مجيئها أو ذات قرب. وقال قريب ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي. قال ~~الزجاج: المعنى لعل البعث أو لعل مجيء الساعة قريب. وقال الكسائي: # قريب نعت ينعت به المؤنث والمذكر كما في قوله - إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين -. ومنه قول الشاعر: # وكنا قريبا والديار بعيدة * فلما وصلنا نصب أعينهم غبنا PageV04P531 # قيل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الساعة وعنده قوم من المشركين، ~~فقالوا متى تكون الساعة؟ # تكذيبا لها فأنزل الله الآية، ويدل على هذا قوله (يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها) استعجال استهزاء منهم بها وتكذيبا بمجيئها (والذين آمنوا ~~مشفقون منها) أي خائفون وجلون من مجيئها. قال مقاتل: لأنهم لا يدرون على ما ~~يهجمون عليه. وقال الزجاج: لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون (ويعلمون ~~أنها الحق) أي أنها آتية لا ريب فيها، ومثل هذا قوله - والذين ms3525 يؤتون ما ~~آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون -. ثم بين ضلال الممارين فيها فقال ~~(ألا إن الذين يمارون في الساعة) أي يخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة، من ~~المماراة وهي المخاصمة والمجادلة، أو من المرية وهي الشك والريبة (لفي ضلال ~~بعيد) عن الحق لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان بها من الدلائل التي ~~هي مشاهدة لهم منصوبة لأعينهم مفهومة لعقولهم، ولو تفكروا لعلموا أن الذي ~~خلقهم ابتداء قادر على الإعادة. # وقد أخرج ابن جرير عن السدي (أن أقيموا الدين) قال: اعملوا به. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله (أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه) قال: ألا تعلموا أن الفرقة هلكة وأن الجماعة ثقة (كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه). قال: استكبر المشركون أن قيل لهم: لا إله إلا ~~الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد (الله يجتبى إليه ~~من يشاء) قال: يخلص لنفسه من يشاء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له) ~~قال: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين ويصدونهم عن الهدى من بعد ما ~~استجابوا لله. وقال: هم قوم من أهل الضلالة وكانوا يتربصون بأن تأتيهم ~~الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ~~في قوله (والذين يحاجون في الله) الآية. قال: هم اليهود والنصارى. وأخرج ~~عبد بن حميد عن الحسن نحوه. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: لما نزلت " إذا ~~جاء نصر الله والفتح " قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين: # قد دخل الناس في دين الله أفواجا فأخرجوا من بين أظهرنا فنزلت (والذين ~~يحاجون في الله) الآية. PageV04P532 # قوله (الله لطيف بعباده) أي كثير اللطف بهم بالغ الرأفة لهم. قال مقاتل: ~~لطيف بالبار والفاجر حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم. قال عكرمة: بار بهم. ~~وقال السدي: رفيق بهم، وقيل حفي بهم. وقال القرطبي: # لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقيل ms3526 غير ذلك. والمعنى: أنه يجري لطفه على ~~عباده في كل أمورهم، ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون به في الدنيا، وهو ~~معنى قوله (يرزق من يشاء) منهم كيف يشاء، فيوسع على هذا ويضيق على هذا (وهو ~~القوي) العظيم القوة الباهرة القادرة (العزيز) الذي يغلب كل شئ ولا يغلبه ~~شئ (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) الحرث في اللغة: الكسب، يقال ~~هو يحرث لعياله ويحترث: أي يكتسب. # ومنه سمى الرجل حارثا، وأصل معنى الحرث: إلقاء البذر في الأرض، فأطلق على ~~ثمرات الأعمال وفوائدها بطريق الاستعارة: والمعنى: من كان يريد بأعماله ~~وكسبه ثواب الآخرة يضاعف الله له ذلك الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف. وقيل: معناه يزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخير له (ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته منها) أي من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الدنيا وهو ~~متاعها، وما يزرق الله به عباده منها نعطه منها ما قضت به مشيئتنا وقسم له ~~في قضائنا. قال قتادة: معنى " نؤته منها " نقدر له ما قسم له كما قال " ~~عجلنا له فيها ما نشاء ". # وقال قتادة أيضا: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا ~~يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. قال القشيري: والظاهر أن الآية في الكافر، ~~وهو تخصيص بغير مخصص. ثم بين سبحانه أن هذا الذي يريد بعمله الدنيا لا نصيب ~~له في الآخرة فقال (وما له في الآخرة من نصيب) لأنه لم يعمل للآخرة فلا ~~نصيب له فيها، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الإسراء (أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) لما بين سبحانه القانون في أمر ~~الدنيا والآخرة أردفه ببيان ما هو الذنب العظيم الموجب للنار، والهمزة ~~لاستفهام التقرير والتقريع، وضمير شرعوا عائد إلى الشركاء، وضمير لهم إلى ~~الكفار، وقيل العكس، والأول أولى. ومعنى " ما لم يأذن به الله " ما لم يأذن ~~به من الشرك والمعاصي (ولولا كلمة الفصل) وهي تأخير عذابهم حيث قال ms3527 " بل ~~الساعة موعدهم " (لقضي بينهم) في الدنيا فعوجلوا بالعقوبة، والضمير في ~~بينهم راجع إلى المؤمنين والمشركين، أو إلى المشركين وشركائهم (وإن ~~الظالمين لهم عذاب أليم) أي المشركين والمكذبين لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة. قرأ الجمهور " وإن الظالمين " بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ ~~مسلم والأعرج وابن هرمز بفتحها عطفا على كلمة الفصل (ترى الظالمين مشفقين ~~مما كسبوا) أي خائفين وجلين مما كسبوا من السيئات، وذلك الخوف والوجل يوم ~~القيامة (وهو PageV04P533 # واقع بهم) الضمير راجع إلى ما كسبوا بتقدير مضاف قاله الزجاج: أي وجزاء ~~ما كسبوا واقع منهم نازل عليهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا، والجملة في ~~محل نصب على الحال. ولما ذكر حال الظالمين ذكر حال المؤمنين فقال (والذين ~~آمنوا وعلموا الصالحات في روضات الجنات) روضات جمع روضة. قال أبو حيان: ~~اللغة الكثيرة تسكين الواو، ولغة هذيل فتحها، والروضة: الموضع النزه الكثير ~~الخضرة، وقد مضى بيان هذا في سورة الروم، وروضة الجنة: أطيب مساكنها كما ~~أنها في الدنيا لأحسن أمكنتها (لهم ما يشاءون عند ربهم) من صنوف النعم ~~وأنواع المستلذات، والعامل في عند ربهم يشاءون، أو العامل في روضات الجنات ~~وهو الاستقرار، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكر للمؤمنين قبله، وخبره ~~الجملة المذكورة بعد وهي (هو الفضل الكبير) أي الذي لا يوصف ولا تهتدي ~~العقول إلى معرفة حقيقته، والإشارة بقوله (ذلك الذي يبشر الله عباده) إلى ~~الفضل الكبير: # أي يبشرهم به. ثم وصف العباد بقوله (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فهؤلاء ~~الجامعون بين الإيمان والعمل بما أمر الله به وترك ما نهى عنه هم المبشرون ~~بتلك البشارة. قرأ الجمهور " يبشر " مشددا من بشر. وقرأ مجاهد وحميد ابن ~~قيس بضم التحتية وسكون الموحدة وكسر الشين من أبشر. وقرأ بفتح التحتية وضم ~~الشين بعض السبعة، وقد تقدم بيان القراءات في هذه اللفظة. ثم لما ذكر ~~سبحانه ما أخبر به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الأحكام الشريفة ~~التي اشتمل عليها كتابه أمره بأنه يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا ms3528 ~~التبليغ ثوابا منهم فقال (قل لا أسألكم عليه أجرا) أي قل يا محمد: لا أطلب ~~منكم على تبليغ الرسالة جعلا ولا نفعا (إلا المودة في القربى) هذا ~~الاستثناء يجوز أن يكون متصلا: أي إلا أن تودوني لقرابتي بينكم أو تودوا ~~أهل قرابتي، ويجوز أن يكون منقطعا. قال الزجاج: إلا المودة استثناء ليس من ~~الأول: أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش، وهذا قول عكرمة ~~ومجاهد وأبي مالك والشعبي، فيكون المعنى على الانقطاع: لا أسألكم أجرا قط، ~~ولكن أسألكم المودة في القربى التي بيني وبينكم، ارقبوني فيها ولا تعجلوا ~~إلي ودعوني والناس، وبه قال قتادة ومقاتل والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم، ~~وهو الثابت عن ابن عباس كما سيأتي. وقال سعيد بن جبير وغيره: هم آل محمد، ~~وسيأتي ما استدل به القائلون بهذا. وقال الحسن وغيره: معنى الآية: إلا ~~التودد إلى الله عز وجل والتقرب بطاعته. وقال الحسن بن الفضل: ورواه ابن ~~جرير عن الضحاك إن هذه الآية منسوخة، وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمرهم الله بمودته، فلما هاجر أوته ~~الأنصار ونصروه، فأنزل الله عليه - وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين - وأنزل عليه - قل ما سألتكم من أجر فهو لكم أن أجر إلا على ~~الله - وسيأتي في آخر البحث ما يتضح به الثواب ويظهر به معنى الآية إن شاء ~~الله (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) أصل القرف الكسب، يقال فلان يقرف ~~لعياله: أي يكتسب. # والاقتراف: الاكتساب، مأخوذ من قولهم رجل قرفة: إذا كان محتالا. والمعنى: ~~من يكتسب حسنة نزد له هذه الحسنة حسنا بمضاعفة ثوابها. قال مقاتل: المعنى ~~من يكتسب حسنة واحدة نزد له فيها حسنا نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا. وقيل ~~المراد بهذه الحسنة هي المودة في القربى، والحمل على العموم أولى، ويدخل ~~تحته المودة في القربى دخولا أوليا (إن الله غفور شكور) أي كثير المغفرة ~~للمذنبين كثير الشكر للمطيعين. قال قتادة: غفور للذنوب شكور للحسنات. ms3529 وقال ~~السدي: غفور لذنوب آل محمد (أم يقولون افترى على الله كذبا) أم هي ~~المنقطعة: أي بل أيقولون افترى محمد على الله كذبا بدعوى النبوة، والإنكار ~~للتوبيخ. ومعنى افتراء الكذب: # اختلاقه. ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال (فإن يشأ الله يختم على قلبك) ~~أي لو افترى على الله الكذب لشاء PageV04P534 # عدم صدوره منه وختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله شيئا مما كذب فيه كما ~~تزعمون. قال قتادة: يختم على قلبك فينسيك القران، فأخبرهم أنه لو افترى ~~عليه لفعل به ما أخبرهم به في هذه الآية. وقال مجاهد ومقاتل: أن يشأ يربط ~~على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم. وقيل الخطاب ~~له، والمراد الكفار: أي إن يشأ يختم على قلوب الكفار ويعاجلهم بالعقوبة، ~~ذكره القشيري. وقيل المعنى: لو حدثتك نفسك أن تفتري على الله كذبا لطبع على ~~قلبك، فإنه لا يجتريء على الكذب إلا من كان مطبوعا على قلبه، والأول أولى، ~~وقوله (ويمحوا الله الباطل) استئناف مقرر لما قبله من نفي الافتراء. قال ~~ابن الأنباري: يختم على قلبك تام: يعني وما بعده مستأنف. وقال الكسائي: فيه ~~تقديم وتأخير: أي والله يمحو الباطل. وقال الزجاج: أم يقولون افترى على ~~الله كذبا تام. وقوله (ويمحو الله الباطل) احتجاج على من أنكر ما أتى به ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # أي لو كان ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم باطلا لمحاه كما جرت ~~به عادته في المفترين (ويحق الحق) أي الإسلام فيبينه (بكلماته) أي بما أنزل ~~من القرآن (إنه عليم بذات الصدور) عالم بما في قلوب العباد، وقد سقطت الواو ~~من ويمحو في بعض المصاحف كما حكاه الكسائي (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) ~~أي يقبل من المذنبين من عباده توبتهم إليه مما عملوا من المعاصي واقترفوا ~~من السيئات، والتوبة الندم على المعصية والعزم على عدم المعاودة لها. وقيل ~~يقبل التوبة عن أوليائه وأهل طاعته. والأول أولى، فإن التوبة مقبولة من ~~جميع العباد ms3530 مسلمهم وكافرهم إذا كانت صحيحة صادرة عن خلوص نية وعزيمة صحيحة ~~(ويعفو عن السيئات) على العموم لمن تاب عن سيئته (ويعلم ما تفعلون) من خير ~~وشر فيجازي كلا بما يستحقه. قرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف " تفعلون " ~~بالفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر، واختار القراءة ~~الثانية أبو عبيد وأبو حاتم لأن هذا الفعل وقع بين خبرين (ويستجيب الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) الموصول في موضع نصب: أي يستجيب الله الذين آمنوا ~~ويعطيهم ما طلبوه منه، يقال أجاب واستجاب بمعنى. وقيل المعنى يقبل عبادة ~~المخلصين، وقيل التقدير ويستجيب لهم، فحذف اللام كما حذف في قوله " وإذا ~~كالوهم " أي كالوا لهم، وقيل إن الموصول في محل رفع: # أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله - استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم - قال ~~المبرد: معنى (ويستجيب الذين آمنوا) ويستدعي الذين آمنوا الإجابة، هكذا ~~حقيقة معنى استفعل، فالذين في موضع رفع، والأول أولى (ويزيدهم من فضله) أي ~~يزيدهم على ما طلبوه منه، أو على ما يستحقونه من الثواب تفضلا منه، وقيل ~~يشفعهم في إخوانهم (والكافرون لهم عذاب شديد) هذا للكافرين مقابلا ما ذكره ~~للمؤمنين فيما قبله (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) أي لو وسع ~~الله لهم رزقهم لبغوا في الأرض لعصوا فيها وبطروا النعمة وتكبروا وطلبوا ما ~~ليس لهم طلبه، وقيل المعنى: لو جعلهم سواء في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض ~~ولتعطلت الصنائع. والأول أولى. # والظاهر عموم أنواع الرزق، وقيل هو المطر خاصة (ولكن ينزل بقدر ما يشاء) ~~أي ينزل من الرزق لعباده بتقدير على حسب مشيئته وما تقتضيه حكمته البالغة ~~(إنه بعباده خبير) بأحوالهم (بصير) بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه، ~~فيقدر لكل أحد منهم ما يصلحه ويكفه عن الفساد بالبغي في الأرض (وهو الذين ~~ينزل الغيث) أي المطر الذي هو أنفع أنواع الرزق وأعمها فائدة وأكثرها مصلحة ~~(من بعد ما قنطوا)) أي من بعد ما أيسوا عن ذلك فيعرفون بهذا الإنزال للمطر ~~بعد القنوط مقدار رحمته لهم، ويشكرون له ما يجب الشكر ms3531 عليه (وهو الولي) ~~للصالحين من عباده بالإحسان إليهم وجلب المنافع لهم، ودفع الشرور عنهم ~~(الحميد) المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصا وعموما. PageV04P535 # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (من كان يريد حرث الآخرة) قال: ~~عيش الآخرة (نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) الآية. ~~قال: من يؤثر دنياه على آخرته لم يجعل الله له نصيبا في الآخرة إلا النار، ~~ولم يزدد بذلك من الدنيا شيئا الا رزقا فرغ منه وقسم له. وأخرج أحمد ~~والحاكم وصححه وابن مردويه وابن حبان عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في ~~الأرض ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم ~~يكن له في الآخرة من نصيب ". وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ~~هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من كان يريد حرث ~~الآخرة) الآية، ثم قال: يقول الله: ابن ادم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى ~~وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك. وأخرج ابن أبي الدنيا ~~وابن عساكر عن علي قال: الحرث حرثان، فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث ~~الآخرة الباقيات الصالحات. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم ~~والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طريق طاووس عن ابن عباس أنه ~~سئل عن قوله (إلا المودة في القربى) قال سعيد بن جبير: قربى آل محمد. قال ~~ابن عباس: عجلت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بطن من قريش إلا ~~كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عنه قال: قال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في ~~نفسي لقرابتي وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم ". وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن ms3532 سعد وعبد بن حميد والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ~~الشعبي قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى) فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فقال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان واسط لنسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وله ~~فيه قرابة، فقال الله (قل لا أسألكم عليه أجرا) على ما أدعوكم إليه (إلا ~~المودة في القربى) أن تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس في الآية قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرابة ~~من جميع قريش، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال " يا قوم إذا أبيتم أن ~~تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي ~~منكم ". وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عنه نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه عنه أيضا نحوه. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا نحوه. وأخرج ابن مردويه ~~عنه أيضا من طريق أخرى نحوه. وأخرج أبن جرير وأبن أبي حاتم وابن مردويه من ~~طريق مقسم عن ابن عباس قال: قالت الأنصار فعلنا وكأنهم فخروا، فقال العباس: ~~لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتاهم في ~~مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ قالوا: بلى يا ~~رسول الله، قال: أفلا تجيبون؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا ~~تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك؟ ألم يكذبوك فصدقناك؟ ألم يخذلوك فنصرناك؟ ~~فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: # أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله، فنزلت (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى) وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، والأولى أن ~~الآية مكية لا مدنية، وقد أشرنا في أول السورة إلى قول من قال إن هذه الآية ~~وما بعدها مدنية، وهذا متمسكهم. وأخرج أبو نعيم ms3533 والديلمي من طريق مجاهد عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " (قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى) أي تحفظوني في أهل بيتي وتودونهم بي ". وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه. قال السيوطي: بسند ضعيف ~~من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية (قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى) PageV04P536 # قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي ~~وفاطمة وولداهما. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن ~~عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة، وكان المشركون يودون رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فأنزل الله قل لهم يا محمد (لا أسألكم عليه) يعني على ما ~~أدعوكم إليه (أجرا) عرضا من الدنيا (إلا المودة في القربى) إلا الحفظ لي في ~~قرابتي فيكم، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء فقال ~~" قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله " يعني ثوابه وكرامته ~~في الآخرة كما قال نوح " وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلى علي رب ~~العالمين " وكما قال هود وصالح وشعيب لم يستثنوا أجرا كما استثنى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرده عليهم، وهي منسوخة. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم ~~والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق مجاهد عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الآية: قل لا أسألكم على ما أتيتكم به من ~~البينات والهدى أجرا إلا أن تودوا الله وأن تتقربوا إليه بطاعته. هذا حاصل ~~ما روي عن حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية. والمعنى ~~الأول هو الذي صح عنه، ورواه عنه الجمع الجم من تلامذته فمن بعدهم، ولا ~~ينافيه ما روي عنه من النسخ، فلا مانع من أن يكون قد نزل القرآن في مكة بأن ~~يوده كفار قريش لما بينه وبينهم من القربى ويحفظوه ms3534 بها، ثم ينسخ ذلك ويذهب ~~هذا الاستثناء من أصله كما يدل عليه ما ذكرنا مما يدل على أنه لم يسأل على ~~التبليغ أجرا على الإطلاق، ولا يقوى ما روى من حملها على آل محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم على معارضة ما صح عن ابن عباس من تلك الطرق الكثيرة، وقد ~~أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة والمزايا الجميلة، ~~وقد بينا بعض ذلك عند تفسيرنا لقوله " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت " وكما لا يقوى هذا على المعارضة، فكذلك لا يقوى ما روي عنه أن ~~المراد بالمودة في القربى أن يودوا الله وأن يتقربوا إليه بطاعته، ولكنه ~~يشد من عضد هذا أنه تفسير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وإسناده عند أحمد في المسند هكذا: حدثنا حسن بن موسى حدثنا قزعة بن سويد عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذكره. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن قزعة به. # وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في ~~الشعب. قال السيوطي بسند صحيح عن أبي هانئ الخولاني قال: سمعت عمر بن حريث ~~وغيره يقولون: إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة (ولو بسط الله الرزق ~~لعباده لبغوا في الأرض وذلك أنهم قالوا لو أن لنا فتمنوا الدنيا). وأخرج ~~الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن علي مثله. PageV04P537 # ذكر سبحانه بعض آياته الدالة على كمال قدرته الموجبة لتوحيده وصدق ما وعد ~~به من البعث، فقال (ومن آياته خلق السماوات والأرض) أي خلقهما على هذه ~~الكيفية العجيبة والصنعة الغريبة (وما بث فيهما من دابة) يجوز عطفه على ~~خلق، ويجوز عطفه على السماوات، والدابة اسم لكل ما دب. قال الفراء: أراد ما ~~بث في الأرض دون السماء كقوله - يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان - وإنما يخرج ms3535 ~~من الملح دون العذب. وقال أبو علي الفارسي: # تقديره وما بث في أحدهما، فحذف المضاف. وقال مجاهد: يدخل في هذا الملائكة ~~والناس، وقد قال تعالى - ويخلق مالا تعلمون - (وهو على جمعهم) أي حشرهم يوم ~~القيامة (إذا يشاء قدير) الظرف متعلق بجمعهم لا بقدير قال أبو البقاء، لأن ~~ذلك يؤدي، وهو على جمعهم قدير إذا يشاء فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال. ~~قال شهاب الدين: ولا أدري ما وجه كونه محالا على مذهب أهل السنة، فإن كان ~~يقول بقول المعتزلة وهو أن القدرة تتعلق بما لم يشأ الله مشى كلامه، ولكنه ~~مذهب رديء لا يجوز اعتقاده (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) أي ما ~~أصابكم من المصائب كائنة ما كانت فبسبب ما كسبت أيديكم من المعاصي. قرأ ~~نافع وابن عامر " بما كسبت " بغير فاء، وقرأ الباقون بالفاء، " وما " في " ~~وما أصابكم " هي الشرطية، ولهذا دخلت الفاء في جوابها على قراءة الجمهور ~~ولا يجوز حذفها عند سيبويه والجمهور، وجوز الأخفش الحذف كما في قوله - وإن ~~أطعتموهم إنكم لمشركون - وقول الشاعر: # من يفعل الحسنات الله يشكرها * والشر بالشر عند الله مثلان وقيل هي ~~الموصولة فيكون الحذف والإثبات جائزين، والأول أولى. قال الزجاج: إثبات ~~الفاء أجود لأن الفاء مجازاة جواب الشرط، ومن حذف الفاء فعلى أن ما في معنى ~~الذي، والمعنى: الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم. قال الحسن: المصيبة هنا ~~الحدود على المعاصي، والأولى الحمل على العموم كما يفيده وقوع النكرة في ~~PageV04P538 # سياق النفي ودخول من الاستغراقية عليها (ويعفو عن كثير) من المعاصي التي ~~يفعلها العباد فلا يعاقب عليها، فمعنى الآية: أنه يكفر عن العبد بما يصيبه ~~من المصائب ويعفو عن كثير من الذنوب. وقد ثبتت الأدلة الصحيحة أن جميع ما ~~يصاب به الإنسان في الدنيا يؤجر عليه أو يكفر عنه من ذنوبه. وقيل هذه الآية ~~مختصة بالكافرين على معنى: أن ما يصابون به بسبب ذنوبهم من غير أن يكون ذلك ~~مكفرا عنهم لذنب ولا محصلا لثواب، ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم ms3536 فلا ~~يعاجلهم في الدنيا بل يمهلهم إلى الدار الآخرة. والأولى حمل الآية على ~~العموم، والعفو يصدق على تأخير العقوبة كما يصدق على محو الذنب ورفع الخطاب ~~به. قال الواحدي: وهذه أرجى آية في كتاب الله لأنه جعل ذنوب المؤمنين ~~صنفين: صنف كفره عنهم بالمصائب، وصنف عفا عنه في الدنيا وهو كريم لا يرجع ~~في عفوه، فهذه سنة الله مع المؤمنين. وأما الكافر فإنه لا يعجل له عقوبة ~~ذنبه حتى يوافي به يوم القيامة (وما أنتم بمعجزين في الأرض) أي بفائتين ~~عليه هربا في الأرض ولا في السماء لو كانوا فيها بل ما قضاه عليهم من ~~المصائب واقع عليهم نازل بهم (وما لكم من دون الله من ولي) يواليكم فيمنع ~~عنكم ما قضاه الله (ولا نصير) ينصركم من عذاب الله في الدنيا ولا في ~~الآخرة. ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آياته العظيمة الدالة على توحيده وصدق ~~ما وعد به فقال (ومن آياته الجوار) قرأ نافع وأبو عمرو " الجواري " بإثبات ~~الياء في الوصل، وأما في الوقف فإثباتها على الأصل وحذفها للتخفيف، وهي ~~السفن واحدتها جارية: أي سائرة (في البحر كالأعلام) أي الجبال جمع علم وهو ~~الجبل، ومنه قول الخنساء: # وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار قال الخليل: كل شئ ~~مرتفع عند العرب فهو علم. وقال مجاهد: الأعلام القصور واحدها علم (إن يشأ ~~يسكن الريح) قرأ الجمهور بهمز " يشأ " وقرأ ورش عن نافع بلا همز. وقرأ ~~الجمهور " الريح " بالإفراد. وقرأ نافع " الرياح " على الجمع: أي يسكن ~~الريح التي تجري بها السفن (فيظللن) أي السفن (رواكد) أي سواكن ثوابت (على ~~ظهر) البحر، يقال ركد الماء ركودا: سكن، وكذلك ركدت الريح وركدت السفينة ~~وكل ثابت في مكان فهو راكد. قرأ الجمهور " فيظللن " بفتح اللام الأولى، ~~وقرأ قتادة بكسرها وهي لغة قليلة (إن في ذلك) الذي ذكر من أمر السفن ~~(لآيات) دلالات عظيمة (لكل صبار شكور) أي لكل من كان كثير الصبر على البلوى ~~كثير الشكر على النعماء. قال قطرب: الصبار ms3537 الشكور الذي إذا أعطى شكر وإذا ~~ابتلى صبر. قال عون ابن عبد الله: فكم من منعم عليه غير شاكر * وكم من ~~مبتلى غير صابر (أو يوبقهن بما كسبوا) معطوف على يسكن: أي يهلكهن بالغرق، ~~والمراد أهلهن بما كسبوا من الذنوب، وقيل بما أشركوا. والأول أولى، فإنه ~~يهلك في البحر المشرك وغير المشرك، يقال أوبقه: أي أهلكه (ويعف عن كثير) من ~~أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم فينجيهم من الغرق. قرأ الجمهور " يعف " بالجزم ~~عطفا على جواب الشرط. # قال القشيري: وفي هذه القراءة إشكال لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فتبقى ~~تلك السفن رواكد أو يهلكها بذنوب أهلها فلا يحسن عطف " يعف " على هذا، لأنه ~~يصير المعنى: أن يشأ يعف وليس المعنى ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من ~~غير شرط المشيئة فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، ~~وقد قرأ قوم " ويعفو " بالرفع وهي جيدة في المعنى. قال أبو حيان: وما قاله ~~ليس بجيد إذ لم يفهم مدلول التركيب، والمعنى: إلا أنه تعالى أهلك ناسا ~~وأنجى ناسا على طريق العفو عنهم، وقرأ الأعمش " ويعفو " بالرفع، وقرأ بعض ~~أهل المدينة بالنصب بإضمار أن بعد الواو كما في قول النابغة: PageV04P539 # فإن يهلك أبو قابوس يهلك * ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب ~~عيش * أجب الظهر ليس له سنام بنصب ونأخذ (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما ~~لهم من محيص) قرأ الجمهور بنصب " يعلم " قال الزجاج: # على الصرف، قال: ومعنى الصرف صرف العطف على اللفظ إلى العطف على المعنى، ~~قال: وذلك أنه لما لم يحسن عطف ويعلم مجزوما على ما قبله إذ يكون المعنى: ~~إن يشأ يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلا ~~بإضمار أن لتكون مع الفعل في تأويل أسم، ومن هذا بيتا النابغة المذكوران ~~قريبا، وكما قال الزجاج. # قال المبرد وأبو علي الفارسي: واعترض على هذا الوجه بما لا طائل تحته. ~~وقيل النصب على العطف على تعليل محذوف والتقدير: لينتقم منهم ويعلم. ms3538 ~~واعترضه أبو حيان بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن تقدير ~~لينتقم منهم. وقرأ نافع وابن عامر برفع " يعلم " على الاستئناف وهي قراءة ~~ظاهرة المعنى واضحة اللفظ. وقرئ بالجزم عطفا على المجزوم قبله على معنى: ~~وإن يشأ يجمع بين الإهلاك والنجاة والتحذير، ومعنى (ما لهم من محيص) ما لهم ~~من فرار ولا مهرب، قاله قطرب. وقال السدي: ما له من ملجأ، وهو مأخوذ من ~~قولهم حاص به البعير حيصة: # إذا رمى به، ومنه قولهم فلان يحيص عن الحق: أي يميل عنه (فما أوتيتم من ~~شئ فمتاع الحياة الدنيا) لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد ذكر التنفير عن ~~الدنيا: أي ما أعطيتم من الغنى والسعة في الرزق فإنما هو متاع قليل في أيام ~~قليلة ينقضي ويذهب. ثم رغبهم في ثواب الآخرة وما عند الله من النعيم المقيم ~~فقال (وما عند الله خير وأبقى) أي ما عند الله من ثواب الطاعات والجزاء ~~عليها بالجنات خير من متاع الدنيا وأبقى لأنه دائم لا ينقطع، ومتاع الدنيا ~~ينقطع بسرعة. ثم بين سبحانه لمن هذا فقال (للذين آمنوا) أي صدقوا وعملوا ~~على ما يوجبه الإيمان (وعلى ربهم يتوكلون) أي يفوضون إليه أمورهم ويعتمدون ~~عليه في كل شؤونهم لا على غيره (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) ~~الموصول في محل جر معطوف على الذين آمنوا أو بدلا منه أو في محل نصب ~~بإضمار: أعني والأول أولى، والمعنى: أن ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا ~~وللذين يجتنبون. والمراد بكبائر الإثم: الكبائر من الذنوب، وقد قدمنا ~~تحقيقها في سورة النساء. قرأ الجمهور " كبائر " بالجمع، وقرأ حمزة والكسائي ~~" كبير " بالإفراد وهو يفيد مفاد الكبائر، لأن الإضافة للجنس كاللام. ~~والفواحش هي من الكبائر ولكنها مع وصف كونها فاحشة كأنها فوقها، وذلك ~~كالقتل والزنا ونحو ذلك. وقال مقاتل: الفواحش موجبات الحدود. وقال السدي: ~~هي الزنا (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم ~~ويكظمون الغيظ ويحملون على من ظلمهم، وخص الغضب بالغفران لأن استيلاءه على ~~طبع ms3539 الإنسان وغلبته عليه شديدة، فلا يغفر عند سورة الغضب إلا من شرح الله ~~صدره وخصه بمزية الحلم، ولهذا أثنى الله سبحانه عليهم بقوله في آل عمران " ~~والكاظمين الغيظ " قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنفا يعفون عن ~~ظالمهم فبدأ بذكرهم، وصنفا ينتصرون من ظالمهم وهم الذين سيأتي ذكرهم ~~(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة) أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه ~~وأقاموا ما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة. قال ابن زيد: هم الأنصار بالمدينة ~~استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثنى عشر نقيبا منهم قبل ~~الهجرة، وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها (وأمرهم شورى بينهم) أي ~~يتشاورون فيما بينهم ولا يعجلون ولا ينفردون بالرأي، والشورى مصدر شاورته ~~مثل البشرى والذكرى. قال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وورود النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار ~~PageV04P540 # أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له. وقيل المراد تشاورهم في كل أمر يعرض ~~لهم فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي، وما أحسن ما قاله بشار بن برد: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن * برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى ~~عليك غضاضة * فريش الخوافي قوة للقوادم وقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يشاور أصحابه في أموره وأمره الله سبحانه بذلك فقال " وشاورهم في ~~الأمر " وقد قدمنا في آل عمران كلاما في الشورى (ومما رزقناهم ينفقون) أي ~~ينفقونه في سبيل الخير ويتصدقون به على المحاويج. ثم ذكر سبحانه الطائفة ~~التي تنتصر ممن ظلمها فقال (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) أي أصابهم ~~بغي من بغى عليهم بغير الحق، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ~~ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من ~~جعل الله له العزة حيث قال - العزة لله ولرسوله وللمؤمنين - فالانتصار عند ~~البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة. قال النخعي: # كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء، ولكن هذا الانتصار ~~مشروط بالاقتصار ms3540 على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا ~~بقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو ~~الاقتصار على المساواة، وظاهر هذا العموم. وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة ~~وسفيان: إن هذا خاص بالمجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره. وقال مجاهد ~~والسدي: هو جواب القبيح إذا قال أخزاك الله يقول أخزاك الله من غير أن ~~يعتدي، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه أو على طريق ~~المشاكلة لتشابههما في الصورة. ثم لما بين سبحانه أن جزاء السيئة بمثلها حق ~~جائز بين فضيلة العفو فقال (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) أي من عفا عمن ~~ظلمه وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه: أي أن الله سبحانه يأجره على ذلك، ~~وأبهم الأجر تعظيما لشأنه وتنبيها على جلالته. قال مقاتل: فكان العفو من ~~الأعمال الصالحة، وقد بينا هذا في سورة آل عمران. ثم ذكر سبحانه خروج ~~الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال (إنه لا يحب الظالمين) أي ~~المبتدئين بالظلم قال مقاتل: يعني من يبدأ بالظلم، وبه قال سعيد بن جبير. ~~وقيل لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم (ولم ~~انتصر بعد ظلمه) مصدر مضاف إلى المفعول: أي بعد أن ظلمه الظالم له، واللام ~~هي لام الابتداء. وقال ابن عطية: هي لام القسم، والأول أولى. ومن هي ~~الشرطية وجوابه (فأولئك ما عليهم من سبيل) بمؤاخذة وعقوبة، ويجوز أن تكون ~~من هي الموصولة ودخلت الفاء في جوابها تشبيها للموصولة بالشرطية، والأول ~~أولى. ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه بين من عليه السبيل ~~فقال (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس) أي يتعدون عليهم ابتداء كذا قال ~~الأكثر. وقال ابن جريج: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم (ويبغون في ~~الأرض بغير الحق) أي يعلمون في النفوس والأموال بغير الحق كذا قال الأكثر. ~~وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي، وقيل يتكبرون ويتجبرون. وقال أبو مالك: ~~هو ما يرجوه أهل مكة أن ms3541 يكون بمكة غير الإسلام دينا، والإشارة بقوله ~~(أولئك) إلى الذين يظلمون الناس وهو مبتدأ، وخبره (لهم عذاب أليم) أي لهم ~~بهذا السبب عذاب شديد الألم. ثم رغب سبحانه في الصبر والعفو فقال (ولمن صبر ~~وغفر) أي صبر على الأذى وغفر لمن ظلمه ولم ينتصر، والكلام في هذه اللام ومن ~~كالكلام في ولمن انتصر (إن ذلك) الصبر والمغفرة (لمن عزم الأمور) أي أن ذلك ~~منه فحذف لظهوره، كما في قولهم * السمن منوان بدرهم * قال مقاتل: # من الأمور التي أمر الله بها. وقال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره ثوابا، ~~فالرغبة في الثواب أتم عزما. قال ابن زيد: PageV04P541 # إن هذا كله منسوخ بالجهاد وأنه خاص بالمشركين. وقال قتادة: إنه عام، وهو ~~ظاهر النظم القرآني (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده) أي فماله من أحد ~~يلي هدايته وينصره، وظاهر الآية العموم، وقيل هي خاصة بمن أعرض عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعمل بما دعاه إليه من الإيمان بالله والعمل ~~بما شرعه، والأول أولى. # وقد أخرج أحمد وابن راهويه وابن منيع وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وأبو ~~يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن علي بن أبي طالب ~~قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) وسأفسرها ~~لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، ~~والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في ~~الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه. وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن ~~أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا يصيب عبدا نكبة ~~فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ (وما أصابكم) ~~الآية ". وأخرج عبد بن حميد وأبن أبي الدنيا في الكفارات وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب ms3542 عن عمران بن حصين أنه دخل عليه بعض ~~أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فقال: إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال: فلا ~~تبتئس لما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية ~~(وما أصابكم من مصيبة) إلى آخرها. وأخرج أحمد عن معاوية بن أبي سفيان سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ما من شئ يصيب المؤمن في جسده ~~يؤذيه إلا كفر الله عنه به من سيئاته ". وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا ~~خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر ". وأخرج ابن المنذر من ~~طريق عطاء عن ابن عباس في قوله (فيظللن رواكد على ظهره) قال: يتحركن ولا ~~يجرين في البحر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: ~~رواكد قال: # وقوفا (أو يوبقهن) قال: يهلكهن. وأخرج النسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ~~عائشة قالت " دخلت علي زينب وعندي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأقبلت علي فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم تنته، فقال ~~لي: سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها، ووجه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتهلل سرورا ". وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " المستبان ما ~~قالا من شئ فعلى البادئ حتى يعتدي المظلوم " ثم قرأ (وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا ليقم من كان له ~~على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا " وذلك قوله (فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله). وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " ينادي مناد من كل له أجر على الله فليدخل ms3543 الجنة مرتين، فيقوم من عفا ~~عن أخيه، قال الله (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ". PageV04P542 # قوله (وترى الظالمين) أي المشركين المكذبين بالبعث (لما رأوا العذاب) أي ~~حين نظروا النار، وقيل نظروا ما أعده الله لهم عند الموت (يقولون هل إلى ~~مرد من سبيل) أي هل إلى الرجعة إلى الدنيا من طريق (وتراهم يعرضون عليها ~~خاشعين من الذل) أي ساكنين متواضعين عند أن يعرضوا على النار لما لحقهم من ~~الذل والهوان، والضمير في عليها راجع إلى العذاب وأنثه، لأن العذاب هو ~~النار وقوله " يعرضون " في محل نصب على الحال، لأن الرؤية بصرية، وكذلك ~~خاشعين، ومن الذل يتعلق بخاشعين أي من أجله (ينظرون من طرف خفي) من هي التي ~~لابتداء الغاية: أي يبتدئ نظرهم إلى النار، ويجوز أن تكون تبعيضية، والطرف ~~الخفي الذي يخفى نظره كالمصبور ينظر إلى السيف لما لحقهم من الذل والخوف ~~والوجل. قال مجاهد (من طرف خفي) أي ذليل قال: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم ~~يحشرون عميا، وعين القلب طرف خفي. وقال قتادة وسعيد بن جبير والسدي ~~والقرظي: يسارقون النظر من شدة الخوف. وقال يونس: إن " من " في " من طرف " ~~بمعنى الباء: أي ينظرون بطرف ضعيف من الذل والخوف وبه قال الأخفش (وقال ~~الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) أي أن ~~الكاملين في الخسران: هم هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس والأهلين في ~~يوم القيامة. أما خسرانهم لأنفسهم فلكونهم صاروا في النار معذبين بها، وأما ~~خسرانهم لأهليهم فلأنهم إن كانوا معهم في النار فلا ينتفعون بهم، وإن كانوا ~~في الجنة فقد حيل بينهم وبينهم، وقيل خسران الأهل: أنهم لو آمنوا لكان لهم ~~في الجنة أهل من الحور العين (ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) هذا يجوز أن ~~يكون من تمام كلام المؤمنين، ويجوز PageV04P543 # أن يكون من كلام الله سبحانه: أي هم في عذاب دائم لا ينقطع (وما كان لهم ~~من أولياء ينصرونهم من دون الله) أي لم يكن لهم أعوان يدفعون عنهم العذاب، ~~وأنصار ينصرونهم في ms3544 ذلك الموطن من دون الله، بل هو المتصرف سبحانه ما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن (ومن يضلل الله فما له من سبيل) أي من طريق يسلكها ~~إلى النجاة. ثم أمر سبحانه عباده بالاستجابة له وحذرهم فقال (استجيبوا ~~لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) أي استجيبوا دعوته لكم إلى ~~الإيمان به وبكتبه ورسله من قبل أن يأتي يوم لا يقدر أحد على رده ودفعه، ~~على معنى: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد، أو لا يرده الله بعد أن ~~حكم به على عباده ووعدهم به، والمراد به يوم القيامة، أو يوم الموت (ما لكم ~~من ملجأ يومئذ) تلجأون إليه، (وما لكم من نكير) أي إنكار، والمعنى: ما لكم ~~من إنكار يومئذ، بل تعترفون بذنوبكم. وقال مجاهد (وما لكم من نكير) أي ناصر ~~ينصركم، وقيل النكير بمعنى المنكر، كالأليم بمعنى المؤلم: أي لا تجدون ~~يومئذ منكرا لما ينزل بكم من العذاب قاله الكلبي وغيره، والأول أولى. قال ~~الزجاج: معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها (فإن ~~أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا) أي حافظا تحفظ أعمالهم حتى تحاسبهم عليها، ~~ولا موكلا بهم رقيبا عليهم (إن عليك إلا البلاغ) أي ما عليك إلا البلاغ لما ~~أمرت بإبلاغه، وليس عليك غير ذلك، وهذا منسوخ بآية السيف (وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة فرح بها) أي إذا أعطيناه رخاء وصحة وغنى فرح بها بطرا، ~~والمراد بالإنسان الجنس، ولهذا قال (وإن تصبهم سيئة) أي بلاء وشدة ومرض ~~(بما قدمت أيديهم) من الذنوب (فإن الإنسان كفور) أي كثير الكفر لما أنعم به ~~عليه من نعمه، غير شكور له عليها، وهذا باعتبار غالب جنس الإنسان. ثم ذكر ~~سبحانه سعة ملكه ونفاذ تصرفه فقال (لله ملك السماوات والأرض) أي له التصرف ~~فيهما بما يريد، لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع (يخلق ما يشاء) من ~~الخلق (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور). قال مجاهد ms3545 والحسن ~~والضحاك وأبو مالك وأبو عبيدة: يهب لمن يشاء إناثا لا ذكور معهن، ويهب لمن ~~يشاء ذكورا لا إناث معهم. قيل وتعريف الذكور بالألف واللام للدلالة على ~~شرفهم على الإناث، ويمكن أن يقال إن التقديم للإناث قد عارض ذلك، فلا دلالة ~~في الآية على المفاضلة بل هي مسوقة لمعنى آخر. وقد دل على شرف الذكور قوله ~~سبحانه - الرجال قوامون على النساء بما فضل الله - وغير ذلك من الأدلة ~~الدالة على شرف الذكور على الإناث، وقيل تقديم الإناث لكثرتهن بالنسبة إلى ~~الذكور، وقيل لتطييب قلوب آبائهن، وقيل لغير ذلك مما لا حاجة إلى التطويل ~~بذكره (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا) أي يقرن بين الإناث والذكور ويجعلهم ~~أزواجا فيهبهما جميعا لبعض خلقه. قال مجاهد: هو أن تلد المرأة غلاما ثم تلد ~~جارية ثم تلد غلاما ثم تلد جارية. وقال محمد ابن الحنفية: هو أن تلد توأما ~~غلاما وجارية. # وقال القتيبي: التزويج هنا هو الجمع بين البنين والبنات تقول العرب: زوجت ~~إبلي: إذا جمعت بين الصغار والكبار، ومعنى الآية أوضح من أن يختلف في مثله، ~~فإنه سبحانه أخبر أنه يهب لبعض خلقه إناثا، ويهب لبعض ذكورا، ويجمع لبعض ~~بين الذكور والإناث (ويجعل من يشاء عقيما) لا يولد له ذكر ولا أنثى، ~~والعقيم الذي لا يولد له، يقال رجل عقيم وامرأة عقيم، وعقمت المرأة تعقم ~~عقما، وأصله القطع، ويقال نساء عقم، ومنه قول الشاعر: عقم النساء فما يلدن ~~شبيهه * إن النساء بمثله عقم (إنه عليم قدير) أي بليغ العلم عظيم القدرة ~~(وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) أي ما صح لفرد من أفراد البشر أن ~~يكلمه الله بوجه من الوجوه إلا بأن يوحى إليه فيلهمه ويقذف ذلك في قلبه قال ~~مجاهد: نفث ينفث في قلبه، فيكون إلهاما منه كما أوحى إلى أم موسى وإلى ~~إبراهيم في ذبح ولده (أو من وراء حجاب) كما كلم موسى، PageV04P544 # يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، وهو تمثيل بحال الملك المحتجب الذي ~~يكلم خواصه من وراء ms3546 حجاب (أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) أي يرسل ~~ملكا، فيوحي ذلك الملك إلى الرسول من البشر بأمر الله وتيسيره ما يشاء أن ~~يوحي إليه. قال الزجاج: المعنى أن كلام الله للبشر: إما أن يكون بإلهام ~~يلهمهم، أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم. وتقدير ~~الكلام: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى وحيا، أو يكلمه من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا. ومن قرأ " يرسل " رفعا أراد وهو يرسل، فهو ابتداء ~~واستئناف. # قرأ الجمهور بنصب " أو يرسل " وبنصب " فيوحى " على تقدير أن، وتكون أن ~~وما دخلت عليه معطوفين على وحيا، ووحيا في محل الحال، والتقدير: إلا موحيا ~~أو مرسلا، ولا يصح عطف أو يرسل على أن يكلمه لأنه يصير التقدير: وما كان ~~لبشر أن يرسل الله رسولا، وهو فاسد لفظا ومعنى. وقد قيل في توجيه قراءة ~~الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف. وقرأ نافع " أو يرسل " بالرفع، وكذلك ~~" فيوحى " بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أو هو يرسل كما ~~قال الزجاج وغيره، وجملة (إنه علي حكيم) تعليل لما قبلها: أي متعال عن صفات ~~النقص، حكيم في كل أحكامه. # قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى، فنزلت ~~(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) أي وكالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء ~~قبلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، المراد به القران، وقيل النبوة. قال ~~مقاتل: يعني الوحي بأمرنا ومعناه القران، لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت ~~الكفر. ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحى إليه فقال (ما كنت تدري ما ~~الكتاب) أي أي شئ هو، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أميا لا يقرأ ولا ~~يكتب وذلك أدخل في الإعجاز وأدل على صحة نبوته، ومعنى (ولا الإيمان) أنه ~~كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف تفاصيل الشرائع ولا يهتدي ms3547 إلى ~~معالمها، وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها، وقيل أراد بالإيمان هنا الصلاة. ~~قال بهذا جماعة من أهل العلم: منهم إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، ~~واحتج بقوله تعالى - وما كان الله ليضيع إيمانكم - يعني الصلاة، فسماها ~~إيمانا. وذهب جماعة إلى أن الله سبحانه لم يبعث نبيا إلا وقد كان مؤمنا به، ~~وقالوا معنى الآية: ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن ولا كيف تدعو ~~الخلق إلى الإيمان، وقيل كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلا وفي المهد. وقال ~~الحسين بن الفضل: إنه على حذف مضاف: أي ولا أهل الإيمان، وقيل المراد ~~بالإيمان دين الإسلام، وقيل الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله ~~به العباد (ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء) أي ولكن جعلنا الروح الذي ~~أوحيناه إليك ضياء ودليلا على التوحيد والإيمان نهدي به من نشاء هدايته (من ~~عبادنا) ونرشده إلى الدين الحق (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) قال قتادة ~~والسدي ومقاتل: # وإنك لتدعو إلى الإسلام، فهو الصراط المستقيم. قرأ الجمهور " لتهدي " على ~~البناء للفاعل. وقرأ ابن حوشب على البناء للمفعول. وقرأ ابن السميفع بضم ~~التاء وكسر الدال من أهدى، وفي قراءة أبي " وإنك لتدعو " ثم بين الصراط ~~المستقيم بقوله (صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) وفي هذه ~~الإضافة للصراط إلى الاسم الشريف من التعظيم له والتفخيم لشأنه مالا يخفى، ~~ومعنى (له ما في السماوات وما في الأرض) أنه المالك لذلك والمتصرف فيه (ألا ~~إلى الله تصير الأمور) أي تصير إليه يوم القيامة لا إلى غيره جميع أمور ~~الخلائق، وفيه وعيد بالبعث المستلزم للمجازاة. PageV04P545 # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (ينظرون من طرف خفي) قال: ذليل. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن ~~حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: # يسارقون النظر إلى النار. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن واثلة بن ~~الأسقع عن النبي صلى الله عليه وآله ms3548 وسلم قال " من بركة المرأة ابتكارها ~~بالأنثى، لأن الله قال (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) ". وأخرج ~~ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ويجعل من يشاء عقيما) قال: الذي لا يولد ~~له. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) ~~قال: إلا أن يبعث ملكا يوحى إليه من عنده، أو يلهمه فيقذف في قلبه، أو ~~يكلمه من وراء حجاب. وأخرج ابن المنذر وأبي أبي حاتم عنه أيضا في قوله ~~(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) قال: القران. وأخرج أبو نعيم في الدلائل ~~وابن عساكر عن علي قال: قيل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، هل عبدت وثنا ~~قط؟ قال لا، قالوا: فهل شربت خمرا قط؟ قال لا، وما زلت أعرف أن الذي هم ~~عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان، وبذلك نزل القرآن (وما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان). # تفسير سورة الزخرف هي تسع وثمانون آية قال القرطبي: هي مكية بالإجماع. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة حم الزخرف بمكة. # قال مقاتل: إلا قوله " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " يعني فإنها ~~نزلت بالمدينة. PageV04P546 # قوله (حم والكتاب المبين) الكلام ها هنا في الإعراب كالكلام الذي قدمناه ~~في يس والقرآن الحكيم - فإن جعلت حم قسما كانت الواو عاطفة، وإن لم تجعل ~~قسما فالواو للقسم، وجواب القسم (إنا جعلناه) وقال ابن الأنباري: من جعل ~~جواب والكتاب حم كما تقول: نزل والله، وجب والله وقف على الكتاب المبين، ~~ومعنى جعلناه: أي سميناه ووصفناه، ولذلك تعدى إلى مفعولين. وقال السدي: ~~المعنى أنزلناه (قرآنا) وقال مجاهد: # قلناه. وقال سفيان الثوري: بيناه (عربيا) وكذا قال الزجاج: أي أنزل بلسان ~~العرب، لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه. وقال مقاتل: لأن لسان أهل الجنة ~~عربي (لعلكم تعقلون) أي جعلنا ذلك الكتاب قرآنا عربيا لكي تفهموه وتتعقلوا ~~معانيه وتحيطوا بما فيه. قال ابن زيد: لعلكم تتفكرون (وإنه في أم الكتاب) ~~أي ms3549 وإن القرآن في اللوح المحفوظ (لدينا) أي عندنا (لعلي حكيم) رفيع القدر ~~محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض والجملة عطف على الجملة المقسم ~~بها داخلة تحت معنى القسم، أو مستأنفة مقررة لما قبلها. قال الزجاج: أم ~~الكتاب أصل الكتاب، وأصل كل شئ أمه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح ~~المحفوظ كما قال - بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ - وقال ابن جريج: المراد ~~بقوله " وإنه " أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية. قال قتادة: أخبر ~~عن منزلته وشرفه وفضله: أي إن كذبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا شريف رفيع ~~محكم من الباطل (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) يقال ضربت عنه وأضربت عنه: إذا ~~تركته وأمسكت عنه، كذا قال الفراء والزجاج وغيرهما، وانتصاب صفحا على ~~المصدرية، وقيل على الحال على معنى: أفنضرب عنكم الذكر صافحين، والصفح مصدر ~~قولهم: صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك وعنقك، والمراد ~~بالذكر هنا القرآن، والاستفهام للإنكار والتوبيخ. قال الكسائي: المعنى ~~أفنضرب عنكم الذكر طيا فلا توعظون ولا تؤمرون. وقال مجاهد وأبو صالح ~~والسدي: أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم. وقال قتادة: ~~المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم. وروي عنه أنه قال: المعنى أفنمسك ~~عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به. وقيل الذكر التذكير، كأنه قال: ~~أنترك تذكيركم (إن كنتم قوما مسرفين)، قرأ نافع وحمزة والكسائي إن كنتم ~~بكسر إن على أنها الشرطية والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون ~~بفتحها على التعليل: أي لأن كنتم قوما منهمكين في الإسراف مصرين عليه، ~~واختار أبو عبيد قراءة الفتح. ثم سلى سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال (وكم أرسلنا من نبي في الأولين) كم هي الخبرية التي معناها التكثير، ~~PageV04P547 # والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة (وما يأتيهم من ~~نبي إلا كانوا به يستهزءون) كاستهزاء قومك بك (فأهلكنا أشد منهم بطشا) أي ~~هلكنا قوما أشد قوة من هؤلاء القوم، وانتصاب بطشا على التمييز ms3550 أو الحال: # أي باطشين (ومضى مثل الأولين) أي سلف في القرآن ذكرهم غير مرة. وقال ~~قتادة: عقوبتهم، وقيل صفتهم، والمثل الوصف والخبر. وفي هذا تهديد شديد، ~~لأنه يتضمن أن الأولين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك ~~والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~خلقهن العزيز العليم) أي لئن سألت هؤلاء الكفار من قومك من خلق هذه الأجرام ~~العلوية والسفلية أقروا بأن الله خالقهن ولم ينكروا، وذلك أسوأ لحالهم وأشد ~~لعقوبتهم، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكا له، بل عمدوا إلى ~~مالا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر من المخلوقات وهي الأصنام فجعلوها ~~شركاء لله. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على عظيم نعمته على عباده وكمال ~~قدرته في مخلوقاته فقال (الذي جعل لكم الأرض مهادا) وهذا كلام مبتدأ غير ~~متصل بما قبله، ولو كان متصلا بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا الذي ~~جعل لنا الأرض مهادا، والمهاد الفراش والبساط، وقد تقدم بيانه، قرأ الجمهور ~~" مهادا " وقرأ الكوفيون " مهدا " (وجعل لكم فيها سبلا) أي طرقا تسلكونها ~~إلى حيث تريدون، وقيل معايش تعيشون بها (لعلكم تهتدون) بسلوكها إلى مقاصدكم ~~ومنافعكم (والذي نزل من السماء ماء بقدر) أي بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه ~~المصلحة ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زرائعكم ويهدم منازلكم ~~ويهلككم بالغرق، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة، وعلى حسب ما تقتضيه ~~مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى (فأنشرنا به بلدة ميتا) ~~أي أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات. قرأ الجمهور " ميتا " ~~بالتخفيف. وقرأ عيسى وأبو جعفر بالتشديد (كذلك تخرجون) من قبوركم: أي مثل ~~ذلك الإحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها تبعثون من قبوركم ~~أحياء، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، وقد مضى بيان هذا في آل عمران ~~والأعراف. قرأ الجمهور " تخرجون " مبنيا للمفعول وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ~~وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر مبنيا للفاعل (والذي ms3551 خلق الأزواج ~~كلها) المراد بالأزواج هنا الأصناف، قال سعيد بن جبير: الأصناف كلها. وقال ~~الحسن: الشتاء والصيف والليل والنهار والسماوات والأرض والجنة والنار، وقيل ~~أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل أزواج النبات، كقوله - وأنبتنا فيها من ~~كل زوج بهيج - و - من كل زوج كريم - وقيل ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر ~~وإيمان وكفر، والأول أولى (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) في البحر ~~والبر: أي ما تركبونه (لتستووا على ظهوره) الضمير راجع إلى ما قاله أبو ~~عبيد. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد، لأن المراد به الجنس، فصار ~~الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجنس فلذلك ذكر، وجمع الظهر لأن المراد ظهور ~~هذا الجنس والاستواء الاستعلاء: أي لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك ~~والأنعام (ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه) أي هذه النعمة التي أنعم ~~بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبر. وقال مقاتل والكلبي: هو أن ~~يقول الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه (وتقولوا سبحان الذي سخر لنا ~~هذا) أي ذلل لنا هذا المركب، وقرأ علي بن أبي طالب " سبحان من سخر لنا هذا ~~" قال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم، ومعنى (وما كنا له مقرنين) ما ~~كنا له مطيقين، يقال أقرن هذا البعير: إذا أطاقه. وقال الأخفش وأبو عبيدة: ~~مقرنين ضابطين، وقيل ممائلين من له في القوة، من قولهم هو قرن فلان إذا كان ~~مثله في القوة، وأنشد قطرب قول عمرو بن معدي كرب: PageV04P548 # لقد علم القبائل ما عقيل * لنا في النائبات بمقرنينا وقال آخر: ركبتم ~~صعبتي أشر وجبن * ولستم للصعاب بمقرنينا والمراد بالأنعام هنا الإبل خاصة، ~~وقيل الإبل والبقر، والأول أولى (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) أي راجعون إليه، ~~وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة. ثم رجع سبحانه إلى ذكر ~~الكفار الذين تقدم ذكرهم، فقال (وجعلوا له من عباده جزءا) قال قتادة: أي ~~عدلا، يعني ما عبد من دون الله. وقال الزجاج والمبرد: # الجزء هنا البنات، والجزء عند ms3552 أهل العربية البنات، يقال قد أجزأت المرأة: ~~إذا ولدت البنات، ومنه قول الشاعر: # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب * قد تجزيء الحرة المذكار أحيانا وقد جعل صاحب ~~الكشاف تفسير الجزء بالنبات من بدع التفسير، وصرح بأنه مكذوب على العرب. # ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد، وهما إماما اللغة العربية ~~وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها، ويؤيد تفسير الجزء بالنبات ما ~~سيأتي من قوله - أم اتخذ مما يخلق بنات - وقوله - وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن - وقوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) وقيل المراد ~~بالجزاء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولادا لله سبحانه قاله مجاهد والحسن. ~~قال الأزهري: ومعنى الآية أنهم جعلوا لله من عباده نصيبا على معنى أنهم ~~جعلوا نصيب الله من الولدان (إن الإنسان لكفور مبين) أي ظاهر الكفران مبالغ ~~فيه، قيل المراد بالإنسان هنا الكافر، فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحودا ~~بينا. ثم أنكر عليهم هذا فقال (أم اتخذ مما يخلق بنات) وهذا استفهام تقريع ~~وتوبيخ. وأم هي المنقطعة، والمعنى: أتخذ ربكم لنفسه البنات (وأصفاكم ~~بالبنين) فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ولكم الفاضل منهما، يقال أصفيته ~~بكذا: أي آثرته به، وأصفيته الود: أخلصته له، ومثل هذه الآية قوله - ألكم ~~الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى - وقوله - أفأصفاكم ربكم بالبنين - ~~وجملة وأصفاكم معطوفة على اتخذ داخلة معها تحت الإنكار. ثم زاد في تقريعهم ~~وتوبيخهم فقال (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا) أي بما جعله للرحمن ~~سبحانه من كونه جعل لنفسه البنات، والمعنى: إنه إذا بشر أحدهم بأنها ولدت ~~له بنت اغتم لذلك وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله (ظل وجهه مسودا) أي صار ~~وجهه مسودا بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكرا مكانها (وهو ~~كظيم) أي شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه. قال قتادة: حزين. وقال عكرمة: # مكروب، وقيل ساكت، وجملة (وهو كظيم) في محل نصب على الحال. ثم زاد في ~~توبيخهم وتقريعهم فقال (أو من ينشأ في الحلية وهو في ms3553 الخصام غير مبين) معنى ~~ينشأ يربي، والنشوء التربية، والحلية الزينة، ومن في محل نصب بتقدير مقدر ~~معطوف على جعلوا، والمعنى: أو جعلوا له سبحانه من شأنه أن يربي في الزينة ~~وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته ودفع ما ~~يجادله به خصمه لنقصان عقله وضعف رأيه. قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون ~~له من ينشأ في الحلية: أي ينبت في الزينة. قرأ الجمهور " ينشأ " بفتح الياء ~~وإسكان النون، وقرأ ابن عباس والضحاك وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف ~~بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين. واختار القراءة الأولى أبو حاتم، ~~واختار الثانية أبو عبيد. قال الهروي: الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى ~~الثانية متعد. والمعنى: يربي ويكبر في الحلية. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة ~~بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد والضحاك: الذي ينشأ في الحلية ~~أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة (وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن ~~إناثا) الجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشئ كما تقول: جعلت زيدا أفضل ~~الناس: أي PageV04P549 # قلت بذلك وحكمت له به. قرأ الكوفيون " عباد " بالجمع، وبها قرأ ابن عباس. ~~وقرأ الباقون " عند الرحمن " بنون ساكنة، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، ~~لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله إنما كذبهم في قوله: إنهم بنات الله ~~فأخبرهم أنهم عباده، ويؤيد هذه القراءة قوله - بل عباد مكرمون - واختار أبو ~~حاتم القراءة الثانية، قال: # وتصديق هذه القراءة قوله - إن الذين عند ربك - ثم وبخهم وقرعهم فقال ~~(أشهدوا خلقهم) أي أحضروا خلق الله إياهم فهو من الشهادة التي هي الحضور، ~~وفي هذا تهكم بهم وتجهيل لهم. قرأ الجمهور " أشهدوا " على الاستفهام بدون ~~الواو. وقرأ نافع " أو أشهدوا ". وقرأ الجمهور (ستكتب شهادتهم) بضم التاء ~~الفوقية وبناء الفعل للمفعول ورفع شهادتهم، وقرأ السلمي وابن السميفع ~~وهبيرة عن حفص بالنون وبناء الفعل للفاعل ونصب شهادتهم، وقرأ أبو رجاء " ~~شهاداتهم " بالجمع، والمعنى: سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان ~~أعمالهم لنجازيهم على ذلك (ويسألون) عنها ms3554 يوم القيامة (وقالوا لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم) هذا فن آخر من فنون كفرهم بالله جاءوا به للاستهزاء ~~والسخرية، ومعناه: لو شاء الرحمن في زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة، وهذا ~~كلام حق يراد به باطل، وقد مضى بيانه في الأنعام، فبين سبحانه جهلهم بقوله ~~(ما لهم بذلك من علم) أي ما لهم بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم ~~للملائكة ما عبدوهم من علم، بل تكلموا بذلك جهلا، وأرادوا بما صورته صورة ~~الحق باطلا، وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي. ثم بين انتفاء علمهم بقوله (إن هم ~~إلا يخرصون) أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ويتمحلون تمحلا باطلا. وقيل ~~الإشارة بقوله (ذلك) إلى قوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا). # قاله قتادة ومقاتل والكلبي، وقال مجاهد وابن جريج: أي ما لهم بعبادة ~~الأوثان من علم. # وقد أخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق الله من ~~شئ القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة والكتاب عنده، ثم قرأ ~~(وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم). وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس ~~مرفوعا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) قال: ~~أحببتم أن يصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به. وأخرج مسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثا ثم قال (سبحان الذي ~~سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون). وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وما كنا له مقرنين) قال: ~~مطيقين. وأخرج عبد بن حميد عنه (أو من ينشأ في الحلية) قال: هو النساء فرق ~~بين زيهن وزي الرجال ونقصهن من الميراث وبالشهادة وأمرهن بالقعدة وسماهن ~~الخوالف. وأخرج سعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ms3555 سعيد بن جبير قال: كنت أقرأ هذا الحرف (الذين هم عند ~~الرحمن إناثا) فسألت ابن عباس فقال: عباد الرحمن؟ قلت: فإنها في مصحفي " ~~عند الرحمن " قال: فامحها واكتبها " عباد الرحمن ". PageV04P550 # قوله (أم آتيناهم قبل كتابا من قبله) أم هي المنقطعة: أي بل أعطيناهم ~~كتابا من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله (فهم به مستمسكون) يأخذون بما فيه ~~ويحتجون به ويجعلونه لهم دليلا، ويحتمل أن تكون أم معادلة لقوله " أشهدوا ~~"، فتكون متصلة، والمعنى أحضروا خلقهم أم آتيناهم كتابا الخ. وقيل إن ~~الضمير في " من قبله " يعود إلى ادعائهم: أي أم آتيناهم كتابا من قبل ~~ادعائهم ينطق بصحة ما يدعونه، والأول أولى. ثم بين سبحانه أنه لا حجة ~~بأيديهم ولا شبهة، ولكنهم اتبعوا آبائهم في الضلالة فقال (بل قالوا إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) فاعترفوا بأنه لا مستند لهم ~~سوى تقليد آبائهم، ومعنى على أمة: على طريقة ومذهب. قال أبو عبيد: هي ~~الطريقة والدين، وبه قال قتادة وغيره. قال الجوهري: والأمة الطريقة والدين، ~~يقال فلان لا أمة له: أي لا دين له ولا نحلة، ومنه قول قيس بن الخطيم: # كنا على أمة آبائنا * ونقتدي بالأول الأول وقول الآخر: * وهل يستوي ذا ~~أمة وكفور * وقال الفراء وقطرب: على قبلة. وقال الأخفش: # على استقامة، وأنشد قول النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع قرأ الجمهور " أمة ~~" بضم الهمزة، وقرأ مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز بكسرها. قال الجوهري: ~~والأمة الكسر: النعمة، والأمة: أيضا لغة في الأمة، ومنه قول عدي بن زيد: ~~PageV04P551 # ثم بعد الفلاح والملك والأم * ة وارتهم هناك قبور ثم أخبر سبحانه أن غير ~~هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة وقال بها فقال (وكذلك ما أرسلنا ~~من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون) مترفوها: أغنياؤها ورؤساؤها، قال قتادة: مقتدون متبعون، ~~ومعنى الاهتداء والاقتداء متقارب، وخصص المترفين تنبيها على أن التنعم هو ms3556 ~~سبب إهمال النظر. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد ~~عليهم فقال (قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبائكم) أي أتتبعون ~~آبائكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، قال الزجاج: # المعنى قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه. قرأ ~~الجمهور (قل أو لو جئتكم) وقرأ ابن عامر وحفص " قال أو لو جئتكم " وهو ~~حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم: أي قال كل منذر من أولئك المنذرين ~~لأمته، وقيل إن كلا القراءتين حكاية لما جرى بين الأنبياء وقومهم، كأنه ~~قال: لكل نبي قل، بدليل قوله (قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) وهذا من ~~أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام ~~إنما يعملون بقول أسلافهم ويتبعون آثارهم ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى ~~الحق أن يخرجهم من ضلالة أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها وورثوها عن ~~أسلافهم بغير دليل نير ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة وحجة ~~زائفة ومقالة باطلة، قالوا بما قاله روى المترفون من هذه الملل: إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، أو بما يلاقي معناه معنى ذلك، فإن ~~قال لهم الداعي إلى الحق: قد جمعتنا الملة الإسلامية وشملنا هذا الدين ~~المحمدي، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم وتعبد آباءكم من قبلكم إلا بكتابه ~~الذي أنزله على رسوله وبما صح عن رسوله، فإنه المبين لكتاب الله الموضح ~~لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب ~~الله وسنة رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله - فإن تنازعتم في شئ ~~فردوه إلى الله والرسول - فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما ~~قاله أسلافكم ودرج عليه آباؤكم، نفروا نفور الوحوش، ورموا الداعي لهم إلى ~~ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه - إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا - ~~ولا قوله - فلا ms3557 وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما - فإن قال لهم القائل: هذا العالم ~~الذي تقتدون به وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله وسنة ~~رسوله، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه ~~للدليل، فذلك رخصة له لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، ~~وقد وجدوا الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح ~~من سنة رسوله، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا: لا نعمل بهذا ~~ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة، ~~ولم يسلموا ذلك ولا أذعنوا له، وقد وهب لهم الشيطان عصى يتوكئون عليها عند ~~أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة، وهي أنهم يقولون: # إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله، وذلك ~~لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر وكثرة ~~الأتباع. وما علموا أن هذا منقوض عليهم مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل ~~لهم إن في التابعين من هو أعظم قدرا، وأقدم عصرا من صاحبكم، فإن كان لتقدم ~~العصر وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء، فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم ~~عصرا وأجل قدرا، فإن أبيتم ذلك، ففي الصحابة رضي الله عنهم من هو أعظم قدرا ~~من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك، فها أنا أدلكم على من هو ~~أعظم قدرا وأجل خطرا وأكثر أتباعا وأقدم عصرا، وهو محمد بن عبد الله نبينا ~~ونبيكم ورسول الله إلينا وإليكم PageV04P552 # فتعالوا فهذه سنته موجوده في دفاتر الإسلام ودواوينه التي تلقتها جميع ~~هذه الأمة قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل ورازق ~~الكل وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم يلحقه تغيير ~~ولا تبديل ولا زيادة ولا نقص ولا تحريف ولا تصحيف، ونحن ms3558 وأنتم ممن يفهم ~~ألفاظه ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه ونشرب صفو الماء من ~~منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا: لا سمع ولا طاعة، إما بلسان ~~المقال أو بلسان الحال، فتدبر هذا وتأمله إن بقي فيك بقية من إنصاف وشعبة ~~من خير ومزعة من حياء وحصة من دين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ~~وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته " أدب الطلب ومنتهى الأرب ~~" فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب وتتقشع لك سحائب التقليد ~~(فانتقمنا منهم) وذلك الانتقام ما أوقعه الله بقوم نوح وعاد وثمود (فانظر ~~كيف كان عاقبة المكذبين) من تلك الأمم فإن آثارهم موجودة (وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه وقومه) أي واذكر لهم وقت قوله لأبيه وقومه الذين قلدوا آباءهم وعبدوا ~~الأصنام (إنني براء مما تعبدون) البراء مصدر نعت به للمبالغة، وهو يستعمل ~~للواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث. قال الجوهري: وتبرأت من كذا وأنا ~~منه براء وخلاء، ولا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل، ثم استثنى خالقه من ~~البراءة فقال (إلا الذي فطرني) أي خلقني (فإنه سيهدين) سيرشدني لدينه ~~ويثبتني على الحق، والاستثناء إما منقطع: أي لكن الذي فطرني، أو متصل من ~~عموم ما، لأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام، وإخباره بأنه سيهديه جزما ~~لثقته بالله سبحانه وقوة يقينه (وجعلها كلمة باقية في عقبة) الضمير في ~~جعلها عائد إلى قوله (إلا الذي فطرني) وهي بمعنى التوحيد كأنه قال: وجعل ~~كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم وهم ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله ~~سبحانه، وفاعل جعلها إبراهيم، وذلك حيث وصاهم بالتوحيد وأمرهم بأن يدينوا ~~به كما في قوله - وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب - الآية، وقيل الفاعل هو ~~الله عز وجل: أي وجعل الله عز وجل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، ~~والعقب من بعد. قال مجاهد وقتادة: # الكلمة لا إله إلا الله لا يزال من عقبى من يعبد الله إلى يوم القيامة. ~~وقال عكرمة: هي الإسلام. قال ابن ms3559 زيد: # الكلمة هي قوله - أسلمت لرب العالمين - وجملة (لعلهم يرجعون) تعليل ~~للجعل: أي جعلها باقية رجاء أن يرجع إليها من يشرك منهم بدعاء من يوحد. ~~وقيل الضمير في لعلهم راجع إلى أهل مكة: أي لعل أهل مكة يرجعون إلى دينك ~~الذي هو دين إبراهيم. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فإنه سيهدين ~~لعلهم يرجعون وجعلها الخ. قال السدي: لعلهم يتوبون، فيرجعون عما هم عليه ~~إلى عبادة الله. ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش ومن وافقهم من الكفار ~~المعاصرين لهم فقال (بل متعت هؤلاء وآبائهم) أضرب عن الكلام الأول إلى ذكر ~~ما متعهم به من الأنفس والأهل والأموال وأنواع النعم وما متع به آباءهم ولم ~~يعاجلهم بالعقوبة، فاغتروا بالمهلة وأكبوا على الشهوات (حتى جاءهم الحق) ~~يعني القران (ورسول مبين) يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى مبين ~~ظاهر الرسالة واضحها، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين فلم يجيبوه ~~ولم يعملوا بما أنزل عليه. ثم بين سبحانه ما صنعوه عند مجيء الحق فقال ~~(ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) أي جاحدون، فسموا القرآن ~~سحرا وجحدوه، واستحقروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وقالوا لولا ~~نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) المراد بالقريتين مكة والطائف، ~~وبالرجلين الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف كذا ~~قال قتادة وغيره. وقال مجاهد وغيره: عتبة بن ربيعة من مكة وعمير بن عبد يا ~~ليل الثقفي من الطائف، وقيل غير ذلك. وظاهر النظم أن المراد رجل من إحدى ~~القريتين عظيم الجاه واسع المال مسود في قومه PageV04P553 # والمعنى: أنه لو كان قرآنا لنزل على رجل عظيم من عظماء القريتين، فأجاب ~~الله سبحانه عنهم بقوله (أهم يقسمون رحمة ربك) يعني النبوة أو ما هو أعم ~~منها، والاستفهام للإنكار. ثم بين أنه سبحانه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون ~~به من أمور الدنيا فقال (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) ولم ~~نفوض ذلك إليهم، وليس لأحد ms3560 من العباد أن يتحكم في شئ بل الحكم لله وحده، ~~وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم ورفع درجات بعضهم على بعض ~~فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر النبوة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه. قال ~~مقاتل: # يقول أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاءوا. قرأ الجمهور - معيشتهم ~~- بالإفراد، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن - معايشهم - بالجمع (و) معنى ~~(رفعنا بعضهم فوق بعض درجات) أنه فاضل بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في ~~الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم، ثم ذكر العلة لرفع ~~درجات بعضهم على بعض، فقال (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) أي ليستخدم بعضهم بعضا ~~فيستخدم الغني الفقير والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف والحر العبد والعاقل ~~من هو دونه في العقل والعالم الجاهل، وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه ~~تتم مصالحهم وينتظم معاشهم ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة ~~دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجا إلى البعض لتحصل المواساة ~~بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا هذا. ~~قال السدي وابن زيد: سخرنا خولنا وخدما يسخر الأغنياء الفقراء فيكون بعضهم ~~سببا لمعاش بعض. وقال قتادة والضحاك: ليملك بعضهم بعضا، وقيل هو من السخرية ~~التي بمعنى الاستهزاء، وهذا وإن كان مطابقا للمعنى اللغوي، ولكنه بعيد من ~~معنى القرآن ومناف لما هو مقصود السياق (ورحمة ربك خير مما يجمعون) يعني ~~بالرحمة ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، وقيل هي النبوة ~~لأنها المراد بالرحمة المتقدمة في قوله - أهم يقسمون رحمة ربك - ولا مانع ~~من أن يراد كل ما يطلق عليه اسم الرحمة إما شمولا أو بدلا، ومعنى " مما ~~يجمعون " ما يجمعونه من الأموال وسائر متاع الدنيا. ثم بين سبحانه حقارة ~~الدنيا عنده فقال (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة) أي لولا أن يجتمعوا على ~~الكفر ميلا إلى الدنيا وزخرفها (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة) جمع الضمير في بيوتهم وأفرده في يكفر باعتبار معنى من ولفظها، ms3561 ~~ولبيوتهم بدل اشتمال من الموصول والسقف جمع سقف. قرأ الجمهور بضم السين ~~والقاف كرهن ورهن. قال أبو عبيدة: ولا ثالث لهما. وقال الفراء: وهو جمع ~~سقيف نحو كثيب وكثب ورغيف ورغف، وقيل هو جمع سقوف فيكون جمعا للجمع. وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد ومعناه الجمع ~~لكونه للجنس. قال الحسن: معنى الآية: # لولا أن يكفر الناس جميعا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم ~~في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله وقال بهذا أكثر المفسرين. وقال ~~ابن زيد: لولا أن يكون الناس أمة واحدة في طلب الدنيا واختيارهم لها على ~~الآخرة. وقال الكسائي: المعنى لولا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي ~~المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها (ومعارج عليها ~~يظهرون) المعارج: الدرج جمع معراج، والمعراج السلم. قال الأخفش: إن شئت ~~جعلت الواحدة معرج ومعرج مثل: مرقاة ومرقاة، والمعنى: فجعلنا لهم معارج من ~~فضة عليها يظهرون: # أي على المعارج يرتقون ويصعدون، يقال ظهرت على البيت: أي علوت سطحه، ومنه ~~قول النابغة: # بلغنا السماء مجدا وفخرا وسؤددا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا أي مصعدا ~~(ولبيوتهم أبوابا وسررا) أي وجعلنا لبيوتهم أبوابا من فضة وسررا من فضة ~~(عليها يتكئون) أي على السرر وهو جمع سرير، وقيل جمع أسرة فيكون جمعا ~~للجمع، والاتكاء والتوكؤ: التحامل على الشئ، PageV04P554 # ومنه - أتوكأ عليها - واتكأ على الشئ فهو متكئ، والموضع متكأ، والزخرف: ~~الذهب. وقيل الزينة أعم من أن تكون ذهبا أو غيره. قال ابن زيد: هو ما يتخذه ~~الناس في منازلهم من الأمتعة والأثاث. وقال الحسن: # النقوش وأصله الزينة، يقال زخرفت الدار: أي زينتها، (و) انتصاب (زخرفا) ~~بفعل مقدر: أي وجعلنا لهم مع ذلك زخرفا، أو بنزع الخافض: أي أبوابا وسررا ~~من فضة ومن ذهب، فلما حذف الخافض انتصب. ثم أخبر سبحانه أن جميع ذلك إنما ~~يتمتع به في الدنيا فقال (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) قرأ الجمهور ~~" لما " بالتخفيف وقرأ عاصم وحمزة وهاشم عن ابن ms3562 عامر بالتشديد. فعلى ~~القراءة الأولى تكون إن هي المخففة من الثقيلة، وعلى القراءة الثانية هي ~~النافية. ولما بمعنى إلا: أي ما كل ذلك إلا شيء يتمتع به في الدنيا. وقرأ ~~أبو رجاء بكسر اللام من " لما " على أن اللام للعلة وما موصولة والعائد ~~محذوف: أي للذي هو متاع (والآخرة عند ربك للمتقين) أي لمن اتقى الشرك ~~والمعاصي وآمن بالله وحده وعمل بطاعته، فإنها الباقية التي لا تفنى ونعيمها ~~الدائم الذي لا يزول. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس (إنا وجدنا آباءنا على أمة) قال: على دين. ~~وأخرج عبد بن حميد عنه (وجعلها كلمة باقية) قال: لا إله إلا الله (في عقبه) ~~قال: عقب إبراهيم ولده. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عنه ~~أيضا أنه سئل عن قول الله (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ~~ما القريتان؟ # قال: الطائف ومكة، قيل فمن الرجلان؟ قال: عمير بن مسعود، وخيار قريش. ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا قال: يعنى بالقريتين ~~مكة والطائف، والعظيم الوليد بن المغيرة القرشي وحبيب بن عمير الثقفي. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: يعنون أشرف من محمد الوليد بن ~~المغيرة من أهل مكة ومسعود بن عمرو الثقفي من أهل الطائف. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (لولا أن يكون الناس أمة ~~واحدة) الآية يقول: لولا أن نفعل الناس كلهم كفارا لجعلت لبيوت الكفار سقفا ~~من فضة ومعارج من فضة، وهي درج عليها يصعدون إلى الغرف وسرر فضة، وزخرفا: ~~وهو الذهب. وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة عن سهل بن سعد قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضه ما ~~سقى منها كافرا شربة ماء ". PageV04P555 # قوله (ومن يعش عن ذكر الرحمن) يقال عشوت إلى النار: قصدتها، وعشوت عنها ~~أعرضت عنها، كما تقول: عدلت إلى فلان وعدلت عنه، وملت إليه وملت عنه، كذا ~~قال ms3563 الفراء والزجاج وأبو الهيثم والأزهري. # فالمعنى: ومن يعرض عن ذكر الرحمن. قال الزجاج: معنى الآية أن من أعرض عن ~~القرآن وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلين يعاقبه الله بشيطان يقيضه له ~~حتى يضله ويلازمه قرينا له، فلا يهتدي مجازاة له حين آثر الباطل على الحق ~~البين. وقال الخليل: العشو النظر الضعيف، ومنه: # لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره * إذا الريح هبت والمكان جديب والظاهر أن ~~معنى البيت القصد إلى النار لا النظر إليها ببصر ضعيف كما قال الخليل، ~~فيكون دليلا على ما قدمنا من أنه يأتي بمعنى القصد وبمعنى الإعراض، وهكذا ~~ما أنشده الخليل مستشهدا به على ما قاله من قول الحطيئة: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد فإن الظاهر أن ~~معناه: تقصد إلى ضوء ناره، لا تنظر إليها ببصر ضعيف. ويمكن أن يقال: إن ~~المعنى في البيتين المبالغة في ضوء النار وسطوعها، بحيث لا ينظرها الناظر ~~إلا كما ينظر من هو معشي البصر لما يلحق بصره من الضعف عندما يشاهده من عظم ~~وقودها. وقال أبو عبيدة والأخفش: إن معنى (ومن يعش) ومن تظلم عينه، وهو نحو ~~قول الخليل، وهذا على قراءة الجمهور " ومن يعش " بضم الشين من عشا يعشو. ~~وقرأ ابن عباس وعكرمة " ومن يعش " بفتح الشين، يقال عشى الرجل يعشى عشيا ~~إذا عمى، ومنه قول الأعشى: # رأت رجلا غايب الوافدين * ومختلف الخلق أعشى ضريرا وقال الجوهري: والعشا ~~مقصور مصدر الأعشى: وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار والمرأة عشواء. # وقرئ " يعشو " بالواو على أن " من " موصولة غير متضمنة معنى الشرط. قرأ ~~الجمهور (نقيض له شيطانا) بالنون وقرأ السلمي وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة ~~عن عاصم والأعمش بالتحتية مبنيا للفاعل، وقرأ ابن عباس بالتحتية مبنيا ~~للمفعول ورفع شيطان على النيابة (فهو له قرين) أي ملازم له لا يفارقه أو هو ~~ملازم للشيطان لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره ويطيعه في كل ما يوسوس به ~~إليه (وإنهم ليصدونهم عن السبيل) أي وإن ms3564 الشياطين الذين يقيضهم الله لكل ~~أحد ممن يعشو عن ذكر الرحمن كما هو معنى من ليصدونهم: أي يحولون بينهم وبين ~~سبيل الحق ويمنعونهم منه، ويوسوسون لهم أنهم على الهدى حتى يظنون صدق ما ~~يوسوسون به، وهو معنى قوله (ويحسبون أنهم مهتدون) أي يحسب الكفار أن ~~الشياطين مهتدون فيطيعونهم، أو يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة أنهم في ~~أنفسهم مهتدون (حتى إذا جاءنا) قرأ الجمهور بالتثنية: أي الكافر والشيطان ~~المقارن له، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالإفراد: أي الكافر أو جاء ~~كل واحد منها (قال) الكافر مخاطبا للشيطان (يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين) أي بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب المشرق على المغرب. قال ~~مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة من مشرق أقصر ~~يوم في السنة، والأول أولى، وبه قال الفراء (فبئس القرين) المخصوص بالذم ~~محذوف أي أنت أيها الشيطان (ولن ينفعكم اليوم) هذا حكاية لما سيقال لهم يوم ~~القيامة (إذ PageV04P556 # ظلمتم) أي لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، وقيل إن " إذ " بدل من اليوم ~~لأنه تبين في ذلك اليوم أنهم ظلموا أنفسهم في الدنيا. قرأ الجمهور (أنكم في ~~العذاب مشتركون) بفتح أن على أنها وما بعدها في محل رفع على الفاعلية: # أي لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب. قال المفسرون: لا يخفف عنهم بسبب ~~الاشتراك شئ من العذاب لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر منه. ~~وقيل إنها للتعليل لنفي النفع: أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في ~~العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا، ويقوي هذا المعنى قراءة ابن ~~عامر على اختلاف عليه فيها بكسر إن. ثم ذكر سبحانه أنها لا تنفع الدعوة ~~والوعظ من سبقت له الشقاوة فقال (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمى) الهمزة ~~لإنكار التعجب: أي ليس ذلك فلا يضيق أخبرنا صدرك إن كفروا، وفيه تسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإخبار له أنه لا يقدر على ذلك إلا ~~الله عز وجل، وقوله (ومن كان في ms3565 ضلال مبين) عطف على العمى: أي إنك لا تهدي ~~من كان كذلك، ومعنى الآية: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الصم الذين لا يعقلون ما ~~جئت به، وبمنزلة العمى الذين لا يبصرونه لإفراطهم في الضلالة وتمكنهم من ~~الجهالة (فإما نذهبن بك) بالموت قبل أن ينزل العذاب بهم (فإنا منهم ~~منتقمون) إما في الدنيا أو في الآخرة، وقيل المعني: نخرجنك من مكة (أو ~~نرينك الذي وعدناهم) من العذاب قبل موتك (فإنا عليهم مقتدرون) متى شئنا ~~عذبناهم. قال كثير من المفسرين: قد أراه الله ذلك يوم بدر. وقال الحسن ~~وقتادة: هي في أهل الإسلام يريد ما كان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~من الفتن، وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتنة شديدة، فأكرم ~~الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وذهب به فلم يره في أمته شيئا من ذلك، ~~والأول أولى (فاستمسك بالذي أوحى إليك) أي من القرآن وإن كذب به من كذب ~~(إنك على صراط مستقيم) أي طريق واضح، والجملة تعليل لقوله " فاستمسك " ~~(وإنه لذكر لك ولقومك) أي وإن القرآن لشرف لك ولقومك من قريش إذ نزل عليك ~~وأنت منهم بلغتك ولغتهم ومثله قوله - لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم - ~~وقيل بيان لك ولأمتك فيما لكم إليه حاجة. وقيل تذكرة تذكرون بها أمر الدين ~~وتعملون به (وسوف تسئلون) عما جعله الله لكم من الشرف، كذا قال الزجاج ~~والكلبي وغيرهما. # وقيل يسئلون عما يلزمهم من القيام بما فيه والعمل به (واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) قال الزهري وسعيد بن جبير ~~وابن زيد: إن جبريل قال ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أسرى به. ~~فالمراد سؤال الأنبياء في ذلك الوقت عند ملاقاته لهم، وبه قال جماعة من ~~السلف. وقال المبرد والزجاج وجماعة من العلماء: إن المعنى واسأل أمم من قد ~~أرسلنا. وبه قال مجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء والحسن ومعنى الآية على ~~القولين: سؤالهم هل أذن الله بعبادة الأوثان في ms3566 ملة من الملل وهل سوغ ذلك ~~لأحد منهم؟ والمقصود تقريع مشركي قريش بأن ما هم عليه لم يأت في شريعة من ~~الشرائع. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أن قريشا قالت: قيضوا ~~لكل رجل من أصحاب محمد رجلا يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، ~~فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلا تدعوني؟ قال: # أدعوك إلى عبادة اللات والعزى. قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله. ~~قال: وما العزى؟ قال: بنات الله. # قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه، فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل، ~~فسكت القوم، فقال طلحة: # قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأنزل الله ~~(ومن يعش عن ذكر الرحمن) الآية. # وثبت في صحيح مسلم وغيره أن مع كل إنسان قرينا من الجن. وأخرج ابن مردويه ~~عن علي في قوله (فإما نذهبن PageV04P557 # بك) قال: ذهب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وبقيت نقمته في عدوه. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (أو نرينك الذي وعدناهم) قال: يوم بدر. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي ~~في الشعب من طرق عنه في قوله (وإنه لذكر لك ولقومك) قال: شرف لك ولقومك. ~~وأخرج ابن عدي وابن مردويه عن علي وابن عباس قالا: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة ويعدهم الظهور، فإذا قالوا لمن ~~الملك بعدك؟ أمسك فلم يجبهم بشئ لأنه لم يؤمر في ذلك بشئ حتى نزلت (وإنه ~~لذكر لك ولقومك) فكان بعد إذا سئل قال لقريش فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار ~~على ذلك. # وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن ابن عباس في قوله (واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا) قال: # اسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا. # لما أعلم الله سبحانه نبيه بأنه منتقم له من عدوه وذكر اتفاق الأنبياء ~~على التوحيد أتبعه بذكر قصة موسى وفرعون ms3567 وبيان ما نزل بفرعون وقومه من ~~النقمة فقال (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) وهي التسع التي تقدم بيانها (إلى ~~فرعون وملائه) الملأ: الأشراف (فقال إني رسول رب العالمين) أرسلني إليكم ~~(فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) استهزاء وسخرية، وجواب لما هو إذا ~~الفجائية، لأن التقدير: فاجئوا وقت ضحكهم (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من ~~أختها) أي كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها، وأعظم قدرا مع كون التي ~~قبلها عظيمة في نفسها، وقيل المعنى: إن الأولى تقتضي علما والثانية تقتضي ~~علما، فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح، ومعنى الأخوة بين الآيات: ~~أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها على صحة نبوة موسى كما يقال هذه صاحبة ~~هذه: أي هما قرينتان في المعنى، وجملة (إلا هي أكبر من أختها) في محل جر ~~صفة لآية، وقيل المعنى: أن كل واحدة من الآيات إذا انفردت ظن الظان أنها ~~أكبر من سائر الآيات. ومثل هذا قول القائل: PageV04P558 # من تلق منهم ثقل لاقيت سيدهم * مثل النجوم التي يسرى بها الساري ~~(وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون) أي بسبب تكذيبهم بتلك الآيات، والعذاب هو ~~المذكور في قوله - ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات - الآية، ~~وبين سبحانه أن العلة في أخذه لهم بالعذاب هو رجاء رجوعهم، ولما عاينوا ما ~~جاءهم به من الآيات البينات والدلالات الواضحات ظنوا أن ذلك من قبيل السحر ~~(وقالوا يا أيه الساحر) وكانوا يسمون العلماء سحرة ويوقرون السحرة ~~ويعظمونهم ولم يكن السحر صفة ذم عندهم. # قال الزجاج: خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر (ادع لنا ربك ~~بما عهد عندك) أي بما أخبرتنا من عهده إليك إنا إذا آمنا كشف عنا العذاب، ~~وقيل المراد بالعهد النبوة، وقيل استجابة الدعوة على العموم (إننا لمهتدون) ~~أي إذا كشف عنا العذاب الذي بنا فنحن مهتدون فيما يستقبل من الزمان، ~~ومؤمنون بما جئت به (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون) في الكلام حذف، ~~والتقدير: فدعا موسى ربه فكشف عنهم العذاب، فلما كشف عنهم ms3568 العذاب فاجئوا ~~وقت نكثهم للعهد الذي جعلوه على أنفسهم من الاهتداء، والنكث: النقض (ونادى ~~فرعون في قومه) قيل لما رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إلى موسى، فجمعهم ~~ونادى بصوته فيما بينهم أو أمر مناديا ينادي بقوله (يا قوم أليس لي ملك ~~مصر) لا ينازعني فيه أحد ولا يخالفني مخالف (وهذه الأنهار تجري من تحتي) أي ~~من تحت قصري، والمراد أنهار النيل. وقال قتادة: المعنى تجري بين يدي. وقال ~~الحسن: # تجري بأمري: أي تجري تحت أمري. وقال الضحاك: أراد بالأنهار القواد ~~والرؤساء والجبابرة وأنهم يسيرون تحت لوائه. وقيل أراد بالأنهار الأموال، ~~والأول أولى. والواو في " وهذه " عاطفة على ملك مصر، و " تجري " في محل نصب ~~علي الحال أو هي واو الحال، واسم الإشارة مبتدأ، والأنهار صفة له، وتجري ~~خبره، والجملة في محل نصب (أفلا تبصرون) ذلك وتستدلون به على قوة ملكي ~~وعظيم قدري وضعف موسى عن مقاومتي (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) أم هي ~~المنقطعة المقدرة ببل التي للإضراب دون الهمزة التي للإنكار: أي بل أنا خير ~~قال أبو عبيدة: أم بمعنى بل، والمعنى: قال فرعون لقومه: بل أنا خير. وقال ~~الفراء: إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وقيل ~~هي زائدة، وحكى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون أم زائدة، والمعنى: أنا خير ~~من هذا. وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون؟ # ثم ابتدأ فقال (أنا خير) وروي عن الخليل وسيبويه نحو قول الأخفش، ويؤيد ~~هذا أن عيسى الثقفي ويعقوب الحضرمي وقفا على " أم " على تقدير أم تبصرون، ~~فحذف لدلالة الأول عليه، وعلى هذا فتكون أم متصلة لا منقطعة والأول أولى. ~~ومثله قول الشاعر الذي أنشده الفراء: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أم أنت في العين أملح أي بل ~~أنت. وحكى الفراء أن بعض القراء قرأ " أما أنا خير " أي ألست خيرا من هذا ~~الذي هو مهين: أي ضعيف حقير ممتهن في نفسه لا عز له ms3569 (ولا يكاد يبين) الكلام ~~لما في لسانه من العقدة، وقد تقدم بيانه في سورة طه (فلولا ألقى عليه ~~أساورة من ذهب) أي فهلا حلى بأساورة الذهب إن كان عظيما، وكان الرجل فيهم ~~إذا سودوه سوروه بسوار من ذهب، وطوقوه بطوق من ذهب. قرأ الجمهور " أساورة " ~~جمع أسورة جمع سوار. وقال أبو عمر ابن العلاء: واحد الأساورة والأساور ~~والأساوير أسوار، وهي لغة في سوار. وقرأ حفص " أسورة " جمع سوار، وقرأ أبي: ~~أساور، وابن مسعود أساوير. قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوارين ~~وطوقوه بطوق PageV04P559 # ذهب علامة لسيادته (أو جاء معه الملائكة مقترنين) معطوف على ألقى، ~~والمعنى: هلا جاء معه الملائكة متتابعين متقارنين إن كان صادقا يعينونه على ~~أمره ويشهدون له بالنبوة، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لابد أن يكونوا على ~~هيئة الجبابرة ومحفوفين بالملائكة (فاستخف قومه فأطاعوه) أي حملهم على خفة ~~الجهل والسفه بقوله وكيده وغروره، فأطاعوه فيما أمرهم به، وقبلوا قوله ~~وكذبوا موسى (إنهم كانوا قوما فاسقين) أي غير خارجين عن طاعة الله. قال ابن ~~الأعرابي: المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه بخفة أحلامهم وقلة عقولهم، يقال ~~استخفه الفرح: # أي أزعجه، واستخفه: أي حمله، ومنه - ولا يستخفنك الذين لا يوقنون - وقيل ~~استخف قومه: أي وجدهم خفاف العقول وقد استخف بقومه وقهرهم حتى اتبعوه (فلما ~~آسفونا انتقمنا منهم) قال المفسرون: أغضبونا، والأسف الغضب، وقيل أشد ~~الغضب، وقيل السخط، وقيل المعنى: أغضبوا رسلنا. ثم بين العذاب الذي وقع به ~~الانتقام فقال (فأغرقناهم أجمعين) في البحر (فجعلناهم سلفا) أي قدوة لمن ~~عمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب. قرأ الجمهور " سلفا " بفتح السين ~~واللام جمع سالف كخدم وخادم، ورصد وراصد، وحرس وحارس، يقال سلف يسلف: إذا ~~تقدم ومضى. قال الفراء والزجاج: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون، وقرأ ~~حمزة والكسائي " سلفا " بضم السين واللام. قال الفراء: هو جمع سليف، نحو ~~سرر وسرير. وقال أبو حاتم: # هو جمع سلف نحو خشب وخشب. وقرأ علي وابن مسعود وعلقمة وأبو وائل والنخعي ~~وحميد بن قيس بضم السين وفتح ms3570 اللام جمع سلفة وهي الفرقة المتقدمة نحو غرف ~~وغرفة، كذا قال النضر بن شميل (ومثلا للآخرين) أي عبرة وموعظة لمن يأتي ~~بعدهم، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ولا يكاد يبين) قال: كانت ~~بموسى لثغة في لسانه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (فلما آسفونا) قال: ~~أسخطونا. وأخرجا عنه أيضا آسفونا قال: أغضبونا، وفي قوله (سلفا) قال: أهواء ~~مختلفة. وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن عقبة بن ~~عامر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا رأيت الله يعطي العبد ~~ما شاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج منه له، وقرأ (فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين) ". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن طارق ~~بن شهاب قال: كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجأة فقال: تخفيف على ~~المؤمن وحسرة على الكافر، فلما آسفونا انتقمنا منهم. PageV04P560 # لما قال سبحانه - واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون - تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد إلا أن تتخذه ~~إلها كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم، فأنزل الله (و لما ضرب ابن مريم ~~مثلا) كذا قال قتادة ومجاهد. وقال الواحدي: أكثر المفسرين على أن هذه الآية ~~نزلت في مجادلة ابن الزبعرى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل قوله ~~تعالى - إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم - فقال ابن الزبعرى: خصمتك ~~ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح واليهود عزيرا وبنو مليح ~~الملائكة؟ # ففرح بذلك من قوله، فأنزل الله - إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون - ونزلت هذه الآية المذكورة هنا، وقد مضى هذا في سورة ~~الأنبياء. ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعرى مندفع من أصله وباطل برمته، ~~فإن الله سبحانه قال - إنكم وما تعبدون - ولم يقل ومن تعبدون حتى يدخل في ~~ذلك العقلاء كالمسيح وعزير والملائكة (إذا قومك منه يصدون) أي إذا ms3571 قومك يا ~~محمد من ذلك المثل المضروب يصدون: أي يضجون ويصيحون فرحا بذلك المثل ~~المضروب، والمراد بقومه هنا كفار قريش. قرأ الجمهور " يصدون " بكسر الصاد، ~~وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بضمها. قال الكسائي والفراء والزجاج والأخفش: ~~هما لغتان ومعناهما: يضجون قال الجوهري: صد يصد صديدا: أي ضج. وقيل إنه ~~بالضم: الإعراض، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب. قال أبو عبيد: لو كانت من ~~الصدود عن الحق لقال: إذا قومك عنه يصدون. وقال الفراء: هما سواء منه وعنه. ~~وقال أبو عبيدة: من ضم فمعناه يعدلون، ومن كسر فمعناه يضجون (وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو) أي أآلهتنا خير أم المسيح؟ قال السدي وابن زيد: خاصموه ~~وقالوا: إن كان كل من عبد غير الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع ~~عيسى وعزير والملائكة. وقال قتادة: يعنون محمدا: أي أآلهتنا خير أم محمد؟ ~~ويقوي هذا قراءة ابن مسعود: أآلهتنا خير أم هذا. قرأ الجمهور بتسهيل الهمزة ~~الثانية بين بين. وقرأ الكوفيون ويعقوب بتحقيقها (ما ضربوه لك إلا جدلا) أي ~~ما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك، على أن جدلا منتصب على العلة، ~~أو مجادلين على أنه مصدر في موضع الحال، وقرأ ابن مقسم " جدالا " (بل هم ~~قوم خصمون) أي شديدوا الخصومة كثيرو اللدد عظيموا الجدل. ثم بين سبحانه أن ~~عيسى ليس برب وإنما هو عبد من عباده اختصه بنبوته فقال (إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه) بما أكرمناه به (وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) أي آية وعبرة لهم ~~يعرفون به PageV04P561 # قدرة الله سبحانه، فإنه كان من غير أب، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه ~~والأبرص، وكل مريض (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) أي لو ~~نشاء أهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة في الأرض يخلفون: # أي يخلفونكم فيها. قال الأزهري: ومن قد تكون للبدل كقوله (لجعلنا منكم) ~~يريد بدلا منكم. وقيل المعنى: # لو نشاء لجعلنا من بني آدم ملائكة. والأول أولى. ومقصود الآية: أنا لو ~~نشاء لأسكنا الملائكة الأرض وليس في إسكاننا ms3572 إياهم السماء شرف حتى يعبدوا. ~~وقيل معنى " يخلفون " يخلف بعضهم بعضا (وإنه لعلم للساعة) قال مجاهد ~~والضحاك والسدي وقتادة: إن المراد المسيح، وإن خروجه مما يعلم به قيام ~~الساعة لكونه شرطا من أشراطها، لأن الله سبحانه ينزله من السماء قبيل قيام ~~الساعة، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة. وقال الحسن وسعيد بن جبير: ~~المراد القرآن، لأنه يدل على قرب مجيء الساعة، وبه يعلم وقتها وأهوالها ~~وأحوالها، وقيل المعنى: أن حدوث المسيح من غير أب وإحياءه للموتى دليل على ~~صحة البعث. وقيل الضمير لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأول أولى. قرأ ~~الجمهور " لعلم " بصيغة المصدر جعل المسيح علما مبالغة لما يحصل من العلم ~~بحصولها عند نزوله، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وأبو مالك الغفاري وقتادة بن ~~دينار والضحاك وزيد بن علي بفتح العين واللام: # أي خروجه علم من أعلامها، وشرط من شروطها، وقرأ أبو نظرة وعكرمة " وإنه ~~للعلم " بلامين مع فتح العين واللام: أي للعلامة يعرف بها قيام الساعة (فلا ~~تمترن بها) أي فلا تشكن في وقوعها ولا تكذبن بها، فإنها كائنة لا محالة ~~(واتبعون هذا صراط مستقيم) أي اتبعوني فيما آمركم به من التوحيد وبطلان ~~الشرك، وفرائض الله التي فرضها عليكم، هذا الذي آمركم به وأدعوكم إليه طريق ~~قيم موصل إلى الحق. قرأ الجمهور بحذف الياء من " اتبعون " وصلا ووقفا، ~~وكذلك قرأوا بحذفها في الحالين في " أطيعون " وقرأ يعقوب بإثباتها وصلا ~~ووقفا فيهما وقرأ أبو عمرو وهي رواية عن نافع بحذفها في الوصل دون الوقف ~~(ولا يصدنكم الشيطان) أي لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم ~~فيمنعكم ذلك من اتباعي، فإن الذي دعوتكم إليه هو دين الله الذي اتفق عليه ~~رسله وكتبه. ثم علل نهيهم عن أن يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال (إنه ~~لكم عدو مبين) أي مظهر لعداوته لكم غير متحاش عن ذلك ولا متكتم فإن به كما ~~يدل على ذلك ما وقع بينه وبين آدم وما ألزم به نفسه من إغواء جميع بني آدم ms3573 ~~إلا عباد الله المخلصين (ولما جاء عيسى بالبينات) أي جاء إلى بني إسرائيل ~~بالمعجزات الواضحة والشرائع. قال قتادة: البينات هنا: الإنجيل (قال قد ~~جئتكم بالحكمة) أي النبوة، وقيل الإنجيل، وقيل ما يرغب في الجميل ويكف عن ~~القبيح (ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) من أحكام التوراة. وقال قتادة: ~~يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى ~~في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، فبين لهم في غير الإنجيل ما ~~احتاجوا إليه. وقيل إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر ~~دينهم. وقال أبو عبيدة: إن البعض هنا بمعنى الكل كما في قوله - يصبكم بعض ~~الذي يعدكم - وقال مقاتل: هو كقوله - ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم -: يعنى ~~ما أحل في الإنجيل مما كان محرما في التوراة كلحم الإبل والشحم من كل ~~حيوان، وصيد السمك يوم السبت واللام في (ولأبين لكم) معطوفة على مقدر كأنه ~~قال: قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ولأبين لكم. ثم أمرهم بالتقوى والطاعة ~~فقال (فاتقوا الله) أي اتقوا معاصيه (وأطيعون) فيما آمركم به من التوحيد ~~والشرائع (إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه) هذا بيان لما أمرهم بأن يطيعوه ~~فيه (هذا صراط مستقيم) أي عباده الله وحده والعمل بشرائعه (فاختلف الأحزاب ~~من بينهم). قال مجاهد والسدي: الأحزاب هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ~~وقال الكلبي ومقاتل: هم فرق النصارى اختلفوا في أمر عيسى. قال قتادة: ~~PageV04P562 # ومعنى " من بينهم " أنهم اختلفوا فيما بينهم، وقيل اختلفوا من بين من بعث ~~إليهم من اليهود والنصارى، والأحزاب هي الفرق المتحزبة (فويل للذين ظلموا) ~~من هؤلاء المختلفين، وهم الذين أشركوا بالله ولم يعملوا بشرائعه (من عذاب ~~يوم أليم) أي أليم عذابه وهو يوم القيامة (هل ينظرون إلا الساعة) أي هل ~~يرتقب هؤلاء الأحزاب وينتظرون إلا الساعة (أن تأتيهم بغتة) أي فجأة (وهم لا ~~يشعرون) أي لا يفطنون بذلك، وقيل المراد بالأحزاب الذين تحزبوا على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وكذبوه، وهم المراد ms3574 بقوله (هل ينظرون إلا الساعة) ~~والأول أولى (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو) أي الأخلاء في الدنيا ~~المتحابون فيها يوم تأتيهم الساعة بعضهم لبعض عدو: أي يعادي بعضهم بعضا، ~~لأنها قد انقطعت بينهم العلائق واشتغل كل واحد منهم بنفسه، ووجدوا تلك ~~الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسبابا للعذاب فصاروا أعداء. ثم استثنى ~~المتقين فقال (إلا المتقين) فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، لأنهم وجدوا ~~تلك الخلة التي كانت بينهم من أسباب الخير والثواب فبقيت خلتهم على حالها ~~(يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) أي يقال لهؤلاء المتقين ~~المتحابين في الله بهذه المقالة فيذهب عند ذلك خوفهم ويرتفع حزنهم (الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) الموصول يجوز أن يكون نعتا لعبادي، أو بدلا ~~منه، أو عطف بيان له، أو مقطوعا عنه في محل نصب على المدح، أو في محل رفع ~~بالابتداء وخبره (ادخلوا الجنة) على تقدير: يقال لهم ادخلوا الجنة. والأول ~~أولى، وبه قال الزجاج. قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد يا ~~عبادي لا خوف عليكم، فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم، فيقال الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين فينكس أهل الأوثان رؤوسهم غير المسلمين. قرأ ~~نافع وابن عامر وأبو عمرو يا عبادي بإثبات الياء ساكنة وصلا ووقفا، وقرأ ~~أبو بكر وزر بن حبيش بإثباتها وفتحها في الحالين، وقرأ الباقون بحذفها في ~~الحالين (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم) المراد بالأزواج نساؤهم المؤمنات، ~~وقيل قرناؤهم من المؤمنين، وقيل زوجاتهم من الحور العين (تحبرون) تكرمون، ~~وقيل تنعمون، وقيل تفرحون، وقيل تسرون، وقيل تعجبون، وقيل تلذذون هو ~~بالسماع، والأولى تفسير ذلك بالفرح والسرور الناشئين عن الكرامة والنعمة ~~(يطاف عليهم بصحاف من ذهب) الصحاف جمع صحفة: وهي القصعة الواسعة العريضة. ~~قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة، وهي تشبع عشرة، ثم الصحفة، وهي ~~تشبع خمسة، ثم المكيلة وهي تشبع الرجلين والثلاثة، والمعنى: # أن لهم في الجنة أطعمه يطاف عليهم بها في صحاف الذهب (و) لهم فيها أشربة ~~يطاف عليهم بها في أل (أكواب) وهي ms3575 جمع كوب. قال الجوهري: الكوب كوز لا عروة ~~له، والجمع أكواب. قال الأعشى: # صريفية طيب طعمها * لها زيد بين كوب ودن وقال آخر: متكئا تصفق أبوابه * ~~يسعى عليه العبد بالكوب قال قتادة: الكوب المدور القصير العنق القصير ~~العروة، والإبريق المستطيل العنق الطويل العروة. وقال الأخفش: الأكواب ~~الأباريق التي لا خراطيم لها. وقال قطرب: هي الأباريق التي ليست لها عرى ~~(وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) قرأ الجمهور " تشتهي " وقرأ نافع ~~وابن عامر وحفص " تشتهيه " بإثبات الضمير العائد على الموصول، والمعنى: ما ~~تشتهيه أنفس أهل الجنة من فنون الأطعمة والأشربة ونحوهما مما تطلبه النفس ~~وتهواه كائنا ما كان، وتلذ الأعين من كل المستلذات التي تستلذ بها وتطلب ~~مشاهدتها، تقول لذ الشئ يلذ لذاذا ولذاذة: إذا وجده لذيذا والتذ به، وفي ~~مصحف عبد الله بن مسعود " تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين " (وأنتم فيها ~~PageV04P563 # خالدون) لا تموتون ولا تخرجون منها (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون) أي يقال لهم يوم القيامة هذه المقالة: أي صارت إليكم كما يصير ~~الميراث إلى الوارث بما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة، واسم ~~الإشارة مبتدأ، والجنة صفته، والتي أورثتموها صفة للجنة، والخبر بما كنتم ~~تعملون، وقيل الخبر الموصول مع صلته، والأول أولى (لكم فيها فاكهة كثيرة) ~~الفاكهة معروفة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها: أي لهم في الجنة سوى ~~الطعام والشراب فاكهة كثيرة الأنواع والأصناف (منها تأكلون) من تبعيضية أو ~~ابتدائية، وقدم الجار لأجل الفاصلة. # وقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لقريش: " إنه ليس أحد يعبد من دون الله ~~فيه خير، قالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا وقد ~~عبدته النصارى؟ فإن كنت صادقا فإنه كآلهتهم، فأنزل الله (ولما ضرب ابن مريم ~~مثلا إذا قومك منه يصدون) قلت: وما يصدون؟ قال: يضجون (وإنه لعلم للساعة) ~~قال: خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة ". وأخرج سعيد بن منصور ms3576 وأحمد ~~وعبد بن حميد والترمذي وصححه، وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا ~~الجدال، ثم تلا هذه الآية (ما ضربوه لك إلا جدلا) ". # وقد ورد في ذم الجدال بالباطل أحاديث كثيرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس " أن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: أرأيت ~~ما نعبد من دون الله أين هم؟ قال: في النار، قالوا: والشمس والقمر؟ قال: # والشمس والقمر قالوا: فعيسى ابن مريم قال: قال الله (إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) " وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ~~ومسدد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق عنه في قوله (وإنه لعلم ~~للساعة) قال: خروج عيسى قبل يوم القيامة. وأخرجه الحاكم وابن مردويه عنه ~~مرفوعا. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن ~~معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا كان يوم القيامة ~~انقطعت الأرحام، وقلت الأنساب، وذهبت الأخوة إلا الأخوة في الله، وذلك قوله ~~(الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) ". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وحميد بن زنجويه في ترغيبه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين) قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران توفى أحد المؤمنين ~~فبشر بالجنة، فذكر خليله وقال: اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بطاعتك ~~وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر وينبئني أنى ملاقيك، اللهم لا ~~تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له: اذهب، ~~فلو تعلم ماله عندي لضحكت كثيرا ولبكيت قليلا، ثم يموت الآخر فيجمع بين ~~أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما ~~لصاحبه: نعم الأخ ms3577 ونعم الصاحب ونعم الخليل، وإذا مات أحد الكافرين بشر ~~بالنار، فيذكر خليله، فيقول: اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك ~~ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير وينبئني أني غير ملاقيك، ~~اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت علي، ~~فيموت الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، ~~فيقول كل منهما لصاحبه: بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس قال: الأكواب PageV04P564 # الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " مامن أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل ~~في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من ~~الجنة، وذلك قوله (وتلك الجنة التي أورثتموها) ". # قوله (إن المجرمين) أي أهل الإجرام الكفرية، كما يدل عليه إيرادهم في ~~مقابلة المؤمنين الذين لهم ما ذكر الله سبحانه قيل هذا (في عذاب جهنم ~~خالدون) لا ينقطع عنهم العذاب أبدا (لا يفتر عنهم) أي لا يخفف عنهم ذلك ~~العذاب، والجملة في محل نصب على الحال (وهم فيه مبلسون) أي آيسون من ~~النجاة، وقيل ساكتون سكوت يأس. وقد مضى تحقيق معناه في الأنعام (وما ~~ظلمناهم) أي ما عذبناهم بغير ذنب ولا بزيادة على ما يستحقونه (ولكن كانوا ~~هم الظالمين) لأنفسهم بما فعلوا من الذنوب. قرأ الجمهور " الظالمين " ~~بالنصب على أنه خبر كان، والضمير ضمير فصل. وقرأ أبو زيد النحوي " الظالمون ~~" بالرفع على أن الضمير مبتدأ وما بعده خبره، والجملة خبر كان (ونادوا يا ~~مالك) أي نادى المجرمون هذا النداء، ومالك هو خازن النار. قرأ الجمهور " يا ~~مالك " بدون ترخيم. # وقرأ علي وابن مسعود ويحيى بن وثاب والأعمش " يا مال " بالترخيم (ليقض‌ ~~علينا ربك) بالموت توسلوا بمالك إلى الله سبحانه ليسأله لهم أن يقضي عليهم ~~بالموت ليستريحوا من العذاب (قال إنكم ماكثون) أي مقيمون في العذاب، قيل ~~سكت عن إجابتهم ثمانين سنة، ثم أجابهم بهذا الجواب، وقيل ms3578 سكت عنهم ألف عام، ~~وقيل مائة سنة، وقيل أربعين سنة (لقد جئناكم بالحق) يحتمل أن يكون هذا من ~~كلام الله سبحانه، ويحتمل أن يكون من كلام PageV04P565 # مالك، والأول أظهر. والمعنى: إنا أرسلنا إليكم الرسل وأنزلنا عليهم الكتب ~~فدعوكم فلم تقبلوا ولم تصدقوا، وهو معنى قوله (ولكن أكثركم للحق كارهون) لا ~~يقبلونه، والمراد بالحق: كل ما أمر الله به على ألسن رسله وأنزله في كتبه. ~~وقيل هو خاص بالقرآن. قيل ومعنى أكثركم: كلكم. وقيل أراد الرؤساء والقادة، ~~ومن عداهم أتباع لهم (أم أبرموا أمرا فانا مبرمون) أم هي المنقطعة التي ~~بمعنى بل والهمزة: أي بل أبرموا أمرا. وفي ذلك انتقال من توجع أهل النار ~~إلى حكاية ما يقع من هؤلاء، والإبرام: الإتقان والإحكام، يقال أبرمت الشئ: ~~أحكمته وأتقنته، وأبرم الحبل: إذا أحكم فتله، والمعنى: بل أحكموا كيدا ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنا محكمون لهم كيدا قاله مجاهد وقتادة ~~وابن زيد، ومثل هذا قوله تعالى - أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون ~~- وقيل المعنى: أم قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم أمرنا بالعذاب قاله الكلبي ~~(أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) أي بل أيحسبون أنا لا نسمع ما يسرون ~~به في أنفسهم، أو ما يتحادثون به سرا في مكان خال وما يتناجون به فيما ~~بينهم (بلى) نسمع ذلك ونعمل به (ورسلنا لديهم يكتبون) أي الحفظة عندهم ~~يكتبون جميع ما يصدر عنهم من قول أو فعل، والجملة في محل نصب على الحال، أو ~~معطوفة على الجملة التي تدل عليها بلى. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يقول للكفار قولا يلزمهم به الحجة ويقطع ما يوردونه من ~~الشبهة فقال (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) أي إن كان له ولد في ~~قولكم وعلى زعمكم فأنا أول من عبد الله وحده، لأن من عبد الله وحده فقد دفع ~~أن يكون له ولد، كذا قال ابن قتيبة. وقال الحسن والسدي: إن المعنى ما كان ~~للرحمن ولد، ويكون ms3579 قوله (فأنا أول العابدين) ابتداء كلام، وقيل المعنى: قل ~~يا محمد إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، ~~ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه وأتم عبارة ~~وأحسن أسلوب، وهذا هو الظاهر من النظم القرآني، ومن هذا القبيل قوله تعالى ~~- إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين - ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره: ~~إن ثبت ما تقوله بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به، فتكون " إن " في " ~~إن كان " شرطية، ورجح هذا ابن جرير وغيره. وقيل معنى العابدين: الآنفين من ~~العبادة، وهو تكلف لا ملجئ إليه، ولكنه قرأ أبو عبد الرحمن اليماني " ~~العبدين " بغير ألف، يقال عبد يعبد عبدا بالتحريك: إذا أنف وغضب فهو عبد، ~~والاسم العبدة مثل الأنفة، ولعل الحامل لمن قرأ هذه القراءة الشاذة البعيدة ~~هو استبعاد معنى (فأنا أول العابدين) وليس بمستبعد ولا مستنكر. وقد حكى ~~الجوهري عن أبي عمرو في قوله (فأنا أول العابدين) أنه من الأنف والغضب. ~~وحكاه الماوردي عن الكسائي والقتيبي، وبه قال الفراء. وكذا قال ابن ~~الأعرابي: إن معنى العابدين الغضاب الآنفين. وقال أبو عبيدة: معناه ~~الجاحدين، وحكى عبدني حقي: أي جحدني، وقد أنشدوا على هذا المعنى الذي قالوه ~~قول الفرزدق: # أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم * وأعبد أن أهجوا كليبا بدارم وقوله أيضا: ~~أولاك أناس لو هجوني هجوتهم * وأعبد أن يهجي كليب بدارم ولا شك أن عبد ~~وأعبد بمعنى أنف أو غضب ثابت في لغة العرب وكفى بنقل هؤلاء الأئمة حجة، ~~ولكن جعل ما في القرآن من هذا من التكلف الذي لا ملجئ إليه ومن التعسف ~~الواضح. وقد رد ابن عرفة ما قالوه فقال: # إنما يقال عبد يعبد فهو عبد، وقل ما يقال عابد والقرآن لا يأتي بالقليل ~~من اللغة ولا الشاذ. قرأ الجمهور " ولد " بالإفراد، وقرأ أهل الكوفة إلا ~~عاصما " ولد " بضم الواو وسكون اللام (سبحان رب السماوات والأرض رب العرش ~~عما يصفون) أي تنزيها له وتقديسا عما يقولون من ms3580 الكذب بأن له ولدا ويفترون ~~عليه سبحانه مالا يليق بجنابه. PageV04P566 # وهذا إن كان من كلام الله سبحانه فقد نزه نفسه عما قالوه، وإن كان من ~~تمام كلام رسوله الذي أمره بأن يقوله فقد أمره بأن يضم إلى ما حكاه عنهم ~~بزعمهم الباطل تنزيه ربه وتقديسه (فذرهم يخوضوا ويلعبوا) أي اترك الكفار ~~حيث لم يهتدوا بما هديتهم به ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه يخوضوا في ~~أباطيلهم ويلهوا في دنياهم (حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) وهو يوم ~~القيامة، وقيل العذاب في الدنيا، قيل وهذا منسوخ بآية السيف، وقيل هو غير ~~منسوخ وإنما أخرج مخرج التهديد. قرأ الجمهور " يلاقوا " وقرأ مجاهد وابن ~~محيصن وحميد وابن السميفع " حتى يلقوا " بفتح الياء وإسكان اللام من غير ~~ألف، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله) الجار والمجرور في الموضعين متعلق بإله لأنه بمعنى معبود أو مستحق ~~للعبادة، والمعنى: وهو الذي معبود في السماء ومعبود في الأرض، أو مستحق ~~للعبادة في السماء والعبادة في الأرض. قال أبو علي الفارسي: # وإله في الموضعين مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي وهو الذي في السماء ~~هو إله وفي الأرض هو إله وحسن حذفه لطول الكلام، قال: والمعنى على الإخبار ~~بالاهيته، لا على الكون فيهما. قال قتادة: يعبد في السماء والأرض، وقيل في ~~بمعنى على: أي هو القادر على السماء والأرض كما في قوله - ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل - وقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود " وهو الذي ~~في السماء الله وفي الأرض الله " على تضمين العلم معنى المشتق فيتعلق به ~~الجار والمجرور من هذه الحيثية (وهو الحكيم العليم) أي البليغ الحكمة ~~الكثير العلم (وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما) تبارك تفاعل ~~من البركة وهي كثرة الخيرات، والمراد بما بينهما الهواء وما فيه من ~~الحيوانات (وعنده علم الساعة) أي علم الوقت الذي يكون قيامها فيه (وإليه ~~ترجعون) فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر، وفيه وعيد شديد. قرأ ms3581 الجمهور ~~" ترجعون بالفوقية، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتحتية (ولا يملك الذين ~~يدعون من دونه الشفاعة) أي لا يملك من يدعونه من دون الله من الأصنام ~~ونحوها الشفاعة عند الله كما يزعمون أنهم يشفعون لهم. قرأ الجمهور " يدعون ~~" بالتحتية، وقرأ السلمي وابن وثاب بالفوقية (إلا من شهد بالحق) اي التوحيد ~~(وهم يعلمون) أي هم على علم وبصيرة بما شهدوا به، والاستثناء يحتمل أن يكون ~~متصلا، والمعنى: إلا من شهد بالحق، وهم المسيح وعزير والملائكة، فإنهم ~~يملكون الشفاعة لمن يستحقها. وقيل هو منقطع، والمعنى: لكن من شهد بالحق ~~يشفع فيه هؤلاء. ويجوز أن يكون المستثنى منه محذوفا: # أي لا يملكون الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق. قال سعيد بن جبير ~~وغيره: معنى الآية: أنه لا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على ~~علم وبصيرة. وقال قتادة: لا يشفعون لعابديها، بل ويشفعون لمن شهد ~~بالوحدانية. وقيل مدار الاتصال في هذا الاستثناء على جعل الذين يدعون عاما ~~لكل ما يعبد من دون الله، ومدار الانقطاع على جعله خاصا بالأصنام (ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله) اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: # لئن سألت هؤلاء المشركين العابدين للأصنام من خلقهم أقروا واعترفوا بأن ~~خالقهم الله ولا يقدرون على الإنكار، ولا يستطيعون الجحود لظهور الأمر ~~وجلائه (فأنى يؤفكون) أي فكيف ينقلبون عن عبادة الله إلى عبادة غيره ~~وينصرفون عنها مع هذا الاعتراف، فإن المعترف بأن الله خالقه إذا عمد إلى ~~صنم أو حيوان وعبده مع الله أو عبده وحده فقد عبد بعض مخلوقات الله، وفي ~~هذا من الجهل مالا يقادر قدره، يقال أفكه يأفكه إفكا: إذا قلبه وصرفه عن ~~الشئ. وقيل المعنى: ولئن سألت المسيح وعزيرا والملائكة من خلقهم ليقولن ~~الله، فأنى يؤفك هؤلاء الكفار في اتخاذهم لها آلهة. وقيل المعنى: ولئن سألت ~~العابدين والمعبودين جميعا. قرأ الجمهور " وقيله " بالنصب عطفا PageV04P567 # على محل الساعة، كأنه قيل: إنه يعلم الساعة ويعلم قيله أو عطفا على سرهم ~~ونجواهم: أي يعلم سرهم ونجواهم ويعلم قيله، أو ms3582 عطفا على مفعول يكتبون ~~المحذوف: أي يكتبون ذلك ويكتبون قيله، أو عطفا على مفعول يعلمون المحذوف: ~~أي يعلمون ذلك ويعلمون قيله أو هو مصدر: أي قال قيله، أو منصوب بإضمار فعل: ~~أي الله يعلم قيل رسوله، أو هو معطوف على محل بالحق: أي شهد بالحق وبقيله، ~~أو منصوب على حذف حرف القسم. # ومن المجوزين للوجه الأول المبرد وابن الأنباري، ومن المجوزين للثاني ~~الفراء والأخفش، ومن المجوزين للنصب على المصدرية الفراء والأخفش أيضا. ~~وقرأ حمزة وعاصم " وقيله " بالجر عطفا على لفظ الساعة: أي وعنده علم الساعة ~~وعلم قيله، والقول والقال والقيل بمعنى واحد، أو على أن الواو للقسم. وقرأ ~~قتادة ومجاهد والحسن وأبو قلابة والأعرج وابن هرمز ومسلم بن جندب " وقيله " ~~بالرفع عطفا على علم الساعة: أي وعنده علم الساعة وعنده قيله، أو على ~~الابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، أو خبره محذوف تقديره وقيله كيت ~~وكيت، أو وقيله مسموع. قال أبو عبيد: يقال قلت قولا وقيلا وقالا، والضمير ~~في وقيله راجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال قتادة: هذا نبيكم ~~يشكو قومه إلى ربه، وقيل: الضمير عائد إلى المسيح، وعلى الوجهين فالمعنى: ~~أنه قال مناديا لربه (يا رب إن هؤلاء) الذين أرسلتني إليهم (قوم لا يؤمنون) ~~ثم لما نادى ربه بهذا أجابه بقوله (فاصفح عنهم) أي أعرض عن دعوتهم (وقل ~~سلام) أي أمري تسليم منكم ومتاركة لكم. قال عطاء: يريد مداراة حتى ينزل ~~حكمي، ومعناه المتاركة كقوله - سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين -. وقال ~~قتادة: أمره بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخا بالسيف، وقيل ~~هي محكمة لم تنسخ (فسوف تعلمون) فيه تهديد شديد، ووعيد عظيم من الله عز ~~وجل. قرأ الجمهور " يعلمون " بالتحتية، وقرأ نافع وابن عامر بالفوقية. قال ~~الفراء: # إن سلام مرفوع بإضمار عليكم. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث ~~والنشور عن ابن عباس في قوله (ونادوا يا مالك) قال: يمكث عنهم ألف سنة ثم ~~يجيبهم (إنكم ماكثون). وأخرج ابن جرير ms3583 عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ~~ثلاثة بين الكعبة وأستارها، قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد ~~منهم: ترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال واحد منهم: إذا جهرتم سمع، وإذا ~~أسررتم لم يسمع، فنزلت (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) الآية. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إن كان للرحمن ~~ولد) يقول: إن يكن للرحمن ولد (فأنا أول العابدين) قال: الشاهدين. وأخرج ~~ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله (أن كان للرحمن ولد) قال: هذا معروف من ~~كلام العرب إن كان هذا الأمر قط: أي ما كان. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه. ~~PageV04P568 # تفسير سورة الدخان هي تسع وخمسون، وقيل سبع وخمسون آية قال القرطبي: هي ~~مكية باتفاق إلا قوله (إنا كاشفوا العذاب). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~وعبد الله بن الزبير أن سورة الدخان نزلت بمكة. وأخرج الترمذي والبيهقي في ~~الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قرأ ~~حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك ". قال الترمذي بعد ~~إخراجه: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن أبي خثعم ضعيف. قال ~~البخاري: منكر الحديث. وأخرج الترمذي ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ حم الدخان ~~في ليلة جمعة أصبح مغفورا له ". قال الترمذي بعد إخراجه: غريب لا نعرفه إلا ~~من هذا الوجه وهشام ابن المقدام يضعف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة، كذا ~~قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد، ويشهد له ما أخرجه ابن الضريس ~~والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره، ~~وما أخرجه ابن الضريس عن الحسن مرفوعا بنحوه وهو مرسل، وما أخرجه الدارمي ~~ومحمد بن نصر عن أبي رافع قال: من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا ~~له وزوج من الحور العين. ms3584 وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ سورة حم الدخان في ليلة الجمعة أو يوم ~~الجمعة بنى الله له بها بيتا في الجنة ". PageV04P569 # قوله (حم والكتاب المبين) قد تقدم في السورتين المتقدمتين قبل هذه السورة ~~الكلام على هذا معنى وإعرابا، وقوله (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) جواب ~~القسم، وإن جعلت الجواب حم كانت هذه الجملة مستأنفة، وقد أنكر بعض النحويين ~~أن تكون هذه الجملة جوابا للقسم لأنها صفة للمقسم به ولا تكون صفة المقسم ~~به جوابا للقسم، وقال الجواب (إنا كنا منذرين) واختاره ابن عطية، وقيل إن ~~قوله (إنا كنا منذرين) جواب ثان، أو جملة مستأنفة مقررة للإنزال، وفي حكم ~~العلة له كأنه قال: إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار، والضمير في أنزلناه ~~راجع إلى الكتاب المبين وهو القرآن. وقيل المراد بالكتاب سائر الكتب ~~المنزلة، والضمير في أنزلناه راجع إلى القرآن على معنى أنه سبحانه أقسم ~~بسائر الكتب المنزلة أنه أنزل القرآن، والأول أولى. والليلة المباركة: ليلة ~~القدر كما في قوله - إنا أنزلناه في ليلة القدر - ولها أربعة أسماء: الليلة ~~المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة القدر. قال عكرمة: الليلة ~~المباركة هنا ليلة النصف من شعبان. وقال قتادة: أنزل القرآن كله في ليلة ~~القدر من أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم ~~أنزله الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الليالي والأيام في ~~ثلاث وعشرين سنة، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا في البقرة عند قوله - شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن - وقال مقاتل: كان ينزل من اللوح كل ليلة قدر ~~من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام، ووصف ~~الله سبحانه هذه الليلة بأنها مباركة لنزول القرآن فيها وهو مشتمل على ~~مصالح الدين والدنيا، ولكونها تتنزل فيها الملائكة والروح كما سيأتي في ~~سوره القدر، ومن جملة بركتها ما ذكره الله سبحانه هاهنا بقوله (فيها يفرق ms3585 ~~كل أمر حكيم) ومعنى يفرق: يفصل ويبين من قولهم: فرقت الشئ أفرقه فرقا، ~~والأمر الحكيم: # المحكم، وذلك أن الله سبحانه يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت ~~وبسط وقبض وخير وشر وغير ذلك، كذا قال مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم: وهذه ~~الجملة إما صفة أخرى لليلة وما بينهما اعتراض، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها. ~~قرأ الجمهور " يفرق " بضم الياء وفتح الراء مخففا، وقرأ الحسن والأعمش ~~والأعرج بفتح الياء وضم الراء ونصب كل أمر ورفع حكيم على أنه الفاعل. والحق ~~ما ذهب إليه الجمهور من إن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر لا ليلة ~~النصف من شعبان، لأن الله سبحانه أجملها هنا وبينها في سورة البقرة بقوله - ~~شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن - وبقوله في سورة القدر - إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر - فلم يبقى بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف ولا ما يقتضي ~~الاشتباه (أمرا من عندنا) قال الزجاج والفراء: انتصاب أمرا يفرق: أي يفرق ~~فرقا، لأن أمرا بمعنى فرقا. والمعنى: إنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح ~~المحفوظ، فهو على هذا منتصب على المصدرية مثل قولك يضرب ضربا. قال المبرد: ~~أمرا في موضع المصدر، والتقدير: أنزلناه إنزالا. وقال الأخفش: انتصابه على ~~الحال: # أي آمرين. وقيل هو منصوب على الاختصاص: أي أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من ~~عندنا، وفيه تفخيم لشأن القرآن وتعظيم له. وقد ذكر بعض أهل العلم في انتصاب ~~أمرا اثنى عشر وجها أظهرها ما ذكرناه. وقرأ زيد بن علي " أمر " بالرفع: أي ~~هو أمر (إنا كنا مرسلين) هذه الجملة إما بدل من قوله (كنا منذرين) أو جواب ~~ثالث للقسم أو مستأنفة. قال الرازي: المعنى إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا ~~كنا مرسلين للأنبياء (رحمة من ربك) انتصاب رحمة على العلة: أي أنزلناه ~~للرحمة، قاله الزجاج. وقال المبرد: إنها منتصبة على أنها مفعول لمرسلين: أي ~~إنا كنا مرسلين رحمة. وقيل هي مصدر في موضع الحال: أي راحمين، قاله الأخفش. ~~وقرأ الحسن " رحمة " بالرفع على تقدير هي رحمة ms3586 (إنه هو السميع) لمن دعاه ~~(العليم) بكل شئ. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على عظيم قدرته PageV04P570 # الباهرة فقال (رب السماوات والأرض وما بينهما) قرأ الجمهور " رب " بالرفع ~~عطفا على السميع العليم، أو على أنه مبتدأ وخبره لا إله إلا هو، أو على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف: أي هو رب، وقرأ الكوفيون " رب " بالجر على أنه بدل من ~~ربك، أو بيان له أو نعت (إن كنتم موقنين) بأنه رب السماوات والأرض وما ~~بينهما، وقد أقروا بذلك كما حكاه الله عنهم في غير موضع، وجملة (لا إله إلا ~~هو) مستأنفة مقررة لما قبلها، أو خبر رب السماوات كما مر، وكذلك جملة (يحيي ~~ويميت) فإنها مستأنفة مقررة لما قبلها (ربكم ورب آبائكم الأولين) قرأ ~~الجمهور بالرفع على الاستئناف بتقدير مبتدأ: أي هو ربكم، أو على أنه بدل من ~~رب السماوات، أو بيان أو نعت له، وقرأ الكسائي في رواية الشيرازي عنه وابن ~~ميحصن وابن أبي إسحاق وأبو حيوة والحسن بالجر، ووجه الجر ما ذكرناه في ~~قراءة من قرأ بالجر في رب السماوات (بل هم في شك يلعبون) أضرب عن كونهم ~~موقنين إلى كونهم في شك من التوحيد والبعث، وفي إقرارهم بأن الله خالقهم ~~وخالق سائر المخلوقات، وأن ذلك منهم على طريقة اللعب والهزو، ومحل يلعبون ~~الرفع على أنه خبر ثان أو النصب على الحال (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان ~~مبين) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، لأن كونهم في شك ولعب يقتضي ~~ذلك، والمعنى: فانتظر لهم يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين، وقيل ~~المعنى: احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين. # وقد اختلف في هذا الدخان المذكور في الآية متى يأتي؟ فقيل إنه من أشراط ~~الساعة، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما. وقد ثبت في الصحيح أنه من جملة ~~العشر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة، وقيل إنه أمر قد مضى، وهو ما أصاب ~~قريشا بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى كان الرجل يرى بين ms3587 السماء ~~والأرض دخانا، وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما: وذلك حين دعا عليهم النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا ~~العظام، وكان الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من ~~الجهد، وقيل إنه يوم فتح مكة، وسيأتي في آخر البحث بيان ما يدل على هذه ~~الأقوال. وقوله (يغشي الناس) صفة ثانية لدخان: أي يشملهم ويحيط بهم (هذا ~~عذاب أليم) أي يقولون هذا عذاب أليم، أو قائلين ذلك، أو يقول الله لهم ذلك ~~(ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) أي يقولون ذلك، وقد روي أنهم أتوا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ~~والمراد بالعذاب الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان أو يقولونه إذا ~~رأو الدخان الذي هو من آيات الساعة، أو إذا رأوه يوم فتح مكة على اختلاف ~~الأقوال. والراجح منها أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من ~~الجهد وشدة الجوع، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد إن الدخان من آيات الساعة، ~~فإن ذلك دخان آخر ولا ينافيه أيضا ما قيل إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه ~~دخان آخر على تقدير صحة وقوعه (أنى لهم الذكرى) أي كيف يتذكرون ويتعظون بما ~~نزل بهم " و " الحال أن (قد جاءهم رسول مبين) يبين لهم كل شئ يحتاجون إليه ~~من أمر الدين والدنيا (ثم تولوا عنه) أي أعرضوا عن ذلك الرسول الذي جاءهم ~~ولم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل جاوزوه (وقالوا معلم مجنون) أي قالوا: ~~إنما يعلمه القرآن بشر وقالوا إنه مجنون، فكيف يتذكر هؤلاء وأنى لهم ~~الذكرى. ثم لما دعوا الله بأن يكشف عنهم العذاب وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا ~~أجاب سبحانه عليهم بقوله (كاشفوا العذاب قليلا) أي إنا نكشفه عنهم كشفا ~~قليلا أو زمانا قليلا ثم أخبر الله سبحانه عنهم أنهم لا ينزجرون عما كانوا ~~عليه من الشرك، ولا يفون بما وعدوا به من الإيمان فقال (إنكم عائدون) أي ~~إلى ms3588 ما كنتم عليه من الشرك، وقد كان الأمر هكذا، فإن الله سبحانه لما كشف ~~عنهم ذلك PageV04P571 # العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعناد، وقيل المعنى: إنكم ~~عائدون إلينا بالبعث والنشور، والأول أولى (يوم نبطش البطشة الكبرى) الظرف ~~منصوب باضمار أذكر، وقيل هو بدل من يوم تأتي السماء، وقيل هو متعلق ~~بمنتقمون، وقيل بما دل عليه منتقمون وهو ننتقم. والبطشة الكبرى: هي يوم ~~بدر، قاله الأكثر. والمعنى: # أنهم لما عادوا إلى التكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم الله منهم ~~بوقعة بدر. وقال الحسن وعكرمة: # المراد بها عذاب النار، واختار هذا الزجاج، والأول أولى. قرأ الجمهور " ~~نبطش " بفتح النون وكسر الطاء: # أي نبطش بهم، وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء وهي لغة، وقرأ أبو رجاء ~~وطلحة بضم النون وكسر الطاء. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس (في ليلة مباركة) قال: أنزل القرآن في ~~ليلة القدر ونزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجوما ~~لجواب الناس. وأخرج محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله ~~(فيها يفرق كل أمر حكيم) قال: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في ~~السنة من رزق وموت، وحياة ومطر، حتى يكتب الحاج: يحج فلان، ويحج فلان. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر (فيها يفرق كل أمر حكيم) قال: أمر السنة إلى ~~السنة إلا الشقاء والسعادة، فإنه في كتاب الله لا يبدل ولا يغير. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب قال: إنك ~~لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى ثم قرأ (إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة) الآية، يعني ليلة القدر، قال: ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا ~~إلى مثلها من قابل من موت أو حياة أو رزق، كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة ~~إلى مثلها. وأخرج ابن زنجويه والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " تقطع الآجال ms3589 من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ~~ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى ". وأخرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير عن ~~عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس، وهذا مرسل ولا تقوم به حجة ولا تعارض ~~بمثله صرائح القرآن. وما روي في هذا فهو إما مرسل أو غير صحيح. وقد أورد ~~ذلك صاحب الدر المنثور، وأورد ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان، وذلك لا ~~يستلزم أنها المراد بقوله في ليلة مباركة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ~~ابن مسعود أن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأبطئوا عن الإسلام قال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابهم قحط ~~وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها ~~كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) ~~الآية، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقيل: يا رسول الله استسق الله ~~لمضر، فاستسقى لهم فسقوا، فأنزل الله (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ~~عائدون) فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله (يوم نبطش ~~البطشة الكبرى إنا منتقمون) فانتقم الله منهم يوم بدر، فقد مضى البطشة ~~والدخان واللزام. وقد روي عن ابن مسعود نحو هذا من غير وجه، وروي نحوه عن ~~جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم عن ابن أبي مليكة قال: # دخلت على ابن عباس فقال: لم أنم هذه الليلة، فقلت لم؟ قال: طلع الكوكب ~~فخشيت أن يطرق الدخان. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، وكذا صححه السيوطي ~~ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية. وقد عرفناك أنه لا منافاة بين كون هذه ~~الآية نازلة في الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع، وبين كون الدخان من ~~آيات الساعة وعلاماتها وأشراطها. فقد وردت أحاديث صحاح وحسان وضاف بذلك، ~~وليس فيها أنه سبب نزول PageV04P572 # الآية، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها، والواجب التمسك بما ثبت في ~~الصحيحين وغيرهما أن ms3590 دخان قريش عند الجهد والجوع هو سبب النزول، وبهذا تعرف ~~اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي هو من أشرط الساعة كأبن كثير في ~~تفسيره وغيره، وهكذا يندفع قول من قال إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة ~~متمسكا بما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة قال: كان يوم فتح مكة دخان وهو قول ~~الله (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) فإن هذا لا يعارض ما في الصحيحين ~~على تقدير صحة إسناده مع احتمال أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه ظن من وقوع ~~ذلك الدخان يوم الفتح أنه المراد بالآية، ولهذا لم يصرح بأنه سبب نزولها. ~~وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: قال ابن عباس قال ابن مسعود: البطشة الكبرى ~~يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح. وقال ~~ابن كثير قبل هذا: فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ~~ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضا عن ابن عباس من رواية ~~العوفي عنه وعن أبي بن كعب وجماعة وهو محتمل. والظاهر أن ذلك يوم القيامة ~~وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضا انتهى. # قلت: بل الظاهر أنه يوم بدر، وإن كان يوم القيامة يوم بطشة أكبر من كل ~~بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم أولى من تفسيره ~~بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل عاص من الإنس والجن. PageV04P573 # قوله (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) أي ابتليناهم، ومعنى الفتنة هنا أن ~~الله سبحانه أرسل إليهم رسله وأمروهم بما شرعه لهم فكذبوهم، أو وسع عليهم ~~الأرزاق فطغوا وبغوا. قال الزجاج: بلوناهم، والمعنى: عاملناهم معاملة ~~المختبر ببعث الرسل إليهم، وقرئ " فتنا " بالتشديد (وجاءهم رسول كريم) أي ~~كريم على الله كريم في قومه. # وقال مقاتل: حسن الخلق بالتجاوز والصفح. وقال الفراء: كريم على ربه إذ ~~اختصه بالنبوة (أن أدوا إلي عباد الله) أن هذه هي المفسرة لتقدم ما هو ~~بمعنى القول، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، والمعنى: أن ms3591 الشأن والحديث ~~أدوا إلي عباد الله، ويجوز أن تكون مصدرية: أي بأن أدوا، والمعنى: أنه طلب ~~منهم أن يسلموا إليه بني إسرائيل. قال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله ~~وأطلقوهم من العذاب، فعباد الله على هذا مفعول به. # وقيل المعنى: أدوا إلي عباد الله ما وجب عليكم من حقوق الله، فيكون ~~منصوبا على أنه منادي مضاف. وقيل أدوا إلي سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربكم ~~(إني لكم رسول أمين) هو تعليل لما تقدم: أي رسول من الله إليكم أمين على ~~الرسالة غير متهم (وأن لا تعلوا على الله) أي لا تتجبروا وتتكبروا عليه ~~بترفعكم عن طاعته ومتابعة رسله، وقيل لا تبغوا على الله، وقيل لا تفتروا ~~عليه، والأول أولى، وبه قال ابن جريج ويحيى بن سلام، وجملة (إني آتيكم ~~بسلطان مبين) تعليل لما قبله من النهي: أي بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها. ~~وقال قتادة: بعذر بين. # والأول أولى، وبه قال يحيى بن سلام. قرأ الجمهور بكسر همزة " إني " وقرئ ~~بالفتح بتقدير اللام (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون) استعاذ بالله سبحانه ~~لما توعدوه بالقتل، والمعنى: من أن ترجمون. قال قتادة: ترجموني بالحجارة، ~~وقيل تشتمون، وقيل تقتلون (وإن لم تؤمنوا إلي فاعتزلون) أي إن لم تصدقوني ~~وتقروا بنبوتي فاتركوني ولا تتعرضوا لي بأذى. قال مقاتل: دعوني كفافا لا ~~علي ولا لي، وقيل كونوا بمعزل عني وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا، ~~وقيل فخلوا سبيلي، والمعنى متقارب. ثم لما لم يصدقوه ولم يجيبوا دعوته، رجع ~~إلى ربه بالدعاء كما حكى الله عنه بقوله (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون) ~~قرأ الجمهور بفتح الهمزة على إضمار حرف الجر: أي دعاه بأن هؤلاء، وقرأ ~~الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر بكسرها على إضمار القول، وفي الكلام ~~حذف: أي فكفروا فدعا ربه، والمجرمون الكافرون، وسماه دعاء مع أنه لم يذكر ~~إلا مجرد كونهم مجرمين، لأنهم قد استحقوا بذلك الدعاء عليهم (فاسر بعبادي ~~ليلا) أجاب الله سبحانه دعاءه، فأمر أن يسري ببني إسرائيل ms3592 ليلا، يقال سرى ~~وأسر لغتان، قرأ الجمهور " فأسر " بالقطع، وقرأ أهل الحجاز بالوصل، ووافقهم ~~ابن كثير، فالقراءة الأولى من أسرى، والثانية من سرى، والجملة بتقدير ~~القول: أي فقال الله لموسى أسر بعبادي (إنكم متبعون) أي يتبعكم فرعون ~~وجنوده، وقد تقدم في غير موضع خروج فرعون بعدهم (واترك البحر رهوا) أي ~~ساكنا، يقال رها يرهو رهوا: إذا سكن لا يتحرك. قال الجوهري: يقال افعل ذلك ~~رهوا: # أي ساكنا على هيئتك، وعيش رآه: أي ساكن، ورها البحر سكن، وكذا قال الهروي ~~وغيره، وهو المعروف في اللغة، ومنه قول الشاعر: # والخيل تمرح رهوا في أعنتها * كالطير تنجو من الشرنوب ذي الوبر أي والخيل ~~تمرح في أعنتها ساكنة، والمعنى: اترك البحر ساكنا على صفته بعد أن ضربته ~~بعصاك ولا تأمره أن يرجع كما كان ليدخله آل فرعون بعدك وبعد بني إسرائيل ~~فينطبق عليهم فيغرقون. وقال أبو عبيدة: رها بين رجليه يرهوا رهوا: أي فتح. ~~قال، ومنه قوله (واترك البحر رهوا) والمعنى: اتركه منفرجا كما كان بعد ~~PageV04P574 # دخولكم فيه، وكذا قال أبو عبيد: وبه قال مجاهد وغيره. قال ابن عرفة: وهما ~~يرجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف لفظاهما، لأن البحر إذا سكن جريه انفرج. ~~قال الهروي: ويجوز أن يكون رهوا نعتا لموسى: أي سر ساكنا على هيئتك. وقال ~~كعب والحسن رهوا طريقا. وقال الضحاك: والربيع سهلا. وقال عكرمة: يبسا كقوله ~~- فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا - وعلى كل تقدير، فالمعنى التركة ذا رهو ~~أو اتركه رهوا على المبالغة في الوصف بالمصدر (إنهم جند مغرقون) أي إن ~~فرعون وقومه مغرقون. أخبر سبحانه موسى بذلك ليسكن قلبه ويطمئن جأشه. # قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف لقصد الإخبار بذلك، وقرئ بالفتح على ~~تقدير لأنهم (كم) هي الخبرية المفيدة للتكثير، وقد مضى الكلام في معنى ~~الآية في سورة الشعراء. قرأ الجمهور (ومقام) بفتح الميم على أنه اسم مكان ~~للقيام، وقرأ ابن هرمز وقتادة وابن السميفع، وروي عن نافع بضمها اسم مكان ~~الإقامة (ونعمة كانوا فيها فاكهين) النعمة بالفتح التنعم: ms3593 يقال نعمه الله ~~وناعمه فتنعم، وبالكسر المنة، وما أنعم به عليك، وفلان واسع النعمة: أي ~~واسع المال ذكر معنى هذا الجوهري. قرأ الجمهور " فاكهين " بالألف. وقرأ أبو ~~رجاء والحسن وأبو الأشهب والأعرج وأبو جعفر وشيبة " فكهين " بغير ألف، ~~والمعنى على القراءة الأولى: متنعمين طيبة أنفسهم وعلى القراء الثانية: ~~أشرين بطرين. قال الجوهري: فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس ~~مزاحا، والفكه أيضا: الأشر البطر. قال: وفاكهين: أي ناعمين. وقال الثعلبي: ~~هما لغتان كالحاذر والحذر والفاره والفره. وقيل إن الفاكهة: هو المستمتع ~~بأنواع اللذة كما يتمتع الرجل بأنواع الفاكهة (كذلك وأورثناها قوما آخرين) ~~الكاف في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف. قال الزجاج: أي الأمر كذلك، ~~ويجوز أن تكون في محل نصب، والإشارة إلى مصدر فعل يدل عليه تركوا: أي مثل ~~ذلك السلب سلبناهم إياها، وقيل مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وقيل مثل ذلك ~~الإهلاك أهلكناهم. فعلى الوجه الأول يكون قوله " وأورثناها " معطوفا على " ~~تركوا " وعلى الوجوه الآخرة يكون معطوفا على الفعل المقدر. والمراد بالقوم ~~الآخرين بنو إسرائيل، فإن الله سبحانه ملكهم أرض مصر بعد إن كانوا فيها ~~مستعبدين، فصاروا لها وارثين: أي أنها وصلت إليهم كما يصل الميراث إلى ~~الوارث، ومثل هذا قوله: - وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها - (فما بكت عليهم السماء والأرض) هذا بيان لعدم الاكتراث بهلاكهم. ~~قال المفسرون: أي إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم ~~به ولم يصعد لهم إلى السماء عمل طيب يبكى عليهم به، والمعنى: أنه لم يصب ~~بفقدهم وهلاكهم أحد من أهل السماء ولا من أهل السماء ولا من أهل الأرض، ~~وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض: أي عمت ~~مصيبته، ومن ذلك قول جرير: # لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع ومنه قول ~~النابغة: بكى حارث الحولان من فقد ربه * وحوران منه خاشع متضائل وقال ~~الحسن: في الكلام مضاف محذوف: أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من ms3594 ~~الملائكة والناس. وقال مجاهد: إن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين ~~صباحا، وقيل إنه يبكي على المؤمن مواضع صلاته ومصاعد عمله (وما كانوا ~~منظرين) أي ممهلين إلى وقت آخر بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم وشدة عنادهم ~~(ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين) أي خلصناهم بإهلاك عدوهم مما ~~كانوا فيه من الاستعباد، وقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفهم للأعمال ~~الشاقة، وقوله (من فرعون) بدل من العذاب إما على حذف مضاف: أي من ~~PageV04P575 # عذاب فرعون، وإما على المبالغة كأنه نفس العذاب فأبدل منه أو على أنه حال ~~من العذاب تقديره صادرا من فرعون، وقرأ ابن عباس " من فرعون " بفتح الميم ~~على الاستفهام التحقيري كما يقال لمن افتخر بحسبه أو نسبه: من أنت. ثم بين ~~سبحانه حاله فقال (إنه كان عاليا من المسرفين) أي عاليا في التكبر والتجبر ~~من المسرفين في الكفر بالله وارتكاب معاصيه كما في قوله " إن فرعون علا في ~~الأرض " ولما بين سبحانه كيفية دفعه للضر عن بني إسرائيل بين ما أكرمهم به ~~فقال (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) أي اختارهم الله على عالمي ~~زمانهم على علم منه باستحقاقهم لذلك، وليس المراد أنه اختارهم على جميع ~~العالمين بدليل قوله في هذه الأمة - كنتم خير أمة أخرجت للناس - وقيل على ~~كل العالمين لكثرة الأنبياء فيهم، ومحل على علم النصب على الحال من فاعل ~~اخترناهم: # أي حال كون اختيارنا لهم على علم منا، وعلى العالمين متعلق باخترناهم ~~(وآتيناهم من الآيات) أي معجزات موسى (ما فيه بلاء مبين) أي اختبار ظاهر ~~وامتحان واضح لننظر كيف يعملون. وقال قتادة: الآيات إنجاؤهم من الغرق، وفلق ~~البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى لهم. وقال ابن زيد: ~~الآيات هي الشر الذي كفهم عنه، والخير الذي أمرهم به. وقال الحسن وقتادة: ~~البلاء المبين: النعمة الظاهرة كما في قوله - وليبلي المؤمنين منه بلاء ~~حسنا - ومنه قول زهير * فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو * والإشارة بقوله ~~(إن هؤلاء) إلى كفار قريش، لأن الكلام فيهم، وقصة فرعون مسوقة للدلالة ms3595 على ~~استوائهم في الإصرار على الكفر (ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى) أي ما هي ~~إلا موتتنا الأولى التي نموتها في الدنيا ولا حياة بعدها ولا بعث، وهو معنى ~~قوله (وما نحن بمنشرين) أي بمبعوثين، وليس في الكلام قصد إلى إثبات موتة ~~أخرى، بل المراد ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة ~~الدنيوية، قال الرازي: المعنى: أنه لا يأتينا من الأحوال الشديدة إلا ~~الموتة الأولى، ثم أوردوا على من وعدهم بالبعث ما ظنوه دليلا، وهو حجة ~~داحضة، فقالوا (فأتوا بآبائنا) أي ارجعوهم بعد موتهم إلى الدنيا (إن كنتم ~~صادقين) فيما تقولونه وتختبرونا به من البعث. ثم رد الله سبحانه عليهم ~~بقوله (أهم خير أم قوم تبع) أي أهم خير في القوة والمنعة: أم قوم تبع ~~الحميري الذي دار في الدنيا بجيوشه وغلب أهلها وقهرهم، وفيه وعيد شديد. ~~وقيل المراد بقوم تبع جميع أتباعه لا واحد بعينه. وقال الفراء: الخطاب في ~~قوله (فأتوا بآبائنا) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده كقوله - رب ~~ارجعون - والأولى أنه خطاب له ولأتباعه من المسلمين (و) المراد ب (الذين من ~~قبلهم) عاد وثمود ونحوهم، وقوله (أهلكناهم) جملة مستأنفة لبيان حالهم ~~وعاقبة أمرهم، وجملة (إنهم كانوا مجرمين) تعليل لإهلاكهم، والمعنى: أن الله ~~سبحانه قد أهلك هؤلاء بسبب كونهم مجرمين، فإهلاكه لمن هو دونهم بسبب كونه ~~مجرما مع ضعفه وقصور قدرته بالأولى. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ولقد فتنا) قال: ابتلينا ~~(قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم) قال: هو موسى (أن أدوا إلي عباد الله) ~~أرسلوا معي بني إسرائيل (وأن لا تعلوا على الله) قال: لا تعثوا (إني آتيكم ~~بسلطان مبين) قال: بعذر مبين (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون) قال: ~~بالحجارة (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون) أي خلوا سبيلي. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله (أن أدوا إلي عباد الله) قال: يقول ~~اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق، وفي قوله (وأن لا ms3596 تعلوا على الله) ~~قال: لا تفتروا وفي قوله (أن ترجمون) قال: تشتمون. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (رهوا) قال: سمتا. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا (رهوا) قال: كهيئته وامضه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~PageV04P576 # عنه أيضا أنه سأل كعبا عن قوله (واترك البحر رهوا) قال: طريقا. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس أيضا قال: # الرهو أن يترك كما كان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ومقام ~~كريم) قال: المنابر. وأخرج ابن مردويه عن جابر مثله. وأخرج الترمذي وابن ~~أبي الدنيا وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ~~والخطيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مامن عبد إلا ~~بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه، ~~وتلا هذه الآية (فما بكت عليهم السماء والأرض) وذكر أنهم لم يكونوا يعملون ~~على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من ~~عملهم كلام صالح فتفقدهم فتبكي عليهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر والبيهقي في الشعب نحوه من قول ابن عباس. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: ~~يقال الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحا. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير ~~عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، ألا لا غربة على مؤمن ما مات ~~مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض، ثم قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فما بكت عليهم السماء والأرض) ثم قال: # إنهما لا يبكيان على كافر ". وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن أبي ~~الدنيا وابن المنذر من طريق المسيب بن رافع عن علي بن أبي طالب قال: إن ~~المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، ثم تلا ~~الآية. ms3597 وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: إن الأرض لتبكي على ابن آدم أربعين ~~صباحا ثم قرأ الآية. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم ". وأخرجه أحمد والطبراني ~~وابن ماجة وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فذكر مثله، وروي نحو هذا عن غيرهما من الصحابة والتابعين. ~~PageV04P577 # قوله (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما) أي بين جنسي السماء والأرض ~~(لاعبين) أي لغير غرض صحيح. قال مقاتل: لم نخلقهما عابثين لغير شئ. وقال ~~الكلبي: لاهين، وقيل غافلين. قرأ الجمهور (وما بينهما) وقرأ عمرو بن عبيد " ~~وما بينهن " لأن السماوات والأرض جمع، وانتصاب لاعبين على الحال (ما ~~خلقناهما) أي وما بينهما (إلا بالحق) أي إلا بالأمر الحق، والاستثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال. وقال الكلبي: إلا للحق، وكذا قال الحسن، وقيل إلا لإقامة ~~الحق وإظهاره (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن الأمر كذلك وهم المشركون (إن يوم ~~الفصل ميقاتهم أجمعين) أي إن يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق عن الباطل ~~ميقاتهم: أي الوقت المجعول لتمييز المحسن من المسئ والمحق من المبطل، ~~أجمعين لا يخرج عنهم أحد من ذلك. وقد اتفق القراء على رفع ميقاتهم على أنه ~~خبر إن واسمها يوم الفصل. وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه اسمها ويوم ~~الفصل خبرها. ثم وصف سبحانه ذلك اليوم فقال (يوم لا يغني مولى عن مولى ~~شيئا) يوم بدل من يوم الفصل، أو منتصب بفعل مضمر يدل عليه الفصل: # أي يفصل بينهم يوم لا يغنى، ولا يجوز أن يكون معمولا للفصل لأنه قد وقع ~~الفصل بينهما بأجنبي، والمعنى: أنه لا ينفع في ذلك اليوم قريب قريبا، ولا ~~يدفع عنه شيئا، ويطلق المولى على الولي، وهو القريب والناصر (ولا هم ~~ينصرون) الضمير راجع إلى المولى باعتبار المعنى، لأنه نكرة في سياق النفي ~~وهي من صيغ العموم: ms3598 أي ولا هم يمنعون من عذابه الله (إلا من رحم الله) قال ~~الكسائي: الاستثناء منقطع: أي لكن من رحم الله، وكذا قال الفراء. وقيل هو ~~متصل، والمعنى: لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنهم يؤذن لهم في ~~الشفاعة فيشفعون، ويجوز أن يكون مرفوعا على البدل من مولى الأول، أو من ~~الضمير في ينصرون (إنه هو العزيز الرحيم) أي الغالب الذي لا ينصر من أراد ~~عذابه الرحيم لعباده المؤمنين. ثم لما وصف اليوم ذكر بعده وعيد الكفار، ~~فقال (إن شجرت الزقوم طعام الأثيم) شجرة الزقوم هي الشجرة التي خلقها الله ~~في جهنم وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها فأكلوا ~~منها، وقد مضى الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات، والأثيم الكثير ~~الإثم. # قال في الصحاح: أثم الرجل بالكسر إثما ومأثما: إذا وقع في الإثم فهو آثم ~~وأثيم وأثوم، فمعنى طعام الأثيم: ذي الإثم (كالمهل) وهو دردي الزيت وعكر ~~القطران. وقيل هو النحاس المذاب. وقيل كل ما يذوب في النار (تغلى في البطون ~~كغلي الحميم) قرأ الجمهور تغلى بالفوقية على أن الفاعل ضمير يعود إلى ~~الشجرة، والجملة خبر ثان أو حال، أو خبر مبتدأ محذوف: أي تغلى غليا مثل غلي ~~الحميم، وهو الماء الشديد الحرارة. وقرأ ابن كثير وحفص وابن محيصن وورش عن ~~يعقوب " يغلى " بالتحتية على أن الفاعل ضمير يعود إلى الطعام، وهو في معنى ~~الشجرة، ولا يصح أن يكون الضمير عائدا إلى المهل لأنه مشبه به، وإنما يغلى ~~ما يشبه بالمهل، وقوله (كغلي الحميم) صفة مصدر محذوف: أي غليا كغلي الحميم ~~(خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم) أي يقال للملائكة الذين هم خزنة النار ~~خذوه: أي الأثيم فاعتلوه، العتل: القود بالعنف، يقال عتله يعتله، إذا جره ~~وذهب به إلى مكروه، وقيل العتل: أن يأخذ بتلابيب الرجل ومجامعه فيجره، ومنه ~~قول الشاعر يصف فرسا: PageV04P578 # * نقرعه قرعا ولسنا نعتله * ومنه قول الفرزدق يهجو جريرا: * حتى ترد إلى ~~عطية تعتل * قرأ الجمهور " فاعتلوه " بكسر التاء. وقرأ نافع وابن كثير وابن ms3599 ~~عامر بضمها، وهما لغتان (إلى سواء الجحيم) أي إلى وسطه، كقوله " فرآه في ~~سواء الجحيم " (ثم صبوا فوق رأسه عذاب الحميم) من هي التبعيضية: أي صبوا ~~فوق رأسه بعض هذا النوع، وإضافة العذاب إلى الحميم للبيان: أي عذاب هو ~~الحميم، وهو الماء الشديد الحرارة كما تقدم (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي ~~وقولوا له تهكما وتقريعا وتوبيخا: ذق إنك أنت العزيز الكريم. وقيل إن أبا ~~جهل كان يزعم أنه أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقولون له: ذق العذاب أيها ~~المتعزز المتكرم في زعمك وفيما كنت تقوله. قرأ الجمهور " إنك " بكسر ~~الهمزة، وقرأ الكسائي وروي ذلك عن علي بفتحها أي لأنك. قال الفراء: أي بهذا ~~القول الذي قلته في الدنيا، والإشارة بقوله (إن هذا) إلى العذاب (ما كنتم ~~به تمترون) أي تشكون فيه حين كنتم في الدنيا، والجمع باعتبار جنس الأثيم. ~~ثم ذكر سبحانه مستقر المتقين فقال (إن المتقين في مقام أمين) أي الذين ~~اتقوا الكفر والمعاصي. قرأ الجمهور " مقام " بفتح الميم، وقرأ نافع وابن ~~عامر بضمها. فعلى القراءة الأولى هو موضع القيام، وعلى القراءة الثانية هو ~~موضع الإقامة قال الكسائي وغيره. وقال الجوهري: قد يكون كل واحد منهما ~~بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام. ثم وصف المقام بأنه أمين يأمن ~~صاحبه من جميع المخاوف (في جنات وعيون) بدل من مقام أمين، أو بيان له، أو ~~خبر ثان (يلبسون من سندس وإستبرق) خبر ثان أو ثالث أو حال من الضمير ~~المستكن في الجار والمجرور، والسندس مارق من الديباج، والإستبرق ما غلظ ~~منه، وقد تقدم بيانه في سورة الكهف، وانتصاب (متقابلين) على الحال من فاعل ~~يلبسون: أي متقابلين في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض، والكاف في قوله (كذلك) ~~إما نعت مصدر محذوف: # أي نفعل بالمتقين فعلا كذلك. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أي ~~الأمر كذلك (وزوجناهم بحور عين) أي أكرمناهم بأن زوجناهم بحور عين، والحور ~~جمع حوراء: وهي البيضاء، والعين جمع عيناء: وهي الواسعة العينين. # وقال مجاهد: إنما سميت الحوراء ms3600 حوراء، لأنه يحار الطرف في حسنها، وقيل هو ~~من حور العين: وهو شدة بياض العين في شدة سوادها كذا قال أبو عبيدة. وقال ~~الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين. قال أبو عمرو: # الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، قال: وليس في بني آدم ~~حور، وإنما قيل للنساء حور، لأنهن شبهن بالظباء والبقر. قيل والمراد بقوله ~~(زوجناهم) قرناهم وليس من عقد التزويج، لأنه لا يقال زوجته بامرأة. وقال ~~أبو عبيدة: وجعلناهم أزواجا لهن كما يزوج البعل بالبعل: أي جعلناهم اثنين ~~اثنين، وكذا قال الأخفش (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين) أي يأمرون بإحضار ما ~~يشتهون من الفواكه حال كونهم آمنين من التختم والأسقام والآلام. قال قتادة: ~~آمنين من الموت والوصب والشيطان، وقيل من انقطاع ما هم فيه من النعيم (لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي لا يموتون فيها أبدا إلا الموتة ~~التي ذاقوها في الدنيا، والاستثناء منقطع: # أي لكن الموتة التي قد ذاقوها في الدنيا كذا قال الزجاج والفراء وغيرهما، ~~ومثل هذه الآية قوله - ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد سلف - ~~وقيل إن إلا بمعنى بعد، كقولك: ما كلمت رجلا اليوم إلا رجلا عندك: أي بعد ~~رجل عندك، وقيل هي بمعنى سوى: أي سوى الموتة الأولى. وقال ابن قتيبة: إنما ~~استثنى الموتة الأولى وهي الدنيا، لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله ~~وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، ~~وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم ~~PageV04P579 # بأسبابها ومشاهدتهم إياها، فيكون الاستثناء على هذا متصلا. واختار ابن ~~جرير أن إلا بمعنى بعد، واختار كونها بمعنى سوى ابن عطية (ووقاهم عذاب ~~الجحيم). قرأ الجمهور " وقاهم " بالتخفيف، وقرأ أبو حيوة بالتشديد على ~~المبالغة (فضلا من ربك) أي لأجل الفضل منه، أو أعطاهم ذلك عطاء فضلا منه ~~(ذلك هو الفوز العظيم) أي ذلك الذي تقدم ذكره هو الفوز الذي لا فوز بعده ~~المتناهي في العظم. ثم ms3601 لما بين سبحانه الدلائل وذكر الوعد والوعيد، قال ~~(فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) أي إنما أنزلنا القرآن بلغتك كي يفهمه ~~قومك، فيتذكروا ويعتبروا ويعملوا بما فيه، أو سهلناه بلغتك عليك وعلى من ~~يقرؤه لعلهم يتذكرون (فارتقب إنهم مرتقبون) أي فانتظر ما وعدناك من النصر ~~عليهم وإهلاكهم على يدك فإنهم منتظرون ما ينزل بك من موت أو غيره، وقيل ~~انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، فإنهم منتظرون بك نوائب الدهر، والمعنى ~~متقارب. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ~~يقول: لست بعزيز ولا كريم. وأخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: " لقى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول ~~لك - أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى - قال: فنزع يده من يده وقال: ما ~~تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شئ، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء، وأنا العزيز ~~الكريم، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل: ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (شجرت الزقوم طعام الأثيم) ~~قال: المهل. وأخرج عنه أيضا (ذق إنك أنت العزيز الكريم) قال: هو أبو جهل بن ~~هشام. # بحمد الله تعالى تم طبع الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس وأوله: تفسير ~~سورة الجاثية PageV04P580 # فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير تأليف محمد ~~بن علي بن محمد الشوكاني وفاته بصنعاء 1250 ه‍. # الجزء الخامس عالم الكتب PageV05P001 # تفسير سورة الجاثية هي سبع وثلاثون آية وقبل ست وثلاثون وهي مكية كلها في ~~قول الحسن وجابر وعكرمة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها ~~نزلت بمكة، وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إلا آية منها، وهي قوله ~~(للذين آمنوا) إلى (أيام الله) فإنها نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب كما ~~سيأتي. PageV05P003 # قوله (حم) قد تقدم الكلام في هذه الفاتحة وفي إعرابها في فاتحة سورة غافر ~~وما بعدها، فإن جعل اسما للسورة ms3602 فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو ~~مبتدأ، وإن جعل حروفا مسرودة على نمط التعديد فلا محل له، وقوله (تنزيل ~~الكتاب) على الوجه الأول خبر ثان، وعلى الوجه الثاني خبر المبتدأ، وعلى ~~الوجه الثالث خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره (من الله العزيز الحكيم) ثم ~~أخبر سبحانه بما يدل على قدرته الباهرة فقال (إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين) أي فيها نفسها فإنها من فنون الآيات أو في خلقها. قال الزجاج: ~~ويدل على أن المعنى في خلق السماوات والأرض قوله (وفي خلقكم) أي في خلقكم ~~أنفسكم على أطوار مختلفة. قال مقاتل: من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير ~~إنسانا (وما يبث من دابة آيات) أي وفي خلق ما يبث من دابة، وارتفاع آيات ~~على أنها مبتدأ مؤخر وخبره الظرف قبله، وبالرفع قرأ الجمهور، وقرأ حمزة ~~والكسائي " آيات " بالنصب عطفا على اسم إن، والخبر قوله (وفي خلقكم) كأنه ~~قيل: وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات، أو على أنها تأكيد لآيات الأولى. ~~وقرأ الجمهور أيضا (آيات لقوم يعقلون) بالرفع وقرأ حمزة والكسائي بنصبها مع ~~اتفاقهم على الجر في اختلاف، أما جر اختلاف فهو على تقدير حرف الجر: أي (و) ~~في (اختلاف الليل والنهار) آيات، فمن رفع آيات فعلى أنها مبتدأ، وخبرها: في ~~اختلاف، وأما النصب فهو من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين. قال ~~الفراء: الرفع على الاستئناف بعد إن، تقول العرب: إن لي عليك مالا وعلى ~~أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه وللنحاة في هذا الموضع كلام طويل. والبحث ~~في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين وحجج المجوزين له وجوابات ~~المانعين له مقرر في علم النحو مبسوط في مطولاته. ومعنى (ما يبث من دابة) ~~ما يفرقه وينشره (واختلاف الليل والنهار) تعاقبهما أو تفاوتهما في الطول ~~والقصر، وقوله (وما أنزل الله من السماء من رزق) معطوف على اختلاف، والرزق ~~المطر، لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به، وإحياء الأرض: إخراج نباتها، ~~و (موتها) خلوها عن النبات (و) معنى ms3603 (تصريف الرياح) أنها تهب تارة من جهة، ~~وتارة من أخرى، وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة، وتارة نافعة وتارة ضارة ~~(تلك آيات الله نتلوها عليك) أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه، ~~ومحل: نتلوها عليك النصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر ~~اسم الإشارة، وآيات الله بيان له أو بدل منه، وقوله (بالحق) حال من فاعل ~~نتلو، أو من مفعوله: أي محقين، أو ملتبسة PageV05P004 # بالحق، ويجوز أن تكون الباء للسببية، فتتعلق بنفس الفعل (فبأي حديث بعد ~~الله وآياته يؤمنون) اي بعد حديث الله وبعد آياته، وقيل إن المقصود: فبأي ~~حديث بعد آيات الله وذكر الاسم الشريف ليس إلا لقصد تعظيم الآيات فيكون من ~~باب: أعجبني زيد وكرمه. وقيل المراد بعد حديث الله، وهو القرآن كما في قوله ~~- الله نزل أحسن الحديث - وهو المراد بالآيات، والعطف لمجرد التغاير ~~العنواني. قرأ الجمهور " تؤمنون " بالفوقية، وقرأ حمزة والكسائي بالتحية. ~~والمعنى: يؤمنون بأي حديث، وإنما قدم عليه لأن الاستفهام له صدر الكلام ~~(ويل لكل أفاك أثيم) أي لكل كذاب كثير الإثم مرتكب لما يوجبه، والويل واد ~~في جهنم. ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى فقال (يسمع آيات الله تتلى عليه) ~~وقيل إن يسمع في محل نصب على الحال، وقيل استئناف، والأول أولى، وقوله ~~(تتلى عليه) في محل نصب على الحال (ثم يصر) على كفره ويقيم على ما كان عليه ~~حال كونه (مستكبرا) أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد للحق، ~~والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها صارا ~~أذنيه. قال مقاتل: إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتخذها هزوا، وجملة (كأن لم ~~يسمعها) في محل نصب على الحال أو مستأنفة، وإن هي المخففة من الثقيلة، ~~واسمها ضمير شأن محذوف (فبشره بعذاب أليم) هذا من باب التهكم: أي فبشره على ~~إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم (وإذا علم من ~~آياتنا شيئا) قرأ الجمهور: علم بفتح العين وكسر اللام مخففة على ms3604 البناء ~~للفاعل. وقرأ قتادة ومطر الوراق على البناء للمفعول. والمعنى: أنه إذا وصل ~~إليه علم شئ من آيات الله (اتخذها) أي الآيات (هزوا) وقيل الضمير في اتخذها ~~عائد إلى شيئا، لأنه عبارة عن الآيات، والأول أولى. والإشارة بقوله (أولئك) ~~إلى كل أفاك متصف بتلك الصفات (لهم عذاب مهين) بسبب ما فعلوا من الإصرار ~~والاستكبار عن سماع آيات الله واتخاذها هزوا، والعذاب المهين هو المشتمل ~~على الإذلال والفضيحة (من ورائهم جهنم) أي من وراء ما هم فيه من التعزز ~~بالدنيا والتكبر عن الحق جهنم، فإنها من قدامهم لأنهم متوجهون إليها، وعبر ~~بالوراء عن القدام، كقوله (من ورائه جهنم) وقول الشاعر: أليس ورائي إن ~~تراخت منيتي * وقيل جعلها باعتبار إعراضهم عنها كأنها خلفهم (ولا يغني عنهم ~~ما كسبوا شيئا) أي لا يدفع عنهم ما كسبوا من أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب ~~الله، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع (ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء) ~~معطوف على ما كسبوا: أي ولا يغني عنهم ما اتخذوا من دون الله أولياء من ~~الأصنام، و " ما " في الموضعين إما مصدرية أو موصولة، وزيادة لا في الجملة ~~الثانية للتأكيد (ولهم عذاب عظيم) في جهنم التي هي من ورائهم (هذا هدى) ~~جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر يعني هذا القرآن هدى للمهتدين به (والذين كفروا ~~بآيات ربهم) القرآنية (لهم عذاب من رجز أليم) الرجز أشد العذاب. قرأ ~~الجمهور " أليم " بالجر صفة للرجز. وقرأ ابن كثير وحفص وابن محيصن بالرفع ~~صفة لعذاب (الله الذي سخر لكم البحر) أي جعله على صفة تتمكنون بها من ~~الركوب عليه (لتجري الفلك فيه بأمره) أي بإذنه وإقداره لكم (ولتبتغوا من ~~فضله) بالتجارة تارة، والغوص للدر، والمعالجة للصيد وغير ذلك (ولعلكم ~~تشكرون) أي لكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر (وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) أي سخر لعباده جميع ما خلقه في ~~سماواته وأرضه مما تتعلق به مصالحهم وتقوم به معايشهم، ومما سخره لهم من ~~مخلوقات ms3605 السماوات: الشمس والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح، ~~وانتصاب جميعا على الحال من ما في السماوات وما في الأرض أو تأكيد له، ~~وقوله: منه يجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لجميعا: أي كائنة منه، ويجوز أن ~~يتعلق بسخر، ويجوز أن يكون حالا من ما في السماوات، أو خبرا لمبتدأ محذوف. ~~والمعنى: أن كل ذلك رحمة منه PageV05P005 # لعباده (إن في ذلك) المذكور من التسخير (لآيات لقوم يتفكرون) وخص ~~المتفكرين لأنه لا ينتفع بها إلا من تفكر فيها، فإنه ينتقل من التفكر إلى ~~الاستدلال بها على التوحيد (قل للذين آمنوا يغفروا) أي قل لهم اغفروا ~~يغفروا (للذين لا يرجون أيام الله) وقيل هو على حذف اللام، والتقدير: قل ~~لهم ليغفروا. والمعنى: قل لهم يتجاوزوا عن الذين لا يرجون وقائع الله ~~بأعدائه: أي لا يتوقعانها، ومعنى الرجاء هنا الخوف، وقيل هو على معناه ~~الحقيقي. والمعنى: لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقتها الله لثواب ~~المؤمنين، والأول أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدم في تفسير ~~قوله - وذكرهم بأيام الله - قال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الله للأمم ~~الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يخافون عقابه. وقيل المعنى: لا يأملون ~~نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه، وقيل لا يخافون البعث. وقيل والآية ~~منسوخة بآية السيف (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون) قرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي " لنجزي " بالنون: أي لنجزي نحن. وقرأ باقي السبعة بالتحتية مبنيا ~~للفاعل: أي ليجزي الله. وقرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم بالتحتية مبنيا للمفعول ~~مع نصب قوما، فقيل النائب عن الفاعل مصدر الفعل أي ليجزي الجزاء قوما، وقيل ~~إن النائب الجار والمجرور كما في قوله الشاعر: # ولو ولدت فقيرة جر وكلب * لسب بذلك الجرو الكلابا وقد أجاز ذلك الأخفش ~~والكوفيون، ومنعه البصريون، والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة، والمراد بالقوم ~~المؤمنون، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا من ~~الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار والإغضاء عنهم بكظم ~~الغيظ واحتمال المكروه. وقيل المعنى: ليجزي الكفار بما ms3606 عملوا من السيئات ~~كأنه قال: لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن، والأول أولى. ثم ذكر المؤمنين ~~وأعمالهم والمشركين وأعمالهم فقال (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) ~~والمعنى: أن عمل كل طائفة من إحسان أو إساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره ~~وفيه ترغيب وتهديد (ثم إلى ربكم ترجعون) فيجازي كلا بعمله إن كان خيرا ~~فخير، وإن كان شرا فشر. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في ~~العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله (جميعا منه) قال: منه النور ~~والشمس والقمر. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: كل شئ هو من الله. وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن طاووس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم خلق ~~الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب، قال: فمم خلق هؤلاء؟ ~~قال: لا أدري. ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير، فسأله فقال مثل قول عبد ~~الله بن عمرو، فأتى ابن عباس فسأله مم خلق الخلق؟ فقال: من الماء والنور ~~والظلمة والريح والتراب، قال فمم خلق هؤلاء؟ فقرأ ابن عباس (وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه) فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل ~~من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (قل للذين آمنوا يغفروا) الآية قال: كان ~~نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا ~~يستهزئون به ويكذبونه، فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة، فكان هذا من ~~المنسوخ PageV05P006 # قوله (ولقد آتينا موسى الكتاب والحكم والنبوة) المراد بالكتاب التوراة ~~وبالحكم الفهم والفقه الذي يكون بهما الحكم بين الناس وفصل خصوماتهم، ~~وبالنبوة من بعثه الله من الأنبياء فيهم (ورزقناهم من الطيبات) أي ~~المستلذات التي أحلها الله لهم، ومن ذلك المن والسلوى (وفضلناهم على ~~العالمين) من أهل زمانهم حيث آتيناهم ms3607 ما لم نؤت من عداهم من فلق البحر ~~ونحوه، وقد تقدم بيان هذا في سورة الدخان (وآتيناهم بينات من الأمر) أي ~~شرائع واضحات في الحلال والحرام، أو معجزات ظاهرات، وقيل العلم بمبعث النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وشواهد نبوته، وتعيين مهاجره (فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم) أي فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجئ ~~العلم إليهم بيانه وإيضاح معناه، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبا لثبوته، ~~وقيل المراد بالعلم يوشع بن نون، فإنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم، وقيل نبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فاختلفوا فيها حسدا وبغيا، وقيل (بغيا) من ~~بعضهم على بعض بطلب الرئاسة (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون) من أمر الدين، فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته (ثم جعلناك ~~على شريعة من الأمر) الشريعة في اللغة المذهب. والملة والمنهاج ويقال: ~~لمشرعة إلا الماء وهي مورد شاربيه شريعة، ومنه الشارع لأنه طريق إلى ~~المقصد، فالمراد بالشريعة هنا ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع شرائع: ~~أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق (فاتبعها) ~~فاعمل بأحكامها في أمتك (ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) توحيد الله ~~وشرائعه PageV05P007 # لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) أي ~~لا يدفعون عنك شيئا مما أراده الله بك إن اتبعت أهوائهم (وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض) أي أنصار ينصر بعضهم بعضا قال ابن زيد: إن المنافقين ~~أولياء اليهود (والله ولي المتقين) أي ناصرهم، والمراد بالمتقين الذين ~~اتقوا الشرك والمعاصي، والإشارة بقوله (هذا) إلى القرآن أو إلى اتباع ~~الشريعة، وهو مبتدأ وخبره (بصائر للناس) أي براهين ودلائل لهم فيما يحتاجون ~~إليه من أحكام الدين، جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب وقرئ " هذه بصائر ~~": أي هذه الآيات، لأن القرآن بمعناها كما قال الشاعر: سائل بني أسد ما هذه ~~الصوت * لأن الصوت بمعنى الصيحة (وهدى) أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن ms3608 ~~عمل به (ورحمة) من الله في الآخرة (لقوم يوقنون) أي من شأنهم الإيقان وعدم ~~الشك والتزلزل بالشبه (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) أم هي المنقطعة ~~المقدرة ببل والهمزة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى ~~الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان، والاجتراح الاكتساب ومنه الجوارح، وقد ~~تقدم في المائدة، والجملة مستأنفة لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين، ~~وهو معنى قوله (أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي نسوي بينهم مع ~~اجتراحهم السيئات، وبين أهل الحسنات (سواء محياهم ومماتهم) في دار الدنيا ~~وفي الآخرة، كلا لا يستوون، فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل ~~الشقاوة، وقيل المراد إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة. قرأ ~~الجمهور " سواء " بالرفع على أنه خبر مقدم، والمبتدأ محياهم ومماتهم ~~والمعنى: إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص " ~~سواء " بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله ~~(كالذين آمنوا) أو على أنه مفعول ثان لحسب، واختار قراءة النصب أبو عبيد، ~~وقال معناه: نجعلهم سواء، وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر " مماتهم " بالنصب على ~~معنى سواء في محياهم ومماتهم، فلما سقط الخافض انتصب، أو على البدل من ~~مفعول نجعلهم بدل اشتمال (ساء ما يحكمون) أي ساء حكمهم هذا الذي حكموا به ~~(وخلق الله السماوات والأرض بالحق) أي بالحق المقتضى للعدل بين العباد، ~~ومحل بالحق النصب على الحال من الفاعل، أو من المفعول، أو الباء للسببية، ~~وقوله (ولتجزى كل نفس بما كسبت) يجوز أن يكون على الحق، لأن كلا منهما سبب، ~~فعطف السبب على السبب، ويجوز أن يكون معطوفا على محذوف، والتقدير: خلق الله ~~السماوات والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزى، ويجوز أن تكون اللام للصيرورة ~~(وهم لا يظلمون) أي النفوس المدلول عليها بكل نفس لا يظلمون بنقص ثواب أو ~~زيادة عقاب، ثم عجب سبحانه من حال الكفار فقال (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) ~~قال الحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه، ~~وقال ms3609 عكرمة: يعبد ما يهواه أو يستحسنه، فإذا استحسن شيئا وهواه اتخذه ~~إلاها. قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه ~~رمى به وعبد الآخر (وأضله الله على علم) أي على علم قد علمه، وقيل المعنى: ~~أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه وقال مقاتل: على علم منه أنه ~~ضال لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضر. قال الزجاج: على سوء في علمه أنه ~~ضال قبل أن يخلقه، ومحل على علم النصب على الحال من الفاعل أو المفعول ~~(وختم على سمعه وقلبه) أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه ~~حتى لا يفقه الهدى (وجعل على بصره غشاوة) أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. قرأ ~~الجمهور " غشاوة " بالألف مع كسر الغين. وقرأ حمزة والكسائي " غشوة " بعير ~~ألف مع فتح الغين، ومنه قول الشاعر: # لئن كنت ألبستني غشوة * لقد كنت أصغيتك الود حينا PageV05P008 # وقرأ ابن مسعود والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين وهي لغة ربيعة. وقرأ ~~الحسن وعكرمة بضمها وهي لغة عكل (فمن يهديه من بعد الله) أي من بعد إضلال ~~الله له ((أفلا تذكرون) تذكر اعتبار حتى تعلموا حقيقة الحال. ثم بين سبحانه ~~بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا) أي ما ~~الحياة إلا الحياة التي نحن فيها (نموت ونحيا) أي يصيبنا الموت والحياة ~~فيها، وليس وراء ذلك حياة، وقيل نموت نحن ويحيا فيها أولادنا، وقيل نكون ~~نطفا ميتة ثم نصير أحياء، وقيل في الآية تقديم وتأخير: أي نحيا ونموت وكذا ~~قرأ ابن مسعود، وعلى كل تقدير فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث وتكذيب ~~الآخرة (وما يهلكنا إلا الدهر) أي إلا مرور الأيام والليالي قال مجاهد: ~~يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر، والمعنى واحد. وقال قطرب: ~~المعنى وما يهلكنا إلا الموت. وقال عكرمة: وما يهلكنا إلا الله (وما لهم ~~بذلك من علم) أي ما قالوا هذه المقالة إلا شاكين غير عالمين بالحقيقة. ثم ~~بين كون ذلك ms3610 صادرا منهم لا عن علم فقال (إن هم إلا يظنون) أي ما هم إلا قوم ~~غاية ما عندهم الظن فما يتكلمون إلا به، ولا يستندون إلا إليه (وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات) أي إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها بينات ~~واضحات ظاهرة المعنى والدلالة على البعث (ما كان حجهم إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبائنا إن كنتم صادقين) أنا نبعث بعد الموت: أي ما كان لهم حجة ولا متمسك ~~إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شئ، وإنما سماه حجة تهكما بهم. ~~قرأ الجمهور بنصب حجتهم على أنه خبر كان، واسمها (إلا أن قالوا) وقرأ زيد ~~بن علي وعمرو بن عبيد وعبيد بن عمرو برفع حجتهم على أنها اسم كان، ثم أمر ~~الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد عليهم فقال (قل الله ~~يحييكم) أي في الدنيا (ثم يميتكم) عند انقضاء آجالكم (ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة) بالبعث والنشور (لا ريب فيه) أي في جمعكم، لأن من قدر على ابتداء ~~الخلق قدر على إعادته (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) بذلك، فلهذا حصل معهم ~~الشك في البعث، وجاءوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت، ولو نظروا حق ~~النظر لحصلوا على العلم اليقين، واندفع عنهم الريب وأراحوا أنفسهم من ورطة ~~الشك والحيرة. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (ثم جعلناك على شريعة من الأمر) ~~يقول: على هدى من أمر دينه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله (سواء محياهم ~~ومماتهم) قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة ~~كافر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس في قوله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال: ذاك الكافر ~~اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان (وأضله الله على علم) يقول: أضله في ~~سابق علمه. وأخرج النسائي وابن جرير وبن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه ~~عنه قال: كان الرجل من العرب يعبد الحجر، ms3611 فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى ~~الآخر، فأنزل الله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه). وأخرج ابن جرير وابن أبي ~~حاتم وبن مردويه عن أبي هريرة قال: كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا ~~الليل والنهار، فقال الله في كتابه (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) قال الله: # يؤذيني ابن آدم بسبب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول " قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا ~~الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ". PageV05P009 # لما ذكر سبحانه ما احتج به المشركون وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه ~~بالملك فقال (ولله ملك السماوات والأرض) أي هو المتصرف فيهما وحده لا ~~يشاركه أحد من عباده. ثم توعد أهل الباطل فقال (ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يخسر المبطلون) أي المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل يظهر في ذلك ~~اليوم خسرانهم لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل في يوم هو يخسر، ويومئذ بدل ~~منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل ~~منه، فيكون التقدير: ويوم تقوم الساعة يوم تقوم الساعة، فيكون بدلا ~~توكيديا، والأولى أن يكون العامل في يوم هو ملك: أي ولله ملك يوم تقوم ~~الساعة، ويكون يومئذ معمولا ليخسر (وترى كل أمة جاثية) الخطاب لكل من يصلح ~~له، أو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأمة الملة، ومعنى جاثية، ~~مستوفزة، والمستوفز، الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله، ~~وذلك عند الحساب. وقيل معنى جاثية: مجتمعة قال الفراء: المعنى وترى أهل كل ~~ذي دين مجتمعين. وقال عكرمة: متميزة عن غيرها. وقال مؤرج، معناه بلغة قريش: ~~خاضعة. وقال الحسن: باركة على الركب والجثو والجلوس على الركب، تقول جثا ~~يجثو ويجثى جثوا وجثيا، إذا جلس على ركبتيه، والأول أولى. ولا ينافيه ورود ~~هذا اللفظ لمعنى آخر في لسان العرب. وقد ورد إطلاق الجثوة على الجماعة من ~~كل شئ في لغة ms3612 العرب، ومنه قول طرفة يصف قبرين: # ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صم من صفائح منضد وظاهر الآية أن هذه ~~الصفة تكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل الأديان المتبعين للرسل ~~وغيرهم من أهل الشرك. وقال يحيى بن سلام: هو خاص بالكفار، والأول أولى. ~~ويؤيده قوله (كل أمة تدعى إلى كتابها) ولقوله فيما سيأتي - فأما الذين ~~آمنوا -، ومعنى إلى كتابها: إلى الكتاب المنزل عليها، وقيل إلى صحيفة ~~أعمالها، وقيل PageV05P010 # إلى حسابها، وقيل اللوح المحفوظ، والأول أولى. قرأ الجمهور " كل أمة " ~~بالرفع على الابتداء، وخبره: تدعى، وقرأ يعقوب الحضرمي بالنصب على البدل من ~~كل أمة (اليوم تجزون ما كنتم تعملون) أي يقال لهم اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون من خير وشر (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) هذا من تمام ما يقال لهم، ~~والقائل بهذا هم الملائكة وقيل هو من قول الله سبحانه: أي يشهد عليكم، وهو ~~استعارة، يقال نطق الكتاب بكذا: أي بين، وقيل إنهم يقرؤونه فيذكرون ما ~~عملوا، فكأنه ينطق عليهم بالحق الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، ومحل ينطق ~~النصب على الحال، أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة، وجملة (إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون) تعليل للنطق بالحق أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم: ~~أي بكتبها وتثبيتها عليكم، قال الواحدي: وأكثر المفسرين على أن هذا ~~الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من ~~أعمال بني آدم فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه قالوا: لأن الاستنساخ لا يكون ~~إلا من أصل. وقيل المعنى: نأمر الملائكة بنسخ ما كنتم تعملون. وقيل إن ~~الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله العبد، فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه ~~الحسنات والسيئات وتركوا المباحات. وقيل إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد ~~إلى الله سبحانه أمر عز وجل أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط ~~منها مالا ثواب فيه ولا عقاب (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ~~ربهم في رحمته) أي الجنة، وهذا تفصيل لحال الفريقين، فالمؤمنون ms3613 يدخلهم الله ~~برحمته الجنة (ذلك) أي الإدخال في رحمته (هو الفوز المبين) أي الظاهر ~~الواضح (وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم) أي فيقال لهم ذلك، ~~وهو استفهام توبيخ، لأن الرسل قد أتتهم وتلت عليهم آيات الله، فكذبوها ولم ~~يعملوا بها (فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين) أي تكبرتم عن قبولها وعن الإيمان ~~بها، وكنتم من أهل الإجرام، وهي الآثام، والاجترام الاكتساب، يقال فلان ~~جريمة أهله: إذا كان كاسبهم، فالمجرم من كسب الآثام بفعل المعاصي (وإذا قيل ~~إن وعد الله حق) أي وعده بالبعث والحساب أو بجميع ما وعد به من الأمور ~~المستقبلة واقع لا محالة (والساعة) أي القيامة (لا ريب فيها) أي في وقوعها. ~~قرأ الجمهور " والساعة " بالرفع على الابتداء، أو العطف على موضع اسم إن، ~~وقرأ حمزة بالنصب عطفا على اسم إن (قلتم ما ندري ما الساعة) أي أي شئ هي؟ ~~(إن نظن إلا ظنا) أي نحدس حدسا ونتوهم توهما. قال المبرد: # تقديره: إن نحن إلا نظن ظنا، وقيل التقدير: إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا، ~~وقيل إن نظن مضمن معنى نعتقد: # أي ما نعتقد إلا ظنا لا علما، وقيل إن ظنا له صفة مقدرة: أي إلا ظنا ~~بينا، وقيل إن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فكأنهم قالوا: ما لنا اعتقاد ~~إلا الشك (وما نحن بمستيقنين) أي لم يكن لنا يقين بذلك، ولم يكن معنا إلا ~~مجرد الظن أن الساعة آتية (وبدا لهم سيئات ما عملوا) أي ظهر لهم سيئات ~~أعمالهم على الصورة التي هي عليها (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أي أحاط ~~بهم ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم ~~لقاء يومكم هذا) أي نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم، وأضاف ~~اللقاء إلى اليوم توسعا، لأنه أضاف إلى الشئ ما هو واقع فيه (ومأواكم ~~النار) أي مسكنكم ومستقركم الذين تأوون إليه (وما لكم من ناصرين) ينصرونكم ~~فيمنعون عنكم العذاب (ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا) أي ذلكم العذاب ~~بسبب أنكم اتخذتم ms3614 القرآن هزوا ولعبا (وغرتكم الحياة الدنيا) أي خدعتكم ~~بزخارفها وأباطيلها، فظننتم أنه لا دار غيرها ولا بعث ولا نشور (فاليوم لا ~~يخرجون منها) أي من النار. قرأ الجمهور " يخرجون " بضم الياء وفتح الراء ~~مبنيا للمفعول وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل، ~~والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لتحقيرهم (ولا هم يستعتبون) أي لا يسترضون ~~ويطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله، لأنه يوم لا تقبل فيه توبة ولا تنفع فيه ~~معذرة PageV05P011 # (فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين) لا يستحق الحمد سواه. ~~قرأ الجمهور " رب " في المواضع الثلاثة بالجر على الصفة للاسم الشريف. وقرأ ~~مجاهد وحميد وابن محيصن بالرفع في الثلاثة على تقدير مبتدأ: أي هو رب ~~السماوات الخ (وله الكبرياء في السماوات والأرض) أي الجلال والعظمة ~~والسلطان، وخص السماوات والأرض لظهور ذلك فيهما (وهو العزيز الحكيم) أي ~~العزيز في سلطانه. فلا يغالبه مغالب، الحكيم في كل أفعاله وأقواله وجميع ~~أقضيته. # وقد أخرج سعيد بن منصور وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في البعث عن عبد الله ابن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين، ثم قرأ سفيان ويري كل أمة ~~جاثية) ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله (وترى كل أمة جاثية) قال: ~~كل أمة مع نبيها حتى يجئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كوم قد علا ~~الخلائق، فذلك المقام المحمود. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق) قال: هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم (إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون) قال: هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه بمعناه مطولا، فقام رجل فقال: يا ابن عباس، ~~ما كنا نرى هذا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال ابن عباس إنكم لستم ~~قوما عربا (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) هل يستنسخ الشئ إلا من كتاب. ms3615 ~~وأخرج ابن جرير عنه نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب قال: إن ~~لله ملائكة ينزلون في كل يوم بشئ يكتبون فيه أعمال بني آدم. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عمر نحو ما روى عن ابن عباس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~في الآية قال: يستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل ~~الإنسان ما استنسخ الملك من أم الكتاب وأخرج نحوه الحاكم عنه وصححه. وأخرج ~~الطبراني عنه أيضا في الآية قال: إن الله وكل ملائكة ينسخون من ذلك العام ~~في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة، ~~فيتعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس، فيجدون ما رفع الحفظة ~~موافقا لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) قال: # نترككم. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " يقول الله تبارك وتعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، ~~فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار ". # تفسير سورة الأحقاف هي أربع وثلاثون آية، وقيل خمس وثلاثون وهي مكية. قال ~~القرطبي: في قول جميعهم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا: ~~نزلت سورة حم الأحقاف بمكة. وأخرج ابن الضريس والحاكم وصححه عن ابن مسعود ~~قال: " أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة الأحقاف وأقرأها آخر ~~فخالف قراءته، فقلت من أقرأكها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقلت: والله لقد أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير ذا، فأتينا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت يا رسول الله ألم تقرئني كذا ~~وكذا؟ قال بلى، وقال الآخر: ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال PageV05P012 # بلى، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ms3616 وسلم، فقال: ليقرأ كل واحد ~~منكما ما سمع، فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف ". # قوله (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) قد تقدم الكلام على هذا في ~~سورة غافر وما بعدها مستوفي وذكرنا وجه الإعراب وبيان ما هو الحق من أن ~~فواتح السور من المتشابه الذي يجب أن يوكل علمه إلى من أنزله (ما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما) من المخلوقات بأسرها (إلا بالحق) هو استثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال أي إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه المشيئة ~~الإلهية، وقوله (وأجل مسمى) معطوف على الحق: أي إلا بالحق، وبأجل مسمى على ~~تقدير مضاف محذوف: أي وبتقدير أجل مسمى، وهذا الأجل هو يوم القيامة، فإنها ~~تنتهي فيه السماوات والأرض وما بينهما وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات. ~~وقيل المراد بالأجل المسمى هو انتهاء أجل كل فرد من أفراد المخلوقات، ~~والأول أولى، وهذا إشارة إلى قيام الساعة وانقضاء مدة الدنيا، وأن الله لم ~~يخلق خلقه باطلا وعبثا لغير شئ، بل خلقه للثواب والعقاب (والذين كفروا عما ~~أنذروا معرضون) أي عما أنذروا وخوفوا به في القرآن من البعث والحساب ~~والجزاء معرضون مولون غير مستعدين له، والجملة في محل نصب على الحال: أي ~~والحال أنهم معرضون عنه غير مؤمنين به، و " ما " في قوله (ما أنذروا) يجوز ~~أن تكون الموصولة، ويجوز أن تكون المصدرية (قل أرأيتم ما تدعون من دون ~~الله) أي أخبروني ما تعبدون من دون الله من الأصنام (أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض) أي أي شئ خلقوا منها، وقوله " أروني " يحتمل أن يكون PageV05P013 # تأكيدا لقوله أرأيتم: أي أخبروني أروني والمفعول الثاني لأرأيتم ماذا ~~خلقوا، ويحتمل أن لا يكون تأكيدا، بل يكون هذا من باب التنازع، لأن أرأيتم ~~يطلب مفعولا ثانيا، وأروني كذلك (أم لهم شرك في السماوات) أم هذه هي ~~المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، والمعنى: بل ألهم شركة مع الله فيها، ~~والاستفهام للتوبيخ والتقريع (ائتوني بكتاب من قبل هذا) هذا تبكيت لهم ~~وإظهار لعجزهم وقصورهم عن الإتيان بذلك، والإشارة بقوله هذا إلى ms3617 القرآن، ~~فإنه قد صرح ببطلان الشرك، وأن الله واحد لا شريك له، وأن الساعة حق لا ريب ~~فيها، فهل للمشركين من كتاب يخالف هذا الكتاب، أو حجة تنافي هذه الحجة (أو ~~أثارة من علم). قال في الصحاح: أو أثارة من علم بقية منه، وكذا الأثرة ~~بالتحريك. قال ابن قتيبة: أي بقية من علم الأولين. وقال الفراء والمبرد: ~~يعني ما يؤثر عن كتب الأولين. قال الواحدي: وهو معنى قول المفسرين. قال ~~عطاء: أو شئ تأثرونه عن نبي كان قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قال ~~مقاتل: أو رواية من علم عن الأنبياء. وقال الزجاج: أو أثارة: أي علامة، ~~والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة، وأصل الكلمة من الأثر، وهي الرواية: يقال ~~أثرت الحديث آثره أثرة وأثارة وأثرا: إذا ذكرته عن غيرك. قرأ الجمهور " ~~أثارة " على المصدر كالسماحة والغواية. وقرأ ابن عباس وزيد ابن علي وعكرمة ~~والسلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف. وقرأ الكسائي " ~~أثرة " بضم الهمزة وسكون الثاء (إن كنتم صادقين) في دعواكم التي تدعونها، ~~وهي قولكم إن لله شريكا ولم تأتوا بشئ من ذلك فتبين بطلان قولهم لقيام ~~البرهان العقلي والنقلي على خلافه (ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له ) أي لا أحد أضل منه ولا أجهل فإنه دعا من لا يسمع، فكيف يطمع في ~~الإجابة فضلا عن جلب نفع أو دفع ضر؟ # فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين وأضل الضالين، والاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ، وقوله (إلى يوم القيامة) غاية لعدم الاستجابة (وهم عن دعائهم ~~غافلون) الضمير الأول للأصنام، والثاني لعابديها، والمعنى: والأصنام التي ~~يدعونها عن دعائهم إياها غافلون عن ذلك، لا يسمعون ولا يعقلون لكونهم ~~جمادات، والجمع في الضميرين باعتبار معنى من، وأجرى على الأصنام ما هو ~~للعقلاء لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء) ~~أي إذا حشر الناس العابدين للأصنام كان الأصنام لهم أعداء يتبرأ بعضهم من ~~بعض ويلعن بعضهم بعضا وقد قيل إن الله يخلق الحياة في الأصنام ms3618 فتكذبهم. ~~وقيل المراد أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال. # وأما الملائكة والمسيح وعزير والشياطين فإنهم يتبرءون ممن عبدهم يوم ~~القيامة كما في قوله تعالى - تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون - (وكانوا ~~بعبادتهم كافرين) أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين: أي ~~جاحدين مكذبين وقيل الضمير في كانوا للعابدين كما في قوله - والله ربنا ما ~~كنا مشركين -، والأول أولى (وإذا تتلى عليهم آياتنا) أي آيات القرآن حال ~~كونها (بينات) واضحات المعاني ظاهرات الدلالات (قال الذين كفروا للحق) أي ~~لأجله وفي شأنه، وهو عبارة عن الآيات (لما جاءهم) أي وقت أن جاءهم (هذا سحر ~~مبين) أي ظاهر السحرية (أم يقولون افتراه) أم هي المنقطعة: أي بل أيقولون ~~افتراه والاستفهام للإنكار والتعجب من صنيعهم، وبل للانتقال عن تسميتهم ~~الآيات سحرا إلى قولهم: إن رسول الله افترى ما جاء به، وفي ذلك من التوبيخ ~~والتقريع ما لا يخفي ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال (قل إن افتريته ~~فلا تملكون لي من الله شيئا) أي قل إن افتريته على سبيل الفرض والتقدير: ~~كما تدعون، فلا تقدرون على أن تردوا عني عقاب الله، فكيف افترى على الله ~~لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني (هو أعلم بما تفيضون فيه) أي ~~تخوضون فيه من التكذيب والإفاضة في الشئ الخوض فيه والاندفاع فيه، يقال ~~أفاضوا في الحديث: أي اندفعوا فيه، وأفاض البعير: إذا دفع جرته من كرشه. ~~PageV05P014 # والمعنى: الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب له ~~والقول بأنه سحر وكهانة (كفى به شهيدا بيني وبينكم) فإنه يشهد لي بأن ~~القرآن من عنده وأني قد بلغتكم، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود، وفي هذا ~~وعيد شديد (وهو الغفور الرحيم) لمن تاب وآمن وصدق بالقرآن وعمل بما فيه: أي ~~كثير المغفرة والرحمة بليغهما (قل ما كنت بدعا من الرسل) البدع من كل شئ ~~المبدأ: أي ما أنا بأول رسول، قد بعث الله قبلي كثيرا من الرسل قيل البدع ~~بمعنى البديع كالخف والخفيف، والبديع ما ms3619 لم ير له مثل، من الابتداع وهو ~~الاختراع، وشئ بدع بالكسر: أي مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر: أي بديع كذا ~~قال الأخفش وأنشد قطرب: # فما أنا بدع من حوادث تعتري * رجالا غدت من بعد موسى وأسعدا وقرأ عكرمة ~~وأبو حيوة وابن أبي عبلة (بدعا) بفتح الدال على تقدير حذف المضاف: أي ما ~~كنت ذا بدع وقرأ مجاهد بفتح الباء وكسر الدال على الوصف (وما أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم) أي ما يفعل بي فيما يستقبل من الزمان هل أبقى في مكة أو أخرج ~~منها؟ وهل أموت أو أقتل؟ وهل تعجل لكم العقوبة أم تمهلون؟ وهذا إنما هو في ~~الدنيا. وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة وأن الكافرين في النار. ~~وقيل إن المعنى: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، وإنها لما نزلت ~~فرح المشركون وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا ~~فضل له علينا؟ فنزل قوله تعالى - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - ~~والأول أولى (إن أتبع إلا ما يوحي إلي) قرأ الجمهور " يوحى " مبنيا ~~للمفعول: أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا، والمعنى: قصر ~~أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم على الوحي لاقصر اتباعه على الوحي (وما أنا ~~إلا نذير مبين) أي أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على وجه الايضاح. # وقد أخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس (أو أثارة من علم) قال: الخط. قال ~~سفيان: لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يعني أن الحديث ~~مرفوع لا موقوف على ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان نبي من الأنبياء يخط، ~~فمن صادف مثل خطه علم " ومعنى هذا ثابت في الصحيح ولأهل العلم فيه تفاسير ~~مختلفة. ومن أين لنا أن ms3620 هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط، وأين السند ~~الصحيح إلى ذلك النبي، أو إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا الخط ~~هو على صورة كذا، فليس ما يفعله أهل الرمل إلا جهالات وضلالات. وأخرج ابن ~~مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أو أثارة من علم) ~~قال: حسن الخط. وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم من طريق الشعبي عن ابن ~~عباس (أو أثارة من علم) قال: خط كان يخطه العرب في الأرض. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس (أو أثارة من علم) يقول: بينة من الأمر. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في قوله (قل ما كنت ~~بدعا) من الرسل) يقول: لست بأول الرسل (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) فأنزل ~~الله بعد هذا - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - وقوله - ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات - الآية، فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين ~~جميعا. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضا أن هذه الآية منسوخة بقوله - ~~ليغفر لك الله - وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت " ~~لما مات عثمان بن مظعون قلت: رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ ~~أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا ~~رسول الله ما يفعل بي ولا بكم، قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي إلى بعده ~~أحدا ". PageV05P015 # قوله (قل أرأيتم) أي أخبروني (إن كان من عند الله) يعني ما يوحى إليه من ~~القرآن، وقيل المراد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: إن كان مرسلا ~~من عند غير الله، وقوله (وكفرتم به) في محل نصب على الحال بتقدير قد، وكذلك ~~قوله (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله) والمعنى: أخبروني إن كان ذلك في ~~الحقيقة من عند الله والحال أنكم قد ms3621 كفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل ~~العالمين بما أنزل الله في التوراة على مثله: أي القرآن من المعاني ~~الموجودة في التوراة المطابقة له من إثبات التوحيد والبعث والنشور وغير ~~ذلك، وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني وإن اختلفت الألفاظ. وقال ~~الجرجاني: مثل صلة، والمعنى: وشهد شاهد عليه أنه من عند الله، وكذا قال ~~الواحدي (فآمن) الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله ومن جنس ما ~~ينزله على رسله وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام كما قال ~~الحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة وغيرهم، وفي هذا نظر فإن السورة مكية بالإجماع، ~~وعبد الله بن سلام كان إسلامه بعد الهجرة، فيكون المراد بالشاهد رجلا من ~~أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة وصدقه، واختار هذا ابن جرير، وسيأتي في ~~آخر البحث ما يترجح به أنه عبد الله بن سلام وأن هذه الآية مدنية لا مكية. ~~وروى عن مسروق أن المراد بالرجل موسى عليه السلام، وقوله (واستكبرتم) معطوف ~~على شهد: آي آمن الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان (إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين) فحرمهم الله سبحانه الهداية لظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام ~~الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان، ومن فقد هداية الله له ضل. # وقد اختلف في جواب الشرط ماذا هو؟ فقال الزجاج: محذوف تقديره أتؤمنون، ~~وقيل قوله (فآمن واستكبرتم) وقيل محذوف تقديره: فقد ظلمتم لدلالة (إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين) عليه، وقيل تقديره: فمن PageV05P016 # أضل منكم، كما في قوله - أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل - ~~الآية. وقال أبو علي الفارسي تقديره أتأمنون عقوبة الله، وقيل التقدير: ~~ألستم ظالمين. ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أقاويلهم الباطلة فقال (وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا) أي لأجلهم، ويجوز أن تكون هذه اللام هي لام ~~التبليغ (لو كان خيرا ما سبقونا إليه) أي لو كان ما جاء به محمد من القرآن ~~والنبوة خيرا ما سبقونا إليه لأنهم عند أنفسهم المستحقون للسبق إلى كل ~~مكرمة، ولم يعلموا ms3622 أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء ويعز من يشاء ويذل ~~من يشاء ويصطفى لدينه من يشاء (وإذا لم يهتدوا به) أي بالقرآن، وقيل بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل بالإيمان (فسيقولون هذا إفك قديم) فجاوزوا ~~نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم كما قالوا أساطير الأولين، والعامل ~~في إذ مقدر: # أي ظهر عنادهم، ولا يجوز أن يعمل فيه " فسيقولون " لتضاد الزمانين: أعني ~~المضي والاستقبال ولأجل الفاء أيضا، وقيل إن العامل فيه فعل مقدر من جنس ~~المذكور: أي لم يهتدوا به، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون (ومن قبله كتاب موسى) ~~قرأ الجمهور بكسر الميم من " من " على أنها حرف جر، وهي مع مجرورها خبر ~~مقدم، وكتاب موسى مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب على الحال، أو هي ~~مستأنفة، والكلام مسوق لرد قولهم (هذا إفك قديم) فإن كونه قد تقدم القرآن ~~كتاب موسى، وهو التوراة وتوافقا في أصول الشرائع يدل على أنه حق وأنه من ~~عند الله، ويقتضي بطلان قولهم. وقرئ بفتح ميم من على أنها موصولة ونصب ~~كتاب: أي وآتينا من قبله كتاب موسى، ورويت هذه القراءة عن الكلبي (إماما ~~ورحمة) أي يفتدي به في الدين ورحمة من الله لمن آمن به، وهما منتصبان على ~~الحال. قاله الزجاج وغيره. وقال الأخفش على القطع، وقال أبو عبيدة: أي ~~جعلناه إماما ورحمة (وهذا كتاب مصدق) يعني القرآن فإنه مصدق لكتاب موسى ~~الذي هو إمام ورحمة ولغيره من كتب الله، وقيل مصدق للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وانتصاب (لسانا عربيا) على الحال الموطئة وصاحبها الضمير في ~~مصدق العائد إلى كتاب، وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولا لمصدق، والأول أولى، ~~وقيل هو على حذف مضاف: أي ذا لسان عربي، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(لينذر الذين ظلموا) قرأ الجمهور " لينذر " بالتحتية على أن فاعله ضمير ~~يرجع إلى الكتاب: أي لينذر الكتاب الذين ظلموا، وقيل الضمير راجع إلى الله، ~~وقيل إلى الرسول، والأول أولى. وقرأ نافع وابن عامر والبزي بالفوقية ms3623 على أن ~~فاعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو ~~عبيد، وقوله (وبشرى للمحسنين) في محل نصب عطفا على محل لينذر. وقال الزجاج: ~~الأجود أن يكون في محل رفع: أي وهو بشرى، وقيل على المصدرية لفعل محذوف: أي ~~وتبشر بشرى، وقوله " للمحسنين " متعلق ببشرى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا) أي جمعوا بين التوحيد والاستقامة على الشريعة، وقد تقدم تفسير ~~هذا في سورة السجدة (فلا خوف عليهم) الفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من ~~معنى الشرط (ولا هم يحزنون) المعنى: أنهم لا يخافون من وقوع مكروه بهم، ولا ~~يحزنون من فوات محبوب وأن ذلك مستمر دائم (أولئك أصحاب الجنة) أي أولئك ~~الموصوفون بما ذكر أصحاب الجنة التي هي دار المؤمنين حال كونهم (خالدين ~~فيها) وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإن نفي الخوف والحزن على الدوام ~~والاستقرار في الجنة على الأبد مما لا تطلب الأنفس سواه ولا تتشوف إلى ما ~~عداه (جزاء بما كانوا يعملون) أي يجزون جزاء بسبب أعمالهم التي عملوها من ~~الطاعات لله وترك معاصيه (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) قرأ الجمهور " حسنا ~~" بضم الحاء وسكون السين. وقرأ على والسلمي بفتحهما. وقرأ ابن عباس ~~والكوفيون " إحسانا " وقد تقدم في سورة العنكبوت (ووصينا الإنسان بوالديه ~~حسنا) من غير اختلاف بين القراء وتقدم في سورة الأنعام وسورة PageV05P017 # بني إسرائيل - وبالوالدين إحسانا - فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء في هذه ~~الآية، وعلى جميع هذه القراءات فانتصابه على المصدرية: أي وصيناه أن يحسن ~~إليهما حسنا، أو إحسانا، وقيل على أنه مفعول به بتضمين وصينا معنى ألزمنا، ~~وقيل على أنه مفعول له (حملته أمه كرها ووضعته كرها) قرأ الجمهور " كرها " ~~في الموضعين بضم الكاف. وقرأ أبو عمرو وأهل الحجاز بفتحهما. قال الكسائي: ~~وهما لغتان بمعنى واحد. قال أبو حاتم: الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب ~~والغلبة، واختار أبو عبيد قراءة الفتح قال: لأن لفظ الكره في القرآن كله ~~بالفتح إلا التي في سورة البقرة - كتب عليكم ms3624 القتال وهو كره لكم - وقيل إن ~~الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره. وإنما ذكر ~~سبحانه حمل الأم ووضعها تأكيدا لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به، ~~والمعنى: # أنها حملته ذات كره ووضعته ذات كره. ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال ~~(وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) أي مدتهما هذه المدة من عند ابتداء حمله إلى أن ~~يفصل من الرضاع: أي يقطم عنه، وقد استدل بهذه الآية على أن أقل الحمل ستة ~~أشهر، لأن مدة الرضاع سنتان: أي مدة الرضاع الكامل كما قوله - حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة - فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل، وأكثر ~~مدة الرضاع. وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب لأنها ~~حملته بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب ولم يشاركها الأب ~~في شئ من ذلك. قرأ الجمهور " وفصاله " بالألف، وقرأ الحسن ويعقوب وقتادة ~~والجحدري " وفصله " بفتح الفاء وسكون الصاد بغير ألف، والفصل والفصال ~~بمعنى: كالفطم والفطام والقطف والقطاف (حتى إذا بلغ أشده) أي بلغ استحكام ~~قوته وعقله، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى ولا بد من تقدير جملة تكون حتى ~~غاية لها: أي عاش واستمرت حياته حتى بلغ أشده، قيل بلغ عمرة ثماني عشرة ~~سنة، وقيل الأشد الحلم قاله الشعبي وابن زيد. وقال الحسن: هو بلوغ ~~الأربعين، والأول أولى لقوله (وبلغ أربعين سنة) فإن هذا يفيد أن بلوغ ~~الأربعين هو شئ وراء بلوغ الأشد. قال المفسرون: لم يبعث الله نبيا قط إلا ~~بعد أربعين سنة (قال رب أوزعني) أي ألهمني. قال الجوهري: استوزعت الله ~~فأوزعني: أي استلهمته فألهمني (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي) ~~أي الهمني شكر ما أنعمت به على من الهداية، وعلى والدي من التحنن على منهما ~~حين ربياني صغيرا. وقيل أنعمت على بالصحة والعافية، وعلى والدي بالغنى ~~والثروة، والأولى عدم تقييد النعمة عليه وعلى أبويه بنعمة مخصوصة (وأن أعمل ~~صالحا ترضاه) أي وألهمني أن أعمل عملا صالحا ms3625 ترضاه منى (وأصلح لي في ذريتي) ~~أي اجعل ذريتي صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه. وفي هذه الآية دليل ~~على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، وقد روى ~~أنها نزلت في أبي بكر كما سيأتي في آخر البحث (إني تبت إليك) من ذنوبي ~~(وإني من المسلمين) أي المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك، ~~والإشارة بقوله (أولئك) إلى الإنسان المذكور، والجمع لأنه يراد به الجنس ~~وهو مبتدأ، وخبره (الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) من أعمال الخير في ~~الدنيا، والمراد بالأحسن الحسن كقوله - واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم - وقيل ~~إن اسم التفضيل على معناه، ويراد به ما يثاب العبد عليه من الأعمال، لا ما ~~لا يثاب عليه كالمباح فإنه حسن وليس بأحسن (ونتجاوز عن سيئاتهم) فلا ~~نعاقبهم عليها. قرأ الجمهور " يتقبل ويتجاوز " على بناء الفعلين للمفعول. ~~وقرأ حمزة والكسائي بالنون فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه، والتجاوز ~~الغفران، وأصله من جزت الشئ: إذا لم تقف عليه، ومعنى (في أصحاب الجنة) أنهم ~~كائنون في عدادهم منتظمون في سلكهم، فالجار والمجرور في محل النصب على ~~الحال كقولك: أكرمني الأمير في أصحابه: أي كائنا في جملتهم، وقيل إن في ~~بمعنى مع: أي مع أصحاب الجنة، وقيل إنهما خبر مبتدأ محذوف: أي هم في أصحاب ~~الجنة (وعد الصدق الذي كانوا PageV05P018 # يوعدون) وعد الصدق مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة، لأن قوله (أولئك ~~الذين نتقبل عنهم) الخ في معنى الوعد بالتقبل والتجاوز، ويجوز أن يكون ~~مصدرا لفعل محذوف. أي وعدهم الله وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسن ~~الرسل في الدنيا. # وقد أخرج أبو يعلي وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه عن عوف بن مالك ~~الأشجعي قال: " انطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا معه حتى دخلنا ~~كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا منكم يشهدون أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول ms3626 الله يحط الله تعالى عن كل يهودي تحت أديم السماء ~~الغضب الذي عليه، فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ~~ثلاثا، فقال: أبيتم فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفي آمنتم أو ~~كذبتم، ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفه فقال: كما ~~أنت يا محمد فأقبل، فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود، ~~فقالوا، والله ما نعلم فينا رجلا أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك ولا من أبيك ~~ولا من جدك، قال: فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه مكتوبا في التوراة ~~والإنجيل، قالوا كذبت، ثم ردوا عليه وقالوا شرا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: كذبتم لن يقبل منكم قولكم، فخرجنا ونحن ثلاثة، رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأنا وابن سلام، فأنزل الله - قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله - إلى قوله - لا يهدي القوم الظالمين " وصححه السيوطي. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد ~~الله بن سلام، وفيه نزلت - وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله -. وأخرج ~~الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: # نزل في آيات من كتاب الله نزلت في - وشهد شاهد من بني إسرائيل - ونزل في ~~- قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب -. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (وشهد شاهد من بني إسرائيل) قال. ~~عبد الله بن سلام، وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وفيه دليل على أن ~~هذه الآية مدنية فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال ناس من المشركين نحن أعز ونحن ~~ونحن، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل (وقال الذين كفروا ~~للذين ms3627 آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه). وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي ~~شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله: يقال لها زنيرة، وكان عمر ~~يضربها على الإسلام، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرا ما سبقتنا إليه ~~زنيرة، فأنزل الله في شأنها (وقال الذين كفروا) الآية. وأخرج الطبراني عن ~~سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " بنو غفار وأسلم ~~كانوا لكثير من الناس فتنة، يقولون لو كان خيرا ما جعلهم الله أول الناس ~~فيه ". وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل ~~قوله (ووصينا الإنسان بوالديه) الآية إلى قوله (وعد الصدق الذي كانوا ~~يوعدون) في أبي بكر الصديق. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير ~~أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر ~~فأنكر الناس ذلك. فقلت لعمر: لم تظلم؟ قال كيف؟ قلت اقرأ - وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا - والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين - كم الحول؟ قال سنة، ~~قلت: كم السنة؟ قال اثنا عشر شهرا، قلت: فأربعة وعشرون شهرا حولان كاملان، ~~ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم ما شاء، فاستراح عمر إلى قولي. وأخرج ~~سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أنه كان يقول: إذا ولدت ~~المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع PageV05P019 # أحد وعشرون شهرا، وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون ~~شهرا، وإذا وضعت لستة أشهر فحولان كاملان، لأن الله يقول (وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا). وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال: # أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ~~قال رب أوزعني) الآية، فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعا وإخوته وولده ~~كلهم، ونزلت فيه أيضا - فأما من أعطى واتقى - إلى آخر السورة. # لما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله سبحانه عليه وعلى والديه ذكر من قال ~~لهما قولا يدل على التضجر منهما عند دعوتهما ms3628 له إلى الإيمان فقال (والذي ~~قال لوالديه أف لكما) الموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول ولهذا أخبر ~~عنه بالجمع، وأف كلمة تصدر عن قائلها عند تضجره من شئ يرد عليه. قرأ نافع ~~وحفص " أف " بكسر الفاء مع التنوين. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن ~~بفتحها من غير تنوين، وقرأ الباقون بكسر من غير تنوين وهي لغات، وقد مضى ~~بيان الكلام في هذا في سورة بني إسرائيل، واللام في قوله " لكما " لبيان ~~التأفيف: أي التأفيف لكما كما في قوله - هيت لك - قرأ الجمهور (أتعدانني) ~~بنونين مخففتين، وفتح ياءه أهل المدينة ومكة وأسكنها الباقون. وقرأ أبو ~~حيوة والمغيرة وهشام بإدغام إحدى النونين في الأخرى، ورويت هذه القراءة عن ~~نافع. وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر وعبد الوارث عن أبي عمرو بفتح النون ~~الأولى، كأنهم فروا من توالي مثلين مكسورين. وقرأ الجمهور (أن أخرج) بضم ~~الهمزة وفتح الراء مبنيا للمفعول. وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش ~~وأبو معمر بفتح الهمزة وضم الراء مبنيا للفاعل. والمعنى: أتعدانني أن أبعث ~~بعد الموت، وجملة (وقد خلت القرون من قبلي) في محل نصب على الحال: أي ~~والحال أن قد مضت القرون من قبلي فماتوا ولم يبعث منهم أحد، وهكذا جملة ~~(وهما يستغيثان الله) في محل نصب على الحال: أي والحال أنهما يستغيثان الله ~~له، ويطلبان منه التوفيق إلى الإيمان، واستغاث يتعدى بنفسه وبالباء: يقال ~~استغاث الله واستغاث به. وقال الرازي: # معناه يستغيثان بالله من كفره، فلما حذف الجار وصل الفعل، وقيل الاستغاثة ~~الدعاء فلا حاجة إلى الباء. قال الفراء: # يقال أجاب الله دعاءه وغواثه، وقوله (ويلك) هو بتقدير القول: أي يقولان ~~له ويلك، وليس المراد به الدعاء عليه، بل الحث له على الإيمان، ولهذا قالا ~~له (آمن إن وعد الله حق) أي آمن بالبعث إن وعد الله حق لا خلف فيه (فيقول) ~~عند ذلك مكذبا لما قالاه (ما هذا إلا أساطير الأولين) أي ما هذا الذي ~~تقولانه من البعث إلا PageV05P020 # أحاديث الأولين وأباطيلهم التي سطرونها في ms3629 الكتب، قرأ الجمهور: إن وعد ~~الله بكسر إن على الاستئناف أو التعليل وقرأ عمر بن فايد والأعرج بفتحها ~~على أنها معمولة لآمن بتقدير الباء. أي آمن بأن وعد الله بالبعث حق (أولئك ~~الذين حق عليهم القول) أي أولئك القائلون هذه المقالات هم الذين حق عليهم ~~القول: أي وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس - لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين - كما يفيده قوله (في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس)، وجملة (إنهم كانوا خاسرين) تعليل لما قبله، وهذا يدفع كون سبب ~~نزول الآية عبد الرحمن ابن أبي بكر وأنه الذي قال لوالديه ما قال، فإنه من ~~أفاضل المؤمنين، وليس ممن حقت عليه كلمة العذاب، وسيأتي بيان سبب النزول في ~~آخر البحث إن شاء الله (ولكل درجات مما عملوا) أي لكل فريق من الفريقين ~~المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم، ~~قال ابن زيد: درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفلا، ودرجات أهل الجنة ~~تذهب علوا (وليوفيهم أعمالهم) أي جزاء أعمالهم. قرأ الجمهور " لنوفيهم " ~~بالنون. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بالياء التحتية. ~~واختار أبو عبيد القراءة الأولى، واختار الثانية أبو حاتم (وهم لا يظلمون) ~~أي لا يزاد مسئ ولا ينقص محسن، بل يوفى كل فريق ما يستحقه من خير وشر، ~~والجملة في محل نصب على الحال، أو مستأنفة مقررة لما قبلها (ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار) الظرف متعلق بمحذوف: أي أذكر لهم يا محمد يوم ينكشف ~~الغطاء فينظرون إلى النار ويقربون منها، وقيل معنى يعرضون يعذبون من قولهم: ~~عرضه على السيف، وقيل في الكلام قلب. والمعنى: تعرض النار عليهم (أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا) أي يقال لهم ذلك، قيل وهذا القدر هو الناصب ~~للظرف، والأول أولى قرأ الجمهور: " أذهبتم " بهمزة واحدة، وقرأ الحسن ونصر ~~وأبو العالية ويعقوب وابن كثير بهمزتين مخففتين، ومعنى الاستفهام التقريع ~~والتوبيخ. قال الفراء والزجاج: العرب توبخ بالاستفهام وبغيره، فالتوبيخ ~~كائن على القراءتين. # قال الكلبي: المراد ms3630 بالطيبات اللذات وما كانوا فيه من المعايش (واستمتعتم ~~بها) أي بالطيبات، والمعنى: أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي ~~الله سبحانه، ولم يبالوا بالذنب تكذيبا منهم لما جاءت به الرسل من الوعد ~~بالحساب والعقاب والثواب (فاليوم تجزون عذاب الهون) أي العذاب الذي فيه ذل ~~لكم وخزي عليكم. قال مجاهد وقتادة: الهون الهوان بلغة قريش (بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق) أي بسبب تكبركم عن عبادة الله والإيمان به ~~وتوحيده (وبما كنتم تفسقون) أي تخرجون عن طاعة الله وتعملون بمعاصيه، فجعل ~~السبب في عذابهم أمرين: التكبر عن اتباع الحق، والعمل بمعاصي الله سبحانه ~~وتعالى، وهذا شأن الكفرة فإنهم قد جمعوا بينهما. # وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله ~~معاوية بن أبي سفيان، فنخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد ~~أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال خذوه، فدخل بيت عائشة فلم ~~يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه (والذي قال لوالديه أف لكما) ~~فقالت عائشة: # ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. وأخرج عبد بن ~~حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن محمد بن زياد قال: ~~لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن سنة ~~هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي قال الله فيه (والذي قال لوالديه أف ~~لكما) الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن ~~أسمى الذي نزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن ~~أبا مروان في صلبه، فمروان من لعنه الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في ~~الآية قال: هذا ابن لأبي بكر. وأخرج نحوه أبو حاتم عن السدى، ولا يصح هذا ~~كما قدمنا. PageV05P021 # قوله (واذكر أخا عاد) أي واذكر يا محمد لقومك أخا عاد، وهو هود بن عبد ~~الله بن رباح كان أخاهم في النسب، لا في الدين، وقوله (إذ ms3631 أنذر قومه) بدل ~~اشتمال منه: أي وقت إنذاره إياهم (بالأحقاف) وهي ديار عاد جمع حقف، وهو ~~الرمل العظيم المستطيل المعوج قاله الخليل وغيره وكانوا قهروا أهل الأرض ~~بقوتهم، والمعنى أن الله سبحانه أمره أن يذكر لقومه قصتهم ليتعظوا ويخافوا، ~~وقيل أمره بأن يتذكر في نفسه قصتهم مع هود ليقتدي به ويهون عليه تكذيب ~~قومه. قال عطاء: الأحقاف رمال بلاد الشجر. وقال مقاتل: هي باليمن في حضرموت ~~وقال ابن زيد: هي رمال مبسوطة مستطيلة كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون ~~جبالا (وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) أي وقد مضت الرسل من قبله ومن ~~بعده كذا قال الفراء وغيره. وفي قراءة ابن مسعود " من بين يديه ومن بعده " ~~والجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون معترضة بين إنذار هود وبين ~~قوله لقومه (إني أخاف عليكم) والأول أولى. والمعنى: أعلمهم أن الرسل الذين ~~بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره، ثم رجع إلى كلام ~~هود لقومه، فقال حاكيا عنه (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) وقيل إن جعل تلك ~~الجملة اعتراضية أولى بالمقام وأوفق بالمعنى (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن ~~آلهتنا) أي لتصرفنا عن عبادتها، وقيل لتزيلنا، وقيل لتمنعنا والمعنى ~~متقارب، ومنه قول عروة بن أذينة: # إن تك عن حسن الصنيعة مأفو * كا ففي آخرين قد أفكوا يقول: إن لم توفق ~~للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك (فأتنا بما تعدنا) من العذاب العظيم ~~(إن كنت PageV05P022 # من الصادقين) في وعدك لنا به (قال إنما العلم عند الله) أي إنما العلم ~~بوقت مجيئه عند الله لا عندي (وأبلغكم ما أرسلت به) إليكم من ربكم من ~~الإنذار والإعذار، فأما العلم بوقت مجئ العذاب فما أوحاه إلى (ولكني أراكم ~~قوما تجهلون) حيث بقيتم مصرين على كفركم ولم تهتدوا بما جئتكم به، بل ~~اقترحتم على ما ليس من وظائف الرسل (فلما رأوه عارضا) الضمير يرجع إلى " ما ~~" في قوله " بما تعدنا ". وقال المبرد والزجاج: الضمير في " رأوه " يعود ~~إلى غير ms3632 مذكور وبينه قوله (عارضا) فالضمير يعود إلى السحاب: أي فلما رأوا ~~السحاب عارضا، فعارضا نصب على التكرير: يعني التفسير، وسمى السحاب عارضا ~~لأنه يبدو في عرض السماء. قال الجوهري: العارض السحاب يعترض في الأفق، ومنه ~~قوله - هذا عارض ممطرنا - وانتصاب عارضا على الحال أو التمييز (مستقبل ~~أوديتهم) أي متوجها نحو أوديتهم. قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر ~~أياما، فساق الله إليهم سحابة سوداء، فخرجت عليهم من واد لهم: يقال له ~~المعتب، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا، و (قالوا هذا عارض ممطرنا) أي ~~غيم فيه مطر، وقوله (مستقبل أوديتهم) صفة لعارض لأن إضافته لفظية لا ~~معنوية، فصح وصف النكرة به، وهكذا ممطرنا، فلما قالوا ذلك أجاب عليهم هود، ~~فقال (بل هو ما استعجلتم به) يعني من العذاب حيث قالوا - فأمتنا بما تعدنا ~~- وقوله (ريح) بدل من ما، أو خبر مبتدأ محذوف، وجملة (فيها عذاب أليم ) صفة ~~لريح، والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه (تدمر كل شئ ~~بأمر ربها) هذه الجملة صفة ثانية لريح أي تهلك كل شئ مرت به من نفوس عاد ~~وأموالها، والتدمير: الإهلاك، وكذا الدمار، وقرئ " يدمر " بالتحتية مفتوحة ~~وسكون الدال وضم الميم ورفع كل على الفاعلية من دمر دمارا، ومعنى (بأمر ~~ربها) أن ذلك بقضائه وقدره (فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم) أي لا ترى أنت يا ~~محمد أو كل من يصلح للرؤية إلا مساكنهم بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم. قرأ ~~الجمهور " لا ترى " بالفوقية على الخطاب، ونصب مساكنهم. # وقرأ حمزة وعاصم بالتحتية مضمومة مبنيا للمفعول ورفع مساكنهم. قال ~~سيبويه: معناه لا يرى أشخاصهم إلا مساكنهم، واختار أبو عبيد وأبو حاتم ~~القراءة الثانية. قال الكسائي والزجاج: معناها لا يري شئ إلا مساكنهم فهي ~~محمولة على المعنى كما تقول: ما قام إلا هند، والمعنى: ما قام أحد إلا هند، ~~وفي الكلام حذف، والتقدير: # فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم (كذلك نجزي القوم ~~المجرمين) أي مثل ذلك الجزاء نجزي هؤلاء، وقد مر بيان هذه ms3633 القصية في سورة ~~الأعراف (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) قال المبرد: ما في قوله فيما ~~بمنزلة الذي وإن بمنزلة بمنزلة ما: يعني النافية وتقديره: ولقد مكناهم في ~~الذي ما مكناكم فيه من المال وطول العمر وقوة الأبدان، وقيل " إن " زائدة ~~وتقديره: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه، وبه قال قال القتيبي، ومثله قول ~~الشاعر: # فما إن طبن جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا والأول أولى لأنه أبلغ في ~~التوبيخ لكفار قريش وأمثالهم (وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة) أي إنهم ~~أعرضوا عن قبول الحجة والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواس التي بها تدرك ~~الأدلة، ولهذا قال (فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ) أي ~~فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد وصحة الوعد ~~والوعيد، وقد قدمنا من الكلام على وجه إفراد السمع وجمع البصر ما يغنى عن ~~الإعادة، و " من " في (من شئ) زائدة، والتقدير: فما أغنى عنهم شئ من ~~الأغناء ولا نفعهم بوجه من وجوه النفع (إذ كانوا يجحدون بآيات الله) الظرف ~~متعلق بأغنى، وفيها معنى التعليل: أي لأنهم كانوا يجحدون (وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون) أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق ~~الاستهزاء حيث قالوا (فأتنا بما تعدنا). (ولقد أهلكنا ما حولكم PageV05P023 # من القرى) الخطاب لأهل مكة، والمراد بما حولهم من القرى قرى ثمود، وقرى ~~لوط ونحوهما مما كان مجاورا لبلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم ~~(وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون) أي بينا الحجج ونوعناها لكي يرجعوا عن كفرهم ~~فلم يرجعوا. ثم ذكر سبحانه أنه لم ينصرهم من عذاب الله ناصر فقال (فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة) أي فهلا نصرهم آلهتهم التي ~~تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا - هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~- ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم. قال الكسائي: القربان كل ما يتقرب به إلى ~~الله من طاعة ونسيكة والجمع قرابين كالرهبان والرهابين، وأحد مفعولي اتخذوا ~~ضمير راجع إلى الموصول، والثاني آلهة، ms3634 وقربانا حال، ولا يصح أن يكون قربانا ~~مفعولا ثانيا، وآلهة بدلا منه لفساد المعنى، وقيل يصح ذلك ولا يفسد المعنى، ~~ورجحه ابن عطية وأبو البقاء وأبو حيان، وأنكر أن يكون في المعنى فساد على ~~هذا الوجه (بل ضلوا عنهم) أي غابوا عن نصرهم ولم يحضروا عند الحاجة إليهم، ~~وقيل بل هلكوا، وقيل الضمير في ضلوا راجع إلى الكفار: # أي تركوا الأصنام وتبرءوا منها، والأول أولى، والإشارة بقوله (وذلك) إلى ~~ضلال آلهتهم. والمعنى وذلك الضلال والضياع أثر (إفكهم) الذي هو اتخاذهم ~~إياها آلهة وزعمهم أنها تقربهم إلى الله. قرأ الجمهور " إفكهم " بكسر ~~الهمزة وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكا: أي كذبهم. وقرأ ابن عباس وابن ~~الزبير ومجاهد بفتح الهمزة والفاء والكاف على أنه فعل: أي ذلك القول صرفهم ~~عن التوحيد. وقرأ عكرمة بفتح الهمزة وتشديد الفاء: أي صيرهم آفكين. قال أبو ~~حاتم: يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم، وروى عن ابن عباس أنه قرأ ~~بالمد وكسر الفاء بمعنى صارفهم (وما كانوا يفترون) معطوف على إفكهم: أي ~~وأثر افترائهم أو أثر الذي كانوا يفترونه. # والمعنى: وذلك إفكهم: أي كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله ~~وتشفع لهم (وما كانوا يفترون) أي يكذبون أنها آلهة. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأحقاف جبل بالشام. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه في قوله (هذا عارض ممطرنا) قال: ~~هو السحاب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان ~~يتبسم، وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه، قلت: يا رسول الله، ~~الناس إذا رأو الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر. وأراك إذا رأيته عرفت في ~~وجهك الكراهية، قال: " يا عائشة: وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم ~~بالريح وقد رأى قوم العذاب، فقالوا - هذا عارض ممطرنا - ". وأخرج مسلم ~~والترمذي والنسائي وابن ماجة عنها قالت: كان ms3635 رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما ~~أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، فإذا تخيلت ~~السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه، فسألته فقال: ~~لا أدري، لعله كما قال قوم عاد - هذا عارض ممطرنا - " وأخرج ابن أبي الدنيا ~~في كتاب السحاب وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله (فلما رأوه عارضا ~~مستقبل أوديتهم) قالوا غيم فيه مطر، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان ~~خارجا من رجالهم ومواشيهم تطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم ~~وغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح ففتحت أبوابهم ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت ~~الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوما لهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم ~~الرمل وطرحتهم في البحر، فقهو قوله (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم). وأخرج ~~عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: ما أرسل الله على ~~عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم PageV05P024 # عنه في قوله (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) يقول: لم نمكنكم. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: عاد مكنوا في الأرض أفضل ~~مما مكنت فيه هذه الأمة، وكانوا أشد قوة أكثر أموالا وأطول أعمارا. # لما بين سبحانه أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر بين أيضا أن في الجن ~~كذلك، فقال (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) العامل في الظرف مقدر: أي وادكر ~~إذ صرفنا. أي وجهنا إليك نفرا من الجن وبعثناهم إليك، وقوله (يستمعون ~~القرآن) في محل نصب صفة ثانية لنفرا أو حال لأن النكرة قد تخصصت بالصفة ~~الأولى (فلما حضروه) أي حضروا القرآن عند تلاوته، وقيل حضروا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأول ~~أولى (قالوا أنصتوا) أي قال بعضهم لبعض اسكتوا، أمروا بعضهم بعضا ms3636 بذلك لأجل ~~أن يسمعوا (فلما قضى) قرأ الجمهور " قضى " مبنيا للمفعول: أي فرغ من ~~تلاوته. # وقرأ حبيب بن عبيد الله بن الزبير ولا حق بن حميد وأبو مجلز على البناء ~~للفاعل: أي فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تلاوته، والقراءة الأولى ~~تؤيد أن الضمير في " حضروه " للقرآن، والقراءة الثانية تؤيد أنه للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم (ولوا إلى قومهم منذرين) أي انصرفوا قاصدين إلى من ~~وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن ومحذرين لهم، وانتصاب: منذرين ~~على الحال المقدرة أي مقدرين الإنذار، وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وسيأتي في آخر البحث بيان ذلك (قالوا يا قومنا إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى) يعنون القرآن، وفي الكلام حذف، والتقدير: ~~فوصلوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا قال عطاء: كانوا يهودا فأسلموا (مصدقا ~~لما بين يديه) أي لما قبله من الكتب المنزلة (يهدى إلى الحق) أي إلى الدين ~~الحق (وإلى طريق مستقيم) أي إلى طريق الله القويم). قال مقاتل: لم يبعث ~~الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه PageV05P025 # وآله وسلم (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به) يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم أو القرآن (يغفر لكم من ذنوبكم) أي بعضها، وهو ما عدا حق ~~العباد، وقيل إن من هنا لابتداء الغاية. والمعنى: أنه يقع ابتداء الغفران ~~من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى، وقيل هي زائدة (ويجركم من ~~عذاب أليم) وهو عذاب النار، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكم الإنس ~~في الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي. وقال الحسن ليس لمؤمني الجن ~~ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة. والأول أولى، وبه قال مالك ~~والشافعي وابن أبي ليلى. وعلى القول الأول، فقال القائلون به أنهم بعد ~~نجاتهم من النار يقال لهم: كونوا ترابا، كما يقال للبهائم والثاني أرجح. ~~وقد قال الله سبحانه في مخاطبة الجن والإنس - ولمن خاف مقام ربه ms3637 جنتان فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان - فأمتن سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ~~ولا ينافي هذا الاقتصار ها هنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد ~~هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار وهو مقام عدل، فكيف لا يجازي ~~محسنهم بالجنة وهو مقام فضل، ومما يؤيد هذا أيضا ما في القرآن الكريم في ~~غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة، وجزاء من عمل الصالحات الجنة، وجزاء من ~~قال لا إله إلا الله الجنة، وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة. # وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم أم لا، وظاهر ~~الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس فقط كما في قوله - وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى -. وقال - وما أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق - وقال سبحانه في إبراهيم ~~الخليل - وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب -، فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم ~~فهو من ذريته، وأما قوله تعالى في سورة الأنعام - يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم - فقيل المراد من مجموع الجنسين وصدق على أحدهما، وهم ~~الإنس: كقوله - يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان - أي من أحدهما (ومن لا يجب ~~داعي الله فليس بمعجز في الأرض) أي لا يفوت الله ولا يسبقه ولا يقدر على ~~الهرب منه، لأنه وإن هرب كل مهرب فهو في الأرض لا سبيل له إلى الخروج منها، ~~وفي هذا ترهيب شديد (وليس له من دونه أولياء أي أنصار يمنعونه من عذاب ~~الله، بين سبحانه بعد استحالة نجاته بنفسه استحالة نجاته بواسطة غيره، ~~والإشارة بقوله (أولئك) إلى من لا يجب داعي الله، وأخبر أنهم (في ضلال ~~مبين) أي ظاهر واضح. ثم ذكر سبحانه دليلا على البعث، فقال (أولم يروا أن ~~الله الذي خلق السماوات والأرض) الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى العلم ~~والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر: أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الذي ~~خلق هذه الأجرام العظام من السماوات والأرض ms3638 ابتداء (ولم يعي بخلقهن) أي لم ~~يعجزه عن ذلك ولا ضعف عنه، يقال على بالأمر وعي: إذا لم يهتد لوجهه، ومنه ~~قول الشاعر: # عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامة قرأ الجمهور " ولم يعي " بسكون ~~العين وفتح الياء مضارع عيى. وقرأ الحسن بكسر العين وسكون الياء (بقادر على ~~أن يحيى الموتى). قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد، كما في قوله ~~- وكفى بالله شهيدا -. قال الكسائي والفراء والزجاج: العرب تدخل الباء مع ~~الجحد والاستفهام، فنقول ما أظنك بقائم، والجار والمجرور في محل رفع على ~~أنهما خبر لأن، وقرأ ابن مسعود وعيسى بن عمر والأعرج والجحدري وابن أبي ~~إسحاق ويعقوب وزيد بن علي " يقدر " على صيغة المضارع، واختار أبو عبيد ~~القراءة الأولى، واختار أبو حاتم القراءة الثانية قال: # لأن دخول الباء في خبر أن قبيح (بلى إنه على كل شئ قدير) لا يعجزه شئ ~~(ويوم يعرض الذين كفروا على النار) الظرف متعلق بقول مقدر: أي يقال ذلك ~~اليوم للذين كفروا (أليس هذا بالحق) وهذه الجملة هي المحكية PageV05P026 # بالقول، والإشارة بهذا إلى ما هو مشاهد لهم يوم عرضهم على النار، وفي ~~الاكتفاء بمجرد الإشارة من التهويل للمشار إليه والتفخيم لشأنه ما لا يخفي، ~~كأنه أمر لا يمكن التعبير عنه بلفظ يدل عليه (قالوا بلى وربنا) اعترفوا حين ~~لا ينفعهم الاعتراف، وأكدوا هذا الاعتراف بالقسم، لأن المشاهدة هي حق ~~اليقين الذي لا يمكن جحده ولا إنكاره (قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) ~~أي بسبب كفركم بهذا في الدنيا وإنكاركم له، وفي هذا الأمر لهم بذوق العذاب ~~بتوبيخ بالغ وتهكم عظيم. لما قرر سبحانه الأدلة على النبوة والتوحيد ~~والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) ~~والفاء جواب شرط محذوف: أي إذا عرفت ذلك وقامت عليه البراهين ولم ينجع في ~~الكافرين فاصبر كما صبر أولو العزم: أي أرباب الثباب والحزم فإنك منهم. قال ~~مجاهد: أولوا العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وهم أصحاب ms3639 الشرائع وقال أبو العالية: هم نوح وهود ~~وإبراهيم، فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم. وقال السدى: هم ستة إبراهيم ~~وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل نوح وهود ~~وصالح وشعيب ولوط وموسى. وقال ابن جريح: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس ~~منهم يونس. وقال الشعبي والكلبي: هم الذين أمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة ~~وجاهدوا الكفرة، وقيل هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية ~~عشر: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط. واختار هذا الحسين ~~بن الفضل لقوله بعد ذكرهم - أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده - وقيل ~~إن الرسل كلهم أولوا عزم، وقيل هم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى بني إسرائيل. # وقال الحسن: هم أربعة: إبراهيم وموسى وداود وعيسى (ولا تستعجل لهم) أي لا ~~تستعجل العذاب يا محمد للكفار. لما أمره سبحانه بالصبر ونهاه عن استعجال ~~العذاب لقومه رجاء أن يؤمنوا قال (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) من العذاب (لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار) أي كأنهم يوم يشاهدونه في الآخرة لم يلبثوا في ~~الدنيا إلا قدر ساعة من ساعات الأيام لما يشاهدونه من الهول العظيم والبلاء ~~المقيم. قرأ الجمهور (بلاغ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هذا الذي ~~وعظتهم به بلاغ، أو تلك الساعة بلاغ، أو هذا القرآن بلاغ، أو هو مبتدأ، ~~والخبر لهم الواقع بعد قوله (ولا تستعجل) أي لهم بلاغ، وقرأ الحسن وعيسى بن ~~عمر وزيد بن علي بلاغا بالنصب على المصدر: أي بلغ بلاغا، وقرأ أبو مجلز " ~~بلغ " بصيغة الأمر. وقرئ " بلغ " بصيغة الماضي (فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون) قرأ الجمهور " فهل يهلك " على البناء للمفعول. وقرأ ابن محيصن ~~على البناء للفاعل، والمعنى: أنه لا يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن ~~الطاعة الواقعون في معاصي الله. قال قتادة: لا يهلك على الله إلا هالك ~~مشرك. قيل وهذه الآية أقوى آية في الرجاء. قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع ~~رحمة ms3640 الله وفضله إلا القوم الفاسقون. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم ~~والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود قال: هبطوا، يعنى الجن على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا ~~أنصتوا، قالوا صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله (وإذ صرفنا إليك ~~نفرا من الجن) إلى قوله (ضلال مبين). وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه عن ~~الزبير (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) قال: بنخلة ورسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي العشاء الآخرة - كادوا يكونون عليه لبدا ~~-. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) ~~الآية. قال كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم رسلا إلى قومهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو ~~نعيم عنه PageV05P027 # نحوه وقال: أتوه ببطن نخلة. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عنه ~~أيضا قال: صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرتين وكانوا ~~أشراف الجن بنصيبين. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال: سألت ابن ~~مسعود من آذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ ~~قال: آذنته بهم شجرة. وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة ~~قال: قلت لابن مسعود: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم أحدا ~~ليلة الجن؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا اغتيل ~~استطير ما فعل؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح إذا نحن ~~به يجئ من قبل حراء، فأخبرناه فقال: إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت ~~عليهم القرآن، فانطلق فأرانا أثارهم وآثار نيرانهم. وأخرج أحمد عن ابن ~~مسعود قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الجن. وقد روى ~~نحو هذا من طرق. # والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعت منه صلى الله عليه وآله وسلم ms3641 ~~مع الجن حضر إحداهما ابن مسعود ولم يحضر في الأخرى. وقد وردت أحاديث كثيرة ~~أن الجن بعد هذا وفدت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة بعد مرة ~~وأخذوا عنه الشرائع. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال (أولو ~~العزم من الرسل) النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. ~~وأخرج ابن مردويه عنه قال: هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح ~~وهود وصالح وموسى وداود وسليمان. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله ~~قال: بلغني أن أولى العزم من الرسل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. وأخرج ابن ~~أبي حاتم والديلمي عن عائشة قالت: ظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~صائما ثم طوى، ثم ظل صائما ثم طوى، ثم ظل صائما قال: يا عائشة إن الدين لا ~~ينبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولى العزم من الرسل ~~إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما ~~كلفهم، فقال (أصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) وإني والله لأصبرن كما ~~صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله. # تفسير سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسمى سورة القتال، وسورة الذين ~~كفروا. وهي تسع وثلاثون آية، وقيل ثمان وثلاثون. # وهي مدنية. قال الماوردي: في قول الجميع، إلا ابن عباس وقتادة فإنهما ~~قالا: إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى ~~البيت، وهو يبكي حزنا عليه، فنزل قوله تعالى (وكأين من قرية هي أشد قوة من ~~قريتك) وقال الثعلبي: إنها مكية. وحكاه ابن هبة الله عن الضحاك وسعيد بن ~~جبير وهو غلط من القول، فالسورة مدنية كما لا يخفى. وقد أخرج ابن الضريس عن ~~ابن عباس قال: نزلت سورة القتال بالمدينة. وأخرج النحاس وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عنه قال: نزلت سورة محمد بالمدينة. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن الزبير قال: نزلت بالمدينة سورة الذين ms3642 كفروا وأخرج الطبراني في ~~الأوسط عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بهم في ~~المغرب - الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله -. PageV05P028 # قوله (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) هم كفار قريش كفروا بالله وصدوا ~~أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهو دين الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، كذا ~~قال مجاهد والسدي. وقال الضحاك: معنى عن سبيل الله: # عن بيت الله بمنع قاصديه. وقيل هم أهل الكتاب والموصول مبتدأ وخبره (أضل ~~أعمالهم) أي أبطلها وجعلها ضائعة. قال الضحاك: معنى أضل أعمالهم أبطل كيدهم ~~ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل الدائرة عليهم في كفرهم. وقيل ~~أبطل ما عملوه في الكفر مما كانوا يسمونه مكارم أخلاق. من صلة الأرحام وفك ~~الأسارى وقري الأضياف، وهذه وإن كانت باطلة من أصلها، لكن المعنى أنه ~~سبحانه حكم ببطلانها. ولما ذكر فريق الكافرين أتبعهم بذكر فريق المؤمنين ~~فقال (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) ظاهر هذا ~~العموم فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات ولا يمنع من ~~ذلك خصوص سببها، فقد قيل إنها نزلت في الأنصار، وقيل في ناس من قريش، وقيل ~~في مؤمني أهل الكتاب، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وخص ~~سبحانه الإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر مع ~~اندراجه PageV05P029 # تحت مطلق الإيمان المذكور قبله تنبيها على شرفه وعلو مكانه وجملة (وهو ~~الحق من ربهم) معترضة بين المبتدأ، وهو قوله (والذين آمنوا)، وبين خبرة وهو ~~قوله (كفر عنهم سيآتهم) ومعنى كونه الحق أنه الناسخ لما قبله، وقوله (من ~~ربهم) في محل نصب على الحال، ومعنى كفر عنهم سيآتهم: أي السيئات التي ~~عملوها فيما مضى فإنه غفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح (وأصلح بالهم) أي ~~شأنهم وحالهم. قال مجاهد: شأنهم، وقال قتادة: حالهم، وقيل أمرهم، والمعاني ~~متقاربة. قال المبرد: البال الحال ها هنا. قيل والمعنى: أنه عصمهم عن ~~المعاصي في حياتهم وأرشدهم إلى أعمال الخير، وليس المراد إصلاح حال دنياهم ms3643 ~~من إعطائهم المال، ونحو ذلك، وقال النقاش: إن المعنى أصلح نياتهم، ومنه قول ~~الشاعر: # فإن تقبلي بالود أقبل بمثله * وإن تدبري أذهب إلى حال باليا والإشارة ~~بقوله (ذلك) إشارة إلى ما مر مما أوعد به الكفار ووعد به المؤمنين، وهو ~~مبتدأ خبره ما بعده، وقيل إنه خبر مبتدأ محذوف: أي الأمر ذلك (ب‍) سبب (أن ~~الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم) فالباطل ~~الشرك، والحق التوحيد والإيمان، والمعنى: أن ذلك الإضلال لأعمال الكافرين ~~بسبب اتباعهم الباطل من الشرك بالله والعمل بمعاصيه، وذلك التكفير لسيئات ~~المؤمنين وإصلاح بالهم بسبب اتباعهم للحق الذي أمر الله باتباعه من التوحيد ~~والإيمان وعمل الطاعات (كذلك يضرب الله للناس أمثالهم) أي مثل ذلك الضرب ~~يبين للناس أمثالهم: أي أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة. ~~قال الزجاج: كذلك يضرب يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال ~~الكافرين: يعني أن من كان كافرا أضل الله عمله، ومن كان مؤمنا كفر الله ~~سيئاته (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) لما بين سبحانه حال الفريقين ~~أمر بجهاد الكفار، والمراد بالذين كفروا المشركين ومن لم يكن صاحب عهد من ~~أهل الكتاب، وانتصاب ضرب على أنه مصدر لفعل محذوف. وقال الزجاج: أي فاضربوا ~~الرقاب ضربا، وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بقطعها، وقيل هو ~~منصوب على الإغراء. قال أبو عبيدة: هو كقولهم: يا نفس صبرا، وقيل التقدير: ~~اقصدوا ضرب الرقاب. وقيل إنما خص ضرب الرقاب لأن في التعبير عنه من الغلظة ~~والشدة ما ليس في نفس القتل، وهي حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن ~~وعلوه وأحسن أعضائه (حتى إذا أثخنتموهم) أي بالغتم في قتلهم وأكثرتم القتل ~~فيهم، وهذه غاية للأمر بضرب الرقاب، لا لبيان غاية القتل، وهو مأخوذ من ~~الشئ الثخين: # أي الغليظ، وقد مضى تحقيق معناه في سورة الأنفال (فشدوا الوثاق) الوثاق ~~بالفتح ويجئ بالكسر: اسم الشئ الذي يوثق به كالرباط. قال الجوهري: وأوثقه ~~في الوثاق: أي شده، قال: والوثاق بكسر ms3644 الواو لغة فيه. قرأ الجمهور " فشدوا ~~" بضم الشين، وقرأ السلمي بكسرها. وإنما أمر سبحانه بشد الوثائق لئلا ~~ينفلتوا، والمعنى: إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم وأحيطوهم بالوثاق (فإما منا ~~بعد وإما فداء) أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منا، أو تفدوا فداء، ~~والمن: الإطلاق بغير عوض، والفداء: ما يفدي به الأسير نفسه من الأسر، ولم ~~يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدم. قرأ الجمهور " فداء " بالمد. وقرأ ابن ~~كثير " فدى " بالقصر، وإنما قدم المن على الفداء، لأنه من مكارم الأخلاق، ~~ولهذا كانت العرب تفتخر به، كما قال شاعرهم: # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم * إذا أثقل الأعناق جمل المغارم ثم ذكر ~~سبحانه الغاية لذلك فقال (حتى تضع الحرب أوزارها) أوزار الحرب التي لا تقوم ~~إلا بها من السلاح والكراع، أسند الوضع إليها وهو لأهلها على طريق المجاز، ~~والمعنى: أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور PageV05P030 # إلى غاية هي أن لا يكون حرب مع الكفار. قال مجاهد: المعنى حتى لا يكون ~~دين غير دين الإسلام وبه قال الحسن والكلبي. قال الكسائي: حتى يسلم الخلق. ~~قال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقيل المعنى: حتى يضع الأعداء ~~المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. وروى عن الحسن وعطاء ~~أنهما قالا: # في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، ~~فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. # وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، فقيل إنها منسوخة ~~في أهل الأوثان وأنه لا يجوز أن يفادوا ولا يمن عليهم، والناسخ لها قوله - ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - وقوله - فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم ~~من خلفهم - وقوله - وقاتلوا المشركين كافة - وبهذا قال قتادة والضحاك ~~والسدي وابن جريح وكثير من الكوفيين: قالوا: والمائدة آخر ما نزل، فوجب أن ~~يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن تؤخذ ~~منه الجزية، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة. وقيل إن هذه الآية ناسخة ~~لقوله - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - روى ذلك عن عطاء وغيره. وقال ms3645 كثير ~~من العلماء: إن الآية محكمة والإمام مخير بين القتل والأسر، وبعد الأسر ~~مخير بين المن والفداء. وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيد ~~وغيرهم. وهذا هو الراجح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء ~~الراشدين من بعده فعلوا ذلك. وقال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا ~~بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله - ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن ~~في الأرض - فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره (ذلك ~~ولو يشاء الله لانتصر منهم) محل ذلك الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي ~~الأمر ذلك، وقيل في محل نصب على المفعولية بتقدير فعل: أي افعلوا ذلك، ~~ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه ما تقدم: أي ذلك حكم الكفار، ~~ومعنى لو يشاء الله لانتصر منهم: أي قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم ~~وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب (ولكن) أمركم بحربهم (ليبلو ~~بعضكم ببعض) أي ليختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين في سبيله والصابرين على ~~ابتلائه ويجزل ثوابهم ويعذب الكفار بأيديهم (والذين قتلوا في سبيل الله) ~~قرأ الجمهور قاتلوا مبنيا للفاعل، وقرأ أبو عمرو وحفص " قتلوا " مبنيا ~~للمفعول، وقرأ الحسن بالتشديد مبنيا للمفعول أيضا. وقرأ الجحدري وعيسى بن ~~عمر وأبو حيوة " قتلوا " على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف، والمعنى ~~على القراءة الأولى والرابعة: أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع، ~~وعلى القراءة الثانية والثالثة: أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع ~~الله سبحانه أجرهم. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد. ثم ذكر ~~سبحانه ما لهم عنده من جزيل الثواب فقال (سيهديهم) أي سيهديهم الله سبحانه ~~إلى الرشد في الدنيا ويعطيهم الثواب في الآخرة (ويصلح بالهم) أي حالهم ~~وشأنهم وأمرهم. قال أبو العالية: قد ترد الهداية، والمراد بها إرشاد ~~المؤمنين إلى مسالك الجنان والطريق المفضية إليها، وقال ابن زياد: يهديهم ~~إلى محاجة منكر ونكير (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) أي ms3646 بينها لهم حتى عرفوها ~~من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم. قال ~~الواحدي: هذا قول عامة المفسرين. وقال الحسن: وصف الله لهم الجنة في ~~الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وقيل فيه حذف: # أي عرفوا طرقها ومساكنها وبيوتها. وقيل هذا التعريف بدليل يدلهم عليها، ~~وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه حتى يدخله منزله، كذا قال مقاتل. ~~وقيل معنى عرفها لهم طيبها بأنواع الملاذ، مأخوذ من العرف، وهو الرائحة. # ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ~~ينصركم) أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار ويفتح لكم، ومثله قوله - ~~ولينصرن الله من ينصره -. قال قطرب: إن تنصروا نبي الله ينصركم (ويثبت ~~أقدامكم) أي عند القتال وتثبت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن ~~الحرب، وقيل على الإسلام، وقيل على الصراط (والذين كفروا فتعسا لهم) ~~الموصول في محل رفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف PageV05P031 # تقديره فتعسوا بدليل ما بعده، ودخلت الفاء تشبيها للمبتدإ بالشرط، ~~وانتصاب تعسا على المصدر للفعل المقدر خبرا. قال الفراء: مثل سقيا لهم ~~ورعيا، وأصل التعس الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت: التعس أن يجر على ~~وجهه، والنكس أن يجر على رأسه، قال: والتعس أيضا الهلاك. قال الجوهري: ~~وأصله الكب وهو ضد الانتعاش، ومنه قول مجمع بن هلال: # تقول وقد أفردتها من حليلها * تعست كما أتعستني يا مجمع قال المبرد: أي ~~فمكروها لهم، وقال ابن جريج: بعدا لهم، وقال السدي: خزيا لهم. وقال ابن ~~زيد: شقاء لهم. وقال الحسن: شتما لهم. وقال ثعلب: هلاكا لهم، وقال الضحاك: ~~خيبة لهم: وقيل قبحا لهم، حكاه النقاش. وقال الضحاك: رغما لهم. وقال ثعلب ~~أيضا: شرا لهم. وقال أبو العالية: شقوة لهم. واللام في لهم للبيان كما في ~~قوله - هيت لك - وقوله (وأضل أعمالهم) معطوف على ما قبله داخل معه في خبرية ~~الموصول، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم مما ذكره الله من التعس ~~والإضلال: أي الأمر ذلك، أو ذلك الأمر (بأنهم كرهوا ms3647 ما أنزل الله) على ~~رسوله من القرآن، أوما أنزل على رسله من كتبه لاشتمالها على ما في القرآن ~~من التوحيد والبعث (فأحبط) الله (أعمالهم) بذلك السبب، والمراد بالأعمال ما ~~كانوا عملوا من أعمال الخير في الصورة وإن كانت باطلة من الأصل، لأن عمل ~~الكافر لا يقبل قبل إسلامه. ثم خوف سبحانه الكفار وأرشدهم إلى الاعتبار ~~بحال من قبلهم فقال (أفلم يسيروا في الأرض) أي ألم يسيروا في أرض عاد وثمود ~~وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) أي آخر ~~أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية. # ثم بين سبحانه ما صنع بمن قبلهم فقال (دمر الله عليهم) والجملة مستأنفة ~~جواب سؤال مقدر، والتدمير الإهلاك: # أي أهلكهم واستأصلهم، يقال دمره ودمر عليه بمعنى. ثم توعد مشركي مكة فقال ~~(وللكافرين أمثالها) أي لهؤلاء الكافرين أمثال عاقبة من قبلهم من الأمم ~~الكافرة. قال الزجاج وابن جرير: الضمير في أمثالها يرجع إلى عاقبة الذين من ~~قبلهم، وإنما جمع لأن العواقب متعددة بحسب تعدد الأمم المعذبة، وقيل أمثال ~~العقوبة، وقيل الهلكة، وقيل التدميرة والأول أولى لرجوع الضمير إلى ما هو ~~مذكور قبله، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكر من أن للكافرين أمثالها (بأن ~~الله مولى الذين آمنوا) أي بسبب أن الله ناصرهم (وأن الكافرين لا مولى لهم) ~~أي لا ناصر يدفع عنهم. وقرأ ابن مسعود " ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا " ~~قال قتادة: نزلت يوم أحد (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار) قد تقدم تفسير الآية في غير موضع، وتقدم كيفية جرى ~~الأنهار من تحت الجنات، والجملة مسوقة لبيان ولاية الله للمؤمنين (والذين ~~كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام) أي يتمتعون بمتاع الدنيا وينتفعون ~~به كأنهم أنعام ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة لاهون ~~بما هم فيه (والنار مثوى لهم) أي مقام يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرون ~~فيه، والجملة في محل نصب على الحال أو مستأنفة. # وقد أخرج الفريابي وعبد ms3648 بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله) قال: هم أهل مكة قريش نزلت فيهم (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال: ~~هم أهل المدينة الأنصار (وأصلح بالهم) قال: أمرهم. وأخرج ابن المنذر عنه في ~~قوله (أضل أعمالهم) قال: كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملا. ~~وأخرج النحاس عنه أيضا في قوله (فإما منا بعد وإما فداء) قال: فجعل الله ~~النبي والمؤمنين بالخيار في الأسار، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، ~~PageV05P032 # وإن شاءوا فادوهم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: ~~هذا منسوخ نسختها: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين -. وأخرج ابن ~~جرير وابن مردويه عن الحسن قال: أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رجلا ~~يقتله، فقال ابن عمر: ليس بهذا أمرنا إنما قال الله (حتى إذا أثخنتوهم ~~فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء). وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن ~~المنذر وابن مردويه عن ليث قال: قلت لمجاهد: بلغني أن ابن عباس قال: لا يحل ~~قتل الأسارى، لأن الله قال (فإما منا بعد وإما فداء) فقال مجاهد: لا تعبأ ~~بهذا شيئا أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلهم ينكر هذا، ~~ويقول هذه منسوخة إنما كانت في الهدنة التي كانت بين النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا، يقول الله - اقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم - ويقول - فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب - فإن كان من مشركي ~~العرب لم يقبل شئ منهم إلا الإسلام، فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم ~~فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا ~~استحيوهم وإن شاءوا فادوهم إذا لم يتحولوا عن دينهم، فإن أظهروا الإسلام لم ~~يفادوا. ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الصغير والمرأة ~~والشيخ الفاني. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة ~~عن النبي ms3649 صلى الله عليه وآله وسلم قال " يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن ~~مريم إماما مهديا وحكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وتوضع الجزية، ~~وتضع الحرب أوزارها ". وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني ~~وابن مردويه عن سلمة بن نفيل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث ~~قال: " لا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج ". وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس (وللكافرين أمثالها) قال: لكفار قومك يا محمد مثل ما دمرت به ~~القرى فأهلكوا بالسيف. PageV05P033 # خوف سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال (وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم) قد قدمنا أن كأين مركبة من الكاف ~~وأي، وأنها بمعنى كم الخبرية: أي وكم من قرية، وأنشد الأخفش قول الوليد: # وكأين رأينا من ملوك وسوقة * ومفتاح قيد للأسير المكبل ومعنى الآية: وكم ~~من أهل قرية هم أشد قوة من قريتك التي أخرجوك منها أهلكناهم (فلا ناصر لهم) ~~فبالأولى من هو أضعف منهم وهم قريش الذين هم أهل قرية النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهي مكة، فالكلام على حذف المضاف كما في قوله - وأسأل القرية - ~~قال مقاتل: أي أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسولهم. ثم ذكر سبحانه الفرق بين ~~حال المؤمن وحال الكافر فقال (أفمن كان على بينة من ربه) والهمزة للإنكار، ~~والفاء للعطف على مقدر كنظائره، ومن مبتدأ، والخبر (كمن زين له سوء عمله) ~~وأفرد في هذا باعتبار لفظ من، وجمع في قوله (واتبعوا أهواءهم) باعتبار ~~معناها، والمعنى: أنه لا يستوى من كان على يقين من ربه ولا يكون كمن زين له ~~سوء عمله، وهو عبادة الأوثان والإشراك بالله والعمل بمعاصي الله، واتبعوا ~~أهواءهم في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب الشك فضلا ~~عن حجة نيرة. ثم لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال ~~بين الفرق في مرجعهما ومآلهما فقال (مثل الجنة التي وعد المتقون) والجملة ~~مستأنفة لشرح محاسن الجنة وبيان ما فيها، ومعنى مثل ms3650 الجنة وصفها العجيب ~~الشأن، وهو مبتدأ وخبره محذوف. قال النضر بن شميل: # تقديره ما يسمعون، وقدره سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة، قال: والمثل ~~هو الوصف ومعناه وصف الجنة، وجملة (فيها أنهار من ماء غير آسن) الخ مفسرة ~~للمثل. وقيل إن مثل زائدة، وقيل إن مثل الجنة مبتدأ، والخبر فيها أنهار، ~~وقيل خبره كمن هو خالد، والآسن المتغير، يقال أسن الماء يأسن أسونا: إذا ~~تغيرت رائحته، ومثله الآجن، ومنه قول زهير: # قد أترك القرن مصفرا أنامله * يميد في الرمح ميد المالح الأسن قرأ ~~الجمهور " آسن " بالمد. وقرأ حميد وابن كثير بالقصر، وهما لغتان كحاذر ~~وحذر. وقال الأخفش، إن الممدود يراد به الاستقبال، والمقصود يراد به الحال ~~(وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) أي لم يحمض كما تغير ألبان الدنيا، لأنها لم ~~تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر (وأنهار من خمر لذة للشاربين) أي لذيذة ~~لهم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون، يقال شراب لذ ولذيذ وفيه لذة بمعنى، ~~ومثل هذه الآية قوله - بيضاء لذة للشاربين - قرأ الجمهور " لذة " بالجز صفة ~~لخمر، وقرئ بالنصب على أنه مصدر، أو مفعول له. وقرئ بالرفع صفة لأنهار ~~(وأنهار من عسل مصفى) أي مصفى مما يخالطه من الشمع والقذى والعكر والكدر ~~(ولهم فيها من كل الثمرات) أي لأهل الجنة في الجنة مع ما ذكر من الأشربة من ~~كل الثمرات: أي من كل صنف من أصنافها، و " من " زائدة للتوكيد (ومغفرة من ~~ربهم) لذنوبهم، وتنكير مغفرة للتعظيم: أي ولهم مغفرة عظيمة كائنة من ربهم ~~(كمن هو خالد في النار) هو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أم من هو في نعيم ~~الجنة على هذه الصفة خالدا فيها كمن هو خالد في النار أو خبر لقوله مثل ~~الجنة كما تقدم. ورجح الأول الفراء فقال: أراد أمن كان في هذا النعيم كم هو ~~خالد في النار. وقال الزجاج: أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطى هذه ~~الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار، فقوله " كمن " بدل من ms3651 قوله ~~" أفمن زين له سوء عمله " وقال ابن كيسان: ليس مثل الجنة التي فيها الثمار ~~والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم، وليس مثل أهل الجنة في ~~النعيم كمثل أهل النار في العذاب الأليم، PageV05P034 # وقوله (وسقوا ماء حميما) عطف على الصلة عطف جملة فعلية على اسمية لكنه ~~راعى في الأولى لفظ من، وفي الثانية معناها، والحميم الماء الحار الشديد ~~للغليان، فإذا شربوه قطع أمعاءهم، وهو معنى قوله (فقطع أمعاءهم) لفرط ~~حرارته. والأمعاء جمع معي، وهي ما في البطون من الحوايا (ومنهم من يستمع ~~إليك) أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام من يستمع ~~إليك وهم المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظ من، وجمع في قوله (حتى إذا ~~خرجوا من عندك) باعتبار معناها، والمعنى: أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف ~~وعظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومواطن خطبة التي يمليها على ~~المسلمين حتى إذا خرجوا من عنده (قالوا للذين أوتوا العلم) وهم علماء ~~الصحابة، وقيل عبد الله بن عباس، وقيل عبد الله بن مسعود، وقيل أبو ~~الدرداء، والأول أولى: أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم (ماذا قال آنفا) أي ~~ماذا قال النبي الساعة على طريقة الاستهزاء، والمعنى: # أنا لم نلتفت إلى قوله، وآنفا يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات، ومنه ~~أمر آنف: أي مستأنف، وروضة أنف: أي لم يرعها أحد، وانتصابه على الظرفية: أي ~~وقتا مؤتنفا، أو حال من الضمير في قال. قال الزجاج: # هو من استأنفت الشئ: إذا ابتدأته، وأصله مأخوذ من أنف الشئ لما تقدم منه، ~~مستعار من الجارحة، ومنه قول الشاعر: ويحرم سر جارتهم عليهم * ويأكل جارهم ~~أنف القصاع والإشارة بقوله (أولئك) إلى المذكورين من المنافقين (الذين طبع ~~الله على قلوبهم) فلم يؤمنوا ولا توجهت قلوبهم إلى شئ من الخبر (واتبعوا ~~أهواءهم) في الكفر والعناد. ثم ذكر حال أضدادهم فقال (والذين اهتدوا زادهم ~~هدى) أي والذين اهتدوا إلى طريق الخير، فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به ~~زادهم هدى بالتوفيق، وقيل زادهم النبي صلى الله ms3652 عليه وآله وسلم، وقيل زادهم ~~القرآن. وقال الفراء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى وقيل زادهم ~~نزول الناسخ هدى، وعلى كل تقدير فالمراد أنه زادهم إيمانا وعلما وبصيرة في ~~الدين (وآتاهم تقواهم) أي ألهمهم إياها وأعانهم عليها. والتقوى قال الربيع: ~~هي الخشية. وقال السدى: هي ثواب الآخرة. وقال مقاتل: هي التوفيق للعمل الذي ~~يرضاه، وقيل العمل بالناسخ وترك المنسوخ، وقيل ترك الرخص والأخذ بالعزائم ~~(فهل ينظرون إلا الساعة) أي القيامة (أن تأتيهم بغتة) أي فجأة، وفي هذا ~~وعيد للكفار شديد، وقوله (أن تأتيهم بغتة) بدل من الساعة بدل اشتمال. وقرأ ~~أبو جعفر الرواسي " إن تأتهم " بأن الشرطية (فقد جاء أشراطها) أي أماراتها ~~وعلاماتها وكانوا قد قرءوا في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخر ~~الأنبياء، فبعثته من أشراطها، قاله الحسن والضحاك والأشراط جمع شرط بسكون ~~الراء وفتحها. وقيل المراد بأشراطها هنا: أسبابها التي هي دون معظمها. وقيل ~~أراد بعلامات الساعة انشقاق القمر والدخان، كذا قال الحسن، وقال الكلبي: # كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة ~~اللئام، ومنه قول أبي زيد الأسود: # فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا * فقد جعلت أشراط أوله تبدو (فأنى لهم إذا ~~جاءتهم ذكراهم) ذكراهم مبتدأ وخبره فأنى لهم: أي أنى لهم التذكر إذا جاءتهم ~~الساعة كقوله - يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى - وإذا جاءتهم اعتراض ~~بين المبتدأ والخبر (فاعلم أنه لا إله إلا الله) أي إذا علمت أن مدار الخير ~~هو التوحيد والطاعة، ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله فاعلم أنه لا ~~إله غيره ولا رب سواه، والمعنى: أثبت على ذلك واستمر عليه، لأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قد كان عالما بأنه لا إله إلا الله قبل هذا، وقيل ما علمته ~~استدلالا فاعلمه خبرا يقينا. وقيل المعنى: فاذكر أنه لا إله إلا الله، فعبر ~~عن الذكر PageV05P035 # بالعلم (واستغفر لذنبك) أي استغفر الله أن يقع منك ذنب، أو استغفر الله ~~ليعصمك، أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأولى. وقيل ms3653 الخطاب له، ~~والمراد الأمة، ويأتي هذا قوله (وللمؤمنين والمؤمنات) فإن المراد به ~~استغفاره لذنوب أمته بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم (والله يعلم ~~متقلبكم) في أعمالكم (ومثواكم) في الدار الآخرة، وقيل متقلبكم في أعمالكم ~~نهارا ومثواكم في ليلكم نياما - وقيل متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام ~~الأمهات ومثواكم في الأرض: أي مقامكم فيها. قال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر ~~إلى بطن في الدنيا، ومثواكم في القبور. # وقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج من مكة إلى الغار ~~التفت إلى مكة وقال: أنت أحب بلاد الله إلى، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لما ~~أخرج، فأعتي الأعداء من عتا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل ~~بدخول الجاهلية " فأنزل الله (وكأين من قرية) الآية. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (أنهار من ماء غير آسن) قال: غير متغير. وأخرج أحمد ~~والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث عن معاوية بن ~~حيدة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " في الجنة بحر اللبن ~~وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها ". وأخرج الحارث بن ~~أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ~~ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة، ونهر سيحان ~~نهر الماء في الجنة. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس في قوله (حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ~~آنفا) قال: كنت فيمن يسأل. وأخرج عبد بن حميد من وجه آخر عنه في الآية قال: ~~أنا منهم، وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذ ذاك صبيا غير بالغ، ~~فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو في سن البلوغ، فسؤال الناس له ~~عن معاني القرآن ms3654 في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووصف الله سبحانه ~~للمسئولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم من أعظم الأدلة على سعة علمه ~~ومزيد فقهه في كتاب الله وسنة رسوله، مع كون أترابه وأهل سنه إذ ذاك يلعبون ~~مع الصبيان. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانوا يدخلون على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس: ماذا قال ~~آنفا؟ # فيقول كذا وكذا، وكان ابن عباس أصغر القوم، فأنزل الله الآية، فكان ابن ~~عباس من الذين أوتوا العلم وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن ابن بريدة في ~~الآية قال: هو عبد الله بن مسعود. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس قال: هو عبد الله بن مسعود. وأخرج ابن جرير وابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) قال: لما ~~أنزل القرآن آمنوا به، فكان هدى، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى. ~~وأخرج ابن المنذر عنه (فقد جاء أشراطها) قال: أول الساعات، وقد ثبت في ~~الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة " ومثله عند البخاري من ~~حديث سهل بن سعد. وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة وبيان ما ~~قد وقع منها وما لم يكن قد وقع، وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها. ~~وأخرج الطبراني وابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء ~~الاستغفار " ثم قرأ (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات). وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي PageV05P036 # في الشعب عن أبي هريرة في قوله (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إني لأستغفر الله في اليوم سبعين ms3655 مرة ~~". وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ~~عن عبد الله بن سرجس قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكلت معه ~~من طعام، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، قال: ولك، فقيل: أتستغفر لك يا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم ولكم وقرأ (واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات) " وقد ورد أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وآله ~~وسلم لنفسه ولأمته وترغيبه في الاستغفار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس (والله يعلم متقلبكم) في الدنيا (ومثواكم) في ~~الآخرة. # سأل المؤمنون ربهم عز وجل أن ينزل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~سورة يأمرهم فيها بقتال الكفار حرصا منهم على الجهاد ونيل ما أعد الله ~~للمجاهدين من جزيل الثواب، فحكى الله عنهم ذلك بقوله (ويقول الذين آمنوا ~~لولا نزلت سورة) أي هلا نزلت (فإذا أنزلت سورة محكمة) أي غير منسوخة (وذكر ~~فيها القتال) أي فرض الجهاد قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، ~~وهي أشد القرآن على المنافقين، وفي قراءة ابن مسعود " فإذا أنزلت سورة ~~محدثة " أي محدثة النزول. قرأ الجمهور " فإذا أنزلت " وذكر على بناء ~~الفعلين للمفعول. وقرأ زيد بن علي وابن عمير " نزلت " وذكر على بناء ~~الفعلين للفاعل ونصب القتال (رأيت الذين PageV05P037 # في قلوبهم مرض) أي شك، وهم المنافقون (ينظرون إليك نظر المغشى عليه من ~~الموت) أي ينظرون إليك نظر من شخص بصره عند الموت لجبنهم عن القتال وميلهم ~~إلى الكفار. قال ابن قتيبة والزجاج: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم ~~وينظرون إليك نظرا شديدا كما ينظر الشاخص بصره عند الموت (فأولى لهم) قال ~~الجوهري: # وقولهم أولى لك تهديد ووعيد، وكذا قال مقاتل والكلبي وقتادة. قال ~~الأصمعي: معنى قولهم في التهديد أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره، وأنشد قول ~~الشاعر: # فعادى بين هاذيتين منها * وأولى أن يزيد على الثلاث أي قارب أن يزيد. قال ~~ثعلب: ولم يقل في أولى أحسن مما قاله ms3656 الأصمعي. وقال المبرد: يقال لمن هم ~~بالغضب ثم أفلت أولى لك: أي قاربت الغضب. وقال الجرجاني: هو مأخوذ من ~~الويل: أي فويل لهم، وكذا قال في الكشاف. قال قتادة أيضا: كأنه قال العقاب ~~أولى لهم، وقوله (طاعة وقول معروف) كلام مستأنف: أي أمرهم طاعة، أو طاعة ~~وقول معروف خير لكم. قال الخليل وسيبويه: إن التقدير طاعة وقول معروف أحسن ~~وأمثل لكم من غيرهما. وقيل إن طاعة خبر أولى، وقيل إن طاعة صفة لسورة، وقيل ~~إن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر، والأول أولى ((فإذا عزم الأمر) عزم ~~الأمر جد الأمر: أي جد القتال ووجب وفرض، وأسند العزم إلى الأمر وهو ~~لأصحابه مجازا، وجواب إذا قيل هو " فلو صدقوا الله " وقيل محذوف تقديره ~~كرهوه. قال المفسرون معناه إذا جد الأمر ولزم فرض القتال خالفوا وتخلفوا ~~(فلو صدقوا الله) في إظهار الإيمان والطاعة (لكان خيرا لهم) من المعصية ~~والمخالفة (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) هذا ~~خطاب للذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتقريع. قال ~~الكلبي: أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ~~كعب (أن تفسدوا في الأرض) أي بقتل بعضكم بعضا، وقال قتادة: إن توليتم عن ~~طاعة كتاب الله عز وجل أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء وتقطعوا أرحامكم. ~~وقال ابن جريج: إن توليتم عن الطاعة، وقيل أعرضتم عن القتال وفارقتم ~~أحكامه. قرأ الجمهور " توليتم " مبنيا للفاعل، وقرأ علي بن أبي طالب بضم ~~التاء والواو وكسر اللام مبنيا للمفعول، وبها قرأ ابن أبي إسحاق وورش عن ~~يعقوب، ومعناها فهل عسيتم إن ولى عليكم ولاة جائرين أن تخرجوا عليهم في ~~الفتنة وتحاربوهم وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل. وقرأ الجمهور ~~(وتقطعوا) بالتشديد على التكثير، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه وسلام وعيسى ~~ويعقوب بالتخفيف من القطع يقال: عسيت أن أفعل كذا، وعسيت بالفتح والكسر ~~لغتان، ذكره الجوهري وغيره، وخبر عسيتم هو أن تفسدوا، والجملة الشرطية ~~بينهما اعتراض، والإشارة بقوله (أولئك) إلى ms3657 المخاطبين بما تقدم وهو مبتدأ ~~وخبره (الذين لعنهم الله): أي أبعدهم من رحمته وطردهم عنها (فأصمهم) عن ~~استماع الحق (وأعمى أبصارهم) عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث ~~وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والاستفهام ~~في قوله (أفلا يتدبرون القرآن) للإنكار، والمعنى: أفلا يتفهمونه فيعلمون ~~بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة والحجج الظاهرة والبراهين القاطعة التي ~~تكفي من له فهم وعقل وتزجره عن الكفر بالله والإشراك به والعمل بمعاصيه (أم ~~على قلوب أقفالها) أم هي المنقطعة: أي بل أعلى قلوب أقفالها فهم لا يفهمون ~~ولا يعقلون. قال مقاتل: يعني الطبع على القلوب والأقفال استعارة لانغلاق ~~القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ~~ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم ~~الإيمان ولا يخرج منها الكفر والشرك، لأن الله سبحانه قد طبع عليها، ~~والمراد بهذه القلوب قلوب هؤلاء المخاطبين. قرأ الجمهور " أقفالها " ~~بالجمع، وقرئ " إقفالها " بكسر الهمزة على أنه مصدر كالأقبال (إن الذين ~~ارتدوا PageV05P038 # على أدبارهم) أي رجعوا كفارا كما كانوا. قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب ~~كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم، وبه قال ~~ابن جرير. وقال الضحاك والسدي: هم المنافقون قعدوا عن القتال، وهذا أولى ~~لأن السياق في المنافقين (من بعد ما تبين لهم الهدى) بما جاءهم به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة ~~(الشيطان سول لهم) أي زين لهم خطاياهم وسهل لهم الوقوع فيها، وهذه الجملة ~~خبر إن، ومعنى (وأملى لهم) أن الشيطان مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر، ~~وقيل إن الذي أملى لهم هو الله عز وجل على معنى أنه لم يعاجلهم بالعقوبة. ~~قرأ الجمهور (أملى) مبنيا للفاعل، وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق وعيسى بن ~~عمر وأبو جعفر وشيبة على البناء للمفعول. قيل وعلى هذه القراءة يكون الفاعل ~~هو الله أو الشيطان كالقراءة الأولى، وقد ms3658 اختار القول بأن الفاعل الله ~~الفراء والمفضل، والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدم ذكره قريبا، والإشارة ~~بقوله (ذلك) إلى ما تقدم من ارتدادهم، وهو مبتدأ وخبره (بأنهم قالوا للذين ~~كرهوا ما نزل الله) أي بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على أدبارهم ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله، وهم المشركون (سنطيعكم في بعض الأمر) وهذا ~~البعض هو عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومخالفة ما جاء به. وقيل ~~المعنى: # إن المنافقين قالوا لليهود: سنطيعكم في بعض الأمر، وقيل إلى القائلين ~~اليهود والذين كرهوا ما أنزل الله المنافقون، وقيل إن الإشارة بقوله " ذلك ~~" إلى الإملاء، وقيل إلى التسويل، والأول أولى. ويؤيد كون القائلين ~~المنافقين والكارهين اليهود قوله تعالى - ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطبع فيكم ~~أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم - ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما ~~أنزل الله بطريقة السر بينهم. قال الله سبحانه (والله يعلم أسرارهم) قرأ ~~الجمهور بفتح الهمزة جمع سر، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ ~~الكوفيون وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن وثاب والأعمش بكسر الهمزة على ~~المصدر: أي إخفاءهم (فكيف إذا توفتهم الملائكة) الفاء لترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها، وكيف في محل رفع على أنها خبر مقدم، والتقدير: فكيف علمه ~~بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة، أو في محل نصب بفعل محذوف: # أي فكيف يصنعون، أو خبر لكان مقدرة: أي فكيف يكونون، والظرف معمول ~~للمقدر، قرأ الجمهور " توفتهم " وقرأ الأعمش " توفاهم " وجملة (يضربون ~~وجوههم وأدبارهم) في محل نصب على الحال من فاعل توفتهم أو من مفعوله: أي ~~ضاربين وجوههم وضاربين أدبارهم، وفي الكلام تخويف وتشديد، والمعنى: أنه إذا ~~تأخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا، وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال ~~وأشنعه. وقيل ذلك عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقيل ذلك يوم القيامة، والأول أولى. والإشارة بقوله (ذلك) إلى ~~التوفي المذكور على الصفة المذكورة، وهو ms3659 مبتدأ وخبره (بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله) أي بسبب اتباعهم ما يسخط الله من الكفر والمعاصي، وقيل كتمانهم ما في ~~التوراة من نعت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، والأول أولى لما في الصيغة ~~من العموم (وكرهوا رضوانه) أي كرهوا ما يرضاه الله من الإيمان والتوحيد ~~والطاعة (فأحبط) الله (أعمالهم) بهذا السبب، والمراد بأعمالهم الأعمال التي ~~صورتها صورة الطاعة وإلا فلا عمل لكافر، أو ما كانوا قد عملوا من الخير قبل ~~الردة (أم حسب الذين في قلوبهم مرض) يعني المنافقين المذكورين سابقا، وأم ~~هي المنقطعة: أي بل أحسب المنافقون (أن لن يخرج الله أضغانهم) الإخراج ~~بمعنى الإظهار، والأضغان جمع ضغن، وهو ما يضمر من المكروه. # واختلف في معناه، فقيل هو الغش، وقيل الحسد، وقيل الحقد. قال الجوهري: ~~الضغن والضغينة الحقد. # وقال قطرب: هو في الآية العداوة، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير ~~شأن مقدر (ولو نشاء لأريناكهم) أي لأعلمناكهم وعرفناكهم بأعيانهم معرفة ~~تقوم مقام الرؤية، تقول العرب: سأريك ما أصنع: أي سأعلمك PageV05P039 # (فلعرفتهم بسيماهم) أي بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها. قال ~~الزجاج: المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيما فلعرفتهم ~~بتلك العلامة، والفاء لترتيب المعرفة على الإراءة، وما بعدها معطوف على ~~جواب لو وكررت في المعطوف للتأكيد، وأما اللام في قوله (ولتعرفنهم في لحن ~~القول) فهي جواب قسم محذوف. قال المفسرون: لحن القول فحواه ومقصده ومغزاه ~~وما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين، وكان بعد هذا لا يتكلم منافق ~~عنده إلا عرفه. قال أبو زيد: لحنت له اللحن: إذا قلت له قولا يفقهه عنك ~~ويخفي على غيره، ومنه قول الشاعر: # منطق صائب وتلحن أحيانا * وخير الكلام ما كان لحنا أي أحسنه ما كان ~~تعريضا يفهمه المخاطب ولا يفهمه غيره لفطنته وذكائه، وأصل اللحن إمالة ~~الكلام إلى نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض (والله يعلم أعمالكم) لا تخفي ~~عليه منها خافية فيجازيكم بها، وفيه وعيد شديد (ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين) أي لنعاملنكم معاملة المختبر، ms3660 وذلك بأن نأمركم ~~بالجهاد حتى نعلم من امتثل الأمر بالجهاد وصبر على دينه ومشاق ما كلف به. ~~قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة بالنون، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالتحتية فيها ~~كلها، ومعنى (ونبلو أخباركم) نظهرها ونكشفها امتحانا لكم ليظهر للناس من ~~أطاع ما أمره الله به، ومن عصى، ومن لم يمتثل. وقرأ الجمهور " ونبلو " بنصب ~~الواو عطفا على قوله " حتى نعلم " وروى ورش عن يعقوب إسكانها على القطع عما ~~قبله. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت ~~الرحم بحقو الرحمن، فقال مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم ~~أترضى أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى. قال: فذلك لك، ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقرءوا إن شئتم (فهل عسيتم) الآية إلى قوله ~~(أم على قلوب أقفالها) " والأحاديث في صلة الرحم كثيرة جدا. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس في قوله (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) قال: هم أهل النفاق. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (أم حسب الذين في قلوبهم مرض ~~أن لن يخرج الله أضغانهم) قال: # أعمالهم خبثهم والحسد الذي في قلوبهم، ثم دل الله تعالى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعد على المنافقين فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق. ~~وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله (ولتعرفنهم في لحن ~~القول) قال: ببغضهم علي بن أبي طالب. PageV05P040 # سورة محمد (32 - 38) قوله (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) المراد ~~بهؤلاء هم المنافقون، وقيل أهل الكتاب، وقيل هم المطعمون يوم بدر من ~~المشركين، ومعنى صدهم عن سبيل الله: منعهم للناس عن الإسلام واتباع الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم (و) معنى (شاقوا الرسول) عادوه وخالفوه (من بعد ما ~~تبين لهم الهدى) أي علموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم نبي من عند الله ms3661 بما ~~شاهدوا من المعجزات الواضحة والحجج القاطعة (لن يضروا الله شيئا) بتركهم ~~الإيمان وإصرارهم على الكفر وما ضروا إلا أنفسهم (وسيحبط أعمالهم) أي ~~يبطلها، والمراد بهذه الأعمال ما صورته صورة أعمال الخير كإطعام الطعام ~~وصلة الأرحام وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير وإن كانت باطلة من الأصل لأن ~~الكفر مانع، وقيل المراد بالأعمال المكائد التي نصبوها لإبطال دين الله ~~والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم أمر ~~سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله فقال (يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فيما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب ~~الله وسنة رسوله، ثم نهاهم عن أن يبطلوا أعمالكم كما أبطلت الكفار أعمالها ~~بالإصرار على الكفر فقال (ولا تبطلوا أعمالكم) قال الحسن: أي لا تبطلوا ~~حسناتكم بالمعاصي. # وقال الزهري: بالكبائر. وقال الكلبي وابن جريج: بالرياء والسمعة. وقال ~~مقاتل: بالمن. والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان ~~الأعمال كائنا ما كان من غير تخصيص بنوع معين. ثم بين سبحانه أنه لا يغفر ~~للمصرين على الكفر والصد عن سبيل الله فقال (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) فقيد سبحانه عدم المغفرة بالموت ~~على الكفر، لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حيا، وظاهر ~~الآية العموم وإن كان السبب خاصا. ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف ~~فقال (فلا تهنوا) أي تضعفوا عن القتال، والوهن الضعف (وتدعوا إلى السلم) أي ~~ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. ~~قال الزجاج: منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم ~~حتى يسلموا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " وتدعوا " بتشديد الدال من ادعى ~~القوم وتداعوا. قال قتادة: # معنى الآية: لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها. # واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل إنها محكمة، ~~وإنها ناسخة لقوله - وإن جنحوا للسلم فاجنح ms3662 لها - وقيل منسوخة بهذه الآية. ~~ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه ~~الآية عن أن يدعوا إلى السلم ابتداء ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه ~~المشركون، فالآيتان محكمتان ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى ~~النسخ أو التخصيص، وجملة (وأنتم الأعلون) في محل نصب على الحال، أو مستأنفة ~~مقررة لما قبلها من النهى: أي وأنتم الغالبون بالسيف والحجة. قال الكلبي: ~~أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وكذا جملة قوله (والله معكم) ~~في محل نصب على الحال: أي معكم بالنصر PageV05P041 # والمعونة عليهم (ولن يتركم أعمالكم) أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم، ~~يقال وتره يتره وترا: إذا نقصه حقه وأصله من وترت الرجل: إذا قتلت له قريبا ~~أو نهبت له مالا، ويقال فلان مأتور: إذا قتل له قتيل ولم يؤخذ بدمه. قال ~~الجوهري: أي لن ينقصكم في أعمالكم كما تقول دخلت البيت وأنت تريد في البيت. ~~قال الفراء: هو مشتق من الوتر وهو الدخل، وقيل مشتق من الوتر وهو الفرد، ~~فكأن المعنى: ولن يفردكم بغير ثواب (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) أي باطل ~~وغرور لا أصل لشئ منها ولا ثبات له ولا اعتداد به (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم ~~أجوركم) أي إن تؤمنوا بالله وتتقوا الكفر والمعاصي يؤتكم جزاء ذلك في ~~الآخرة، والأجر الثواب على الطاعة (ولا يسألكم أموالكم) أي لا يأمركم ~~بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل ~~منها وهو الزكاة. وقيل المعنى: لا يسألكم أموالكم إنما يسألكم أمواله لأنه ~~أملك لها، وهو المنعم عليكم بإعطائها. # وقيل لا يسألكم أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة كما في قوله - ما أسألكم ~~عليه من أجر - والأول أولى (إن يسألكموها) أي أموالكم كلها (فيحفكم) قال ~~المفسرون: يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال أحفى بالمسألة وألحف ~~وألح بمعنى واحد، والمعنى المستقصى في السؤال، والإحفاء الاستقصاء في ~~الكلام، ومنه إحفاء الشارب: أي استئصاله، وجواب الشرط قوله (تبخلوا) أي إن ms3663 ~~يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها وتمتنعوا من الامتثال (ويخرج ~~أضغانكم) معطوف على جواب الشرط، ولهذا قرأ الجمهور " يخرج " بالجزم، وروى ~~عن أبي عمرو أنه قرأ بالرفع على الاستئناف، وروى عنه أنه قرأ بفتح الياء ~~وضم الراء ورفع أضغانكم، وروى عن يعقوب الحضرمي أنه قرأ بالنون، وقرأ ابن ~~عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد بالفوقية المفتوحة مع ضم الراء. وعلى قراءة ~~الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه، أو إلى البخل المدلول عليه ~~بتبخلوا. والأضغان: الأحقاد، والمعنى: أنها تظهر عند ذلك. قال قتادة: قد ~~علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في ~~سبيل الله) أي ها أنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون لتنفقوا في الجهاد وفي ~~طريق الخير (فمنكم من يبخل) بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل ~~الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال، فكيف لا تبخلون بالكثير وهو ~~جميع الأموال. ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال (ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه) أي يمنعها الأجر والثواب ببخله، وبخل يتعدى بعلى تارة ~~وبعن أخرى. وقيل إن أصله أن يتعدى بعلى ولا يتعدى بعن إلا إذا ضمن معنى ~~الإمساك (والله الغنى) المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم (وأنتم ~~الفقراء) إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة، وجملة (وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم) معطوفة على الشرطية المتقدمة وهي وإن تؤمنوا، والمعنى: ~~وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم هم أطوع ~~لله منكم (ثم لا يكونوا أمثالكم) في التولي عن الإيمان والتقوى. قال عكرمة: ~~هم فارس والروم. وقال الحسن: هم العجم. وقال شريح ابن عبيد: هم أهل اليمن، ~~وقيل الأنصار، وقيل الملائكة، وقيل التابعون. وقال مجاهد: هم من شاء الله ~~من سائر الناس. قال ابن جرير: والمعنى (ثم لا يكونوا أمثالكم) في البخل ~~بالإنفاق في سبيل الله. # وقد أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي ~~العالية قال: كان ms3664 أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرون أنه لا يضر ~~مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت (أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد ~~بن حميد: فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم. وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن ~~مردويه عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي PageV05P042 # صلى الله عليه وآله وسلم نرى أنه ليس شئ من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت ~~(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) فلما نزلت هذه الآية ~~قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش فكنا ~~إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك، حتى نزلت هذه الآية - إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - فلما نزلت كففنا عن القول في ~~ذلك، وكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئا خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا ~~رجوناه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (يتركم) قال: يظلمكم. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه قال: لما ~~نزلت (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم) قالوا من هؤلاء وسلمان إلى جانب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: هم الفرس هذا وقومه. وفي إسناده مسلم بن ~~خالد الزنجي وقد تفرد به، وفيه مقال معروف. وأخرجه عنه عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، والبيهقي في ~~الدلائل عن أبي هريرة قال " تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه ~~الآية (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم) فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ~~إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان ~~الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " وفي إسناده أيضا مسلم بن ~~خالد الزنجي. وأخرج ابن مردويه من حديث ms3665 جابر نحوه. # تفسير سورة الفتح هي تسع وعشرون آية، وهي مدنية قال القرطبي: بالإجماع. ~~وقد أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ~~سورة الفتح بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ابن ~~إسحاق والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة ومروان قالا: ~~نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها وهذا ~~لا ينافي الإجماع على كونها مدنية، لأن المراد بالسور المدنية النازلة بعد ~~الهجرة من مكة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مغفل قال: قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح في مسيرة سورة الفتح على ~~راحلته فرجع فيها. وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا، ~~فسأله عمر عن شئ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم سأله فلم ~~يجبه ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب: هلكت أم عمر نزرت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك، فقال عمر: فحركت بعيري ~~ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ ~~بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون قد نزل في قرآن، فجئت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فسلمت عليه، فقال: لقد أنزلت على سورة لهي أحب إلى مما طلعت عليه ~~الشمس، ثم قرأ (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) " وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس ~~بن مالك حدثهم قال: لما نزلت (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) الآية إلى قوله ~~(فوزا عظيما) مرجعه من الحديبية وهم مخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحروا ~~الهدى بالحديبية فقال " لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا جميعها ". ~~PageV05P043 # سورة الفتح (1 - 7) قوله (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) اختلف في تعيين هذا ~~الفتح، فقال الأكثر: هو صلح الحديبية، والصلح ms3666 قد يسمى فتحا. قال الفراء: ~~والفتح قد يكون صلحا، ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي كان ~~مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله. قال الزهري: لم ~~يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا ~~كلامهم. فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم ~~سواد الإسلام. قال الشعبي: لقد أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الحديبية ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع ~~بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدى محله، وظهرت الروم على فارس، ~~ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال قوم: إنه فتح مكة. # وقال آخرون: إنه فتح خيبر. والأول أرجح، ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن ~~السورة أنزلت في شأن الحديبية. وقيل هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح، ~~وقيل هو ما فتح له من النبوة والدعوة إلى الإسلام، وقيل فتح الروم، وقيل ~~المراد بالفتح في هذه الآية الحكم والقضاء، كما في قوله - افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق - فكأنه قال: إنا قضينا لك قضاء مبينا: أي ظاهرا واضحا مكشوفا ~~(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) اللام متعلقة بفتحنا، وهي لام ~~العلة. قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس: يعنى المبرد عن اللام في قوله ~~(ليغفر لك الله) فقال: هي لام كي معناها: إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي ~~يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث ~~واقع حسن معنى كي، وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة. وقال صاحب الكشاف: ~~إن اللام لم تكن علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي: ~~المغفرة، وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه قيل: ~~يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين، وأعراض العاجل ~~والآجل. وهذا كلام غير جيد، فإن اللام داخلة على المغفرة فهي علة للفتح. # فكيف يصح أن ms3667 تكون معللة. وقال الرازي في توجيه التعليل: إن المراد بقوله ~~(ليغفر لك الله) التعريف بالمغفرة PageV05P044 # تقديره: إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور لك معصوم. وقال ابن عطية: المراد ~~أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة. ~~وقال أبو حاتم: هي لام القسم وهو خطأ، فإن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها. # واختلف في معنى قوله (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فقيل ما تقدم من ذنبك ~~قبل الرسالة، وما تأخر بعدها قاله مجاهد وسفيان الثوري وابن جرير والواحدي ~~وغيرهم. وقال عطاء: ما تقدم من ذنبك: يعني ذنب أبويك آدم وحواء، وما تأخر ~~من ذنوب أمتك. وما أبعد هذا عن معنى القرآن. وقيل ما تقدم من ذنب أبيك ~~إبراهيم، وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده، وهذا كالذي قبله. وقيل ما تقدم ~~من ذنب يوم بدر، ما تأخر من ذنب يوم حنين، وهذا كالقولين الأولين في البعد. ~~وقيل لو كان ذنب قديم أو حديث لغفرنا، لك، وقيل غير ذلك مما لا وجه له، ~~والأول أولى. ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى، وسمى ذنبا ~~في حقه لجلالة قدره وإن لم يكن ذنبا في حق غيره (ويتم نعمته عليك) باظهار ~~دينك على الدين كله، وقيل بالجنة، وقيل بالنبوة والحكمة، وقيل بفتح مكة ~~والطائف وخيبر، والأولى أن يكون المعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة ~~بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم، وهو الإسلام، ومعنى يهديك يثبتك على ~~الهدى إلى أن يقبضك إليه (وينصرك الله نصرا عزيزا) أي غالبا منيعا لا يتبعه ~~ذل (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين) أي السكون والطمأنينة بما يسره ~~لهم من الفتح لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم (ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم) أي ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيمانا منضما إلى إيمانهم الحاصل ~~لهم من قبل. قال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا ~~تصديقا إلى تصديقهم وقال الربيع بن أنس: خشية مع خشيتهم. وقال الضحاك: ~~يقينا مع يقينهم (ولله ms3668 جنود السماوات والأرض) يعنى الملائكة والإنس والجن ~~والشياطين يدبر أمرهم كيف يشاء، ويسلط بعضهم على بعض ويحوط بعضهم ببعض ~~(وكان الله عليما) كثير العلم بليغه (حكيما) في أفعاله وأقواله (ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) هذه اللام متعلقة بمحذوف ~~يدل عليه ما قبله تقديره يبتلى بتلك الجنود من يشاء، فيقبل الخير من أهله ~~والشر ممن قضى له به ليدخل ويعذب، وقيل متعلقة بقوله (إنا فتحنا) كأنه قال: ~~إنا فتحنا لك فتحنا ليدخل ويعذب. وقيل متعلقة بينصرك: أي نصرك الله ~~بالمؤمنين ليدخل ويعذب، وقيل متعلقة بيزدادوا: أي يزدادوا ليدخل ويعذب، ~~والأول أولى (ويكفر عنهم سيئاتهم) أي يسترها ولا يظهرها ولا يعذبهم بها، ~~وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس للمسارعة إلى بيان ما هو ~~المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى (وكان ذلك عند الله فوزا عظيما) أي وكان ذلك ~~الوعد بإدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم عند الله وفي حكمه فوزا عظيما: أي ~~ظفرا بكل مطلوب ونجاة من كل غم وجلبا لكل نفع ودفعا لكل ضر، وقوله (عند ~~الله) متعلق بمحذوف على أنه حال من فوزا، لأنه صفة في الأصل، فلما قدم صار ~~حالا: أي كائنا عند الله، والجملة معترضة بين جزاء المؤمنين وجزاء ~~المنافقين والمشركين. ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه ~~غيرهم فقال (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) وهو معطوف ~~على يدخل: أي يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما ~~يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام وقهر المخالفين له وبما يصابون به من القهر ~~والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم. وفي تقديم المنافقين على المشركين ~~دلالة على أنهم أشد منهم عذابا وأحق منهم بما وعدهم الله به. ثم وصف ~~الفريقين، فقال (الظانين بالله ظن السوء) وهو ظنهم أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يغلب وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام. PageV05P045 # ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله - بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا - (عليهم دائرة السوء) أي ما ms3669 يظنونه ويتربصونه ~~بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم، والمعنى: أن العذاب والهلاك الذي يتوقعونه ~~للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم. قال الخليل وسيبويه: السوء هنا الفساد. ~~قرأ الجمهور " السوء " بفتح السين. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمها (وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم ~~وساءت مصيرا) لما بين سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بين ما ~~يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة وعذاب جهنم (ولله جنود السماوات والأرض) ~~من الملائكة والإنس والجن والشياطين (وكان الله عليما حكيما) كرر هذه الآية ~~لقصد التأكيد، وقيل المراد بالجنود هنا جنود العذاب كما يفيده التعبير ~~بالعزة هنا مكان العلم هنالك. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال: ~~شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها حتى بلغنا كراع الغميم، إذ الناس يوجفون ~~الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ فقالوا: أوحى إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم (إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا)، فقال رجل: أي رسول الله أو فتح هو؟ قال: إي والذي ~~نفس محمد بيده إنه لفتح، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها ~~أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية ~~عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين، ~~وأعطى الراجل سهما. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود ~~والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن ~~مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه، فسرى عنه وبه من ~~السرور ما شاء الله فأخبرنا أنه أنزل عليه (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) وأخرج ~~البخاري وغيره عن أنس في قوله (إنا ms3670 فتحنا لك فتحا مبينا) قال: الحديبية ~~وأخرج البخاري وغيره عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح ~~مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. وأخرج ابن مردويه عن ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " (إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا) قال: فتح مكة " وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن المغيرة بن شعبة ~~قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: ~~أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا " ~~وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه ~~والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله " (هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين) قال: السكينة هي الرحمة وفي قوله (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) ~~قال: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، ~~فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما ~~صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم ~~الجهاد. ثم أكمل لهم دينهم فقال - اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا -. قال ابن عباس: فأوثق إيمان أهل السماء ~~وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله ". وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن مسعود (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) قال: تصديقا مع تصديقهم. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: لما أنزل على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) مرجعه من الحديبية. قال: " ~~لقد أنزلت على آية هي أحب إلي مما على الأرض ثم قرأها عليهم. فقالوا: هنيئا ~~مريئا يا رسول الله، قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت ~~عليه (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار) حتى بلغ (فوزا ~~عظيما) " PageV05P046 # قوله (إنا أرسلناك شاهدا) أي على أمتك بتبليغ الرسالة إليهم (ومبشرا) ~~بالجنة للمطيعين (ونذيرا) ms3671 لأهل المعصية (لتؤمنوا بالله ورسوله) قرأ الجمهور ~~" لتؤمنوا " بالفوقية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتحتية، فعلى القراءة ~~الأولى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته، وعلى القراءة ~~الثانية المراد المبشرين والمنذرين، وانتصاب شاهدا ومبشرا ونذيرا على الحال ~~المقدرة (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) الخلاف بين القراء في هذه الثلاثة ~~الأفعال كالخلاف في " لتؤمنوا " كما سلف، ومعنى تعزروه: تعظموه وتفخموه، ~~قاله الحسن والكلبي، والتعزير: # التعظيم والتوقير. وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه. وقال عكرمة: تقاتلون ~~معه بالسيف، ومعنى توقروه: # تعظموه. وقال السدى: تسودوه، قيل والضميران في الفعلين للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهنا وقف تام، ثم يبتدئ وتسبحوه: أي تسبحوا الله عز وجل ~~(بكرة وأصيلا) أي غدوة وعشية، وقيل الضمائر كلها في الأفعال الثلاثة لله عز ~~وجل، فيكون معنى تعزروه وتوقروه: تثبتون له التوحيد وتنفون عنه الشركاء، ~~وقيل تنصروا دينه وتجاهدوا مع رسوله. وفي التسبيح وجهان، أحدهما التنزيه له ~~سبحانه من كل قبيح، والثاني الصلاة (إن الذين يبايعونك) يعنى بيعة الرضوان ~~بالحديبية، فإنهم بايعوا تحت الشجرة على قتال قريش (إنما يبايعون الله) ~~أخبر سبحانه أن هذه البيعة لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي بيعة له كما ~~قال - ومن يطع الرسول فقد أطاع الله - وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من الله ~~بالجنة، وجملة (يد الله فوق أيديهم) مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق ~~التخييل، PageV05P047 # في محل نصب على الحال، والمعنى: أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت. وقال الكلبي: المعنى إن ~~نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقيل يده في الثواب ~~فوق أيديهم في الوفاء. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ~~(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) أي فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على ~~نفسه، لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجوزوه إلى غيره (ومن أوفى بما عاهد عليه ~~الله) أي يثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله. ms3672 قرأ ~~الجمهور " عليه " بكسر الهاء وقرأ حفص والزهري بضم هاء (فسيؤتيه أجرا ~~عظيما) وهو الجنة. قرأ الجمهور " فسيؤتيه " بالتحتية وقرأ نافع وقرأ كثير ~~وابن عامر بالنون، واختار القراءة الأولى أبو عبيد وأبو حاتم واختار ~~القراءة الثانية الفراء (سيقول لك المخلفون من الأعراب) هم الذين خلفهم ~~الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية. قال مجاهد وغيره: يعنى أعراب ~~غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وهم الأعراب الذين كانوا حول ~~المدينة. وقيل تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سافر إلى ~~مكة عام الفتح بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه، والمخلف المتروك ~~(شغلتنا أموالنا وأهلونا) أي منعنا عن الخروج معك ما لنا من الأموال ~~والنساء والذراري وليس لنا من يقوم بهم ويخلفنا عليهم (فاستغفر لنا) ليغفر ~~الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك بهذا السبب، ولما كان طلب الاستغفار ~~منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء، وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم ~~فضحهم الله سبحانه بقوله (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) وهذا هو صنيع ~~المنافقين والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم ويجوز أن تكون بدلا ~~من الجملة الأولى. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يجيب عنهم فقال (قل فمن يملك لكم من الله شيئا) أي فمن يمنعكم مما أراده ~~الله بكم من خير وشر، ثم بين ذلك فقال (إن أراد بكم ضرا) أي إنزال ما يضركم ~~من ضياع الأموال وهلاك الأهل. قرأ الجمهور " ضرا " بفتح الضاد وهو مصدر ~~ضررته ضرا. وقرأ حمزة والكسائي بضمها وهو اسم ما يضر، وقيل هما لغتان (أو ~~أراد بكم نفعا) أي نصرا وغنيمة، وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول ~~الله صلى الله وعليه وآله وسلم يدفع عنه الضر ويجلب لهم النفع، ثم أضرب ~~سبحانه عن ذلك وقال (بل كان الله بما تعملون خبيرا) أي إن تخلفكم ليس لما ~~زعمتم، بل كان الله خبيرا بجميع ما تعملونه من الأعمال التي من جملتها ~~تخلفكم، ms3673 وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك، بل للشك والنفاق وما خطر لكم من ~~الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله، ولهذا قال (بل ظننتم أن لن ~~ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا) وهذه الجملة مفسرة لقوله (بل كان ~~الله بما تعملون خبيرا) لما فيها من الإبهام: أي بل ظننتم أن العدو يستأصل ~~المؤمنين بالمرة فلا يرجع منهم أحد إلى أهله، فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ~~ذكرتم من المعاذير الباطلة (وزين ذلك في قلوبكم) أي وزين الشيطان ذلك الظن ~~في قلوبكم فقبلتموه. قرأ الجمهور " وزين " مبنيا للمفعول، وقرئ مبنيا ~~للفاعل (وظننتم ظن السوء) أن الله سبحانه لا ينصر رسوله، وهذا الظن إما هو ~~الظن الأول، والتكرير للتأكيد والتوبيخ، والمراد به ما هو أعم من الأول، ~~فيدخل الظن الأول تحته دخولا أوليا (وكنتم قوما بورا) أي هلكى قال الزجاج: ~~هالكين عند الله، وكذا قال مجاهد: قال الجوهري: البور الرجل الفاسد الهالك ~~الذي لا خير فيه قال أبو عبيد (قوما بورا) هلكى، وهو جمع بائر، مثل حائل ~~وحول، وقد بار فلان: أي هلك، وأباره الله أهلكه (ومن لم يؤمن بالله ورسوله ~~فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا) هذا الكلام مستأنف من جهة الله سبحانه غير ~~داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله: أي ومن لم يؤمن بهما كما صنع ~~هؤلاء المخلفون، فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير (ولله ملك ~~السماوات والأرض) يتصرف فيه كيف يشاء لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وإنما ~~PageV05P048 # نعبدهم بما تعبدهم ليثيب من أحسن ويعاقب من أساء، ولهذا قال (يغفر لمن ~~يشاء) أن يغفر له (ويعذب من يشاء) أن يعذبه - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~- (وكان الله غفورا رحيما) أي كثير المغفرة والرحمة بليغها يخص بمغفرته ~~ورحمته من يشاء من عباده (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) ~~المخلفون هؤلاء المذكورون سابقا، والظرف متعلق بقوله " سيقول " والمعنى ~~سيقولون عند انطلاقكم أيها المسلمون (إلى مغانم) يعنى مغانم خيبر ~~(لتأخذوها) لتحوزوها (ذرونا نتبعكم) أي اتركونا نتبعكم ونشهد ms3674 معكم غزوة ~~خيبر. وأصل القصة أنه لما انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من ~~المسلمين من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر، وخص بغنائمها من شهد الحديبية، ~~فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم، فقال الله سبحانه ~~(يريدون أن يبدلوا كلام الله) أي يغيروا كلام الله، والمراد بهذا الكلام ~~الذي أرادوا أن يبدلوه هو مواعيد الله لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر. # وقال مقاتل: يعنى أمر الله لرسوله أن لا يسير معه أحد منهم. وقال ابن ~~زيد: هو قوله تعالى - فإذا استأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا - واعترض هذا ابن جرير وغيره بأن غزوة تبوك كانت بعد فتح ~~خيبر وبعد فتح مكة والأول أولى، وبه قال مجاهد وقتادة، ورجحه ابن جرير ~~وغيره. قرأ الجمهور " كلام الله " وقرأ حمزة والكسائي " كلم الله " قال ~~الجوهري: الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والكلم لا يكون أقل من ~~ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة مثل نبقة ونبق. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يمنعهم من الخروج معه فقال (قل لن تتبعونا) هذا ~~النفي هو في معنى النهي، والمعنى: لا تتبعونا (كذلكم قال الله من قبل) أي ~~من قبل رجوعنا من الحديبية أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة ليس لغيرهم ~~فيها نصيب (فسيقولون) يعنى المنافقين عند سماع هذا القول، وهو قوله " لن ~~تتبعونا " (بل تحسدوننا) أي بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلا الحسد لئلا ~~نشارككم في الغنيمة، وليس ذلك بقول الله كما تزعمون. ثم رد الله سبحانه ~~عليهم بقوله (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) أي لا يعلمون إلا علما قليلا، ~~وهو علمهم بأمر الدنيا، وقيل لا يفقهون من أمر الدين إلا فقها قليلا، وهو ~~ما يصنعونه نفاقا بظواهرهم دون بواطنهم. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(وتعزروه) يعنى الإجلال (وتوقروه) يعنى التعظيم، يعنى محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج ابن أبي ms3675 حاتم والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة ~~عنه في قوله (وتعزروه) قال: تضربوا بين يديه بالسيف. وأخرج ابن عدي وابن ~~مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله قال " لما أنزلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية (وتعزروه) قال لأصحابه: ~~ما ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: لتنصروه ". وأخرج أحمد وابن مردويه ~~عن عبادة بن الصامت قال " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، ~~وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا ~~وأبناءنا ولنا الجنة، فمن وفى وفى الله له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ". ~~وفي الصحيحين من حديث جابر " أنهم كانوا في بيعة الرضوان خمس عشرة مائة " ~~وفيهما عنه أنهم كانوا أربع عشرة مائة، وفي البخاري من حديث قتادة عن سعيد ~~بن المسيب أنه سأله كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، فقال ~~له: إن جابرا قال كانوا أربع عشرة مائة، قال رحمه الله: وهم هو حدثني أنهم ~~كانوا خمس عشرة مائة. PageV05P049 # سورة الفتح (16 - 24) قوله (قل للمخلفين من الأعراب) هم المذكورون سابقا ~~(ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال عطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى ~~وعطاء الخراساني: هم فارس. وقال كعب والحسن: هم الروم. وروى عن الحسن أيضا ~~أنه قال: هم فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: هم هوازن وثقيف. وقال عكرمة: ~~هوازن. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري ومقاتل: هم بنو ~~حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة. وحكى هذا القول الواحدي عن أكثر المفسرين ~~(تقاتلونهم أو يسلمون) أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، أو الإسلام لا ~~ثالث لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا تؤخذ منهم الجزية. قال الزجاج: ~~التقدير أو هم يسلمون، وفي قراءة أبي " أو يسلموا " أي حتى يسلموا (فإن ms3676 ~~تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا) وهو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة (وإن ~~تتولوا) أي تعرضوا (كما توليتم من قبل) وذلك عام الحديبية (يعذبكم عذابا ~~أليما) بالقتل والأسر والقهر في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة لتضاعف ~~جرمكم (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) أي ليس ~~على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج في التخلف عن الغزو لعدم استطاعتهم. ~~قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه ~~الآية، والحرج: الإثم (ومن يطع الله ورسوله) فيما أمراه به ونهياه عنه ~~(يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار) قرأ الجمهور " يدخله " بالتحتية، ~~واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد، وقرأ نافع وابن عامر بالنون (ومن ~~يتول يعذبه عذابا أليما) أي ومن يعرض عن الطاعة يعذبه الله PageV05P050 # عذابا شديد الألم. ثم ذكر سبحانه الذين أخلصوا نياتهم وشهدوا بيعة ~~الرضوان، فقال (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) أي رضي ~~الله عنهم وقت تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، والعامل في ~~- تحت - إما يبايعونك، أو محذوف على أنه حال من المفعول، وهذه الشجرة ~~المذكورة هي شجرة كانت بالحديبية وقيل سدرة، وكانت البيعة على أن يقاتلوا ~~قريشا ولا يفروا. وروى أنه بايعهم على الموت، وقد تقدم ذكر عدد أهل هذه ~~البيعة قريبا، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير (فعلم ما في قلوبهم) ~~معطوف على يبايعونك. # قال الفراء: أي علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء. وقال قتادة وابن ~~جريج: من الرضى بأمر البيعة على أن لا يفروا. وقال مقاتل: من كراهة البيعة ~~على الموت (فأنزل السكينة عليهم) معطوف على رضى، والسكينة: # الطمأنينة وسكون النفس كما تقدم، وقيل الصبر (وأثابهم فتحا قريبا) هو فتح ~~خيبر عند انصرافهم من الحديبية. # قاله قتادة وابن أبي ليلى وغيرهما، وقيل فتح مكة، والأول أولى (ومغانم ~~كثيرة يأخذونها) أي وأثابكم مغانم كثيرة، أو وآتاكم، وهي غنائم خيبر، ~~والالتفات لتشريفهم بالخطاب (وكان الله عزيزا حكيما) أي غالبا مصدرا أفعاله ~~وأقواله على ms3677 أسلوب الحكمة (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) في هذا وعد ~~منه سبحانه لعباده المؤمنين بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة ~~يأخذونها في أوقاتها التي قدر وقوعها فيها (فعجل لكم هذه) أي غنائم خيبر، ~~قاله مجاهد وغيره، وقيل صلح الحديبية (وكف أيدي الناس عنكم) أي وكف أيدي ~~قريش عنكم يوم الحديبية بالصلح، وقيل كف أيدي أهل خيبر وأنصارهم عن قتالكم ~~وقذف في قلوبهم الرعب. وقال قتادة: كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية وخيبر، ورجح هذا ابن جرير، ~~قال: لأن كف أيدي الناس بالحديبية مذكور في قوله - وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~- وقيل كف أيدي الناس عنكم: يعني عيينة بن حصن الفزاري، وعوف بن مالك ~~النضري ومن كان معهما، إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر عند حصار النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لهم (ولتكون آية للمؤمنين) اللام يجوز أن تتعلق بفعل محذوف ~~يقدر بعده: أي فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون آية، أو على علة محذوفة ~~تقديرها وعد فعجل وكف لتنتفعوا بذلك ولتكون آية. وقيل إن الواو مزيدة ~~واللام لتعليل ما قبله: أي وكف لتكون، والمعنى: ذلك الكف آية يعلم بها صدق ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع ما يعدكم به (ويهديكم صراطا ~~مستقيما) أي يزيدكم بتلك الآية هدى، أو يثبتكم على الهداية إلى طريق الحق ~~(وأخرى لم تقدروا عليها) معطوف على هذه: أي فجعل لكم هذه المغانم، ومغانم ~~أخرى لم تقدروا عليها، وهي الفتوح التي فتحها الله على المسلمين من بعد ~~كفارس والروم ونحوهما، كذا قال الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى. وقال الضحاك ~~وابن زيد وابن أبي إسحاق: هي خيبر وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها ولم ~~يكونوا يرجونها. وقال قتادة: فتح مكة. وقال عكرمة: حنين، والأول أولى (قد ~~أحاط الله بها) صفة ثانية لأخرى. قال الفراء: أحاط الله بها لكم حتى ~~تفتحوها وتأخذوها، والمعنى، أنه أعدها لهم وجعلها كالشئ الذي قد أحيط به من ~~جميع ms3678 جوانبه، فهو محصور لا يفوت منه شئ، فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال ~~فهي محبوسة لهم لا تفوتهم، وقيل معنى أحاط: علم أنها ستكون لهم (وكان الله ~~على كل شئ قديرا) لا يعجزه شئ ولا تختص قدرته ببعض المقدورات دون بعض (ولو ~~قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار) قال قتادة يعني كفار قريش بالحديبية، ~~وقيل أسد وغطفان الذين أرادوا نصر أهل خيبر، والأول أولى (ثم لا يجدون ~~وليا) يواليهم على قتالكم (ولا نصيرا) ينصرهم عليكم (سنة الله التي قد خلت ~~من قبل)) أي طريقته وعادته التي قد مضت في الأمم من نصر أوليائه على ~~أعدائه، وانتصاب سنة على المصدرية بفعل محذوف: أي بين الله سنة الله، ~~PageV05P051 # أو هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة (ولن تجد لسنة الله تبديلا) أي ~~لن تجد لها تغييرا، بل هي مستمرة ثابتة (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) أي كف أيدي المشركين عن المسلمين ~~وأيدي المسلمين عن المشركين لما جاءوا يصدون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومن معه عن البيت عام الحديبية، وهي المراد ببطن مكة. وقيل إن ثمانين ~~رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل جبل ~~التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخذهم المسلمون ~~ثم تركوهم. وفي رواية اختلاف سيأتي بيانه آخر البحث إن شاء الله (وكان الله ~~بما تعملون بصيرا) لا يخفي عليه من ذلك شئ. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن ~~عباس في قوله (أولى بأس شديد) يقول: فارس. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ~~أنهم الأكراد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: # فارس والروم. وأخرج الفريابي وابن مردويه عنه قال: هوازن وبني حنيفة. ~~وأخرج الطبراني. قال السيوطي بسند حسن عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر ms3679 بالقتال إذ ~~جاء أعمى فقال: " كيف لي وأنا ذاهب البصر؟ فنزلت (ليس على الأعمى حرج) ~~الآية ". قال هذا في الجهاد، وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: " بينا نحن قائلون ~~إذ نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس البيعة ~~البيعة نزل روح القدس، فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة) فبايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس هنيئا ~~لابن عفان يطوف بالبيت ونحن ها هنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف ". وأخرج ابن أبي شيبة في ~~المصنف عن نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع ~~تحتها فأمر بها فقطعت. وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة، قيل على أي شئ كنتم تبايعونه ~~يومئذ؟ قال: على الموت. وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال: بايعاه على أن لا ~~نفر ولم نبايعه على الموت. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ". ~~وأخرج مسلم من حديثه مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (فأنزل السكينة ~~عليهم) قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء. وأخرج ابن جرير ~~وابن مردويه عنه (فجعل لكم هذه) يعني الفتح. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا ~~(فعجل لكم هذه) يعني خيبر (وكف أيدي الناس عنكم) يعني أهل مكة أن يستحلوا ~~حرم الله ويستحل بكم وأنتم حرم (ولتكون آية للمؤمنين) قال سنة لمن بعدكم. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عنه أيضا في قوله (وأخري لم تقدروا عليها) قال: هذه الفتوح ms3680 التي ~~تفتح إلى اليوم، وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا (وأخرى لم تقدروا ~~عليها) قال: هي خيبر. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو ~~داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح من قبل جبال ~~التنعيم يريدون غرة رسول الله، فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه ~~الآية (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم) وفي صحيح مسلم وغيره: أنها نزلت في نفر أسرهم سلمة ابن الأكوع يوم ~~الحديبية. وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في ~~الدلائل في سبب نزول الآية PageV05P052 # " أن ثلاثين شابا من المشركين خرجوا يوم الحديبية على المسلمين في السلاح ~~فثاروا في وجوههم، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ الله ~~بأسماعهم. ولفظ الحاكم بأبصارهم، فقام إليهم المسلمون فأخذوهم، فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد ~~أمانا؟ فقالوا لا، فخلى سبيلهم فنزلت هذه الآية ". # الفتح (25 - 29) قوله (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام) يعني ~~كفار مكة، ومعنى صدهم عن المسجد الحرام: # أنهم منعوهم أن يطوفوا به ويحلوا عن عمرتهم (والهدى معكوفا) قرأ الجمهور ~~بنصب " الهدى " عطفا على الضمير المنصوب في صدوكم، وقرأ أبو عمرو في رواية ~~عنه بالجر عطفا على المسجد، ولا بد من تقدير مضاف: أي عن نحر الهدى، وقرئ ~~بالرفع على تقدير وصد الهدى وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدى وسكون الدال، ~~وروى عن أبي عمرو وعاصم بكسر الدال وتشديد الياء: وانتصاب معكوفا على الحال ~~من الهدى: أي محبوسا. قال الجوهري عكفه: أي حبسه ووقفه، ومنه (والهدى ~~معكوفا) ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس. # وقال أبو عمرو بن العلاء: معكوفا مجموعا، وقوله (أن يبلغ محله) أي عن ms3681 أن ~~يبلغ محله، أو هو مفعول لأجله، PageV05P053 # والمعنى: صدوا الهدى كراهة أن يبلغ محله، أو هو بدل من الهدى بدل اشتمال، ~~ومحله منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم، وكان الهدى سبعين بدنة، ورخص الله ~~سبحانه لهم يجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية محلا للنحر. ~~وللعلماء في هذا كلام معروف في كتب الفروع (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ~~لم تعلموهم) يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة، ومعنى: لم تعلموهم لم ~~تعرفوهم، وقيل لم تعلموا أنهم مؤمنون أن تطئوهم) يجوز أن يكون بدلا من رجال ~~ونساء، ولكنه غلب الذكور، وأن يكون بدلا من مفعول تعلموهم، والمعنى أن ~~تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم، يقال وطئت القوم: أي أوقعت بهم، وذلك أنهم لو ~~كسبوا مكة وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، ~~وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سبة، وهو ~~معنى قوله (فتصيبكم منهم) أي من جهتهم (معرة) أي مشقة بما يلزمهم في قتلهم ~~من كفارة وعيب، وأصل المعرة: العيب مأخوذة من العر، وهو الجرب، وذلك أن ~~المشركين سيقولون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. قال الزجاج: لولا أن ~~تقتلوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات فتصيبكم منهم معرة: أي إثم، وكذا قال ~~الجوهري ربه قال ابن زيد. وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما: المعرة كفارة قتل ~~الخطأ كما في قوله - فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة - ~~وقال ابن إسحاق: المعرة غرم الدية. وقال قطرب: المعرة الشدة، وقيل الغم، و ~~(بغير علم) متعلق بأن تطئوهم: أي غير عالمين، وجواب لولا محذوف، والتقدير: # لأذن الله لكم أو لما كف أيديكم عنهم، واللام في (ليدخل الله في رحمته من ~~يشاء) متعلقة بما يدل عليه الجواب المقدر أي ولكن لم يأذن لكم، أو كف ~~أيديكم ليدخل الله في رحمته بذلك من يشاء من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات ~~الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار ويفك ~~أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من ms3682 العذاب. وقيل اللام متعلقة بمحذوف غير ما ~~ذكر، وتقديره: لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته، والأول أولى. وقيل إن من ~~يشاء عباده ممن رغب في الإسلام من المشركين (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما) التنزيل: التميز: أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا ~~منهم لعذبنا الذين كفروا، وقيل التنزيل: التفرق: أي لو تفرق هؤلاء من ~~هؤلاء، وقيل لو زال المؤمنون من بين أظهرهم، والمعاني متقاربة، والعذاب ~~الأليم هو القتل والأسر والقهر، والظرف في قوله (إذ جعل الذين كفروا) منصوب ~~بفعل مقدر: أي أذكر وقت جعل الذين كفروا (في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) ~~وقيل متعلق بعذبنا، والحمية: الأنفة، يقال فلان ذو حمية: أي ذو أنفة وغضب: ~~أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم، والجعل بمعنى الإلقاء، وحمية الجاهلية ~~بدل من الحمية. قال مقاتل ابن سليمان ومقاتل بن حيان، قال أهل مكة: قد ~~قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا، فتتحدث العرب أنهم قد ~~دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه الحمية ~~هي حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم. وقال الزهري. حميتهم أنفتهم من الإقرار ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة. قرأ الجمهور " لو تزيلوا " وقرأ ~~ابن أبي عبلة وأبو حيوة وابن عون " لو تزايلوا " والتزايل التباين (فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) أي أنزل الطمأنينة والوقار على رسوله ~~وعلى المؤمنين حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وقيل ثبتهم على ~~الرضى والتسليم (وألزمهم كلمة التقوى) وهي " لا إله إلا الله " كذا قال ~~الجمهور، وزاد بعضهم " محمد رسول الله " وزاد بعضهم " وحده لا شريك له ". ~~وقال الزهري هي " بسم الله الرحمن الرحيم " وذلك أن الكفار لم يقروا بها، ~~وامتنعوا من كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير، فخص الله بهذه الكلمة ~~المؤمنين وألزمهم بها، والأول أولى، لأن كلمة التوحيد PageV05P054 # هي التي يتقى بها الشرك بالله، وقيل كلمة التقوى ms3683 هي الوفاء بالعهد ~~والثبات عليه (وكانوا أحق بها وأهلها) أي وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من ~~الكفار والمستأهلين لها دونهم، لأن الله سبحانه أهلهم لدينه وصحبة رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) قال الواحدي: ~~قال المفسرون: إن الله سبحانه أرى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ~~قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه ~~ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك، فلما رجعوا من الحديبية ولم ~~يدخلوا مكة قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد ~~الحرام، فأنزل الله هذه الآية، وقيل إن الرؤيا كانت بالحديبية. وقوله بالحق ~~صفة لمصدر محذوف: أي صدقا ملتبسا بالحق، وجواب القسم المحذوف المدلول عليه ~~باللام الموطئة هو قوله (لتدخلن المسجد الحرام) أي في العام القابل، وقوله ~~(إن شاء الله) تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه كما ~~في قوله - ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله - قال ثعلب: إن ~~الله استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وقيل كان الله سبحانه ~~علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه في الحديبية، فوقع الاستثناء لهذا ~~المعنى قاله الحسن بن الفضل. وقيل معنى إن شاء الله: كما شاء الله. وقال ~~أبو عبيدة: إن بمعنى إذ: يعني إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك، وانتصاب ~~(آمنين) على الحال من فاعل لتدخلن، وكذا (محلقين رءوسكم ومقصرين) أي آمنين ~~من العدو، ومحلقا بعضكم ومقصرا بعضكم، والحلق والتقصير خاص بالرجال، والحلق ~~أفضل من التقصير كما يدل على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره صلى الله عليه ~~وآله وسلم للمحلقين في المرة الأولى والثانية، والقائل يقول له وللمقصرين، ~~فقال في الثالثة وللمقصرين، وقوله (لا تخافون) في محل نصب على الحال أو ~~مستأنف، وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله " آمنين " (فعلم ما لم ~~تعلموا) أي ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح لما في دخولكم في عام ~~الحديبية من ms3684 الضرر على المستضعفين من المؤمنين، وهو معطوف على صدق: أي صدق ~~رسوله الرؤيا، فعلم ما لم تعلموا به (فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) أي فجعل ~~من دون دخولكم مكة كما أرى رسوله فتحا قريبا. قال أكثر المفسرين: هو صلح ~~الحديبية. وقال ابن زيد والضحاك: # فتح خيبر. وقال الزهري: لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، ~~ولقد دخل في تلك السنتين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك بل ~~أكثر، فإن المسلمين كانوا في سنة ست، وهي سنة الحديبية ألفا وأربعمائة ~~وكانوا في سنة ثمان عشرة آلاف (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي إرسالا ~~ملتبسا بالهدى (ودين الحق) وهو الإسلام (ليظهره على الدين كله) أي يعليه ~~على كل الأديان كما يفيده تأكيد الجنس، وقيل ليظهر رسوله، والأول أولى. وقد ~~كان ذلك بحمد الله، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان وانقهر له كل ~~أهل الملل (وكفى بالله شهيدا) الباء زائدة كما تقدم في غير موضع: أي كفى ~~الله شهيدا على هذا الإظهار الذي وعد المسلمين به وعلى صحة نبوة نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم (محمد رسول الله) محمد مبتدإ ورسول الله خبره، أو هو ~~خبر مبتدإ محذوف ورسول الله بدل منه، وقيل محمد مبتدأ ورسول الله نعت له ~~(والذين معه) معطوف على المبتدأ وما بعده الخبر، والأول أولى، والجملة ~~مبينة لما هو من جملة المشهود به " والذين معه " قيل هم أصحاب الحديبية، ~~والأولى الحمل على العموم (أشداء على الكفار) أي غلاظ عليهم كما يغلظ الأسد ~~على فريسته، وهو جمع شديد (رحماء بينهم) أي متوادون متعاطفون، وهو جمع ~~رحيم، والمعنى: أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقه ~~الرحمة والرأفة. قرأ الجمهور برفع " أشداء " و " رحماء " على أنه خبر ~~للموصول، أو خبر لمحمد وما عطف عليه كما تقدم. وقرأ الحسن بنصبهما على ~~الحال أو المدح، ويكون الخبر على هذه القراءة (تراهم ركعا سجدا) أي ~~PageV05P055 # تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين وعلى قراءة الجمهور هو ms3685 خبر آخر أو ~~استئناف. أعني قوله تراهم (ويبتغون فضلا من الله ورضوانا) أي يطلبون ثواب ~~الله لهم ورضاه عنهم وهذه الجملة خبر ثالث على قراءة الجمهور أو في محل نصب ~~على الحال من ضمير تراهم، وهكذا (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) السيما ~~العلامة، وفيها لغتان المد والقصر: أي تظهر علامتهم في جباههم من أثر ~~السجود في الصلاة وكثرة التعبد بالليل والنهار. وقال الضحاك: إذا سهر الرجل ~~أصبح مصفرا، فجعل هذا هو السيما. وقال الزهري: مواضع السجود أشد وجوههم ~~بياضا يوم القيامة. وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع، وبالأول: أعني كونه ما ~~يظهر في الجباه من كثرة السجود قال سعيد بن جبير ومالك. وقال ابن جرير: هو ~~الوقار. وقال الحسن: إذا رأيتهم مرضى وما هم بمرضى، وقيل هو البهاء في ~~الوجه وظهور الأنوار عليه، وبه قال سفيان الثوري: والإشارة بقوله (ذلك) إلى ~~ما تقدم من هذه الصفات الجليلة، وهو مبتدأ وخبره قوله (مثلهم في التوراة) ~~أي وصفهم الذي وصفوا به في التوراة ووصفهم الذي وصفوا به (في الإنجيل) ~~وتكرير ذكر المثل لزيادة تقريره وللتنبيه على غرابته وأنه جار مجرى الأمثال ~~في الغرابة (كزرع أخرج شطأه) الخ كلام مستأنف: أي هم كزرع الخ، وقيل هو ~~تفسير لذلك على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدم من الأوصاف، وقيل هو خبر ~~لقوله (ومثلهم في الإنجيل) أي ومثلهم في الإنجيل كزرع قال الفراء: فيه ~~وجهان: إن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل: يعني كمثلهم في ~~القرآن، فيكون الوقف على الإنجيل، وإن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة، ثم ~~تبتدئ ومثلهم في الإنجيل كزرع. قرأ الجمهور " شطأه " بسكون الطاء، وقرأ ابن ~~كثير وابن ذكوان بفتحها، وقرأ أنس ونصر بن عاصم ويحيى بن وثاب شطاه كعصاه. ~~وقرأه الجحدري وابن أبي إسحاق " شطه " بغير همزة، وكلها لغات قال الأخفش ~~والكسائي: # شطأه: أي طرفه. قال الفراء: شطأ الزرع فهو مشطئ إذا خرج. قال الزجاج: ~~(أخرج شطأه): أي نباته. وقال قطرب: الشطأ سوى السنبل. وروى ms3686 عن الفراء أيضا ~~أنه قال: هو السنبل. وقال الجوهري. شطأ الزرع والنبات والجمع أشطاء، وقد ~~أشطأ الزرع خرج شطؤه (فآزره) أي قواه وأعانه وشده، قيل المعنى: إن الشطأ ~~قوى الزرع، وقيل إن الزرع قوى الشطأ، ومما يدل على أن الشطأ خروج النبات. ~~قول الشاعر: أخرج الشطأ على وجه الثرى * ومن الأشجار أفنان الثمر قرأ ~~الجمهور " فآزره " بالمد. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة وحميد بن قيس بالقصر، ~~وعلى قراءة الجمهور قول امرئ القيس: بمحنية قد آزر النضال نبتها * بجر جيوش ~~غانمين وخيب قال الفراء: آزرت فلانا آزره إذا قويته (فاستغلظ) أي صار ذلك ~~الزرع غليظا بعد أن كان دقيقا (فاستوى على سوقه) أي فاستقام على أعواده، ~~والسوق جمع ساق. وقرأ قنبل سؤقه بالهمزة الساكنة (يعجب الزراع) أي يعجب هذا ~~الزرع وزراعه لقوته وحسن منظره، وهذا مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم يكونون في الابتداء قليلا، ثم يزدادون ~~ويكثرون ويقوون كالزرع، فإنه يكون في الابتداء ضعيفا ثم يقوى حالا بعد حال ~~حتى يغلظ ساقه. قال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الإنجيل أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر. ثم ذكر سبحانه علة تكثيره لأصحاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~وتقويته لهم فقال (ليغيظ بهم الكفار) أي كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا ~~للكافرين، PageV05P056 # واللام متعلقة بمحذوف: أي فعل ذلك ليغيظ (وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) أي وعد سبحانه هؤلاء الذين مع محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يغفر ذنوبهم ويجزل أجرهم بإدخالهم الجنة التي هي ~~أكبر نعمة وأعظم منة. # وقد أخرج أحمد والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نحروا يوم الحديبية ~~سبعين بدنة، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وأخرج الحسن بن ~~سفيان وأبو يعلي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع والباوردي والطبراني ~~وابن مردويه. قال السيوطي بسند جيد عن أبي جمعة حنيذ بن سبع قال: ms3687 " قابلت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول النهار كافرا، وقابلت معه آخر ~~النهار مسلما، وفيما نزلت (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) وكنا تسعة نفر ~~سبعة رجال وامرأتان " وفي رواية عند ابن أبي حاتم: كنا ثلاثة رجال وتسع ~~نسوة ". # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (لولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم) قال: حين ردوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أن ~~تطئوهم) بقتلكم إياهم (لو تزيلوا) يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم ~~الله عذابا أليما بقتلكم إياهم ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن ~~حنيف أنه قال: يوم صفين اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية: يعني ~~الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين ولو نرى ~~قتالا لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ~~رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في ~~النار؟ قال بلى. قال: ففيم نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله ~~بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولم يضيعني الله أبدا، ~~فرجع متغيظا، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق ~~وهم على الباطل؟ قال بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال ~~بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ~~ولم يضيعه الله أبدا فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى عمر فأقرأه إياها، قال: يا رسول الله أفتح هو؟ قال نعم ". وأخرج ~~الترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير والدارقطني في ~~الإفراد، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن كعب عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم (وألزمهم كلمة التقوى) قال " لا إله إلا الله " ~~وفي إسناده الحسن بن قزعة، قال الترمذي بعد إخراجه: حديث غريب لا نعرفه إلا ~~من حديثه، وكذا قال أبو زرعة. وأخرج ms3688 ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع مرفوعا ~~مثله. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب ~~مثله من قوله. وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم من قول عمر بن الخطاب نحوه. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات ~~عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد عن المسور بن ~~مخرمة ومروان نحوه وروى عن جماعة من التابعين نحو ذلك. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) قال: هو دخول محمد البيت ~~والمؤمنين محلقين ومقصرين، وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في ~~الصحيحين وغيرهما أحاديث منها ما قدمنا الإشارة إليه، وهو في الصحيحين من ~~حديث ابن عمر وفيهما من حديث أبي هريرة أيضا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~في قوله (سيماهم في وجوههم) قال: أما إنه ليس الذي يرونه، ولكنه سيما ~~الإسلام وسمته وخشوعه. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: هو ~~PageV05P057 # السمت الحسن. وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير وابن مردويه. قال السيوطي ~~بسند حسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~قوله (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) قال: النور يوم القيامة. # وأخرج البخاري في تاريخه وابن نصر عن ابن عباس في الآية قال: بياض يغشى ~~وجوههم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ~~(ذلك مثلهم في التوراة) يعني نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق ~~الله السماوات والأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن أنس (كزرع أخرج شطأه) قال: نباته فروخة. # تفسير سورة الحجرات هي ثماني عشرة آية، ولا وهي مدنية قال القرطبي: ~~بالإجماع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس ms3689 وابن ~~الزبير أنها نزلت بالمدينة. # سورة الحجرات (1 - 8) قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله) قرأ الجمهور " تقدموا " بضم المثناة الفوقية وتشديد الدال مكسورة. ~~وفيه وجهان: أحدهما أنه متعد وحذف مفعوله لقصد التعميم، أو ترك المفعول ~~للقصد إلى نفس PageV05P058 # الفعل كقولهم هو يعطي ويمنع. والثاني أنه لازم نحو وجه وتوجه، ويعضده ~~قراءة ابن عباس والضحاك ويعقوب " تقدموا " بفتح التاء والقاف والدال. قال ~~الواحدي: قدم ها هنا بمعنى تقدم، وهو لازم. قال أبو عبيدة: # العرب تقول لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب: أي لا تعجل بالأمر ~~دونه والنهي لأن المعنى: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين يدي الإمام ~~عبارة عن الإمام لاما بين يدي الإنسان، ومعنى الآية: لا تقطعوا أمرا دون ~~الله ورسوله ولا تعجلوا به. وقيل المراد معنى بين يدي فلان بحضرته، لأن ما ~~يحضره الإنسان فهو بين يديه (واتقوا الله) في كل أموركم، ويدخل تحتها الترك ~~للتقدم بين يدي الله ورسوله دخولا أوليا. ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله ~~(إن الله سميع) لكل مسموع (عليم) بكل معلوم (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي) يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت، لأن ذلك يدل على ~~قلة الاحتشام وترك الاحترام، لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم ~~والتوفير. ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام ومزيد اللغط، والأول ~~أولى. والمعنى لا ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قال المفسرون: المراد من الآية تعظيم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتوقيره وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا (ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض) أي لا تجهروا بالقول إذا كلمتموه كما تعتادونه من ~~الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضا. قال الزجاج: أمرهم الله بتجليل نبيه وأن ~~يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار، وقيل المراد بقوله (ولا تجهروا ~~له بالقول) لا تقولوا يا محمد ويا أحمد، ولكن يا نبي الله ويا ms3690 رسول الله ~~توقيرا له، والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف: أي جهرا مثل جهر ~~بعضكم لبعض، وليس المراد برفع الصوت وبالجهر في القول هو ما يقع على طريقة ~~الاستخفاف فإن ذلك كفر، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما ~~يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره. والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور: ~~الأول عن التقدم بين يديه بما لا يأذن به من الكلام. والثاني عن رفع الصوت ~~البالغ إلى حد يكون فوق صوته سواء كان في خطابه أو في خطاب غيره. والثالث ~~ترك الجفاء في مخاطبته ولزوم الأدب في مجاورته، لأن المقاولة المجهورة إنما ~~تكون بين الأكفاء الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب احترامه وتوقيره. ثم ~~علل سبحانه ما ذكره بقوله (أن تحبط أعمالكم) قال الزجاج: أن تحبط أعمالكم ~~التقدير لأن تحبط أعمالكم أي فتحبط، فاللام المقدرة لأم الصيرورة كذا قال، ~~وهذه العلة يصح أن تكون للنهي: أي نهاكم الله عن الجهر خشية أن تحبط، أو ~~كراهة أن تحبط، أو علة للمنهي: أي لا تفعلوا الجهر فإنه يؤدي إلى الحبوط، ~~فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الوجه الأول، وجملة (وأنتم لا ~~تشعرون) في محل نصب على الحال، وفيه تحذير شديد ووعيد عظيم. قال الزجاج: ~~وليس المراد وأنتم لا تشعرون يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا ~~يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر ~~كافرا من حيث لا يعلم. ثم رغب سبحانه في امتثال ما أمر به، فقال (إن الذين ~~يغضون أصواتهم عند رسول الله) أصل الغض النقص من كل شئ، ومنه نقص الصوت ~~(أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) قال الفراء: # أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه ويسقط ~~خبيثه. وبه قال مقاتل ومجاهد وقتادة. وقال الأخفش: اختصها للتقوى، وقيل ~~طهرها من كل قبيح، وقيل وسعها وسرحها، من محنت الأديم: # إذا وسعته. وقال أبو عمرو: كل شئ جهدته فقد ms3691 محنته، واللام في للتقوى ~~متعلقة بمحذوف: أي صالحة للتقوى كقولك أنت صالح لكذا، أو للتعليل الجاري ~~مجرى بيان السبب، كقولك جئتك لأداء الواجب: أي ليكون مجيئي سببا لأداء ~~الواجب (لهم مغفرة وأجر عظيم) أي أولئك لهم، فهو خبر آخر لاسم الإشارة، ~~ويجوز أن يكون PageV05P059 # مستأنفا لبيان ما أعد الله لهم في الآخرة (إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون) هم جفاة بني تميم كما سيأتي بيانه، ووراء ~~الحجرات خارجها وخلفها: والحجرات جمع حجرة، كالغرفات جمع غرفة، والظلمات ~~جمع ظلمة، وقيل الحجرات جمع حجرة، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع: والحجرة ~~الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. قرأ ~~الجمهور الحجرات بضم الجيم. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بفتحها تخفيفا، ~~وقرأ ابن أبي عبلة بإسكانها، وهي لغات، و " من " في من وراء لابتداء ~~الغاية، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى (أكثرهم لا يعقلون) لغلبة ~~الجهل عليهم وكثرة الجفاء في طباعهم (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان ~~خيرا لهم) أي لو انتظروا خروجك ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في ~~دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل. ~~وقيل إنهم جاءوا شفعاء في أسارى، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نصفهم وفادى نصفهم، ولو صبروا لأعتق الجميع، ذكر معناه مقاتل (والله غفور ~~رحيم) كثير المغفرة والرحمة بليغهما لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من ~~إساءة الأدب (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) قرأ الجمهور ~~" فتبينوا " من التبين، وقرأ حمزة والكسائي " فتثبتوا " من التثبت، والمراد ~~من التبين التعرف والتفحص، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة، والتبصر في ~~الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر. قال المفسرون: إن هذه الآية ~~نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقوله ~~(أن تصيبوا قوما بجهالة) مفعول له: أي ms3692 كراهة أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا لأن ~~الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة، لأنه لم يصدر ~~عن علم، والمعنى: ملتبسين بجهالة بحالهم (فتصبحوا على ما فعلتم) بهم من ~~إصابتهم بالخطأ (نادمين) على ذلك مغتمين له مهتمين به. ثم وعظهم الله ~~سبحانه فقال (واعلموا أن فيكم رسول الله) فلا تقولوا قولا باطلا ولا ~~تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين، وأن وما في حيزها سادة مسد ~~مفعولي اعلموا، وجملة (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) في محل نصب على ~~الحال من ضمير فيكم أو مستأنفة، والمعنى: لو يطيعكم في كثير مما تخبرونه به ~~من الأخبار الباطلة، وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب لوقعتم في ~~العنت، وهو التعب والجهد. والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما ~~تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه ~~(ولكن الله حبب إليكم الإيمان) أي جعله أحب الأشياء إليكم، أو محبوبا لديكم ~~فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة وترك التسرع في ~~الأخبار وعدم التثبت فيها، قيل والمراد بهؤلاء من عدا الأولين لبيان ~~براءتهم عن أوصاف الأولين، والظاهر أنه تذكير للكل بما يقتضيه الإيمان ~~وتوجيه محبته التي جعلها الله في قلوبهم (وزينه في قلوبكم) أي حسنه بتوفيقه ~~حتى جروا على ما يقتضيه في الأقوال والأفعال (وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان) أي جعل كل ما هو من جنس الفسوق ومن جنس العصيان مكروها عندكم. ~~وأصل الفسق الخروج عن الطاعة، والعصيان جنس ما يعصى الله به، وقيل أراد ~~بذلك الكذب خاصة، والأول أولى (أولئك هم الراشدون) أي الموصوفون بما ذكرهم ~~الراشدون. # والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب، من الرشادة: وهي الصخرة (فضلا ~~من الله ونعمة) أي لأجل فضله وإنعامه، والمعنى: أنه حبب إليكم ما حبب وكره ~~ما كره لأجل فضله وإنعامه، أو جعلكم راشدين لأجل ذلك، وقيل النصب بتقدير ~~فعل: أي تبتغون فضلا ونعمة (والله عليم) بكل معلوم ms3693 (حكيم) في كل ما يقضي به ~~بين عباده ويقدره لهم. PageV05P060 # وقد أخرج البخاري وغيره عن عبد الله بن الزبير قال: " قدم ركب من بني ~~تميم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن ~~معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، ~~فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) حتى انقضت الآية ". وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (لا تقدموا بين ~~يدي الله ورسوله) قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. وأخرج ابن مردويه عن ~~عائشة في الآية قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم. وأخرج البخاري في ~~تاريخه عنها قالت: كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام: يعني يوما أو ~~يومين، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله). ~~وأخرج الطبراني وابن مردويه عنها أيضا أن ناسا كانوا يقدمون الشهر فيصومون ~~قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا) ~~الآية. وأخرج البزار وابن عدي والحاكم وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: ~~أنزلت هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) ~~قلت: يا رسول الله: والله لا أكلمك إلا كأخي السرار، وفي إسناده حصين بن ~~عمر، وهو ضعيف، ولكنه يؤيده ما أخرجه عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق ~~أبي سلمة عن أبي هريرة قال: لما نزلت (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول ~~الله) قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي ~~السرار حتى ألقى الله. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال " لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا ~~لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) إلى قوله (وأنتم لا تشعرون) وكان ثابت بن ~~قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى ms3694 ~~الله عليه وآله وسلم، حبط عملي، أنا من أهل النار وجلس في بيته حزينا، ~~ففقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا: ~~فقدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مالك؟ # قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا ~~من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه بذلك، فقال لا، ~~بل هو من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة قتل. وفي الباب أحاديث بمعناه. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) ~~الآية: قال: # نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة في قوله ~~(أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم منهم ثابت بن قيس بن شماس. وأخرج أحمد وابن جرير وأبو القاسم ~~البغوي والطبراني وابن مردويه قال السيوطي: بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن ~~عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس " أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: يا محمد أخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي ~~شين، فقال ذاك الله، فأنزل الله (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) قال ~~ابن منيع: # لا أعلم روى الأقرع مسندا غير هذا. وأخرج الترمذي وحسنه ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب في قوله (إن الذين ~~ينادونك من وراء الحجرات) قال: جاء رجل فقال: يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي ~~شين، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك الله. وأخرج ابن راهويه ~~ومسدد وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه قال السيوطي: بإسناد حسن عن زيد بن أرقم قال: # اجتمع ناس من العرب فقالوا: انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبيا فنحن أسعد ~~الناس به، وإن يك ملكا نعش بجناحه، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأخبرته بما ms3695 قالوا، فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه يا محمد يا محمد فأنزل ~~الله (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) فأخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم PageV05P061 # بأذني وجعل يقول: لقد صدق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد. ~~وفي الباب أحاديث. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن ~~مردويه قال السيوطي بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: # قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلت ~~فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله أرجع إلى ~~قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل ~~إلى يا رسول الله رسولا لإبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع ~~الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت، فظن الحارث أن قد حدث ~~فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا سروات قومه فقال لهم: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من ~~الزكاة وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه، فانطلقوا ~~فنأتي رسول الله، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوليد بن عقبة ~~إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى ~~بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن ~~الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقل البعث وفصل عن ~~المدينة لقيهم الحارث، فقالوا هذا الحارث؟ فلما غشيهم قال لهم: إلى من ~~بعثتم؟ قالوا إليك. قال ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: ms3696 لا والذي ~~بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: # منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا ~~رآني، وما أقبلت إلا حين احتبس على رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله، فنزل (يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبأ) إلى قوله (حكيم) قال ابن كثير: هذا من أحسن ما روى في سبب ~~نزول الآية. وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه ~~المراد بها وإن اختلفت القصص. PageV05P062 # قوله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) قرأ الجمهور " اقتتلوا " باعتبار ~~كل فرد من أفراد الطائفتين كقوله - هذان خصمان اختصموا - والضمير في قوله " ~~بينهما " عائد إلى الطائفتين باعتبار اللفظ. وقرأ ابن أبي عبلة " اقتتلتا " ~~اعتبارا بلفظ طائفتان، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير " اقتتلا " وتذكير ~~الفعل في هذه القراءة باعتبار الفريقين أو الرهطين. والبغي: التعدي بغير حق ~~والامتناع من الصلح الموافق للصواب، والفئ: الرجوع. # والمعنى: أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا ~~بالصلح بينهم ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى ~~الطائفتين على الأخرى ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه كان على المسلمين أن ~~يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه، فإن رجعت تلك ~~الطائفة الباغية عن بغيها وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى ~~المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا الصواب المطابق لحكم ~~الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظلمة حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها ~~للأخرى. ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم ~~بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال (وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين) أي واعدلوا إن الله يحب العادلين، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم ~~بأحسن الجزاء. قال الحسن وقتادة والسدي (فأصلحوا بينهما) بالدعاء إلى حكم ~~كتاب الله والرضى بما فيه لهما وعليهما ms3697 (فإن بغت إحداهما) وطلبت ما ليس لها ~~ولم ترجع إلى الصلح (فقاتلوا التي تبغي) حتى ترجع إلى طاعة الله والصلح ~~الذي أمر الله به، وجملة (إنما المؤمنون إخوة) مستأنفة مقررة لما قبلها من ~~الأمر بالإصلاح، والمعنى: أنهم راجعون إلى أصل واحد وهو الإيمان. قال ~~الزجاج: الدين يجمعهم، فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا بالاتفاق ~~في الدين إلى أصل النسب لأنهم لآدم وحواء (فأصلحوا بين أخويكم) يعني كل ~~مسلمين تخاصما وتقاتلا، وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما ~~فوقهما بطريق الأولى. قرأ الجمهور " بين أخويكم " على التثنية، وقرأ زيد بن ~~ثابت وعبد الله بن مسعود والحسن وحماد بن سلمة وابن سيرين " إخوانكم " ~~بالجمع، وروى عن أبي عمرو ونصير بن عاصم وأبي العالية والجحدري ويعقوب أنهم ~~قرءوا " بين إخوتكم " بالفوقية على الجمع أيضا. قال أبو علي الفارسي في ~~توجيه قراءة الجمهور: أردا بالأخوين الطائفتين، لأن اللفظ التثنية قد يرد ~~ويراد به الكثرة. وقال أبو عبيدة: أي أصلحوا بين كل أخوين (واتقوا الله) في ~~كل أموركم (لعلكم ترحمون) بسبب التقوى، والترجي باعتبار المخاطبين: أي ~~راجين أن ترحموا، وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر ~~بغيها على الإمام، أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد قول من قال بعدم ~~الجواز مستدلا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " قتال المسلم كفر " فإن ~~المراد بهذا الحديث وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ. قال ابن ~~جرير: لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه ~~ولزوم المنازل لما أقيم حق، ولا أبطل باطل ولوجد أهل النفاق والفجور سببا ~~إلى استحلال كل ما حرم الله عليهم من أموال المسلمين وسبي نسائهم وسفك ~~دمائهم بأن يتحزبوا عليهم، ولكف المسلمين أيديهم عنهم، وذلك مخالف لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " خذوا على أيدي سفهائكم ". قال ابن العربي: هذه ~~الآية أصل في قتال المسلمين، وعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول ~~PageV05P063 # الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى ms3698 النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بقوله " تقتل عمارا الفئة الباغية "، وقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في شأن الخوارج " يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق " (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم) السخرية: الاستهزاء: # وحكى أبو زيد: سخرت به وضحكت به وهزأت به. وقال الأخفش: سخرت منه وسخرت ~~به، وضحكت منه وضحكت به، وهزأت منه وهزأت به، كل ذلك يقال، والاسم السخرية ~~والسخرى، وقرئ بهما في - ليتخذ بعضهم بعضا سخريا -، ومعنى الآية: النهي ~~للمؤمنين عن أن يستهزئ بعضهم ببعض، وعلل هذا النهي بقوله (عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم) أي أن يكون المسخور بهم عند الله خيرا من الساخرين بهم، ولما ~~كان لفظ قوم مختصا بالرجال، لأنهم القوم على النساء أفرد النساء بالذكر ~~فقال (ولا نساء من نساء) أي ولا يسخر نساء من نساء (عسى أن يكن) المسخور ~~بهن (خيرا منهن) يعني خيرا من الساخرات منهن، وقيل أفرد النساء بالذكر لأن ~~السخرية منهن أكثر (ولا تلمزوا أنفسكم) اللمز العيب، وقد مضى تحقيقه في ~~سورة براءة عند قوله - ومنهم من يلمزك في الصدقات - قال ابن جرير: اللمز ~~باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان، ومعنى (لا ~~تلمزوا أنفسكم) لا يلمز بعضكم بعضا كما في قوله - ولا تقتلوا أنفسكم - ~~وقوله - فسلموا على أنفسكم - قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: لا يطعن ~~بعضكم على بعض. وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضا (ولا تنابزوا بالألقاب) ~~التنابز: التفاعل من النبز بالتسكين وهو المصدر، والنبز بالتحريك اللقب، ~~والجمع أنباز، والألقاب جمع لقب، وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، والمراد ~~هنا لقب السوء، والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضا. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: هو أن يقول لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم يا ~~يهودي يا نصراني، قال عطاء: هو كل شئ أخرجت به أخاك من الإسلام، كقولك يا ~~كلب يا حمار يا خنزير. # قال الحسن ومجاهد: كان الرجل يعير ms3699 بكفره، فيقال له يا يهودي يا نصراني ~~فنزلت، وبه قال قتادة وأبو العالية وعكرمة (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) ~~أي بئس الاسم الذي يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان، والاسم هنا بمعنى ~~الذكر. قال ابن زيد: أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه ~~وتوبته. وقيل المعنى: أن من فعل ما نهى عنه من السخرية واللمز والنبذ فهو ~~فاسق. قال القرطبي: إنه يستثني من هذا من غلب عليه الاستعمال كالأعرج ~~والأحدب ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه، فجوزته الأئمة واتفق على ~~قوله أهل اللغة اه‍، (ومن لم يتب) عما نهى الله عنه (فأولئك هم الظالمون) ~~لارتكابهم ما نهى الله عنه وامتناعهم من التوبة، فظلموا من لقبوه، وظلمهم ~~أنفسهم بما لزمها من الإثم (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن) أو ~~الظن هنا: # هو مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشئ من الفواحش ولم يظهر ~~عليه ما يقتضي ذلك، وأمر سبحانه باجتناب الكثير ليفحص المؤمن عن كل ظن يظنه ~~حتى يعلم وجهه، لأن من الظن ما يجب اتباعه، فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية ~~على الظن، كالقياس وخبر الواحد ودلالة العموم، ولكن هذا الظن الذي يجب ~~العمل به قد قوى بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به فارتفع عن الشك والتهمة. ~~قال الزجاج: هو أن يظن بأهل الخير سوءا، فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن ~~نظن بهم مثل الذي ظهر منهم. قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: # هو أن يظن بأخيه المسلم سوءا، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك ~~الظن وأبداه أثم. وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: أن الظن القبيح بمن ظاهره ~~الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح، وجملة (إن ~~بعض الظن إثم) تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظن، وهذا البعض ~~هو ظن السوء بأهل PageV05P064 # الخير، والإثم هو ما يستحقه الظان من العقوبة. ومما يدل على تقييد هذا ~~الظن المأمور ms3700 باجتنابه بظن السوء قوله تعالى - وظننتم ظن السوء وكنتم قوما ~~بورا - فلا يدخل في الظن المأمور باجتنابه شئ من الظن المأمور باتباعه في ~~مسائل الدين، فإن الله قد تعبد عباده باتباعه، وأوجب العمل به جمهور أهل ~~العلم، ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة كيادا للدين وشذوذا عن جمهور ~~المسلمين، وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة المطهرة بل في أكثرها. ~~ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظن نهاهم عن التجسس فقال (ولا ~~تجسسوا) التجسس: # البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم، نهاهم الله سبحانه عن ~~البحث عن معايب الناس ومثالبهم، قرأ الجمهور " تجسسوا " بالجيم، ومعناه ما ~~ذكرنا. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين بالحاء. قال الأخفش: # ليس يبعد أحدهما من الآخر، لأن التجسس بالجيم: البحث عما يكتم عنك، ~~والتجسس بالحاء: طلب الأخبار والبحث عنها. وقيل إن التجسس بالجيم هو البحث، ~~ومنه قيل رجل جاسوس: إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء ما أدركه الإنسان ~~ببعض حواسه. وقيل إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه، وبالجيم أن يكون ~~رسولا لغيره قاله ثعلب (ولا يغتب بعضكم بعضا) أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر ~~الغيب بما يسوءه، والغيبة: أن تذكر الرجل بما يكرهه، كما في حديث أبي هريرة ~~الثابت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " أتدرون ما ~~الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، فقيل: أفرأيت ~~إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن ~~فيه فقد بهته " (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) مثل سبحانه الغيبة بأكل ~~الميتة، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من ~~اغتابه. ذكر معناه الزجاج. وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وأنه كما ~~يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة ~~والتوبيخ لها والتوبيخ لفاعلها والتشنيع عليه ما لا يخفي، فإن لحم الإنسان ~~مما تنفر عن ms3701 أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية، فضلا عن كونه ~~محرما شرعا (فكرهتموه) قال الفراء: تقديره فقد كرهتموه فلا تفعلوا، ~~والمعنى: فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا قال الرازي: الفاء في ~~تقدير جواب كلام، كأنه قال: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه فكرهتموه إذن. ~~وقال أبو البقاء: هو معطوف على محذوف تقديره: عرض عليكم ذلك فكرهتموه ~~(واتقوا الله) بترك ما أمركم باجتنابه (إن الله تواب رحيم) لمن اتقاه وتاب ~~عما فرط منه من الذنب ومخالفة الأمر. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لو أتيت عبد الله ابن أبي، فانطلق إليه وركب حمارا وانطلق ~~المسلمون يمشون وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه قال: إليك عني، فوالله لقد ~~آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل ~~منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فنزلت فيهم (وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) الآية ". وقد روى نحو هذا من وجوه أخر. وأخرج ~~الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر قال: ما وجدت في نفسي من شئ ما وجدت في ~~نفسي من هذه الآية، إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: إن الله أمر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن ~~يدعوهم إلى حكم الله وينصف بعضهم من بعض، فإذا أجابوا حكم فيهم يحكم كتاب ~~الله حتى ينصف المظلوم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، وحق على إمام ~~المؤمنين والمؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله. ~~وأخرج ابن PageV05P065 # جرير وابن مردويه عن ابن عباس (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) الآية. ~~قال: كان قتال بالنعال والعصي، فأمرهم أن يصلحوا بينهما. وأخرج ابن مردويه ~~والبيهقي عن عائشة قالت: ما رأيت مثل ما رغبت ms3702 عنه هذه الأمة في هذه الآية: ~~(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما). وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~مقاتل في قوله (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم) قال: نزلت في قوم ~~بني تميم استهزءوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى ~~أبي حذيفة. وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن أبي الدنيا في ذم ~~الغيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~ابن عباس في قوله (ولا تلمزوا أنفسكم) قال: لا يطعن بعضكم على بعض. وأخرج ~~أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب، وأهل السنن الأربع وأبو يعلي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن حبان والشيرازي في الألقاب، والطبراني وابن السني في ~~عمل يوم وليلة، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي جبيرة ~~بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة (ولا تنابزوا بالألقاب) قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ~~ثلاثة، فكان إذا دعا واحد منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله ~~إنه يكرهه، فنزلت (ولا تنابزوا بالألقاب). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ~~نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: التنابز بالألقاب: # أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق، فنهى الله أن يعير ~~بما سلف من عمله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في الآية ~~قال: إذا كان الرجل يهوديا فأسلم فيقول، يا يهودي يا نصراني يا مجوسي، ~~ويقول للرجل المسلم: يا فاسق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا ~~كثيرا من الظن) قال: نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءا. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إياكم ~~والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسبوا ولا تنافسوا ولا ~~تحاسدوا ولا تباغضوا ms3703 وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يخطب الرجل على خطبة ~~أخيه حتى ينكح أو يترك ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (ولا تحسبوا ولا تنافسوا ولا ~~تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يخطب الرجل على خطبة ~~أخيه حتى ينكح أو يترك ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (ولا تجسسوا) قال: نهى الله المؤمن ~~أن يتبع عورات المؤمن وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو ~~داود وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن زيد ابن وهب قال: أتى ~~ابن مسعود فقيل هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال ابن مسعود: إنا قد نهينا عن ~~التجسس، ولكن إن يظهر لنا شئ نأخذه. وقد وردت أحاديث في النهى عن تتبع ~~عورات المسلمين والتجسس عن عيوبهم. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس ~~في قوله (ولا يغتب بعضكم بعضا) الآية قال: حرم الله أن يغتاب المؤمن بشئ ~~كما حرم الميتة. والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جدا معروفة في كتب ~~الحديث. PageV05P066 # قوله (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) هما آدم وحواء، والمقصود ~~أنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد وكونه يجمعهم أب واحد وأم واحدة، وأنه لا ~~موضع للتفاخر بينهم بالأنساب، وقيل المعنى: أن كل واحد منكم من أب وأم ~~فالكل سواء (وجعلناكم شعوبا وقبائل) الشعوب جمع شعب بفتح الشين، وهو الحي ~~العظيم: مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها كبني بكر من ربيعة، وبني تميم من ~~مضر. قال لواحدي: هذا قول جماعة من المفسرين، سموا شعبا لتشعبهم واجتماعهم ~~كشعب أغصان الشجرة، والشعب من أسماء الأضداد: يقال شعبته: إذا جمعته، ~~وشعبته إذا فرقته، ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة، فأما الشعب بالكسر ~~فهو الطريق في الجبل. قال الجواهري: الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم، ~~والجمع الشعوب. وقال مجاهد: الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك. ms3704 ~~وقال قتادة: الشعوب النسب الأقرب. وقيل إن الشعوب عرب اليمن من قحطان، ~~والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان. وقيل الشعوب بطون العجم، والقبائل ~~بطون العرب وحكى أبو عبيد أن الشعب أكثر من القبيلة، ثم القبيلة ثم العمارة ~~ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم العشيرة. ومما يؤيد ما قاله الجمهور من أن ~~الشعب أكثر من القبيلة قول الشاعر: # قبائل من شعوب ليس فيهم * كريم قد يعد ولا نجيب قرأ الجمهور (لتتعارفوا) ~~بتخفيف التاء وأصله لتعارفوا فحذفت إحدى التاءين. وقرأ البزي بتشديدها على ~~الإدغام وقرأ الأعمش بتاءين واللام متعلقة بخلقناكم: أي خلقناكم كذلك ليعرف ~~بعضكم بعضا. وقرأ ابن عباس لتعرفوا " مضارع عرف. والفائدة في التعارف أن ~~ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه ولا يعتري إلى غيره. والمقصود من هذا أن الله ~~سبحانه خلقهم كذلك لهذه الفائدة لا للتفاخر بأنسابهم، ودعوى أن هذا الشعب ~~أفضل من هذا الشعب، وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من ~~هذا البطن. ثم علل سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر فقال (إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم) أي أن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى، فمن تلبس ~~بها فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها وأشرف وأفضل، فدعوا ما ~~أنتم فيه من التفاخر بالأنساب، فإن ذلك لا يوجب كرما ولا يثبت شرفا ولا ~~يقتضي فضلا. قرأ الجمهور " إن أكرمكم " بكسر إن. وقرأ ابن عباس بفتحها: أي ~~لأن أكرمكم (إن الله عليم) بكل معلوم ومن ذلك أعمالكم (خبير) بما تسرون وما ~~تعلنون لا تخفى عليه من ذلك خافية ولما ذكر سبحانه أن أكرم الناس عند الله ~~أتقاهم له وكان أصل التقوى الإيمان ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى ~~الإيمان ليثبت لهم الشرف والفضل فقال (قالت الأعراب آمنا) وهو بنو أسد ~~أظهروا الإسلام في سنة مجدبة يريدون الصدقة، فأمر الله سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يرد عليهم فقال (قل لم تؤمنوا) PageV05P067 # أي لم تصدقوا تصديقا صحيحا عن اعتقاد قلب ms3705 وخلوص نية وطمأنينة (ولكن قولوا ~~أسلمنا) أي استسلمنا خوف القتل والسبي أو للطمع في الصدقة، وهذه صفة ~~المنافقين لأنهم أسلموا في ظاهر الأمر ولم تؤمن قلوبهم، ولهذا قال سبحانه ~~(ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) أي لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة ~~قلوبكم، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح ولا نية خالصة، والجملة ~~إما مستأنفة لتقرير ما قبلها، أو في محل نصب على الحال، وفي " لما " معنى ~~التوقع. قال الزجاج: الإسلام إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي، وبذلك ~~يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان ~~وصاحبه المؤمن. وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله (ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم) أي لم تصدقوا وإنما أسلمتم تعوذا من القتل (وإن تطيعوا الله ~~ورسوله) طاعة صحيحة صادرة عن نيات خالصة، وقلوب مصدقة غير منافقة (لا يلتكم ~~من أعمالكم شيئا) يقال لات يلت: إذا نقص، ولاته يليته ويلوته: إذا نقصه، ~~والمعنى: لا ينقصكم من أعمالكم شيئا. قرأ الجمهور " يلتكم " من لاته يليته ~~كباع يبيعه. وقرأ أبو عمرو " لا يألتكم " بالهمز من ألته يألته بالفتح في ~~الماضي والكسر في المضارع، واختار قراءة أبي عمرو أبو حاتم لقوله - وما ~~ألتناهم من عملهم من شئ - وعليها قول الشاعر: # أبلغ بني أسد عني مغلغلة * جهر الرسالة لا ألتا ولا كذبا واختار أبو ~~عبيدة قراءة الجمهور، وعليها قول رؤبة بن العجاج: # وليلة ذات ندى سريت * ولم يلتنى عن سراها ليت وهما لغتان فصيحتان (إن ~~الله غفور) أي بليغ المغفرة لمن فرط منه ذنب (رحيم) بليغ الرحمة لهم. ثم ~~لما ذكر سبحانه أن أولئك الذين قالوا آمنا لم يؤمنوا ولا دخل الإيمان في ~~قلوبهم بين المؤمنين المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم فقال (إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) يعني إيمانا صحيحا خالصا عن مواطأة ~~القلب واللسان (ثم لم يرتابوا) أي لم يدخل قلوبهم شئ من الريب ولا خالطهم ~~شك من الشكوك (وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) أي في طاعته وابتغاء ~~مرضاته، ويدخل ms3706 في الجهاد الأعمال الصالحة التي أمر الله بها، فإنها من جملة ~~ما يجاهد المرء به نفسه حتى يقوم به ويؤديه كما أمر الله سبحانه، والإشارة ~~بقوله (أولئك) إلى الجامعين بين الأمور المذكورة وهو مبتدأ، وخبره قوله (هم ~~الصادقون) أي الصادقون في الاتصاف بصفة الإيمان والدخول في عداد أهله، لا ~~من عداهم ممن أظهر الإسلام بلسانه، وادعى أنه مؤمن، ولم يطمئن بالإيمان ~~قلبه، ولا وصل إليه معناه، ولا عمل بأعمال أهله، وهو الأعراب الذين تقدم ~~ذكرهم وسائر أهل النفاق. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لأولئك الأعراب ~~وأمثالهم قولا آخر لما ادعوا أنهم مؤمنون فقال (قل أتعلمون الله بدينكم) ~~التعليم ها هنا بمعنى الإعلام، ولهذا دخلت الباء في بدينكم: أي أتخبرونه ~~بذلك حيث قلتم آمنا (والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض) فكيف يخفي ~~عليه بطلان ما تدعونه من الإيمان، والجملة في محل النصب على الحال من مفعول ~~تعلمون (والله بكل شئ عليم) لا تخفى عليه من ذلك خافية، وقد علم ما تبطنونه ~~من الكفر وتظهرونه من الإسلام لخوف الضراء ورجاء النفع. ثم أخبر الله ~~سبحانه رسوله بما يقوله لهم عند المن عليه منهم بما يدعونه من الإسلام فقال ~~(يمنون عليك أن أسلموا) أي يعدون إسلامهم منة عليك حيث قالوا جئناك ~~بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان (قل لا تمنوا ~~على إسلامكم) أي لا تعدوه منه على، فإن الإسلام هو المنة التي لا يطاب ~~موليها ثوابا لمن أنعم بها عليه، ولهذا قال (بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان) أي أرشدكم إليه وأراكم طريق PageV05P068 # سواء وصلتم إلى المطلوب أم لم تصلوا إليه، وانتصاب إسلامكم إما على أنه ~~مفعول به على تضمين يمنون معنى يعدون، أو بنزع الخافض: أي لأن أسلموا، ~~وهكذا قوله (أن هداكم للإيمان) فإنه يحتمل الوجهين (إن كنتم صادقين) فيما ~~تدعونه، والجواب محذوف يدل عليه ما قبله: أي إن كنتم صادقين فلله المنة ~~عليكم. قرأ الجمهور " أن هداكم " بفتح أن، وقرأ عاصم بكسرها ms3707 (إن الله يعلم ~~غيب السماوات والأرض) أي ما غاب فيهما (والله بصير بما تعملون) لا يخفى ~~عليه من ذلك شئ، فهو مجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا. قرأ الجمهور " تعملون ~~" على الخطاب، وقرأ ابن كثير على الغيبة. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة ~~قال: لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس: أهذا ~~العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة. وقال بعضهم: إن يسخط الله هذا يغيره، ~~فنزلت (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى). وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~جريج نحوه. # وأخرج أبو داود في مراسيله وابن مردويه والبيهقي في سننه عن الزهري قال: ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة ~~منهم فقالوا: يا رسول الله، أنزوج بناتنا موالينا؟ فنزلت هذه الآية. وأخرج ~~ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى) هي مكية، وهي للعرب خاصة الموالي: أي قبيلة لهم، وأي شعاب، ~~وقوله (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فقال: أتقاكم للشرك. وأخرج البخاري وابن ~~جرير عن ابن عباس قال: الشعوب القبائل العظام، والقبائل البطون. وأخرج ~~الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: الشعوب الجماع، والقبائل ~~الأفخاذ التي يتعارفون بها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه أيضا قال: ~~القبائل الأفخاذ، والشعوب الجمهور مثل مضر. وأخرج البخاري وغيره عن أبي ~~هريرة قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الناس أكرم؟ قال: ~~أكرمهم عند الله أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف ~~نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا ~~نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا نعم، قال: خيارهم في الجاهلية ~~خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " وقد وردت أحاديث في الصحيح وغيره أن التقوى ~~هي التي يتفاضل بها العباد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ms3708 ~~مجاهد في قوله (قالت الأعراب آمنا) قال أعراب بني أسد وخزيمة، وفي قوله ~~(ولكن قولوا أسلمنا) مخافة القتل والسبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة أنها ~~نزلت في بني أسد. وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ~~حسن عن عبد الله بن أبي أوفى: أن ناسا من العرب قالوا: يا رسول الله أسلمنا ~~ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأنزل الله (يمنون عليك أن أسلموا). وأخرج ~~النسائي والبزار وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وذكر أنهم بنو أسد. ~~PageV05P069 # تفسير سورة ق هي خمس وأربعون آية وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة ~~وعطاء وجابر. وروى عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا آية، وهي قوله (ولقد ~~خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) وهي أول ~~المفصل على الصحيح، وقيل من الحجرات. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: # نزلت سورة ق بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وقد أخرج مسلم ~~وغيره عن قطبة بن مالك قال: # " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الفجر في الركعة الأولى ق ~~والقرآن المجيد ". وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن أبي واقد الليثي قال: " ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في العيد بقاف واقتربت " وأخرج ~~ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة والبيهقي عن أم هشام ابنة حارثة قالت: ما ~~أخذت ق والقرآن المجيد إلا من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان ~~يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس، وهو في صحيح مسلم. # ق (1 - 15) PageV05P070 # قوله (ق والقرآن المجيد) الكلام في إعراب هذا كالكلام الذي قدمنا في قوله ~~- ص والقرآن ذي الذكر - وفي قوله - حم والكتاب المبين - واختلف في معنى ق، ~~فقال الواحدي: قال المفسرون: هو اسم جبل يحيط بالدنيا من زبرجد والسماء ~~مقببة عليه، وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة. قال ~~الفراء: # كان يجب على هذا ms3709 أن يظهر الإعراب في. ق لأنه اسم، وليس بهجاء. قال: ولعل ~~القاف وحدها ذكرت من اسمه كقول القائل: قلت لها قفي، فقالت قاف، أي أنا ~~واقفة. وحكى الفراء والزجاج: أن قوما قالوا معنى ق: قضي الأمر وقضى ما هو ~~كائن، كما قيل في حم: حم الأمر. وقيل هو اسم من أسماء الله أقسم به. وقال ~~قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. وقال الشعبي: فاتحة السورة. وقال أبو بكر ~~الوراق معناه: قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما، وقيل غير ذلك مما هو أضعف ~~منه. والحق أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه كما حققنا ذلك في فاتحة ~~سورة البقرة، ومعني المجيد: أنه ذو مجد وشرف على سائر الكتب المنزلة. وقال ~~الحسن: الكريم، وقيل الرفيع القدر، وقيل الكبير القدر، وجواب القسم قال ~~الكوفيون هو قوله (بل عجبوا) وقال الأخفش: جوابه محذوف كأنه قال: ق والقرآن ~~المجيد لتبعثن، يدل عليه (أئذا متنا وكنا ترابا) وقال ابن كيسان جوابه - ما ~~يلفظ من قول - وقيل هو - قد علمنا ما تنقص الأرض منهم - بتقدير اللام: أي ~~لقد علمنا. وقيل هو محذوف وتقديره أنزلناه إليك لتنذر، كأنه قيل ق والقرآن ~~المجيد أنزلناه إليك لتنذر به الناس. قرأ الجمهور قاف بالسكون. وقرأ الحسن ~~وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم بكسر الفاء. وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء: ~~وقرأ هارون ومحمد بن السميفع بالضم (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) بل ~~للإضراب عن الجواب على اختلاف الأقوال، وأن في موضع نصب على تقدير: لأن ~~جاءهم. والمعنى: بل عجب الكفار لأن جاءهم منذر منهم وهو محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولم يكتفوا بمجرد الشك والرد، بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، ~~وقيل هو إضراب عن وصف القرآن بكونه مجيدا وقد تقدم تفسير هذا في سورة ص ثم ~~فسر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا بقوله (فقال الكافرون هذا شئ عجيب) وفيه ~~زيادة تصريح وإيضاح. قال قتادة: عجبهم أن دعوا إلى إله واحد، وقيل تعجبهم ~~من البعث، فيكون لفظ " هذا " إشارة ms3710 إلى مبهم يفسره ما بعده من قوله (أئذا ~~متنا) الخ، والأول أولى. # قال الرازي: الظاهر أن قولهم هذا إشارة إلى مجئ المنذر، ثم قالوا (أئذا ~~متنا) وأيضا قد وجد ها هنا بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب، ~~وهو قولهم (ذلك رجع بعيد) فإنه استبعاد وهو كالتعجب، فلو كان التعجب بقولهم ~~(هذا شئ عجيب) عائدا إلى قولهم: أئذا لكان كالتكرار، فإن قيل التكرار ~~الصريح يلزم من قولك هذا شئ عجيب أنه يعود إلى مجئ المنذر، فإن تعجبهم منه ~~علم من قولهم: وعجبوا أن جاءهم، فقوله (هذا شئ عجيب) يكون تكرارا، فنقول ~~ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير لأنه لما قال بل عجبوا بصيغة الفعل وجاز أن ~~يتعجب الإنسان مما لا يكون عجبا كقوله - أتعجبين من أمر الله - ويقال في ~~العرف: لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم: لا معنى ~~لتعجبكم، فقالوا (هذا شئ عجيب) فكيف لا نعجب منه، ويدل على ذلك قوله هاهنا ~~(فقال الكافرون) بالفاء، فإنها تدل على أنه مترتب على ما تقدم، قرأ الجمهور ~~" أئذا متنا " بالاستفهام. وقرأ ابن عامر في رواية عنه وأبو جعفر والأعمش ~~والأعرج بهمزة واحدة، فيحتمل الاستفهام كقراءة الجمهور، وهمزة الاستفهام ~~مقدرة، ويحتمل أن معناه الإخبار، والعامل في الظرف مقدر: # أي أيبعثنا، أو أنرجع إذا متنا لدلالة ما بعده عليه، هذا على قراءة ~~الجمهور، وأما على القراءة الثانية فجواب إذا محذوف: أي رجعنا، وقيل ذلك ~~رجع، والمعنى: استنكارهم للبعث بعد موتهم ومصيرهم ترابا. ثم جزموا ~~باستبعادهم للبعث فقالوا (ذلك) أي البعث (رجع بعيد) أي بعيد عن العقول أو ~~الأفهام أو العادة أو الإمكان، PageV05P071 # يقال رجعته أرجعه رجعا ورجع هو يرجع رجوعا. ثم رد سبحانه ما قالوه فقال ~~(قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شئ من ~~ذلك ومن أحاط علمه بكل شئ حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في ~~القبور لا يصعب عليه البعث ولا يستبعد منه، وقال السدى: النقص ms3711 هنا الموت، ~~يقول: قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى، لأن من مات دفن، فكأن الأرض تنقص من ~~الأموات، وقيل المعنى: من يدخل في الإسلام من المشركين، والأول أولى ~~(وعندنا كتاب حفيظ) أي حافظ لعدتهم وأسمائهم ولكل شئ من الأشياء، وهو اللوح ~~المحفوظ، وقيل المراد بالكتاب هنا العلم والإحصاء، والأول أولى، وقيل حفيظ ~~بمعنى محفوظ: أي محفوظ من الشياطين، أو محفوظ فيه كل شئ. ثم أضرب سبحانه عن ~~كلامهم الأول وانتقل إلى ما هو أشنع منه فقال (بل كذبوا بالحق) فإنه تصريح ~~منهم بالتكذيب بعد ما تقدم عنهم من الاستبعاد، والمراد بالحق هنا القرآن. ~~قال الماوردي في قول الجميع، وقيل هو الإسلام، وقيل محمد، وقيل النبوة ~~الثابتة بالمعجزات (لما جاءهم) أي وقت مجيئه إليهم من غير تدبر ولا تفكر ~~ولا إمعان نظر، قرأ الجمهور بفتح اللام وتشديد الميم. وقرأ الجحدري بكسر ~~اللام وتخفيف الميم (فهم في أمر مريج) أي مختلط مضطرب، يقولون مرة ساحر ~~ومرة شاعر ومرة كاهن: قاله الزجاج وغيره. وقال قتادة مختلف. وقال الحسن ~~ملتبس، والمعنى متقارب، وقيل فاسد والمعاني متقاربة. ومنه قولهم: مرجت ~~أمانات الناس: أي فسدت، ومرج الدين والأمر اختلط (أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم) الاستفهام للتقريع والتوبيخ: أي كيف غفلوا عن النظر إلى السماء ~~فوقهم (كيف بنيناها) وجعلناها على هذه الصفة مرفوعة بغير عماد تعتمد عليه ~~(وزيناها) بما جعلنا فيها من المصابيح (وما لها من فروج) أي فتوق وشقوق ~~وصدوع، وهو جمع فرج، ومنه قول امرئ القيس: يسد به فرجا من دبر * قال ~~الكسائي ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق (والأرض مددناها) أي بسطناها ~~(وألقينا فيها رواسي) أي جبالا ثوابت، وقد تقدم تفسير هذا في سورة الرعد ~~(وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) أي من كل صنف حسن وقد تقدم تفسير هذا في ~~سورة الحج (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) هما علتان لما تقدم منتصبان بالفعل ~~الأخير منها، أو بمقدر: أي فعلنا ما فعلنا للتبصير والتذكير قاله الزجاج. ~~وقال أبو حاتم: انتصبا على المصدرية ms3712 أي جعلنا ذلك تبصرة وذكرى. والمنيب ~~الراجع إلى الله بالتوبة المتدبر في بديع صنعه وعجائب مخلوقاته. وفي سياق ~~هذه الآيات تذكير لمنكري البعث وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك ~~وعدم امتناعه، فإن القادر على مثل هذه الأمور يقدر عليه، وهكذا قوله ~~(ونزلنا من السماء ماء مباركا) أي نزلنا من السحاب ماء كثير البركة لانتفاع ~~الناس به في غالب أمورهم (فأنبتنا به جنات) أي أنبتنا بذلك الماء بساتين ~~كثيرة (وحب الحصيد) أي ما يقتات ويحصد من الحبوب، والمعنى: وحب الزرع ~~الحصيد، وخص الحب لأنه المقصود، كذا قال البصريون. وقال الكوفيون: هو من ~~باب إضافة الشئ إلى نفسه كمسجد الجامع، حكاه الفراء. قال الضحاك: حب الحصيد ~~البر والشعير، وقيل كل حب يحصد ويدخر ويقتات (والنخل باسقات لها طلع نضيد) ~~هو معطوف على جنات: أي وأنبتنا به النخل، وتخصيصها بالذكر مع دخولها في ~~الجنات للدلالة على فضلها على سائر الأشجار، وانتصاب باسقات على الحال، وهي ~~حال مقدرة لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة. قال مجاهد وعكرمة وقتادة: ~~الباسقات الطوال، وقال سعيد بن جبير: مستويات. وقال الحسن وعكرمة والفراء: ~~مواقير حوامل، يقال للشاة إذا بسقت ولدت، والأشهر في لغة العرب الأول، يقال ~~بسقت النخلة بسوقا: إذا طالت، ومنه قول الشاعر: PageV05P072 # لنا خمر وليست خمر كرم * ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ~~* وفات ثمارها أيدي الجنات وجملة (لها طلع نضيد) في محل نصب على الحال من ~~النخل، الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، يقال طلع الطلع طلوعا، والنضيد ~~المتراكب الذي نضد بعضه على بعض، وذلك قبل أن ينفتح فهو نضيد في أكمامه ~~فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد (رزقا للعباد) انتصابه على المصدرية: أي ~~رزقناهم رزقا، أو على العلة: أي أنبتنا هذه الأشياء للرزق (وأحيينا به بلدة ~~ميتا) أي أحيينا بذلك الماء بلدة مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع، وجملة (كذلك ~~الخروج) مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء ~~الذي أحيا الله به الأرض ms3713 الميتة، قرأ الجمهور " ميتا " على التخفيف، وقرأ ~~أبو جعفر وخالد بالتثقيل. ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة فقال (كذبت قبلهم ~~قوم نوح وأصحاب الرس) هم قوم شعيب كما تقدم بيانه، وقيل هم الذين جاءهم من ~~أقصى المدينة رجل يسعى، وهم من قوم عيسى وقيل هم أصحاب الأخدود. والرس: إما ~~موضع نسبوا إليه، أو فعل، وهو حفر البئر، يقال رس: إذا حفر بئرا (وثمود ~~وعاد وفرعون) أي فرعون وقومه (وإخوان لوط) جعلهم إخوانه لأنهم كانوا ~~أصهاره، وقيل هم من قوم إبراهيم وكانوا من معارف لوط (وأصحاب الأيكة) تقدم ~~الكلام على الأيكة واختلاف القراء فيها في سورة الشعراء مستوفى، ونبيهم ~~الذي بعثه الله إليهم شعيب (وقوم تبع) هو تبع الحميري الذي تقدم ذكره في ~~قوله - أهم خير أم قوم تبع - واسمه سعد أبو كرب، وقيل أسعد؟ قال قتادة: ذم ~~الله قوم تبع، ولم يذمه (كل كذب الرسل) التنوين عوض عن المضاف إليه: أي كل ~~واحد من هؤلاء كذب رسوله الذي أرسله الله إليه، وكذب ما جاء به من الشرع، ~~واللام في الرسل تكون للعهد، ويجوز أن تكون للجنس: أي كل طائفة من هذه ~~الطوائف كذبت جميع الرسل، وإفراد الضمير في كذب باعتبار لفظ كل، وفي هذا ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنه قيل له: لا تحزن ولا تكثر ~~غمك لتكذيب هؤلاء لك، فهذا شأن من تقدمك من الأنبياء، فإن قومهم كذبوهم ولم ~~يصدقهم إلا القليل منهم (فحق وعيد) أي وجب عليهم وعيدي وحقت عليهم كلمة ~~العذاب، وحل بهم ما قدره الله عليهم من الخسف والمسخ والإهلاك بالأنواع ~~التي أنزلها الله بهم من عذابه (أفعيينا بالخلق الأول) الاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث الذي أنكرته الأمم: أي أفعجزنا ~~بالخلق حين خلقناهم أولا ولم يكونوا شيئا، فكيف نعجز عن بعثهم، يقال عييت ~~بالأمر، إذا عجزت عنه ولم أعرف وجهه. قرأ الجمهور بكسر الياء الأولى بعدها ~~ياء ساكنة. وقرأ ابن أبي عبلة بتشديد الياء من غير إشباع. ثم ذكر أنهم في ms3714 ~~شك من البعث، فقال (بل هم في لبس من خلق جديد) أي في شك وحيرة واختلاط من ~~خلق مستأنف، وهو بعث الأموات، ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين لقدرة الله ~~على الخلق الأول (بل هم في لبس من خلق جديد). # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ق) قال: هو اسم من ~~أسماء الله. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: خلق الله من وراء هذه الأرض بحرا ~~محيطا، ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له ق السماء الدنيا مرفرفة عليه، ثم خلق ~~من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع مرات، ثم خلق من وراء ذلك بحرا ~~محيطا بها، ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له قاف السماء الثانية مرفرفة عليه، ~~حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سماوات، قال: وذلك قوله - ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر - قال ابن كثير: لا يصح سنده عن PageV05P073 # ابن عباس. وقال أيضا: وفيه انقطاع. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عنه ~~أيضا قال: هو جبل وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله أن ~~يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك ذلك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ~~ويحركها، فمن ثم يحرك القرية دون القرية. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا (والقرآن المجيد) قال: الكريم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ~~القرآن المجيد ليس شئ أحسن منه ولا أفضل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) قال: أجسادهم وما يذهب منها. وأخرج ~~ابن جرير عنه أيضا في الآية قال: ما تأكل من لحومهم وعظامهم وأشعارهم. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال: المريج الشئ ~~المتغير. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن قطبة قال: " سمعت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقرأ في الصبح ق، فلما أتى على هذه الآية (والنخل ~~باسقات) فجعلت أقول: # ما بسوقها؟ قال: طولها ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر ms3715 وابن أبي حاتم من ~~طرق عن ابن عباس في قوله (والنخل باسقات) قال الطول. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عنه في قوله (لها طلع نضيد) قال: متراكم بعضه على بعض. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (أفعيينا بالخلق الأول) يقول لم ~~يعيينا الخلق الأول، وفي قوله (بل هم في لبس من خلق جديد) في شك من البعث. ~~PageV05P074 # قوله (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) هذا كلام مبتدأ يتضمن ~~ذكر بعض القدرة الربانية، والمراد بالإنسان الجنس، وقيل آدم والوسوسة هي في ~~الأصل الصوت الخفي، والمراد بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره: أي نعلم ~~ما يخفى ويكن في نفسه، ومن استعمال الوسوسة في الصوت الخفي قول الأعشى: # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت * فاستعمل لما خفى من حديث النفس (ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد) هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى ~~عاتقه، وهما وريدان من عن يمين وشمال. وقال الحسن: # الوريد الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من ~~الإنسان: أي نحن أقرب إليه من حبل وريده. والإضافة بيانية: أي حبل هو ~~الوريد. وقيل الحبل هو نفس الوريد، فهو من باب مسجد الجامع. ثم ذكر سبحانه ~~أنه مع علمه به وكل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله إلزاما للحجة فقال ~~(إذ يتلقى المتلقيان) الظرف منتصب بما في " أقرب " من معنى الفعل، ويجوز أن ~~يكون منصوبا بمقدر هو أذكر، والمعنى: # أنه أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان ~~به ما يلفظ به وما يعمل به: أي يأخذان ذلك ويثبتانه، والتلقي الأخذ: أي نحن ~~أعلم بأحواله غير محتاجين إلى الحفظة الموكلين به، وإنما جعلنا ذلك إلزاما ~~للحجة وتوكيدا للأمر. قال الحسن وقتادة ومجاهد: المتلقيان ملكان يتلقيان ~~عملك أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك. والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. وقال ~~مجاهد أيضا: وكل الله بالإنسان ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ~~ويكتبان أثره (عن اليمين وعن الشمال ms3716 قعيد) إنما قال قعيد ولم يقل قعيدان ~~وهما اثنان، لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول لدلالة ~~الثاني عليه، كذا قال سيبويه كقول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقول الفرزدق: وأتى وكان ~~وكنت غير عذور * أي وكان غير عذور وكنت غير عذور، وقال الأخفش والفراء: إن ~~لفظ قعيد يصلح للواحد والاثنين والجمع ولا يحتاج إلى تقدير في الأول. قال ~~الجوهري وغيره من أئمة اللغة والنحو: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد ~~والاثنان والجمع، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس (ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد) أي ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه: ~~أي لدى ذلك اللافظ رقيب: أي ملك يرقب قوله ويكتبه. والرقيب: الحافظ المتتبع ~~لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، ~~وكاتب الشر ملك الشمال. والعتيد: الحاضر المهيأ. قال الجوهري: العتيد ~~الحاضر المهيأ، يقال عتده تعتيدا وأعتده اعتدادا: أي أعده، ومنه - وأعتدت ~~لهن متكأ - والمراد هنا أنه معد للكتابة مهيؤ لها (وجاءت سكرة الموت بالحق) ~~لما بين سبحانه أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة ذكر بعده ما ينزل بهم من ~~الموت، والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، ~~ومعنى بالحق: أنه عند الموت يتضح له الحق ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من ~~الإخبار بالبعث والوعد والوعيد، وقيل الحق هو الموت، وقيل في الكلام تقديم ~~وتأخير: أي وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذا قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود. ~~والسكرة هي الحق، فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين، وقيل الباء للملابسة ~~كالتي في قوله - تنبت بالدهن - أي ملتبسة بالحق: أي بحقيقة الحال. والإشارة ~~بقوله (ذلك) إلى الموت، والحيد الميل: أي ذلك الموت الذي كنت تميل عنه وتفر ~~منه، يقال: حاد عن الشئ يحيد حيودا وحيدة وحيدودة: مال عنه وعدل، ومنه قول ~~طرفة: # أبو منذر رمت الوفاء فهبته * وحدت كما حاد البعير عن الدحض PageV05P075 # وقال الحسن: تحيد تهرب ms3717 (ونفخ في الصور) عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ~~وهذه هي النفخة الآخرة للبعث (ذلك يوم الوعيد) أي ذلك الوقت الذي يكون فيه ~~النفخ في الصور يوم الوعيد الذي أوعد الله به الكفار. # قال مقاتل: يعنى بالوعيد العذاب في الآخرة، وخصص الوعيد مع كون اليوم هو ~~يوم الوعد والوعيد جميعا لتهويله (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) أي جاءت ~~كل نفس من النفوس معها من يسوقها ومن يشهد لها أو عليها. # واختلف في السائق والشهيد، فقال الضحاك: السائق من الملائكة، والشهيد من ~~أنفسهم: يعنى الأيدي والأرجل. وقال الحسن وقتادة: سائق يسوقها وشاهد يشهد ~~عليها بعملها. وقال ابن مسلم السائق قرينها من الشياطين، سمى سائقا لأنه ~~يتبعها وإن لم يحثها. وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان. وقيل السائق الملك ~~والشهيد العمل، وقيل السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات، ومحل ~~الجملة النصب على الحال (لقد كنت في غفلة من هذا) أي يقال له: لقد كنت في ~~غفلة من هذا، والجملة في محل نصب على الحال من نفس أو مستأنفة كأنه قيل ما ~~يقال له. قال الضحاك: المراد بهذا المشركون لأنهم كانوا في غفلة من عواقب ~~أمورهم. وقال ابن زيد: الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي لقد كنت ~~يا محمد في غفلة من الرسالة. وقال أكثر المفسرين: # المراد به جميع الخلق برهم وفاجرهم، واختار هذا ابن جرير. قرأ الجمهور ~~بفتح التاء من " كنت " وفتح الكاف في غطاءك وبصرك حملا على ما في لفظ كل من ~~التذكير. وقرأ الجحدري وطلحة بن مصرف بالكسر في الجميع على أن المراد النفس ~~(فكشفنا عنك غطاءك) الذي كان في الدنيا: يعنى رفعنا الحجاب الذي كان بينك ~~وبين أمور الآخرة، ورفعنا ما كنت فيه من الغفلة عن ذلك (فبصرك اليوم حديد) ~~أي نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا. قال السدى: المراد بالغطاء ~~أنه كان في بطن أمه فولد، وقيل إنه كان في القبر فنشر، والأول أولى. # والبصر قيل هو بصر القلب وقيل بصر العين. وقال مجاهد: ms3718 بصرك إلى لسان ~~ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك وبه قال الضحاك (وقال قرينه هذا ما لدي ~~عتيد) أي قال الملك الموكل به هذا ما عندي من كتاب عملك عتيد حاضر قد ~~هيأته، كذا قال الحسن وقتادة والضحاك. وقال مجاهد: إن الملك يقول للرب ~~سبحانه هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله. وروى ~~عنه أنه قال: إن قرينه من الشياطين، يقول ذلك: أي هذا ما قد هيأته لك ~~بإغوائي وإضلالي. وقال ابن زيد: إن المراد هنا قرينه من الإنس، وعتيد مرفوع ~~على أنه صفة لما إن كانت موصوفة، وإن كانت موصولة فهو خبر بعد خبر، أو خبر ~~مبتدإ محذوف (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) هذا خطاب من الله عز وجل للشائق ~~والشهيد. قال الزجاج: هذا أمر للملكين الموكلين به وهما السائق والشاهد: كل ~~كفار للنعم عنيد مجانب للإيمان (مناع للخير) لا يبذل خيرا (معتد) ظالم لا ~~يقر بتوحيد الله (مريب) شاك في الحق، من قولهم أراب الرجل: إذا صار ذا ريب. ~~وقيل هو خطاب للملكين من خزنة النار، وقيل هو خطاب لواحد على تنزيل تثنية ~~الفاعل منزلة تثنية الفعل وتكريره. قال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب ~~الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين يقولون: ارحلاها وازجراها وخذاه ~~وأطلقاه للواحد. قال الفراء: # العرب تقول للواحد قوما عنا. وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ~~ورفقته في سفره اثنان، فجرى كلام الرجل للواحد على ذلك، ومنه قولهم للواحد ~~في الشعر خليلي كما قال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب * نقض لبانات الفؤاد المعذب PageV05P076 # وقوله: قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقول ~~الآخر: فإن تزجراني يابن عفان أنزجر * وإن تدعواني أحم عرضا ممنعا قال ~~المازني: قوله (ألقيا) يدل على ألق ألق. قال المبرد: هي تثنية على التوكيد، ~~فناب ألقيا مناب ألق ألق قال مجاهد وعكرمة: العنيد المعاند للحق، وقيل ~~المعرض عن الحق، يقال عند يعند بالكسر عنودا. إذا خالف الحق (الذي ms3719 جعل مع ~~الله إلها آخر) يجوز أن يكون بدلا من كل أو منصوبا على الذم، أو بدلا من ~~كفار، أو مرفوعا بالابتداء أو الخبر (فألقياه في العذاب الشديد) تأكيد ~~للأمر الأول أو بدل منه (قال قرينه ربنا ما أطغيته) هذه الجملة مستأنفة ~~لبيان ما يقوله القرين، والمراد بالقرين هنا الشيطان الذي قيض لهذا الكافر، ~~أنكر أن يكون أطغاه، ثم قال: (ولكن كان في ضلال بعيد) أي عن الحق فدعوته ~~فاستجاب لي، ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه، وقيل إن قرينه الملك ~~الذي كان يكتب سيئاته وإن الكافر يقول: رب إنه أعجلني فيجيبه بهذا، كذا قال ~~مقاتل وسعيد بن جبير. والأول أولى، وبه قال الجمهور (قال لا تختصموا لدي) ~~هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل، فماذا قال الله؟ فقيل (قال لا ~~تختصموا لدي) يعنى الكافرين وقرناءهم، نهاهم سبحانه عن الاختصام في موقف ~~الحساب، وجملة (وقد قدمت إليكم بالوعيد) في محل نصب على الحال: أي والحال ~~أن قد قدمت إليكم بالوعيد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والباء في بالوعيد ~~مزيدة للتأكيد أو على تضمين قدم معنى تقدم (ما يبدل القول لدي) أي لا خلف ~~لوعدي، بل هو كائن لا محالة، وقد قضيت عليكم بالعذاب فلا تبديل له، وقيل ~~هذا القول هو قوله - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها - وقيل هو قوله - لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين - ~~وقال الفراء وابن قتيبة: معنى الآية: أنه ما يكذب عندي بزيادة في القول ولا ~~بنقص منه لعلمي بالغيب، وهو قول الكلبي. واختاره الواحدي لأنه قال - لدي - ~~ولم يقل وما يبدل قولي، والأول أولى. وقيل إن مفعول قدمت إليكم هو ما يبدل ~~أي وقد قدمت إليكم هذا القول ملتبسا بالوعيد، وهذا بعيد جدا (وما أنا بظلام ~~للعبيد) أي لا أعذبهم ظلما بغير جرم اجترموه ولا ذنب أذنبوه. ولما كان نفي ~~الظلام لا يستلزم نفي مجرد الظلم قيل إنه هنا بمعنى الظالم كالثمار بمعنى ~~التامر. وقيل إن ms3720 صيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب ~~بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم. وقيل صيغة المبالغة لرعاية جمعية ~~العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده، وقيل غير ذلك، وقد تقدم ~~الكلام على هذا في سورة آل عمران وفي سورة الحج (يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد) قرأ الجمهور " نقول " بالنون. وقرأ نافع وأبو بكر ~~بالياء. وقرأ الحسن أقول. وقرأ الأعمش " يقال " والعامل في الظرف " ما يبدل ~~القول لدي " أو محذوف أي أذكر أو أنذرهم، وهذا الكلام على طريقة التمثيل ~~والتخييل، ولا سؤال ولا جواب، كذا قيل، والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا ~~يمنع من ذلك عقل ولا شرع. قال الواحدي. قال المفسرون: أراها الله تصديق ~~قوله - لأملأن جهنم - فلما امتلأت قال لها (هل امتلأت وتقول هل من مزيد) أي ~~قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلئ، وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن ~~سليمان. وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة: أي إنها تطلب الزيادة على ~~من قد صار فيها. وقيل: إن المعنى أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها ~~بأهلها، والمزيد إما مصدر كامحيد أو اسم مفعول كالمنيع، فالأول بمعنى هل من ~~زيادة، والثاني بمعنى هل من شئ تزيدونيه ثم لما فرغ من بيان حال الكافرين ~~شرع في بيان حال المؤمنين فقال (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد) أي قربت ~~للمتقين تقريبا غير بعيد أو مكان غير بعيد منهم بحيث يشاهدونها في الموقف، ~~وينظرون ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن PageV05P077 # سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويجوز أن يكون انتصاب - غير بعيد - على الحال. ~~وقيل المعنى: أنها زينت قلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب، فصارت قريبة ~~من قلوبهم، والأول أولى. والإشارة بقوله (هذا ما توعدون) إلى الجنة التي ~~أزلفت لهم على معنى: هذا الذي ترونه من فنون نعيمها ما توعدون، والجملة ~~بتقدير القول: أي ويقال لهم هذا ما توعدون. قرأ الجمهور " توعدون " ~~بالفوقية. وقرأ ابن كثير بالتحتية (لكل أواب حفيظ) هو بدل ms3721 من للمتقين ~~بإعادة الخافض أو متعلق بقول محذوف هو حال: أي مقولا لهم لكل أواب، والأواب ~~الرجاع إلى الله تعالى بالتوبة عن المعصية، وقيل هو المسبح، وقيل هو الذاكر ~~لله في الخلوة. قال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر ~~الله منها. وقال عبيد بن عمير هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله فيه، ~~والحفيظ: هو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها. وقال قتادة: هو الحافظ لما ~~استودعه الله من حقه ونعمته، قاله مجاهد. وقيل هو الحافظ الأمر الله. وقال ~~الضحاك: هو الحافظ لوصية الله له بالقبول (من خشى الرحمن بالغيب) الموصول ~~في محل جر بدلا أو بيانا لكل أواب، وقيل يجوز أن يكون بدلا بعد بدل من ~~المتقين، وفيه نظر لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد، ويجوز أن يكون في ~~محل رفع على الاستئناف والخبر ادخلوها بتقدير يقال لهم ادخلوها، والخشية ~~بالغيب أن يخاف الله ولم يكن رآه. وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث ~~لا يراه أحد. قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب، وبالغيب متعلق بمحذوف ~~هو حال أو صفة لمصدر خشى (وجاء بقلب منيب) أي راجع إلى الله مخلص لطاعته، ~~وقيل المنيب المقبل على الطاعة، وقيل السليم (ادخلوها) هو بتقدير القول: أي ~~يقال لهم ادخلوها، والجمع باعتبار معنى من: أي ادخلوا الجنة (بسلام) أي ~~بسلامة من العذاب، وقيل بسلام من الله وملائكته، وقيل بسلامة من زوال ~~النعم، وهو متعلق بمحذوف هو حال: أي ملتبسين بسلام، والإشارة بقوله (ذلك) ~~إلى زمن ذلك اليوم كما قال أبو البقاء، وخبره (يوم الخلود) وسماه يوم ~~الخلود لأنه لا انتهاء له، بل هو دائم أبدا (لهم ما يشاءون فيها) أي في ~~الجنة ما تشتهى أنفسهم وتلذ أعينهم من فنون النعم وأنواع الخير (ولدينا ~~مزيد) من النعم التي لم تخطر لهم على بال ولا مرت لهم في خيال. # وقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~نزل الله من ابن آدم أربع ms3722 منازل: هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يحول بين ~~المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم أينما كانوا ". وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (من حبل الوريد) قال: عروق العنق. # وأخرج ابن المنذر عنه قال: هو نياط القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا، في قوله (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) قال: يكتب كل ما ~~تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت وشربت ذهبت جئت رأيت، حتى ~~إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقى ~~سائره. # فذلك قوله - يمحو الله ما يشاء ويثبت -. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس في ~~الآية قال: إنما يكتب الخير والشر، لا يكتب يا غلام أسرج الفرس يا غلام ~~اسقني الماء. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال ": إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو ~~تكلم ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي وأبو نعيم ~~والبيهقي في الشعب عن عمرو بن ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله عبد ولينظر ما يقول ". وأخرج ~~الحكيم والترمذي عن ابن عباس مرفوعا مثله. وأخرج عبد الرزاق والفريابي ~~وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى، ~~وابن مردويه والبيهقي في البعث، PageV05P078 # وابن عساكر عن عثمان بن عفان أنه قرأ (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) ~~قال: سائق يسوقها إلى أمر الله. # وشهيد يشهد عليها بما عملت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في ~~الكنى وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة في الآية قال: السائق ~~الملك، والشهيد العمل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: # السائق ms3723 من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه (لقد كنت في غفلة من هذا) قال: هو الكافر. وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا (فكشفنا عنك غطاءك) قال: # الحياة بعد الموت. وأخرج ابن جرير عنه أيضا، و (قال قرينه) قال شيطانه. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله (لا تختصموا لدي) قال: ~~إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا. في قوله (وما أنا بظلام للعبيد) قال: ما أنا بمعذب من لم ~~يجترم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا، في قوله (يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد) قال: وهل في مكان يزاد في . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تزال جهنم يلقى ~~فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض ~~وتقول قط قط، وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا ~~آخر فيسكنهم في فضول الجنة. وأخرجنا أيضا من حديث أبي هريرة نحوه، وفي ~~الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (لكل ~~أواب حفيظ) قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها. وأخرج البزار وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أنس، في قوله (ولدينا ~~مزيد) قال: يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل جمعة. وأخرج البيهقي في ~~الرؤية والديلمي عن علي في الآية قال: يتجلى لهم الرب عز وجل، وفي الباب ~~أحاديث. # ق (36 - 45) خوف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية (قبلهم) أي قبل ~~قريش ومن وافقهم (من قرن) أي من أمة (هم أشد منهم بطشا) أي قوة كعاد وثمود ~~وغيرهما (فنقبوا في البلاد) أي ساروا وتقلبوا فيها وطافوا بقاعها ~~PageV05P079 # وأصله من النقب، وهو الطريق. قال مجاهد: ضربوا وطافوا. وقال النضر بن ~~شميل: دوروا. وقال ms3724 المؤرج: # تباعدوا. والأول أولى، ومنه قول امرئ القيس: # وقد نقبت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب ومثله قول الحارث بن ~~حلزة: # نقبوا في البلاد من حذر الموت * وجالوا في الأرض كل مجال وقرأ ابن عباس ~~والحسن وأبو العالية وأبو عمرو في رواية " نقبوا " بفتح القاف مخففة، ~~والنقب هو الخرق والطريق في الجبل وكذا المنقب والمنقبة، كذا قال ابن ~~السكيت، وجمع النقب نقوب. وقرأ السلمي ويحيى بن يعمر بكسر القاف مشددة على ~~الأمر للتهديد: أي طوفوا فيها وسيروا في جوانبها. وقرأ الباقون بفتح القاف ~~مشددة على الماضي (هل من محيص) أي هل من مهرب يهربون إليه، أو مخلص يتخلصون ~~به من العذاب. # قال الزجاج: لم يروا محيصا من الموت، والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حيصا ~~وحيوصا ومحيصا ومحاصا وحيصانا: أي عدل وحاد، والجملة مستأنفة لبيان أنه لا ~~مهرب لهم، وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم مثل من قبلهم من القرون لا يجدون من ~~الموت والعذاب مفرا (إن في ذلك لذكرى) أي فيما ذكر من قصتهم تذكرة وموعظة ~~(لمن كان له قلب) أي عقل. قال الفراء: وهذا جائز في العربية، تقول ما لك ~~قلب وما قلبك معك: # أي مالك عقل وما عقلك معك، وقيل المراد القلب نفسه، لأنه إذا كان سليما ~~أدرك الحقائق وتفكر كما ينبغي وقيل لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن ~~ذلك بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها، ومنه قول امرئ القيس. # أغرك مني أن حبك قاتلي * وأنك مهما تأمري النفس تفعل (أو ألقى السمع) أي ~~استمع ما يقال له، يقال ألق سمعك إلى: أي استمع منى، والمعنى: أنه ألقى ~~السمع إلى ما يتلى عليه من الوحي الحاكي لما جرى عن تلك الأمم. قرأ الجمهور ~~" ألقى " مبنيا للفاعل. وقرأ السلمي وطلحة والسدي على البناء للمفعول ورفع ~~السمع (وهو شهيد) أي حاضر الفهم أو حاضر القلب لأن من لا يفهم في حكم ~~الغائب وإن حضر بجسمه فهو لم يحضر بفهمه. قال الزجاج: أي وقلبه حاضر فيما ~~يسمع. قال سفيان: ms3725 أي لا يكون حاضرا وقلبه غائب. قال مجاهد وقتادة: هذه ~~الآية في أهل الكتاب وكذا قال الحسن. وقال محمد بن كعب وأبو صالح: إنها في ~~أهل القرآن خاصة (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) قد ~~تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف وغيرها (وما مسنا من لغوب) اللغوب: ~~التعب والإعياء، تقول لغب يلغب بالضم لغوبا. قال الواحدي: قال جماعة ~~المفسرين إن اليهود قالوا: خلق الله السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام. # أولها الأحد وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله تعالى بقوله ~~(وما مسنا من لغوب. فاصبر على ما يقولون) هذه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأمر لهم بالصبر على ما يقوله المشركون: أي هون عليك، ولا تحزن ~~لقولهم وتلق ما يرد عليك منه بالصبر (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب) أي نزه الله عما لا يليق بجنابه العالي ملتبسا بحمده وقت الفجر ~~ووقت العصر، وقيل المراد صلاة الفجر وصلاة العصر، وقيل الصلوات الخمس، وقيل ~~صل ركعتين. قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها، والأول أولى (ومن الليل ~~فسبحه) من للتبعيض: أي سبحه بعض الليل، وقيل هي صلاة الليل، وقيل ركعتا ~~الفجر، وقيل صلاة العشاء، والأول أولى (وإدبار السجود) أي وسبحه أعقاب ~~الصلوات، قرأ الجمهور " أدبار " بفتح الهمزة جمع دبر. وقرأ PageV05P080 # نافع وابن كثير وحمزة بكسرها على المصدر، من أدبر الشئ إدبارا: إذا ولى. ~~وقال جماعة من الصحابة والتابعين: # إدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر. ~~وقد اتفق القراء السبعة في إدبار النجوم أنه بكسر الهمزة كما سيأتي (واستمع ~~يوم يناد المناد من مكان قريب) أي استمع ما يوحى إليك من أحوال القيامة: # يوم ينادي المناد، وهو إسرافيل أو جبريل، وقيل استمع النداء أو الصوت أو ~~الصيحة، وهي صيحة القيامة: # أعني النفخة الثانية في الصور من إسرافيل، وقيل إسرافيل ينفخ، وجبريل ~~ينادي أهل المحشر، ويقول: هلموا للحساب، فالنداء على هذا في المحشر. قال ~~مقاتل: هو إسرافيل ينادي بالحشر فيقول: يا ms3726 أيها الناس هلموا للحساب (من ~~مكان قريب) بحيث يصل النداء إلى كل فرد من أفراد أهل المحشر. قال قتادة: ~~كنا نحدث أنه ينادي من صخرة بيت المقدس. قال الكلبي: وهي أقرب الأرض إلى ~~السماء باثني عشر ميلا. وقال كعب: بثمانية عشر ميلا (يوم يسمعون الصيحة ~~بالحق) هو بدل من يوم ينادي: يعني صيحة البعث، وبالحق متعلق بالصيحة (ذلك ~~يوم الخروج) أي يوم الخروج من القبور. قال الكلبي: معنى بالحق بالبعث. وقال ~~مقاتل: يعني أنها كائنة حقا (إنا نحن نحيي ونميت) أي نحيي في الآخرة ونميت ~~في الدنيا لا يشاركنا في ذلك مشارك، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث ~~(وإلينا المصير) فنجازي كل عامل بعمله (يوم تشقق الأرض عنهم) قرأ الجمهور ~~بإدغام التاء في الشين. # وقرأ الكوفيون بتخفيف الشين على حذف إحدى التاءين تخفيفا. وقرأ زيد بن ~~علي: تتشقق بإثبات التاءين على الأصل، وقرئ على البناء للمفعول، وانتصاب ~~(سراعا) على أنه حال من الضمير في عنهم، والعامل في الحال تشقق، وقيل ~~العامل في الحال هو العامل في يوم: أي مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم (ذلك ~~حشر) أي بعث وجمع (علينا يسير) هين. ثم عزى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال (نحن أعلم بما يقولون) يعني من تكذيبك فيما جئت به ومن ~~إنكار البعث والتوحيد (وما أنت عليهم بجبار) أي بمسلط يجبرهم ويقهرهم على ~~الإيمان، والآية منسوخة بآية السيف (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) أي من يخاف ~~وعيدي لعصاتي بالعذاب، وأما من عداهم فلا تشتغل بهم، ثم أمره الله سبحانه ~~بعد ذلك بالقتال. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس (وما مسنا من لغوب) قال: من نصب. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط وابن عساكر عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس) صلاة الصبح (وقبل ~~الغروب) صلاة العصر. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال: " بت عند رسول الله صلى الله ms3727 عليه وآله وسلم ~~فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: يابن عباس ~~ركعتان قبل صلاة الفجر إدبار النجوم وركعتان بعد المغرب إدبار السجود ". ~~وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال " ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إدبار النجوم وإدبار السجود، ~~فقال: إدبار السجود ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم الركعتان قبل الغداة ~~". وأخرج محمد بن نصر في الصلاة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب: إدبار ~~السجود ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم ركعتان قبل الفجر. وأخرج سعيد بن ~~منصور وابن أبي شيبة وابن نصر وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عن علي بن أبي طالب مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر وابن جرير ~~وابن المنذر وابن مزدويه عن أبي هريرة مثله. وأخرج البخاري وغيره عن مجاهد ~~قال: قال ابن عباس: أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها. وأخرج ابن جرير ~~عنه (واستمع يوم يناد المناد) قال: هي الصيحة. وأخرج الواسطي عنه أيضا (من ~~مكان قريب) قال: من صخرة بيت المقدس. وأخرج ابن أبي حاتم وابن PageV05P081 # المنذر عنه أيضا (ذلك يوم الخروج) قال: يوم يخرجون إلى البعث من القبور. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: # قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد). # تفسير سورة الذاريات هي ستون آية، وهي مكية. قال القرطبي في قول الجميع ~~وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ~~قال: نزلت سورة الذاريات بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. # سورة الذاريات (1 - 24) قوله (والذاريات ذروا) يقال ذرت الريح التراب ~~تذروه ذروا، وأذرته تذريه ذريا، أقسم سبحانه بالرياح التي تذري التراب، ~~وانتصار ذروا على المصدرية، والعامل فيها اسم الفاعل والمفعول محذوف. قرأ ~~أبو عمرو وحمزة بإدغام تاء الذاريات في ذال ذروا. وقرأ الباقون بدون إدغام. ~~وقيل المقسم به مقدر وهو رب الذاريات وما بعدها، والأول أولى (فالحاملات ~~وقرا) هي السحاب تحمل الماء ms3728 كما تحمل ذوات الأربع الوقر، وانتصاب وقرا على ~~أنه مفعول به كما يقال حمل فلان عدلا ثقيلا. قرأ الجمهور " واقرا " بكسر ~~الواو اسم ما يوقر: أي يحمل، وقرئ بفتحها على أنه مصدر والعامل فيه اسم ~~الفاعل، أو على تسمية المحمول بالمصدر مبالغة (فالجاريات يسرا) هي السفن ~~الجارية في البحر بالرياح جريا سهلا، وانتصاب يسرا على المصدرية، أو صفة ~~لمصدر محذوف، أو على الحال: أي جريا ذا يسر، وقيل هي الرياح، وقيل السحاب، ~~والأول أولى، واليسر: السهل في كل شئ PageV05P082 # (فالمقسمات أمرا) هي الملائكة التي تقسم الأمور. قال الفراء: تأتي بأمر ~~مختلف: جبريل بالغلظة، وميكائيل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت، وقيل ~~تأتي بأمر مختلف من الجدب والخصب والمطر والموت والحوادث. # وقيل هي السحب التي يقسم الله بها أمر العباد، وقيل إن المراد بالذاريات ~~والحاملات والجاريات والمقسمات الرياح، فإنها توصف بجميع ذلك لأنها تذرو ~~التراب وتحمل السحاب وتجري في الهواء وتقسم الأمطار، وهو ضعيف جدا. وانتصاب ~~أمرا على المفعول به، وقيل على الحال: أي مأمورة، والأول أولى (إنما توعدون ~~لصادق) هذا جواب القسم: أي إنما توعدون من الثواب والعقاب لكائن لا محالة. ~~و " ما " يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية. ووجه تخصيص ~~هذه الأمور بالإقسام بها كونها أمورا بديعة مخالفة لمقتضى العادة، فمن قدر ~~عليها فهو قادر على البعث الموعود به (والسماء ذات الحبك) قرأ الجمهور " ~~الحبك " بضم الحاء والباء، وقرئ بضم الحاء وسكون الباء وبكسر الحاء وفتح ~~الباء وبكسر الحاء وضم الباء. قال ابن عطية: # هي لغات، والمراد بالسماء هنا هي المعروفة، وقيل المراد بها السحاب، ~~والأول أولى. # واختلف المفسرون في تفسير الحبك، فقال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم: ~~المعنى ذات الخلق المستوى الحسن. قال ابن الأعرابي: كل شئ أحكمته وأحسنت ~~عمله فقد حبكته واحتبكته. وقال الحسن وسعيد بن جبير: # ذات الزينة. وروى عن الحسن أيضا أنه قال: ذات النجوم. وقال الضحاك: ذات ~~الطرائق، وبه قال الفراء، يقال لما تراه من الماء والرمل إذا أصابته الريح ~~حبك. قال ms3729 الفراء: الحبك بكسر: كل شئ كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة ~~والماء إذا مرت به الريح، ويقال لدرع الحديد حبك، ومنه قول الشاعر: # كأنما جللها الحواك * طنفسة في وشيها حباك أي طرق، وقيل الحبك الشدة، ~~والمعنى: والسماء ذات الشدة، والمحبوك الشديد الخلق من فرس أو غيره، ومنه ~~قول الشاعر: قد غدا يحملني في أنفه * لاحق الأطلين محبوك ممر وقول الآخر: ~~مرج الدين فأعددت له * مشرف الحارك محبوك الكتد قال الواحدي بعد حكاية ~~القول الأول: هذا قول الأكثرين (إنكم لفي قول مختلف) هذا جواب القسم ~~بالسماء ذات الحبك: أي إنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم. بعضكم يقول إنه شاعر. وبعضكم يقول إنه ساحر، وبعضكم ~~يقول إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة تشبيه ~~أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء، واستعمال الحبك في الطرائق هو ~~الذي عليه أهل اللغة، وإن كان الأكثر من المفسرين على خلافه. على إنه يمكن ~~أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا، وذلك بأن يقال: إن ما في ~~السماء من الطرائق يصح أن يكون سببا لمزيد حسنها واستواء خلقها وحصول ~~الزينة فيها ومزيد القوة لها. وقيل إن المراد بكونهم في قول مختلف أن بعضهم ~~ينفى الحشر وبعضهم يشك فيه، وقيل كونهم يقرون أن الله خالقهم ويعبدون ~~الأصنام (يؤفك عنه من أفك) أي يصرف عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبما جاء به، أو عن الحق، وهو البعث والتوحيد من صرف. وقيل يصرف ~~عن ذلك الاختلاف من صرفه الله عنه بالعصمة والتوفيق، يقال أفكه يأفكه إفكا: ~~أي قلبه عن الشئ وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى - قالوا أجئتنا لتأفكنا - وقال ~~مجاهد: يؤمن عنه من أفن، والأفن فساد العقل، وقيل يحرمه من حرم. وقال قطرب: ~~يجدع عنه من جدع. وقال اليزيدي: يدفع عنه من دفع (قتل الخراصون) هذا دعاء ~~عليهم. وحكى الواحدي عن PageV05P083 # المفسرين جميعا أن المعنى: لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: والقتل إذا ~~أخبر ms3730 به عن الله كان بمعنى اللعن، لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول ~~الهالك. قال الفراء: معنى قتل لعن. والخراصون الكذابون الذين يتخرصون فيما ~~لا يعلمون فيقولون: إن محمدا مجنون كذاب شاعر ساحر. قال الزجاج: الخراصون ~~هم الكذابون، والخرص: # حزر ما على النخل من الرطب تمرا، والخراص: الذي يخرصها، وليس هو المراد ~~هنا، ثم قال (الذين هم في غمرة ساهون) أي في غفلة وعمى جهالة عن أمور ~~الآخرة، ومعنى ساهون: لاهون غافلون، والسهو: الغفلة عن الشئ وذهابه عن ~~القلب، وأصل الغمرة ما ستر الشئ وغطاه، ومنها غمرات الموت (يسألون أيان يوم ~~الدين) أي يقولون متى يوم الجزاء تكذيبا منهم واستهزاء. ثم أخبر سبحانه عن ~~ذلك اليوم فقال (يوم هم على النار يفتنون) أي يحرقون ويعذبون. يقال فتنت ~~الذهب: إذا أحرقته لتختبره، وأصل الفتنة الاختبار. قال عكرمة: ألم تر أن ~~الذهب إذا أدخل النار قيل فتن. وانتصاب يوم بمضمر: أي الجزاء: يوم هم على ~~النار، ويجوز أن يكون بدلا من يوم الدين، والفتح للبناء لكونه مضافا إلى ~~الجملة، وقيل هو منصوب بتقدير أعني. وقرأ ابن أبي عبلة برفع " يوم " على ~~البدل من يوم الدين، وجملة (ذوقوا فتنتكم) هي بتقدير القول: أي يقال لهم ~~ذوقوا عذابكم قاله ابن زيد. # وقال مجاهد: حريقكم، ورجح الأول الفراء، وجملة (هذا الذي كنتم به ~~تستعجلون) من جملة ما هو محكي بالقول: أي هذا ما كنتم تطلبون تعجيله ~~استهزاء منكم، وقيل هي بدل من فتنتكم (إن المتقين في جنات وعيون) لما ذكر ~~سبحانه حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة: أي هم في بساتين فيها عيون جارية ~~لا يبلغ وصفها الواصفون (آخذين ما آتاهم ربهم) أي قابلين ما أعطاهم ربهم من ~~الخير والكرامة، وجملة (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) تعليل لما قبلها: أي ~~لأنهم كانوا في الدنيا محسنين في أعمالهم الصالحة من فعل ما أمروا به وترك ~~ما نهوا عنه. # ثم بين إحسانهم الذي وصفهم به فقال (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) ~~الهجوع: النوم بالليل دون ms3731 النهار، والمعنى: كانوا قليلا ما ينامون من ~~الليل، وما زائدة، ويجوز أن تكون مصدرية أو موصولة: أي كانوا قليلا من ~~الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه، ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت: # قد حصت البيضة رأسي * فما أطعم نوما غير تهجاع والتهجاع: القليل من ~~النوم، ومن ذلك قول عمرو بن معدي كرب: # أمن ريحانة الداعي السميع * يهيجني وأصحابي هجوع وقيل ما نافية: أي ما ~~كانوا ينامون قليلا من الليل، فكيف بالكثير منه، وهذا ضعيف جدا. وهذا قول ~~من قال: إن المعنى كان عددهم قليلا. ثم ابتدأ فقال (ما يهجعون) وبه قال ابن ~~الأنباري وهو أضعف مما قبله. # وقال قتادة في تفسير هذه الآية: كانوا يصلون بين العشاءين، وبه قال أبو ~~العالية وابن وهب (وبالأسحار هم يستغفرون) أي يطلبون في أوقات السحر من ~~الله سبحانه أن يغفر ذنوبهم. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا ~~بالأسحار الاستغفار. وقال الكلبي ومقاتل ومجاهد: هم بالأسحار يصلون، وذلك ~~أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة. وقال الضحاك: هي صلاة الفجر. ثم ذكر سبحانه ~~صدقاتهم فقال (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) أي يجعلون في أموالهم على ~~أنفسهم حقا للسائل والمحروم تقربا إلى الله عز وجل. وقال محمد بن سيرين ~~وقتادة: # الحق هنا الزكاة المفروضة، والأول أولى، فيحمل على صدقة النفل وصلة الرحم ~~وقرى الضيف، لأن السورة مكية، والزكاة لا تفرض إلا بالمدينة، وسيأتي في ~~سورة سأل سائل - وفي أموالهم حق معلوم. للسائل والمحروم - بزيادة معلوم، ~~والسائل هو الذي يسأل الناس لفاقته. PageV05P084 # واختلف في تفسير المحروم، فقيل هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس ~~غنيا فلا يتصدقون عليه، وبه قال قتادة والزهري. وقال الحسن ومحمد ابن ~~الحنفية: هو الذي لا سهم له في الغنيمة ولا يجري عليه من الفئ شئ. وقال زيد ~~بن أسلم: هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ماشيته. قال القرطبي: هو الذي ~~أصابته الجائحة، وقيل الذي لا يكتسب، وقيل هو الذي لا يجد غني يغنيه، وقيل ~~هو الذي يطلب الدنيا وتدبر ms3732 عنه، وقيل هو المملوك، وقيل الكلب، وقيل غير ~~ذلك. قال الشعبي: لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم، فما أنا ~~اليوم بأعلم مني فيه يومئذ، والذي ينبغي التعويل عليه ما يدل عليه المعنى ~~اللغوي، والمحروم في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع، فيدخل تحته من ~~حرم الرزق من الأصل، ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته، ومن حرم العطاء، ومن حرم ~~الصدقة لتعففه. ثم ذكر سبحانه ما نصبه من الدلائل الدالة على توحيده وصدق ~~وعده ووعيده فقال (وفي الأرض آيات للموقنين) أي دلائل واضحة وعلامات ظاهرة ~~من الجبال والبر والبحر والأشجار والأنهار والثمار، وفيها آثار الهلاك ~~للأمم الكافرة المكذبة لما جاءت به رسل الله ودعتهم إليه، وخص الموقنين ~~بالله لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه فينتفعون به (وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون) أي وفي أنفسكم آيات تدل على توحيد الله وصدق ما جاءت به الرسل، ~~فإنه خلقهم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى أن ينفخ فيه الروح، ثم تختلف ~~بعد ذلك صورهم وألوانهم وطبائعهم وألسنتهم، ثم نفس خلقهم على هذه الصفة ~~العجيبة الشأن من لحم ودم وعظم وأعضاء وحواس ومجاري ومنافس، ومعنى (أفلا ~~تبصرون) أفلا تنظرون بعين البصيرة، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق ~~المتفرد بالألوهية، وأنه لا شريك له ولا ضد ولا ند، وأن وعده الحق، وقوله ~~الحق وأن ما جاءت إليكم به رسله هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة تعتريه، ~~وقيل المراد بالأنفس الأرواح: أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات (وفي ~~السماء رزقكم) أي سبب رزقكم، وهو المطر فإنه سبب الأرزاق. قال سعيد ابن ~~جبير والضحاك: الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج. وقيل المراد ~~بالسماء السحاب: أي وفي السحاب رزقكم، وقيل المراد بالسماء المطر، وسماه ~~سماء لأنه ينزل من جهتها، ومنه قول الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا وقال ابن كيسان: يعني ~~وعلى رب السماء رزقكم، قال: ونظيره - وما من دابة في الأرض إلا على الله ~~رزقها - وهو ms3733 بعيد. وقال سفيان الثوري: أي عند الله في السماء رزقكم. وقيل ~~المعنى: وفي السماء تقدير رزقكم، قرأ الجمهور " رزقكم " بالأفراد، وقرأ ~~يعقوب وابن محيصن ومجاهد " أرزاقكم " بالجمع (وما توعدون) من الجنة والنار، ~~قاله مجاهد. قال عطاء: من الثواب العقاب، وقال الكلبي: من الخير والشر، قال ~~ابن سيرين: # ما توعدون من أمر الساعة، وبه قال الربيع. والأولى الحمل على ما هو أعم ~~من هذه الأقوال، فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء، والقضاء والقدر ينزل ~~منها، والجنة والنار فيها. ثم أقسم سبحانه بنفسه فقال (فورب السماء والأرض ~~إنه الحق) أي ما أخبركم به في هذه الآيات. قال الزجاج: هو ما ذكر من أمر ~~الرزق والآيات. قال الكلبي: يعني ما قص في الكتاب. وقال مقاتل: يعني من أمر ~~الساعة. وقيل إن " ما " في قوله (وما توعدون) مبتدأ وخبره فورب السماء ~~والأرض إنه لحق، فيكون الضمير لما. ثم قال سبحانه (مثل ما أنكم تنطقون) قرأ ~~الجمهور بنصب " مثل " على تقدير: كمثل نطقكم، وما زائدة، كذا قال بعض ~~الكوفيون إنه منصوب بنزع الخافض. وقال الزجاج والفراء: يجوز أن ينتصب على ~~التوكيد: أي لحق حقا مثل نطقكم. وقال المازني: إن PageV05P085 # " مثل " مع " ما " بمنزلة شئ واحد فبني على الفتح. وقال سيبويه: هو مبني ~~لإضافته إلى غير متمكن، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر والأعمش " مثل " بالرفع على أنه صفة لحق، لأن مثل نكرة ~~وإن أضيفت فهي لا تتعرف بالإضافة كغير. ورجح قول المازني أبو علي الفارسي، ~~قال ومثله قول حميد: وويحا لمن لم يدر ما هن ويحما * فبنى ويح مع ما ولم ~~يلحقه التنوين، ومعنى الآية تشبيه تحقيق ما أخبر الله عنه بتحقيق نطق ~~الآدمي ووجوده، وهذا كما تقول: إنه لحق كما أنك هاهنا، وإنه لحق كما أنك ~~تتكلم، والمعنى: أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن الأنباري والدارقطني في الأفراد والحاكم وصححه والبيهقي ms3734 ~~في الشعب من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله (والذاريات ذروا) قال: الرياح ~~(فالحاملات وقرا) قال: السحاب (فالجاريات يسرا) قال: السفن (فالمقسمات ~~أمرا) قال: # الملائكة. وأخرج البزار والدارقطني في الإفراد، وابن مردويه وابن عساكر ~~عن عمر بن الخطاب مثله ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ~~إسناده أبو بكر بن سبرة وهو لين الحديث، وسعيد بن سلام وليس من صحاب ~~الحديث، كذا قال البزار. قال ابن كثير: فهذا الحديث ضعيف رفعه وأقرب ما فيه ~~أنه موقوف على عمر. وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس مثل قول على. ~~وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ في العظمة عن ابن عباس (والسماء ذات الحبك) قال: حسنها واستواؤها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عنه في الآية قال: ذات البهاء ~~والجمال وإن بنيانها كالبرد المسلسل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه قال: ذات الخلق الحسن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ~~عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن منيع عن علي قال: هي السماء السابعة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (يؤفك عنه من أفك) قال: يضل عنه من ضل. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (قتل الخراصون) قال: لعن ~~المرتابون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا. # قال: هم الكهنة (الذين هم في غمرة ساهون) قال: في غفلة لاهون. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا قال: الغمرة الكفر والشك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه قال: في ضلالتهم يتمادون، وفي قوله (يوم هم على النار ~~يفتنون) قال: يعذبون. وأخرج هؤلاء عنه أيضا في قوله (آخذين ما آتاهم ربهم) ~~قال: الفرائض (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) قال: قبل أن تنزل الفرائض ~~يعملون. وأخرج هؤلاء أيضا والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء ~~والصفات عنه أيضا (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) قال: ما ms3735 تأتي عليهم ~~ليلة ينامون حتى يصبحوا إلا يصلون فيها. وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن ~~المنذر عنه أيضا في الآية يقول: قليلا ما كانوا ينامون. وأخرج أبو داود ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه عن أنس في الآية قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. وأخرج عبد ~~الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن عمر (وبالأسحار هم يستغفرون) قال: يصلون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس (في أموالهم حق) قال: سوى الزكاة يصل بها رحما أو يقري بها ضيفا أو ~~يعين بها محروما. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه قال: السائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له سهم من فئ ~~المسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: المحروم هو المحارف الذي يطلب ~~الدنيا وتدبر عنه ولا يسأل الناس، فأمر الله المؤمنين برفده. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن عائشة في الآية. قالت: هو المحارف الذي لا يكاد PageV05P086 # يتيسر له مكسبه. وأخرج الترمذي والبيهقي في سننه عن فاطمة بنت قيس " أنها ~~سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية قال: إن في المال حقا سوى ~~الزكاة، وتلا هذه الآية - ليس البر أن تولوا وجوهكم - إلى قوله - وفي ~~الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة " وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن الزبير ~~في قوله (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) قال: سبيل الغائط والبول. # الذاريات (24 - 37) قوله (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) ذكر سبحانه ~~قصة إبراهيم ليبين أنه أهلك بسبب التكذيب من أهلك. وفي الاستفهام تنبيه على ~~أن هذا الحديث ليس مما قد علم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه ~~إنما علمه بطريق الوحي. وقيل إن هل بمعنى قد كما في قوله - هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر - والضيف مصدر يطلق على الواحد ms3736 والاثنين والجماعة، ~~وقد تقدم الكلام على قصة ضيف إبراهيم في سورة هود وسورة الحجر، والمراد ~~بكونهم مكرمين: أنهم مكرمون عند الله سبحانه لأنهم ملائكة جاءوا إليه في ~~صورة بني آدم، كما قال تعالى في وصفهم في آية أخرى - بل عباد مكرمون - وقيل ~~هم جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقال مقاتل ومجاهد: # أكرمهم إبراهيم وأحسن إليهم وقام على رؤوسهم، وكان لا يقوم على رؤوس ~~الضيف، وأمر امرأته أن تخدمهم. # وقال الكلبي: أكرمهم بالعجل (إذ دخلوا عليه) العامل في الظرف حديث: أي هل ~~أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه، أو العامل فيه ضيف لأنه مصدر، أو ~~العامل فيه المكرمين، أو العامل فيه فعل مضمر: أي أذكر (فقالوا سلاما) أي ~~نسلم عليك سلاما (قال سلام) أي قال إبراهيم سلام. قرأ الجمهور بنصب " سلاما ~~" الأول ورفع الثاني، فنصب الأول على المصدرية بتقدير الفعل كما ذكرنا، ~~والمراد به التحية، ويحتمل أن يكون المعنى: # فقالوا كلاما حسنا لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو، فيكون على هذا ~~مفعولا به. وأما الثاني فرفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر: أي عليكم سلام، ~~وعدل به إلى الرفع لقصد إفادة الجملة الاسمية للدوام والثبات، بخلاف ~~الفعلية فإنها لمجرد التجدد والحدوث، ولهذا قال أهل المعاني: إن سلام ~~إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة. وقرئ بالرفع في الموضعين، وقرئ بالنصب ~~فيهما. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما بكسر السين، وقرئ سلم فيها (قوم ~~PageV05P087 # منكرون) ارتفاع قوم على أنه خبر مبتدإ محذوف: أي أنتم منكرون. قيل إنه ~~قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به، لأن ذلك يخالف الإكرام. قيل إنه أنكرهم ~~لكونهم ابتدءوا بالسلام ولم يكن ذلك معهودا عند قومه، وقيل لأنه رأى فيهم ~~ما يخالف بعض الصور البشرية، وقيل لأنه رآهم على غير صورة الملائكة الذين ~~يعرفهم، وقيل غير ذلك (فراغ إلى أهله) قال الزجاج: أي عدل إلى أهله، وقيل ~~ذهب إليهم في خفية من ضيوفه، والمعنى متقارب وقد تقدم تفسيره في سورة ~~الصافات. يقال راغ وارتاغ بمعنى طلب، وماذا يريغ: أي يريد ويطلب، ms3737 وأراغ إلى ~~كذا: مال إليه سرا وحاد (فجاء بعجل سمين) أي فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم ~~كما في سورة هود - بعجل حنيذ - وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة: أي ~~فذبح عجلا فحنذه فجاء به (فقربه إليهم) أي قرب العجل إليهم ووضعه بين ~~أيديهم ف‍ (قال ألا تأكلون) الاستفهام للإنكار، وذلك أنه لما قربه إليهم لم ~~يأكلوا منه. # قال في الصحاح: العجل ولد البقر، والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى ~~عجلة، وقيل العجل في بعض اللغات الشاة (فأوجس منهم خيفة) أي أحس في نفسه ~~خوفا منهم لما لم يأكلوا مما قربه إليهم. وقيل معنى أوجس أضمر، وإنما وقع ~~له ذلك لما لم يتحرموا بطعامه، ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان ~~صار آمنا منه، فظن إبراهيم أنهم جاءوا للشر ولم يأتوا للخير. وقيل إنه وقع ~~في قلبه أنهم ملائكة، فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف (قالوا لا ~~تخف) وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه (وبشروه بغلام ~~عليم) أي بشروه بغلام يولد له كثير العلم عند أن يبلغ مبالغ الرجال، ~~والمبشر به عند الجمهور هو إسحاق. وقال مجاهد وحده: إنه إسماعيل، وهو مردود ~~بقوله - وبشرناه بإسحاق - وقد قدمنا تحقيق هذا المقام بما لا يحتاج الناظر ~~فيه إلى غيره (فأقبلت امرأته في صرة) لم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان، ~~وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي، كذا قال الفراء وغيره، والصرة ~~الصيحة والضجة، وقيل الجماعة من الناس. قال الجوهري: الصرة: # الضجة والصيحة، والصرة: الجماعة، والصرة الشدة من كرب أو غيره، والمعنى: ~~أنها أقبلت في صيحة، أو في ضجة، أو في جماعة من الناس يستمعون كلام ~~الملائكة، ومن هذا قول امرئ القيس: # فألحقه بالهاديات ودونه * جراجرها في صرة لم تزيل وقوله (في صرة) في محل ~~نصب على الحال (فصكت وجهها) أي ضربت بيدها على وجهها كما جرت بذلك عادة ~~النساء عند التعجب. قال مقاتل والكلبي: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا، ~~ومعنى الصك: ms3738 ضرب الشئ بالشئ العريض، يقال صكه: أي ضربه (وقالت عجوز عقيم) ~~أي كيف ألد وأنا عجوز عقيم، استبعدت ذلك لكبر سنها، ولكونها عقيما لا تلد ~~(قالوا كذلك قال ربك) أي كما قلنا لك وأخبرناك قال: ربك فلا تشكي في ذلك ~~ولا تعجبي منه، فإن ما أراده الله كائن لا محالة ولم نقل ذلك من جهة ~~أنفسنا، وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة، وقد ~~سبق بيان هذا مستوفي، وجملة (إنه هو الحكيم العليم) تعليل لما قبلها: أي ~~حكيم في أفعاله وأقواله، عليم بكل شئ، وجملة (قال فما خطبكم أيها المرسلون) ~~مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من ~~الملائكة، والخطب الشأن والقصة، والمعنى: فما شأنكم وما قصتكم أيها ~~المرسلون من جهة الله، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة ~~(قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) يريدون قوم لوط (لنرسل عليهم حجارة من ~~طين) أي لنرجمهم بحجارة من طين متحجر، وانتصاب (مسومة) على الصفة لحجارة، ~~أو على الحال في الضمير المستكن في الجار والمجرور، أو من الحجارة لكونها ~~قد وصفت بالجار والمجرور، ومعنى (مسومة) معلمة بعلامات تعرف بها، قيل كانت ~~PageV05P088 # مخططة بسواد وبياض، وقيل بسواد وحمرة، وقيل معروفة بأنها حجارة العذاب، ~~وقيل مكتوب على كل حجر من يهلك بها، وقوله (عند ربك) ظرف لمسومة: أي معلمة ~~عنده (للمسرفين) المتمادين في الضلالة المجاوزين الحد في الفجور. وقال ~~مقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها (فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين) هذا كلام من جهة الله سبحانه: أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا ~~من كان في قرى قوم لوط من قومه المؤمنين به (فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين) أي غير أهل بيت. يقال بيت شريف ويراد به أهله، قيل وهم أهل بيت ~~لوط، والإسلام: الانقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه، فكل مؤمن مسلم، ومن ~~ذلك قوله - قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا - وقد أوضح ~~الفرق رسول ms3739 الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الإسلام والإيمان في الحديث ~~في الصحيحين وغيرهما الثابت من طرق أنه سئل عن الإسلام فقال " أن تشهد أن ~~لا إله إلا الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتصوم رمضان " ~~وسئل عن الإيمان فقال " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والقدر خيره ~~وشره " فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق، ولا ~~التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة ~~مختلفة مختلة متناقضة، وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال ~~الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية، ~~والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه التي ~~أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجاب سؤال السائل له عن ~~ذلك بها (وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم) أي وتركنا في تلك ~~القرى علامة ودلالة تدل على ما أصابهم من العذاب، كل من يخاف عذاب الله ~~ويخشاه من أهل ذلك الزمان ومن بعدهم، وهذه الآية هي آثار العذاب في تلك ~~القرى، فإنها ظاهرة بينة، وقيل هي الحجارة التي رجموا بها، وإنما خص الذين ~~يخافون العذاب الأليم لأنهم الذين يتعظون بالمواعظ ويتفكرون في الآيات دون ~~غيرهم ممن لا يخاف ذلك وهم المشركون المكذبون بالبعث والوعد والوعيد. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عباس في قوله (في صرة) ~~قال: في صيحة (فصكت وجهها) قال: لطمت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد في قوله (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) قال: لوط وابنتيه. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانوا ثلاثة عشر. # سورة الذاريات (38 - 60) PageV05P089 # قوله (وفي موسى) معطوف على قوله فيها بإعادة الخافض، والتقدير: وتركنا في ~~قصة موسى آية أو معطوف على - وفي الأرض - والتقدير: وفي الأرض وفي موسى ~~آيات، قاله الفراء وابن عطية والزمخشري. قال أبو حيان: وهو بعيد جدا ينزه ~~القرآن عن مثله، ويجوز أن يكون متعلقا بجعلنا مقدرا ms3740 لدلالة - وتركنا عليه - ~~قيل ويجوز أن يعطف على وتركنا على طريقة قول القائل: علفتها تبنا وماء ~~باردا * والتقدير: وتركنا فيها آية، وجعلنا في موسى آية. قال أبو حيان: ولا ~~حاجة إلى إضمار، وجعلنا لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور وتركنا. ~~والوجه الأول هو الأولى، وما عداه متكلف متعسف لم تلجئ إليه حاجة ولا دعت ~~إليه ضرورة (إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين) الظرف متعلق بمحذوف هو نعت ~~لآية: أي كائنة وقت أرسلناه، أو بآية نفسها، والأول أولى. والسلطان المبين ~~الحجة الظاهرة الواضحة، وهي العصى وما معها من الآيات (فتولى بركنه) ~~التولي: الإعراض، والركن: الجانب. قاله الأخفش. والمعنى: أعرض بجانبه كما ~~في قوله - أعرض ونأى بجانبه - قال الجوهري: ركن الشئ جانبه الأقوى، وهو ~~يأوى إلى ركن شديد: أي عز ومنعة. وقال ابن زيد ومجاهد وغيرهما: الركن جمعه ~~وجنوده الذين كان يتقوى بهم، ومنه قوله تعالى - أو آوى إلى ركن شديد - أي ~~عشيرة ومنعة، وقيل الركن: نفس القوة، وبه قال قتادة وغيره، ومنه قول عنترة: # فما أوهى مراس الحرب ركني * ولكن ما تقادم من زماني (وقال ساحر أو مجنون) ~~أي قال فرعون: في حق موسى هو ساحر أو مجنون فردد فيما رآه من أحوال موسى ~~بين كونه ساحرا أو مجنونا، وهذا من اللعين مغالطة وإيهام لقومه، فإنه يعلم ~~أن ما رآه من الخوارق لا يتيسر على يد ساحر ولا يفعله من به جنون. وقيل إن ~~أو بمعنى الواو، لأنه قد قال ذلك جميعا ولم يتردد، قاله المؤرج والفراء، ~~كقوله - ولا تطع منهم آثما أو كفورا - (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) ~~أي طرحناهم في البحر، وجملة (وهو مليم) في محل نصب على الحال: أي آت بما ~~يلام عليه حين ادعى الربوبية وكفر بالله وطغى في عصيانه (وفي عاد) أي ~~وتركنا في قصة عاد آية (إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) وهي التي لا خير ~~فيها ولا بركة، ولا تلقح شجرا ولا PageV05P090 # تحمل مطرا، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب. ثم وصف سبحانه هذه ms3741 الريح فقال ~~(ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) أي ما تذر من شئ مرت عليه من ~~أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا جعلته كالشئ الهالك الهالك البالي. قال ~~الشاعر: # تركتني حين كف الدهر من بصري * وإذ بقيت كعظم الرمة البالي وقال قتادة: ~~إنه الذي ديس من يابس النبات، وقال السدي وأبو العالية: إنه التراب ~~المدقوق، وقال قطرب: إنه الرماد، وأصل الكلمة من رم العظم: إذا بلى فهو ~~رميم، والرمة: العظام البالية (وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين) أي ~~وتركنا في قصة ثمود آية وقت قلنا لهم عيشوا متمتعين بالدنيا إلى حين وقت ~~الهلاك، وهو ثلاثة أيام كما في قوله - تمتعوا في داركم ثلاثة أيام (فعتوا ~~عن أمر ربهم) أي تكبروا عن امتثال أمر الله (فأخذتهم الصاعقة) وهي كل عذاب ~~مهلك. قرأ الجمهور " الصاعقة " وقرأ عمر بن الخطاب وحميد وابن محيصن ومجاهد ~~والكسائي " الصعقة " وقد مر الكلام على الصاعقة في البقرة، وفي مواضع (وهم ~~ينظرون) أي يرونها عيانا، والجملة في محل نصب على الحال، وقيل إن المعنى: ~~ينتظرون ما وعدوه من العذاب، والأول أولى (فما استطاعوا من قيام) أي لم ~~يقدروا على القيام. قال قتادة: من نهوض: يعني لم ينهضوا من تلك الصرعة، ~~والمعنى: أنهم عجزوا عن القيام فضلا عن الهرب، ومثله قوله - فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين - (وما كانوا منتصرين) أي ممتنعين من عذاب الله بغيرهم (وقوم ~~نوح من قبل) أي من قبل هؤلاء المهلكين، فإن زمانهم متقدم على زمن فرعون ~~وعاد ثمود (إنهم كانوا قوما فاسقين) أي خارجين عن طاعة الله. قرأ حمزة ~~والكسائي وأبو عمرو بخفض " قوم " أي وفي قوم نوح آية، وقرأ الباقون بالنصب: ~~أي وأهلكنا قوم نوح، أو هو معطوف على مفعول أخذتهم الصاعقة، أو على مفعول ~~نبذناهم: أي نبذناهم ونبذنا قوم نوح، أو يكون العامل فيه أذكر (والسماء ~~بنيناها بأيد) أي بقوة وقدرة، قرأ الجمهور بنصب السماء على الاشتغال، ~~والتقدير: وبنينا السماء بنيناها. وقرأ أبو السماك وابن مقسم برفعها على ~~الابتداء (وإنا لموسعون) ms3742 الموسع ذو الوسع والسعة، والمعنى: إنا لذو سعة ~~بخلقها وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك، وقيل لقادرون، من الوسع بمعنى الطاقة ~~والقدرة، وقيل إنا لموسعون الرزق بالمطر. قال الجوهري: وأوسع الرجل: صار ذا ~~سعة وغنى (والأرض فرشناها) قرأ الجمهور بنصب " الأرض " على الاشتغال. وقرأ ~~أبو السماك وابن مقسم برفعها كما نقدم في قوله (والسماء بنيناها) ومعنى ~~فرشناها: بسطناها كالفراش (فنعم الماهدون) أي نحن، يقال مهدت الفراش: بسطته ~~ووطأته، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها (ومن كل شئ خلقنا زوجين) أي صنفين ~~ونوعين من ذكر وأنثى وبر وبحر وشمس وقمر وحلو ومر وسماء وأرض وليل ونهار ~~ونور وظلمة وجن وإنس وخير وشر (لعلكم تذكرون) أي خلقنا ذلك هكذا لتتذكروا ~~فتعرفوا أنه خالق كل شئ وتستدلوا بذلك على توحيده وصدق وعده ووعيده (ففروا ~~إلى الله إني لكم منه نذير مبين) أي قل لهم يا محمد: ففروا إلى الله ~~بالتوبة من ذنوبكم عن الكفر والمعاصي، وجملة (إني لكم منه نذير مبين) تعليل ~~للأمر بالفرار، وقيل معنى (ففروا إلى الله) اخرجوا من مكة. وقال الحسين بن ~~الفضل: احترزوا من كل شئ غير الله، فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه. وقيل ~~فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن، وقيل فروا من الجهل إلى العلم، ~~ومعنى (إني لكم منه) أي من جهته منذر بين الإنذار (ولا تجعلوا مع الله إلها ~~آخر) نهاهم عن الشرك بالله بعد أمرهم بالفرار إلى الله. وجملة (إني لكم منه ~~نذير مبين) تعليل للنهي (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون) في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان أن ~~هذا شأن الأمم المتقدمة PageV05P091 # وأن ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله ووصفه بالسحر والجنون قد كان ~~ممن قبلهم لرسلهم، و (كذلك) في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف: أي الأمر ~~كذلك. ثم فسر ما أجمله بقوله (ما أتى) الخ، أو في محل نصب نعتا لمصدر ~~محذوف: أي أنذركم إنذارا كإنذار من ms3743 تقدمني من الرسل الذين أنذروا قومهم، ~~والأول أولى (أتواصوا به) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب من حالهم: ~~أي هل أوصي أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطئوا عليه (بل هم قوم طاغون) إضراب عن ~~التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان: أي لم يتواصوا بذلك، بل جمعهم الطغيان ~~وهو مجاوزة الحد في الكفر، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالإعراض عنهم فقال (فتولى عنهم) أي أعرض عنهم وكف عن جدالهم ودعائهم ~~إلى الحق، فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته (فما أنت بملوم) عند الله ~~بعد هذا لأنك قد أديت ما عليك، وهذا منسوخ بآية السيف، ثم لما أمره ~~بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير والموعظة بالي هي أحسن فقال (وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين) قال الكلبي: # المعنى عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم. وقال مقاتل: عظ ~~كفار مكة فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن، وقيل ذكرهم ~~بالعقوبة وأيام الله، وخص المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به، وجملة ~~(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) مستأنفة مقررة لما قبلها، لأن كون ~~خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للتذكير ~~وينشطهم للإجابة. قيل هذا خاص في من سبق في علم الله سبحانه أنه يعبده، فهو ~~عموم مراد به الخصوص. قال الواحدي: قال المفسرون: هذا خاص لأهل طاعته، يعني ~~من أهل من الفريقين. قال: وهذا قول الكلبي والضحاك واختيار الفراء وابن ~~قتيبة. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص بالقطع، لأن المجانين لم يؤمروا ~~بالعبادة ولا أرادها منهم، وقد قال - ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس - ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة. فالآية محمولة على ~~المؤمنين منهم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب " وما خلقت الجن ~~والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون ". وقال مجاهد: إن المعنى: إلا ليعرفوني. # قال الثعلبي: وهذا قول حسن، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده. ~~وروى عن مجاهد أنه قال: المعنى إلا لآمرهم ms3744 وأنهاهم، ويدل عليه قوله - وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون - واختار ~~هذا الزجاج. وقال زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة، فخلق ~~السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء للمعصية. وقال الكلبي: ~~المعنى إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر ~~فيوحده في الشدة دون النعمة كما في قوله - وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصين له الدين - وقال جماعة: إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، ومعنى العبادة في ~~اللغة: الذل والخضوع والانقياد، وكل مخلوق من الإنس والجن خاضع لقضاء الله ~~متذلل لمشيئته منقاد لما قدره عليه. خلقهم على ما أراد، ورزقهم كما قضى، لا ~~يملك أحد منهم لنفسه نفعا ولا ضرا. ووجه تقديم الجن على الإنس ها هنا تقديم ~~وجودهم (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) هذه الجملة فيها بيان ~~استغنائه سبحانه عن عباده، وأنه لا يريد منهم منفعة كما تريده السادة من ~~عبيدهم، بل هو الغنى المطلق الرازق المعطي. وقيل المعنى: ما أريد منهم أن ~~يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم، ولا يطعموا أحدا من خلقي ولا ~~يطعموا أنفسهم، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله، فمن أطعم ~~عيال الله فهو كمن أطعمه. وهذا كما ورد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~يقول الله عبدي استطعمتك فلم تطعمني " أي لم تطعم عبادي، ومن في قوله (من ~~رزق) زائدة لتأكيد العموم. ثم بين سبحانه أنه هو الرزاق لا غيره، فقال (إن ~~الله هو الرزاق) لا رزاق سواه ولا معطي غيره، فهو الذي يرزق مخلوقاته ويقوم ~~بما يصلحهم PageV05P092 # فلا يشتغلوا بغير ما خلقوا له من العبادة (ذو القوة المتين) ارتفاع ~~المتين على أنه وصف للرزاق، أو لذو، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر. ~~قرأ الجمهور " الرزاق " وقرأ ابن محيصن " الرازق " وقرأ الجمهور " المتين " ~~بالرفع، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش بالجر صفة للقوة، والتذكير لكون تأنيثها ~~غير حقيقي. قال الفراء: كان ms3745 حقه المتينة، فذكرها لأنه ذهب بها إلى الشئ ~~المبرم المحكم الفتل، يقال حبل متين: أي محكم الفتل، ومعنى المتين: الشديد ~~القوة هنا (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم) أي ظلموا أنفسهم ~~بالكفر والمعاصي، فإن لهم ذنوبا: أي نصيبا من العذاب مثل نصيب الكفار من ~~الأمم السابقة. قال ابن الأعرابي: يقال يوم ذنوب: أي طويل الشر لا ينقضي، ~~وأصل الذنوب في اللغة الدلو العظيمة، ومن استعمال الذنوب في النصيب من الشئ ~~قول الشاعر: # لعمرك والمنايا طارقات * لكل بني أب منها ذنوب وما في الآية مأخوذ من ~~مقاسمة السقاة الماء بالدلو الكبير، فهو تمثيل، جعل الذنوب. مكان الحظ ~~والنصيب قاله ابن قتيبة (فلا يستعجلون) أي لا يطلبوا مني أن أعجل لهم ~~العذاب كما في قولهم - أئتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين - (فويل للذين ~~كفروا من يومهم الذي يوعدون) قيل هو يوم القيامة وقيل يوم بدر، والفاء ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر في قوله (فتولى بركنه) عن ابن عباس قال: ~~بقومه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~عنه في قوله (الريح العقيم) قال: الشديدة التي لا تلقح شيئا. # وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، وفي قوله ~~(إلا جعلته كالرميم) قال: # كالشئ الهالك. وأخرج الفريابي وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: الريح ~~العقيم النكباء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (والسماء بنيناها بأيد) قال: # بقوة. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر عنه في قوله (فتول عنهم فما ~~أنت بملوم) قال: أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم، وعذر محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ثم قال (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) فنسخها. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون) قال: ليقروا بالعبودية طوعا أو كرها. وأخرج ابن المنذر عنه في ~~الآية قال: على ms3746 ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي وشقوتي وسعادتي. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا في ~~قوله (المتين) يقول: الشديد. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ذنوبا) قال: دلوا. # تفسير سورة الطور هي تسع وأربعون آية، وقيل ثمان وأربعون وهي مكية. قال ~~القرطبي: في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ~~ابن عباس قال: نزلت الطور بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقرأ في المغرب بالطور. وأخرج البخاري وغيره عن أم سلمة " ~~أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى جنب البيت بالطور ~~وكتاب مسطور ". PageV05P093 # سورة الطور (1 - 20) قوله (والطور) قال الجوهري: هو الجبل الذي كلم الله ~~عليه موسى. قال مجاهد والسدي: الطور بالسريانية الجبل، والمراد به طور ~~سيناء. قال مقاتل بن حيان: هما طوران: يقال لأحدهما طور سيناء، وللآخر طور ~~زيتا، لأنهما ينبتان التين والزيتون. وقيل هو جبل مدين، وقيل إن الطور كل ~~جبل ينبت، وما لا ينبت فليس بطور، أقسم الله سبحانه بهذا الجبل تشريفا له ~~وتكريما (وكتاب مسطور) المسطور: المكتوب، والمراد بالكتاب القرآن، وقيل هو ~~اللوح المحفوظ، وقيل جميع الكتب المنزلة، وقيل ألواح موسى، وقيل ما تكتبه ~~الحفظة قاله الفراء وغيره، ومثله - ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا - وقوله - وإذا الصحف نشرت - (في رق منشور) متعلق بمسطور: أي مكتوب ~~في رق. قرأ الجمهور " في رق " بفتح الراء، وقرأ أبو السماك بكسرها. قال ~~الجوهري: الرق بالفتح ما يكتب فيه، وهو جلد رقيق، ومنه قوله تعالى (في رق ~~منشور) قال المبرد: الرق ما رق من الجلد ليكتب فيه، والمنشور المبسوط. قال ~~أبو عبيدة: وجمعه رقوق، ومن هذا قول الملتمس: # فكأنما هي من تقادم عهدها * رق أتيح كتابها مسطور وأما الرق بالكسر فهو ~~المملوك، يقال عبد رق وعبد مرقوق (والبيت المعمور) في السماء السابعة. وقيل ms3747 ~~في سماء الدنيا، وقيل هو الكعبة، فعلى القولين الأولين يكون وصفه بالعمارة ~~باعتبار من يدخل إليه من الملائكة ويعبد الله فيه. وعلى القول الثالث، يكون ~~وصفه بالعمارة حقيقة أو مجازا باعتبار كثرة من يتعبد فيه من بني آدم ~~(والسقف المرفوع) يعني السماء، سماها سقفا لكونها كالسقف للأرض، ومنه قوله ~~- وجعلنا السماء سقفا محفوظا - وقيل هو العرش (والبحر المسجور) أي الموقد، ~~من السجر: وهو إيقاد النار في التنور، ومنه قوله - وإذا البحار سجرت - وقد ~~روى أن البحار تسجر يوم القيامة فتكون نارا، وقيل المسجور المملوء، قيل إنه ~~من أسماء الأضداد، يقال بحر مسجور: أي مملوء، وبحر مسجور: أي فارغ، وقيل ~~المسجور الممسوك، ومنه ساجور الكلب، لأنه PageV05P094 # يمسكه. وقال أبو العالية: المسجور الذي ذهب ماؤه، وقيل المسجور المفجور، ~~ومنه - وإذا البحار فجرت - وقال الربيع بن أنس: هو الذي يختلط فيه العذب ~~بالمالح. والأول أولى، وبه قال مجاهد والضحاك ومحمد بن كعب والأخفش وغيرهم ~~(إن عذاب ربك لواقع) هذا جواب القسم: أي كائن لا محالة لمن يستحقه (ماله من ~~دافع) يدفعه ويرده عن أهل النار، وهذه الجملة خبر ثان لإن، أو صفة لواقع، ~~ومن مزيدة للتأكيد. ووجه تخصيص هذه الأمور بالإقسام بها أنها عظيمة دالة ~~على كمال القدرة الربانية (يوم تمور السماء مورا) العامل في الظرف لواقع: ~~أي إنه لواقع في هذا اليوم، ويجوز أن يكون العامل فيه دافع. والمور: ~~الاضطراب والحركة، قال أهل اللغة: مار الشئ يمور مورا: إذا تحرك وجاء وذهب ~~قاله الأخفش وأبو عبيدة: وأنشدا بيت الأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها * مشى السحابة لا ريث ولا عجل وليس في البيت ما ~~يدل على ما قالاه إلا إذا كانت هذه المشيئة المذكورة في البيت يطلق المور ~~عليها لغة. وقال الضحاك: يموج بعضها في بعض، وقال مجاهد: تدور دورا، وقيل ~~تجري جريا، ومنه قول الشاعر: # وما زالت القتلى تمور دماؤها * بدجلة حتى ماء دجلة أشكل ويطلق المور على ~~الموج، ومنه ناقة موارة اليد: أي سريعة تموج في مشيها موجا، ومعنى الآية ms3748 أن ~~العذاب يقع بالعصاة ولا يدفعه عنهم دافع في هذا اليوم الذي تكون فيه السماء ~~هكذا، وهو يوم القيامة. وقيل إن السماء ها هنا الفلك، وموره: اضطراب نظمه ~~واختلاف سيره (وتسير الجبال سيرا) أي نزول عن أماكنها وتسير عن مواضعها ~~كسير السحاب وتكون هباء منبثا، قيل ووجه تأكيد الفعلين بالمصدر الدالة على ~~غرابتها وخروجهما عن المعهود، وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الكهف (فويل ~~يومئذ للمكذبين) ويل كلمة تقال للهالك، واسم واد في جهنم، وإنما دخلت الفاء ~~لأن في الكلام معنى المجازاة: أي إذا وقع ما ذكر من مور السماء وسير الجبال ~~فويل لهم. ثم وصف المكذبين بقوله (الذين هم في خوض يلعبون) أي في تردد في ~~الباطل واندفاع فيه يلهون لا يذكرون حسابا ولا يخافون عقابا. والمعنى: أنهم ~~يخوضون في أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتكذيب والاستهزاء، وقيل ~~يخوضون في أسباب الدنيا ويعرضون عن الآخرة (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) ~~الدع الدفع بعنف وجفوة: يقال دععته أدعه دعا: أي دفعته، والمعنى: أنهم ~~يدفعون إلى النار دفعا عنيفا شديدا. قال مقاتل: # تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى جهنم ~~دفعا على وجوههم. قرأ الجمهور بفتح الدال وتشديد العين. وقرأ على والسلمي ~~وأبو رجاء وزيد بن علي وابن السميفع بسكون الدال وتخفيف العين مفتوحة: أي ~~يدعون إلى النار من الدعاء. ويوم إما بدل من يوم تمور: أو متعلق بالقول ~~المقدر في الجملة التي بعد هذه، وهي (هذه النار التي كنتم بها تكذبون) أي ~~يقال لهم ذلك يوم يدعون إلى نار جهنم دعا: أي هذه النار التي تشاهدونها هي ~~النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، والقائل لهم بهذه المقالة هم خزنة ~~النار. ثم وبخهم سبحانه أو أمر ملائكته بتوبيخهم، فقال (أفسحر هذا) الذي ~~ترون وتشاهدون كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة ولكتبه المنزلة، وقدم ~~الخبر هنا على المبتدأ لأنه الذي وقع الاستفهام عنه وتوجه التوبيخ إليه (أم ~~أنتم لا تبصرون) أي أم أنتم ms3749 عمي عن هذا كما كنتم عميا عن الحق في الدنيا ~~(اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا) أي إذا لم يمكنكم إنكارها وتحققتم أن ذلك ~~ليس بسحر ولم يكن في أبصاركم بعد خلل، فالآن ادخلوها وقاسوا شدتها فاصبروا ~~على العذاب أو لا تصبروا وافعلوا ما شئتم، فالأمران (سواء عليكم) في عدم ~~النفع، قيل أيضا تقول لهم الملائكة هذا القول، وسواء خبر مبتدإ محذوف: أي ~~الأمران سواء، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف: أي سواء عليكم ~~PageV05P095 # الصبر وعدمه، وجملة (إنما تجزون ما كنتم تعملون) تعليل للاستواء، فإن ~~الجزاء بالعمل إذا كان واقعا حتما كان الصبر وعدمه سواء (إن المتقين في ~~جنات ونعيم) لما فرغ سبحانه من ذكر حال المجرمين ذكر حال المتقين، وهذه ~~الجملة يجوز أن تكون مستأنفة ويجوز أن تكون من جملة ما يقال للكفار زيادة ~~في غمهم وحسرتهم، والتنوين (في جنات ونعيم) للتفخيم (فاكهين بما آتاهم ~~ربهم) يقال رجل فاكه: أي ذو فاكهة، كما قيل لابن وتامر. # والمعنى: أنهم ذوو فاكهة من فواكه الجنة، وقيل ذوو نعمة وتلذذ بما صاروا ~~فيه مما أعطاهم الله عز وجل مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر، وقد تقدم بيان معنى هذا. قرأ الجمهور " فاكهين " بالألف والنصب على ~~الحال. وقرأ خالد " فاكهون " بالرفع على أنه خبر بعد خبر. وقرأ ابن عباس " ~~فكهين " بغير ألف، والفكه: طيب النفس كما تقدم في الدخان، ويقال للأشر ~~والبطر، ولا يناسب التفسير به هنا (ووقاهم ربهم عذاب الجحيم) معطوف على ~~آتاهم، أو على خبر إن، أو الجملة في محل نصب على الحال باضمار قد (كلوا ~~واشربوا هنيئا) أي يقال لهم ذلك، والهنئ: مالا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. ~~قال الزجاج: أي ليهنئكم ما صرتم إليه هناء، والمعنى: كلوا طعاما هنيئا ~~واشربوا شرابا هنيئا، وقد تقدم تفسير هنيئا في سورة النساء، وقيل معنى ~~هنيئا: أنكم لا تموتون (متكئين على سرر مصفوفة) انتصابه على الحال من فاعل ~~كلوا، أو من مفعول آتاهم، أو من مفعول وقاهم، ms3750 أو من الضمير المستكن في ~~الظرف، أو من الضمير في فاكهين. قرأ الجمهور " على سرر " بضم الراء الأولى. ~~وقرأ أبو السماك بفتحها، والسرر جمع سرير. والمصفوفة المتصل بعضها ببعض حتى ~~تصير صفا (وزوجناهم بحور عين) أي قرناهم بها، قال يونس بن حبيب: تقول العرب ~~زوجته امرأة وتزوجت بامرأة، وليس من كلام العرب زوجته بامرأة. قال وقول ~~الله تعالى (وزوجناهم بحور عين) أي قرناهم بهن. وقال الفراء: زوجته بامرأة ~~لغة أزد شنوءة، وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الدخان. قرأ الجمهور " ~~بحور عين " من غير إضافة. وقرأ عكرمة بإضافة الحور إلى العين. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس (والطور) قال: جبل. ~~وأخرج ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الطور جبل من جبال الجنة " وكثير ~~ضعيف جدا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (في رق منشور) قال: في الكتاب. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " البيت المعمور في ~~السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم ~~الساعة، وفي الصحيحين وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة " ثم رفع إلى البيت ~~المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ". # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن أبي ~~الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا عن البيت المعمور فقال: ذلك الضراح بيت فوق ~~سبع سماوات تحت العرش يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبدا ~~إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير نحوه عن ابن عباس. وأخرج ابن مردويه عن ~~عبد الله ابن عمرو رفعه. قال: إن البيت المعمور لبحيال الكعبة لو سقط منه ~~شئ لسقط عليها، ms3751 يصلى فيه كل يوم سبعون ألفا ثم لا يعودون إليه. وأخرج ~~الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وضعف إسناده السيوطي PageV05P096 # وأخرج ابن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في ~~العظمة، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله ~~(والسقف المرفوع) قال: السماء. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير ~~وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله (والبحر المسجور) قال: بحر في ~~السماء تحت العرش. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال: المسجور المحبوس. وأخرج ابن المنذر عنه قال: ~~المسجور المرسل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (يوم ~~تمور السماء مورا) قال: تحرك، وفي قوله (يوم يدعون) قال: يدفعون. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا: يوم يدعون (إلى نار جهنم دعا) قال: يدفع في ~~أعناقهم حتى يردوا النار. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (كلوا ~~واشربوا هنيئا) أي لا تموتون فيها، فعندها قالوا - أفما نحن بميتين إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين -. # لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم ذكر حال طائفة منهم على ~~الخصوص فقال (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم) ~~والموصول مبتدأ، وخبره " ألحقنا بهم " ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر: أي ~~وأكرمنا الذين آمنوا، ويكون ألحقنا مفسرا لهذا الفعل المقدر. قرأ الجمهور " ~~واتبعتهم " بإسناد الفعل إلى الذرية. وقرأ أبو عمرو " أتبعناهم " بإسناد ~~الفعل إلى المتكلم، كقوله ألحقنا. وقرأ الجمهور " ذريتهم " بالإفراد. وقرأ ~~ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بالجمع، إلا أن أبا عمرو قرأ بالنصب على ~~المفعولية لكونه قرأ: # وأتبعناهم، ورويت قراءة الجمع هذه عن نافع، والمشهور عنه كقراءة الجمهور. ~~وقرأ الجمهور " ألحقنا بهم " ذريتهم " بالإفراد. وقرأ نافع وابن عامر وأبو ~~عمرو ويعقوب على الجمع، وجملة (واتبعتهم ذريتهم) معطوف على آمنوا أو ~~معترضة، وبإيمان متعلق بالاتباع، ومعنى هذه الآية: أن الله سبحانه يرفع ~~ذرية ms3752 المؤمن إليه وإن كانوا PageV05P097 # دونه في العمل لتقر عينه وتطيب نفسه بشرط أن يكونوا مؤمنين، فيختص ذلك ~~بمن يتصف بالإيمان من الذرية وهم البالغون دون الصغار، فإنهم وإن كانوا ~~لاحقين بآبائهم فبدليل آخر غير هذه الآية. وقيل إن الذرية تطلق على الكبار ~~والصغار كما هو المعنى اللغوي، فيلحق بالآباء المؤمنين صغار ذريتهم ~~وكبارهم، ويكون قوله: # بإيمان في محل نصب على الحال: أي بإيمان من الآباء. وقيل إن الضمير في ~~بهم راجع إلى الذرية المذكورة أولا: # أي ألحقنا بالذرية المتبعة لآبائهم بإيمان ذريتهم. وقيل المراد بالذين ~~آمنوا المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها ~~بالمهاجرين والأنصار كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك، فالاعتبار بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب (وما ألتناهم من عملهم من شئ) قرأ الجمهور بفتح اللام ~~من " ألتنا " وقرأ ابن كثير بكسرها: أي وما نقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم ~~من ثواب أعمالهم شيئا، فضمير المفعول عائد إلى الذين آمنوا. # وقيل المعنى: وما نقصنا الذرية من أعمالهم شيئا لقصر أعمارهم، والأول ~~أولى، وقد قدمنا تحقيق معنى لاته وألاته في سورة الحجرات. وقرأ ابن هرمز " ~~آلتناهم " بالمد، وهو لغة. قال في الصحاح: يقال ما آلته من عمله شيئا أي ما ~~نقصه (كل امرئ بما كسب رهين) رهين بمعنى مرهون، والظاهر أنه عام، وأن كل ~~إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه وإلا ~~أهلكه. وقيل هو بمعنى راهن، والمعنى: كل امرئ بما كسب دائم ثابت. وقيل هذا ~~خاص بالكفار لقوله - كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين - ثم ذكر ~~سبحانه ما أمدهم به من الخير فقال (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون) أي ~~زدناهم على ما كان لهم من النعيم بفاكهة متنوعة، ولحم من أنواع اللحمان مما ~~تشتهيه أنفسهم ويستطيبونه (يتنازعون فيها كأسا) أي يتعاطون ويتناولون كأسا، ~~والكأس إناء الخمر، ويطلق على كل إناء مملوء من خمر أو غيره، فإذا فرغ لم ~~يسم كأسا (لا لغو فيها ولا تأثيم) قال الزجاج: لا يجرى ms3753 بينهم ما يلغى ولا ~~ما فيه إثم كما يجرى بين من يشرب الخمر في الدنيا، والتأثيم تفعيل من ~~الإثم، والضمير في " فيها " راجع إلى الكأس، وقيل لا لغو فيها: أي في الجنة ~~ولا يجري فيها ما فيه إثم والأول أولى. قال ابن قتيبة: لا تذهب بعقولهم ~~فيلغوا كما يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم. وقال الضحاك: لا ~~تأثيم: أي لا كذب قرأ الجمهور " لا لغو فيها ولا تأثيم " بالرفع والتنوين ~~فيهما. وقرأ ابن كثير وابن محيصن بفتحهما من غير تنوين. قال قتادة: اللغو ~~الباطل. وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا رفث ~~فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. والجملة في محل نصب على الحال ~~صفة لكأسا (ويطوف عليهم غلمان لهم) أي يطوف عليهم بالكأس والفواكه والطعام ~~وغير ذلك مماليك لهم، وقيل أولادهم (كأنهم) في الحسن والبهاء (لؤلؤ مكنون) ~~أي مستور مصون في الصدف لم تمسه الأيدي. قال الكسائي: كننت الشئ: سترته ~~وصنته من الشمس، وأكننته: جعلته في الكن، ومنه كننت الجارية، وأكننتها فهي ~~مكنونة (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضا في الجنة عن ~~حاله، وما كان فيه من تعب الدنيا وخوف العاقبة، فيحملون الله الذي أذهب ~~عنهم الحزن والخوف والهم، وما كانوا فيه من الكد والنكد بطلب المعاش وتحصيل ~~ما لا بد منه من الرزق. وقيل يقول بعضهم لبعض: بم صرتم في هذه المنزلة ~~الرفيعة؟ وقيل إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور. والأول أولى لدلالة ~~السياق على أنهم قد صاروا في الجنة، وجملة (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا قال بعضهم لبعض عند ~~التساؤل؟ فقيل: قالوا إنا كنا قبل: أي قبل الآخرة، وذلك في الدنيا في أهلنا ~~خائفين وجلين من عذاب الله، أو كنا خائفين من عصيان الله (فمن الله علينا) ~~بالمغفرة والرحمة أو بالتوفيق لطاعته (ووقانا عذاب السموم) يعنى عذاب جهنم، ~~والسموم من أسماء جهنم كذا ms3754 قال الحسن ومقاتل. وقال الكلبي وأبو عبيدة: هو ~~عذاب النار. PageV05P098 # وقال الزجاج: سموم جهنم ما يوجد من حرها، قال أبو عبيدة: السموم بالنهار، ~~وقد يكون بالليل، والحرور بالليل، وقد يكون بالنهار، وقد يستعمل السموم في ~~لفح البرد، وفي لفح الشمس والحر أكثر، ومنه قول الشاعر: # اليوم يوم بارد سمومه * من جزع اليوم فلا ألومه وقيل سميت الريح سموما ~~لأنها تدخل المسام (إنا كنا من قبل ندعوه) أي نوحد الله ونعبده: أو نسأله ~~أن يمن علينا بالمغفرة والرحمة (أنه هو البر الرحيم) قرأ الجمهور بكسر ~~الهمزة على الاستئناف، وقرأ نافع والكسائي بفتحها: # أي لأنه، والبر كثير الإحسان، وقيل اللطيف، والرحيم كثير الرحمة لعباده ~~(فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون) أي أثبت على ما أنت عليه من ~~الوعظ والتذكير والباء متعلقة بمحذوف هو حال: أي ما أنت متلبسا بنعمة ربك ~~التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل والنبوة بكاهن ولا مجنون، وقيل متعلقة ~~بمحذوف يدل عليه الكلام: أي ما أنت في حال إذكارك بنعمة ربك بكاهن ولا ~~مجنون، وقيل الباء سببية متعلقة بمضمون الجملة المنفية، والمعنى: انتفى عنك ~~الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك كما تقول ما أنا بمعسر بحمد الله. ~~وقيل الباء للقسم متوسطة بين اسم ما وخبرها، والتقدير: ما أنت ونعمة الله ~~بكاهن ولا مجنون، والكاهن هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي: أي ليس ~~ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه. والمقصود ~~من الآية رد ما كان يقوله المشركون: إنه كاهن أو مجنون (أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون) أم هي المنقطعة، وقد تقدم الخلاف هل هي مقدرة ببل ~~والهمزة، أو ببل وحدها. قال الخليل: هي هنا للاستفهام. قال سيبويه: # خوطب العباد بما جرى في كلامهم. قال النحاس: يريد سيبويه أن أم في كلام ~~العرب للخروج من حديث إلى حديث، ونتربص في محل رفع صفة لشاعر، وريب المنون: ~~صروف الدهر، والمعنى: ننتظر به حوادث الأيام فيموت كما مات غيره، أو ms3755 يهلك ~~كما هلك من قبله، والمنون يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى المنية. قال ~~الأخفش: المعنى نتربص إلى ريب المنون، فحذف حرف الجر، كما تقول: قصدت زيدا ~~وقصدت إلى زيد، ومن هذا قول الشاعر: # تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما أو يموت خليلها وقول أبي ذؤيب ~~الهذلي: # أمن المنون وريبها تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع قال الأصمعي: المنون ~~واحد لا جمع له: قال الفراء: يكون واحدا وجمعا. وقال الأخفش: هو جمع لا ~~واحد له. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم، فقال (قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين) أي انتظروا موتي أو هلاكي، فإني معكم من المتربصين لموتكم أو ~~هلاككم. قرأ الجمهور نتربص بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين. # وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) أي بل ~~أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض، فإن الكاهن هو المفرط في الفطنة ~~والذكاء، والمجنون: هو ذاهب العقل فضلا عن أن يكون له فطنة وذكاء. قال ~~الواحدي: قال المفسرون كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول فأزرأ الله ~~بحلومهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل (أم هم قوم طاغون) أي بل ~~أطغوا وجاوزوا الحد في العناد، فقالوا ما قالوا، وهذه الإضرابات من شئ إلى ~~شئ مع الاستفهام كما هو مدلول أم المنقطعة تدل على أن ما تعقبها أشنع مما ~~تقدمها، وأكثر جرأة وعنادا (أم يقولون تقوله) أي اختلق القرآن من جهة نفسه ~~وافتعله، والتقول لا يستعمل إلا في الكذب في الغالب، وإن كان أصله تكلف ~~القول، ومنه اقتال عليه، ويقال اقتال عليه: بمعنى تحكم عليه ومنه قول ~~الشاعر: PageV05P099 # ومنزلة في دار صدق وغبطة * وما اقتال في حكم علي طبيب ثم أضرب سبحانه عن ~~قولهم (تقوله) وانتقل إلى ما هو أشد شناعة عليهم فقال (بل لا يؤمنون) أي ~~سبب صدور هذه الأقوال المتناقضة عنهم كونهم كفارا لا يؤمنون بالله ولا ~~يصدقون ما جاء به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم تحداهم سبحانه وألزمهم ~~الحجة فقال (فليأتوا بحديث مثله) أي ms3756 مثل القرآن في نظمه وحسن بيانه وبديع ~~أسلوبه (إن كانوا صادقين) فيما زعموا من قولهم: إن محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم تقوله وجاء به من جهة نفسه مع أنه كلام عربي، وهم رؤوس العرب ~~وفصحاؤهم والممارسون لجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر. # وقد أخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: " إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في ~~درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقر به عينه. ثم قرأ (والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم) الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعا. ~~وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال إنهم لم يبلغوا ~~درجتك وعملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به، وقرأ ابن ~~عباس (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم) " الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في ~~زوائد المسند عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (والذين آمنوا) الآية " وإسناده ~~هكذا. قال عبد الله بن أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل، ~~عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي بن أبي طالب قال " سألت خديجة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: هما في النار، فلما رأى الكراهة في وجهها قال: لو ~~رأيت مكانهما لأبغضتهما، قالت: يا رسول الله فولدي منك. قال: في الجنة، ~~قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن المؤمنين وأولادهم في ~~الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ (والذين آمنوا) " الآية. ~~وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يزيد حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي ~~النجود عن أبي هريرة ms3757 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله ~~ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول يا رب من أين لي هذا، فيقول ~~باستغفار ولدك لك " وإسناده صحيح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ~~ابن عباس (وما ألتناهم) قال: ما نقصناهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (لا لغو ~~فيها) يقول: باطل (ولا تأثيم) يقول كذب. وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى ~~الإخوان، فيجئ سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدثان فيتكئ ذا ويتكئ ذا ~~فيتحدثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما: يا فلان تدري أي يوم غفر الله ~~لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا ". # وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت: لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب ~~السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (إنه هو البر) قال: اللطيف. # وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عنه أن قريشا لما اجتمعوا إلى دار الندوة في ~~أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال قائل منهم احبسوه في وثاق، وتربصوا ~~به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو ~~كأحدهم، فأنزل الله في ذلك (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون). وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ريب المنون) قال: ~~الموت. PageV05P100 # قوله (أم خلقوا من غير شئ) أم هذه هي المنقطعة كما تقدم فيما قبلها، وكما ~~سيأتي فيما بعدها: أي بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة والصنعة العجيبة ~~من غير خالق لهم. قال الزجاج: أي أخلقوا باطلا لغير شئ لا يحاسبون ولا ~~يؤمرون ولا ينهون، وجعل " من " بمعنى اللام. قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثا ~~وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون. وقيل المعنى: أم خلقوا من غير أب ولا أم، ~~فهم كالجماد لا يفهمون ولا تقوم ms3758 عليهم حجة (أم هم الخالقون) أي بل أيقولون ~~هم الخالقون لأنفسهم فلا يؤمرون ولا ينهون مع أنهم يقرون أن الله خالقهم، ~~وإذا أقروا لزمتهم الحجة (أم خلقوا السماوات والأرض) وهم لا يدعون ذلك ~~فلزمتهم الحجة، ولهذا أضرب عن هذا وقال (بل لا يوقنون) أي ليسوا على يقين ~~من الأمر، بل يخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده (أم عندهم خزائن ~~ربك) أي خزائن أرزاق العباد، وقيل: مفاتيح الرحمة. قال مقاتل: يقول ~~أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا؟ وكذا قال عكرمة: وقال ~~الكلبي: خزائن المطر والرزق (أم هم المصيطرون) أي المسلطون الجبارون. قال ~~في الصحاح: المسيطر المسلط على الشئ ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب ~~عمله. وأصله من السطر لأن الكتاب يسطر. وقال أبو عبيدة: سطرت علي: اتخذتني ~~خولا لك. قرأ الجمهور " المصيطرون " بالصاد الخالصة، وقرأ ابن محيصن وحميد ~~ومجاهد وقنبل وهشام بالسين الخالصة، ورويت هذه القراءة عن حفص، وقرأ خلاد ~~بصاد مشمة زايا (أم لهم سلم يستمعون فيه) أي بل أيقولون إن لهم سلما منصوبا ~~إلى السماء يصعدون به ويستمعون فيه كلام الملائكة وما يوحى إليهم ويصلون به ~~إلى علم الغيب كما يصل إليه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطريق الوحي. ~~وقوله " فيه " صفة لسلم، وهي للظرفية على بابها، وقيل هي بمعنى على: أي ~~يستمعون عليه كقوله - ولأصلبنكم في جذوع النخل - قاله الأخفش. وقال أبو ~~عبيدة: يستمعون به. وقال الزجاج: المعنى: أنهم كجبريل الذي يأتي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالوحي، وقيل هي في محل نصب على الحال: أي صاعدين فيه ~~(فليأت مستمعهم) إن ادعى ذلك (بسلطان مبين) أي بحجة واضحة ظاهرة (أم له ~~PageV05P101 # البنات ولكم البنون) أي بل أتقولون لله البنات ولكم البنون، سفه سبحانه ~~أحلامهم، وضلل عقولهم ووبخهم: # أي أيضيفون إلى الله البنات وهي أضعف الصنفين، ويجعلون لأنفسهم البنين ~~وهم أعلاهما، وفيه إشعار بأن من كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم ~~والعقل، فلا يستبعد منه إنكار البعث وجحد التوحيد. ثم رجع سبحانه إلى ms3759 خطاب ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (أم تسألهم أجرا) أي بل أتسألهم أجرا ~~يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة (فهم من مغرم مثقلون) أي من التزام غرامة ~~تطلبها منهم مثقلون: أي مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل. # قال قتادة: يقول: هل سألت هؤلاء القوم أجرا فجهدهم فلا يستطيعون الإسلام ~~(أم عندهم الغيب فهم يكتبون) أي بل أيدعون أن عندهم علم الغيب، وهو ما في ~~اللوح المحفوظ فهم يكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب. قال قتادة: هذا ~~جواب لقولهم - نتربص به ريب المنون - يقول الله: أم عندهم الغيب حتى علموا ~~أن محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون. قال ابن قتيبة: معنى يكتبون يحكمون بما ~~يقولون (أم يريدون كيدا) أي مكرا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيهلكونه بذلك المكر (فالذين كفروا هم المكيدون) أي الممكور بهم المجزيون ~~بكيدهم، فضرر كيدهم يعود عليهم - ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله - وقد ~~قتلهم الله في يوم بدر وأذلهم في غير موطن، ومكر سبحانه بهم - ومكروا ومكر ~~الله والله خير الماكرين - (أم لهم إله غير الله) أي بل أيدعون أن لهم إلها ~~غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم. ثم نزه سبحانه نفسه عن هذه المقالة ~~الشنعاء فقال (سبحان الله عما يشركون) أي عن شركهم به، أو عن الذين ~~يجعلونهم شركاء له. ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم، فقال (وإن يروا كسفا من ~~السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم) الكسف جمع كسفة: وهي القطعة من الشئ، ~~وانتصاب ساقطا على الحال، أو على أنه المفعول الثاني، والمركوم: المجعول ~~بعضه على بعض. والمعنى: أنهم إن يروا كسفا من السماء ساقطا عليهم لعذابهم ~~لم ينتهوا عن كفرهم بل يقولون هو سحاب متراكم بعضه على بعض، وقد تقدم ~~اختلاف القراء في كسفا. قال الأخفش: من قرأ كسفا، يعنى بكسر الكاف وسكون ~~السين جعله واحدا، ومن قرأ كسفا، يعنى بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعا. ثم ~~أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتركهم، فقال (فذرهم حتى ~~يلاقوا يومهم الذي ms3760 فيه يصعقون) أي اتركهم وخل عنهم حتى يلاقوا يوم موتهم، ~~أو يوم قتلهم ببدر، أو يوم القيامة. قرأ الجمهور " يلاقوا " وقرأ أبو حيوة ~~" يلقوا " وقرأ الجمهور: يصعقون على البناء للفاعل: وقرأ ابن عامر وعاصم ~~على البناء للمفعول، والصعقة: الهلاك على ما تقدم بيانه (يوم لا يغنى عنهم ~~كيدهم شيئا) هو بدل من يومهم: أي لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا ~~به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا (ولا هم ينصرون) أي ولا ~~يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع، بل هو واقع بهم لا محالة (وإن للذين ~~ظلموا عذابا دون ذلك) أي لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي عذابا ~~في الدنيا دون عذاب يوم القيامة: أي قبله، وهو قتلهم يوم بدر. وقال ابن ~~زيد: هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا، وذهاب الأموال ~~والأولاد. وقال مجاهد: هو الجوع والجهد سبع سنين، وقيل عذاب القبر، وقيل ~~المراد بالعذاب هو القحط، وبالعذاب الذي يأتي بعده هو قتلهم يوم بدر (ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون) ما يصيرون إليه من عذاب الله وما أعده لهم في الدنيا ~~والآخرة (واصبر لحكم ربك) إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به (فإنك ~~بأعيننا) أي بمرأى ومنظر منا، وفي حفظنا وحمايتنا فلا تبال بهم. قال ~~الزجاج: انك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك فلا يصلون إليك (وسبح بحمد ربك حين ~~تقوم) أي نزه ربك عما لا يليق به متلبسا بحمد ربك على إنعامه عليك حين تقوم ~~من مجلسك. قال عطاء وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو الأحوص: يسبح الله ~~حين يقوم من مجلسه فيقول: سبحان الله وبحمده، PageV05P102 # أو سبحانك اللهم وبحمدك عند قيامه من كل مجلس يجلسه. وقال محمد بن كعب ~~والضحاك والربيع بن أنس: # حين تقوم إلى الصلاة. قال الضحاك يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله ~~كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وفيه نظر لأن التكبير يكون بعد القيام لا ~~حال القيام، ويكون التسبيح بعد التكبير، وهذا غير معنى الآية، فالأول أولى. ~~وقيل المعنى: صل الله ms3761 حين تقوم من منامك، وبه قال أبو الجوزاء وحسان بن ~~عطية. وقال الكلبي: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل ~~الصلاة، وهي صلاة الفجر (ومن الليل فسبحه) أمره الله سبحانه أن يسبحه في ~~بعض الليل. قال مقاتل: أي صل المغرب والعشاء، وقيل: ركعتي الفجر (وإدبار ~~النجوم) أي وقت إدبارها من آخر الليل، وقيل صلاة الفجر، واختاره ابن جرير، ~~وقيل هو التسبيح في إدبار الصلوات، قرأ الجمهور " إدبار " بكسر الهمزة على ~~أنه مصدر، وقرأ سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميفع ويعقوب والمنهال بن عمر ~~بفتحها على الجمع: أي أعقاب النجوم وأدبارها: إذا غربت، ودبر الأمر: آخره، ~~وقد تقدم الكلام على هذا في سورة " ق ". # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أم هم ~~المصيطرون) قال: المسلطون وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال: أم هم ~~المنزلون. وأخرجا عنه أيضا (عذابا دون ذلك) قال: عذاب القبر قبل يوم ~~القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ~~أبي برزة الأسلمي قال " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بآخره إذا ~~قام من المجلس يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك ~~وأتوب إليك، فقال رجل: يا رسول الله: إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما ~~مضى، قال: كفارة لما يكون في المجلس ". وأخرجه النسائي والحاكم من حديث ~~الربيع بن أنس عن أبي العالية عن رافع ابن خديج عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وأخرج الترمذي وابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال " من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من ~~مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، ~~إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك ". قال الترمذي: حسن صحيح. وفي الباب ~~أحاديث مسندة ومرسلة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وسبح بحمد ربك ~~حين ms3762 تقوم) قال: حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة. وأخرج ابن مردويه ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (ومن الليل فسبحه) ~~قال: الركعتان قبل صلاة الصبح. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(وإدبار النجوم) قال: ركعتي الفجر. # تفسير سورة النجم هي إحدى وستون آية، وقيل ثنتان وستون آية وهي مكية ~~جميعها في قول الجمهور. وروى عن ابن عباس وعكرمة أنها مكية إلا آية منها، ~~وهي قوله (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) الآية. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: نزلت سورة النجم بمكة، أخرج أيضا عن ابن الزبير مثله. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم، ~~فسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسجد الناس كلهم، إلا رجلا رأيته ~~أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: PageV05P103 # أول سورة استعلن بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرؤها والنجم. وأخرج ~~ابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: " صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقرأ النجم، فسجد بنا فأطال السجود ". وأخرج ابن مردويه عن ~~عائشة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ النجم فلما بلغ السجدة سجد ~~فيها ". وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي والطبراني وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: قرأت النجم ~~عند النبي صلى الله عليه وإله وسلم فلم يسجد فيها. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد في النجم بمكة، فلما ~~هاجر إلى المدينة تركها. وأخرج أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يسجد في شئ من المفصل منذ تحول إلى المدينة. # (قوله والنجم إذا هوى) التعريف للجنس، والمراد به جنس النجوم، وبه قال ~~جماعة من المفسرين، ومنه قول ms3763 عمر بن أبي ربيعة: # أحسن النجم في السماء الثريا * والثريا في الأرض زين النساء وقيل: المراد ~~به الثريا، وهو اسم غلب فيها، تقول العرب النجم وتريد به الثريا، وبه قال ~~مجاهد وغيره. # وقال السدى: النجم هنا هو الزهرة، لأن قوما من العرب كانوا يعبدونها، ~~وقيل النجم هنا النبت الذي لا ساق له PageV05P104 # كما في قوله - والنجم والشجر يسجدان - قاله الأخفش. وقيل النجم محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقيل النجم القرآن، وسمى نجما لكونه نزل منجما مفرقا، ~~والعرب تسمى التفريق تنجيما، والمفرق: المنجم، وبه قال مجاهد والفراء ~~وغيرهما، والأول أولى. قال الحسن: المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم ~~القيامة. وقيل المراد بها النجوم التي ترجم بها الشياطين، ومعنى هويه: ~~سقوطه من علو، يقال هوى النجم يهوي هويا: إذا سقط من علو إلى صقل، وقيل ~~غروبه، وقيل طلوعه، والأول أولى، وبه قال الأصمعي وغيره، ومنه قول زهير: # تسيح بها الأباعر وهي تهوي * هوى الدلو أسلمها الرشاء ويقال هوى في ~~السير: إذا مضى، ومنه قول الشاعر: # بينما نحن بالبلاكث فالقاع * سراعا والعيس تهوى هويا خطرت خطرة على القلب ~~من ذكراك * وهنا فما استعطت مضيا ومعنى الهوى على قول من فسر النجم ~~بالقرآن: أنه نزل من أعلا إلى أسفل، وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ~~ساق له، أو أنه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا يظهر للهوي معنى صحيح، ~~والعامل في الظرف فعل القسم المقدر، وجواب القسم قوله (ما ضل صاحبكم وما ~~غوى) أي ما ضل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الحق والهدى ولا عدل عنه، ~~والغي: ضد الرشد، أي ما صار غاويا، ولا تكلم بالباطل، وفيل ما خاب فيما ~~طلب، والغي: الخيبة، ومنه قول الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن ~~يغو لا يعدم على الغي لائما وفي قوله (صاحبكم) إشارة بأنهم المطلعون على ~~حقيقة حاله، والخطاب لقريش (وما ينطق عن الهوى) أي ما يصدر نطقه عن الهوى ~~لا بالقرآن ولا بغيره، فعن على بابها. ms3764 وقال أبو عبيدة: إن عن بمعنى الباء: ~~أي بالهوي. # قال قتادة: أي ما ينطق بالقراءة عن هواه (إن هو إلا وحي يوحى) أي ما هو ~~الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه إليه. # وقوله (يوحي) صفة لوحي تفيد الاستمرار التجددي، وتفيد نفي المجاز: أي هو ~~وحي حقيقة لا لمجرد التسمية (علمه شديد القوى) القوى جمع قوة، والمعنى: أنه ~~علمه جبريل الذي، هو شديد قواه هكذا قال أكثر المفسرين إن المراد جبريل. ~~وقال الحسن: هو الله عز وجل، والأول أولى وهو من باب إضافة الصفة إلى ~~الموصوف (ذو مرة فاستوى) المرة: القوة والشدة في الخلق، وقيل ذو صحة جسم ~~وسلامة من الآفات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا تحل الصدقة ~~لغني، ولا لذي مرة سوى ". وقيل ذو حصافة عقل ومتانة رأى. قال قطرب: العرب ~~تقول لكل من هو جزل الرأي حصيف العقل ذو مرة، ومنه قول الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه والتفسير للمرة بهذا ~~أولى، لأن القوة والشدة قد أفادها قوله (شديد القوى) قال الجوهري: المرة ~~إحدى الطبائع الأربع، والمرة: القوة وشدة العقل، والفاء في قوله (فاستوى) ~~للعطف على علمه، يعني جبريل: أي ارتفع وعاد إلى مكانه في السماء بعد أن علم ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، قاله سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وقيل ~~معنى استوى قام في صورته التي خلقه الله عليها لأنه كان يأتي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في صورة الآدميين، وقيل: المعنى فاستوى القرآن في صدره ~~صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الحسن: فاستوى يعني الله عز وجل على العرش ~~(وهو بالأفق الأعلى) هذه الجملة في محل نصب على الحال: أي فاستوى جبريل حال ~~كونه PageV05P105 # بالأفق الأعلى، والمراد بالأفق الأعلى: جانب المشرق، وهو فوق جانب ~~المغرب، وقيل المعنى: فاستوى عاليا، والأفق: ناحية السماء، وجمعه آفاق. قال ~~قتادة ومجاهد: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس، وقيل: هو يعني جبريل والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ms3765 بالأفق الأعلى ليلة المعراج، ويجوز أن تكون هذه ~~الجملة مستأنفة (ثم دنا فتدلي) أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى: أي ~~قرب من الأرض، فتدلي فنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي، وقيل ~~في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: ثم تدلى فدنى، قاله ابن الأنباري وغيره. ~~قاله ابن الأنباري وغيره. قال الزجاج: # معنى دنا فتدلى واحد: أي قرب وزاد في القرب كما تقول فدنا منى فلان وقرب، ~~ولو قلت: قرب منى ودنا جاز. قال الفراء: الفاء في فتدلى بمعنى الواو، ~~والتقدير: ثم تدلى جبريل ودنا، ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أن ~~تقدم أيهما شئت. قال الجمهور: والذي دنا فتدلى هو جبريل، وقيل هو النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم والمعنى: دنا منه أمره وحكمه، والأول أولى. قيل ومن ~~قال: إن الذي استوى هو جبريل ومحمد، فالمعنى عنده: # ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى: أي هوى للسجود، وبه قال الضحاك ~~(فكان قاب قوسين أو أدنى) أي فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أو ما بين محمد وربه قاب قوسين: أي قدر قوسين عربيين. وألقاب ~~والقيب، والقاد والقيد: المقدار، ذكر معناه في الصحاح. قال الزجاج: أي فيما ~~تقدرون أنتم، والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء ولكنه يخاطبنا على ما جرت ~~به عادة المخاطبة فيما بيننا. وقيل أو بمعنى الواو: أي وأدنى، وقيل بمعنى ~~بل: أي بل أدنى. وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل ~~شقيق بن سلمة (فكان قاب قوسين) قدر ذراعين، والقوس: الذراع يقاس بها كل شئ، ~~وهي لغة بعض الحجازيين، وقيل هي لغة أزد شنوءة. وقال الكسائي: فكان قاب ~~قوسين أراد قوسا واحدة (فأوحى إلى عبده ما أوحى) أي فأوحى جبريل إلى محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما أوحى، وفيه تفخيم للوحي الذي أوحى إليه، ~~والوحي: # إلقاء الشئ بسرعة، ومنه الوحا وهو السرعة، والضمير في عبده يرجع إلى الله ~~كما في قوله - ما ترك على ظهرها من ms3766 دابة - وقيل المعنى: فأوحى الله إلى ~~عبده جبريل ما أوحى، وبالأول قال الربيع والحسن وابن زيد وقتادة. وقيل ~~فأوحى الله إلى عبده محمد. قيل وقد أبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل إلى ~~محمد. أو ما أوحاه الله إلى عبده جبريل أو إلى محمد ولم يبينه لنا، فليس ~~لنا أن نعترض لتفسيره. وقال سعيد بن جبير: الذي أوحى إليه هو - ألم نشرح لك ~~صدرك - الخ، و - ألم يجدك يتيما فآوى - الخ. وقيل أوحى الله إليه إن الجنة ~~حرام على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك ". وقيل إن ما ~~للعموم لا للإبهام. والمراد كل ما أوحى به إليه، والحمل على الإبهام أولى ~~لما فيه من التعظيم (ما كذب الفؤاد ما رأى) أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما رآه بصره ليلة المعراج، يقال كذبه: إذا قال له الكذب ولم ~~يصدقه. قال المبرد: معنى الآية أنه رأى شيئا فصدق فيه. قرأ الجمهور " ما ~~كذب " مخففا، وقرأ هشام وأبو جعفر بالتشديد، " وما " في " ما رأى " موصولة ~~أو مصدرية في محل نصب بكذب مخففا ومشددا (أفتمارونه على ما يرى). قرأ ~~الجمهور " أفتمارونه " بالألف من المماراة، وهي المجادلة والملاحاة، وقرأ ~~حمزة والكسائي " أفتمرونه " بفتح التاء وسكون الميم: أي أفتجدونه، واختار ~~أبو عبيد القراءة الثانية. قال: لأنهم لم يماروه وإنما جحدوه، يقال مراه ~~حقه: أي جحده - ومريته أنا: جحدته. قال ومنه قول الشاعر: # لأن هجوت أخا صدق ومكرمة * لقد مريت أخا ما كان يمريكا PageV05P106 # أي جحدته. قال المبرد: يقال أمرأه عن حقه وعلى حقه: إذا منعه منه ودفعه. ~~وقيل على بمعنى عن. وقرأ ابن مسعود والشعبي ومجاهد والأعرج " أفتمرونه " ~~بضم التاء من أمريت: أي أتريبونه وتشكون فيه. قال جماعة من المفسرين: ~~المعنى على قراءة الجمهور أفتجادلونه، وذلك أنهم جادلوه حين أسرى به ~~فقالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس، أي أفتجادلونه جدالا ترمون به دفعه عما ~~شاهده وعلمه، واللام في قوله (ولقد رآه نزلة أخرى) هي الموطئة للقسم: أي ~~والله لقد رآه ms3767 نزلة أخرى، والنزلة المرة من النزول، فانتصابها على الظرفية ~~أو منتصبة على المصدر الواقع موقع على الحال: أي رأى جبريل نازلا نزلة ~~أخرى، أو على أنه صفة مصدر مؤكد محذوف: أي رآه رؤية أخرى. قال جمهور ~~المفسرين: المعنى أنه رأى محمد جبريل مرة أخرى، وقيل رأى محمد ربه مرة أخرى ~~بفؤاده (عند سدرة المنتهى) الظرف منتصب برآه، والسدر هو شجر النبق، وهذه ~~السدرة هي في السماء السادسة كما في الصحيح، وروى أنها في السماء السابعة. ~~والمنتهى: مكان الانتهاء، أو هو مصدر ميمي، والمراد به الانتهاء نفسه، قيل ~~إليها ينتهى علم الخلائق ولا يعلم أحد منهم ما وراءها، وقيل ينتهي إليها ما ~~يعرج به من الأرض، وقيل تنتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل غيره ذلك. وإضافة ~~الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشئ إلى مكانه (عندها جنة المأوى) أي عند تلك ~~السدرة جنة تعرف بجنة المأوى، وسميت جنة المأوى لأنه أوى إليها آدم، وقيل ~~إن أرواح المؤمنين تأوي إليها. قرأ الجمهور " جنة " برفع جنة على أنها ~~مبتدأ وخبرها الظرف المتقدم. وقرأ على وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير ~~وأنس وزر بن حبيش ومحمد بن كعب ومجاهد وأبو سبرة الجهني جنة فعلا ماضيا من ~~جن يجن: أي ضمه المبيت، أو سترة إيواء الله له. قال الأخفش: أدركه كما تقول ~~جنة الليل أي ستره وأدركه، والجملة في محل نصب على الحال (إذ يغشي السدرة ~~ما يغشى) العامل في الظرف رآه أيضا، وهو ظرف زمان، والذي قبله ظرف مكان، ~~والغشيان بمعنى التغطية والستر، وبمعنى الإتيان يقال: فلان يغشاني كل حين: ~~أي يأتيني، وفي الإبهام في قوله (ما يغشى) من التفخيم ما لا يخفى، وقيل ~~يغشاها جراد من ذهب، وقيل طوائف من الملائكة. وقال مجاهد: رفرف أخضر، وقيل ~~رفرف من طيور خضر، وقيل غشيها أمر الله، والمجئ بالمضارع لحكاية الحال ~~الماضية استحضارا للصورة البديعة، أو للدلالة على الاستمرار التجددي (ما ~~زاغ البصر) أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عما رآه (وما طغى) ~~أي ms3768 ما جاوز ما رآى، وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ~~المقام حيث لم يلتفت، ولم يمل بصره، ولم يمده إلى غير ما رأى، وقيل ما جاوز ~~ما أمر به (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) أي والله لقد رأى تلك الليلة من ~~آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف، قيل رأى رفرفا سد الأفق، وقيل رأى ~~جبريل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض له ستمائة جناح، كذا في ~~صحيح مسلم وغيره، وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى، وقيل هو كل ما رآه تلك ~~الليلة في مسراه وعوده، ومن للتبعيض ومفعول رأى الكبرى، ويجوز أن يكون ~~المفعول محذوفا أي رأى شيئا عظيما من آيات ربه، ويجوز أن تكون من زائدة ~~(أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) لما قص الله سبحانه هذه ~~الأقاصيص قال للمشركين: موبخا لهم ومقرعا (أفرأيتم) أي أخبروني عن الآلهة ~~التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها، وهل أوحت إليكم شيئا كما ~~أوحى الله إلى محمد. أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع. ثم ذكر هذه الأصنام ~~الثلاثة التي اشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها. وقال الواحدي وغيره: ~~وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا من الله اللات، ومن ~~العزيز العزى، وهي تأنيب الأعز بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشئ إذا ~~قدره. قرأ الجمهور (اللات) بتخفيف التاء، فقيل هو مأخوذ من اسم الله سبحانه ~~كما تقدم، PageV05P107 # وقيل أصله لات يليت، فالتاء أصلية، وقيل هي زائدة وأصله لوى يلوي لأنهم ~~كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها. واختلف القراء هل ~~يوقف عليها بالتاء أو بالهاء؟ فوقف عليها الجمهور بالتاء ووقف عليها ~~الكسائي بالهاء، واختار الزجاج والفراء الوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف ~~فإنها تكتب بالتاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد ومنصور بن المعتمر ~~وأبو الجوزاء وأبو صالح وحميد " اللات " بتشديد التاء، ورويت هذه القراءة ~~عن ابن كثير، فقيل هو اسم رجل كان يلت ms3769 السويق ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا ~~على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل. قال مجاهد: ~~كان رجلا في رأس جبل يتخذ من لبنها وسمنها حيسا ويطعم الحاج، وكان ببطن ~~نخلة، فلما مات عبدوه. وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم، وقيل ~~إنه عامر بن الظرب العدواني، وكان هذا الصنم لثقيف، وفيه يقول الشاعر: # لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصركم من ليس ينتصر قال في ~~الصحاح: واللات اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف وبعض العرب يقف عليها بالتاء، ~~وبعضهم بالهاء (والعزى) صنم قريش وبني كنانة. قال مجاهد: هي شجرة كانت ~~بغطفان، وكانوا يعبدونها، فبعث إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد ~~بن الوليد فقطعها، وقيل كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة. وقال سعيد ~~بن جبير: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. وقال قتادة: هي بيت كان ببطن نخلة ~~(ومناة) صنم بني هلال. وقال ابن هشام: صنم هذيل وخزاعة. وقال قتادة: كانت ~~للأنصار. قرأ الجمهور " مناة " بألف من دون همزة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ~~وحميد ومجاهد والسلمي بالمد والهمز. فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى ~~يمنى. أي صب، لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها. وأما ~~على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء، وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون ~~عندها الأنواء، وقيل هما لغتان للعرب، ومما جاء على القراءة الأولى قول ~~جرير: # أزيد مناة توعد يابن تيم * تأمل أين تاه بك الوعيد ومما جاء على القراءة ~~الأخرى قول الحارثي: # ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة * على السر فيما بيننا ابن تميم وقف جمهور ~~القراء عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف، ووقف ابن كثير وابن محيصن عليها ~~بالهاء. قال في الصحاح: ومناة اسم صنم كان بين مكة والمدينة، والهاء ~~للتأنيث ويسكت عليها بالتاء، وهي لغة. قوله (الثالثة الأخرى) هذا وصف ~~لمناة، وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى، والثالثة لا تكون إلا أخرى. قال أبو ~~البقاء: # فالوصف بالأخرى للتأكيد، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب ms3770 إنما ~~تصف به الثانية، فقال الخليل: # إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله - مآرب أخرى - وقال الحسين بن الفضل: ~~فيه تقديم وتأخير، والتقدير: # أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل إن وصفها بالأخرى لقصد ~~التعظيم لأنها كانت عند المشركين عظيمة، وقيل إن ذلك للتحقير والذم، وإن ~~المراد المتأخرة الوضيعة كما في قوله - قالت أخراهم لأولاهم - أي وضعاؤهم ~~لرؤسائهم. ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال (ألكم ~~الذكر وله الأنثى) أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ~~ما تحبون من الذكور، وقيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله، وقيل المراد ~~كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء الله، ومن شأنهم أن ~~PageV05P108 # يحتقروا الإناث. ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من ~~الاستفهام قسمة جائزة فقال (تلك إذا قسمة ضيزى) قرأ الجمهور " ضيزى " بياء ~~ساكنة بغير همزة، وقرأ ابن كثير بهمزة ساكنة، والمعنى: أنها قسمة خارجة عن ~~الصواب جائرة عن العدل مائلة عن الحق. قال الأخفش: يقال ضاز في الحكم: أي ~~جار، وضازه حقه يضيزه ضيزا: أي نقصه وبخسه، قال: وقد يهمز، وأنشد: # فإن تناء عنا ننتقصك وإن تغب * فحقك مضئوز وأنفك راغم وقال الكسائي: ضاز ~~يضيز ضيزا، وضاز يضوز ضوزا: إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص، ومنه قول الشاعر: # ضازت بنو أسد بحكمهم * إذ يجعلون الرأس كالذنب قال الفراء: وبعض العرب ~~يقول: ضيزى بالهمز، وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع العرب تهمز ضيزى، قال ~~البغوي: ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت إنما تكون في الأسماء ~~مثل ذكرى. قال المؤرج: كرهوا ضم الضاد في ضيزى وخافوا انقلاب الياء واوا ~~وهي من بنات الواو، فكسروا الضاد لهذه العلة كما قالوا في جمع أبيض بيض، ~~وكذا قال الزجاج: وقيل هي مصدر كذكري، فيكون المعنى: قسمة ذات جور وظلم. ثم ~~رد سبحانه عليهم بقوله (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) أي ما ~~الأوثان أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من كونها آلهة ms3771 إلا أسماء محضة، ليس ~~فيها شئ من معنى الألوهية التي تدعونها، لأنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ~~ولا تفهم ولا تضر ولا تنفع، فليست إلا مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ~~قلد الآخر فيها الأول، وتبع في ذلك الأبناء الآباء. وفي هذا من التحقير ~~لشأنها ما لا يخفى كما تقول في تحقير رجل: ما هو إلا اسم إذا لم يكن مشتملا ~~على صفة معتبرة، ومثل هذه الآية قوله تعالى - ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها. # يقال: سميته زيدا وسميته بزيد، فقوله سميتموها صفة لأصنام، والضمير يرجع ~~إلى الأسماء لا إلى الأصنام: أي جعلتموها أسماء لا جعلتم لها أسماء. وقيل ~~إن قوله " هي " راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة، والأول أولى (ما أنزل ~~الله بها من سلطان) أي ما أنزل بها من حجة ولا برهان. قال مقاتل: لم ينزل ~~لنا كتابا لكم فيه حجة كما تقولون إنها آلهة، ثم أخبر عنهم بقوله (إن ~~يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها إلا ~~الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، والتفت من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم ~~وتحقيرا لشأنهم فقال (وما تهوى الأنفس) أي تميل إليه وتشتهيه من غير النفات ~~إلى ما هو الحق الذي يجب الاتباع له. قرأ الجمهور " يتبعون " بالتحتية على ~~الغيبة، وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وابن السميفع بالفوقية على الخطاب، ورويت ~~هذه القراءة عن ابن مسعود وابن عباس وطلحة وابن وثاب (ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى) أي البيان الواضح الظاهر بأنها ليست بآلهة، والجملة في محل نصب على ~~الحال من فاعل يتبعون، ويجوز أن يكون اعتراضا، والأول أولى. والمعنى: كيف ~~يتبعون ذلك والحال أن قد جاءهم ما فيه هدى لهم من عند الله على لسان رسوله ~~الذي بعثه الله بين ظهرانيهم وجعله من أنفسهم (أم للإنسان ما تمنى) أم هي ~~المنقطعة المقدرة ببل والهمزة التي للإنكار، فأضرب عن اتباعهم الظن الذي هو ~~مجرد التوهم، وعن اتباعهم هوى الأنفس وما تميل إليه، وانتقل إلى إنكار ms3772 أن ~~يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم. ثم علل انتفاء أن ~~يكون للإنسان ما تمنى بقوله (فلله الآخرة والأولى) أي أن أمور الآخرة ~~والدنيا بأسرها لله عز وجل فليس لهم معه أمر من الأمور، ومن جملة ذلك ~~أمنياتهم الباطلة وأطماعهم الفارغة، ثم أكد ذلك وزاد في إبطال ما يتمنونه ~~فقال (وكم من ملك في السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا) وكم هنا هي الخبرية ~~PageV05P109 # المفيدة للتكثير ومحلها الرفع على الابتداء والجملة بعدها خبرها، ولما في ~~كم من معنى التكثير جمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك، والمعنى: ~~التوبيخ لهم بما يتمنون ويطمعون فيه من شفاعة الأصنام مع كون الملائكة مع ~~كثرة عبادتها وكرامتها على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له، فكيف بهذه ~~الجمادات الفاقدة للعقل والفهم وهو معنى قوله (إلا من بعد أن يأذن الله) ~~لهم بالشفاعة (لمن يشاء) أن يشفعوا له (ويرضى) بالشفاعة له لكونه من أهل ~~التوحيد، وليس للمشركين في ذلك حظ ولا يأذن الله بالشفاعة لهم ولا يرضاها ~~لكونهم ليسوا من المستحقين لها. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس (والنجم إذا هوى) قال: إذا انصب. وأخرج ~~ابن المنذر عنه قال: # هو الثريا إذا تدلت. وأخرج عنه أيضا قال: أقسم الله أن ما ضل محمد ولا ~~غوى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ذو مرة) ~~قال: ذو خلق حسن. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ ~~في العظمة عن ابن مسعود " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ير ~~جبريل في صورته إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه ~~صورته فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله (وهو ~~بالأفق الأعلى - لقد رأى من آيات ربه الكبرى) قال: خلق جبريل. وأخرج ابن ~~جرير وأبو الشيخ عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " رأيت جبريل ~~عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح ". وأخرجه ms3773 أحمد عنه أيضا. وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس (وهو بالأفق الأعلى) قال: مطلع الشمس. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود في قوله (فكان قاب قوسين أو أدنى) قال " رأى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبريل له ستمائة جناح ". وأخرج الفريابي ~~وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ ~~في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عنه في قوله (ما ~~كذب الفؤاد ما رأى) قال " رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل ~~عليه حلقا رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض ". # وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ثم دنا ~~فتدلى) قال: هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم دنا فتدلى إلى ربه. وأخرج ابن ~~جرير وابن مردويه عنه قال دنا ربه فتدلى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن مسعود في قوله (فكان قاب قوسين) قال: دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع ~~أو ذراعين. # وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: ألقاب ~~القيد، والقوسين الذراعين. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد ~~الخدري قال: لما أسرى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم اقترب من ربه، فكان ~~قاب قوسين أو أدنى، ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر. وأخرج النسائي ~~وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى) قال: عبده محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرج مسلم ~~والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله (ما كذب ~~الفؤاد ما رأى - ولقد رآه نزلة أخرى) قال: رأى محمد ربه بقلبه مرتين. وأخرج ~~نحوه عنه عبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن ~~مردويه. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: رأى محمد ربه. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه بعينه. وأخرج الطبراني ~~وابن مردويه عنه ms3774 قال: رأى محمد ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده. وأخرج ~~الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه والبيهقي عنه أيضا قال: لقد رأى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ربه عز وجل. وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن ~~مردويه عنه أيضا قال: # أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟ وقد روى ~~نحو هذا عنه من طرق. وأخرج PageV05P110 # مسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي ذر قال " سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم هل رأيت ربك؟ قال: # نورأني أراه؟ ". وأخرج مسلم وابن مردويه عنه " أنه سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم هل رأيت ربك؟ # قال: رأيت نورا ". وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه بقلبه ولم يره ~~ببصره. وأخرج مسلم عن أبي هريرة في قوله (ولقد رآه نزلة أخرى) قال جبريل. ~~وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي ~~عن ابن مسعود قال: # " لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى، ~~وهي في السماء السادسة ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهى ~~ما يهبط به من فوقها فيقبض منها " (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال: فراش من ~~ذهب. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال " الجنة في السماء ~~السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى ". وأخرج البخاري وغيره عن ~~ابن عباس قال: كان اللات رجلا يلت السويق للحاج. وأخرج الطبراني وابن ~~مردويه عنه أن العزى كانت ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف، وأن مناة ~~كانت بقديد. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (ضيزى) قال: جائرة لا حق لها. # سورة النجم (27 - 42) قوله (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ~~تسمية الأنثى) أي أن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث وما بعده من الدار ~~الآخرة وهم الكفار يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء وجهالة جهلاء، وهي أنهم ~~يسمون الملائكة المنزهين عن كل نقص تسمية ms3775 الأنثى، وذلك أنهم زعموا أنها ~~بنات الله فجعلوهم إناثا وسموهم بنات (وما لهم به من PageV05P111 # علم) هذه الجملة في محل نصب على الحال: أي يسمونهم هذه التسمية والحال ~~أنهم غير عالمين بما يقولون، فإنهم لم يعرفوهم ولا شاهدوهم ولا بلغ إليهم ~~ذلك من طريق من الطرق التي يخبر عنها المخبرون عنها، بل قالوا ذلك جهلا ~~وضلالة وجرأة. وقرئ " ما لهم بها " أي بالملائكة أو التسمية (إن يتبعون إلا ~~الظن) أي ما يتبعون في هذه المقالة إلا مجرد الظن والتوهم. ثم أخبر سبحانه ~~عن الظن وحكمه فقال (وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا) أي إن جنس الظن لا ~~يغنى من الحق شيئا من الإغناء، والحق هنا العلم. وفيه دليل على أن مجرد ~~الظن لا يقوم مقام العلم وأن الظان غير عالم. وهذا في الأمور التي يحتاج ~~فيها إلى العلم وهي المسائل العلمية، لا فيما يكتفي فيه بالظن، وهي المسائل ~~العملية، وقد قدمنا تحقيق هذا. ولا بد من هذا التخصيص، فإن دلالة العموم ~~والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن، وقد وجب علينا ~~العمل به في مثل هذه الأمور، فكانت أدلة وجوبه العمل به فيها مخصصة لهذا ~~العموم، وما ورد في معناه من الذم لمن عمل بالظن والنهي عن اتباعه (فأعرض ~~عمن تولى عن ذكرنا) أي أعرض عمن أعرض عن ذكرنا، والمراد بالذكر هنا القرآن، ~~أو ذكر الآخرة، أو ذكر الله على العموم، وقيل المراد بالذكر هنا الإيمان، ~~والمعنى: أترك مجادلتهم فقد بلغت إليهم ما أمرت به وليس عليك إلا البلاغ، ~~وهذا منسوخ بآية السيف (ولم يرد إلا الحياة الدنيا) أي لم يرد سواها ولا ~~طلب غيرها بل قصر نظره عليها، فإنه غير متأهل للخير ولا مسنحق للاعتناء ~~بشأنه. ثم صغر سبحانه شأنهم وحقر أمرهم فقال (ذلك مبلغهم من العلم) أي إن ~~ذلك التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم ليس لهم ~~غيره ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين. # قال الفراء: أي ذلك قدر ms3776 عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة، ~~وقيل الإشارة بقوله " ذلك " إلى جعلهم للملائكة بنات الله وتسميتهم لهم ~~تسمية الأنثى، والأول أولى. والمراد بالعلم هنا مطلق الإدراك الذي يندرج ~~تحته الظن الفاسد، والجملة مستأنفة لتقرير جهلهم واتباعهم مجرد الظن، وقيل ~~معترضة بين المعلل والعلة وهي قوله (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو ~~أعلم بمن اهتدى) فإن هذا تعليل للأمر بالإعراض، والمعنى: # أنه سبحانه أعلم بمن حاد عن الحق وأعرض عنه ولم يهتد إليه، وأعلم بمن ~~اهتدى فقبل الحق وأقبل إليه وعمل به، فهو مجاز كل عامل بعمله، إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإرشاد ~~له بأنه لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة وسبقت له الشقاوة، فإن ~~الله قد علم حال هذا الفريق الضال كما علم حال الفريق الراشد. ثم أخبر ~~سبحانه عن سعة قدرته وعظيم ملكه فقال (ولله ما في السماوات وما في الأرض) ~~أي هو المالك لذلك والمتصرف فيه لا يشاركه فيه أحد، واللام في (ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا) متعلقة بما دل عليه الكلام، كأنه قال هو مالك ذلك يضل من ~~يشاء ويهدى من يشاء ليجزي المسئ بإساءته والمحسن بإحسانه. وقيل إن قوله - ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض - معترضة، والمعنى: إن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ليجزي، وقيل هي لام العاقبة: أي وعاقبة أمر ~~الخلق الذين فيهم المحسن والمسئ أن يجزي الله كلا منهما بعمله. وقال مكي: ~~إن اللام متعلقة بقوله - لا تغني شفاعتهم - وهو بعيد من حيث اللفظ ومن حيث ~~المعنى. قرأ الجمهور " ليجزي " بالتحتية. وقرأ زيد بن علي بالنون، ومعنى ~~(بالحسنى) أي بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب أعمالهم الحسنى، ثم وصف ~~هؤلاء المحسنين فقال (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) فهذا الموصول في ~~محل نصب على أنه نعت للموصول الأول في قوله - الذين أحسنوا - وقيل بدل منه، ~~وقيل بيان له، " قيل منصوب ms3777 على المدح بإضمار أعني، أو في محل رفع على أنه ~~خبر مبتدإ محذوف: أي هم الذين يجتنبون كبائر الإثم. قرأ الجمهور " كبائر " ~~على الجمع. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب " كبير " على ~~الإفراد، والكبائر: كل ذنب توعد الله عليه بالنار، أو ذم فاعله ذما شديدا، ~~ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام PageV05P112 # طويل. وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها، والفواحش ~~جمع فاحشة: وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا ونحوه. وقال مقاتل: كبائر ~~الإثم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد. # وقيل الكبائر الشرك والفواحش الزنا، وقد قدمنا في سورة النساء ما هو أبسط ~~من هذا وأكثر فائدة، والاستثناء بقوله (إلا اللمم) منقطع، وأصل اللمم في ~~اللغة ما قل وصغر، ومنه: ألم بالمكان قل لبثه فيه وألم بالطعام قل أكله ~~منه. قال المبرد: أصل اللمم أن تلم بالشئ من غير أن تركبه: يقال ألم بكذا ~~إذا قاربه ولم يخالطه. قال الأزهري: # العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب، ومنه قول جرير: # بنفسي من تجنبه عزيز * على ومن زيارته لمام وقول الآخر: متى تأتنا تلمم ~~بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا قال الزجاج: أصل اللمم والإلمام ~~ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه، يقال ألممت ~~به: إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال ما فعلته إلا لماما وإلماما: أي الحين بعد ~~الحين، ومنه إلمام الخيال. قال الأعشى: * ألم خيال من قبيلة بعد ما * وهي ~~حبلها من حبلنا فتصرما قال في الصحاح: ألم الرجل من ألمم وهو صغائر الذنوب، ~~ويقال هو مقاربة المعصية من غير مواقعة، وأنشد غيره: # بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب * وقل أن تملينا فما ملك القلب وقد اختلفت ~~أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللمم المذكور في الآية، فالجمهور على أنه ~~صغائر الذنوب، وقيل هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة، وقيل ~~هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب، وبه قال مجاهد والحسن والزهري وغيرهم، ومنه: # إن ms3778 تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما اختار هذا القول الزجاج ~~والنحاس، وقيل هو ذنوب الجاهلية، فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام، وقال ~~نفطويه: هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة. قال: والعرب تقول: ما تأتينا إلا ~~إلماما: أي في الحين بعد الحين. # قال: ولا يكون أن يلم ولا يفعل، لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل، ~~لا إذا هم ولم يفعل، والراجح الأول، وجملة (إن ربك واسع المغفرة) تعليل لما ~~تضمنه الاستثناء: أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ~~ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله ويحتاج إلى رحمته، وقيل إنه سبحانه يغفر لمن تاب ~~عن ذنبه. ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده فقال (هو أعلم بكم إذ ~~أنشأكم من الأرض) أي خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم وقيل المراد آدم فإنه ~~خلقه من طين (وإذا أنتم أجنة) أي هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة، والأجنة ~~جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمى بذلك لاجتنانه: أي استتاره، ولهذا ~~قال (في بطون أمهاتكم) فلا يسمى من خرج عن البطن جنينا، والجملة مستأنفة ~~لتقرير ما قبلها (فلا تزكوا أنفسكم) أي لا تمدحوها ولا تبرئوها عن الآثام ~~ولا تثنوا عليها، فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع، ~~وجملة (هو أعلم بمن اتقى) مستأنفة مقررة للنهي: أي هو أعلم بمن اتقى عقوبة ~~الله وأخلص العمل له. قال الحسن: وقد علم سبحانه من كل نفس ما هي عاملة وما ~~هي صانعة وإلى ما هي صائرة. ثم لما بين سبحانه جهالة المشركين على العموم ~~خص بالذم بعضهم فقال: (أفرأيت الذي تولى) أي تولى عن الخير وأعرض عن اتباع ~~الحق (وأعطى قليلا وأكدى) أي أعطى عطاء PageV05P113 # قليلا أو أعطى شيئا قليلا وقطع ذلك وأمسك عنه، وأصل أكدى من الكدية وهي ~~الصلابة، يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ فيها إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر قد ~~أكدى، ثم استعملته العرب ms3779 لمن أعطى فلم يتم، ولمن طلب شيئا فلم يبلغ آخره، ~~ومنه قول الحطيئة: # فأعطى قليلا ثم أكدى عطاؤه * ومن يبذل المعروف في الناس يحمد قال الكسائي ~~وأبو زيد ويقال كديت أصابعه: إذا محلت من الحفر، وكدت يده: إذا كلت فلم ~~تعمل شيئا، وكدت الأرض: إذا قل نباتها، وأكديت الرجل عن الشئ رددته، وأكدى ~~الرجل: إذا قل خيره. # قال الفراء: معنى الآية: أمسك من العطية وقطع. وقال المبرد: منع منعا ~~شديدا. قال مجاهد وابن زيد ومقاتل: # نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على دينه، فعيره بعض المشركين فترك ورجع إلى شركه. قال مقاتل: كان ~~الوليد مدح القرآن، ثم أمسك عنه فأعطى قليلا من لسانه من الخير ثم قطعه. # وقال الضحاك: نزلت في النضر بن الحارث. وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في ~~أبي جهل (أعنده علم الغيب فهو يرى) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والمعنى: ~~أعند هذا المكدى علم ما غاب عنه من أمر العذاب، فهو يعلم ذلك (أم لم ينبأ ~~بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى) أي ألم يخبر ولم يحدث بما في صحف موسى: ~~يعنى أسفاره، وهي التوراة، وبما في صحف إبراهيم الذي وفى: أي تمم وأكمل ما ~~أمر به. قال المفسرون: أي بلغ قومه ما أمر به وأداه إليهم، وقيل بالغ في ~~الوفاء بما عاهد الله عليه. ثم بين سبحانه ما في صحفهما فقال (ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى) أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس ~~بذنب غيرها، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر وخبرها الجملة ~~بعدها ومحل الجملة الجر على أنها بدل من صحف موسى وصحف إبراهيم، أو الرفع ~~على أنها خبر مبتدإ محذوف، وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام (وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى) عطف على قوله (ألا تزر) وهذا أيضا مما في صحف ~~موسى، والمعنى: ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله ولا ينفع أحدا عمل ms3780 أحد، ~~وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه - ألحقنا بهم ذرياتهم -، وبمثل ما ورد ~~في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد ومشروعية دعاء الأحياء للأموات ونحو ~~ذلك، ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور، فإن الخاص لا ~~ينسخ العام، بل يخصصه، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من ~~غير سعيه كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم (وأن سعيه سوف يرى) أي يعرض ~~عليه ويكشف له يوم القيامة (ثم يجزاه) أي يجزى الإنسان سعيه، يقال جزاه ~~الله بعمله وجزاه على عمله، فالضمير المرفوع عائد إلى الإنسان والمنصوب إلى ~~سعيه. وقيل إن الضمير المنصوب راجع إلى الجزاء المتأخر وهو قوله (الجزاء ~~الأوفى) فيكون الضمير راجعا إلى متأخر عنه هو مفسر له، ويجوز أن يكون ~~الضمير المنصوب راجعا إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه، ويجعل الجزاء الأوفى ~~تفسيرا للجزاء المدلول عليه بالفعل كما في قوله - اعدلوا هو أقرب - قال ~~الأخفش: يقال جزيته الجزاء وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما (وأن إلى ربك ~~المنتهى) أي المرجع والمصير إليه سبحانه لا إلى غيره فيجازيهم بأعمالهم. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش) قال: الكبائر ما سمى الله فيه النار، والفواحش: ما كان فيه حد ~~الدنيا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال: # ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " إن الله كتب على ابن آدم حظه PageV05P114 # من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، ~~والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ". وأخرج عبد الرزاق وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن ~~مسعود في قوله (إلا اللمم) قال: زنا العينين: النظر، وزنا الشفتين: ~~التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين: المشي، ويصدق ذلك الفرج أو ~~يكذبه فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم. وأخرج مسدد وابن جرير وابن ~~أبي ms3781 حاتم عن أبي هريرة أنه سئل عن قوله (إلا اللمم) قال: هي النظرة والغمزة ~~والقبلة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وأخرج ~~سعيد بن منصور والترمذي وصححه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال في قوله (إلا ~~اللمم) هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها. قال: وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه في قوله (إلا اللمم) يقول: إلا ما قد سلف. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله ~~(إلا اللمم) قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم ~~يتوب ولا يعود، فذلك الإلمام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس ~~قال: اللمم كل شئ بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة يكفره الصلاة، وهو دون ~~كل موجب فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة ~~فكل شئ ختمه الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ثابت بن الحارث ~~الأنصاري قال: كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا هو صديق، فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " كذبت يهود ما من نسمة يخلقها في بطن ~~أمها إلا أنه شقي أو سعيد، فأنزل الله عند ذلك (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من ~~الأرض) الآية كلها ". وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن زينب بنت أبي سلمة ~~أنها سميت برة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تزكوا أنفسكم ~~الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله " وأعطى قليلا وأكدى " قال: قطع، نزلت في العاص بن وائل. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي ms3782 حاتم عنه قال: أطاع قليلا ثم انقطع. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والشيرازي في الألقاب ~~والديلمي قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " أتدرون ما قوله (وإبراهيم الذي وفى) قالوا الله ورسوله أعلم، ~~قال: وفي عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهن وزعم أنها صلاة الضحى " وفي ~~إسناده جعفر بن الزبير، وهو ضعيف. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال: سهام الإسلام ثلاثون سهما لم يتممها أحد قبل إبراهيم عليه السلام ~~قال الله - وإبراهيم الذي وفى -. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: يقول ~~إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا، والذي في صحف ~~موسى، - ألا تزر وازرة وزر أخرى - إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ~~" ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح ~~وأمسى - فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون - إلى آخر الآية " وفي إسناده ~~ابن لهيعة. وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس. قال: # لما نزلت - والنجم - فبلغ - وإبراهيم الذي وفى - قال: وفي - ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى إلى قوله - من النذر PageV05P115 # الأولى -. وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن جرير وابن ~~المنذر وابن مردويه عنه قال (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) فأنزل الله بعد ~~ذلك - والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم -، فأدخل ~~الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال، كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن ~~سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) استرجع واستكان. وأخرج الدارقطني، في ~~الإفراد والبغوي في تفسيره عن أبي كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~قوله (وأن إلى ربك المنتهى) قال: ms3783 لا فكرة في الرب. # النجم (43 - 62) قوله (وأنه هو أضحك وأبكى) أي هو الخالق لذلك والقاضي ~~بسببه. قال الحسن والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في ~~النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر، وقيل أضحك من ~~شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه. وقال سهل بن عبد الله: أضحك ~~المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط (وأنه هو أمات وأحيا) أي قضى أسباب ~~الموت والحياة، ولا يقدر على ذلك غيره، وقيل خلق نفس الموت والحياة كما في ~~قوله - خلق الموت والحياة - وقيل أمات الآباء وأحيا الأبناء، وقيل أمات في ~~الدنيا وأحيا للبعث، وقيل المراد بهما النوم واليقظة. وقال عطاء: أمات ~~بعدله وأحيا بفضله، وقيل أمات الكافر وأحيا المؤمن كما في قوله - أو من كان ~~ميتا فأحييناه - (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى) المراد ~~بالزوجين الذكر والأنثى من كل حيوان، ولا يدخل في ذلك آدم وحواء فإنهما لم ~~يخلقا من النطفة: والنطفة الماء القليل، ومعنى (إذا تمنى) إذ تصب في الرحم ~~وتدفق فيه، كذا قال الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، يقال منى ~~الرجل وأمنى: أي صب المنى. وقال أبو عبيدة - إذا تمنى - إذا تقدر: يقال ~~منيت الشئ: # إذا قدرته ومنى له أي قدر له -، ومنه قول الشاعر: حتى تلاقى ما يمنى لك ~~الماني * والمعنى: أنه يقدر منها للولد (وأن عليه النشأة الأخرى) أي إعادة ~~الأرواح إلى الأجسام عند البعث وفاء بوعده. قرأ الجمهور " النشأة " بالقصر ~~بوزن الضربة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالمد بوزن الكفالة، وهما على ~~القراءتين مصدران (وأنه هو أغنى وأقنى) أي أغنى من شاء وأفقر من شاء، ومثله ~~قوله - يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر - وقوله يقبض ويبسط - قاله ابن ~~PageV05P116 # زيد، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد وقتادة والحسن: أغنى: مول، وأقنى: ~~أخدم، وقيل معنى أقنى: أعطى القنية، وهي ما يتأثل من الأموال. وقيل معنى ~~أقني أرضى بما أعطى: أي أغناه، ثم رضاه بما أعطاه. قال الجوهري: قني الرجل ms3784 ~~قنى، مثل غنى غنى: أي أعطاه ما يقتني، وأقناه أرضاه، والقني الرضى. قال أبو ~~زيد: # مائة من الإبل فقد أعطى المنى. قال الأخفش وابن كيسان: أقني أفقر، وهو ~~يؤيد القول الأول (وأنه هو رب الشعري) هي كوكب خلف الجوزاء كانت خزاعة ~~تعبدها، والمراد بها الشعري التي يقال لها العبور، وهي أشد ضياء من الشعري ~~التي يقال لها الغميصاء، وإنما ذكر سبحانه أنه رب الشعري مع كونه ربا لكل ~~الأشياء للرد على من كان يعبدها، وأول من عبدها أبو كبشة، وكان من أشراف ~~العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن أبي كبشة ~~تشبيها له به لمخالفته دينهم كما خالفهم أبو كبشة، ومن ذلك قول أبي سفيان ~~يوم الفتح: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة (وأنه أهلك عادا الأولى) وصف عادا ~~بالأولى لكونهم كانوا من قبل ثمود. # قال ابن زيد: قيل لها عادا الأولى، لأنهم أول أمة أهلكت بعد نوح. وقال ~~ابن إسحاق: هما عادان، فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى أهلكت بالصيحة. وقيل ~~عاد الأولى قوم هود وعاد الأخرى إرم. قرأ الجمهور " عادا الأولى " بالتنوين ~~والهمز، وقرأ نافع وابن كثير وابن محيصن بنقل حركة الهمزة على اللام وإدغام ~~التنوين فيها (وثمودا فما أبقى) أي وأهلك ثمودا كما أهلك عادا فما أبقى ~~أحدا من الفريقين، وثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة، وقد تقدم الكلام على ~~عاد وثمود في غير موضع (وقوم نوح من قبل) أي وأهلك قوم نوح من قبل إهلاك ~~عاد وثمود (إنهم كانوا هم أظلم وأطغى) أي أظلم من عاد وثمود وأطغى منهم، أو ~~أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية، أو أظلم وأطغى من مشركي العرب، وإنما ~~كانوا كذلك لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة دعوة نوح لهم، كما في ~~قوله - فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما - (والمؤتفكة أهوى) الائتفاك ~~الانقلاب، والمؤتفكة مدائن قوم لوط، وسميت المؤتفكة لأنها انقلبت بهم وصار ~~عاليها سافلها، تقول أفكته إذا قلبته، ومعنى أهوى أسقط: أي أهواها جبريل ~~بعد ms3785 أن رفعها. قال المبرد: جعلها تهوى (فغشاها ما غشى) أي ألبسها ما ألبسها ~~من الحجارة التي وقعت عليها، كما في قوله - فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل - وفي هذه العبارة تهويل للأمر الذي غشاها به وتعظيم ~~له، وقيل إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة: أي فغشاها من العذاب ما ~~غشى على اختلاف أنواعه (فبأي آلاء ربك تتمارى) هذا خطاب للإنسان المكذب: أي ~~فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك وتمتري، وقيل الخطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم تعريضا لغيره، وقيل لكل من يصلح له، وإسناد فعل ~~التماري إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه وسمى هذه الأمور ~~المذكورة آلاء: # أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما، لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ~~ولكون فيها انتقام من العصاة، وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين. قرأ ~~الجمهور " تتمارى " من غير إدغام، وقرأ يعقوب وابن محيصن بإدغام إحدى ~~التاءين في الأخرى (هذا نذير من النذر الأولى) أي هذا محمد رسول إليكم من ~~الرسل المتقدمين قبله فإنه أنذركم كما أنذروا قومهم، كذا قال ابن جريج ~~ومحمد بن كعب وغيرهما، وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه أنذر بما أنذرت به ~~الكتب الأولى، وقيل هذا الذي أخبرنا به عن أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من ~~أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، كذا قال أبو مالك. وقال أبو صالح: إن الإشارة ~~بقوله " هذا " إلى ما في صحف موسى وإبراهيم، والأول أولى (أزفت الآزفة) أي ~~قربت الساعة ودنت، سماها آزفة لقرب قيامها، وقيل لدنوها من الناس، ~~PageV05P117 # كما في قوله - اقتربت الساعة - أخبرهم بذلك ليستعدوا لها. قال في الصحاح: ~~أزفت الآزفة: يعني القيامة وأزفت الرجل عجل، ومنه قول الشاعر: # أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد (ليس لها من دون ~~الله كاشفة) أي ليس لها نفس قادرة على كشفها عند وقوعها إلا الله سبحانه، ~~وقيل كاشفة بمعنى انكشاف، والهاء فيها كالهاء في العاقبة والداهية، وقيل ~~كاشفة بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة كرواية، والأول أولى. ms3786 وكاشفة صفة لموصوف ~~محذوف كما ذكرنا، والمعنى: أنه لا يقدر على كشفها إذا غشت الخلق بشدائدها ~~وأهوالها أحد غير الله، كذا قال عطاء والضحاك وقتادة وغيرهم. ثم وبخهم ~~سبحانه فقال (أفمن هذا الحديث تعجبون) المراد بالحديث القرآن: أي كيف ~~تعجبون منه تكذيبا (وتضحكون) منه استهزاء مع كونه غير محل للتكذيب ولا موضع ~~للاستهزاء (ولا تبكون) خوفا وانزجارا لما فيه من الوعيد الشديد، وجملة ~~(وأنتم سامدون) في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة لتقرير ما ~~فيها، والسمود: الغفلة والسهو عن الشئ. # وقال في الصحاح: سمد سمودا رفع رأسه تكبرا، فهو سامد قال الشاعر: * سوامد ~~الليل خفاف الأزواد * وقال ابن الأعرابي: السمود اللهو، والسامد اللاهي، ~~يقال للقينة أسمدينا: أي ألهينا بالغناء، وقال المبرد: # سامدون خامدون. قال الشاعر: # رمى الحدثان نسوة آل عمرو * بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا ~~* ورد وجوههن البيض سودا (فاسجدوا لله واعبدوا) لما وبخ سبحانه المشركين ~~على الاستهزاء بالقرآن والضحك منه والسخرية به وعدم الانتفاع بمواعظه ~~وزواجره أمر عباده المؤمنين بالسجود لله والعبادة له، والفاء جواب شرط ~~محذوف: أي إذا كان الأمر من الكفار كذلك، فاسجدوا لله واعبدوا، فإنه ~~المستحق لذلك منكم، وقد تقدم في فاتحة السورة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم سجد عند تلاوة هذه الآية، وسجد معه الكفار، فيكون المراد بها سجود ~~التلاوة، وقيل سجود الفرض. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وأنه هو أغنى ~~وأقنى) قال: أعطى وأرضى. # وأخرج ابن جرير عنه (وأنه هو رب الشعرى) قال: هو الكوكب الذي يدعي ~~الشعرى. وأخرج الفاكهي عنه أيضا قال: نزلت هذه الآية في خزاعة، وكانوا ~~يعبدون الشعري، وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا ~~في قوله (هذا نذير من النذر الأولى) قال: محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: الآزفة من أسماء القيامة. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وأحمد في الزهد وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ms3787 حاتم عن صالح أبي ~~الخليل قال: لما نزلت هذه الآية (أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا ~~تبكون) فما ضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إلا أن يتبسم. ولفظ ~~عبد بن حميد: فما رؤي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضاحكا ولا متبسما حتى ~~ذهب من الدنيا. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (سامدون) ~~قال: لاهون معرضون عنه. وأخرج الفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد ~~وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في سننه عنه (وأنتم سامدون) قال: الغناء باليمانية، كانوا ~~إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا. وأخرج الفريابي وأبو يعلي وابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا في قوله PageV05P118 # (سامدون) قال: كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم شامخين، ~~ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخا. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي خالد الوالبي قال: خرج ~~علي بن أبي طالب علينا وقد أقيمت الصلاة ونحن قيام ننتظره ليتقدم فقال: ~~مالكم سامدون، لا أنتم في صلاة ولا أنتم في جلوس تنتظرون؟ # تفسير سورة القمر ويقال سورة اقتربت، وهي خمس وخمسون آية وهي مكية كلها ~~في قول الجمهور. وقال مقاتل: هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله (أم يقولون نحن ~~جميع منتصر) إلى قوله (والساعة أدهى وأمر) قال القرطبي: ولا يصح. وأخرج ابن ~~الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنها نزلت ~~بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن ~~عباس قال: اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيض ~~الوجوه. قال البيهقي: منكر. وأخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي ~~فروة رفعه " من قرأ اقتربت الساعة في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ~~ووجهه كالقمر ليلة البدر ". وأخرج ابن الضريس نحوه ms3788 عن ليث بن معن عن شيخ من ~~همدان رفعه، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بقاف ~~واقتربت الساعة في الأضحى والفطر. # سورة القمر (1 - 17) PageV05P119 # قوله (اقتربت الساعة وانشق القمر) أي قربت ولا شك أنها قد صارت باعتبار ~~نسبة ما بقي بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة. ويمكن ~~أن يقال إنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة كانت قريبة، فكل آت قريب ~~(وانشق القمر) أي وقد انشق القمر، وكذا قرأ حذيفة بزيادة قد، والمراد ~~الانشقاق الواقع في أيام النبوة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف. قال الواحدي: # وجماعة المفسرين على هذا إلا ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال: ~~المعنى سينشق القمر، والعلماء كلهم على خلافه. قال: وإنما ذكر اقتراب ~~الساعة مع انشقاق القمر، لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة. قال ابن كيسان: في الكلام ~~تقديم وتأخير: أي انشق القمر واقتربت الساعة. وحكى القرطبي عن الحسن مثل ~~قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة. وقيل معنى وانشق القمر: وضح ~~الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح. وقيل انشقاق القمر هو ~~انشقاق الظلمة عنه وطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة ~~عنه. قال ابن كثير: قد كان الانشقاق في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. قال: وهذا أمر ~~متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن ~~القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين ~~في اللفظ وإجماع أهل العلم، لأن قوله (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر) يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة انتهى، ولم يأت من ms3789 خالف ~~الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد، فقال: لأنه ~~لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية، والناس في الآيات ~~سواء، ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلا ولا شرعا ولا عادة، ~~ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد، ويضرب ~~به في وجه قائله. # والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله، فقد أخبرنا بأنه انشق، ولم يخبرنا ~~بأنه سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد ثبت ~~في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا ~~إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ ~~واستبعاد من استبعد، وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله (وإن يروا ~~آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) قال الواحدي: قال المفسرون: # لما انشق القمر قال المشركون سحرنا محمد، فقال الله (وإن يروا آية) يعني ~~انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها، ويقولوا سحر قوى شديد يعلو ~~كل سحر، من قولهم استمر الشئ: إذا قوى واستحكم، وقد قال بأن معنى مستمر: ~~قوي شديد جماعة من أهل العلم، قال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل، وهو ~~شدة فتله، وبه قال أبو العالية والضحاك، واختاره النحاس، ومنه قول لقيط: # حتى استمر على شر لا يزنه * صدق العزيمة لا رثا ولا ضرعا وقال الفراء ~~والكسائي وأبو عبيدة (سحر مستمر) أي ذاهب، من قولهم مر الشئ واستمر إذا ~~ذهب، وبه قال قتادة ومجاهد وغيرهما، واختاره النحاس. وقيل معنى مستمر: دائم ~~مطرد، ومنه قول الشاعر: # ألا إنما الدنيا ليال وأعصر * وليس على شئ قديم بمستمر أي بدائم باق، ~~وقيل مستمر باطل، روى هذا عن أبي عبيدة أيضا. وقيل يشبه بعضه بعضا، وقيل قد ~~مر من PageV05P120 # الأرض إلى السماء، وقيل هو من المرارة: يقال مر الشئ صار مرا: أي مستبشع ~~عندهم. وفي هذه الآية أعظم دليل على ms3790 أن الانشقاق قد كان كما قررناه سابقا. ~~ثم ذكر سبحانه تكذيبهم فقال (وكذبوا واتبعوا أهواءهم) أي وكذبوا رسول الله، ~~وما عاينوا من قدرة الله، واتبعوا أهواءهم وما زينه لهم الشيطان الرجيم، ~~وجملة (وكل أمر مستقر) مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب واتباع ~~الأهواء: أي وكل أمر من الأمور منته إلى غاية، فالخير يستقر بأهل الخير، ~~والشر يستقر بأهل الشر. قال الفراء: يقول يستقر قرار تكذيبهم وقرار قول ~~المصدقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. قال الكلبي: المعنى لكل أمر ~~حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. قرأ ~~الجمهور " مستقر " بكسر القاف، وهو مرتفع على أنه خبر المبتدأ وهو كل. وقرأ ~~أبو جعفر وزيد بن علي بجر " مستقر " على أنه صفة لأمر، وقرأ شيبة بفتح ~~القاف، ورويت هذه القراءة عن نافع، قال أبو حاتم: ولا وجه لها، وقيل لها ~~وجه بتقدير مضاف محذوف: أي وكل أمر ذو استقرار، أو زمان استقرار، أو مكان ~~استقرار، على أنه مصدر، أو ظرف زمان، أو ظرف مكان (ولقد جاءهم من الأنباء ~~ما فيه مزدجر) أي ولقد جاء كفار مكة، أو الكفار على العموم من الأنباء، وهي ~~أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن - - ما فيه مزدجر - أي ~~ازدجار على أنه مصدر ميمي، يقال زجرته: إذا نهيته عن السوء ووعظته، ويجوز ~~أن يكون اسم مكان، والمعنى: جاءهم ما فيه موضع ازدجار: أي أنه في نفسه موضع ~~لذلك، وأصله مزتجر، وتاء الافتعال تقلب دالا مع الزاي والدال والذال كما ~~تقرر في موضعه، وقرأ زيد بن علي " مزجر " بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام ~~الزاي في الزاي، ومن في قوله " من الأنباء " للتبعيض وهي وما دخلت عليه في ~~محل نصب على الحال، وارتفاع (حكمة بالغة) على أنها خبر مبتدإ محذوف أو بدل ~~من ما بدل كل من كل، أو بدل اشتمال، والمعنى: # أن القرآن حكمة قد بلغت الغاية ليس فيها نقص ولا خلل، وقرئ بالنصب على ~~أنها حال من ما: أي حال كون ms3791 ما فيه مزدجر حكمة بالغة (فما تغن النذر) ما ~~يجوز أن تكون استفهامية وأن تكون نافية: أي أي شئ تغني النذر أو لم تغن ~~النذر شيئا، والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجئ الحكمة البالغة، والنذر جمع ~~نذير بمعنى المنذر، أو بمعنى الإنذار على أنه مصدر. ثم أمره الله سبحانه ~~بالإعراض عنهم فقال (فتول عنهم) أي أعرض عنهم حيث لم يؤثر فيهم الإنذار، ~~وهي منسوخة بآية السيف (يوم يدع الداع إلى شئ نكر) انتصاب الظرف إما بفعل ~~مقدر: # أي أذكر، وإما بيخرجون المذكور بعده، وإما بقوله (فما تغن)، ويكون قوله ~~(فتول عنهم) اعتراض، أو بقوله - يقول الكافرون - أو بقوله - خشعا - وسقطت ~~الواو من يدع اتباعا للفظ، وقد وقعت في الرسم هكذا وحذفت الياء من الداع ~~للتخفيف واكتفاء بالكسرة، والداع هو إسرافيل، والشئ النكر: الأمر الفظيع ~~الذي ينكرونه استعظاما له لعدم تقدم العهد لهم بمثله. قرأ الجمهور بضم ~~الكاف. وقرأ ابن كثير بسكونها تخفيفا. وقرأ مجاهد وقتادة بكسر الكاف وفتح ~~الراء على صيغة الفعل المجهول (خشعا أبصارهم) قرأ الجمهور " خشعا " جمع ~~خاشع. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو " خاشعا " على الإفراد، ومنه قول ~~الشاعر: # وشباب حسن أوجهه من * إياد بن نزار بن معد وقرأ ابن مسعود " خاشعة " قال ~~الفراء: الصفة إذا تقدمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث والجمع: ~~يعني جمع التكسير لا جمع السلامة، لأنه يكون من الجمع بين فاعلين، ومثل ~~قراءة الجمهور قول امرئ القيس: # وقوفا بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد PageV05P121 # وانتصاب خشعا على الحال من فاعل يخرجون، أو من الضمير في عنهم، والخشوع ~~في البصر الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين ~~فيها (يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر) أي يخرجون من القبور، وواحد ~~الأجداث جدث وهو القبر، كأنهم لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض جراد منتشر: أي ~~منبث في الأقطار مختلط بعضه ببعض (مهطعين إلى الداع) الإهطاع: الإسراع أي ~~قال كونهم مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل، ومنه قول الشاعر: # بدجلة دارهم ولقد أراهم * بدجلة ms3792 مهطعين إلى السماع * أي مسرعين إليه. ~~وقال الضحاك: مقبلين. وقال قتادة: عامدين. وقال عكرمة: فاتحين آذانهم إلي ~~الصوت، والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة وغيره، وجملة (يقول الكافرون هذا ~~يوم عسر) في محل نصب على الحال من ضمير مهطعين، والرابط مقدر أو مستأنفة ~~جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يكون حينئذ. والعسر: الصعب الشديد، وفي ~~إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين. ثم ~~ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدم من الأنباء المجملة فقال (كذبت قبلهم قوم ~~نوح) أي كذبوا نبيهم، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقوله (فكذبوا عبدنا) تفسير لما قبله من التكذيب المبهم، وفيه مزيد تقرير ~~وتأكيد: أي فكذبوا عبدنا نوحا، وقيل المعنى: كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا ~~عبدنا نوحا بتكذيبهم للرسل فإنه منهم. ثم بين سبحانه أنهم لم يقتصروا على ~~مجرد التكذيب فقال (وقالوا مجنون) أي نسبوا نوحا إلى الجنون، وقوله ~~(وازدجر) معطوف على قالوا: أي وزجر عن دعوى النبوة وعن تبليغ ما أرسل به ~~بأنواع الزجر، والدال بدل من تاء الافتعال كما تقدم قريبا، وقيل إنه معطوف ~~على مجنون: أي وقالوا إنه ازدجر: أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه، والأول أولى. ~~قال مجاهد: هو من كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسب وأنواع ~~الأذى. قال الرازي: وهذا أصح، لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بذكر من تقدمه (فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر) أي دعا نوح ربه على ~~قومه بأني مغلوب من جهة قومي لتمردهم عن الطاعة وزجرهم لي عن تبليغ ~~الرسالة، فانتصر لي: أي انتقم لي منهم. طلب من ربه سبحانه النصرة عليهم لما ~~أيس من إجابتهم وعلم تمردهم وعتوهم وإصرارهم على ضلالتهم. قرأ الجمهور " ~~أنى " بفتح الهمزة: أي بأني. وقرأ ابن أبي إسحاق والأعمش بكسر الهمزة، ~~ورويت هذه القراءة عن عاصم على تقدير إضمار القول: أي فقال. ثم ذكر سبحانه ~~ما عاقبهم به فقال (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) أي ms3793 منصب انصبابا ~~شديدا، والهمر: ما الصب بكثرة، يقال: همر الماء والدمع يهمر همرا وهمورا: ~~إذا كثر، ومنه قول الشاعر: # أعيني جودا بالدموع الهوامر * على خير باد من معد وحاضر ومنه قول امرئ ~~القيس يصف عينا: # راح تمر به الصبا ثم انتحى * فيه بشؤبوب جنوب منهمر قرأ الجمهور " فتحنا ~~" مخففا. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد (وفجرنا الأرض عيونا) أي جعلنا ~~الأرض كلها عيونا متفجرة، والأصل فجرنا عيون الأرض. قرأ الجمهور " فجرنا ~~بالتشديد. وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة وعاصم في رواية عنه بالتخفيف. قال عبيد ~~بن عمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون (فالتقى الماء ~~على أمر قد قدر) أي التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضى عليهم: أي ~~كائنا على حال قدرها الله وقضى بها. وحكى ابن قتيبة أن المعنى على مقدار لم ~~يرد أحدهما على الآخر، بل كان ماء السماء وماء PageV05P122 # الأرض على سواء. قال قتادة: قدر لهم إذ كفروا أن يغرقوا. وقرأ الجحدري " ~~فالتقى الماآن " وقرأ الحسن " فالتقى الماوان " ورويت هذه القراءة عن علي ~~بن أبي طالب ومحمد بن كعب (وحملناه على ذات ألواح ودسر) أي وحملنا نوحا على ~~سفينة ذات ألواح، وهي الأخشاب العريضة - ودسر - قال الزجاج: هي المسامير ~~التي تشد بها الألواح واحدها دسار، وكل شئ أدخل في شئ يشده فهو الدسر، وكذا ~~قال قتادة ومحمد بن كعب وابن زيد وسعيد بن جبير وغيرهم. وقال الحسن وشهر بن ~~حوشب وعكرمة: الدسر، ظهر السفينة التي يضربها الموج، سميت بذلك لأنها تدسر ~~الماء: أي تدفعه، والدسر الدفع. وقال الليث: الدسار خيط تشد به ألواح ~~السفينة. قال في الصحاح: الدسار واحد الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح ~~السفينة، ويقال هي المسامير (تجري بأعيننا) أي بمنظر ومرأى منا وحفظ لها ~~كما في قوله - واصنع الفلك بأعيننا - وقيل بأمرنا، وقيل بوحينا، وقيل ~~بالأعين النابعة من الأرض، وقيل بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين ~~بحفظها (جزاء لمن كان كفر) قال الفراء: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه ~~وإغراقهم ms3794 ثوابا لمن كفر به وجحد أمره وهو نوح عليه السلام، فإنه كان لهم ~~نعمة كفروها فانتصاب جزاء على العلة، وقيل على المصدرية بفعل مقدر: أي ~~جازيناهم جزاء. قرأ الجمهور " كفر " مبنيا للمفعول، والمراد به نوح. وقيل ~~هو الله سبحانه، فإنهم كفروا به وجحدوا نعمته. وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ~~ومجاهد وحميد وعيسى كفر بفتح الكاف والفاء مبنيا للفاعل: أي جزاء وعقابا ~~لمن كفر بالله (ولقد تركناها آية) أي السفينة تركها الله عبرة للمعتبرين، ~~وقيل المعنى: ولقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وموعظة (فهل من ~~مذكر) أصله مذتكر فأبدلت التاء دالا مهملة، ثم أبدلت المعجمة مهملة ~~لتقاربهما وأدغمت الدال في الذال، والمعنى: هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه ~~الآية ويعتبر بها (فكيف كان عذابي ونذر) أي إنذاري. قال الفراء: # الإنذار والنذر مصدران، والاستفهام للتهويل والتعجيب: أي كانا على كيفية ~~هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف، وقيل نذر جمع نذير، ونذير بمعنى الإنذار ~~كنكير بمعنى الإنكار (ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي سهلناه للحفظ، وأعنا ~~عليه من أراد حفظه، وقيل هيأناه للتذكر والاتعاظ (فهل من مدكر) أي متعظ ~~بمواعظه ومعتبر بعبره. # وفي الآية الحث على درس القرآن والاستكثار من تلاوته والمسارعة في تعلمه ~~ومدكر أصله مذتكر كما تقدم قريبا. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما ~~". وروى عنه من طريق أخرى عند مسلم والترمذي وغيرهم وقال: فنزلت (اقتربت ~~الساعة وانشق القمر) وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال " انشق ~~القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرقتين: فرقة فوق الجبل، ~~وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اشهدوا ". وأخرج عبد ~~بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه قال: # رأيت القمر منشقا شقتين مرتين: مرة بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: شقة على أبي قبيس، وشقة على ms3795 السويداء. وذكر أن هذا سبب نزول ~~الآية. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو ~~نعيم عنه أيضا قال: رأيت القمر وقد انشق، وأبصرت الجبل بين فرجتي القمر. ~~وله طرق عنه. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. وله طرق عنه. وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن ابن ~~عمر في قوله (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال: كان ذلك على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم انشق فرقتين: فرقة من دون الجبل، وفرقة خلفه، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم اشهد. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ~~والترمذي وابن جرير والحاكم وصححه وابن PageV05P123 # مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم عن أبيه في قوله: (وانشق ~~القمر) قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى صار فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: # سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن ~~جرير وابن مردويه وأبو نعيم عن عبد الرحمن السلمي قال: " خطبنا حذيفة بن ~~اليمان بالمدائن، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اقتربت الساعة وانشق ~~القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، اليوم المضمار ~~وغدا السياق ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (مهطعين) قال ناظرين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (ففتحنا ~~أبواب السماء بماء منهمر) قال كثير: لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده ~~إلا من السحاب وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالقى ~~الماآن. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا (على ذات ألواح ودسر) قال: ~~الألواح ألواح السفينة، ms3796 والدسر: # معاريضها التي تشد بها السفينة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا في ~~قوله (ودسر) قال: المسامير. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال: الدسر ~~كلكل السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عنه أيضا في قوله ~~(ولقد يسرنا القرآن للذكر) قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما ~~استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله. وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا ~~مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس (فهل من مدكر) قال: هل من ~~متذكر. # سورة القمر (18 - 40) PageV05P124 # قوله (كذبت عاد) هم قوم عاد (فكيف كان عذابي ونذر) أي فاسمعوا كيف كان ~~عذابي لهم وإنذاري إياهم، ونذر مصدر بمعنى إنذار كما تقدم تحقيقه، ~~والاستفهام للتهويل والتعظيم (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) هذه الجملة ~~مبينة لما أجمله سابقا من العذاب، والصرصر شدة البرد: أي ريح شديدة البرد، ~~وقيل الصرصر شدة الصوت، وقد تقدم بيانه في سورة حم السجدة (في يوم نحس ~~مستمر) أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه، وقد كانوا يتشاءمون بذلك اليوم. ~~قال الزجاج: قيل في يوم الأربعاء في آخر الشهر. قرأ الجمهور " في يوم نحس " ~~بإضافة يوم إلى نحس مع سكون الحاء، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو على ~~تقدير مضاف أي في يوم عذاب نحس. وقرأ الحسن بتنوين يوم على أن نحس صفة له. ~~وقرأ هارون بكسر الحاء. قال الضحاك: # كان ذلك اليوم مرا عليهم. وكذا حكى الكسائي عن قوم أنهم قالوا: هو من ~~المرارة، وقيل هو من المرة بمعنى القوة: # أي في يوم قوى الشؤم مستحكمه كالشئ المحكم القتل الذي لا يطاق نقضه، ~~والظاهر أنه من الاستمرار، لا من المرارة ولا من المرة: أي دام عليهم ~~العذاب فيه حتى أهلكهم، وشمل بهلاكه كبيرهم وصغيرهم، وجملة (تنزع الناس) في ~~محل نصب على أنها صفة لريحا أو حال منها، ويجوز أن يكون استئنافا: أي ~~تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها. قال مجاهد: كانت ~~تقلعهم من الأرض ms3797 فترمي بهم على رؤوسهم فتدق أعناقهم وتبين رؤوسهم من ~~أجسادهم، وقيل تنزع الناس من البيوت، وقيل من قبورهم لأنهم حفروا حفائر ~~ودخلوها (كأنهم أعجاز نخل منقعر) الأعجاز جمع عجز، وهو مؤخر الشئ، ~~والمنقعر: المنقطع المنقلع من أصله، يقال قعرت النخلة: إذا قلعتها من أصلها ~~حتى تسقط. شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح وطرحتهم على وجوههم ~~بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس، وذلك أن الريح قلعت رؤوسهم ~~أولا، ثم كتبتهم على وجوههم وتذكير منقعر مع كونه صفة لأعجاز نخل وهي مؤنثه ~~اعتبارا باللفظ ويجوز تأنيثه اعتبارا بالمعنى كما قال - أعجاز نخل خاوية - ~~قال المبرد: كل ما ورد عليك من هذا الباب إن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرا أو ~~إلى المعنى تأنيثا. وقيل إن النخل والنخيل يذكر ويؤنث (فكيف كان عذابي ~~ونذر) قد تقدم تفسيره قريبا، وكذلك قوله (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر) ثم لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه بتكذيب ثمود فقال (كذبت ثمود ~~بالنذر) يجوز أن يكون جمع نذير: أي كذبت بالرسل المرسلين إليهم، ويجوز أن ~~يكون مصدرا بمعنى الإنذار: أي كذبت بالإنذار الذي أنذروا به، وإنما كان ~~تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيبا للرسل، لأن من كذب واحدا من الأنبياء فقد ~~كذب سائرهم لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع (فقالوا أبشرا منا واحدا ~~نتبعه) الاستفهام لإنكار: أي كيف نتبع بشرا كائنا من جنسنا منفردا وحده لا ~~متابع له على ما يدعوا إليه. قرأ الجمهور بنصب " بشرا " على الاشتغال: أي ~~أنتبع بشرا واحدا. وقرأ أبو السماك والداني وأبو الأشهب وابن السميفع ~~بالرفع على الابتداء، وواحدا صفته، ونتبعه خبره. وروى عن أبي السماك أنه ~~قرأ برفع " بشرا " ونصب " واحدا " على الحال (إنا إذا لفي ضلال) أي إنا إذا ~~اتبعناه لفي خطأ وذهاب عن الحق (وسعر) أي عذاب PageV05P125 # وعناد وشدة كذا قال الفراء وغيره. وقال أبو عبيدة: هو جمع سعير، وهو لهب ~~النار، والسعر: الجنون يذهب كذا وكذا لما يلتهب به من الحدة. وقال مجاهد: ~~وسعر وبعد عن ms3798 الحق. وقال السدي: في احتراق، وقيل المراد به هنا الجنون، من ~~قولهم: ناقة مسعورة: أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة، ومنه قول الشاعر يصف ~~ناقة: # تخال بها سعرا إذ السعر هزها * ذميل وإيقاع من السير متعب ثم كرروا ~~الإنكار والاستبعاد فقالوا (أألقى الذكر عليه من بيننا) أي كيف خص من بيننا ~~بالوحي والنبوة، وفينا من هو أحق بذلك منه؟ ثم أضربوا عن الاستنكار ~~وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذابا أشرا فقالوا (بل هو كذاب أشر) والأشر: ~~المرح والنشاط، أو البطر والتكبر، وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام، ~~ومنه قول الشاعر: أشرتم بلبس الخز لما لبستم * ومن قبل لا تدرون من فتح ~~القرى * قرأ الجمهور " أشر " كفرح. وقرأ أبو قلابة وأبو جعفر بفتح الشين ~~وتشديد الراء على أنه أفعل تفضيل. # ونقل الكسائي عن مجاهد أنه قرأ بضم الشين مع فتح الهمزة. ثم أجاب سبحانه ~~عليهم بقوله (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر) والمراد بقوله غدا وقت نزول ~~العذاب بهم في الدنيا، أو في يوم القيامة جريا على عادة الناس في التعبير ~~بالغد عن المستقبل من الأمر وإن بعد، كما في قولهم: إن مع اليوم غدا، وكما ~~في قول الحطيئة: # للموت فيها سهام غير مخطئة * من لم يكن ميتا في اليوم مات غدا ومنه قول ~~أبي الطماح: # ألا عللاني قبل نوح النوائح * وقبل اضطراب النفس بين الجوانح * وقبل غد ~~يا لهف نفسي على غد * إذا راح أصحابي ولست برائح * قرأ الجمهور " سيعلمون " ~~بالتحتية إخبار من الله سبحانه لصالح عن وقوع العذاب عليهم بعد مدة. وقرأ ~~أبو عمرو وابن عامر وحمزة بالفوقية على أنه خطاب من صالح لقومه، وجملة (إنا ~~مرسلوا الناقة) مستأنفة لبيان ما تقدم إجماله من الوعيد: أي إنا مخرجوها من ~~الصخرة على حسب ما اقترحوه (فتنة لهم) أي ابتلاء وامتحانا، وانتصاب فتنة ~~على العلة (فارتقبهم) أي انتظر ما يصنعون (واصطبر) على ما يصيبك من الأذى ~~منهم (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) أي بين ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم ~~يوم، كما في قوله ms3799 - لها شرب ولكم شرب يوم معلوم - وقال " نبئهم " بضمير ~~العقلاء تغليبا (كل شرب محتضر) الشرب بكسر الشين الحظ من الماء. ومعنى ~~محتضر: أنه يحضره من هو له، فالناقة تحضره يوما وهم يحضرونه يوما. قال ~~مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم، فيشربون ويحضرون يوم نوبتها ~~فيحتلبون. قرأ الجمهور " قسمة " بكسر القاف بمعنى مقسوم، وقرأ أبو عمرو في ~~رواية عنه بفتحها) (فنادوا صاحبهم) أي نادى ثمود صاحبهم وهو قدار بن سالف ~~عاقر الناقة يحضونه على عقرها (فتعاطى فعقر) أي تناول الناقة بالعقر ~~فعقرها، أو اجترأ على تعاطي أسباب العقر فعقر. قال محمد بن إسحاق: كمن لها ~~في أصل شجرة على طريقها، فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها، ثم شد عليها ~~بالسيف فكسر عرقوبها ثم نحرها، والتعاطي: تناول الشئ بتكلف (فكيف كان عذابي ~~ونذر) قد تقدم تفسيره في هذه السورة. ثم بين ما أجمله من العذاب فقال (إنا ~~أرسلنا عليهم صيحة واحدة) قال عطاء: يريد صيحة جبريل، وقد مضى بيان هذا في ~~سورة هود وفي الأعراف (فكانوا كهشيم المحتضر) قرأ الجمهور بكسر الظاء، ~~والهشيم: حطام الشجر ويابسه، والمحتظر: # صاحب الحظيرة، وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الريح، يقال ~~احتظر على غنمه: إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض. قال في الصحاح: ~~والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. وقرأ الحسن وقتادة وأبو العالية بفتح ~~PageV05P126 # الظاء: أي كهشيم الحظيرة، فمن قرأ بالكسر أراد الفاعل للاحتظار، ومن قرأ ~~بالفتح أراد الحظيرة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، ومعنى الآية أنهم صاروا ~~كالشجر إذا يبس في الحظيرة وداسته الغنم بعد سقوطه، ومنه قول الشاعر: # أثرن عجاجه كدخان نار * تشب بغرقد بال هشيم وقال قتادة: هو العظام النخرة ~~المحترقة. وقال سعيد بن جبير: هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح. # وقال سفيان الثوري: هو ما يتناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصى. قال ابن ~~زيد: العرب تسمى كل شئ كان رطبا فيبس هشيما، ومنه قول الشاعر: # ترى جيف المطي بجانبيه * كأن عظامها خشب الهشيم (ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل ms3800 من مدكر) قد تقدم تفسير هذا في هذه السورة. ثم أخبر سبحانه عن قوم لوط ~~بأنهم كذبوا رسل الله كما كذبهم غيرهم فقال (كذبت قوم لوط بالنذر) وقد تقدم ~~تفسير النذر قريبا. # ثم بين سبحانه ما عذبهم به فقال (إنا أرسلنا عليهم حاصبا) أي ريحا ترميهم ~~بالحصباء، وهي الحصى. قال أبو عبيدة والنضر بن شميل: الحاصب الحجارة في ~~الريح. قال في الصحاح: الحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء، ومنه قول ~~الفرزدق: مستقبلين شمال الشام يضربها * بحاصب كنديف القطن منثور * (إلا آل ~~لوط نجيناهم بسحر) يعني لوطا ومن تبعه، والسحر آخر الليل، وقيل هو في كلام ~~العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار، وانصرف سحر لأنه نكرة لم يقصد ~~به سحر ليلة معينة، ولو قصد معينا لامتنع. كذا قال الزجاج والأخفش وغيرهما، ~~وانتصاب (نعمة من عندنا) على العلة، أو على المصدرية: أي إنعاما منا على ~~لوط ومن تبعه (كذلك نجزي من شكر) أي مثل ذلك الجزاء نجزي من شكر نعمتنا ولم ~~يكفرها (ولقد أنذرهم بطشتنا) أي أنذر لوط قومه بطشة الله بهم وهي عذابه ~~الشديد وعقوبته البالغة (فتماروا بالنذر) أي شكوا في الإنذار ولم يصدقوه، ~~وهو تفاعلوا من المرية، وهي الشك (ولقد راودوه عن ضيفه) أي أرادوا منه ~~تمكينهم ممن أتاه من الملائكة ليفجروا بهم كما هو دأبهم، يقال راودته عن ~~كذا مراودة وروادا: أي أردته، وراد الكلام يروده رودا: أي طلبه، وقد تقدم ~~تفسير المراودة مستوفي في سورة هود (فطمسنا أعينهم) أي صيرنا أعينهم ممسوحة ~~لا يرى لها شق كما تطمس الريح الأعلام بما تسقى عليها من التراب. وقيل أذهب ~~الله نور أبصارهم مع بقاء الأعين على صورتها. قال الضحاك: طمس الله على ~~أبصارهم فلم يروا الرسل فرجعوا (فذوقوا عذابي ونذر) قد تقدم تفسيره في هذه ~~السورة (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) أي أتاهم صباحا عذاب مستقر بهم نازل ~~عليهم لا يفارقهم ولا ينفك عنهم. قال مقاتل: استقر بهم العذاب بكرة، ~~وانصراف بكرة لكونه لم يرد بها وقتا بعينه كما ms3801 سبق في بسحر (فذوقوا عذابي ~~ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) قد تقدم تفسير هذا في هذه ~~السورة، ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الاشعار بأنه منة ~~عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) ~~قال: باردة (في يوم نحس) قال أيام شداد. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ~~جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يوم ~~الأربعاء يوم نحس مستمر " وأخرجه عنه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا. وأخرجه ~~ابن مردويه عن علي PageV05P127 # مرفوعا. وأخرجه ابن مردويه أيضا عن أنس مرفوعا، وفيه " قيل: وكيف ذاك يا ~~رسول الله؟ قال: أغرق الله فيه فرعون وقومه، وأهلك فيه عادا وثمودا ". ~~وأخرج ابن مردويه والخطيب بسند. قال السيوطي: ضعيف عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ". ~~وأخرج ابن المنذر عنه (كأنهم أعجاز نخل) قال: أصول النخل (منقعر) قال: ~~منقلع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال: أعجاز سواد النخل. وأخرج ~~ابن المنذر عنه أيضا (وسعر) قال شقاء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا ~~قال (كهشيم المحتظر) قال: كحظائر من الشجر محترقة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا ~~في الآية قال: كالعظام المحترقة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه قال: ~~كالحشيش تأكله الغنم. # سورة (41 - 55) (النذر) يجوز أن يكون جمع نذير، ويجوز أن يكون مصدر بمعنى ~~الإنذار كما تقدم، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى، وهذا أولى لقوله ~~(كذبوا بآياتنا كلها) فإنه بيان لذلك، والمراد بها الآيات التسع التي تقدم ~~ذكرها (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) أي أخذناهم بالعذاب أخذ غالب في انتقامه ~~قادر على إهلاكهم لا يعجزه شئ. ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال (أكفارهم خير ~~من أولئكم) والاستفهام للإنكار، والمعنى النفي: أي ليس كفاركم يا أهل مكة، ~~أو يا معشر العرب خير ms3802 من كفار من تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم، ~~فكيف تطمعون في السلامة من العذاب وأنتم شر منهم. ثم أضرب سبحانه عن ذلك ~~وانتقل إلى تبكيتهم بوجه آخر هو أشد من التبكيت بالوجه الأول فقال (أم لكم ~~براءة في الزبر) والزبر هي الكتب المنزلة على الأنبياء، والمعنى: # إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب الله في شئ من كتب الأنبياء. ثم أضرب عن ~~هذا التبكيت وانتقل إلى التبكيت لهم بوجه آخر فقال (أم يقولون نحن جميع ~~منتصر) أي جماعة لا تطاق لكثرة عددنا وقوتنا أو أمرنا مجتمع لا نغلب، وأفرد ~~منتصرا اعتبارا بلفظ جميع. قال الكلبي: المعنى نحن جميع أمرنا ننتصر من ~~أعدائنا، فرد الله سبحانه عليهم بقوله (سيهزم الجمع) أي جمع كفار مكة، أو ~~كفار العرب على العموم. قرأ الجمهور " سيهزم " بالتحتية مبنيا للمفعول. ~~وقرأ ورش عن يعقوب " سنهزم " بالنون وكسر الزاي ونصب الجمع. وقرأ أبو حيوة ~~وابن أبي عبلة PageV05P128 # بالتحتية مبنيا للفاعل، وقرئ بالفوقية مبنيا للفاعل (ويولون الدبر) قرأ ~~الجمهور " يولون " بالتحتية، وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق وورش عن يعقوب ~~بالفوقية على الخطاب، والمراد بالدبر الجنس، وهو في معنى الإدبار، وقد ~~هزمهم الله يوم بدر وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الشرك وأساطين الكفر، فلله ~~الحمد (بل الساعة موعدهم) أي موعد عذابهم الأخروي، وليس هذا العذاب الكائن ~~في الدنيا بالقتل والأسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب، وإنما هو ~~مقدمة من مقدماته وطليعة من طلائعه، ولهذا قال (والساعة أدهى وأمر) أي ~~وعذاب الساعة أعظم في الضر وأفظع، مأخوذ من الدهاء، وهو النكر والفظاعة، ~~ومعنى أمر: أشد مرارة من عذاب الدنيا، يقال دهاه أمر كذا: أي أصابه دهوا ~~ودهيا (إن المجرمين في ضلال وسعر) أي في ذهاب عن الحق وبعد عنه، وقد تقدم ~~في هذه السورة تفسير وسعر فلا نعيده (يوم يسحبون في النار على وجوههم) ~~والظرف منتصب بما قبله: أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون، أو بقول مقدر ~~بعده: أي يوم يسحبون يقال لهم (ذوقوا مس ms3803 سقر) أي قاسوا حرها وشدة عذابها، ~~وسقر علم لجهنم. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بإدغام سين مس في سين سقر (إنا ~~كل شئ خلقناه بقدر) قرأ الجمهور بنصب كل على الاشتغال. وقرأ أبو السماك ~~بالرفع، والمعنى: # أن كل شئ من الأشياء خلقه الله سبحانه ملتبسا بقدر قدره وقضاء قضاه سبق ~~في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، والقدر التقدير، وقد قدمنا ~~الكلام على تفسير هذه الآية مستوفى (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) أي ~~إلا مرة واحدة أو كلمة واحدة كلمح بالبصر في سرعته، واللمح: النظر على ~~العجلة والسرعة. وفي الصحاح لمحه وألمحه: إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم ~~اللمحة. قال الكلبي: وما أمرنا بمجئ الساعة في السرعة إلا كطرف البصر (ولقد ~~أهلكنا أشياعكم) أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم، وقيل أتباعكم ~~وأعوانكم (فهل من مدكر) يتذكر ويتعظ بالمواعظ ويعلم أن ذلك حق، فيخاف ~~العقوبة وأن يحل به ما حل بالأمم السالفة (وكل شئ فعلوه في الزبر) أي جميع ~~ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل في كتب الحفظة ~~(وكل صغير وكبير مستطر) أي كل شئ من أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم مسطور ~~في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره وجليله وحقيره يقال: سطر يسطر سطرا كتب، ~~وأسطر مثله. ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال الأشقياء ذكر حال السعداء فقال ~~(إن المتقين في جنات ونهر) أي في بساتين مختلفة وجنان متنوعة وأنهار ~~متدفقة. قرأ الجمهور " ونهر " بفتح الهاء على الإفراد، وهو جنس يشمل أنهار ~~الجنة وقرأ مجاهد والأعرج وأبو السماك بسكون الهاء وهما لغتان، وقرأ أبو ~~مجلز وأبو نهشل والأعرج وطلحة بن مصرف وقتادة " نهر " بضم النون والهاء على ~~الجمع (في مقعد صدق) أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة (عند ~~مليك مقتدر) أي قادر على ما يشاء لا يعجزه شئ. وعندها هنا كناية عن الكرامة ~~وشرف المنزلة، وقرأ عثمان البتي " في مقاعد صدق ". # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ms3804 (أكفاركم خير من أولئكم) يقول: ليس كفاركم ~~خير من قوم نوح وقوم لوط. وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن ~~المنذر وابن مردويه عنه في قوله (سيهزم الجمع ويولون الدبر) قال: كان ذلك ~~يوم بدر قالوا (نحن جميع منتصر) فنزلت هذه الآية. وفي البخاري وغيره عنه ~~أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر " أنشدك ~~عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا، فأخذ أبو بكر بيده وقال: ~~حسبك يا رسول الله ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع ويقول (سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) ". وأخرج أحمد ~~وعبد بن حميد PageV05P129 # ومسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت (يوم يسحبون في ~~النار على وجوههم). وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " كل شئ بقدر حتى العجز والكيس " وأخرج ابن المنذر عنه في ~~قوله (وكل صغير وكبير مستطر) قال: مسطور في الكتاب اه‍. # تفسير سورة الرحمن هي ست وسبعون آية وهي مكية. قال القرطبي: كلها في قول ~~الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر قال: قال ابن عباس إلا آية منها، ~~وهي قوله (يسأله من في السماوات والأرض) الآية. وقال ابن مسعود ومقاتل هي ~~مدنية كلها، والأول أصح، ويدل عليه ما أخرجه النحاس عن ابن عباس قال: نزلت ~~سورة الرحمن بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: أنزل بمكة ~~سورة الرحمن. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة الرحمن علم القرآن ~~بمكة. وأخرج أحمد وابن مردويه. قال السيوطي: بسند حسن عن أسماء بنت أبي بكر ~~قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل ~~أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ويؤيد القول ~~الثاني ما أخرجه ابن الضريس وابن ms3805 مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ~~قال: نزلت سورة الرحمن بالمدينة، ويمكن الجمع بين القولين بأنه نزل بعضها ~~بمكة وبعضها بالمدينة. وأخرج الترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال " ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه. فقرأ عليهم سورة الرحمن ~~من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: مالي أراكم سكوتا لقد قرأتها على الجن ~~ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم كلما أتيت على قوله (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) قالوا: لا شئ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد " قال الترمذي بعد ~~إخراجه: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن ~~محمد. وحكى عن الإمام أحمد أنه كان يستنكر روايته عن زهير، وقال البزار: لا ~~نعرفه يروى إلا من هذا الوجه. وأخرجه البزار وابن جرير وابن المنذر والدار ~~قطني في الإفراد وابن مردويه والخطيب في تاريخه من حديث ابن عمر وصحح ~~السيوطي إسناده. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وأخرج البيهقي في الشعب عن علي سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " لكل شئ عروس، وعروس القرآن ~~الرحمن ". PageV05P130 # قوله (الرحمن علم القرآن) ارتفاع الرحمن على أنه مبتدأ وما بعده من ~~الأفعال أخبار له، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف: أي الله الرحمن. قال ~~الزجاج: معنى (علم القرآن) يسره. قال الكلبي: علم القرآن محمدا وعلمه محمد ~~أمته، وقيل جعله علامة لما يعبد الناس به، قيل نزلت هذه الآية جوابا لأهل ~~مكة حين قالوا إنما يعلمه بشر، وقيل جوابا لقولهم: وما الرحمن؟ ولما كانت ~~هذه السورة لتعداد نعمه التي أنعم بها على عباده قدم النعمة التي هي أجلها ~~قدرا وأكثرها نفعا وأتمها فائدة وأعظمها عائدة، وهي نعمة تعليم القرآن، ~~فإنها مدار سعادة الدارين، وقطب رحى الخيرين، وعماد الأمرين. ثم أمتن بعد ~~هذه النعمة بنعمة الخلق التي هي مناط ms3806 كل الأمور ومرجع جميع الأشياء فقال ~~(خلق الإنسان) ثم أمتن ثالثا بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم ويدور ~~عليه التخاطب وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد، لأنه لا يمكن إبراز ما في ~~الضمائر ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به قال قتادة والحسن: # المراد بالإنسان آدم، والمراد بالبيان أسماء كل شئ، وقيل المراد به ~~اللغات. وقال ابن كيسان: المراد بالإنسان ها هنا محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وبالبيان بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلال، وهو بعيد. وقال ~~الضحاك: البيان الخير والشر. وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه مما يضره، ~~وقيل البيان الكتابة بالقلم. والأولى حمل الإنسان على الجنس، وحمل البيان ~~على تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به (الشمس والقمر بحسبان) أي يجريان ~~بحساب ومنازل لا يعدوانها، ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين. قال قتادة ~~وأبو مالك: يجريان بحسبان في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال ابن ~~زيد وابن كيسان: يعنى أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار، ولولا الليل ~~والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب، لأن الدهر يكون كله ليلا أو ~~نهارا. # وقال الضحاك: معنى بحسبان: بقدر، وقال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى: يعنى ~~قطبهما الذي يدوران عليه. # قال الأخفش: الحسبان جماعة الحساب، مثل شهب وشهبان. وأما الحسبان بالضم ~~فهو العذاب كما مضى في سورة الكهف (والنجم والشجر يسجدان) النجم ما لا ساق ~~له من النبات، والشجر ما له ساق. قال الشاعر: لقد أنجم القاع الكثير عضاهه ~~* وتم به حيا تميم ووائل وقال زهير: مكلل بأصول النجم تنسجه * ريح الجنوب ~~لضاحي ما به حبك PageV05P131 # والمراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين. وقال ~~الفراء: سجودهما أنهما يستقبلان، الشمس إذا طلعت، ثم يميلان معها حين ينكسر ~~الفئ. وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما، كما في قوله - يتفيؤ ظلاله - ~~وقال الحسن ومجاهد: المراد بالنجم نجم السماء وسجوده طلوعه، ورجح هذا ابن ~~جرير. وقيل سجوده أفوله، وسجود الشجر: تمكينها من الاجتناء لثمارها. قال ~~النحاس: أصل السجود الاستسلام ms3807 والانقياد لله، وهذه الجملة والتي قبلها ~~خبران آخران للرحمن، وترك الرابط فيهما لظهوره كأنه قيل: الشمس والقمر ~~بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له (والسماء رفعها) قرأ الجمهور بنصب السماء ~~على الاشتغال. وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء، والمعنى: أنه جعل ~~السماء مرفوعة فوق الأرض (ووضع الميزان) المراد بالميزان العدل: أي وضع في ~~الأرض العدل الذي أمر به كذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، قال الزجاج: ~~المعنى أنه أمرنا بالعدل، ويدل عليه قوله (ألا تطغوا في الميزان) أي لا ~~تجاوزوا العدل، وقال الحسن والضحاك: المراد به آلة الوزن ليتوصل بها إلى ~~الإنصاف والانتصاف. وقيل الميزان القرآن لأن فيه بيان ما يحتاج إليه، وبه ~~قال الحسين بن الفضل، والأول أولى. ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره ~~للعباد بأنه وضعه لهم فقال (وأقيموا الوزن بالقسط) أي قوموا وزنكم بالعدل، ~~وقيل المعنى: أقيموا لسان الميزان بالعدل، وقيل المعنى: أنه وضع الميزان في ~~الآخرة لوزن الأعمال، و " أن " في قوله " ألا تطغوا " مصدرية: أي لئلا ~~تطغوا، ولا نافية: أي وضع الميزان لئلا تطغوا، وقيل هي مفسرة، لأن في الوضع ~~معنى القول، والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال الميزان العدل، قال طغيانه ~~الجور ومن قال الميزان الآلة التي يوزن بها، قال طغيانه البخس (ولا تخسروا ~~الميزان) أي لا تنقصوه: أمر سبحانه أولا بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي ~~هو المجاوزة للحد بالزيادة، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس، قرأ ~~الجمهور " تخسروا " بضم التاء وكسر السين من أخسر، وقرأ بلال بن أبي برزة ~~وأبان بن عثمان وزيد بن علي بفتح التاء والسين من خسر، وهما لغتان: يقال ~~أخسرت الميزان وخسرته. ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض ~~فقال (والأرض وضعها للأنام) أي بسطها على الماء لجميع الخلق مما له روح ~~وحياة، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن. قرأ الجمهور بنصب الأرض على ~~الاشتغال، وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء وجملة (فيها فاكهة) في محل ~~نصب على أنها حال من الأرض مقدرة، وقيل ms3808 مستأنفة لتقرير مضمون الجملة التي ~~قبلها، والمراد بها كل ما يتفكه به من أنواع الثمار. ثم أفرد سبحانه النخل ~~بالذكر لشرفه ومزيد فائدته على سائر الفواكه فقال (والنخل ذات الأكمام) ~~الأكمام جمع كم بالكسر، وهو وعاء التمر. قال الجوهري: والكم بالكسر ~~والكمامة وعاء الطلع وغطاء التنور، والجمع كمام وأكمة وأكمام. قال الحسن: ~~ذات الأكمام: أي ذات الليف، فإن النخلة تكسم بالليف وكمامها ليفها، وقال ~~ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق. وقال عكرمة: ذات الأحمال (والحب ذو العصف ~~والريحان) الحب هو جميع ما يقتات من الحبوب والعصف. قال السدى والفراء: هو ~~بقل الزرع، وهو أول ما ينبت به. قال ابن كيسان: يبدو أولا ورقا، وهو العصف، ~~ثم يبدو له ساق، ثم يحدث الله فيه أكماما، ثم يحدث في الأكمام الحب. قال ~~الفراء: والعرب تقول خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا قال ~~الصحاح. وقال الحسن: العصف التبن، وقال مجاهد: هو ورق الشجر والزرع. وقيل ~~هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس، ومنه قوله - كعصف مأكول -، وقيل هو ~~الزرع الكثير. # يقال قد أعصف الزرع ومكان معصف: أي كثير الزرع، ومنه قول أبي قيس بن ~~الأسلت: PageV05P132 # إذا جمادى منعت قطرها * إن جناني عطن معصف والريحان الورق في قول الأكثر. ~~وقال الحسن وقتادة والضحاك وابن زيد: إنه الريحان الذي يشم. وقال سعيد بن ~~جبير، هو ما قام على ساق. وقال الكلبي: إن العصف هو الورق الذي لا يؤكل، ~~والريحان هو الحب المأكول. وقال الفراء أيضا: العصف المأكول من الزرع، ~~والريحان ما لا يؤكل، وقيل الريحان كل بقلة طيبة الريح. قال ابن الأعرابي: ~~يقال شئ ريحاني وروحاني: أي له روح: وقال في الصحاح الريحان نبت معروف، ~~والريحان الرزق، تقول: خرجت أبتغي ريحان الله. قال النمر بن تولب: # سلام الإله وريحانه * ورحمته وسماء درر وقيل العصف رزق البهائم، والريحان ~~رزق الناس. قرأ الجمهور (والحب ذو العصف والريحان) برفع الثلاثة غطفا على ~~فاكهة. وقرأ ابن عامر وأبو حيوة والمغيرة بنصبهما عطفا على ms3809 الأرض أو على ~~إضمار فعل: أي وخلق الحب ذا العصف والريحان. وقرأ حمزة والكسائي والريحان ~~بالجر عطفا على العصف (فبأي آلاء ربكما تكذبان) الخطاب للجن والإنس، لأن ~~لفظ الأنام يعمهما وغيرهما، ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل. وبهذا قال الجمهور ~~من المفسرين: ويدل عليه قوله فيما سيأتي (سنفرغ لكم أيها الثقلان) ويدل على ~~هذا ما قدمنا في فاتحة هذه السورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأها ~~على الجن والإنس، وقيل الخطاب للإنس، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد ~~بلفظ التثنية كما قدمنا في قوله - ألقيا في جهنم - والآلاء النعم. قال ~~القرطبي: وهو قول جميع المفسرين، واحدها إلى مثل معي وعصى. وقال ابن زيد: ~~إنها القدرة: أي فبأي قدرة ربكما تكذبان، وبه قال الكلبي. وكرر سبحانه هذه ~~الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا للتذكير بها على عادة العرب في ~~الاتساع. قال القتيبي: إن الله عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ~~ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على ~~النعم ويقررهم بها كما تقول لمن تتابع له إحسانك، وهو يكفره: # ألم تكن فقيرا فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ~~ألم تكن راجلا فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا، ومنه قول ~~الشاعر: # لا تقتلي رجلا إن كنت مسلمة * إياك من دمه إياك إياك قال الحسين بن ~~الفضل: التكرير طرد للغفلة وتأكيد للحجة (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) ~~لما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير، وهو السماء والأرض وما فيهما ذكر خلق ~~العالم الصغير، والمراد بالإنسان هنا آدم. قال القرطبي: باتفاق من أهل ~~التأويل، ولا يبعد أن يراد الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم ~~آدم، والصلصال الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وقيل هو طين خلط برمل، ~~وقيل هو الطين المنتن يقال: صل اللحم وأصل إذا أنتن، وقد تقدم بيانه في ~~سورة الحجر، والفخار الخزف الذي طبخ بالنار، والمعنى: أنه خلق الإنسان من ~~طين يشبه ms3810 في يبسه الخزف (وخلق الجان من مارج من نار) يعنى خلق أبا الجن أو ~~جنس الجن من مارج من نار، والمارج اللهب الصافي من النار، وقيل الخالص ~~منها، وقيل لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وقال الليث: المارج ~~الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد. قال المبرد: المارج النار المرسلة التي ~~لا تمنع، وقال أبو عبيدة: المارج خلط النار، من مرج إذا اختلط واضطرب. قال ~~الجوهري: مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى (رب ~~PageV05P133 # المشرقين ورب المغربين) قرأ الجمهور " رب " بالرفع على إنه خبر مبتدإ ~~محذوف: أي هو رب المشرقين والمغربين، وقيل مبتدأ وخبره - مرج البحرين - وما ~~بينهما اعتراض، والأول أولى، والمراد بالمشرقين مشرقا الشتاء والصيف، ~~وبالمغربين مغرباهما (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن في ذلك من النعم ما لا ~~يحصى ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده (مرج البحرين ~~يلتقيان) المرج التخلية والإرسال، يقال: مرجت الدابة: إذا أرسلتها، وأصله ~~الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى، والمعنى: أنه أرسل كل واحد منهما، ~~يلتقيان: أي يتجاوران لافصل بينهما في مرأى العين، ومع ذلك فلم يختلطا، ~~ولهذا قال (بينهما برزخ) أي حاجز يحجز بينهما (لا يبغيان) أي لا يبغي ~~أحدهما على الآخر بأن يدخل فيه ويختلط به. قال الحسن وقتادة: هما بحر فارس ~~والروم. وقال ابن جريج: هما البحر المالح والأنهار العذبة، وقيل بحر المشرق ~~والمغرب، وقيل بحر اللؤلؤ والمرجان، وقيل بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد ~~بن جبير: يلتقيان في كل عام، وقيل يلتقي طرفاهما. وقوله (يلتقيان) في محل ~~نصب على الحال من البحرين، وجملة (بينهما برزخ) يجوز أن تكون مستأنفة، وأن ~~تكون حالا (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر ~~تكذيبها بحال (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان). قرأ الجمهور " يخرج " بفتح ~~الياء وضم الراء مبنيا للفاعل، وقرأ نافع وأبو عمرو بضم الياء وفتح الراء ~~ومبنيا للمفعول، واللؤلؤ: الدر، والمرجان: ms3811 الخرز الأحمر المعروف. وقال ~~الفراء: اللؤلؤ العظام، والمرجان ما صغر. قال الواحدي: وهو قول جميع أهل ~~اللغة. وقال مقاتل والسدي ومجاهد: اللؤلؤ صغاره، والمرجان كباره، وقال ~~(يخرج منهما) وإنما يخرج ذلك من المالح لا من العذب لأنه إذا خرج من أحدهما ~~فقد حرج منهما، كذا قال الزجاج وغيره. وقال أبو علي الفارسي: هو من باب حذف ~~المضاف: أي من أحدهما كقوله - على رجل من القريتين عظيم -. وقال الأخفش: ~~زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب، وقيل هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ~~ومن الآخر المرجان، وقيل هما بحر السماء وبحر الأرض، فإذا وقع ماء السماء ~~في صدف البحر انعقد لؤلؤا فصار خارجا منهما (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن ~~في ذلك من الآيات مالا يستطيع أحد تكذيبه ولا يقدر على إنكاره (وله الجوار ~~المنشآت في البحر كالأعلام) المراد بالجوار: السفن الجارية في البحر، ~~والمنشآت: المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض وركب حتى ارتفعت وطالت حتى ~~صارت في البحر كالأعلام وهي الجبال، والعلم: الجبل الطويل. # وقال قتادة: المنشآت المخلوقات للجري. وقال الأخفش: المنشآت المجريات، ~~وقد مضى بيان الكلام في هذا في سورة الشورى. قرأ الجمهور " الجوار " بكسر ~~الراء وحذف الياء لالتقاء الساكنين، وقرأ ابن مسعود والحسن وأبو عمرو في ~~رواية عنه برفع الراء تناسيا للحذف، وقرأ يعقوب بإثبات الياء، وقرأ الجمهور ~~" المنشآت " بفتح الشين، وقرأ حمزة وأبو بكر في رواية عنه بكسر الشين (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان) فإن ذلك من الوضوح والظهور بحيث لا يمكن تكذيبه ولا ~~إنكاره. # وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (الشمس والقمر بحسبان) قال: بحساب ~~ومنازل يرسلان. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عنه (والأرض وضعها للأنام) ~~قال: للناس. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ~~للخلق. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: كل شئ فيه روح. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا (والنخل ذات الأكمام) قال: أوعية ms3812 الطلع. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (والحب ذو العصف) قال: التبن (والريحان) ~~قال خضرة الزرع. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: (العصف) ورق الزرع إذا يبس ~~(والريحان) PageV05P134 # ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا قال (العصف) الزرع أول ما يخرج بقلا (والريحان) حين ~~يستوي على سوقه ولم يسنبل. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: كل ريحان في ~~القرآن فهو رزق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان) قال: يعني بأي نعمة الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه أيضا في الآية قال: يعني الجن والإنس. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أيضا (من مارج من نار) قال: ~~من لهب النار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية ~~قال: خالص النار. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (رب المشرقين ورب المغربين) قال: الشمس ~~مطلع في الشتاء، ومغرب في الشتاء، ومطلع في الصيف، ومغرب في الصيف غير ~~مطلعها في الشتاء وغير مغربهما في الشتاء. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: مشرق الفجر ومشرق الشفق، ومغرب ~~الشمس ومغرب الشفق. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (مرج البحرين ~~يلتقيان) قال: أرسل البحرين (بينهما برزخ) قال: (حاجز) (لا يبغيان) لا ~~يختلطان. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: بحر السماء وبحر الأرض. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (بينهما برزخ لا يبغيان) قال: بينهما من ~~البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) قال: # إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر ~~السماء فهو اللؤلؤ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن علي ms3813 بن أبي طالب قال: ~~المرجان عظام اللؤلؤ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: اللؤلؤ: # ما عظم منه، والمرجان: اللؤلؤ الصغار. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال: المرجان الخرز ~~الأحمر. # سورة الرحمن (26 - 45) PageV05P135 # قوله (كل من عليها فان) أي كل من على الأرض من الحيوانات هالك، وغلب ~~العقلاء على غيرهم فعبر عن الجميع بلفظ من، وقيل أراد من عليها من الجن ~~والإنس (ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام) الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ~~ووجوده، وقد تقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا، وقيل: معنى (يبقى وجه ربك) ~~تبقى حجته التي يتقرب بها إليه، والجلال: العظمة والكبرياء، واستحقاق صفات ~~المدح، يقال جل الشئ: أي عظم، وأجللته: أي أعظمته، وهو اسم من جل. ومعنى ذو ~~الإكرام: أنه يكرم عن كل شئ لا يليق به، وقيل إنه ذو الأكرام لأوليائه، ~~والخطاب في قوله ربك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح له. # قرأ الجمهور " ذو الجلال " على أنه صفة لوجه، وقرأ أبي وابن مسعود: ذي ~~الجلال على أنه صفة لرب (فبأي آلاء ربكما تكذبان) وجه النعمة في فناء الخلق ~~أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب. وقال مقاتل: وجه النعمة في ~~فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام (يسأله من في ~~السماوات والأرض) أي يسألونه جميعا لأنهم محتاجون إليه لا يستغني عنه أحد ~~منهم. قال أبو صالح: يسأله أهل السماوات المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل ~~الأرض يسألونه الأمرين جميعا. وقال مقاتل: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة ~~وتسأل لهم الملائكة أيضا الرزق والمغفرة، وكذا قال ابن جريج. وقيل يسألونه ~~الرحمة. قال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض. والحاصل أنه ~~يسأله كل مخلوق من مخلوقاته بلسان المقال أو لسان الحال ما يطلبونه من خيري ~~الدارين أو من خير إحداهما (كل يوم هو في شأن) انتصاب كل بالاستقرار الذي ~~تضمنه الخبر، والتقدير: استقر سبحانه في شأن ms3814 كل وقت من الأوقات، واليوم ~~عبارة عن الوقت، والشأن هو الأمر، ومن جملة شؤونه سبحانه إعطاء أهل ~~السماوات والأرض ما يطلبونه منه على اختلاف حاجاتهم وتباين أغراضهم. قال ~~المفسرون: من شأنه أنه يحيى ويميت، ويرزق ويفقر، ويعز ويذل، ويمرض ويشفي، ~~ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب إلى غير ذلك مما لا يحصى. وقيل المراد باليوم ~~المذكور هو يوم الدنيا ويوم الآخرة. قال ابن بحر: الدهر كله يومان: أحدهما ~~مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة. وقيل المراد كل يوم من أيام الدنيا ~~(فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن اختلاف شؤونه سبحانه في تدبير عباده نعمة لا ~~يمكن جحدها، ولا يتيسر لمكذب تكذيبها (سنفرغ لكم أيه الثقلان) هذا وعيد ~~شديد من الله سبحانه للجن والإنس. قال الزجاج والكسائي وابن الأعرابي وأبو ~~علي الفارسي: إن الفراغ ها هنا ليس هو الفراغ من شغل، ولكن تأويله القصد: ~~أي سنقصد لحسابكم. قال الواحدي حاكيا عن المفسرين: إن هذا تهديد منه سبحانه ~~لعباده، ومن هذا قول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك أي أقصدك قصدك، ~~وفرغ يجئ بمعنى قصد، وأنشد ابن الأنباري قول الشاعر: الآن وقد فرغت إلى ~~نمير * فهذا حين كنت له عذابا * يريد وقد قصدت، وأنشد النحاس قول الشاعر: ~~فرغت إلى العبد المقيد في الحجل * أي قصدت وقيل: إن الله سبحانه وعد على ~~التقوى وأوعد على المعصية، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما ~~وعدناه، وبه قال الحسن ومقاتل وابن زيد، ويكون الكلام على طريق التمثيل. ~~قرأ الجمهور " سنفرغ " بالنون PageV05P136 # وضم الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية مفتوحة مع ضم الراء: أي سيفرغ ~~الله، وقرأ الأعرج بالنون مع فتح الراء. قال الكسائي: هي لغة تميم، وقرأ ~~عيسى الثقفي بكسر النون وفتح الراء، وقرأ الأعمش وإبراهيم بضم الياء وفتح ~~الراء على البناء للمفعول، وسمى الجن والإنس ثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى ~~غيرهما من حيوانات الأرض، وقيل سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء ~~وأمواتا كما في قوله - وأخرجت الأرض أثقالها - وقال جعفر الصادق: سميا ~~ثقلين ms3815 لأنهما مثقلان بالذنوب، وجمع في قوله " لكم " ثم قال " أيه الثقلان " ~~لأنهما فريقان، وكل فريق جمع. قرأ الجمهور " أيه الثقلان " بفتح الهاء، ~~وقرأ أهل الشام بضمها (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من جملتها ما في هذا ~~التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسئ عن إساءته، ويزداد به المحسن ~~إحسانا فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو النعيم في الحقيقة ~~(يا معشر الجن والإنس) قدم الجن هنا لكون خلق أبيهم متقدما على خلق آدم، ~~ولوجود جنسهم قبل جنس الإنس (إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض) أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هربا من ~~قضاء الله وقدره (فانفذوا) منها وخلصوا أنفسكم، يقال نفذ الشئ من الشئ: إذا ~~خلص منه كما يخلص السهم (لا تنفذون إلا بسلطان) أي لا تقدرون على النفوذ ~~إلا بقوة وقهر ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة، والسلطان: القوة التي يتسلط ~~بها صاحبها على الأمر، والأمر بالنفوذ: أمر تعجيز. قال الضحاك: بينما الناس ~~في أسواقهم إذ انفتحت السماء ونزلت الملائكة فهرب الجن والإنس فتحدق بهم ~~الملائكة، فذلك قوله - لا تنفذون إلا بسلطان -. قال ابن المبارك: إن ذلك ~~يكون في الآخرة. وقال الضحاك أيضا: معنى الآية: إن استطعتم أن تهربوا من ~~الموت فاهربوا. وقيل إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فأعلموه ~~ولن تعلموه إلا بسلطان: أي ببينة من الله. وقال قتادة: معناها لا تنفذوا ~~إلا بملك وليس لكم ملك. وقيل الباء بمعنى إلى: أي لا تنفذون إلا إلى سلطان ~~(فبأي آلاء ربكما تكذبان) ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير ~~والتهديد، فإنها تزيد المحسن إحسانا، وتكف المسئ عن إساءته، مع أن من حذركم ~~وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة (يرسل عليكما شواظ من نار) قرأ ~~الجمهور " يرسل " بالتحتية مبنيا للمفعول، وقرأ زيد بن علي بالنون ونصب " ~~شواظ " والشواظ: اللهب الذي لا دخان معه. وقال مجاهد: # الشواظ اللهب الأخضر المتقطع من النار. وقال الضحاك: هو الدخان الذي ms3816 يخرج ~~من اللهب ليس بدخان الحطب، وقال الأخفش وأبو عمرو: هو النار والدخان جميعا. ~~قرأ الجمهور: " شواظ " بضم الشين، وقرأ ابن كثير بكسرها وهما لغتان، وقرأ ~~الجمهور (ونحاس) بالرفع عطفا على شواظ، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد ~~وأبو عمرو بخفضه عطفا على نار، وقرأ الجمهور " نحاس " بضم النون، وقرأ ~~مجاهد وعكرمة وحميد وأبو العالية بكسرها. وقرأ مسلم بن جندب والحسن " ونحس ~~" والنحاس: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. # وقال سعيد بن جبير: هو الدخان الذي لا لهب له، وبه قال الخليل. وقال ~~الضحاك: هو دردي الزيت المغلي. # وقال الكسائي هو النار التي لها ريح شديدة، وقيل هو المهل (فلا تنتصران) ~~أي لا تقدران على الامتناع من عذاب الله (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من ~~جملتها هذا الوعيد الذي يكون به الانزجار عن الشر والرغوب في الخير (فإذا ~~انشقت السماء) أي انصدعت بنزول الملائكة يوم القيامة (فكانت وردة كالدهان) ~~أي كوردة حمراء. # قال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى فكانت حمراء، وقيل فكانت كلون الفرس ~~الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة. قال الفراء وأبو عبيدة: ~~تصير السماء كالأديم لشدة حر النار. وقال الفراء أيضا: شبه تلون السماء ~~بتلون الورد من الخيل، وشبه الورد في ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه، ~~والدهان جمع دهن، وقيل المعنى PageV05P137 # تصير السماء في حمرة الورد، وجريان الدهن: أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير ~~حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لذوبانها، وقيل الدهان الجلد ~~الأحمر. وقال الحسن كالدهان: أي كصبيب الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ~~ألوانا. وقال زيد بن أسلم: إنها تصير كعصير الزيت. قال الزجاج: إنها اليوم ~~خضراء وسيكون لها لون أحمر. قال الماوردي: وزعم المتقدمون أن أصل لون ~~السماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق ~~(فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من جملتها ما في هذا التهديد والتخويف من حسن ~~العاقبة بالإقبال على الخير والإعراض عن الشر (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جان) ms3817 أي يوم تنشق السماء لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجن عن ذنبه، ~~لأنهم يعرفون بسيماهم عند خروجهم من قبورهم، والجمع بين هذه الآية وبين مثل ~~قوله - فوربك لنسألنهم أجمعين - أن ما هنا يكون في موقف والسؤال في موقف ~~آخر من مواقف القيامة: # وقيل إنهم لا يسألون هنا سؤال استفهام عن ذنوبهم، لأن الله سبحانه قد ~~أحصى الأعمال وحفظها على العباد، ولكن يسألون سؤال توبيخ وتقريع، ومثل هذه ~~الآية قوله - ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون - قال أبو العالية: # المعنى لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. وقيل إن عدم السؤال هو عند ~~البعث، والسؤال هو في موقف الحساب (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من جملتها ~~هذا الوعيد الشديد لكثرة ما يترتب عليه من الفوائد مع (يعرف المجرمون ~~بسيماهم) هذه الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال. السيما: العلامة. قال ~~الحسن: سيماهم سواد الوجوه وزرقة الأعين، كما في قوله - ونحشر المجرمين ~~يومئذ زرقا - وقال - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه - وقيل سيماهم ما يعلوهم من ~~الحزن والكآبة (فيؤخذ بالنواصي والأقدام) الجار والمجرور في محل رفع على ~~أنه النائب، والنواصي شعور مقدم الرؤوس، والمعنى: أنها تجعل الأقدام مضمومة ~~إلى النواصي، وتلقيهم الملائكة في النار. قال الضحاك: يجمع بين ناصيته ~~وقدمه في سلسلة من وراء ظهره، وقيل تسحبهم الملائكة إلى النار، تارة تأخذ ~~بنواصيهم وتجرهم على وجوههم، وتارة تأخذ بأقدامهم وتجرهم على رؤوسهم (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان) فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد والوعيد البالغ الذي ~~ترجف له القلوب وتضطرب لهو له الأحشاء هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون) أي ~~يقال لهم عند ذلك هذه جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها مع أنكم كنتم ~~تكذبون بها وتقولون إنها لا تكون، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه ~~قيل: فماذا يقال لهم عند الآخذ بالنواصي والأقدام. فقيل يقال لهم هذه جهنم ~~تقريعا لهم وتوبيخا (يطوفون بينها) أي بين جهنم فتحرقهم (وبين حميم آن) ~~فتصب على وجوههم، والحميم: الماء الحار، والآن: الذي قد انتهى حره وبلغ ~~غايته. كذا ms3818 قال الفراء. # قال الزجاج: أنى يأتي أنى فهو آن: إذا انتهى في النضج والحرارة، ومنه قول ~~النابغة الذبياني: # وتخضب لحية غدرت وخانت * بأحمر من نجيع الجوف آن وقيل هو واد من أودية ~~جهنم يجمع فيه صديد. أهل النار، فيغمسون فيه. قال قتادة: يطوفون مرة في ~~الحميم ومرة بين الجحيم (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من جملتها النعمة ~~الحاصلة بهذا التخويف وما يحصل به من الترغيب في الخير والترهيب عن الشر. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن ~~مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (ذو الجلال ~~والإكرام) قال: ذو الكبرياء والعظمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~(يسأله من في السماوات) قال: مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة كل يوم ~~هو في ذلك. # وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ ~~في العظمة وابن منده وابن مردويه PageV05P138 # وأبو نعيم وابن عساكر عن عبد الله بن منيب قال " تلا علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم هذه الآية (كل يوم هو في شأن) فقلنا: يا رسول الله وما ~~ذلك الشأن؟ قال: أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين ". وأخرج ~~البخاري في تاريخه وابن ماجة وابن أبي عاصم والبزار وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن حيان والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن ~~عساكر والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الآية قال " من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين " ~~زاد البزار " ويجيب داعيا " وقد رواه البخاري تعليقا، وجعله من كلام أبي ~~الدرداء. وأخرج البزار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الآية قال: يغفر ذنبا ويفرج كربا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (سنفرغ لكم أيه ~~الثقلان) قال: هذا وعيد من الله لعباده، وليس ms3819 بالله شغل، وفي قوله (لا ~~تنفذون إلا بسلطان) يقول: لا تخرجون من سلطاني. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه في قوله (يرسل عليكما شواظ من نار) قال: لهب النار ~~(ونحاس) قال: دخان النار. وأخرج ابن جرير عنه أيضا ونحاس: قال الصفر يعذبون ~~به. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (فكانت وردة) يقول حمراء (كالدهان) قال: هو ~~الأديم الأحمر. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا (فكانت وردة كالدهان) قال: مثل لون الفرس الورد. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) قال: ~~لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا، لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم لم عملتم ~~كذا وكذا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عنه ~~أيضا في قوله (فيؤخذ بالنواصي والأقدام) قال: تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه ~~ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (وبين حميم ~~آن) قال: هو الذي انتهى حره. # سورة الرحمن (46 - 78) PageV05P139 # لما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين ذكر نعمه الأخروية ~~التي أنعم بها عليهم: فقال: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) مقامه سبحانه هو ~~الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، كما في قوله - يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين - فالمقام مصدر بمعنى القيام، وقيل المعنى خاف قيام ربه عليه، وهو ~~إشرافه على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله كما في قوله - أفمن هو قائم ~~على كل نفس بما كسبت - قال مجاهد والنخعي: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر ~~الله فيدعها من خوفه. # واختلف في الجنتين، فقال مقاتل: يعني جنة عدن وجنة النعيم، وقيل إحداهما ~~التي خلقت له والأخرى ورثها. وقيل إحداهما منزله والأخرى منزل أزواجه. وقيل ~~إحداهما أسافل القصور والأخرى أعاليها. وقيل جنة للخائف الإنسي، وجنة ~~للخائف الجني، وقيل جنة لفعل الطاعة وأخرى لترك المعصية، وقيل جنة للعقيدة ~~التي يعتقدها، وأخرى للعمل الذي يعمله، ms3820 وقيل جنة بالعمل وجنة بالتفضيل، ~~وقيل جنة روحانية وجنة جسمانية، وقيل جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته، ~~وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة، والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي. قال ~~النحاس: وهذا القول من أعظم الغلظ على كتاب الله، فإن الله يقول (جنتان) ~~ويصفهما بقوله فيهما فيهما الخ (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من جملتها هذه ~~النعمة العظيمة، وهي إعطاء الخائف من مقام ربه جنتين متصفتين بالصفات ~~الجليلة العظيمة (ذواتا أفنان) هذه صفة للجنتان، وما بينهما اعتراض، ~~والأفنان الأغصان، واحدها فنن وهو الغصن المستقيم طولا، وبهذا قال مجاهد ~~وعكرمة وعطية وغيرهم. وقال الزجاج: الأفنان الألوان واحدها فن، وهو الضرب ~~من كل شئ، وبه قال عطاء وسعيد بن جبير، وجمع عطاء بين القولين، فقال في كل ~~غصن فنون من الفاكهة، ومن إطلاق الفنن على الغصن قول النابغة: دعاء حمامة ~~تدعو هديلا * مفجعة على فنن تغنى * وقول الآخر: ما هاج شوقك من هدير حمامة ~~* تدعو على فنن الغصون حماما وقيل معنى (ذواتا أفنان) ذواتا فضل وسعة على ~~ما سواهما، قاله قتادة، وقيل الأفنان: ظل الأغصان على الحيطان، روى هذا عن ~~مجاهد وعكرمة (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن كل واحد منها ليس بمحل للتكذيب ~~ولا بموضع للإنكار (فيهما عينان تجريان) هذا أيضا صفة أخرى لجنتان: أي في ~~كل واحدة منهما عين جارية. قال الحسن: إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم. ~~وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، قيل كل ~~واحدة منهما مثل الدنيا أضعافا مضاعفة (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من ~~جملتها هذه النعمة PageV05P140 # الكائنة في الجنة لأهل السعادة (فيهما من كل فاكهة زوجان) هذا صفة ثالثة ~~لجنتان، والزوجان الصنفان والنوعان، والمعنى: أن في الجنتين من كل نوع ~~يتفكه به ضربين يستلذ بكل نوع من أنواعه، قيل أحد الصنفين رطب والآخر يابس ~~لا يقصر أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن في ~~مجرد تعداد هذه النعم ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل ~~الخير ms3821 والترهيب عن فعل الشر ما لا يخفى على من يفهم، وذلك نعمة عظمي ومنه ~~كبرى، فكيف بالتنعم به عند الوصول إليه (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) ~~انتصاب متكئين على الحال من فاعل قوله (ولمن خاف) وإنما جمع حملا على معنى ~~من، وقيل عاملها محذوف، والتقدير: يتنعمون متكئين. وقيل منصوب على المدح، ~~والفرش جمع فرش، والبطائن: هي التي تحت الظهائر، وهي جمع بطانة. قال ~~الزجاج: هي ما يلي الأرض، والإستبرق: ما غلظ من الديباج، وإذا كانت البطائن ~~من إستبرق فكيف تكون الظهائر؟ قيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق فما ~~الظواهر؟ قال: هذا بما قال الله فيه - فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة ~~أعين - قيل إنما اقتصر على ذكر البطائن، لأنه لم يكن أحد في الأرض يعرف ما ~~في الظهائر. وقال الحسن: بطائنها من إستبرق وظهائرها من نور جامد. وقال ~~الحسن: # البطائن هي الظهائر، وبه قال الفراء: وقال: قد تكون البطانة الظهارة ~~والظهارة البطانة، لأن كل واحد منهما يكون وجها، والعرب تقول هذا ظهر ~~السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه، وأنكر ابن قتيبة هذا، وقال لا ~~يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين (وجنى الجنتين دان) مبتدأ وخبر، ~~والجنى: ما يجتنى من الثمار، قيل إن الشجرة تدنو حتى يجنيها من يريد جناها، ~~ومنه قول الشاعر: # هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه قرأ الجمهور " فرش " بضمتين ~~وقرأ أبو حيوة بضمه وسكون، وقرأ الجمهور " جنى " بفتح الجيم، وقرأ عيسى ابن ~~عمر بكسرها، وقرأ عيسى أيضا بكسر النون على الإمالة (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) فإنها كلها بموضع لا يتيسر لمكذب أن يكذب بشئ منها لما تشتمل عليه ~~من الفوائد العاجلة والآجلة (فيهن قاصرات الطرف) أي في الجنتين المذكورتين. ~~قال الزجاج: وإنما قال فيهن، لأنه عنى الجنتين وما أعد لصاحبهما فيهما من ~~النعيم، وقيل فيهن: أي في الفرش التي بطائنها من إستبرق، ومعنى (قاصرات ~~الطرف) أنهن يقصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، وقد تقدم تفسير ~~هذا ms3822 في سورة الصافات (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) قال الفراء: الطمث ~~الافتضاض وهو النكاح بالتدمية، يقال طمث الجارية: إذا افترعها. قال ~~الواحدي: قال المفسرون لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن قبلهم أحد. قال ~~مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة، والضمير في قبلهم يعود إلى الأزواج المدلول ~~عليه بقاصرات الطرف، وقيل يعود إلى متكئين، والجملة في محل رفع صفة ~~لقاصرات، لأن إضافتها لفظية، وقيل الطمث المس: أي لم يمسسهن قاله أبو عمرو. ~~وقال المبرد: أي لم يذللهن، والطمث التذليل، ومن استعمال الطمث فيما ذكره ~~الفراء قول الفرزدق: # دفعن إلى لم يطمن قبلي * وهن أصح من بيض النعام قرأ الجمهور " يطمثهن " ~~بكسر الميم، وقرأ الكسائي بضمها، وقرأ الجحدري وطلحة بن مصرف بفتحها، وفي ~~هذه الآية بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا ~~آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) فإن في مجرد هذا الترغيب في هذه النعم نعمة جليلة ومنه عظيمة، ~~PageV05P141 # لأن به يحصل الحرص على الأعمال الصالحة والفرار من الأعمال الطالحة فكيف ~~بالوصول إلى هذه النعم وبالتنعم بها في جنات النعيم بلا انقطاع ولا زوال ~~(كأنهن الياقوت والمرجان) هذا صفة لقاصرات، أو حال منهن، شبههن سبحانه في ~~صفاء اللون مع حمرته بالياقوت والمرجان، والياقوت هو الحجر المعروف، ~~والمرجان قد قدمنا الكلام فيه في هذه السورة على الخلاف في كونه صغار الدر، ~~أو الأحمر المعروف. قال الحسن: هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان، وإنما خص ~~المرجان على القول بأنه صغار الدر، لأن صفاءها أشد من صفاء كبار الدر (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان) فإن نعمه كلها لا يتيسر تكذيب شئ منها كائنة ما كانت، ~~فكيف بهذه النعم الجليلة والمنن الجزيلة (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) هذه ~~الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا ~~إلا الإحسان إليه في الآخرة، كذا قال ابن زيد وغيره. قال عكرمة: هل جزاء من ~~قال: لا إله إلا الله إلا الجنة، وقال ms3823 الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في ~~الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في الأبد. قال الرازي: # في هذه الآية وجوه كثيرة حتى قيل: إن في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة ~~منها مائة قول: إحداها قوله تعالى - فاذكروني أذكركم - وثانيها - وإن عدتم ~~عدنا - وثالثها (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان). قال محمد بن الحنفية: # هي للبر والفاجر: البر في الآخرة، والفاجر في الدنيا (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) فإن من جملتها الإحسان إليكم في الدنيا والآخرة بالخلق والرزق ~~والإرشاد إلى العمل الصالح والزجر عن العمل الذي لا يرضاه (ومن دونهما ~~جنتان) أي ومن دون تينك الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدمة جنتان أخريان ~~لمن دون أصحاب الجنتين السابقتين من أهل الجنة، ومعنى من دونهما: أي من ~~أمامهما ومن قبلهما: أي هما أقرب منهما وأدنى إلى العرش، وقيل الجنتان ~~الأوليان جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى. قال ابن ~~جريج: هي أربع جنات: # جنتان منهما للسابقين المقربين - فيهما من كل فاكهة زوجان - وعينان ~~تجريان، وجنتان لأصحاب اليمين - فيهما فاكهة ونخل ورمان - و - فيهما عينان ~~نضاختان: قال ابن زيد: إن الأوليين من ذهب للمقربين، والأخريين من ورق ~~لأصحاب اليمين (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإنها كلها حق ونعم لا يمكن جحدها. ~~ثم وصف سبحانه هاتين الجنتين الأخريين فقال (مدهامتان) وما بينهما اعتراض. ~~قال أبو عبيدة والزجاج: من خضرتهما قد اسودتا من الزي، وكل ما علاه السواد ~~ريا فهو مدهم. قال مجاهد: مسودتان، والدهمة في اللغة: السواد، يقال فرس ~~أدهم وبعير أدهم: إذا اشتدت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) فإن جميعها نعم ظاهره واضحة لا تجحد ولا تنكر (فيهما عينان ~~نضاختان) النضخ فوران الماء من العين، والمعنى: أن في الجنتين المذكورتين ~~عينين فوارتين. قال أهل اللغة: والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ بالحاء ~~المهملة. قال الحسن ومجاهد: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور ~~في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر. وقال سعيد بن جبير: إنها تنضخ بأنواع ~~الفواكه والماء ms3824 (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإنها ليست بموضع للتكذيب ولا ~~بمكان للجحد (فيهما فاكهة ونخل ورمان) هذا من صفات الجنتين المذكورتين ~~قريبا، والنخل والرمان وإن كانا من الفاكهة لكنهما خصصا بالذكر لمزيد ~~حسنهما وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه كما حكاه الزجاج والأزهري ~~وغيرهما. وقيل إنما خصهما لكثرتهما في أرض العرب، وقيل خصهما لأن النخل ~~فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء. وقد ذهب إلى أنهما من جملة الفاكهة ~~جمهور أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة وقد خالفه صاحباه أبو ~~يوسف ومحمد (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإن من جملتها هذه النعم التي في جنات ~~النعيم، ومجرد الحكاية لها أثر في نفوس السامعين وتجذبهم إلى طاعة رب ~~العالمين (فيهن خيرات حسان) قرأ الجمهور " خيرات " PageV05P142 # بالتخفيف، وقرأ قتادة وابن السميفع وأبو رجاء العطاردي وبكر بن حبيب ~~السهمي وابن مقسم والنهدي بالتشديد، فعلى القراءة الأولى هي جمع خيرة بزنة ~~فعلة بسكون العين، يقال امرأة خيرة وأخرى شرة، أو جمع خيرة مخفف خيرة، وعلى ~~القراءة الثانية جمع خيرة بالتشديد. قال الواحدي: قال المفسرون: الخيرات ~~النساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه. قيل وهذه الصفة عائدة إلى الجنان ~~الأربع، ولا وجه لهذا فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات ~~الطرف - كأنهن الياقوت والمرجان - وبين الصفتين بون بعيد (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) فإن شيئا منها كائنا ما كان لا يقبل التكذيب (حور مقصورات في ~~الخيام) أي محبوسات، ومنه القصر، لأنه يحبس من فيه، والحور جمع حوراء وهي ~~شديدة بياض العين شديدة سوادها، وقد تقدم بيان معنى الحوراء والخلاف فيه. ~~وقيل معنى مقصورات: أنهن قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، وحكاه الواحدي ~~عن المفسرين. والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة ومقاتل وغيرهما. قال في ~~الصحاح: قصرت الشئ أقصره قصرا حبسته، والمعنى: أنهن خدرن في الخيام، ~~والخيام جمع خيمة، وقيل جمع خيم، والخيم جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل ~~بالثياب، فتكون أبرد من الأخبية، قيل الخيمة من خيام الجنة درة مجوفة فرسخ ~~في فرسخ، وارتفاع حور على البدلية من ms3825 خيرات (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) ~~قد تقدم تفسيره في صفة الجنتين الأوليين (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فإنها ~~كلها نعم لا تكفر ومنن لا تجحد (متكئين على رفرف خضر) انتصاب متكئين على ~~الحال أو المدح كما سبق، قال أبو عبيدة: الرفارف البسط، وبه قال الحسن ~~ومقاتل والضحاك وغيرهم. وقال ابن عيينة: هي الزرابي. وقال ابن كيسان: هي ~~المرافق. وروى عن أبي عبيدة أنه قال: هي حاشية الثوب. وقال الليث: ضرب من ~~الثياب الخضر وقيل الفرش المرتفعة، وقيل كل ثوب عريض. قال في الصحاح: ~~والرفرف ثياب خضر يتخذ منها المحابس، الواحدة رفرفة. وقال الزجاج: قالوا ~~الرفرف هنا رياض الجنة، وقالوا الرفرف الوسائد، وقالوا الرفوف المحابس اه‍. ~~ومن القائلين بأنها رياض الجنة سعيد بن جبير، واشتقاق الرفرف من رف يرف: ~~إذا ارتفع، ومنه رفرفة الطائر، وهي تحريك جناحيه في الهواء. قرأ الجمهور " ~~رفرف " على الإفراد. وقرأ عثمان بن عفان والحسن والجحدري " رفارف " على ~~الجمع (وعبقري حسان) العبقري الزرابي، والطنافس الموشية. قال أبو عبيدة: كل ~~وشي من البسط عبقري، وهو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي. قال الفراء: ~~العبقري الطنافس الثمان، وقيل الزرابي، وقيل البسط، وقيل الديباج. قال ابن ~~الأنباري: الأصل فيه أن عبقر قرية تسكنها الجن ينسب إليها كل فائق. قال ~~الخليل: العبقري عند العرب كل جليل فاضل فاخر من الرجال والنساء، ومنه قول ~~زهير: تخيل عليها جنة عبقرية * جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا * قال ~~الجوهري: العبقري موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن. قال لبيد كهول وشبان ~~كجنة عبقري ثم نسبوا إليه كل شئ تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته فقالوا ~~عبقري، وهو واحد وجمع. قرأ الجمهور " عبقري " وقرأ عثمان بن عفان والحسن ~~والجحدري " عباقري " وقرئ " عباقر " وهما نسبة إلى عباقر اسم بلد. # وقال قطرب: ليس بمنسوب، وهو مثل كرسي وكراسي وبخني وبخاني. قرأ الجمهور " ~~خضر " بضم الخاء وسكون الصاد، وقرئ بضمهما وهي لغة قليلة (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) فإن كل واحد منها أجل من أن يتطرق إليه التكذيب، وأعظم ms3826 من أن يجحده ~~جاحد أو ينكره منكر، وقد قد منا في أول هذه السورة وجه تكرير هذه الآية فلا ~~نعيده (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام) تبارك تفاعل من البركة. قال ~~الرازي: وأصل التبارك من التبرك، وهو الدوام والثبات، ومنه برك البعير ~~وبركه الماء فإن الماء يكون دائما، والمعنى: دوام اسمه وثبت PageV05P143 # أو دام الخير عنده، لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في ~~الخير، أو يكون معناه علا وارتفع شأنه. # وقيل معناه: تنزيه الله سبحانه وتقديسه، وإذا كان هذا التبارك منسوبا إلى ~~اسمه عز وجل، فما ظنك بذاته سبحانه؟ وقيل الاسم بمعنى الصفة، وقيل هو مقحم ~~كما في قول الشاعر: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وقد تقدم ~~تفسير ذي الجلال والإكرام في هذه السورة. قرأ الجمهور " ذي الجلال " على ~~أنه صفة للرب سبحانه. وقرأ ابن عامر " ذو الجلال " على أنه صفة لاسم. # وقد اخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (ولمن خاف مقام ربه جنتان) قال: ~~وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنة. وأخرج ابن جرير ~~عنه في الآية يقول: خاف ثم اتقى، والخائف: من ركب طاعة الله وترك معصيته. ~~وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عطاء أنها نزلت في أبي بكر. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب مثله. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في ~~الآية قال: لمن خافه في الدنيا. # وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والحاكم والترمذي والنسائي والبزار ~~وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ~~أبي الدرداء " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية (ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان) فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. الثانية (ولمن خاف مقام ربه جنتان) فقلت: وإن زنى وإن ~~سرق، فقال الثالثة (ولمن خاف مقام ربه جنتان) فقلت: وإن زنى وإن سرق، قال: ms3827 ~~نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء ". وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " (ولمن خاف مقام ربه جنتان) فقال أبو ~~الدرداء: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ # قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء ". وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء في قوله (ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان) قال: قيل لأبي الدرداء: وإن زنى وإن سرق؟ # قال: من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق. وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب ~~قال: كنت عند هشام بن عبد الملك، فقال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم (ولمن خاف مقام ربه جنتان) قال أبو هريرة: وإن زنى وإن ~~سرق؟ فقلت: إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا ~~". # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال " جنان الفردوس أربع جنات: جنتان من ذهب حليتهما ~~وأبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وأبنيتهما وما فيهما وما بين ~~القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ". ~~وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله (ولمن خاف مقام ربه جنتان) وفي قوله (ومن دونهما ~~جنتان) قال: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ~~في البعث عن أبي موسى في قوله - ولمن خاف مقام ربه جنتان - قال: جنتان من ~~ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ذواتا أفنان) قال: ذواتا ألوان. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر عنه قال: فن غصونها يمس بعضها بعضا. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عنه أيضا قال: الفن الغصن. ms3828 # وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير ~~وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن مسعود ~~في قوله (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) قال: أخبرتم بالبطائن، ~~PageV05P144 # فكيف بالظهائر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه ~~قيل له بطائنها من إستبرق، فما الظواهر؟ قال: ذلك مما قال الله - فلا تعلم ~~نفس ما أخفى لهم من قرة أعين -. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عنه في قوله (وجنى الجنتين دان) قال: ~~جناها ثمرها، والداني: # القريب منك ما يناله القائم والقاعد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في البعث عنه أيضا في قوله (فيهن قاصرات الطرف) يقول: عن ~~غير أزواجهن (لم يطمثهن) يقول: لم يدن منهن أو لم يدمهن. # وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " في قوله (كأنهن الياقوت ~~والمرجان) قال: تنظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة ~~عليها لتضئ ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوبا وينفذها ~~بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك ". وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري ~~والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان ~~وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء ~~سبعين حلة حتى يرى مخها، وذلك أن الله يقول: كأنهن الياقوت والمرجان، فأما ~~الياقوت فإنه من حجر أو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه " وقد ~~رواه الترمذي موقوفا وقال هو أصح. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي ~~في الشعب وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~في قوله (هل جزاء الإحسان ms3829 إلا الإحسان) قال: ما جزاء من أنعمت عليه ~~بالتوحيد إلا الجنة ". وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبغوي في ~~تفسيره، والديلمي في مسند الفردوس، وابن النجار في تاريخه عن أنس مرفوعا ~~مثله. وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعا في الآية قال: " هل جزاء من أنعمنا ~~عليه بالإسلام إلا أن أدخله الجنة ". وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي بن ~~أبي طالب مرفوعا مثل حديث ابن عمر. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ~~قوله - هل جزاء الإحسان إلا الإحسان - قال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله ~~في الدنيا إلا الجنة في الآخرة. وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه ~~والديلمي والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " أنزل الله على هذه الآية في سورة الرحمن للكافر والمسلم: ~~هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ". وأخرجه ابن مردويه موقوفا على ابن عباس. ~~وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ~~في قوله (مدهامتان) قال: هما خضراوان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية ~~قال: قد اسودتا من الخضرة من الري من الماء. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة ~~وهناد وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج ~~الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: سألت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن قوله (مدهامتان) قال: خضراوان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عن ابن عباس (نضاختان) قال: فائضتان. # وأخرج عبد بن حميد عنه قال: ينضخان بالماء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي ~~الدنيا في صفة الجنة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود ~~في قوله (خيرات حسان) قال: لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة ~~أبواب يدخل عليها من الله كل يوم تحفة وكرامة وهدية لم تكن قبل ذلك، لا ~~مراحات ولا طماحات ولا بخرات ولا ms3830 دفرات، حور عين كأنهن بيض مكنون. وأخرجه ~~ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعا. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (حور) قال: بيض (مقصورات) قال: محبوسات (في الخيام) قال: في بيوت ~~اللؤلؤ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن PageV05P145 # أبي حاتم قال: الحور سود الحدق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " الخيام در مجوف ". وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم " الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا، في كل زاوية منها ~~للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن ". وأخرج الفريابي وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (متكئين على رفرف) قال: ~~فضول المحابس والفرش والبسط. وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب قال: هي ~~فضول المحابس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في البعث ~~من طرق عن ابن عباس (رفرف خضر) قال: المحابس (وعبقري حسان) قال: الزرابي. ~~وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال: الرفرف الرياض، والعبقري الزرابي. # تفسير سورة الواقعة هي سبع وتسعون، أو ست وتسعون آية وهي مكية في قول ~~الحسن وعكرمة وجابر عطاء. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها نزلت ~~بالمدينة وهي قوله تعالى (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) وقال الكلبي: إنها ~~مكية إلا أربع آيات منها، وهي (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون) وقوله (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين). وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة ~~الواقعة بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج أبو عبيد في ~~فضائله وابن الضريس والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلي وابن مردويه والبيهقي ~~في الشعب عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من ~~قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه ms3831 فاقة أبدا ". وأخرج ابن عساكر عن ابن ~~عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " سورة الواقعة سورة الغنى، ~~فاقرءوها وعلموها أولادكم ". وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " علموا نساءكم سورة الواقعة فإنها سورة الغنى "، وقد ~~تقدم قوله صلى الله عليه وآله وسلم " شيبتني هود والواقعة " اه‍. # سورة الواقعة (1 - 26) PageV05P146 # قوله (إذا وقعت الواقعة) الواقعة اسم للقيامة كالآزفة وغيرها، وسميت ~~واقعة لأنها كائنة لا محالة، أو لقرب وقوعها، أو لكثرة ما يقع فيها من ~~الشدائد، وانتصاب إذا بمضمر: أي أذكر وقت وقوع الواقعة، أو بالنفي المفهوم ~~من قوله (ليس لوقعتها كاذبة) أي لا يكون عند وقوعها تكذيب، والكاذبة مصدر ~~كالعاقبة: أي ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلا، وقيل إذا شرطية وجوابها مقدر: ~~أي إذا وقعت كان كيت وكيت، والجواب هذا هو العامل فيها، وقيل إنها شرطية، ~~والعامل فيها الفعل الذي بعدها، واختار هذا أبو حيان، وقد سبقه إلى هذا مكي ~~فقال: والعامل وقعت. قال المفسرون: والواقعة هنا هي النفخة الآخرة، ومعنى ~~الآية: أنها إذا وقعت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلا، ~~أو لا يكون هناك نفس تكذب على الله وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة. قال ~~الزجاج: ليس لوقعتها كاذبة: أي لا يردها شئ، وبه قال الحسن وقتادة. وقال ~~الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقال الكسائي: ليس لها تكذيب: أي لا ~~ينبغي أن يكذب بها أحد (خافضة رافعة) قرأ الجمهور برفعهما على إضمار مبتدإ: ~~أي هي خافضة رافعة. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي بنصبهما على الحال. قال عكرمة ~~والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى: # أي أسمعت القريب والبعيد. وقال قتادة: خفضت أقواما في عذاب الله، ورفعت ~~أقواما إلى طاعة الله. وقال محمد بن كعب: خفضت أقواما كانوا في الدنيا ~~مرفوعين، ورفعت أقواما كانوا في الدنيا مخفوضين، والعرب تستعمل الخفض ~~والرفع في المكان والمكانة والعز والإهانة، ونسبة الخفض والرفع إليها على ~~طريق ms3832 المجاز، والخافض والرافع في الحقيقة هو الله سبحانه (إذا رجت الأرض ~~رجا) أي إذا حركت حركة شديدة، يقال رجه يرجه رجا إذا حركه، والرجة ~~الاضطراب، وارتج البحر اضطرب. قال المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد ~~حتى ينهدم كل ما عليها وينكسر كل شئ من الجبال وغيرها. قال قتادة ومقاتل ~~ومجاهد: معنى رجت زلزلت، والظرف متعلق بقوله " خافضة رافعة " أي تخفض وترفع ~~وقت رج الأرض وبس الجبال، لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض وينخفض ما هو ~~مرتفع، وقيل إنه بدل من الظرف الأول ذكره الزجاج، فيكون معنى وقوع الواقعة ~~هو رج الأرض، وبس الجبال (وبست الجبال بسا) البس: الفت، يقال: بس الشئ إذا ~~فته حتى يصير فتاتا، ويقال بس السويق: إذا لته بالسمن أو بالزيت. قال مجاهد ~~ومقاتل: المعنى أن الجبال فتتت فتا. # وقال السدى: كسرت كسرا. وقال الحسن: قلعت من أصلها. وقال مجاهد أيضا: بست ~~كما يبس الدقيق بالسمن أو بالزيت، والمعنى: أنها خلطت فصارت كالدقيق ~~الملتوت. وقال أبو زيد: البس السوق، والمعنى على هذا: سيقت الجبال سوقا. ~~قال أبو عبيد: بس الإبل وأبسها لغتان: إذا زجرها. وقال عكرمة: المعنى هدت ~~هدا (فكانت هباء منبثا) أي غبارا متفرقا منتشرا. قال مجاهد: الهباء الشعاع ~~الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار، وقيل هو الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ~~ثم يذهب، وقيل ما تطاير من النار إذا اضطرمت على PageV05P147 # سورة الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا، وقد تقدم بيانه في الفرقان عند تفسير ~~قوله - فجعلناه هباء منثورا - قرأ الجمهور " منبثا " بالمثلثة. وقرأ مسروق ~~والنخعي وأبو حيوة بالتاء المثناة من فوق: أي منقطعا، من قولهم بته الله: # أي قطعه. ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال (وكنتم أزواجا ثلاثة) ~~والخطاب لجميع الناس أو للأمة الحاضرة، والأزواج الأصناف، والمعنى: وكنتم ~~في ذلك اليوم أصنافا ثلاثة. ثم فسر سبحانه هذه الأصناف فقال (فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة) أي أصحاب اليمين، وهم الذين يأخذون كتبهم ~~بأيمانهم، أو الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ms3833 وأصحاب الميمنة مبتدأ، ~~وخبره: ما أصحاب الميمنة: أي أي شئ هم في حالهم وصفتهم، والاستفهام للتعظيم ~~والتفخيم، وتكرير المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير الرابط، كما في قوله - ~~الحاقة ما الحاقة - - والقارعة ما القارعة - ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع ~~التفخيم والتعظيم (و) الكلام في (أصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة) كالكلام ~~في أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، والمراد الذي يؤخذ بهم ذات الشمال إلى ~~النار أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمالهم، والمراد تعجيب السامع من حال ~~الفريقين في الفخامة والفظاعة، كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة ~~وحسن الحال، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وسوء الحال. وقال السدي: ~~أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وأصحاب ~~المشأمة هم الذين كانوا عن شماله. وقال زيد ابن أسلم: أصحاب الميمنة هم ~~الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، وأصحاب المشامة هم الذين أخذوا من شقة ~~الأيسر. # وقال ابن جريج: أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل ~~السيئات. وقال الحسن والربيع: # أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة ~~هم المشائيم على أنفسهم بالأعمال القبيحة. # وقال المبرد: أصحاب الميمنة أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر، ~~والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك: أي اجعلني من المتقدمين ~~ولا تجعلني من المتأخرين، ومنه قول ابن الدمينة: # أبنيتي أفي يمنى يديك جعلتني * فأفرح أم صيرتني في شمالك ثم ذكر سبحانه ~~الصنف الثالث فقال (والسابقون السابقون) والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم كما ~~مر في القسمين الأولين، كما تقول أنت أنت وزيد زيد، والسابقون مبتدأ، وخبره ~~السابقون. وفيه تأويلان: أحدهما أنه بمعنى السابقون هم الذين اشتهرت حالهم ~~بذلك. والثاني أن متعلق السابقين مختلف، والتقدير: والسابقون إلى الإيمان ~~السابقون إلى الجنة. والأول أولى لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم. ~~قال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كلامه. وقال محمد بن كعب: ~~إنهم الأنبياء. وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين. # وقال مجاهد: هم الذين سبقوا إلى ms3834 الجهاد، وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن ~~جبير: هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر. وقال الزجاج: المعنى والسابقون ~~إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله. قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث ~~مع كونه أشرف من الصنفين الأولين هو أن يقترن به وما بعده، وهو قوله (أولئك ~~المقربون في جنات النعيم) فالإشارة هي إليهم: أي المقربون إلى جزيل ثواب ~~الله وعظيم كرامته، أو الذين قربت درجاتهم وأعليت مراتبهم عند الله. وقوله ~~" في جنات النعيم " متعلق بالمقربون: أي مقربون عند الله في جنات النعيم. ~~ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأولئك، وأن يكون حالا من الضمير في المقربون: أي ~~كائنين فيها. قرأ الجمهور " في جنات " بالجمع، وقرأ طلحة بن مصرف " في جنة ~~" بالإفراد، وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه كما ~~يقال: دار الضيافة ودار الدعوة ودار العدل، وارتفاع (ثلة من الأولين) على ~~أنه خبر مبتدإ محذوف: أي PageV05P148 # هم ثلة، والثلة الجماعة التي لا يحصر عددها. قال الزجاج: معنى ثلة معنى ~~فرقة، من ثللت الشئ: إذا قطعته، والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن ~~آدم إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم (وقليل من الآخرين) أي من هذه ~~الأمة، وسموا قليلا بالنسبة إلى من كان قبلهم، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء ~~فيهم وكثرة من أجابهم. قال الحسن: # سابقو من مضى أكثر من سابقينا. قال الزجاج: الذين عاينوا جميع الأنبياء ~~وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يخالف هذا ما ~~ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اني لأرجو أن تكونوا ربع ~~أهل الجنة، ثم قال: ثلث أهل الجنة، ثم قال: نصف أهل الجنة " لأن قوله " ثلة ~~من الأولين وقليل من الآخرين " إنما هو تفصيل للسابقين فقط كما سيأتي في ~~ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين وثلة من الأخرين، فلا يمتنع أن يكون ~~في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم، فيجتمع ~~من قليل سابقي ms3835 هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة، ~~والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما لجواز أن يقال: ~~هذه الثلة أكثر من هذه الثلة كما يقال: هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة ~~وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة، وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة. وبهذا ~~تعرف أنه لم يصب من قال إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور. ثم ذكر ~~سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين فقال (على سرر موضونة) قرأ الجمهور " ~~سرر " بضم السين والراء الأولى، وقرأ أبو السماك وزيد بن علي بفتح الراء، ~~وهي لغة كما تقدم، والموضونة المنسوجة، والوضن: النسخ المضاعف. قال ~~الواحدي: قال المفسرون: منسوخة بقضبان الذهب، وقيل مشبكة بالدر والياقوت ~~والزبرجد، وقيل إن الموضونة المصفوفة. وقال مجاهد: الموضونة المرمولة ~~بالذهب، وانتصاب (متكئين عليها) على الحال، وكذا انتصاب (متقابلين) ~~والمعنى: مستقرين على سرر متكئين عليها متقابلين لا ينظر بعضهم قفا بعض ~~(يطوف عليهم ولدان مخلدون) الجملة في محل نصب على الحال من المقربين، أو ~~مستأنفة لبيان بعض ما أعد الله لهم من النعيم، والمعنى يدور حولهم للخدمة ~~غلمان لا يهرمون ولا يتغيرون، بل شكلهم شكل الولدان دائما. قال مجاهد: ~~المعنى لا يموتون. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمون ولا يتغيرون. قال الفراء: ~~والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد. وقال سعيد بن جبير: مخلدون ~~مقرطون. قال الفراء: # ويقال مخلدون مقرطون، يقال خلد جاريته: إذا حلاها بالخلدة، وهي القرطة. ~~وقال عكرمة: مخلدون منعمون، ومنه قول امرئ القيس: # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد * قليل الهموم ما يبيت بأوجال وقيل مستورون ~~بالحلية، وروى نحوه عن الفراء، ومنه قول الشاعر: # ومخلدات باللجين كأنما * أعجازهن أقاوز الكثبان * وقيل مخلدون ممنطقون، ~~قيل وهم ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة، وقيل هم ~~أطفال المشركين، ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة، ~~والأكواب: هي الأقداح المستديرة الأفواه التي لا آذان لها ولا عرى، وقد مضى ~~بيان معناها في سورة الزخرف، والأباريق: هي ms3836 ذات العرى والخراطيم، واحدها ~~إبريق، وهو الذي يبرق لونه من صفائه (وكأس من معين) أي من خمر جارية أو من ~~ماء جار، والمراد به ها هنا الخمر الجارية من العيون، وقد تقدم بيان معنى ~~الكأس في سورة الصافات (لا يصدعون عنها) أي لا تتصدع رؤوسهم من شربها كما ~~تتصدع من شرب خمر الدنيا. والصداع هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان ~~PageV05P149 # في رأسه، وقيل معنى لا يصدعون لا يتفرقون كما يتفرق الشراب، ويقوى هذا ~~المعنى قراءة مجاهد " يصدعون " بفتح الياء وتشديد الصاد، والأصل يتصدعون: ~~أي يتفرقون، والجملة مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم من النعيم، أو في محل ~~نصب على الحال، وجملة (ولا ينزفون) معطوفة على الجملة التي قبلها، وقد تقدم ~~اختلاف القراء في هذا الحرف في سورة الصافات، وكذلك تقدم تفسيره: أي لا ~~يسكرون فتذهب عقولهم، من أنزف الشارب: إذا نفذ عقله أو شرابه، ومنه قول ~~الشاعر: # لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم * لبئس الندامى كنتم آل أبجرا (وفاكهة مما ~~يتخيرون) أي يختارونه، يقال: تخيرت الشئ: إذا أخذت خيره. قرأ الجمهور " ~~وفاكهة " بالجر (و) كذا (لحم) عطفا على أكواب: أي يطوفون عليهم بهذه ~~الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به. وقرأ زيد ابن علي وأبو عبد الرحمن ~~برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر: أي ولهم فاكهة ولحم، ومعنى (مما ~~يشتهون) مما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم (وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون) قرأ ~~الجمهور " حور عين " برفعهما عطفا على ولدان أو على تقدير مبتدأ: أي نساؤهم ~~حور عين، أو على تقدير خبر: أي ولهم حور عين، وقرأ حمزة والكسائي: # بجرهما عطفا على أكواب. قال الزجاج: وجائز أن يكون معطوفا على جنات: أي ~~هم في جنات وفي حور على تقدير مضاف محذوف: أي وفي معاشرة حور. قال الفراء: ~~في توجيه العطف على أكواب إنه يجوز الجر على الاتباع في اللفظ وإن اختلفا ~~في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهن، كما في قول الشاعر: # إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا والعين لا تزجج ~~وإنما تكحل، ومن هذا ms3837 قول الشاعر: علفتها تبنا وماء باردا وقول الآخر: # متقلدا سيفا ورمحا قال قطرب: هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل ~~على المعنى. قال: # ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور: ويكون لهم في ذلك لذة. وقرأ الأشهب ~~العقيلي والنخعي وعيسى بن عمر بنصبهما على تقدير إضمار فعل، كأنه قيل: ~~ويزوجون حورا عينا، أو ويعطون، ورجح أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور. ثم ~~شبههن سبحانه باللؤلؤ المكنون، وهو الذي لم تمسه الأيدي ولا وقع عليه ~~الغبار، فهو أشد ما يكون صفاء، وانتصاب جزاء في قوله (جزاء بما كانوا ~~يعملون) على أنه مفعول له: أي يفعل بهم ذلك كله للجزاء بأعمالهم. ويجوز أن ~~يكون مصدرا مؤكدا لفعل محذوف: أي يجزون جزاء، وقد تقدم تفسير الحور العين ~~في سورة الطور وغيرها (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما) اللغو الباطل من ~~الكلام، والتأثيم النسبة إلى الإثم. قال محمد بن كعب: لا يؤثم بعضهم بعضا، ~~وقال مجاهد: لا يسمعون شتما ولا مأثما، والمعنى: أنه لا يقول بعضهم لبعضهم ~~أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم (إلا قيلا سلاما سلاما) القيل القول، ~~والاستثناء منقطع: أي لكن يقولون قيلا، أو يسمعون قيلا، وانتصاب سلاما ~~سلاما على أنه بدل من قيلا، أو صفة له، أو هو مفعول به لقيلا: أي إلا أن ~~يقولوا سلاما سلاما، واختار هذا الزجاج، أو على أنه منصوب بفعل هو محكى ~~بقيلا: أي إلا قيلا سلموا سلاما سلاما، والمعنى في الآية: أنهم لا يسمعون ~~إلا تحية بعضهم لبعض. قال عطاء: يحيى بعضهم بعضا بالسلام، وقيل إن ~~الاستثناء متصل وهو بعيد، لأن التحية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم، ~~قرئ " سلام سلام " بالرفع. قال مكي: ويجوز الرفع على معنى سلام عليكم مبتدأ ~~وخبر. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن ابن عباس في قوله (إذا PageV05P150 # (وقعت الواقعة (قال: يوم القيامة (ليس لوقعتها كاذبة) قال: ليس لها مرد ~~يرد (خافضة رافعة) قال: تخفض ناسا وترفع آخرين. وأخرج ابن ms3838 جرير وابن مردويه ~~عنه (خافضة رافعة) قال: أسمعت القريب والبعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر ~~بن الخطاب (خافضة رافعة) قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت ~~أولياء الله إلى الجنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ~~(إذا رجت الأرض رجا) قال: زلزلت (وبست الجبال بسا) قال: فتنت (فكانت هباء ~~منبثا) قال: شعاع الشمس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (فكانت هباء ~~منبثا) قال: الهباء الذي يطير من النار إذا أضرمت يطير منها الشرر، فإذا ~~وقع لم يكن شيئا.. # وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال: الهباء ما يثور مع شعاع الشمس، وانبثائه ~~تفرقه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: ~~الهباء المنبث دهج الدواب، والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع ~~الكوة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (وكنتم أزواجا) قال: أصنافا. وأخرج ~~ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (وكنتم أزواجا ثلاثة) قال: هي التي ~~في سورة الملائكة - ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات -. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عنه أيضا في قوله (والسابقون السابقون) قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى، ~~ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال: # نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي ~~طالب، وكل رجل منهم سابق أمته، وعلى أفضلهم سبقا. وأخرج أحمد عن معاذ بن ~~جبل " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلا هذه الآية (وأصحاب اليمين ~~- وأصحاب الشمال) فقبض بيديه قبضتين فقال: هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في ~~النار ولا أبالي ". وأخرج أحمد أيضا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال " أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: ~~الله ms3839 ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوا، ~~وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ". وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عن أبي هريرة قال: # لما نزلت (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) شق على أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فنزلت (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث الجنة، ~~بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسموهم النصف الثاني ". وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس (على سرر موضونة) قال: ~~مصفوفة. وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عنه. قال: مرمولة بالذهب. وأخرج ابن أبي ~~الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن ~~مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنك لتنظر إلى ~~الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا ". وأخرج أحمد والترمذي ~~والضياء عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن طير الجنة ~~كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير ~~لناعمة، قال: آكلها أنعم منها، وإني لأرجوا أن تكون ممن يأكل منها " وفي ~~الباب أحاديث. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون) قال: # الذي في الصدف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (لا يسمعون فيها ~~لغوا) قال: باطلا (ولا تأثيما) قال: كذبا الواقعة (27 - 53) PageV05P151 # لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال السابقين وما أعده لهم من النعيم المقيم، ~~ذكر أحوال أصحاب اليمين فقال (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) قد قدمنا وجه ~~إعراب هذا الكلام، وما في هذه الجملة الاستفهامية من التفخيم والتعظيم، وهي ~~خبر المبتدأ، وهو أصحاب اليمين، وقوله (في سدر مخضود) خبر ثان أو خبر مبتدإ ~~محذوف: # أي هم في سدر مخضود، والسدر نوع ms3840 من الشجر، والمخضود الذي خضد شوكه: أي ~~قطع فلا شوك فيه. قال أمية بن أبي الصلت يصف الجنة: # إن الحدائق في الجنان ظليلة * فيها الكواعب سدرها مخضود وقال الضحاك ~~ومجاهد ومقاتل بن حيان: إن السدر المخضود الموقر حملا (وطلح منضود) قال ~~أكثر المفسرين: إن الطلح في الآية هو شجر الموز. وقال جماعة: ليس هو شجر ~~الموز، ولكنه الطلح المعروف وهو أعظم أشجار العرب. قال الفراء وأبو عبيدة: ~~هو شجر عظام لها شوك. قال الزجاج: الطلح هو أم غيلان، ولها نور طيب، ~~فخوطبوا ووعدوا ما يحبون، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في ~~الجنة على ما في الدنيا. # قال: ويجوز أن يكون في الجنة وقد أزيل شوكه. قال السدي: طلح الجنة يشبه ~~طلح الدنيا: لكن له ثمر أحلى من العسل، والمنضود: المتراكب الذي قد نضد ~~أوله وآخره بالحمل ليس له سوق بارزة. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى ~~أفنانها نضيد ثمر كله، كلما أخذت ثمرة عاد مكانها أحسن منها (وظل ممدود) أي ~~دائم باق لا يزول ولا ننسخه الشمس. قال أبو عبيدة: والعرب تقول لكل شئ طويل ~~لا ينقطع ممدود، ومنه قوله - ألم تر إلى ربك كيف مد الظل - والجنة كلها ظل ~~لا شمس معه. قال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش، ومن استعمال العرب للممدود ~~في الدائم الذي لا ينقطع قول لبيد: # غلب العزاء وكان غير مغلب * دهر طويل دائم ممدود PageV05P152 # (وماء مسكوب) أي منصب يجري بالليل والنهار أينما شاءوا لا ينقطع عنهم، ~~فهو مسكوب يسكبه الله في مجاريه، وأصل السكب الصب، يقال سكبه سكبا: أي صبه ~~(وفاكهة كثيرة) أي ألوان متنوعة متكثرة (لا مقطوعة) في وقت من الأوقات كما ~~تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات (ولا ممنوعة) أي لا تمتنع على من أرادها ~~في أي وقت على أي صفة، بل هي معدة لمن أرادها لا يحول بينه وبينها حائل. ~~قال ابن قتيبة: يعني أنها غير محظورة عليها كما يحظر على بساتين الدنيا ~~(وفرش مرفوعة) ms3841 أي مرفوع بعضها فوق بعض، أو مرفوعة على الأسرة. وقيل إن ~~الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة، وارتفاعها كونها على الأرائك، ~~أو كونها مرتفعات الأقدار في الحسن والكمال (إنا أنشأناهن إنشاء) أي ~~خلقناهن خلقا جديدا من غير توالد، وقيل المراد نساء بني آدم، والمعنى: أن ~~الله سبحانه أعادهن بعد الموت إلى حال الشباب، والنساء وإن لم يتقدم لهن ~~ذكر لكنهن قد دخلن في أصحاب اليمين، وأما على قول من قال: إن الفرش ~~المرفوعة عين النساء فمرجع الضمير ظاهر (فجعلناهن أبكارا) - لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان - (عربا أترابا) العرب جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها. ~~قال المبرد: هي العاشقة لزوجها، ومنه قول لبيد: # وفي الخباء عروب غير فاحشة * ريا الروادف يعشي ضوؤها البصرا وقال زيد بن ~~أسلم: هي الحسنة الكلام. قرأ الجمهور بضم العين والراء. وقرأ حمزة وأبو بكر ~~عن عاصم بإسكان الراء وهما لغتان في جمع فعول، والأتراب: هن اللواتي على ~~ميلاد واحد وسن واحد. وقال مجاهد: أترابا أمثالا وأشكالا. وقال السدي: ~~أترابا في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد. قوله (لأصحاب اليمين) متعلق ~~بأنشأناهن أو بجعلنا أو بأترابا، والمعنى: أن الله أنشأهن لأجلهم أو خلقهن ~~لأجلهم أو هن مساويات لأصحاب اليمين في السن، أو هو خبر لمبتدأ محذوف: أي ~~هن لأصحاب اليمين (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) هذا راجع إلى قوله ~~(وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) أي هم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، ~~وقد تقدم تفسير الثلة عند ذكر السابقين، والمعنى: أنهم جماعة أو أمة أو ~~فرقة أو قطعة من الأولين، وهم من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وجماعة أو أمة أو فرقة قطعة من الآخرين وهم أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ثلة من ~~الأولين. يعني من سابقي هذه الأمة، وثلة من الآخرين من هذه الأمة من آخرها، ~~ثم لما فرغ سبحانه مما أعده لأصحاب اليمين شرع في ذكر ms3842 أصحاب الشمال وما ~~أعده لهم فقال (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) الكلام في إعراب هذا وما ~~فيه من التفخيم كما سبق في أصحاب اليمين، وقوله (في سموم وحميم) إما خبر ~~ثان لأصحاب الشمال أو خبر مبتدإ محذوف، والسموم: حر النار، والحميم: الماء ~~الحار الشديد الحرارة، وقد سبق بيان معناه. وقيل السموم: الريح الحارة التي ~~تدخل في مسام البدن (وظل من يحموم) اليحموم يفعول من الأحم: وهو الأسود، ~~والعرب تقول أسود يحموم: إذا كان شديد السواد، والمعني: أنهم يفزعون إلى ~~الظل فيجدونه ظلا من دخان جهنم شديد السواد. وقيل وهو مأخوذ من الحم وهو ~~الشحم المسود باحتراق النار. وقيل مأخوذ من الحمم وهو الفحم. قال الضحاك: ~~النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود. # ثم وصف هذا الظل بقوله (لا بارد ولا كريم) أي ليس كغيره من الظلال التي ~~تكون باردة، بل هو حار لأنه من دخان نار جهنم. قال سعيد بن المسيب: ولا ~~كريم: أي ليس فيه حسن منظر وكل مالا خير فيه فليس بكريم وقال الضحاك: ولا ~~كريم ولا عذب. قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعا لكل شئ نفت عنه وصفا ~~تنوي PageV05P153 # به الذم، تقول: ما هو بسمين ولا بكريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة. ~~ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب فقال (إنهم كانوا قبل ~~ذلك مترفين) وهذه الجملة تعليل لما قبلها: أي إنهم كانوا قبل هذا العذاب ~~النازل بهم مترفين في الدنيا: أي منعمين بما لا يحل لهم، والمترف المتنعم. ~~وقال السدى: مشركين، وقيل متكبرين، والأول أولى (وكانوا يصرون على الحنث ~~العظيم) الحنث الذنب: أي يصرون على الذنب العظيم. قال الواحدي: # قال أهل التفسير: عني به الشرك: أي كانوا لا يتوبون عن الشرك. وبه قال ~~الحسن والضحاك وابن زيد. وقال قتادة ومجاهد: هو الذنب العظيم الذي لا ~~يتوبون عنه. وقال الشعبي: هو اليمين الغموس، (وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون) الهمزة في الموضعين للإنكار والاستبعاد، وقد ~~تقدم الكلام على هذا في ms3843 الصافات، وفي سورة الرعد، والمعنى: أنهم أنكروا ~~واستبعدوا أن يبعثوا بعد الموت، وقد صاروا عظاما وترابا، والمراد أنه صار ~~لحمهم وجلودهم ترابا وصارت عظامهم نخرة بالية، والعامل في الظرف ما يدل ~~عليه مبعوثون، لأن ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله: أي انبعث إذا متنا؟ ~~الخ (أو آباؤنا الأولون) معطوف على الضمير في لمبعوثون لوقوع الفصل بينهما ~~بالهمزة، والمعنى: أن بعث آبائهم الأولين أبعد لتقدم موتهم، وقرئ وآباؤنا. ~~ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم ويرد استبعادهم فقال (قل إن ~~الأولين والآخرين لمجموعون) أي قل لهم يا محمد إن الأولين من الأمم ~~والآخرين منهم الذين أنتم من جملتهم لمجموعون بعد البعث (إلى ميقات يوم ~~معلوم) وهو يوم القيامة (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون) هذا وما بعده من ~~جملة ما هو داخل تحت القول، وهو معطوف على " إن الأولين " ووصفهم سبحانه ~~بوصفين قبيحين، وهما الضلال عن الحق والتكذيب له (لآكلون من شجر من زقوم) ~~أي لآكلون في الآخرة من شجر كريه المنظر كريه الطعم، وقد تقدم تفسيره في ~~سورة الصافات، ومن الأولى لابتداء الغاية، والثانية بيانية، ويجوز أن تكون ~~الأولى مزيدة، والثانية بيانية، وأن تكون الثانية مزيدة، والأولى للابتداء ~~(فمالئون منها البطون) أي مالئون من شجر الزقوم بطونكم لما يلحقكم من شدة ~~الجوع (فشاربون عليه من الحميم) الضمير في عليه عائد إلى الزقوم، والحميم ~~الماء الذي قد بلغ حره إلى الغاية، والمعنى: # فشاربون على الزقوم عقب أكله من الماء الحار، ويجوز أن يعود الضمير إلى ~~شجر لأنه يذكر ويؤنث. # ويجوز أن يعود إلى الأكل المدلول عليه بقوله " لآكلون "، وقرئ " من شجرة ~~" بالإفراد (فشاربون شرب الهم) قرأ الجمهور " شرب الهيم " بفتح الشين، وقرأ ~~نافع وعاصم وحمزة بضمها، وقرأ مجاهد وأبو عثمان النهدي بكسرها، وهي لغات ~~قال. أبو زيد: سمعت العرب تقول بضم السين وفتحها وكسرها. قال المبرد: الفتح ~~على أصل المصدر والضم اسم المصدر، والهيم: الإبل العطاش التي لا تروى لداء ~~يصيبها، وهذه الجملة بيان لما قبلها: أي لا يكون شربكم ms3844 شربا معتادا بل يكون ~~مثل شرب الهيم التي تعطش ولا تروى بشرب الماء، ومفرد الهيم أهيم، والأنثى ~~هيماء. قال قيس بن الملوح: # يقال به داء الهيام أصابه * وقد علمت نفسي مكان شفائيا وقال الضحاك وابن ~~عيينة والأخفش وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل، والمعنى: أنهم ~~يشربون كما تشرب هذه الأرض الماء ولا يظهر له فيها أثر. قال في الصحاح: ~~الهيام بالضم: أشد العطش، والهيام كالجنون من العشق، والهيام: داء يأخذ ~~الإبل تهيم في الأرض لا ترعى، يقال ناقة هيماء، والهيماء أيضا: # المفازة لا ماء بها، والهيام بالفتح: الرمل الذي لا يتماسك في اليد ~~للينه، والجمع هيم مثل قذال وقذل، والهيام PageV05P154 # بالكسر الإبل العطاش (هذا نزلهم يوم الدين) قرأ الجمهور " نزلهم بضمتين، ~~وروى عن أبي عمرو وابن محيصن بضمة وسكون، وقد تقدم أن النزل ما يعد للضيف، ~~ويكون أول ما يأكله، ويوم الدين يوم الجزاء وهو يوم القيامة، والمعني: أن ~~ما ذكر من شجر الزقوم وشراب الحميم هو الذي يعد لهم ويأكلونه يوم القيامة، ~~وفي هذا تهكم بهم، لأن النزل هو ما يعد للأضياف تكرمة لهم، ومثل هذا قوله - ~~فبشرهم بعذاب أليم -. # وقد أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة قال: كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: إن الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل ~~أعرابي يوما فقال: يا رسول الله ذكر في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في ~~الجنة شجرة تؤذي صاحبها: قال: وما هي؟ قال: السدر فإن لها شوكا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أليس الله يقول (في سدر مخضود؟) يخضد الله ~~شوكة، فيجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا يتفتق الثمر منها عن اثنين ~~وسبعين لونا من الطعام ما منها لون يشبه الآخر. وأخرج ابن أبي داود ~~والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن عيينة بن عبد السلمي قال " ~~كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء أعرابي فقال: يا رسول ~~الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة ms3845 لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها: يعني الطلح، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ~~ثمرة مثل خصية التيس الملبود: يعني الخصي منها، فيها سبعون لونا من الطعام ~~لا يشبه لون آخر ". وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (سدر مخضود) قال: ~~خضده وقره من الحمل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عنه ~~قال: # المخضود الذي لا شوك فيه. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا قال: المخضود ~~الموقر الذي لا شوك فيه. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله (وطلح منضود) قال: هو ~~الموز. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر من طرق عن ابن عباس مثله. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي ~~هريرة مثله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري مثله. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أنه قرأ " ~~وطلع منضود ". وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قيس بن عباد ~~قال: قرأت على علي ابن أبي طالب (وطلح منضود) فقال علي: ما بال الطلح، أما ~~تقرأ وطلع؟ ثم قال: (وطلع نضيد)، فقيل له: # يا أمير المؤمنين أنحكها في المصحف؟ قال: لا يهاج القرآن اليوم. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس في قوله (منضود) قال: بعضه على بعض. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم ~~(وظل ممدود) ". # وأخرج البخاري وغيره نحوه من حديث أنس. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما نحوه ~~من حديث أبي سعيد. # وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (وفرش مرفوعة) قال: ارتفاعها كما بين ~~السماء ms3846 والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام. قال الترمذي بعد إخراجه هذا ~~حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد انتهى، ورشدين ضعيف. وأخرج ~~الفرياني وهناد وعبد ابن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله (إنا أنشأناهن إنشاء) قال: إن المنشئات التي كن في ~~الدنيا عجائز عمشا رمصا. قال الترمذي: بعد إخراجه غريب، وموسى ويزيد ~~ضعيفان. وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ~~وابن قانع والبيهقي في البعث عن سلمة بن يزيد الجعفي سمعت النبي صلى الله ~~عليه PageV05P155 # وآله وسلم يقول في قوله (إنا أنشأناهن إنشاء) قال: الثيب والأبكار اللاتي ~~كن في الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: خلقهن غير خلقهن ~~الأول. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (أبكارا) قال: عذارى. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس في قوله (عربا) قال: عواشق (أترابا) يقول: مستويات. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه (عربا) قال: عواشق لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون (أترابا) ~~قال: في سن واحد ثلاثا وثلاثين سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال: العروب الملقة لزوجها. وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر والطبراني ~~وابن مردويه بسند حسن عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~قوله (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) قال: جميعهما من هذه الأمة. وأخرج ~~أبو داود الطيالسي ومسدد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي بكرة ~~في قوله (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) قال: هما جميعا من هذه الأمة. ~~وأخرج الفرياني وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عدي وابن مردويه. ~~قال السيوطي بسند ضعيف عن ابن عباس " في قوله (ثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هما جميعا من أمتي ~~". وأخرج ms3847 عبد الرزاق وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: الثلتان ~~جميعا من هذه الأمة. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله (وظل من ~~يحموم) قال: من دخان أسود، وفي لفظ: من دخان جهنم. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (شرب الهيم) قال: الإبل العطاش. # سورة الواقعة (58 - 74) قوله (نحن خلقناكم فلولا تصدقون) التفت سبحانه ~~إلى خطاب الكفرة تبكيتا لهم وإلزاما للحجة: أي فهلا تصدقون بالبعث أو ~~بالخلق. قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك فهلا تصدقون ~~بالبعث؟ # (أفرأيتم ما تمنون) أي ما تقذفون وتصبون في أرحام النساء من النطف، ومعنى ~~أفرأيتم: أخبروني، ومفعولها الأول ما تمنون، والثاني الجملة الاستفهامية، ~~وهي (أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) أي تقدرونه وتصورونه بشرا سويا ~~PageV05P156 # أم نحن المقدرون المصورون له، وأم هي المتصلة، وقيل هي المنقطعة، والأول ~~أولى. قرأ الجمهور " تمنون " بضم الفوقية من أمنى يمنى. وقرأ ابن عباس وأبو ~~السماك ومحمد بن السميفع والأشهب العقيلي بفتحها من منى يمنى، وهما لغتان، ~~وقيل معناهما مختلف، يقال أمنى إذا أنزل عن جماع، ومنى إذا أنزل عن احتلام، ~~وسمى المنى منيا لأنه يمنى: أي يراق (نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين) قرأ الجمهور " قدرنا " بالتشديد، وقرأ مجاهد وحميد وابن محيصن ~~وابن كثير بالتخفيف، وهما لغتان، يقال قدرت الشئ وقدرته: أي قسمناه عليكم ~~ووقتناه لكل فرد من أفرادكم، وقيل قضينا، وقيل كتبنا، والمعنى متقارب. قال ~~مقاتل: فمنكم من يموت كبيرا ومنكم من يموت صغيرا. وقال الضحاك: معناه أنه ~~جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء - وما نحن بمسبوقين - بمغلوبين، بل ~~قادرين (على أن نبدل أمثالكم) أي نأتي بخلق مثلكم. قال الزجاج: إن أردنا أن ~~نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا. قال ابن جرير: المعنى نحن ~~قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم وما نحن ~~بمسبوقين ms3848 في آجالكم: أي لا يتقدم متأخر ولا يتأخر متقدم (وننشئكم فيما لا ~~تعلمون) من الصور والهيئات. قال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا ~~بأقوام قبلكم، وقيل المعنى: ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا. وقال ~~سعيد بن المسيب: فيما لا تعلمون: يعنى في حواصل طيور سود تكون ببرهوت كأنها ~~الخطاطيف. وبرهوت واد باليمن. وقال مجاهد (فيما لا تعلمون) يعنى في أي خلق ~~شئنا، ومن كان قادرا على هذا فهو قادر على البعث (ولقد علمتم النشأة ~~الأولى) وهي ابتداء الخلق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة ولم تكونوا قبل ~~ذلك شيئا. وقال قتادة والضحاك: يعنى خلق آدم من تراب (فلولا تذكرون) أي ~~فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخيرة وتقيسونها على النشأة ~~الأولى. قرأ الجمهور " النشأة " بالقصر، وقرأ مجاهد والحسن وابن كثير وأبو ~~عمرو بالمد، وقد مضى تفسير هذا في سورة العنكبوت (أفرأيتم ما تحرثون) أي ~~أخبروني ما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيه البذر (أأنتم تزرعونه) أي تنبتونه ~~وتجعلونه زرعا فيكون فيه السنبل والحب (أم نحن الزارعون) أي المنبتون له ~~الجاعلون له زرعا لا أنتم. قال المبرد: يقال زرعه الله: أي أنماه، فإذا ~~أقررتم بهذا فكيف تنكرون البعث (لو نشاء جعلناه حطاما) أي لو نشاء لجعلنا ~~ما تحرثون حطاما: أي متحطما متكسرا، والحطام: الهشم الذي لا ينتفع به ولا ~~يحصل منه حب ولا شئ مما يطلب من الحرث (فظلتم تفكهون) أي صرتم تعجبون. قال ~~الفراء: تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم. قال في الصحاح: وتفكه تعجب. # ويقال تندم. قال الحسن وقتادة وغيرهما: معنى الآية: تعجبون من ذهابها ~~وتندمون مما حل بكم. وقال عكرمة: # تلامون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله. وقال أبو عمرو والكسائي: ~~هو التلهف على ما فات. قرأ الجمهور " فظلتم " بفتح الظاء مع لام واحدة. ~~وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية عنه بكسر الظاء. وقرأ ابن عباس والجحدري " ~~فظللتم " بلامين: أولاهما مكسورة على الأصل، وروى عن الجحدري فتحها، وهي ~~لغة. ms3849 # وقرأ الجمهور " تفكهون " وقرأ أبو حزام العكلي " تفكنون " بالنون مكان ~~الهاء: أي تندمون. قال ابن خالويه: # تفكه تعجب. وتفكن تندم. وفي الصحاح التفكن التندم (إنا لمغرمون) قرأ ~~الجمهور بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ أبو بكر والمفضل وزر بن حبيش بهمزتين ~~على الاستفهام، والجملة بتقدير القول: أي تقولون إنا لمغرمون: # أي ملزمون غرما بما هلك من زرعنا، والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، قاله ~~الضحاك وابن كيسان. وقيل المعنى: إنا لمعذبون، قاله قتادة وغيره. وقال ~~مجاهد وعكرمة: لمولع بنا، ومنه قول النمر بن تولب: PageV05P157 # سلا عن تذكره تكتما * وكان رهينا بها مغرما يقال أغرم فلان بفلان: أي ~~أولع. وقال مقاتل: مهلكون. قال النحاس: مأخوذ من الغرام، وهو الهلاك ومنه ~~قول الشاعر: # ويوم النسار ويوم الجبار * كان عليكم عذابا مقيما والظاهر من السياق ~~المعنى الأول: أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثناه ومصيره حطاما، ثم أضربوا عن ~~قولهم هذا وانتقلوا فقالوا (بل نحن محرومون) أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا، ~~والمحروم الممنوع من الرزق الذي لاحظ له فيه، وهو المحارف (أفرأيتم الماء ~~الذي تشربون) فتسكنون به ما يلحقكم من العطش وتدفعون به ما ينزل بكم من ~~الظمأ. واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثرة فوائد الماء ومنافعه، لأنه ~~أعظم فوائده وأجل منافعه (أأنتم أنزلتموه من المزن) أي السحاب. قال في ~~الصحاح: قال أبو زيد: المزنة السحابة البيضاء، والجمع مزن والمزنة المطر. ~~قال الشاعر: # ألم تر أن الله أنزل مزنة * وعفر الظبا في الكنائس تقمع ومما يدل على أنه ~~السحاب قول الشاعر: # فنحن كماء المزن ما في نصابنا * كهام ولا فينا يعد بخيل وقول الآخر: فلا ~~مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها (أم نحن المنزلون) له بقدرتنا دون ~~غيرنا، فإذا عرفتم ذلك، فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون بالبعث. ثم بين لهم ~~سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال (لو نشاء جعلناه أجاجا) الأجاج ~~الماء الشديد الملوحة الذي لا يمكن شربه، وقال الحسن: هو الماء المر الذي ~~لا ينتفعون به في شرب ولا زرع ms3850 ولا غيرهما (فلولا تشكرون) أي فهلا تشكرون ~~نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذبا تشربون منه وتنتفعون به (أفرأيتم النار ~~التي تورون) أي أخبروني عنها، ومعنى تورون: تستخرجونها بالقدح من الشجر ~~الرطب، يقال أوريت النار إذا قدحتها (أأنتم أنشأتم شجرتها) التي يكون منها ~~الزنود، وهي المرخ والعفار، تقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ ~~والعفار (أم نحن المنشئون) لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الإنشاء الخلق، وعبر ~~عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة (نحن ~~جعلناها تذكرة) أي جعلنا هذه النار التي في الدنيا تذكرة لنار جهنم الكبرى. ~~قال مجاهد وقتادة: تبصرة للناس في الظلام، وقال عطاء: موعظة ليتعظ بها ~~المؤمن (ومتاعا للمقوين) أي منفعة للذين ينزلون بالقواء، وهي الأرض القفر ~~كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الأراضي المقفرة، يقال أرض قواء بالمد ~~والقصر: أي مقفرة، ومنه قول النابغة: # يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد وقال عنترة: ~~حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم وقول الآخر: ألم تسأل ~~الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق ويقال أقوى إذا سافر: أي ~~نزل القوي. وقال مجاهد: المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ ~~والخبز والاصطلاء والاستضاءة، وتذكر نار جهنم. وقال ابن زيد: للجائعين في ~~إصلاح طعامهم، يقال: # أقويت منذ كذا وكذا: أي ما أكلت شيئا، وبات فلان القوي: أي بات جائعا، ~~ومنه قول الشاعر: PageV05P158 # وإني لأختار القوي طاوى الحشا * محافظة من أن يقال لئيم وقال قطرب: ~~المقوى من الأضداد يكون بمعنى الفقر، ويكون بمعنى الغنى، يقال أقوى الرجل ~~إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله. وحكى الثعلبي عن أكثر ~~المفسرين القول الأول، وهو الظاهر (فسبح باسم ربك العظيم) الفاء لترتيب ما ~~بعدها من ذكر الله سبحانه، وتنزيهه على ما قبلها مما عدده من النعم التي ~~أنعم بها على عباده وجحود المشركين لها وتكذيبهم بها. # وقد أخرج البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الشعب ms3851 ~~وضعفه عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا ~~يقولن أحدكم زرعت، ولكن يقول حرثت ". قال أبو هريرة: ألم تسمعوا الله يقول ~~(أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون). وأخرج ابن جرير عن ابن ~~عباس (تفكهون) قال: تعجبون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال (المزن) السحاب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس (نحن جعلناها تذكرة) قال: ~~تذكرة للنار الكبرى (ومتاعا للمقوين) قال: للمسافرين. # الواقعة (75 - 96) قوله (فلا أقسم) ذهب جمهور المفسرين إلى أن لا مزيدة ~~للتوكيد، والمعنى: فأقسم، ويؤيد هذا قوله بعد (وإنه لقسم) وقال جماعة من ~~المفسرين: إنها للنفي، وإن المنفي بها محذوف، وهو كلام الكفار الجاحدين. ~~قال الفراء: هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون. ثم استأنف فقال أقسم، ~~وضعف هذا بأن حذف اسم لا وخبرها غير جائز، كما قال أبو حيان وغيره. وقيل ~~إنها لام الابتداء، والأصل فلا أقسم فأشعت الفتحة فتولد منها ألف، كقول ~~الشاعر: # أعوذ بالله من العقراب. # وقد قرأ هكذا " فلأقسم " بدون ألف الحسن وحميد وعيسى بن عمر، وعلى هذا ~~القول، وهذه القراءة يقدر PageV05P159 # مبتدأ محذوف، والتقدير: فلأنا أقسم بذلك. وقيل إن لا هنا بمعنى ألا التي ~~للتنبيه، وهو بعيد. وقيل لا هنا على ظاهرها، وإنها لنفي القسم: أي فلا أقسم ~~على هذا لأن الأمر أوضح من ذلك، وهذا مدفوع بقوله (وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم) مع تعيين المقسم به والمقسم عليه، ومعنى قوله (بمواقع النجوم) ~~مساقطها، وهي مغاربها كذا قال قتادة وغيره. وقال عطاء بن أبي رباح: ~~منازلها. وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي ~~الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون مطرنا بنوء كذا. وقيل المراد بمواقع ~~النجوم نزول القرآن نجوما من اللوح المحفوظ، وبه قال السدي وغيره، وحكى ~~الفراء عن ابن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن. قرأ الجمهور " مواقع ~~" على الجمع، وقرأ ابن مسعود ms3852 والنخعي وحمزة والكسائي وابن محيصن وورش عن ~~يعقوب بموقع على الإفراد. قال المبرد: موقع ها هنا مصدر، فهو يصلح للواحد ~~والجمع. ثم أخبر سبحانه عن تعظيم هذا القسم وتفخيمه فقال (وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم) هذه الجملة معترضة بين المقسم به والمقسم عليه، وقوله (لو ~~تعلمون) جملة معترضة بين جزأي الجملة المعترضة، فهو اعتراض في اعتراض. قال ~~الفراء والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن، والضمير ~~في إنه على القسم الذي يدل عليه أقسم، والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم ~~عظيم لو تعلمون. ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال (إنه لقرآن كريم) أي كرمه ~~الله وأعزه ورفع قدره على جميع الكتب، وكرمه عن أن يكون سحرا أو كهانة أو ~~كذبا، وقيل إنه كريم لما فيه من كرم الأخلاق ومعالي الأمور، وقيل لأنه يكرم ~~حافظه ويعظم قارئه. وحكى الواحدي عن أهل المعاني أن وصف القرآن بالكريم، ~~لأن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين. ~~قال الأزهري: # الكريم اسم جامع لما يحمد، والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان ~~والعلم والحكمة (في كتاب مكنون) أي مستور مصون، وقيل محفوظ عن الباطل، وهو ~~اللوح المحفوظ قاله جماعة، وقيل هو كتاب. وقال عكرمة: # هو التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه، وقال السدي: هو ~~الزبور. وقال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا (لا يمسه إلا ~~المطهرون) قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب ~~المكنون: أي لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، وهم الملائكة، وقيل هم ~~الملائكة والرسل من بني آدم، ومعنى لا يمسه المس الحقيقي، وقيل معناه: لا ~~ينزل به إلا المطهرون، وقيل معناه: لا يقرؤه، وعلى كون المراد بالكتاب ~~المكنون هو القرآن، فقيل - لا يمسه إلا المطهرون - من الأحداث والأنجاس. ~~كذا قال قتادة وغيره: وقال الكلبي: المطهرون من الشرك. وقال الربيع بن أنس: ~~المطهرون من الذنوب والخطايا. وقال محمد بن الفضل وغيره: معنى لا يمسه: لا ~~يقرؤه إلا ms3853 المطهرون: أي إلا الموحدون. وقال الفراء: لا يجد نفعه وبركته إلا ~~المطهرون: # أي المؤمنون. وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره ~~الله من الشرك والنفاق. وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف، وبه ~~قال علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي ~~والحكم وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي. وروى عن ابن عباس ~~والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة، أنه يجوز للمحدث مسه، وقد أوضحنا ما هو ~~الحق في هذا في شرحنا للمنتقي فليرجع إليه. # قرأ الجمهور " المطهرون " بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول. ~~وقرأ سلمان الفارسي بكسر الهاء على أنه اسم فاعل: أي المطهرون أنفسهم. وقرأ ~~نافع وابن عمر وفي روية عنهما، عيسى بن عمر بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة، ~~اسم مفعول من أطهر، وقرأ الحسن وزيد بن علي وعبد الله بن عوف بتشديد الطاء ~~وكسر الهاء وأصله PageV05P160 # المتطهرون (تنزيل من رب العالمين) قرأ الجمهور بالرفع، وقرئ بالنصب، ~~فالرفع على أنه صفة أخرى لقرآن، أو خبر مبتدإ محذوف، والنصب على الحال ~~(أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) الإشارة إلى القرآن المنعوت بالنعوت السابقة، ~~والمدهن والمداهن المنافق. كذا قال الزجاج وغيره. وقال عطاء وغيره: هو ~~الكذاب. وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: مدهنون كافرون، كما في قوله - ودوا ~~لو تدهن فيدهنون - وقال الضحاك: مدهنون معرضون، وقال مجاهد: ممالئون للكفار ~~على الكفر، وقال أبو كيسان: المدهن الذي لا يعقل حق الله عليه ويدفعه ~~بالعلل. # والأول أولى لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه كأنه يشبه المدهن في ~~سهولته. قال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره، والإدهان ~~والمداهنة: التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللين، وأن يسر خلاف ما يظهر، ~~وقال في الكشاف مدهنون: أي متهاونون به كمن يدهن في الأمر: أي يلين جانبه ~~ولا يتصلب فيه تهاونا به انتهى. قال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين ~~لكل جعل عبارة عن المداراة والملاينة، وترك الجد: كما جعل التقريد، وهو نزع ~~القراد عبارة عن ms3854 ذلك، ويؤيد ما ذكره قول أبي قيس بن الأسلت: # الحزم والقوة خير من ال‍ * إدهان والعهه والهاع (وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون) في الكلام مضاف محذوف، كما حكاه الواحدي عن المفسرين: أي تجعلون ~~شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة الله فتضعون التكذيب موضع الشكر. وقال الهيثم: ~~إن أزدشنوءة يقولون ما رزق فلان: أي ما شكر، وعلى هذه اللغة لا يكون في ~~الآية مضاف محذوف بل معنى الرزق الشكر. # ووجه التعبير بالرزق عن الشكر أن الشكر يفيض زيادة الرزق فيكون الشكر ~~رزقا تعبيرا بالسبب عن المسبب، ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا ~~سقاهم الله، وأنزل عليهم المطر: سقينا بنوء كذا، ومطرنا بنوء كذا قال ~~الأزهري: معنى الآية وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه ~~من عند الله الرزاق. # وقرأ علي وابن عباس " وتجعلون شكركم " وقرأ الجمهور " أنكم تكذبون " ~~بالتشديد من التكذيب، وقرأ علي وعاصم في رواية عنه بالتخفيف من الكذب ~~(فلولا إذا بلغت الحلقوم) أي فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند ~~الموت، ولم يتقدم لها ذكر، لأن المعنى مفهوم عندهم إذا جاءوا بمثل هذه ~~العبارة، ومنه قول حاتم طي: # أماوى ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (وأنتم ~~حينئذ تنظرون) إلى ما هو فيه ذلك الذي بلغت نفسه أو روحه الحلقوم. قال ~~الزجاج: وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال ترون الميت قد صار إلى أن تخرج ~~نفسه، والمعنى أنهم في تلك الحال لا يمكنهم الدفع عنه، ولا يستطيعون شيئا ~~ينفعه أو يخفف عنه ما هو فيه (ونحن أقرب إليه منكم) أي بالعلم والقدرة ~~والرؤية، وقيل أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم (ولكن لا ~~تبصرون) أي لا تدركون ذلك لجهلكم بأن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد، أو ~~لا تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه (فلولا إن كنتم ~~غير مدينين ترجعونها) يقال دان السلطان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم. قال ~~الفراء: دنته ملكته، وأنشد للحطيئة: # لقد دنت أمر بنيك ms3855 حتى * تركتهم أدق من الطحين أي ملكت، ويقال دانه: إذا ~~أذله واستعبده، وقيل معنى مدينين محاسبين، وقيل مجزيين، ومنه قول الشاعر: ~~ولم يبق سوى العدوان * دناهم كما دانوا والمعنى الأول ألصق بمعنى الآية: أي ~~فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين ترجعونها: أي النفس التي قد PageV05P161 # بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه (إن كنتم صادقين) ولن ترجعوها فبطل ~~زعمكم إنكم غير مربوبين ولا مملوكين، والعامل في قوله إذا بلغت هو قوله ~~ترجعونها، ولولا الثانية تأكيد للأولى قال الفراء: وربما أعادت العرب ~~الحرفين ومعناهما واحد. ثم ذكر سبحانه طبقات الخلق عند الموت وبعده فقال ~~(فاما إن كان من المقربين) أي السابقين من الثلاثة الأصناف المتقدم تفصيل ~~أحوالهم (فروح وريحان وجنة ونعيم) قرأ الجمهور " روح " بفتح الراء، ومعناه ~~الراحة من الدنيا والاستراحة من أحوالها. وقال الحسن: الروح الرحمة. وقال ~~مجاهد: الروح الفرح وقرأ ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة ونصر بن عاصم ~~والجحدري " فروح " بضم الراء، ورويت هذه القراءة عن بعقوب، قيل ومعنى هذه ~~القراءة الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم، والريحان: الرزق في الجنة، قاله ~~مجاهد وسعيد ابن جبير ومقاتل. قال مقاتل: هو الرزق بلغة حمير، يقال خرجت ~~أطلب ريحان الله: أي رزقه، ومنه قول النمر ابن تولب: # سلام الإله وريحانه * ورحمته وسماء درر وقال قتادة: إنه الجنة. وقال ~~الضحاك: هو الرحمة. وقال الحسن: هو الريحان المعروف الذي يشم. قال قتادة ~~والربيع بن خيثم: هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث، وكذا قال ~~أبو الجوزاء وأبو العالية، ومعنى وجنة نعيم أنها ذات تنعم، وارتفاح روح وما ~~بعده على الابتداء، والخبر محذوف: أي فله روح (وأما إن كان) ذلك المتوفى ~~(من أصحاب اليمين) وقد تقدم ذكرهم وتفصيل أحوالهم وما أعده الله لهم من ~~الجزاء (فسلام لك من أصحاب اليمين) أي لست ترى فيهم إلا ما تحب من السلامة ~~فلا تهتم بهم فإنه يسلمون من عذاب الله، وقيل المعنى: سلام لك منهم: أي أنت ~~سالم من الاغتمام بهم، وقيل المعنى: إنهم يدعون لك ويسلمون ms3856 عليك، وقيل إنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم يحيى بالسلام إكراما، وقيل هو إخبار من الله ~~سبحانه بتسليم بعضهم على بعض، وقيل المعنى: سلام لك يا صاحب اليمين من ~~إخوانك أصحاب اليمين، (وأما إن كان من المكذبين الضالين) أي المكذبين ~~بالبعث الضالين عن الهدى، وهو أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم، وتفصيل أحوالهم ~~(فنزل من حميم) أي فله نزل يعد لنزوله من حميم، وهو الماء الذي قد تناهت ~~حرارته، وذلك بعد أن يأكل من الزقوم كما تقدم بيانه (وتصلية جحيم) يقال ~~أصلاه النار وصلاه: أي إذا جعله في النار، وهو من إضافة المصدر إلى ~~المفعول، أو إلى المكان. قال المبرد: وجواب الشرط في هذه الثلاثة المواضع ~~محذوف والتقدير: مهما يكن من شئ فروح الخ. # وقال الأخفش: إن الفاء في المواضع الثلاثة هي جواب أما وجواب حرف الشرط. ~~قرأ الجمهور " وتصلية " بالرفع عطفا على فنزل. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه ~~بالجر عطفا على حميم: أي فنزل من حميم ومن تصلية جحيم (إن هذا لهو حق ~~اليقين) الإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة، أو إلى المذكور قريبا من أحوال ~~المتفرقين لهو حق اليقين: أي محض اليقين وخالصه، وإضافة حق إلى اليقين من ~~باب إضافة الشئ إلى نفسه. قال المبرد: هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين، ~~هذا عند الكوفيين وجوزوا ذلك لاختلاف اللفظ، وأما البصريون فيجعلون المضاف ~~إليه محذوفا، والتقدير: حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين، والفاء في (فسبح ~~باسم ربك العظيم) لترتيب ما بعدها على ما قبلها: أي نزهه عما لا يليق ~~بشأنه، والباء متعلقة بمحذوف: أي فسبح ملتبسا باسم ربك للتبرك به. وقيل ~~المعنى: فصل بذكر ربك، وقيل الباء زائدة، والاسم بمعنى الذات. وقيل هي ~~للتعدية لأن سبح يتعدى بنفسه تارة ويتعدى بالحرف أخرى، والأول أولى. ~~PageV05P162 # وقد أخرج النسائي وابن جرير ومحمد بن نصر والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء ~~العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في ms3857 السنين، وفي لفظ: # ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوما، ثم قرأ (فلا أقسم بمواقع ~~النجوم). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والطبراني وابن مردويه عنه (فلا أقسم بمواقع النجوم) قال القرآن (وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم) قال: القرآن. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية ~~قال: نجوم القرآن حين ينزل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والبيهقي في المعرفة من طرق عن ابن عباس أيضا (لا يمسه إلا المطهرون) قال: # الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة. وأخرج سعيد بن منصور وابن ~~المنذر عن أنس (لا يمسه إلا المطهرون) قال: الملائكة. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن المنذر عن علقمة قال: أتينا سلمان الفارسي فخرج علينا من كنيف، فقلنا ~~له: لو توضأت يا أبا عبد الله ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا، قال: إنما قال ~~الله (في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) وهو الذي في السماء لا يمسه إلا ~~الملائكة، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود ~~وابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال في كتاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم: لا تمس القرآن إلا على طهر. ~~وأخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر. # وأخرجه أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عبد الله ~~بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ولا ~~يمس القرآن إلا طاهر " وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن ~~عمر وعثمان بن أبي العاص، وفي أسانيدها نظر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر ~~أنه كان لا يمس المصحف إلا متوضئا. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في ~~المصنف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال: كنا مع سلمان ~~فانطلق إلى حاجة، فتوارى عنا ms3858 ثم خرج إلينا، فقلنا: لو توضأت فسألناك عن ~~أشياء من القرآن، فقال: سلوني، فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا ~~(لا يمسه إلا المطهرون). # وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لا يمس القرآن إلا طاهر ". # وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده: أن لا يمس القرآن إلا طاهر ". وأخرج ~~ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (أنتم مدهنون) قال: مكذبون. # وأخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال " مطر الناس على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله. وقال بعضهم: ~~لقد صدق نوء كذا وكذا، فنزلت هذه الآية (فلا أقسم بمواقع النجوم) حتى بلغ ~~(وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) " وأصل الحديث بدون ذكر أنه سبب نزول الآية ~~ثابت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني، ومن حديث أبي سعيد الخدري، ~~وفي الباب أحاديث. وأخرج أحمد وابن منيع وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة عن علي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) ~~قال: شكركم، تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا. وأخرج ابن عساكر ~~في تاريخه عن عائشة قالت: ما فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~القرآن إلا آيات يسيرة قوله (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) قال: شكركم. وأخرج ~~ابن مردويه عن علي " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ (وتجعلون ~~شكركم "). وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ " وتجعلون شكركم " قال: ~~يعني الأنواء وما مطر PageV05P163 # قوم إلا أصبح بعضهم كافرا كانوا ms3859 يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله ~~" وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون. " وأخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي ~~عن علي أنه قرأ " وتجعلون شكركم " وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقرؤها كذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (غير ~~مدينين) قال: # غير محاسبين. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ~~المنذر عن الربيع بن خيثم (فأما إن كان من المقربين) الآية قال: هذا له عند ~~الموت (وجنة نعيم) تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث (وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين فنزل من حميم) قال: هذا عند بالمت (وتصلية جحيم) قال: تخبأ له ~~الجحيم إلي يوم يبعث. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(فروح) قال: رائحة (وريحان) قال: استراحة. وأخرج ابن جرير عنه قال: يعني ~~بالريحان المستريح من الدنيا (وجنة نعيم) يقول: مغفرة ورحمة. وأخرج ابن ~~المنذر عنه أيضا قال: الريحان الرزق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا ~~في قوله (فسلام لك من أصحاب اليمين قال: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل ~~الله تسلم عليه وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(إن هذا لهو حق اليقين) قال: # ما قصصنا عليك في هذه السورة. وأخرج عنه أيضا (فسبح باسم ربك العظيم) ~~قال: فصل لربك. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر الجهني قال " لما نزلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فسبح باسم ربك العظيم) قال: ~~اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت - سبح اسم ربك الأعلى - قال: اجعلوها في ~~سجودكم ". # تفسير سورة الحديد هي تسع وعشرون آية وهي مدنية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة الحديد بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ~~الطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن ابن ms3860 عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " نزلت سورة الحديد يوم الثلاثاء، وخلق الله ~~الحديد يوم الثلاثاء، وقتل ابن آدم أخاه يوم الثلاثاء، ونهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن الحجامة يوم الثلاثاء ". وأخرج الديلمي عن جابر ~~مرفوعا " لا تحتجموا يوم الثلاثاء، فإن سورة الحديد أنزلت على يوم الثلاثاء ~~". وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ~~العرباض ابن سارية " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ ~~المسبحات قبل أن يرقد وقال: إن فيهن آية أفضل من ألف آية ". وفي إسناده ~~بقية بن الوليد وفيه مقال معروف. وقد أخرجه النسائي عن خالد بن معدان قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر العرباض بن سارية، فهو ~~مرسل. وأخرج ابن الضريس عن يحيى ابن أبي كثير قال: " كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا ينام حتى يقرأ المسبحات، وكان يقول: إن فيهن آية ~~أفضل من ألف آية " قال يحيى: فنراها الآية التي في آخر الحشر. وقال ابن ~~كثير في تفسيره: والآية المشار إليها والله أعلم هي قوله (هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن) الآية. والمسبحات المذكورة هي: الحديد والحشر، والصف، ~~والجمعة، والتغابن. PageV05P164 # سورة الحديد (1 - 6) قوله (سبح لله ما في السماوات والأرض) أي نزهه ~~ومجده. قال المقاتلان: يعني كل شئ من ذي روح وغيره، وقد تقدم الكلام في ~~تسبيح الجمادات عند تفسير قوله - وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم - والمراد بالتسبيح المسند إلى ما في السماوات والأرض من العقلاء ~~وغيرهم والحيوانات والجمادات هو ما يعم التسبيح بلسان المقال كتسبيح ~~الملائكة والإنس والجن، وبلسان الحال كتسبيح غيرهم، فإن كل موجود يدل على ~~الصانع. وقد أنكر الزجاج أن يكون تسبيح غير العقلاء هو تسبيح الدلالة وقال: ~~لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال - ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم - وإنما هو تسبيح مقال، واستدل بقوله - وسخرنا مع داود ~~الجبال يسبحن - فلو ms3861 كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم يكن لتخصيص ~~داود فائدة، وفعل التسبيح قد يتعدى بنفسه تارة، كما في قوله - وسبحوه - ~~وباللام أخرى كهذه الآية، وأصله أن يكون متعديا بنفسه، لأن معنى سبحته: ~~بعدته عن السوء، فإذا استعمل باللام فهي إما مزيدة للتأكيد كما في شكرته ~~وشكرت له، أو هي للتعليل: أي افعل التسبيح لأجل الله سبحانه خالصا له، وجاء ~~هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا كهذه الفاتحة، وفي بعضها مضارعا، وفي بعضها ~~أمرا للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات لا يختص تسبيحها بوقت ~~دون وقت، بل هي مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل (وهو ~~العزيز) أي القادر الغالب الذي لا ينازعه أحد ولا يمانعه ممانع كائنا ما ~~كان (الحكيم) الذي يفعل أفعال الحكمة والصواب (له ملك السماوات والأرض) ~~يتصرف فيه وحده ولا ينفذ غير تصرفه وأمره، وقيل أراد خزائن المطر والنبات ~~وسائر الأرزاق (يحيي ويميت) الفعلان في محل رفع على أنهما خبر مبتدإ محذوف، ~~أو في محل نصب على الحال من ضمير له، أو كلام مستأنف لبيان بعض أحكام ~~الملك، والمعنى: أنه يحيي في الدنيا ويميت الأحياء، وقيل يحيي النطف وهي ~~موات ويميت الأحياء، وقيل يحيي الأموات للبعث (وهو على كل شئ قدير) لا ~~يعجزه شئ كائنا ما كان (هو الأول) قبل كل شئ (والآخر) بعد كل شئ أي الباقي ~~بعد فناء خلقه (والظاهر) العالي الغالب على كل شئ، أو الظاهر وجوده بالأدلة ~~الواضحة (والباطن) أي العالم بما PageV05P165 # بطن، من قولهم فلان يبطن أمر فلان: أي يعلم داخلة أمره، ويجوز أن يكون ~~المعنى المحتجب عن الأبصار والعقول، وقد فسر هذه الأسماء الأربعة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كما سيأتي، فيتعين المصير إلى ذلك (وهو بكل شئ ~~عليم) لا يعزب عن علمه شئ من المعلومات (هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام) هذا بيان لبعض ملكه للسموات والأرض. وقد تقدم تفسيره في سورة ~~الأعراف وفي غيرها مستوفى (يعلم ما يلج ms3862 في الأرض) أي يدخل فيها من مطر ~~وغيره (وما يخرج منها) من نبات وغيره (وما ينزل من السماء) من مطر وغيره ~~(وما يعرج فيها) أي يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد، وقد تقدم تفسير ~~هذا في سورة سبأ (وهو معكم أينما كنتم) أي بقدرته وسلطانه وعلمه، وهذا ~~تمثيل للإحاطة بما يصدر منهم أينما داروا في الأرض من بر وبحر (والله بما ~~تعملون بصير) لا يخفي عليه من أعمالكم شئ (له ملك السماوات والأرض) هذا ~~التكرير للتأكيد (وإلى الله ترجع الأمور) لا إلى غيره. قرأ الجمهور " ترجع ~~" مبنيا للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر على البناء للفاعل (يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل) قد تقدم تفسير هذا في سورة آل ~~عمران، وفي مواضع (وهو عليم بذات الصدور) أي بضمائر الصدور ومكنوناتها، لا ~~يخفي عليه من ذلك خافية. # وقد أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاءت ~~فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسأله خادما، فقال قولي: ~~اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شئ، منزل التوراة ~~والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شئ أنت آخذ ~~بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شئ، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن ~~فليس دونك شئ، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر ". وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما ~~من حديث أبي هريرة من وجه آخر مرفوعا مثل هذا في الأربعة الأسماء المذكورة ~~وتفسيرها. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: " لا يزال الناس يسألون عن كل شئ حتى يقولوا: هذا ~~الله كان قبل كل شئ، فماذا كان قبل الله؟ فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو ~~الأول قبل كل شئ، والآخر فليس بعده شئ، وهو الظاهر فوق كل شئ، وهو الباطن ~~دون كل شئ، وهو بكل شئ عليم ". وأخرج أبو داود عن أبي زميل قال: سألت ابن ~~عباس فقلت: ما شئ أجده ms3863 في صدري، قال ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به، قال: ~~فقال لي: أشئ من شك؟ قال وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال حتى أنزل الله ~~- فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك - ~~الآية قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شئ عليم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وهو ~~معكم أينما كنتم) قال: عالم بكم أينما كنتم. # سورة الحديد (7 - 11) PageV05P166 # قوله (آمنوا بالله ورسوله) أي صدقوا بالتوحيد وبصحة الرسالة، وهذا خطاب ~~لكفار العرب. ويجوز أن يكون خطابا للجميع، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في ~~حق المسلمين الاستمرار عليه، أو الازدياد منه. ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم ~~بالإنفاق في سبيل الله فقال (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) أي جعلكم ~~خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال الله والعباد ~~خلفاء الله في أمواله فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه وقيل جعلكم خلفاء من ~~كان قبلكم ممن ترثونه، وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم فلا تبخلوا به. كذا قال ~~الحسن وغيره. # وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم ويصير إلى ~~غيرهم. والظاهر أن معنى الآية الترغيب في الإنفاق في الخير، وما يرضاه الله ~~على العموم، وقيل هو خاص بالزكاة المفروضة، ولا وجه لهذا التخصيص. ثم ذكر ~~سبحانه ثواب من أنفق في سبيل الله فقال (فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر ~~كبير) أي الذين جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإنفاق في سبيل الله ~~لهم أجر كبير، وهو الجنة (وما لكم لا تؤمنون بالله) هذا الاستفهام للتوبيخ ~~والتقريع: أي أي عذر لكم، وأي مانع من الإيمان، وقد أزيحت عنكم العلل، وما ~~مبتدأ ولكم خبره ولا تؤمنون في محل نصب على الحال من الضمير في لكم، ~~والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وقيل المعنى: أي شئ لكم من الثواب في ~~الآخرة إذا لم تؤمنوا؟ وجملة (والرسول يدعوكم لتؤمنوا ms3864 بربكم) في محل نصب ~~على الحال من ضمير لا تؤمنون على التداخل، ولتؤمنوا متعلق بيدعوكم: أي ~~يدعوكم للإيمان، والمعنى: أي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه ~~وينبهكم عليه؟ وجملة (وقد أخذ ميثاقكم) في محل نصب على الحال من فاعل ~~يدعوكم على التداخل أيضا: أي والحال أن قد أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ~~ظهر أبيكم آدم، أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب ~~الإيمان. قرأ الجمهور " وقد أخذ " مبنيا للفاعل، وهو الله سبحانه لتقدم ~~ذكره. وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول (إن كنتم مؤمنين) بما أخذ عليكم من ~~الميثاق، أو بالحج والدلائل، أو إن كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب فهذا أعظم ~~أسبابه وأوضح موجباته (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات) أي واضحات ~~ظاهرات، وهي الآيات القرآنية، وقيل المعجزات والقرآن أعظمها (ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور) أي ليخرجكم الله بتلك الآيات من ظلمات الشرك إلى نور ~~الإيمان، أو ليخرجكم الرسول بتلك الآيات، أو بالدعوة (وإن الله بكم لرءوف ~~رحيم) أي لكثيرة الرأفة والرحمة بليغهما حيث أنزل كتبه وبعث رسله الهداية ~~عباده فلا رأفة ولا رحمة أبلغ من هذه، والاستفهام في قوله (وما لكم ألا ~~تنفقوا في سبيل الله) للتقريع والتوبيخ، والكلام في إعراب عن هذا كالكلام ~~في إعراب قوله - وما لكم لا تؤمنون بالله - وفي هذه الآية دليل على أن ~~الإنفاق المأمور به في قوله (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) هو الإنفاق ~~في سبيل الله كما بينا ذلك، والمعنى: أي عذر لكم وأي شئ يمنعكم من ذلك، ~~والأصل في أن لا تنفقوا، وقيل إن أن زائدة، وجملة (ولله ميراث السماوات ~~والأرض) في محل نصب على الحال من فاعل " ألا تنفقوا " أو من مفعوله، ~~والمعنى: أي شئ يمنعكم من الإنفاق في ذلك الوجه والحال أن كل ما في ~~السماوات والأرض راجع إلى الله سبحانه بانقراض العالم. كرجوع الميراث إلى ~~PageV05P167 # الوارث، ولا يبقى لهم منه شئ، وهذا أدخل في التوبيخ وأكمل في التقريع، ~~فإن كون تلك الأموال ms3865 تخرج عن أهلها وتصير لله سبحانه ولا يبقى أحد من ~~مالكيها أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من كونها لله في الحقيقة، وهم خلفاؤه ~~في التصرف فيها. ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال (لا ~~يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح) قيل المراد بالفتح فتح مكة، وبه قال أكثر ~~المفسرين. وقال الشعبي والزهري: فتح الحديبية. قال قتادة: كان قتالان ~~أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة ~~قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك، وكذا قال مقاتل وغيره، وفي ~~الكلام حذف، والتقدير: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح (وقاتل) ومن أنفق من ~~بعد الفتح وقاتل، فحذف لظهوره ولدلالة ما سيأتي عليه، وإنما كانت النفقة ~~والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح، لأن حاجة الناس كانت ~~إذ ذاك أكثر وهم أقل وأضعف، وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة ~~الإنفاق لما كانوا عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون ~~ما يجودون به من الأموال، والجود بالنفس أقصى غاية الجود والإشارة بقوله ~~(أولئك) إلى " من " باعتبار معناها، وهو مبتدأ وخبره (أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا) أي أرفع منزلة وأعلا رتبة من الذين أنفقوا أموالهم ~~في سبيل الله من بعد الفتح وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال ~~الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت ~~بصائرهم أيضا أنفذ. # وقد أرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الفضيلة بقوله فيما صح عنه " ~~لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " وهذا خطاب منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم للمتأخرين وصحبه كما يرشد إلى ذلك السبب الذي ورد فيه ~~هذا الحديث (وكلا وعد الله الحسنى) أي وكل واحد من الفريقين وعد الله ~~المثوبة الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت درجاتهم فيها. قرأ الجمهور " وكلا ms3866 " ~~بالنصب على أنه مفعول به للفعل المتأخر. وقرأ ابن عامر بالرفع على ~~الابتداء، والجملة بعده خبره والعائد محذوف، أو على أنه خبر مبتدإ محذوف، ~~ومثل هذا قوال الشاعر: # قد أصبحت أم الخيار تدعى * على ذنبا كله لم أصنع (والله بما تعملون خبير) ~~لا يخفى عليه من ذلك شئ. ثم رغب سبحانه في الصدقة فقال (من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا) أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله، فإنه كمن يقرضه، ~~والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا قد أقرض، ومنه قول الشاعر: # وإذا جوزيت قرضا فأجزه * إنما يجزى الفتى ليس الجمل قال الكلبي (قرضا) أي ~~صدقة (حسنا) أي محتسبا من قلبه بلا من ولا أذى. قال مقاتل: حسنا طيبة به ~~نفسه، وقد تقدم تفسير الآية في سورة البقرة (فيضاعفه له) قرأ ابن عامر وابن ~~كثير " فيضعفه " بإسقاط الألف إلا أن ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء. وقرأ ~~نافع وأهل الكوفة والبصرة " فيضاعفه " بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصما ~~نصب الفاء ورفع الباقون. قال ابن عطية: الرفع على العطف على يقرض، أو ~~الاستئناف والنصب لكون الفاء في جواب الاستفهام. وضعف النصب أبو علي ~~الفارسي قال لأن السؤال لم يقع عن القرض، وإنما وقع عن فاعل القرض، وإنما ~~تنصب الفاء فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على ~~المعنى، كأن قوله (من ذا الذي يقرض الله) بمنزلة قوله أيقرض الله أحد (وله ~~أجر كريم) وهو الجنة، والمضاعفة هنا هي كون الحسنة بعشرة أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات. PageV05P168 # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من ~~طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال " خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: يوشك أن يأتي قوم يحقرون أعمالكم مع ~~أعمالهم، قلنا من هم يا رسول الله؟ أقريش؟ ms3867 قال: لا، ولكنهم أهل اليمن هم ~~أرق أفئدة وألين قلوبا فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ # قال: لو كان لأحدهم جبل من ذهب ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، إلا أن هذا ~~فصل ما بيننا وبين الناس (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) الآية ~~" وهذا الحديث قال ابن كثير: هو غريب بهذا الإسناد، وقد رواه ابن جرير ولم ~~يذكر فيه الحديبية. وأخرج أحمد عن أنس قال " كان بين خالد بن الوليد وبين ~~عبد الرحمن ابن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام ~~سبقتمونا بها؟ فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دعوا لي أصحابي، ~~فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم " ~~والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ " لا تسبوا ~~أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ~~ولا نصيفه " وفي لفظ " ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " أخرج هذا الحديث ~~البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن ~~عمر قال: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلمقام أحدهم ساعة ~~خير من عمل أحدكم عمره. # سورة الحديد (12 - 15) قوله (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات) العامل في ~~الظرف مضمر وهو أذكر، أو كريم أو فيضاعفه، أو العامل في لهم وهو الاستقرار، ~~والخطاب لكل من يصلح له، وقوله (يسعى نورهم) في محل نصب على الحال من مفعول ~~ترى، والنور هو الضياء الذي يرى (بين أيديهم وبأيمانهم) وذلك على الصراط ~~يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة. قال قتادة: إن المؤمن يضئ له نور كما ~~بين عدن إلى صنعاء، حتى إن من المؤمنين من لا يضئ له نوره إلا موضع قدميه. ~~وقال الضحاك ومقاتل: وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم ~~بين أيديهم. قال الفراء: الباء بمعنى في: أي في أيمانهم، أو بمعنى عن. قال ~~الضحاك أيضا: نورهم هداهم، وأيمانهم ms3868 كتبهم، واختار هذا ابن جرير الطبري: أي ~~يسعى أيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. ~~PageV05P169 # قرأ الجمهور " بأيمانهم " جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو حيوة " ~~بإيمانهم " بكسر الهمزة على أن المراد بالإيمان ضد الكفر، وقيل هو القرآن، ~~والجار والمجرور في الموضعين في محل نصب على الحال من نورهم: أي كائنا بين ~~أيديهم وبأيمانهم (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) ~~بشراكم مبتدأ، وخبره جنات على تقدير مضاف: أي دخول جنات، والجملة مقول قول ~~مقدر: أي يقال لهم هذا، والقائل لهم هم الملائكة. # قال مكي: وأجاز الفراء نصب جنات على الحال، ويكون اليوم خبر بشراكم، وهذا ~~بعيد جدا " خالدين فيها " حال مقدرة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى النور ~~والبشري، وهو مبتدأ وخبره (هو الفوز العظيم) أي لا يقادر قدره حتى كأنه لا ~~فوز غيره، ولا اعتداد بما سواه (يوم يقول المنافقون والمنافقات) يوم بدل من ~~يوم الأول، ويجوز أن يكون العامل فيه الفوز العظيم، ويجوز أن يكون منصوبا ~~بفعل مقدر: أي أذكر (للذين آمنوا) اللام للتبليغ كنظائرها. قرأ الجمهور ~~(انظرونا) أمرا بوصل الهمزة وضم الظاء من النظر بمعنى الانتظار: أي ~~انتظرونا، يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة. وقرأ الأعمش ~~وحمزة ويحيى بن وثاب بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار: أي أمهلونا ~~وأخرونا، يقال أنظرته واستنظرته: أي أمهلته واستمهلته. قال الفراء. تقول ~~العرب أنظرني: أي انتظرني،. أنشد قول عمرو بن كلثوم: # * أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبرك اليقينا وقيل معنى انظرونا: ~~انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بنورهم ~~(نقتبس من نوركم) أي نستضئ منه، والقبس: الشعلة من النار والسراج، فلما ~~قالوا ذلك (قيل ارجعوا وراءكم) أي قال لهم المؤمنون أو الملائكة زجرا لهم ~~وتهكما بهم: أي ارجعوا وراءكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور (فالتمسوا ~~نورا) أي اطلبوا هنالك نورا لأنفسكم، فإنه من هنالك يقتبس، وقيل المعنى: ~~ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان والأعمال ~~الصالحة، وقيل ms3869 أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة تهكما بهم (فضرب بينهم ~~بسور) السور: هو الحاجز بين الشيئين، والمراد به هنا الحاجز بين الجنة ~~والنار، أو بين أهل الجنة وأهل النار. قال الكسائي: والباء في بسور زائدة. ~~ثم وصف سبحانه السور المذكور فقال (له باب باطنه فيه الرحمة) أي باطن ذلك ~~السور. وهو الجانب الذي يلي أهل الجنة فيه الرحمة وهي الجنة (وظاهره) وهو ~~الجانب الذي يلي أهل النار (من قبله العذاب) أي من جهته عذاب جهنم، وقيل إن ~~المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب وبينهم ~~السور، وقيل إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ~~ظلمة المنافقين، ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر الله سبحانه ~~عما قاله المنافقون إذ ذاك فقال (ينادونهم ألم نكن معكم) أي موافقين لكم في ~~الظاهر نصلي بصلاتكم في مساجدكم ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم، والجملة ~~مستأنفة كأنه قيل: فماذا قال المنافقون بعد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين؟ ~~فقال (ينادونهم)، ثم أخبر سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال (قالوا بلى) ~~أي كنتم معنا في الظاهر (ولكنكم فتنتم أنفسكم) بالنفاق وإبطان الكفر. قال ~~مجاهد: أهلكتموها بالنفاق، وقيل بالشهوات واللذات (وتربصتم) بمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وبمن معه من المؤمنين حوادث الدهر، وقيل تربصتم بالتوبة، ~~والأول أولى (وارتبتم) أي شككتم في أمر الدين ولم تصدقوا ما نزل من القرآن ~~ولا بالمعجزات الظاهرة (وغرتكم الأماني) الباطلة التي من جملتها ما كنتم ~~فيه من التربص، وقيل هو طول الأمل، وقيل ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين. ~~وقال قتادة: الأماني هنا غرور الشيطان، PageV05P170 # وقيل الدنيا، وقيل هو طمعهم في المغفرة، وكل هذه الأشياء تدخل في مسمى ~~الأماني (حتى جاء أمر الله) وهو الموت، وقيل نصره سبحانه لنبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وقال قتادة: هو إلقاؤهم في النار (وغركم بالله الغرور) قرأ ~~الجمهور " الغرور " بفتح الغين، وهو صفة على فعول، والمراد به الشيطان: أي ~~خدعكم بحلم الله وإمهاله الشيطان. وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميفع وسماك ms3870 بن ~~حرب بضمها وهو مصدر (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية) تفدون بها أنفسكم من النار ~~أيها المنافقون (ولا من الذين كفروا) بالله ظاهرا وباطنا (مأواكم النار) أي ~~منزلكم الذي تأوون إليه النار (هي مولاكم) أي هي أولى بكم، والمولى في ~~الأصل من يتولى مصالح الإنسان ثم استعمل فيمن يلازمه، وقيل معنى مولاكم: ~~مكانكم عن قرب، من الولي وهو القرب. وقيل إن الله يركب في النار الحياة ~~والعقل، فهي تتميز غيظا على الكفار، وقيل المعنى: هي ناصركم على طريقة قول ~~الشاعر: # تحية بينهم ضرب وجيع (وبئس المصير) الذي تصيرون إليه وهو النار. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود (يسعى نورهم بين أيديهم) قال: يؤتون نورهم على قدر ~~أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل ~~النخلة، وأدناهم نورا من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويوقد أخرى. وأخرج ابن ~~جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة ~~إذ بعث الله نورا، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلهم ~~من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا إلى النور ~~تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ (انظرونا نقتبس من نوركم) ~~فإنا كنا معكم في الدنيا، قال المؤمنون (ارجعوا وراءكم) من حيث جئتم من ~~الظلمة (فالتمسوا) هنالك النور. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله يدعو الناس يوم القيامة ~~بأمهاتهم سترا منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله يعطى كل مؤمن نورا ~~وكل منافق نورا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين ~~والمنافقات، فقال المنافقون - انظرونا نقتبس من نوركم - وقال المؤمنون - ~~ربنا أتمم لنا نورنا - فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا " وفي الباب أحاديث ~~وآثار. وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن الصامت: أنه كان على سور بيت المقدس ~~فبكى، فقيل له ما يبكيك؟ فقال: هاهنا أخبرنا ms3871 رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه رأى جهنم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ~~ذكره الله في القرآن (فضرب بينهم بسور) هو السور الذي ببيت المقدس الشرقي ~~(باطنه فيه الرحمة) المسجد (وظاهره من قبله العذاب) يعنى وادي جهنم وما ~~يليه. # ولا يخفاك أن تفسير السور المذكور في القرآن في هذه الآية بهذا السور ~~الكائن ببيت المقدس فيه من الإشكال مالا يدفعه مقال، ولا سيما بعد زيادة ~~قوله: باطنه فيه الرحمة المسجد، فإن هذا غير ما سيقت له الآية وغير ما دلت ~~عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي ~~المؤمنين والمنافقين، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس هاهنا، فإن كان المراد ~~أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس، ويجعله في الدار الآخرة سورا مضروبا ~~بين المؤمنين والمنافقين، فما معني تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة ~~بالمسجد، وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت ~~المقدس فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد، ويجعل المنافقين خارجه، فهم ~~إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس، فإن كان مثل هذا ~~PageV05P171 # التفسير ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلناه وآمنا به، ~~وإلا فلا كرامة ولا قبول. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله ~~(ولكنكم فتنتم أنفسكم) قال: بالشهوات واللذات (وتربصتم) قال: بالتوبة ~~(وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله) قال: الموت (وغركم بالله الغرور) قال: ~~الشيطان. # سورة الحديد من 16 - 19 قوله (ألم يأن للذين آمنوا) يقال أنى لك يأنى ~~أنى: إذا حان. قرأ الجمهور " ألم يأن " وقرأ الحسن وأبو السماك " ألما يأن ~~" وأنشد ابن السكيت: # ألما يأن لي أن تجلى عمايتي * وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا * و (أن تخشع ~~قلوبهم) فاعل يأن: أي ألم يحضر خشوع قلوبهم ويجئ وقته، ومنه قول الشاعر: # ألم يأن ms3872 لي يا قلب أن أترك الجهلا * وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا هذه ~~الآية نزلت في المؤمنين. قال الحسن: يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه. وقيل إن ~~الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد. قال الزجاج: نزلت في طائفة من ~~المؤمنين، حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع ~~فطبقة فوق هؤلاء. وقال السدى وغيره: المعنى ألم يأن للذين آمنوا في الظاهر ~~وأسروا الكفر أن تخشع قلوبهم (لذكر الله) وسيأتي في آخر البحث ما يقوى قول ~~من قال إنها نزلت في المسلمين، والخشوع لين القلب ورقته. والمعنى: أنه ~~ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعا ورقة، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر ولا ~~يخشع له (وما نزل من الحق) معطوف على ذكر الله، والمراد بما نزل من الحق ~~القرآن، فيحمل الذكر المعطوف عليه على ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه ~~باللسان، أو خطور بالقلب، وقيل المراد بالذكر هو القرآن، فيكون هذا العطف ~~من باب عطف التفسير، أو باعتبار تغاير المفهومين. قرأ الجمهور " نزل " ~~مشددا مبنيا للفاعل. وقرأ نافع وحفص بالتخفيف مبنيا للفاعل. وقرأ الجحدري ~~وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية عنه مشددا مبنيا للمفعول. وقرأ ابن ~~مسعود " أنزل " مبنيا للفاعل (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل) قرأ ~~الجمهور بالتحتية على الغيبة جريا على ما تقدم. وقرأ أبو حيوة وابن أبي ~~عبلة بالفوقية على الحساب التفاتا، وبها قرأ عيسى وابن إسحاق، والجملة ~~معطوفة على تخشع: أي ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم ولا يكونوا، والمعنى: ~~النهى لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل ~~من قبل نزول القرآن (فطال عليهم الأمد) أي طال عليهم الزمان بينهم ~~PageV05P172 # وبين أنبيائهم، قرأ الجمهور " الأمد " بتخفيف الدال، وقرأ ابن كثير في ~~رواية عنه بتشديدها: أي الزمن الطويل، وقيل المراد بالأمد على القراءة ~~الأولى الأجل والغاية، يقال أمد فلان كذا: أي غايته (فقست قلوبهم) بذلك ~~السبب، فلذلك حرفوا وبدلوا، فنهى الله سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن ms3873 يكونوا مثلهم (وكثير منهم فاسقون) أي خارجون عن طاعة الله لأنهم ~~تركوا العمل بما أنزل إليهم، وحرفوا وبدلوا ولم يؤمنوا بما نزل على محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل هم الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقيل هم الذين ابتدعوا الرهبانية، وهم أصحاب الصوامع ~~(اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها) فهو قادر على أن يبعث الأجسام بعد ~~موتها، ويلين القلوب بعد قسوتها (قد بينا لكم الآيات) التي من جملتها هذه ~~الآيات (لعلكم تعقلون) أي كي تعقلوا ما تضمنته من المواعظ وتعملوا بموجب ~~ذلك (إن المصدقين والمصدقات) قرأ الجمهور بتشديد الصاد في الموضعين من ~~الصدقة، وأصله المتصدقين والمتصدقات، فأدغمت الياء في الصاد. وقرأ أبي " ~~المتصدقين والمتصدقات " بإثبات التاء على الأصل. وقرأ ابن كثير بتخفيف ~~الصاد من التصديق: أي صدقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به ~~(وأقرضوا الله قرضا حسنا) معطوف على اسم الفاعل في المصدقين لأنه لما وقع ~~صلة للألف واللام الموصولة حل محل الفعل، فكأنه قال: إن الذين تصدقوا ~~وأقرضوا كذا قال أبو علي الفارسي وغيره. وقيل جملة وأقرضوا معترضة بين اسم ~~إن وخبرها، وهو - يضاعف - وقيل هي صلة لموصول محذوف: أي والذين أقرضوا، ~~والقرض الحسن عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله مع خلوص نية وصحة قصد ~~واحتساب أجر. قرأ الجمهور (يضاعف لهم) بفتح العين على البناء للمفعول، ~~والقائم مقام الفاعل إما الجار والمجرور أو ضمير يرجع إلى المصدقين على حذف ~~مضاف: أي ثوابهم، وقرأ الأعمش " يضاعفه " بكسر العين وزيادة الهاء. وقرأ ~~ابن كثير وابن عامر ويعقوب " يضعف " بتشديد العين وفتحها (ولهم أجر كريم) ~~وهو الجنة، والمضاعفة هنا أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف (والذين ~~آمنوا بالله ورسله) جميعا، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الموصول، وخبره قوله ~~(هم الصديقون والشهداء) والجملة خبر الموصول. قال مجاهد: كل من آمن بالله ~~ورسله فهو صديق. قال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ~~ولم يكذبوهم. وقال مجاهد: هذه الآية للشهداء ms3874 خاصة، وهم الأنبياء الذين ~~يشهدون للأمم وعليهم، واختار هذا الفراء والزجاج. # وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وكذا قال ابن ~~جرير، وقيل هم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة لأنبيائهم بالتبليغ، والظاهر ~~أن معنى الآية: إن الذين آمنوا بالله ورسله جميعا بمنزلة الصديقين والشهداء ~~المشهورين بعلو الدرجة عند الله، وقيل إن الصديقين هم المبالغون في الصدق ~~حيث آمنوا بالله وصدقوا جميع رسله، والقائمون لله سبحانه بالتوحيد. ثم بين ~~سبحانه ما لهم من الخير بسبب ما اتصفوا به من الإيمان بالله ورسله فقال ~~(لهم أجرهم ونورهم) والضمير الأول راجع إلى الموصول، والضميران الأخيران ~~راجعان إلى الصديقين والشهداء: أي لهم مثل أجرهم ونورهم، وأما على قول من ~~قال: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصديقين والشهداء، فالضمائر ~~الثلاثة كلها راجعة إلى شئ واحد، والمعنى: لهم الأجر والنور الموعودان لهم. ~~ثم لما ذكر حال المؤمنين وثوابهم ذكر حال الكافرين وعقابهم فقال (والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا) أي جمعوا بين الكفر وتكذيب الآيات، والإشارة بقوله ~~(أولئك) إلى الموصول باعتبار ما في صلته من اتصافهم بالكفر والتكذيب، وهذا ~~مبتدأ وخبره (أصحاب الجحيم) يعذبون بها ولا أجر لهم ولا نور، بل عذاب مقيم ~~وظلمة دائمة. PageV05P173 # وقد أخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله ~~(ألم يأن للذين آمنوا) الآية ". وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت " خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون، ~~فسحب رداءه محمرا وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر ~~لكم، ولقد أنزل على في ضحككم آية (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله) قالوا: يا رسول الله فما كفارة ذلك؟ قال: تبكون بقدر ما ضحكتم. " ~~وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ~~ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ms3875 الآية (ألم يأن للذين آمنوا) ~~إلا أربع سنين. وأخرج نحوه عنه ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن ~~مردويه من طريق أخرى. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عنه أيضا قال: لما نزلت ~~هذه الآية أقبل بعضنا على بعض: أي شئ أحدثنا أي شئ صنعنا؟. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم ~~على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن (ألم يأن للذين آمنوا) الآية. وأخرج ~~ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت هذه الآية (ألم يأن للذين ~~آمنوا). وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس (اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد ~~موتها) قال: يعني أنه يلين القلوب بعد قسوتها. وأخرج ابن جرير عن البراء بن ~~عازب سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " مؤمنو أمتي شهداء، ثم ~~تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهداء عند ربهم) ". وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: كل ~~مؤمن صديق وشهيد. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: " إن الرجل ليموت ~~على فراشه وهو شهيد، ثم تلا هذه الآية ". # وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~(والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون) قال: هذه مفصولة - والشهداء ~~عند ربهم لهم أجرهم ونورهم -. وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني: قال " ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن ~~شهدة أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة ~~وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء. # سورة الحديد (21 - 24) PageV05P174 # قوله (اعلموا أنا الحياة الدنيا لعب ولهو) لما ذكر سبحانه حال الفريق ~~الثاني وما وقع منهم من الكفر والتكذيب، وذلك بسبب ميلهم إلى الدنيا ~~وتأثيرها بين لهم حقارتها وأنها أحقر من ms3876 أن تؤثر على الدار الآخرة، واللعب ~~هو الباطل، اللهو كل شئ يتلهى به ثم يذهب. قال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. ~~قال مجاهد: # كل لعب لهو، وقيل اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة وشغل ~~عنها، وقيل اللعب الاقتناء، واللهو النساء، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة ~~الأنعام، والزينة التزين بمتاع الدنيا من دون عمل للآخرة (وتفاخر بينكم) ~~قرأ الجمهور بتنوين " تفاخر " والظرف صفة له، أو معمول له، وقرأ السلمي ~~بالإضافة: أي يفتخر به بعضكم على بعض، وقيل يتفاخرون بالخلقة والقوة، وقيل ~~بالأنساب والأحساب كما كانت عليه العرب (وتكاثر في الأموال والأولاد) أي ~~يتكاثرون بأموالهم وأولادهم ويتطاولون بذلك على الفقراء ثم بين سبحانه لهذه ~~الحياة شبها، وضرب لها مثلا فقال (كمثل غيث أعجب الكفار نباته) أي كمثل مطر ~~أعجب الزراع نباته، والمراد بالكفار هنا الزراع لأنهم يكفرون البذر: أي ~~يغطونه بالتراب، ومعنى نباته: النبات الحاصل به (ثم يهيج) أي يجف بعد خضرته ~~وييبس (فتراه مصفرا) أي متغيرا عما كان عليه من الخضرة: والرونق إلى لون ~~الصفرة والذبول (ثم يكون حطاما) أي فتاتا هشيما متكسرا متحطما بعد يبسه، ~~وقد تقدم تفسير هذا المثل في سورة يونس والكهف، والمعنى: أن الحياة الدنيا ~~كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته وكثرة نضارته. ثم لا يلبث أن يصير هشيما ~~تبنا كأن لم يكن. وقرئ " مصفارا " والكاف في محل نصب على الحال، أو في محل ~~رفع على أنها خبر بعد خبر أو خبر مبتدإ محذوف. ثم لما ذكر سبحانه حقارة ~~الدنيا وسرعة زوالها، ذكر ما أعده للعصاة في الدار الآخرة فقال (وفي الآخرة ~~عذاب شديد) وأتبعه بما أعده لأهل الطاعة فقال (ومغفرة من الله ورضوان) ~~والتنكير فيهما للتعظيم. قال قتادة: عذاب شديد لأعداء الله، ومغفرة من الله ~~ورضوان لأوليائه وأهل طاعته. قال الفراء: # التقدير في الآية إما عذاب شديد، وإما مغفرة، فلا يوقف على شديد. ثم ذكر ~~سبحانه بعد الترهيب والترغيب حقارة الدنيا فقال (وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور) لمن اغتربها ولم يعمل ms3877 لآخرته. قال سعيد بن جبير: متاع الغرور ~~لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خبر ~~منه. وهذه الجملة مقررة للمثل المتقدم ومؤكدة له، ثم ندب عباده إلى ~~المسابقة إلى ما يوجب المغفرة من التوبة والعمل الصالح، فإن ذلك سبب إلى ~~الجنة فقال (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) أي سارعوا مسارعة السابقين بالأعمال ~~الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم وتوبوا مما وقع منكم من المعاصي، ~~وقيل المراد بالآية التكبيرة الأولى مع الإمام قاله مكحول، وقيل المراد ~~الصف الأول، ولا وجه لتخصيص ما في الآية بمثل هذا، بل هو من جملة ما تصدق ~~عليه صدقا شموليا أو بدليا (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) أي كعرضهما، ~~وإذا كان هذا قدر عرضها فما ظنك بطولها. قال الحسن: يعني جميع السماوات ~~والأرضين مبسوطات كل واحدة إلى صاحبتها، وقيل المراد بالجنة التي عرضها هذا ~~العرض هي جنة كل واحد من أهل الجنة. وقال ابن كيسان: عني به جنة واحدة من ~~الجنات، والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشئ بعرضه دون ~~طوله، ومن ذلك قول الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفة حابل PageV05P175 # وقد مضى تفسير هذا في سورة آل عمران. ثم وصف سبحانه تلك الجنة بصفة أخرى ~~فقال (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله) ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة. ~~وفي هذا دليل على أن استحقاق الجنة يكون بمجرد الإيمان بالله ورسله، ولكن ~~هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه ~~واجتنب ما نهاه الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب والسنة، والإشارة بقوله ~~(ذلك) إلى وعد به سبحانه من المغفرة والجنة، وهو مبتدأ وخبره (فضل الله ~~يؤتيه من يشاء) أي يعطيه من يشاء إلا إعطاءه إياه تفضلا وإحسانا (والله ذو ~~الفضل العظيم) فهو يتفضل على من يشاء بما يشاء، لا مانع لما أعطى ولا معطى ~~لما منع، والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق والجواد ms3878 الذي لا يبخل. ثم بين ~~سبحانه أن ما يصاب به العباد من المصائب قد سبق بذلك قضاؤه وقدره وثبت في ~~أم الكتاب فقال (ما أصاب من مصيبة في الأرض) من قحط مطر وضعف نبات ونقص ~~ثمار. قال مقاتل: القحط وقلة النبات والثمار، وقيل الجوائح في الزرع (ولا ~~في أنفسكم) قال قتادة: بالأوصاب والأسقام. # وقال مقاتل: إقامة الحدود. وقال ابن جريج: ضيق المعاش (إلا في كتاب) في ~~محل نصب على الحال من مصيبة: أي إلا حال كونها مكتوبة في كتاب، وهو اللوح ~~المحفوظ، وجملة (من قبل أن نبرأها) في محل جر صفة لكتاب، والضمير في نبرأها ~~عائد إلى المصيبة، أو إلى الأنفس، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ذلك، ومعنى " ~~نبرأها " نخلقها (إن ذلك على الله يسير) أي أن إثباتها في الكتاب على كثرته ~~على الله يسير غير عسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم) أي اختبرناكم بذلك ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا (ولا تفرحوا بما آتاكم) منها: أي ~~أعطاكم منها، فإن ذلك يزول عن قريب، وكل زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح ~~بحصوله ولا يحزن على فواته، ومع أن الكل بقضاء الله وقدره، فلن يعدو امرأ ~~ما كتب له، وما كان حصوله كائنا لا محالة فليس بمستحق للفرح بحصوله ولا ~~للحزن على فوته، قيل والحزن والفرح المنهى عنهما هما اللذان يتعدى فيهما ~~إلى ما لا يجوز، وإلا فليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح. قرأ الجمهور " بما ~~آتاكم " بالمد: أي أعطاكم، وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو ~~بالقصر: أي جاءكم، واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية ~~أبو عبيد (والله لا يحب كل مختال فخور): أي لا يحب من اتصف بهاتين الصفتين ~~وهما الاختيال والافتخار، قيل هو ذم للفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، ~~وقيل إن من فرح بالحظوظ الدنيوية وعظمت في نفسه اختال وافتخر بها، وقيل ~~المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاستحقار. ~~والأولى تفسير هاتين الصفتين بمعناهما الشرعي ms3879 ثم اللغوي، فمن حصلتا فيه فهو ~~الذي لا يحبه الله (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) الموصول في محل رفع ~~بالابتداء، وهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله، والخبر مقدر: أي الذين ~~يبخلون فالله غني عنهم، ويدل على ذلك قوله (ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد) وقيل الموصول في محل جر بدل من مختال، وهو بعيد، فإن هذا البخل بما ~~في اليد وأمر الناس بالبخل ليس هو معنى المختال الفخور، لا لغة ولا شرعا. ~~وقيل هو في محل جر نعت له، وهو أيضا بعيد. قال سعيد بن جبير: الذين يبخلون ~~بالعلم ويأمرون الناس بالبخل به لئلا يعلموا الناس شيئا. وقال زيد بن أسلم: ~~إنه البخل بأداء حق الله، وقيل إنه البخل بالصدقة، وقال طاووس: إنه البخل ~~بما في يديه، وقيل أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا بيان صفة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم في كتبهم لئلا يؤمن به الناس فتذهب مآكلهم قال السدي ~~والكلبي: قرأ الجمهور " بالبخل " بضم الباء وسكون الخاء. وقرأ أنس وعبيد بن ~~عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحميد وابن حميصن وحمزة والكسائي بفتحتين، ~~PageV05P176 # وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية وابن السميفع بفتح الباء وإسكان ~~الخاء. وقرأ نصر بن عاصم بضمهما، وكلها لغات (ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد) أي ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غي عنه محمود عنه خلقه لا يضره ~~ذلك. قرأ الجمهور هو الغني بإثبات ضمير الفصل. وقرأ نافع وابن عامر فإن ~~الله الغني الحميد بحذف الضمير. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ما ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم) يقول في الدين والدنيا (إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها) قال نخلقها (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) من الدنيا (ولا ~~تفرحوا بما آتاكم) منها. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: هو شئ قد فرغ ~~منه من قبل أن تبرأ الأنفس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن ms3880 المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه أيضا في قوله (لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم) الآية قال: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن من ~~أصابته مصيبة جعلها صبرا، ومن أصابه خير جعله شكرا. وأخرج ابن المنذر عنه ~~في الآية قال: يريد مصائب المعاش، ولا يريد مصائب الدين، وإنه قال: (لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) وليس هذا من مصائب الدين، أمرهم ~~أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة. # سورة الحديد (25 - 29) قوله (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات) أي بالمعجزات ~~البينة والشرائع الظاهرة (وأنزلنا معهم الكتاب المراد الجنس، فيدخل فيه ~~كتاب كل رسول (والميزان ليقوم الناس بالقسط) قال قتادة ومقاتل بن حيان: ~~الميزان العدل، والمعنى: أمرناهم بالعدل كما في قوله - والسماء رفعها ووضع ~~الميزان - وقوله - الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان - وقال ابن زيد: ~~وهو ما يوزن به ويتعامل به، ومعنى - ليقوم الناس بالقسط - ليتبعوا ما أمروا ~~به من العدل فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة، والقسط العدل، وهو يدل على أن ~~المراد بالميزان العدل، ومعنى إنزاله: إنزال أسبابه PageV05P177 # وموجباته. وعلى القول بأن المراد به الآلة التي يوزن بها فيكون إنزاله ~~بمعنى إرشاد الناس إليه وإلهامهم الوزن به، ويكون الكلام من باب علفتها ~~تبنا وماء باردا وأنزلنا الحديد (أي خلقناه كما في قوله - وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج - والمعنى: أنه خلقه من المعادن وعلم الناس صنعته، ~~وقيل إنه نزل مع آدم (فيه بأس شديد) لأنه تتخذ منه آلات الحرب، قال الزجاج: ~~يمتنع به ويحارب، والمعنى: أنه تتخذ منه آلة للدفع وآلة للضرب. # قال مجاهد: فيه جنة وسلاح، ومعنى (ومنافع للناس) أنهم ينتفعون به في كثير ~~مما يحتاجون إليه مثل السكين والفأس والإبرة وآلات الزراعة والنجارة ~~والعمارة (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) معطوف على قوله ليقوم الناس: ~~أي لقد أرسلنا رسلنا وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس وليعلم، وقيل معطوف على ~~علة مقدرة، كأنه قيل ليستعملوه وليعلم الله، والأول أولى. والمعنى: أن الله ~~أمر في الكتاب الذي أنزل بنصره دينه ورسله ms3881 فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرا، ~~ومن عصى علمه بخلاف ذلك وبالغيب في محل نصب على الحال من فاعل ينصره أو من ~~مفعوله: أي غائبا عنهم أو غائبين عنه (إن الله قوى عزيز) أي قادر على كل شئ ~~غالب لكل شئ، وليس له حاجة في إن ينصره أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم ~~بذلك لينتفعوا به إذا امتثلوا ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين (ولقد ~~أرسلنا نوحا وإبراهيم) لما ذكر سبحانه إرسال الرسل إجمالا أشار هنا إلى نوع ~~تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم، وكرر القسم للتوكيد (وجعلنا في ذريتهما ~~النبوة والكتاب) أي جعلنا فيهم النبوة والكتب المنزلة على الأنبياء منهم، ~~وقيل جعل بعضهم أنبياء وبعضهم يتلون الكتاب (فمنهم مهتد) أي فمن الذرية من ~~اهتدى بهدى نوح وإبراهيم، وقيل المعنى: فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء ~~مهتد بما جاء به الأنبياء من الهدى (وكثير منهم فاسقون) خارجون عن الطاعة ~~(ثم قفينا على آثارهم برسلنا) أي اتبعنا على آثار الذرية أو على آثار نوح ~~وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى وإلياس وداود وسليمان ~~وغيرهم (وقفينا بعيسى ابن مريم) أي أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى ~~عيسى ابن مريم، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه (وآتيناه الإنجيل) وهو ~~الكتاب الذي أنزله الله عليه، وقد تقدم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران. قرأ ~~الجمهور " الإنجيل " بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بفتحها (وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة) الذين اتبعوه هم الحواريون جعل الله في قلوبهم مودة ~~لبعضهم البعض، ورحمة يتراحمون بها، بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك، وأصل ~~الرأفة اللين، والرحمة الشفقة، وقيل الرأفة أشد الرحمة (ورهبانية ابتدعوها) ~~انتصاب رهبانية على الاشتغال: أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وليس بمعطوفة ~~على ما قبلها، وقيل معطوفة على ما قبلها: أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ~~ورهبانية مبتدعة من عند أنفسهم. والأول أولى، ورجحه أبو علي الفارسي وغيره، ~~وجملة (ما كتبناها عليهم) صفة ثانية لرهبانية، أو مستأنفة مقررة لكونها ~~مبتدعة من جهة أنفسهم، والمعنى: ms3882 ما فرضناها عليهم، والرهبانية بفتح الراء ~~وضمها، وقد قرئ بهما، وهي بالفتح الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة إلى ~~الرهبان، وذلك لأنهم غلوا في العبادة وحملوا على أنفسهم المشقات في ~~الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع، لأن ملوكهم ~~غيروا وبدلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا، ذكر معناه الضحاك وقتادة ~~وغيرهما (إلا ابتغاء رضوان الله) الاستثناء منقطع: أي ما كتبناها نحن عليهم ~~رأسا، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وقال الزجاج: ما كتبناها عليهم ~~معناه لم نكتب عليهم شيئا ألبتة، قال: ويكون (إلا ابتغاء رضوان الله) بدلا ~~من الهاء والألف في كتبناها، والمعنى: ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله (فما رعوها حق رعايتها) أي لم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من ~~جهة أنفسهم، بل صنعوها وكفروا بدين عيسى، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا ~~PageV05P178 # وبدلوا وتركوا الترهب، ولم يبق على دين عيسى إلا قليل منهم، وهم المرادون ~~بقوله (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم ~~آمنوا بعيسى وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~بعثه الله (وكثير منهم فاسقون) خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به، ~~ووجه الذم لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم ~~الرهبانية معتقدين أنها طاعة وأن الله يرضاها، فكان تركها وعدم رعايتها حق ~~الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينا. وأما على القول بأن ~~الاستثناء متصل، وأن التقدير: # ما كتبناها عليهم لشئ من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن ~~وفقناهم لابتداعها فوجه الذم ظاهر. ثم أمر سبحانه المؤمنين بالرسل ~~المتقدمين بالتقوى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال (يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله) بترك ما نهاكم عنه (وآمنوا برسوله) محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم (يؤتكم كفلين من رحمته) أي نصيبين من رحمته بسبب إيمانكم ~~برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، وأصل الكفل الحظ والنصيب، وقد تقدم ~~الكلام على تفسيره في سورة النساء (ويجعل لكم نورا ms3883 تمشون به) يعني على ~~الصراط كما قال - نورهم يسعى بين أيديهم - وقيل المعنى: ويجعل لكم سبيلا ~~واضحا في الدين تهتدون به (ويغفر لكم) ما سلف من ذنوبكم (والله غفور رحيم) ~~أي بليغ المغفرة والرحمة (لئلا يعلم أهل الكتاب) اللام متعلقة بما تقدم من ~~الأمر بالإيمان والتقوى، والتقدير: اتقوا وآمنوا يؤتكم كذا وكذا ليعلم ~~الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب (أن لا يقدرون على شئ من فضل الله) ~~ولا في قوله " لئلا " زائدة للتوكيد، قاله الفراء والأخفش وغيرهما، وأن في ~~قوله " أن لا يقدرون " هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف ~~وخبرها ما بعدها، والجملة في محل نصب على أنها مفعول يعلم، والمعنى: ليعلم ~~أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئا من فضل الله الذي تفضل به ~~على من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل ~~الذي تفضل الله به على المستحقين له، وجملة (وأن الفضل بيد الله) معطوفة ~~على الجملة التي قبلها: أي ليعلموا أنهم لا يقدرون وليعلموا أن الفضل بيد ~~الله سبحانه، وقوله (يؤتيه من يشاء) خبر ثان لأن، أو هو الخبر، والجار ~~والمجرور في محل نصب على الحال (والله ذو الفضل العظيم) هذه الجملة مقررة ~~لمضمون ما قبلها، والمراد بالفضل هنا ما تفضل به على الذين اتقوا وآمنوا ~~برسوله من الأجر المضاعف. وقال الكلبي: هو رزق الله، وقيل نعم الله التي لا ~~تحصى، وقيل هو الإسلام، وقد قيل إن " لا " في لئلا غير مزيدة، وضمير لا ~~يقدرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. والمعنى: لئلا يعتقد أهل ~~الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون على شئ من فضل الله الذي هو عبارة عما ~~أوتوه، والأول أولى. وقرأ ابن مسعود " لكيلا يعلم " وقرأ خطاب بن عبد الله ~~" لأن يعلم " وقرأ عكرمة " ليعلم " وقرئ " ليلا " بقلب الهمزة ياء، وقرئ ~~بفتح اللام. # وقد أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي ms3884 حاتم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب من ~~طرق ابن مسعود قال: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عبد ~~الله، قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال: هل تدري أي عرى الإسلام أوثق؟ ~~قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم، ~~يا عبد الله هل تدري أي الناس أعلم؟ قلت: # الله ورسوله أعلم، قال: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن ~~كان مقصرا بالعمل وإن كان يزحف على استه، واختلف من كان قبلنا على اثنتين ~~وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها: فرقة وازرت الملوك وقاتلتهم على ~~دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك فأقاموا ~~بين ظهراني قومهم PageV05P179 # فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلهم الملوك ونشرتهم بالمناشير، وفرقة ~~لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا ~~فيها وهم الذين قال الله (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) هم الذين ~~آمنوا بي وصدقوني (وكثير منهم فاسقون) الذين جحدوني وكفروا بي ". وأخرج ~~النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: " كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإنجيل، فكان ~~منهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل فقيل لملوكهم ما نجد شيئا أشد من شتم ~~يشتمنا هؤلاء إنهم يقرءون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~- - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون - فأولئك هم الفاسقون - ~~مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعوهم فليقرءوا كما نقرأ ~~وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو ليتركوا قراءة ~~التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منهما، فقالوا ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا، ~~فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئا ~~نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا سيح في الأرض ~~ونهيم ونأكل مما ms3885 تأكل منه الوحوش ونشرب مما تشرب، فإن قدرتم علينا في أرضكم ~~فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث ~~البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم ~~ففعلوا ذلك، فأنزل الله (رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها) وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك وفنى ~~من فنى منهم قالوا: نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما ~~اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق منهم إلا القليل انحط صاحب الصومعة ~~من صومعته وجاء السياح من سياحته وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، ~~فقال الله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته) أجرين بإيمانهم بعيسى ونصب أنفسهم والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم ~~بمحمد وتصديقهم (ويجعل لكم نورا تمشون به) القرآن واتباعهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ". وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والبيهقي في الشعب ~~عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن لكل أمة رهبانية ~~ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري في قوله ~~(كفلين) قال: ضعفين وهي بلسان الحبشة. وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله (يؤتكم كفلين من رحمته) قال: الكفل ~~ثلاثمائة جزء وخمسون جزءا من رحمة الله. PageV05P180 # تفسير سورة المجادلة هي ثنتان وعشرون آية وهي مدنية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع، إلا رواية عن عطاء أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي. # وقال الكلبي: نزلت جميعها بالمدينة غير قوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~هو رابعهم) نزلت بمكة. وأخرج ابن الصريس والنحاس وأبو الشيخ في العظمة وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة المجادلة بالمدينة. # وأخرج ابن ms3886 مردويه عن الزبير مثله. # سورة المجادلة (1 - 4) قوله (قد سمع الله) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~بإدغام الدال في السين، وقرأ الباقون بالإظهار. قال الكسائي: من بين الدال ~~عند السين فلسانه أعجمي وليس بعربي (قول التي تجادلك في زوجها) أي تراجعك ~~الكلام في شأنه (وتشتكي إلى الله) معطوف على تجادلك والمجادلة هذه الكائنة ~~منها مع رسول الله أنه كان كلما قال لها قد حرمت عليه، قالت: والله ما ذكر ~~طلاقا ثم تقول أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم ~~إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: ~~اللهم إني أشكو إليك. # فهذا معنى قوله (وتشتكي إلى الله) قال الواحدي: قال المفسرون: نزلت هذه ~~الآية في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت وكان به لمم، فاشتد به لممه ~~ذات يوم فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية. وقيل ~~هي خولة بنت حكيم، وقيل اسمها جميلة، والأول أصح، وقيل هي بنت خويلد. وقال ~~الماوردي: # إنها نسبت تارة إلى أبيها، وتارة إلى جدها وأحدهما أبوها والآخر جدها، ~~فهي خولة بنت ثعلبة بن خويلد، وجملة (والله يسمع تحاوركما) في محل نصب على ~~الحال، أو مستأنفة جارية مجرى التعليل لما قبلها: أي والله يعلم تراجعكما ~~في الكلام (إن الله سميع بصير) يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر، ومن جملة ذلك ~~ما جادلتك به هذه PageV05P181 # المرأة. ثم بين سبحانه شأن الظهار في نفسه وذكر حكمه فقال (الذين يظهرون ~~منكم من نسائهم) قرأ الجمهور " يظهرون " بالتشديد مع فتح حرف المضارعة. ~~وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " يظاهرون " بفتح الياء وتشديد الظاء وزيادة ~~ألف، وقرأ أبو العالية وعاصم وزر بن حبيش " يظاهرون " بضم الياء وتخفيف ~~الظاء وكسر الهاء، وقد تقدم مثل هذا في سورة الأحزاب. وقرأ أبي " يتظاهرون ~~" بفك الإدغام - ومعنى الظهار أن يقول لامرأته: # أنت علي كظهر أمي: أي ولا خلاف في كون هذا ظهارا. واختلفوا إذا قال: أنت ~~علي كظهر ابنتي أو أختي أو ms3887 غير ذلك من ذوات المحارم، فذهب جماعة منهم أبو ~~حنيفة ومالك إلى أنه ظهار، وبه قال الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي ~~والثوري. وقال جماعة منهم قتادة والشعبي: إنه لا يكون ظهارا بل يختص الظهار ~~بالأم وحدها. واختلفت الرواية عن الشافعي، فروى عنه كالقول الأول، وروى عنه ~~كالقول الثاني، وأصل الظهار مشتق من الظهر. # واختلفوا إذا قال لامرأته أنت على كرأس أمي أو يدها أو رجلها أو نحو ذلك؟ ~~هل يكون ظهارا أم لا، وهكذا إذا قال أنت علي كأمي ولم يذكر الظهر، والظاهر ~~أنه إذا قصد بذلك الظهار كان ظهارا. وروى عن أبي حنيفة أنه إذا شبهها بعضو ~~من أمه يحل له النظر إليه لم يكن ظهارا. وروى عن الشافعي أنه لا يكون ~~الظهار إلا في الظهر وحده. # واختلفوا إذا شبه امرأته بأجنبية، فقيل يكون ظهارا وقيل لا، والكلام في ~~هذا مبسوط في كتب الفروع، وجملة (ما هن أمهاتهم) في محل رفع على أنها خبر ~~الموصول. أي ما نساؤهم بأمهاتهم، فذلك كذب منهم، وفي هذا توبيخ للمظاهرين ~~وتبكيت لهم. قرأ الجمهور " أمهاتهم " بالنصب على اللغة الحجازية في إعمال " ~~ما " عمل ليس. # وقرأ أبو عمرو والسلمي بالرفع على عدم الإعمال، وهي لغة نجد وبني أسد. ثم ~~بين سبحانه لهم أمهاتهم على الحقيقة فقال (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) ~~أي ما أمهاتهم إلا النساء اللائي ولدنهم. ثم زاد سبحانه في توبيخهم ~~وتقريعهم فقال (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) أي وإن المظاهرين ~~ليقولون بقولهم هذا منكرا من القول: أي فظيعا من القول ينكره الشرع، والزور ~~الكذب، وانتصاب منكرا وزورا على أنهما صفة لمصدر محذوف: أي قولا منكر وزورا ~~(وإن الله لعفو غفور) أي بليغ العفو والمغفرة، إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة ~~لهم عن هذا القول المنكر (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا) ~~لما ذكر سبحانه الظهار إجمالا ووبخ فاعليه شرع في تفصيل أحكامه، والمعنى: ~~والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور، ثم يعودون لما قالوا: أي إلى ما ~~قالوا بالتدارك والتلافي كما ms3888 في قوله - أن تعودوا لمثله - أي إلى مثله. قال ~~الأخفش: (لما قالوا) وإلى ما قالوا يتعاقبان. قال - وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا - وقال - فاهدوهم إلى صراط الجحيم - وقال - بأن ربك أوحى لها - ~~وقال - وأوحى إلى نوح - وقال الفراء: اللام بمعنى عن، والمعنى: ثم يرجعون ~~عما قالوا ويريدون الوطء. وقال الزجاج: المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع ~~من أجل ما قالوا. قال الأخفش أيضا: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى: ~~والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع (فتحرير رقبة) ~~لما قالوا: أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا. فالجار في قوله (لما ~~قالوا) متعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ وهو فعليهم. # واختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال: الأول أنه العزم على ~~الوطء وبه قال العراقيون أبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك. وقيل هو الوطء ~~نفسه وبه قال الحسن، وروى أيضا عن مالك. وقيل هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار ~~مع القدرة على الطلاق وبه قال الشافعي. وقيل هو الكفارة، والمعنى: أنه لا ~~يستبيح PageV05P182 # وطأها إلا بكفارة، وبه قال الليث بن سعد، وروى عن أبي حنيفة. وقيل هو ~~تكرير الظهار بلفظه، وبه قال أهل الظاهر. وروى عن بكير بن الأشبح وأبي ~~العالية والفراء. والمعنى. ثم يعودون إلى قول ما قالوا. والموصول مبتدأ ~~وخبره (فتحرير رقبة) على تقدير فعليهم تحرير رقبة كما تقدم، أو قالوا جب ~~عليهم إعتاق رقبة، يقال حررته: أي جعلته حرا، والظاهر أنها تجزئ أي رقبة ~~كانت، وقيل يشترط أن تكون مؤمنة كالرقبة في كفارة القتل، وبالأول قال أبو ~~حنيفة وأصحابه وبالثاني قال مالك والشافعي، واشترطا أيضا سلامتها من كل عيب ~~(من قبل أن يتماسا) المراد بالتماس هنا الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز ~~للمظاهر الوطء حتى يكفر، وقيل إن المراد به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو ~~النظر إلى الفرج بشهوة، وبه قال مالك، وهو أحد قول الشافعي، والإشارة بقوله ~~(ذلكم) إلى الحكم المذكور وهو مبتدأ وخبره (توعظون به) أي تؤمرون به، ms3889 أو ~~تزجرون به عن ارتكاب الظهار، وفيه بيان لما هو المقصود من شرع الكفارة. قال ~~الزجاج: معنى الآية ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به: أي إن غلظ الكفارة ~~وعظ لكم حتى تتركوا الظهار (والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه شئ من ~~أعمالكم، فهو مجازيكم عليها. ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة فقال ~~(فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) أي فمن لم يجد الرقبة ~~في ملكه ولا تمكن من قيمتها فعليه صيام شهرين متتابعين متواليين لا يفطر ~~فيهما، فإن أفطر استأنف إن كان الإفطار لغير عذر، وإن كان لعذر من سفر أو ~~مرض فقال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي ~~والشافعي ومالك: إنه يبنى ولا يستأنف. وقال أبو حنيفة: # إنه يستأنف، وهو مروي عن الشافعي، ومعنى (من قبل أن يتماسا) هو ما تقدم ~~قريبا، فلو وطئ ليلا أو نهارا عمدا أو خطأ استأنف، وبه قال أبو حنيفة ~~ومالك. وقال الشافعي: لا يستأنف إذا وطئ ليلا لأنه ليس محلا للصوم، والأول ~~أولى (فمن لم يستطع) يعنى صيام شهرين متتابعين (فإطعام ستين مسكينا) أي ~~فعليه أن يطعم ستين مسكينا، لكل مسكين مدان، وهما نصف صاع، وبه قال أبو ~~حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي وغيره: # لكل مسكين مد واحد، والظاهر من الآية أن يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة، أو ~~يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة، بل يجوز له أن يطعم ~~بعض الستين في يوم، وبعضهم في يوم آخر، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ~~ذكره من الأحكام، وهو مبتدأ وخبره مقدر: أي ذلك واقع (لتؤمنوا بالله ~~ورسوله) ويجوز أن يكون اسم الإشارة في محل نصب، والتقدير: فعلنا ذلك ~~لتؤمنوا: أي لتصدقوا أن الله أمر به وشرعه، أو لتطيعوا الله ورسوله في ~~الأوامر والنواهي، وتقفوا عند حدود الشرع ولا تتعدوها ولا تعودوا إلى ~~الظهار الذي هو منكر من القول وزور، والإشارة بقوله (وتلك) إلى الأحكام ~~المذكورة وهو مبتدأ، وخبره (حدود ms3890 الله) فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم، ~~فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة ~~(وللكافرين) الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يعملون بما حده الله لعباده ~~(عذاب أليم) وهو عذاب جهنم، وسماه كفرا تغليظا وتشديدا. # وقد أخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ~~عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شئ إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ~~ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ~~ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء ~~الآيات (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وهو أوس بن الصامت. وأخرج ~~النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: كان PageV05P183 # أول من ظاهر في الإسلام أوس، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة بنت ~~خويلد، فظاهر منها فأسقط في يده وقال: ما أراك إلا قد حرمت علي، فانطلقي ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاسأليه، فأتت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته، فقال: يا خولة ما أمرنا في أمرك ~~بشئ، فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا خولة أبشري؟ ~~قالت خيرا. قال: خيرا، فقرأ عليها (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) ~~الآيات. وأخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي ~~من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام " قال حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: في ~~والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، ~~وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، فدخل علي يوما فراجعته بشئ فغضب فقال: أنت ~~علي كظهر أمي، ثم رجع فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي فإذا هو يريدني ~~عن نفسي، قلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إلي ms3891 وقد قلت ما قلت حتى يحكم ~~الله ورسوله فينا، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك ~~له، فما برحت حتى نزل القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ~~كان يتغشاه ثم سرى عنه، فقال لي: يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك، ثم ~~قرأ علي (قد سمع الله قول التي تجادلك) إلى قوله (عذاب أليم) فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: مريه فليعتق رقبة، قلت: # يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: فليصم شهرين متتابعين، قلت: والله ~~إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال: # فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، قلت: والله ما ذاك عنده، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: فأنا سأعينه بعرق من تمر، فقلت: وأنا يا رسول ~~الله سأعينه بعرق آخر، فقال: قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم ~~استوصى بابن عمك خيرا، قالت ففعلت " وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن المنذر ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (ثم يعودون لما قالوا) قال: هو الرجل ~~يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فإذا قال ذلك فليس يحل له أن يقربها بنكاح ~~ولا غيره حتى يكفر بعتق رقبة (فمن) فإن (لم يجد فصيام شهرين متتابعين من ~~قبل أن يتماسا) والمس النكاح (فمن) فإن (لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) وإن ~~هو قال لها: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث، ~~فإن حنث فلا يقربها حتى يكفر، ولا يقع في الظهار طلاق. وأخرج ابن المنذر عن ~~أبي هريرة قال ثلاث فيه مد: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الصيام. ~~وأخرج البزار والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال " ~~أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني ظاهرت من امرأتي، فرأيت ~~بياض خلخالها في ضوء القمر، فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ألم يقل الله من قبل أن يتماسا، ms3892 قال: قد فعلت يا رسول ~~الله، قال: أمسك عنها حتى تكفر ". وأخرج عبد الرزاق وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن ابن عباس " أن رجلا قال: يا رسول ~~الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها من قبل أن أكفر، فقال: وما حملك على ~~ذلك؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك ~~الله ". وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه ~~وابن ماجة والطبراني والبغوي في معجمه والحاكم وصححه عن سلمة بن صخر ~~الأنصاري قال: # كنت رجلا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت ~~من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب منها في ليلي فأتتابع في ذلك ~~ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف ~~لي منها شئ فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت: ~~انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بأمري، فقالوا: ~~لا، والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا القرآن، PageV05P184 # أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالة يبقى علينا عارها، ~~ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك قال: فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأخبرته خبري، فقال أنت بذاك؟ قلت أنا بذاك، قال أنت بذاك؟ قلت ~~أنا بذاك، قال أنت بذاك؟ قلت أنا بذاك وها أنا ذا فأمض في حكم الله فإني ~~صابر لذلك، قال: أعتق رقبة، فضربت عنقي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما ~~أصبحت أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: هل أصابني ما أصابني إلا ~~في الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكينا، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا ~~هذه وحشا ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها ~~إليك فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا، ثم استعن بسائرها عليك وعلى عيالك، ~~فرجعت إلى قومي فقلت: # وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ms3893 ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي، فدفعوها إليه ". # سورة المجادلة (5 - 10) قوله (إن الذين يحادون الله ورسوله) لما ذكر ~~سبحانه المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين، والمحادة المشاقة ~~والمعاداة والمخالفة. ومثله قوله (إن الذين يحادون الله ورسوله) قال ~~الزجاج: المحادة أن تكون في حد يخالف صاحبك، وأصلها الممانعة، ومنه الحديد، ~~ومنه الحداد للبواب كبتوا كما كبت الذين من قبلهم) أي أذلوا وأخزوا، يقال: ~~كبت الله فلانا إذا أذله، والمردود بالذل يقال له مكبوت. قال المقاتلان: # أخزوا كما أخزى الذين من قبلهم من أهل الشرك، وكذا قال قتادة. وقال أبو ~~عبيدة والأخفش: أهلكوا. وقال PageV05P185 # ابن زيد: عذبوا. وقال السدي: لعنوا. وقال الفراء: أغيظوا، والمراد بمن ~~قبلهم: كفار الأمم الماضية المعادين لرسل الله، وعبر عن المستقبل بلفظ ~~الماضي تنبيها على تحقق وقوعه، وقيل المعنى: على المضي، وذلك ما وقع ~~للمشركين يوم بدر، فإن الله كبتهم بالقتل والأسر والقهر، وجملة (ولقد ~~أنزلنا آيات بينات) في محل نصب على الحال من الواو في كبتوا: أي والحال أنا ~~قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسله من الأمم المتقدمة، وقيل المراد ~~الفرائض التي أنزلها الله سبحانه، وقيل هي المعجزات (وللكافرين عذاب مهين) ~~أي للكافرين بكل ما يجب الإيمان به، فتدخل الآيات المذكورة هنا دخولا ~~أوليا، والعذاب المهين: الذي يهين صاحبه ويذله ويذهب بعزه (يوم يبعثهم الله ~~جميعا) الظرف منتصب بإضمار أذكر، أو بمهين، أو بما تعلق به اللام من ~~الاستقرار، أو بأحصاه المذكور بعده، وانتصاب جميعا على الحال: أي مجتمعين ~~في حالة واحدة، أو يبعثهم كلهم لا يبقى منهم أحد غير مبعوث (فينبئهم بما ~~عملوا) أي يخبرهم بما عملوه في الدنيا من الأعمال القبيحة توبيخا لهم ~~وتبكيتا ولتكميل الحجة عليهم، وجملة (أحصاه الله ونسوه) مستأنفة جواب سؤال ~~مقدر، كأنه قيل كيف ينبئهم بذلك على كثرته واختلاف أنواعه، فقيل أحصاه الله ~~جميعا ولم يفته منه شئ، والحال أنهم قد نسوه ولم يحفظوه، بل وجدوه حاضرا ~~مكتوبا ms3894 في صحائفهم (والله على كل شئ شهيد) لا يخفى عليه شئ من الأشياء، بل ~~هو مطلع وناظر. # ثم أكد سبحانه بيان كونه عالما بكل شئ، فقال (ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض) أي ألم تعلم أن علمه محيط بما فيهما بحيث لا يخفى ~~عليه شئ مما فيهما، وجملة (ما يكون من نجوى ثلاثة) الخ مستأنفة لتقرير شمول ~~علمه وإحاطته بكل المعلومات. قرأ الجمهور " يكون " بالتحتية. وقرأ أبو جعفر ~~بن القعقاع والأعرج وأبو حيوة بالفوقية، وكان على القراءتين تامة، ومن ~~مزيدة للتأكيد، ونجوى فاعل كان، والنجوى السرار، يقال: قوم نجوى: أي ذو ~~نجوى وهي مصدر. والمعنى: ما يوجد من تناجي ثلاثة أو من ذوي نجوى، ويجوز أن ~~تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين، فعلى الوجه الأول انخفاض ثلاثة بإضافة ~~نجوى إليه، وعلى الوجهين الآخرين يكون انخفاضها على البدل من نجوى أو الصفة ~~لها. قال الفراء: ثلاثة نعت للنجوى فانخفضت وإن شئت أضفت نجوى إليها، ولو ~~نصبت على إضمار فعل جاز، وهي قراءة ابن أبي عبلة، ويجوز رفع ثلاثة على ~~البدل من موضع نجوى (إلا هو رابعهم) هذه الجملة في موضع نصب على الحال، ~~وكذا قوله - إلا هو خامسهم - (إلا هو معهم): أي ما يوجد شئ من هذه الأشياء ~~إلا في حال من هذه الأحوال، فالاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، ومعنى رابعهم ~~جاعلهم أربعة، وكذا سادسهم جاعلهم ستة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع على ~~تلك النجوى (ولا خمسة) أي ولا نجوى خمسة، وتخصيص العددين بالذكر، لأن أغلب ~~عادات المتناجين أن يكونوا ثلاثة أو خمسة، أو كانت الواقعة التي هي سبب ~~النزول في متناجين كانوا ثلاثة في موضع وخمسة في موضع. قال الفراء: # العدد غير مقصود لأنه سبحانه مع كل عدد قل أو كثر يعلم السر والجهر لا ~~تخفى عليه خافيه (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) أي ولا أقل من ~~العدد المذكور: كالواحد والاثنين، ولا أكثر منه: كالستة والسبعة إلا هو ~~معهم يعلم ما ms3895 يتناجون به لا يخفى عليه منه شئ. قرأ الجمهور " ولا أكثر " ~~بالجر بالفتحة عطفا على لفظ نجوى. وقرأ الحسن والأعمش وابن أبي إسحاق وأبو ~~حيوة ويعقوب وأبو العالية ونصر وعيسى بن عمر وسلام بالرفع عطفا على محل ~~نجوى. وقرأ الجمهور " ولا أكثر " بالمثلثة. وقرأ الزهري وعكرمة بالموحدة. ~~قال الواحدي: # قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم ويوهمون ~~المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر شكوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون ~~PageV05P186 # المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه ~~الآيات، ومعنى (أينما كانوا) إحاطة علمه بكل تناج يكون منهم في أي مكان من ~~الأمكنة (ثم ينبئهم) أي يخبرهم (بما عملوا يوم القيامة) توبيخا لهم وتبكيتا ~~وإلزاما للحجة (إن الله بكل شئ عليم) لا يخفى عليه شئ كائنا ما كان (ألم تر ~~إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه) هؤلاء الذين نهوا، ثم ~~عادوا لما نهوا عنه هم من تقدم ذكره من المنافقين واليهود. قال مقاتل: كان ~~بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين اليهود مواعدة، فإذا مر بهم الرجل ~~من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا، فنهاهم الله فلم ينتهوا، ~~فنزلت. وقال ابن زيد: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسأله ~~الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو ~~أمر مهم فيفزعون لذلك (ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول) قرأ ~~الجمهور " يتناجون " بوزن يتفاعلون، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ~~لقوله فيما بعد (إذا تناجيتم فلا تتناجوا). وقرأ حمزة وخلف وورش عن يعقوب " ~~وينتجون " بوزن يفتعلون، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وحكى سيبويه أن ~~تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد نحو تخاصموا واختصموا وتقاتلوا ~~واقتتلوا، ومعنى الإثم ما هو إثم في نفسه كالكذب والظلم، والعدوان ما فيه ~~عدوان على المؤمنين ومعصية الرسول مخالفته. قرأ الجمهور " ومعصية " ~~بالإفراد. وقرأ الضحاك وحميد ومجاهد " ومعصيات ms3896 " بالجمع (وإذا جاءوك حيوك ~~بما لم يحيك به الله) قال القرطبي: إن المراد بها اليهود كانوا يأتون النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون السام عليك يريدون بذلك السلام ظاهرا وهم ~~يعنون الموت باطنا، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عليكم، وفي رواية ~~أخرى وعليكم (ويقولون في أنفسهم) أي فيما بينهم (لولا يعذبنا الله بما ~~نقول) أي هلا يعذبنا بذلك، ولو كان محمد نبيا لعذبنا بما يتضمنه قولنا من ~~الاستخفاف به، وقيل المعنى: لو كان نبيا لاستجيب له فينا حيث يقول وعليكم ~~ووقع علينا الموت عند ذلك (حسبهم جهنم) عذابا (يصلونها) يدخلونها (فبئس ~~المصير) أي المرجع، وهو جهنم (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) لما فرغ سبحانه عن نهي اليهود والمنافقين ~~عن النجوى أرشد المؤمنين إذا تناجوا فيما بينهم أن لا يتناجوا بما فيه إثم ~~وعدوان ومعصية لرسول الله كما يفعله اليهود والمنافقون. ثم بين لهم ما ~~يتناجون به في أنديتهم وخلواتهم فقال (وتناجوا بالبر والتقوى) أي بالطاعة ~~وترك المعصية، وقيل الخطاب للمنافقين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا ظاهرا ~~أو بزعمهم، واختار هذا الزجاج، وقيل الخطاب لليهود، والمعنى: يا أيها الذين ~~آمنوا بموسى، والأول أولى، ثم خوفهم سبحانه فقال (واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون) فيجزيكم بأعمالكم. ثم بين سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من ~~التناجي هو من جهة الشيطان، فقال (إنما النجوى) يعنى بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول (من الشيطان) لا من غيره: أي من تزيينه وتسويله (ليحزن الذين ~~آمنوا) أي لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة ~~يكادون بها (وليس بضارهم شيئا) أو وليس الشيطان أو التناجي الذي يزينه ~~الشيطان بضار المؤمنين شيئا من الضرر (إلا بإذن الله) أي بمشيئته، وقيل ~~بعلمه (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أي يكلون أمرهم إليه ويفوضونه في جميع ~~شؤونهم ويستعيذون بالله من الشيطان ولا يبالون بما يزينه من النجوى. # وقد أخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه ms3897 ~~والبيهقي في الشعب. قال السيوطي بسند جيد عن ابن عمر: إن اليهود كانوا ~~يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: السام عليك، يريدون بذلك شتمه، ~~ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت هذه الآية (وإذا ~~جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله) وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ~~والترمذي وصححه عن أنس " أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وآله ~~PageV05P187 # وسلم وأصحابه فقال: السام عليكم، فرد عليه القوم، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: هل تدرون ما قال هذا؟ قالوا: الله أعلم، سلم يا نبي الله، ~~قال لا، ولكنه قال كذا وكذا ردوه علي فردوه، قال: قلت السام عليكم؟ # قال نعم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك: إذا سلم عليكم أحد ~~من أهل الكتاب، فقولوا عليك، قال عليك ما قلت. قال (وإذا جاءوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله) ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: # " دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهود، فقالوا السام عليك يا ~~أبا القاسم، فقالت عائشة: عليكم السام واللعنة، فقال: يا عائشة إن الله لا ~~يحب الفحش ولا المتفحش، قلت: ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أو ما سمعتني أقول وعليكم، فأنزل الله (وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله) ". # وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان ~~المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حيوه: سام عليك ~~فنزلت. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~بعث سرية وأغزاها التقى المنافقون فأنغضوا رؤوسهم إلى المسلمين ويقولون قتل ~~القوم، وإذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تناجوا وأظهروا الحزن، ~~فبلغ ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) ~~الآية ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن ms3898 مسعود قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ~~ذلك يحزنه ". وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال: كنا نتناوب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطرقه أمر أو يأمر بشئ فكثر أهل النوب ~~والمحتسبون ليلة حتى إذا كنا أنداء نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من الليل فقال: ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى؟ قلنا: # يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح فرقا منه، فقال: ألا أخبركم مما هو ~~أخوف عليكم عندي منه؟ قلنا بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي أن يقوم ~~الرجل يعمل لمكان رجل ". قال ابن كثير: هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء. # سورة المجادلة (11 - 13) قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا ~~في المجلس) يقال فسح له يفسخ فسحا: أي وسع له، ومنه قولهم بلد فسيح. أمر ~~الله سبحانه بحسن الأدب مع بعضهم بعضا بالتوسعة في المجلس وعدم التضايق ~~فيه. قال قتادة ومجاهد والضحاك: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض. PageV05P188 # وقال الحسن ويزيد بن أبي حبيب: هو مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب كانوا ~~يتشاحون على الصف الأول، فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال لتحصيل ~~الشهادة (فافسحوا يفسح الله لكم) أي فوسعوا يوسع الله لكم في الجنة، أو في ~~كل ما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق وغيرهما. قرأ الجمهور " تفسحوا ~~في المجلس " وقرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم " في المجالس " على الجمع، لأن ~~لكل واحد منهم مجلسا، وقرأ قتادة والحسن وداود ابن أبي هند وعيسى بن عمر " ~~تفاسحوا " قال الواحدي: والوجه التوحيد في المجلس، لأنه يعني به مجلس النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. وقال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في كل ~~مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو يوم ~~الجمعة، وأن كل واحد أحق بمكانه ms3899 الذي سبق إليه، ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ ~~بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه، ويؤيد هذا حديث ابن عمر عند البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " لا يقم الرجل الرجل من ~~مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا " (وإذا قيل انشزوا فانشزوا) قرأ ~~الجمهور بكسر الشين فيها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضمها فيهما، وهما ~~لغتان بمعنى واحد، يقال نشز: أي ارتفع ينشز وينشز كعكف يعكف ويعكف، ~~والمعنى: إذا قيل لكم انهضوا فانهضوا. # قال جمهور المفسرين: أي انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير. وقال ~~مجاهد والضحاك وعكرمة: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة، فقيل لهم إذا نودي ~~للصلاة فانهضوا. وقال الحسن: انهضوا إلى الحرب. وقال ابن زيد: # هذا في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان كل رجل منهم يحب أن يكون ~~آخر عهده بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الله تعالى (وإذا قيل ~~انشزوا) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فانشزوا) فإن له حوائج فلا ~~تمكثوا. وقال قتادة: المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف، والظاهر حمل ~~الآية على العموم، والمعنى: إذا قيل لكم انهضوا إلى أمر من الأمور الدينية ~~فانهضوا ولا تتثاقلوا ولا يمنع من حملها على العموم كون السبب خاصا، فإن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو الحق، ويندرج ما هو سبب النزول ~~فيها اندراجا أوليا، وهكذا يندرج ما فيه السياق وهو التفسيح في المجلس ~~اندراجا أوليا، وقد قدمنا أن معنى نشز ارتفع، وهكذا يقال نشز ينشز: إذا ~~تنحى عن موضعه، ومنه امرأة ناشز: أي متنحية عن زوجها، وأصله مأخوذ من ~~النشز، وهو ما ارتفع من الأرض وتنحى، ذكر معناه النحاس (يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم) في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما (والذين أوتوا العلم ~~درجات) أي ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا ~~والثواب في الآخرة، ومعنى الآية أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات ~~ويرفع الذين أوتوا العلم على ms3900 الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان ~~والعلم رفعه الله بإيمانه درجات ثم رفعه بعلمه درجات، وقيل المراد بالذين ~~آمنوا من الصحابة وكذلك الذين أوتوا العلم، وقيل المراد بالذين أوتوا العلم ~~الذين قرءوا القرآن. والأولى حمل الآية على العموم في كل مؤمن وكل صاحب علم ~~من علوم الدين من جميع أهل هذه الملة، ولا دليل يدل على تخصيص الآية بالبعض ~~دون البعض، وفي هذه الآية فضيلة عظيمة للعلم وأهله، وقد دل على فضله وفضلهم ~~آيات قرآنية وأحاديث نبوية (والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه شئ من ~~أعمالكم من خير وشر، فهو مجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا (يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) المناجاة المساررة، ~~والمعنى: # إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم فقدموا بين يدي مساررتكم له ~~صدقة. قال الحسن: نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا يستخلون النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يناجونه، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في ~~النجوى، فشق عليهم ذلك. فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى لتقطعهم عن ~~استخلائه. وقال زيد PageV05P189 # ابن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ويقولون إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحدا من ~~مناجاته وكان ذلك يشق على المسلمين، لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ~~ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله، فأنزل الله - يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول - فلم ينتهوا، فأنزل ~~الله هذه الآية فانتهى أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدموا بين يدي ~~نجواهم صدقة، وشق ذلك على أهل الإيمان وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم ~~عن الصدقة فخفف الله عنهم بالآية التي بعد هذه، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ~~ما تقدم من تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وهو مبتدأ وخبره (خير لكم وأطهر) ~~لما فيه من طاعة الله، وتقييد الأمر بكون امتثاله خيرا لهم من عدم الامتثال ~~وأطهر لنفوسهم يدل على أنه ms3901 أمر ندب لا أمر وجوب (فإن لم تجدوا فإن الله ~~غفور رحيم) يعنى من كان منهم لا يجد تلك الصدقة المأمور بها بين يدي ~~النجوى، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقات) أي أخفتم الفقر والعيلة لأن تقدموا ذلك، والإشفاق: الخوف من ~~المكروه والاستفهام للتقرير. # وقيل المعنى: أبخلتم، وجمع الصدقات هنا باعتبار المخاطبين. قال مقاتل بن ~~حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة ~~واحدة. وقال قتادة: ما كان إلا ساعة من النهار (فإذ لم تفعلوا) ما أمرتم به ~~من الصدقة بين يدي النجوى، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به ولم يفعل، وأما ~~من لم يجد فقد تقدم الترخيص له بقوله (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) ~~(وتاب الله عليكم) بأن رخص لكم في الترك، " وإذ " على بابها في الدلالة على ~~المضي، وقيل هي بمعنى إذا، وقيل بمعنى إن، وتاب معطوف على لم تفعلوا: أي ~~وإذا لم تفعلوا وإذ تاب عليكم (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) والمعنى: إذا ~~وقع منكم التثاقل عن امتثال الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى فاثبتوا ~~على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله فيما تؤمرون به وتنهون ~~عنه (والله خبير بما تعملون) لا يخفى عليه من ذلك شئ فهو مجازيكم، وليس في ~~الآية ما يدل على تقصير المؤمنين في امتثال هذا الأمر، أما الفقراء منهم ~~فالأمر واضح، وأما من عداهم من المؤمنين فإنهم لم يكلفوا بالمناجاة حتى تجب ~~عليهم الصدقة بل أمروا بالصدقة إذا أرادوا المناجاة، فمن ترك المناجاة فلا ~~يكون مقصرا في امتثال الأمر بالصدقة، على أن في الآية ما يدل على أن الأمر ~~للندب كما قدمنا. وقد استدل بهذه الآية من قال بأنه يجوز النسخ قبل إمكان ~~الفعل، وليس هذا الاستدلال بصحيح، فإن النسخ لم يقع إلا بعد إمكان الفعل، ~~وأيضا قد فعل ذلك البعض، فتصدق بين يدي نجواه كما سيأتي. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ms3902 بن حيان قال: أنزلت هذه الآية (إذا قيل ~~لكم تفسحوا في المجلس) يوم جمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ~~في الصفة، وفي المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ~~ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم، ~~فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما يحملهم على القيام، فلم يفسح لهم، فشق ذلك عليه، فقال لمن حوله من ~~المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: # قم يا فلان وأنت يا فلان، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام من ~~أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس في الآية قال: ذلك في مجلس القتال (وإذا قيل PageV05P190 # انشزوا) قال: إلى الخير والصلاة. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه ~~والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله (يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات) قال: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين ~~على الذين لم يؤمنوا درجات. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عن ابن مسعود في تفسير هذه الآية قال: يرفع الله الذين آمنوا منكم وأوتوا ~~العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات. وأخرج ابن المنذر عنه قال: # ما خص الله العلماء في شئ من القرآن ما خصهم في هذه الآية، فضل الله ~~الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (إذا ناجيتم الرسول) ~~الآية قال: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما قال ذلك ظن كثير من ~~الناس وكفوا ms3903 عن المسئلة، فأنزل الله بعد هذا (أأشفقتم) الآية، فوسع الله ~~عليهم ولم يضيق. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلي ~~وابن جرير وابن المنذر والنحاس وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال " لما ~~نزلت (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) ~~قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما ترى دينار؟ قلت لا يطيقونه. قال ~~فنصف دينار؟ قلت لا يطيقونه، قال فكم؟ قلت شعيرة، قال إنك لزهيد، قال: ~~فنزلت - أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات - الآية، في خفف الله عن ~~هذه الأمة " والمراد بالشعيرة هنا وزن شعيرة من ذهب، وليس المراد واحدة من ~~حب الشعير، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عنه قال: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وما كانت إلا ساعة: يعني ~~آية النجوى. وأخرج سعيد بن منصور وابن راهويه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عنه أيضا قال: إن في ~~كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي آية النحوي (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) كان عندي ~~دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت - أأشفقتم ~~أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات - الآية. وأخرج الطبراني وابن مردويه. قال ~~السيوطي: بسند ضعيف عن سعد بن أبي وقاص قال " نزلت (يا أيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقه) فقدمت شعيرة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لزهيد، فنزلت الآية الأخرى - أأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات - ". سورة المجادلة (14 - 22) PageV05P191 # قوله (ألم تر إلى الذين تولوا قوما) أي والوهم، قال قتادة: هم المنافقين ~~تولوا اليهود، وقال السدي ومقاتل: # هم اليهود تولوا المنافقين، وبدل ms3904 على الأول قوله (غضب الله عليهم) فإن ~~المغضوب عليهم هم اليهود، ويدل على الثاني قوله (ما هم منكم ولا منهم) فإن ~~هذه صفة المنافقين، كما قال الله فيهم - مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء - وجملة (ما هم منكم ولا منهم) في محل نصب على الحال أو هي ~~مستأنفة (ويحلفون على الكذب) أي يحلفون أنهم مسلمون، أو يحلفون أنهم ما ~~نقلوا الأخبار إلي اليهود، والجملة عطف على تولوا داخله في حكم التعجيب من ~~فعلهم، وجملة (وهم يعلمون) في محل نصب على الحال: أي والحال أنهم يعلمون ~~بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له (أعد الله لهم عذابا شديدا) ~~بسبب هذا التولي والحلف على الباطل (إنهم ساء ما كانوا يعملون) من الأعمال ~~القبيحة (اتخذوا أيمانهم جنة) قرأ الجمهور " أيمانهم " بفتح الهمزة جمع ~~يمين، وهي ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين توقيا من ~~القتل، فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم كما يجعل المقاتل الجنة ~~وقاية له من أن يصاب بسيف أو رمح أو سهم. وقرأ الحسن وأبو العالية " ~~إيمانهم " بكسر الهمزة أي جعلوها تصديقهم جنة من القتل، فآمنت ألسنتهم من ~~خوف القتل ولم تؤمن قلوبهم (فصدوا عن سبيل الله) أي منعوا الناس عن الإسلام ~~بسبب ما يصدر عليهم من التشبيط وتهوين أمر المسلمين وتضعيف شوكتهم، وقيل ~~المعنى: فصدوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم للإسلام (فلهم عذاب مهين) ~~أي يهينهم ويخزيهم، قيل هو تكرير لقوله (أعد الله لهم عذابا شديدا) ~~للتأكيد، وقيل الأول عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة، ولا وجه للقول بالتكرر، ~~فإن العذاب الموصوف بالشدة غير العذاب الموصوف بالإهانة (لن تغنى عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا) أي لن تغني عنهم من عذابه شيئا من ~~الإغناء قال مقاتل. قال المنافقون: إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد ~~شقينا إذن، فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا إن كانت ~~قيامة فنزلت الآية (أولئك) الموصوفون بما ذكر (أصحاب النار) لا يفارقونها ~~(هم فيها خالدون) ms3905 لا يخرجون منها (يوم يبعثهم الله جميعا) الظرف منصوب ~~بقوله: مهين، أو بمقدر: أي أذكر (فيحلفون له كما يحلفون لكم) أي يحلفون لله ~~يوم القيامة على الكذب كما يحلفون لكم في الدنيا، وهذا من شدة شقاوتهم ~~ومزيد الطبع على قلوبهم، فإن يوم القيامة قد انكشفت الحقائق وصارت الأمور ~~معلومة بضرورة المشاهدة، فكيف يجترئون على أن يكذبوا في ذلك الموقف ويحلفون ~~على الكذب (ويحسبون أنهم على شئ) أي يحسبون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان ~~الكاذبة على شئ مما يجلب نفعا، PageV05P192 # أو يدفع ضررا كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا (ألا إنهم هم الكاذبون) أي ~~الكاملون في الكذب المتهالكون عليه البالغون فيه إلى حد لم يبلغ غيرهم إليه ~~بإقدامهم عليه وعلى الأيمان الفاجرة في موقف القيامة بين يدي الرحمن ~~(استحوذ عليهم الشيطان) أي غلب عليهم واستعلى واستولى. قال المبرد: استحوذ ~~على الشئ حواه وأحاط به، وقيل قوى عليهم، وقيل جمعهم، يقال أحوذ الشئ: أي ~~جمعه وضم بعضه إلى بعض، والمعاني متقاربة لأنه إذا جمعهم فقد قوى عليهم ~~وغلبهم واستعلى عليهم واستولى وأحاط بهم (فأنساهم ذكر الله) أي أوامره ~~والعمل بطاعاته، فلم يذكروا شيئا من ذلك، وقيل زواجره في النهي عن معاصيه، ~~وقيل لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم، والإشارة بقوله (أولئك) إلى ~~المذكورين الموصوفين بتلك الصفات، وهو مبتدأ وخبره (حزب الشيطان) أي جنوده ~~وأتباعه ورهطه (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران ~~حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران لأنهم باعوا الجنة ~~والهدى بالضلالة، وكذبوا على الله وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في ~~الدنيا والآخرة (إن الذين يحادون الله ورسوله) تقدم معنى المحادة لله ~~ولرسوله في أول هذه السورة، والجملة تعليل لما قبلها (أولئك في الأذلين) أي ~~أولئك المحادون لله ورسوله المتصفون بتلك الصفات المتقدمة من جملة من أذلة ~~الله من الأمم السابقة واللاحقة لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذل ~~بهذا المكان. قال عطاء: يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة (كتب الله ~~لأغلبن وأنا ورسلي) ms3906 الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها مع كونهم في الأذلين: ~~أي كتب في اللوح المحفوظ، وقضى في سابق علمه: لأغلبن أنا ورسلي بالحجة ~~والسيف. قال الزجاج: # معنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب فهو غالب في الحرب، ومن ~~بعث منهم بغير الحرب فهو غالب بالحجة. قال الفراء: كتب بمعنى قال، وقوله " ~~أنا " توكيد، ثم ذكر مثل قول الزجاج (إن الله قوي عزيز) فهو قوي على نصر ~~أوليائه غالب لأعدائه لا يغلبه أحد (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو ~~لكل من يصلح له: أي يحبون ويوالون من عادي الله ورسوله وشاقهما، وجملة " ~~يوادون " في محل نصب على أنها المفعول الثاني لتجد إن كان متعديا إلى ~~مفعولين، أو في محل نصب على الحال إن كان متعديا إلى مفعول واحد، أو صفة ~~أخرى لقوما: أي جامعون بين الإيمان والموادة لمن حاد الله ورسوله (ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) أي ولو كان المحادون لله ~~ورسوله آباء الموادين الخ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك ويمنع منه، ورعايته ~~أقوى من رعاية الأبوة والبنوة والأخوة والعشيرة (أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان) يعني الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله، ومعنى (كتب في قلوبهم ~~الإيمان) خلقه، وقيل أثبته، وقيل جعله، وقيل جمعه، والمعاني متقاربة ~~(وأيدهم بروح منه) أي قواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا، وسمى نصره لهم ~~روحا لأن به يحيا أمرهم، وقيل هو نور القلب. # وقال الربيع بن أنس: بالقرآن والحجة، وقيل بجبريل، وقيل بالإيمان، وقيل ~~برحمة. قرأ الجمهور " كتب " مبنيا للفاعل ونصب الإيمان على المفعولية. وقرأ ~~زر بن حبيش والمفضل عن عاصم على البناء للمفعول ورفع الإيمان على النيابة. ~~وقرأ زر بن حبيش " عشيراتهم " بالجمع، ورويت هذه القراءة عن عاصم (ويدخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) على الأبد (رضي الله عنهم) أي قبل ~~أعمالهم وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة (ورضوا عنه) أي ms3907 فرحوا بما ~~أعطاهم عاجلا وآجلا (أولئك حزب الله) أي جنده الذين يمتثلون أوامره ~~ويقاتلون أعداءه وينصرون أولياءه، وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم ~~عظيم وتكريم فخيم (ألا إن حزب الله هم PageV05P193 # المفلحون) أي الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة، الكاملون في الفلاح الذين ~~صار فلاحهم هو الفرد الكامل، حتى كان فلاح غيرهم بالنسبة إلى فلاحهم كلا ~~فلاح. # وقد أخرج أحمد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال " كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم جالسا في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين، فقال: إنه ~~سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه، فلم يلبثوا ~~أن طلع عليهم رجل أزرق، فقال حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال: ذرني ~~آتيك بهم، فحلفوا واعتذروا، فأنزل الله (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ~~كما يحلفون لكم) الآية والتي بعدها ". وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني ~~والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن عبد الله بن شوذب قال: ~~جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتقصد لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة ~~يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله، فنزلت (لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله) الآية. # تفسير سورة الحشر هي أربع وعشرون آية وهي مدنية. قال القرطبي في قول ~~الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة الحشر بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، ~~قال: سورة النضير: يعني أنها نزلت في بني النضير كما صرح بذلك في بعض ~~الروايات. # سورة الحشر (1 - 7) PageV05P194 # قوله (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) قد تقدم ~~تفسير هذا في سورة الحديد (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر) هم بنو النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون، نزلوا ~~المدينة في ms3908 فتن بني إسرائيل انتظارا منهم لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فغدروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع ~~المشركين، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى رضوا بالجلاء. ~~قال الكلبي: كانوا أول من أجلى من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم ~~في زمن عمر بن الخطاب، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، وآخر حشر إجلاء عمر ~~لهم. وقيل إن أول الحشر إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخر الحشر إخراجهم من ~~خيبر إلى الشام، وقيل آخر الحشر هو حشر جميع الناس إلى أرض المحشر، وهي ~~الشام. قال عكرمة: من شك أن المحشر يوم القيامة في الشام فليقرأ هذه الآية، ~~وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: أخرجوا، قالوا إلى أين؟ قال ~~إلى أرض المحشر. قال ابن العربي: الحشر أول وأوسط وآخر، فالأول إجلاء بني ~~النضير، والأوسط إجلاء أهل خيبر، والآخر يوم القيامة. # وقد أجمع المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير، ولم ~~يخالف في ذلك إلا الحسن البصري فقال: هم بنو قريظة، وهو غلط، فإن بني قريظة ~~ما حشروا، بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه، فحكم عليهم بأن تقتل ~~مقاتلهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لسعد: # لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. واللام في لأول الحشر متعلقة ~~بأخرج، وهي لام التوقيت كقوله - لدلوك الشمس - (ما ظننتم أن يخرجوا) هذا ~~خطاب للمسلمين: أي ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير يخرجون من ديارهم ~~لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة وعقار ونخيل واسعة، وأهل ~~عدد وعدة (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) أي وظن بنو النضير أن حصونهم ~~تمنعهم من بأس الله، وقوله مانعتهم خبر مقدم، وحصونهم مبتدأ مؤخر، والجملة ~~خبر أنهم، ويجوز أن يكون مانعتهم خبر أنهم وحصونهم فاعل مانعتهم، ورجح ~~الثاني أو حيان، والأول أولى (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) أي ms3909 أتاهم أمر ~~الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة، وهو أنه سبحانه ~~أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك، ~~وقيل هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح، فإن ~~قتله أضعف شوكتهم. وقيل إن الضمير في أتاهم ولم يحتسبوا للمؤمنين: أي ~~فأتاهم نصر الله من حيث لم يحتسبوا، والأول أولى لقوله (وقذف في قلوبهم ~~الرعب) فإن قذف الرعب كان في قلوب بني النضير، لا في قلوب PageV05P195 # المسلمين. قال أهل اللغة: الرعب الخوف الذي يرعب الصدر: أي يملؤه، وقذفه ~~إثباته فيه. وقيل كان قذف الرعب في قلوبهم بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، ~~والأولى عدم تقييده بذلك وتفسيره به، بل المراد بالرعب الذي قذفه الله في ~~قلوبهم هو الذي ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر " (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) وذلك أنهم لما ~~أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل، ~~والمسلمون من خارج. قال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخربون من خارج ~~ليدخلوا، واليهود من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم. قال الزجاج: معنى ~~تخريبها بأيدي المؤمنين أنهم عرضوها لذلك. # قرأ الجمهور " يخربون " بالتخفيف، وقرأ الحسن والسلمي ونصر بن عاصم وأبو ~~العالية وأبو عمرو بالتشديد. قال أبو عمرو: إنما اخترت القراءة بالتشديد، ~~لأن الإخراب ترك الشئ خرابا، وإنما خربوها بالهدم. وليس ما قاله بمسلم، فإن ~~التخريب والإخراب عند أهل اللغة بمعنى واحد. قال سيبويه: إن معنى فعلت ~~وأفعلت يتعاقبان نحو أخربته وخربته وأخرجته وفرحته واختار القراءة الأولى ~~أبو عبيد وأبو حاتم. قال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا يستحسنون ~~الخشبة أو العمود فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون ~~باقيها. وقال الزهري أيضا: يخربون بيوتهم بنقض المعاهدة وأيدي المؤمنين ~~بالمقاتلة، وقال أبو عمرو: بأيديهم في تركهم لها وبأيدي المؤمنين ms3910 في ~~إجلائهم عنها. # والجملة إما مستأنفة لبيان ما فعلوه، أو في محل نصب على الحال (فاعتبروا ~~يا أولي الأبصار) أي اتعظوا وتدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل العقول ~~والبصائر. قال الواحدي: ومعنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شئ آخر ~~من جنسها (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا) أي لولا أن ~~كتب الله عليهم الخروج من أوطانهم على ذلك الوجه وقضى به عليهم لعذبهم ~~بالقتل والسبي في الدنيا كما فعل ببني قريظة. والجلاء مفارقة الوطن، يقال ~~جلاء بنفسه جلاء، وأجلاه غيره إجلاء. والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان ~~معناهما في الإبعاد واحدا من جهتين: إحداهما أن الجلاء ما كان مع الأهل ~~والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. # الثاني أن الجلاء لا يكون إلا الجماعة، والإخراج يكون لجماعة ولواحد، كذا ~~قال الماوردي (ولهم في الآخرة عذاب النار) هذه الجملة مستأنفة غير متعلقة ~~بجواب لولا متضمنة لبيان ما يحصل لهم في الآخرة من العذاب وإن نجوا من عذاب ~~الدنيا، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ذكره من الجلاء في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة (بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي بسبب المشاقة منهم لله ~~ولرسوله بعدم الطاعة والميل مع الكفار ونقض العهد (ومن يشاق الله فإن الله ~~شديد العقاب) اقتصرها هنا على مشاقة الله، لأن مشاقته مشاقة لرسوله. قرأ ~~الجمهور " يشاق " بالإدغام. # وقرأ طلحة بن مصرف ومحمد بن السميفع " يشاقق " بالفك (ما قطعتم من لينة ~~أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) قال مجاهد: إن بعض المهاجرين ~~وقعوا في قطع النخل فنهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم للمسلمين، وقال ~~الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطع النخل ~~وتحليل من قطعه من الإثم فقال - ما قطعتم من لينة - قال قتادة والضحاك: ~~إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا ~~نخلة وأحرقوا نخلة، فقال بنو النضير وهم أهل كتاب: يا محمد ألست تزعم أنك ~~نبي تريد الصلاح، أفمن الصلاح ms3911 قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل ~~عليك إباحة الفساد في الأرض، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ووجد المسلمون في أنفسهم فنزلت الآية، ومعنى الآية: أي شئ PageV05P196 # قطعتم من ذلك أو تركتم فبإذن الله، والضمير في تركتموها عائد إلى " ما " ~~لتفسيرها باللينة، وكذا في قوله (قائمة على أصولها) ومعنى على أصولها: أنها ~~باقية على ما هي عليه. # واختلف المفسرون في تفسير اللينة، فقال الزهري ومالك وسعيد بن جبير ~~وعكرمة والخليل: إنها النخل كله إلا العجوة. وقال مجاهد: إنها النخل كله ~~ولم يستثن عجوة ولا غيرها. وقال الثوري: هي كرام النخل، وقال أبو عبيدة: ~~إنها جميع أنواع التمر سوى العجوة والبرني. وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة ~~خاصة، وقيل هي ضرب من النخل، يقال لتمرة اللون، ثمرة أجود التمر. وقال ~~الأصمعي: هي الدقل، وأصل اللينة لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ~~وجمع اللينة لين، وقيل ليان. وقرأ ابن مسعود " ما قطعتم من لينة ولا تركتم ~~قوما على أصولها " أي قائمة على سوقها، وقرئ " على أصلها " وقرئ " قائما ~~على أصوله " (وليخزي الفاسقين) أي لبذل الخارجين عن الطاعة، وهم اليهود ~~ويغيظهم في قطعها وتركها لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف ~~شاءوا من القطع والترك ازدادوا غيظا. قال الزجاج: وليخزي الفاسقين بأن ~~يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع وترك، والتقدير: ~~وليخزي الفاسقين أذن في ذلك، يدل على المحذوف قوله (فبإذن الله) وقد استدل ~~بهذه الآية على جواز الاجتهاد وعلى تصويب المجتهدين، والبحث مستوفى في كتب ~~الأصول (وما أفاء الله على رسوله منهم) أي ما رده عليه من أموال الكفار، ~~يقال فاء يفئ إذا رجع، والضمير في منهم عائد إلى بني النضير (فما أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب) يقال وجف الفرس والبعير يجف وجفا: وهو سرعة السير، ~~وأوجفه صاحبه: إذا حمله على السير السريع، ومنه قول تميم بن مقبل: # مذ أو بد بالبيض الحديد صقالها * عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفوا وقال ms3912 ~~نصيب: # ألا رب ركب قد قطعت وجيفهم * إليك ولولا أنت لم يوجف الركب و " ما " في ~~(فما أوجفتم) نافية، والفاء جواب الشرط إن كانت " ما " في قوله (ما أفاء ~~الله) شرطية وإن موصولة فالفاء زائدة، " ومن " في قوله (من خيل) زائدة ~~للتأكيد، والركاب ما يركب من الإبل خاصة، والمعنى: أن مارد الله على رسوله ~~من أموال بني النضير لم تركبوا لتحصيله خيلاء ولا إبلا ولا تجشمتم لها شقة ~~ولا لقيتم بها جريا ولا مشقة، وإنما كانت من المدينة على ميلين، فجعل الله ~~سبحانه أموال بني النضير لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة لهذا السبب، ~~فإنه افتتحها صلحا وأخذ أموالها، وقد كان سأله المسلمون أن يقسم لهم فنزلت ~~الآية (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) من أعدائه، وفي هذا بيان أن تلك ~~الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون أصحابه لكونهم ~~لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، بل مشوا إليها مشيا، ولم يقاسوا فيها شيئا ~~من شدائد الحروب (والله على كل شئ قدير) يسلط من يشاء على من أراد، ويعطي ~~من يشاء ويمنع من يشاء - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - (ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى) هذا بيان لمصارف الفئ بعد بيان أنه لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم خاصة، والتكرير لقصد التقرير والتأكيد، ووضع أهل القرى ~~موضع قوله " منهم " أي من بني النضير للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني ~~النضير وحدهم، بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم صلحا ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. قيل والمراد بالقرى: بنو ~~النضير وقريظة وفدك وخيبر. وقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي قبلها؟ ~~هل معناهما متفق أو مختلف، فقيل معناهما متفق كما ذكرنا، وقيل مختلف، وفي ~~ذلك كلام لأهل العلم طويل. قال ابن PageV05P197 # العربي: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات. أما الآية الأولى، وهي ~~قوله (وما أفاء الله على رسوله ms3913 منهم) فهي خاصة برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم خالصة له وهي أموال بني النضير وما كان مثلها. وأما الآية ~~الثانية، وهي قوله (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) فهذا كلام مبتدأ ~~غير الأول بمستحق غير الأول وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما ~~تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، ~~واقتضت آية الأنفال، وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، وعريت الآية ~~الثانية، وهي قوله (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) عن ذكر حصوله ~~بقتال أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من ها هنا، فطائفة قالت هي ملحقة بالأولى ~~وهي مال الصلح، وطائفة قالت هي ملحقة بالثالثة وهي آية الأنفال. والذين ~~قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة هذا معنى ~~حاصل كلامه. وقال مالك: إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، والآية الثانية هي في بني قريظة، ويعني أن معناها ~~يعود إلى آية الأنفال. # ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفئ سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي بعده لمصالح المسلمين (فلله وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) المراد بقوله " لله " أنه ~~(يحكم فيه بما يشاء " وللرسول " يكون ملكا له " ولذي القربى " وهو بنو هاشم ~~وبنو المطلب لأنهم قد منعوا من الصدقة فجعل لهم حقا في الفئ. قيل تكون ~~القسمة في هذا المال على أن يكون أربعة أخماسه لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وخمسه يقسم أخماسا. للرسول خمس، ولكل صنف من الأصناف الأربعة ~~المذكورة خمس، وقيل يقسم أسداسا. السادس سهم الله سبحانه ويصرف إلى وجوه ~~القرب، كعمارة المساجد ونحو ذلك (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) أي ~~كيلا يكون الفئ دولة بين الأغنياء دون الفقراء، والدولة اسم للشئ يتداوله ~~القوم بينهم، يكون لهذا مرة، ولهذا مرة. قال مقاتل: المعنى أنه يغلب ~~الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم. قرأ الجمهور " يكون ms3914 " بالتحتية دولة ~~بالنصب: أي كيلا يكون الفئ دولة. وقرأ جعفر والأعرج وهشام وأبو حيان " تكون ~~" بالفوقية دولة بالرفع: أي كيلا تقع أو توجد دولة، وكان تامة. وقرأ ~~الجمهور " دولة " بضم الدال. # وقرأ أبو حيوة والسلمي بفتحها. قال عيسى بن عمر ويونس والأصمعي هما لغتان ~~بمعنى واحد. وقال أبو عمرو ابن العلاء: الدولة بالفتح الذي يتداول من ~~الأموال، وبالضم الفعل، وكذا قال أبو عبيدة. ثم لما بين لهم سبحانه مصارف ~~هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، ~~وما نهاكم عن أخذه فانتهوا عنه ولا تأخذوه. قال الحسن والسدي: ما أعطاكم من ~~مال الفئ فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه. وقال ابن جريج: ما آتاكم من ~~طاعتي فافعلوا، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه، والحق أن هذه الآية عامة ~~في كل شئ يأتي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر أو نهي أو قول ~~أو فعل، وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شئ ~~أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر ~~فائدتها. ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم به الرسول وترك ما نهاهم عنه أمرهم ~~بتقواه وخوفهم شدة عقوبته، فقال (واتقوا الله إن الله شديد العقاب) فهو ~~معاقب من لم يأخذها ما آتاه الرسول ولم يترك ما نهاه عنه. # وقد أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: ~~كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، ~~وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة ~~والأموال إلا الحلقة: PageV05P198 # يعني السلاح، فأنزل الله فيهم (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) إلى ~~قوله (لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا) فقاتلهم النبي صلى ms3915 الله عليه وآله ~~وسلم حتى صالحهم على الإجلاء وجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصيبهم ~~جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا ~~بالقتل والسبي، وأما قوله (لأول الحشر) فكان إجلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا ~~إلى الشام. وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ~~ابن عباس قال " من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية (هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) قال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: يومئذ أخرجوا، قالوا إلى أين؟ قال إلى أرض المحشر ". ~~وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، ~~فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ~~وأوطانهم، وأن يسيروا إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء. ~~وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة، ولها يقول حسان: # لهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير فأنزل الله (ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) ". وأخرج ~~الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية ~~قال: اللينة النخلة (وليخزي الفاسقين) قال: استنزلوهم من حصونهم وأمروا ~~بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا، ~~فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل ~~علينا فيما تركنا من وزر؟ # فأنزل الله (ما قطعتم من لينة) الآية، وفي الباب أحاديث، والكلام في صلح ~~بني النضير مبسوط في كتب السير. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني ~~النضير مما أفاء الله على رسوله، ومما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ~~ركاب، ms3916 وكانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله ~~منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) فجعل ما ~~أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ ~~خيل ولا ركاب) يوجف بها، قال: والإيجاف أن يوضعوا السير، وهي لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فكان من ذلك خيبر وفدك وقرى عرينة. وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعمد لينبع، فأتاها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فاحتواها كلها، فقال ناس هلا قسمها الله فأنزل الله عذره ~~فقال (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) الآية. وأخرج ابن مردويه عنه ~~أيضا قال: كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف ~~الآخر للمسلمين، فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكثيبة والوطيح وسلالم ~~ووحدوه، وكان الذي للمسلمين الشق، والشق ثلاثة عشر سهما، ونطاة خمسة أسهم، ~~ولم يقسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر لأحد من المسلمين إلا ~~لمن شهد الحديبية، ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحد من ~~المسلمين تخلف عنه عند مخرجه إلى الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن ~~عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري. وأخرج أبو داود وابن مردويه عن عمر بن ~~الخطاب قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفايا في النضير وخيبر ~~وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت لابن السبيل، ~~وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء: قسم منها جزءين بين المسلمين، وحبس جزءا ~~لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله PageV05P199 # ردها على فقراء المهاجرين. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن ~~زنجويه في الأموال وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: ما على ~~وجه الأرض مسلم إلا ms3917 وله في هذا الفئ حق إلا ما ملكت أيمانكم. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: " لعن الله الواشمات ~~والمستوشمات والمتنمضات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله " فبلغ ذلك ~~امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت ابن مسعود، فقالت: # بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهو في كتاب الله؟ قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت ~~فيه شيئا من هذا، قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته، أما قرأت (ما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت بلى، فإنه قد نهى عنه ". # سورة الحشر (8 - 10) قوله (للفقراء) قيل هو بدل من - لذي القربى - وما ~~عطف عليه، ولا يصح أن يكون بدلا من الرسول وما بعده لئلا يستلزم وصف رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفقر، وقيل التقدير - كي لا يكون دولة - ~~ولكن يكون للفقراء، وقيل التقدير: اعجبوا للفقراء، وقيل التقدير: والله ~~شديد العقاب للفقراء: أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء، وقيل هو عطف على ~~ما مضى بتقدير الواو كما تقول المال لزيد لعمرو لبكر، والمراد ب‍ ~~(المهاجرين) الذين هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رغبة في ~~الدين ونصرة له. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون هم الذين تركوا الديار ~~والأموال والأهلين، ومعنى (أخرجوا من ديارهم) أن كفار مكة أخرجوهم منها ~~واضطروهم إلى الخروج، وكانوا مائة رجل (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) أي ~~يطلبون منه أن يتفضل عليهم بالرزق في الدنيا، وبالرضوان في الآخرة (وينصرون ~~الله ورسوله) بالجهاد للكفار، وهذه الجملة معطوفة على يبتغون، ومحل ~~الجملتين النصب على الحال، الأولى مقارنة، والثانية مقدرة: أي ناوين لذلك، ~~ويجوز أن تكون حالا مقارنة لأن خروجهم على تلك الصفة نصرة لله ورسوله) ~~والإشارة بقوله (أولئك) إليهم من حيث اتصافهم بتلك الصفات، وهو مبتدأ وخبره ~~(هم الصادقون) أي الكاملون في الصدق الراسخون فيه. ثم لما فرغ من مدح ~~المهاجرين مدح الأنصار فقال (والذين تبوءوا الدار والإيمان من ms3918 قبلهم) ~~المراد بالدار المدينة، وهي دار الهجرة، ومعنى تبوئهم الدار والإيمان أنهم ~~اتخذوها مباءة: أي تمكنوا منهما تمكنا شديدا، والتبوأ في الأصل إنما يكون ~~للمكان، ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه تنزيلا للحال منزلة المحل، ~~وقيل إن الإيمان منصوب بفعل غير الفعل المذكور، والتقدير: واعتقدوا الإيمان ~~أو وأخلصوا الإيمان كذا قال أبو علي الفارسي. ويجوز أن PageV05P200 # يكون على حذف مضاف: أي تبوءوا الدار وموضع الإيمان، ويجوز أن يكون تبوءوا ~~مضمنا لمعنى لزموا، والتقدير: لزموا الدار والإيمان، ومعنى من قبلهم: من ~~قبل هجرة المهاجرين فلا بد من تقدير مضاف، لأن الأنصار إنما آمنوا بعد ~~إيمان المهاجرين، والموصول مبتدأ وخبره (يحبون من هاجر إليهم) وذلك لأنهم ~~أحسنوا إلى المهاجرين وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم (ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة) أي لا يجد الأنصار في صدورهم حسدا وغيظا وحزازة (مما أوتوا) أي مما ~~أوتي المهاجرون دونهم من الفئ، بل طابت أنفسهم بذلك. وفي الكلام مضاف ~~محذوف: أي لا يجدون في صدورهم مس حاجة أو أثر حاجة، وكل ما يجده الإنسان في ~~صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار " فلما غنم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا ~~مع المهاجرين من إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، ثم قال: ~~إن أحببتم قسمت ما أفاء الله على من بني النضير بينكم وبين المهاجرين، وكان ~~المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم والمشاركة لكم في أموالكم، ~~وإن أحببتم أعطيتهم ذلك وخرجوا من دياركم، فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين ~~وطابت أنفسهم (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) الإيثار تقديم الغير ~~على النفس في حظوظ الدنيا رغبة في حظوظ الآخرة، يقال: آثرته بكذا: أي خصصته ~~به، والمعنى: ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في حظوظ الدنيا " ولو كان بهم ~~خصاصة " أي حاجة وفقر، والخصاصة مأخوذة من خصائص البيت، وهي الفرج التي ~~تكون فيه، وجملة ولو كان بهم خصاصة في محل نصب على الحال، وقيل إن الخصاصة ~~مأخوذة ms3919 من الاختصاص، وهو الانفراد بالأمر، فالخصاصة الانفراد بالحاجة، ومنه ~~قول الشاعر: # إن الربيع إذا يكون خصاصة * عاش السقيم به وأثري المقتر (ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون) قرأ الجمهور " يوق " بسكون الواو وتخفيف القاف من ~~الوقاية. # وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة بفتح الواو وتشديد القاف. وقرأ الجمهور " شح ~~نفسه " بضم الشين. وقرأ ابن عمر وابن أبي عبلة بكسرها. والشح: البخل مع ~~حرص، كذا في الصحاح، وقيل الشح أشد من البخل. قال مقاتل: # شح نفسه: حرص نفسه. قال سعيد بن جبير: شح النفس هو أخذ الحرام ومنع ~~الزكاة. قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ولم يمنع شيئا أمره ~~الله بأدائه فقد وقي شح نفسه. قال طاووس: البخل أن يبخل الإنسان بما في ~~يده، والشح أن يشح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحلال ~~والحرام لا يقنع. وقال ابن عيينة: الشح الظلم، وقال الليث: ترك الفرائض ~~وانتهاك المحارم. والظاهر من الآية أن الفلاح مترتب على عدم شح النفس بشئ ~~من الأشياء التي يقبح الشح بها شرعا من زكاة أو صدقة أو صلة رحم أو نحو ذلك ~~كما تفيده إضافة الشح إلى النفس، والإشارة بقوله (فأولئك) إلى " من " ~~باعتبار معناها، وهو مبتدأ وخبره (هم المفلحون) والفلاح الفوز والظفر بكل ~~مطلوب. ثم لما فرغ سبحانه من الثناء على المهاجرين والأنصار، ذكر ما ينبغي ~~أن يقوله من جاء بعدهم، فقال (والذين جاءوا من بعدهم) وهم التابعون لهم ~~بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل هم الذين هاجروا بعد ما قوى الإسلام، والظاهر ~~شمول الآية لمن جاء بعد السابقين من الصحابة المتأخر إسلامهم في عصر ~~النبوة، ومن تبعهم من المسلمين بعد عصر النبوة إلى يوم القيامة، لأنه يصدق ~~على الكل أنهم جاءوا بعد المهاجرين الأولين والأنصار، والموصول مبتدأ وخبره ~~(يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) ويجوز أن يكون ~~الموصول مغطوفا على قوله (والذين تبوءوا الدار والإيمان)، فيكون يقولون في ~~محل نصب على الحال، أو مستأنف ms3920 لا محل له، والمراد بالأخوة هنا أخوة الدين، ~~أمرهم الله أن يستغفروا لأنفسهم ولمن تقدمهم من المهاجرين PageV05P201 # والأنصار (ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) أي غشا وبغضا وحسدا. ~~أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله ~~سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك ~~الصحابة دخولا أوليا لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم ~~يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به ~~في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان وحل به ~~نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمته نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه ~~باللجأ إلى الله سبحانه والاستغاثة به، بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل ~~لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، ~~فقد انقاد للشيطان بزمام ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما ~~يصاب به من ابتلى بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب ~~بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلفة والأقاصيص المفتراة والخرافات ~~الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنقولة إلينا بروايات ~~الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور، فاشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا ~~الخسران العظيم بالربح الوافر، وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى ~~منزلة ومن رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته ~~وصالحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين، ~~وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر، ~~والله من ورائهم محيط (ربنا إنك رؤوف رحيم) أي كثير الرأفة والرحمة بليغهما ~~لمن يستحق ذلك من عبادك. # وقد أخرج البخاري عن عمر بن ms3921 الخطاب إنه قال: أوصى الخليفة بعدي ~~بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار ~~الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقيل من محسنهم ويتجاوز عن ~~مسيئهم. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله؟ أصابني الجهد فأرسل إلى نسائه ~~فلم يجد عندهن شيئا فقال: ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه الله، فقال رجل من ~~الأنصار، وفي رواية فقال أبو طلحة الأنصاري: أنا يا رسول الله، فذهب به إلى ~~أهله، فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تدخريه ~~شيئا، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء ~~فنوميهم وتعالى فأطفى السراج، ونطوي بطوننا الليلة لضيف رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ففعلت، ثم غدا الضيف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة، وأنزل فيهما (ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن عمر قال: أهدى إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليه، ~~فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى ~~الأول، فنزلت فيهم (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). # وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ~~في الشعب عن ابن مسعود أن رجلا قال: إني أخاف أن أكون قد هلكت. # قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شئ، فقال له ابن مسعود: ليس ذاك ~~بالشح، ولكنه البخل ولا خير في البخل، وإن الشح الذي PageV05P202 # ذكره الله في القرآن أن ms3922 تأكل مال أخيك ظلما. وأخرج ابن المنذر وابن ~~مردويه عن ابن عمر في الآية قال: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، ولكنه البخل ~~وإنه لشر، إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له. وأخرج ابن المنذر عن ~~علي ابن أبي طالب قال: من أدى زكاة ماله فقط وقى شح نفسه. وأخرج الحكيم ~~الترمذي وأبو يعلى وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ما محق الإسلام محق الشح شئ قط. # وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم ~~القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا ~~دماءهم واستحلوا محارمهم ". وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم النسح. وأخرج ~~الحاكم وصححه وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل قد ~~مضت منزلتان وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه ~~المنزلة التي بقيت، ثم قرأ (والذين جاءوا من بعدهم) الآية. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن ~~عائشة قالت: أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فسبوهم، ثم قرأت هذه الآية (والذين جاءوا من بعدهم). وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عمر أنه سمع رجلا وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه (للفقراء ~~المهاجرين) الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت؟ قال لا، ثم قرأ ~~عليه (والذين تبوءوا الدار والإيمان) الآية. ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت ~~منهم؟ قال لا، ثم قرأ عليه (والذين جاءوا من بعدهم) الآية، ثم قال: أفمن ~~هؤلاء أنت؟ قال أرجو، قال: ليس من هؤلاء من سب هؤلاء. # الحشر (11 - 20) PageV05P203 # لما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين، ذكر ما جرى بين ~~المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم، فقال (ألم تر إلى ~~الذين نافقوا) والخطاب لرسول الله، أو لكل ms3923 من يصلح له، والذين نافقوا هم ~~عبد الله بن أبي وأصحابه، وجملة (يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب) مستأنفة لبيان المتعجب منه، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة أو ~~للدلالة على الاستمرار، وجعلهم إخوانا لهم لكون الكفر قد جمعهم، وإن اختلف ~~نوع كفرهم فهم إخوان في الكفر، واللام في لإخوانهم هي لام التبليغ، وقيل هو ~~من قول بني النضير لبني قريظة، والأول أولى، لأن بني النضير وبني قريظة هم ~~يهود، والمنافقون غيرهم، واللام في قوله (لئن أخرجتم) هي الموطئة للقسم: أي ~~والله لئن أخرجتم من دياركم (لنخرجن معكم) هذا جواب القسم: أي لنخرجن من ~~ديارنا في صحبتكم (ولا نطيع فيكم) أي في شأنكم، ومن أجلكم (أحدا) ممن يريد ~~أن يمنعنا من الخروج معكم وإن طال الزمان، وهو معنى قوله (أبدا). ثم لما ~~وعدوهم بالخروج معهم وعدوهم بالنصرة لهم، فقالوا (وإن قوتلتم لننصرنكم) على ~~عدوكم. ثم كذبهم سبحانه فقال (والله يشهد إنهم لكاذبون) فيما وعدوهم به من ~~الخروج معهم والنصرة لهم. ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به فصل ما كذبوا ~~فيه فقال (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) وقد كان ~~الأمر كذلك، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود وهم بنو النضير، ~~ومن معهم ولم ينصروا من قوتل من اليهود وهم بنو قريظة وأهل خيبر (ولئن ~~نصروهم) أي لو قدر وجود نصرهم إياهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده. قال ~~الزجاج: معناه لو قصدوا نصر اليهود (ليولن الأدبار) منهزمين (ثم لا ينصرون) ~~يعني اليهود لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم، وهم المنافقون، وقيل يعني ~~لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك، بل يذلهم الله ولا ينفعهم نفاقهم، وقيل ~~معنى الآية: # لا ينصرونهم طائعين ولئن نصروهم مكرهين ليولن الأدبار، وقيل معنى لا ~~ينصرونهم: لا يدومون على نصرهم، والأول أولى، ويكون من باب قوله - ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه - (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) أي لأنتم يا ~~معشر المسلمين أشد خوفا وخشية في صدور المنافقين، ms3924 أو صدور اليهود، أو صدور ~~الجميع من الله: # أي من رهبة الله، والرهبة هنا بمعنى المرهوبية، لأنها مصدر من المبني ~~للمفعول، وانتصابها على التمييز (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) أي ما ذكر من ~~الرهبة الموصوفة بسبب عدم فقههم لشئ من الأشياء ولو كان لهم فقه لعلموا أن ~~الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم، فهو أحق بالرهبة منه دونكم، ثم أخبر ~~سبحانه بمزيد فشلهم وضعف نكايتهم فقال (لا يقاتلونكم جميعا) يعني لا يبرز ~~اليهود والمنافقون مجتمعين لقتالكم ولا يقدرون على ذلك (إلا في قرى محصنة) ~~بالدروب والدور (أو من وراء جدر) أي من خلف الحيطان التي يستترون بها ~~لجبنهم ورهبتهم. قرأ الجمهور " جدر " بالجمع، وقرأ ابن عباس مجاهد وابن ~~محيصن وابن كثير وأبو عمرو " جدار " بالإفراد. واختار القراءة الأولى أبو ~~عبيد وأبو حاتم لأنها موافقة لقوله قرى محصنة. وقرأ بعض المكيين " جدر " ~~بفتح الجيم وإسكان الدال، وهي لغة في الجدار (بأسهم بينهم شديد) أي بعضهم ~~غليظ فظ على بعض وقلوبهم مختلفة ونياتهم متباينة. # قال السدي: المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد، وقال ~~مجاهد: بأسهم بينهم شديد بالكلام PageV05P204 # والوعيد ليفعلن كذا، والمعنى: أنهم إذا انفردوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة ~~والبأس، وإذا لاقوا عدوا ذلوا وخضعوا وانهزموا، وقيل المعنى أن بأسهم ~~بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفهم بالنسبة إليكم لما قذف الله في ~~قلوبهم من الرعب، والأول أولى لقوله (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) فإنه يدل ~~على أن اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن، وهذا ~~التخالف هو البأس الذي بينهم الموصوف بالشدة، ومعنى شتى متفرقة، قال مجاهد: # يعنى اليهود والمنافقين تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى. وروى عنه أيضا أنه ~~قال: المراد المنافقون. وقال الثوري: هم المشركون وأهل الكتاب. قال قتادة: ~~تحسبهم جميعا: أي مجتمعين على أمر ورأى، وقلوبهم شتى متفرقة، فأهل الباطل ~~مختلفة آراؤهم مختلفة شهادتهم مختلفة أهواؤهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل ~~الحق. وقرأ ابن مسعود " وقلوبهم أشت " أي أشد اختلافا (ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون) أي ms3925 ذلك الاختلاف والتشتت بسبب أنهم قوم لا يعقلون شيئا ولو عقلوا ~~لعرفوا الحق واتبعوه (كمثل الذين من قبلهم) أي مثلهم كمثل الذين من قبلهم، ~~والمعنى: # أن مثل المنافقين واليهود كمثل الذين من قبلهم من كفار المشركين (قريبا) ~~يعنى في زمان قريب، وانتصاب قريبا على الظرفية: أي يشبهونهم في زمن قريب، ~~وقيل العامل فيه ذاقوا: أي ذاقوا في زمن قريب، ومعنى (ذاقوا وبال أمرهم) أي ~~سوء عاقبة كفرهم في الدنيا بقتلهم يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير ~~بستة أشهر، قاله مجاهد وغيره، وقيل المراد بنو النضير حيث أمكن الله منهم، ~~قاله قتادة. وقيل قتل بني قريظة، قاله الضحاك. # وقيل هو عام في كل من انتقم الله منه بسبب كفره، والأول أولى (ولهم عذاب ~~أليم) أي في الآخرة. ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا آخر فقال (كمثل الشيطان ~~إذ قال للإنسان أكفر) أي مثلهم في تخاذلهم وعدم تناصرهم، فهو إما خبر مبتدإ ~~محذوف، أو خبر آخر للمبتدأ المقدر قبل قوله (كمثل الذين من قبلهم) على ~~تقدير حذف حرف العطف كما تقول: أنت عاقل، أنت عالم، أنت كريم. وقيل المثل ~~الأول خاص باليهود، والثاني خاص بالمنافقين، وقيل المثل الثاني بيان للمثل ~~الأول، ثم بين سبحانه وجه الشبه فقال (إذ قال للإنسان أكفر) أي أغراه ~~بالكفر وزينه له وحمله عليه، والمراد بالإنسان هنا جنس من أطاع الشيطان من ~~نوع الإنسان، وقيل هو عابد كان في بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر ~~فأطاعه (فلما كفر قال إني برئ منك) أي فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان، ~~وقبولا لتزيينه قال الشيطان إني برئ منك، وهذا يكون منه يوم القيامة، وجملة ~~(إني أخاف الله رب العالمين) تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره، وقيل ~~المراد بالإنسان هنا أبو جهل، والأول أولى. قال مجاهد: # المراد بالإنسان هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم، قيل وليس قول ~~الشيطان (إني أخاف الله) على حقيقته، إنما هو على وجه التبري من الإنسان ~~فهو تأكيد لقوله (إني برئ منك) قرأ الجمهور " إني " بإسكان ms3926 الياء. وقرأ ~~نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتحها (فكان عاقبتهما أنهما في النار) قرأ ~~الجمهور " عاقبتهما " بالنصب على أنه خبر كان، واسمها أنهما في النار. وقرأ ~~الحسن وعمرو بن عبيد بالرفع على أنها اسم كان، والخبر ما بعده، والمعنى ~~فكان عاقبة الشيطان وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار (خالدين ~~فيها) قرأ الجمهور " خالدين " بالنصب على الحال، وقرأ ابن مسعود والأعمش ~~وزيد بن علي وابن أبي عبلة " خالدان " على أنه خبر أن والظرف متعلق به ~~(وذلك جزاء الظالمين) أي الخلود في النار جزاء الظالمين، ويدخل هؤلاء فيهم ~~دخولا أوليا. ثم رجع سبحانه إلى خطاب المؤمنين بالموعظة الحسنة فقال (يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به وترك ما ~~نهاكم عنه (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) أي لتنظر أي شئ قدمت من الأعمال ليوم ~~القيامة، والعرب تكنى عن المستقبل بالغد، وقيل ذكر الغد تنبيها على قرب ~~الساعة (واتقوا الله) كرر الأمر بالتقوى للتأكيد (إن الله PageV05P205 # خبير بما تعملون) لا تخفى عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر (ولا تكونوا كالذين نسوا الله) أي تركوا أمره، أو ~~ما قدروه حق قدره، أو لم يخافوه، أو جميع ذلك (فأنساهم أنفسهم) أي جعلهم ~~ناسين لها بسبب نسيانهم له، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب، ~~ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه، ففي الكلام مضاف محذوف: أي أنساهم ~~حظوظ أنفسهم. قال سفيان: نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم، وقيل نسوا الله ~~في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد (أولئك هم الفاسقون) أي الكاملون في ~~الخروج عن طاعة الله (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) في الفضل ~~والرتبة، والمراد الفريقان على العموم، فيدخل في فريق أهل النار من نسى ~~الله منهم دخولا أوليا، ويدخل في فريق أهل الجنة الذين اتقوا دخولا أوليا ~~لأن السياق فيهم، وقد تقدم الكلام في معنى مثل هذه الآية في سورة المائدة، ~~وفي سورة السجدة، وفي سورة ص. ثم أخبر ms3927 سبحانه وتعالى عن أصحاب الجنة بعد ~~نفي التساوي بينهم وبين أهل النار فقال (أصحاب الجنة هم الفائزون) أي ~~الظافرون بكل مطلوب الناجون من كل مكروه: # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ألم تر إلى الذين نافقوا) قال: ~~عبد الله بن أبي ابن سلول ورفاعة بن تابوت وعبد الله بن نبتل وأوس بن قيظي، ~~وإخوانهم بنو النضير. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل ~~عنه أن رهطا من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ووديعة بن ~~مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن أثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم ~~وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم ~~يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة، ففعل ~~فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعير فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ~~ومنهم من سار إلى الشام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في قوله (تحسبهم جميعا ~~وقلوبهم شتى) قال: هم المشركون. وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في ~~الزهد وعبد ابن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي ابن أبي طالب أن رجلا كان ~~يتعبد في صومعة وأن امرأة كان لها إخوة، فعرض لها شئ فأتوه بها فزينت له ~~نفسه فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك ~~افتضحت فقتلها ودفنها، فجاءوه فأخذوه فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه ~~الشيطان فقال: إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له. # فذلك قوله (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر) الآية. قلت: وهذا لا يدل ~~على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية، بل يدل على أنه من جملة من تصدق ~~عليه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا، وليس فيه ما ms3928 يدل ~~على أنه المقصود بالآية. وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن مسعود في قوله (كمثل الشيطان) قال: ضرب الله مثل الكفار ~~والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان أكفر. # سورة الحشر 21 - 24 PageV05P206 # لما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة وأهل النار، وبين عدم استوائهم في شئ من ~~الأشياء ذكر تعظيم كتابه الكريم، وأخبر عن جلالته، وأنه حقيق بأن تخشع له ~~القلوب وترق له الأفئدة، فقال (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله) أي من شأنه وعظمته وجودة ألفاظه وقوة مبانيه وبلاغته ~~واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل من الجبال ~~الكائنة في الأرض لرأيته مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة وضخامة الجرم ~~خاشعا متصدعا: أي متشققا من خشية الله سبحانه حذرا من عقابه وخوفا من أن لا ~~يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، وهذا تمثيل وتخييل يقتضى علو شأن ~~القرآن وقوة تأثيره في القلوب ويدل على هذا قوله (وتلك الأمثال نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون) فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ وينزجروا ~~بالزواجر، وفيه توبيخ وتقريع للكفار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا ~~بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره، والخاشع الذليل المتواضع. وقيل الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أي لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت ~~ولتصدع من نزوله عليه، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له وقويناك عليه، فيكون ~~على هذا من باب الامتنان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الله ~~سبحانه ثبته لما لا تثبت له الجبال الرواسي. ثم أخبر سبحانه بربوبيته ~~وعظمته، فقال (هو الله الذي لا إله إلا هو) وفي هذا تقرير للتوحيد ودفع ~~للشرك (عالم الغيب والشهادة) أي عالم ما غاب من الإحساس وما حضر، وقيل عالم ~~السر والعلانية، وقيل ما كان وما يكون، وقيل الآخرة والدنيا، وقدم الغيب ~~على الشهادة لكونه متقدما ms3929 وجودا (هو الرحمن الرحيم) قد تقدم تفسير هذين ~~الاسمين (هو الله الذي لا إله إلا هو) كرره للتأكيد والتقرير لكون التوحيد ~~حقيقا بذلك (الملك القدوس) أي الطاهر من كل عيب المنزه عن كل نقص، والقدس ~~بالتحريك في لغة أهل الحجاز السطل، لأنه يتطهر به، ومنه القادوس لواحد ~~الأواني التي يستخرج بها الماء. قرأ الجمهور " القدوس " بضم القاف. وقرأ ~~أبو ذر وأبو السماك بفتحها، وكان سيبويه يقول سبوح قدوس بفتح أولهما، وحكى ~~أبو حاتم عن يعقوب أنه سمع عند الكسائي أعرابيا فصيحا يقرأ " القدوس " بفتح ~~القاف. قال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس، فإن ~~الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان (السلام) أي الذي سلم من كل نقص وعيب، وقيل ~~المسلم على عباده في الجنة، كما قال - سلام قولا من رب رحيم - وقيل الذي ~~سلم الخلق من ظلمه، وبه قال الأكثر، وقيل المسلم لعباده، وهو مصدر وصف به ~~للمبالغة (المؤمن) أي الذي وهب لعباده الأمن من عذابه، وقيل المصدق لرسله ~~بإظهار المعجزات، وقيل المصدق للمؤمنين بما وعدهم به من الثواب، والمصدق ~~للكافرين بما أوعدهم به من العذاب، يقال أمنه من الأمن وهو ضد الخوف، ومنه ~~قول النابغة: # والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند وقال مجاهد: ~~المؤمن الذي وحد نفسه بقوله - شهد الله أنه لا إله إلا هو -. قرأ الجمهور " ~~المؤمن " بكسر الميم اسم فاعل من آمن بمعنى أمن. وقرأ أبو جعفر محمد بن علي ~~بن الحسين بفتحها بمعنى المؤمن به على الحذف كقوله - واختار موسى قومه - ~~وقال أبو حاتم: لا تجوز هذه القراءة لأن معناه أنه كان خائفا فأمنه غيره ~~(المهيمن) أي PageV05P207 # الشهيد على عباده بأعمالهم الرقيب عليهم. كذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل: ~~يقال هيمن يهيمن فهو مهيمن: إذا كان رقيبا على الشئ. قال الواحدي: وذهب ~~كثير من المفسرين إلى أن أصله مؤيمن من آمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن، ~~والأول أولى، وقد قدمنا الكلام على المهيمن في سورة المائدة (العزيز) الذي ~~لا يوجد له نظير، ms3930 وقيل القاهر، وقيل الغالب غير المغلوب، وقيل القوي ~~(الجبار) جبروت الله عظمته، والعرب تسمى الملك الجبار، ويجوز أن يكون من ~~جبر إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير، ويجوز أن يكون من جبره على كذا إذا ~~أكرهه على ما أراد، فهو الذي جبر خلقه على ما أراد منهم، وبه قال السدى ~~ومقاتل، واختاره الزجاج والفراء، قال: هو من أجبره على الأمر: أي قهره. ~~قال: ولم أسمع فعالا من أفعل إلا في جبار من أجبر، ودراك من أدرك، وقيل ~~الجبار الذي لا تطاق سطوته (المتكبر) أي الذي تكبر عن كل نقص وتعظم عما لا ~~يليق به، وأصل التكبر الامتناع وعدم الانقياد، ومنه قول حميد بن ثور: # عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت * بها كبرياء الصعب وهي ذلول والكبر في ~~صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. قال قتادة: هو الذي تكبر عن كل سوء. ~~قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، وهو الملك، ثم نزه سبحانه نفسه عن ~~شرك المشركين، فقال (سبحان الله عما يشركون) أي عما يشركونه أو عن إشراكهم ~~به (هو الخالق) أي المقدر للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته (البارئ) أي ~~المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها. وقيل المميز لبعضها من بعض (المصور) أي ~~الموجد للصور المركب لها على هيئات مختلفة، فالتصوير مترتب على الخلق ~~والبراية وتابع لهما، ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل قال النابغة: # الخالق البارئ المصور في * الأرحام ماء حتى يصير دما وقرأ حاطب بن أبي ~~بلتعة الصحابي المصور بفتح الواو ونصب الراء على أنه مفعول به للبارئ: أي ~~الذي برأ المصور: أي ميزه (له الأسماء الحسنى) قد تقدم بيانها والكلام فيها ~~عند تفسير قوله - ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها - (يسبح له ما في ~~السماوات والأرض) أي ينطق بتنزيهه بلسان الحال: أو المقال كل ما فيهما وهو ~~العزيز الحكيم) أي الغالب لغيره الذي لا يغالبه مغالب، الحكيم في كل الأمور ~~التي يقضى بها. # وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس، في قوله (لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل) قال: يقول ms3931 لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه ~~تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن ~~يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع. قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتفكرون. وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعلي مرفوعا في قوله (لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل) إلى آخر السورة قال: هي رقية الصداع. رواه الديلمي ~~بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهما. وأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى ~~إدريس ابن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف، فلما بلغت هذه الآية قال: ~~ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على حمزة فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على ~~رأسك فإني قرأت على الأعمش ثم ساق الإسناد مسلسلا هكذا إلى ابن مسعود فقال: ~~فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بلغت هذه الآية قال لي: ~~ضع يدك على رأسك، فإن جبريل لما نزل بها قال لي ضع يدك على رأسك - فإنها ~~شفاء من كل داء إلا السام، والسام الموت. قال الذهبي: هو باطل. وأخرجه ابن ~~السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم PageV05P208 # أمر رجلا إذا آوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر وقال: إن مت مت ~~شهيدا. وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " من تعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، ثم قرأ آخر سورة الحشر ~~بعث الله سبعين ملكا يطردون عنه شياطين الإنس والجن إن كان ليلا حتى يصبح، ~~وإن كان نهارا حتى يمسى ". وأخرج أحمد والدارمي والترمذي وحسنه والطبراني ~~وابن الضريس والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ~~ألف ملك يصلون عليه حتى يمسى، وإن مات ذلك اليوم مات شهيدا، ms3932 ومن قالها حين ~~يمسي كان بتلك المنزلة ". قال الترمذي بعد إخراجه: # غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب ~~والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو ~~نهار فمات من يومه أو ليلته أوجب الله له الجنة ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (عالم الغيب والشهادة) قال: السر والعلانية. وفي قوله ~~(المؤمن) قال: المؤمن خلقه من أن يظلمهم، وفي قوله (المهيمن) قال: الشاهد. # تفسير سورة الممتحنة هي ثلاث عشرة آية وهي مدنية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة الممتحنة بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. ~~والممتحنة بكسر الحاء اسم فاعل أضيف الفعل إليها مجازا، كما سميت سورة ~~براءة الفاضحة لكشفها عن عيوب المنافقين، وقيل الممتحنة بفتح الحاء اسم ~~مفعول أضافه إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط، لقوله سبحانه - فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن -. # سورة الممتحنة (1 - 3) PageV05P209 # قال المفسرون، نزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) ~~في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إليهم، وسيأتي ذكر القصة آخر البحث إن شاء الله، وقوله ~~(عدوي) هو المفعول الأول (وعدوكم) معطوف عليه، والمفعول الثاني أولياء، ~~وأضاف سبحانه الغدو إلى نفسه تعظيما لجرمهم، والعدو مصدر يطلق على الواحد ~~والاثنين والجماعة، والآية تدل على النهى عن موالاة الكفار بوجه من الوجوه ~~(تلقون إليهم بالمودة) أي توصلون إليهم المودة على أن الباء زائدة، أو هي ~~سببية. والمعنى: تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب ~~المودة التي بينكم وبينهم. قال الزجاج تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، والجملة في محل نصب على ~~الحال من ضمير تتخذوا، ويجوز أن تكون مستأنفة ms3933 لقصد الإخبار بما تضمنته أو ~~لتفسير موالاتهم إياهم، ويجوز أن تكون في محل نصب صفة لأولياء، وجملة (وقد ~~كفروا بما جاءكم من الحق) في محل نصب على الحال من فاعل تلقون، أو من فاعل ~~لا تتخذوا، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان حال الكفار. قرأ الجمهور " بما ~~جاءكم " بالباء الموحدة. وقرأ الجحدري وعاصم في رواية عنه " لما جاءكم " ~~باللام: أي لأجل ما جاءكم من الحق على حذف المكفور به: أي كفروا بالله ~~والرسول لأجل ما جاءكم من الحق، أو على جعل ما هو سبب للإيمان سببا للكفر ~~توبيخا لهم (يخرجون الرسول وإياكم) الجملة مستأنفة لبيان كفرهم، أو في محل ~~نصب على الحال، وقوله (أن تؤمنوا بالله ربكم) تعليل للإخراج: أي يخرجونكم ~~لأجل إيمانكم، أو كراهة أن تؤمنوا (إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء ~~مرضاتي) جواب الشرط محذوف أي إن كنتم كذلك فلا تلقوا إليهم بالمودة، أو إن ~~كنتم كذلك فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وانتصاب جهادا وابتغاء على ~~العلة: أي إن كنتم خرجتم لأجل الجهاد في سبيلي ولأجل ابتغاء مرضاتي، وجملة ~~(تسرون إليهم بالمودة) مستأنفة للتقريع والتوبيخ: أي تسرون إليهم الأخبار ~~بسبب المودة، وقيل هي بدل من قوله: تلقون. ثم أخبر سبحانه بأنه لا يخفى ~~عليه من أحوالهم شئ، فقال (وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) والجملة في ~~محل نصب على الحال: أي بما أضمرتم وما أظهرتم، والباء في بما زائدة: يقال ~~علمت كذا وعلمت بكذا، هذا على أن أعلم مضارع، وقيل هو أفعل تفضيل: أي أعلم ~~من كل أحد بما تخفون وما تعلنون (ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) أي من ~~يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء ويلقى إليهم بالمودة فقد أخطأ طريق ~~الحق والصواب وضل عن قصد السبيل (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء) أي إن ~~يلقوكم ويصادفوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة، ومنه المثاقفة، وهي ~~طلب مصادفة الغرة في المسابقة، وقيل المعنى: إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، ~~والمعنيان متقاربان (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء) أي ms3934 يبسطوا ~~إليكم أيديهم بالضرب ونحوه، وألسنتهم بالشتم ونحوه (وودوا لو تكفرون) هذا ~~معطوف على جواب الشرط، أو على جملة الشرط والجزاء، ورجح هذا أبو حيان، ~~والمعنى: أنهم تمنوا ارتدادهم وودوا رجوعهم إلى الكفر (لن تنفعكم أرحامكم ~~ولا أولادكم) أي لا تنفعكم القرابات على عمومها ولا الأولاد، وخصهم بالذكر ~~مع دخولهم في الأرحام لمزيد المحبة لهم والحنو عليهم، والمعنى: أن هؤلاء لا ~~ينفعونكم حتى توالوا الكفار لأجلهم كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة، بل ~~الذي ينفعكم هو ما أمركم الله به من معاداة الكفار وترك موالاتهم، وجملة ~~(يوم القيامة يفصل بينكم) مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد في ذلك ~~اليوم ومعنى (يفصل بينكم) يفرق بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته ~~النار، وقيل المراد بالفصل بينهم PageV05P210 # أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول كما في قوله - يوم يفر المرء من ~~أخيه - الآية. قيل ويجوز أن يتعلق يوم القيامة بما قبله: أي لن تنفعكم ~~أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة فيوقف عليه. ويبتدأ بقوله (يفصل بينكم) ~~والأولى أن يتعلق بما بعده كما ذكرنا (والله بما تعملون بصير) لا يخفى عليه ~~شئ من أقوالكم وأفعالكم، فهو مجازيكم على ذلك. قرأ الجمهور " يفصل " بضم ~~الياء وتخفيف الفاء وفتح الصاد مبنيا للمفعول، واختار هذه القراءة أبو ~~عبيد. وقرأ عاصم بفتح الياء وكسر الصاد مبنيا للفاعل. وقرأ حمزة والكسائي ~~بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة. وقرأ علقمة بالنون. وقرأ قتادة ~~وأبو حيوة بضم الياء وكسر الصاد مخففة. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن علي بن أبي طالب قال: " بعثني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب ~~فخذوه منها فأتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا ~~أخرجي الكتاب، قالت ما معي من كتاب، فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، ~~فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وآله ms3935 وسلم، فإذا فيه: من ~~حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما هذا يا حاطب؟ ~~قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من ~~أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم ~~بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها ~~قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: صدق، فقال عمر: دعني أضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرا، وما يدريك ~~لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ونزلت (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) ". ~~وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة متضمنة لبيان هذه القصة، وأن هذه الآيات إلى ~~قوله (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم) نازلة في ذلك. PageV05P211 # لما فرغ سبحانه من النهي عن موالاة المشركين والذم لمن وقع منه ذلك ضرب ~~لهم إبراهيم مثلا حين تبرأ من قومه، فقال (قد كانت لكم إسوة حسنة) أي خصلة ~~حميدة تقتدون بها: يقال لي به أسوة في هذا الأمر: أي اقتداء، فأرشدهم ~~سبحانه إلى الاقتداء به في ذلك إلا في استغفاره لأبيه. قرأ الجمهور " إسوة ~~" بكسر الهمزة: وقرأ عاصم بضمها وهما لغتان، وأصل الأسوة بالضم والكسر ~~القدوة، ويقال هو أسوتك: أي مثلك وأنت مثله: # وقوله في إبراهيم والذين معه متعلق بأسوة، أو بحسنة، أو هو نعت لأسوة، أو ~~حال من الضمير المستتر في حسنة، أو خبر كان، ولكم للبيان، والذين معه هم ~~أصحابه المؤمنون. وقال ابن زيد: هم الأنبياء. قال الفراء: # يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم فتتبرأ من أهلك كما تبرأ إبراهيم من ~~أبيه وقومه، والظرف في قوله (إذ قالوا لقومهم) هو خبر كان، أو متعلق به: أي ~~وقت قولهم لقومهم الكفار (إنا برآء منكم) جمع ms3936 برئ، مثل شركاء وشريك، وظرفاء ~~وظريف. قرأ الجمهور " برآء " بضم الباء وفتح الراء وألف بين همزتين، ككرماء ~~في كريم. وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق بكسر الباء وهمزة واحدة بعد ألف، ~~ككرام في جمع كريم. وقرأ أبو جعفر بضم الباء وهمزة بعد ألف (ومما تعبدون من ~~دون الله) وهي الأصنام (كفرنا بكم) أي بما آمنتم به من الأوثان أو بدينكم ~~أو بأفعالكم (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) أي هذا دأبنا معكم ~~ما دمتم على كفركم (حتى تؤمنوا بالله وحده) وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، ~~فإذا فعلتم ذلك صارت تلك العداوة موالاة والبغضاء محبة (إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك) هو استثناء متصل من قوله: في إبراهيم بتقدير مضاف محذوف ~~ليصح الاستثناء: أي قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم إلا قوله ~~لأبيه، أو من أسوة حسنة، وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة، كأنه قيل: قد ~~كانت أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله وأفعاله إلا قوله لأبيه، أو من ~~التبري والقطيعة التي ذكرت: أي لم يواصله إلا قوله، ذكر هذا ابن عطية، أو ~~هو منقطع: أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، فلا تأتسوا به، فتستغفرون ~~للمشركين، فإنه كان عن موعدة وعدها إياه، أو أن ذلك إنما وقع منه لأنه ظن ~~أنه قد أسلم - فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه - وقد تقدم تحقيق هذا في ~~سورة براءة (وما أملك لك من الله من شئ) هذا من تمام القوم المستثنى: يعني ~~ما أغني عنك وما أدفع عنك من عذاب الله شيئا، والجملة في محل نصب على الحال ~~من فاعل لأستغفرن، فالاستثناء متوجه إلى الاستغفار لا إلى هذا القيد، فإنه ~~إظهار للعجز وتفويض للأمر إلى الله، وذلك من خصال الخير (ربنا عليك توكلنا ~~وإليك أنبنا وإليك المصير) هذا من دعاء إبراهيم وأصحابه ومما فيه أسوة حسنة ~~يقتدى به فيها، وقيل هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا هذا القول، والتوكل هو ~~تفويض الأمور إلى الله، والإنابة الرجوع، ms3937 والمصير المرجع، وتقديم الجار ~~والمجرور لقصر التوكل والإنابة والمصير على الله ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا) قال الزجاج: لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك. وقال ~~مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ~~ما أصابهم هذا (واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز) أي الغالب الذي لا يغالب ~~(الحكيم) ذو الحكمة البالغة (لقد كان لكم فيهم إسوة PageV05P212 # حسنة) أي لقد كان لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة، وكرر هذا ~~للمبالغة والتأكيد، وقيل إن هذا نزل بعد الأول بمدة (لمن كان يرجوا الله ~~واليوم الآخر) بدل من قوله لكم بدل بعض من كل، والمعنى: أن هذه الأسوة إنما ~~تكون لمن يخاف الله ويخاف عقاب الآخرة، أو يطمع في الخير من الله في الدنيا ~~وفي الآخرة (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) أي يعرض عن ذلك، فإن الله ~~هو الغني عن خلقه الحميد إلى أوليائه (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين ~~عاديتم منهم مودة) وذلك بأن يسلموا فيصيروا من أهل دينكم، وقد أسلم قوم ~~منهم بعد فتح مكة، وحسن إسلامهم، ووقعت بينهم وبين من تقدمهم في الإسلام ~~مودة وجاهدوا وفعلوا الأفعال المقربة إلى الله. وقيل المراد بالمودة هنا ~~تزويج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان. ولا وجه ~~لهذا التخصيص وإن كان من جملة ما صار سببا إلى المودة، فإن أبا سفيان بعد ~~ذلك ترك ما كان عليه من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ولكنها لم تحصل المودة إلا بإسلامه يوم الفتح وما بعده (والله قدير) أي ~~بليغ القدرة كثيرها (والله غفور رحيم) أي بليغهما كثيرهما. ثم لما ذكر ~~سبحانه ما ينبغي للمؤمنين من معاداة الكفار وترك موادتهم فصل القول فيمن ~~يجوز بره منهم ومن لا يجوز فقال لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم) أي لا ينهاكم عن هؤلاء (أن تبروهم) هذا بدل ~~من الموصول بدل ms3938 اشتمال، وكذا قوله (وتقسطوا إليهم) يقال أقسطت إلى الرجل: ~~إذا عاملته بالعدل. قال الزجاج: المعنى وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من ~~الوفاء بالعهد إن الله يحب المقسطين) أي العادلين، ومعنى الآية: أن الله ~~سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك ~~القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل. ~~قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم ~~نسخ. قال قتادة: نسختها - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - وقيل هذا الحكم ~~كان ثابتا في الصلح بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين قريش، فلما زال ~~الصلح بفتح مكة نسخ الحكم. وقيل هي خاصة في حلفاء النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومن بينه وبينه عهد قاله الحسن. وقال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن ~~عبد مناف. وقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا، وقيل هي خاصة ~~بالنساء والصبيان. وحكى القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة. # ثم بين سبحانه من لا يحل بره ولا العدل في معاملته فقال (إنما ينهاكم ~~الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم) وهم صناديد الكفر من ~~قريش (وظاهروا على إخراجكم) أي عاونوا الذين قاتلوكم على ذلك، وهم سائر أهل ~~مكة ومن دخل معهم في عهدهم، وقوله (أن تولوهم) بدل اشتمال من الموصول كما ~~سلف (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) أي الكاملون في الظلم لأنهم تولوا من ~~يستحق العداوة لكونه عدوا لله ولرسوله ولكتابه وجعلوهم أولياء لهم. # وقد أخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس (إلا قول إبراهيم لأبيه) ~~قال: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله (ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا) لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون لو كان هؤلاء ~~على الحق ما أصابهم هذا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه ~~(لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) قال: في صنيع إبراهيم كله إلا في الاستغفار ~~لأبيه، وهو مشرك. وأخرج ابن جرير ms3939 وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~قوله (لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وأخرج ~~ابن مردويه عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: أول من ~~قاتل أهل الردة على إقامة دين الله أبو سفيان بن حرب وفيه نزلت هذه الآية ~~(عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة). وأخرج PageV05P213 # ابن أبي حاتم عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعمل أبا ~~سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أقبل فلقى ذا الخمار مرتدا، فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين. ~~قال: وهو فيمن قال الله فيه (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة). وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر وابن عدي وابن مردويه والبيهقي ~~في الدلائل وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في الآية ~~قال: كانت المودة التي جعل بينهم تزويج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أم المؤمنين، فصار معاوية خال المؤمنين. وفي ~~صحيح مسلم عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن، قال ~~نعم، قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال نعم، قال: ~~ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال نعم، قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها " الحديث. وأخرج الطيالسي وأحمد والبزار وأبو ~~يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه ~~وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ~~ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: ضباب وأقط وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن ~~تقبل هديتها أو تدخلها بيتها حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فسألته، فأنزل الله (لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين) الآية، ms3940 فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، وزاد ابن ~~أبي حاتم في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وفي البخاري وغيره عن أسماء بنت أبي بكر قالت " أتتني أمي راغبة وهي مشركة ~~في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أأصلها؟ فأنزل الله (لا ينهاكم الله) الآية، فقال: نعم ~~صلي أمك ". # سورة الممتحنة (1 - 12) PageV05P214 # لما ذكر سبحانه حكم فريقي الكافرين في جواز البر والإقساط للفريق الأول ~~دون الفريق الثاني ذكر حكم من يظهر الإيمان، فقال (يا أيها الذين آمنوا إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات) من بين الكفار وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين، ~~فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهن ~~فقال (فامتحنوهن) أي فاختبروهن. وقد اختلف فيما كان يمتحن به، فقيل كان ~~يستحلفن بالله ما خرجن من بغض زوج ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا لالتماس ~~دنيا بل حبا لله ولرسوله ورغبة في دينه، فإذا حلفت كذلك أعطى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم زوجها مهرها، وما أنفق عليها ولم يردها إليه، وقيل ~~الامتحان هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقيل ما كان ~~الامتحان إلا بأن يتلو عليهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآية، وهي ~~- يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات - إلى آخرها. # واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد الهدنة أم لا؟ على قولين، فعلى ~~القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك العهد، وبه قال الأكثر. وعلى ~~القول بعدمه لا نسخ ولا تخصيص (الله أعلم بإيمانهن) هذه الجملة معترضة ~~لبيان أن حقيقة حالهن لا يعلمها إلا الله سبحانه ولم يتعبدكم بذلك، وإنما ~~تعبدكم بامتحانهن حتى يظهر لكم ما يدل على صدق دعواهن في الرغوب في الإسلام ~~(فإن علمتموهن مؤمنات) أي علمتم ذلك بحسب الظاهر ms3941 بعد الامتحان الذي أمرتم ~~به (فلا ترجعوهن إلى الكفار) أي إلى أزواجهن الكافرين، وجملة (لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن) تعليل للنهي عن إرجاعهن. وفيه دليل على أن المؤمنة لا ~~تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها، ~~والتكرير لتأكيد الحرمة، أو الأول لبيان زوال النكاح، والثاني لامتناع ~~النكاح الجديد (وآتوهم ما أنفقوا) أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن ~~وأسلمن مثل ما أنفقوا عليهن من المهور قال الشافعي: وإذا طلبها غير الزوج ~~من قراباتها منع منها بلا عوض (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن) لأنهن قد صرن من ~~أهل دينكم (إذا آتيتموهن أجورهن) أي مهورهن، وذلك بعد انقضاء عدتهن كما تدل ~~عليه أدلة وجوب العدة (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) قرأ الجمهور " تمسكوا " ~~بالتخفيف من الإمساك، واختار هذه القراءة أبو عبيد، لقوله - فأمسكوهن ~~بمعروف - وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو بالتشديد من التمسك، والعصم ~~جمع عصمة، وهي ما يعتصم به، والمراد هنا عصمة عقد النكاح. والمعنى أن من ~~كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين. قال ~~النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر، وكان الكفار يزوجون المسلمين، ~~والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه الآية وهذا خاص بالكوافر ~~المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب. وقيل عامة في جميع الكوافر مخصصة ~~بإخراج الكتابيات منها، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثني أو ~~كتابي لا يفرق بينهما إلا بعد انقضاء العدة. # وقال بعض أهل العلم: يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج، وهذا إنما هو إذا ~~كانت المرأة مدخولا بها، وأما إذا كانت غير مدخول بها فلا خلاف بين أهل ~~العلم في انقطاع. العصمة بينهما بالإسلام إذ لا عدة عليها (واسألوا ~~PageV05P215 # ما أنفقتم) أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار (وليسألوا ما أنفقوا) ~~قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد يقال ~~للكفار هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين ~~وأسلمت ردوا مهرها على زوجها ms3942 الكافر (ذلكم حكم الله) أي ذلكم المذكور من ~~إرجاع المهور من الجهتين حكم الله، وقوله (يحكم بينكم) في محل نصب على ~~الحال. أو مستأنفة (والله عليم حكيم) أي بليغ العلم لا تخفى عليه خافية ~~بليغ الحكمة في أقواله وأفعاله. قال القرطبي: وكان هذا مخصوصا بذلك الزمان ~~في تلك النازلة خاصة بإجماع المسلمين (وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار) ~~لما نزلت الآية المتقدمة قال المسلمون: رضينا بحكم الله وكتبوا إلى ~~المشركين فامتنعوا، فنزل قوله (وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار) مما ~~دفعتم إليهم من مهور النساء المسلمات، وقيل المعنى: وإن انفلت منكم أحد من ~~نسائكم إلى الكفار بأن ارتدت المسلمة (فعاقبتم) قال الواحدي: قال المفسرون: ~~فعاقبتم فغنمتم. قال الزجاج: تأويله وكانت العقبى لكم: أي كانت الغنيمة لكم ~~حتى غنمتم (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) من مهر المهاجرة التي ~~تزوجوها ودفعوه إلى الكفار ولا تؤتوه زوجها الكافر. قال قتادة ومجاهد: إنما ~~أمروا أن يعطرا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفئ والغنيمة، وهذه ~~الآية منسوخة قد انقطع حكمها بعد الفتح. وحاصل معناها أن " من أزواجكم " ~~يجوز أن يتعلق بفاتكم أي من جهة أزواجكم، ويراد بالشئ المهر الذي غرمه ~~الزوج، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لشئ. # ثم يجوز في شئ أن يراد به المهر، ولكن لا بد على هذا من مضاف محذوف: أي ~~من مهر أزواجكم ليتطابق الموصوف، وصفته، ويجوز أن يراد بشئ النساء: أي نوع ~~وصنف منهن، وهو ظاهر قوله (من أزواجكم) وقوله (فآتوا الذين ذهبت أزواجهم) ~~والمعنى: أنهم يعطون من ذهبت زوجته إلى المشركين فكفرت ولم يرد عليه ~~المشركون مهرها كما حكم الله مثل ذلك المهر الذي أنفقه عليها من الغنيمة ~~(واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) أي احذروا أن تتعرضوا لشئ مما يوجب ~~العقوبة عليكم، فإن الإيمان الذي أنتم متصفون به يوجب على صاحبه ذلك (يا ~~أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) أي قاصدات لمبايعتك على الإسلام، و ~~(على أن لا يشركن بالله ms3943 شيئا) من الأشياء كائنا ما كان، هذا كان يوم فتح ~~مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبايعنه، ~~فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا يشركن (ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ~~أولادهن) وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات (ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) أي لا يلحقن بأزواجهن ولدا ليس منهم. قال ~~الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك فذلك ~~البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين ~~يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها تنسب ولدها من الزنا إلى زوجها، لأن ~~ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا (ولا يعصينك في معروف) أي في كل أمر هو طاعة ~~لله. قال عطاء: في كل بر وتقوى، وقال المقاتلان: عنى بالمعروف النهي عن ~~النوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل، ~~وكذا قال قتادة وسعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد ابن أسلم، ومعنى ~~القرآن أوسع مما قالوه. قيل ووجه التقييد بالمعروف، مع كونه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا يأمر إلا به التنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية ~~الخالق (فبايعهن) هذا جواب إذا، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور ~~فبايعهن، ولم يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح كون هذه ~~الأمور ونحوها من أركان الدين وشعائر الإسلام، وإنما خص الأمور المذكورة ~~لكثرة وقوعها من النساء (واستغفر لهن الله أي اطلب من الله المغفرة لهن بعد ~~هذه المبايعة لهن منك (إن الله غفور رحيم) أي بليغ المغفرة والرحمة لعباده ~~PageV05P216 # (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) هم جميع طوائف ~~الكفر، وقيل اليهود خاصة، وقيل المنافقون خاصة وقال الحسن: اليهود ~~والنصارى. والأول أولى، لأن جميع طوائف الكفر تتصف بأن الله سبحانه غضب ~~عليها (قد يئسوا من الآخرة) من لابتداء الغاية: أي أنهم لا يوقنون بالآخرة ~~ألبتة بسبب كفرهم (كما يئس الكفار من أصحاب القبور) أي ms3944 كيأسهم من بعث ~~موتاهم لاعتقادهم عدم البعث، وقيل كما يئس الكفار الذين قد ماتوا منهم من ~~الآخرة، لأنهم قد وقفوا على الحقيقة وعلموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، ~~فتكون " من " على الوجه الأول ابتدائية، وعلى الثاني بيانية، والأول أولى. # وقد أخرج البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نساء مسلمات، ~~فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات) حتى بلغ (ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر) فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. وأخرجه ~~أيضا من حديثهما بأطول من هذا، وفيه وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ~~ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي عانق، فجاء أهلها ~~يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجعها إليهم حتى أنزل الله في ~~المؤمنات ما أنزل، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (فامتحنوهن) قال: ~~كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا ~~علموا أن ذلك حقا منهن لم يرجعن إلى الكفار وأعطى بعلها في الكفار الذين ~~عقد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صداقها الذي أصدقها وأحلهن ~~للمؤمنين إذا آتوهن أجورهن. وأخرج ابن مردويه عنه قال: نزلت سورة الممتحنة ~~بعد ذلك الصلح، فكان من أسلم من نسائهم، فسئلت ما أخرجك؟ # فإن كانت خرجت فرارا من زوجها ورغبة عنه ردت، وإن كانت خرجت رغبة في ~~الإسلام أمسكت ورد على زوجها مثل ما أنفق، وأخرج ابن أبي أسامة والبزار ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير وابن مردويه بسند ~~حسن كما قال السيوطي عن ابن عباس في قوله (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن) قال: كان إذا جاءت المرأة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حلفها ~~عمر بن الخطاب بالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت من بغض زوج، ~~وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ms3945 ما خرجت إلا حبا لله ورسوله. وأخرج ابن ~~منيع من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أسلم عمر بن الخطاب ~~وتأخرت امرأته في المشركين، فأنزل الله (ولا تمسكوا بعصم الكوافر). وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من ~~المؤمنات بهذه الآية (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) إلى قوله ~~(غفور رحيم) فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: قد بايعتك كلاما، والله ما مست يده يد امرأة قط من ~~المبايعات ما بايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك. وأخرج عبد الرزاق وسعيد ~~بن منصور وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة ~~وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أميمة بنت رقيقة قالت: " أتيت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا ~~نشرك بالله شيئا حتى بلغ - ولا يعصينك في معروف - فقال: فيما استطعتن ~~وأطقتن، فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا يا رسول الله ألا تصافحنا؟ ~~قال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة " وفي ~~الباب أحاديث. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت قال: كنا ~~عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال " بايعوني على أن لا تشركوا بالله ~~شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ آية النساء، فمن وفى منكم فأجره على ~~PageV05P217 # الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ~~ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ". وأخرج ~~ابن المنذر من طريق ابن جريح عن ابن عباس في قوله (ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه) قال: كانت الحرة تولد لها الجارية فتجعل مكانها غلاما. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في الآية. قال ms3946 لا يلحقن ~~بأزواجهن غير أولادهم (ولا يعصينك في معروف) قال: إنما هو شرط شرطه الله ~~للنساء. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه ~~وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة ~~الأنصارية قالت: قالت امرأة من النسوة ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن ~~نعصيك فيه؟ قال " لا تنحن، قلت: يا رسول الله إن بني فلان أسعدوني على عمي ~~لا بد لي من قضائهن، فأبى على فعاودته مرارا فأذن لي في قضائهن، فلم أنح ~~بعد، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري " وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أم عطية قالت: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ ~~علينا أن لا نشرك بالله شيئا ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منا يدها ~~فقالت: يا رسول الله إن فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها فلم يقل لها ~~شيئا. فذهب ثم رجعت فقالت: ما وفت منا امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وبنت ~~أبي سبرة امرأة معاذ أو بنت أبي سبرة وامرأة معاذ ". وقد وردت أحاديث كثيرة ~~في النهي عن النوح. وأخرج أبو إسحاق وابن المنذر عن ابن عباس قال: كان عبد ~~الله بن عمرو وزيد بن الحارث يودان رجلا من اليهود، فأنزل الله (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) الآية. وأخرج الفريابي وابن ~~جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله (قد يئسوا من الآخرة) ~~قال: فلا يؤمنون بها ولا يرجونها كما يئس الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع ~~عليه وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هم الكفار ~~أصحاب القبور الذين يئسوا من الآخرة. # وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء ~~من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله. # تفسير سورة الصف هي أربع عشرة آية وهي مدنية. قال الماوردي: في قول ~~الجميع. وأخرج ابن الضريس ms3947 وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ~~الصف بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج النحاس عن ابن ~~عباس قال: # نزلت سورة الصف بمكة، ولعل هذا لا يصح عنه ويؤيد كونها مدنية ما أخرجه ~~أحمد عن عبد الله بن سلام قال: # تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسأله أي الأعمال ~~أحب إلى الله؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلينا رجلا رجلا فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة يعنى سورة الصف كلها. # وأخرجه ابن أبي حاتم، وقال في آخره: فنزلت فيهم هذه السورة. وأخرجه أيضا ~~الترمذي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين والبيهقي في الشعبي ~~والسنن. PageV05P218 # سورة الصف (1 - 9) قوله (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) قد تقدم ~~الكلام على هذا ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي ~~بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في ~~كل الأوقات ماضيها ومستقبلها وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد ~~(وهو العزيز الحكيم) أي الغالب الذي لا يغالب: الحكيم في أفعاله وأقواله ~~(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون) هذا الاستفهام للتقريع ~~والتوبيخ: أي لم تقولون من الخير مالا تفعلونه، ولم مركبة من اللام الجارة، ~~وما الاستفهامية، وحذفت ألفها تخفيفا لكثرة استعمالها كما في نظائرها، ثم ~~ذمهم سبحانه على ذلك فقال (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) أي ~~عظم ذلك في المقت، وهو البغض، والمقت والمقاتة مصدران، يقال رجل مقيت ~~وممقوت: إذا لم يحبه الناس قال الكسائي (أن تقولوا) في موضع رفع، لأن كبر ~~فعل بمعنى بئس، ومقتا منتصب على التمييز، وعلى هذا فيكون في كبر ضمير مبهم ~~مفسر بالنكرة، وأن تقولوا هو المخصوص بالذم، ويجئ فيه الخلاف هل رفعه ~~بالابتداء، وخبره الجملة المتقدمة عليه، أو خبره محذوف أو هو خبر مبتدأ ~~محذوف. وقيل إنه قصد بقوله كبر التعجب، وقد عده ابن عصفور من ms3948 أفعال التعجب. ~~وقيل إنه ليس من أفعال الذم ولا من أفعال التعجب، بل هو مسند إلى أن ~~تقولوا، ومقتا تمييز محول عن الفاعل (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا) قال المفسرون: # إن المؤمنين قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى نعمله ~~ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا. فأنزل الله (إن الله يحب الذين يقاتلون) ~~الآية، وانتصاب صفا على المصدرية، والمفعول محذوف: أي يصفون أنفسهم ~~PageV05P219 # صفا، وقيل هو مصدر في موضع الحال: أي صافين أو مصفوفين. قرأ الجمهور " ~~يقاتلون " على البناء للفاعل. # وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول وقرئ " يقتلون " بالتشديد، وجملة ~~(كأنهم بنيان مرصوص) في محل نصب على الحال من فاعل يقاتلون، أو من الضمير ~~في صفا على تقدير أنه مؤول بصافين أو مصفوفين، ومعنى مرصوص: ملتزق بعضه ~~ببعض، يقال رصصت البناء أرصه رصا: إذا ضممت بعضه إلى بعض. قال الفراء: # مرصوص بالرصاص. قال المبرد: هو مأخوذ من رصصت البناء: إذا لا يمت بينه ~~وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل هو من الرصيص، وهو ضم الأشياء بعضها إلى ~~بعض، والتراص: التلاصق (وإذ قال موسى لقومه) لما ذكر سبحانه أنه يحب ~~المقاتلين في سبيله بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله ~~وحل العقاب بمن خالفهما، والظرف متعلق بمحذوف هو أذكر: أي أذكر يا محمد ~~لهؤلاء المعرضين وقت قول موسى، ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد ~~محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما (يا قوم لم تؤذونني) هذا ~~مقول القول: # أي لم تؤذونني بمخالفة ما أمركم به من الشرائع التي افترضها الله عليكم، ~~أو لم تؤذونني بالشتم والانتقاص، ومن ذلك رميه بالأدرة، وقد تقدم بيان هذا ~~في سورة الأحزاب، وجملة (وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) في محل نصب على ~~الحال، وقد لتحقق العلم أو لتأكيده، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار، ~~والمعنى: كيف تؤذونني مع علمكم ms3949 بأني رسول الله، والرسول يحترم ويعظم، ولم ~~يبق معكم شك في الرسالة لما قد شاهدتم من المعجزات التي توجب عليكم ~~الاعتراف برسالتي، وتفيدكم العلم بها علما يقينيا (فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم) أي لما أصروا على الزيغ واستمروا عليه أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، ~~وصرفها عن قبول الحق، وقيل فلما زاغوا عن الإيمان أزاغ الله قلوبهم عن ~~الثواب. قال مقاتل: لما عدلوا عن الحق أمال الله قلوبهم عنه، يعني أنهم لما ~~تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق جزاء بما ارتكبوا (والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها. قال الزجاج: لا ~~يهدي من سبق في علمه أنه فاسق، والمعنى: أنه لا يهدي كل متصف بالفسق وهؤلاء ~~من جملتهم (وإذ قال عيسى بن مريم) معطوف على (وإذ قال موسى) معمول لعامله، ~~أو معمول لعامل مقدر معطوف على عامل الظرف الأول (يا بني إسرائيل إني رسول ~~الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة) أي إني رسول الله إليكم بالإنجيل ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة لأني لم آتكم بشئ يخالف التوراة، بل هي ~~مشتملة على التبشير بي، فكيف تنفرون عني وتخالفونني، وانتصاب مصدقا على ~~الحال، (و) كذا (مبشرا)، والعامل فيهما ما في الرسول من معنى الإرسال، ~~والمعنى: أني أرسلت إليكم حال كوني مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا ~~بمن يأتي بعدي، وإذا كنت كذلك في التصديق والتبشير فلا مقتضى لتكذيبي، ~~وأحمد اسم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وهو علم منقول من الصفة، وهي ~~تحتمل أن تكون مبالغة من الفاعل، فيكون معناها أنه أكثر حمدا لله من غيره، ~~أو من المفعول فيكون معناها أنه يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد ~~غيره. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والسلمي وزر بن حبيش وأبو بكر عن عاصم ~~(من بعدي) بفتح الياء. وقرأ الباقون بإسكانها (فلما جاءهم بالبينات قالوا ~~هذا سحر مبين) أي لما جاءهم عيسى بالمعجزات قالوا هذا الذي جاءنا به سحر ~~واضح ms3950 ظاهر، وقيل المراد محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي لما جاءهم بذلك ~~قالوا هذه المقالة، والأول أولى. # قرأ الجمهور " سحر " وقرأ حمزة والكسائي " ساحر " (ومن أظلم ممن افترى ~~على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام) أي لا أحدا أكثر ظلما منه حيث يفترى ~~على الله الكذب، والحال أنه يدعي إلى دين الإسلام الذي هو خير الأديان ~~PageV05P220 # وأشرفها، لأن من كان كذلك فحقه أن لا يفتري على غيره الكذب، فكيف يفتريه ~~على ربه. قرأ الجمهور " وهو يدعي " من الدعاء مبنيا للمفعول. وقرأ طلحة بن ~~مصرف " يدعي " بفتح الياء وتشديد الدال من الادعاء مبنيا للفاعل، وإنما عدى ~~بإلى لأنه ضمن معنى الانتماء والانتساب (والله لا يهدي القوم الظالمين) هذه ~~الجملة مقررة لمضمون ما قبلها. والمعنى: لا يهدي من اتصف بالظلم، ~~والمذكورون من جملتهم (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) الإطفاء: ~~الإخماد، وأصله في النار، واستعير لما يجري مجراها من الظهور. والمراد بنور ~~الله القرآن: # أي يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول، أو الإسلام، أو محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أو الحجج والدلائل، أو جميع ما ذكر، ومعنى بأفواههم: بأقوالهم ~~الخارجة من أفواههم المتضمنة للطعن (والله متم نوره) بإظهار في الآفاق ~~وإعلائه على غيره. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم " متم نوره " ~~بالإضافة والباقون بتنوين متم (ولو كره الكافرون) ذلك فإنه كائن لا محالة، ~~والجملة في محل نصب على الحال. قال ابن عطية: واللام في ليطفئوا لام مؤكدة ~~دخلت على المفعول، لأن التقدير: يريدون أن يطفئوا، وأكثر ما تلزم هذه اللام ~~المفعول إذا تقدم، كقولك: لزيد ضربت، ولرؤيتك قصدت، وقيل هي لام العلة، ~~والمفعول محذوف: أي يريدون إبطال القرآن أو دفع الإسلام أو هلاك الرسول ~~ليطفئوا، وقيل إنها بمعنى أن الناصبة وأنها ناصبة بنفسها. قال الفراء: # العرب تجعل لام كي في موضع أن في أراد وأمر، وإليه ذهب الكسائي، ومثل هذا ~~قوله - يريد الله ليبين لكم - وجملة (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) مستأنفة ms3951 مقررة لما قبلها، والهدى ~~القرآن أو المعجزات، ومعنى دين الحق: الملة الحقة، وهي ملة الإسلام، ومعنى ~~ليظهره: ليجعله ظاهرا على جميع الأديان عاليا عليها غالبا لها ولو كره ~~المشركون ذلك فإنه كائن لا محالة. قال مجاهد: ذلك إذا نزل عيسى لم يكن في ~~الأرض دين إلا دين الإسلام، والدين مصدر يعبر به عن الأديان المتعددة، ~~وجواب لو في الموضعين محذوف، والتقدير أتمه وأظهره. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ناس ~~من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: وددنا لو أن الله أخبرنا بأحب ~~الأعمال فنعمل به، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن أحب الأعمال ~~إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا ~~به، فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال الله ~~(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون). وأخرج ابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عنه في قوله (كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) قال: هذه ~~الآية في القتال وحده، وهم قوم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيقول الرجل: قاتلت وضربت بسيفي ولم يفعلوا، فنزلت. # وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عنه أيضا قال: قالوا لو نعلم أحب الأعمال ~~إلى الله لفعلناه فأخبرهم الله فقال (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا كأنهم بنيان مرصوص) فكرهوا ذلك، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (كأنهم بنيان مرصوص) قال: مثبت لا يزول ملصق ~~بعضه على بعض. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جبير بن مطعم قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا ~~الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ~~الكفر، وأنا العاقب: والعاقب الذي ليس بعده نبي ". PageV05P221 # سورة الصف (10 ms3952 - 14) قوله (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم) جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيه ~~كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار. قرأ الجمهور " ~~تنجيكم " بالتخفيف من الإنجاء. وقرأ الحسن وابن عامر وأبو حيوه بالتشديد من ~~التنجية. ثم بين سبحانه هذه التجارة التي دل عليها فقال (تؤمنون بالله ~~ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) وهو خبر في معنى الأمر ~~للإيذان بوجوب الامتثال فكأنه قد وقع فأخبر بوقوعه، وقدم ذكر الأموال على ~~الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد. قرأ الجمهور ~~" تؤمنون " وقرأ ابن مسعود " آمنوا وجاهدوا " على الأمر. قال الأخفش: ~~تؤمنون عطف بيان لتجارة، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة مبينة لما قبلها، ~~والإشارة بقوله (ذلكم) إلى ما ذكر من الإيمان والجهاد، وهو مبتدأ وخبره ~~(خير لكم) أي هذا الفعل خير لكم من أموالكم وأنفسكم (إن كنتم تعلمون) أي إن ~~كنتم ممن يعلم فإنكم تعلمون أنه خير لكم، لا إذا كنتم من أهل الجهل فإنكم ~~لا تعلمون ذلك (يغفر لكم ذنوبكم) هذا جواب الأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، ~~ولهذا جزم. قال الزجاج والمبرد: قوله " تؤمنون " في معنى آمنوا، ولذلك جاء ~~يغفر لكم مجزوما. وقال الفراء: يغفر لكم جواب الاستفهام فجعله مجزوما لكونه ~~جواب الاستفهام، وقد غلطه بعض أهل العلم. قال الزجاج: ليسوا إذا دلهم على ~~ما ينفعهم يغفر لهم إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا. وقال الرازي في توجيه ~~قول الفراء: إن هل أدلكم في معنى الأمر عنده، يقال هل أنت ساكت: أي اسكت، ~~وبيانه أن هل بمعنى الاستفهام، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا، والحث ~~كالإغراء، والإغراء أمر. وقرأ زيد بن علي " تؤمنوا، وتجاهدوا " على إضمار ~~لام الأمر. وقيل إن " يغفر لكم " مجزوم بشرط مقدر: أي إن تؤمنوا يغفر لكم، ~~وقرأ بعضهم بالإدغام في يغفر لكم، والأولى ترك الإدغام لأن الراء حرف متكرر ~~فلا يحسن إدغامه في اللام (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) قد تقدم ms3953 ~~بيان كيفية جرى الأنهار من تحت الجنات (ومساكن طيبة في جنات عدن) أي في ~~جنات إقامة (ذلك الفوز العظيم) أي ذلك المذكور من المغفرة، وإدخال الجنات ~~الموصوفة بما ذكر هو الفوز الذي لا فوز بعده، والظفر الذي لا ظفر يماثله ~~(وأخرى تحبونها). قال الأخفش والفراء: أخرى معطوفة على تجارة فهي في محل ~~خفض: أي وهل أدلكم على خصلة PageV05P222 # أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة، وقيل هي في محل رفع: أي ولكم ~~خصلة أخرى، وقيل في محل نصب: أي ويعطيكم خصلة أخرى. ثم بين سبحانه هذه ~~الأخرى فقال (نصر من الله وفتح قريب) أي هي نصر من الله لكم، وفتح قريب ~~يفتحه عليكم، وقيل نصر بدل من أخرى على تقدير كونها في محل رفع، وقيل ~~التقدير: ولكم نصر وفتح قريب. قال الكلبي: يعني النصر على قريش وفتح مكة. ~~وقال عطاء: يريد فتح فارس والروم (وبشر المؤمنين) معطوف على محذوف: أي قل ~~يا أيها الذين آمنوا وبشر، أو على تؤمنون لأنه في معنى الأمر، والمعنى: ~~وبشر يا محمد المؤمنين بالنصر والفتح، أو بشرهم بالنصر في الدنيا والفتح، ~~وبالجنة في الآخرة، أو وبشرهم بالجنة في الآخرة. ثم حض سبحانه المؤمنين على ~~نصرة دينه فقال (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) أي دوموا على ما ~~أنتم عليه من نصرة الدين. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع " أنصار الله " ~~بالتنوين وترك الإضافة. وقرأ الباقون بالإضافة، والرسم يحتمل القراءتين ~~معا، واختار أبو عبيد قراءة الإضافة لقوله " نحن أنصار الله " بالإضافة ~~(كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله) أي انصروا دين الله ~~مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى (من أنصاري إلى الله) فقالوا (نحن ~~أنصار الله) والكاف في " كما قال " نعت مصدر محذوف تقديره: كونوا كونا كما ~~قال، وقيل الكاف في محل نصب على إضمار الفعل، وقيل هو كلام محمول على معناه ~~دون لفظه، والمعنى: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال ~~لهم من أنصاري إلى الله، وقوله ms3954 (إلى الله) قيل إلى بمعنى مع: أي من أنصاري ~~مع الله، وقيل التقدير: من أنصاري فيما يقرب إلى الله. # وقيل التقدير: من أنصاري متوجها إلى نصرة الله، وقد تقدم الكلام على هذا ~~في سورة آل عمران. والحواريون هم أنصار المسيح وخلص أصحابه، وأول من آمن ~~به، وقد تقدم بيانهم (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة) أي آمنت ~~طائفة بعيسى وكفرت به طائفة، وذلك لأنهم لما اختلفوا بعد رفعه تفرقوا ~~وتقاتلوا (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم) أي قوينا المحقين منهم على ~~المبطلين (فأصبحوا ظاهرين) أي عالين غالبين، وقيل المعنى: # فأيدنا الآن المسلمين على الفرقتين جميعا. # وقد أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال ~~أحب إلى الله؟ فنزلت (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم) فكرهوا فنزلت - يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون - ~~إلى قوله - بنيان مرصوص -. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن ~~قتادة في قوله (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) قال: قد كان ذلك ~~بحمد الله جاءه سبعون رجلا فبايعوه عند العقبة وآووه ونصروه حتى أظهر الله ~~دينه. وأخرج ابن إسحاق وابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنفر الذين لقوه بالعقبة ~~" أخرجوا إلى أثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون ~~لعيسى ابن مريم ". وأخرج ابن سعد عن محمود بن لبيد قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنقباء " إنكم كفلاء على قومكم ~~ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل قومي، قالوا نعم ". وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس (فأيدنا الذين آمنوا) قال: فقوينا الذين آمنوا. # وأخرج ابن أبي حاتم عنه فأيدنا الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأمته على عدوهم فأصبحوا اليوم ظاهرين. PageV05P223 # تفسير سورة الجمعة هي إحدى عشرة آية وهي مدنية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع. وأخرج ms3955 ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن ~~عباس قال: نزلت سورة الجمعة بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن ~~الزبير مثله. # واخرج مسلم وأهل السنن عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقرأ في الجمعة سورة الجمعة و - إذا جاءك المنافقون -. وأخرج مسلم ~~وأهل السنن عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن حبان والبيهقي في سننه عن جابر بن ~~سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة المغرب ليلة ~~الجمعة - قل يا أيها الكافرون - و - قل هو الله أحد - وكان يقرأ في صلاة ~~العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقون. # سورة الجمعة (1 - 8) قوله (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) قد ~~تقدم تفسير هذا في أول سورة الحديد، وما بعدها من المسبحات (الملك القدوس ~~العزيز الحكيم) قرأ الجمهور بالجر في هذه الصفات الأربع على أنها نعت لله، ~~وقيل على البدل، والأول أولى. وقرأ أبو وائل بن محارب وأبو العالية ونصر بن ~~عاصم ورؤبة بالرفع على إضمار مبتدإ. # وقرأ الجمهور " القدوس " بضم القاف، وقرأ زيد بن علي بفتحها، وقد تقدم ~~تفسيره (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) المراد بالأميين العرب، من كان ~~يحسن الكتابة منهم ومن لا يحسنها، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، PageV05P224 # والأمي في الأصل الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وكان غالب العرب كذلك، ~~وقد مضى بيان معنى الأمي في سورة البقرة، ومعنى " منهم " من أنفسهم ومن ~~جنسهم ومن جملتهم وما كان حي من أحياء العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيهم قرابة، ووجه الامتنان بكونه منهم أن ذلك أقرب إلى الموافقة ~~لأن الجنس أميل إلى جنسه وأقرب إليه (يتلوا عليهم آياته) يعني القرآن مع ~~كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا تعلم ذلك من أحد، والجملة صفة لرسولا، وكذا ~~قوله (ويزكيهم) قال ابن جريج ومقاتل: أي يطهرهم من دنس الكفر والذنوب، وقال ~~السدي: يأخذ زكاة أموالهم، وقيل يجعلهم أزكياء القلوب ms3956 بالإيمان (ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة) هذه صفة ثالثة لرسولا، والمراد بالكتاب القرآن، وبالحكمة ~~السنة، كذا قال الحسن. وقيل الكتاب الخط بالقلم، والحكمة الفقه في الدين، ~~كذا قال مالك بن أنس (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) أي وإن كانوا من قبل ~~بعثته فيهم في شرك وذهاب عن الحق (وآخرين منهم) معطوف على الأميين: أي بعث ~~في الأميين، وبعث في آخرين منهم (لما يلحقوا بهم) ذلك الوقت، وسيلحقون بهم ~~من بعد، أو هو معطوف على المفعول الأول في يعلمهم، أي ويعلم آخرين، أو على ~~مفعول يزكيهم: أي يزكيهم ويزكي آخرين منهم، والمراد بالآخرين من جاب بعد ~~الصحابة إلى يوم القيامة، وقيل المراد بهم من أسلم من غير العرب. وقال ~~عكرمة: هم التابعون. وقال مجاهد: # هم الناس كلهم وكذا قال ابن زيد والسدي: وجملة (لما يلحقوا بهم) صفة ~~لآخرين، والضمير في منهم ولهم راجع إلى الأميين، وهذا يؤيد أن المراد ~~بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة، وهو صلى ~~الله عليه وآله وسلم وإن كان مرسلا إلى جميع الثقلين، فتخصيص العرب ها هنا ~~لقصد الامتنان عليهم، وذلك لا ينافي عموم الرسالة، ويجوز أن يراد بالآخرين ~~العجم لأنهم وإن لم يكونوا من العرب، فقد صاروا بالإسلام منهم والمسلمون ~~كلهم من أمة واحدة، وإن اختلفت أجناسهم (وهو العزيز الحكيم) أي بليغ العزة ~~والحكمة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ذكره. وقال الكلبي: يعني ~~الإسلام. وقال قتادة: يعني الوحي والنبوة. وقيل إلحاق العجم بالعرب، وهو ~~مبتدأ وخبره (فضل الله يؤتيه من يشاء) أي يعطيه من يشاء من عباده (والله ذو ~~الفضل العظيم) الذي لا يساويه فضل ولا يدانيه (مثل الذين حملوا التوراة ثم ~~لم يحملوها) ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا فقال (مثل ~~الذين حملوا التوراة) أي كلفوا القيام بها والعمل بما فيها (ثم لم يحملوها) ~~أي لم يعملوا بموجبها ولا أطاعوا ما أمروا به فيها (كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا) هي جمع سفر وهو الكتاب الكبير لأنه يسفر ms3957 عن المعنى إذا قرئ. قال ~~ميمون بن مهران: الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل؟ فهكذا اليهود. # وقال الجرجاني: هو يعني حملوا من الحمالة بمعنى الكفالة: أي ضمنوا أحكام ~~التوراة، وقوله: يحمل في محل نصب على الحال، أو صفة للحمار إذ ليس المراد ~~به حمارا معينا، فهو في حكم النكرة كما في قول الشاعر: # ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثم وقلت لا يعنيني * (بئس مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله) أي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، ~~على أن التمييز محذوف، والفاعل المفسر به مضمر، ومثل القوم هو المخصوص ~~بالذم، أو مثل القوم فاعل بئس، والمخصوص بالذم الموصول بعده على حذف مضاف: ~~أي مثل الذين كذبوا، ويجوز أن يكون الموصول صفة للقوم، فيكون في محل جر، ~~والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء (والله ~~لا يهدي القوم الظالمين) يعني على العموم، فيدخل فيهم اليهود دخولا أوليا ~~(قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله PageV05P225 # من دون الناس) المراد بالذين هادوا الذين تهودوا، وذلك أن اليهود ادعوا ~~الفضيلة على الناس، وأنهم أولياء الله من دون الناس، كما في قولهم - نحن ~~أبناء الله وأحباؤه - وقولهم - لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى - ~~فأمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى الباطلة (فتمنوا ~~الموت) لتصيروا إلى ما تصيرون إليه من الكرامة في زعمكم (إن كنتم صادقين) ~~في هذا الزعم، فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار. قرأ ~~الجمهور " فتمنوا " بضم الواو، وقرأ ابن السميفع بفتحها تخفيفا، وحكى ~~الكسائي إبدال الواو همزة. # ثم أخبر الله سبحانه أنهم لا يفعلون ذلك أبدا بسبب ذنوبهم فقال (ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) أي بسبب ما عملوا من الكفر والمعاصي ~~والتحريف والتبديل (والله عليم بالظالمين) يعني على العموم، وهؤلاء اليهود ~~داخلون فيهم دخولا أوليا. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم بأن الفرار ~~من الموت لا ينجيهم ms3958 وأنه نازل بهم فقال (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم) لا محالة ونازل بكم بلا شك، والفاء في قوله " فإنه " داخلة لتضمن ~~الاسم معنى الشرط، وقال الزجاج: لا يقال إن زيدا فمنطلق، وها هنا قال: فإنه ~~ملاقيكم لما في معنى الذي من الشرط والجزاء: أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم، ~~ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه، وقيل إنها مزيدة، ~~وقيل إن الكلام قد تم عند قوله " تفرون منه " ثم ابتدأ فقال " فإنه ملاقيكم ~~" (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة) وذلك يوم القيامة (فينبئكم بما كنتم ~~تعملون) من الأعمال القبيحة ويجازيكم عليها. # وقد أخرج ابن المنذر والحاكم والبيهقي في الشعب عن عطاء بن السائب عن ~~ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية (يسبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم) أول سورة الجمعة. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وأخرج البخاري وغيره عن أبي ~~هريرة قال " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين نزلت سورة ~~الجمعة فتلاها، فلما بلغ (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) قال له رجل: يا رسول ~~الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال: ~~والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء ". وأخرجه ~~أيضا مسلم من حديثه مرفوعا بلفظ " لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال ~~من فارس، أو قال من أبناء فارس ". وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن قيس ~~بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لو كان ~~الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس ". وأخرج الطبراني وابن مردويه ~~والضياء عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن في ~~أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ~~ثم قرأ ms3959 (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم) ". وأخرج ابن ~~المنذر عن ابن عباس في قوله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) قال: الدين. ~~وأخرج عبد ابن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه (مثل الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها) قال: اليهود. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في قوله (أسفارا) قال: كتبا. # سورة الجمعة (9 - 11) PageV05P226 # قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة) أي وقع النداء لها، والمراد ~~به الأذان إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، لأنه لم يكن على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم نداء سواه، وقوله (من يوم الجمعة) بيان لإذا ~~وتفسير لها. وقال أبو البقاء: إن من بمعنى في كما في قوله - أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض - أي في الأرض. قرأ الجمهور " الجمعة " بضم الميم. وقرأ عبد ~~الله بن الزبير والأعمش بإسكانها تخفيفا. وهما لغتان وجمعها جمع وجمعات. ~~قال الفراء: يقال الجمعة بسكون الميم وبفتحها وبضمها. وهي صفة لليوم: أي ~~يوم يجمع الناس. # قال الفراء أيضا وأبو عبيد: والتخفيف أخف وأقيس، نحو: غرفة وغرف وطرفة ~~وطرف وحجرة وحجر. وفتح الميم لغة عقيل. وقيل إنما سميت جمعة لأن الله جمع ~~فيها خلق آدم، وقيل لأن الله فرغ فيها من خلق كل شئ فاجتمعت فيها جميع ~~المخلوقات، وقيل لاجتماع الناس فيها للصلاة (فاسعوا إلى ذكر الله) قال ~~عطاء: يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة. وقال الفراء: المضي والسعي والذهاب ~~في معنى واحد، ويدل على ذلك قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود - فامضوا إلى ~~ذكر الله - وقيل المراد القصد. قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام، ~~ولكنه قصد بالقلوب والنيات، وقيل هو العمل كقوله - من أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن - وقوله - إن سعيكم لشتى - وقوله - وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى - قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، ومنه قول زهير: # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم وقال أيضا: سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما * ~~تنزل ما بين العشيرة بالدم أي ms3960 فاعملوا على المضي إلى ذكر الله واشتغلوا ~~بأسبابه من الغسل والوضوء والتوجه إليه، ويؤيد هذا القول قول الشاعر: أسعى ~~على جل بني مالك * كل امرئ في شأنه ساعي (وذروا البيع) أي اتركوا المعاملة ~~به ويلحق به سائر المعاملات. قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل ~~الشراء والبيع، والإشارة بقوله (ذلكم) إلى السعي إلى ذكر الله وترك البيع، ~~وهو مبتدأ وخبره (خير لكم) أي خير لكم من فعل البيع وترك السعي لما في ~~الامتثال من الأجر والجزاء. وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجبا للعقوبة ~~(إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير ~~لكم (فإذا قضيت الصلاة) أي إذا فعلتم الصلاة وأديتموها) وفرغتم منها ~~(فانتشروا في الأرض) للتجارة والتصرف فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم ~~(وابتغوا من فضل الله) أي من رزقه الذي ينفضل به على عباده بما يحصل لهم من ~~الأرباح في المعاملات والمكاسب، وقيل المراد به ابتغاء ما عند الله من ~~الأجر بعمل الطاعات واجتناب ما لا يحل (واذكروا الله كثيرا) أي ذكرا كثيرا ~~بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيوي، وكذا اذكروه بما ~~يقربكم إليه من الأذكار، كالحمد والتسبيح والتكبير والاستغفار ونحو ذلك ~~(لعلكم تفلحون) أي كي تفوزوا بخير الدارين وتظفروا به (وإذا رأوا تجارة أو ~~لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) سبب نزول هذه الآية أنه كان بأهل المدينة ~~فاقة وحاجة، فأقبلت عير من الشام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم ~~الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا في المسجد. ومعنى ~~" انفضوا إليها " تفرقوا خارجين إليها. وقال المبرد: مالوا إليها، والضمير ~~للتجارة، وخصت بإرجاع الضمير إليها دون اللهو لأنها كانت أهم عندهم، وقيل ~~التقدير: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف الثاني ~~لدلالة الأول عليه كما في قول الشاعر: PageV05P227 # نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقيل إنه اقتصر على ضمير ~~التجارة، ms3961 لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموما مع الحاجة إليها فكيف ~~بالانفضاض إلى اللهو، وقيل غير ذلك (وتركوك قائما) أي على المنبر: ثم أمره ~~الله سبحانه أن يخبرهم بأن العمل للآخرة خير من العمل للدنيا فقال (قل ما ~~عند الله) يعني من الجزاء العظيم وهو الجنة (خير من اللهو ومن التجارة) ~~اللذين ذهبتم إليهما وتركتم البقاء في المسجد وسماع خطبة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لأجلها (والله خير الرازقين) فمنه اطلبوا الرزق، وإليه ~~توسلوا بعمل الطاعة، فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما يجلبه. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي هريرة قال " قلت يا رسول الله ~~لأي شئ سمى يوم الجمعة؟ # قال: لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم، وفيه الصعقة والبعثة، وفي آخره ثلاث ~~ساعات منها ساعة من دعا الله فيها بدعوة استجاب له ". وأخرج سعيد بن منصور ~~وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان قال: قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جمع الله ~~فيه أباكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة " الحديث. وأخرج أحمد ومسلم ~~والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، ~~وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " وفي الباب أحاديث ~~مصرحة بأنه خلق فيه آدم. # وورد في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم ~~أجرها، وفي الساعة التي فيها، وأنه يستجاب الدعاء فيها، وقد أوضحت ذلك في ~~شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. # وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن ~~الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال: رأي معي عمر بن الخطاب لوحا ~~مكتوبا فيه (إذا نودي للصلاة من يوم ms3962 الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) فقال: من ~~أملى عليك هذا؟ قلت أبي بن كعب، قال: إن أبيا أقرأنا للمنسوخ اقرأها " ~~فامضوا إلى ذكر الله " وروى هؤلاء ما عدا أبا عبيد عن ابن عمر قال: لقد ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما نقرأ هذه الآية التي في سورة ~~الجمعة إلا " فامضوا إلى ذكر الله " وأخرجه عنه أيضا الشافعي في الأم وعبد ~~الرزاق والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم. وأخرجوا كلهم أيضا عن ابن مسعود ~~أنه كان يقرأ " فامضوا إلى ذكر الله " قال: # ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بن كعب ~~أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد ابن حميد عن ابن عباس (فاسعوا إلى ذكر الله) قال: ~~فامضوا. وأخرج عبد بن حميد عنه أن السعي العمل. # وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب: أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية ~~(وذروا البيع) فحرم عليهم ما كان قبل ذلك. وأخرج ابن جرير عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (" فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ~~في الأرض وابتغوا من فضل الله) قال: ليس لطلب دنيا، ولكن عيادة مريض، وحضور ~~جنازة، وزيارة أخ في الله ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: # لم تؤمروا بشئ من طلب الدنيا إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ ~~في الله. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: " بينما ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة قائما إذا قدمت عير ~~المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لم يبق ~~منهم إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم PageV05P228 # وأبو بكر وعمر، فأنزل الله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) إلى ~~آخر السورة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن ms3963 عباس في الآية قال: جاءت عير عبد ~~الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم ~~يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما ~~على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلا وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم نارا. وفي الباب ~~روايات متضمنة لهذا المعنى عن جماعة من الصحابة وغيرهم. # تفسير سورة المنافقين هي إحدى عشرة آية وهي مدنية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة المنافقين بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ~~سعيد بن منصور والطبراني في الأوسط. قال السيوطي بسند حسن عن أبي هريرة ~~قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة ~~الجمعة فيحرض بها على المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين فيقرع بها ~~المنافقين. # وأخرج البزار والطبراني عن أبي عنبة الخولاني مرفوعا نحوه. # سورة المنافقين (1 - 8) PageV05P229 # قوله (إذا جاءك المنافقون) أي إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك، وجواب الشرط ~~قالوا، وقيل محذوف، وقالوا حال، والتقدير: جاءوك قائلين كيت وكيت فلا نقبل ~~منهم، وقيل الجواب - اتخذوا أيمانهم جنة - وهو بعيد (قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله) أكدوا شهادتهم بأن واللام للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع ~~خلوص اعتقادهم، والمراد بالمنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، ومعنى نشهد ~~نحلف، فهو يجري مجرى القسم، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم، ومن هذا قول ~~قيس بن ذريح: # وأشهد عند الله أني أحبها * فهذا لها عندي فما عندها ليا ومثل نشهد نعلم، ~~فإنه يجري مجرى القسم كما في قول الشاعر: # ولقد علمت لتأتين منيتي * إن المنايا لا تطيش سهامها * وجملة (والله يعلم ~~إنك لرسوله) معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو ما أظهروه من الشهادة، وإن ~~كانت بواطنهم على خلاف ذلك (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) أي في ~~شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب ms3964 وخلوص الاعتقاد، لا إلى منطوق ~~كلامهم، وهو الشهادة بالرسالة، فإنه حق، والمعنى: والله يشهد إنهم لكاذبون ~~فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص ~~اعتقاد وطمأنينة قلب وموافقة باطن لظاهر (اتخذوا أيمانهم جنة) أي جعلوا ~~حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم وإن محمدا لرسول الله وقاية تقيهم منكم ~~وسترة يستترون بها من القتل والأسر، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم ~~عليه، وقد تقدم قول من قال إنها جواب الشرط. قرأ الجمهور " أيمانهم " بفتح ~~الهمزة، وقرأ الحسن بكسرها، وقد تقدم تفسير هذا في سورة المجادلة (فصدوا عن ~~سبيل الله) أي منعوا الناس عن الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة بسبب ما يصدر ~~منهم من التشكيك والقدح في النبوة. هذا معنى الصد الذي بمعنى الصرف، ويجوز ~~أن يكون من الصدود: أي أعرضوا عن الدخول في سبيل الله وإقامة أحكامه (إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون) من النفاق والصد، وفي ساء معنى التعجب والإشارة بقوله ~~(ذلك) إلى ما تقدم ذكره من الكذب والصد وقبح الأعمال، وهو مبتدأ وخبره ~~(بأنهم آمنوا) أي بسبب أنهم آمنوا في الظاهر نفاقا (ثم كفروا) في الباطن، ~~أو أظهروا الإيمان للمؤمنين وأظهروا الكفر للكافرين، وهذا صريح في كفر ~~المنافقين، وقيل نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا. والأول أولى كما يفيده ~~السياق (فطبع على قلوبهم) أي ختم عليها بسبب كفرهم. قرأ الجمهور " فطبع " ~~على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور بعده، وقرأ زيد بن ~~علي على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه، ويدل على هذا ~~قراءة الأعمش " فطبع الله على قلوبهم " (فهم لا يفقهون) ما فيه من صلاحهم ~~ورشادهم وهو الإيمان (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) أي هيئاتهم ومناظرهم، ~~يعني أن لهم أجساما تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق (وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم) فتحسب أن قولهم حق وصدق لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم، وقد كان عبد ~~الله بن أبي رأس المنافقين فصيحا جسيما جميلا، وكان يحضر مجلس النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فإذا قال ms3965 سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقالته. ~~قال الكلبي: المراد عبد الله بن أبي وجد بن قيس، ومعتب بن قيس كانت لهم ~~أجسام PageV05P230 # ومنظر وفصاحة، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل لكل من يصلح ~~له، ويدل عليه قراءة من قرأ يسمع على البناء للمفعول، وجملة (كأنهم خشب ~~مسندة) مستأنفة لتقرير ما تقدم من أن أجسامهم تعجب الرائي وتروق الناظر، ~~ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها خبر مبتدإ محذوف، شبهوا في جلوسهم في ~~مجالس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستندين بها بالخشب المنصوبة ~~المسندة إلى الحائط التي لا تفهم ولا تعلم، وهم كذلك لخلوهم عن الفهم ~~النافع والعلم الذي ينتفع به صاحبه، قال الزجاج: وصفهم بتمام الصور، ثم ~~أعلم أنهم في ترك الفهم والاستبصار بمنزلة الخشب. قرأ الجمهور " خشب " ~~بضمتين، وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل بإسكان الشين، وبها قرأ البراء بن ~~عازب، واختارها أبو عبيد لأن واحدتها خشبة كبدنة وبدن، واختار القراءة ~~الأولى أبو حاتم. وقرأ سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب بفتحتين، ومعنى مسندة ~~أنها أسندت إلى غيرها، من قولهم: # أسندت كذا إلى كذا، والتشديد للتكثير. ثم عابهم الله سبحانه بالجبن فقال ~~(يحسبون كل صيحة عليهم) أي يحسبون كل صيحة يسمعونها واقعة عليهم نازلة بهم ~~لفرط جبنهم ورعب قلوبهم، وفي المفعول الثاني للحسبان وجهان: أحدهما أنه ~~عليهم، ويكون قوله (هم العدو) جملة مستأنفة لبيان أنهم الكاملون في العداوة ~~لكونهم يظهرون غير ما يبطنون، والوجه الثاني أن المفعول الثاني للحسبان هو ~~قوله (هم العدو)، ويكون قوله (عليهم) متعلقا بصيحة، وإنما جاء بضمير ~~الجماعة باعتبار الخبر، وكان حقه أن يقال: هو العدو، والوجه الأول أولى. # قال مقاتل والسدي: أي إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ~~ضالة ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من الرعب، ومن هذا قول الشاعر: # ما زلت تحسب كل شئ بعدهم * خيلا تكر عليهم ورجالا وقيل كان المنافقون على ~~وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح ms3966 دماءهم وأموالهم. ثم أمر الله ~~سبحانه رسوله بأن يأخذ حذره منهم فقال (فاحذرهم) أن يتمكنوا من فرصة منك أو ~~يطلعوا على شئ من أسرارك لأنهم عيون لأعدائك من الكفار. ثم دعا عليهم بقوله ~~(قاتلهم الله أنى يؤفكون) أي لعنهم الله، وقد تقول العرب هذه الكلمة على ~~طريقة التعجب، كقولهم: قاتله الله من شاعر، أو ما أشعره، وليس بمراد هنا، ~~بل المراد ذمهم وتوبيخهم، وهو طلب من الله سبحانه طلبه من ذاته عز وجل أن ~~يلعنهم ويخزيهم، أو هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى (أنى يؤفكون) ~~كيف يصرفون عن الحق ويميلون عنه إلى الكفر. قال قتادة: معناه يعدلون عن ~~الحق. وقال الحسن معناه يصرفون عن الرشد (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ~~رسول الله) أي إذا قال لهم القائل من المؤمنين قد نزل فيكم ما نزل من ~~القرآن فتوبوا إلى الله ورسوله وتعالوا يستغفر لكم رسول الله (لووا رؤوسهم) ~~أي حركوها استهزاء بذلك. قال مقاتل: عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار. قرأ ~~الجمهور " لووا " بالتشديد. # وقرأ نافع بالتخفيف، واختار القراءة الأولى أبو عبيد (ورأيتهم يصدون) أي ~~يعرضون عن قول من قال لهم: # تعالوا يستغفر لكم رسول الله، أو يعرضون عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وجملة (وهم مستكبرون) في محل نصب على الحال من فاعل الحال الأولى، ~~وهي يصدون، لأن الرؤية بصرية فيصدون في محل نصب على الحال، والمعنى: ~~ورأيتهم صادين مستكبرين (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) أي ~~الاستغفار وعدمه سواء لا ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق واستمرارهم على ~~الكفر. قرأ الجمهور " أستغفرت " بهمزة مفتوحة من غير مد، وحذف همزة ~~الاستفهام ثقة بدلالة أم عليها. وقرأ يزيد بن القعقاع بهمزة ثم ألف (لن ~~يغفر الله لهم) أي ما داموا على النفاق (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) ~~أي الكاملين في الخروج عن الطاعة والانهماك في معاصي الله، PageV05P231 # ويدخل فيهم المنافقون دخولا أوليا. ثم ذكر سبحانه بعض قبائحهم فقال (هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ms3967 رسول الله حتى ينفضوا) أي حتى يتفرقوا ~~عنه، يعنون بذلك فقراء المهاجرين، والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل ~~لفسقهم، أو لعدم مغفرة الله لهم. قرأ الجمهور " ينفضوا " من الانفضاض، وهو ~~التفرق، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي " ينفضوا " من أنفض القوم: إذا فنيت ~~أزوادهم، يقال نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض. # ثم أخبر سبحانه بسعة ملكه فقال (ولله خزائن السماوات والأرض) أي إنه هو ~~الرزاق لهؤلاء المهاجرين، لأن خزائن الرزق له فيعطي من شاء ما شاء ويمنع من ~~شاء ما شاء (ولكن المنافقين لا يفقهون) ذلك ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق ~~بيد الله عز وجل وأنه الباسط القابض المعطي المانع. ثم ذكر سبحانه مقالة ~~شنعاء قالوها فقال (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ~~القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وعنى بالأعز نفسه ~~ومن معه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه، ومراده ~~بالرجوع رجوعهم من تلك الغزوة، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون ~~القائل هو فرد من أفرادهم، وهو عبد الله بن أبي، لكونه كان رئيسهم وصاحب ~~أمرهم، وهم راضون بما يقوله سامعون له مطيعون. ثم رد الله سبحانه على قائل ~~تلك المقالة فقال (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) أي القوة والغلبة لله ~~وحده ولمن أفاضها عليه من رسله وصالحي عباده لا لغيرهم. اللهم كما جعلت ~~العزة للمؤمنين على المنافقين فاجعل العزة للعادلين من عبادك، وأنزل الذلة ~~على الجائرين الظالمين (ولكن المنافقين لا يعلمون) بما فيه النفع فيفعلونه، ~~وبما فيه الضر فيجتنبونه، بل هم كالأنعام لفرط جهلهم ومزيد حيرتهم والطبع ~~على قلوبهم. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن زيد بن أرقم قال: " خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن ~~أبي لأصحابه (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) من حوله، وقال ~~(لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) فأتيت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك فأرسل ms3968 إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد ~~يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى ~~أنزل الله تصديقي في إذ جاءك المنافقون، فدعاهم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم، وهو قوله (كأنهم خشب مسندة) قال: كانوا ~~رجالا أجمل شئ. وأخرجه عنه بأطول من هذا ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي ~~وصححه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما سماهم الله منافقين لأنهم كتموا الشرك ~~وأظهروا الإيمان. وأخرج ابن المنذر عنه (اتخذوا أيمانهم جنة) قال: حلفهم ~~بالله إنهم لمنكم اجتنبوا بأيمانهم من القتل والحرب. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه أيضا (كأنهم خشب مسندة) قال نخل قيام. وأخرج ابن مردويه والضياء في ~~المختارة عنه أيضا. قال نزلت هذه الآية (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله حتى ينفضوا) في عسيف لعمر بن الخطاب. وأخرج ابن مردويه عن ~~زيد بن أرقم وابن مسعود أنهما قرآ (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا من حوله). # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال " كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في غزاة. قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع ~~رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال المهاجري يا للمهاجرين وقال ~~الأنصاري يا للأنصار، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما بال ~~دعوة الجاهلية؟ قالوا رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار، فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: دعوها فإنها منتنة، فسمع PageV05P232 # ذلك عبد الله بن أبي فقال: أو قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منه الأذل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقام عمر ~~فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " زاد الترمذي " فقال ~~له ابنه عبد الله: والله ms3969 لا تنفلت حتى تقرأنك الذليل، ورسول الله العزيز، ~~ففعل ". # سورة المنافقين (9 - 11) لما ذكر سبحانه قبائح المنافقين رجع إلى خطاب ~~المؤمني مرغبا لهم في ذكره فقال (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله) فحذرهم عن أخلاق المنافقين الذين ألهتهم أموالهم ~~وأولادهم عن ذكر الله، ومعنى لا تلهكم: لا تشغلكم، والمراد بالذكر فرائض ~~الإسلام، قاله الحسن. وقال الضحاك: الصلوات الخمس وقيل قراءة القرآن، وقيل ~~هو خطاب للمنافقين، ووصفهم بالإيمان لكونهم آمنوا ظاهرا، والأول أولى (ومن ~~يفعل ذلك) أي يلتهى بالدنيا عن الدين (فأولئك هم الخاسرون) أي الكاملون في ~~الخسران (وأنفقوا مما رزقناكم) الظاهر أن المراد الإنفاق في الخير على ~~عمومه، ومن للتبعيض: أي أنفقوا بعض ما رزقناكم في سبيل الخير، وقيل المراد ~~الزكاة المفروضة (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) بأن تنزل به أسبابه ويشاهد ~~حضور علاماته، وقدم المفعول على الفاعل للاهتمام (فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب) أي يقول عند نزول ما نزل به مناديا لربه هلا أمهلتني وأخرت موتي ~~إلى أجل قريب: أي أمد قصير (فأصدق) أي فأتصدق بمالي (وأكن من الصالحين) قرأ ~~الجمهور " فأصدق " بإدغام التاء في الصاد، وانتصابه على أنه جواب التمني، ~~وقيل إن لا في لولا زائدة، والأصل لو أخرتني. وقرأ أبي وابن مسعود وسعيد بن ~~جبير " فأتصدق " بدون إدغام على الأصل. وقرأ الجمهور " وأكن " بالجزم على ~~محل فأتصدق، كأنه قيل إن أخرتني أتصدق وأكن. قال الزجاج: معناه هلا أخرتني، ~~وجزم أكن على موضع فأصدق لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن. وكذا قال أبو ~~علي الفارسي وابن عطية وغيرهم. وقال سيبويه حاكيا عن الخليل: إنه جزم على ~~توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، وجعل سيبويه هذا نظير قول زهير: # بدا لي أني لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان حائيا فخفض ولا سابق ~~عطفا على مدرك الذي هو خبر ليس على توهم زيادة الباء فيه. وقرأ أبو عمرو ~~وابن محيصن ومجاهد " وأكون " بالنصب عطفا على فأصدق، ووجهها ms3970 واضح. ولكن قال ~~أبو عبيد: رأيت في مصحف عثمان " وأكن " بغير واو، وقرأ عبيد بن عمير " ~~وأكون " بالرفع على الاستئناف: أي وأنا أكون. قال الضحاك: # لا ينزل بأحد الموت لم يحج ولم يؤد زكاة إلا سأل الرجعة، وقرأ هذه الآية، ~~ثم أجاب الله سبحانه عن هذا المتمني فقال (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها) أي إذا حضر أجلها وانقضى عمرها (والله خبير بما تعملون) لا يخفى ~~PageV05P233 # عليه شئ منه فهو مجازيكم بأعمالكم. قرأ الجمهور " تعملون " بالفوقية على ~~الخطاب، وقرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي بالتحتية على الخبر. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم) الآية قال: هم عباد من أمتي الصالحون ~~منهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وعن الصلوات الخمس المفروضة. ~~وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ~~وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من ~~كان له مال يبلغه حج بيت الله، أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل سأل الرجعة ~~عند الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكافر، ~~فقال: # سأتلوا عليكم بذلك قرآنا (يا أيها الذين آمنوا) إلى آخر السورة ". وأخرج ~~ابن المنذر عن ابن عباس (فأصدق وأكن من الصالحين) قال: أحج. # تفسير سورة التغابن هي ثمان عشرة آية وهي مدنية في قول الأكثر. وقال ~~الضحاك: هي مكية. وقال الكلبي: هي مدنية ومكية. وأخرج ابن الضريس وابن ~~مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة التغابن بالمدينة. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وأخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت ~~سورة التغابن بمكة إلا آيات من آخرها نزلن بالمدينة في عوف بن مالك ~~الأشجعي، شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جفاء أهله وولده، ~~فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ms3971 ~~فاحذروهم) إلى آخر السورة. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار ~~نحوه. وأخرج ابن حبان في الضعفاء، والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن عبد ~~الله ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ما من مولود يولد ~~إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن " وقال ابن كثير: وهو ~~غريب جدا بل منكر. وأخرج البخاري في تاريخه عن عبد الله بن عمرو قال: ما من ~~مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من أول سورة التغابن. # سورة التغابن (1 - 6) PageV05P234 # قوله (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) أي ينزهه سبحانه جميع ~~مخلوقاته التي في سماواته وأرضه عن كل نقص وعيب (له الملك وله الحمد) ~~يختصان به ليس لغيره منهما شئ، وما كان لعباده منهما فهو من فيضه وراجع ~~إليه (وهو على كل شئ قدير) لا يعجزه شئ (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن) أي فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن. قال الضحاك: فمنكم كافر في السر مؤمن في ~~العلانية كالمنافق، ومنكم مؤمن في السر كافر في العلانية كعمار بن ياسر ~~ونحوه ممن أكره على الكفر. وقال عطاء: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ~~ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب. قال الزجاج: إن الله خلق الكافر وكفره فعل ~~له وكسب مع أن الله خالق الكفر - وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب مع أن ~~الله خالق الإيمان - والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه، لأن ~~الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه، لأن وجود خلاف المقدر عجز، ووجود خلاف ~~المعلوم جهل. # قال القرطبي: وهذا أحسن الأقوال وهو الذي عليه جمهور الأمة، وقدم الكافر ~~على المؤمن لأنه الأغلب عند نزول القرآن (والله بما تعملون بصير) لا تخفى ~~عليه من ذلك خافية، فهو مجازيكم بأعمالكم. ثم لما ذكر سبحانه خلق العالم ~~الصغير أتبعه بخلق العالم الكبير فقال (خلق السماوات والأرض بالحق) أي ~~بالحكمة البالغة. وقيل خلق ذلك خلقا يقينا لا ريب فيه، وقيل الباء بمعنى ~~اللام: أي ms3972 خلق ذلك لإظهار الحق، وهو أن يجزى المحسن بإحسانه والمسئ ~~بإساءته. ثم رجع سبحانه إلى خلق العالم الصغير فقال (وصوركم فأحسن صوركم) ~~قيل المراد آدم خلقه بيده كرامة له، كذا قال مقاتل، وقيل المراد جميع ~~الخلائق وهو الظاهر: أي أنه سبحانه خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم وأجمل ~~شكل. والتصوير: التخطيط والتشكيل. قرأ الجمهور " فأحسن صوركم " بضم الصاد، ~~وقرأ زيد بن علي والأعمش وأبو زيد بكسرها (وإليه المصير) في الدار الآخرة، ~~لا إلى غيره (يعلم ما في السماوات والأرض) لا تخفى عليه من ذلك خافية ~~(ويعلم ما تسرون وما تعلنون) أي ما تخفونه وما تظهرونه، والتصريح به مع ~~اندراجه فيم قبله لمزيد التأكيد في الوعد والوعيد (والله عليم بذات الصدور) ~~هذه الجملة مقررة لما قبلها من شمول علمه لكل معلوم، وهي تذييلية (ألم ~~يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل) وهم كفار الأمم الماضية كقوم نوح وعاد ~~وثمود، والخطاب لكفار العرب (فذاقوا وبال أمرهم) بسبب كفرهم، والوبال: ~~الثقل والشدة، والمراد بأمرهم هنا ما وقع منهم من الكفر والمعاصي، وبالوبال ~~ما أصيبوا به من عذاب الدنيا (ولهم عذاب أليم) وذلك في الآخرة وهو عذاب ~~النار، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكر من العذاب في الدارين، وهو مبتدأ ~~وخبره (بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) أي بسبب أنها كانت تأتيهم الرسل ~~المرسلة إليهم بالمعجزات الظاهرة (فقالوا أبشر يهدوننا) أي قال كل قوم منهم ~~لرسولهم هذا القول منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك، ~~وأراد بالبشر الجنس، ولهذا قال يهدوننا (فكفروا وتولوا) أي كفروا بالرسل ~~وبما جاءوا به وأعرضوا عنهم ولم يتدبروا فيما جاءوا به، وقيل كفروا بهذا ~~القول الذي قالوه للرسل (واستغنى الله) عن إيمانهم وعبادتهم. وقال مقاتل: ~~استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه من المعجزات، وقيل استغنى ~~بسلطانه عن طاعة عباده (والله غني حميد) أي غير محتاج إلى العالم ولا إلى ~~عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال والحال. PageV05P235 # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ms3973 المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا مكث المنى في ~~الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب فيقول: # يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى الله ما هو قاض، فيقول: أشقى أم سعيد؟ فيكتب ~~ما هو لاق، وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله (وصوركم فأحسن ~~صوركم وإليه المصير) ". وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " العبد يولد مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا، ~~والعبد يولد كافرا ويعيش كافرا ويموت كافرا، وإن العبد يعمل برهة من دهره ~~بالسعادة ثم يدركه ما كتب له فيموت شقيا، وأن العبد يعمل برهة من دهره ~~بالشقاء ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيدا ". # قوله (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) الزعم: هو القول بالظن ويطلق على ~~الكذب. قال شريح: لكل شئ كنية وكنية الكذب زعموا، و (أن لن يبعثوا) قائم ~~مقام مفعول زعم، وأن هي المخففة من الثقيلة لا المصدرية لئلا يدخل ناصب على ~~ناصب، والمراد بالكفار كفار العرب، والمعنى: زعم كفار العرب أن الشأن أن ~~يبعثوا أبدا. # ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يرد عليهم ويبطل زعمهم ~~فقال (قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن) بل هي التي لإيجاب النفي، فالمعنى: ~~بلى تبعثون. ثم أقسم على ذلك، وجواب القسم لتبعثن: أي لتخرجن من قبوركم ~~لتنبؤن (بما عملتم) أي لتخبرن بذلك إقامة للحجة عليكم ثم تجزون به (وذلك) ~~البعث والجزاء (على الله يسير) إذ الإعادة أيسر من الابتداء (فآمنوا بالله ~~ورسوله) الفاء هي الفصيحة الدالة على شرط مقدر: أي إذا كان الأمر هكذا ~~فصدقوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم (والنور الذي أنزلنا) ~~وهو القرآن لأنه نور يهتدى به من ظلمه الضلال (والله بما تعملون خبير) لا ~~يخفى عليه شئ من أقوالكم وأفعالكم فهو مجازيكم على ذلك (يوم يجمعكم ليوم ~~الجمع) العامل في الظرف لتنبؤن، ms3974 قاله النحاس. وقال غيره: العامل فيه خبير، ~~وقيل العامل فيه محذوف هو أذكر. وقال أبو البقاء: العامل فيه ما دل عليه ~~الكلام: أي تتفاوتون يوم يجمعكم. قرأ الجمهور PageV05P236 # " يجمعكم " بفتح الياء وضم العين، وروى عن أبي عمرو إسكانها، ولا وجه ~~لذلك إلا التخفيف وإن لم يكن هذا موضعا له كما قرئ في - وما يشعركم - بسكون ~~الراء، وكقول الشاعر: فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل ~~بإسكان باء أشرب، وقرأ زيد بن علي والشعبي ويعقوب ونصر وابن أبي إسحاق ~~والجحدري " نجمعكم " بالنون، ومعنى (ليوم الجمع) ليوم القيامة فإنه يجمع ~~فيه أهل المحشر للجزاء، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله، وبين كل نبي وأمته، ~~وبين كل مظلوم وظالمه (ذلك يوم التغابن) يعنى أن يوم القيامة هو يوم ~~التغابن، وذلك أنه يغبن فيه بعض أهل المحشر بعضا، فيغبن فيه أهل الحق أهل ~~الباطل، ويغبن فيه أهل الإيمان أهل الكفر وأهل الطاعة أهل المعصية، ولا غبن ~~أعظم من غبن أهل الجنة أهل النار عند دخول هؤلاء الجنة وهؤلاء النار، ~~فنزلوا منازلهم التي كانوا سينزلونها لو لم يفعلوا ما يوجب النار، فكأن أهل ~~النار استبدلوا الخير بالشر والجيد بالردئ والنعيم بالعذاب، وأهل الجنة على ~~العكس من ذلك. يقال غبنت فلانا: إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه ~~والغلبة، كذا قال المفسرون، فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة (ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته) أي من وقع منه التصديق مع العمل ~~الصالح استحق تكفير سيئاته، قرأ الجمهور " يكفر " (ويدخله) بالتحتية، وقرأ ~~نافع وابن عامر بالنون فيهما، وانتصاب (خالدين فيها أبدا) على أنها حال ~~مقدرة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكر من التكفير والإدخال، وهو مبتدأ ~~وخبره الفوز العظيم) أي الظفر الذي لا يساويه ظفر. # (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير) المراد بالآيات إما التنزيلية أو ما هو أعم منها، ذكر سبحانه حال ~~السعداء وحال الأشقياء ها هنا لبيان ما تقدم من التغابن، وأنه سيكون بسبب ~~التكفير ms3975 وإدخال الجنة للطائفة الأولى، وبسبب إدخال الطائفة الثانية النار ~~وخلودهم فيها (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) أي ما أصاب كل أحد من مصيبة ~~من المصائب إلا بإذن الله: أي بقضائه وقدره، قال الفراء: إلا بإذن الله: # أي بأمر الله، وقيل إلا بعلم الله. قيل وسبب نزولها أن الكفار قالوا: لو ~~كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا (ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه) أي من يصدق ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما قدره الله عليه يهد ~~قلبه للصبر والرضا بالقضاء. قال مقاتل بن حيان: يهد قلبه عند المصيبة فيعلم ~~أنها من الله فيسلم لقضائه ويسترجع. وقال سعيد بن جبير: يهد قلبه عند ~~المصيبة فيقول - إنا لله وإنا إليه راجعون - وقال الكلبي: هو إذا ابتلى ~~صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر. قرأ الجمهور " يهد " بفتح الياء ~~وكسر الدال: أي يهده الله، وقرأ قتادة والسلمي والضحاك وأبو عبد الرحمن بضم ~~الياء وفتح الدال على البناء للمفعول، وقرأ طلحة بن مصرف والأعرج وسعيد بن ~~جبير وابن هرمز والأزرق " نهد " بالنون، وقرأ مالك بن دينار وعمرو بن دينار ~~وعكرمة " يهدأ " بهمزة ساكنة ورفع قلبه: أي يطمئن ويسكن (والله بكل شئ ~~عليم) أي بليغ العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية (وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول) أي هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله وطاعة رسوله (فإن ~~توليتم) أي أعرضتم عن الطاعة (فإنما على رسولنا البلاغ المبين) ليس عليه ~~غير ذلك وقد فعل، وجواب الشرط محذوف والتقدير فلا بأس على الرسول، وجملة ~~(فإنما على رسولنا) تعليل للجواب المحذوف، ثم أرشد إلى التوحيد والتوكل ~~فقال (الله لا إله إلا هو) أي هو المستحق للعبودية دون غيره فوحدوه ولا ~~تشركوا به (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أي يفوضوا أمورهم إليه ويعتمدوا ~~عليه، لا على غيره. PageV05P237 # وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قيل ~~له: ما سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في زعموا؟ قال: ms3976 سمعته ~~يقول: بئس مطية الرجل. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ~~أنه كره زعموا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~يوم التغابن من أسماء يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه في ~~قوله (ذلك يوم التغابن) قال: غبن أهل الجنة أهل النار، وأخرج سعيد بن منصور ~~عن ابن مسعود في قوله (ما أصاب من مصيبة) قال: هي المصيبات تصيب الرجل ~~فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (يهد قلبه) قال: # يعنى يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه. # سورة التغابن (14 - 18) قوله (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم) يعنى أنهم يعادونكم ويشغلونكم عن الخير، ويدخل في ذلك ~~سبب النزول دخولا أوليا، وهو أن رجالا من مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا ~~فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله سبحانه بأن يحذروهم فلا يطيعوهم ~~في شئ مما يريدونه منهم مما فيه مخالفة لما يريده الله، والضمير في ~~(فاحذروهم) يعود إلى العدو، أو إلى الأزواج والأولاد لكن لا على العموم، بل ~~إلى المتصفين بالعداوة منهم، وإنما جاز جمع الضمير على الوجه الأول، لأن ~~العدو يطلق على الواحد والاثنين والجماعة. # ثم أرشدهم الله إلى التجاوز فقال (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا) أي تعفوا ~~عن ذنوبهم التي ارتكبوها وتتركوا التثريب عليها وتستروها (فإن الله غفور ~~رحيم) بالغ المغفرة والرحمة لكم ولهم، قيل كان الرجل الذي ثبطه أزواجه ~~وأولاده عن الهجرة إذا رأى الناس قد سبقوه إليها وفقهوا في الدين هم أن ~~يعاقب أزواجه وأولاده، فأنزل الله (وإن تعفوا) الآية، والآية تعم وإن كان ~~السبب خاصا كما عرفناك غير مرة. قال مجاهد: والله ما عادوهم في الدنيا ولكن ~~حملتهم مودتهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوهم إياه. ثم أخبر الله سبحانه ~~بأن الأموال والأولاد فتنة فقال (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) أي بلاء ms3977 ~~واختبار ومحنة يحملونكم على كسب الحرام ومنع حق الله فلا تطيعوهم في معصية ~~الله (والله عنده أجر عظيم) لمن آثر طاعة الله وترك معصيته في محبة ماله، ~~وولده. ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة فقال (فاتقوا الله ما استطعتم) أي ~~ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية ~~ناسخة لقوله سبحانه - فاتقوا الله حق تقاته - ومنهم قتادة والربيع بن أنس ~~والسدي وابن زيد، وقد أوضحنا الكلام في قوله - فاتقوا الله حق تقاته - ~~ومعنى (واسمعوا وأطيعوا) أي اسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا الأوامر. قال ~~مقاتل اسمعوا: أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم وأطيعوا لرسوله فيما يأمركم ~~وينهاكم. وقيل معنى اسمعوا: اقبلوا PageV05P238 # ما تسمعون لأنه لا فائدة في مجرد السماع (وأنفقوا خيرا لأنفسكم) أي ~~أنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير ولا تبخلوا بها، ~~وقوله (خيرا لأنفسكم) منتصب بفعل مضمر دل عليه أنفقوا، كأنه قال: ائتوا في ~~الإنفاق خيرا لأنفسكم، أو قدموا خيرا لها، كذا قال سيبويه. وقال الكسائي ~~والفراء: هو نعت لمصدر محذوف: # أي إنفاقا خيرا. وقال أبو عبيدة: هو خبر لكان المقدرة: أي يكن الإنفاق ~~خيرا لكم. وقال الكوفيون: هو منتصب على الحال، وقيل هو مفعول به لأنفقوا: ~~أي فأنفقوا خيرا. والظاهر: في الآية الإنفاق مطلقا من غير تقييد بالزكاة ~~الواجبة، وقيل المراد زكاة الفريضة، وقيل النافلة، وقيل النفقة في الجهاد ~~(ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) أي ومن يوق شح نفسه فيفعل ما أمر به ~~من الإنفاق ولا يمنعه ذلك منه فأولئك هم الظافرون بكل خير الفائزون بكل ~~مطلب، وقد تقدم تفسير هذه الآية (إن تقرضوا الله قرضا حسنا) فتصرفون ~~أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية وطيب نفس (يضاعفه لكم) فيجعل الحسنة بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد تقدم تفسير هذه الآية واختلاف القراءة في ~~قراءتها في سورة البقرة وسورة الحديد (ويغفر لكم) أي يضم لكم إلى تلك ~~المضاعفة غفران ذنوبكم (والله شكور حليم) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، ms3978 ولا ~~يعاجل من عصاه بالعقوبة (عالم الغيب والشهادة) أي ما غاب وما حضر لا تخفى ~~عليه منه خافية، وهو (العزيز الحكيم) أي الغالب القاهر ذو الحكمة الباهرة. ~~وقال ابن الأنباري: الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء. # وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ~~هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) ~~في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فنزلت إلى قوله (فإن ~~الله غفور رحيم). وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي ~~وابن ماجة والحاكم وصححه وابن مردويه عن بريدة قال " كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ~~ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فحملهما واحدا ~~من ذا الشق وواحدا من ذا الشق، ثم صعد المنبر فقال: صدق الله (إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة)، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن ~~قطعت كلامي ونزلت إليهما ". وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يقول الله استقرضت عبدي ~~فأبى أن يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وادهراه وادهراه وأنا ~~الدهر، ثم تلا أبو هريرة (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم) ". ~~PageV05P239 # تفسير سورة الطلاق هي إحدى عشرة آية، وقيل اثنتا عشرة وهي مدنية. قال ~~القرطبي: في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس وابن النحاس وابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الطلاق بالمدينة. # سورة الطلاق (1 - 5) قوله (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) نادى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أولا تشريفا له، ثم خاطبه مع أمته أو الخطاب ms3979 له ~~خاصة، والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك، والمعنى: إذا أردتم تطليقهن ~~وعزمتم عليه (فطلقوهن لعدتهن) أي مستقبلات لعدتهن أو في قبل عدتهن، أو لقبل ~~عدتهن. وقال الجرجاني: إن اللام في لعدتهن بمعنى في: أي في عدتهن. وقال أبو ~~حيان: هو على حذف مضاف: أي لاستقبال عدتهن، واللام للتوقيت نحو لقيته لليلة ~~بقيت من شهر كذا، والمراد أن يطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع ثم يتركن حتى ~~تنقضي عدتهن، فإذا طلقوهن هكذا فقد طلقوهن لعدتهن، وسيأتي بيان هذا من ~~السنة في آخر البحث إن شاء الله (وأحصوا العدة) أي احفظوها واحفظوا الوقت ~~الذي وقع فيه الطلاق حتى تتم العدة: وهي ثلاثة قروء، PageV05P240 # والخطاب للأزواج، وقيل للزوجات، وقيل للمسلمين على العموم، والأول أولى ~~لأن الضمائر كلها لهم (واتقوا الله ربكم) فلا تعصوه فيما أمركم ولا تضاروهن ~~(لا تخرجوهن من بيوتهن) أي التي كنا فيها عند الطلاق ما دمن في العدة، ~~وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهن ~~للسكنى في مدة العدة، ومثله قوله - واذكرن ما يتلى في بيوتكن - وقوله - ~~وقرن في بيوتكن - ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق ~~وهن فيها نهى الزوجات عن الخروج أيضا فقال (ولا يخرجن) أي لا يخرجن من تلك ~~البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري كما سيأتي بيان ذلك، وقيل المراد لا ~~يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج فلا بأس، والأول أولى (إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة) هذا الاستثناء هو من الجملة الأولى: أي لا تخرجوهن من ~~بيوتهن، لا من الجملة الثانية. قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد ~~بالفاحشة هنا الزنا، وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها. وقال الشافعي ~~وغيره: هي البذاء في اللسان والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك ~~البيت، ويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبي " إلا أن يفحشن عليكم " ~~وقيل المعنى: # إلا أن يخرجن تعديا، فإن خروجهن على هذا الوجه فاحشة، وهو بعيد، والإشارة ms3980 ~~بقوله (وتلك) إلى ما ذكر من الأحكام وهو مبتدأ وخبره (حدود الله) والمعنى: ~~أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدها لهم لا يحل لهم أن ~~يتجاوزوها إلى غيرها (ومن يتعد حدود الله) أي يتجاوزها إلى غيرها أو يخل ~~بشئ منها (فقد ظلم نفسه) بإيرادها مورد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر ~~بعقوبة الله له على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه، وجملة (لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا) مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها وتعليله. قال القرطبي: ~~قال جميع المفسرين: أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، والمعنى: التحريض ~~على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث، فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند ~~الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد إلى المراجعة سبيلا. وقال ~~مقاتل بعد ذلك: أي بعد طلقة أو طلقتين أمرا بالمراجعة. قال الواحدي: الأمر ~~الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. قال ~~الزجاج: وإذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى لقوله - لعل الله يحدث بعد ~~ذلك أمرا - (فإذا بلغن أجلهن) أي قاربن انقضاء أجل العدة وشارفن آخرها ~~(فأمسكوهن بمعروف) أي راجعوهن بحسن معاشرة ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة ~~لهن (أو فارقوهن بمعروف) أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن نفوسهن مع ~~إيفائهن بما هو لهن عليكم من الحقوق وترك المضارة لهن (وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم) على الرجعة، وقيل على الطلاق، وقيل عليهما قطعا للتنازع وحسما لمادة ~~الخصومة، والأمر للندب كما في قوله - وأشهدوا إذا تبايعتم - وقيل إنه ~~للوجوب، وإليه ذهب الشافعي قال: الإشهاد واجب في الرجعة مندوب إليه في ~~الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل. وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى ~~الإشهاد كسائر الحقوق، وروى نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد (وأقيموا الشهادة ~~لله) هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شاهدوا به تقربا إلى الله، وقد تقدم ~~تفسير هذا في سورة البقرة، وقيل الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة: أي ~~الشهود عند الرجعة فيكون قوله (واشهدوا ذوي عدل منكم) ms3981 أمرا بنفس الإشهاد، ~~ويكون قوله (وأقيموا الشهادة) أمرا بأن تكون خالصة لله، والإشارة بقوله ~~(ذلكم) إلى ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة لله، وهو مبتدأ وخبره ~~(يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) وخص المؤمن بالله واليوم الآخر ~~لأنه المنتفع بذلك دون غيره (ومن يتقي الله يجعل له مخرجا) أي من يتقي عذاب ~~الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والوقوف على حدوده التي حدها لعباده ~~وعدم مجاوزتها يجعل له مخرجا مما وقع فيه من الشدائد والمحن (ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب) أي من وجه PageV05P241 # لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه. قال الشعبي والضحاك: هذا في الطلاق ~~خاصة: أي من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة وأنه يكون ~~كأحد الخطاب بعد العدة. وقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل ~~له مخرجا من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه. وقال ~~أبو العالية: مخرجا من كل شئ ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل: ومن يتق ~~الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من العقوبة ويرزقه الثواب من حيث لا ~~يحتسب: أي يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في ~~اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة أهل البدع ويرزقه الجنة من حيث لا ~~يحتسب، وقيل غير ذلك. وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص ويدخل ~~ما فيه السياق دخولا أوليا (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أي ومن وثق بالله ~~فيما نابه كفاه ما أهمه (إن الله بالغ أمره) قرأ الجمهور " بالغ أمره " ~~بتنوين بالغ ونصب أمره، وقرأ حفص بالإضافة، وقرأ ابن أبي عبلة وداود بن أبي ~~هند وأبو عمرو في رواية عنه بتنوين بالغ ورفع أمره على أنه فاعل بالغ، أو ~~على أن أمره مبتدأ مؤخر وبالغ مقدم. قال الفراء في توجيه هذه القراءة: أي ~~أمره بالغ، والمعنى على القراءة الأولى والثانية: أن الله سبحانه بالغ ما ~~يريده من الأمر لا يفوته ms3982 شئ ولا يعجزه مطلوب، وعلى القراءة الثالثة: أن ~~الله نافذ أمره لا يرده شئ. وقرا المفضل " بالغا " بالنصب على الحال ويكون ~~خبر إن قوله (قد جعل الله لكل شئ قدرا) أي تقديرا وتوقيتا أو مقدرا. فقد ~~جعل سبحانه للشدة أجلا تنتهي إليه، وللرخاء أجلا ينتهي إليه. # وقال السدي: هو قدر الحيض والعدة (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم) وهن ~~الكبار اللاتي قد انقطع حيضهن وأيسن منه (إن ارتبتم) أي شككتم وجهلتم كيف ~~عدتهن (فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن لصغرهن وعدم بلوغهن سن المحيض: ~~أي فعدتهن ثلاثة أشهر، وحذف هذا لدلالة ما قبله عليه (وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن) أي انتهاء عدتهن وضع الحمل، وظاهر الآية أن عدة الحوامل ~~بالوضع سواء كن مطلقات أو متوفي عنهن، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة ~~البقرة مستوفى، وحققنا البحث في هذه الآية وفي الآية الأخرى - والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا - وقيل معنى ~~(إن ارتبتم) إن تيقنتم، ورجح ابن جرير أنه بمعنى الشك وهو الظاهر. قال ~~الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها. ~~وقال مجاهد: إن ارتبتم: يعني لم تعلموا عدة الآيسة والتي لم تحض فالعدة ~~هذه. وقيل المعنى: إن ارتبتم في الدم الذي يظهر منها هل هو حيض أم لا بل ~~استحاضة فالعدة ثلاثة أشهر (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) أي من يتقه ~~في امتثال أوامره واجتناب نواهيه يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة. وقال ~~الضحاك: من يتق الله فليطلق للسنة يجعل له من أمره يسرا في الرجعة. وقال ~~مقاتل: من يتق الله في اجتناب معاصيه ويجعل له من أمره يسرا في توفيقه ~~للطاعة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما ذكر من الأحكام: # أي ذلك المذكور من الأحكام (أمر الله أنزله إليكم) أي حكمه الذي حكم به ~~بين عباده وشرعه الذي شرعه لهم، ومعنى (أنزله إليكم) أنزله في كتابه على ~~رسوله وبينه لكم وفصل أحكامه وأوضح حلاله وحرامه ms3983 (ومن يتق الله) يترك ما لا ~~يرضاه (يكفر عنه سيئاته) التي اقترفها، لأن التقوى من أسباب المغفرة للذنوب ~~(ويعظم له أجرا) أي يعطه من الأجر في الآخرة أجرا عظيما وهو الجنة. # وقد اخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن) فقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة. وأخرجه ~~ابن جرير عن قتادة مرسلا. وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ~~ركانة PageV05P242 # أم ركانة، ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالت: يا رسول الله ما يغني عني إلا ما تغني عني هذه الشعرة ~~لشعرة أخذتها من رأسها، فأخذت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمية عند ~~ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركانة وإخوته، ثم قال ~~لجلسائه: أترون كذا من كذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد ~~يزيد: طلقها ففعل، فقال لأبي ركانة ارتجعها، فقال: يا رسول الله إني ~~طلقتها، قال: قد علمت ذلك فارتجعها، فنزلت (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن) " قال الذهبي: # إسناده واه، والخبر خطأ، فإن عبد يزيد لم يدرك الإسلام. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن ابن عمر " أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~قال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها ~~فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها ~~النساء، وقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) ". وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر ~~والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قرأ (فطلقوهن في قبل عدتهن). وأخرج ms3984 ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ " ~~فطلقوهن لقبل عدتهن ". وأخرج ابن الأنباري وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد ~~في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس ~~أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ~~ابن مسعود قال: من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله، فليطلقها طاهرا في ~~غير جماع. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله (فطلقوهن لعدتهن) قال: ~~طاهرا من غير جماع، وفي الباب أحاديث. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود ~~(وأحصوا العدة) قال: الطلاق طاهرا في غير جماع. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر ~~في قوله (ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قال: خروجها قبل انقضاء ~~العدة من بيتها هي الفاحشة المبينة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن ~~عباس (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قال: الزنا. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ~~ابن عباس قال: الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت ~~عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها. وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في ~~قوله (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) قالت: هي الرجعة. # وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن حصين أن رجلا طلق ~~ولم يشهد، قال: بئس ما صنع، طلق في بدعة، وارتجع في غير سنة، فيشهد على ~~طلاقه وعلى مراجعته ويستغفر الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله ~~(ومن يتق الله يجعل له مخرجا) قال: مخرجه أن يعلم أنه من قبل الله، وأن ~~الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه، وهو يبتليه، ms3985 وهو يعافيه، وهو يدفع عنه، وفي ~~قوله (ويرزقه من حيث لا يحتسب) قال: من حيث لا يدري. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) قال: # ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من ~~طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: " نزلت هذه الآية (ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا) في رجل من أشجع كان فقيرا خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيرا ~~حتى جاء ابن له بغنم كان العدو أصابوه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فسأله عنها وأخبره خبرها، فقال: كلها، فنزلت PageV05P243 # (ومن يتق الله) الآية ". وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس قال " جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت أمه، فما تأمرني؟ قال: ~~آمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فقالت المرأة: ~~نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها، فتغفل عنه العدو، فاستاق غنمهم فجاء بها ~~إلى أبيه، فنزلت (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) " الآية. # وفي الباب روايات تشهد لهذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في الآية قالت: ~~يكفيه هم الدنيا وغمها. وأخرج أحمد وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة ~~والبيهقي عن أبي ذر قال " جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلو هذه ~~الآية (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) فجعل يردوها ~~حتى نعست، ثم قال: # يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم " وفي الباب أحاديث. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) قال: ليس ~~المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي وليس كل من يتوكل على الله كفاه ما أهمه ودفع ~~عنه ms3986 ما يكره وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن ~~يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، وفي قوله (إن الله بالغ أمره) قال: يقول ~~قاضي أمره على من توكل وعلى من لم يتوكل، ولكن المتوكل يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا، وفي قوله (قد جعل الله لكل شئ قدرا) قال: يعني أجلا ومنتهى ~~ينتهي إليه. وأخرج ابن المبارك والطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة وأبو يعلي والحاكم وصححه والبيهقي عن عمر بن الخطاب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لو أنكم توكلتم على الله حق ~~توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا ". وأخرج إسحاق بن ~~راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في سننه عن أبي كعب أن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية في ~~البقرة في عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدد لم يذكر في القرآن ~~الصغار والكبار اللاتي قد انقطع حيضهن وذوات الحمل، فأنزل الله (واللائي ~~يئسن من المحيض) الآية. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبو يعلي ~~والضياء في المختارة وابن مردويه عن أبي كعب قال: " قلت للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) أهي المطلقة ثلاثا، ~~أو المتوفي عنها؟ قال: هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها ". وأخرج نحوه عنه ~~مرفوعا ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني من وجه آخر. # وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق عن ~~ابن مسعود أنه بلغه أن عليا قال: تعتد آخر الأجلين، فقال: # من شاء لاعنته إن الآية في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة ~~(وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) بكذا وكذا أشهرا، وكل مطلقة أو متوفى ~~عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها. وروى نحو هذا عنه من ms3987 طرق وبعضها في صحيح ~~البخاري. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أم سلمة: أن سبيعة الأسلمية ~~توفى عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الباب أحاديث. # سورة الطلاق (6 - 7) PageV05P244 # قوله (أسكنوهن من حيث سكنتم) هذا كلام متبدأ يتضمن بيان ما يجب للنساء من ~~السكنى، ومن للتبعيض: # أي بعض مكان سكناكم، وقيل زائدة (من وجدكم) أي من سعتكم وطاقتكم، والوجد ~~القدرة. قال الفراء: # يقول على ما يجد، فإن كان موسعا عليه وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن ~~كان فقيرا فعلى قدر ذلك. قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه. # وقد اختلف أهل العلم في المطلقة ثلاثا، هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ فذهب ~~مالك والشافعي أن لها السكنى ولا نفقة لها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه أن لها ~~السكنى والنفقة. وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا ~~هو الحق، وقد قررته في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره (ولا ~~تضاروهن لتضيقوا عليهن) نهى سبحانه عن مضارتهن بالتضييق عليهن في المسكن ~~والنفقة. وقال مجاهد: في المسكن. وقال مقاتل: # في النفقة. وقال أبو الضحى: هو أن يطلقها، فإذا بقي يومان من عدتها ~~راجعها، ثم طلقها (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) أي إلى ~~غاية هي وضعهن للحمل. ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة، والسكنى للحامل ~~المطلقة، فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وابن عمر وابن مسعود ~~وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من ~~جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وهذا هو الحق ~~للأدلة الواردة في ذلك من السنة (فإن أرضعن لكم) أولادكم بعد ذلك (فآتوهن ~~أجورهن) أي أجور إرضاعهن والمعنى: أن المطلقات إذا أرضعن أولاد الأزواج ~~المطلقين لهن منهن فلهن أجورهن على ms3988 ذلك (وأتمروا بينكم بمعروف) هو خطاب ~~للأزواج والزوجات: أي تشاوروا بينكم بما هو معروف غير منكر وليقبل بعضكم من ~~بعض من المعروف والجميل، وأصل معناه ليأمر بعضكم بعضا بما هو متعارف بين ~~الناس غير منكر عندهم. قال مقاتل: المعنى ليتراض الأب والأم على أجر مسمى، ~~قيل والمعروف الجميل، من الزوج أن يوفر لها الأجر، والمعروف الجميل منها أن ~~لا تطلب ما يتعاسره الزوج من الأجر (وإن تعاسرتم) أي في أجر الرضاع فأبى ~~الزوج أن يعطى الأم الأجر وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر ~~(فسترضع له أخرى) أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن يسلم ما ~~تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من الأجر. # قال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت ~~أمه على الرضاع بالأجر (لينفق ذو سعة من سعته) فيه الأمر لأهل السعة بأن ~~يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم (ومن قدر عليه رزقه) أي كان ~~رزقه بمقدار القوت، أو مضيق ليس بموسع (فلينفق مما آتاه الله) أي مما أعطاه ~~من الرزق ليس عليه غير ذلك (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) أي ما أعطاها ~~من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه ~~وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق (سيجعل الله بعد عسر يسرا) أي ~~بعد ضيق وشده وسعة وغنى. PageV05P245 # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (من وجدكم) قال: من سعتكم (ولا ~~تضاروهن لتضيقوا عليهن) قال في المسكن. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (وإن ~~كن أولات حمل) الآية، قال: فهذه في المرأة يطلقها زوجها وهي حامل، فأمره ~~الله أن يسكنها وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت حتى تفطم، فإن أبان طلاقها ~~وليس بها حمل فلها السكنى حتى تنقضي عدتها ولا نفقة لها. وأخرج عبد بن حميد ~~عن أبي سنان قال: سألت عمر بن الخطاب عن ms3989 أبي عبيدة، فقيل إنه يلبس الغليظ ~~من الثياب ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال لرسول: انظر ماذا ~~يصنع بها إذا أخذها؟ فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء ~~الرسول فأخبره، فقال: رحمه الله تأول هذه الآية (لينفق ذو سعة من سعته ومن ~~قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله). # سورة التغابن الآية 8 - 12 لما ذكر سبحانه ما تقدم من الأحكام، حذر من ~~مخالفتها، وذكر عتو قوم خالفوا أوامره، فحل بهم عذابه فقال (وكأين من قرية ~~عتت عن أمر ربها ورسله) يعني عصت، والمراد أهلها، والمعنى: وكم من أهل قرية ~~عصوا أمر الله ورسله، أو أعرضوا عن أمر الله ورسله على تضمين عتت معنى ~~أعرضت، وقد قدمنا الكلام في كأين في سورة آل عمران وغيرها (فحاسبناها حسابا ~~شديدا) أي شددنا على أهلها في الحساب بما عملوا. قال مقاتل: حاسبها الله ~~بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب، وهو معنى قوله (وعذبناها عذابا نكرا) أي ~~عذبنا أهلها عذابا عظيما منكرا في الآخرة، وقيل في الكلام تقديم وتأخير: أي ~~عذبنا أهلها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ، ~~وحاسبناهم في الآخرة حسابا شديدا. والنكر المنكر (فذاقت وبال أمرها) أي ~~عاقبة كفرها (وكان عاقبة أمرها خسرا) أي هلاكا في الدنيا وعذابا في الآخرة ~~(أعد الله لهم عذابا شديدا) في الآخرة، وهو عذاب النار، والتكرير للتأكيد ~~(فاتقوا الله يا أولى الألباب) أي يا أولى العقول الراجحة، وقوله (الذين ~~آمنوا) في محل نصب بتقدير: أعني بيانا للمنادي بقوله (يا أولى الألباب) أو ~~عطف بيان له، أو نعت (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا) قال الزجاج: إنزال ~~الذكر دليل على إضمار أرسل: أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل إليكم رسولا، وقال ~~أبو علي الفارسي: إن رسولا منصوب بالمصدر، وهو ذكرا، لأن المصدر المنون ~~يعمل. والمعنى: # أنزل إليكم ذكر الرسول. وقيل إن رسولا بدل من ذكرا، وكأنه جعل الرسول نفس ~~الذكر مبالغة. وقيل إنه يدل PageV05P246 # منه على حذف مضاف من الأول تقديره: أنزل ms3990 ذا ذكر رسولا، أو صاحب ذكر ~~رسولا. وقيل إن رسولا نعت على حذف مضاف: أي ذكرا ذا رسول، فذا رسول نعت ~~للذكر. وقيل إن رسولا بمعنى رسالة، فيكون رسولا بدلا صريحا من غير تأويل، ~~أو بيانا. وقيل إن رسولا منتصب على الإغراء، كأنه قال: ألزموا رسولا. وقيل ~~إن الذكر هاهنا بمعنى الشرف كقوله - لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم - ~~وقوله - وإنه لذكر لك ولقومك -. ثم بين هذا الشرف فقال (رسولا) وقد ذهب ~~الأكثر إلى أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقال ~~الكلبي: هو جبريل، والمراد بالذكر القرآن، ويختلف المعنى باختلاف وجوه ~~الإعراب السابقة كما لا يخفى. # ثم نعت سبحانه الرسول المذكور بقوله (يتلوا عليكم آيات الله مبينات) أي ~~حال كونها مبينات، قرأ الجمهور " مبينات " على صيغة اسم المفعول: أي بينها ~~الله وأوضحها، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي على صيغة اسم الفاعل: أي ~~الآيات تبين للناس ما يحتاجون إليه من الأحكام. ورجح القراءة الأولى أبو ~~حاتم وأبو عبيد لقوله " قد بينا لكم الآيات " (ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور) اللام متعلقة بيتلو: أي ليخرج الرسول الذي ~~يتلو الآيات الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور ~~الهداية، ويجوز أن تتعلق اللام بأنزل، فيكون المخرج هو الله سبحانه (ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا) أي يجمع بين التصديق، والعمل بما فرضه الله عليه ~~مع اجتناب ما نهاه عنه (ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار) قرأ الجمهور " ~~يدخله " بالتحتية، وقرأ نافع وابن عامر بالنون: وجمع الضمير في (خالدين ~~فيها أبدا) باعتبار معنى من، ووحده في يدخله باعتبار لفظها، وجملة (قد أحسن ~~الله له رزقا) في محل نصب على الحال من الضمير في خالدين على التداخل، أو ~~من مفعول يدخله على الترادف، ومعنى (قد أحسن الله له رزقا) أي وسع له رزقه ~~في الجنة (الله الذي خلق سبع سماوات) الاسم الشريف مبتدأ وخبره الموصول مع ~~صلته (ومن الأرض مثلهن) أي وخلق من الأرض مثلهن يعنى سبعا. ms3991 # واختلف في كيفية طبقات الأرض. قال القرطبي في تفسيره: واختلف فيهن على ~~قولين: أحدهما وهو قول الجمهور أنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض، بين كل ~~أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض، وفي كل أرض سكان من خلق الله. وقال ~~الضحاك: إنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السماوات. # والأول أصح، لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما. وقد مضى ~~ذلك مبينا في البقرة قال: وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم ~~القيامة من سبع أرضين " إلى آخر كلامه، وسيأتي في آخر البحث ما يقوى قول ~~الجمهور. قرأ الجمهور " مثلهن " بالنصب عطفا على " سبع سماوات " أو على ~~تقدير فعل: أي وخلق من الأرض مثلهن. وقرأ عاصم في رواية عنه بالرفع على ~~الابتداء، والجار والمجرور قبله خبره (يتنزل الأمر بينهن) الجملة مستأنفة، ~~ويجوز أن تكون صفة لما قبلها، والأمر الوحي. قال مجاهد: يتنزل الأمر من ~~السماوات السبع إلى السبع الأرضين. وقال الحسن: بين كل سماء وبين الأرض. ~~وقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره ~~وقضاء من قضائه، وقيل بينهن إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أدناها، ~~وبين السماء السابعة التي هي أعلاها، وقيل هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره، ~~فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء، ويخلق ~~الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال. قال ابن ~~كيسان: وهذا هو مجال اللغة واتساعها كما يقال للموت: أمر الله وللريح ~~والسحاب ونحوها. قرأ الجمهور PageV05P247 # " يتنزل الأمر " من التنزل ورفع الأمر على الفاعلية، وقرأ أبو عمرو في ~~رواية عنه " ينزل " من الإنزال، ونصب الأمر على المفعولية والفاعل الله ~~سبحانه، واللام في (لتعلموا أن الله على كل شئ قدير) متعلق بخلق، أو بيتنزل ~~أو بمقدر: أي فعل ذلك لتعلموا كمال قدرته وإحاطته بالأشياء، وهو معنى (وأن ms3992 ~~الله قد أحاط بكل شئ علما) فلا يخرج عن علمه شئ منها كائنا ما كان، وانتصاب ~~علما على المصدرية، لأن أحاط بمعنى علم، أو هو صفة لمصدر محذوف: أي أحاط ~~إحاطة علما، ويجوز أن يكون تمييزا. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (فحاسبناها حسابا شديدا) يقول: لم ~~ترحم (وعذبناها عذابا نكرا) يقول: عظيما منكرا. وأخرج ابن مردويه عنه (قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا رسولا) قال: محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل ~~(الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) إلى آخر السورة، فقال ابن ~~عباس: ما يؤمنك أن أخبرك بها فتكفر؟ # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق ~~أبي الضحى عن ابن عباس في قوله (ومن الأرض مثلهن) قال: سبع أرضين في كل أرض ~~نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. قال ~~البيهقي: هذا إسناده صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا. ~~وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إن الأرضيين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام. ~~والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء والحوت على صخرة، ~~والصخرة بيد ملك. والثانية مسجن الريح، فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر ~~خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا يهلك عادا، فقال: يا رب أرسل عليهم من الريح ~~قدر منخر الثور؟ فقال له الجبار: إذن تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل ~~عليهم بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه - ما تذر من شئ أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم - والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، ~~فقالوا: يا رسول الله للنار كبريت؟ قال: # نعم والذي نفسي بيده، إن فيها لأدوية من كبريت لو أرسل فيها الجبال ~~الرواسي لماعت " إلى آخر الحديث. قال الذهبي ms3993 متعقبا للحاكم: هو حديث منكر. ~~وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عباس قال: سيد السماوات السماء التي ~~فيها العرش، وسيد الأرضين الأرض التي نحن فيها. PageV05P248 # تفسير سورة التحريم هي اثنتا عشرة آية وهي مدنية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع، وتسمى سورة النبي. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن ~~عباس قال نزلت سورة التحريم بالمدينة، ولفظ ابن مردويه سورة المحرم. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزلت بالمدينة سورة النساء (يا أيها النبي ~~لم تحرم). # سورة التحريم (1 - 5) قوله (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) اختلف ~~في سبب نزول الآية على أقوال: الأول قول أكثر المفسرين. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيت حفصة فزارت أباها، ~~فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم ~~تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها: لا تخبري عائشة ولك على أن لا أقربها ~~أبدا، فأخبرت حفصة عائشة وكانتا متصافيتين، فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى حلف أن لا يقرب مارية، فأنزل الله هذه السورة. قال ~~القرطبي: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة، وذكر القصة. وقيل السبب ~~أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فتواطأت ~~عائشة وحفصة أن تقولا له إذا دخل عليهما إنا نجد منك ريح مغافير. وقيل ~~السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وسيأتي دليل ~~هذه الأقوال آخر البحث إن شاء الله وستعرف كيفية الجمع بينهما، وجملة ~~(تبتغي مرضات أزواجك) مستأنفة، أو مفسرة لقوله " تحرم "، أو في محل نصب على ~~الحال من فاعل تحرم: أي مبتغيا به مرضاة أزواجك، ومرضاة اسم مصدر، وهو ~~الرضى، وأصله مرضوة، وهو مضاف PageV05P249 # إلى المفعول: أي أن ترضى أزواجك، أو إلى الفاعل: أي أن يرضين هن (والله ~~غفور ms3994 رحيم) أي بليغ المغفرة والرحمة لما فرط منك من تحريم ما أحل الله لك، ~~قيل وكان لك ذنبا من الصغائر، فلذا عاتبه الله عليه، وقيل إنها معاتبة على ~~ترك الأولى (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) أي شرع لكم تحليل أيمانكم وبين ~~لكم ذلك، وتحلة أصلها تحللة، فأدغمت. وهي من مصادر التفعيل كالتوصية ~~والتسمية، فكأن اليمين عقد، والكفارة حل، لأنها تحل للحالف ما حرمه على ~~نفسه. قال مقاتل: المعنى قد بين الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة. أمر ~~الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يكفر يمينه ويراجع وليدته فأعتق ~~رقبة. قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. # قلت: وهذا هو الحق أن تحريم ما أحل الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه. ~~فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته لنبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل ~~والمذاهب فيه كثيرة والمقالات فيه طويلة، وقد حققناه في مؤلفاتنا بما يشفى. # واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف، ~~وليس في الآية ما يدل على أنه يمين، لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما ~~أحله له، ثم قال (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وقد ورد في القصة التي ذهب ~~أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية أنه حرم أولا ثم حلف ثانيا كما ~~قدمنا (والله مولاكم) أي وليكم وناصركم والمتولي لأموركم (وهو العليم) بما ~~فيه صلاحكم وفلا حكم (الحكيم) في أفعاله وأقواله (وإذا أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه حديثا) قال أكثر المفسرين: هي حفصة كما سبق، والحديث هو تحريم ~~مارية، أو العسل، أو تحريم التي وهبت نفسها له، والعامل في الظرف فعل مقدر: ~~أي واذكر إذ أسر. وقال الكلبي: # الكلبي: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي ~~(فلما نبأت به) أي أخبرت به غيرها (وأظهره الله عليه) أي أطلع الله نبيه ~~على ذلك الواقع منها من الإخبار ms3995 لغيرها (عرف بعضه) أي عرف حفصة بعض ما ~~أخبرت به. قرأ الجمهور " عرف " مشددا من التعريف، وقرأ علي وطلحة بن مصرف ~~وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والكسائي بالتخفيف. واختار أبو عبيد ~~وأبو حاتم القراءة الأولى لقوله (وأعرض عن بعض) أي لم يعرفها إياه، ولو كان ~~مخففا لقال في ضده: وأنكر بعضا (وأعرض عن بعض) أي وأعرض عن تعريف بعض ذلك ~~كراهة أن ينتشر في الناس، وقيل الذي أعرض عنه هو حديث مارية. وللمفسرين ها ~~هنا خبط وخلط، وكل جماعة منهم ذهبوا إلى تفسير التعريف والإعراض بما يطابق ~~بعض ما ورد في سبب النزول، وسنوضح لك ذلك إن شاء الله (فلما نبأها به) أي ~~أخبرها بما أفشت من الحديث (قالت من أنبأك هذا) أي من أخبرك به (قال نبأني ~~العليم الخبير) أي أخبرني الذي لا تخفى عليه خافية (إن تتوبا إلى الله فقد ~~صغت قلوبكما) الخطاب لعائشة وحفصة: أي إن تتوبا إلى الله فقد وجد منكما ما ~~يوجب التوبة، ومعنى (صغت) عدلت ومالت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو إفشاء الحديث. وقيل المعنى: إن تتوبا ~~إلى الله فقد مالت قلوبكما إلى التوبة، وقال قلوبكما ولم يقل قلبا كما لأن ~~العرب تستكره الجمع بين تثنيتين في لفظ واحد (وإن تظاهرا عليه) أي تتظاهرا، ~~قرأ الجمهور " تظاهرا " بحذف إحدى التاءين تخفيفا. وقرأ عكرمة " تتظاهرا " ~~على الأصل. وقرأ الحسن وأبو رجاء ونافع وعاصم في رواية عنهما " تظهرا " ~~بتشديد الظاء والهاء بدون ألف، والمراد بالتظاهر التعاضد والتعاون، ~~والمعنى: وإن تعاضدا وتعاونا في الغيرة عليه منكما وإفشاء سره PageV05P250 # (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) أي فإن الله يتولى نصره، ~~وكذلك جبريل ومن صلح من عباده المؤمنين فلن يعدم ناصرا بنصره (والملائكة ~~بعد ذلك) أي بعد نصر الله له ونصر جبريل وصالح المؤمنين (ظهير) أي أعوان ~~يظاهرونه، والملائكة مبتدأ وخبره ظهير. قال أبو علي الفارسي: قد جاء فعيل ~~للكثرة كقوله - ولا يسأل حميم حميما - قال الواحدي: ms3996 وهذا من الواحد الذي ~~يؤدي عن الجمع كقوله - وحسن أولئك رفيقا - وقد تقرر في علم النحو أن مثل ~~جريح وصبور وظهير يوصف به الواحد والمثنى والجمع. وقيل كان التظاهر بين ~~عائشة وحفصة في التحكم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النفقة (عسى ~~ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) أي يعطيه بدلكن أزواجا أفضل منكن، ~~وقد علم الله سبحانه أنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن وقع منه ~~الطلاق أبدله خيرا منهن تخويفا لهن، وهو كقوله - وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم - فإنه إخبار عن القدرة وتخويف لهم. ثم نعت سبحانه الأزواج بقوله ~~(مسلمات مؤمنات) أي قائمات بفرائض الإسلام مصدقات بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله والقدر خيره وشره. وقال سعيد بن جبير: مسلمات أي مخلصات وقيل معناه: ~~مسلمات لأمر الله ورسوله (قانتات) مطيعات لله. والقنوت الطاعة، وقيل مصليات ~~(تائبات) يعني من الذنوب (عابدات) لله متذللات له. قال الحسن وسعيد بن ~~جبير: كثيرات العبادة (سائحات) أي صائمات. وقال زيد بن أسلم: مهاجرات، وليس ~~في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سياحة إلا الهجرة. قال ابن قتيبة ~~والفراء وغيرهما: وسمى الصيام سياحة لأن السائح لا زاد معه. وقيل المعنى: ~~ذاهبات في طاعة الله، من ساح الماء إذا ذهب، وأصل السياحة الجولان في ~~الأرض، وقد مضى الكلام على السياحة في سورة براءة (ثيبات وأبكارا) وسط ~~بينهما العاطف لتنافيهما، والثيبات: جمع ثيب، وهي المرأة التي قد تزوجت ثم ~~ثابت عن زوجها فعادت كما كانت غير ذات زوج. والأبكار جمع بكر، وهي العذراء، ~~سميت بذلك لأنها على أول حالها التي خلقت عليه. # وقد أخرج البخاري وغيره عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها لبنا أو عسلا، فتواصيت أنا وحفصة إن ~~أتينا دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل إني أجد منك ريح ~~مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: لا بل شربت عسلا عند زينب ~~بنت ms3997 جحش ولن أعود، فنزلت (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) إلى قوله ~~(إن تتوبا إلى الله) لعائشة وحفصة (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) ~~لقوله: بل شربت عسلا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه قال السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس قال " كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت: إني ~~أجد منك ريحا، فدخل على حفصة فقالت: إني أجد منك ريحا، فقال: أراه من شراب ~~شربته عند سودة، والله لا أشربه أبدا، فأنزل الله (يا أيها النبي لم تحرم) ~~الآية ". وأخرج بن سعد عن عبد الله بن رافع قال: سألت أم سلمة عن هذه الآية ~~(يا أيها النبي لم تحرم) قالت: كانت عندي عكة من عسل أبيض، فكان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يلعق منها وكان يحبه، فقالت له عائشة: نحلها تجرس ~~عرفطا فحرمها، فنزلت الآية. وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ~~أنس: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل ~~عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما، فأنزل الله هذه الآية (يا أيها ~~النبي لم تحرم) " وأخرج البزار والطبراني قال السيوطي: بسند صحيح عن ابن ~~عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال: عائشة ~~وحفصة، وكان بدو الحديث PageV05P251 # في شأن مارية القبطية أم إبراهيم أصابها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في بيت حفصة في يومها، فوجدت حفصة فقالت: يا رسول الله لقد جئت إلى بشئ ما ~~جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري على فراشي، قال ألا ترضين أن ~~أحرمها فلا أقربها أبدا؟ قالت: بلى، فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد، ~~فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه، فأنزل الله (يا أيها النبي لم تحرم) ~~الآيات كلها، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفر عن يمينه ~~وأصاب مارية. وأخرجه ابن سعد وابن مردويه عنه بأطول ms3998 من هذا. وأخرجه ابن ~~مردويه أيضا من وجه آخر عنه بأخصر منه، وأخرجه ابن المنذر والطبراني وابن ~~مردويه عنه مختصرا بلفظ قال: حرم سريته وجعل ذلك سبب النزول في جميع ما روى ~~عنه من هذه الطرق، وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في ~~المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لحفصة لا تحدثي أحدا، وإن أم إبراهيم على حرام، فقالت: أتحرم ما أحل الله ~~لك؟ قال: فوالله لا أقربها، فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله (قد ~~فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي ~~هريرة أن سبب نزول الآية تحريم مارية كما سلف، وسنده ضعيف. فهذان سببان ~~صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل، وقصة مارية، ~~وأن القرآن نزل فيهما جميعا، وفي كل واحد منهما أنه أسر الحديث إلى بعض ~~أزواجه. وأما ما قيل من أن السبب هو تحريم المرأة التي وهبت نفسها، فليس في ~~ذلك إلا ما روى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ~~(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم. قال السيوطي: وسنده ضعيف. ويرد هذا أيضا أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يقبل تلك الواهبة لنفسها، فكيف يصح أن يقال إنه ~~نزل في شأنها (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) فإن من رد ما وهب له ~~لم يصح أن يقال إنه حرمه على نفسه، وأيضا لا ينطبق على هذا السبب قوله (وإذ ~~أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) إلى آخره ما حكاه الله. وأما ما ثبت في ~~الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين ~~تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبره أنهما عائشة وحفصة، ~~ثم ذكر قصة الإيلاء كما في الحديث الطويل، فليس في هذا نفي لكون ms3999 السبب هو ~~ما قدمناه من قصة العسل وقصة السرية، لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين، وذكر ~~فيه أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم ~~إلى الليل، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب نزول (يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك). ويؤيد هذا ما قدمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر من المرأتان ~~اللتان تظاهرتا؟ فأخبره بأنهما حفصة وعائشة، وبين له أن السبب قصة مارية. ~~هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية، ودفع الاختلاف في شأنه فاشدد عليه ~~يديك لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين. وأخرج عبد الرزاق ~~والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس قال: في الحرام يكفر، وقال - لقد كان لكم ~~في رسول الله أسوة حسنة -. وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه ~~عنه أنه جاءه رجل فقال: إني جعلت امرأتي على حراما، فقال كذبت ليست عليك ~~بحرام، ثم تلا (لم تحرم ما أحل الله لك) قال: عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة. ~~وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت " لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على ~~مسطح، فأنزل الله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) فأحل يمينه وأنفق عليه ". ~~وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن عائشة في قوله (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه ~~حديثا) قالت: أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي. وأخرج ابن عدي وأبو ~~نعيم في الصحابة والعشاري في فضائل الصديق وابن مردويه وابن عساكر من طرق ~~عن علي وابن عباس قال: والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب (وإذا أسر ~~النبي إلى بعض PageV05P252 # أزواجه حديثا) قال لحفصة: أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي، فإياك أن ~~تخبري أحدا بهذا. قلت: وهذا ليس فيه أنه سبب نزول قوله (يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله لك) بل فيه أن الحديث الذي أسره صلى الله عليه وآله وسلم ~~هو هذا، فعلى فرض أن له إسنادا يصلح للاعتبار هو معارض بما سبق من تلك ~~الروايات الصحيحة، وهي ms4000 مقدمة عليه ومرجحة بالنسبة إليه. وأخرج ابن جرير ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (فقد صغت قلوبكما) قال: زاغت وأثمت. وأخرج ~~ابن المنذر عنه قال: مالت. وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن ~~أبيه في قوله (وصالح المؤمنين) قال: أبو بكر وعمر. وأخرج ابن عساكر عن ابن ~~مسعود مثله. # وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة من وجه آخر عنه ~~مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس مثله. وأخرج الحاكم عن أبي ~~أمامة مرفوعا مثله. وأخرج ابن أبي حاتم. قال السيوطي بسند ضعيف عن علي ~~مرفوعا قال: هو علي بن أبي طالب. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (وصالح المؤمنين) علي بن أبي طالب ~~". وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله (وصالح المؤمنين) قال: ~~هو علي بن أبي طالب. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن بريدة في قوله (ثيبات ~~وأبكارا) قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه أن يزوجه ~~بالثيب آسية امرأة فرعون، وبالبكر مريم بنت عمران. # سورة التحريم (6 - 8) قوله (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم) بفعل ما ~~أمركم به وترك ما نهاكم عنه (وأهليكم) بأمرهم بطاعة الله ونهيهم عن معاصيه ~~(نارا وقودها الناس والحجارة) أي نارا عظيمة تتوقد بالناس وبالحجارة كما ~~يتوقد غيرها بالحطب، وقد تقدم بيان هذا في سورة البقرة. قال مقاتل بن ~~سليمان: المعنى قوا أنفسكم وأهليكم بالأدب الصالح النار في الآخرة. وقال ~~قتادة ومجاهد: قو أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم. قال ابن جرير: ~~فعلينا أن نعلم أولادنا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب، ومن هذا ~~قوله - وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها - وقوله - وأنذر عشيرتك الأقربين - ~~(عليها ملائكة غلاظ شداد) أي على النار خزنة من الملائكة يلون أمرها وتعذيب ~~أهلها غلاظ على أهل النار شداد عليهم لا يرحمونهم إذا استرحموهم، لأن الله ~~سبحانه خلقهم من غضبه وحبب إليهم تعذيب خلقه، ms4001 وقيل المراد غلاظ القلوب شداد ~~الأبدان، وقيل غلاظ الأقوال شداد الأفعال، وقيل الغلاظ ضخام الأجسام، ~~والشداد الأقوياء (لا يعصون الله ما أمرهم) أي لا يخافونه في أمره، و " ما ~~" في (ما أمرهم) PageV05P253 # يجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف: أي لا يعصون الله الذي أمرهم به، ~~ويجوز أن تكون مصدرية: أي لا يعصون الله أمره على أن يكون ما أمرهم بدل ~~اشتمال من الاسم الشريف، أو على تقدير نزع الخافض: أي لا يعصون الله في ~~أمره (ويفعلون ما يؤمرون) أي يؤدونه في وقته من غير تراخ لا يؤخرونه عنه ~~ولا يقدمونه (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) أي يقال لهم هذا القول ~~عند إدخالهم النار تأبيسا لهم وقطعا لأطماعهم (إنما تجزون ما كنتم تعملون) ~~من الأعمال في الدنيا، ومثل هذا قوله - فاليوم لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ~~ولا هم يستعتبون - (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) أي ~~تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب عنه، وصفت بذلك على الإسناد المجازي، ~~وهو في الأصل وصف للتائبين أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم بالعزم على الترك ~~للذنب وترك المعاودة له. # والتوبة فرض على الأعيان. قال قتادة: التوبة النصوح الصادقة، وقيل ~~الخالصة. وقال الحسن: التوبة النصوح: أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه ~~إذا ذكره. وقال الكلبي: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، ~~والإقلاع بالبدن، والاطمئنان على أن لا يعود. وقال سعيد بن جبير: هي التوبة ~~المقبولة. # قرأ الجمهور " نصوحا " بفتح النون على الوصف للتوبة: أي توبة بالغة في ~~النصح، وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بضمها: أي توبة نصح لأنفسكم، ~~ويجوز أن يكون جمع ناصح، وأن يكون مصدرا: يقال نصح نصاحة ونصوحا. قال ~~المبرد: أراد توبة ذات نصح (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار) بسبب تلك التوبة، وعسى وإن كان أصلها للإطماع فهي ~~من الله واجبة، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويدخلكم معطوف على يكفر ~~منصوب بناصبه وبالنصب قرأ الجمهور، وقرئ ms4002 بالجزم عطفا على محل عسى كأنه قال: ~~توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم (يوم لا يخزي الله النبئ) الظرف متعلق ~~بيدخلكم: أي يدخلكم يوم لا يخزي الله النبي (والذين آمنوا معه) والموصول ~~معطوف على النبي، وقيل الموصول مبتدأ وخبره (نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم) والأول أولى وتكون جملة (نورهم يسعى) في محل نصب على الحال أو ~~مستأنفة لبيان حالهم، وقد تقدم في سورة الحديد أن النور يكون معهم حال ~~مشيهم على الصراط، وجملة (يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل ~~شئ قدير) في محل نصب على الحال أيضا، وعلى الوجه الآخر تكون خبرا آخر، وهذا ~~دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين كما تقدم بيانه وتفصيله. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب في قوله (قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا) قال: علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: اعملوا بطاعة الله ~~واتقوا معاصي الله وأمروا أهلكم بالذكر ينجيكم الله من النار. وأخرج عبد بن ~~حميد عنه في الآية قال: أدبوا أهليكم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد ~~الزهد عن أبي عمران الجوني قال: بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكب ~~أحدهم مسيرة مائة خريف ليس في قلوبهم رحمة إنما خلقوا للعذاب، يضرب الملك ~~منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحنا من لدن قرنه إلى قدمه. وأخرج ~~عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن منيع وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير أن عمر ابن الخطاب سئل عن التوبة ~~النصوح، قال: أن يتوب الرجل من العمل السئ ثم لا يعود إليه أبدا. وأخرج ~~أحمد PageV05P254 # وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " التوبة من الذنب أن يتوب ms4003 منه ثم لا يعود إليه أبدا " وفي ~~إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، والصحيح الموقوف كما أخرجه ~~موقوفا عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي. ~~وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: التوبة النصوح تكفر كل سيئة، وهو في ~~القرآن، ثم قرأ هذه الآية. وأخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في ~~قوله (يوم لا يخزي الله النبئ والذين آمنوا معه نورهم يسعى) الآية قال: ليس ~~أحد من الموحدين إلا يعطي نورا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، ~~والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق، فهو يقول: # (ربنا أتمم لنا نورنا). # سورة التحريم (9 - 12) قوله (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) أي ~~بالسيف والحجة، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة براءة (واغلظ عليهم) ~~أي شدد عليهم في الدعوة واستعمل الخشونة في أمرهم بالشرائع. قال الحسن: أي ~~جاهدهم بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجبات الحدود (ومأواهم ~~جهنم) أي مصيرهم إليها: يعني الكفار والمنافقين (وبئس المصير) أي المرجع ~~الذي يرجعون إليه (ضرب الله مثلا للذين كفروا) قد تقدم غير مرة أن لمثل قد ~~يراد به إيراد حالة غريبة يعرف بها حالة أخرى مماثلة لها في الغرابة: أي ~~جعل الله مثلا لحال هؤلاء الكفرة، وأنه لا يغني أحد عن أحد (امرأة نوح ~~وامرأة لوط) هذا هو المفعول الأول، ومثلا المفعول الثاني حسبما قدمنا ~~تحقيقه، وإنما أخر ليتصل به ما هو تفسير له وإيضاح لمعناه (كانتا تحت عبدين ~~من عبادنا صالحين) وهما نوح ولوط: أي كانتا في عصمة نكاحهما (فخانتاهما) أي ~~فوقعت منهما الخيانة لهما. قال عكرمة والضحاك: بالكفر وقيل كانت امرأة نوح ~~تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه، وقد وقع الإجماع ~~على أنه ما زنت امرأة نبي قط. وقيل كانت خيانتهما النفاق، وقيل خانتاهما ~~بالنميمة (فلم يغنيا عنهما من الله شيئا) أي فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب ~~كونهما زوجتين لهما شيئا من النفع ولا دفعا عنهما من عذاب ms4004 الله مع كرامتهما ~~على الله شيئا من الدفع (وقيل ادخلا النار مع الداخلين) أي وقيل لهما في ~~الآخرة، أو عند موتهما ادخلا النار مع الداخلين لها من أهل الكفر والمعاصي. ~~وقال يحيى بن سلام: ضرب الله مثلا للذين كفروا يحذر به عائشة وحفصة من ~~PageV05P255 # المخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين تظاهرتا عليه. وما أحسن ~~من قال، فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أن المراد ~~تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين، وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق ~~الله وخاتم رسله، فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئا، وقد عصمهما الله عن ~~ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة (وضرب الله مثلا ~~للذين آمنوا امرأة فرعون) الكلام في هذا كالكلام في المثل الذي قبله: أي ~~جعل الله حال امرأة فرعون مثلا لحال المؤمنين ترغيبا لهم في الثبات على ~~الطاعة والتمسك بالدين والصبر في الشدة، وأن صولة الكفر لا تضرهم كما لم ~~تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين وصارت بإيمانها بالله في جنات ~~النعيم (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) الظرف متعلق بضرب أو بمثلا: ~~أي ابن لي بيتا قريبا من رحمتك، أو في أعلى درجات المقربين منك، أو في مكان ~~لا يتصرف فيه إلا بإذنك وهو الجنة (ونجني من فرعون وعمله) أي من ذاته وما ~~يصدر عنه من أعمال الشر (ونجني من القوم الظالمين) قال الكلبي: هم أهل مصر. ~~وقال مقاتل: هم القبط. قال الحسن وابن كيسان: نجاها الله أكرم نجاة ورفعها ~~إلى الجنة فهي تأكل وتشرب (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها) معطوف على ~~امرأة فرعون: أي وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم ابنة عمران: أي حالها ~~وصفتها، وقيل إن الناصب لمريم فعل مقدر: أي واذكر مريم، والمقصود من ذكرها ~~أن الله سبحانه جمع لها بين كرامة الدنيا والآخرة واصطفاها على ms4005 نساء ~~العالمين مع كونها بين قوم كافرين (التي أحصنت فرجها) أي عن الفواحش، وقد ~~تقدم تفسير هذا في سورة النساء. قال المفسرون: المراد بالفرج هنا الجيب ~~لقوله (فنفخنا فيه من روحنا) وذلك أن جبريل نفخ في جيب درعها فحبلت بعيسى ~~(وصدقت بكلمات ربها) يعني شرائعه التي شرعها لعباده، وقيل المراد بالكلمات ~~هنا هو قول جبريل لها - إنما أنا رسول ربك - الآية. وقال مقاتل: يعني ~~بالكلمات عيسى. قرأ الجمهور " وصدقت " بالتشديد، وقرأ حمزة الأموي ويعقوب ~~وقتادة وأبو مجلز وعاصم في رواية عنه بالتخفيف. وقرأ الجمهور " بكلمات " ~~بالجمع، وقرأ الحسن ومجاهد والجحدري " بكلمة " بالإفراد. # وقرأ الجمهور (وكتابه) بالإفراد، وقرأ أهل البصرة وحفص " كتبه " بالجمع، ~~والمراد على قراءة الجمهور الجنس فيكون في معنى الجمع، وهي الكتب المنزلة ~~على الأنبياء (وكانت من القانتين) قال قتادة: من القوم المطيعين لربهم. ~~وقال عطاء: من المصلين، كانت تصلي بين المغرب والعشاء، ويجوز أن يراد ~~بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت منهم، وكانوا مطيعين أهل بيت صلاح ~~وطاعة، وقال: من القانتين ولم يقل من القانتات لتغليب الذكور على الإناث. # وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي ~~الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن ~~عباس في قوله (فخانتاهما) قال: ما زنتا: أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول ~~للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف فتلك ~~خيانتهما. وأخرج ابن المنذر عنه: قال ما بغت امرأة نبي قط، وقد رواه ابن ~~عساكر مرفوعا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب ~~بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في ~~الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة: # أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وأضجعها قد على صدرها وجعل على صدرها ~~رحى واستقبل بها عين الشمس، PageV05P256 # فرفعت رأسها إلى السماء، ف‍ (قالت رب ابن لي عندك بيتا من ms4006 الجنة) إلى ~~قوله (من الظالمين) ففرج الله لها عن بيتها في الحنة فرأته. وأخرج أحمد ~~والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ~~بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قص الله علينا من خبرها في ~~القرآن قالت (رب ابن لي عندك بيتا) " الآية. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ~~أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كمل من الرجال ~~كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وخديجة بنت ~~خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". وأخرج ~~وكيع في الغرر عن ابن عباس في قوله (ونجني من فرعون وعمله) قال: من جماعته. # تفسير سورة الملك وتسمى سورة تبارك، والواقية والمنجية، والمانعة، وهي ~~ثلاثون آية وهي مكية. قال القرطبي: في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة تبارك ~~الملك. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية ~~شفعت لرجل حتى غفر له (تبارك الذي بيده الملك) " قال الترمذي: # هذا حديث حسن. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " سورة في القرآن خاصمت ~~عن صاحبها حتى أدخلته الجنة (تبارك الذي بيده الملك) ". # وأخرج الترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل ~~عن ابن عباس قال: " ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خباءه على ~~قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ms4007 ~~وسلم: هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر ". قال الترمذي بعد ~~إخراجه: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " تبارك هي المانعة من عذاب القبر " ~~وأخرجه أيضا النسائي وصححه الحاكم. وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي ~~هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " أنزلت على سورة ~~تبارك، وهي ثلاثون آية جملة واحدة، وهي المانعة في القبور " أخرج عبد بن ~~حميد في مسنده والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل: ~~ألا أتحفك بحديث نفرح به؟ قال بلى: قال: اقرأ (تبارك الذي بيده الملك) ~~وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك. # إنها المنجية والمجادلة تجادل يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن ~~ينجيه الله من عذاب النار وينجو بها صاحبها من عذاب القبر. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي ". ~~PageV05P257 # قوله (تبارك الذي بيده الملك) تبارك تفاعل من البركة، والبركة النماء ~~والزيادة، وقيل تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين، وقيل دام فهو الدائم الذي ~~لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه. وقال الحسن: تبارك تقدس، وصيغة التفاعل ~~للمبالغة، واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء، والملك هو ملك السماوات والأرض ~~في الدنيا والآخرة فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع من يشاء ويضع من ~~يشاء، وقيل المراد بالملك ملك النبوة، والأول أولى، لأن الحمل على العموم ~~أكثر مدحا وأبلغ ثناء، ولا وجه للتخصيص (وهو على كل شئ قدير) أي بليغ ~~القدرة لا يعجزه شئ من الأشياء يتصرف في ملكه كيف يريد من إنعام وانتقام ~~ورفع ووضع وإعطاء ومنع (الذي خلق الموت والحياة) الموت انقطاع تعلق الروح ~~بالبدن ومفارقته له، والحياة تعلق الروح بالبدن واتصاله به، وقيل هي ما يصح ~~بوجوده الإحساس، وقيل ما يوجب كون الشئ حيا، وقيل المراد الموت في الدنيا ~~والحياة في الآخرة. # وقدم الموت على الحياة لأن أصل ms4008 الأشياء عدم الحياة، والحياة عارضة لها، ~~وقيل لأن الموت أقرب إلى القهر، وقال مقاتل: خلق الموت: يعني النطفة ~~والمضغة والعلقة، والحياة يعني خلقه إنسانا وخلق الروح فيه، وقيل خلق الموت ~~على صورة كبش لا يمر على شئ إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا تمر بشئ ~~إلا حي، قاله مقاتل والكلبي. وقد ورد في التنزيل - قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم - وقوله - ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة - وقوله - ~~توفته رسلنا - وقوله - الله يتوفى الأنفس حين موتها - وغير ذلك من الآيات ~~(ليبلوكم أيكم أحسن عملا) اللام متعلقة بخلق: أي خلق الموت والحياة ~~ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن عملا، PageV05P258 # فيجازيهم على ذلك، وقيل المعنى: ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا وأشد منه ~~خوفا، وقيل أيكم أسرع إلى طاعة الله، وأورع عن محارم الله. وقال الزجاج: ~~اللام متعلق بخلق الحياة، لا بخلق الموت. وقال الزجاج أيضا والفراء: # إن قوله " ليبلوكم لم يقع على أي، لأن فيما بين البلوى وأي إضمار فعل كما ~~تقول: بلوتكم لأنظر أيكم أطوع، ومثله قوله - سلهم أيهم بذلك زعيم - أي سلهم ~~ثم انظر أيهم، فأيكم في الآية مبتدأ وخبره أحسن، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ~~ما قبله، وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل لجميع أعمالهم المنقسمة ~~إلى الحسن والقبيح لا إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات ~~والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين (وهو العزيز) أي ~~الغالب الذي لا يغالب (الغفور) لمن تاب وأناب (الذي خلق سبع سماوات طباقا) ~~الموصول يجوز أن يكون تابعا للعزيز الغفور نعتا أو بيانا أو بدلا، وأن يكون ~~منقطعا عنه على أنه خبر مبتدإ محذوف، أو منصوب على المدح، وطباقا صفة لسبع ~~سماوات: أي بعضها فوق بعض، وهو جمع طبق نحو جبل وجبال، أو جمع طبقة نحو ~~رحبة ورحاب، أو مصدر طابق، يقال: طابق مطابقة وطباقا، ويكون على هذا الوجه ~~الوصف بالمصدر للمبالغة أو على حذف مضاف: أي ذات طباق، ويجوز أن يكون ~~منتصبا على ms4009 المصدرية بفعل محذوف أي طوبقت طباقا (ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت) هذه الجملة صفة ثانية لسبع سماوات أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح له، ومن مزيده ~~لتأكيد النفي. قرأ الجمهور " من تفاوت " وقرأ ابن مسعود وأصحابه وحمزة ~~والكسائي " تفوت " مشددا بدون ألف وهما لغتان. # كالتعاهد والتعهد، والتحامل والتحمل، والمعنى على القراءتين: ما ترى في ~~خلق الرحمن من تناقض ولا تباين ولا اعوجاج ولا تخالف، بل هي مستوية مستقيمة ~~دالة على خالقها، وإن اختلفت صورها وصفاتها فقد اتفقت من هذه الحيثية ~~(فارجع البصر هل ترى من فطور) الفطور: الشقوق والصدوع والخروق: أي أردد ~~طرفك حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة. أخبر أولا بأنه لا تفاوت في خلقه، ثم أمر ~~ثانيا بترديد البصر في ذلك لزيادة التأكيد وحصول الطمأنينة. قال مجاهد ~~والضحاك: الفطور الشقوق جمع فطر: وهو الشق. وقال قتادة: هل ترى من خلل. ~~وقال السدي: هل ترى من خروق، وأصله من التفطر والانفطار، وهو التشقق ~~والانشقاق، ومنه قول الشاعر: بنى لكم بلا عمد سماء * وزينها فما فيها فطور ~~* وقول الآخر: # شققت القلب ثم رددت فيه * هواك فليم فالتام الفطور (ثم ارجع البصر كرتين) ~~أي رجعتين مرة بعد مرة، وانتصابه على المصدر، والمراد بالتثنية التكثير كما ~~في لبيك وسعديك: أي رجعة بعد رجعة وإن كثرت. ووجه الأمر بتكرير النظر على ~~هذه الصفة أنه لا قد يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في ~~الثانية، ولهذا قال أولا (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ثم قال ثانيا ~~(فارجع البصر) ثم قال ثالثا (ثم ارجع البصر كرتين) فيكون ذلك أبلغ في إقامة ~~الحجة وأقطع للمعذرة (ينقلب إليك البصر خاسئا) أي يرجع إليك البصر ذليلا ~~صاغرا عن أن يرى شيئا من ذلك، وقيل معنى خاسئا: مبعدا مطرودا عن أن يبصر ما ~~التمسه من العيب، يقال: خسأت الكلب: أي أبعدته وطردته. قرأ الجمهور " ينقلب ~~" بالجزم جوابا للأمر. وقرأ الكسائي في رواية ms4010 بالرفع على الاستئناف (وهو ~~حسير) أي كليل منقطع. قال الزجاج: # أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا، وهو فعيل بمعنى فاعل من ~~الحسور، وهو الإعياء، يقال: حسر بصره يحسر حسورا: أي كل وانقطع، ومنه قول ~~الشاعر: PageV05P259 # نظرت إليها بالمحصب من منى * فعاد إلى الطرف وهو حسير (ولقد زينا السماء ~~الدنيا بمصابيح) بين سبحانه بعد خلق السماوات وخلوها من العيب والخلل أنه ~~زينها بهذه الزينة، فصارت في أحسن خلق وأكمل صورة وأبهج شكل، والمجئ بالقسم ~~لإبراز كمال العناية، والمصابيح جمع مصباح وهو السراج، وسميت الكواكب ~~مصابيح لأنها تضئ كإضاءة السراج وبعض الكواكب وإن كان في غير سماء الدنيا ~~من السماوات التي فوقها، فهي تتراءى كأنها كلها في سماء الدنيا لأن أجرام ~~السماوات لا تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراما صقيلة شفافة ~~(وجعلناها رجوما للشياطين) أي وجعلنا المصابيح رجوما يرجم بها الشياطين، ~~وهذه فائدة أخرى غير الفائدة الأولى وهي كونها زينة للسماء الدنيا، والمعنى ~~أنها يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو ~~في الأصل مصدر أطلق على المرجوم به كما في قولهم: الدرهم ضرب الأمير: أي ~~مضروبه، ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته ويقدر مضاف محذوف: أي ذات رجم، ~~وجمع المصدر باعتبار أنواعه. وقيل إن الضمير في قوله (وجعلناها) راجع إلى ~~المصابيح على حذف مضاف: أي شهبها، وهي نارها المقتبسة منها، لا هي أنفسها ~~لقوله - إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب - ووجه هذا أن المصابيح التي ~~زين الله بها السماء الدنيا لا تزول ولا يرجم بها، كذا قال أبو علي الفارسي ~~جوابا لمن سأله: كيف تكون المصابيح زينة وهي رجوم؟ قال القشيري: وأمثل من ~~قوله هذا أن نقول: هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين. قال قتادة: خلق الله ~~النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدي بها في البر ~~والبحر، فمن تكلم فيها بغير ذلك فقد تكلم فيما لا يعلم وتعدى وظلم، وقيل ~~معنى الآية: وجعلناها ظنونا لشياطين الإنس، ms4011 وهم المنجمون (وأعتدنا لهم عذاب ~~السعير) أي وأعتدنا للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب عذاب ~~السعير: أي عذاب النار، والسعير: أشد الحريق، يقال سعرت النار فهي مسعورة ~~(وللذين كفروا بربهم) من كفار بني آدم، أو من كفار الفريقين " عذاب جهنم " ~~قرأ الجمهور برفع " عذاب " على أنه مبتدأ وخبره " للذين كفروا ". وقرأ ~~الحسن والضحاك والأعرج بنصبه عطفا على " عذاب السعير " (وبئس المصير) ما ~~يصيرون إليه، وهو جهنم (إذا ألقوا فيها) أي طرحوا فيها كما يطرح الحطب في ~~النار (سمعوا لها شهيقا) أي صوتا كصوت الحمير عند أول نهيقها، وهو أقبح ~~الأصوات، وقوله " لها " في محل نصب على الحال: أي كائنا لها، لأنه في الأصل ~~صفة، فلما قدمت صارت حالا. وقال عطاء: الشهيق هو من الكفار عند إلقائهم في ~~النار، وجملة (وهي تفور) في محل نصب على الحال: أي والحال أنها تغلي بهم ~~غليان المرجل، ومنه قول حسان: # تركتم قدركم لا شئ فيه * وقدر الغير حامية تفور (تكاد تميز من الغيظ) أي ~~تكاد تتقطع وينفصل بعضها من بعض من تغيظها عليهم. قال ابن قتيبة: تكاد تنشق ~~غيظا على الكفار. قرأ الجمهور " تميز " بتاء واحدة مخففة، والأصل تتميز ~~بتاءين. وقرأ طلحة بتاءين على الأصل. # وقرأ البزي عن ابن كثير بتشديدها بإدغام إحدى التاءين في الأخرى. وقرأ ~~الضحاك " تمايز " بالألف وتاء واحدة والأصل تتمايز، وقرأ زيد بن علي " تميز ~~" من ماز يميز، والجملة في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر ~~آخر لمبتدأ، وجملة (كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها) مستأنفة لبيان حال ~~أهلها، أو في محل نصب على الحال من فاعل تميز، والفوج الجماعة من الناس: أي ~~كلما ألقى في جهنم جماعة من الكفار سألهم خزنتها من الملائكة سؤال توبيخ ~~وتقريع (ألم يأتكم) في الدنيا (نذير) ينذركم هذا اليوم ويحذركم منه، وجملة ~~(قالوا بلى قد PageV05P260 # جاءنا نذير) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قالوا بعد هذا ~~السؤال، فقال: قالوا بلى قد جاءنا نذير فأنذرنا وخوفنا وأخبرنا ms4012 بهذا اليوم ~~(فكذبنا) ذلك النذير (وقلنا ما نزل الله من شئ) من الأشياء على ألسنتكم (إن ~~أنتم إلا في ضلال كبير) أي في ذهاب عن الحق وبعد عن الصواب، والمعنى أنه ~~قال: كل فوج من تلك الأفواج حاكيا لخزنة جهنم ما قاله لمن أرسل إليه: ما ~~أنتم أيها الرسل فيم تدعون أن الله نزل عليكم آيات تنذرونا بها إلا في ذهاب ~~عن الحق وبعد عن الصواب كبير لا يقادر قدره. ثم حكى عنهم مقالة أخرى قالوها ~~بعد تلك المقالة فقال (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) ~~أي لو كنا نسمع ما خاطبنا به الرسل، أو نعقل شيئا من ذلك ما كنا في عداد ~~أهل النار، ومن جملة من يعذب بالسعير وهم الشياطين كما سلف. قال الزجاج: # لو كنا نسمع سمع من يعي أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار، ~~فلما اعترفوا هذا الاعتراف قال الله سبحانه (فاعترفوا بذنبهم) الذي استحقوا ~~به عذاب النار، وهو الكفر وتكذيب الأنبياء (فسحقا لأصحاب السعير) أي فبعدا ~~لهم من الله ومن رحمته. وقال سعيد بن جبير وأبو صالح: هو واد في جهنم يقال ~~له السحق. قرأ الجمهور " فسحقا " بإسكان الحاء. وقرأ الكسائي وأبو جعفر ~~بضمها، وهما لغتان مثل السحت والرعب. قال الزجاج وأبو علي الفارسي: فسحقا ~~منصوب على المصدر: أي أسحقهم الله سحقا. قال أبو علي الفارسي: وكان القياس ~~إسحاقا فجاء المصدر على الحذف، واللام في (لأصحاب السعير) للبيان كما في.. ~~هيت لك -. # وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله (سبع سماوات طباقا) قال: بعضها ~~فوق بعض. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت) قال: ما تفوت بعضه بعضا تفاوتا مفرقا. # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا في قوله (من تفاوت) ~~قال: من تشقق، وفي قوله (هل ترى من فطور) قال: شقوق، وفي قوله (خاسئا) قال: ~~ذليلا (وهو حسير) كليل. ms4013 وأخرج ابن جرير عنه أيضا. قال: الفطور الوهى. وأخرج ~~ابن المنذر عنه أيضا (من فطور) قال: من تشقق أو خلل، وفي قوله (ينقلب إليك ~~البصر) قال: يرجع إليك (خاسئا) قال: صاغرا (وهو حسير) قال: معي ولا يرى ~~شيئا. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا خاسئا قال: ذليلا (وهو حسير) قال: ~~عي مرتجع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (تكاد ~~تميز) قال: تتفرق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا (تكاد) تميز قال: ~~يفارق بعضا بعض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(فسحقا) قال: بعدا، الملك (12 - 21) PageV05P261 # قوله (إن الذين يخشون ربهم بالغيب) لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال أهل ~~النار ذكر أهل الجنة، وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول: أي غائبين عنه، أو ~~غائبا عنهم، والمعنى: أنهم يخشون عذابه ولم يروه فيؤمنون به خوفا من عذابه، ~~ويجوز أن يكون المعنى: يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن أعين الناس وذلك في ~~خلواتهم، أو أو المراد بالغيب كون العذاب غائبا عنهم لأنهم في الدنيا، وهو ~~إنما يكون يوم القيامة فتكون الباء على هذا سببية (لهم مغفرة) عظيمة يغفر ~~الله بها ذنوبهم (وأجر كبير) وهو الجنة، ومثل هذه الآية قوله - من خشي ~~الرحمن بالغيب -. ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال (وأسروا قولكم أو ~~اجهروا به) هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الإسرار والجهر بالنسبة ~~إلى علم الله سبحانه، والمعنى: إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكل ذلك يعلمه الله لا يخفى عليه منه خافية، ~~وجملة (إنه عليم بذات الصدور) تعليل للاستواء المذكور، وذات الصدور هي ~~مضمرات القلوب، والاستفهام في قوله (ألا يعلم من خلق) للإنكار:، والمعنى: ~~ألا يعلم السر ومضمرات القلوب من خلق ذلك وأوجده، فالموصول عبارة عن ~~الخالق، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق، وفي يعلم ضمير يعود إلى الله: أي ~~ألا يعلم الله المخلوق الذي هو من جملة خلقه، فإن الإسرار ms4014 والجهر ومضمرات ~~القلوب من جملة خلقه، وجملة (وهو اللطيف الخبير) في محل نصب على الحال من ~~فاعل يعلم: أي الذي لطف علمه بما في القلوب، الخبير بما تسره وتضمره من ~~الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية. ثم أمتن سبحانه على عباده فقال (هو ~~الذي جعل لكم الأرض ذلولا) أي سهلة لينة تستقرون عليها و، لم يجعلها خشنة ~~بحيث يمتنع عليكم السكون فيها والمشي عليها، والذلول في الأصل: هو المنقاد ~~الذي يذل لك ولا يستصعب عليك " والمصدر الذل، والفاء في قوله (فامشوا في ~~مناكبها) لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور، والأمر للإباحة. قال ~~مجاهد: والكلبي ومقاتل: مناكبها طرقها وأطرافها وجوانبها. وقال قتادة وشهر ~~بن حوشب: مناكبها جبالها، وأصل المنكب الجانب، ومنه منكب الرجل. ومنه الريح ~~النكباء، لأنها تأتي من جانب دون جانب (وكلوا من رزقه) أي مما رزقكم وخلقه ~~لكم في الأرض (وإليه النشور) أي وإليه البعث من قبوركم، لا إلى غيره، وفي ~~هذا وعيد شديد. ثم خوف سبحانه الكفار. فقال (أأمنتم من في السماء أن يخسف ~~بكم الأرض) قال الواحدي: قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء، وقيل من ~~في السماء: # قدرته وسلطانه وعرشه وملائكته، وقيل من في السماء من الملائكة، وقيل ~~المراد جبريل، ومعنى (أن يخسف بكم الأرض) يقلعها ملتبسة بكم كما فعل بقارون ~~بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون في مناكبها، وقوله (أن يخسف) بدل اشتمال من ~~الموصول: أي أأمنتم خسفه، أو على حذف من: أي من أن يخسف (فإذا هي تمور) أي ~~تضطرب وتتحرك على خلاف ما كانت عليه من السكون. قرأ الجمهور " أأمنتم " ~~بهمزتين، وقرأ البصريون والكوفيون بالتخفيف، وقرأ ابن كثير بقلب الأولى ~~واوا. ثم كرر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر فقال (أم أمنتم من في السماء أن ~~يرسل عليكم حاصبا) أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب ~~الفيل، وقيل سحاب فيها حجارة، PageV05P262 # وقيل ريح فيها حجارة (فستعلمون كيف نذير) أي إنذاري إذا عاينتم العذاب ~~ولا ينفعكم هذا العلم، وقيل النذير هنا ms4015 محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قاله ~~عطاء والضحاك. والمعنى: ستعلمون رسولي وصدقه، والأول أولى. # والكلام (في أن يرسل عليكم حاصبا) كالكلام في (أن يخسف بكم الأرض) فهو ~~إما بدل اشتمال، أو بتقدير من (ولقد كذب الذين من قبلهم) أي الذين قبل كفار ~~مكة من كفار الأمم الماضية. كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة ~~وأصحاب الرس وقوم فرعون (فكيف كان نكير) أي فكيف كان إنكاري عليهم بما ~~أصبتهم به من العذاب الفظيع أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات) الهمزة ~~للاستفهام والواو للعطف على مقدر: # أي أغفلوا ولم ينظروا، ومعنى (صافات) أنها صافة لأجنحتها في الهواء ~~وتبسيطها عند طيرانها (ويقبضن) أي يضممن أجنحتهن. قال النحاس: يقال للطائر ~~إذا بسط جناحه صاف، وإذا ضمها قابض كأنه يقبضها، وهذا معنى الطيران، وهو ~~بسط الجناح وقبضه بعد البسط، ومنه قول أبي خراش: # يبادر جنح الليل فهو مزايل * تحت الجناح بالتبسط والقبض وإنما قال ~~(ويقبضن) ولم يقل قابضات كما قال صافات، لأن القبض يتجدد تارة فتارة، وأما ~~البسط فهو الأصل، كذا قيل. وقيل إن معنى (ويقبضن) قبضهن لأجنحتهن عند ~~الوقوف من الطيران، لا قبضها في حال الطيران، وجملة (ما يمسكهن إلا الرحمن) ~~في محل نصب على الحال من فاعل يقبضن، أو مستأنفة لبيان كمال قدرة الله ~~سبحانه، والمعنى: أنه ما يمسكهن في الهواء عند الطيران إلا الرحمن القادر ~~على كل شئ (إنه بكل شئ بصير) لا يخفى عليه شئ كائنا ما كان (أمن هذا الذي ~~هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والمعنى أنه ~~لا جند لكم يمنعكم من عذاب الله، والجند الحزب والمنعة. قرأ الجمهور " أمن ~~" هذا بتشديد الميم على إدغام ميم أم في ميم من، وأم بمعنى بل، ولا سبيل ~~إلى تقدير الهمزة بعدها كما هو الغالب في تقدير أم المنقطعة ببل والهمزة، ~~لأن بعدها هنا من الاستفهامية فأعنت عن ذلك التقدير، ومن الاستفهامية ~~مبتدأ، واسم الإشارة خبره، والموصول مع صلته صفة اسم الإشارة، وينصركم صفة ~~لجند، ومن ms4016 دون الرحمن في محل نصب على الحال من فاعل ينصركم، والمعنى: بل من ~~هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم متجاوزا نصر الرحمن: وقرأ طلحة بن ~~مصرف بتخفيف الأولى وتثقيل الثانية، وجملة (إن الكافرون إلا في غرور) ~~معترضة مقررة لما قبلها ناعية عليهم ما هم فيه من الضلال، والمعنى: ما ~~الكافرون إلا في غرور عظيم من جهة الشيطان يغرهم به (أمن هذا الذي يرزقكم ~~إن أمسك رزقه) الكلام في هذا كالكلام في الذي قبله قراءة وإعرابا: أي من ~~الذي يدر عليكم الأرزاق من المطر وغيره إن أمسك الله ذلك عنكم ومنعه عليكم ~~(بل لجوا في عتو ونفور) أي لم يتأثروا لذلك، بل تمادوا في عناد واستكبار عن ~~الحق ونفور عنه ولم يعتبروا ولا تفكروا، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله ~~عليه: # أي إن أمسك رزقه فمن يرزقكم غيره، والعتو العناد والطغيان، والنفور ~~الشرود. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس (إن الذين يخشون ربهم بالغيب) قال: أبو ~~بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة ابن الجراح، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في ~~قوله (في مناكبها) قال: جبالها. وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال: أطرافها. ~~وأخرج الطبراني وابن عدي والبيهقي في الشعب والحكيم الترمذي عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله يحب العبد المؤمن ~~المحترف ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بل لجوا في عتو ونفور) ~~قال: في ضلال. PageV05P263 # سورة الملك (22 - 30) ضرب سبحانه مثلا للمشرك والموحد لإيضاح حالهما ~~وبيان مآلهما، فقال (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى) والمكب والمنكب: الساقط ~~على وجهه، يقال كببته فأكب وانكب، وقيل هو الذي يكب رأسه فلا ينظر يمينا ~~ولا شمالا ولا أماما فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه. وقيل أراد به ~~الأعمى الذي لا يهتدى إلى الطريق فلا يزال مشيه ينكسه على وجهه. قال قتادة: ~~هو الكافر يكب على معاصي الله في الدنيا فيحشره الله يوم القيامة على وجهه. ~~والهمزة للاستفهام الإنكاري: أي ms4017 هل هذا الذي يمشي على وجهه أهدى إلى المقصد ~~الذي يريده (أمن يمشي سويا) معتدلا ناظرا إلى ما بين يديه (على صراط ~~مستقيم) أي على طريق مستوى لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، وخبر من محذوف ~~لدلالة خبر من الأولى وهو أهدى عليه، وقيل لا حاجة إلى ذلك، لأن من الثانية ~~معطوفة على من الأولى عطف المفرد على المفرد، كقولك أزيد قائم أم عمرو؟ ~~وقيل أراد بمن يمشي مكبا على وجهه من يحشر على وجهه إلى النار، ومن يمشي ~~سويا من يحشر على قدميه إلى الجنة، وهو كقول قتادة الذي ذكرناه، ومثله قوله ~~- ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم - قل هو الذي أنشأكم - أمر سبحانه رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بأن الله هو الذي أنشأهم النشأة الأولى ~~(وجعل) لهم (السمع) ليسمعوا به (والأبصار) ليبصروا بها، ووجه إفراد السمع ~~مع جمع الأبصار أنه مصدر يطلق على القليل والكثير، وقد قدمنا بيان هذا في ~~مواضع مع زيادة في البيان (والأفئدة) القلوب التي يتفكرون بها في مخلوقات ~~الله، فذكر سبحانه ها هنا أنه قد جعل لهم ما يدركون به المسموعات والمبصرات ~~والمعقولات إيضاحا للحجة وقطعا للمعذرة وذما لهم على عدم شكر نعم الله، ~~ولهذا قال (قليلا ما تشكرون) وانتصاب قليلا على أنه نعت مصدر محذوف، وما ~~مزيدة للتأكيد: أي شكرا قليلا أو زمانا قليلا، وقيل أراد بقلة الشكر عدم ~~وجوده منهم. قال مقاتل: يعنى أنكم لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه (قل هو ~~الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون) أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بأن يخبرهم أن الله هو الذي خلقهم في الأرض ونشرهم فيها وفرقهم على ظهرها ~~وأن حشرهم للجزاء إليه لا إلى غيره. ثم ذكر سبحانه أنهم يستعجلون العذاب ~~فقال (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) أي متى هذا الوعد الذي ~~تذكرونه لنا من PageV05P264 # الحشر والقيامة والنار والعذاب إن كنتم صادقين في ذلك، والخطاب منهم ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمن معه من المؤمنين، ms4018 وجواب الشرط محذوف، ~~والتقدير إن كنتم صادقين فأخبرونا به أو فبينوه لنا، وهذا منهم استهزاء ~~وسخرية. ثم لما قالوا هذا القول أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يجيب عليهم فقال (قل إنما العلم عند الله) أي إن وقت قيام الساعة ~~علمه عند الله لا يعلمه غيره، ومثله قوله - قل إنما علمها عند ربي - ثم ~~أخبرهم أنه مبعوث للإنذار لا للإخبار بالغيب فقال (وإنما أنا نذير مبين) ~~أنذركم وأخوفكم عاقبة كفركم وأبين لكم ما أمرني الله ببيانه. ثم ذكر الله ~~سبحانه حالهم عند معاينة العذاب فقال (فلما رأوه زلفة) يعنى رأوا العذاب ~~قريبا، وزلفة مصدر بمعنى الفاعل: أي مزدلفا أو حال من مفعول رأوا بتقدير ~~مضاف: أي ذا زلفة وقرب، أو ظرف: أي رأوه في مكان ذي زلفة. قال مجاهد: أي ~~قريبا. وقال الحسن: عيانا. قال أكثر المفسرين: # المراد عذاب يوم القيامة، وقال مجاهد: المراد عذاب بدر، وقيل رأوا ما ~~وعدوا به من الحشر قريبا منهم كما يدل عليه قوله (وإليه تحشرون) وقيل لما ~~رأوا عملهم السئ قريبا (سيئت وجوه الذين كفروا) أي اسودت وعلتها الكآبة ~~وغشيتها الذلة، يقال ساء الشئ يسوء فهو سئ إذا قبح. قال الزجاج: المعنى ~~تبين فيها السوء: أي ساءهم ذلك العذاب فظهر عليهم بسببه في وجوههم ما يدل ~~على كفرهم كقوله - يوم تبيض وجوه وتسود وجوه -. # قرأ الجمهور بكسر السين بدون إشمام، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وابن ~~محيصن بالإشمام (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) أي قيل لهم توبيخا وتقريعا ~~هذا المشاهد الحاضر من العذاب هو العذاب الذي كنتم به تدعون في الدنيا: أي ~~تطلبونه وتستعجلون به استهزاء، على أن معنى تدعون الدعاء. قال الفراء: ~~تدعون تفتعلون من الدعاء: # أي تتمنون وتسألون، وبهذا قال الأكثر من المفسرين. وقال الزجاج: هذا الذي ~~كنتم به تدعون الأباطيل والأحاديث. وقيل معنى تدعون: تكذبون، وهذا على ~~قراءة الجمهور " تدعون " بالتشديد، فهو إما من الدعاء كما قال الأكثر، أو ~~من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه، ms4019 والمعنى: أنهم كانوا يدعون أنه لا بعث ~~ولا حشر ولا جنة ولا نار. وقرأ قتادة وابن أبي إسحاق ويعقوب والضحاك: تدعون ~~مخففا، ومعناها ظاهر. قال قتادة: # هو قولهم - ربنا عجل لنا قطنا - وقال الضحاك: هو قولهم - اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء - الآية. قال النحاس: ~~تدعون وتدعون بمعنى واحد كما تقول قدر واقتدر. وغدا واغتدى، إلا أن أفعل ~~معناه مضى شيئا بعد شئ، وفعل يقع على القليل والكثير (قل أرأيتم إن أهلكني ~~الله ومن معي) أي أخبروني إن أهلكني الله بموت أو قتل، ومن معي من المؤمنين ~~(أو رحمنا) بتأخير ذلك إلى أجل، وقيل المعنى: # إن أهلكني الله ومن معي بالعذاب، أو رحمنا فلم يعذبنا (فمن يجير الكافرين ~~من عذاب أليم) أي فمن يمنعهم ويؤمنهم من العذاب. والمعنى: أنه لا ينجيهم من ~~ذلك أحد سواء أهلك الله ورسوله والمؤمنين معه كما كان الكفار يتمنونه، أو ~~أمهلهم. وقيل المعنى: إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء، فمن يجيركم مع ~~كفركم من العذاب، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر، وبيان أنه ~~السبب في عدم نجاتهم (قل هو الرحمن آمنا به) وحده، لا نشرك به شيئا (وعليه ~~توكلنا) لا على غيره، والتوكل: تفويض الأمور إليه عز وجل (فستعلمون من هو ~~في ضلال مبين) منا ومنكم، وفي هذا تهديد شديد مع إخراج الكلام مخرج ~~الإنصاف. قرأ الجمهور " ستعلمون " بالفوقية على الخطاب. وقرأ الكسائي ~~بالتحتية على الخبر، ثم احتج سبحانه عليهم ببعض نعمه، وخوفهم بسلب تلك ~~النعمة عنهم فقال (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا) أي أخبروني إن صار ماؤكم ~~غائرا في الأرض بحيث لا يبقى له وجود فيها أصلا، أو صار ذاهبا في الأرض إلى ~~مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء. يقال PageV05P265 # غار الماء غورا: أي نضب، والغور الغائر، وصف بالمصدر للمبالغة، كما يقال ~~رجل عدل، وقد تقدم مثل هذا في سورة الكهف (فمن يأتيكم بماء معين) أي ظاهر ~~تراه العيون، وتناله الدلاء، وقيل هو من معن ms4020 الماء: # أي كثر. وقال قتادة والضحاك: أي جار، وقد تقدم معنى المعين في سورة ~~المؤمن. وقرأ ابن عباس " فمن يأتيكم بماء عذب ". # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (أفمن يمشي مكبا) قال: في الضلالة ~~(أمن يمشي سويا) قال: # مهتديا. وأخرج الخطيب في تاريخه وابن النجار عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هذه ~~الآية (هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) ~~". وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه، وليقرأ هاتين الآيتين ~~سبع مرات - وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع - إلى يفقهون - و ~~(هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) فإنه ~~يبرأ بإذن الله ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (إن أصبح ماؤكم ~~غورا) قال: داخلا في الأرض (فمن يأتيكم بماء معين) قال: الجاري. وأخرج ابن ~~المنذر عنه (إن أصبح ماؤكم غورا) قال: يرجع في الأرض: # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (بماء معين) قال: ~~ظاهر. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا (بماء معين) قال عذب. # تفسير سورة ن هي اثنتان وخمسون آية وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر. وروى عن ابن عباس وقتادة أن من أولها إلى قوله (سنسمه على الخرطوم) ~~مكي، ومن بعد ذلك إلى قوله (من الصالحين) مدني، وباقيها مكي كذا قال ~~الماوردي: # وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت ~~بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء، وكان أول ما نزل من القرآن " اقرأ باسم ~~ربك " ثم نون، ثم المزمل، ثم المدثر. وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي ~~عنه قال: نزلت سورة ن بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة مثله. سورة ن (1 - ~~11) PageV05P266 # سورة ن (12 - 16) قوله (ن) قرأ أبو بكر وورش وابن عامر ms4021 والكسائي وابن ~~محيصن وابن هبيرة بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو، وقرأ الباقون ~~بالإظهار، وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل. وقرأ ابن عامر ~~ونضر وابن إسحاق بكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وقرأ ~~محمد بن السميفع وهارون بضمها على البناء. قال مجاهد ومقاتل والسدي: هو ~~الحوت الذي يحمل الأرض وبه قال مرة الهمذاني وعطاء الخراساني والكلبي. وقيل ~~إن نون آخر حرف من حروف الرحمن. وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله به. وقال ~~ابن كيسان: # هو فاتحة السورة. وقال عطاء وأبو العالية: هي النون من نصر وناصر. قال ~~محمد بن كعب: أقسم الله تعالى بنصره المؤمنين، وقيل هو حرف من حروف الهجاء، ~~كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفنتحة بذلك، وقد عرفناك ما هو الحق في ~~مثل هذه الفواتح في أول سورة البقرة، والواو في قوله (والقلم) واو القسم، ~~أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان وهو واقع على كل قلم يكتب به، وقال ~~جماعة من المفسرين: المراد به القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، أقسم الله ~~به تعظيما له. قال قتادة: القلم من نعمة الله على عباده (وما يسطرون) ما ~~موصولة: # أي والذي يسطرون، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره، لأن ~~ذكر آلة الكتابة تدل على الكاتب. والمعنى: والذي يسطرون: أي يكتبون كل ما ~~يكتب، أو الحفظة على ما تقدم. ويجوز أن تكون ما مصدرية: أي وسطرهم، وقيل ~~الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى ~~العقلاء، وجواب القسم قوله (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) ما نافية، وأنت ~~اسمها، وبمجنون خبرها. قال الزجاج: أنت هو اسم ما، وبمجنون خبرها، وقوله ~~(بنعمة ربك) كلام وقع في الوسط: أي انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال ~~أنت بحمد الله عاقل، قيل الباء متعلقة بمضمر هو حال، كأنه قيل أنت برئ من ~~الجنون ملتبسا بنعمة الله التي هي النبوة والرياسة العامة. وقيل الباء ~~للقسم: أي وما أنت ونعمة ربك ms4022 بمجنون. وقيل النعمة هنا الرحمة، والآية رد ~~على الكفار حيث قالوا - يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون - (وإن لك ~~لأجرا أي ثوابا على ما تحملت من أثقال النبوة، وقاسيت من أنواع الشدائد ~~(غير ممنون) أي غير مقطوع، يقال مننت الحبل إذا قطعته. وقال مجاهد: غير ~~ممنون غير محسوب، وقال الحسن: غير ممنون غير مكدر بالمن. وقال الضحاك: # أجرا بغير عمل، وقيل غير مقدر، وقيل غير ممنون به عليك من جهة الناس ~~(وإنك لعلى خلق عظيم) قيل هو الإسلام والدين، حكى هذا الواحدي على ~~الأكثرين. وقيل هو القرآن، روى هذا عن الحسن والعوفي. وقال قتادة: هو ما ~~كان يأتمر به من أمر الله وينتهى عنه من نهى الله. قال الزجاج: المعنى إنك ~~على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، وقيل هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم، ~~وقيل المعنى: إنك على طبع كريم. قال الماوردي: وهذا هو الظاهر، وحقيقة ~~الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب. وقد ثبت في الصحيح عن ~~عائشة أنها سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: كان خلقه ~~القرآن، وهذه الجملة والتي قبلها معطوفتان على جملة جواب القسم (فستبصر ~~ويبصرون) أي ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحق وانكشف الغطاء وذلك ~~يوم القيامة (بأيكم المقتون) الباء زائدة للتأكيد: أي أيكم المفتون ~~بالجنون، كذا قال الأخفش وأبو عبيدة وغيرهما، ومثله قول الشاعر: ~~PageV05P267 # نحن بنو جعدة أصحاب العلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج وقيل ليست الباء ~~زائدة، والمفتون مصدر جاء على مفعول، كالمعقول والميسور، والتقدير: بأيكم ~~الفتون أو الفتنة، ومنه قول الشاعر الراعي: # حتى إذا لم يتركوا لعظامه * لحما ولا لفؤاده معقولا أي عقلا. وقال ~~الفراء: إن الباء بمعنى في: أي في أيكم المفتون، أفي الفريق الذي أنت فيه، ~~أم في الفريق الآخر؟ # ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة في أيكم المفتون، وقيل الكلام على حذف ~~مضاف: أي بأيكم فتن المفتون، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، روى هذا ~~عن الأخفش أيضا. ms4023 وقيل المفتون المعذب، من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا ~~أحميته، ومنه قوله - يوم هم على النار يفتنون -، وقيل المفتون هو الشيطان، ~~لأنه مفتون في دينه، والمعنى: بأيكم الشيطان. وقال قتادة: هذا وعيد لهم ~~بعذاب يوم بدر، والمعنى: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم ~~المفتون، وجملة (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) تعليل للجملة التي قبلها، ~~فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل ~~والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما، والمعنى: هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~الموصل إلى سعادة الدارين (وهو أعلم بالمهتدين) إلى سبيله الموصل إلى تلك ~~السعادة الآجلة والعاجلة، فهو مجاز كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا ~~فشر (فلا تطع المكذبين) نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين، وهم رؤساء كفار ~~مكة، لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه، فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض ~~بغيره عن أن يطيع الكفار، أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما ~~في الضمير، فنهاه الله عن ذلك كما يدل عليه قوله (ودوا لو تدهن فيدهنون) ~~فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة. # قال الفراء: المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي. وقال الضحاك ~~والسدي: ودوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر. وقال الربيع بن أنس: ودوا لو ~~تكذب فيكذبون. وقال قتادة: ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك. وقال ~~الحسن: ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك. وقال مجاهد: ودوا لو تركن إليهم ~~وتترك ما أنت عليه من الحق فيما يلونك. قال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن ~~يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا الله مدة، وقوله " فيدهنون " عطف على تدهن داخل ~~في حيز لو، أو هو خبر مبتدإ محذوف: أي فهم يدهنون. قال سيبويه: وزعم قالون ~~أنها في بعض المصاحف " ودوا لو تدهن فيدهنوا " بدون نون، والنصب على جواب ~~التمني المفهوم من ودوا، والظاهر من اللغة في معنى الإدهان هو ما ذكرناه ~~أولا (ولا تطع كل حلاف) أي كثير الحلف بالباطل (مهين) فعيل ms4024 من المهانة، وهي ~~القلة في الرأي والتمييز. وقال مجاهد: هو الكذاب. وقال قتادة: # المكثار في الشر، وكذا قال الحسن. وقيل هو الفاجر العاجز، وقيل هو الحقير ~~عند الله، وقيل هو الذليل، وقيل هو الوضيع (هماز مشاء بنميم) الهماز ~~المغتاب للناس. قال ابن زيد: هو الذي يهمز بأخيه، وقيل الهماز الذي يذكر ~~الناس فئ وجوههم، واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم، كذا قال أبو العالية ~~والحسن وعطاء بن أبي رباح، وقال مقاتل عكس هذا. والمشاء بنميم: الذي يمشي ~~بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال نم ينم: # إذا سعى بالفساد بين الناس، ومنه قول الشاعر: # ومولى كبيت النمل لا خير عنده * لمولاه إلا سعيه بنميم وقيل النميم جمع ~~نميمة (مناع للخير) أي بخيل بالمال لا ينفقه في وجهه، وقيل هو الذي يمنع ~~أهله وعشيرته عن PageV05P268 # الإسلام. قال الحسن: يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشئ أبدا ~~(معتد أثيم) أي متجاوز الحد في الظلم كثير الإثم (عتل) قال الواحدي: ~~المفسرون يقولون هو الشديد الخلق الفاحش الخلق. وقال الفراء: # هو الشديد الخصومة في الباطل. وقال الزجاج: هو الغليظ الجافي. وقال ~~الليث: هو الأكول المنوع، يقال عتلت الرجل أعتله: إذا جذبته جذبا عنيفا، ~~ومنه قول الشاعر: نقرعه قرعا ولسنا نعتله (بعد ذلك زنيم) أي هو بعد ما عد ~~من معايبه زنيم، والزنيم هو الدعي الملصق بالقوم وليس هو منهم، مأخوذ من ~~الزنمة المتدلية في حلق الشاة، أو الماعز، ومنه قول حسان: # زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الأديم الأكارع وقال سعيد بن ~~جبير: الزنيم المعروف بالشر، وقيل هو رجل من قريش كان له زنمة كزنمة الشاة، ~~وقيل هو المظلوم (أن كان ذا مال وبنين) متعلق بقوله " لا تطع " أي لا تطع ~~من هذه مثالبه لكونه ذا مال وبنين. قال الفراء والزجاج: أي لأن كان، ~~والمعنى: لا تطعه لماله وبنيه. قرأ ابن عامر وأبو جعفر والمغيرة وأبو حيوة ~~" أن كان " بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ حمزة وأبو بكر والمفضل ~~" أأن ms4025 كان ": بهمزتين مخففتين، وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر، وعلى ~~قراءة الاستفهام يكون المراد به التوبيخ والتقريع حيث جعل مجازاة النعم ~~التي خوله الله من المال والبنين أن كفر به وبرسوله. وقرأ نافع في رواية ~~عنه بكسر الهمزة على الشرط، وجملة (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين) مستأنفة جارية مجرى التعليل للنهي، وقد تقدم معنى أساطير الأولين ~~في غير موضع (سنسمه على الخرطوم) أي سنسمه بالكي على خرطومه. قال أبو عبيدة ~~وأبو زيد والمبرد: الخرطوم الأنف. قال مقاتل: سنسمه بالسواد على الأنف، ~~وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار. قال الفراء: والخرطوم وإن كان قد خص ~~بالسمة فإنه في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدى عن بعض. قال الزجاج سيجعل ~~له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم. وقال قتادة: ~~سنلحق به شيئا لا يفارقه، واختار هذا ابن قتيبة، قال: والعرب تقول: قد وسمه ~~ميسم سوء يريدون ألصق به عارا لا يفارقه، فالمعنى: أن الله ألحق به عارا لا ~~يفارقه كالوسم على الخرطوم، وقيل معنى سنسمه: سنحطمه بالسيف. وقال النضر بن ~~شميل: المعنى سنحده على شرب الخمر، وقد يسمى الخمر بالخرطوم ومنه قول ~~الشاعر: # تظل يومك في لهو وفي طرب * وأنت بالليل شراب الخراطيم وقد أخرج عبد ~~الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في ~~الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: ~~إن أول شئ خلقه الله القلم، فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟ قال: # اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى ~~الكتاب ورفع القلم، وكان عرشه على الماء، فارتفع بخار الماء ففتقت منه ~~السماوات، ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب ~~النون فمادت الأرض، فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم ~~القيامة، ثم قرأ ابن عباس ms4026 (نون والقلم وما يسطرون). وأخرج ابن أبي شيبة ~~وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة بن الصامت سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن أول ما خلق الله القلم. فقال له ~~اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد ". وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرة ~~عن أبيه مرفوعا نحوه. وأخرج ابن PageV05P269 # جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون، وهي الدواة وخلق ~~القلم، فقال اكتب، قال وما أكتب؟ قال: اكتب ماهر كائن إلى يوم القيامة. ~~وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. وأخرج عبد ابن حميد وابن ~~المنذر عن ابن عباس قال: ن الدواة. وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " النون السمكة التي عليها قرار الأرضين، ~~والقلم الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره وضره ونفعه (وما يسطرون) ~~قال: الكرام الكاتبون ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم ~~وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله (وما يسطرون) قال: ما يكتبون. وأخرج عبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (وما يسطرون) قال: وما ~~يعلمون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن ~~مردويه عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ ~~القرآن (إنك لعلى خلق عظيم). # وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عنها قالت " ما كان أحد ~~أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ~~ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله (وإنك لعلى خلق عظيم) " ~~وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال " ~~سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كان خلقه ~~القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ". وأخرج ابن أبي شيبة ms4027 والترمذي وصححه وابن ~~مردويه عن أبي عبد الله الجدلي قال " قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالت: لم يكن فاحشا ولا متفاحشا، ولا صحابا في ~~الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ". وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (فستبصر ويبصرون) قال: تعلم ويعلمون يوم القيامة (بأيكم ~~المفتون) قال الشيطان، كانوا يقولون إنه شيطان وإنه مجنون. وأخرج ابن جرير ~~عنه في الآية قال: بأيكم المجنون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في قوله (ودوا لو تدهن فيدهنون) يقول: لو ترخص لهم فيرخصون. وأخرج ابن ~~مردويه عنه أيضا (ولا تطع كل حلاف مهين) الآية قال: يعني الأسود بن عبد ~~يغوث. # وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال " قال مروان لما بايع الناس ~~ليزيد: سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن ابن أبي بكر: إنها ليست بسنة أبي ~~بكر وعمر ولكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزل فيه - والذي قال ~~لوالديه أف لكما - الآية، قال: فسمعت ذلك عائشة فقالت: إنها لم تنزل في عبد ~~الرحمن، ولكن نزل في أبيك (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم) ". وأخرج ~~ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال " نزل على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم) فلم نعرف حتى نزل عليه بعد ~~ذلك زنيم، فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: العتل هو الدعي، والزنيم هو المريب ~~الذي يعرف بالشر. وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عنه قال: الزنيم: هو الدعي. ~~وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عنه أيضا قال: ~~الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~قال: هو الرجل يمر على القوم، فيقولون رجل سوء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله (زنيم) قال: ظلوم، وقد قيل إن هذه الآيات ms4028 نزلت في ~~الأخنس بن شريق، وقيل في الوليد بن المغيرة. PageV05P270 # سورة ن (17 - 33) قوله (إنا بلوناهم) يعني كفار مكة، فإن الله ابتلاهم ~~بالجوع والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، والابتلاء ~~الاختبار، والمعنى: أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا، فلما بطروا ~~ابتليناهم بالجوع والقحط (كما بلونا أصحاب الجنة) المعروف خبرهم عندهم، ~~وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حق الله منها، ~~فمات وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها. قال ~~الواحدي: # هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ~~ونخيل وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شئ حظا للمساكين عند الحصاد والصرام، ~~فقالت بنوه: المال قليل، والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل ~~أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله في كتابه. ~~قال الكلبي: # كان بينهم وبين صنعاء فرسخان بتلاهم الله بأن حرق جنتهم. وقيل هي جنة ~~كانت بصوران، وصوران على فراسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع ~~عيسى بيسير (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين) أي حلفوا ليقطعنها داخلين في وقت ~~الصباح، والصرم القطع للثمر والزرع، وانتصاب " مصبحين " على الحال من فاعل ~~ليصرمنها، والكاف في " كما بلونا " نعت مصدر محذوف: أي بلوناهم ابتلاء كما ~~بلونا، وما مصدرية، أو بمعنى الذي، وإذ ظرف لبلونا منتصب به، وليصرمنها ~~جواب القسم (ولا يستثنون) يعنى ولا يقولون إن شاء الله، وهذه الجملة ~~مستأنفة لبيان ما وقع منهم، أو حال. وقيل المعنى: ولا يستثنون للمساكين من ~~جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم، قاله عكرمة (فطاف عليها طائف ~~من ربك وهم نائمون) أي طاف على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه، والطائف ~~قيل هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء، كذا قال مقاتل: وقيل الطائف جبريل ~~اقتلعها، وجملة (وهم نائمون) في محل نصب على الحال (فأصبحت كالصريم) أي ~~كالشئ الذي صرمت ثماره: أي قطعت، فعيل بمعنى مفعول. وقال الفراء: كالصريم ~~كالليل ms4029 المظلم، ومنه قول الشاعر: # تطاول ليلك الجون الصريم * فما ينجاب عن صبح بهيم والمعنى: أنها حرقت ~~فصارت كالليل الأسود قال: والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة. وقال الأخفش: ~~PageV05P271 # أي كالصبح انصرم من الليل، يعنى أنها يبست وابيضت. وقال المبرد: الصريم ~~الليل، والصريم النهار: أي ينصرم هذا عن هذا، وذاك عن هذا، وقيل سمى الليل ~~صريما لأنه يقطع بظلمته عن التصرف. وقال المؤرج: # الصريم الرملة لأنها لا يثبت عليها شئ ينتفع به. وقال الحسن: صرم منها ~~الخير: أي قطع (فتنادوا مصبحين) أي نادى بعضهم بعضا داخلين في الصباح. قال ~~مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض (أن اغدوا على حرثكم) و " أن " في قوله " ~~أن اغدوا " هي المفسرة لأن في التنادي معنى القول، أو هي المصدرية: أي بأن ~~اغدوا، والمراد اخرجوا غدوة، والمراد بالحرث الثمار والزرع (إن كنتم ~~صارمين) أي قاصدين للصرم، والغدو يتعدى بإلى وعلى، فلا حاجة إلى تضمينه ~~معنى الإقبال كما قيل، وجواب الشرط محذوف: أي إن كنتم صارمين فاغدوا، وقيل ~~معنى صارمين ماضين في العزم، من قولك سيف صارم (فانطلقوا وهم يتخافتون) أي ~~ذهبوا إلى جنتهم وهم يسرون الكلام بينهم لئلا يعلم أحد بهم، يقال خفت يخفت: ~~إذا سكن ولم ينبس، ومنه قول دريد بن الصمة: # وإني لم أهلك ملالا ولم أمت * خفاتا وكلا ظنه بي عويمر وقيل المعنى: ~~يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم، فيقصدوهم كما كانوا يقصدون أباهم وقت ~~الحصاد، والأول أولى لقوله (أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) فإن أن هي ~~المفسرة للتخافت المذكور لما فيه من معنى القول والمعنى: يسر بعضهم إلى بعض ~~هذا القول، وهو لا يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين، فيطلب منكم أن تعطوه ~~منها ما كان يعطيه أبوكم (وغدوا على حرد قادرين) الحرد يكون بمعنى المنع ~~والقصد. قال قتادة ومقاتل والكلبي والحسن ومجاهد: الحرد هنا بمعنى القصد، ~~لأن القاصد إلى الشئ حارد يقال: حرد يحرد إذا قصد، تقول: حردت حردك: أي ~~قصدت قصدك، ومنه قول الراجز: # أقبل سيل جاء من عند ms4030 الله * يحرد حرد الجنة المحله وقال أبو عبيدة ~~والمبرد والقتيبي: على حرد على منع، من قولهم حردت الإبل حردا: إذا قلت ~~ألبانها، والحرود من النوق هي القليلة اللبن. وقال السدي وسفيان والشعبي ~~(على حرد) على غضب، ومنه قول الشاعر: # إذا جياد الخيل جاءت تردى * مملوءة من غضب وحرد وقول الآخر: تساقوا على ~~حرد دماء الأساود ومنه قيل أسد حارد. وروى عن قتادة ومجاهد أيضا أنهما ~~قالا: على حرد: أي على حسد. وقال الحسن أيضا: على حاجة وفاقة. وقيل على ~~حرد: على انفراد، يقال حرد يحرد حردا أو حرودا: إذا تنحى عن قومه ونزل ~~منفردا عنهم ولم يخالطهم، وبه قال الأصمعي وغيره. # وقال الأزهري: حرد اسم قريتهم، وقال السدي: اسم جنتهم. قرأ الجمهور " حرد ~~" بسكون الراء. وقرأ أبو العالية وابن السميفع بفتحها، وانتصاب (قادرين) ~~على الحال. قال الفراء: ومعنى قادرين: قد قدروا أمرهم وبنوا عليه، وقال ~~قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبي: يعنى قادرين على ~~المساكين (فلما رأوها) أي لما رأوا جنتهم وشاهدوا ما قد حل بها من الآفة ~~التي أذهبت ما فيها (قالوا إنا لضالون) أي قال بعضهم لبعض: قد ضللنا طريق ~~جنتنا وليست هذه، ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن الله سبحانه قد ~~عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع قالوا (بل نحن محرومون) أي حرمنا ~~جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، فأضربوا عن ~~قولهم الأول إلى هذا القول، وقيل معنى قولهم (إنا لضالون) أنهم ضلوا عن ~~الصواب بما وقع منهم (قال أوسطهم) أي أمثلهم وأعقلهم وخيرهم (ألم أقل لكم ~~لولا تسبحون) أي هلا PageV05P272 # تسبحون: يعني تستثنون، وسمى الاستثناء تسبيحا، لأنه تعظيم لله وإقرار به، ~~وهذا يدل على أن أوسطهم كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه، وقال مجاهد وأبو ~~صالح وغيرهما: كان استثناؤهم تسبيحا. قال النحاس: أصل التسبيح التنزيه لله ~~عز وجل، فجعل التسبيح في موضع إن شاء الله. وقيل المعنى: هلا تستغفرون الله ~~من فعلكم وتتوبون إليه من هذه النية ms4031 التي عزمتم عليها، وكأن أوسطهم قد قال ~~لهم ذلك، فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة على تلك الصفة (قالوا سبحان ~~ربنا إنا كنا ظالمين) أي تنزيها له عن أن يكون ظالما فيما صنع بجنتنا، فإن ~~ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه، وقيل معنى تسبيحهم الاستغفار: أي نستغفر ربنا ~~من ذنبنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين (فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون) أي يلوم بعضهم بعضا في منعهم للمساكين وعزمهم على ذلك، ثم نادوا ~~على أنفسهم بالويل حيث (قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين) أي عاصين متجاوزين ~~حدود الله بمنع الفقراء وترك الاستثناء. قال ابن كيسان: أي طغينا نعم الله ~~فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل، ثم رجعوا إلى الله وسألوه أن يعوضهم ~~بخير منها فقالوا (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها) لما اعترفوا بالخطيئة ~~رجوا من الله عز وجل أن يبدلهم جنة خيرا من جنتهم، قيل إنهم تعاقدوا فيما ~~بينهم وقالوا إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا، فدعوا الله ~~وتضرعوا فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها. قرأ الجمهور " يبدلنا " ~~بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو وأهل المدينة بالتشديد، وهما لغتان، والتبديل ~~تغيير ذات الشئ، أو تغيير صفته، والإبدال رفع الشئ جملة ووضع آخر مكانه، ~~كما مضى في سورة سبأ (إنا إلى ربنا راغبون) أي طالبون منه الخير راجون ~~لعفوه راجعون إليه وعدى بإلى وهو إنما يتعدى بعن أو في لتضمينه معنى الرجوع ~~(كذلك العذاب) أي مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به وبلونا أهل مكة عذاب ~~الدنيا، والعذاب مبتدأ مؤخر، وكذلك خبره (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون) أي أشد وأعظم لو كان المشركون يعلمون أنه كذلك ولكنهم لا يعلمون. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (كما بلونا أصحاب الجنة) قال: ~~هم ناس من الحبشة كان لأبيهم جنة وكان يطعم منها المساكين، فمات أبوهم فقال ~~بنوه: أن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين (فأقسموا (ليصر منها مصبحين) ~~وأن لا يطعموا مسكينا. وأخرج ابن ms4032 جرير عنه (فطاف عليها طائف) قال: أمر من ~~الله وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إياكم والمعصية، فإن العبد ليذنب ~~الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب فيحرم به قيام ~~الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له. ثم تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم (فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت ~~كالصريم) قد حرموا خير جنهم بذنبهم ". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (كالصريم) قال: مثل ~~الليل الأسود. وأخرج ابن المنذر عنه (وهم يتخافتون) قال: الإسرار والكلام ~~الخفي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا (على حرد قادرين) يقول ذو ~~قدرة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (إنا لضالون) قال: ~~أضللنا مكان جنتنا. وأخرجا عنه أيضا (قال أوسطهم) قال: أعدلهم. PageV05P273 # سورة ن (40 - 52) لما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار، وتشبيه ابتلائهم ~~بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة ذكر حال المتقين وما أعده لهم من الخير، فقال ~~(إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم) أي المتقين ما يوجب سخطه من الكفر ~~والمعاصي عنده عز وجل في الدار الآخرة جنات النعيم الخالص الذي لا يشوبه ~~كدر ولا ينغصه خوف زوال (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) الاستفهام للإنكار، ~~وكان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها، ~~فلما سمعوا بذكر الآخرة، وما يعطى الله المسلمين فيها قالوا: إن صح ما ~~يزعمه محمد لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، فقال الله مكذبا ~~لهم رادا عليهم: أفنجعل المسلمين الآية، والفاء للعطف على مقدر كنظائره. ثم ~~وبخهم الله، فقال (ما لكم كيف تحكمون) هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء ~~مفوض إليكم تحكمون فيه بما شئتم (أم لكم كتاب فيه تدرسون) أي تقرؤون فيه ~~فتجدون المطيع كالعاصي، ومثل هذا قوله تعالى ms4033 - أم لكم سلطان مبين فأتوا ~~بكتابكم - ثم قال سبحانه (إن لكم فيه لما تخيرون) قرأ الجمهور بكسر إن على ~~أنها معمولة لتدرسون: أي تدرسون في الكتاب (إن لكم فيه لما تخيرون) فلما ~~دخلت اللام كسرت الهمزة كقوله: علمت إنك لعاقل بالكسر، أو على الحكاية ~~للمدروس، كما في قوله - وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين - ~~وقيل قد تم الكلام عند قوله (تدرسون) ثم ابتدأ فقال (إن لكم فيه لما ~~تخيرون) أي ليس لكم ذلك، وقرأ طلحة بن مصرف والضحاك " أن لكم " بفتح الهمزة ~~على أن العامل فيه تدرسون مع زيادة لام التأكيد ومعنى (تخيرون) تختارون ~~وتشهون. ثم زاد سبحانه في التوبيخ فقال (أم لكم أيمان علينا بالغة) أي عهود ~~مؤكدة موثقة متناهية، والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم بها في أن ~~يدخلكم الجنة، وقوله (إلى يوم القيامة) متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم ~~إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى يحكمكم يومئذ، وجواب القسم قوله (إن ~~لكم لما تحكمون) لأن معنى (أم لكم أيمان) أي أم أقسمنا لكم. قال الرازي: ~~والمعنى أم ضمنا لكم وأقسمنا لكم PageV05P274 # بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد. وقيل قد تم الكلام عند قوله (إلى يوم ~~القيامة) ثم ابتدأ فقال (إن لكم لما تحكمون) أي ليس الأمر كذلك. قرأ ~~الجمهور " بالغة " بالرفع على النعت لأيمان، وقرأ الحسن وزيد بن علي بنصبها ~~على الحال من أيمان، لأنها قد تخصصت بالوصف، أو من الضمير في لكم أو من ~~الضمير في علينا (سلهم أيهم بذلك زعيم) أي سل يا محمد الكفار موبخا لهم ~~ومقرعا أيهم بذلك الحكم الخارج عن الصواب كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما ~~للمسلمين فيها. وقال ابن كيسان: الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى. وقال ~~الحسن: الزعيم الرسول (أم لهم شركاء) يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم ~~فيه (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) فيما يقولون وهو أمر تعجيز، وجواب ~~الشرط محذوف، وقيل المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة ~~(يوم يكشف ms4034 عن ساق) يوم ظرف لقوله فليأتوا: أي فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق، ~~ويجوز أن يكون ظرفا لفعل مقدر: أي أذكر يوم يكشف. قال الواحدي: قال ~~المفسرون في قوله (عن ساق) عن شدة من الأمر. قال ابن قتيبة: أصل هذا أن ~~الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه، فيستعار الكشف ~~عن الساق في موضع الشدة، وأنشد لدريد بن الصمة: # كميش الإزار خارج نصف ساقه * صبور على الجلاء طلاع أنجد وقال: وتأويل ~~الآية يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق. قال أبو ~~عبيدة: إذا اشتد الحرب والأمر قيل كشف الأمر عن ساقه، والأصل فيه من وقع في ~~شئ يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه، فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدة، ~~وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها، ومن ذلك ~~قول الشاعر: # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقول ~~آخر: والخيل تعدو عند وقت الاشراق * وقامت الحرب بنا على ساق * وقول آخر ~~أيضا: # قد كشفت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا وقول آخر أيضا في سنة: # قد كشفت عن ساقها حمرا * ءتبرى اللحم عن عراقها وقيل ساق الشئ: أصله ~~وقوامه كساق الشجرة، وساق الإنسان: أي يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه، ~~وقيل يكشف عن ساق جهنم، وقيل عن ساق العرش، وقيل هو عبارة عن القرب، وقيل ~~يكشف الرب سبحانه عن نوره، وسيأتي في آخر البحث ما هو الحق، وإذا جاء نهر ~~الله بطل نهر معقل. قرأ الجمهور " يكشف " بالتحية مبنيا للمفعول، وقرأ ابن ~~مسعود وابن عباس وابن أبي عبلة " تكشف " بالفوقية مبنيا للفاعل: # أي الشدة أو الساعة، وقرئ بالفوقية مبنيا للمفعول، وقرئ بالنون، وقرئ ~~بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر: أي دخل في الكشف (ويدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون) قال الواحدي: قال المفسرون: # يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن ms4035 ~~يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود. قال الربيع بن ~~أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان أمن بالله في الدنيا فيسجدون له، ويدعى ~~الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، ~~وانتصاب (خاشعة أبصارهم) على الحال من ضمير يدعون، وأبصارهم مرتفع به على ~~الفاعلية، ونسبة الخشوع إلى الأبصار، وهو الخضوع PageV05P275 # والذلة لظهور أثره فيها (ترهقهم ذلة) أي تغشاهم ذلة شديدة وحسرة وندامة ~~(وقد كانوا يدعون إلى السجود) أي في الدنيا (وهم سالمون) أي معافون عن ~~العلل متمكنون من الفعل. قال إبراهيم التيمي: يدعون بالأذان والإقامة ~~فيأبون. وقال سعيد بن جبير: يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون. قال كعب ~~الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقيل ~~يدعون بالتكليف المتوجه عليهم بالشرع فلا يجيبون، وجملة (وهم سالمون) في ~~محل نصب على الحال من ضمير يدعون (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) أي حل بيني ~~وبينه وكل أمره إلى فأنا أكفيكه. قال الزجاج: معناه لا يشتغل به قلبك، كله ~~إلى فأنا أكفيك أمره. والفاء لترتيب ما بعدها من الأمر على ما قبلها، و " ~~من " منصوب بالعطف على ضمير المتكلم أو على أنه مفعول معه، والمراد بهذا ~~الحديث القرآن، قاله السدى. وقيل يوم القيامة، وفي هذا تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وجملة (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) مستأنفة لبيان ~~كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله " ذرني ومن يكذب بهذا الحديث "، ~~والضمير عائد إلى من باعتبار معناها، والمعنى: سنأخذهم بالعذاب على غفلة ~~ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج، ~~لأنهم يظنونه إنعاما ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته. قال سفيان ~~الثوري: يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر. وقال الحسن: كم من مستدرج ~~بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. ~~والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال، ويقال استدرج فلان ~~فلانا: أي استخرج ما عنده قليلا ms4036 قليلا، ويقال درجة إلى كذا واستدرجه: يعنى ~~أدناه إلى التدريج فتدرج هو. ثم ذكر سبحانه أنه يمهل الظالمين فقال (وأملى ~~لهم) أي أمهلهم ليزدادوا إثما، وقد مضى تفسير هذا في سورة الأعراف والطور، ~~وأصل الملاوة المدة من الدهر، يقال أملي الله له: أي أطال له المدة، ~~والملا: مقصور الأرض الواسعة، سميت به لامتدادها (إن كيدي متين) أي قوي ~~شديد فلا يفوتني شئ، وسمى سبحانه إحسانه كيدا كما سماه استدراجا لكونه في ~~صورة الكيد باعتبار عاقبته ووصفه بالمتانة لقوة أثره في التسبب للهلاك (أم ~~تسألهم أجرا) أعاد سبحانه الكلام إلى ما تقدم من قوله - أم لهم شركاء - أي ~~أم تلتمس منهم ثوابا على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله (فهم من مغرم ~~مثقلون) المغرم الغرامة: أي فهم من غرامة ذلك الأجر، ومثقلون: أي يثقل ~~عليهم حمله لشحهم ببذل المال، فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب، والاستفهام ~~للتوبيخ والتقريع لهم، والمعنى: أنك لم تسألهم ذلك ولم تطلبه منهم (أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون) أي اللوح المحفوظ، أو كل ما غاب عنهم، فهم من ذلك ~~الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون أنها تدل على قولهم ويخاصمونك ~~بما يكتبونه من ذلك ويحكمون لأنفسهم بما يريدون ويستغنون بذلك عن الإجابة ~~لك والامتثال لما تقوله (فاصبر لحكم ربك) أي لقضائه الذي قد قضاه في سابق ~~علمه، قيل والحكم هنا هو إمهالهم وتأخير نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عليهم، وقيل هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة، قيل وهذا منسوخ بآية ~~السيف (ولا تكن كصاحب الحوت) يعنى يونس عليه السلام: أي لا تكن مثله في ~~الغضب والضجر والعجلة والظرف في قوله (إذ نادى) منصوب بمضاف محذوف: أي لا ~~تكن حالك كحالة وقت ندائه، وجملة (وهو مكظوم) في محل نصب على الحال من فاعل ~~نادى، والمكظوم المملوء غيظا وكربا. قال قتادة: إن الله يعزى نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ويأمره بالصبر ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدم بيان ~~قصته في ms4037 سورة الأنبياء ويونس والصافات، وكان النداء منه بقوله - لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين - PageV05P276 # وقيل إن المكظوم: المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس. قاله المبرد، وقيل هو ~~المحبوس، والأول أولى، ومنه قول ذي الرمة: # وأنت من حب مى مضمر حزنا * عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم (لولا أن تداركه ~~نعمة من ربه) أي لولا أن تدارك صاحب الحوت نعمة من الله وهي توفيقه للتوبة ~~فتاب الله عليه (لنبذ بالعراء) أي لألقى من بطن الحوت على وجه الأرض ~~الخالية من النبات (وهو مذموم) أي يذم ويلام بالذنب الذي أذنبه ويطرد من ~~الرحمة، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير نبذ. قال الضحاك: # النعمة هنا النبوة. وقال سعيد بن جبير: عبادته التي سلفت. وقال ابن زيد، ~~هي نداؤه بقوله - لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين - وقيل مذموم ~~مبعد. وقيل مذنب. قرأ الجمهور " تداركه " على صيغة الماضي، وقرأ الحسن وابن ~~هرمز والأعمش بتشديد الدال، والأصل تتداركه بتاءين مضارعا فأدغم، وتكون هذه ~~القراءة على حكاية الحال الماضية، وقرأ أبي وابن مسعود وابن عباس " تداركته ~~" بتاء التأنيث (فاجتباه ربه) أي استخلصه واصطفاه واختاره للنبوة (فجعله من ~~الصالحين) أي الكاملين في الصلاح وعصمه من الذنب، وقيل رد إليه النبوة ~~وشفعه في نفسه وفي قومه وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون كما تقدم (وإن يكاد ~~الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم) إن هي المخففة من الثقيلة. قرأ الجمهور " ~~ليزلقونك " بضم الياء من أزلقه: أي أزل رجله، يقال أزلقه عن موضعه إذا ~~نحاه، وقرأ نافع وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه: إذا تنحى. قال ~~الهروي: أي فيغتالونك بعيونهم فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة ~~لك، وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ومجاهد وأبو وائل " ليرهقونك " أي ~~يهلكونك. وقال الكلبي " يزلقونك " أي يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ ~~الرسالة، وكذا قال السدى وسعيد بن جبير. وقال النضر بن شميل والأخفش: ~~يفتنونك. وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك. قال الزجاج في الآية مذهب أهل ~~اللغة ms4038 والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون ينظرهم نظر البغضاء أن ~~يصرعوك، وهذا مستعمل في الكلام، يقول القائل نظر إلى نظرا يكاد يصرعني، ~~ونظرا يكاد يأكلني. قال ابن قتيبة: ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم كما ~~يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن ~~نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، كما قال الشاعر: # يتعارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزيل مواطئ الأقدام (لما سمعوا ~~الذكر) أي وقت سماعهم للقرآن لكراهتهم لذلك أشد كراهة، ولما ظرفية منصوبة ~~بيزلقونك، وقيل هي حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لما سمعوا ~~الذكر كادوا يزلقونك (ويقولون إنه مجنون) أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه ~~يقرأ القرآن، فرد الله عليهم بقوله (وما هو إلا ذكر للعالمين) والجملة ~~مستأنفة، أو في محل نصب على الحال من فاعل يقولون: أي والحال أنه تذكير ~~وبيان لجميع ما يحتاجون إليه، أو شرف لهم كما قال سبحانه - وإنه لذكر لك ~~ولقومك - وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنه مذكر ~~للعالمين أو شرف لهم. # وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان ~~يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا " وهذا ~~الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ في بغضها طول، وهو ~~PageV05P277 # حديث مشهور معروف. وأخرج ابن منده عن أبي هريرة في الآية قال: يكشف الله ~~عز وجل عن ساقه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن منده عن ابن مسعود في ~~الآية قال: يكشف عن ساقه تبارك وتعالى، وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن ~~المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه وابن عساكر عن أبي ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية قال " عن تور عظيم فيخرون ~~له سجدا ". وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن منده والبيهقي عن إبراهيم ~~النخعي عن ms4039 ابن عباس في الآية قال: يكشف عن أمر عظيم، ثم قال: قد قامت الحرب ~~على ساق. قال: وقال ابن مسعود: يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن، ويقسو ظهر ~~الكافر فيصير عظما واحدا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ~~(يوم يكشف عن ساق) قال: إذا خفى عليكم شئ من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ~~ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر: # وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس: هذا يوم كرب شديد، روى عنه نحو ~~هذا من طرق أخرى، وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيما ولا ~~تشبيها فليس كمثله شئ. # دعوا كل قول عند قول محمد * فما آمن في دينه كمخاطر وأخرج ابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) قال: هم الكفار ~~يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون. وأخرج البيهقي في ~~الشعب عنه في الآية قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. وأخرج ابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا في قوله (ليزلقونك بأبصارهم) ~~قال: ينفذونك بأبصارهم. # تفسير سورة الحاقة هي إحدى وخمسون آية، وقيل اثنتان وخمسون وهي مكية. قال ~~القرطبي: في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ~~ابن عباس قال: نزلت سورة الحاقة بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير ~~مثله. وأخرج الطبراني عن أبي برزة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يقرأ في الفجر بالحاقة ونحوها ". # سورة الحاقة (1 - 9) PageV05P278 # قوله (الحاقة) هي القيامة، لأن الأمر يحق فيها، وهي تحق في نفسها من غير ~~شك. قال الأزهري: يقال حاققته فحققته أحقه غالبته فغلبته أغلبه فالقيامة ~~حاقة لأنها تحاق كل محاق في دين الله بالباطل وتخصم كل مخاصم. وقال في ~~الصحاح: حاقه أي خاصمه في صغار الأشياء، ويقال ماله ms4040 فيها حق ولا حقاق ولا ~~خصومة، والتحاق التخاصم، والحاقة والحقة والحق ثلاث لغات بمعنى. قال ~~الواحدي: هي القيامة في قول كل المفسرين، وسميت بذلك لأنها ذات الحواق من ~~الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة ~~الوقوع والوجود. قال الكسائي والمؤرج: الحاقة يوم الحق، وقيل سميت بذلك لأن ~~كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله، وقيل سميت بذلك لأنها أحقت لقوم النار، ~~وأحقت لقوم الجنة، وهي مبتدأ وخبرها قوله (ما الحاقة) على أن ما ~~الاستفهامية مبتدأ ثان وخبره الحاقة، والجملة خبر للمبتدأ الأول، والمعنى: ~~أي شئ هي في حالها أو صفاتها، وقيل إن ما الاستفهامية خبر لما بعدها، وهذه ~~الجملة وإن كان لفظها لفظ الاستفهام فمعناها التعظيم والتفخيم لشأنها كما ~~تقول: زيد ما زيد، وقد قدمنا تحقيق هذا المعنى في سورة الواقعة. ثم زاد ~~سبحانه في تفخيم أمرها وتفظيع شأنها وتهويل حالها فقال (وما أدراك ما ~~الحاقة) أي أي شئ أعلمك ما هي؟ أي كأنك لست تعلمها إذا لم تعانيها وتشاهد ~~ما فيها من الأهوال فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين. قال يحيى بن ~~سلام: # بلغني أن كل شئ في القرآن، وما أدراك. فقد أدراه إياه وعلمه، وكل شئ قال ~~فيه وما يدريك فإنه أخبره به، وما مبتدأ، وخبره أدراك، وما الحاقة جملة من ~~مبتدأ وخبر محلها النصب بإسقاط الخافض، لأن أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني ~~بالباء كما في قوله - ولا أدراكم به - فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له ~~كانت في موضع المفعول الثاني، وبدون الهمزة يتعدى إلى مفعول واحد بالباء ~~نحو دريت بكذا، وإن كان بمعنى العلم تعدى إلى مفعولين، وجملة وما أدراك ~~معطوفة على جملة ما الحاقة (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) أي بالقيامة، وسميت ~~بذلك لأنها تقرع الناس بأهوالها. وقال المبرد: عنى بالقارعة القرآن الذي ~~نزل في الدنيا على أنبيائهم، وكانوا يخوفونهم بذلك فيكذبونهم، وقيل القارعة ~~مأخوذة من القرعة لأنها ترفع أقواما وتحط آخرين، والأول أولى، ويكون وضع ~~القارعة موضع ضمير الحاقة للدلالة على عظيم هو ms4041 لها وفظاعة حالها والجملة ~~مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقة (فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية) ثمود هم قوم ~~صالح، وقد تقدم بيان هذا في غير موضع وبيان منازلهم وأين كانت، والطاغية ~~الصحيحة التي جاوزت الحد، وقيل بطغيانهم وكفرهم، وأصل الطغيان مجاوزة الحد ~~(وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر) عاد هم قوم هود، وقد تقدم بيان هذا، وذكر ~~منازلهم، وأين كانت في غير موضع، والريح الصرصر هي الشديدة البرد، مأخوذ من ~~الصر وهو البرد، وقيل هي الشديدة الصوت. وقال مجاهد: الشديدة PageV05P279 # السموم، والعاتية التي عنت عن الطاعة فكأنها عتت على خزانها، فلم تطعهم ~~ولم يقدروا على ردها لشدة هبوبها، أوعتت على عاد فلم يقدروا على ردها، بل ~~أهلكتهم (سخرها عليهم سبع ليال) هذه الجملة مستأنفة لبيان كيفية إهلاكهم، ~~ومعنى سخرها سلطها، كذا قال مقاتل، وقيل أرسلها، وقال الزجاج: أقامها عليهم ~~كما شاء، والتسخير: استعمال الشئ بالاقتدار، ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة ~~لريح، وأن تكون حالا منها لتخصيصها بالصفة، أو من الضمير في عاتية (وثمانية ~~أيام) معطوف على سبع ليال، وانتصاب (حسوما) على الحال: أي ذات حسوم، أو على ~~المصدر بفعل مقدر: أي تحسمهم حسوما، أو على أنه مفعول به، والحسوم التتابع، ~~فإذا تتابع الشئ ولم ينقطع أوله عن آخره قيل له الحسوم. قال الزجاج: الذي ~~توجبه اللغة في معنى قوله حسوما: # أي تحسمهم حسوما تفنيهم وتذهبهم. قال النضر بن شميل: حسمتهم قطعتهم ~~وأهلكتهم. وقال الفراء: الحسوم الاتباع، من حسم الداء وهو الكي، لأن صاحبه ~~يكوى بالمكواة، ثم يتابع ذلك عليه ومنه قول أبي دؤاد: # يفرق بينهم زمن طويل * تتابع فيه أعواما حسوما وقال المبرد: هو من قولك ~~حسمت الشئ: إذا قطعته وفصلته عن غيره، وقيل الحسم الاستئصال، ويقال للسيف ~~حسام لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته، والمعنى: أنها حسمتهم: أي ~~قطعتهم وأذهبتهم، ومنه قول الشاعر: # فأرسلت ريحا دبورا عقيما * فدارت عليهم فكانت حسوما قال ابن زيد: أي ~~حسمتهم فلم تبق منهم أحدا. وروى عنه أنه قال: حسمت الأيام والليالي حتى ~~استوفتها، ms4042 لأنها بدأت بطلوع الشمس من أول يوم وانقطعت بغروب الشمس من آخر ~~يوم. وقال الليث: الحسوم هي الشؤم: أي تحسم الخير عن أهلها، كقوله - في ~~أيام نحسات -. # واختلف في أولها، فقيل غداة الأحد، وقيل غداة الجمعة، وقيل غداة ~~الأربعاء. قال وهب: وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز، كان ~~فيها برد شديد وريح شديدة، وكان أولها يوم الأربعاء، وآخرها يوم الأربعاء ~~(فترى القوم فيها صرعى) الخطاب لكل من يصلح له على تقدير أنه لو كان حاضرا ~~حينئذ لرأى ذلك، والضمير في فيها يعود إلى الليالي والأيام، وقيل إلى مهاب ~~الريح، والأول أولى. وصرعى جمع صريع: يعني موتى (كأنهم أعجاز نخل خاوية) أي ~~أصول نخل ساقطة، أو بالية، وقيل خالية لا جوف فيها، والنخل يذكر ويؤنث، ~~ومثله قوله - كأنهم أعجاز نخل منقعر - وقد تقدم تفسيره وهو إخبار عن عظم ~~أجسامهم. قال يحيى بن سلام: إنما قال خاوية لأن أبدانهم خلت من أرواحهم مثل ~~النخل الخاوية (فهل ترى لهم من باقية) أي من فرقة باقية، أو من نفس باقية، ~~أو من بقية على أن باقية مصدر كالعاقبة والعافية. قال ابن جريج: أقاموا سبع ~~ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الريح فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا ~~فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر (وجاء فرعون ومن قبله) أي من الأمم ~~الكافرة. قرأ الجمهور قبله بفتح القاف وسكون الباء: أي ومن تقدمه من القرون ~~الماضية والأمم الخالية وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر القاف وفتح الباء: أي ~~ومن هو في جهته من أتباعه، واختار أبو حاتم وأبو عبيد القراءة الثانية ~~لقراءة ابن مسعود وأبي ومن معه، ولقراءة أبي موسى ومن يلقاه (والمؤتفكات) ~~قرأ الجمهور " المؤتفكات " بالجمع وهي قرى قوم لوط، وقرأ الحسن والجحدري " ~~المؤتفكة " بالإفراد، واللام للجنس، فهي في معنى الجمع، والمعنى: وجاءت ~~المؤتفكات (بالخاطئة) أي بالفعلة الخاطئة)، أو الخطأ على أنها مصدر. ~~والمراد أنها جاءت بالشرك والمعاصي. قال مجاهد: بالخطايا، وقال الجرجاني: ~~بالخطأ العظيم PageV05P280 # (فعصوا رسول ربهم) أي فعصت كل أمة رسولها المرسل إليها. ms4043 قال الكلبي: هو ~~موسى، وقيل لوط لأنه أقرب، قيل ورسول هنا بمعنى رسالة، ومنه قول الشاعر: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول أي برسالة (فأخذهم ~~أخذة رابية) أي أخذهم الله أخذة نامية زائدة على أخذات الأمم، والمعنى: ~~أنها بالغة في الشدة إلى الغاية، يقال ربي الشئ يربو: إذا زاد وتضاعف. قال ~~الزجاج: تزيد على الأخذات. قال مجاهد: # شديدة (إنا لما طغى الماء) أي تجاوز حدة في الارتفاع والعلو، وذلك في زمن ~~نوح لما أصر قومه على الكفر وكذبوه، وقيل طغى على خزانه من الملائكة غضبا ~~لربه فلم يقدروا على حبسه، قال قتادة: زاد على كل شئ خمسة عشر ذراعا ~~(حملناكم في الجارية) أي في أصلاب آبائكم، أو حملناهم وحملناكم في أصلابهم ~~تغليبا للمخاطبين على الغائبين. والجارية سفينة نوح، وسميت جارية لأنها ~~تجري في الماء، ومحل في الجارية النصب على الحال: أي رفعناكم فوق الماء حال ~~كونكم في السفينة، ولما كان المقصود من ذكر قصص هذه الأمم وذكر ما حل بهم ~~من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول قال (لنجعلها لكم ~~تذكرة) أي لنجعل هذه الأمور المذكورة لكم يا أمة محمد عبرة وموعظة تستدلون ~~بها على عظيم قدرة الله وبديع صنعه، أو لنجعل هذه الفعلة التي هي عبارة عن ~~إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين لكم تذكرة (وتعيها أذن واعية) أي تحفظها ~~بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت. قال الزجاج: يقال أوعيت كذا: أي حفظته في ~~نفسي أعيه وعيا، ووعيت العلم ووعيت ما قلته كله بمعنى، وأوعيت المتاع في ~~الوعاء، ويقال لكل ما وعيته في غير نفسك أوعيته بالألف ولما حفظته في نفسك ~~وعيته بغير ألف. قال قتادة في تفسير الآية: أذن سمعت وعقلت ما سمعت. قال ~~الفراء: المعنى لتحفظها كل أذن عظة لمن يأتي بعد. قرأ الجمهور " تعيها " ~~بكسر العين. وقرأ طلحة بن مصرف وحميد الأعرج وأبو عمرو في رواية عنه بإسكان ~~العين تشبيها لهذه الكلمة برحم وشهد وإن لم تكن من ذلك. قال ms4044 الرازي: وروى ~~عن ابن كثير إسكان العين، جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة كلمة واحدة ~~فخفف وأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف انتهى والأولى أن يكون ~~هذا من باب إجراء الوصل مجرى الوقف كما في قراءة من قرأ - وما يشعركم - ~~بسكون الراء، قال القرطبي: واختلفت القراءة فيها عن عاصم وابن كثير: يعني ~~تعيها (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) هذا شروع في بيان الحاقة وكيف وقوعها ~~بعد بيان شأنها بإهلاك المكذبين. قال عطاء: يريد النفخة الأولى. وقال ~~الكلبي ومقاتل يريد النفخة الأخيرة. قرأ الجمهور " نفخة واحدة " بالرفع ~~فيهما على أن نفخة مرتفعة على النيابة، وواحدة تأكيد لها، وحسن تذكير الفعل ~~لوقوع الفصل. وقرأ أبو السماك بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور. ~~قال الزجاج: قوله (في الصور) يقوم مقام ما لم يسم فاعله (وحملت الأرض ~~والجبال) أي رفعت من أماكنها وقلعت عن مقارها بالقدرة الإلهية. قرأ الجمهور ~~" حملت " بتخفيف الميم. وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة وابن مقسم وابن عامر في ~~رواية عنه بتشديدها للتكثير أو للتعدية (فدكتا دكة واحدة) أي فكسرتا كسرة ~~واحدة لا زيادة عليها، أو ضربتا ضربة واحدة بعضهما ببعض حتى صارتا كثيبا ~~مهيار وهباء منبثا. قال الفراء: # ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة، ومثله قوله تعالى - ~~أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما - وقيل دكتا ~~بسطتا بسطة واحدة، ومنه اندك إلى سنام البعير: إذا انفرش على ظهره (فيومئذ ~~وقعت الواقعة) أي قامت القيامة (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) أي انشقت ~~بنزول ما فيها من الملائكة PageV05P281 # فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية. قال الزجاج: يقال لكل ما ضعف جدا وقد ~~وهى فهو واه، وقال الفراء: # وهيها تشققها (والملك على أرجائها) أي جنس الملك على أطرافها وجوانبها، ~~وهي جمع رجى مقصور وتثنيته رجوان مثل قفا وقفوان، والمعنى: أنها لما تشققت ~~السماء، وهي مساكنهم لجئوا إلى أطرافها. قال الضحاك: # إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة ms4045 على ~~حافاتها حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض ويحيطون بالأرض ومن عليها. وقال ~~سعيد بن جبير: المعنى والملك على حافات الدنيا: أي ينزلون إلى الأرض وقيل ~~إذا صارت السماء قطعا يقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في ~~أنفسها (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) أي يحمله فوق رؤوسهم يوم ~~القيامة ثمانية أملاك، وقيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا ~~الله عز وجل، وقيل ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، قاله الكلبي ~~وغيره (يومئذ تعرضون) أي تعرض العباد على الله لحسابهم، ومثله - وعرضوا على ~~ربك صفا -، وليس ذلك العرض عليه سبحانه ليعلم به ما لم يكن عالما به. وإنما ~~هو عرض الاختبار والتوبيخ بالأعمال وجملة (لا تخفى منكم خافية) في محل نصب ~~على الحال من ضمير تعرضون: أي تعرضون حال كونه لا يخفى على الله سبحانه من ~~ذواتكم أو أقوالكم وأفعالكم خافية كائنة ما كانت، والتقدير: أي نفس خافية ~~أو فعلة خافية. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (الحاقة) من أسماء ~~القيامة. وأخرج الفريابي وعبد ابن حميد وابن جرير عنه قال: ما أرسل الله ~~شيئا من ريح إلا بمكيال، ولا قطرة من ماء إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد. ~~فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ - إنا ~~لما طغا الماء - وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها ~~سبيل، ثم قرأ (بريح صرصر عاتية). وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب نحوه. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر ~~مرفوعا: " قال ما أمر الخزان على عاد إلا مثل موضع الخاتم من الريح، فعتت ~~على الخزان فخرجت من نواحي الأبواب، فذلك قوله (بريح صرصر عاتية) قال: ~~عتوها عتت على الخزان ". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ms4046 عباس في ~~قوله (بريح صرصر عاتية) قال: الغالبة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن ~~منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن ~~مسعود في قوله (حسوما) قال: متتابعات. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق ~~عن ابن عباس في قوله (حسوما) قال: تباعا، وفي لفظ: متتابعات. وأخرج ابن ~~المنذر عنه (كأنهم أعجاز نخل) قال: هي أصولها، وفي قوله (خاوية) قال: خربة. ~~وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه أيضا في قوله (إنا لما طغى الماء) ~~قال: طغى على خزانه فنزل، ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال أو ميزان إلا ~~زمن نوح فإنه طغى على خزانه فنزل بغير كيل ولا وزن. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن علي بن أبي طالب " في ~~قوله (وتعيها أذن واعية) قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي، فقال علي: ما سمعت من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم شيئا فنسيته " قال ابن كثير: وهو حديث مرسل. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم والواحدي وابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن بريدة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلى " إن الله أمرني أن أدنيك ولا ~~أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق لك أن تعي، فنزلت هذه الآية (وتعيها أذن ~~واعية) فأنت أذن واعية، لعلى " قال ابن كثير: ولا يصح. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر عن ابن عمر في قوله (أذن واعية) قال: PageV05P282 # أذن عقلت عن الله. وأخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن أبي بن كعب في قوله ~~(وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) قال: تصيران غبرة على وجوه الكفار ~~لا على وجوه المؤمنين، وذلك قوله - وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة -. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (فهي يومئذ واهية) قال متخرقة. وأخرج ~~الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (والملك ms4047 على ~~أرجائها) قال: على حافاتها على ما لم يهئ منها. # وأخرج عبد بن حميد وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وأبو يعلي ~~وابن المنذر وابن خزيمة والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في [تالي ~~التلخيص] عنه أيضا في قوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) قال: ثمانية ~~أملاك على صورة الأوعال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا من طرق في الآية قال: يقال ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا ~~الله، ويقال ثمانية أملاك رؤوسهم عند العرش في السماء السابعة وأقدامهم في ~~الأرض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة، ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه ~~خمسمائة عام. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم ~~وابن مردويه عن أبي موسى قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث ~~عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في ~~الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ". وأخرج ابن جرير والبيهقي في البعث عن ~~ابن مسعود نحوه. # سورة الحاقة (19 - 52) PageV05P283 # لما ذكر سبحانه العرض ذكر ما يكون فيه، فقال (فأما من أوتى كتابه بيمينه) ~~أي أعطى كتابه الذي كتبته الحفظة عليه من أعماله (فيقول هاؤم اقرءوا ~~كتابيه) يقول ذلك سرورا وابتهاجا. قال ابن السكيت والكسائي: # العرب تقول: ها يا رجل، وللاثنين هاؤما يا رجلان، وللجمع هاؤم يا رجال، ~~قيل والأصل هاؤكم، فأبدلت الهمزة من الكاف، قال ابن زيد: ومعنى هاؤم ~~تعالوا. وقال مقاتل: هلم، وقيل خذوا، والذي صرح به النحاة أنها بمعنى خذ، ~~يقول ها بمعنى خذ، وهاؤما بمعنى خذا، وهاؤم بمعنى خذوا، فهي اسم فعل، وقد ~~يكون فعلا صريحا لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها، وفيها ثلاث لغات كما ~~هو معروف في علم الإعراب، وقوله " كتابيه " معمول لقوله " اقرءوا " لأنه ~~أقرب الفعلين، ومعمول " هاؤم " محذوف يدل عليه معمول " أقرءوا " والتقدير: ~~هاؤم كتابيه اقرءوا كتابيه، والهاء في كتابيه وحسابيه وسلطانيه وماليه هي ~~هاء السكت. # قرأ الجمهور في هذه ms4048 بإثبات الهاء وقفا ووصلا مطابقة لرسم المصحف، ولولا ~~ذلك لحذفت في الوصل كما هو شأن هاء السكت، واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف ~~عليها ليوافق اللغة في إلحاق الهاء في السكت ويوافق الخط، يعني خط المصحف. ~~وقرأ ابن محيصن وابن أبي إسحاق وحميد ومجاهد والأعمش ويعقوب بحذفها وصلا ~~وإثباتها وقفا في جميع هذه الألفاظ. ورويت هذه القراءة عن حمزة، واختار أبو ~~حاتم هذه القراءة اتباعا للغة. وروى عن ابن محيصن أنه قرأ بحذفها وصلا ~~ووقفا (إني ظننت أني ملاق حسابيه) أي علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في ~~الآخرة، وقيل المعنى: إني ظننت أن يأخذني الله بسيئاتي فقد تفضل على بعفوه ~~ولم يؤاخذني. قال الضحاك: # كل ظن في القرآن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. قال مجاهد: ظن الآخرة ~~يقين، وظن الدنيا شك. # قال الحسن في هذه الآية: إن المؤمن أحسن الظن بربه، فأحسن العمل للآخرة، ~~وإن الكافر أساء الظن بربه فأساء العمل. قيل والتعبير بالظن هنا للإشعار ~~بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها ~~العلوم النظرية غالبا (فهو في عيشة راضية) أي في عيشة مرضية لا مكروهة، أو ~~ذات رضى: أي يرضى بها صاحبها. قال أبو عبيدة والفراء: راضية أي مرضية كقوله ~~- ماء دافق - أي مدفوق فقد أسند إلى العيشة ما هو لصاحبها، فكان ذلك من ~~المجاز في الإسناد (في جنة عالية) أي مرتفعة المكان لأنها في السماء، أو ~~مرتفعة المنازل. أو عظيمة في النفوس (قطوفها دانية) القطوف: جمع قطف بكسر ~~القاف ما يقطف من الثمار، والقطف بالفتح المصدر، والقطاف بالفتح والكسر وقت ~~القطف، والمعنى: أن ثمارها قريبة ممن يتناولها من قائم أو قاعد أو مضطجع ~~(كلوا واشربوا) أي يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة (هنيئا) أي أكلا وشربا ~~هنيئا لا تكدير فيه ولا تنغيص (بما أسلفتم في الأيام الخالية) أي بسبب ما ~~قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا. وقال مجاهد: هي أيام الصيام (وأما من ~~أوتى كتابه بشماله فيقول) حزنا ms4049 وكربا لما رأى فيه من سيئاته (يا ليتني لم ~~أوت كتابيه) أي لم أعط كتابيه (ولم أدر ما حسابيه) أي لم أدر: أي شئ حسابي ~~لأن كله عليه (يا ليتها كانت القاضية) أي ليت الموتة التي منها كانت ~~القاضية ولم أحي بعدها، ومعنى: القاضية القاطعة للحياة، والمعنى: أنه تمنى ~~دوام الموت وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله وما يصير إليه من العذاب، ~~فالضمير في ليتها يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها وإن لم تكن مذكورة، ~~لأنها لظهورها كانت كالمذكورة. قال قتادة: تمنى PageV05P284 # الموت ولم يكن في الدنيا شئ عنده أكره منه، وشر من الموت ما يطلب منه ~~الموت. وقيل الضمير يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، ~~والمعنى: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت على (ما أغنى عني ماليه) ~~أي لم يدفع عني من عذاب الله شيئا على أن ما نافية أو استفهامية، والمعنى: ~~أي شئ أغنى عني مالي (هلك عني سلطانيه) أي هلكت عني حجتي وضلت عني، كذا قال ~~مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك. وقال ابن زيد: # يعني سلطاني الذي في الدنيا، وهو الملك، وقيل تسلطي على جوارحي. قال ~~مقاتل: يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك، وحينئذ يقول الله عز وجل (خذوه ~~فغلوه) أي اجمعوا يده إلى عنقه بالأغلال (ثم صلوه) أي أدخلوه الجحيم، ~~والمعنى: لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظيمة (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه) السلسلة حلق منتظمة، وذرعها طولها. قال الحسن: الله أعلم ~~بأي ذراع هو. قال نوف الشامي: # كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد مما بينك وبين مكة، وكان نوف في رحبة ~~الكوفة. قال مقاتل: لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب ~~الرصاص، ومعنى " فاسلكوه " فاجعلوه فيها، يقال سلكته الطريق إذا أدخلته ~~فيه. قال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. قال الكلبي: ~~تسلك سلك الخيط في اللؤلؤ. وقال سويد بن أبي نجيح: بلغني أن جميع أهل النار ~~في تلك السلسلة، ms4050 وتقديم السلسلة للدلالة على الاختصاص كتقديم الجحيم، وجملة ~~(إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) تعليل لما قبلها (ولا يحض على طعام ~~المسكين) أي لا يحث على إطعام المسكين من ماله، أو لا يحث الغير على ~~إطعامه، ووضع الطعام موضع الإطعام كما يوضع العطاء موضع الإعطاء كما قال ~~الشاعر: # أكفرا بعد رد موتي عني * وبعد عطائك المال الرعابا أي بعد إعطائك، ويجوز ~~أن يكون الطعام على معناه غير موضع المصدر، والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو ~~غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان بالله من ~~الترغيب في التصدق على المساكين وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما ~~يدل أبلغ دلالة ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم ~~(فليس له اليوم ها هنا حميم) أي ليس له يوم القيامة في الآخرة قريب ينفعه ~~أو يشفع له لأنه يوم يفر فيه القريب من قريبه، ويهرب عنده الحبيب من حبيبه ~~(ولا طعام إلا من غسلين) أي وليس له طعام يأكله إلا من صديد أهل النار، وما ~~ينغسل من أبدانهم من القيح والصديد، وغسلين فعلين من الغسل. # وقال الضحاك والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار. وقال قتادة: هو شر ~~الطعام. وقال ابن زيد: # لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلا الله تعالى. وقال سبحانه في موضع آخر - ~~ليس لهم طعام إلا من ضريع - فيجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، وقيل في ~~الكلام تقديم وتأخير، والمعنى فليس له اليوم ها هنا حميم إلا من غسلين على ~~أن الحميم هو الماء الحار (ولا طعام) أي ليس لهم طعام يأكلونه. ولا ملجئ ~~لهذا التقديم والتأخير، وجملة (لا يأكله إلا الخاطئون) صفة لغسلين، والمراد ~~أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب. قال الكلبي: المراد الشرك. # قرأ الجمهور " الخاطئون) مهموزا، وهو اسم فاعل من خطئ إذا فعل غير الصواب ~~متعمدا، والمخطئ من يفعله غير متعمد. وقرأ الزهري وطلحة بن مصرف والحسن ~~الخاطيون بياء مضمومة بدل الهمزة. وقرأ نافع في رواية ms4051 عنه بضم الطاء بدون ~~همزة (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) هذا رد لكلام المشركين كأنه قال: ~~ليس الأمر كما تقولون ولا زائدة، والتقدير: فأقسم بما تشاهدونه وما لا ~~تشاهدونه. قال قتادة: أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها وما لا يبصر، فيدخل ~~في هذا جميع المخلوقات، وقيل إن لا ليست زائدة، بل هي لنفي القسم: أي ~~PageV05P285 # لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق في ذلك، والأول أولى (إنه لقول رسول كريم) ~~أي إن القرآن لتلاوة رسول كريم، على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أو إنه لقول يبلغه رسول كريم. قال الحسن والكلبي ومقاتل: يريد ~~به جبريل، دليله قوله (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين) وعلى ~~كل حال فالقرآن ليس من قول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من قول جبريل ~~عليه السلام، بل هو قول الله فلا بد من تقدير التلاوة أو التبليغ (وما هو ~~بقول شاعر) كما تزعمون لأنه ليس من أصناف الشعر ولا مشابه لها (قليلا ما ~~تؤمنون) أي إيمانا قليلا تؤمنون، وتصديقا يسيرا تصدقون، وما زائدة (ولا ~~بقول كاهن) كما تزعمون، فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين هذا (قليلا ~~ما تذكرون) أي تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا تتذكرون، وما زائدة، والقلة في ~~الموضعين بمعنى النفي: أي لا تؤمنون ولا تتذكرون أصلا (تنزيل من رب ~~العالمين) قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف: أي هو تنزيل. وقرأ ~~أبو السماك بالنصب على المصدرية بإضمار فعل: أي نزل تنزيلا، والمعنى: إنه ~~لقول رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين على لسانه (ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل) أي ولو تقول ذلك الرسول، وهو محمد، أو جبريل على ما تقدم، ~~والتقول تكلف القول، والمعنى: لو تكلف ذلك وجاء به من جهة نفسه، وسمى ~~الافتراء تقولا لأنه قول متكلف، وكل كاذب يتكلف ما يكذب به. قرأ الجمهور " ~~تقول " مبنيا للفاعل. وقرئ مبنيا للمفعول مع رفع بعض. وقرأ ابن ذكوان " ولو ~~يقول ms4052 " على صيغة المضارع، والأقاويل جمع أقوال، والأقوال جمع قول (لأخذنا ~~منه باليمين) أي بيده اليمين، قال ابن جرير: إن هذا الكلام خرج مخرج ~~الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب. وقال الفراء والمبرد ~~والزجاج وابن قتيبة " لأخذنا منه باليمين " أي بالقوة والقدرة. قال ابن ~~قتيبة: وإنما أقام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شئ في ميامنه، ومن هذا ~~قول الشاعر: # إذا ما راية نصبت لمجد * تلقاها عرابة باليمين وقول الآخر: ولما رأيت ~~الشمس أشرق نورها * تناولت منها حاجتي بيميني (ثم لقطعنا منه الوتين) ~~الوتين عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما ~~يفعله الملوك بمن يغضبون عليه. قال الواحدي: والمفسرون يقولون إنه نياط ~~القلب انتهى، ومن هذا قول الشاعر: # إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقى بدم الوتين (فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين) أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه ويدفعنا منه، فكيف يتكلف الكذب على ~~الله لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه ولا تقدرون على الدفع منه، ~~والحجز المنع، (وحاجزين) صفة لأحد، أو خبر لما الحجازية (وإنه لتذكرة ~~للمتقين) أي إن القرآن لتذكرة لأهل التقوى لأنهم المنتفعون به (وإنا لنعلم ~~أن منكم مكذبين) أي أن بعضكم يكذب بالقرآن فنحن نجازيهم على ذلك، وفي هذا ~~وعيد شديد (وإنه لحسرة على الكافرين) أي وإن القرآن لحسرة وندامة على ~~الكافرين يوم القيامة عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين وقيل هي حسرتهم في ~~الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله ~~(وإنه لحق اليقين) أي وإن القرآن لكونه من عند الله حق فلا يحول حوله ريب ~~ولا يتطرق إليه الشك (فسبح باسم ربك العظيم) أي نزهه عما لا يليق به، وقيل ~~فصل لربك، والأول أولى. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (إني ظننت) قال: أيقنت. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن PageV05P286 # أبي حاتم عن البراء بن عازب (قطوفها دانية) قال قريبة. وأخرج ابن أبي ~~شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ms4053 البراء في الآية قال: يتناول الرجل من ~~فواكهها وهو قائم. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في ~~قوله (فاسلكوه) قال: السلسلة تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها ~~كما ينظم الجراد في العود ثم يشوى. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن ~~المنذر عن أبي الدرداء قال: إن لله سلسلة لم تزل تغلي منها مراجل النار منذ ~~خلق الله جهنم إلى يوم تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها ~~بإيماننا بالله العظيم، فحضي على طعام المسكين يا أم الدرداء. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين ~~الدم والماء والصديد الذي يسيل من لحومهم. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لو أن دلوا من غسلين يهراق ~~في الدنيا لأنتن أهل الدنيا ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الغسلين ~~اسم طعام من أطعمة أهل النار. وأخرج ابن جرير عنه (فلا أقسم بما تبصرون وما ~~لا تبصرون) يقول: بما ترون وما لا ترون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ~~ابن عباس في قوله (لأخذنا منه باليمين) قال: بقدرة. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر عنه قال (الوتين) عرق القلب. وأخرج الفريابي وسعيد ابن منصور وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عنه أيضا قال ~~(الوتين) نياط القلب. # وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عنه أيضا فال: هو حبل القلب الذي في ~~الظهر. # تفسير سورة سأل سائل ويقال سورة المعارج، هي أربع وأربعون آية وهي مكية. ~~قال القرطبي: باتفاق. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن عباس ~~قال: # نزلت سورة سأل بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. # سورة المعارج (1 - 18) PageV05P287 # قوله (سأل سائل بعذاب واقع) قرأ الجمهور " سأل " بالهمزة، وقرأ نافع وابن ~~عامر بغير همزة، فمن همز فهو من السؤال وهي اللغة الفاشية، وهو إما مضمن ~~معنى الدعاء، ms4054 فلذلك عدى بالباء كما تقول دعوت لكذا، والمعنى: دعا داع على ~~نفسه بعذاب واقع، ويجوز أن يكون على أصله والباء بمعنى عن كقوله - فاسئل به ~~خبيرا - ومن لم يهمز، فهو إما من باب التخفيف بقلب الهمزة ألفا، فيكون ~~معناها معنى قراءة من همز، أو يكون من السيلان، والمعنى: سال واد في جهنم ~~يقال له سائل كما قال زيد بن ثابت. ويؤيد قراءة ابن عباس " سال سيل " وقيل ~~إن سال بمعنى التمس، والمعنى: التمس ملتمس عذابا للكفار، فتكون الباء زائدة ~~كقوله - تنبت بالدهن - والوجه الأول هو الظاهر. وقال الأخفش: يقال خرجنا ~~نسأل عن فلان وبفلان. قال أبو علي الفارسي: وإذا كان من السؤال فأصله أن ~~يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما ويتعدى إليه بحرف الجر، وهذا ~~السائل هو النضر بن الحارث حين قال - اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم - وهو ممن قتل يوم بدر ~~صبرا، وقيل هو أبو جهل، وقيل هو الحارث بن النعمان الفهري. # والأول أولى لما سيأتي. وقرأ أبي وابن مسعود " سال سال " مثل مال مال على ~~أن الأصل سائل، فحذفت العين تخفيفا، كما قيل شاك في شائك السلاح. وقيل ~~السائل هو نوح عليه السلام، سأل العذاب للكافرين، وقيل هو رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم دعا بالعقاب عليهم، وقوله (بعذاب واقع) يعني إما في ~~الدنيا كيوم بدر، أو في الآخرة، وقوله (للكافرين) صفة أخرى لعذاب: أي كائن ~~للكافرين، أو متعلق بواقع، واللام للعلة، أو يسأل على تضمينه معنى دعا، أو ~~في محل رفع على تقدير: هو للكافرين، أو تكون اللام بمعنى على، ويؤيده قراءة ~~أبي بعذاب واقع على الكافرين. قال الفراء: التقدير بعذاب للكافرين واقع ~~بهم، فالواقع من نعت العذاب، وجملة (ليس له دافع) صفة أخرى لعذاب، أو حال ~~منه، أو مستأنفة، والمعنى: أنه لا يدفع ذلك العذاب الواقع به أحد، وقوله ~~(من الله) متعلق بواقع: أي واقع من جهته سبحانه، أو بدافع: أي ليس ms4055 له دافع ~~من جهته تعالى (ذي المعارج) أي ذي الدرجات التي تصعد فيها الملائكة، وقال ~~الكلبي: هي السماوات، وسماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها، وقيل المعارج ~~مراتب نعم الله سبحانه على الخلق، وقيل المعارج العظمة، وقيل هي الغرف. ~~وقرأ ابن مسعود " ذي المعاريج " بزيادة الياء، يقال معارج ومعاريج مثل ~~مفاتح ومفاتيح (تعرج الملائكة والروح إليه) أي تصعد في تلك المعارج التي ~~جعلها الله لهم، وقرأ الجمهور " تعرج " بالفوقية، قرأ ابن مسعود وأصحابه ~~والكسائي والسلمي بالتحتية، والروح جبريل، أفرد بالذكر بعد الملائكة لشرفه، ~~ويؤيد هذا قوله - نزل به الروح الأمين - وقيل الروح هنا ملك آخر عظيم غير ~~جبريل. وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله سبحانه كهيئة الناس وليسوا من ~~الناس. وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين تقبض، والأول أولى. ومعنى " ~~إليه " أي إلى المكان الذي ينتهون إليه، وقيل إلى عرشه، وقيل هو كقول ~~إبراهيم - إني ذاهب إلى ربي - أي إلى حيث أمرني ربي (في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة) قال ابن إسحاق والكلبي ووهب بن منبه: # أي عرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم ~~لو صعد خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد. وقال عكرمة، وروى عن مجاهد أن مدة ~~عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحد كم مضى ولا كم بقي، ولا يعلم ذلك إلا ~~الله. وقال قتادة والكلبي ومحمد بن كعب: إن المراد يوم القيامة، يعني أن ~~مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ منه ~~في ساعة، وقيل إن مدة موقف العباد للحساب هي هذا المقدار، ثم يستقر بعد ذلك ~~أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. وقيل إن مقدار يوم القيامة على ~~الكافرين PageV05P288 # خمسون ألف سنة، وعلى المؤمنين مقدار ما بين الظهر والعصر، وقيل ذكر هذا ~~المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها، أو ~~لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد والمكاره كما تصف العرب أيام ~~الشدة ms4056 بالطول وأيام الفرح بالقصر، ويشبهون اليوم القصير بابهام القطاة، ~~والطويل بظل الرمح، ومنه قول الشاعر: ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق ~~عنا واصطفاف المزاهر وقيل في الكلام تقديم وتأخير: أي ليس له دافع من الله ~~ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه، ~~وقد قدمنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله في سورة السجدة - في يوم كان ~~مقداره ألف سنة - فارجع إليه. وقد قيل في الجمع إن من أسفل العالم إلى ~~العرش خمسين ألف سنة، ومن أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة، لأن غلظ كل ~~سماء خمسمائة عام، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة عام، ~~فالمعنى: أن الملائكة إذا عرجت من أسفل العالم إلى العرش كان مسافة ذلك ~~خمسين ألف سنة، وإن عرجوا من هذه الأرض التي نحن فيها إلى باطن هذه السماء ~~التي هي سماء الدنيا كان مسافة ذلك ألف سنة، وسيأتي في آخر البحث ما يؤيد ~~هذا عن ابن عباس. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر ~~فقال (فاصبر صبرا جميلا) أي اصبر يا محمد على تكذيبهم لك وكفرهم بما جئت به ~~صبرا جميلا لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله، وهذا معنى الصبر الجميل، ~~وقيل هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري بأنه مصاب. قال ابن زيد ~~وغيره: هي منسوخة بآية السيف (إنهم يرونه بعيدا) أي يرون العذاب الواقع ~~بهم، أو يرون يوم القيامة بعيدا: # أي غير كائن لأنهم لا يؤمنون به، فمعنى " بعيدا " أي مستبعدا محالا، وليس ~~المراد أنهم يرونه بعيدا غير قريب. # قال الأعمش: يرون البعث بعيدا لأنهم لا يؤمنون به كأنهم يستبعدونه على ~~جهة الاستحالة كما تقول لمن تناظره هذا بعيد: أي لا يكون (ونراه قريبا) أي ~~نعلمه كائنا قريبا، لأن ما هو آت قريب. وقيل المعنى: ونراه هينا في قدرتنا ~~غير متعسر ولا متعذر، والجملة تعليل للأمر بالصبر. ثم أخبر سبحانه متى يقع ~~بهم العذاب فقال (يوم ms4057 تكون السماء كالمهل) والظرف متعلق بمضمر دل عليه ~~واقع، أو بدل من قوله (في يوم) على تقدير تعلقه بواقع، أو متعلق بقريبا، أو ~~مقدر بعده: أي يوم تكون الخ كان كيت وكيت، أو بدل من الضمير في نراه والأول ~~أولى. والتقدير يقع بهم العذاب (يوم تكون السماء كالمهل) والمهل: ما أذيب ~~من النحاس والرصاص والفضة، وقال مجاهد: هو القيح من الصديد والدم. وقال ~~عكرمة وغيره: هو دردي الزيت، وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف والدخان (وتكون ~~الجبال كالعهن) أي كالصوف المصبوغ، ولا يقال للصوف عهن إلا إذا كان مصبوغا. ~~قال الحسن: تكون الجبال كالعهن، وهو الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف، وقيل ~~العهن الصوف ذو الألوان، فشبه الجبال به في تكونها ألوانا كما في قوله - ~~جدد بيض وحمر - وغرابيب سود - فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن ~~المنفوش إذا طيرته الريح (ولا يسأل حميم حميما) أي لا يسأل قريب قريبه عن ~~شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه، ~~والخليل عن خليله، كما قال سبحانه - لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه - وقيل ~~المعنى: لا يسأل حميم عن حميم، فحذف الحرف ووصل الفعل. قرأ الجمهور " لا ~~يسأل " مبنيا للفاعل، قيل والمفعول الثاني محذوف والتقدير: لا يسأله نصره ~~ولا شفاعته، وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وشيبة وابن كثير في رواية عنه على ~~البناء للمفعول. وروى هذه القراءة البزي عن عاصم. # والمعنى: لا يسأل حميم إحضار حميمه، وقيل هذه القراءة على إسقاط حرف ~~الجر: أي لا يسأل حميم عن حميم، بل كل إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله، وجملة ~~(يبصرونهم) مستأنفة، أو صفة لقوله (حميما) أي يبصر كل حميم PageV05P289 # حميمه، لا يخفى منهم أحد عن أحد. وليس في القيامة مخلوق وإلا وهو نصب عين ~~صاحبه، ولا يتساءلون ولا يكلم بعضهم بعضا لاشتغال كل أحد منهم بنفسه، وقال ~~ابن زيد: يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا وهم الرؤساء ~~المتبوعون. وقيل إن قوله (يبصرونهم) يرجع إلى ms4058 الملائكة: أي يعرفون أحوال ~~الناس لا يخفون عليهم، وإنما جمع الضمير في يبصرونهم، وهما للحميمين حملا ~~على معنى العموم، لأنهما نكرتان في سياق النفي، قرأ الجمهور " يبصرونهم " ~~بالتشديد، وقرأ قتادة بالتخفيف. ثم ابتدأ سبحانه الكلام فقال (يود المجرم ~~لو يفتدي من عذاب يومئذ) المراد بالمجرم الكافر، أو كل مذنب ذنبا يستحق به ~~النار لو يفتدي من عذاب يوم القيامة الذي نزل به (ببنيه وصاحبته وأخيه) فإن ~~هؤلاء أعز الناس عليه وأكرمهم لديه، فلو قبل منه الفداء لفدى بهم نفسه وخلص ~~مما نزل من العذاب، والجملة مستأنفة لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ إلى ~~حد يود الافتداء من العذاب بمن ذكر. قرأ الجمهور (من عذاب يومئذ) بإضافة ~~عذاب إلى يومئذ. وقرأ أبو حيوة بتنوين " عذاب " وقطع الإضافة. وقرأ الجمهور ~~" يومئذ " بكسر الميم، وقرأ نافع والكسائي والأعرج وأبو حيوة بفتحها ~~(وفصيلته التي تؤويه) أي عشيرته الأقربين الذين يضمونه في النسب أو عند ~~الشدائد ويأوي إليهم. قال أبو عبيد: # الفصيلة دون القبيلة. وقال ثعلب: هم آباؤهم الأدنون. قال المبرد: الفصيلة ~~القطعة من أعضاء الجسد. وسميت عشيرة الرجل فصيلة تشبيها لها بالبعض منه. ~~وقال مالك: إن الفصيلة هي التي تربيه (ومن في الأرض جميعا) أي ويود المجرم ~~لو افتدى بمن في الأرض جميعا من الثقلين وغيرهما من الخلائق. وقوله (ثم ~~ينجيه) معطوف على يفتدي: أي يود لو يفتدي ثم ينجيه الافتداء، وكان العطف ~~بثم لدلالتها على استبعاد النجاة، وقيل إن يود تقتضي جوابا كما في قوله - ~~ودوا لو تدهن فيدهنون - والجواب ثم ينجيه، والأول أولى. وقوله (كلا) ردع ~~للمجرم عن تلك الودادة، وبيان امتناع ما وده من الافتداء، و " كلا " يأتي ~~بمعنى حقا، وبمعنى لا مع تضمنها لمعنى الزجر والردع، والضمير في قوله (إنها ~~لظى) عائد إلى النار المدلول عليها بذكر العذاب، أو هو ضمير مبهم يفسره ما ~~بعده: ولظى علم لجهنم، واشتقاقها من التلظي في النار وهو التلهب، وقيل أصله ~~لظظ بمعنى دوام العذاب، فقلبت إحدى الظائين ألفا، وقيل لظى: هي الدركة ms4059 ~~الثانية من طباق جهنم (نزاعة للشوى) قرأ الجمهور " نزاعة " بالرفع على أنه ~~خبر ثان لإن، أو خبر مبتدأ محذوف، أو تكون لظى بدلا من الضمير المنصوب، ~~ونزاعة خبر إن، أو على أن نزاعه صفة للظى على تقدير عدم كونها علما، أو ~~يكون الضمير في إنها للقصة، ويكون لظى مبتدأ ونزاعة خبره، والجملة خبر إن، ~~وقرأ حفص عن عاصم وأبو عمرو في رواية عنه وأبو حيوة والزعفراني والترمذي ~~وابن مقسم نزاعة بالنصب على الحال. وقال أبو علي الفارسي: حمله على الحال ~~بعيد لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال، وقيل العامل فيها ما دل عليه ~~الكلام من معنى التلظي، أو النصب على الاختصاص، والشوى الأطراف، أو جمع ~~شواة، وهي جلدة الرأس، ومنه قول الأعشى: # قالت قتيلة ماله * قد جللت شيبا شواته وقال الحسن وثابت البناني: نزاعة ~~للشوى: أي لمكارم الوجه وحسنه، وكذا قال أبو العالية وقتادة. وقال قتادة: ~~تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك فيه شيئا. وقال الكسائي: هي ~~المفاصل. وقال أبو صالح: # هي أطراف اليدين والرجلين (تدعوا من أدبر) أي تدعو لظى من أدبر عن الحق ~~في الدنيا (وتولى) أي أعرض عنه (وجمع فأوعى) أي جمع المال فجعله في وعاء، ~~قيل إنها تقول إلى يا مشرك، إلى يا منافق، وقيل معنى تدعو تهلك، تقول ~~العرب: دعاك الله: أي أهلكك، وقيل ليس هو الدعاء باللسان، ولكن دعاؤها ~~إياهم تمكنها من PageV05P290 # عذابهم، وقيل المراد أن خزنة جهنم تدعو الكافرين والمنافقين فأسند الدعاء ~~إلى النار، من باب إسناد ما هو للحال إلى المحل، وقيل هو تمثيل وتخييل، ولا ~~دعاء في الحقيقة، والمعنى: أن مصيرهم إليها، كما قال الشاعر: # ولقد هبطنا الواد بين قوادنا * ندعو الأنيس به الغصيص الأبكم والغصيص ~~الأبكم: الذباب، وهي لا تدعو، وفي هذا ذم لمن جمع المال فأوعاه، وكنزه ولم ~~ينفقه في سبل الخير، أو لم يؤد زكاته. # وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ms4060 (سأل سائل) قال: هو النضر بن الحرث قال - ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء - وفي قوله ~~(بعذاب واقع) قال: كائن (للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج) قال: ذي ~~الدرجات. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه في قوله (سأل سائل) قال: سال ~~واد في جهنم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ذي ~~المعارج) قال: ذي العلو والفواضل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~في قوله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال: منتهى أمره من أسفل ~~الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سماوات مقدار خمسين ألف سنة، ويوم كان ~~مقداره ألف سنة قال: يعني بذلك ينزل الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض ~~إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقدار ألف سنة، لأن ما بين السماء والأرض ~~مسيرة خمسمائة عام. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: غلظ كل أرض خمسمائة ~~عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، ومن ~~السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء ~~السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله (في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة). وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عنه ~~أيضا في قوله (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون - قال: هذا في الدنيا ~~تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، وفي قوله (في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة) فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافر مقدار خمسين ~~ألف سنة. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عنه أيضا في قوله (في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة) قال: لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم. قال: يعني ~~يوم القيامة. وقد قدمنا عن ابن عباس الوقف في الجمع بين الآيتين في سورة ~~السجدة. # وأخرج أحمد وأبو يعلي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ms4061 أبي ~~سعيد الخدري قال: " قيل يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم كان يوم ~~مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم؟ فقال: والذي نفس بيده إنه ليخفف ~~عن المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ". وفي ~~إسناده دراج عن أبي الهيثم، وهما ضعيفان. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم ~~والبيهقي في البعث عن أبي هريرة مرفوعا قال: ما قدر طول يوم القيامة على ~~المؤمنين إلا كقدر ما بين الظهر إلى العصر. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر ~~الأصول عن ابن عباس في قوله (فاصبر صبرا جميلا) قال: لا تشكو إلى أحد غيري. ~~وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في المتفق والمفترق والضياء ~~في المختارة عن ابن عباس في قوله (يوم تكون السماء كالمهل) قال: كدردي ~~الزيت. وأخرج ابن جرير عنه قال (يبصرونهم) يعرف بعضهم بعضا ويتعارفون ثم ~~يفر بعضهم من بعض. # وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله (نزاعة للشوى) قال: تنزع أم الرأس. ~~PageV05P291 # سورة المعارج (19 - 39) قوله (إن الإنسان خلق هلوعا) قال في الصحاح: ~~الهلع في اللغة. أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه يقال هلع بالكسر فهو هلع ~~وهلوع على التكثير. وقال عكرمة: هو الضجور. قال الواحدي والمفسرون يقولون ~~تفسير الهلع ما بعده يعني قوله (إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا) ~~أي إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو جزوع: أي كثير الجزع، ~~وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع ~~والإمساك. وقال أبو عبيدة: الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه ~~الشر لم يصبر. قال ثعلب: # قد فسر الله الهلوع: هو الذي إذا أصابه الشر أظهر شدة الجزع، وإذا أصابه ~~الخير بخل به ومنعه الناس، والعرب تقول: ناقة هلوع وهلواع إذا كانت سريعة ~~السير خفيفة، ومنه قول الشاعر: # شكا ذعلبة إذا استدبرتها * حرج إذا استقبلتها هلواع والذعلبة: الناقة ~~السريعة، وانتصاب هلوعا وجزوعا ومنوعا على أنها أحوال مقدرة، أو محققة ~~لكونها ms4062 طبائع جبل الإنسان عليها، والظرفان معمولان لجزوعا ومنوعا (إلا ~~المصلين) أي المقيمين للصلاة، وقيل المراد بهم أهل التوحيد: يعني أنهم ~~ليسوا على تلك الصفات من الهلع، والجزع، والمنع، وأنهم على صفات محمودة ~~وخلال مرضية، لأن إيمانهم وما تمسكوا به من التوحيد ودين الحق يزجرهم عن ~~الاتصاف بتلك الصفات، ويحملهم على الاتصاف بصفات الخير. ثم بينهم سبحانه. ~~فقال (الذين هم على صلاتهم دائمون) أي لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم ~~عنها صارف، وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبدا. قال الزجاج: هم الذين لا ~~يزيلون وجوههم عن سمت القبلة. وقال الحسن وابن جريج: هو التطوع منها. قال ~~النخعي: المراد بالمصلين الذين يؤدون الصلاة المكتوبة، وقيل الذين يصلونها ~~لوقتها والمراد بالآية جميع المؤمنين، وقيل الصحابة خاصة، ولا وجه لهذا ~~التخصيص لاتصاف كل مؤمن بأنه من المصلين (والذين في أموالهم حق معلوم) قال ~~قتادة: ومحمد بن سيرين: PageV05P292 # المراد الزكاة المفروضة. وقال مجاهد: سوى الزكاة، وقيل صلة الرحم، ~~والظاهر أنه الزكاة لوصفه بكونه معلوما ولجعله قرينا للصلاة، وقد تقدم ~~تفسير السائل والمحروم في سورة الذاريات مستوفى (والذين يصدقون بيوم الدين) ~~أي بيوم الجزاء، وهو يوم القيامة لا يشكون فيه ولا يجحدونه، وقيل يصدقونه ~~بأعمالهم فيتعبون أنفسهم في الطاعات (والذين هم من عذاب ربهم مشفقون) أي ~~خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة استحقارا لأعمالهم، واعترافا بما ~~يجب لله سبحانه عليهم. وجملة (إن عذاب ربهم غير مأمون) مقررة لمضمون ما ~~قبلها مبينة أن ذلك مما لا ينبغي أن يأمنه أحد، وأن حق كل أحد أن يخافه ~~(والذين هم لفروجهم حافظون) إلى قوله (فأولئك هم العادون) قد تقدم تفسيره ~~في سورة المؤمنين مستوفى (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) أي لا يخلون ~~بشئ من الأمانات التي يؤتمنون عليها ولا ينقضون شيئا من العهود التي ~~يعقدونها على أنفسهم. قرأ الجمهور " لأماناتهم " بالجمع وقرأ ابن كثير وابن ~~محيصن " لأمانتهم " بالإفراد، والمراد الجنس (والذين هم بشهاداتهم قائمون) ~~أي يقيمونها على من كانت عليه من قريب أو بعيد أو رفيع أو ms4063 وضيع، ولا ~~يكتمونها ولا يغيرونها، وقد تقدم القول في الشهادة في سورة البقرة، قرأ ~~الجمهور " بشهادتهم " بالإفراد، وقرأ حفص ويعقوب وهي رواية عن ابن كثير ~~بالجمع. قال الواحدي، والإفراد أولى لأنه مصدر، ومن جمع ذهب إلى اختلاف ~~الشهادات قال الفراء: ويدل على قراءة التوحيد قوله تعالى - وأقيموا الشهادة ~~لله - (والذين هم على صلاتهم يحافظون) أي على أذكارها وأركانها وشرائطها لا ~~يخلون بشئ من ذلك. قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها. وقال ابن جريج: ~~المراد التطوع، وكرر ذكر الصلاة لاختلاف ما وصفهم به أولا، وما وصفهم به ~~ثانيا، فإن معنى الدوام: هو أن لا يشتغل عنها بشئ من الشواغل كما سلف، ~~ومعنى المحافظة: أن يراعى الأمور التي لا تكون صلاة بدونها، وقيل المراد ~~يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها، وكرر ~~الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته يستحق أن يستقل ~~بموصوف منفرد، والإشارة بقوله (أولئك) إلى الموصوفين بتلك الصفات (في جنات ~~مكرمون) أي مستقرون فيها مكرمون بأنواع الكرامات، وخبر المبتدأ قوله (في ~~جنات) وقوله (مكرمون) خبر آخر، ويجوز أن يكون الخبر مكرمون، وفي جنات متعلق ~~به (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) أي أي شئ لهم حواليك مسرعين: قال ~~الأخفش: مهطعين مسرعين، ومنه قول الشاعر: # بمكة أهلها ولقد أراهم * إليهم مهطعين إلى السماع وقيل المعنى: ما بالهم ~~يسرعون إليك يجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم، وقيل ما بالهم مسرعين ~~إلى التكذيب، وقيل ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع إليك فيكذبونك ~~ويستهزئون بك. وقال الكلبي: إن معنى: مهطعين ناظرين إليك. وقال قتادة: ~~عامدين، وقيل مسرعين إليك مادي أعناقهم مديمي النظر إليك (عن اليمين وعن ~~الشمال عزين) أي عن يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن شماله جماعات ~~متفرقة، وعزين جمع عزة، وهي العصبة من الناس، ومنه قول الشاعر: # ترانا عنده والليل داج * على أبوابه حلقا عزينا وقال الراعي: أخليفة ~~الرحمن إن عشيرتي * أمسى سراتهم إليك عزينا وقال عنترة: وقرن قد تركت لدى ~~ولى ms4064 * عليه الطير كالعصب العزينا وقيل أصلها عزوة من العزو، كأن كل فرقة ~~تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى. قال في الصحاح: PageV05P293 # والعزة الفرقة من الناس، والهاء عوض من التاء، والجمع عزى وعزون، وقوله ~~(عن اليمين وعن الشمال) متعلق بعزين، أو بمهطعين (أيطمع كل امرئ منهم أن ~~يدخل جنة النعيم) قال المفسرون: كان المشركون يقولون لئن دخل هؤلاء الجنة ~~لندخلن قبلهم، فنزلت الآية، قرأ الجمهور (أن يدخل) مبنيا للمفعول. وقرأ ~~الحسن وزيد بن علي وطلحة بن مصرف والأعرج ويحيى بن يعمر وأبو رجاء وعاصم في ~~رواية عنه على البناء للفاعل. ثم رد الله سبحانه عليهم فقال (كلا إنا ~~خلقناهم مما يعلمون) أي من القذر الذين يعلمون به فلا ينبغي لهم هذا ~~التكبر، وقيل المعنى: إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون، وهو امتثال الأمر ~~والنهي وتعريضهم للثواب والعقاب كما في قوله - وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون -، ومنه قول الأعشى: # ءأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذي هوى أن يزارا وقد أخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن ~~الهلوع فقال هو كما قال الله (إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا). ~~وأخرج ابن المنذر عنه (هلوعا) قال: # الشره. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود (الذين هم على صلاتهم ~~دائمون) قال: على مواقيتها. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمران بن حصين (الذين هم عن صلاتهم ~~دائمون) قال: الذي لا يلتفت في صلاته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عقبة بن عامر (الذين هم على صلاتهم ~~دائمون) قال: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا. وأخرج ابن المنذر من طريق أخرى ~~عنه نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) قال: ~~ينظرون (عن اليمين وعن الشمال عزين) قال: العصب من الناس عن يمين وشمال ~~معرضين يستهزئون به. وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال: دخل ms4065 علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم المسجد ونحن حلق متفرقون فقال: مالي أراكم عزين. ~~وأخرج أحمد وابن ماجة وابن سعد وابن أبي عاصم والباوردي وابن قانع والحاكم ~~والبيهقي في الشعب، والضياء عن بشر بن جحاش قال: قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) إلى قوله (كلا إنا خلقناهم ~~مما يعلمون) ثم بزق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كفه ووضع عليها ~~أصبعه وقال " يقول الله ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا ~~سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت ~~التراقي قلت أو أتى أوان الصدقة ". # سورة المعارج (4 - 44) قوله (فلا أقسم) لا زائدة كما تقدم قريبا، ~~والمعنى: فأقسم (برب المشارق والمغارب) يعنى مشرق كل يوم من أيام السنة ~~ومغربه. قرأ الجمهور " المشارق والمغارب " بالجمع، وقرأ أبو حيوة وابن ~~محيصن وحميد بالإفراد (إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم) أي على أن نخلق ~~أمثل منهم، وأطوع لله حين عصوه ونهلك هؤلاء PageV05P294 # (وما نحن بمسبوقين) أي بمغلوبين إن أردنا ذلك بل نفعل ما أردنا لا يفوتنا ~~شئ ولا يعجزنا أمر، ولكن مشيئتنا وسابق علمنا اقتضيا تأخير عقوبة هؤلاء ~~وعدم تبديلهم بخلق آخر (فذرهم يخوضوا ويلعبوا) أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ~~ويلعبوا في دنياهم، واشتغل بما أمرت به ولا يعظمن عليك ما هم فيه، فليس ~~عليك إلا البلاغ (حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) وهو يوم القيامة، وهذه ~~الآية منسوخة بآية السيف. قرأ الجمهور يلاقوا، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن ~~وحميد ومجاهد حتى يلقوا (يوم يخرجون من الأجداث سراعا) يوم بدل من يومهم، ~~وسراعا منتصب على الحال من ضمير يخرجون، قرأ الجمهور يخرجون على البناء ~~للفاعل. وقرأ السلمي والأعمش والمغيرة وعاصم في رواية على البناء للمفعول، ~~والأجداث جمع جدث، وهو القبر (كأنهم إلى نصب يوفضون) قرأ الجمهور " نصب " ~~بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ ابن عامر وحفص بضم النون والصاد، وقرأ عمرو ~~بن ميمون وأبو ms4066 رجاء بضم النون وإسكان الصاد. قال في الصحاح: والنصب ما نصب ~~فعبد من دون الله، وكذا النصب بالضم، وقد يحرك. قال الأعشى: # وذا النصب المنصوب لا تعبدنه * ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا والجمع ~~الأنصاب، وقال الأخفش والفراء: النصب جمع النصب، مثل رهن ورهن، والأنصاب ~~جمع النصب، فهو جمع الجمع، وقيل النصب جمع نصاب، وهو حجر أو صنم يذبح عليه، ~~ومنه قوله - وما ذبح على النصب - وقال النحاس: نصب ونصب بمعنى واحد، وقيل ~~معنى (إلى نصب) إلى غاية، وهي التي تنصب إليها بصرك، وقال الكلبي: إلى شئ ~~منصوب علم أو راية: أي كأنهم إلى علم يدعون إليه، أو راية تنصب لهم يوفضون. # قال الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها ~~من دون الله لا يلوى أولهم على آخرهم. وقال أبو عمرو: النصب شبكة الصائد ~~يسرع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته. ومعنى يوفضون: # يسرعون، والإيفاض الإسراع. يقال أوفض إيفاضا: أي أسرع إسراعا، ومنه قول ~~الشاعر: # فوارس ذبيان تحت الحديد * كالجن يوفض من عبقر وعبقر: قرية من قرى الجن ~~كما تزعم العرب، ومنه قول لبيد: كهول وشبان كجنة عبقر وانتصاب (خاشعة ~~أبصارهم) على الحال من ضمير يوفضون وأبصارهم مرتفعة به، والخشوع الذلة ~~والخضوع: أي لا يرفعونها لما يتوقعونه من العذاب (ترهقهم ذلة) أي تغشاهم ~~ذلة شديدة. قال قتادة: هي سواد الوجوه، ومنه غلام مراهق: إذا غشيه ~~الاحتلام، يقال رهقه بالكسر يرهقه رهقا: أي غشيه، ومثل هذا قوله - ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة - والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ذكره. وهو مبتدأ ~~وخبره (اليوم الذي كانوا يوعدون) أي الذي كانوا يوعدونه في الدنيا على ~~ألسنة الرسل قد حاق بهم وحضر ووقع بهم من عذابه ما وعدهم الله به، وإن كان ~~مستقبلا، فهو في حكم الذي قد وقع لتحقق وقوعه. # وقد أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) قال: للشمس كل ms4067 ~~يوم مطلع تطلع فيه، ومغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس وغير مغربها بالأمس. ~~وأخرج ابن جرير عنه (إلى نصب يوفضون) قال: إلى علم يستبقون. PageV05P295 # تفسير سورة نوح هي تسع وعشرون آية أو ثمان وعشرون آية وهي مكية وأخرج ابن ~~الضريس والنحاس وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت سورة (إنا ~~أرسلنا نوحا) بمكة سورة نوح (1 - 20) قوله (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) قد ~~تقدم أن نوحا أول رسول أرسله الله، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ ابن أخنوخ بن ~~قينان بن شيث بن آدم، وقد تقدم مدة لبثه في قومه، وبيان جميع عمره، وبيان ~~السن التي أرسل وهو فيها في سورة العنكبوت (أن أنذر قومك) أي بأن أنذر على ~~أنها مصدرية، ويجوز أن تكون هي المفسرة، لأن في الإرسال معنى القول. وقرأ ~~ابن مسعود " أنذر " بدون أن، وذلك على تقدير القول: أي انقلنا له أنذر من ~~قبل أن يأتيهم عذاب أليم) أي عذاب شديد الألم، وهو عذاب النار. وقال ~~الكلبي: هو ما نزل بهم من PageV05P296 # الطوفان، وجملة (قال يا قوم إني لكم نذير مبين) مستأنفة استئنافا بيانيا ~~على تقدير سؤال، كأنه قيل: فماذا قال نوح؟ فقال: قال لهم الخ. والمعنى: إني ~~لكم منذر من عقاب الله ومخوف لكم ومبين لما فيه نجاتكم (أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون) أن هي التفسيرية لنذير، أو هي المصدرية: أي بأن اعبدوا ~~الله ولا تشركوا به غيره واتقوه: # أي اجتنبوا ما يوقعكم في عذابه وأطيعون فيما آمركم به فإني رسول إليكم من ~~عند الله (يغفر لكم من ذنوبكم) هذا جواب الأمر، ومن للتبعيض: أي بعض ~~ذنوبكم، وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته. وقال السدى: المعنى ~~يغفر لكم ذنوبكم، فتكون من على هذا زائدة، وقيل المراد بالبعض ما لا يتعلق ~~بحقوق العباد، وقيل هي لبيان الجنس، وقيل يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه ~~منها (ويؤخركم إلى أجل مسمى) أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدره ~~الله لكم بشرط الإيمان والطاعة ms4068 فوق ما قدره لكم، على تقدير بقائكم على ~~الكفر والعصيان، وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم أن آمنوا وعدم ~~البركة فيها إن لم يؤمنوا. قال مقاتل: # يؤخركم إلى منتهى آجالكم. وقال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ~~ميتة المستأصلين بالعذاب. وقال الفراء: المعنى لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا ~~قتلا (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر) أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على ~~الكفر من العذاب إذا جاء وأنتم باقون على الكفر لا يؤخر بل يقع لا محالة ~~فبادروا إلى الإيمان والطاعة. وقيل المعنى: إن أجل الله وهو الموت إذا جاء ~~لا يمكنكم الإيمان، وقيل المعنى: إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو ~~بغير عذاب (لو كنتم تعلمون) أي شيئا من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به، أو ~~لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) أي ~~قال نوح مناديا لربه وحاكيا له ما جرى بينه وبين قومه وهو أعلم به منه، إني ~~دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان دعاء دائما في الليل ~~والنهار من غير تقصير (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا عما) دعوتهم إليه وبعدا ~~عنه. قال مقاتل: يعنى تباعدا من الإيمان، وإسناد الزيادة إلى الدعاء لكونه ~~سببها، كما في قوله - زادتهم إيمانا - قرأ الجمهور " دعائي " بفتح الياء، ~~وقرأ الكوفيون ويعقوب والدوري عن أبي عمرو بإسكانها، والاستثناء مفرغ (وإني ~~كلما دعوتهم لتغفر لهم) أي كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة، وهو الإيمان بك، ~~والطاعة لك (جعلوا أصابعهم في آذانهم) لئلا يسمعوا صوتي (واستغشوا ثيابهم) ~~أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني، وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا ~~كلامي، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الآذان، وقيل هو كناية عن ~~العداوة، يقال لبس فلان ثياب العداوة، وقيل استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم ~~فيدعوهم (وأصروا) أي استمروا على الكفر، ولم يقلعوا عنه ولا تابوا عنه ~~(واستكبروا) عن قبول الحق، وعن امتثال ما أمرهم به (استكبارا) ms4069 شديدا (ثم ~~إني دعوتهم جهارا) أي مظهرا لهم الدعوة مجاهرا لهم بها (ثم إني أعلنت لهم) ~~أي دعوتهم معلنا لهم بالدعاء (وأسررت لهم إسرارا) أي وأسررت لهم الدعوة ~~إسرارا كثيرا، قيل المعنى: أن يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سرا فيما بينه ~~وبينه، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجع ذلك ~~فيهم. قال مجاهد: معنى أعلنت صحت، وقيل معنى أسررت: أتيتهم في منازلهم ~~فدعوتهم فيها. وانتصاب جهارا على المصدرية، لأن الدعاء يكون جهارا ويكون ~~غير جهار، فالجهار نوع من الدعاء كقولهم: قعد القرفصاء، ويجوز أن يكون نعت ~~مصدر محذوف: أي دعاء جهارا، وأن يكون مصدرا في موضع الحال: أي مجاهرا، ~~ومعنى " ثم " الدلالة على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار، ~~والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما. قرأ الجمهور " إني " بسكون الياء، وقرأ ~~أبو عمرو والحرميون بفتحها (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا) أي سلوه ~~المغفرة من ذنوبكم السابقة بإخلاص النية PageV05P297 # (إنه كان غفارا) أي كثير المغفرة للمذنبين، وقيل معنى استغفروا: توبوا عن ~~الكفر إنه كان غفارا للتائبين (يرسل السماء عليكم مدرارا) أي يرسل ماء ~~السماء عليكم، ففيه إضمار، وقيل المراد بالسماء المطر، كما في قول الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا والمدرار: الدرور، وهو ~~التحلب بالمطر، وانتصابه إما على الحال من السماء، ولم يؤنث لأن مفعالا لا ~~يؤنث، تقول امرأة مئناث ومذكار، قد أو على أنه نعت لمصدر محذوف: أي إرسالا ~~مدرارا، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام، وجزم يرسل لكونه جواب ~~الأمر. وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول ~~أنواع الأرزاق، ولهذا قال (ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات) يعنى ~~بساتين (ويجعل لكم أنهارا) جارية. قال عطاء: المعنى يكثر أموالكم وأولادكم. ~~أعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في ~~الآخرة الخصب والغنى في الدنيا (ما لكم لا ترجون لله وقارا) أي أي عذرا لكم ~~في ترك الرجاء، والرجاء هنا بمعنى الخوف: ms4070 أي ما لكم لا تخافون الله، ~~والوقار العظمة من التوقير وهو التعظيم، والمعنى لا تخافون حق عظمته ~~فتوحدونه وتطيعونه، و (لا ترجون) في محل نصب على الحال من ضمير المخاطبين، ~~والعامل فيه معنى الاستقرار في لكم، ومن إطلاق الرجاء على الخوف قول الهذلي ~~إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي ~~رباح ما لكم لا ترجون لله ثوابا ولا تخافون منه عقابا. وقال مجاهد والضحاك: ~~ما لكم لا تبالون لله عظمة. قال قطرب: هذه لغة حجازية. وهذيل وخزاعة ومضر ~~يقولون: لم أرج لم أبل. وقال قتادة: ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. ~~وقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على ~~توقيركم خيرا. وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤدون لله طاعة. وقال الحسن: ما لكم ~~لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة، وجملة (وقد خلقكم أطوارا) في محل ~~نصب على الحال: أي والحال أنه سبحانه قد خلقكم على أطوار مختلفة: نطفة، ثم ~~مضغة، ثم علقة إلى تمام الخلق كما تقدم بيانه في سورة المؤمنين، والطور في ~~اللغة المرة، وقال ابن الأنباري: الطور الحال وجمعه أطوار، وقيل أطوارا ~~صبيانا ثم شبانا ثم شيوخا، وقيل الأطوار اختلافهم في الأفعال والأقوال ~~والأخلاق، والمعنى: كيف تقصرون كل في توقير من خلقكم على هذه الأطوار ~~البديعة (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا) الخطاب لمن يصلح له، ~~والمراد الاستدلال بخلق السماوات على كمال قدرته وبديع صنعه، وأنه الحقيق ~~بالعبادة: والطباق المتطابقة بعضها فوق بعض كل سماء مطبقة على الأخرى ~~كالقباب. قال الحسن: خلق الله سبع سماوات على سبع أرضين بين كل سماء وسماء ~~وأرض وأرض خلق وأمر، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله - ومن الأرض مثلهن - ~~وانتصاب طباقا على المصدرية، تقول طابقه مطابقة وطباقا، أو حال بمعنى ذات ~~طباق، فحذف ذات وأقام طباقا مقامه، وأجاز الفراء في غير القرآن جر طباقا ~~على النعت (وجعل القمر فيهن نورا) أي منورا ms4071 لوجه الأرض، وجعل القمر في ~~السماوات مع كونها في سماء الدنيا، لأنها إذا كانت في إحداهن، فهي فيهن، ~~كذا قال ابن كيسان. قال الأخفش: كما تقول أتاني بنو تميم، والمراد بعضهم. ~~وقال قطرب فيهن بمعنى معهن: أي خلق القمر والشمس مع خلق السماوات والأرض، ~~كما في قول امرئ القيس: # وهل ينعمن من كان آخر عهده * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال أي مع ثلاثة ~~أحوال (وجعل الشمس سراجا) أي كالمصباح لأهل الأرض ليتوصلوا بذلك إلى التصرف ~~فيما PageV05P298 # يحتاجون إليه من المعاش (والله أنبتكم من الأرض نباتا) يعنى آدم خلقه ~~الله من أديم الأرض، والمعنى: أنشأكم منها إنشاء، فاستعير الإنبات للإنشاء ~~لكونه أدل على الحدوث والتكوين، ونباتا إما مصدر لأنبت على حذف الزوائد أو ~~مصدر لفعل محذوف: أي أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا. وقال الخليل والزجاج: هو ~~مصدر محمول على المعنى، لأن معنى أنبتكم: جعلكم تنبتون نباتا. وقيل المعنى: ~~والله أنبت لكم من الأرض النبات فنباتا على هذا مفعول به. قال ابن بحر: ~~أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر (ثم يعيدكم فيها) أي ~~في الأرض (ويخرجكم إخراجا) يعنى يخرجكم منها بالبعث يوم القيامة (والله جعل ~~لكم الأرض بساطا) أي فرشها وبسطها لكم تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في ~~بيوتكم (لتسلكوا منها سبلا فجاجا) أي طرقا واسعة، والفجاج جمع فج وهو ~~الطريق الواسع، كذا قال الفراء وغيره، وقيل الفج: المسلك بين الجبلين، وقد ~~مضى تحقيق هذا في سورة الأنبياء وفي سورة الحج مستوفى. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (وجعلوا أصابعهم في آذانهم) ~~قال: لئلا يسمعوا ما يقول (واستغشوا ثيابهم) قال: ليتنكروا فلا يعرفهم ~~(واستكبروا استكبارا) قال: تركوا التوبة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ~~عنه (واستغشوا ثيابهم) قال: غطوا وجوههم لئلا يروا نوحا ولا يسمعوا كلامه. ~~وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب عنه أيضا في قوله (ما ~~لكم لا ترجون لله وقارا) قال: لا تعلمون لله عظمة. وأخرج ابن جرير والبيهقي ~~عنه ms4072 أيضا (وقارا) قال عظمة. وفي قوله (وقد خلقكم أطوارا) قال: # نطفة ثم علقة ثم مضغة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا في الآية قال: لا تخافون لله عظمة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: ~~لا تخشون له عقابا ولا ترجون له ثوابا. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي ~~بن أبي طالب " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ناسا يغتسلون عراة ليس ~~عليهم أزر، فوقف فنادى بأعلى صوته (ما لكم لا ترجون لله وقارا) ". وأخرج ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن ~~عمرو قال: الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ ~~بذلك عليكم أنه من كتاب الله (وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا). ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمر ~~قال: تضئ لأهل السماوات كما تضئ لأهل الأرض. وأخرج عبد ابن حميد عن شهر بن ~~حوشب قال: اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار وقد كان بينهما ~~بعض العتب فتعاتبا فذهب ذلك، فقال عبد الله بن عمرو لكعب: سلني عما شئت فلا ~~تسألني عن شئ إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له: أرأيت ضوء الشمس ~~والقمر أهو في السماوات السبع كما هو في الأرض؟ # قال نعم: ألم تروا إلى قول الله (خلق سبع سماوات طباقا، وجعل القمر فيهن ~~نورا وجعل الشمس سراجا. # وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن ابن عباس (وجعل ~~القمر فيهن نورا) قال: # وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض. وأخرج عبد بن حميد من طريق ~~الكلبي عن أبي صالح عنه (وجعل القمر فيهن نورا) قال: خلق فيهن حين خلقهن ~~ضياء لأهل الأرض، وليس في السماء من ضوئه شئ. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا (سبلا فجاجا) قال: طرقا مختلفة. ~~PageV05P299 # قوله (قال نوح رب إنهم عصوني) أي استمروا على عصياني ms4073 ولم يجيبوا دعوتي، ~~شكاهم إلى الله عز وجل، أخبره بأنهم عصوه ولم يتبعوه وهو أعلم بذلك ~~(واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا) أي اتبع الأصاغر رؤساءهم، وأهل ~~الثروة منهم الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة ~~في الآخرة. قرأ أهل المدينة والشام وعاصم وولده بفتح الواو واللام. وقرأ ~~الباقون بسكون اللام، وهي لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعا، وقد تقدم ~~تحقيقه، ومعنى واتبعوا: أنهم استمروا على اتباعهم لا أنهم أحدثوا الاتباع ~~(ومكروا مكرا كبارا) أي مكرا كبيرا عظيما، يقال: كبير وكبار وكبار مثل عجيب ~~وعجاب وعجاب، وجميل وجمال وجمال. قال المبرد: كبارا بالتشديد للمبالغة، ~~ومثل كبارا قراء لكثير القراءة، وأنشد ابن السكيت: # بيضاء تصطاد القلوب وتستبي * بالحسن قلب المسلم القراء قرأ الجمهور " ~~كبارا " بالتشديد. وقرأ ابن محيصن وحميد ومجاهد بالتخفيف. قال أبو بكر: هو ~~جمع كبير كأنه جعل مكرا مكان ذنوب أو أفاعيل، فلذلك وصفه بالجمع. وقال عيسى ~~بن عمر: هي لغة يمانية. # واختلف في مكرهم هذا ما هو؟ فقيل هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح، وقيل هو ~~تغريدهم على الناس بما أوتوا من المال والولد حتى قال الضعفة: لولا أنهم ~~على الحق لما أوتوا هذه النعم. وقال الكلبي: هو ما جعلوه لله من الصاحبة ~~والولد. وقال مقاتل: هو قول كبرائهم لأتباعهم لا تذرن آلهتكم، وقيل مكرهم ~~كفرهم (وقالوا لا تذرن آلهتكم) أي لا تتركوا عبادة آلهتكم، وهي الأصنام ~~والصور التي كانت لهم، ثم عبدتها العرب من بعدهم، وبهذا قال الجمهور (ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) أي لا تتركوا عبادة هذه. قال ~~محمد ابن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فنشأ بعدهم قوم ~~يقتدون بهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأسوق ~~إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم من بعدهم فقال لهم إبليس: # إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان ~~من ذلك الوقت، وسميت هذه الصور بهذه ms4074 الأسماء لأنهم صوروها على صورة أولئك ~~القوم. وقال عروة بن الزبير وغيره: إن هذه كانت أسماء لأولاد آدم، وكان ود ~~أكبرهم. قال الماوردي: فأما ود فهو أول صنم معبود، سمى ودا لودهم له، وكان ~~بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل، وفيه يقول ~~شاعرهم: PageV05P300 # حياك ود فإن لا يحل لنا * لهو النساء وإن الدين قد غربا وأما سواع فكان ~~لهذيل بساحل البحر، وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف من سبأ في قول ~~قتادة. # وقال المهدوي: لمراد ثم لغطفان، وأما يعوق فكان لهمدان في قول قتادة ~~وعكرمة وعطاء. وقال الثعلبي: كان لكهلان بن سبأ، ثم توارثوه حتى صار في ~~همدان، وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني: # يريش الله في الدنيا ويبري * ولا يبري يعوق ولا يريش * وأما نسر فكان لذي ~~الكلاع من حمير في قول قتادة ومقاتل. قرأ الجمهور " ودا " بفتح الواو. وقرأ ~~نافع بضمها. قال الليث: ود بضم الواو صنم لقريش، وبفتحها صنم كان لقوم نوح، ~~وبه سمى عمرو بن ود. قال في الصحاح، والود بالفتح: الوتد في لغة أهل نجد ~~كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال. وقرأ الجمهور " ولا يغوث ويعوق " ~~بغير تنوين، فإن كانا عربيين فالمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وإن كانا ~~عجميين فللعجمية والعلمية. وقرأ الأعمش " ولا يغوثا ويعوقا " بالصرف. قال ~~ابن عطية: وذلك وهم. ووجه تخصيص هذه الأصنام بالذكر مع دخولها تحت الآلهة، ~~لأنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها (وقد أضلوا كثيرا) أي أضل كبراؤهم ~~ورؤساؤهم كثيرا من الناس، وقيل الضمير راجع إلى الأصنام: أي أضل بسببها ~~كثير من الناس كقول إبراهيم - رب إنهن أضللن كثيرا من الناس - وأجري عليهم ~~ضمير من يعقل لاعتقاد الكفار الذين يعبدونها أنها تعقل (ولا تزد الظالمين ~~إلا ضلالا) معطوف على - رب إنهم عصوني - ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا ~~عليهم بالظلم. وقال أبو حيان: إنه معطوف على قد أضلوا، ومعنى الإضلالا إلا ~~عذابا: كذا قال ابن بحر، واستدل على ذلك بقوله - إن المجرمين في ضلال ms4075 وسعر ~~-، وقيل إلا خسرانا، وقيل إلا فتنة بالمال والولد، وقيل الضياع، وقيل ضلالا ~~في مكرهم (مما خطيئاتهم أغرقوا) ما مزيدة للتأكيد، والمعنى: من خطيئاتهم: ~~أي من أجلها وبسببها أغرقوا بالطوفان (فأدخلوا نارا) عقب ذلك، وهي نار ~~الآخرة، وقيل عذاب القبر. قرأ الجمهور " خطيئاتهم " على جمع السلامة، وقرأ ~~أبو عمرو " خطاياهم " على جمع التكسير، وقرأ الجحدري وعمرو بن عبيد والأعمش ~~وأبو حيوة وأشهب العقيلي خطيئتهم على الإفراد. قال الضحاك عذبوا بالنار في ~~الدنيا مع الغرق في حالة واحدة كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في جانب. قرأ ~~الجمهور " أغرقوا " من أغرق، وقرأ زيد بن علي " غرقوا " بالتشديد (فلم ~~يجدوا لهم من دون الله أنصارا) أي لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله ~~ويدفعه عنهم (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) معطوف على ~~(قال نوح رب إنهم عصوني) لما أيس نوح عليه السلام من إيمانهم وإقلاعهم عن ~~الكفر دعا عليهم بالهلاك. قال قتادة: دعا عليهم بعد أن أوحى إليه - إنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن - فأجاب الله دعوته وأغرقهم. وقال محمد بن كعب ~~ومقاتل والربيع بن أنس وابن زيد وعطية: إنما قال هذا حين أخرج الله كل مؤمن ~~من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام النساء وأصلاب الآباء قبل العذاب ~~بسبعين سنة، وقيل بأربعين. قال قتادة: لم يكن فيهم صبي وقت العذاب. # وقال الحسن وأبو العالية: لو أهلك الله أطفالهم معهم كان عذابا من الله ~~لهم وعدلا فيهم ولكن أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب ثم أهلكهم بالعذاب، ~~ومعنى ديارا: من يسكن الديار، وأصله ديوار على فيعال، من دار يدور، فقلبت ~~الواو ياء وأدغمت إحداهما في الآخرى، مثل القيام أصله قيوام، وقال القتيبي: ~~أصله من الدار: أي نازل بالدار، يقال ما بالدار ديار: أي أحد، وقيل الديار: ~~صاحب الديار، والمعنى: لا تدع أحدا منهم إلا أهلكته (إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك) أي إن تتركهم على الأرض يضلوا عبادك عن طريق الحق (ولا يلدوا إلا ~~PageV05P301 # فاجرا كفارا) أي إلا ms4076 فاجرا بترك طاعتك كفارا لنعمتك: أي كثير الكفران ~~لها، والمعنى: إلا من سيفجر ويكفر. ثم لما دعا على الكافرين أتبعه بالدعاء ~~لنفسه ووالديه والمؤمنين، فقال (رب اغفر لي ولوالدي) وكانا مؤمنين، وأبوه ~~لأمك بن متوشلخ كما تقدم، وأمه سمحاء بنت أنوش، وقيل أراد آدم وحواء. وقال ~~سعيد بن جبير: أراد بوالديه أباه وجده. وقرأ سعيد بن جبير " ولوالدي " بكسر ~~الدال على الافراد. (ولمن دخل بيتي قال الضحاك والكلبي: يعني مسجده، وقيل ~~منزله الذي هو ساكن فيه، وقيل سفينته، وقيل لمن دخل في دينه، وانتصاب ~~(مؤمنا) على الحال: أي لمن دخل بيتي متصفا بصفة الإيمان فيخرج من دخله غير ~~متصف بهذه الصفة كامرأته وولده الذي قال - سآوي إلى جبل يعصمني من الماء - ~~ثم عمم الدعوة، فقال (وللمؤمنين والمؤمنات) أي واغفر لكل متصف بالإيمان من ~~الذكور والإناث. ثم عاد إلى الدعاء على الكافرين، فقال (ولا تزد الظالمين ~~إلا تبارا) أي لا تزد المتصفين بالظلم إلا هلاكا وخسرانا ودمارا، وقد شمل ~~دعاؤه هذا كل ظالم إلى يوم القيامة كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات كل ~~مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) قال: هذه الأصنام كانت تعبد في زمن نوح. وأخرج ~~البخاري وابن المنذر وابن مردويه عنه قال: # صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح في العرب. أما ود فكانت لكلب ~~بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف، ~~وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال ~~صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى ~~مجلسهم الذي كانوا يجلسون فيه أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى ~~هلك أولئك ونسخ العلم فعبدت. # تفسير سورة الجن هي ثمان وعشرون آية وهي مكية. قال القرطبي: في قول ~~الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة الجن ms4077 بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة وابن الزبير مثله. ~~PageV05P302 # قوله (قل أوحى إلى) قرأ الجمهور " أوحى " رباعيا. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو ~~إياس والعتكي عن أبي عمرو " وحى " ثلاثيا، وهما لغتان. واختلف هل رآهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم لم يرهم؟ فظاهر القرآن أنه لم يرهم، لأن ~~المعنى: قل يا محمد لأمتك أوحى إلى علي لسان جبريل (أنه استمع نفر من الجن) ~~ومثله قوله - وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن - ويؤيد هذا ما ~~ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على الجن وما رآهم. قال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم هي - اقرأ باسم ربك الذي خلق - وقد تقدم في سورة الأحقاف ~~ذكر ما يفيد زيادة في هذا. قوله (أنه استمع نفر من الجن) هذا هو القائم ~~مقام الفاعل، ولهذا فتحت أن، والضمير للشأن، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن ~~يكون القائم مقام الفاعل الجار والمجرور، والنفر اسم للجماعة ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة. قال الضحاك: # والجن ولد الجان وليسوا شياطين. وقال الحسن: إنهم ولد إبليس. قيل هم ~~أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية، وقيل نوع من الأرواح ~~المجردة، وقيل هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها. # وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار ~~لقوله في سورة تبارك - وجعلناها رجوما للشياطين. وأعتدنا لهم عذاب السعير - ~~وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة، - وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا - ~~وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة، وقال مجاهد: لا يدخلونها ~~وإن صرفوا عن النار، والأول أولى لقوله في سورة الرحمن - لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان - وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد ~~قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلا منهم، بل الرسل جميعا من الإنس، ~~وإن أشعر قوله - ألم يأتكم رسل منكم - بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات ~~كثيرة في الكتاب ms4078 العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني ~~آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة (فقالوا ~~إذا سمعنا قرآنا عجبا) أي قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم: أي سمعنا كلاما ~~مقروءا عجبا في فصاحته وبلاغته، وقيل عجبا في مواعظه، وقيل في بركته، وعجبا ~~مصدر وصف به للمبالغة، أو على حذف المضاف: أي ذا عجب أو المصدر بمعنى اسم ~~الفاعل: أي معجبا (يهدي إلى الرشد) أي إلى مراشد الأمور، وهي الحق والصواب، ~~وقيل إلى معرفة الله، والجملة صفة أخرى للقرآن (فآمنا به) أي صدقنا به بأنه ~~من عند الله (ولن نشرك بربنا أحدا) من خلقه ولا نتخذ معه إلها آخر، لأنه ~~المتفرد بالربوبية، وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن بسماع ~~القرآن مرة واحدة وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه وأدركوا بعقولهم أنه كلام ~~الله وآمنوا به ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعة مرات ~~متعددة وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة مع كون الرسول منهم PageV05P303 # يتلوه عليهم بلسانهم لا جرم صرعهم الله أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل، ~~ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون (وأنه تعالى جد ربنا) قرأه حمزة ~~والكسائي وابن عامر وحفص وعلقمة ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف والسلمي (وأنه ~~تعالى) بفتح أن، وكذا قرءوا فيما بعدها مما هو معطوف عليها، وذلك أحد عشر ~~موضعا إلى قوله (وأنه لما قام عبد الله) وقرأ الباقون بالكسر في هذه ~~المواضع كلها إلا في قوله (وإن المساجد لله) فإنهم اتفقوا على الفتح، أما ~~من قرأ بالفتح في هذه المواضع، فعلى العطف على محل الجار والمجرور في ~~(فآمنا به) كأنه قيل فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا الخ، وأما من قرأ ~~بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على إنا سمعنا: أي فقالوا: إنا سمعنا ~~قرآنا، وقالوا إنه تعالى جد ربنا إلى آخره. واختار أبو حاتم وأبو عبيد ~~قراءة الكسر لأنه كله من كلام الجن ومما هو محكي عنهم بقوله فقالوا إنما ~~سمعنا. وقرأ أبو ms4079 جعفر وشعبة بالفتح في ثلاثة مواضع، وهي - وأنه تعالى جد ~~ربنا. وأنه كان يقول سفيهنا. وأنه كان رجال من الإنس - قالا: لأنه من ~~الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجن. وقرأ الجمهور " وأنه لما قام عبد ~~الله " بالفتح لأنه معطوف على قوله: أنه استمع. وقرأ نافع وابن عامر وشيبة ~~وزر بن حبيش وأبو بكر والمفضل عن عاصم بالكسر في هذا الموضع عطفا على فآمنا ~~به بذلك التقرير السابق، واتفقوا على الفتح في " أنه استمع " كما اتفقوا ~~على الفتح في " أن المساجد " وفي " وأن لو استقاموا " واتفقوا على الكسر في ~~" فقالوا إنا سمعنا " و " قل إنما ادعوا ربي " و " قل إن أدرى " و " قل إني ~~لا أملك لكم ". # والجد عند أهل اللغة العظمة والجلال، يقال جد في عيني: أي عظم، فالمعنى: ~~ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة ومجاهد. وقال الحسن: المراد تعالى ~~غناه، ومنه قيل للحظ جد، ورجل مجدود: أي محظوظ وفي الحديث " ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد " قال أبو عبيد والخليل: أي لا ينفع ذا الغنى منك الغنى: # أي إنما تنفعه الطاعة، وقال القرطبي والضحاك: جده آلاؤه ونعمه على خلقه. ~~وقال أبو عبيدة والأخفش: # ملكه وسلطانه. وقال السدي: أمره. وقال سعيد بن جبير (وأنه تعالى جد ربنا) ~~أي تعالى ربنا، وقيل جده قدرته. وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر ~~الصادق والربيع بن أنس: ليس لله جد، وإنما قالته الجن للجهالة. قرأ الجمهور ~~" جد " بفتح الجيم، وقرأ عكرمة وأبو حيوة ومحمد بن السميفع بكسر الجيم، وهو ~~ضد الهزل، وقرأ أبو الأشهب " جدي ربنا " أي جدواه ومنفعته. وروى عن عكرمة ~~أيضا أنه قرأ بتنوين " جد " ورفع " ربنا " على أنه بدل من جد (ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا) هذا بيان لتعالي جده سبحانه. قال الزجاج: تعالى جلال ربنا ~~وعظمته عن أن يتخذ صاحبه أو ولدا، وكأن الجن نبهوا بهذا على خطأ الكفار ~~الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزهوا الله سبحانه عنهما (وإنه كان ~~يقول سفيهنا على الله ms4080 شططا) الضمير في أنه للحديث أو الأمر، وسفيهنا يجوز ~~أن يكون اسم كان، ويقول الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة ~~خبر كان، واسمها ضمير يرجع إلى الحديث أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ~~ومرادهم بسيفهم عصاتهم ومشركوهم. وقال مجاهد وابن جريج وقتادة: أرادوا به ~~إبليس، والشطط: الغلو في الكفر. وقال أبو مالك: # الجور، وقال الكلبي: الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحد، ومنه قول ~~الشاعر: # بأية حال حكموا فيك فاشتطوا * وما ذاك إلا حيث يممك الوخط (وإنا ظننا أن ~~لن تقول الإنس والجن على الله كذبا) أي إنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا ~~يكذبون على الله بأن له شريكا وصاحبة وولدا، فلذلك صدقناهم في ذلك حتى ~~سمعنا القرآن، فعلمنا بطلان قولهم وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، ~~وانتصاب كذبا على أنه مصدر مؤكد ليقول، لأن الكذب نوع من القول، أو صفة ~~PageV05P304 # لمصدر محذوف: أي قولا كذبا. وقرأ يعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق " أن لن ~~تقول " من التقول، فيكون على هذه القراءة كذبا مفعول به (وإنه كان رجال من ~~الإنس يعودون برجال من الجن) قال الحسن وابن زيد وغيرهما: كان العرب إذا ~~نزل الرجل بواد قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جواره ~~حتى يصبح، فنزلت هذه الآية. قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل ~~اليمين، ثم من بنى حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا ~~بالله وتركوهم (فزادوهم رهقا) أي زاد رجال الجن من تعوذ بهم من رجال الإنس ~~رهقا: أي سفها وطغيانا، أو تكبرا وعتوا، أو زاد المستعيذون من رجال الإنس ~~من استعاذوا بهم من رجال الجن رهقا، لأن المستعاذ بهم كانوا يقولون سدنا ~~الجن والإنس. وبالأول قال مجاهد وقتادة، وبالثاني قال أبو العالية وقتادة ~~والربيع بن أنس وابن زيد. والرهق في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم، ~~ورجل رهق: إذا كان كذلك، ومنه قوله - ترهقهم ذلة - أي تغشاهم، ومنه قول ~~الأعشى: # لا شئ ينفعني ms4081 من دون رؤيتها * هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا يعني إثما. ~~وقيل الرهق: الخوف: أي أن الجن زادت الإنس بهذا التعوذ بهم خوفا منهم، وقيل ~~كان الرجل من الإنس يقول: أعوذ بفلان من سادات العرب من جن هذا الوادي، ~~ويؤيد هذا ما قيل من أن لفظ رجال لا يطلق على الجن، فيكون قوله برجال وصفا ~~لمن يستعيذون به من رجال الإنس: أي يعوذون بهم من شر الجن، فيكون قوله ~~برجال وصفا لمن يستعيذون به من رجال الإنس: أي يعوذون بهم من شر الجن، وهذا ~~فيه بعد، وإطلاق لفظ رجال على الجن على تسليم عدم صحته لغة لا مانع من ~~إطلاقه عليهم هنا من باب المشاكلة (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله ~~أحدا) هذا من قول الجن للإنس: أي وإن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس أنه ~~لا بعث. وقيل المعنى: وإن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن، والمعنى: أنهم ~~لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون (وإنا لمسنا السماء) هذا من قول الجن ~~أيضا: أي طلبنا خبرها كما به جرت عادتنا (فوجدناها ملئت حرسا) من الملائكة ~~يحرسونها عن استراق السمع، والحرس جمع حارس، و (شديد) صفة لحرسا: أي قويا ~~(وشهبا) جمع شهاب، وهو الشعلة المقتبسة من نار الكوكب كما تقدم بيانه في ~~تفسير قوله - وجعلناها رجوما للشياطين - ومحل قوله (ملئت حرسا شديدا) النصب ~~على أنه ثاني مفعولي وجدنا، لأنه يتعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يكون متعديا ~~إلى مفعول واحد، فيكون محل الجملة النصب على الحال بتقدير قد، وحرسا منصوب ~~على التمييز، ووصفه بالمفرد اعتبارا باللفظ، كما يقال السلف الصالح: أي ~~الصالحين (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) أي وأنا كنا معشر الجن قبل هذا ~~نقعد من السماء مقاعد للسمع: أي مواضع نقعد في مثلها لاستماع الأخبار من ~~السماء، وللسمع متعلق بنقعد: أي لأجل السمع، أو بمضمر هو صفة لمقاعد: أي ~~مقاعد كائنة للسمع، والمقاعد جمع مقعد اسم مكان، وذلك أن مردة الجن كانوا ~~يفعلون ذلك ليسمعوا من ms4082 الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها ~~الله سبحانه ببعثه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالشهب المحرقة، وهو معنى ~~قوله (فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) أي أرصد له ليرمي به، أو لأجله ~~لمنعه من السماع، وقوله " الآن " هو ظرف للحال واستعير للاستقبال، وانتصاب ~~رصدا على أنه صفة لشهابا، أو مفعول له، وهو مفرد ويجوز أن يكون اسم جمع ~~كالحرس. # وقد اختلفوا هل كانت الشياطين ترمي بالشهب قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم: ~~لم يكن ذلك. وحكى الواحدي عن معمر قال: قلت للزهري: أكان يرمي بالنجوم في ~~الجاهلية؟ قال نعم، قلت: أفرأيت قوله " وأنا PageV05P305 # كنا نقعد منها) الآية، قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. قال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله ~~في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا ~~من ذلك أصلا. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين ~~عيسى ومحمد، فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرست السماء، ورميت ~~الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو إلى السماء. # وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمي، فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رميت بالشهب، وقد تقدم البحث عن هذا ~~(وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) أي لا ندري ~~أشر أريد بأهل الأرض بسبب هذه الحراسة للسماء، أم أراد بهم ربهم رشدا: أي ~~خيرا. قال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري أراد الله بهذا المنع أن ينزل على ~~أهل الأرض عذابا أو يرسل إليهم رسولا، وارتفاع " أشر " على الاشتغال، أو ~~على الابتداء، وخبره ما بعده، والأول أولى، والجملة سادة مسد مفعولي ندري، ~~والأولى أن هذا من قول الجن فيما بينهم، وليس من قول إبليس كما قال ابن زيد ~~(وأنا منا الصالحون) أي قال بعض لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد ~~صلى الله ms4083 عليه وآله وسلم: وأنا كنا قبل استماع القرآن منا الموصوفون ~~بالصلاح (ومنا دون ذلك) أي قوم دون ذلك) أي قوم دون ذلك: أي دون الموصوفين ~~بالصلاح، وقيل أراد بالصالحون المؤمنين، وبمن هم دون ذلك الكافرين، والأول ~~أولى، ومعنى (كنا طرائق قددا) أي جماعات متفرقة وأصنافا مختلفة، والقدة: ~~القطعة من الشئ، وصار القوم قددا: إذا تفرقت أحوالهم، ومنه قول الشاعر: # القابض الباسط الهادي لطاعته * في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد والمعنى: ~~كنا ذوي طرائق قددا، أو كانت طرائقنا طرائق قددا، أو كنا مثل طرائق قددا، ~~ومن هذا قول لبيد: لم تبلغ العين كل نهمتها * يوم تمشي الجياد بالقدد وقوله ~~أيضا: ولقد قلت وزيد حاسر * يوم ولت خيل عمرو قددا قال السدي والضحاك: ~~أديانا مختلفة، وقال قتادة: أهواء متباينة. وقال سعيد بن المسيب: كانوا ~~مسلمين ويهود ونصارى ومجوس، وكذا قال مجاهد. قال الحسن: الجن أمثالكم قدرية ~~ومرجئة ورافضة وشيعة، وكذا قال السدي: (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في ~~الأرض) الظن هنا بمعنى العلم واليقين: أي وإنا علمنا أن الشأن لن نعجز الله ~~في الأرض أينما كنا فيها، ولن نفوته إن أراد بنا أمرا (ولن نعجزه هربا) أي ~~هاربين منها، فهو مصدر في موضع الحال (وأنا لما سمعنا اهدى) يعنون القرآن ~~(آمنا به) وصدقنا أنه من عبد الله ولم نكذب به كما كذبت به كفرة الإنس (فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا) أي لا يخاف نقصا في عمله وثوابه، ولا ~~ظلما ومكروها يغشاه، والبخس النقصان، والرهق العدوان والطغيان، والمعنى: لا ~~يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته، وقد تقدم تحقيق الرهق ~~قريبا. قرأ الجمهور " بخسا " بسكون الخاء. وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها. وقرأ ~~يحيى بن وثاب والأعمش " فلا يخف " جزما على جواب الشرط، ولا وجه لهذا بعد ~~دخول الفاء، والتقدير: فهو لا يخاف والأمر ظاهر. # وقد اخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال: انطلق ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة من أصحابه ms4084 عامدين إلى سوق عكاظ، ~~وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين ~~إلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت ~~علينا الشهب - PageV05P306 # قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شئ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ~~ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف ~~أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بنخلة ~~عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن ~~استمعوا له قالوا - هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين ~~رجعوا إلى قومهم (فقالوا) يا قومنا (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم (قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن) وإنما أوحي إليه قول الجن. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله (قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن) قال: ~~كانوا من جن نصيبين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (وأنه تعالى ~~جد ربنا) قال: آلاؤه وعظمته. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية ~~قال: أمره وقدرته. وأخرج ابن مردويه والديلمي قال السيوطي بسند واه عن أبي ~~موسى الأشعري مرفوعا في قوله (وأنه كان يقول سفيهنا) قال: إبليس. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء والطبراني وأبو ~~الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري ~~قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعى غنم، فلما انتصف الليل جاء ~~ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى ~~مناديا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم وأنزل الله على ~~رسوله بمكة (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) الآية. وأخرج ~~ابن جرير وابن ms4085 مردويه عن ابن عباس في قوله (فزادوهم رهقا) قال: إنما. وأخرج ~~ابن مردويه عنه قال: كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا: نعوذ ~~بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فلا يكون بشئ أشد ولعا منهم بهم، فذلك قوله ~~(فزادهم رهقا). وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه ~~والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس ~~قال: كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا ~~الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا، فيكون ~~باطلا، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ~~ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمي بها قبل ذلك، فقال لهم: ما هذا إلا من أمر ~~قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قائما يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في ~~الأرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله (وأنا منا الصالحون ومنا ~~دون ذلك) يقول: منا المسلم، ومنا المشرك، و (كنا طرائق قددا) أهواء شتى. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (فلا يخاف بخسا ولا رهقا) قال: لا ~~يخاف نقصا من حسناته ولا زيادة في سيئاته (سورة الجن (14 - 28) PageV05P307 # قوله (وأنا منا المسلمون) هم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(ومنا القاسطون) أي الجائرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق، ومالوا ~~إلى طريق الباطل، يقال قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل (فمن أسلم فأولئك ~~تحروا رشدا) أي قصدوا طريق الحق. قال الفراء: أموا الهدى (وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا) أي وقودا للنار توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس (وألوا ~~استقاموا على الطريقة) هذا ليس من قول الجن بل هو معطوف على (أنه استمع نفر ~~من الجن) والمعنى: وأوحى إلى أن الشأن لو استقام الجن أو الإنس أو كلاهما ~~على الطريقة، وهي طريقة الإسلام، وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على فتح ms4086 أن ~~ههنا. قال ابن الأنباري: # والفتح هنا على إضمار يمين تأويلها، والله أن لو استقاموا على الطريقة ~~كما فعل، يقال في الكلام والله لو قمت لقمت كما في قول الشاعر: # أما والله أن لو كنت حرا * ولا بالحر أنت ولا العتيق قال: أبو علي أوحى ~~إلى أنه استمع، وأن لو استقاموا، أو على آمنا به: أي آمنا به، وبأن لو ~~استقاموا. قرأ الجمهور بكسر الواو من لو لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن وثاب ~~والأعمش بضمها (لأسقيناهم ماء غدقا) أي كثيرا واسعا. قال مقاتل: ماء كثيرا ~~من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين. وقال ابن قتيبة: المعنى ~~لو آمنوا جميعا لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير ~~كله والرزق بالمطر، وهذا كقوله - ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا - الآية، ~~وقوله - ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب - وقوله - ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا. ويمددكم بأموال ~~وبنين - الآية. وقيل المعنى: وأن لو استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم ولم ~~يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، واختار هذا الزجاج. # والماء الغدق: هو الكثير في لغة العرب (لنفتنهم فيه) أي لنختبرهم فنعلم ~~كيف شكرهم على تلك النعم. وقال الكلبي: والمعنى وأن لو استقاموا على ~~الطريقة التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفارا، لأوسعنا أرزاقهم مكرا ~~بهم واستدراجا حتى يفتنوا بها فنعذبهم في الدنيا والآخرة. وبه قال الربيع ~~بن أنس وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والثمالي ويمان بن زيان وابن كيسان ~~وأبو مجلز، واستدلوا بقوله - فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~PageV05P308 # أبواب كل شئ - وقوله - ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من قصة - الآية والأول أولى (ومن يعرض عن ذكر ربه ~~يسلكه عذابا صعدا) أي ومن يعرض عن القرآن، أو عن العبادة، أو عن الموعظة، ~~أو عن جميع ذلك يسلكه: أي يدخله عذابا صعدا: أي شاقا صعبا. قرأ الجمهور " ~~نسلكه " بالنون مفتوحة. ms4087 وقرأ الكوفيون وأبو عمرو في رواية عنه بالياء ~~التحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله - عن ذكر ربه - ولم ~~يقل عن ذكرنا. وقرأ مسلم بن جندب وطلحة بن مصرف والأعرج بضم النون وكسر ~~اللام، من أسلكه، وقراءة الجمهور من سلكه. والصعد في اللغة المشقة، تقول ~~تصعد بي الأمر: إذا شق عليك، وهو مصدر صعد، يقال صعد صعدا وصعودا، فوصف به ~~العذاب مبالغة، لأنه يتصعد المعذب: أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. قال أبو ~~عبيد: الصعد مصدر: أي عذابا ذا صعد. وقال عكرمة: الصعد هو صخرة ملساء في ~~جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم كما في قوله - ~~سأرهقه صعودا - والصعود: العقبة الكئود (وأن المساجد لله) قد قدمنا اتفاق ~~القراء هنا على الفتح فهو معطوف على أنه استمع: أي وأوحى إلى أن المساجد ~~مختصة بالله. وقال الخليل: التقدير ولأن المساجد. والمساجد: المواضع التي ~~بنيت للصلاة فيها. وقال سعيد بن جبير: # قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناءون عنك؟ ~~فنزلت. وقال الحسن: أراد بها كل البقاع لأن الأرض كلها مسجد. وقال سعيد بن ~~المسيب وطلق بن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي ~~القدمان والركبتان واليدان والجبهة، يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك فلا ~~تسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله، وكذا قال عطاء. وقيل المساجد هي الصلاة ~~لأن السجود من جملة أركانها قاله الحسن (فلا تدعوا مع الله أحدا) من خلقه ~~كائنا ما كان (وأنه لما قام عبد الله) قد قدمنا أن الجمهور قرءوا هنا بفتح ~~أن، عطفا على أنه استمع: أي وأوحى إلى أن الشأن لما قام عبد الله، وهو ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يدعوه) أي يدعوا الله ويعبده، وذلك ببطن ~~نخلة كما تقدم حين قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ويتلو ~~القرآن، وقد قدمنا أيضا قراءة من قرأ بكسر إن هنا، وفيها غموض وبعد عن ~~المعنى المراد (كادوا يكونون عليه لبدا) أي كاد ms4088 الجن يكونون على رسول الله ~~لبدا: أي متراكمين من ازدحامهم عليه لسماع القرآن منه. قال الزجاج: ومعنى ~~لبدا: يركب بعضهم بعضا، ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش. قرأ الجمهور ~~" لبدا " بكسر اللام وفتح الباء وقرأ مجاهد وابن محيصن وهشام بضم اللام ~~وفتح الباء، وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميفع والعقيلي والجحدري بضم الباء ~~واللام. وقرأ الحسن وأبو العالية والأعرج بضم اللام وتشديد الباء مفتوحة. ~~فعلى القراءة الأولى المعنى ما ذكرناه، وعلى قراءة ضم اللام يكون المعنى ~~كثيرا كما في قوله - أهلكت مالا لبدا - وقيل المعنى: كاد المشركون يركب ~~بعضهم بعضا حردا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الحسن وقتادة ~~وابن زيد: لما قام عبد الله محمد بالدعوة، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ~~ليطفئوه، فأبي الله إلا أن ينصره، ويتم نوره، واختار هذا ابن جرير. قال ~~مجاهد لبدا: أي جماعات، وهو من تلبد الشئ على الشئ أي اجتمع ومنه اللبد ~~الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شئ ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته، ويقال للشعر ~~الذي على ظهر الأسد لبدة، وجمعها لبد ويقال للجراد الكثير لبد، ويطلق اللبد ~~بضم اللام وفتح الباء على الشئ الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان لبد الطول ~~بقائه، وهو المقصود بقول النابغة * أخنى عليها الذي أخنى على لبد (قال إنما ~~ادعوا ربي) أي قال عبد الله إنما أدعو ربي وأعبده (ولا أشرك به أحدا) من ~~خلقه. قرأ الجمهور " قال " وقرأ عاصم وحمزة " قل " على الأمر. وسبب نزولها ~~أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك جئت بأمر عظيم، وقد ~~عاديت PageV05P309 # الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك (قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا) ~~أي لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا ولا أسوق إليكم خيرا، وقيل الضر الكفر، والرشد ~~الهدى، والأول أولى لوقوع النكرتين في سياق النفي، فهما يعمان كل ضرر وكل ~~رشد في الدنيا والدين (قل إني لن يجيرني من الله أحد) أي لا يدفع عني أحد ~~عذابه إن أنزله ms4089 بي (ولن أجد من دونه ملتحدا) أي ملجأ ومعدلا وحرزا، ~~والملتحد معناه في اللغة الممال: أي موضعا أميل إليه. قال قتادة: مولى. ~~وقال السدي: حرزا، وقال الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السرب، وقيل مذهبا ~~ومسلكا، والمعنى متقارب، ومنه قول الشاعر: # يا لهف نفسي ولهفا غير مجدية * عني وما من قضاء الله ملتحد والاستثناء في ~~قوله (إلا بلاغا من الله) هو من قوله لا أملك: أي لا أملك ضرا ولا رشدا إلا ~~التبليغ من الله، فإن فيه أعظم الرشد، أو من ملتحدا: أي لن أجد من دونه ~~ملجأ إلا التبليغ. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذابه. وقال قتادة: إلا ~~بلاغا من الله، فذلك الذي أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا ~~أملكهما. قال الفراء: لكن أبلغكم ما أرسلت به، فهو على هذا منقطع. وقال ~~الزجاج: هو منصوب على البدل من قوله " ملتحدا " أي ولن أجد من دونه ملتحدا ~~إلا أن أبلغ ما يأتي من الله، وقوله (ورسالاته) معطوف على بلاغا: أي إلا ~~بلاغا من الله وإلا رسالاته التي أرسلني بها إليكم، أو إلا أن أبلغ عن الله ~~وأعمل برسالاته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري. وقيل الرسالات معطوفة على ~~الاسم الشريف: أي إلا بلاغا عن الله وعن رسالاته، كذا قال أبو حيان ورجحه ~~(ومن يعص الله ورسوله) في الأمر بالتوحيد لأن السياق فيه (فإن له نار جهنم) ~~قرأ الجمهور بكسر إن على أنها جملة مستأنفة. وقرئ بفتح الهمزة، لأن ما بعد ~~فاء الجزاء موضع ابتداء، والتقدير فجزاؤه أن له نار جهنم، أو فحكمه أن له ~~نار جهنم، وانتصاب (خالدين فيها) على الحال: أي في النار أو في جهنم، ~~والجمع باعتبار معنى من كما أن التوحيد في قوله " فإن له " باعتبار لفظها، ~~وقوله (أبدا) تأكيد لمعنى الخلود: أي خالدين فيها بلا نهاية (حتى إذا رأوا ~~ما يوعدون) يعني من العذاب في الدنيا أو في الآخرة. والمعنى لا يزالون على ~~ما هم عليه من الإصرار على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه ms4090 وآله وسلم ~~والمؤمنين حتى إذا رأوا الذي يوعدون به فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) ~~أي من هو أضعف جندا ينتصر به وأقل عددا أهم أم المؤمنون؟ (قل إن أدري أقريب ~~ما توعدون) أي ما أدري أقريب حصول ما توعدون من العذاب (أم يجعل له ربي ~~أمدا) أي غاية ومدة، أمره الله سبحانه أن يقول لهم هذا القول لما قالوا له ~~متى بكون هذا الذي توعدنا به؟ قال عطاء: يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا ~~الله وحده، والمعنى أن علم وقت العذاب علم غيب لا يعلمه إلا الله. قرأ ~~الجمهور " ربي " بإسكان الياء. وقرا الحرميان وأبو عمرو بفتحها، (ومن) في " ~~من أضعف " موصولة، وأضعف خبر مبتدإ محذوف: # أي هو أضعف، والجملة صلة الموصول، ويجوز أن تكون استفهامية مرتفعة على ~~الابتداء وأضعف خبرها، والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي أدري، وقوله " ~~أقريب " خبر مقدم " وما توعدون " مبتدأ مؤخر (عالم الغيب) قرأ الجمهور ~~بالرفع على أنه بدل من ربي، أو بيان له أو خبر مبتدإ محذوف، والجملة ~~مستأنفة مقررة لما قبلها من عدم الدراية. وقرئ بالنصب على المدح. وقرأ ~~السري علم الغيب بصيغة الفعل ونصب الغيب، والفاء في (فلا يظهر على غيبه ~~أحدا) لترتيب عدم الإظهار على تفرده بعلم الغيب: أي لا يطلع على الغيب الذي ~~يعلمه، هو ما غاب عن العباد أحدا منهم، ثم استثنى فقال (إلا من ارتضى من ~~رسول) أي إلا من اصطفاه من الرسل) أو PageV05P310 # من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته. قال ~~القرطبي: قال العلماء: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان ~~فيه دليل أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضى من الرسل، ~~فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة ~~على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكف ويزجر ~~بالطين ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، فهو كافر بالله ~~مفتر ms4091 عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. وقال سعيد بن جبير: إلا من ارتضى من رسول ~~هو جبريل، وفيه بعد. وقيل المراد بقوله " إلا من ارتضى من رسول " فإنه ~~يطلعه على بعض غيبه، وهو ما يتعلق برسالته كالمعجزة وأحكام التكاليف وجزاء ~~الأعمال وما يبينه من أحوال الآخرة، لا مالا يتعلق برسالته من الغيوب، كوقت ~~قيام الساعة ونحوه. قال الواحدي: وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم ~~تدله على ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن. قال في الكشاف: وفي هذا ~~إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا ~~برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال ~~للكهانة والتنجيم، لأن أصحابهما أبعد شئ من الارتضاء وأدخله في السخط. قال ~~الرازي: وعندي لا دلالة في الآية على شئ مما قالوه إذا لا صيغة عموم في ~~غيبه، فتحمل على غيب واحد وهو وقت القيامة لأنه واقع بعد قوله (أقريب ما ~~توعدون) الآية. فإن قيل: فما معنى الاستثناء حينئذ؟ قلنا: لعله إذا قربت ~~القيامة يظهره، وكيف لا؟ وقد قال - يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا - فتعلم الملائكة حينئذ قيام القيامة، أو هو استثناء منقطع: أي من ~~ارتضاه من رسول يجعل بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مرده الجن ~~والإنس، ويدل على أنه ليس المراد به لا يطلع أحدا على شئ من المغيبات أنه ~~ثبت كما يقارب التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين وقد عرفا بحديث النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قبل ظهوره، وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى ~~رجع إليهما كسرى. # فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شئ من المغيبات، وأيضا أطبق ~~أهل الملل على أن معبر الرؤيا يخبر عن أمور مستقبلة ويكون صادقا فيها، ~~وأيضا قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان وسألها عن ~~أمور مستقبلة فأخبرته بها، فوقعت على وفق كلامها. قال: وأخبرني ناس محققون ~~في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت ms4092 عن أمور غائبة بالتفصيل، فكانت على وفق ~~خبرها. وبالغ أبو البركات في كتاب التعبير في شرح حالها وقال: فحصت عن ~~حالها ثلاثين سنة، فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا: وأيضا ~~فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضا، ~~وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة وإن كانت قد تتخلف، ولو قلنا إن القرآن ~~يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن فيكون التأويل ما ~~ذكرنا، انتهى كلامه. # قلت: أما قوله إذ لا صيغة عموم في غيبه فباطل، فإن إضافة المصدر واسم ~~الجنس من صيغ العموم كما صرح به أئمة الأصول وغيرهم. وأما قوله: أو هو ~~استثناء منقطع فمجرد دعوى يأباه النظم القرآني. وأما قوله: إن شقا وسطيحا ~~الخ، فقد كانا في زمن تسترق فيه الشياطين السمع ويلقون ما يسمعونه إلى ~~الكهان فيخلطون الصدق بالكذب، كما ثبت في الحديث الصحيح. وفي قوله - إلا من ~~خطف الخطفة - ونحوها من الآيات، فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه الشريعة، ~~وأنه كان طريقا لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ذلك بالبعثة ~~المحمدية. وقالوا - إنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع PageV05P311 # الآن يجد له شهابا رصدا - فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص ~~بأدلته، فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم، فلا يرد ما زعمه من إيراد ~~الكهانة على هذه الآية. وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة، ولو سلم ~~وقوع شئ مما حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث " إن في ~~هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر " فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا انقضاء ~~لها، وأما ما اجترأ به على الله وعلى كتابه من قوله في آخر كلامه. فلو قلنا ~~إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن، فيقال ~~له ما هذه بأول زلة من زلاتك، وسقطة من سقطاتك، وكم لها لديك من أشباه ~~ونظائر نبض بها ms4093 عرق فلسفتك، وركض بها الشيطان الذي صار يتخبطك في مباحث ~~تفسيرك، يا عجبا لك أن يكون ما بلغك من خبر هذه المرأة ونحوه موجبا لتطرق ~~الطعن إلى القرآن، وما أحسن ما قاله بعض أدباء عصرنا: # وإذا رامت الذبابة للشمس * غطاء مدت عليها جناحا وقلت من أبيات: # مهب رياح سدة بجناح * وقابل بالمصباح ضوء صباح فإن قلت: إذن قد تقرر بهذا ~~الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه، فهل ~~للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر به بعض أمته؟ قلت: نعم ~~ولا مانع من ذلك. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا ما ~~لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ما صح أنه قام مقاما أخبر فيه ~~بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك شيئا مما يتعلق بالفتن ونحوها، حفظ ذلك ~~من حفظه ونسيه من نسيه وكذلك ما ثبت من أن حذيفة بن اليمان كان قد أخبره ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما يحدث من الفتن بعده " حتى سأله عن ~~ذلك أكابر الصحابة ورجعوا إليه. وثبت في الصحيح وغيره " أن عمر بن الخطاب ~~سأله عن الفتنة التي تموج كموج البحر، فقال: إن بينك وبينها بابا، فقال ~~عمر: هل يفتح أو يكسر؟ فقال: بل يكسر، فعلم عمر أنه الباب، وأن كسرة قتله " ~~كما في الحديث الصحيح المعروف أنه قيل لحذيفة: هل كان عمر يعلم ذلك؟ # فقال: نعم كان يعلم أن دون غد الليلة. وكذلك ما ثبت من إخباره لأبي ذر ~~بما يحدث له، وإخباره لعلي بن أبي طالب بخبر ذي الثدية، ونحو هذا مما يكثر ~~تعدده ولو جمع لجاء منه مصنف مستقل. وإذا تقرر هذا فلا مانع من أن يختص بعض ~~صلحاء هذه الأمة بشئ من أخبار الغيب التي أظهرها الله لرسوله، وأظهرها ~~رسوله لبعض أمته، وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم، فتكون كرامات ~~الصالحين من هذا القبيل، والكل من الفيض الرباني ms4094 بواسطة الجناب النبوي. ثم ~~ذكر سبحانه أنه يحفظ ذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسول فقال (فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه رصدا) والجملة تقرير للإظهار المستفاد من الاستثناء، ~~والمعنى: أنه يجعل سبحانه بين يدي الرسول ومن خلفه حرسا من الملائكة ~~يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيب، أو يجعل بين يدي الوحي ~~وخلفه حرسا من الملائكة يحوطونه من أن تسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، ~~والمراد من جميع الجوانب. # قال الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين أن ~~يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا هذا شيطان ~~فاحذره، وإن جاءه الملك قالوا هذا رسول ربك. قال ابن زيد: رصدا: # أي حفظة يحفظون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أمامه وورائه من الجن ~~والشياطين. قال قتادة وسعيد بن المسيب: هم أربعة من الملائكة حفظة. وقال ~~الفراء: المراد جبريل. قال في الصحاح: الرصد القوم يرصدون PageV05P312 # كالحرس يستوى فيه الواحد والجمع والمؤنث، والرصد للشئ الراقب له، يقال: ~~رصده يرصده رصدا ورصدا والترصد الترقب، والمرصد موضع الرصد (ليعلم أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم) اللام متعلق بيسلك، والمراد به العلم المتعلق بالإبلاغ ~~الموجود بالفعل، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والخبر ~~الجملة، والرسالات عبارة عن الغيب الذي أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من ~~رسول، وضمير أبلغوا يعود إلى الرصد. وقال قتادة ومقاتل: ليعلم محمد أن ~~الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وفيه حذف تتعلق به ~~اللام: أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من ~~التبليغ. وقيل ليعلم محمد أن جبريل ومن معه قد أبلغوا إليه رسالات ربه، ~~قاله سعيد بن جبير. وقيل ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم. ~~وقيل ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم من غير تخليط. وقال ابن ~~قتيبة: أي ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا ما أنزل إليهم ولم يكونوا هم ~~المبلغين باستراق السمع عليهم. وقال مجاهد: ليعلم من ms4095 كذب الرسل أن الرسل قد ~~بلغوا رسالات ربهم. قرأ الجمهور " ليعلم " بفتح التحتية على البناء للفاعل. ~~وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد ويعقوب وزيد بن علي بضمها على البناء للمفعول: ~~أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا. وقال الزجاج: ليعلم الله أن رسله قد ~~أبلغوا رسالاته: أي ليعلم ذلك عن مشاهدة كما علمه غيبا. وقرأ ابن أبي عبلة ~~والزهري بضم الياء وكسر اللام (وأحاط بما لديهم) أي بما عنده الرصد من ~~الملائكة، أو بما عند الرسل المبلغين لرسالاته، والجملة في محل نصب على ~~الحال من فاعل يسلك بإضمار قد: أي والحال أنه تعالى قد أحاط بما لديهم من ~~الأحوال. قال سعيد بن جبير: ليعلم أن ربهم قد أحاط بما لديهم فبلغوا ~~رسالاته (وأحصى كل شئ عددا) من جميع الأشياء التي كانت والتي ستكون، وهو ~~معطوف على أحاط، وعددا يجوز أن يكون منتصبا على التمييز محولا من المفعول ~~به: أي وأحصى عدد كل شئ كما في قوله - وفجرنا الأرض عيونا - ويجوز أن يكون ~~منصوبا على المصدرية، أو في موضع الحال: # معدودا، والمعنى: أن علمه سبحانه بالأشياء ليس على وجه الإجمال، بل على ~~وجه التفصيل: أي أحصى كل فرد من مخلوقاته على حدة. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال (القاسطون) العادلون عن الحق. وأخرج ~~ابن جرير عنه في قوله (وألو استقاموا على الطريقة) قال: أقاموا ما أمروا به ~~(لأسقيناهم ماء غدقا) قال: معينا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي ~~قال: قال عمر " وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ~~" قال: حيثما كان الماء كان المال، وحيثما كان المال كانت الفتنة. وأخرج ~~ابن جرير عن ابن عباس (لنفتنهم فيه) قال: # لنبتليهم به. وفي قوله (ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا) قال: شقة ~~من العذاب يصعد فيها. # وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عنه في قوله (يسلكه ~~عذابا صعدا) قال: حبلا في جهنم. # وأخرج ابن جرير عنه أيضا (عذابا صعدا) قال: لا راحة فيه. ms4096 وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا في قوله (وأن المساجد لله) قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية ~~في الأرض مسجد إلا مسجد الحرام، ومسجد إيلياء ببيت المقدس. # وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال " خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطا. وقال لا ~~تحدثن شيئا حتى آتيك، ثم قال: لا يهولنك شيئا تراه، فتقدم شيئا، ثم جلس ~~فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط، وكانوا كما قال الله تعالى - كادوا يكونون ~~عليه لبدا - " وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال " لما ~~سمعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص ~~لما سمعوه، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول، فجعل يقرئه - قل أوحى ~~إلى أنه PageV05P313 # (استمع نفر من الجن ". وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عنه أيضا في الآية قال " ~~لما أتي الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي بأصحابه ~~يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، فعجبوا من طواعية أصحابه، فقالوا لقومهم لما ~~قام عبد الله يدعوه: كادوا يكونون عليه لبدا ". # وأخرج ابن المنذر عنه أيضا " لما قام عبد الله يدعوه " أي يدعو الله. ~~وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (كادوا يكون عليه لبدا) قال: أعوانا. ~~وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عنه أيضا (فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ~~ارتضى من رسول " قال: أعلم الله الرسول من الغيب الوحي وأظهره عليه مما ~~أوحى إليه من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عنه أيضا (رصدا) قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون رسول ~~الله من الشياطين حتى تبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حتى يقول أهل الشرك قد ~~أبلغوا رسالات ربهم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال: ما أنزل الله على نبيه ~~آية من القرآن إلا ومعها أربعة ms4097 من الملائكة يحفظونها، حتى يؤدوها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قرأ (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) يعني الملائكة ~~الأربعة (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) اه‍. # تفسير سورة المزمل هي تسع عشرة آية، وقيل عشرون آية وهي مكية. قال ~~الماوردي: كلها في قول الحسن وعكرمة وجابر، قال: وقال ابن عباس وقتادة: إلا ~~آيتين منها (واصبر على ما يقولون) والتي تليها. وقال الثعلبي: إلا قوله (إن ~~ربك يعلم أنك تقوم) إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. وأخرج ابن الضريس ~~وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت (يا أيها المزمل) بمكة. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة ~~المزمل بمكة إلا آيتين (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى). وأخرج البزار ~~والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال: # اجتمعت قريش في دار الندوة، فقالوا سمعوا هذا الرجل اسما تصدون الناس ~~عنه، فقالوا كاهن، قالوا ليس بكاهن، قالوا مجنون، قالوا ليس بمجنون، قالوا ~~ساحر، قالوا ليس بساحر، فتفرق المشركون على ذلك. # فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه ~~جبريل، فقال: يا أيها المزمل - يا أيها المدثر. # قال البزار: بعد إخراجه من طريق معلى بن عبد الرحمن إن معلى قد حدث عنه ~~جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه. # لكنه إذا تفرد بالأحاديث لا يتابع عليها. وأخرج أبو داود والبيهقي في ~~السنن عن ابن عباس قال: " بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يصلي من الليل، فصلى ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر، فحزرت ~~قيامه في كل ركعة بقدر يا أيها المزمل ". # سورة المزمل (1 - 18) PageV05P314 # قوله (يا أيها المزمل) أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، والتزمل ~~التلفف في الثوب. قرأ الجمهور " المزمل " بالإدغام. وقرأ أبي المتزمل على ~~الأصل. وقرأ عكرمة بتخفيف الزاي، ومثل هذه القراءة ms4098 قول امرئ القيس: # كأن ثبيرا في أفانين وبله * كبير أناس في لحاد مزمل وهذا الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اختلف في معناه، فقال جماعة: إنه كان يتزمل ~~صلى الله عليه وآله وسلم بثيابه في أول ما جاءه جبريل بالوحي فرقا منه حتى ~~أنس به، وقيل المعنى: يا أيها المزمل بالنبوة والملتزم للرسالة. وبهذا قال ~~عكرمة وكان يقرأ (يا أيها المزمل) بتخفيف الزاي وفتح الميم مشددة اسم مفعول ~~وقيل المعنى: يا أيها المزمل بالقرآن. وقال الضحاك: تزمل بثيابه لمنامه، ~~وقيل بلغه من المشركين سوء قول، فتزمل في ثيابه وتدثر، فنزلت يا أيها ~~المزمل ويا أيها المدثر. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع ~~صوت الملك ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله وقال: زملوني دثروني، وكان ~~خطابه صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الخطاب في أول نزول الوحي. ثم بعد ذلك ~~خوطب بالنبوة والرسالة (قم الليل إلا قليلا) أي قم للصلاة في الليل. قرأ ~~الجمهور " قم " بكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ أبو السماك بضمها اتباعا ~~لضمة القاف. قال عثمان بن جنى: الغرض بهذه الحركة الهرب من إلتقاء الساكنين ~~فبأي حركة تحرك فقد وقع الغرض. وانتصاب الليل على الظرفية. وقيل إن معنى قم ~~صل، عبر به عنه واستعير له. واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به فرضا ~~عليه أو نفلا؟ وسيأتي إن شاء الله ما روى في ذلك. وقوله إلا فليلا استثناء ~~من الليل: أي صل الليل كله إلا يسيرا منه، والقليل من الشئ هو ما دون ~~النصف، وقيل ما دون السدس، وقيل ما دون العشر. وقال مقاتل والكلبي: المراد ~~بالقليل هنا الثلث، وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله (نصفه) الخ، وانتصاب ~~نصفه على أنه بدل من الليل. قال الزجاج: # نصفه بدل من الليل، وإلا قليلا استثناء من النصف، والضمير في منه وعليه ~~عائد إلى النصف. والمعنى: قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، ~~أو زد عليه قليلا إلى الثلثين، فكأنه قال: ms4099 قم ثلثي الليل، أو نصفه أو ثلثه. ~~وقيل إن نصفه بدل من قوله قليلا، فيكون المعنى: قم الليل إلا نصفه أو أقل ~~من نصفه أو أكثر من نصفه، قال الأخفش: نصفه أي أو نصفه كما يقال: أعطه ~~درهما درهمين ثلاثة، يريد أو درهمين أو ثلاثة. PageV05P315 # قال الواحدي: قال المفسرون: أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد على ~~النصف إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في الليل وخيره في هذه الساعات ~~للقيام، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة معه يقومون على هذه ~~المقادير، وشق ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى أو كم بقي من الليل، ~~فكان يقوم الليل كله حتى خفف الله عنهم، وقيل الضميران في منه وعليه راجعان ~~للأقل من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصفه أو قم أنقص من ذلك الأقل، أو ~~أزيد منه قليلا، وهو بعيد جدا، والظاهر أن نصفه بدل من قليلا، والضميران ~~راجعان إلى النصف المبدل من قليلا. # واختلف في الناسخ لهذا الأمر، فقيل هو قوله " إن ربك يعلم إنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه وثلثه " إلى آخر السورة، وقيل هو قوله " علم أن لن ~~تحصوه " وقيل هو قوله " علم أن سيكون منكم مرضى " وقيل هو منسوخ بالصلوات ~~الخمس، وبهذا قال مقاتل والشافعي وابن كيسان، وقيل هو قوله - فاقرءوا ما ~~تيسر منه - وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو ~~قدر حلب شاة (ورتل القرآن ترتيلا) أي اقرأه على مهل مع تدبر. قال الضحاك: ~~أقرأه حرفا حرفا. قال الزجاج: هو أن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من ~~الإشباع. وأصل الترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام، وتأكيد الفعل بالمصدر ~~يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينقص من النطق ~~بالحرف من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة (إنا سنلقي عليك قولا ~~ثقيلا) أي سنوحي إليك القرآن وهو قول ثقيل. قال قتادة: ثقيل والله فرائضه ~~وحدوده. قال مجاهد: حلاله ms4100 وحرامه. قال الحسن: العمل به. قال أبو العالية: ~~ثقيلا بالوعد والوعيد والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: ثقيل على ~~المنافقين والكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وسب آلهتم. ~~وقال السدي: ثقيل بمعنى كريم من قولهم فلان ثقيل على: أي يكرم على. قال ~~الفراء: ثقيلا رزينا ليس بالخفيف السفساف، لأنه كلام ربنا. وقال الحسين بن ~~الفضل: ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد، وقيل ~~وصفه بكونه ثقيلا حقيقة لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ~~أوحى إليه وهو على ناقته وضعت جرانها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى ~~يسرى عنه (إن ناشئة الليل) أي ساعاته وأوقاته، لأنها تنشأ أولا فأولا، يقال ~~نشأ الشئ ينشأ: إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شئ فهو ناشئ، وأنشأه الله فنشأ، ~~ومنه نشأت السحاب: إذا بدأت، فناشئة فاعلة من نشأ ينشأ فهي ناشئة. قال ~~الزجاج: ناشئة الليل كل ما نشأ منه: أي حدث، فهو ناشئة. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: الليل كله ناشئة، والمراد أن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف ~~عن الاسم الموصوف. وقيل إن ناشئة الليل هي النفس التي ننشأ من مضجعها ~~للعبادة: أي تنهض، من نشأ من مكانه: إذا نهض. وقيل الناشئة بالحبشية قيام ~~الليل، وقيل إنما يقال لقيام الليل ناشئة إذا كان بعد نوم. قال ابن ~~الأعرابي: إذا نمت من أول الليل ثم قمت فتلك المنشأة والنشأة، ومنه ناشئة ~~الليل. # قيل وناشئة الليل هي ما بين المغرب والعشاء، لأن معنى نشأ ابتدأ، ومنه ~~قول نصيب: # ولولا أن يقال صبا نصيب * لقلت بنفسي النشء الصغارا * قال عكرمة وعطاء: ~~إن ناشئة الليل بدو الليل. وقال مجاهد وغيره: هي في الليل كله، لأنه ينشأ ~~بعد النهار، واختار هذا مالك. وقال ابن كيسان: هي القيام من آخر الليل. قال ~~في الصحاح: ناشئة الليل أول ساعاته. # وقال الحسن: هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح (هي أشد وطأ) قرأ الجمهور ~~" وطأ " بفتح الواو وسكون الطاء PageV05P316 # مقصورة، واختار هذه القراءة أبو ms4101 حاتم. وقرأ أبو العالية وابن أبي إسحاق ~~ومجاهد وأبو عمرو وابن عامر وحميد وابن محيصن والمغيرة وأبو حيوة بكسر ~~الواو وفتح الطاء ممدودة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، فالمعنى على ~~القراءة الأولى أن الصلاة في ناشئة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار، ~~لأن الليل للنوم. قال ابن قتيبة: المعنى أنها أثقل على المصلى من ساعات ~~النهار، من قول العرب: اشتدت على القوم وطأة السلطان: إذا ثقل عليهم ما ~~يلزمهم منه، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم اشدد وطأتك على مضر ~~" والمعنى على القراءة الثانية أنها أشد مواطأة: أي موافقة، من قولهم: ~~واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطاء: إذا وافقته عليه. قال مجاهد وابن أبي ~~مليكة: أي أشد موافقة بين السمع والبصر والقلب واللسان لانقطاع الأصوات ~~والحركات فيها، ومنه - ليواطئوا عدة ما حرم الله - أي ليوافقوا. وقال ~~الأخفش: أشد قياما. وقال الفراء: أي أثبت للعمل، وأدوم لمن أراد الاستكثار ~~من العبادة، والليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش، فعبادته تدوم ولا ~~تنقطع. وقال الكلبي: أشد نشاطا (وأقوم قيلا) أي وأشد مقالا وأثبت قراءة ~~لحضور القلب فيها وهدوء الأصوات، وأشد استقامة واستمرار على الصواب، لأن ~~الأصوات فيها هادئة والدنيا ساكنة فلا يضطرب على المصلى ما يقرؤه. # قال قتادة ومجاهد: أي أصوب للقراءة وأثبت للقول، لأنه زمان التفهم. قال ~~أبو علي الفارسي: أقوم قيلا: # أي أشد استقامة لفراغ البال بالليل. قال الكلبي: أي أبين قولا بالقرآن. ~~وقال عكرمة: أي أتم نشاطا وإخلاصا وأكثر بركة. وقال ابن زيد: أجدر أن يتفقه ~~في القرآن، وقيل أعجل إجابة للدعاء (إن لك في النهار سبحا طويلا) قرأ ~~الجمهور " سبحا " بالحاء المهملة: أي تصرفا في حوائجك وإقبالا وإدبارا ~~وذهابا ومجيئا، والسبح: الجري والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه ~~ببدنه ورجليه، وفرس سابح: أي شديد الجري. وقيل السبح الفراغ: # أي إن لك فراغا بالنهار للحاجات، فصل بالليل. قال ابن قتيبة: أي تصرفا ~~وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك. # وقال الخليل: إن لك في النهار سبحا: أي نوما، والتسبح ms4102 التمدد. قال ~~الزجاج: المعنى إن فاتك في الليل شئ فلك في النهار فراغ للاستدراك. وقرأ ~~يحيى بن يعمر وأبو وائل وابن أبي عبلة " سبخا " بالحاء المعجمة، قيل ومعنى ~~هذه القراءة: الخفة والسعة والاستراحة. قال الأصمعي: يقال سبخ الله عنك ~~الحمى: أي خففها، وسبخ الحر فتر وخف، ومنه قول الشاعر: # فسبح عليك الهم واعلم بأنه * إذا قدر الرحمن شيئا فكائن أي خفف عنك الهم. ~~والتسبيح من القطن ما ينسج بعد الندف، ومنه قول الأخطل: # فأرسلوهن يذرين التراب كما * تدري سبائخ قطن ندف أوتار * قال ثعلب: السبخ ~~بالحاء المعجمة التردد والاضطراب، والسبخ السكون. وقال أبو عمرو: السبخ ~~النوم والفراغ (واذكر اسم ربك) أي ادعه بأسمائه الحسنى، وقيل اقرأ باسم ربك ~~في ابتداء صلاتك، وقيل أذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتوفر على طاعته وتبعد ~~عن معصيته، وقيل المعنى: دم على ذكر ربك ليلا ونهارا واستكثر من ذلك. وقال ~~الكلبي: المعنى صل لربك (وتبتل إليه تبتيلا) أي انقطع إليه انقطاعا ~~بالاشتغال بعبادته، والتبتل الانقطاع، يقال بتلت الشئ: أي قطعته وميزته من ~~غيره، وصدقة بتلة: أي منقطعة من مال صاحبها، ويقال لراهب متبتل لانقطاعه عن ~~الناس، ومنه قول الشاعر: # تضئ الظلام بالعشاء كأنها * منارة ممسى راهب متبتل PageV05P317 # ووضع نبتيلا مكان تبتلا لرعاية الفواصل. قال الواحدي: والتبتل رفض الدنيا ~~وما فيها والتماس ما عند الله (رب المشرق والمغرب) قرأ حمزة والكسائي وأبو ~~بكر وابن عامر بجر رب على النعت لربك أو البدل منه أو البيان له. وقرأ ~~الباقون برفعه على أنه مبتدأ وخبره (لا إله إلا هو) أو على أنه خبر مبتدإ ~~محذوف: أي هو رب المشرق. وقرأ زيد بن علي بنصبه على المدح. وقرأ الجمهور " ~~المشرق والمغرب " مفردين، وقرأ ابن مسعود وابن عباس " المشارق والمغارب " ~~على الجمع، وقد قدمنا تفسير المشرق والمغرب، والمشرقين والمغربين والمشارق ~~والمغارب (فاتخذه وكيلا) أي إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه وكيلا: ~~أي قائما بأمورك، وعول عليه في جميعها، وقيل كفيلا بما وعدك من الجزاء ~~والنصر (واصبر على ما يقولون) ms4103 من الأذى والسب والاستهزاء ولا تجزع من ذلك ~~(واهجرهم هجرا جميلا) أي لا تتعرض لهم ولا تشتغل بمكافأتهم، وقيل الهجر ~~الجميل الذي لا جزع فيه، وهذا كان قبل الأمر بالقتال (وذرني والمكذبين) أي ~~دعني وإياهم ولا تهتم بهم فإني أكفيك أمرهم وأنتقم لك منهم. قيل نزلت في ~~المطعمين يوم بدر، وهم عشرة وقد تقدم ذكرهم. وقال يحيى بن سلام: هم بنو ~~المغيرة. # وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشر (أولي النعمة) أي أرباب الغنى ~~والسعة والترفه واللذة في الدنيا (ومهلهم قليلا) أي تمهيلا قليلا على أنه ~~نعت لمصدر محذوف، أو زمانا قليلا على أنه صفة لزمان محذوف، والمعنى أمهلهم ~~إلى انقضاء آجالهم، وقيل إلى نزول عقوبة الدنيا بهم كيوم بدر، والأول أولى ~~لقوله (إن لدينا أنكالا) وما بعده فإنه وعيد لهم بعذاب الآخرة، والأنكال ~~جمع نكل وهو القيد، كذا قال الحسن ومجاهد وغيرهما. # وقال الكلبي: الأنكال: الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء: # أتوك فقطعت أنكالهم * وقد كن قبلك لا تقطع * وقال مقاتل: هي أنواع العذاب ~~الشديد. وقال أبو عمران الجوني: هي قيود لا تحل (وجحيما) أي نارا مؤججة ~~(وطعاما ذا غصة) أي لا يسوغ في الحلق بل ينشب فيه، فلا ينزل ولا يخرج. قال ~~مجاهد: هو الزقوم. # وقال الزجاج: هو الضريع كما قال - ليس لهم طعام إلا من ضريع - قال: وهو ~~شوك العوسج. قال عكرمة: # هو شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج، والغصة: الشجا في الحلق، وهو ما ~~ينشب فيه من عظم أو غيره، وجمعها غصص (وعذابا أليما) أي ونوعا آخر من ~~العذاب غير ما ذكر (يوم ترجف الأرض والجبال) انتصاب الظرف إما بذرني، أو ~~بالاستقرار المتعلق به لدينا، أو هو صفة لعذاب فيتعلق بمحذوف: أي عذابا ~~واقعا يوم ترجف، أو متعلق بأليما. قرأ الجمهور " ترجف " بفتح التاء وضم ~~الجيم مبنيا للفاعل، وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول، مأخوذ من أرجفها، ~~والمعنى: تتحرك وتضطرب بمن عليها، والرجفة: الزلزلة والرعدة الشديدة (وكانت ~~الجبال كثيبا مهيلا) أي ms4104 وتكون الجبال، وإنما عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ~~والكثيب الرمل المجتمع، والمهيل الذي يمر تحت الأرجل. قال الواحدي: أي رملا ~~سائلا: يقال لكل شئ أرسلته إرسالا من تراب أو طعام أهلته هيلا. قال الضحاك ~~والكلبي: المهيل الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله ~~انهال، ومنه قول حسان: # عرفت ديار زينب بالكثيب * كحظ الوحي في الورق القشيب * (إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا شاهدا عليكم) الخطاب لأهل مكة أو لكفار العرب أو لجميع الكفار، ~~والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: يشهد عليكم يوم القيامة ~~بأعمالكم (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) يعني PageV05P318 # موسى (فعصى فرعون الرسول) الذي أرسلناه إليه وكذبه ولم يؤمن بما جاء به، ~~ومحل الكاف النصب على أنها نعت لمصدر محذوف، والمعنى: إنا أرسلنا إليكم ~~رسولا فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصاه (فأخذناه أخذا وبيلا) أي ~~شديدا ثقيلا غليظا، والمعنى: عاقبنا فرعون عقوبة شديدة غليظة بالغرق، وفيه ~~تخويف لأهل مكة أنه سينزل بهم من العقوبة مثل ما نزل به وإن واختلف نوع ~~العقوبة. قال الزجاج: أي ثقيلا غليظا، ومنه قيل للمطر وابل. وقال الأخفش: ~~شديدا، والمعنى متقارب، ومنه طعام وبيل: إذا كان لا يستمرأ، ومنه قول ~~الخنساء: لقد أكلت بجيلة يوم لاقت * فوارس مالك أكلا وبيلا (فكيف تتقون) أي ~~كيف تقون أنفسكم (إن كفرتم) أي إن بقيتم قوله على كفركم (يوما) أي عذاب يوم ~~(يجعل الولدان شيبا) لشدة هوله: أي يصير الولدان شيوخا، والشيب جمع أشيب، ~~وهذا يجوز أن يكون حقيقة، وأنهم يصيرون كذلك، أو تمثيلا، لأن من شاهد الهول ~~العظيم تقاصرت قواه وضعفت أعضاؤه وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة، وفي ~~هذا تقريع لهم شديد وتوبيخ عظيم. قال الحسن: أي كيف تتقون يوما يجعل ~~الولدان شيبا إن كفرتم، وكذا قرأ ابن مسعود وعطية، ويوما مفعول به لتتقون. ~~قال ابن الأنباري: ومنهم من نصب اليوم بكفرتم، وهذا قبيح، والولدان ~~الصبيان، ثم زاد في وصف ذلك اليوم بالشدة فقال (السماء منفطر به) أي متشققة ~~به لشدته وعظيم ms4105 هوله، والجملة صفة أخرى ليوم، والباء سببية، وقيل هي بمعنى ~~في: # أي منفطر فيه، وقيل بمعنى اللام: أي منفطر له، وإنما قال منفطر ولم يقل ~~منفطرة لتنزيل السماء منزلة شئ لكونها قد تغيرت، ولم يبق منها إلا ما يعبر ~~عنه بالشئ. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل منفطرة، لأن مجازها السقف، كما ~~قال الشاعر: # فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا بالسماء وبالسحاب فيكون هذا كما في ~~قوله - وجعلنا السماء سقفا محفوظا - وقال الفراء: السماء تذكر وتؤنث. وقال ~~أبو علي الفارسي: هو من باب الجراد المنتشر والشجر الأخضر، و - أعجاز نخل ~~منقعر - قال أيضا: أي السماء ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع: أي ذات ارضاع ~~على طريق النسب، وانفطارها لنزول الملائكة كما قال - إذا السماء انفطرت - ~~وقوله - والسماوات يتفطرن من فوقهن - وقيل منفطر به: أي بالله والمراد ~~بأمره، والأول أولى (كان وعده مفعولا) أي كان وعد الله بما وعد به من البعث ~~والحساب وغير ذلك كائنا لا محالة، والمصدر مضاف إلى فاعله، أو وكان وعد ~~اليوم مفعولا، فالمصدر مضاف إلى مفعوله. وقال مقاتل: كان وعده أن يظهر دينه ~~على الدين كله. # وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، ~~والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال " قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول ~~الله، قالت: ألست تقرأ هذه السورة - يا أيها المزمل؟ قلت بلى، قالت: فإن ~~الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء ~~اثني عشر شهرا، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا ~~من بعد فرضه " وقد روى هذا الحديث عنها من طرق. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وصححه ~~والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحوا ~~من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، ms4106 وكان بين أولها وآخرها نحو ~~PageV05P319 # من سنة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن أبي عبد ~~الرحمن السلمي قال: لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم ~~وسوقهم حتى نزلت - فاقرءوا ما تيسر منه - فاستراح الناس. وأخرج أبو داود في ~~ناسخه وابن نصر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس ~~قال: في المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه نسختها الآية التي فيها - علم أن ~~لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن - وناشئة الليل أوله كان ~~صلاتهم أول الليل، يقول هذا أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام ~~الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله (أقوم قيلا) هو ~~أجدر أن يفقه قراءة القرآن، وقوله (إن لك في النهار سبحا طويلا) يقول فراغا ~~طويلا. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله (يا أيها المزمل) قال: زملت هذا ~~الأمر فقم به. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية أيضا قال: يتزمل بالثياب. ~~وأخرج الفريابي عن أبي صالح عنه أيضا (ورتل القرآن ترتيلا) قال: تقرأ آيتين ~~ثلاثا ثم تقطع لا تهدر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن منيع في ~~مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر عنه أيضا (ورتل القرآن ~~ترتيلا) قال: بينه تبيينا. وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب ~~مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن ~~عائشة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوحى إليه وهو على ناقته ~~وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه، وتلت (إنا سنلقي عليك قولا ~~ثقيلا) ". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~نصر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله (إن ناشئة الليل) قال: قيام ~~الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا نشأ. وأخرج البيهقي عنه قال (ناشئة ~~الليل) أوله. وأخرج ابن المنذر وابن نصر عنه ms4107 أيضا قال: الليل كله ناشئة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال (ناشئة ~~الليل) بالحبشة قيام الليل. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن نصر ~~والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال (ناشئة الليل) ما بين المغرب والعشاء. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى عن ~~ابن عباس في قوله (إن لك في النهار سبحا طويلا) قال: السبح الفراغ للحاجة ~~والنوم. وأخرج أبو يعلي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الدلائل عن عائشة قالت: لما نزلت (وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم ~~قليلا) لم يكن إلا يسيرا حتى كانت وقعة بدر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن ~~مسعود (إن لدينا أنكالا) قال: قيودا. وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد ~~في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس ~~(وطعاما ذا غصة) قال: شجرة الزقوم. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله (كثيبا ~~مهيلا) قال: المهيل الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك آخره. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (كثيبا مهيلا) قال: الرمل السائل، وفي قوله ~~(أخذا وبيلا) قال: شديدا. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضا " أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ (يجعل الولدان شيبا) قال: ذلك يوم ~~القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار، قال: ~~من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وينجو واحد، فاشتد ذلك ~~على المسلمين، فقال حين أبصر ذلك في وجوههم: # إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، إنه لا يموت رجل منهم حتى ~~يرثه لصلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جنة لكم ". وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~مسعود نحوه بأخصر منه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ~~عكرمة عن ابن عباس في قوله (السماء منفطر به) قال: ممتلئة بلسان الحبشة. ~~وأخرج ابن أبي ms4108 حاتم عنه قال: مثقلة. موقرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في ~~الآية قال: يعني تشقق السماء. PageV05P320 # سورة المزمل (19 - 20) الإشارة بقوله (إن هذه) إلى ما تقدم من الآيات، ~~والتذكرة الموعظة، والإشارة إلى جميع آيات القرآن، لا إلى ما في هذه السورة ~~فقط (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) أي اتخذ بالطاعة التي أهم أنواعها ~~التوحيد إلى ربه طريقا توصله إلى الجنة (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل) معنى أدنى أقل، استعير له الأدنى لأن المسافة بين السنين إذا دنت قل ~~ما بينهما (ونصفه) معطوف على أدنى (وثلثه) معطوف على نصفه، والمعنى: أن ~~الله يعلم أن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم أقل من ثلثي الليل ويقوم ~~نصفه ويقوم ثلثه، وبالنصف قرأ ابن كثير والكوفيون، وقرأ الجمهور " ونصفه ~~وثلثه " بالجر عطفا على ثلثي الليل، والمعنى: أن الله يعلم أن رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وأقل من ثلثه، ~~واختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله - علم أن لن تحصوه - فكيف ~~يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه. وقال الفراء: القراءة الأولى أشبه ~~بالصواب لأنه قال: أقل من ثلثي الليل، ثم فسر نفس القلة (وطائفة من الذين ~~معك) معطوف على الضمير في تقوم: أي وتقوم وذلك القدر معك طائفة من أصحابك ~~(والله يقدر الليل والنهار) أي يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها ~~ويختص بذلك دون غيره وأنتم لا تعلمون ذلك على الحقيقة. قال عطاء: يريد لا ~~يفوته علم ما تفعلون. # أي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم قدر الذي تقومونه من الليل (علم ~~أن لن تحصوه) أن لن تطيقوا علم مقادير الليل والنهار على الحقيقة، وفي أن ~~الضمير شأن محذوف، وقيل المعنى: لن تطيقوا قيام الليل. قال القرطبي: # والأول أصح، فإن قيام الليل ما فرض كله قط. قال مقاتل وغيره: لما نزل " ~~قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه " شق ذلك عليهم، ~~وكان الرجل ms4109 لا يدري متى نصف الليل من ثلثه فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ، ~~فانتفخت أقدامهم وانتقعت ألوانهم فرحمهم الله وخفف عنهم فقال (علم أن لن ~~تحصوه) أي علم أن لن تحصوه لأنكم إن زدتم ثقل عليكم واحتجتم إلى تكلف ما ~~ليس فرضا، وإن نقصتم شق ذلك عليكم (فتاب عليكم) أي فعاد عليكم بالعفو، ورخص ~~لكم في ترك القيام. وقيل فتاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم، وأصل التوبة ~~الرجوع كما تقدم، فالمعنى: رجع بكم من التثقيل إلى التخويف، ومن العسر إلى ~~اليسر (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) أي فاقرءوا في الصلاة بالليل ما خف ~~عليكم وتيسر لكم منه من غير أن ترقبوا وقتا. قال الحسن: # هو ما نقرأ في صلاة المغرب والعشاء. قال السدي: ما تيسر منه هو مائة آية. ~~قال الحسن: أيضا من قرأ مائة آية PageV05P321 # في ليلة لم يحاجه القرآن: وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من ~~القانتين، وقال سعيد: خمسون آية، وقيل معنى (فاقرءوا ما تيسر منه) فصلوا ما ~~تيسر لكم من صلاة الليل، والصلاة تسمى قرآنا كقوله - وقرآن الفجر - قيل إن ~~هذه الآية نسخت قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف، والزيادة عليه، ~~فيحتمل أن يكون ما تضمنته هذه الآية فرضا ثابتا، ويحتمل أن يكون منسوخا ~~لقوله - ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا -. قال ~~الشافعي: الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس: وقد ~~ذهب قوم إلى أن قيام الليل نسخ في حقه صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق ~~أمته. وقيل نسخ التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب. وقيل إنه نسخ في حق ~~الأمة، وبقي فرضا في حقه صلى الله عليه وآله وسلم، والأول القول بنسخ قيام ~~الليل على العموم في حقه صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق أمته، وليس في ~~قوله (فاقرءوا ما تيسر منه) ما يدل على بقاء ms4110 شئ من الوجوب لأنه إن كان ~~المراد به القراءة من القرآن فقد وجدت في صلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما ~~من النوافل المؤكدة، وإن كان المراد به الصلاة من الليل فقد وجدت صلاة ~~الليل بصلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من التطوع. وأيضا الأحاديث الصحيحة ~~المصرحة بقول السائل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل على غيرها، ~~يعني الصلوات الخمس؟ فقال لا: إلا أن تطوع تدل على عدم وجوب غيرها. فارتفع ~~بهذا وجوب قيام الليل وصلاته على الأمة كما ارتفع وجوب ذلك على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بقوله - ومن الليل فتهجد به نافلة لك - قال الواحدي: ~~قال المفسرون في قوله - فاقرءوا ما تيسر منه - كان هذا في صدر الإسلام، ثم ~~نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين، وثبت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~خاصة، وذلك قوله - وأقيموا الصلاة -. ثم ذكر سبحانه عذرهم فقال (علم أن ~~سيكون منكم مرضى) فلا يطيقون قيام الليل (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله) أي يسافرون فيها للتجارة والأرباح يطلبون من رزق الله ما يحتاجون ~~إليه في معاشهم فلا يطيقون قيام الليل (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) يعني ~~المجاهدين فلا يطيقون قيام الليل. ذكر سبحانه ها هنا ثلاثة أسباب مقتضية ~~للترخيص، ورفع وجوب قيام الليل، فرفعه عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي ~~تنوب بعضهم. ثم ذكر ما يفعلونه بعد هذا الترخيص فقال (فاقرءوا ما تيسر منه) ~~وقد سبق تفسيره قريبا، والتكرير للتأكيد (وأقيموا الصلاة) يعني المفروضة، ~~وهي الخمس لوقتها (وآتوا الزكاة) يعني الواجبة في الأموال. وقال الحارث ~~العكلي: # هي صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك، وقيل صدقة التطوع، وقيل كل ~~أفعال الخير (وأقرضوا الله قرضا حسنا) أي أنفقوا في سبيل الخير من أموالكم ~~إنفاقا حسنا، وقد مضى تفسيره في سورة الحديد. قال زيد ابن أسلم: القرض ~~الحسن النفقة على الأهل، وقيل النفقة في الجهاد، وقيل هو إخراج الزكاة ~~المفترضة على وجه حسن، فيكون تفسيرا لقوله (وآتوا الزكاة) والأول أولى ~~لقوله ms4111 (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) فإن ظاهره العموم: أي أي ~~خير كان مما ذكر ومما لم يذكر (هو خيرا وأعظم أجرا) مما تؤخرونه إلى عند ~~الموت أو توصون به ليخرج بعد موتكم، وانتصاب خيرا على أنه ثاني مفعولي ~~تجدوه، وضمير هو ضمير فصل، وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ أبو السماك وابن ~~السميفع بالرفع على أن يكون هو مبتدأ وخير خبره، والجملة في محل نصب على ~~أنها ثاني مفعولي تجدوه. قال أبو زيد: وهي لغة تميم يرفعون ما بعد ضمير ~~الفصل، وأنشد سيبويه: # تحن إلى ليلى وأنت تركتها * وكنت عليها بالملاء أنت أقدر وقرأ الجمهور ~~أيضا " وأعظم " بالنصب عطفا على خيرا: وقرأ أبو السماك وابن السميفع ~~بالرفع، كما قرأ برفع PageV05P322 # " خير " وانتصاب أجرا " على التمييز (واستغفروا الله) أي اطلبوا منه ~~المغفرة لذنوبكم فإنكم لا تخلون من ذنوب تقترفونها (إن الله غفور رحيم) أي ~~كثير المغفرة لمن استغفره، كثير الرحمة لمن استرحمه. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم (فاقرءوا ما تيسر منه) قال: مائة آية. وأخرج الدارقطني ~~والبيهقي في سننه وحسناه عن قيس بن أبي حازم قال: " صليت خلف ابن عباس، ~~فقرأ في أول ركعة بالحمد لله رب العالمين، وأول آية من البقرة ثم ركع، فلما ~~انصرفنا أقبل علينا فقال إن الله يقول (فاقرءوا ما تيسر منه) " قال ابن ~~كثير: وهذا حديث غريب جدا لم أره إلا في معجم الطبراني. # وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال: " أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ". وقد قدمنا في البحث ~~الأول من هذه السورة ما روى أن هذه الآيات المذكورة هنا هي الناسخة لوجوب ~~قيام الليل، فارجع إليه. # تفسير سورة المدثر هي ست وخمسون آية، وهي مكية بلا خلاف وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدثر بمكة. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، ms4112 وسيأتي أن أول هذه السورة أول ما نزل ~~من القرآن. # سورة المدثر (1 - 30) PageV05P323 # قال الواحدي: قال المفسرون: لما بدئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالوحي أتاه جبريل، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سرير بين ~~السماء والأرض كالنور المتلألئ، ففزع ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق دخل على ~~خديجة ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني دثروني، فدثروه بقطيفة، فقال (يا ~~أيها المدثر قم فأنذر) ومعنى يا أيها المدثر: يا أيها الذي قد تدثر بثيابه: ~~أي تغشى بها، وأصله المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما. وقد قرأ ~~الجمهور بالإدغام، وقرأ أبي المتدثر على الأصل، والدثار: هو ما يلبس فوق ~~الشعار والشعار: هو الذي يلي الجسد، وقال عكرمة: المعنى يا أيها المدثر ~~بالنبوة وأثقالها. قال ابن العربي: وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبيا إذ ذاك ~~(قم فأنذر) أي انهض فخوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا، أو قم من ~~مضجعك، أو قم قيام عزم وتصميم، وقيل الإنذار هنا هو إعلامهم بنبوته، وقيل ~~إعلامهم بالتوحيد. وقال الفراء: المعنى قم فصل وأمر بالصلاة (وربك فكبر) أي ~~واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء ~~والعظمة، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده الكفار، وأعظم من أن ~~يكون له صاحبة، أو ولد. قال ابن العربي: المراد به تكبير التقديس والتنزيه ~~بخلع الأضداد والأنداد والأصنام ولا يتخذ وليا غيره ولا يعبد سواه، ولا يرى ~~لغيره فعلا إلا له ولا نعمة إلا منه. قال الزجاج: إن الفاء في فكبر دخلت ~~على معنى الجزاء كما دخلت في فأنذر. وقال ابن جنى: هو كقولك زيدا فاضرب: أي ~~زيدا اضرب، فالفاء زائدة (وثيابك فطهر) المراد بها الثياب الملبوسة على ما ~~هو المعنى اللغوي، أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات، ~~وإزالة ما وقع فيها منها، وقيل المراد بالثياب العمل، وقيل القلب، وقيل ~~النفس، وقيل الجسم، وقيل الأهل، وقيل الدين، وقيل الأخلاق. قال مجاهد وابن ~~زيد وأبو رزين: أي عملك ms4113 فأصلح. # وقال قتادة: نفسك فطهر من الذنب، والثياب عبارة عن النفس. وقال سعيد بن ~~جبير: قلبك فطهر، ومن هذا قول امرئ القيس: فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقال ~~عكرمة: المعنى ألبسها على غير غدر وغير فجرة. وقال: أما سمعت قول الشاعر: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع والشاعر هو غيلان ~~بن سلمة الثقفي، ومن إطلاق الثياب على النفس قول عنترة: # فشككت بالرمح الطويل ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم وقول الآخر: ~~ثياب بني عوف طهارى نقية * وقال الحسن والقرظي: إن المعنى وأخلاقك فطهر لأن ~~خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه، ومنه قول الشاعر: # ويحيى لا يلام بسوء خلق * ويحيى طاهر الأثواب حر وقال الزجاج: المعنى ~~وثيابك فقصر، لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا انجر على الأرض، وبه ~~قال طاوس، والأول أولى لأنه المعنى الحقيقي. وليس في استعمال الثياب مجاز ~~عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدل على أنه المراد عند الإطلاق، وليس في مثل ~~هذا الأصل: أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف، وفي الآية دليل على ~~وجوب طهارة الثياب في الصلاة (والرجز فاهجر) الرجز معناه في اللغة العذاب، ~~وفيه لغتان كسر الراء وضمها، وسمى الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنها سبب ~~الرجز. قرأ الجمهور " الرجز " بكسر الراء. وقرأ الحسن ومجاهد وعكرمة وحفص ~~وابن محيصن بضمها. وقال مجاهد وعكرمة: الرجز الأوثان كما في قوله ~~PageV05P324 # - فاجتنبوا الرجس من الأوثان - وبه قال ابن زيد. وقال إبراهيم النخعي: ~~الرجز المأثم، والهجر الترك. وقال قتادة: الرجز إساف ونائلة، وهما صنمان ~~كانا عند البيت. وقال أبو العالية والربيع والكسائي: الرجز بضم الوثن ~~وبالكسر العذاب. وقال السدي: الرجز بضم الراء الوعيد، والأول أولى (ولا ~~تمنن تستكثر) قرأ الجمهور " لا تمنن " بفك الإدغام، وقرأ الحسن وأبو اليمان ~~والأشهب العقيلي بالإدغام، وقرأ الجمهور " تستكثر " بالرفع على أنه حال: أي ~~ولا تمنن حال كونك مستكثرا، وقيل على حذف أن، والأصل ولا تمنن أن تستكثر، ~~فلما حذفت رفع. قال الكسائي: فإذا حذف ms4114 أن رفع الفعل. وقرأ يحيى بن وثاب ~~والأعمش " تستكثر " بالنصب على تقدير أن وبقاء عملها، ويؤيد هذه القراءة ~~قراءة ابن مسعود " ولا تمنن أن تستكثر " بزيادة أن. وقرأ الحسن أيضا وابن ~~أبي عبلة " تستكثر " بالجزم على أنه بدل من تمنن كما في قوله - يلق أثاما ~~يضاعف له - وقول الشاعر. # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا أو الجزم ~~لإجراء الوصل مجرى الوقف: كما في قول امرئ القيس: # فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل بتسكين أشرب. وقد اعترض ~~على هذه القراءة، لأن قوله تستكثر لا يصح أن يكون بدلا من تمنن، لأن المن ~~غير الاستكثار، ولا يصح أن يكون جوابا للنهي. # واختلف السلف في معنى الآية، فقيل المعنى: لا تمنن على ربك بما تتحمله من ~~أعباء النبوة كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير، وقيل لا تعط عطية تلتمس ~~فيها أفضل منها قاله عكرمة وقتادة. قال الضحاك: هذا حرمه الله على رسوله، ~~لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق، وأباحه لأمته. وقال مجاهد: لا تضعف ~~أن تستكثر من الخير، من قولك حبل متين: إذا كان ضعيفا. وقال الربيع بن أنس: ~~لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملا ~~فتراه من نفسك، إنما عملك منة من الله عليك إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته. ~~وقيل لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجرا تستكثره. وقال ~~محمد بن كعب: لا تعط تعط مالك مصانعة. وقال زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية ~~فأعطها لربك (ولربك فاصبر) أي لوحه ربك فاصبر على طاعته وفرائضه، والمعنى: ~~لأجل ربك وثوابه. وقال مقاتل ومجاهد: أصبر على الأذى والتكذيب. وقال ابن ~~زيد: # حملت أمرا عظيما فحاربتك العرب والعجم فاصبر عليه لله. وقيل أصبر تحت ~~موارد القضاء لله، وقيل فاصبر على البلوى، وقيل على الأوامر والنواهي (فإذا ~~نقر في الناقور) الناقور فاعول من النقر كأنه من شأنه أن ينقر فيه للتصويت، ~~والنقر في كلام العرب الصوت، ومنه ms4115 قول امرئ القيس: أخفضه بالنقر لما علوته ~~ويقولون نقر باسم الرجل إذا دعاه، والمراد هنا النفخ في الصور، والمراد ~~النفخة الثانية، وقيل الأولى، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة الأنعام ~~وسورة النخل والفاء للسببية، كأنه قيل: أصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم ~~هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم، والعامل في إذا ما دل عليه قوله (فذلك يومئذ ~~يوم عسير على الكافرين) فإن معناه عسر الأمر عليهم، وقيل العامل فيه ما دل ~~عليه " فذلك " لأنه إشارة إلى النقر، ويومئذ بدل من إذا، أو مبتدأ وخبره ~~يوم عسير، والجملة خبر فذلك، وقيل هو ظرف للخبر، لأن التقدير وقوع يوم ~~عسير، وقوله (غير يسير) تأكيد لعسره عليهم لأن كونه غير يسير، قد فهم من ~~قوله يوم عسير (ذرني ومن خلقت وحيدا) أي دعني، وهي كلمة تهديد ووعيد، ~~والمعنى: دعني والذي خلقته حال كونه وحيدا في بطن أمة لا مال له ولا ~~PageV05P325 # ولد، هذا على أن وحيدا منتصب على الحال من الموصول أو من الضمير العائد ~~إليه المحذوف، ويجوز أن يكون حالا من الياء في ذرني: أي دعني وحدي معه، ~~فإني أكفيك في الانتقام منه، والأول أولى. قال المفسرون: # وهو الوليد بن المغيرة. قال مقاتل: يقول خل بيني وبينه فأنا أنفرد ~~بهلكته، وإنما خص بالذكر لمزيد كفره وعظيم جحوده لنعم الله عليه، وقيل أراد ~~بالوحيد الذي لا يعرف أبوه، وكان يقال في الوليد بن المغيرة إنه دعى (وجعلت ~~له مالا مدودا) أي كثيرا، أو يمد بالزيادة والنماء شيئا بعد شئ. قال ~~الزجاج: مالا غير منقطع عنه، وقد كان الوليد بن المغيرة مشهورا بكثرة المال ~~على اختلاف أنواعه، قيل كان يحصل له من غلة أمواله ألف ألف دينار، وقيل ~~أربعة آلاف دينار، وقيل ألف دينار (وبنين شهودا) أي وجعلت له بنين حضورا ~~بمكة معه لا يسافرون ولا يحتاجون إلى التفرق في طلب الرزق لكثرة مال أبيهم. ~~قال الضحاك: كانوا سبعة ولدوا بمكة، وخمسة ولدوا بالطائف. وقال سعيد بن ~~جبير: كانوا ثلاثة عشر ولدا. وقال مقاتل: ms4116 كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ~~ثلاثة خالد وهشام والوليد بن الوليد، فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في ~~نقصان من ماله وولده حتى هلك. # وقيل معنى شهودا أنه إذا ذكر ذكروا معه، وقيل كانوا يشهدون معه ما كان ~~يشهده ويقومون بما كان يباشره (ومهدت له تمهيدا) أي بسطت له في العيش وطول ~~العمر والرياسة في قريش، والتمهيد عند العرب التوطئة، ومنه مهد الصبي. وقال ~~مجاهد: إنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش (ثم يطمع أن أزيد) أي يطمع ~~بعد هذا كله في الزيادة لكثرة حرصه وشدة طعمه مع كفرانه للنعم وإشراكه ~~بالله. قال الحسن: لم يطمع أن أدخله الجنة، وكان يقول: إن كان محمد صادقا ~~فما خلقت الجنة إلا لي. ثم ردعه الله سبحانه وزجره فقال (كلا) أي لست ~~أزيده. # ثم علل ذلك بقوله (إنه كان لآياتنا عنيدا) أي معاندا لها وكافرا بما ~~أنزلناه منها على رسولنا، يقال عند يعند بالكسر إذا خالف الحق ورده، وهو ~~يعرفه فهو عنيد وعاند، والعاند الذي يجوز عن الطريق ويعدل عن القصد، ومنه ~~قول الحارثي: # إذا ركبت فاجعلاني وسطا * إني كبير لا أطيق العندا قال أبو صالح: عنيدا ~~معناه مباعدا. وقال قتادة: جاحدا. وقال مقاتل: معرضا (سأرهقه صعودا) أي ~~سأكلفه مشقة من العذاب وهو مثل لما يلقاه من العذاب الصعب الذي لا يطاق، ~~وقيل المعنى: إنه يكلف أن يصعد جبلا من نار، والإرهاق في كلام العرب: أن ~~يحمل الإنسان الشئ الثقيل، وجملة (إنه فكر وقدر) تعليل لما تقدم من الوعيد: ~~أي إنه فكر في شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما أنزل عليه من القرآن ~~وقدر في نفسه: # أي هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول: هيأت الشئ إذا قدرته، وقدرت الشئ ~~إذا هيأته، وذلك أنه لما سمع القرآن لم يزل يفكر ماذا يقول فيه وقدر في ~~نفسه ما يقول، فذمه الله وقال (فقتل كيف قدر) أي لعن وعذب كيف قدر: أي على ~~أي حال قدر ما قدر من الكلام كما ms4117 يقال في الكلام: لأضربنه كيف صنع: أي على ~~أي حال كانت منه، وقيل المعنى: قهر وغلب كيف قدر، ومنه قول الشاعر: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل وقال الزهري: عذب، ~~وهو من باب الدعاء عليه، والتكرير في قوله (ثم قتل كيف قدر) للمبالغة ~~والتأكيد (ثم نظر) أي بأس بأي شئ يدفع القرآن ويقدح فيه، أو فكر في القرآن ~~وتدبر ما هو (ثم عبس) أي قطب وجهه لما لم يجد مطعنا يطعن به في القرآن، ~~والعبس مصدر عبس مخففا يعبس عبسا وعبوسا إذا قطب، وقيل عبس PageV05P326 # في وجوه المؤمنين، وقيل عبس في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وبسر) ~~أي كلح وجهه وتغير، ومنه قول الشاعر: # صبحنا تميما غداة الحفار * بشهباء ملموسة باسره وقول الآخر: وقد رابني ~~منها صدود رأيته * وإعراضها عن حاجتي وبسورها وقيل إن ظهور العبوس في الوجه ~~يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبلها، والعرب تقول: # وجه باسر إذا تغير واسود. وقال الراغب: البسر استعجال الشر قبل أوانه نحو ~~بسر الرجل حاجته: أي طلبها في غير أوانها. قال: ومنه قوله - عبس وبسر - أي ~~أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته، وأهل اليمن يقولون: # بسر المركب وأبسر: أي وقف لا يتقدم ولا يتأخر، وقد أبسرنا: أي صرنا إلى ~~البسور (ثم أدبر واستكبر) أي أعرض عن الحق، وذهب إلى أهله، وتعظم عن أن ~~يؤمن (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر) أي يأثره عن غيره ويرويه عنه. والسحر: ~~إظهار الباطل في صورة الحق، أو الخديعة على ما تقدم بيانه في سورة البقرة، ~~يقال أثرت الحديث بأثره إذا ذكرته عن غيرك، ومنه قول الأعشى: # إن الذي فيه تحاربتما * بين للسامع والأثر (إن هذا إلا قول البشر) يعني ~~أنه كلام الإنس، وليس بكلام الله، وهو تأكيد لما قبله، وسيأتي أن الوليد بن ~~المغيرة إنما قال هذا القول إرضاء لقومه بعد اعترافه أن له حلاوة، وأن عليه ~~طلاوة إلى آخر كلامه. ولما قال هذا القول الذي حكاه الله عنه ms4118 قال الله عز ~~وجل (سأصليه سقر) أي سأدخله النار، وسقر من أسماء النار، ومن دركات جهنم، ~~وقيل إن هذه الجملة بدل من قوله (سأرهقه صعودا) ثم بالغ سبحانه في وصف ~~النار وشدة أمرها فقال (وما أدراك ما سقر) أي وما أعلمك أي شئ هي، والعرب ~~تقول: وما أدراك ما كذا: إذا أرادوا المبالغة في أمره وتعظيم شأنه وتهويل ~~خطبه، وما الأولى مبتدأ، وجملة ما سقر خبر المبتدأ. ثم فسر حالها فقال (لا ~~تبقى ولا تذر) والجملة مستأنفة لبيان حال سقر، والكشف عن وصفها، وقيل هي في ~~محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم، لأن قوله (وما أدراك ما ~~سقر) يدل على التعظيم، فكأنه قال: استعظموا سقر في هذه الحال، والأول أولى، ~~ومفعول الفعلين محذوف. قال السدي: لا تبقي لهم لحما ولا تزد لهم عظما. وقال ~~عطاء: # لا تبقي من فيها حيا ولا تذره ميتا، وقيل هما لفظان بمعنى واحد، كررا ~~للتأكيد كقولك: صد عني، وأعرض عني (لواحة للبشر) قرأ الجمهور " لواحة " ~~بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، وقيل على أنه نعت لسقر، والأول أولى. وقرأ ~~الحسن وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر وابن أبي عبلة وزيد بن علي ~~بالنصب على الحال أو الاختصاص للتهويل، يقال: لاح يلوح: أي ظهر، والمعنى: ~~أنها تظهر للبشر. قال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عيانا كقوله - وبرزت ~~الجحيم لمن يرى - وقيل معنى (لواحة للبشر) أي مغيرة لهم ومسودة. قال مجاهد: ~~والعرب تقول: لاحه الحر والبرد والسقم والحزن: إذا غيره، وهذا أرجح من ~~الأول، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ومنه قول الشاعر: # وتعجب هند أن رأتني شاحبا * تقول لشئ لوحته السمايم أي غيرته، ومنه قول ~~رؤبة بن العجاج: # لوح منه بعد بدن وشبق * تلويحك الضامر يطوي للسبق PageV05P327 # وقال الأخفش: المعنى أنها معطشة للبشر، وأنشد: # سقتني على لوح من الماء شربة * سقاها به الله الرهام الغواديا والمراد ~~بالبشر إما جلدة الإنسان الظاهرة كما قاله الأكثر، أو المراد به أهل النار ~~من الإنس كما قال ms4119 الأخفش (عليها تسعة عشر) قال المفسرون: يقول على النار ~~تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، وقيل تسعة عشر صنفا من أصناف الملائكة، ~~وقيل تسعة عشر صفا من صفوفهم، وقيل تسعة عشر نقيبا مع كل نقيب جماعة من ~~الملائكة، والأول أولى. قال الثعلبي: ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض ~~أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن أن يكونوا تسعة عشر على عذاب بعض الخلق. ~~قرأ الجمهور " تسعة عشر " بفتح الشين من عشر. وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع ~~وطلحة بن سليمان بإسكانها. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن أبا سلمة بن عبد ~~الرحمن قال: إن أول ما نزل من القرآن (يا أيها المدثر) فقال له يحيى بن أبي ~~كثير: يقولون إن أول ما نزل - اقرأ باسم ربك الذي خلق - فقال أبو سلمة: ~~سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، قلت له مثل ما قلت، فقال جابر: لا أحدثنك ~~إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " جاورت بحراء فلما ~~قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم ~~أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء ~~جالس على كرسي بين السماء والأرض، فحثيت منه رعبا، فرجعت فقلت دثروني ~~فدثروني، فنزلت (يا أيها المدثر قم فأنذر) إلى قوله (والرجز فاهجر) " ~~وسيأتي في سورة اقرأ ما يدل على أنها أول سورة أنزلت، والجمع ممكن. وأخرج ~~الحاكم وصححه عن ابن عباس (يا أيها المدثر) فقال: دثر هذا الأمر، فقم به. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه (يا أيها ~~المدثر) قال: النائم (وثيابك فطهر) قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب ~~باطل (والرجز فاهجر) قال: الأصنام (ولا تمنن تستكثر) قال: لا تعط تلتمس بها ~~أفضل منها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه عنه أيضا (وثيابك فطهر) قال: من الإثم. قال: وهي في ms4120 ~~كلام العرب نقي الثياب. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا (وثيابك فطهر قال: من ~~الغدر، لا تكن غدارا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وابن مردويه عن عكرمة عنه أيضا أنه سئل ~~عن قوله (وثيابك فطهر) قال: لا تلبسها على غدرة، ثم قال: ألا تسمعون قول ~~غيلان بن سلمة: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع * وأخرج الطبراني ~~والبيهقي في سننه عنه أيضا (ولا تمنن تستكثر) قال: لا تعط الرجل عطاء رجاء ~~أن يعطيك أكثر منه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه أيضا (فإذا ~~نقر في الناقور) قال: الصور (يوم عسير) قال: شديد. وأخرج ابن مردويه عنه ~~أيضا (ذرني ومن خلقت وحيدا) قال الوليد بن المغيرة. وأخرج الحاكم وصححه ~~والبيهقي في الدلائل عنه أيضا: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، ~~فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه، فإنك أتيت ~~محمدا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه ~~قولا يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما ~~فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيدة PageV05P328 # ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن ~~لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، ~~وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال: والله لا يرضى قومك حتى ~~تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن ~~غيره، فنزلت (ذرني ومن خلقت وحيدا). وقد أخرج هذا عبد الرزاق عن عكرمة ~~مرسلا، وكذا أخرجه ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر وغير واحد. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن قوله (وجعلت ~~له مالا ms4121 ممدودا) قال: غلة شهر بشهر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس (وجعلت ~~له مالا ممدودا) قال: ألف دينار. وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله ~~(سأرهقه صعودا) قال: هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا ~~أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن عباس (عنيدا) قال: جحودا. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي ~~سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الصعود جبل في النار يصعد ~~فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوى وهو كذلك فيه أبدا ". قال الترمذي بعد ~~إخراجه: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج. قال ابن كثير: وفيه ~~غرابة ونكارة انتهى، وقد أخرجه جماعة من قول أبي سعيد، وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس قال (صعودا) صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وأخرج ~~ابن المنذر عنه قال: جبل في النار. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله (لا ~~تبقى ولا تذر) قال: لا تبقى منهم شيئا، وإذا بدلوا خلقا آخر لم تذر أن ~~تعاودهم سبيل العذاب الأول. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا (لواحة للبشر) قال: ~~تلوح الجلد فتحرقه وتغير لونه، فيصير أسود من الليل. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه أيضا (لواحة) قال: محرقة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ~~والبيهقي في البعث عن البراء: أن رهطا من اليهود سألوا بعض أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء جبريل، ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت عليه ساعتئذ (عليها تسعة عشر). # سورة المدثر (31 - 37) لما نزل قوله سبحانه (عليها تسعة عشر) قال أبو ~~جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر يخوفكم محمد بتسعة عشر وأنتم ~~الدهم، أفيعجز كل مائة رجل منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم يخرجون من النار؟ ~~فقال أبو الأشد، وهو رجل ms4122 من بني جمح: يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة، ~~فأنا أمشي بين أيديكم، فأدفع عشرة PageV05P329 # بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر ونمضي ندخل الجنة فأنزل الله (وما ~~جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) يعني ما جعلنا المدبرين لأمر النار القائمين ~~بعذاب من فيها إلا ملائكة، فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم، فكيف تتعاطون ~~أيها الكفار مغالبتهم. وقيل جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المخلوقين من الجن ~~والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجالس من الرقة والرأفة، وقيل لأنهم أقوم خلق ~~الله بحقه والغضب له، وأشدهم بأسا وأقواهم بطشا (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة) ~~أي ضلالة (للذين) استقلوا عددهم ومحنة لهم، والمعنى: ما جعلنا عددهم هذا ~~العدد المذكور في القرآن إلا ضلالة ومحنة لهم، حتى قالوا ما قالوا ليتضاعف ~~عذابهم ويكثر غضب الله عليهم. وقيل معنى إلا فتنة إلا عذابا كما في قوله - ~~يوم هم على النار يفتنون - أي يعذبون، واللام في قوله (ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب) متعلق بجعلنا، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى لموافقة ما نزل ~~من القرآن بأن عدة خزنة جهنم تسعة عشر لما عندهم. # قاله قتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم، والمعنى: أن الله جعل عدة الخزنة هذه ~~العدة ليحصل اليقين لليهود والنصارى بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~لموافقة ما في القرآن لما في كتبهم (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) وقيل ~~المراد الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وقيل أراد الذين ~~آمنوا المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: ليزدادوا ~~يقينا إلى يقينهم لما رأوا من موافقة أهل الكتاب لهم، وجملة (ولا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) مقررة لما تقدم من الاستيقان وازدياد ~~الإيمان، والمعنى نفى الارتياب عنهم في الدين، أو في أن عدة خزنة جهنم تسعة ~~عشر، ولا ارتياب في الحقيقة من المؤمنين، ولكنه من باب التعريض لغيرهم ممن ~~في قلبه شك (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا) المراد بالذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، والسورة وإن كانت مكية ~~ولم يكن ms4123 إذ ذاك نفاق، فهو إخبار بما سيكون في المدينة، أو المراد بالمرض ~~مجرد حصول الشك والريب، وهو كائن في الكفار. قال الحسين بن الفضل: السورة ~~مكية ولم يكن بمكة نفاق، فالمرض في هذه الآية الخلاف، والمراد بقوله ~~(والكافرون) كفار العرب من أهل مكة وغيرهم، ومعنى (ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا) أي شئ أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل. قال الليث: المثل ~~الحديث، ومنه قوله - مثل الجنة التي وعد المتقون - أي حديثها والخبر عنها ~~(كذلك يضل الله من يشاء) أي مثل ذلك الإضلال المتقدم ذكره، وهو قوله (وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، يضل الله من يشاء) من عباده، والكاف نعت ~~مصدر محذوف (ويهدى من يشاء) من عباده، والمعنى: مثل ذلك الإضلال للكافرين ~~والهداية للمؤمنين يضل الله من يشاء إضلاله ويهدي من يشاء هدايته، وقيل ~~المعنى: كذلك يضل الله عن الجنة من يشاء ويهدي إليها من يشاء (وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو) أي ما يعلم عدد خلقه ومقدار جموعه من الملائكة وغيرهم إلا ~~هو وحده لا يقدر على علم ذلك أحد. وقال عطاء: يعنى من الملائكة الذين خلقهم ~~لتعذيب أهل النار لا يعلم عدتهم إلا الله، والمعنى: أن خزنة النار وإن ~~كانوا تسعة عشر فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله ~~سبحانه. # ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر فقال (وما هي إلا ذكرى للبشر) أي وما سقر وما ~~ذكر من عدد خزنتها إلا تذكرة وموعظة للعالم، وقيل (وما هي) أي الدلائل ~~والحجج والقرآن إلا تذكرة للبشر. وقال الزجاج: نار الدنيا تذكرة لنار ~~الآخرة، وهو بعيد. وقيل ما هي أي عدة خزنة جهنم إلا تذكرة للبشر ليعلموا ~~كمال قدرة الله وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار، وقيل الضمير في (وما هي) ~~يرجع إلى الجنود. ثم ردع سبحانه المكذبين وزجرهم فقال (كلا والقمر) قال ~~الفراء: كلا صلة للقسم، التقدير: أي والقمر، وقيل المعنى. حقا والقمر. # قال ابن جرير: المعنى رد زعم من زعم أنه يقاوم خزنة جهنم: ms4124 أي ليس الأمر ~~كما يقول، ثم أقسم على ذلك بالقمر PageV05P330 # وبما بعده، وهذا هو الظاهر من معنى الآية (والليل إذ أدبر) أي ولى. قرأ ~~الجمهور " إذا " بزيادة الألف، دبر بزنة ضرب على أنه ظرف لما يستقبل من ~~الزمان، وقرأ نافع وحفص وحمزة إذ " بدون ألف، أدبر بزنة أكرم ظرف لما مضى ~~من الزمان، ودبر وأدبر لغتان، كما يقال أقبل الزمان وقبل الزمان، يقال دبر ~~الليل وأدبر: إذا تولى ذاهبا (والصبح إذا أسفر) أي أضاء وتبين (إنها لإحدى ~~الكبر) هذا جواب القسم، والضمير راجع إلى سقر: # أي إن سقر لإحدى الدواهي أو البلايا الكبر، والكبر جمع كبرى، وقال مقاتل: ~~إن الكبر اسم من أسماء النار، وقيل إنها: أي تكذيبهم لمحمد لإحدى الكبر، ~~وقيل إن قيام الساعة لإحدى الكبر، ومنه قول الشاعر: # يا بن المعلى نزلت إحدى الكبر * داهية الدهر وصماء الغير قرأ الجمهور " ~~لإحدى " بالهمزة، وقرأ نصر بن عاصم وابن محيصن وابن كثير في رواية عنه " ~~إنها لحدي " بدون همزة. وقال الكلبي: أراد بالكبر دركات جهنم وأبوابها ~~(نذيرا للبشر) انتصاب نذيرا على الحال من الضمير في إنها، قاله الزجاج. ~~وروى عنه وعن الكسائي وأبي علي الفارسي أنه حال من قوله " قم فأنذر " أي قم ~~يا محمد فأنذر حال كونك نذيرا للبشر. وقال الفراء: هو مصدر بمعنى الإنذار ~~منصوب بفعل مقدر، وقيل إنه منتصب على التمييز لإحدى لتضمنها معنى التنظيم ~~كأنه قيل أعظم الكبر إنذارا. وقيل إنه مصدر منصوب بأنذر المذكور في أول ~~السورة، وقيل منصوب بإضمار أعني. وقيل منصوب بتقدير ادع، وقيل منصوب بتقدير ~~ناد أو بلغ، وقيل إنه مفعول لأجله، والتقدير: وإنها لإحدى الكبر لأجل إنذار ~~البشر. قرأ الجمهور بالنصب، وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة بالرفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف: أي هي نذير، أو هو نذير. # وقد اختلف في النذير، فقال الحسن: هي النار، وقيل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. وقال أبو رزين: # المعنى أنا نذير لكم منها. وقيل القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد ms4125 ~~والوعيد (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) هو بدل من قوله للبشر: أي نذيرا ~~لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الطاعة أو يتأخر عنها، والمعنى: أن الإنذار قد ~~حصل لكل من آمن وكفر، وقيل فاعل المشيئة هو الله سبحانه: أي لمن شاء الله ~~أن يتقدم منكم بالإيمان أو يتأخر بالكفر، والأول أولى. وقال السدى: لمن شاء ~~منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها أو يتأخر إلى الجنة. # وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما سمع أبو جهل (عليها ~~تسعة عشر). قال لقريش: # ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم ~~الدهم، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطش برجل من خزنة جهنم؟ وأخرج ابن مردويه ~~عنه في قوله (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) قال: # قال أبو الأشد: خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم، قال: وحدثت ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصف خزان جهنم فقال " كأن أعينهم البرق، ~~وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لهم مثل قوة الثقلين، يقبل أحدهم ~~بالأمة من الناس يسوقهم، على رقبته جبل حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل ~~عليهم ". # وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن أبي سعيد الخدري " أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به قال: فصعدت أنا وجبريل إلى ~~السماء الدنيا، فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين ~~يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف، وتلا هذه الآية (وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو) " وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " أطت السماء وحق لها أن تنط. ما فيها موضع أصبع إلا عليه ملك ~~ساجد ". وأخرجه الترمذي وابن ماجة. قال الترمذي: حسن غريب، ويروى عن ~~PageV05P331 # أبي ذر موقوفا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس (إذ أدبر) قال: دبور ~~ظلامه. وأخرج مسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر ms4126 وابن أبي حاتم عن ~~مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله (والليل إذ أدبر) فسكت عني حتى إذا كان ~~من آخر الليل وسمع الأذان ناداني يا مجاهد هذا حين دبر الليل. وأخرج ابن ~~جرير عنه في قوله (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) قال: من شاء اتبع طاعة ~~الله ومن شاء تأخر عنها. # سورة المدثر (38 - 56) قوله (كل نفس بما كسبت رهينة) أي مأخوذة بعملها ~~ومرتهنة به، إما خلصها وإما أوبقها، والرهينة اسم بمعنى الرهن، كالشيمة ~~بمعنى الشيم، وليست صفة، ولو كانت صفة لقيل رهين، لأن فعيلا يستوي فيه ~~المذكر والمؤنث، والمعنى: كل نفس رهن بكسبها غير مفكوكة (إلا أصحاب اليمين) ~~فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم، بل يفكون بما أحسنوا من أعمالهم. # واختلف في تعيينهم، فقيل هم الملائكة، وقيل المؤمنون، وقيل أولاد ~~المسلمين، وقيل الذين كانوا عن يمين آدم، وقيل أصحاب الحق، وقيل هم ~~المعتمدون على الفضل دون العمل، وقيل هم الذين اختارهم الله لخدمته (في ~~جنات) هو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئناف جوابا عن ~~سؤال نشأ مما قبله، ويجوز أن يكون في جنات حالا من أصحاب اليمين، وأن يكون ~~حالا من فاعل يتساءلون، وأن يكون ظرفا ليتسائلون، وقوله (يتساءلون) يجوز أن ~~يكون على بابه: أي يسأل بعضهم بعضا، ويجوز أن يكون بمعنى يسألون: أي يسألون ~~غيرهم، نحو دعيته وتداعيته، فعلى الوجه الأول يكون (عن المجرمين) متعلقا ~~بيتسائلون: أي يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين، وعلى الوجه الثاني تكون ~~عن زائدة: أي يسألون المجرمين، وقوله (ما سلككم في سقر) هو على تقدير ~~القول: أي يتساءلون عن المجرمين يقولون لهم: ما سلككم في سقر، أو يسألونهم ~~قائلين لهم: ما سلككم في سقر، والجملة على كلا التقديرين في محل نصب على ~~الحال، والمعنى: ما أدخلكم في سقر، تقول سلكت الخيط في كذا: إذا دخلته فيه. ~~قال الكلبي: يسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه، فيقول له: ~~يا فلان ما سلكك في النار. وقيل إن ms4127 الملائكة يسألون الملائكة عن أقربائهم، ~~فتسأل الملائكة المشركين يقولون لهم: ما سلككم في سقر. قال الفراء: في هذا ~~ما يقوى أن أصحاب اليمين هم الولدان، لأنهم PageV05P332 # لا يعرفون الذنوب ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال (قالوا ~~لم نك من المصلين) أي من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا (ولم نك نطعم ~~المسكين) أي لم نتصدق على المساكين، قيل وهذان محمولان على الصلاة الواجبة ~~والصدقة الواجبة، لأنه لا تعذيب على غير الواجب، وفيه دليل على أن الكفار ~~مخاطبون بالشرعيات (وكنا نخوض مع الخائضين) أي نخالط أهل الباطل في باطلهم. ~~قال قتادة: كلما غوى غاو غوينا معه. وقال السدي: كنا نكذب مع المكذبين. ~~وقال ابن زيد: نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~قولهم كاذب مجنون ساحر شاعر (وكنا نكذب بيوم الدين) أي بيوم الجزاء والحساب ~~(حتى أتانا اليقين) وهو الموت، كما في قوله - واعبد ربك حتى يأتيك اليقين - ~~(فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي شفاعة الملائكة والنبيين كما تنفع الصالحين ~~(فما لهم عن التذكرة معرضين) التذكرة التذكير بمواعظ القرآن، والفاء لترتيب ~~إنكار إعراضهم عن التذكرة على ما قبله من موجبات الإقبال عليها، وانتصاب ~~معرضين على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور: أي أي شئ حصل لهم حال ~~كونهم معرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى، ~~ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بالحمر فقال (كأنهم حمر مستنفرة) والجملة حال ~~من الضمير في معرضين على التداخل، ومعنى مستنفرة نافرة، يقال نفر واستنفر، ~~مثل عجب واستعجب، والمراد الحمر الوحشية. قرأ الجمهور " مستنفرة " بكسر ~~الفاء: أي نافرة، وقرأ نافع وابن عامر بفتحها: أي منفرة مذعورة، واختار ~~القراءة الثانية أبو حاتم وأبو عبيد. قال في الكشاف: المستنفرة الشديدة ~~النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له، وحملها عليه (فرت من ~~قسورة) أي من رماة يرمونها، والقسور الرامي، وجمعة قسورة قاله سعيد بن جبير ~~وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن كيسان، وقيل هو الأسد قاله ms4128 عطاء والكلبي. قال ~~ابن عرفة: من القسر بمعنى القهر، لأنه يقهر السباع، وقيل القسورة أصوات ~~الناس، وقيل القسورة بلسان العرب الأسد وبلسان الحبشة الرماة. وقال ابن ~~الأعرابي: القسورة أول الليل: أي فرت من ظلمة الليل، وبه قال عكرمة، والأول ~~أولى، وكل شديد عند العرب فهو قسورة، ومنه قول الشاعر: # يا بنت كوني خيرة لخيره * أخوالها الحي وأهل القسوره ومنه قول لبيد: إذا ~~ما هتفنا هتفة في ندينا * أتانا الرجال العابدون القساور ومن إطلاقه على ~~الأسد قول الشاعر: # مضمر تحذره الأبطال * كأنه القسور الرهال (بل يريد كل امرئ منهم أن يوتى ~~صحفا منشرة) عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل لا يكتفون بتلك التذكرة ~~بل يريد. قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسول الله. والصحف الكتب ~~واحدتها صحيفة، والمنشرة المنشورة المفتوحة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - ~~حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه - قرأ الجمهور " منتشرة " بالتشديد. وقرأ سعيد ~~بن جبير بالتخفيف. وقرأ الجمهور أيضا بضم الحاء من صحف. وقرأ سعيد بن جبير ~~بإسكانها. ثم ردعهم الله سبحانه عن هذه المقالة وزجرهم فقال (كلا بل لا ~~يخافون الآخرة) يعني عذاب الآخرة لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات، ~~وقيل كلا بمعنى حقا. ثم كرر الردع والزجر لهم فقال (كلا إنه تذكرة) يعني ~~القرآن، أو حقا إنه تذكرة، والمعنى: أنه يتذكر به ويتعظ بمواعظه (فمن شاء ~~ذكره) أي فمن شاء أن يتعظ به اتعظ، ثم رد سبحانه المشيئة PageV05P333 # إلى نفسه فقال (وما يذكرون إلا أن يشاء الله) قرأ الجمهور " يذكرون " ~~بالياء التحتية، وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية، واتفقوا على التخفيف، وقوله " ~~إلا أن يشاء الله " استثناء مفرغ من أعم الأحوال. قال مقاتل: إلا أن يشاء ~~الله لهم الهدى (هو أهل التقوى) أي هو الحقيق بأن يتقين المتقون بترك ~~معاصيه والعمل بطاعاته (وأهل المغفرة) أي هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما ~~فرط منهم من الذنوب والحقيق بأن يقبل توبة ms4129 التائبين من العصاة فيغفر ~~ذنوبهم. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله (كل نفس بما كسبت رهينة) قال: ~~مأخوذة بعملها. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (إلا أصحاب اليمين) قال: هم ~~المسلمون. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن علي بن أبي ~~طالب (إلا أصحاب اليمين) قال: هم أطفال المسلمين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس (حتى أتانا اليقين) قال: الموت. # وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه عن أبي موسى الأشعري في قوله (فرت من قسورة) قال: هم الرماة رجال ~~القسي. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: # القسورة الرجال الرماة القنص. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: القسورة الأسد، ~~فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هم عصبة الرجال. وأخرج سفيان ابن ~~عيينة وعبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس (من قسورة) قال: هو ركز الناس: ~~يعني أصواتهم. وأخرج أحمد والدارمي والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة ~~والبزار وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وصححه ~~وابن مردويه عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية ~~(هو أهل التقوى وأهل المغفرة) فقال: قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي ~~إله، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له ". # وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس مرفوعا نحوه. # تفسير سورة القيامة هي تسع وثلاثون آية وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن ~~الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة القيامة، وفي لفظ سورة لا أقسم بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~الزبير قال: # أنزلت سورة لا أقسم بمكة. # سورة القيامة (1 - 25) PageV05P334 # قوله (لا ms4130 أقسم بيوم القيامة) قال أبو عبيدة وجماعة من المفسرين: إن لا ~~زائدة، والتقدير: أقسم. قال السمرقندي: أجمع المفسرون أن معنى لا أقسم: ~~أقسم، واختلفوا في تفسير لا، فقال: بعضهم: هي زائدة، وزيادتها جارية في ~~كلام العرب كما في قوله - ما منعك ألا تسجد - يعني أن تسجد، و - لئلا يعلم ~~أهل الكتاب - ومن هذا قول الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة * وكاد صميم القلب لا يتقطع وقال بعضهم: هي رد ~~لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال: ليس الأمر كما ذكرتم أقسم بيوم ~~القيامة، وهذا قول الفراء وكثير من النحويين، كقول القائل لا والله، فلا رد ~~لكلام قد تقدمها، ومنه قول الشاعر: # فلا وأبيك ابنه العامري * لا يدعى القوم أنى أفر وقيل هي للنفي، لكن لا ~~لنفي الإقسام، بل لنفي ما ينبئ عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه، كان معنى ~~لا أقسم بكذا: لا أعظمه بإقسامي به حق إعظامه، فإنه حقيق بأكثر من ذلك. ~~وقيل إنها لنفي الإقسام لوضوح الأمر، وقد تقدم الكلام على هذا في تفسير ~~قوله - فلا أقسم بمواقع النجوم - وقرأ الحسن وابن كثير في رواية عنه ~~والزهري وابن هرمز " لأقسم " بدون ألف على أن اللام لام الابتداء، والقول ~~الأول هو أرجح هذه الأقوال، وقد اعترض عليه الرازي بما لا يقدح في قوته ولا ~~يفت في عضد رجحانه، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن ~~يقسم بما شاء من مخلوقاته (ولا أقسم بالنفس اللوامة) ذهب قوم إلى أنه ~~سبحانه أقسم بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة، فيكون الكلام في لا هذه ~~كالكلام في الأولى، وهذا قول الجمهور. وقال الحسن: # أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة. قال الثعلبي: والصحيح أنه ~~أقسم بهما جميعا، ومعنى النفس اللوامة: # النفس التي تلوم صاحبها على تقصيره، أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها. ~~قال الحسن: هي والله نفس المؤمن، لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكذا ~~ما أردت بكذا، والفاجر لا يعاتب نفسه. قال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات ~~وتندم، فتلوم ms4131 نفسها على الشر لم تعمله؟ وعلى الخير لم لم تستكثر منه؟ قال ~~الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، وإن كانت عملت خيرا ~~قالت: هلا ازددت، وإن كانت عملت سوءا قالت: # ليتني لم أفعل. وعلى هذا فالكلام خارج مخرج المدح للنفس، فيكون الإقسام ~~بها حسنا سائغا. وقيل اللوامة هي الملومة المذمومة، فهي صفة ذم، وبهذا احتج ~~من نفي أن يكون قسما، إذ ليس لنفس العاصي خطر يقسم به. # قال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب ~~الله، والأول أولى (أيحسب PageV05P335 # الإنسان أن لن نجمع عظامه) المراد بالإنسان الجنس، وقيل الإنسان الكافر، ~~والهمزة للإنكار، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، ~~والمعنى: أيحسب الإنسان أن الشأن أن لن نجمع عظامه بعد أن صارت رفاتا، ~~فنعيدها خلقا جديدا، وذلك حسبان باطل، فإنا نجمعها، وما يدل عليه هذا ~~الكلام هو جواب القسم. # قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعن العظام للبعث، ~~فهذا جواب القسم. وقال النحاس: # جواب القسم محذوف: أي ليبعثن، والمعنى: أن الله سبحانه يبعث جميع أجزاء ~~الإنسان، وإنما خص العظام لأنها قالب الخلق (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) ~~بل إيجاب لما بعد النفي المنسحب إليه الاستفهام، والوقف على هذا اللفظ وقف ~~حسن، ثم يبتدئ الكلام بقوله " قادرين " وانتصاب قادرين على الحال: أي بلى ~~نجمعها قادرين، فالحال من ضمير الفعل المقدر، وقيل المعنى: بل نجمعها نقدر ~~قادرين. قال الفراء: أي نقدر، ونقوي قادرين على أكثر من ذلك. وقال أيضا: ~~إنه يصلح نصبه على التكرير: أي بلى فليحسبنا قادرين، وقيل التقدير: بل كنا ~~قادرين، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع (بلى قادرون) على تقدير مبتدأ: أي ~~بلى نحن قادرون، ومعنى (على أن نسوي بنانه) على أن نجمع بعضها إلى بعض، ~~فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها، فكيف بكبار الأعضاء، فنبه سبحانه ~~بالبيان، وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها ~~كما كانت أولى في القدرة من ms4132 إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على ~~المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق، فهذا وجه تخصيصها بالذكر، ~~وبهذا قال الزجاج وابن قتيبة. وقال جمهور المفسرين: إن معنى الآية أن نجعل ~~أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا، كخف البعير وحافر الحمار صفيحة واحدة لا ~~شقوق فيها، فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة ~~والخياطة ونحوهما، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها. وقيل المعنى: # بل نقدر على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان ~~عليها، والأول أولى، ومنه قول عنترة: # وإن الموت طوع يدي إذا ما * وصلت بنانها بالهندوان فنبه بالبنان على بقية ~~الأعضاء (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) هو عطف على أيحسب، إما على أنه ~~استفهام مثله وأضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو على أنه إيجاب ~~انتقل إليه من الاستفهام. والمعنى: بل يريد الإنسان أن يقدم فجوره فيما بين ~~يديه من الأوقات، وما يستقبله من الزمان، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة. قال ~~ابن الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد عمره، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب ~~يرتكبه. قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير: يقول سوف أتوب ولا ~~يتوب حتى يأتيه الموت. وهو على أشر أحواله. قال الضحاك: # هو الأمل، يقول سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت، والفجور أصله ~~الميل عن الحق، فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل، ومنه قول الشاعر: # أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر * اغفر له اللهم إن كان ~~فجر وجملة (يسأل أيان يوم القيامة) مستأنفة لبيان معنى يفجر، والمعنى: يسأل ~~متى يوم القيامة سؤال استبعاد واستهزاء (فإذا برق البصر) أي فزع وتحير من ~~برق الرجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره. قرأ الجمهور " برق " بكسر الراء. ~~قال أبو عمرو بن العلاء والزجاج وغيرهما: المعنى تحير فلم يطرف، ومنه قول ~~ذي الرمة: # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت * لعينيه مي بسافرا كاد يبرق * وقال الخليل ~~والفراء: برق بالكسر: فزع وبهت وتحير، ms4133 والعرب تقول للإنسان المبهوت: قد برق ~~فهو برق، وأنشد الفراء: PageV05P336 # ونفسك فانع ولا تنعني * وداو الكلوم ولا تبرق أي لا تفزع من كثرة الكلوم ~~التي بك. وقرأ نافع وأبان عن عاصم " برق " بفتح الراء: أي لمع بصره من شدة ~~شخوصه للموت. قال مجاهد وغيره: هذا عند الموت، وقيل برق يبرق شق عينيه ~~وفتحهما. وقال أبو عبيدة: # فتح الراء وكسرها لغتان بمعنى (وخسف القمر) قرأ الجمهور " خسف " بفتح ~~الخاء والسين مبنيا للفاعل. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والأعرج وابن أبي ~~عبلة وأبو حيوة بضم الخاء وكسر السين مبنيا للمفعول، ومعنى خسف القمر: ذهب ~~ضوؤه ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا، ويقال خسف: إذا ذهب جميع ضوئه، ~~وكسف: # إذا ذهب بعض ضوئه (وجمع الشمس والقمر) أي ذهب ضوؤهما جميعا، ولم يقل جمعت ~~لأن التأنيث مجازي. # قاله المبرد. وقال أبو عبيدة: هو لتغليب المذكر على المؤنث. وقال ~~الكسائي: حمل على معنى جمع النيران. وقال الزجاج والفراء: ولم يقل جمعت لأن ~~المعنى جمع بينهما في ذهاب نورهما، وقيل جمع بينهما في طلوعهما من الغرب ~~أسودين مكورين مظلمين. قال عطاء: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في ~~البحر فيكونان نار الله الكبرى. وقيل تجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك ~~تعاقب ليل ونهار. وقرأ ابن مسعود " وجمع بين الشمس والقمر " (يقول الإنسان ~~يومئذ أين المفر) أي يقول عند وقوع هذه الأمور أين المفر: أي الفرار، ~~والمفر مصدر بمعنى الفرار. قال الفراء: يجوز أن يكون موضع الفرار، ومنه قول ~~الشاعر: # أين المفر والكباش تنتطح * وكل كبش فر منها يفتضح قال الماوردي: يحتمل ~~وجهين: أحدهما أين المفر من الله سبحانه استحياء منه. والثاني أين المفر من ~~جهنم حذرا منها. قرأ الجمهور " أين المفر " بفتح الميم والفاء مصدرا كما ~~تقدم. وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة بفتح الميم وكسر الفاء على أنه ~~اسم مكان: أي أين مكان الفرار. وقال الكسائي: هما لغتان مثل مدب ومدب ومصح ~~ومصح، وقرأ الزهري بكسر الميم وفتح الفاء على أن المراد به ms4134 الإنسان الجيد ~~الفرار، ومنه قول امرئ القيس: مكر مفر مقبل مدبر معا * كجلمود صخر حطه ~~السيل من عل أي جيد الفر والكر (كلا لا وزر) أي لا جبل ولا حصن ولا ملجأ من ~~الله. وقال ابن جبير: لا محيص ولا منعة. والوزر في اللغة: ما يلجأ إليه ~~الإنسان من حصن، أو جبل أو غيرهما، ومنه قول طرفة: # ولقد تعلم بكر أننا * فاضلو الرأي وفي الروع وزر وقال آخر: لعمري ما ~~للفتى من وزر * من الموت يدركه والكبر قال السدي: كانوا إذا فزعوا في ~~الدنيا تحصنوا بالجبال، فقال لهم الله: لا وزر يعصمكم مني يومئذ، وكلا ~~للردع، أو لنفي ما قبلها، أو بمعنى حقا (إلى ربك يومئذ المستقر) أي المرجع ~~والمنتهى والمصير لا إلى غيره، وقيل إليه الحكم بين العباد لا إلى غيره، ~~وقيل المستقر: الاستقرار حيث يقره الله (ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) ~~أي يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشر. وقال قتادة: بما عمل من طاعة، وما ~~أخر من طاعة فلم يعمل بها. # وقال زيد بن أسلم: بما قدم من أمواله وما خلف للورثة. وقال مجاهد: بأول ~~عمله وآخره. وقال الضحاك: بما قدم من فرض. وأخر من فرض. قال القشيري: هذا ~~الإنباء يكون يوم القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت. قال ~~القرطبي: والأول أظهر (بل الإنسان على نفسه بصيرة) ارتفاع بصيرة على أنها ~~خبر الإنسان، على نفسه متعلق ببصيرة. قال الأخفش: جعله هو البصيرة كما تقول ~~للرجل: أنت حجة على نفسك، PageV05P337 # وقيل المعنى: إن جوارحه تشهد عليه بما عمل كما في قوله - يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون - وأنشد الفراء: # كأن على ذي العقل عينا بصيرة * بمقعده أو منظر هو ناظر * فيكون المعنى: ~~بل جوارح الإنسان عليه شاهدة. قال أبو عبيدة والقتيبي: إن هذه الهاء في ~~بصيرة هي التي يسميها أهل الإعراب هاء المبالغة كما في قولهم: علامة. وقيل ~~المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير وشر، والتاء ms4135 ~~على هذا للتأنيث. وقال الحسن: أي بصير بعيوب نفسه (ولو ألقى معاذيره) أي ~~ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك. يقال معذرة ومعاذير. قال الفراء: أي ~~وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره. وقال الزجاج: المعاذير الستور، والواحد ~~معذار: أي وإن أرخى الستور يريد أن يخفى نفسه فنفسه شاهدة عليه، كذا قال ~~الضحاك والسدي. والستر بلغة اليمن يقال له معذار، كذا قال المبرد، ومنه قول ~~الشاعر: # ولكنها ضنت بمنزل ساعة * علينا وأطت يومها بالمعاذر * والأول أولى، وبه ~~قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وأبو العالية ومقاتل، ومثله قوله ~~- يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم - وقوله - ولا يؤذن لهم فيعتذرون - وقول ~~الشاعر: # فما حسن أن يعذر المرء نفسه * وليس له من سائر الناس عاذر * (لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به) كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرك شفتيه ولسانه ~~بالقرآن إذا أنزل عليه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي حرصا على أن يحفظه ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية: أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند ~~إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك، ومثل هذا قوله - ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه - الآية (إن علينا جمعه) في صدرك حتى لا ~~يذهب عليك منه شئ (وقرآنه) أي إثبات قراءته في لسانك. قال الفراء: القراءة ~~والقرآن مصدران. وقال قتادة فاتبع قرآنه: أي شرائعه وأحكامه (فإذا قرأناه) ~~أي أتممناه قراءته عليك بلسان جبريل (فاتبع قرآنه) أي قراءته (ثم إن علينا ~~بيانه) أي تفسير ما فيه من الحلال والحرام وبيان ما أشكل منه. قال الزجاج: ~~المعنى علينا أن ننزله عليك قرآنا عربيا فيه بيان للناس. # وقيل المعنى: إن علينا أن نبينه بلسانك (كلا بل تحبون العاجلة) كلا للردع ~~عن العجلة والترغيب في الأناة، وقيل هي ردع لمن لا يؤمن بالقرآن وبكونه ~~بينا من الكفار. قال عطاء: أي لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه. قرأ أهل ~~المدينة والكوفيون " بل تحبون " (وتذرون) بالفوقية في الفعلين جميعا. وقرأ ~~الباقون ms4136 بالتحتية فيهما، فعلى القراءة الأولى يكون الخطاب لهم تقريعا ~~وتوبيخا، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام عائدا إلى الإنسان لأنه بمعنى ~~الناس، والمعنى: تحبون الدنيا وتتركون (الآخرة) فلا تعملون لها (وجوه يومئذ ~~ناضرة) أي ناعمة غضة حسنة، يقال: # شجر ناظر وروض ناضر: أي حسن ناعم، ونضارة العيش حسنه وبهجته. قال الواحدي ~~والمفسرون: يقولون مضيئة مسفرة مشرقة (إلى ربها ناظرة) هذا من النظر: أي ~~إلي خالقها ومالك أمرها ناظرة: أي تنظر إليه هكذا قال جمهور أهل العلم، ~~والمراد به ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون ربهم يوم ~~القيامة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر. قال ابن كثير: وهذا بحمد الله ~~مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة ~~الإسلام وهداة الأنام. وقال مجاهد: إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من ~~الثواب، وروي نحوه عن عكرمة، وقيل لا يصح هذا إلا عن مجاهد وحده. قال ~~الأزهري: وقول مجاهد خطأ لأنه لا يقال PageV05P338 # نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية ~~عين، إذا أرادوا الانتظار قالوا: # نظرته كما في قول الشاعر: # فإنكما إن تنظراني ساعة * من الدهر تنفعني لدى أم جندب فإذا أرادوا نظر ~~العين قالوا: نظرت إليه كما قال الشاعر: # نظرت إليها والنجوم كأنها * مصابيح رهبان تشب لفعال وقول الآخر: إني إليك ~~لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر أي أنظر إليك نظر دل كما ~~ينظر الفقير إلى الغني، وأشعار العرب وكلماتهم في هذا كثيرة جدا. ووجوه ~~مبتدأ، وجاز الابتداء به مع كونه نكرة لأن المقام مقام تفصيل، وناضرة صفة ~~لوجوه، ويومئذ ظرف لناضرة، ولو لم يكن المقام مقام تفصيل لكان وصف النكرة ~~بقوله " ناضرة " مسوغا للابتداء بها، ولكن مقام التفصيل بمجرده مسوغ ~~للابتداء بالنكرة (ووجوه يومئذ باسرة) أي كالحة عابسة كئيبة. قال في ~~الصحاح: بسر الرجل وجهه بسورا: أي كلح. قال السدي: باسرة: أي متغيرة، وقيل ~~مصفرة، والمراد بالوجوه هنا وجوه الكفار (تظن أن ms4137 يفعل بها فاقرة) الفاقرة: ~~الداهية العظيمة، يقال فقرته الفاقرة: أي كسرت فقار ظهره. قال قتادة: # الفاقرة الشر، وقال السدي: الهلاك، وقال ابن زيد: دخول النار. وأصل ~~الفاقرة: الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى تخلص إلى العظم، كذا قال ~~الأصمعي، ومن هذا قولهم: قد عمل به الفاقرة. قال النابغة: أبا لي قبر لا ~~يزال مقابلي * وضربة فأس فوق رأسي فاقره وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله (لا أقسم بيوم ~~القيامة) قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه، قلت (ولا أقسم بالنفس اللوامة) ~~قال النفس اللؤوم، قلت (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه) قال: لو شاء لجعله خفا أو حافرا. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (اللوامة) قال: المذمومة. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا قال: التي تلوم على الخير والشر ~~تقول: لو فعلت كذا وكذا. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال: تندم على ما فات ~~وتلوم عليه. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) قال: ~~يمضي قدما. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو الكافر الذي ~~يكذب بالحساب. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال: يعني الأمل يقول: ~~أعمل ثم أتوب. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل والبيهقي في الشعب عنه ~~أيضا في الآية قال: يقدم الذنب ويؤخر التوبة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه ~~أيضا (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) يقول: سوف أتوب (يسأل أيان يوم ~~القيامة) قال: يقول متى يوم القيامة، قال فبين له (إذا برق البصر). وأخرج ~~ابن جرير عنه قال (إذا برق البصر) يعني الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي ~~الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله (لا وزر) قال: لا ~~حصن. وأخرج عبد بن حميد ms4138 وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن ~~عباس في قوله (لا وزر) قال: لا حصن ولا ملجأ، وفي لفظ: لا حرز، وفي لفظ: لا ~~جبل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ابن المنذر عن ابن مسعود في ~~قوله (ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) قال: بما قدم من عمل، وأخر من سنة ~~عمل بها من بعده من خير أو شر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~نحوه. PageV05P339 # وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة ~~فينبؤ بذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر من طرق عنه في قوله ~~(بل الإنسان على نفسه بصيرة) قال: شهد على نفسه وحده (ولو ألقى معاذيره) ~~قال: ولو اعتذر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (بل الإنسان ~~على نفسه بصيرة) قال: سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه (ولو ألقى معاذيره) ~~قال: ولو تجرد من ثيابه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك به ~~لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه يريد أن يحفظه، فأنزل الله (لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) قال: يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ~~ثم تقرأه (فإذا قرأناه) يقول: إذا أنزلناه عليك (فاتبع قرآنه) فاستمع له ~~وأنصت (ثم إن علينا بيانه) أن نبينه بلسانك، وفي لفظ: علينا أن نقرأه، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق. وفي لفظ: ~~استمع، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (فإذا قرأناه) قال: بيناه ~~(فاتبع قرآنه) يقول: اعمل به. # وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن مسعود في قوله (كلا بل ~~تحبون العاجلة) قال: عجلت لهم الدنيا شرها وخيرها وغيبت الآخرة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس (وجوه يومئذ ms4139 ناضرة) قال: ناعمة. وأخرج ابن المنذر ~~والآجري في الشريعة واللالكائي في السنة والبيهقي في الرؤية عنه (وجوه ~~يومئذ ناضرة) قال: يعني حسنها (إلى ربها ناظرة) قال: نظرت إلى الخالق. ~~وأخرج ابن مردويه عنه أيضا (إلى ربها ناظرة) قال تنظر إلى وجه ربها. وأخرج ~~ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~(وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) قال: ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد ~~محدود ولا صفة معلومة " وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: " ~~قال الناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: " هل تضارون في ~~الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، فهل تضارون في القمر ليلة ~~البدر ليس دونه سحاب؟ # قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك ". وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه. وقد قدمنا أن أحاديث الرؤية ~~متواترة فلا نطيل بذكرها، وهي تأتي في مصنف مستقل، ولم يتمسك من نفاها ~~واستبعدها بشئ يصلح للتمسك به لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله. وقد أخرج ~~ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والطبراني ~~والدارقطني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه ~~وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى ~~وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وجوه يومئذ ~~ناضرة إلى ربها ناظرة) ". وأخرجه أحمد في المسند من حديثه بلفظ " إن أفضلهم ~~منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين ". وأخرج النسائي والدارقطني وصححه ~~وأبو نعيم عن أبي هريرة قال " قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا، قال: هل ترون ~~الشمس في يوم لا عيم فيه، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها؟ قلنا نعم، قال: ~~فإنكم سترون ربكم عز وجل، حتى إن أحدكم ليحاضر ms4140 ربه محاضرة، فيقول: عبدي هل ~~تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: ألم تغفر لي؟ فيقول: بمغفرتي صرت إلى هذا ". # سورة القيامة (26 - 40) PageV05P340 # قوله (كلا) ردع وزجر: أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف، ~~فقال (إذا بلغت التراقي) أي بلغت النفس أو الروح التراقي، وهي جمع ترقوة، ~~وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على ~~الموت، ومثله قوله - فلولا إذا بلغت الحلقوم - وقيل معنى " كلا " حقا: أي ~~حقا أن المساق إلى الله إذا لمغت التراقي، والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند ~~نزول الموت. قال دريد بن الصمة: # ورب كريهة دافعت عنها * وقد بلغت نفوسهم التراقي (وقيل من راق) أي قال من ~~حضر صاحبها من يرقيه ويشتفي برقيته؟. قال قتادة: التمسوا له الأطباء فلم ~~يغنوا عنه من قضاء الله شيئا، وبه قال أبو قلابة، ومنه قول الشاعر: # هل للفتى من بنات الموت من واقى * أم هل له من حمام الموت من راقى وقال ~~أبو الجوزاء: هو من رقى يرقي إذا صعد، والمعنى: من يرقى بروحه إلى السماء ~~أم ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل إنه يقول ذلك ملك الموت، وذلك أن ~~نفس الكافر تكره الملائكة قربها (وظن أنه الفراق) أي وأيقن الذي بلغت روحه ~~التراقي أنه الفراق من الدنيا ومن الأهل والمال والولد (والتفت الساق ~~بالساق) أي التفت ساقه بساقه عند نزول الموت به. وقال جمهور المفسرين: ~~المعنى تتابعت عليه الشدائد. وقال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن. ~~وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت، وقيل ماتت رجلاه ويبست ~~ساقاه ولم تحملاه، وقد كان جوالا عليهما. وقال الضحاك: اجتمع عليه أمران ~~شديدان: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. وبه قال ابن زيد. ~~والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد الكبار، والمحن العظام، ومنه قولهم: ~~قامت الحرب على ساق. وقيل الساق الأول تعذيب روحه عند خروج نفسه، والساق ~~الآخر شدة البعث وما بعده (إلى ربك يومئذ المساق) أي إلى خالقك يوم القيامة ~~المرجع، وذلك جمع ms4141 العباد إلى الله يساقون إليه (فلا صدق ولا صلى) أي لم ~~يصدق بالرسالة ولا بالقرآن، ولا صلى لربه، والضمير يرجع إلى الإنسان ~~المذكور في أول هذه السورة. قال قتادة: فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله، ~~وقيل فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه. قال الكسائي لا بمعنى لم، وكذا قال ~~الأخفش: والعرب تقول: لا ذهب أي لم يذهب، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه: # إن تغفر اللهم نغفر جما * وأي عبد لك لا ألما (ولكن كذب وتولى) أي كذب ~~بالرسول وبما جاء به، وتولى عن الطاعة والإيمان (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) أي ~~يتبختر ويختال في مشيته افتخارا بذلك. وقيل هو مأخوذ من المطي وهو الظهر، ~~والمعنى يلوي مطاه. # وقيل أصله يتمطط، وهو التمدد والتثاقل: أي يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى ~~الحق (أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى) أي وليك الويل، وأصله أولاك الله ~~ما تكرهه، واللام مزيدة كما في - ردف لكم - وهذا تهديد شديد، PageV05P341 # والتكرير للتأكيد: أي يتكرر عليك ذلك مرة بعد مره. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد أبي جهل، ثم قال ~~(أولى لك فأولى) فقال أبو جهل: بأي شئ تهددني لا تستطيع أنت ولا ربك أن ~~تفعلا بي شيئا، وإني لأعز أهل هذا الوادي، فنزلت هذه الآية. وقيل معناه: ~~الويل لك، ومنه قول الخنساء: هممت بنفسي بعض الهموم * فأولى لنفسي أولى لها ~~وعلى القول بأنه الويل، قيل هو من المقلوب كأنه قيل: أويل لك، ثم أخر الحرف ~~المعتل. قيل ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات، والويل لك حيا، والويل لك ~~ميتا، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار. # وقيل المعنى: إن الذم لك أولى لك من تركه. وقيل المعنى: أنت أولى وأجدر ~~بهذا العذاب قاله ثعلب. وقال الأصمعي: أولى في كلام العرب معناه مقاربة ~~الهلاك. قال المبرد: كأنه يقول: قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من ~~الولي، وهو القرب، وأنشد الفراء: فأولى أن يكون لك الولاء - أي ms4142 قارب أن ~~يكون لك، وأنشد أيضا: أولى لمن هاجت له أن يكمدا (أيحسب الإنسان أن يترك ~~سدى) أي هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب ولا يعاقب، وقال السدي: معناه ~~المهمل، ومنه إبل سدي: أي ترعى بلا راع، وقيل المعنى: # أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث، وجملة (ألم يك نطفة من مني ~~يمنى) مستأنفة: أي ألم يك ذلك الإنسان قطرة من مني يراق في الرحم، وسمي ~~المني منيا لإراقته، والنطفة: الماء القليل، يقال نطف الماء: إذا قطر. قرأ ~~الجمهور " ألم يك " بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الإنسان. وقرأ الحسن ~~بالفوقية على الالتفات إليه توبيخا له. # وقرأ الجمهور أيضا " تمنى " بالفوقية على أن الضمير للنطفة. وقرأ حفص ~~وابن محيصن ومجاهد ويعقوب بالتحتية على أن الضمير للمني، ورويت هذه القراءة ~~عن أبي عمرو، واختارها أبو حاتم (ثم كان علقة) أي كان بعد النطفة علقة: أي ~~دما (فخلق) أي فقدر بأن جعلها مضغة مخلقة (فسوى) أي فعد له وكمل نشأته ونفخ ~~فيه الروح (فجعل منه) أي حصل من الإنسان، وقيل من المنى (الزوجين) أي ~~الصنفين من نوع الإنسان. ثم بين ذلك فقال (الذكر والأنثى) أي الرجل والمرأة ~~(أليس ذلك) أي ليس ذلك الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه (بقادر على أن ~~يحيى الموتى) أي يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا، فإن الإعادة ~~أهون من الابتداء، وأيسر مؤنة منه. قرأ الجمهور " بقادر " وقرأ زيد بن علي ~~" يقدر " فعلا مضارعا، وقرأ الجمهور " يحيى " بنصبه بأن. وقرأ طلحة بن ~~سليمان والفياض بن غزوان بسكونها تخفيفا، أو على إجراء الوصل مجرى الوقف ~~كما مر في مواضع. # وقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس في قوله (وقيل من راق) قال: تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه، قيل ~~من يرقي بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب (والتفت الساق بالساق) قال: ~~التفت عليه الدنيا والآخرة وملائكة العذاب أيهم يرقى به. وأخرج عبد بن حميد ~~عنه ms4143 (وقيل من راق) قل من راق يرقى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا (والتفت الساق بالساق) يقول: آخر يوم من أيام الدنيا وأول ~~يوم من أيام الآخرة، فتلقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عنه أيضا (يتمطى) قال: يختال. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ~~سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله (أولى لك فأولى) أشئ قاله رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي جهل من قبل نفسه، أم أمره الله به؟ قال: ~~بل قاله من قبل نفسه ثم أنزله الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (أن يترك سدى) قال: PageV05P342 # هملا. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عن صالح أبي الخليل قال: " كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ هذه الآية (أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى) قال: سبحانك اللهم وبلى ". وأخرج ابن مردويه عن البراء ابن ~~عازب قال: لما نزلت هذه الآية (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " سبحانك ربي وبلى ". وأخرج ابن النجار ~~في تاريخه عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ~~عند قراءته لهذه الآية " بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ". وأخرج أحمد وأبو ~~داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ منكم والتين ~~والزيتون فانتهى إلى آخرها - أليس الله بأحكم الحاكمين - فليقل بلى وأنا ~~على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى قوله - أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى - فليقل بلى، ومن قرأ والمرسلات عرفا - فبلغ ~~- فبأي حديث بعده يؤمنون - فليقل آمنا بالله " وفي إسناده رجل مجهول. وأخرج ~~ابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: قال ms4144 رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إذا قرأت لا أقسم بيوم القيامة فبلغت - أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى - فقل بلى ". # تفسير سورة الإنسان هي إحدى وثلاثون آية قال الجمهور: هي مدنية. وقال ~~مقاتل والكلبي: هي مكية. وأخرج النحاس عن ابن عباس أنها نزلت بمكة. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وقيل فيها مكي من قوله (إنا نحن نزلنا عليك ~~القرآن تنزيلا) إلى آخر السورة، وما قبله مدني. وأخرج الطبراني وابن مردويه ~~وابن عساكر عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سل واستفهم، فقال: ~~يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت ~~به وعملت بما عملت به: أني كائن معك في الجنة، قال نعم والذي نفسي بيده إنه ~~ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام، ثم قال: # من قال لا إله إلا الله كان له عهد عند الله. ومن قال: سبحان الله وبحمده ~~كتب له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، ونزلت هذه السورة (هل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر) إلى قوله (ملكا كبيرا) فقال الحبشي: وإن عيني ~~لترى ما ترى عيناك في الجنة، قال نعم، فاشتكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: ~~فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدليه في حفرته بيده. وأخرج ~~أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال: # حدثني الثقة " أن رجلا أسود كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن التسبيح والتهليل، فقال له عمر بن الخطاب: أكثرت على رسول الله، فقال: ~~مه يا عمر. وأنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل أتى على الإنسان ~~حين من الدهر حتى إذا أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه. فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مات شوقا إلى الجنة ". وأخرج نحوه ابن وهب ~~عن ابن زيد مرفوعا ms4145 مرسلا. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن منيع ~~وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والضياء عن أبي ذر قال " قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم (هل أتى على الإنسان) حتى ختمها، ثم قال: إني أرى ~~ما لا ترون وأسمع مالا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع ~~أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم ~~قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات ~~تجأرون إلى الله عز وجل. PageV05P343 # حكى الواحدي عن المفسرين وأهل المعاني أن (هل) هنا بمعنى قد، وليس ~~باستفهام، وقد قال بهذا سيبويه والكسائي والفراء وأبو عبيدة. قال الفراء: ~~هل تكون جحدا وتكون خبرا فهذا من الخبر لأنك تقول: هل أعطيتك تقرره بأنك ~~أعطيته، والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا، وقيل هي وإن كانت بمعنى ~~قد ففيها معنى الاستفهام، والأصل أهل أتى، فالمعنى: أقد أتي، والاستفهام ~~للتقرير والتقريب، والمراد بالإنسان هنا آدم، قاله قتادة والثوري وعكرمة ~~والسدي وغيرهم (حين من الدهر) قيل أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح، وقيل ~~إنه خلق من طين أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال ~~أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وقيل الحين المذكور هنا لا يعرف ~~مقداره وقيل المراد بالإنسان بنو آدم، والحين مدة الحمل، وجملة (لم يكن ~~شيئا مذكورا) في محل نصب على الحال من الإنسان، أو في محل رفع صفة لحين. ~~قال الفراء وقطرب وثعلب: المعنى أنه كان جسدا مصورا ترابا وطينا لا يذكر ~~ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا. ~~وقال يحيي بن سلام: لم يكن شيئا مذكورا في الخلق وإن كان عند الله شيئا ~~مذكورا، وقيل ليس المراد بالذكر هنا الإخبار، فإن إخبار الرب عن الكائنات ~~قديم، بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف، كما في قوله - وإنه لذكر لك ولقومك ~~-. قال القشيري: ما كان ms4146 مذكورا للخلق وإن كان مذكورا لله سبحانه، قال ~~الفراء: كان شيئا ولم يكن مذكورا. فجعل النفي متوجها إلى القيد. وقيل ~~المعنى: قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من ~~الخليقة. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: هل أتى حين من الدهر ~~لم يكن شيئا مذكورا، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيوان ~~(إنا خلقنا الإنسان من نطفة) المراد بالإنسان هنا ابن آدم. قال القرطبي: من ~~غير خلاف، والنطفة: الماء الذي يقطر، وهو المني وكل ماء قليل في وعاء فهو ~~نطفة، وجمعها نطف، و (أمشاج) صفة لنطفة، وهي جمع مشج، أو مشيج، وهي ~~PageV05P344 # الأخلاط، والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما. يقال مشج هذا بهذا ~~فهو ممشوج: أي خلط هذا بهذا فهو مخلوط. قال المبرد: مشج يمشج إذا اختلط، ~~وهو هنا اختلاط النطفة بالدم. قال رؤبة بن العجاج: # يطرحن كل معجل مشاج * لم يكس جلدا من دم أمشاج قال الفراء: أمشاج اختلاط ~~ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة، ويقال مشج هذا: إذا خلط، وقيل ~~الأمشاج: الحمرة في البياض والبياض في الحمرة. قال القرطبي: وهذا قول ~~يختاره كثير من أهل اللغة. قال الهذلي: # كأن الريش والفوقين منه * حلاف النصل نيط به مشيج وذلك لأن ماء الرجل ~~أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فيخلق منهما الولد. قال ابن السكيت: ~~الأمشاج: # الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة. وقيل ~~الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار، ويؤيد هذا وقوعه نعتا لنطفة، وجملة (نبتليه) ~~في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا: أي مريدين ابتلاءه، ويجوز أن يكون ~~حالا من الإنسان، والمعنى: نبتليه بالخير والشر وبالتكاليف. قال الفراء: ~~معناه والله أعلم (جعلناه سميعا بصيرا) نبتليه وهي مقدمة معناها التأخير، ~~لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وعلى هذا تكون هذه الحال مقدرة، ~~وقيل مقارنة. وقيل معنى الابتلاء: نقله من حال إلى حال على طريقة ~~الاستعارة، والأول أولى. # ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصح معه ms4147 الابتلاء فقال (إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا) أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر ~~كما في قوله - وهديناه النجدين - قال مجاهد: أي بينا السبيل إلى الشقاء ~~والسعادة. وقال الضحاك والسدي وأبو صالح: السبيل هنا خروجه من الرحم، وقيل ~~منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، وانتصاب شاكرا وكفورا ~~على الحال من مفعول هديناه: أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعا، وقيل ~~على الحال من سبيل على المجاز: أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما ~~سبيلا كفورا. # وحكى مكي عن الكوفيين أن قوله إما هي إن شرطية زيدت بعدها ما: أي بينا له ~~الطريق إن شكر وإن كفر. # واختار هذا الفراء، ولا يجبره البصريون لأن إن الشرطية لا تدخل على ~~الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع ~~شاكرا وكفورا. ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكرا وكفورا، وتقديره: # إن خلقناه شاكرا فشكور وإن خلقناه كافرا فكفور، وهذا على قراءة الجمهور - ~~إما شاكرا وإما كفورا - بكسر همزة إما. وقرأ أبو السماك وأبو العجاج ~~بفتحها، وهي على الفتح إما العاطفة في لغة بعض العرب، أو هي التفصيلية ~~وجوابها مقدر، وقيل انتصب شاكرا وكفورا باضمار كان، والتقدير: سواء كان ~~شاكرا أو كان كفورا. ثم بين سبحانه ما أعد للكافرين فقال (إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا) قرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام ~~عن ابن عامر " سلاسلا " بالتنوين، ووقف قنبل عن ابن كثير وحمزة بغير ألف، ~~والباقون وقفوا بالألف. ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كون فيه صيغة ~~منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو - إما شاكرا وإما كفورا ~~-، وما بعده وهو - أغلالا وسعيرا - منون، أو على لغة من يصرف جميع مالا ~~ينصرف كما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين عن بعض العرب. قال الأخفش: سمعنا ~~من العرب من يصرف كل مالا ينصرف، لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف ~~لعارض فيها. قال الفراء: هو على لغة ms4148 من يجر الأسماء كلها إلا قولهم: هو ~~أظرف منك فإنهم لا يجرونه، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم: # كأن سيوفنا فينا وفيهم * مخاريق بأيدي لاعبينا PageV05P345 # ومن ذلك قول الشاعر: # وإذا الرجال رأوا يزيد رأينهم * خضع الرقاب نواكس الأبصار * بكسر السين ~~من نواكس، وقول لبيد: # وحسور أستار دعوني لحتفها * بمعالق متشابه أعلاقها وقوله أيضا: فضلا وذو ~~كرم بعين على الندى * سمح لشوب رغائب غنامها وقيل إن التنوين لموافقة رسم ~~المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف، وقيل إن هذا التنوين ~~بدل من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف، والسلاسل قد تقدم تفسيرها، ~~والخلاف فيها هل هي القيود، أو ما يجعل في الأعناق كما في قول الشاعر: # ... ولكن * أحاطت بالرقاب السلاسل والأغلال جمع غل تغل به الأيدي إلى ~~الأعناق، والسعير: الوقود الشديد، وقد تقدم تفسير السعير. ثم ذكر سبحانه ما ~~أعده للشاكرين فقال (إن الأبرار يشربون من كأس) الأبرار: أهل الطاعة ~~والإخلاص، والصدق جمع بر أو بار. قال في الصحاح: جمع البر الأبرار، وجمع ~~البار البررة، وفلان يبر خالقه ويبرره: أي يطيعه. وقال الحسن: البر الذي لا ~~يؤذي الذر. وقال قتادة: الإبراء الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر. والكأس ~~في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسم كأسا، ~~ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة، بل يكون من الزجاج ومن الذهب والفضة والصيني ~~وغير ذلك، وقد كانت كاسات العرب من أجناس مختلفة، وقد يطلق الكأس على نفس ~~الخمر كما في قول الشاعر: # وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها (كان مزاجها كافورا) أي ~~يخالطها وتمزج به، يقال مزجه يمزجه مزجا: أي خلطه يخلطه خلطا، ومنه قول ~~الشاعر: كأن سبية من بيت رأس * كان مزاجها عسل وماء وقول عمرو بن كلثوم: # صددت الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا معتقة كأن الخص فيها ~~* إذا ما الماء خالطها سخينا ومنه مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الأخلاط، ~~والكافور قيل: هو اسم عين في الجنة يقال لها ms4149 الكافوري تمزج خمر الجنة بماء ~~هذه العين. وقال قتادة ومجاهد: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. وقال ~~عكرمة: مزاجها طعمها، وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. وقيل إنما ~~أراد الكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب كما في قوله ~~- حتى إذا جعله نارا - أي كنار. وقال ابن كيسان: طيبها المسك والكافور ~~والزنجبيل. وقال مقاتل: ليس هو كافور الدنيا، وإنما سمى الله ما عنده بما ~~عندكم حتى تهتدى له القلوب، والجملة في محل جر صفة لكأس. وقيل إن كان هنا ~~زائدة: أي من كأس مزاجها كافورا (عينا يشرب بها عباد الله) انتصاب عينا على ~~أنها بدل من كافورا، لأن ماءها في بياض الكافور. وقال مكي: إنها بدل من محل ~~" من كأس " على حذف مضاف كأنه قيل: يشربون خمرا خمر عين، وقيل إنها منتصبة ~~على أنها مفعول يشربون: أي عينا من كأس، وقيل هي منتصبة على الاختصاص، قاله ~~الأخفش وقيل منتصبة باضمار فعل يفسره ما بعده: أي PageV05P346 # يشربون عينا يشرب بها عباد الله، والأول أولى، وتكون جملة - يشرب بها ~~عباد الله - صفة لعينا. وقيل إن الباء في يشرب بها زائدة، وقيل بمعنى من ~~قاله الزجاج، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة يشربها عباد الله، وقيل إن يشرب ~~مضمن معنى يلتذ، وقيل هي متعلقة بيشرب، والضمير يعود إلى الكأس. وقال ~~الفراء: يشربها ويشرب بها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينتفع ~~بها، وأنشد قول الهذلي: شربن بماء البحر ثم ترفعت * قال: ومثله تكلم بكلام ~~حسن، وتكلم كلاما حسنا (يفجرونها تفجيرا) أي يجرونها إلى حيث يريدون ~~وينتفعون بها كما يشاءون ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يريدون وصوله إليه، فهم ~~يشقونها شقا كما يشق النهر ويفجر إلى هنا وهنا. قال مجاهد: يقودونها حيث ~~شاءوا وتتبعهم حيث مالوا مالت معهم، والجملة صفة أخرى لعينا، وجملة (يوفون ~~بالنذر) مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر، وكذا ما عطف عليها، ~~ومعنى النذر في اللغة الإيجاب، والمعنى: يوفون بما أوجبه الله عليهم ms4150 من ~~الطاعات. قال قتادة ومجاهد: يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ونحوهما. ~~وقال عكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ما أوجبه ~~المكلف على نفسه، فالمعنى: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم. قال الفراء: في ~~الكلام إضمار: أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. # وقال الكلبي: يوفون بالعهد: أي يتممون العهد. والأولى حمل النذر هنا على ~~ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص (ويخافون يوما كان شره مستطيرا) ~~المراد يوم القيامة، ومعنى استطارة شره فشوه وانتشاره، يقال استطار يستطير ~~استطارة فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران، ومنه قول الأعشى: # فباتت وقد أثارت في الفؤاد * صدعا على نأيها مستطيرا والعرب تقول: استطار ~~الصدع في القارورة والزجاجة: إذا امتد، ويقال استطار الحريق: إذا انتشر. # قال الفراء: المستطير المستطيل. قال قتادة: استطار شر ذلك اليوم حتى ملأ ~~السماوات والأرض. قال مقاتل: # كان شره فاشيا في السماوات فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة، وفي ~~الأرض نسفت الجبال وغارت المياه (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا) أي يطعمون هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام على حبه لديهم وقلته ~~عندهم. قال مجاهد: على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له، فقوله على حبه في محل ~~نصب على الحال: أي كائنين على حبه، ومثله قوله - لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون - وقيل على حب الإطعام لرغبتهم في الخير. قال الفضيل بن عياض: ~~على حب إطعام الطعام. وقيل الضمير في حبه يرجع إلى الله: أي يطعمون الطعام ~~على حب الله: أي يطعمون إطعاما كائنا على حب الله، ويؤيد هذا قوله (إنما ~~نطعمكم لوجه الله) والمسكين ذو المسكنة، وهو الفقير، أو من هو أفقر من ~~الفقير، والمراد باليتيم يتامى المسلمين، والأسير الذي يؤسر فيحبس. قال ~~قتادة ومجاهد: الأسير المحبوس. وقال عكرمة: الأسير العبد. وقال أبو حمزة ~~الثمالي: الأسير المرأة. قال سعيد بن جبير: # نسخ هذا الإطعام آية الصدقات وآية السيف في حق الأسير الكافر. وقال غيره: ~~بل هي محكمة، وإطعام المسكين واليتيم على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه ~~إلى ms4151 أن يتخير فيه الإمام، وجملة (إنما نطعمكم لوجه الله) في محل نصب على ~~الحال بتقدير القول: أي يقولون إنما نطعمكم، أو قائلين إنما نطعمكم: يعني ~~أنهم لا يتوقعون المكافأة ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلك. قال الواحدي: ~~قال المفسرون: لم يستكملوا بهذا ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم وعلم ~~من ثنائه أنهم فعلوا ذلك خوفا من الله ورجاء ثوابه (لا نريد منكم جزاء ولا ~~شكورا) أي لا نطلب منكم المجازاة على هذا الإطعام ولا نريد منكم الشكر لنا، ~~بل هو خالص لوجه الله، وهذه الجملة مقررة لما PageV05P347 # قبلها، لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة ولا يطلب الشكر له ممن ~~أطعمه (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) أي نخاف عذاب يوم متصف بهاتين ~~الصفتين، ومعنى عبوسا: أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى: ~~أنه ذو عبوس. قال الفراء وأبو عبيدة والمبرد: يوم قمطرير وقماطر: إذا كان ~~صعبا شديدا، وأنشد الفراء: # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم إذا ما كان يوم قماطر * قال الأخفش: ~~القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، ومنه قول الشاعر: # ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها * ولج بها اليوم العبوس القماطر قال ~~الكسائي: اقمطر اليوم وازمهر: إذا كان صعبا شديدا، ومنه قول الشاعر: # * بنو الحرب أوصينا لهم بقمطرة * ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب وقال مجاهد: ~~إن العبوس بالشفتين، والقطمير بالجبهة والحاجبين، فجعلهما من صفات المتغير ~~في ذلك اليوم لما يراه من الشدائد، وأنشد ابن الأعرابي: # يقدر على الصيد بعود منكسر * ويقمطر ساعة ويكفهر قال أبو عبيدة: يقال ~~قطمرير: أي منقبض ما بين العينين والحاجبين. قال الزجاج: يقال اقمطرت ~~الناقة: # إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما يسبقها من القطر، وجعل الميم ~~مزيدة (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) أي دفع عنهم شره بسبب خوفهم منه وإطعامهم ~~لوجهه (ولقاهم نضرة وسرورا) أي أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجود ~~وسرورا في القلوب. قال الضحاك: والنضرة البياض والنقاء في وجوههم. ms4152 وقال ~~سعيد ابن جبير الحسن والبهاء، وقيل النضرة أثر النعمة (وجزاهم بما صبروا) ~~أي بسبب صبرهم على التكاليف، وقيل على الفقر، وقيل على الجوع، وقيل على ~~الصوم. والأولى حمل الآية على الصبر على كل شئ يكون الصبر عليه طاعة لله ~~سبحانه، وما مصدرية، والتقدير: بصبرهم (جنة وحريرا) أي أدخلهم الجنة ~~وألبسهم الحرير، وهو لباس أهل الجنة عوضا عن تركه في الدنيا امتثالا لما ~~ورد في الشرع من تحريمه، وظاهر هذه الآيات العموم في كل من خاف من يوم ~~القيامة وأطعم لوجه الله وخاف من عذابه، والسبب وإن كان خاصا كما سيأتي ~~فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ويدخل سبب التنزيل تحت عمومها دخولا ~~أوليا. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (هل أتى على الإنسان) قال: كل ~~إنسان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله (أمشاج) قال: ~~أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم (أمشاج) قال: العروق. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس (من نطفة أمشاج) قال: # ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~قال (أمشاج) ألوان: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع ~~الأوتار ومنه يكون الولد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا (كان ~~شره مستطيرا) قال: # فاشيا. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه أيضا في قوله (وأسيرا) قال: هو ~~المشرك. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله (مسكينا) قال: فقيرا (ويتيما) قال لا أب له ~~(وأسيرا) قال: المملوك والمشجون. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(ويطعمون PageV05P348 # الطعام) الآية قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (يوما عبوسا) قال: ضيقا ms4153 ~~(قمطريرا) قال: طويلا. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في قوله (يوما عبوسا قمطريرا) قال: يقبض ما بين الأبصار. ~~وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال: القمطرير ~~الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه. وأخرج ابن المنذر عنه (ولقاهم نضرة ~~وسرورا) قال: نضرة في وجوههم وسرورا في صدورهم. # قوله (متكئين فيها على الأرائك) منصوب على الحال من مفعول جزاهم، والعامل ~~فيها جزى، ولا يعمل فيها صبروا، لأن الصبر إنما كان في الدنيا، وجوز أبو ~~البقاء أن يكون صفة لجنة. قال الفراء: وإن شئت جعلت متكئين تابعا، كأنه ~~قال: جزاهم جنة متكئين فيها. وقال الأخفش: يجوز أن يكون منصوبا على المدح، ~~والضمير من فيها يعود إلى الجنة، والأرائك: السرر في الحجال، وقد تقدم ~~تفسيرها في سورة الكهف (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) الجملة في محل نصب ~~على الحال من مفعول جزاهم، فتكون من الحال المترادفة، أو من الضمير في ~~متكئين، فتكون من الحال المتداخلة، أو صفة أخرى لجنة، والزمهرير أشد البرد، ~~والمعنى: أنهم لا يرون في الجنة حر الشمس ولا برد الزمهرير، ومنه قول ~~الأعشى: # منعمة طفلة كالمها * لم تر شمسا ولا زمهريرا وقال ثعلب: الزمهرير القمر ~~بلغة طي، وأنشد لشاعرهم: # وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها والزمهرير ما زهر ويروى ما ظهر: أي لم ~~يطلع القمر، وقد تقدم تفسير هذا في سورة مريم (ودانية عليهم ظلالها) قرأ ~~الجمهور " دانية " بالنصب عطفا على محل لا يرون، أو على متكئين، أو صفة ~~لمحذوف: أي وجنة دانية، كأنه قال: وجزاهم جنة دانية. وقال الزجاج: هو صفة ~~لجنة المتقدم ذكرها. وقال الفراء: هو منصوب على المدح. وقرأ أبو حيوة " ~~ودانية " بالرفع على أنه خبر مقدم وظلالها مبتدأ مؤخر، والجملة في موضع ~~النصب على الحال. والمعنى: أن PageV05P349 # ظلال الأشجار قريبة منهم مظلة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس ~~هنالك. قال مقاتل: يعنى شجرها قريب منهم. وقرأ ابن مسعود " ودانيا ms4154 عليهم " ~~(وذللت قطوفها تذليلا) معطوف على دانية كأنه قال: ومذللة. # ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم، ويجوز أن ~~تكون مستأنفة، والقطوف الثمار، والمعنى: أنها سخرت ثمارها لمتناوليها ~~تسخيرا كثيرا بحيث يتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها ~~بعد ولا شوك. قال النحاس: المذلل القريب المتناول، ومنه قولهم حائط ذليل: ~~أي قصير. قال ابن قتيبة: ذللت أدنيت، من قولهم حائط ذليل: أي كان قصير ~~السمك، وقيل ذللت: أي جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا (ويطاف ~~عليهم بآنية من فضة وأكواب) أي تدور عليهم الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية ~~الفضة، والأكواب جمع كوب، وهو الكوز العظيم الذي لا أذن له ولا عروة، ومنه ~~قول عدي: # متكئ تقرع أبوابه * يسعى عليه العبد بالكوب وقد مضى تفسيره في سورة ~~الزخرف (كانت قواريرا قواريرا من فضة) أي في وصف القوارير في الصفاء وفي ~~بياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج، ولونها لون الفضة. قرأ نافع والكسائي ~~وأبو بكر " قواريرا قواريرا " بالتنوين فيهما مع الوصل، وبالوقف عليهما ~~بالألف، وقد تقدم وجه هذه القراءة في تفسير قوله " سلاسلا " من هذه السورة، ~~وبينا هنالك وجه صرف ما فيه صيغة منتهى الجموع فارجع إليه وقرأ حمزة بعدم ~~التنوين فيهما وعدم الوقف بالألف، ووجه هذه القراءة ظاهر لأنهما ممتنعان ~~لصيغة منتهى الجموع. وقرأ هشام بعدم التنوين فيهما مع الوقف عليهما بالألف، ~~وقرأ ابن كثير بتنوين الأول دون الثاني والوقف على الأول بالألف دون ~~الثاني. وقرأ أبو عمرو وحفص وابن ذكوان بعدم التنوين فيهما، والوقف على ~~الأول بالألف دون الثاني، والجملة في محل جر صفة لأكواب. قال أبو البقاء: ~~وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها. قال الواحدي: قال المفسرون: # جعل الله قوارير أهل الجنة من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء ~~القوارير. قال الزجاج: القوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم الله فضل ~~تلك القوارير أن أصلها من فضة يرى من خارجها ما في داخلها، وجملة (قدروها ~~تقديرا) صفة لقوارير. قرأ ms4155 الجمهور " قدروها " بفتح القاف على البناء ~~للفاعل: أي قدرها السقاة من الخدم الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج ~~إليه الشاربون من أهل الجنة من دون زيادة ولا نقصان. قال مجاهد وغيره: # أتوا بها على قدر ريهم بغير زيادة ولا نقصان. قال الكلبي: وذلك ألذ ~~وأشهى، وقيل: قدرها الملائكة، وقيل قدرها أهل الجنة الشاربون على مقدار ~~شهواتهم وحاجتهم فجاءت كما يريدون في الشكل لا تزيد ولا تنقص. # وقرأ علي وابن عباس والسلمي والشعبي وزيد بن علي وعبيد بن عمير وأبو عمرو ~~في رواية عنه " قدروها " بضم القاف وكسر الدال مبنيا للمفعول: أي جعلت لهم ~~على قدر إرادتهم. قال أبو علي الفارسي: هو من باب القلب، قال: لأن حقيقة ~~المعنى أن يقال: قدرت عليهم لا قدروها، لأنه في معنى قدروا عليها. وقال أبو ~~حاتم: التقدير قدرت الأواني على قدر ريهم، فمفعول ما لم يسم فاعله محذوف. ~~قال أبو حيان: والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يقال: قدر ريهم منها ~~تقديرا، فحذف المضاف فصار قدروها. وقال المهدوي: إن القراءة الأخيرة يرجع ~~معناها إلى معنى القراءة الأولى، وكأن الأصل قدروا عليها فحذف حرف الجر كما ~~أنشد سيبويه: # آليت حب العراق الدهر آكله * والحب يأكله في القرية السوس أي آليت على حب ~~العراق (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا) قد تقدم أن الكأس هو الإناء ~~فيه الخمر، وإذا كان خاليا عن الخمر فلا يقال له كأس، والمعنى: أن أهل ~~الجنة يسقون في الجنة كأسا من الخمر، PageV05P350 # ممزوجة بالزنجبيل وقد كانت العرب تستلذ مزج الشراب بالزنجبيل لطيب ~~رائحته. وقال مجاهد وقتادة: الزنجبيل اسم للعين التي يشرب بها المقربون. ~~وقال مقاتل: هو زنجبيل لا يشبه زنجبيل الدنيا (عينا فيها تسمى سلسبيلا) ~~انتصاب عينا على أنها بدل من كأسا. ويجوز أن تكون منصوبة بفعل مقدر: أي ~~يسقون عينا، ويجوز أن تكون منصوبة بنزع الخافض: أي من عين، والسلسبيل: ~~الشراب اللذيذ، مأخوذ من السلاسة، تقول العرب: هذا شراب سلس، وسلسال ~~وسلسبيل: أي طيب لذيذ. قال الزجاج: السلسبيل ms4156 في اللغة اسم لماء في غاية ~~السلاسة حديد الجرية يسوغ في حلوقهم، ومنه قول حسان بن ثابت: # يسقون من ورد البريص عليهم * كأسا يصفق بالرحيق السلسل (ويطوف عليهم ~~ولدان مخلدون) لما فرغ سبحانه من وصف شرابهم، ووصف آنيتهم، ووصف السقاة ~~الذين يسقونهم ذلك الشراب. ومعنى (مخلدون) باقون على ما هم عليه من الشباب ~~والطراوة والنضارة، لا يهرمون ولا يتغيرون، وقيل معنى (مخلدون) لا يموتون، ~~وقيل التخليد التحلية: أي محلون (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) إذا نظرت ~~إليهم ظننتهم لمزيد حسنهم وصفاء ألوانهم ونضارة وجوههم لؤلؤا مفرقا. قال ~~عطاء: # يريد في بياض اللون وحسنه، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن ~~منه منظوما. قال أهل المعاني: إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، ~~ولو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم، وقيل إنما شبههم بالمنثور لأنهم سراع في ~~الخدمة، بخلاف الحور العين فإنه شبههن باللؤلؤ المكنون لأنهن لا يمتهن ~~بالخدمة (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) أي وإذا رميت ببصرك هناك، ~~يعنى في الجنة رأيت نعيما لا يوصف، وملكا كبيرا لا يقادر قدره، وثم ظرف ~~مكان، والعامل فيها رأيت. قال الفراء في الكلام ما مضمرة: أي وإذا رأيت ما ~~ثم، كقوله - لقد تقطع بينكم - أي ما بينكم. قال الزجاج معترضا على الفراء: ~~إنه لا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة، ولكن رأيت يتعدى في المعنى إلى ثم. ~~والمعنى: إذا رأيت ببصرك ثم، ويعني ثم الجنة قال السدي: النعيم ما يتنعم ~~به، والملك الكبير: استئذان الملائكة عليهم، وكذا قال مقاتل والكلبي. وقيل ~~إن رأيت ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر ولا منوى، بل معناه: أن بصرك أينما ~~وقع في الجنة رأيت نعيما وملكا كبيرا (عاليهم ثياب سندس) قرأ نافع وحمزة ~~وابن محيصن " عاليهم " بسكون الياء وكسر الهاء على أنه خبر مقدم، وثياب ~~مبتدأ مؤخر، أو على أن عاليهم مبتدأ، وثياب مرتفع بالفاعلية وإن لم يعتمد ~~الوصف كما هو مذهب الأخفش. # وقال الفراء: هو مرفوع بالابتداء، وخبره: ثياب سندس، واسم الفاعل مراد به ~~الجمع. وقرأ ms4157 الباقون بفتح الياء وضم الهاء على أنه ظرف في محل رفع على أنه ~~خبر مقدم، وثياب مبتدأ مؤخر، كأنه قيل فوقهم ثياب. قال الفراء: إن عاليهم ~~بمعنى فوقهم، وكذا قال ابن عطية. قال أبو حيان: عال وعالية اسم فاعل، ~~فيحتاج في كونهما ظرفين إلى أن يكون منقولا من كلام العرب، وقد تقدمه إلى ~~هذا الزجاج وقال: هذا مما لا نعرفه في الظروف ولو كان ظرفا لم يجز إسكان ~~الياء، ولكنه نصب على الحال من شيئين: أحدهما الهاء والميم في قوله (يطوف ~~عليهم) أي على الأبرار (ولدان) عاليا الأبرار (ثياب سندس) أي يطوف عليهم في ~~هذه الحال. والثاني أن يكون حالا من الولدان: أي إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا في حال علو الثياب أبدانهم. وقال أبو علي الفارسي: # العامل في الحال إما لقاهم نضرة وسرورا، وإما جزاهم بما صبروا. قال: ~~ويجوز أن يكون ظرفا. وقرأ ابن سيرين ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة: ~~عليهم، وهي قراءة واضحة المعنى ظاهرة الدلالة. واختار أبو عبيد القراءة ~~الأولى لقراءة ابن مسعود: عاليتهم. وقرأ الجمهور بإضافة ثياب إلى سندس. ~~وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بتنوين PageV05P351 # ثياب وقطعها عن الإضافة ورفع سندس، و (خضر وإستبرق) على أن السندس نعت ~~للثياب، لأن السندس نوع من الثياب، وعلى أن خضر نعت لسندس، لأنه يكون أخضر ~~وغير أخضر، وعلى أن إستبرق معطوف على سندس: أي وثياب إستبرق، والجمهور من ~~القراء اختلفوا في خضر وإستبرق مع اتفاقهم على جر سندس بإضافة ثياب إليه، ~~فقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم وابن محيصن بجر خضر نعتا لسندس ورفع إستبرق ~~عطفا على ثياب: أي عليهم ثياب سندس وعليهم إستبرق. وقرأ أبو عمرو وابن عامر ~~برفع خضر نعتا لثياب، وجر إستبرق نعت لسندس. واختار هذه القراءة أبو حاتم ~~وأبو عبيد، لأن الخضر أحسن ما كانت نعتا للثياب فهي مرفوعة، والإستبرق من ~~جنس السندس. وقرأ نافع وحفص برفع " خضر وإستبرق " لأن خضر نعت للثياب، ~~وإستبرق عطف على الثياب. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي بجر ms4158 " خضر وإستبرق " ~~على أن خضر نعت للسندس، وإستبرق معطوف على سندس. وقرءوا كلهم بصرف إستبرق ~~إلا ابن محيصن فإنه لم يصرفه، قال: لأنه أعجمي، ولا وجه لهذا لأنه نكرة إلا ~~أن يقول إنه علم لهذا الجنس من الثياب. والسندس: ما رق من الديباج. ~~والإستبرق: # ما غلظ منه، وقد تقدم تفسيرهما في سورة الكهف (وحلوا أساور من فضة) عطف ~~على يطوف عليهم. ذكر سبحانه هنا أنهم يحلون بأساور الفضة وفي سورة فاطر - ~~يحلون فيها من أساور من ذهب - وفي سورة الحج - يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ولؤلؤا - ولا تعارض بين هذه الآيات لإمكان الجمع بأن يجعل لهم سوارات من ~~ذهب وفضة ولؤلؤ، أو بأن المراد أنهم يلبسون سوارات الذهب تارة، وسوارات ~~الفضة تارة، وسوارات اللؤلؤ تارة، أو أنه يلبس كل أحد منه ما تميل إليه ~~نفسه من ذلك، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال من ضمير ~~عاليهم بتقدير قد (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) هذا نوع آخر من الشراب الذي ~~يمن الله عليهم به. قال الفراء: يقول هو طهور ليس بنجس كما كان في الدنيا ~~موصوفا بالنجاسة. والمعنى: أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا. قال مقاتل: ~~هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش وغل ~~وحسد. قال أبو قلابة وإبراهيم النخعي: يؤتون بالطعام، فإذا كان آخره أتوا ~~بالشراب الطهور، فيشربون فتضمر بطونهم من ذلك ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح ~~المسك (إن هذا كان لكم جزاء) أي يقال لهم: إن هذا الذي ذكر من أنواع النعم ~~كان لكم جزاء بأعمالكم: أي ثوابا لها (وكان سعيكم مشكورا) أي كان عملكم في ~~الدنيا بطاعة الله مرضيا مقبولا، وشكر الله سبحانه لعمل عبده هو قبوله ~~لطاعته. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: الزمهرير هو البرد ~~الشديد. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " اشتكت النار ms4159 إلى ربها فقالت: # رب أكل بعضي بعضا، فجعل لها نفسين: نفسا في الصيف، ونفسا في الشتاء، فشدة ~~ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون في الصيف من الحر من سمومها ~~". وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن ~~حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في ~~قوله (ودانية عليهم ظلالها) قال: قريبة (وذللت قطوفها تذليلا) قال: إن أهل ~~الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا ومضطجعين وعلى أي حال شاءوا. وفي ~~لفظ قال: ذللت فيتناولون منها كيف شاءوا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال (آنية من فضة) وصفاؤها كصفاء القوارير ~~(قدروها تقديرا) قال: قدرت للكف. وأخرج عبد الرزاق PageV05P352 # وسعيد بن منصور والبيهقي عنه قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى ~~جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة ببياض ~~الفضة في صفاء القوارير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال: # ليس في الجنة شئ إلا وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. وأخرج ~~الفريابي عنه أيضا في قوله: # (قدروها تقديرا) قال: أتوا بها على قدر الفم لا يفضلون شيئا ولا يشتهون ~~بعدها شيئا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا (قدروها تقديرا) قال: ~~قدرتها السقاة. وأخرج ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن ~~ابن عمرو قال: إن أدنى أهل الجنة منزلا من يسعى عليه ألف خادم كل خادم على ~~عمل ليس عليه صاحبه، وتلا هذه الآية (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا). # قوله (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) أي فرقناه في الإنزال ولم ننزله ~~جملة واحدة. وقيل المعنى: نزلناه عليك ولم تأت به من عندك كما يدعيه ~~المشركون (فاصبر لحكم ربك) أي لقضائه، ومن حكمه وقضائه تأخير نصرك إلى أجل ~~اقتضته حكمته. قيل وهذا منسوخ بآية ms4160 السيف (ولا تطع منها آثما أو كفورا) أي ~~لا تطع كل واحد من مرتكب لإثم وغال في كفر، فنهاه الله سبحانه عن ذلك. قال ~~الزجاج: إن الألف هنا آكد من الواو وحدها لأنك إذا قلت: لا تطع زيدا وعمرا، ~~فأطاع أحدهما كان غير عاص، لأنه أمره أن لا يطيع الاثنين، فإذا قال: # لا تطع منهم آثما أو كفورا دل ذلك على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما ~~أنك إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت إنهما أهل أن يتبعا، ~~وكل واحد منهما أهل أن يتبع. وقال الفراء: " أو " هنا بمنزلة لا، كأنه قال: ~~ولا كفورا. وقيل المراد بقوله (آثما) عتبة بن ربيعة، وبقوله (أو كفورا) ~~الوليد بن المغيرة، لأنهما قالا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ارجع عن ~~هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) أي دم ~~على ذكره في جميع الأوقات. وقيل المعنى: صل لربك أول النهار وآخره، فأول ~~النهار صلاة الصبح، وآخره صلاة العصر (ومن الليل فاسجد له) أي صل المغرب ~~والعشاء. وقيل المراد الصلاة في بعضه من غير تعيين، ومن للتبعيض على كل ~~تقدير (وسبحه ليلا طويلا) أي نزهه عما لا يليق به، فيكون المراد الذكر ~~بالتسبيح سواء كان في الصلاة أو في غيرها. وقيل المراد التطوع في الليل. ~~قال ابن زيد وغيره: إن هذه الآية منسوخة بالصلوات الخمس. وقيل الأمر الندب. ~~وقيل هو مخصوص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن هؤلاء يحبون العاجلة) ~~يعنى كفار مكة ومن هو موافق لهم. والمعنى: أنهم يحبون الدار العاجلة، وهي ~~دار الدنيا PageV05P353 # (ويذرون وراءهم يوما ثقيلا) أي يتركون ويدعون وراءهم: أي خلفهم أو بين ~~أيديهم وأمامهم يوما شديدا عسيرا، وهو يوم القيامة، وسمى ثقيلا لما فيه من ~~الشدائد والأهوال. ومعنى كونه يذرونه وراءهم: أنهم لا يستعدون له ولا ~~يعبئون به، فهم كمن ينبذ الشئ وراء ظهره تهاونا به واستخفافا بشأنه، وإن ~~كانوا في الحقيقة مستقبلين له وهو أمامهم (نحن خلقناهم) ms4161 أي ابتدأنا خلقهم ~~من تراب، ثم من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة إلى أن كمل خلقهم، ولم يكن ~~لغيرنا في ذلك عمل ولا سعى لا اشتراكا ولا استقلالا (وشددنا أسرهم) الأسر: # شدة الخلق، يقال شد الله أسر فلان: أي قوى خلقه. قال مجاهد وقتادة ومقاتل ~~وغيرهم: شددنا خلقهم. قال الحسن: شددنا أوصالهم بعضا إلى بعض بالعروق ~~والعصب. قال أبو عبيد: يقال فرس شديد الأسر: أي الخلق. # قال لبيد: # ساهم الوجه شديد أسره * مشرف الحارك محبوك القتد وقال الأخطل: # من كل مجتنب شديد أسره * سلس القياد تخاله مختالا وقال ابن زيد: الأسر ~~القوة، واشتقاقه من الإسار، وهو القد الذي تشد به الأقتاب. ومنه قول ابن ~~أحمر يصف فرسا: # يمشي بأوطفة شداد أسرها * شم السبائك لا تفي بالجدجد (وإذا شئنا بدلنا ~~أمثالهم تبديلا) أي لو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم. وقيل المعني: ~~مسخناهم إلى أسمج صورة وأقبح خلقة (إن هذه تذكرة) يعنى إن هذه السورة تذكير ~~وموعظة (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) أي طريقا يتوسل به إليه، وذلك ~~بالإيمان والطاعة. والمراد إلى ثوابه أو إلى جنته (وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله) أي وما تشاءون أن تتخذوا إلى الله سبيلا إلا أن يشاء الله، فالأمر ~~إليه سبحانه ليس إليهم، والخير والشر بيده، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما ~~منع، فمشيئة العبد مجردة لا تأتى بخير ولا تدفع شرا، وإن كان يثاب على ~~المشيئة الصالحة، ويؤجر على قصد الخير كما في حديث " إنما الأعمال بالنيات، ~~وإنما لكل امرئ ما نوى ". قال الزجاج أي لستم تشاءون إلا بمشيئة الله (إن ~~الله كان عليما حكيما) في أمره ونهيه: أي بليغ العلم والحكمة " يدخل من ~~يشاء في رحمته " أي يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها، أو يدخل في جنته ~~من يشاء من عباده. قال عطاء: من صدقت نيته أدخله جنته (والظالمين أعد لهم ~~عذابا أليما) انتصاب الظالمين بفعل مقدر يدل عليه ما قبله: أي يعذب ~~الظالمين، نصب الظالمين لأن ms4162 ما قبله منصوب أي يدخل من يشاء في رحمته ويعذب ~~الظالمين: أي المشركين، ويكون أعد لهم تفسيرا لهذا المضمر، والاختيار النصب ~~وإن جاز الرفع، وبالنصب قرأ الجمهور. وقرأ أبان بن عثمان بالرفع على ~~الابتداء، ووجهه أنه لم يكن بعده فعل يقع عليه. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس (وشددنا أسرهم) قال: خلقهم. وأخرج ابن ~~جرير عن أبي هريرة (وشددنا أسرهم) قال هي المفاصل. PageV05P354 # تفسير سورة المرسلات هي خمسون آية وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء ~~وجابر. قال قتادة: إلا آية منها وهي قوله (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) ~~فإنها مدنية، وروى هذا عن ابن عباس. وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ~~ابن عباس قال: # نزلت سورة المرسلات بمكة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال ~~" بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غار بمنى إذ نزلت سورة ~~المرسلات عرفا، فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ ~~وثبت علينا حية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اقتلوها، فابتدرناه ~~فذهبت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وقيت شركم كما وقيتم شرها ". ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ ~~والمرسلات عرفا فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها آخر ما ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في المغرب. # تفسير سورة المرسلات (1 - 28) قوله والمرسلات عرفا) قال جمهور المفسرين: ~~هي الرياح، وقيل هي الملائكة، وبه قال مقاتل وأبو صالح والكلبي، وقيل هم ~~الأنبياء، فعلى الأول أقسم سبحانه بالرياح المرسلة لما يأمرها به كما في ~~قوله وأرسلنا الرياح لواقح - وقوله - ويرسل الرياح - وغير ذلك. وعلى الثاني ~~أقسم سبحانه بالملائكة المرسلة بوحيه وأمره ونهيه. وعلى PageV05P355 # الثالث أقسم سبحانه برسله المرسلة إلى عباده لتبليغ شرائعه، وانتصاب ~~(عرفا) إلا (؟؟؟) على أنه مفعول لأجله: أي المرسلات لأجل العرف وهو ضد ~~النكر، ومنه قول الشاعر: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين ms4163 الله والناس أو على ~~أنه حال بمعنى متتابعة يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس، تقول العرب: سار الناس ~~إلى فلان عرفا واحدا: إذا توجهوا إليه، وهم على فلان كعرف الضبع: إذا ~~تألبوا عليه، أو على أنه مصدر كأنه قال: # والمرسلات إرسالا: أي متتابعة، أو على أنه منصوب بنزع الخافض: أي ~~والمرسلات بالعرف. قرأ الجمهور " عرفا " بسكون الراء: وقرأ عيسى بن عمر ~~بضمها، وقيل المراد بالمرسلات السحاب لما فيها من نعمة ونقمة فالعاصفات ~~عصفا) وهي الرياح الشديدة الهبوب. قال القرطبي بغير اختلاف: يقال عصف ~~بالشئ: إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف: أي تعصف براكبها فتمضى كأنها ريح في ~~السرعة، ويقال عصفت الحرب بالقوم إذا ذهبت بهم، وقيل هي الملائكة الموكلون ~~بالرياح يعصفون بها، وقيل يعصفون بروح الكافر، وقيل هي الآيات المهلكة ~~كالزلازل ونحوها (والناشرات نشرا) يعنى الرياح تأتى بالمطر وهي تنشر السحاب ~~نشرا، أو الملائكة الموكلون بالسحاب ينشرونها أو ينشرون أجنحتهم في الجو ~~عند النزول بالوحي، أو هي الأمطار لأنها تنشر النبات. وقال الضحاك: يريد ما ~~ينشر من الكتب وأعمال بني آدم. وقال الربيع: إنه البعث للقيامة بنشر ~~الأرواح، وجاء بالواو هنا لأنه استئناف قسم آخر (فالفارقات فرقا) يعنى ~~الملائكة تأتى بما يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام. وقال مجاهد: هي ~~الريح تفرق بين السحاب فتبدده. وروى عنه أنها آيات القرآن تفرق بين الحق ~~والباطل، وقيل هي الرسل فرقوا ما بين ما أمر الله به ونهى عنه، وبه قال ~~الحسن (فالملقيات ذكرا) هي الملائكة، قال القرطبي بإجماع: أي تلقى الوحي ~~إلى الأنبياء، وقيل هو جبريل، وسمى باسم الجمع تعظيما له، وقيل هي الرسل ~~يلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم، قاله قطرب. قرأ الجمهور " فالملقيات " ~~بسكون اللام وتخفيف القاف اسم فاعل، وقرأ ابن عباس بفتح اللام وتشديد القاف ~~من التلقية وهي إيصال الكلام إلى المخاطب، والراجح أن الثلاثة الأول ~~للرياح، والرابع والخامس للملائكة، وهو الذي اختاره الزجاج والقاضي وغيرهما ~~(عذرا أو نذرا) انتصابهما على البدل من ذكرا، أو على المفعولية، والعامل ~~فيهما المصدر ms4164 المنون، كما في قوله - أو إطعام في يوم ذي مسبغة يتيما - أو ~~على المفعول لأجله: أي للإعذار والإنذار، أو على الحال بالتأويل المعروف: ~~أي معذرين أو منذرين. قرأ الجمهور بإسكان الذال فيهما. وقرأ زيد بن ثابت ~~وابنه خارجة بن زيد وطلحة بضمهما. وقرأ الحرميان وابن عامر وأبو بكر ~~بسكونها في عذرا وضمها في نذرا. وقرأ الجمهور " عذرا أو نذرا " على العطف ~~بأو. وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة على العطف بالواو بدون ألف، والمعنى: أن ~~الملائكة تلقى الوحي إعذارا من الله إلى خلقه وإنذارا من عذابه، كذا قال ~~الفراء، وقيل عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن ~~يكون العذر والنذر بالتثقيل جمع عاذر وناذر كقوله - هذا نذير من النذر ~~الأولى - فيكون نصبا على الحال من الإلقاء: أي يلقون الذكر في حال العذر ~~والإنذار، أو مفعولان لذكرا: أي تذكر عذرا أو نذرا. قال المبرد: هما ~~بالتثقيل جمع، والواحد عذير ونذير. ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال (إنما ~~توعدون لواقع) أي إن الذي توعدونه من مجئ الساعة والبعث كائن لا محالة، ثم ~~بين سبحانه متى يقع ذلك فقال (فإذا النجوم طمست) أي محى نورها وذهب ضوؤها، ~~يقال طمس الشئ: إذا درس وذهب أثره (وإذا السماء PageV05P356 # فرجت) أي فتحت وشقت، ومثله قوله - وفتحت السماء فكانت أبوابا - (وإذا ~~الجبال نسفت) أي قلعت من مكانها بسرعة، يقال نسفت الشئ وأنسفته: إذا أخذته ~~بسرعة. وقال الكلبي: سويت بالأرض، والعرب تقول: نسفت الناقة الكلأ: إذا ~~رعته، وقيل جعلت كالحب الذي ينسف بالمنسف، ومنه قوله - وبست الجبال بسا - ~~والأول أولى. قال المبرد: نسفت قلعت من مواضعها (وإذا الرسل أقتت) الهمزة ~~في أقتت بدل من الواو المضمومة، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة يجوز ~~إبدالها بالهمزة، وقد قرأ بالواو أبو عمرو وشيبة والأعرج وقرأ الباقون ~~بالهمزة، والوقت: الأجل الذي يكون عنده الشئ المؤخر إليه، والمعنى: جعل لها ~~وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كما في قوله سبحانه - يوم يجمع الله ~~الرسل - وقيل هذا في الدنيا: أي جمعت الرسل ms4165 لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال ~~العذاب بمن كذبها، والأول أولى. قال أبو علي الفارسي: أي جعل يوم الدين ~~والفصل لها وقتا، وقيل أقتت: أرسلت لأوقات معلومة على ما علم الله به (لأي ~~يوم أجلت) هذا الاستفهام للتعظيم والتعجيب: أي لأي يوم عظيم يعجب العباد ~~منه لشدته ومزيد أهواله ضرب لهم الأجل لجمعهم، والجملة مقول قول مقدر هو ~~جواب لإذا، أو في محل نصب على الحال من الضمير في أقتت. قال الزجاج: المراد ~~بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، ثم بين هذا ~~اليوم فقال (ليوم الفصل) قال قتادة: يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة ~~والنار، ثم عظم ذلك اليوم فقال (وما أدراك ما يوم الفصل) أي وما أعلمك بيوم ~~الفصل يعنى أنه أمر بديع هائل لا يقادر قدره، وما مبتدأ وأدراك خبره، أو ~~العكس كما اختاره سيبويه. ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم فقال (ويل ~~يومئذ للمكذبين) أي ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، وويل أصل مصدر ساد مسد ~~فعله، وعدل به إلى الرفع للدلالة على الثبات، والويل الهلاك، أو هو اسم واد ~~في جهنم، وكرر هذه الآية في هذه السورة لأنه قسم الويل بينهم على قدر ~~تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشئ عذابا سوى تكذيبه بشئ آخر، ورب شئ كذب به هو ~~أعظم جرما من التكذيب بغيره، فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب. ثم ~~ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال (ألم نهلك الأولين) أخبر ~~سبحانه بإهلاك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. قال مقاتل: يعنى بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم (ثم نتبعهم ~~الآخرين) يعنى كفار مكة، ومن وافقهم حين كذبوا محمدا صلى الله عليه وآله ~~وسلم قرأ الجمهور " نتبعهم " بالرفع على الاستئناف أي ثم نحن نتبعهم. قال ~~أبو البقاء ليس بمعطوف لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا الأولين ثم ~~أتبعناهم الآخرين في الإهلاك. وليس كذلك لأن إهلاك الآخرين لم ms4166 يقع بعد. ~~ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود " ثم سنتبعهم الآخرين " وقرأ الأعرج ~~والعباس عن أبي عمرو نتبعهم بالجزم عطفا على نهلك. قال شهاب الدين: على جعل ~~الفعل معطوفا على مجموع الجملة من قوله " ألم نهلك " (كذلك نفعل بالمجرمين) ~~أي مثل ذلك الفعل الفظيع نفعل بهم، يريد من يهلكه فيما بعد، والكاف في موضع ~~نصب على النعت لمصدر محذوف: أي مثل ذلك الإهلاك نفعل بكل مشرك إما في ~~الدنيا أو في الآخرة (ويل يومئذ للمكذبين) أي ويل يوم ذلك الإهلاك للمكذبين ~~بكتب الله ورسله، قيل الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا لعذاب الدنيا (ألم ~~نخلقكم من ماء مهين) أي ضعيف حقير، وهو النطفة (فجعلناه في قرار مكين) أي ~~مكان حريز، وهو الرحم (إلى قدر معلوم) أي إلى مقدار معلوم، وهو مدة الحمل، ~~وقيل إلى أن يصور (فقدرنا) قرأ الجمهور " فقدرنا " بالتخفيف. وقرأ نافع ~~والكسائي بالتشديد من التقدير. قال الكسائي والفراء: وهما لغتان بمعنى ~~تقول: قدرت كذا، وقدرته (فنعم القادرون) أي نعم المقدرون نحن، قيل المعنى: ~~قدرناه قصيرا أو طويلا، وقيل معنى PageV05P357 # قدرنا ملكنا (ويل يومئذ للمكذبين) بقدرتنا على ذلك. ثم بين لهم بديع صنعه ~~وعظيم قدرته ليعتبروا فقال (ألم نجعل الأرض كفاتا) معنى الكفت في اللغة: ~~الضم والجمع، يقال كفت الشئ: إذا ضمه وجمعه، ومن هذا يقال للجراب والقدر ~~كفت: والمعنى: ألم نجعل الأرض ضامة للأحياء على ظهرها والأموات في باطنها ~~تضمهم وتجمعهم. قال الفراء: يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ~~ومنازلهم، وتكفتهم أمواتا في بطنها: أي تحوزهم وهو معنى قوله (أحياء ~~وأمواتا) وأنشد سيبويه: # كرام حين تنكفت الأفاعي * إلى أجحارهن من الصقيع قال أبو عبيدة كفاتا ~~أوعية، ومنه قول الشاعر: # فأنت اليوم فوق الأرض حي * وأنت غدا تضمن في كفات أي في قبر، وقيل معنى ~~جعلها كفاتا: أنه يدفن فيها ما يخرج من الإنسان من الفضلات. وقال الأخفش ~~وأبو عبيدة: الأحياء والأموات وصفان للأرض: أي الأرض منقسمة إلى حي وهو ~~الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت. قال ms4167 الفراء: انتصاب أحياء وأمواتا ~~بوقوع الكفات عليه: أي ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات، فإذا نون نصب ما ~~بعده، وقيل نصبا على الحال من الأرض: أي منها كذا ومنها كذا، وقيل هو مصدر ~~نعت به للمبالغة. وقال الأخفش: كفاتا جمع كافتة، والأرض يراد بها الجمع ~~فنعتت بالجمع. وقال الخليل: التكفت تقليب الشئ ظهرا لبطن أو بطنا لظهر، ~~ويقال انكفت القوم إلى منازلهم: أي ذهبوا (وجعلنا فيها رواسي شامخات) أي ~~جبالا طوالا، والرواسي الثوابت، والشامخات الطوال، وكل عال فهو شامخ ~~(وأسقيناكم ماء فراتا) أي عذبا، والفرات الماء العذب يشرب منه ويسقى به. ~~قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث (ويل يومئذ للمكذبين) بما أنعمنا عليهم ~~من نعمنا التي هذه من جملتها. # وقد أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة (والمرسلات عرفا) قال: ~~هي الملائكة أرسلت بالعرف. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود نحوه. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود - والمرسلات عرفا - ~~قال الريح (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (والناشرات نشرا) قال: الريح وأخرج ~~ابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الشعب أنه جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فقال ما العاصفات عصفا؟ قال ~~الرياح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (والمرسلات عرفا) قال: الريح ~~(فالعاصفات عصفا) قال: الريح (فالفارقات فرقا) قال: الملائكة (فالملقيات ~~ذكرا) قال: # الملائكة. وأخرج ابن المنذر عنه (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة ~~(فالفارقات فرقا) قال: الملائكة، فرقت بين الحق والباطل (فالملقيات ذكرا) ~~قال: بالتنزيل. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود قال: # ويل واد في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فجعل للمكذبين. وأخرج ابن جرير ~~عن ابن عباس (من ماء مهين) قال: ضعيف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ~~(كفاتا) قال: كنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(رواسي شامخات) قال: جبالا مشرفات، وفي قوله (فراتا) قال: عذبا. ~~PageV05P358 # (انطلقوا إلى ما كنتم) هو بتقدير القول: ms4168 أي يقال لهم توبيخا وتقريعا ~~(انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) في الدنيا تقول لهم ذلك خزنة جهنم: أي ~~سيروا إلى ما كنتم تكذبون به من العذاب، وهو عذاب النار (انطلقوا إلى ظل ذي ~~ثلاث شعب) أي إلى ظل من دخان جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق تكونون فيه ~~حتى يفرغ الحساب وهذا شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب شعبا. قرأ الجمهور ~~" انطلقوا " في الموضعين على صيغة الأمر على التأكيد. وقرأ رويس عن يعقوب ~~بصيغة الماضي في الثاني: أي لما أمروا بالانطلاق امتثلوا ذلك فانطلقوا. ~~وقيل المراد بالظل هنا هو السرادق، وهو لسان من النار يحيط بهم. ثم يتشعب ~~ثلاث شعب فيظلهم حتى يفرغ من حسابهم، ثم يصيرون إلى النار. وقيل هو الظل من ~~يحموم كما في قوله - في سموم وحميم وظل من يحموم - على ما تقدم. ثم وصف ~~سبحانه هذا الظل تهكما بهم فقال (لا ظليل ولا يغني من اللهب) أي لا يظل من ~~الحر ولا يغنى من اللهب. قال الكلبي: لا يرد حر جهنم عنكم. ثم وصف سبحانه ~~النار فقال (إنها ترمي بشرر كالقصر) أي كل شررة من شررها التي ترمى بها ~~كالقصر من القصور في عظمها، والشرر: ما تطاير من النار متفرقا، والقصر: ~~البناء العظيم. وقيل القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل حمر وحمرة وتمر وتمرة، ~~وهي الواحدة من جزل الحطب الغليظ. قال سعيد بن جبير والضحاك: وهي أصول ~~الشجر العظام، وقيل أعناقه. قرأ الجمهور " كالقصر " بإسكان الصاد، وهو واحد ~~القصور كما تقدم. وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد والسلمي بفتح الصاد: # أي أعناق النخل والقصرة العنق جمعه قصر وقصرات. وقال قتادة: أعناق الإبل. ~~وقرأ سعيد بن جبير بكسر القاف وفتح الصاد، وهي أيضا جمع قصرة مثل بدر وبدرة ~~وقصع وقصعة. وقرأ الجمهور " بشرر " بفتح الشين. وقرأ ابن عباس وابن مقسم ~~بكسرها مع ألف بين الراءين. وقرأ عيسى كذلك إلا أنه يفتح الشين، وهي لغات، ~~ثم شبه الشرر باعتبار لونه فقال (كأنه جمالات صفر) وهي جمع جمال، ms4169 وهي الإبل ~~أو جمع جمالة. قرأ الجمهور " جمالات " بكسر الجيم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص ~~" جمالة " جمع جمل. وقرأ ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة وأبو رجاء " ~~جمالات " بضم الجيم، وهي حبال السفن. قال الواحدي: والصفر معناها السود في ~~قول المفسرين. قال الفراء: # الصفر سواد الإبل لا يرى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة، لذلك سمت ~~العرب سود الإبل صفرا. قيل والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار ~~أشبه شئ بالإبل السود، ومنه قول الشاعر: # تلك خيلي وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب أي هن سود، قيل وهذا القول ~~محال في اللغة أن يكون شئ يشوبه شئ قليل، فينسب كله إلى ذلك PageV05P359 # الشائب، فالعجب لمن قال بهذا، وقد قال تعالى (جمالات صفر). وأجيب بأن ~~وجهة أن النار خلقت من النور فهي مضيئة، فلما خلق الله جهنم، وهي موضع ~~النار حشي ذلك الموضع بتلك النار، وبعث إليها سلطانه وغضبه فاسودت من ~~سلطانه وازدادت سوادا، وصارت أشد سوادا من كل شئ فيكون شررها أسود لأنه من ~~نار سوداء. # قلت: وهذا الجواب لا يدفع ما قاله القائل، لأن كلامه باعتبار ما وقع في ~~الكتاب العزيز هنا من وصفها بكونها صفراء، فلو كان الأمر كما ذكره المجيب ~~من اسوداد النار، واسوداد شررها، لقال الله: كأنها جمالات سود، ولكن إذا ~~كانت العرب تسمى الأسود أصفر لم يبق إشكال، لأن القرآن نزل بلغتهم، وقد نقل ~~الثقات عنهم ذلك، فكان ما في القرآن هنا واردا على هذا الاستعمال العربي ~~(ويل يومئذ للمكذبين) لرسل الله وآياته (هذا يوم لا ينطقون) أي لا يتكلمون ~~قال الواحدي: قال المفسرون: في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يتكلمون، وفي ~~بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون، وقد قدمنا الجمع بهذا في غير موضع. ~~وقيل إن هذا إشارة إلى وقت دخولهم النار وهم عند ذلك لا ينطقون، لأن مواقف ~~السؤال والحساب قد انقضت. وقال الحسن: لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون. ~~قرأ الجمهور برفع " يوم " على أنه خبر لاسم الإشارة. وقرأ زيد ms4170 بن علي ~~والأعرج والأعمش وأبو حيوة وعاصم في رواية عنه بالفتح على البناء لإضافته ~~إلى الفعل، ومحله الرفع على الخبرية، وقيل هو منصوب على الظرفية، والإشارة ~~بهذا إلى ما تقدم من الوعيد كأنه قيل هذا العقاب المذكور كائن يوم لا ~~ينطقون (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) قرأ الجمهور " يؤذن " على البناء للمفعول، ~~وقرأ زيد بن علي " ولا يأذن " على البناء للفاعل: أي لا يأذن الله لهم: أي ~~لا يكون لهم إذن من الله فيكون لهم اعتذار من غير أن يجعل الاعتذار مسببا ~~عن الاذن كما لو نصب. قال الفراء: الفاء في فيعتذرون نسق على يؤذن وأجيز ~~ذلك لأن أواخر الكلام بالنون، ولو قال فيعتذروا لم يوافق الآيات، وقد قال - ~~لا يقضى عليهم فيموتوا - بالنصب، والكل صواب (ويل يومئذ للمكذبين) بما ~~دعتهم إليه الرسل وأنذرتهم عاقبته (هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين) أي ~~ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي يفصل فيه بين الخلائق ويتميز فيه الحق من ~~الباطل، والخطاب في جمعناكم للكفار في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والمراد بالأولين كفار الأمم الماضية (فإن كان لكم كيد) أي إن قدرتم ~~على كيد الآن (فكيدون) وهذا تقريع وتوبيخ لهم، قال مقاتل: يقول إن كان لكم ~~حيلة فاحتالوا لأنفسكم، وقيل المعنى: فإن قدرتم على حرب فحاربون، أو وقيل ~~إن هذا من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون كقول هود - فكيدوني ~~جميعا ثم لا تنظرون - (ويل يومئذ للمكذبين) لأنه قد ظهر لهم عجزهم وبطلان ~~ما كانوا عليه في الدنيا. ثم ذكر سبحانه المؤمنين فقال (إن المتقين في ظلال ~~وعيون) أي في ظلال الأشجار وظلال القصور، لا كالظل الذي للكفار من الدخان، ~~أو من النار كما تقدم. قال مقاتل والكلبي: المراد بالمتقين الذين يتقون ~~الشرك بالله، لأن السورة من أولها إلى آخرها في تقريع الكفار على كفرهم. ~~قال الرازي: فيجب أن تكون هذه الآية مذكورة لهذا الغرض وإلا لتفككت السورة ~~في نظمها وترتيبها وإنما يتم النظم بأن يكون الوعد للمؤمنين بسبب إيمانهم، ms4171 ~~فأما جعله سببا للطاعة فلا يليق بالنظم كذا قال، والمراد بالعيون الأنهار، ~~وبالفواكه ما يتفكه به مما تطلبه أنفسهم وتستدعيه شهواتهم (كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون) أي يقال لهم ذلك، فالجملة مقدرة بالقول، وهي في محل ~~نصب على الحال من ضمير المتقين، والباء للسببية: أي بسبب ما كنتم تعملونه ~~في الدنيا من الأعمال الصالحة (إنا كذلك نجزي المحسنين) أي مثل ذلك الجزاء ~~العظيم نجزي المحسنين في أعمالهم، قرأ الجمهور PageV05P360 # " في ظلال ". وقرأ الأعمش والزهري وطلحة والأعرج " في ظلل " جمع ظلة (ويل ~~يومئذ للمكذبين) حيث صاروا في شقاء عظيم، وصار المؤمنون في نعيم مقيم (كلوا ~~وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون) الجملة بتقدير القول في محل نصب على الحال من ~~المكذبين: أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك تذكير لهم بحالهم في ~~الدنيا، أو يقال لهم هذا في الدنيا، والمجرمون المشركون بالله، وهذا وإن ~~كان في اللفظ أمرا فهو في المعنى تهديد وزجر عظيم (ويل يومئذ للمكذبين) ~~كرره لزيادة التوبيخ والتقريع (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) أي وإذا ~~أمروا بالصلاة لا يصلون. # قال مقاتل: نزلت في ثقيف امتنعوا من الصلاة بعد أن أمرهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بها فقالوا: لا ننحني فإنها مسبة علينا، فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود. وقيل إنما يقال ~~لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. وقيل المعنى ~~بالركوع: الطاعة والخشوع (ويل يومئذ للمكذبين) بأوامر الله سبحانه ونواهيه ~~(فبأي حديث بعده يؤمنون) أي فبأي حديث بعد القرآن يصدقون إذا لم يؤمنوا به. ~~قرأ الجمهور " يؤمنون " بالتحتية على الغيبة. وقرأ ابن عامر في رواية عنه، ~~ويعقوب بالفوقية على الخطاب. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (بشرر ~~كالقصر) قال: كالقصر العظيم، وقوله (جمالات صفر) قال: قطع النحاس. وأخرج ~~عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وابن مردويه ms4172 من طريق عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس يسأل ~~عن قوله (إنها ترمي بشرر كالقصر) قال: كنا نرفع الخشب بقدر ثلاثة أذرع أو ~~أقل، فنرفعه للشتاء فنسميه القصر. قال: وسمعته يسأل عن قوله (جمالات صفر) ~~قال: حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى يكون كأوساط الرجال. ولفظ البخاري: ~~كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للشتاء فنسميه القصر (كأنه ~~جمالات صفر) حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عنه أنه قرأ " كالقصر " بفتح القاف والصاد. وقال قصر النخل: يعني ~~الأعناق. وأخرج ابن مردويه عنه أيضا قال: كانت العرب في الجاهلية تقول: ~~أقصروا لنا الحطب، فيقطع على قدر الذراع والذراعين. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط عن ابن مسعود ~~في قوله (ترمي بشرر كالقصر) قال: إنها ليست كالشجر والجبال، ولكنها مثل ~~المدائن والحصون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ~~(كالقصر) قال: هو القصر، وفي قوله (جمالات صفر) قال: الإبل. وأخرج الحاكم ~~وصححه من طريق عكرمة قال: سأل نافع ابن الأرزق ابن عباس عن قوله (هذا يوم ~~لا ينطقون) - ولا تسمع إلا همسا - وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون - و - هاؤم ~~اقرءوا كتابيه - فقال له: ويحك هل سألت عن هذا أحدا قبلي؟ قال لا، قال: أما ~~أنك لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله - وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون - قال بلى، قال: فإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لونا من الألوان. ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) يقول: يدعون ~~يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في ~~الدنيا. PageV05P361 # تفسير سورة عم وتسمى سورة النبأ، وهي أربعون آية، وقيل إحدى وأربعون آية ~~وهي مكية عند الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ~~ابن عباس قال: نزلت (عم يتساءلون) بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ms4173 ابن الزبير ~~مثله. # سورة عم (1 - 30) قوله (عم يتساءلون) أصله عن ما فأدغمت النون في الميم، ~~لأن الميم تشاركها في الغنة، كذا قال الزجاج، وحذفت الألف ليتميز الحبر عن ~~الاستفهام، وكذلك فيم ومم ونحو ذلك، والمعنى: عن أي شئ يسأل بعضهم بعضا. ~~قرأ الجمهور " عم " بحذف الألف لما ذكرنا، وقرأ أبي وابن مسعود وعكرمة ~~وعيسى بإثباتها، ومنه قول الشاعر: # علاما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في دمان ولكنه قليل لا يجوز إلا ~~للضرورة، وقرأ البزي بهاء السكت عوضا عن الألف، وروى ذلك عن ابن كثير، قال ~~الزجاج: اللفظ لفظ استفهام، والمعنى تفخيم القصة كما تقول: أي شئ تريد: إذا ~~عظمت شأنه. قال الواحدي: قال المفسرون: لما بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأخبرهم بتوحيد الله والبعث بعد الموت PageV05P362 # وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم يقولون: ماذا جاء به محمد وما ~~الذي أتى به؟ فأنزل الله (عم يتساءلون) قال الفراء: التساؤل هو أن يسأل ~~بعضهم بعضا كالتقابل، وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به وإن لم يكن بينهم ~~سؤال. قال الله تعالى - وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. قال قائل منهم إني ~~كان لي قرين - الآية، وهذا يدل على أنه التحدث، ولفظ ما موضوع لطلب حقائق ~~الأشياء وذلك يقتضي كون المطلوب مجهولا، فجعل الشئ العظيم الذي يعجز العقل ~~عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول، ولهذا جاء سبحانه بلفظ ما. ثم ذكر سبحانه ~~تساؤلهم عن ماذا وبينه فقال (عن النبأ العظيم) فأورده سبحانه أولا على ~~طريقة الاستفهام مبهما لتتوجه إليه أذهانهم وتلتفت إليه أفهامهم، ثم بينه ~~بما يفيد تعظيمه وتفخيمه كأنه قيل: عن أي شئ يتساءلون هل أخبركم به؟ ثم قيل ~~بطريق الجواب " عن النبأ العظيم " على منهاج قوله - لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار - فالجار والمجرور متعلق بالفعل الذي قبله، أو بما يدل عليه. ~~قال ابن عطية: قال أكثر النحاة: عن النبأ العظيم متعلق بيتساءلون الظاهر، ~~كأنه قال: ألم يتساءلون عن النبأ العظيم، وقيل ليس بمتعلق بالفعل المذكور، ~~لأنه كان ms4174 يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون التقدير أعن النبأ العظيم؟ فلزم أن ~~يتعلق بيتساءلون آخر مقدر، وإنما كان ذلك النبأ: أي القرآن عظيما، لأنه ~~ينبئ عن التوحيد وتصديق الرسول ووقوع البعث والنشور. قال الضحاك: يعني نبأ ~~يوم القيامة، وكذا قال قتادة، وقد استدل على أن النبأ العظيم هو القرآن ~~بقوله (الذي هم فيه مختلفون) فإنهم اختلفوا في القرآن، فجعله بعضهم سحرا ~~وبعضهم شعرا وبعضهم كهانة وبعضهم قال هو أساطير الأولين. وأما البعث فقد ~~اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره. ويمكن أن يقال إنه قد وقع الاختلاف في ~~البعث في الجملة، فصدق به المؤمنون وكذب به الكافرون، فقد وقع الاختلاف فيه ~~من هذه الحيثية، وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم ~~والتنزل، ومما يدل على أنه القرآن قوله سبحانه - قل هو نبأ عظيم أنتم عليه ~~معرضون - ومما يدل على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه ~~عقولهم السخيفة. وأيضا فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث، ~~فأثبت النصارى المعاد الروحاني، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني، ~~وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ جنعيذا بجيم مفتوحة ~~ثم نون ساكنة ثم عين مكسورة مهملة ثم تحتية ساكنة ثم ذال معجمة بعدها ألف. # وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالمعاد، وأنه يكون فيه النعيم ~~للمطيعين والعذاب للعاصين، وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما ~~حكى الله عنهم بقوله - إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما نحن بمبعوثين - وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه، بل شاكة فيه ~~كما حكى الله عنهم بقوله - إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين - وما حكاه ~~عنهم بقوله - وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى - ~~فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة. وقد قيل إن الضمير في ~~قوله يتساءلون يرجع إلى المؤمنين والكفار لأنهم جميعا كانوا يتساءلون عنه، ~~فأما المسلم فيزداد يقينا واستعدادا وبصيرة في دينه، وأما الكافر فاستهزاء ms4175 ~~وسخرية. قال الرازي: ويحتمل أنهم يسألون الرسول ويقولون: ما هذا الذي يعدنا ~~به من أمر الآخرة. # والموصول في محل جر صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيما فهو متصف بالعظم ~~ومتصف بوقوع الاختلاف فيه (كلا سيعلمون) ردع لهم وزجر، وهذا يدل على أن ~~المختلفين فيه هم الكفار، وبه يندفع ما قيل إن الخلاف بينهم وبين المؤمنين، ~~فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط، وقيل كلا بمعنى حقا، ثم كرر ~~الردع والزجر فقال (ثم كلا سيعلمون) للمبالغة في التأكيد والتشديد في ~~الوعيد. قرأ الجمهور بالياء التحتية في الفعلين على الغيبة. وقرأ الحسن ~~وأبو العالية وابن دينار وابن عامر في رواية عنه بالفوقية على الخطاب. وقرأ ~~الضحاك الأول بالفوقية PageV05P363 # والثاني بالتحتية. قال الضحاك: أيضا (كلا سيعلمون) يعني الكافرين عاقبة ~~تكذيبهم (ثم كلا سيعلمون) يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم، وقيل بالعكس، وقيل ~~هو وعيد بعده وعيد، وقيل المعنى (كلا سيعلمون) عند النزع، (ثم كلا سيعلمون) ~~عند البعث. ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته ليعرفوا توحيده ويؤمنوا ~~بما جاء به رسوله فقال (ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا) أي قدرتنا ~~على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث، والمهاد ~~الوطاء والفراش كما في قوله - الذي جعل لكم الأرض فراشا - قرأ الجمهور " ~~مهادا " وقرأ مجاهد وعيسى وبعض الكوفيين " مهدا " والمعنى: أنها كالمهد ~~للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه. والأوتاد جمع وتد: أي جعلنا الجبال ~~أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرسي الخيام بالأوتاد، وفي هذا دليل على ~~أن التساؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث، لا عن القرآن، ولا عن نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم كما قيل، لأن هذا الدليل إنما يصلح للاستدلال به على ~~البعث (وخلقناكم أزواجا) معطوف على المضارع المنفي داخل في حكمه، فهو في ~~قوة أما خلقناكم، والمراد بالأزواج هنا الأصناف: أي الذكور والإناث، وقيل ~~المراد بالأزواج الألوان، وقيل يدخل في هذا كل زوج من المخلوقات من قبيح ~~وحسن وطويل وقصير (وجعلنا نومكم سباتا) أي راحة لأبدانكم. قال ms4176 الزجاج: ~~السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه: أي جعلنا نومكم راحة لكم. # قال ابن الأنباري: جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم، لأن أصل السبت القطع، وقيل ~~أصله التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها: إذا حلته وأرسلته، ورجل مسبوت الخلق: ~~أي ممدودة، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدد، فسمى النوم سباتا، وقيل ~~المعنى: وجعلنا نومكم موتا، والنوم أحد الموتتين، فالمسبوت يشبه الميت ~~ولكنه لم تفارقه الروح، ومنه قول الشاعر: # ومطوية الأقراب أما نهارها * فسبت وأما ليلها فذميل ومن هذا قوله - الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها - الآية، وقوله - وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل - (وجعلنا الليل لباسا) أي نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما ~~يغشيكم اللباس. وقال سعيد بن جبير والسدي: # أي سكنا لكم، وقيل المراد به ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه، وهو ~~بعيد، لأن الجعل وقع على الليل، لا على ما يستتر به النائم عند نومه ~~(وجعلنا النهار معاشا) أي وقت معاش، والمعاش العيش، وكل شئ يعاش به فهو ~~معاش، والمعنى: أن الله جعل لهم النهار مضيئا ليسعوا فيما يقوم به معاشهم ~~وما قسمه الله لهم من الرزق (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) يريد سبع سماوات ~~قوية الخلق محكمة البناء، ولهذا وصفها بالشدة وغلظ كل واحدة منها مسيرة ~~خمسمائة عام كما ورد ذلك (وجعلنا سراجا وهاجا) المراد به الشمس، وجعل هنا ~~بمعنى خلق، وهكذا قوله (وجعلنا نومكم سباتا) وما بعده، لأن هذه الأفعال قد ~~تعدت إلى مفعولين فلا بد من تضمينها معنى فعل يتعدى إليهما كالخلق والتصيير ~~ونحو ذلك. وقيل إن الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع في جميع هذه المواضع، ~~والمراد به الإنشاء التكويني الذي بمعنى التقدير والتسوية. قال الزجاج: ~~الوهاج الوقاد وهو الذي وهج، يقال وهجت النار تهيج وهجا ووهجانا. قال ~~مقاتل: جعل فيه نورا، حرا، والوهج يجمع النور والحرارة (وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا) المعصرات هي السحاب التي ينعصر بالماء ولم تمطر بعد، ~~كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها، كذا قال سفيان والربيع وأبو العالية ~~والضحاك. وقال مجاهد ms4177 ومقاتل وقتادة والكلبي: هي الرياح، والرياح تسمى ~~معصرات، يقال أعصرت الريح تعصر إعصارا: إذا أثارت العجاج. قال الأزهري: هي ~~الرياح ذوات الأعاصير PageV05P364 # وذلك أن الرياح تستدر المطر. وقال الفراء: المعصرات السحاب التي يتحلب ~~منها المطر. قال النحاس: وهذه الأقوال صحاح، يقال للريح التي تأتي بالمطر ~~معصرات، والرياح تلقح السحاب فيكون المطر. ويجوز أن تكون هذه الأقوال قولا ~~واحدا، ويكون المعنى: وأنزلنا من ذوات المعصرات ماء ثجاجا. قال في الصحاح ~~والمعصرات السحاب تعتصر بالمطر وعصر القوم أي مطروا. قال المبرد: يقال سحاب ~~معصر: أي ممسك للماء يعتصر منه شئ بعد شئ. وقال أبي بن كعب والحسن وابن ~~جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان: المعصرات السماوات والثجاج: المنصب ~~بكثرة على جهة التتابع، يقال ثج الماء: أي سال بكثرة، وثجه: أي أسأله. قال ~~الزجاج: # الثجاج الصباب. قال ابن زيد: ثجاجا كثيرا (لنخرج به حبا ونباتا) أي لنخرج ~~بذلك الماء حبا يقتات: كالحنطة والشعير ونحوهما، والنبات ما تأكله الدواب ~~من الحشيش وسائر النبات (وجنات ألفافا) أي بساتين ملتف بعضها ببعض لتشعب ~~أغصانها، ولا واحد للألفاف: كالأوزاع والأخياف، وقيل واحدها لف بكسر اللام ~~وضمها، ذكره الكسائي. وقال أبو عبيدة: واحدها لفيف كشريف وأشراف، وروى عن ~~الكسائي أنها جمع الجمع يقال جنة لفاء ونبت لف، والجمع لف بضم اللام مثل ~~حمر، ثم يجمع هذا الجمع على ألفاف، وقيل هو جمع ملتفة بحذف الزوائد. قال ~~الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم (إن يوم الفصل كان ~~ميقاتا) أي وقتا ومجمعا وميعادا للأولين والآخرين يصلون فيه إلى ما وعدوا ~~به من الثواب والعقاب، وسمى يوم الفصل لأن الله يفصل فيه بين خلقه، وهذا ~~شروع في بيان ما يتساءلون عنه من البعث، وقيل معنى ميقاتا: أنه حد توقت به ~~الدنيا وتنتهي عنده، وقيل حد للخلائق ينتهون إليه (يوم ينفخ في الصور ~~فتأتون أفواجا) أي يوم ينفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، ~~والمراد هنا النفخة الثانية التي تكون للبعث (فتأتون) أي إلى موضع العرض ms4178 ~~(أفواجا) أي زمرا زمرا، وجماعات جماعات، وهي جمع فوج، وانتصاب (يوم ينفخ) ~~على أنه بدل من يوم الفصل، أو بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله وإن كان ~~الفصل متأخرا عن النفخ، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني، وانتصاب أفواجا ~~على الحال من فاعل تأتون، والفاء في فتأتون فصيحة تدل على محذوف: أي فتأتون ~~إلى موضع العرض عقيب ذلك أفواجا (وفتحت السماء فكانت أبوابا) معطوف على ~~ينفخ، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي فتحت لنزول الملائكة (فكانت ~~أبوابا) كما في قوله - ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا - ~~وقيل معنى فتحت قطعت فصارت قطعا كالأبواب، وقيل أبوابها طرقها، وقيل تنحل ~~وتتناثر حتى تصير فيه أبواب، وقيل إن لكل عبد بابين في السماء: باب لرزقه ~~وباب لعمله، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب، وظاهر قوله (فكانت أبوابا) ~~أنها صارت كلها أبوابا، وليس المراد ذلك، بل المراد أنها صارت ذات أبواب ~~كثيرة. قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي فتحت مخففا. وقرأ الباقون بالتشديد ~~(وسيرت الجبال فكانت سرابا) أي سيرت عن أماكنها في الهواء، وقلعت عن ~~مقارها، فكانت هباء منبثا يظن الناظر أنها سراب، والمعنى: أن الجبال صارت ~~كلا شئ كما أن السراب يظن الناظر أنه ماء، وليس بماء، وقيل معنى سيرت: أنها ~~نسفت من أصولها، ومثل هذا قوله - وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب - وقد ذكر سبحانه أحوال الجبال بوجوه مختلفة، ولكن الجمع بينها أن ~~نقول: أول أحوالها الاندتاك، وهو قوله - وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة - وثاني أحوالها أن تصير كالعهن المنفوش كما في قوله - وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش - وثالث أحوالها أن تصير كالهباء، وهو قوله - وبست الجبال ~~بسا فكانت هباء منبثا - ورابع أحوالها أن تنسف وتحملها الرياح كما في قوله ~~- وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب - وخامس أحوالها أن تصير ~~سرابا: أي PageV05P365 # لا شئ كما في هذه الآية. ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال (إن ~~جهنم كانت مرصادا) قال الأزهري: المرصاد المكان الذي يرصد الراصد فيه ms4179 ~~العدو. قال المبرد: مرصادا يرصدون به: أي هو معد لهم يرصد به خزنتها ~~الكفار. قال الحسن: إن على الباب رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم، ~~فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يجئ بجواز حبس. وقال مقاتل: محبسا، وقيل طريقا ~~وممرا. قال في الصحاح: الراصد للشئ الراقب له يقال رصده يرصده رصدا، والرصد ~~الترقب، والمرصد موضع الرصد. قال الأصمعي: رصدته أرصده ترقبته، ومعنى ~~الآية: أن جهنم كانت في حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه خزنة النار ~~الكفار ليعذبوهم فيها، أو هي في نفسها متطلعة لمن يأتي إليها من الكفار كما ~~يتطلع الرصد لمن يمر به ويأتي إليهم، والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة ~~كالمعطار والمعمار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار. ثم ذكر من هي مرصد ~~له فقال (للطاغين مآبا) أي مرجعا يرجعون إليه، والمآب المرجع، يقال آب ~~يئوب: إذا رجع، والطاغي هو من طغى بالكفر، وللطاغين نعت لمرصادا متعلق ~~بمحذوف، ومآبا بدل من مرصادا، ويجوز أن يكون للطاغين في محل نصب على الحال ~~من مآبا قدمت عليه لكونه نكرة، وانتصاب (لابثين فيها) على الحال المقدرة من ~~الضمير المستكن في الطاغين. قرأ الجمهور " لابثين " بالألف. وقرأ حمزة ~~والكسائي " لبثين " بدون ألف، وانتصاب (أحقابا) على الظرفية: أي ماكثين في ~~النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، وكلما مضى حقب جاء حقب، وهي جمع حقب ~~بضمتين، وهو الدهر، والأحقاب الدهور، والحقب بضم الحاء وسكون القاف، قيل هو ~~ثمانون سنة، وحكى الواحدي عن المفسرون أنه بضع وثمانون سنة، السنة ثلاثمائة ~~وستون يوما، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا. # وقيل الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر ~~من العذاب. وقال السدي: # الحقب سبعون سنة. وقال بشير بن كعب: ثلاثمائة سنة. وقال ابن عمر: أربعون ~~سنة، وقيل ثلاثون ألف سنة. # قال الحسن: الأحقاب لا يدري أحدكم هي، ولكن ذكروا أنها مائة حقب، والحقب ~~الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة. وقيل الآية محمولة على ~~العصاة الذين يخرجون من ms4180 النار، والأولى ما ذكرناه أولا من أن المقصود ~~بالآية التأبيد لا التقييد. وحكى الواحدي: عن الحسن أنه قال: والله ما هي ~~إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر، ثم آخر، ثم كذلك إلى الأبد، وجملة (لا يذوقون ~~فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا) مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من ~~أنهم لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب بردا ينفعهم من حرها ولا شرابا ~~ينفعهم من عطشها إلا حميما، وهو الماء الحار، وغساقا وهو صديد أهل النار. ~~ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير الطاغين، أو صفة للأحقاب، ~~والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم، ويجوز أن يكون متصلا من قوله ~~(شرابا) وقال مجاهد والسدي وأبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ ~~النحوي: البرد المذكور في هذه الآية هو النوم، ومنه قول الكندي: # بردت مراشفها على فصدني * عنها وعن تقبيلها البرد أي النوم. قال الزجاج: ~~أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم، فجعل البرد يشمل هذه الأمور. ~~وقال الحسن وعطاء وابن زيد: بردا: أي روحا وراحة. قرأ الجمهور " غساقا " ~~بالتخفيف. وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين، وقد تقدم تفسيره وتفسير الحميم ~~والخلاف فيهما في سورة ص (جزاء وفاقا) أي موافقا لأعمالهم، وجزاء منتصب على ~~المصدر، ووفاقا نعت له. قال الفراء والأخفش: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم، ~~قال الزجاج: PageV05P366 # جوزوا جزاء وافق أعمالهم. قال الفراء: الوفاق جمع الوفق، والوفق والموافق ~~واحد. قال مقاتل: وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم ~~من النار. وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم الله بما يسوؤهم ~~(إنهم كانوا لا يرجون حسابا) أي لا يرجون ثواب حساب. قال الزجاج: كانوا لا ~~يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم، والجملة تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور ~~(وكذبوا بآياتنا كذابا) أي كذبوا بالآيات القرآنية، أو كذبوا بما هو أعم ~~منها تكذيبا شديدا، وفعال من مصادر التفعل. قال الفراء: هي لغة فصيحة ~~يمانية، تقول كذبت كذابا وخرقت القميص خراقا. قال في الصحاح: وكذبوا ~~بآياتنا كذابا ms4181 هو أحد مصادر المشدد لأن مصدره قد يجئ على تفعيل مثل ~~التكليم، وعلى فعال مثل كذاب، وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعل مثل - ~~ومزقناهم كل ممزق - قرأ الجمهور " كذابا " بالتشديد. وقرأ علي بن أبي طالب ~~بالتخفيف. وقال أبو علي الفارسي التخفيف والتشديد جميعا مصدر المكاذبة. ~~وقرأ ابن عمر " كذابا " بضم الكاف والتشديد، جمع كاذب. قال أبو حاتم ونصبه ~~على الحال. قال الزمخشري: وقد يكون يعني على هذه القراءة بمعنى الواحد ~~البليغ في الكذب، تقول: # رجل كذاب كقولك حسان وبخال (وكل شئ أحصيناه كتابا) قرأ الجمهور " وكل " ~~بالنصب على الاشتغال: # أي وأحصينا كل شئ أحصيناه. وقرأ أبو السماك برفعه على الابتداء، وما بعده ~~خبره، وهذه الجملة معترضة بين السبب والمسبب، وانتصاب كتابا على المصدرية ~~لأحصيناه لأن أحصيناه في معنى كتبناه، وقيل هو منتصب على الحال: أي مكتوبا، ~~قيل المراد كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة، وقيل أراد ما كتبه ~~الحفظة على العباد من أعمالهم، وقيل المراد به العلم لأن ما كتب كان أبعد ~~من النسيان، والأول أولى لقوله - وكل شئ أحصيناه في إمام مبين - (فذوقوا ~~فلن نزيدكم إلا عذابا) هذه الجملة مسببة عن كفرهم وتكذيبهم بالآيات. قال ~~الرازي: هذه الفاء للجزاء، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من ~~قبائح أفعالهم، ومن الزيادة في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدلهم جلودا ~~غيرها، وكلما خبت النار زادهم الله سعيرا. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس (عن النبأ العظيم) قال: القرآن: وهذا ~~مروى عن جماعة من التابعين. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله (وجعلنا سراجا ~~وهاجا) قال: مضيئا (وأنزلنا من المعصرات) قال: السحاب (ماء ثجاجا) قال: ~~منصبا. وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلي وابن جرير وابن المنذر عنه أيضا ~~(ثجاجا) قال: منصبا. وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) ~~قال: يبعث الله الريح، فتحمل الماء فيمر به السحاب، فتدر كما ms4182 تدر اللقحة، ~~والثجاج ينزل من السماء أمثال العزالي فتصرفه الرياح فينزل متفرقا. وأخرج ~~ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال: في قراءة ابن عباس ~~(وأنزلنا من المعصرات) بالرياح. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في ~~قوله (وجنات ألفافا) قال: ملتفة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال: # يقول: التفت بعضها ببعض. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله (وسيرت ~~الجبال فكانت سرابا) قال: سراب الشمس الآل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(لابثين فيها أحقابا) قال: سنين. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وهناد وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد قال: سأل علي بن أبي طالب ~~هلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب الله؟ قال: نجده ثمانين سنة كل سنة ~~منها اثنا عشر شهرا كل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة. وأخرج سعيد بن ~~منصور والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال: الحقب الواحد ثمانون سنة، ~~PageV05P367 # وأخرج البزار عن أبي هريرة رفعه قال: الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة ~~وستون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: الحقب ~~ثمانون عاما اليوم منها كسدس الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه. قال السيوطي: بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم (لابثين فيها أحقابا) قال: الحقب ألف شهر، والشهر ثلاثون يوما، والسنة ~~اثنا عشر شهرا ثلاثمائة وستون يوما كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ~~ثلاثون ألف سنة. وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: " والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث ~~فيها أحقابا، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم ~~ألف سنة مما تعدون ". قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد أنه يخرج من النار. وأخرج ~~سعيد بن منصور وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال: الحقب الواحد ثمانون ~~سنة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ms4183 مثله. وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن ~~الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الحقب أربعون سنة " ~~وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان في قوله (لابثين فيها أحقابا) وقوله - إلا ~~ما شاء ربك - إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة، وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: # زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب، لأن الله يقول (لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا). وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ~~في قوله (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما) قال: قد انتهى حرة ~~(وغساقا) قد انتهى حره، وإن الرجل إذا أدنى الإناء من فيه سقط فروة وجهه، ~~حتى يبقى عظاما تقعقع ". # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (جزاء وفاقا) قال: ~~وافق أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن ~~عمرو قال: ما أنزلت على أهل النار آية قط أشد منها (فذوقوا فلن نزيدكم إلا ~~عذابا) فهم في مزيد من عذاب الله ابدا. # سورة عم (31 - 40) قوله (إن للمتقين مفازا) هذا شروع في بيان حال ~~المؤمنين، وما أعد الله لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين وما أعد الله ~~لهم من الشر، والمفاز مصدر. بمعنى الفوز والظفر بالنعمة والمطلوب والنجاة ~~من النار، ومنه قيل للفلاة مفازة تفاؤلا بالخلاص منها. ثم فسر سبحانه هذا ~~المفاز فقال (حدائق وأعنابا) وانتصابهما على أنهما بدل من مفازا بدل ~~اشتمال، أو بدل كل من كل على طريق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازة، ~~ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني، وإذا كان مفازا بمعنى الفوز، فيقدر مضاف ~~محذوف: أي فوز حدائق، وهي PageV05P368 # جمع حديقة: وهي البستان المحوط عليه، والأعناب جمع عنب: أي كروم أعناب ~~(وكواعب أترابا) الكواعب جمع كاعبة: وهي الناهدة، يقال: كعبت الجارية تكعب ~~تكعيبا وكعوبا، ونهدت تنهد نهودا، والمراد أنهم نساء كواعب تكعبت ثديهن ~~وتفلكت: أي صارت ثديهن كالكعب ms4184 في صدورهن. قال الضحاك: الكواعب العذارى. قال ~~قيس بن عاصم: # وكم من حصان قد حوينا كريمة * وكم كاعب لم تدر ما البؤس معصر وقال عمر بن ~~أبي ربيعة: # وكان مجنى دون ما كنت أتقى * ثلاث شخوص كاعبات ومعصر * والأتراب: الأقران ~~في السن، وقد تقدم تحقيقه في سورة البقرة (وكأسا دهاقا) أي ممتلئة. قال ~~الحسن وقتادة وابن زيد: أي مترعة مملوءة، يقال أدهقت الكأس: أي ملأتها، ~~ومنه قول الشاعر: # ألا أسقني صرفا سقاك الساقي * من مائها بكأسك الدهاق وقال سعيد بن جبير ~~وعكرمة ومجاهد (دهاقا) متتابعة يتبع بعضها بعضا. وقال زيد بن أسلم (دهاقا) ~~صافية، والمراد بالكأس الإناء المعروف، ولا يقال له الكأس إلا إذا كان فيه ~~الشراب (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا) أي لا يسمعون في الجنة لغوا، وهو ~~الباطل من الكلام، ولا كذابا: أي ولا يكذب بعضهم بعضا. قرأ الجمهور " كذابا ~~" بالتشديد، وقرأ الكسائي هنا بالتخفيف، ووافق الجماعة على التشديد في قوله ~~" وكذبوا بآياتنا كذابا " المتقدم في هذه السورة للتصريح بفعله هناك، وقد ~~قدمنا الخلاف في كذابا هل هو من مصادر التفعيل أو من مصادر المفاعلة؟ (جزاء ~~من ربك) أي جازاهم بما تقدم ذكره جزاء. قال الزجاج: المعنى جزاهم جزاء، ~~وكذا (عطاء) أي وأعطاهم عطاء (حسابا) قال أبو عبيدة: كافيا. وقال ابن ~~قتيبة: كثيرا، يقال أحسبت فلانا: أي أكثرت له العطاء، ومنه قول الشاعر: # ونعطي وليد الحي إن كان جائعا * ونحسبه إن كان ليس بجائع قال ابن قتيبة: ~~أي نعطيه حتى يقول حسبي. قال الزجاج: حسابا: أي ما يكفيهم. قال الأخفش: ~~يقال أحسبني كذا: أي كفاني. قال الكلبي: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا. وقال ~~مجاهد: حسابا لما عملوه، فالحساب بمعنى القدر: أي يقدر ما وجب له في وعد ~~الرب سبحانه، فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم ~~جزاء لا نهاية له ولا مقدار كقوله - إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب - ~~وقرأ أبو هاشم " حسابا " بفتح الحاء وتشديد السين: أي كفافا. قال الأصمعي: ~~تقول العرب: حسبت ms4185 الرجل بالتشديد: إذا أكرمته، ومنه قول الشاعر: إذا أتاه ~~ضيفه يحسبه * وقرأ ابن عباس " حسانا " بالنون (رب السماوات والأرض وما ~~بينهما الرحمن). قرأ ابن مسعود ونافع وأبو عمرو وابن كثير وزيد عن يعقوب ~~والمفضل عن عاصم برفع (رب) و (الرحمن) على أن رب مبتدأ والرحمن خبره أو على ~~أن رب خبر مبتدإ مقدر: أي هو رب، والرحمن صفته، و (لا يملكون) خبر رب، أو ~~على أن رب مبتدأ، والرحمن مبتدأ ثان، ولا يملكون خبر المبتدأ الثاني، ~~والجملة خبر المبتدأ الأول. وقرأ يعقوب في رواية عنه وابن عامر وعاصم في ~~رواية عنه بخفضهما على أن رب بدل من ربك، والرحمن صفة له. وقرأ ابن عباس ~~وحمزة والكسائي بخفض الأول على البدل، ورفع الثاني على أنه خبر مبتدإ ~~محذوف: أي هو الرحمن، واختار هذه القراءة أبو عبيد وقال هذه القراءة ~~أعدلها، فخفض رب لقربه PageV05P369 # من ربك، فيكون نعتا له ورفع الرحمن لبعده منه على الاستئناف، وخبره (لا ~~يملكون منه خطابا) أي لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه. وقال ~~الكسائي: لا يملكون منه خطابا بالشفاعة إلا بإذنه، وقيل الخطاب الكلام: أي ~~لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه، دليله - لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه - وقيل أراد الكفار، وأما المؤمنون فيشفعون. ويجوز أن تكون هذه ~~الجملة في محل نصب على الحال على ما تقدم بيانه، ويجوز أن تكون مستأنفة ~~مقررة لما تفيده الربوبية من العظمة والكبرياء (يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا) الظرف منتصب بلا يتكلمون، أو بلا يملكون، وصفا منتصب على الحال: أي ~~مصطفين، أو على المصدرية: أي يصفون صفا، وقوله (لا يتكلمون) في محل نصب على ~~الحال، أو مستأنف لتقرير ما قبله. # واختلف في الروح، فقيل إنه ملك من الملائكة أعظم من السماوات السبع ومن ~~الأرضين السبع ومن الجبال، وقيل هو جبريل قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن ~~جبير. وقيل الروح جند من جنود الله ليسوا ملائكة قاله أبو صالح ومجاهد، ~~وقيل هم أشراف الملائكة قاله مقاتل بن حيان. وقيل ms4186 هم حفظة على الملائكة ~~قاله ابن أبي نجيح. وقيل هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة. وقيل هم أرواح بني ~~آدم تقوم صفا وتقوم الملائكة صفا، وذلك بين النفختين قبل أن ترد إلى ~~الأجسام قاله عطية العوفي. وقيل إنه القرآن قاله زيد بن أسلم. وقوله (إلا ~~من أذن له الرحمن) يجوز أن يكون بدلا من ضمير يتكلمون، وأن يكون منصوبا على ~~أصل الاستثناء، والمعنى: # لا يشفعون لأحد إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة، أو لا يتكلمون إلا في حق ~~من أذن له الرحمن (و) كان ذلك الشخص ممن (قالوا صوابا) قال الضحاك ومجاهد: ~~صوابا يعني حقا. وقال أبو صالح: لا إله إلا الله. وأصل الصواب السداد من ~~القول والفعل. قيل لا يتكلمون: يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا هيبة ~~وإجلالا إلا من أذن له الرحمن منهم في الشفاعة، وهم قد قالوا صوابا. قال ~~الحسن: إن الروح تقوم يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلا بالروح، ولا النار ~~إلا بالعمل. قال الواحدي: فهم لا يتكلمون: يعني الخلق كلهم إلا من أذن له ~~الرحمن وهم المؤمنون والملائكة، وقال في الدنيا صوابا: أي شهد بالتوحيد، ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى يوم قيامهم على تلك الصفة، وهو مبتدأ وخبره ~~(اليوم الحق) أي الكائن الواقع المتحقق (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) أي ~~مرجعا يرجع إليه بالعمل الصالح، لأنه إذا عمل خيرا قربه إلى الله، وإذا عمل ~~شرا باعده منه، ومعنى (إلى ربه) إلى ثواب ربه قال قتادة: مآبا: سبيلا. ثم ~~زاد سبحانه في تخويف الكفار فقال (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) يعني العذاب ~~في الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، ومثله قوله - كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها - كذا قال الكلبي وغيره. وقال قتادة: هو عذاب ~~الدنيا لأنه أقرب العذابين. قال مقاتل: هو قتل قريش ببدر، والأول أولى ~~لقوله (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) فإن الظرف إما بدل من عذاب أو ظرف ~~لمضمر هو صفة له: أي عذابا كائنا (يوم ينظر المرء) ms4187 أي يشاهد ما قدمه من خير ~~أو شر، وما موصولة أو استفهامية. قال الحسن: والمرء هنا هو المؤمن: أي يجد ~~لنفسه عملا، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا فيتمنى أن يكون ترابا، وقيل ~~المراد به الكافر على العموم، وقيل أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط، والأول ~~أولى لقوله (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) فإن الكافر واقع في مقابلة ~~المرء، والمراد جنس الكافر يتمنى أن يكون ترابا لما يشاهده مما قد أعده ~~الله له من أنواع العذاب، والمعنى: أنه يتمنى أنه كان ترابا في الدنيا فلم ~~يخلق، أو ترابا يوم القيامة. وقيل المراد بالكافر أبو جهل، وقيل أبو سلمة ~~بن عبد الأسد المخزومي، وقيل إبليس، والأول أولى اعتبارا بعموم اللفظ، ولا ~~ينافيه خصوص السبب كما تقدم غير مرة. PageV05P370 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في ~~قوله (إن للمتقين مفازا) قال: # متنزها (وكواعب) قال: نواهد (أترابا) قال: مستويات (وكأسا دهاقا) قال: ~~ممتلئا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله (وكأسا دهاقا) ~~قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول: يا غلام ~~أسقنا وادهق لنا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه دهاقا. قال ~~دراكا. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا قال: إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم ~~يكن فيها خمر فليس بكأس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن ~~مردويه عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الروح جند من جنود الله ~~ليسوا بملائكة لهم رؤوس وأيد وأرجل " ثم قرأ (يوم يقوم الروح والملائكة ~~صفا) قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس (يوم يقوم الروح) قال: ~~هو ملك من أعظم الملائكة خلقا. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: " الروح ~~في السماء الرابعة ms4188 وهو أعظم من السماوات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم ~~اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجئ يوم ~~القيامة صفا واحدا ". وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال " إن جبريل يوم ~~القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقا من عذاب الله، يقول: سبحانك ~~لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك، ما بين منكبيه كما بين المشرق ~~والمغرب، أما سمعت قول الله (يوم يقوم الروح والملائكة صفا) ". وأخرج ~~البيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله (يوم يقوم الروح) قال: يعني حين ~~تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الروح إلى ~~الأجساد: # وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا (وقال ~~صوابا) قال: لا إله إلا الله. # وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~البعث والنشور عن أبي هريرة قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم ~~والدواب والطير وكل شئ، فيبلغ من عذاب الله أن يؤخذ للجماء من القرناء، ثم ~~يقول: كوني ترابا، فذلك حين يقول الكافر (يا ليتني كنت ترابا). # تفسير سورة النازعات وتسمى سورة الساهرة، هي خمس وأربعون آية، وقيل ست ~~وأربعون آية وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة النازعات بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن الزبير مثله. # سورة النازعات (1 - 26) PageV05P371 # أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها، وهي الملائكة التي تنزع أرواح ~~العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، وكذا ~~المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات: يعني الملائكة، والعطف مع ~~اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، كما في قول ~~الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزحم وهذا قول الجمهور ~~من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال السدي (النازعات) هي النفوس حين تغرق ~~في الصدور. وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفس. وقال قتادة: هي النجوم تنزع ~~من أفق إلى أفق، من ms4189 قوهم: # نزع إليه إذا ذهب، أو من قولهم نزعت بالحبل: أي إنها تغرب وتغيب وتطلع من ~~أفق آخر. وبه قال أبو عبيدة والأخفش وابن كيسان. وقال عطاء وعكرمة: ~~النازعات القسي تنزع بالسهام وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى ~~ينتهى به إلى النصل. وقال يحيى بن سلام: تنزع بين الكلأ وتنفر، وقيل أراد ~~بالنازعات الغزاة الرماة، وانتصاب (غرقا) على أنه مصدر بحذف الزوائد: أي ~~إغراقا، والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى: # أي إغراقا في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، أو على الحال: أي ذوات ~~إغراق، يقال أغرق في الشئ يغرق فيه: إذا أوغل فيه وبلغ غايته (و) معنى ~~(الناشطات) أنها تنشط النفوس: أي تخرجها من الأجساد كما ينشط العقال من يد ~~البعير: إذا حل عنه، ونشط الرجل الدلو من البئر: إذا أخرجها، والنشاط الجذب ~~بسرعة، ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها. قال أبو زيد: نشطت الحبل ~~أنشطه بين نشطا عقدته، وأنشطته: أي حللته، وأنشطت الحبل: أي مددته. قال ~~الفراء: أنشط العقال: أي حل ونشط: أي ربط الحبل في يديه. قال الأصمعي: بئر ~~أنشاط: أي قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة، وبئر نشوط، وهي التي ~~لا يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيرا. وقال مجاهد: هو الموت ينشط نفس ~~الإنسان. وقال السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين. وقال عكرمة وعطاء: هي ~~الأوهاق التي تنشط السهام، وقال قتادة والحسن والأخفش: هي النجوم تنشط من ~~أفق إلى أفق: أي تذهب. قال في الصحاح: والناشطات نشطا: يعني النجوم من برج ~~إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها. وقال أبو ~~عبيدة وقتادة: هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد. وقيل الناشطات لأرواح ~~المؤمنين، والنازعات لأرواح الكافرين، لأنها تجذب روح المؤمن برفق وتجذب ~~روح الكافر بعنف، وقوله (نشطا) مصدر، وكذا سبحا وسبقا (والسابحات) الملائكة ~~تسبح في الأبدان لإخراج الروح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شئ منه. ~~وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من ms4190 PageV05P372 # السماء مسرعين لأمر الله، كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه. ~~وقال مجاهد أيضا: السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقيل هي الخيل ~~السابحة في الغزو، ومنه قول عنترة: # والخيل تعلم حين تسبح * في حياض الموت سبحا وقال قتادة والحسن: هي النجوم ~~تسبح في أفلاكها كما في قوله - وكل في فلك يسبحون - وقال عطاء، هي السفن ~~تسبح في الماء، وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى الله (فالسابقات ~~سبقا) هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف. قال مسروق ومجاهد: تسبق ~~الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، وقال أبو روق هي الملائكة سبقت ابن ~~آدم بالخير والعمل الصالح، وروى نحوه عن مجاهد. وقال مقاتل: هي الملائكة ~~تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. وقال الربيع: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى ~~الملائكة شوقا إلى الله. وقال مجاهد أيضا: هو الموت يسبق الإنسان. وقال ~~قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضا. وقال عطاء: هي ~~الخيل التي تسبق إلى الجهاد. وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة ~~أو النار. قال الجرجاني: عطف السابقات بالفاء، لأنها مسببة من التي قبلها: ~~أي واللاتي يسبحن فيسبقن، تقول قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سببا ~~للذهاب، ولو قلت قام وذهب بالواو لم يكن القيام سببا للذهاب. قال الواحدي: ~~وهذا غير مطرد في قوله (فالمدبرات أمرا) لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا ~~للتدبير. قال الرازي: ويمكن الجواب عما قاله الواحدي: بأنها لما أمرت سبحت ~~فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض كقوله: # قام زيد فذهب، ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوض ~~إليهم التدبير. ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سببا للتدبير كسببية السبح ~~للسبق والقيام للذهاب، ومجرد الاتصال لا يوجب السببية والمسببية، والأولى ~~أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء، ~~ولا يحتاج إلى نكته كما احتاج إليها ما قبله لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة ~~اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته (فالمدبرات ms4191 أمرا) قال القشيري: # أجمعوا على أن المراد هنا الملائكة. وقال الماوردي: فيه قولان: أحدهما ~~الملائكة وهو قول الجمهور. والثاني أنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان ~~عن معاذ بن جبل. وفي تدبيرها الأمر وجهان: أحدهما تدبر طلوعها وأفولها. ~~الثاني تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال. ومعنى تدبير الملائكة للأمر ~~نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو ~~الله عز وجل، لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به. وقيل إن الملائكة لما أمرت ~~بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات. قال عبد ~~الرحمن بن ساباط: تدبير أمر الدنيا إلا أربعة من الملائكة: جبريل وميكائيل ~~وعزرائيل وإسرافيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل ~~بالقطر والنبات، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل ~~بالأمر عليهم وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف: أي ~~والنازعات، وكذا وكذا لتبعثن. قال الفراء: # وحذف لمعرفة السامعين به، ويدل عليه قوله (إذا كنا عظاما نخرة) وقيل إن ~~جواب القسم قوله (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) أي إن في يوم القيامة وذكر ~~موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى. قال ابن الأنباري: وهذا قبيح، لأن الكلام قد ~~طال بينهما، وقيل جواب القسم (هل أتاك حديث موسى) لأن المعنى: قد أتاك، ~~وهذا ضعيف جدا، وقيل الجواب (يوم ترجف الراجفة) على تقدير ليوم ترجف ~~الراجفة تتبعها الرادفة. وقال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من التقديم ~~والتأخير، كأنه قال: فإذا هم بالساهرة والنازعات. قال ابن الأنباري: وهذا ~~خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام، والأول أولى (يوم ترجف الراجفة) انتصاب ~~هذا الظرف بالجواب المقدر للقسم، أو PageV05P373 # بإضمار أذكر، والراجفة المضطربة، يقال رجف يرجف: إذا اضطرب، والمراد هنا ~~الصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب كالرعد، وهي النفخة الأولى التي ~~يموت بها جميع الخلائق، والرادفة: النفخة الثانية التي تكون عند البعث، ~~وسميت رادفة لأنها ردفت النفخة الأولى، كذا قال جمهور المفسرين. وقال ابن ~~زيد: الراجفة الأرض، والرادفة الساعة. وقال مجاهد: الرادفة ms4192 الزلزلة تتبعها ~~الرادفة الصيحة، وقيل الراجفة اضطراب الأرض والرادفة الزلزلة، وأصل الرجفة ~~الحركة، وليس المراد التحرك هنا فقط، بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم: # رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا: إذا ظهر صوته، ومنه سميت الأراجيف لاضطراب ~~الأصوات بها وظهور الأصوات فيها، ومنه قول الشاعر: # أبا لأراجيف يا ابن اللؤم توعدني * وفي الأراجيف خلت اللؤوم والخورا لأنه ~~ومحل (تتبعها الرادفة) النصب على الحال من الراجفة، والمعنى: لتبعثن يوم ~~النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها (قلوب يومئذ واجفة) قلوب ~~مبتدأ، ويومئذ منصوب بواجفة، وواجفة صفة قلوب، وجملة (أبصارها خاشعة) خبر ~~قلوب والراجفة المضطربة القلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة. قال جمهور ~~المفسرين: أي خائفة وجلة. وقال السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره - إذ القلوب ~~لدى الحناجر - وقال المؤرج: قلقة مستوفرة. # وقال المبرد: مضطربة، يقال وجف القلب يجف وجيفا: إذا خفق كما يقال وجب ~~يجب وجيبا، والإيجاف: # السير السريع، فأصل الوجيف اضطراب القلب، ومنه قول قيس بن الخطيم: # إن بنى جحجبى وقومهم * أكبادنا من ورائهم تجف * أبصارها خاشعة: أي أبصار ~~أصحابها، فحذف المضاف، والخاشعة الذليلة، والمراد أنها تظهر عليهم الذلة ~~والخضوع عند معاينة أهوال يوم القيامة كقوله - خاشعين من الذل - قال عطاء: ~~يريد أبصار من مات على غير الإسلام، ويدل على هذا أن السياق في منكري البعث ~~(يقولون ءإنا لمردودون في الحافرة) هذا حكاية لما يقوله المنكرون للبعث إذا ~~قيل لهم إنكم تبعثون: أي أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء بعد ~~موتنا، يقال رجع فلان في حافرته: أي رجع من حيث جاء، والحافرة عند العرب ~~اسم لأول الشئ وابتداء الأمر، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته: أي على ~~الطريق الذي جاء منه، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة: أي عند أول ما التقوا ~~وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة بمعنى ~~محفورة، ومن هذا قول الشاعر: # أحافرة على صلع وشيب * معاذ الله من سفه وعار أي أأرجع إلى ما كنت عليه ~~في شبابي من الغزل ms4193 بعد الشيب والصلع، وقيل الحافرة: العاجلة، والمعنى: إنا ~~لمردودون إلى الدنيا، وقيل الحافرة: الأرض التي تحفر فيها قبورهم، ومنه قول ~~الشاعر: # آليت لا أنساكم فاعلموا * حتى يرد الناس في الحافره والمعنى: إنا ~~لمردودون في قبورنا أحياء، كذا قال الخليل والفراء، وبه قال مجاهد: وقال ~~ابن زيد: الحافرة النار، واستدل بقوله (تلك إذا كرة خاسرة). قرأ الجمهور " ~~في الحافرة " وقرأ أبو حيوة " في الحفرة " (إذا كنا عظاما نخرة) أي بالية ~~متفتتة، يقال نخر العظم بالكسر: إذا بلى، وهذا تأكيد لإنكار البعث: أي كيف ~~نرد أحياء ونبعث إذا كنا عظاما نخرة، والعامل في إذا مضمر يدل عليه ~~مردودون: أي أئذا كنا عظاما بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شئ من الحياة. ~~قرأ الجمهور " نخرة " وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " ناخرة " واختار ~~القراءة PageV05P374 # الأولى الأول أبو عبيد وأبو حاتم، واختار القراءة الثانية الفراء وابن ~~جرير وأبو معاذ النحوي. قال أبو عمرو بن العلاء: # الناخرة التي لم تنخر بعد: أي لم تبل ولا بد أن تنخر. وقيل هما بمعنى، ~~تقول العرب: نخر الشئ فهو ناخر ونخر، وطمع فهو طامع وطمع ونحو ذلك. قال ~~الأخفش: هما جميعا لغتان أيهما قرأت فحسن. قال الشاعر: # يظل بها الشيخ الذي كان بادنا * يدب على عوج له نخرات يعني على قوائم ~~عوج، وقيل الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها، والنخرة التي فسدت ~~كلها. وقال مجاهد نخرة: أي مرفوتة كما في قوله - رفاتا -، وقد قرئ " إذا ~~كنا " و " أئذا كنا " بالاستفهام وبعدمه. ثم ذكر سبحانه عنهم قولا آخر ~~قالوه فقال (قالوا تلك إذا كرة خاسرة) أي رجعة ذات خسران لما يقع على ~~أصحابها من الخسران، والمعنى: أنهم قالوا إنا رددنا بعد الموت لنخسرن بما ~~يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد. وقيل معنى خاسرة كاذبة: أي ليست بكائنة، ~~كذا قال الحسن وغيره. وقال الربيع بن أنس: خاسرة على من كذب بها. # وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن بالنار، وإنما ~~قالوا هذا لأنهم أو عدوا بالنار، والكرة ms4194 الرجعة، والجمع كرات. وقوله (فإنما ~~هي زجرة واحدة) تعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام ~~النخرة وإحياء الأموات، والمعنى: لا تستبعدوا ذلك فإنما هو زجرة واحدة، ~~وكان ذلك الإحياء والبعث، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية التي ~~يكون البعث بها. وقيل إن الضمير في قوله " إنما هي، راجع إلى الرادفة ~~المتقدم ذكرها (فإذا هم بالساهرة) أي فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا ~~أحياء على وجه الأرض، قال الواحدي: المراد بالساهرة وجه الأرض، وظاهرها في ~~قول الجميع. قال الفراء: سميت بهذا الاسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، ~~وقيل لأنه يسهر في فلاتها خوفا منها، فسميت بذلك، ومنه قول أبي كثير ~~الهذلي: # يردون ساهرة كأن حميمها * وغميمها أسداف ليل مظلم وقول أمية بن أبي ~~الصلت: # وفيها لحم ساهرة وبحر * وما فاهوا به لهم مقيم يريد لحم حيوان أرض ساهرة. ~~قال في الصحاح: الساهرة وجه الأرض، ومنه قوله (فإذا هم بالساهرة). # وقال: الساهرة أرض بيضاء، وقيل أرض من فضة لم يعص الله سبحانه فيها، وقيل ~~الساهرة الأرض السابعة يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق. وقال ~~سفيان الثوري: الساهرة أرض الشام. وقال قتادة: هي جهنم: أي فإذا هؤلاء ~~الكفار في جهنم، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار ~~عذابهم، وجملة (هل أتاك حديث موسى) مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن تكذيب قومه وأنه يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ~~ممن هو أقوى منهم، ومعنى هل أتاك: قد جاءك وبلغك، هذا على تقدير أن قد سمع ~~من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما، وعلى تقدير أن هذا أول ما نزل عليه ~~في شأنهما فيكون المعنى على الاستفهام: أي هل أتاك حديثه أنا أخبرك به (إذ ~~ناداه ربه بالواد المقدس طوى) الظرف متعلق بحديث لا بأتاك الاختلاف ~~وقتيهما، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية، وقد تقدم ~~لاختلاف بين القراء في طوى في سورة طه. والواد المقدس: المبارك ms4195 المطهر. قال ~~الفراء طوى واد بين المدينة ومصر. قال: # وهو معدل من طاو كما عدل عمر من عامر. قال: والصرف أحب إلى إذ لم أجد في ~~المعدول نظيرا له. وقيل طوى معناه يا رجل بالعبرانية، فكأنه قيل يا رجل ~~اذهب، وقيل المعنى: إن الوادي المقدس بورك فيه مرتين، والأول أولى، وقد مضى ~~تحقيق القول فيه (اذهب إلى فرعون إنه طغى) قيل هو على تقدير القول، وقيل هو ~~PageV05P375 # تفسير للنداء: أي ناداه نداء هو قوله اذهب، وقيل هو على حذف أن المفسرة، ~~ويؤيده قراءة ابن مسعود، اذهب، لأن في النداء معنى القول، وجملة (إنه طغى) ~~تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال: أي جاوز الحد في العصيان والتكبر والكفر ~~بالله (فقل) له (هل لك إلي أن تزكى) أي قوله بعد وصولك إليه هل لك رغبة إلى ~~التزكي وهو التطهر من الشرك، وأصله تتزكى فحذفت إحدى التاءين. قرأ الجمهور ~~" تزكى " بالتخفيف. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في ~~الزاي. قال أبو عمرو بن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكيا مؤمنا ومعنى ~~قراءة التشديد الصدقة، وفي الكلام مبتدأ مقدر يتعلق به إلى، والتقدير: هل ~~لك رغبة أو هل لك توجه أو هل لك سبيل إلى التزكي، ومثل هذا قولهم هل لك في ~~الخير؟ يريدون هل لك رغبة في الخير، ومن هذا قول الشاعر: فهل لكم فيها إلى ~~فإنني * بصير بما أعيا النطاسي جذيما (وأهديك إلى ربك فتخشى) أي أرشدك إلى ~~عبادته وتوحيده فتخشى عقابه، والفاء لترتيب الخشية على الهداية، لأن الخشية ~~لا تكون إلا من مهتد راشد (فأراه الآية الكبرى) هذه الفاء هي الفصيحة ~~لإفصاحها عن كلام محذوف، يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله في غير ~~موضع، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال - إن كنت جئت بآية فأت بها - فعند ~~ذلك أراه الآية الكبرى. # واختلف في الآية الكبرى ما هي؟ فقيل العصا، وقيل يده، وقيل فلق البحر، ~~وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات التسع (فكذب وعصى) ms4196 أي فلما أراه الآية ~~الكبرى كذب بموسى وبما جاء به وعصى الله عز وجل فلم يطعه (ثم أدبر) أي تولى ~~وأعرض عن الإيمان (يسعى) أي يعمل بالفساد في الأرض ويجتهد في معارضة ما جاء ~~به موسى، وقيل أدبر هاربا من الحية يسعى خوفا منها. وقال الرازي: معنى ~~(أدبر يسعى) أقبل يسعى، كما يقال أقبل يفعل كذا: أي أنشأ يفعل كذا، فوضع ~~أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالاقبال (فحشر) أي فجمع جنوده للقتال والمحاربة، ~~أو جمع السحرة للمعارضة، أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع، أو جمعهم ~~ليمنعوه من الحية (فنادى فقال أنا ربكم الأعلى) أي قال لهم بصوت عال، أو ~~أمر من ينادى بهذا القول. ومعنى (أنا ربكم الأعلى) أنه لا رب فوقي. قال ~~عطاء: كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها وقال: أنا رب أصنامكم وقيل ~~أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم. والأول أولى لقوله في آية أخرى - ما ~~علمت لكم من إله غيري - (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) النكال نعت مصدر ~~محذوف: أي أخذه أخذة نكال، أو هو مصدر لفعل محذوف: أي أخذه الله فنكله نكال ~~الآخرة والأولى، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، والمراد بنكال الآخرة عذاب ~~النار ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق. وقال مجاهد: عذاب أول عمره وآخره. ~~وقال قتادة: الآخرة قوله " أنا ربكم الأعلى " والأولى تكذيبه لموسى. وقيل ~~الآخرة قوله " أنا ربكم الأعلى " والأولى قوله - ما علمت لكم من إله غيري - ~~وكان بين الكلمتين أربعون سنة، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على أنه مفعول ~~له: أي أخذه الله لأجل نكال، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض: أي بنكال. ورجح ~~الزجاج أنه مصدر مؤكد، قال: لأن معنى أخذه الله: نكل الله به، فأخرج من ~~معناه لا من لفظه. وقال الفراء: أي أخذه الله أخذا نكالا: أي للنكال ~~والنكال اسم لما جعل نكالا للغير: أي عقوبة له، يقال نكل فلان بفلان: إذا ~~عاقبه، وأصل الكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد (إن ~~في ذلك لعبرة لمن يخشى) ms4197 أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به عبرة عظيمة ~~لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه، ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه. PageV05P376 # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن علي بن أبي طالب في قوله ~~(والنازعات غرقا) قال: هي الملائكة تنزع روح الكفار (والناشطات نشطا) قال: ~~هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها ~~(والسابحات سبحا) هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض ~~(فالسابقات سبقا) هي الملائكة يسبق بعضها بعضا بأرواح المؤمنين إلى الله ~~(فالمدبرات أمرا) هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس (والنازعات غرقا) قال: هي أنفس الكفار تنزع ثم ~~تنشط ثم تغرق في النار. وأخرج الحاكم وصححه عنه (والنازعات غرقا والناشطات ~~نشطا) قال: الموت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود (والنازعات ~~غرقا) قال: الملائكة الذين يلون أنفس الكفار إلى قوله (والسابحات سبحا) ~~قال: الملائكة. # وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار، قال الله: (والناشطات نشطا) ~~أتدري ما هو؟ قلت: يا نبي الله ما هو؟ قال: كلاب في النار تنشط اللحم ~~والعظم ". وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن ابن الكواء سأله عن ~~(المدبرات أمرا) قال: # هي الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت ~~عن ابن عباس قال (المدبرات أمرا) ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى ~~عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم ~~من يستغفر للميت حتى يصلي عليه ويدلي في حفرته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم عنه (يوم ترجف الراجفة) قال: النفخة الأولى (تتبعها الرادفة) ~~قال: النفخة الثانية (قلوب يومئذ واجفة) قال: خائفة (أئنا لمردودون في ~~الحافرة) قال: الحياة. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي كعب ms4198 قال: " كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: أيها الناس ~~اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه ". وأخرج أبو ~~الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " ترجف الأرض رجفا وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله (يوم ترجف ~~الراجفة تتبعها الرادفة) يقول: مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل ~~القنديل المعلق بأرجائه ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس (قلوب يومئذ ~~واجفة) قال: وجلة متحركة. # وأخرج عبد بن حميد عنه (أئنا لمردودون في الحافرة) قال: خلقا جديدا. ~~وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا أنه سئل عن قوله (فإذا هم بالساهرة) ~~فقال: الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ قال: الأرض كلها ساهرة، ألا ترى قول ~~الشاعر: # صيد بحر وصيد ساهرة. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا (هل لك ~~إلى أن تزكى) قال: # هل لك أن تقول: لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (فأخذه الله ~~نكال الآخرة) قال: قوله (أنا ربكم الأعلى) والأولى قال: قوله (ما علمت لكم ~~من إله غيري). وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: ~~كان بين كلمتيه أربعون سنة. # سورة النازعات (27 - 46) PageV05P377 # قوله (أأنتم أشد خلقا أم السماء) أي أخلقكم بعد الموت وبعثكم أشد عندكم ~~وفي تقديركم أم خلق السماء، والخطاب لكفار مكة، والمقصود به التوبيخ لهم ~~والتبكيت، لأن من قدر على خلق السماء التي لها هذا الجرم العظيم وفيها من ~~عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بين للناظرين كيف يعجز عن إعادة الأجسام ~~التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة؟ ومثل هذا قوله سبحانه - لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس - وقوله - أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم - ثم بين سبحانه كيفية خلق السماء فقال (بناها رفع سمكها ~~فسواها) أي جعلها كالبناء ms4199 المرتفع فوق الأرض، ورفع سمكها: أي أعلاه في ~~الهواء، فقوله (رفع سمكها) بيان للبناء، يقال سمكت الشئ: أي رفعته في ~~الهواء وسمك الشئ سموكا: ارتفع. قال الفراء كل شئ حمل شيئا من البناء يقال ~~سمكت الشئ: أي رفعته في الهواء وسمك الشئ سموكا: ارتفع. قال الفراء كل شئ ~~حمل شيئا من البناء أو غيره فهو سمك، وبناء مسموك وسنام سامك: أي عال، ~~والسموكات: السماوات: ومنه قول الفرزدق: # وبناء ذو سنام سامك: # إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول قال البغوي: رفع ~~سمكها: أي سقفها. قال الكسائي والفراء والزجاج: ثم الكلام عند قوله (أم ~~السماء بناها) لأنه من صلة السماء، والتقدير: أم السماء التي بناها، فحذف ~~التي، ومثل هذا الحذف جائز. ومعنى (فسواها) فجعلها مستوية الخلق معدلة ~~الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ولا فطور ولا شقوق (وأغطش ليلها) الغطش ~~الظلمة: أي جعله مظلما، يقال غطش الليل وأغطشه الله، كما يقال أظلم الليل ~~وأظلمه الله، ورجل أغطش وامرأة غطشى لا يهتديان. قال الراغب: وأصله من ~~الأغطش، وهو الذي في عينه عمش، ومنه فلاة غطشى لا يهتدي فيها، والتغاطش ~~التعامي. قال الأعشى: # ودهماء بالليل غطشى الفلاة * يؤنسني صوت قيادها وقوله: وغامرهم مدلهم غطش ~~يعني غمرهم سواد الليل، وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس ~~والشمس مضافة إلى السماء (وأخرج ضحاها) أي أبرز نهارها المضئ بإضاءة الشمس، ~~وعبر عن النهار بالضحى، لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، وأضافه إلى السماء لأنه ~~يظهر بظهور الشمس، وهي منسوبة إلى السماء (والأرض بعد ذلك دحاها) أي بعد ~~خلق السماء، ومعنى دحاها بسطها، وهذا يدل على أن خلق الأرض بعد خلق السماء، ~~ولا معارضة بين هذه الآية وبين ما تقدم في سورة فصلت من قوله - ثم استوى ~~إلى السماء - بل الجمع بأنه سبحانه خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء ~~ثم دحا الأرض، وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفى هنالك، وقدمنا أيضا بحثا في ~~هذا في أول سورة البقرة عند قوله - هو الذي ms4200 خلق لكم ما في الأرض جميعا - ~~PageV05P378 # وذكر بعض أهل العلم أن بعد بمعنى مع كما في قوله - عتل بعد ذلك زنيم -، ~~وقيل بعد بمعنى قبل كقوله - ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر - أي من قبل ~~الذكر، والجمع الذي ذكرناه أولى، وهو قول ابن عباس وغير واحد، واختاره ابن ~~جرير. يقال دحوت الشئ أدحوه: إذا بسطته، ويقال لعش النعامة أدحى لأنه مبسوط ~~على الأرض، وأنشد المبرد: # دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا وقال أمية بن أبي ~~الصلت: # وبث الخلق فيها إذ دحاها * فهم قطانها حتى التنادي وقال زيد بن عمرو بن ~~نفيل: # وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها ~~* بأيد وأرسى عليها الجبالا قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال، وقرأ ~~الحسن وعمرو بن ميمون وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو السماك وعمرو بن عبيد ~~ونصر بن عاصم بالرفع على الابتداء (أخرج منها ماءها ومرعاها) أي فجر من ~~الأرض الأنهار والبحار والعيون " وأخرج منها مرعاها ": أي النبات الذي ~~يرعى، ومرعاها مصدر ميمي: أي رعيها، وهو في الأصل موضع الرعي، والجملة إما ~~بيان وتفسير لدحاها، لأن السكنى لا تتأتي بمجرد البسط بل لا بد من تسوية ~~أمر المعاش من المأكل والمشرب. وإما في محل نصب على الحال (والجبال أرساها) ~~أي أثبتها في الأرض وجعلها كالأوتاد للأرض لتثبت وتستقر وأن لا تميد ~~بأهلها. قرأ الجمهور بنصب الجبال على الاشتغال. وقرأ الحسن وعمرو ابن ميمون ~~وأبو حيوة وأبو السماك وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم بالرفع على الابتداء، ~~قيل ولعل وجه تقديم ذكر إخراج الماء والمرعى على إرساء الجبال مع تقدم ~~الإرساء عليه للاهتمام بأمر المأكل والمشرب (متاعا لكم ولأنعامكم) أي منفعة ~~لكم ولأنعامكم من البقر والإبل والغنم، وانتصاب متاعا على المصدرية: أي ~~متعكم بذلك متاعا، أو هو مصدر من غير لفظه، لأن قوله (أخرج منها ماءها ~~ومرعاها) بمعنى متع بذلك، أو على أنه مفعول له: أي فعل ذلك لأجل التمتيع، ~~وإنما قال " لكم ولأنعامكم ms4201 " لأن فائدة ما ذكر من الدحو وإخراج الماء ~~والمرعى كائنة لهم ولأنعامهم، والمرعى يعم ما يأكله الناس والدواب (فإذا ~~جاءت الطامة الكبرى) أي الداهية للعظمى التي تطم على سائر الطامات. قال ~~الحسن وغيره: وهي النفخة الثانية. وقال الضحاك وغيره: هي القيامة سميت بذلك ~~لأنها تطم على كل شئ لعظم هولها. قال المبرد: الطامة عند العرب الداهية ~~التي لا تستطاع، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم: طم الفرس طميما: إذا ~~استفرغ جهده في الجري، وطم الماء: إذا ملأ النهر كله. وقال غيره: هو من طم ~~السيل الركية: أي دفنها، والطم الدفن. قال مجاهد وغيره: الطامة الكبرى هي ~~التي تسلم أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، والفاء للدلالة على ~~ترتب ما بعدها على ما قبلها، وجواب إذا قيل هو قوله - فأما من طغى - وقيل ~~محذوف: أي فإن الأمر كذلك، أو عاينوا، أو علموا أو أدخل أهل النار النار ~~وأهل الجنة الجنة. # وقال أبو البقاء: العامل فيها جوابها، وهو معنى " يومئذ يتذكر الإنسان " ~~فإنه منصوب بفعل مضمر: أي أعني يوم يتذكر، أو يوم يتذكر يكون كيت وكيت. ~~وقيل إن الظرف بدل من إذا، وقيل هو بدل من الطامة الكبرى، ومعنى تذكر ~~الإنسان ما سعى: أنه يتذكر ما عمله من خير أو شر، لأنه يشاهده مدونا في ~~صحائف عمله، وما PageV05P379 # مصدرية، أو موصولة (وبرزت الجحيم لمن يرى) معطوف على جاءت، ومعنى برزت: ~~أظهرت إظهارا لا يخفى على أحد. قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء فينظر إليها ~~الخلق، وقيل (لمن يرى) من الكفار، لا من المؤمنين، والظاهر أن تبرز لكل ~~راء، فأما المؤمن فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها، وأما ~~الكافر فيزداد غما إلى غمه وحسرة إلى حسرته. قرأ الجمهور " لمن يرى " ~~بالتحتية، وقرأت عائشة ومالك بن دينار وعكرمة وزيد بن علي بالفوقية: أي لمن ~~تراه الجحيم، أو لمن تراه أنت يا محمد. وقرأ ابن مسعود " لمن رأى " على ~~صيغة الفعل الماضي (فأما من طغى) أي جاوز الحد في الكفر والمعاصي (وآثر ms4202 ~~الحياة الدنيا) أي قدمها عن الآخرة ولم يستعد لها ولا عمل عملها (فإن ~~الجحيم هي المأوى) أي مأواه، والألف واللام عوض عن المضاف إليه، والمعنى: # أنها منزله الذي ينزله ومأواه الذي يأوي إليه لا غيرها. ثم ذكر القسم ~~الثاني من القسمين فقال (وأما من خاف مقام ربه) أي حذر مقامه بين يدي ربه ~~يوم القيامة. قال الربيع: مقامه يوم الحساب. قال قتادة: يقول إن لله عز وجل ~~مقاما قد خافه المؤمنون. وقال مجاهد: هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل عند ~~مواقعة الذنب فيقلع عنه، نظيره قوله - ولمن خاف مقام ربه جنتان - والأول ~~أولى (ونهى النفس عن الهوى) أي زجرها عن الميل إلى المعاصي والمحارم التي ~~تشتهيها. قال مقاتل: الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها (فإن ~~الجنة هي المأوى) أي المنزل الذي ينزله والمكان الذي يأوي إليه لا غيرها ~~(يسألونك عن الساعة أيان مرساها) أي متى وقوعها وقيامها. # قال الفراء: أي منتهى قيامها كرسو السفينة. قال أبو عبيدة: ومرسي السفينة ~~حين تنتهي، والمعنى: يسألونك عن الساعة متى يقيمها اس‍، وقد مضى بيان هذا ~~في سورة الأعراف (فيم أنت من ذكراها) أي في أي شئ أنت يا محمد من ذكر ~~القيامة والسؤال عنها، والمعنى: لست في شئ من علمها وذكراها إنما يعلمها ~~الله سبحانه، وهو إنكار ورد لسؤال المشركين عنها: أي فيم أنت من ذلك حتى ~~يسألونك عنه ولست تعلمه (إلى ربك مناها) أي منتهى علمها فلا يوجد علمها عند ~~غيره، وهذا كقوله - قل إنما علمها عند ربي - وقوله - إن الله عنده علم ~~الساعة - فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها (إنما أنت منذر من ~~يخشاها) أي مخوف لمن يخشى قيام الساعة، وذلك وظيفتك ليس عليك غيره من ~~الإخبار بوقت قيام الساعة ونحوه مما استأثر الله بعلمه، وخص الإنذار بمن ~~يخشى، لأنهم المنتفعون بالإنذار وإن كان منذرا لكل مكلف من مسلم وكافر. قرأ ~~الجمهور بإضافة " منذر " إلى ما بعده. وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو جعفر ~~وطلحة وابن ms4203 محيصن وشيبة والأعرج وحميد بالتنوين، ورويت هذه القراءة عن أبي ~~عمرو. قال الفراء: والتنوين وتركه في منذر صواب كقوله - بالغ أمره - - ~~وموهن كيد الكافرين -. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن تكون الإضافة للماضي، ~~نحو ضارب زيد أمس (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) أي إلا ~~قدر آخر نهار أو أوله، أو قدر الضحى الذي يلي تلك العشية، والمراد تقليل ~~مدة الدنيا، كما قال - لم يلبثوا إلا ساعة من نهار - وقيل لم يلبثوا في ~~قبورهم إلا عشية أو ضحاها. قال الفراء والزجاج: المراد بإضافة الضحى إلى ~~العشية إضافته إلى يوم العشية على عادة العرب، يقولون: # آتيك الغداة أو عشيتها، وآتيك العشية أو غداتها فتكون العشية في معنى آخر ~~النهار، والغداة في معنى أول النهار. # ومنه قول الشاعر: # نحن صبحنا عامرا في دارها * جردا تعادي طرفي نهارها * عشية الهلال أو ~~سرارها والجملة تقرير لما يدل عليه الإنذار من سرعة مجئ المنذر به. ~~PageV05P380 # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (رفع سمكها) قال: ~~بناها (وأغطش ليلها) قال: أظلم ليلها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه (وأغطش ليلها) قال: وأظلم ليلها (وأخرج ضحاها) قال: أخرج ~~نهارها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (والأرض بعد ذلك دحاها) قال: # مع ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضا أن رجلا قال له: آيتان ~~في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى، فقال: إنما أتيت من قبل رأيك، قال: ~~اقرأ - قل ءإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين - حتى بلغ - ثم استوى ~~إلى السماء - وقوله (والأرض بعد ذلك دحاها) قال: خلق الله الأرض قبل أن ~~يخلق السماء، ثم خلق السماء، ثم دحى الأرض بعد ما خلق السماء، وإنما قوله ~~(دحاها) بسطها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال (دحاها) أن أخرج منها ~~الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام ~~وما بينهما في يومين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ms4204 قال: الطامة ~~من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب " كان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عن الساعة فنزلت (فيم أنت من ذكراها) ". ~~وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة ~~قالت " ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل الله ~~(فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها) فانتهى فلم يسأل عنها ". وأخرج عبد ~~ابن حميد والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت (فيم أنت ~~من ذكراها إلى ربك منتهاها) فكف عنها. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ~~ابن عباس. قال السيوطي بسند ضعيف: أن مشركي مكة سألوا النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقالوا: متى الساعة استهزاء منهم؟ فأنزل الله (يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها) يعنى مجيئها (فيم أنت من ذكراها) يعنى ما أنت من علمها يا ~~محمد (إلى ربك منتهاها) يعنى منتهى علمها. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: ~~" كانت الأعراب إذا قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألوه عن ~~الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول: إن يعش هذا قامت عليكم ساعتكم ". # تفسير سورة عبس وتسمى سورة السفرة، وهي إحدى وأربعون، أو اثنان وأربعون ~~آية وهي مكية في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: # نزلت سورة عبس بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. # سورة عبس (1 - 11) PageV05P381 # سورة عبس (12 - 42) قوله (عبس وتولى) أي كلح بوجهه وأعرض. وقرئ عبس ~~بالتشديد (أن جاءه الأعمى) مفعول لأجله: # أي لأن جاءه الأعمى، والعامل فيه إما عبس أو تولى على الاختلاف بين ~~البصريين والكوفيين في التنازع هل المختار إعمال الأول أو الثاني؟. # وقد أجمع المفسرون على أن سبب نزول الآية: أن قوما من أشراف قريش كانوا ~~عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل ms4205 عبد الله بن ~~أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقطع عليه ابن أم ~~مكتوم كلامه، فأعرض عنه فنزلت، وسيأتي في آخر البحث بيان هذا إن شاء الله ~~(وما يدريك لعله يزكى) التفت سبحانه إلى خطاب نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، لأن المشافهة أدخل في العتاب: أي أي شئ يجعلك داريا بحاله حتى تعرض ~~عنه، وجملة (لعله يزكى) مستأنفة لبيان أن له شأنا ينافي الإعراض عنه: أي ~~لعله يتطهر بالذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك، فالضمير في لعله ~~راجع إلى الأعمى، وقيل هو راجع إلى الكافر: أي وما يدريك أن ما طمعت فيه ~~ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى أو يذكر، والأول أولى. وكلمة ~~الترجي باعتبار من وجه إليه الخطاب للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه ~~مرجو التزكي مما لا يجوز. # قرأ الجمهور " أن جاءه الأعمى " على الخبر بدون استفهام، ووجهه ما تقدم. ~~وقرأ الحسن " آن جاءه " بالمد على على الاستفهام، فهو على هذه القراءة ~~متعلق بفعل محذوف دل عليه عبس وتولى، والتقدير آن جاءه الأعمى تولى وأعرض، ~~ومثل هذه الآية قوله في سورة الأنعام - ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي - وكذلك قوله في سورة الكهف - ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة ~~الدنيا - وقوله (أو يذكر) عطف على يزكى داخل معه في حكم الترجي: أي أو ~~يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ (فتنفعه الذكرى) أي الموعظة. قرأ الجمهور ~~" فتنفعه " بالرفع، وقرأ عاصم ابن أبي إسحاق وعيسى والسلمي وزر بن حبيش ~~بالنصب على جواب الترجي (أما من استغنى) أي كان ذا ثروة وغنى، أو استغنى عن ~~الإيمان وعما عندك من العلم (فأنت له تصدى) أي تصغي PageV05P382 # لكلامه، والتصدي الإصغاء. قرأ الجمهور " تصدى " بالتخفيف على طرح إحدى ~~التاءين تخفيفا، وقرأ نافع وابن محيصن بالتشديد على الإدغام، وفي هذا مزيد ~~تنفير له صلى الله عليه وآله وسلم عن الإقبال عليهم والإصغاء إلى كلامهم ~~(وما عليك أن لا يزكى) أي أي شئ عليك ms4206 في أن لا يسلم ولا يهتدي، فإنه ليس ~~عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار، ويجوز أن تكون ما ~~نافية: أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى من تصديت له وأقبلت عليه، وتكون ~~الجملة في محل نصب على الحال من ضمير تصدى. ثم زاد سبحانه في معاتبة رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال (وأما من جاءك يسعى) أي وصل إليك حال كونه ~~مسرعا في المجئ إليك طالبا منك أن ترشده إلى الخير وتعظه بمواعظ الله، ~~وجملة (وهو يخشى) حال من فاعل يسعى على التداخل، أو من فاعل جاءك على ~~الترادف (فأنت عنه تلهى) أي تتشاغل عنه وتعرض عن الإقبال عليه، والتلهي ~~التشاغل والتغافل، يقال لهيت عن الأمر ألهى: أي تشاغلت عنه، وكذا تلهيت، ~~وقوله (كلا) ردع له صلى الله عليه وآله وسلم عما عوتب عليه: أي لا تفعل بعد ~~هذا الواقع منك مثله من الإعراض عن الفقير، والتصدي للغنى والتشاغل به، مع ~~كونه ليس ممن يتزكى عن إرشاد من جاءك من أهل التزكي والقبول للموعظة، وهذا ~~الواقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من باب ترك الأولى، فأرشده ~~الله سبحانه إلى ما هو الأولى به (إنها تذكرة) أي أن هذه الآيات أو السورة ~~موعظة حقها أن تتعظ بها وتقبلها وتعمل بموجبها ويعمل بها كل أمتك (فمن شاء ~~ذكره) أي فمن رغب فيها اتعظ بها وحفظها وعمل بموجبها، ومن رغب عنها كما ~~فعله من استغنى فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره. قيل الضميران في إنها، وفي ~~ذكره للقرآن، وتأنيث الأول لتأنيث خبره. وقيل الأول للسورة، أو للآيات ~~السابقة. والثاني للتذكرة لأنها في معنى الذكر، وقيل إن معنى " فمن شاء ~~ذكره " فمن شاء الله ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به، والأول أولى. ~~ثم أخبر سبحانه عن عظم هذه التذكرة وجلالتها فقال (في صحف) أي إنها تذكرة ~~كائنة في صحف، فالجار والمجرور صفة لتذكرة، وما بينهما اعتراض، والصحف جمع ~~صحيفة، ومعنى (مكرمة) أنها مكرمة عند ms4207 الله لما فيها من العلم والحكمة، أو ~~لأنها نازلة من اللوح المحفوظ، وقيل المراد بالصحف كتب الأنبياء، كما في ~~قوله - إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى - ومعنى (مرفوعة) أنها ~~رفيعة القدر عند الله، وقيل مرفوعة في السماء السابعة. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: مكرمة يعنى اللوح المحفوظ (مرفوعة) يعنى في السماء السابعة. قال ~~ابن جرير: مرفوعة القدر والذكر، وقيل مرفوعة عن الشبه والتناقض (مطهرة) أي ~~منزهة لا يمسها إلا المطهرون. قال الحسن: مطهرة من كل دنس. قال السدى: ~~مصانة عن الكفار لا ينالونها (بأيدي سفرة) السفرة جمع سافر ككتبة وكاتب، ~~والمعنى: أنها بأيدي كتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ. قال ~~الفراء: السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، من ~~السفارة وهو السعي بين القوم، وأنشد: # فما أدع السفارة بين قومي * ولا أمشي بغير أب نسيب قال الزجاج: وإنما قيل ~~للكتاب سفر بكسر السين، والكاتب سافر، لأن معناه أنه بين، يقال أسفر الصبح: # إذا أضاء، وأسفرت المرأة: إذا كشفت النقاب عن وجهها، ومنه سفرت بين القوم ~~أسفر سفارة: أي أصلحت بينهم. قال مجاهد: هم الملائكة الكرام الكاتبون ~~لأعمال العباد. وقال قتادة: السفرة هنا هم القراء لأنهم يقرءون الأسفار. ~~وقال وهب بن منبه: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم أثنى سبحانه ~~على السفرة فقال (كرام بررة) أي كرام على ربهم كذا قال الكلبي. وقال الحسن: ~~كرام عن المعاصي، فهم يرفعون أنفسهم عنها. وقيل PageV05P383 # يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته، أو قضى حاجته. وقيل يؤثرون ~~منافع غيرهم على منافعهم: # وقيل يتكرمون على المؤمنين بالاستغفار لهم. والبررة جمع بار مثل كفرة ~~وكافر: أي أتقياء مطيعون لربهم صادقون في إيمانهم، وقد تقدم تفسيره (قتل ~~الإنسان ما أكفره) أي لعن الإنسان الكافر ما أشد كفره، وقيل عذب، قيل ~~والمراد به عتبة بن أبي لهب، ومعنى ما أكفره التعجب من إفراط كفره. قال ~~الزجاج: معناه أعجبوا أنتم من كفره، وقيل المراد بالإنسان من تقدم ذكره في ms4208 ~~قوله - أما من استغنى - وقيل المراد به الجنس، وهذا هو الأولى، فيدخل تحته ~~كل كافر شديد الكفر، ويدخل تحته من كان سببا لنزول الآية دخولا أوليا. ثم ~~ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره ويكف ~~عن طغيانه فقال (من أي شئ خلقه) أي من أي شئ خلق الله هذا الكافر ~~والاستفهام للتقرير. ثم فسر ذلك فقال (من نطفة خلقه) أي من ماء مهين، وهذا ~~تحقير له. # قال الحسن: كيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين، ومعنى (فقدره) أي ~~فسواه وهيأه لمصالح نفسه، وخلق له اليدين والرجلين والعينين وسائر الآلات ~~والحواس، وقيل قدره أطوارا من حال إلى حال، نطفة ثم علقة إلى أن تم خلقه ~~(ثم السبيل يسره) أي يسر له الطريق إلى الخير والشر. وقال السدى ومقاتل ~~وعطاء وقتادة: # يسره للخروج من بطن أمه، والأول أولى. ومثله قوله - وهديناه النجدين - ~~وانتصاب السبيل بمضمر يدل عليه الفعل المذكور: أي يسر السبيل يسره (ثم ~~أماته فأقبره) أي جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ~~مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير، كذا قال الفراء: وقال أبو ~~عبيدة: جعل له قبرا وأمر أن يقبر فيه. وقال أقبره، ولم يقل قبره، لأن ~~القابر هو الدافن بيده، ومنه قول الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى صدرها * عاش ولم ينقل إلى قابر (ثم إذا شاء أنشره) أي ~~ثم إذا شاء إنشاره أنشره: أي أحياه بعد موته، وعلق الإنشار بالمشيئة ~~للدلالة على أن وقته غير متعين، بل هو تابع للمشيئة. قرأ الجمهور " أنشره " ~~بالألف، وروى أبو حيوة عن نافع وشعيب بن أبي حمزة نشره بغير ألف، وهما ~~لغتان فصيحتان (كلا لما يقضى ما أمره) كلا ردع وزجر للإنسان الكافر: أي ليس ~~الأمر كما يقول. ومعنى: لما يقض ما أمره، لم يقض ما أمره الله به من العمل ~~بطاعته واجتناب معاصيه، وقيل المراد الإنسان على العموم، وأنه لم يفعل ما ~~أمره الله به مع طول ms4209 المدة لأنه لا يخلو من تقصير. قال الحسن: # أي حقا لم يعمل ما أمر به. وقال ابن فورك: أي كلا لما يقض لهذا الكافر ما ~~أمره به من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له. قال ابن الأنباري: الوقف على ~~كلا قبيح والوقف على أمره جيد، وكلا على هذا بمعنى حقا. وقيل المعنى: لما ~~يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره، بل أخل به: بعضها بالكفر، وبعضها ~~بالعصيان، وما قضى ما أمره الله إلا القليل. ثم شرع سبحانه في تعداد نعمه ~~على عباده ليشكروها، وينزجروا عن كفرانها بعد ذكر النعم المتعلقة بحدوثه ~~فقال (فلينظر الإنسان إلى طعامه) أي ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله ~~سببا لحياته؟ وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية؟ قال ~~مجاهد: معناه فلينظر الإنسان إلى طعامه: أي إلى مدخله ومخرجه، والأول أول. ~~ثم بين ذلك سبحانه فقال (أنا صببنا الماء صبا) قرأ الجمهور " إنا " بالكسر ~~على الاستئناف. وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من طعامه ~~بدل اشتمال لكون نزول المطر سببا لحصول الطعام، فهو كالمشتمل عليه، أو ~~بتقدير لام العلة. قال الزجاج: الكسر على الابتداء والاستئناف، والفتح على ~~معنى البدل من الطعام. المعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا، ~~وأراد بصب الماء المطر، PageV05P384 # وقرأ الحسن بن علي بالفتح والإمالة (ثم شققنا الأرض شقا) أي شققناها ~~بالنبات الخارج منها بسبب نزول المطر شقا بديعا لائقا بما يخرج منه في ~~الصغر والكبر والشكل والهيئة. ثم بين سبب هذا الشق وما وقع لأجله فقال ~~(فأنبتنا فيها حبا) يعنى الحبوب الذي يتغذى بها، والمعنى: أن النبات لا ~~يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبا " وقوله (وعنبا) معطوف على حبا: أي ~~وأنبتنا فيها عنبا، قيل وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيد ~~به المعطوف عليه فلا ضير في خلو إنبات العنب عن شق الأرض، والقضب: هو ألقت ~~الرطب الذي يقضب مرة بعد أخرى تعلف به الدواب، ولهذا سمى قضبا على مصدر ~~قضبه: ms4210 أي قطعه كأنه لتكرر قطعها نفس القطع. # قال الخليل: القضب الفصفصة الرطبة، فإذا يبست فهي ألقت. قال في الصحاح: ~~والقضبة والقضب الرطبة، قال: والموضع الذي ينبت فيه مقضبة. قال القتيبي ~~وثعلب: وأهل مكة يسمون العنب القضب. والزيتون هو ما يعصر منه الزيت، وهو ~~شجرة الزيتون المعروفة، والنخل هو جمع نخلة (وحدائق غلبا) جمع حديقة، وهي ~~البستان، والغلب العظام الغلاظ الرقاب. وقال مجاهد ومقاتل: الغلب الملتف ~~بعضها ببعض، يقال: رجل أغلب: # إذا كان عظيم الرقبة، ويقال للأسد أغلب لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا ~~جميعا. قال العجاج: # ما زلت يوم البين ألوى صلبي * والرأس حتى صرت مثل الأغلب وجمع أغلب ~~وغلباء غلب كما جمع أحمر وحمراء على حمر. وقال قتادة وابن زيد: الغلب النخل ~~الكرام. وعن ابن زيد أيضا وعكرمة: هي غلاظ الأوساط والجذوع. والفاكهة ما ~~يأكله الإنسان من ثمار الأشجار كالعنب والتين والخوخ ونحوها. والأب كل ما ~~أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس ولا يزرعونه من الكلأ وسائر أنواع المرعى، ~~ومنه قول الشاعر: # جسدنا قيس ونجسد دارنا * ولنا الأب بها والمكرع قال الضحاك: الأب كل شئ ~~ينبت على وجه الأرض. وقال ابن أبي طلحة: هو الثمار الرطبة. وروى عن الضحاك ~~أيضا أنه قال: هو التين خاصة، والأول أولى. ثم شرع سبحانه في بيان أحوال ~~المعاد فقال (فإذا جاءت الصاخة) يعنى صيحة يوم القيامة، وسميت صاخة لشدة ~~صوتها لأنها تصخ الأذان: أي تصمها فلا تسمع، وقيل سميت صاخة لأنها يصيخ لها ~~الأسماع، من قولك أصاخ إلى كذا أي استمع إليه، والأول أصح. # قال الخليل: الصاخة صيحة تصخ الآذان حتى تصمها بشدة وقعها، وأصل الكلمة ~~في اللغة مأخوذة من الصك الشديد، يقال صخه بالحجر: إذا صكه بها، وجواب إذا ~~محذوف يدل عليه قوله (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أي فإذا جاءت الصاخة ~~اشتغل كل أحد بنفسه، والظرف في قوله (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه) إما بدل من إذا جاءت، أو منصوب بمقدر: أي أعني ويكون تفسيرا ~~للصاخة، ms4211 أو بدلا منها مبني على الفتح، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أخص القرابة، ~~وأولاهم بالحنو والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم، وخطب فظيع ~~(لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أي لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن ~~الأقرباء ويصرفه عنهم. وقيل إنما يفر عنهم حذرا من مطالبتهم إياه بما ~~بينهم، وقيل يفر عنهم لئلا يروا ما هو فيه من الشدة، وقيل لعلمه أنهم لا ~~ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا كما قال تعالى - يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ~~- والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الفرار. قال ابن قتيبة: يغنيه: أي يصرفه ~~عن قرابته، ومنه يقال أغن عني وجهك: أي اصرفه. قرأ الجمهور " يغنيه " ~~بالغين المعجمة. وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح الياء: أي يهمه، من ~~عناه الأمر إذا PageV05P385 # أهمه (وجوه يومئذ مسفرة) وجوه مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في مقام التفصيل، ~~وهو من مسوغات الابتداء بالنكرة، ويومئذ متعلق به، ومسفرة خبره، ومعنى ~~مسفرة: مشرقة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين لأنهم قد علموا إذ ذاك ما لهم من ~~النعيم والكرامة، يقال أسفر الصبح: إذا أضاء. قال الضحاك: مسفرة من آثار ~~الوضوء، وقيل من قيام الليل (ضاحكة مستبشرة) أي فرحة بما نالته من الثواب ~~الجزيل. ثم لما فرغ من ذكر حال المؤمنين ذكر حال الكفار فقال (ووجوه يومئذ ~~عليها غبرة) أي غبار وكدورة لما تراه مما أعده الله لها من العذاب (ترهقها ~~قترة) أي يغشاها ويعلوها سواد وكسوف، وقيل ذلة، وقيل شدة، والقتر في كلام ~~العرب الغبار، كذا قال أبو عبيدة، وأنشد قول الفرزدق: # متوج برداء الملك يتبعه * فوج ترى فوقه الرايات والقترا ويدفع ما قاله ~~أبو عبيدة تقدم ذكر الغبرة فإنها واحدة الغبار. وقال زيد بن أسلم: القترة ~~ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة ما انحطت إلى الأرض (أولئك) يعنى أصحاب ~~الوجوه (هم الكفرة الفجرة) أي الجامعون بين الكفر بالله والفجور، يقال فجر: ~~أي فسق، وفجر: أي كذب، وأصله الميل، والفاجر المائل عن الحق. # وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن ms4212 حبان والحاكم وصححه وابن مردويه ~~عن عائشة قالت: " أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني وعند رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى بما أقول بأسا؟ فيقول ~~لا، ففي هذا أنزلت ". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى عن أنس قال: ~~" جاء ابن أم مكتوم، وهو يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله (عبس ~~وتولى أن جاءه الأعمى) فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك يكرمه ~~". وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: " بينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل بن ~~هشام وكان يتصدى لهم كثيرا ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل عليهم رجل أعمى ~~يقال له عبد الله بن أم مكتوم يمشي، وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن قال: يا رسول الله علمني مما ~~علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعبس في وجهه ~~وتولى وكره كلامه وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره، ثم خفق برأسه، ~~ثم أنزل الله (عبس وتولى) الآية، فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وكلمه وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شئ؟ وإذا ذهب من ~~عنده قال: هل لك حاجة في شئ؟ # قال ابن كثير: فيه غرابة، وقد تكلم في إسناده. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس (بأيدي سفرة) قال: كتبه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه (بأيدي سفرة) قال: هم بالنبطية القراء. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (كرام ~~بررة قال: الملائكة: وأخرج البخاري ومسلم ms4213 وغيرهما عن عائشة قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة ~~الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران ". وأخرج ابن جرير عن ~~ابن عباس (ثم السبيل يسره) قال: يعنى بذلك خروجه من بطن أمه يسره له. # وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير في قوله (فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه) قال: إلى مدخله ومخرجه. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس (فلينظر ~~الإنسان إلى طعامه) قال: إلى خرئه. وأخرج ابن المنذر عنه (أنا صببنا ~~PageV05P386 # الماء صبا) قال: المطر (ثم شققنا الأرض شقا) قال: عن النبات. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (وقضبا) قال: الفصفصة ~~يعنى ألقت (وحدائق غلبا) قال: طوالا (وفاكهة وأبا) قال: # الثمار الرطبة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~قال: الحدائق كل ملتف، والغلب ما غلظ، والأب ما أنبتت الأرض مما تأكله ~~الدواب ولا يأكله الناس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضا (وحدائق ~~غلبا) قال: شجر في الجنة يستظل به لا يحمل شيئا. وأخرج ابن جرير عنه أيضا ~~قال: الأب الكلأ والمرعى. وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد عن ~~إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق عن الأب ما هو؟ فقال: أي سماء ~~تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟. وأخرج عبد بن حميد ~~عن عبد الله بن يزيد: أن رجلا سأل عمر عن قوله (وأبا) فلما رآهم يقولون ~~أقبل عليهم بالدرة. وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب والخطيب عن أنس أن عمر قرأ ~~على المنبر (فأنبتنا فيها حبا وعنبا) إلى قوله (وأبا) قال: كل هذا قد ~~عرفناه، فما الأب؟ ثم رفض عصى كانت في يده فقال: هذا لعمر الله هو التكلف، ~~فما عليك أن لا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم من هذا ms4214 الكتاب فاعملوا ~~عليه، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن ~~عباس قال الصاخة من أسماء يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس في قوله (مسفرة) قال: مشرقة، وفي قوله (ترهقها قترة) قال: تغشاها ~~شدة وذلة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (قترة) قال: سواد الوجه. # تفسير سورة التكوير وهي تسع وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن ~~الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة (إذا ~~الشمس كورت) بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة وابن الزبير مثله. وأخرج أحمد ~~والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من سره أن ينظر إلى يوم ~~القيامة كأنه رأى عين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا ~~السماء انشقت ". # تفسير سورة التكوير (1 - 13) PageV05P387 # سورة التكوير (14 - 29) قوله (إذا الشمس كورت) ارتفاع الشمس بفعل محذوف ~~يفسره ما بعده على الاشتغال، وهذا عند البصريين، وأما عند الكوفيين والأخفش ~~فهو مرتفع على الابتداء. والتكوير الجمع، وهو مأخوذ من كار العمامة على ~~رأسه يكورها. قال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على ~~رأسي أكورها كورا، وكورتها تكويرا: إذا لففتها. قال أبو عبيدة: كورت مثل ~~تكوير العمامة تلف فتجمع. قال الربيع بن خثيم كورت: أي رمى بها، ومنه كورته ~~فتكور: أي سقط. وقال مقاتل وقتادة والكلبي: ذهب ضوؤها. وقال مجاهد: # اضمحلت. قال الواحدي: قال المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف ~~فيرمى بها. فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لف جرمها، أو لف ضوئها، أو الرمي ~~بها (وإذا النجوم انكدرت) أي تهافتت وانقضت وتناكرت، يقال انكدر الطائر من ~~الهواء: إذا انقض، والأصل في الانكدار الانصباب. قال الخليل: يقال انكدر ~~عليهم القوم: إذا جاءوا أرسالا فانصبوا عليهم. قال أبو عبيدة: انصيت كما ~~ينصب العقاب. قال الكلبي: # وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على ~~الأرض، ms4215 وقيل انكدارها طمس نورها (وإذا الجبال سيرت) أي قلعت عن الأرض، ~~وسيرت في الهواء، ومنه قوله - ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة -. (وإذا ~~العشار عطلت) العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها الواحدة عشراء، ~~وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة أشهر ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع. ~~وخص العشار لأنها أنفس مال عند العرب، وأعزه عندهم، ومعنى عطلت: تركت هملا ~~بلا راع، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم، قيل وهذا على وجه المثل لأن يوم ~~القيامة لا تكون فيه ناقة عشراء، بل المراد أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ~~ذلك اليوم أو نوق عشار لتركها ولم يلتفت إليها اشتغالا بما هو فيه من هول ~~يوم القيامة، وسيأتي آخر البحث إن شاء الله ما يفيد أن هذا في الدنيا. وقيل ~~العشار السحاب، فإن العرب تشبهها بالحامل، ومنه قوله - والحاملات وقرا - ~~وتعطيلها عدم إمطارها قرأ الجمهور " عطلت " بالتشديد، وقرأ ابن كثير في ~~رواية عنه بالتخفيف. وقيل المراد أن الديار تعطل فلا تسكن، وقيل الأرض التي ~~تعشر زرعها تعطل فلا تزرع (وإذا الوحوش حشرت) الوحوش ما توحش من دواب البر، ~~ومعنى حشرت: بعثت حتى يقتص بعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء. وقيل ~~حشرها موتها، وقيل إنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحاري تضم ~~ذلك اليوم إليهم. قرأ الجمهور " حشرت " بالتخفيف، وقرأ الحسن وعمرو بن ~~ميمون بالتشديد (وإذا البحار سجرت) أي أوقدت فصارت نارا تضطرم. وقال ~~الفراء: ملئت PageV05P388 # بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها، وبه قال الربيع بن خثيم والكلبي ومقاتل ~~والحسن والضحاك. وقيل أرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها حتى امتلأت، ~~وقيل فجرت فصارت بحرا واحدا. وروى عن قتادة وابن حبان أن معنى الآية: يبست ~~ولا يبقى فيها قطرة، يقال سجرت الحوض أسجره سجرا: إذا ملأته. وقال القشيري: ~~هو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته. قال ابن زيد وعطية وسفيان ووهب ~~وغيرهم: أوقدت فصارت نارا، وقيل معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم، من قولهم ms4216 ~~عين سجراء: أي حمراء. قرأ الجمهور " سجرت " بتشديد الجيم. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيفها (وإذا النفوس زوجت) أي قرن بين الرجل ~~الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، وقرن بين رجل السوء مع رجل السوء في ~~النار. وقال عطاء: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين ~~بالشياطين، وقيل قرن كل شكل إلى شكله في العمل، وهو راجع إلى القول الأول. ~~وقيل قرن كل رجل إلى من كان يلازمه من ملك أو سلطان كما في قوله - احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم - وقال عكرمة (وإذا النفوس زوجت) يعنى قرنت الأرواح ~~بالأجساد. وقال الحسن: ألحق كل امرئ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى ~~بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ~~ببعض والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل يقرن الغاوي بمن ~~أغواه من شيطان أو إنسان، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء ~~والمؤمنين. وقيل قرنت النفوس بأعمالها (وإذا الموؤودة سئلت) أي المدفونة ~~حية، وقد كان العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة، ~~يقال: وأد يائد وأدا فهو وائد، والمفعول به مؤود، وأصله مأخوذ من الثقل ~~لأنها تدفن، فيطرح عليها التراب فيثقلها فتموت، ومنه - ولا يئوده حفظهما - ~~أي لا يثقله، ومنه قول متمم بن نويرة: وموءودة مقبورة في مغارة ومنه قول ~~الراجز: سميتها إذ ولدت تموت * والقبر صهر ضامن رميت قرأ الجمهور " ~~الموؤودة " بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة. وقرأ البزي في رواية عنه ~~بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة. وقرأ الأعمش " المودة " بزنة الموزة. وقرأ ~~الجمهور " سئلت " مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن بكسر السين من سال يسيل. وقرأ ~~الجمهور " قتلت " بالتخفيف مبنيا للمفعول، وقرأ أبو جعفر بالتشديد على ~~التكثير. وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس سألت مبنيا للفاعل " قتلت " بضم ~~التاء الأخيرة. ومعنى سئلت على قراءة الجمهور: # أن توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كان لا يستحق أن ~~يخاطب ويسأل عن ذلك، وفيه تبكيت لقاتلها وتوبيخ له شديد. قال الحسن: أراد ~~الله أن يوبخ قاتلها ms4217 لأنها قتلت بغير ذنب، وفي مصحف أبي " وإذا الموؤودة ~~سألت بأي ذنب قتلتني " (وإذا الصحف نشرت) يعنى صحائف الأعمال نشرت للحساب، ~~لأنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما ~~فيها، فيقول - مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها - قرأ ~~نافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو " نشرت " بالتخفيف. وقرأ الباقون بالتشديد ~~على التكثير (وإذا السماء كشطت) الكشط: قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط ~~كما يكشط الجلد عن الكبش، والقشط بالقاف لغة في الكشط، وهي قراءة ابن ~~مسعود. قال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وقال الفراء: نزعت فطويت. وقال ~~مقاتل: كشفت عما فيها. قال الواحدي: ومعنى الكشط رفعك شيئا عن شئ قد غطاه ~~(وإذا الجحيم سعرت) أي أوقدت لأعداء الله إيقادا شديدا. قرأ الجمهور " سعرت ~~" بالتخفيف، وقرأ نافع وابن ذكوان وحفص بالتشديد لأنها أوقدت مرة بعد مرة. ~~قال قتادة: سعرها غضب الله وخطا يا بني آدم (وإذا PageV05P389 # الجنة أزلفت) أي قربت إلى المتقين وأدنيت منهم. قال الحسن: إنهم يقربون ~~منها لا أنها تزول عن موضعها. # وقال ابن زيد: معنى أزلفت تزينت. والأول أولى لأن الزلفى في كلام العرب ~~القرب. قيل هذه الأمور الاثنا عشر: # ست منها في الدنيا، وهي من أول السورة إلى قوله (وإذا البحار سجرت)، وست ~~في الآخرة وهي (وإذا النفوس زوجت) إلى هنا، وجواب الجميع قوله (علمت نفس ما ~~أحضرت) على أن المراد الزمان الممتد من الدنيا إلى الآخرة، لكن لا بمعنى ~~أنها تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد، بل المراد علمت ما ~~أحضرته عند نشر الصحف: يعنى ما عملت من خير أو شر، ومعنى ما أحضرت: ما ~~أحضرت من أعمالها، والمراد حضور صحائف الأعمال، أو حضور الأعمال نفسها، كما ~~ورد أن الأعمال تصور بصور تدل عليها وتعرف بها، وتنكير نفس المفيد لثبوت ~~العلم المذكور لفرد من النفوس، أو لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع ~~أفرادها من الظهور والوضوح بحيث لا يخفى على أحد، ويدل ms4218 على هذا قوله - يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا - وقيل يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا ~~علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن ~~تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن ~~تنصحه لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندم الإنسان على فعله (فلا أقسم ~~بالخنس) لا زائدة كما تقدم تحقيقه وتحقيق ما فيه من الأقوال في أول سورة ~~القيامة: أي فأقسم بالخنس، وهي الكواكب، وسميت الخنس، من خنس: # إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار فتخفى ولا ترى، وهي زحل والمشتري والمريخ ~~والزهرة وعطارد كما ذكره أهل التفسير. ووجه تخصيصها بالذكر من بين سائر ~~النجوم أنها تستقبل الشمس وتقطع المجرة. وقال في الصحاح: # الخنس الكواكب كلها، لأنها تخنس في المغيب، أو لأنها تخفى نهارا، أو يقال ~~هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة. قال الفراء: إنها الكواكب الخمسة ~~المذكورة، لأنها تخنس في مجراها، وتكنس: أي تستتر كما تكنس الظباء في ~~المغار، ويقال سميت خنسا لتأخرها، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع ~~وتستقيم. يقال خنس عنه يخنس خنوسا إذا تأخر. وأخنسه غيره: إذا خلفه ومضى ~~عنه، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، ومعنى ~~(الجوار) أنها تجرى مع الشمس والقمر، ومعنى (الكنس) أنها ترجع حتى تخفى تحت ~~ضوء الشمس، فخنوسها رجوعها، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها، وقيل خنوسها ~~خفاؤها بالنهار، وكنوسها غروبها. قال الحسن وقتادة: هي النجوم التي تخنس ~~بالنهار وإذا غربت، والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار عن البصر لخفائها ~~فلا ترى، وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها. وقيل المراد بها بقر الوحش ~~لأنها تتصف بالخنس وبالجوار وبالكنس. وقال عكرمة: الخنس البقر والكنس ~~الظباء، فهي تخنس إذا رأت الإنسان وتنقبض وتتأخر وتدخل كناسها. وقيل هي ~~الملائكة. والأول أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا، والكنس مأخوذ من الكناس ~~الذي يختفي فيه الوحش، والخنس جمع خانس وخانسة، والكنس جمع كانس وكانسة ~~(والليل إذا عسعس) قال ms4219 أهل اللغة: هو من الأضداد، يقال عسعس الليل: إذا ~~أقبل، وعسعس: إذا أدبر، ويدل على أن المراد هنا أدبر قوله (والصبح إذا ~~تنفس) قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر، كذا حكاه عنه ~~الجوهري، وقال الحسن: أقبل بظلامه. قال الفراء: العرب تقول عسعس الليل: إذا ~~أقبل، وعسعس الليل: إذا أدبر، وهذا لا ينافي ما تقدم عنه، لأنه حكى عن ~~المفسرين أنهم أجمعوا على حمل معناه في هذه الآية على PageV05P390 # أدبر، وإن كان في الأصل مشتركا بين الإقبال والإدبار. قال المبرد: هو من ~~الأضداد. قال: والمعنيان يرجعان إلى شئ واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله ~~وإدباره في آخره. قال رؤية بن العجاج: # يا هند ما أسرع ما تعسعسا * من بعد ما كان فتى ترعرعا وقال امرؤ القيس: # عسعس حتى لو نشاء إذ دنا * كان لنا من ناره مقتبس وقوله: الماء على الربع ~~القديم تعسعسا * (والصبح إذا تنفس) التنفس في الأصل: خروج النسيم من الجوف، ~~وتنفس الصبح إقباله، لأنه يقبل بروح ونسيم، فجعل ذلك تنفسا له مجازا. قال ~~الواحدي: تنفس: # أي امتد ضوؤه حتى يصير نهارا، ومنه يقال للنهار إذا زاد تنفس. وقيل (إذا ~~تنفس) إذا انشق وانفلق، ومنه تنفست القوس: أي تصدعت. ثم ذكر سبحانه جواب ~~القسم فقال (إنه لقول رسول كريم) يعنى جبريل لكونه نزل به من جهة الله ~~سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأضاف القول إلى جبريل لكونه ~~مرسلا به، وقيل المراد بالرسول في الآية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والأول أولى. ثم وصف الرسول المذكور بأوصاف محمودة فقال (ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين) أي ذي قوة شديدة في القيام بما كلف به، كما في قوله - شديد ~~القوى -، ومعنى (عند ذي العرش مكين) أنه ذو رفعة عالية ومكانة مكينة عند ~~الله سبحانه، وهو في محل نصب على الحال من مكين، وأصله الوصف فلما قدم صار ~~حالا، ويجوز أن يكون نعتا لرسول، يقال مكن فلان عند فلان مكانة: أي صار ذا ~~منزلة عنده ms4220 ومكانة. قال أبو صالح: من مكانته عند ذي العرش أنه يدخل سبعين ~~سرادقا بغير إذن، ومعنى (مطاع) أنه مطاع بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه ~~(ثم أمين) قرأ الجمهور بفتح " ثم " على أنها ظرف مكان للبعيد، والعامل فيه ~~مطاع أو ما بعده، والمعنى: أنه مطاع في السماوات أو أمين فيها: أي مؤتمن ~~على الوحي وغيره، وقرأ هشيم وأبو جعفر وأبو حيوة بضمها على أنها عاطفة، ~~وكان العطف بها للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها، ومن قال: ~~إن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالمعنى: أنه ذو قوة على ~~تبليغ الرسالة إلى الأمة مطاع يطيعه، من أطاع الله أمين على الوحي (وما ~~صاحبكم بمجنون) الخطاب لأهل مكة، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والمعنى: وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة ~~للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون وغيره في ~~شئ، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم، وهذه ~~الجملة داخلة في جواب القسم، فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل، وأن ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتي ~~بالقرآن من جهة نفسه (ولقد رآه بالأفق المبين) اللام جواب قسم محذوف: أي ~~وتالله لقد رأي محمد جبريل بالأفق المبين: أي بمطلع الشمس من قبل المشرق، ~~لأن هذا الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو مبين، لأن من جهته ترى الأشياء. ~~وقيل الأفق المبين: أقطار السماء ونواحيها، ومنه قول الشاعر: # أخذنا بأقطار السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع وإنما قال ~~سبحانه (ولقد رآه بالأفق المبين) مع أنه قد رآه غير مرة، لأنه رآه هذه ~~المرة في صورته له ستمائة جناح، قال سفيان: إنه رآه في أفق السماء الشرقي. ~~وقال ابن بحر: في أفق السماء الغربي. وقال مجاهد: رآه نحو أجياب نحو أجياد ~~وهو مشرق مكة، والمبين صفة للأفق قاله الربيع. وقيل صفة لمن رآه قاله ~~مجاهد:، وقيل معنى ms4221 PageV05P391 # الآية: ولقد رأى محمد ربه عز وجل، وقد تقدم القول في هذا في سورة النجم ~~(وما هو) أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (على الغيب) يعني خبر السماء وما ~~اطلع عليه مما كان غائبا علمه عن أهل مكة (بضنين) بمتهم: أي هو ثقة فيما ~~يؤدي عن الله سبحانه. وقيل بضنين ببخيل: أي لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في ~~التبليغ، وسبب هذا الاختلاف اختلاف القراء، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي " بظنين " بالظاء المشالة: أي بمتهم، والظنة التهمة، واختار هذه ~~القراءة أبو عبيد قال: لأنهم لم يبخلوا ولكن كذبوه. وقرأ الباقون بضنين ~~بالضاد: أي ببخيل، من ضننت بالشئ أضن ضنا: إذا بخلت. قال مجاهد: أي لا يظن ~~عليكم بما يعلم بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه. وقيل المراد جبريل إنه ~~ليس على الغيب بضنين، والأول أولى (وما هو بقول شيطان رجيم) أي وما القرآن ~~بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب. قال الكلبي: يقول ~~إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش. قال عطاء: يريد بالشيطان: ~~الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة جبريل ~~يريد أن يفتنه. ثم بكتهم سبحانه ووبخهم فقال (فأين تذهبون) أي أين تعدلون ~~عن هذا القرآن وعن طاعته كذا قاله قتادة. وقال الزجاج: معناه أي طريق ~~تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم، يقال أين تذهب، وإلى أين ~~تذهب؟ وحكى الفراء عن العرب: ذهبت الشام، وخرجت العراق، وانطلقت السوق: أي ~~إليها. قال: سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة، وأنشد لبعض بني عقيل: # تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا * وأي الأرض تذهب بالصياح تريد إلى أي الأرض ~~تذهب، فحذف إلى (إن هو إلا ذكر للعالمين) أي ما القرآن إلا موعظة للخلق ~~أجمعين، وتذكير لهم، وقوله (لمن شاء منكم أن يستقيم) بدل من العالمين ~~بإعادة الجار ومفعول المشيئة " أن يستقيم " أي لمن شاء منكم الاستقامة على ~~الحق والإيمان والطاعة (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) أي وما ~~تشاءون ms4222 الاستقامة إلا أن يشاء الله تلك المشيئة، فأعلمهم سبحانه أن المشيئة ~~في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، ومثل ~~هذا قوله سبحانه - وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله - وقوله - ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - وقوله - إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي ~~من يشاء - والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن ~~عباس في قوله (إذا الشمس كورت) قال: أظلمت (وإذا النجوم انكدرت) قال: ~~تغيرت. وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال في قوله (إذا السماء كورت) قال: كورت في جهنم (وإذا النجوم ~~انكدرت) قال: انكدرت في جهنم، فكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما ~~كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر عن أبي العالية قال: ست آيات من هذه السورة في الدنيا، والناس ~~ينظرون إليها، وست في الآخرة (إذا الشمس كورت) إلى (وإذا البحار سجرت) هذه ~~في الدنيا والناس ينظرون إليها (وإذا النفوس زوجت) إلى (وإذا الجنة أزلفت) ~~هذه في الآخرة. وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ~~ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت ~~واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير ~~والوحش فماجوا بعضهم في بعض (وإذا الوحوش حشرت) قال: اختلطت (وإذا العشار ~~عطلت) قال: أهملها أهلها (وإذا البحار سجرت) قال: الجن PageV05P392 # الإنس نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، فبينما ~~هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة، ~~فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح ms4223 فأماتتهم. وأخرج الفريابي وسعيد ابن منصور ~~وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(وإذا الوحوش حشرت) قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل شئ الموت غير الجن ~~والإنس فإنهما يوافيان يوم القيامة. # وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عنه في قوله ~~(وإذا الوحوش حشرت) قال: # يحشر كل شئ يوم القيامة حتى أن الدواب لتحشر. وأخرج البيهقي في البعث عنه ~~أيضا في قوله (وإذا البحار سجرت) قال: تسجر حتى تصير نارا. وأخرج الطبراني ~~عنه (سجرت) قال: اختلط ماؤها بماء الأرض. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد ~~بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث عن ~~النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله (وإذا النفوس زوجت) قال: يقرن ~~بين الرجل الصالح مع الصالح في الجنة ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء ~~في النار، كذلك تزويج الأنفس. وفي رواية: ثم قرأ - احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم - وأخرج نحوه ابن مردويه عن النعمان بن بشير مرفوعا. وأخرج البزار ~~والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال: جاء قيس بن عاصم ~~التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني وأدت ثمان بنات لي في ~~الجاهلية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أعتق عن كل واحدة ~~رقبة، قال: إني صاحب إبل، قال: فأهد عن كل واحدة بدنة ". وأخرج ابن المنذر ~~عن ابن عباس (وإذا الجنة أزلفت) قال: قربت. # وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله (فلا أقسم بالخنس) قال: هي الكواكب تكنس ~~بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (لا أقسم ~~بالخنس) قال خمسة أنجم: زحل وعطارد والمشتري وبهرام والزهرة، ليس شئ يقطع ~~المجرة غيرها. وأخرج ابن مردويه ms4224 والخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في ~~الآية قال: هي النجوم السبعة: زحل وبهرام وعطارد والمشتري والزهرة والشمس ~~والقمر، خنوسها رجوعها، وكنوسها تغيبها بالنهار. # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن سعد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه من طرق عن ابن ~~مسعود في قوله (بالخنس الجواري الكنس) قال: هي بقر الوحش. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هي البقر تكنس إلى الظل. وأخرج ابن ~~المنذر عنه قال: تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتواري فيه. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا قال: هي الظباء. وأخرج ابن راهويه وعبد ابن حميد والبيهقي في ~~الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله (والجوار الكنس) قال: هي الكواكب. وأخرج ~~عبد بن حميد عن ابن عباس (الخنس) البقر (والجوار الكنس) الظباء، ألم ترها ~~إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت نظرها. وأخرج أبو أحمد الحاكم في ~~الكنى عن أبي العديس قال: كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل، فقال يا أمير ~~المؤمنين ما (الجوار الكنس) فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل فألقاها عن ~~رأسه. فقال عمر: أحرورى؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقا ~~لأنحيت القمل عن رأسك، وهذا منكر، فالحرورية لم يكونوا في زمن عمر ولا كان ~~لهم في ذلك الوقت ذكر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ~~ابن عباس في قوله (والليل إذا عسعس) قال: إذا أدبر (والصبح إذا تنفس) قال: ~~إذا بدا النهار حين طلوع الفجر. وأخرج الطبراني عنه (إذا عسعس) قال: إقبال ~~سواده. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا PageV05P393 # (إنه لقول رسول كريم) قال: جبريل. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل ~~عن ابن مسعود (ولقد رآه بالأفق المبين) قال: رأى جبريل له ستمائة جناح قد ~~سد الأفق. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: إنما عنى ~~جبريل أن محمد رآه في صورته عند سدرة المنتهى. وأخرج ابن مردويه ms4225 عنه بالأفق ~~المبين، قال: السماء السابعة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ (بضنين) بالضاد، وقال: ~~ببخيل. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن ~~مسعود أنه قرأ (وما هو الغيب بظنين) بالظاء قال: ليس بمنهم. وأخرج ~~الدارقطني في الأفراد والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب في تاريخه عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرؤه (بظنين) بالظاء. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت (لمن شاء منكم أن ~~يستقيم) قالوا: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فهبط جبريل ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: # كذبوا يا محمد (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين). # تفسير سورة الانفطار هي تسع عشرة آية وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن ~~الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت (إذا السماء انفطرت) ~~بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج النسائي عن جابر قال " ~~قام معاذ فصلى العشاء فطول، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أفتان أنت ~~يا معاذ؟ أين أنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت " ~~وأصل الحديث في الصحيحين، ولكن بدون ذكر - إذا السماء انفطرت - وقد تفرد ~~بها النسائي، وقد تقدم في سورة التكوير حديث " من سره أن ينظر إلى يوم ~~القيامة رأى عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء ~~انشقت ". # الانفطار (1 - 19) PageV05P394 # قوله (إذا السماء انفطرت) قال الواحدي: قال المفسرون: انفطارها انشقاقها ~~كقوله - ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا - والفطر: الشق، ~~يقال فطرته فانفطر، ومنه فطرناب البعير: إذا طلع، قيل والمراد أنها انفطرت ~~هنا لنزول الملائكة منها، وقيل انفطرت لهيبة الله (وإذا الكواكب انتثرت) أي ~~تساقطت متفرقة: # يقال نثرت الشئ أنثره نثرا (وإذا البحار فجرت) أي فجر بعضها في بعض فصارت ~~بحرا واحدا، واختلط العذب منها بالمالح. وقال الحسن: ms4226 معنى فجرت ذهب ماؤها ~~ويبست، وهذه الأشياء بين يدي الساعة كما تقدم في السورة التي قبل هذه (وإذا ~~القبور بعثرت) أي قلب ترابها وأخرج الموتى الذين هم فيها، يقال بعثر يبعثر ~~بعثرة: # إذا قلب التراب، ويقال بعثر المتاع: قلبه ظهرا لبطن، وبعثرت الحوض ~~وبحثرته: إذا هدمته وجعلت أعلاه أسفله، قال الفراء: بعثرت أخرج ما في بطنها ~~من الذهب والفضة، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها، ثم ذكر ~~سبحانه الجواب عما تقدم فقال: (علمت نفس ما قدمت وأخرت) والمعنى: أنها ~~علمته عند نشر الصحف لا عند البعث، لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند ~~مصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، والكلام في إفراد نفس هنا ~~كما تقدم في السورة الأولى في قوله - علمت نفس ما أحضرت - ومعنى (ما قدمت ~~وأخرت) ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة، لأن لها ~~أجر ما سنته من السنن الحسنة وأجر من عمل بها، وعليها وزر ما سنته من السنن ~~السيئة ووزر من عمل بها. وقال قتادة: ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة، وقيل ~~ما قدم من فرض وأخر من فرض، وقيل أول عمله وآخره، وقيل إن النفس تعلم عند ~~البعث بما قدمت وأخرت علما إجماليا، لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي ~~يرى آثار الشقاوة، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف (يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم) هذا خطاب الكفار: أي ما الذي غرك وخدعك حتى ~~كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك، وجعلك ~~عاقلا فاهما، ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شئ منها. قال ~~قتادة: غره شيطانه المسلط عليه. وقال الحسن: غره شيطانه الخبيث، وقيل حمقه ~~وجهله، وقيل غره عفو الله إذا لم يعاجله بالعقوبة أول مرة. كذا قال مقاتل ~~(الذي خلقك فسواك فعدلك) أي خلقك من نطفة ولم تك شيئا، فسواك رجلا تسمع ~~وتبصر وتعقل، فعدلك: جعلك معتدلا. قال ms4227 عطاء: جعلك قائما معتدلا حسن الصورة. ~~وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين، والمعنى: عدل ~~بين ما خلق لك من الأعضاء. قرأ الجمهور " فعدلك " مشددا، وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي بالتخفيف، واختار أبو حاتم وأبو عبيد القراءة الأولى. قال الفراء ~~وأبو عبيد: يدل عليها قوله - لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم - ومعنى ~~القراءة الأولى: أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها، ومعنى ~~القراءة الثانية: أنه صرفه وأماله إلى أي صورة شاء، إما حسنا وإما قبيحا، ~~وإما طويلا وإما قصيرا (في أي صورة ما شاء ركبك) في أي صورة متعلق بركبك، ~~وما مزيدة، وشاء صفة لصورة: أي ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة، ~~وتكون هذه الجملة كالبيان لقوله (فعدلك) والتقدير: فعدلك ركبك في أي صورة ~~شاءها ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال: أي ركبك حاصلا في أي صورة. ونقل ~~أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدلك، واعترض عليه بأن أي لها صدر ~~الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال مقاتل والكلبي ومجاهد: # في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم. وقال مكحول: إن شاء ذكر وإن شاء ~~أنثى، وقوله (كلا) للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى ~~الكفر به والمعاصي له، ويجوز أن يكون بمعنى حقا، وقوله (بل تكذبون بالدين) ~~إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل: بعد الردع وأنتم لا ~~ترتدعون عن ذلك بل PageV05P395 # تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء، أو بدين ~~الإسلام. قال ابن الأنباري: الوقف الجيد على الدين وعلى ركبك، وعلى كلا ~~قبيح، والمعنى: بل تكذبون يا أهل مكة بالدين: أي بالحساب، وبل لنفي شئ تقدم ~~وتحقيق غيره، وإنكار البعث قد كان معلوما عندهم وإن لم يجر له ذكر. قال ~~الفراء: كلا ليس الأمر كما غررت به. قرأ الجمهور " تكذبون " بالفوقية على ~~الخطاب. وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة بالتحتية على الغيبة، وجملة (وإن عليكم ~~لحافظين) في محل نصب على الحال ms4228 من فاعل تكذبون: أي تكذبون والحال أن عليكم ~~من يدفع تكذيبكم، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم، ~~والحافظين الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم ويكتبونها ~~في الصحف. ووصفهم سبحانه بأنهم كرام لديه يكتبون ما يأمرهم به من أعمال ~~العباد، وجملة (يعلمون ما تفعلون) في محل نصب على الحال من ضمير كاتبين، أو ~~على النعت، أو مستأنفة. # قال الرازي: والمعنى التعجيب من حالهم كأنه قال: إنكم تكذبون بيوم الدين، ~~وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة، ~~ونظيره قوله تعالى - عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد -. ثم بين سبحانه حال الفريقين فقال (إن الأبرار لفي نعيم وإن ~~الفجار لفي جحيم) والجملة مستأنفة لتقرير هذا المعنى الذي سيقت له، وهي ~~كقوله سبحانه - فريق في الجنة وفريق في السعير - وقوله - يصلونها يوم الدين ~~- صفة لجحيم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجار ~~والمجرور، أو مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل ما حالهم؟ فقيل (يصلونها ~~يوم الدين) أي يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به، ومعنى يصلونها: أنهم ~~يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذ. قرأ الجمهور " يصلونها " مخففا مبنيا ~~للفاعل، وقرئ بالتشديد مبنيا للمفعول (وما هم عنها بغائبين) أي لا ~~يفارقونها أبدا ولا يغيبون عنها، بل هم فيها، وقيل المعنى: وما كانوا ~~غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون حرها في قبورهم. ثم عظم سبحانه ~~ذلك اليوم فقال (وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين) أي يوم ~~الجزاء والحساب، وكرره تعظيما لقدره وتفخيما لشأنه، وتهويلا لأمره كما في ~~قوله - القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة - و - الحاقة ما الحاقة ~~وما أدراك ما الحاقة - والمعنى: أي شئ جعلك داريا ما يوم الدين. قال ~~الكلبي: الخطاب لإنسان الكافر. ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال (يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع " يوم " على ms4229 ~~أنه بدل من يوم الدين، أو خبر مبتدإ محذوف. وقرأ أبو عمرو في رواية " يوم " ~~بالتنوين، والقطع عن الإضافة. # وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير أعني أو أذكر، فيكون ~~مفعولا به، أو على انها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين، ~~وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أو على أنه بدل من يوم الدين. قال ~~الزجاج: يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه مبني على الفتح لإضافته إلى قوله ~~(لا تملك) وما أضيف إلى غير المتمكن فقد يبني على الفتح، وإن كان في موضع ~~رفع، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى ~~الفعل الماضي، وأمما إلى الفعل المستقبل فلا يجوز عندهما، وقد وافق الزجاج ~~على ذلك أبو علي الفارسي والفراء وغيرهما، والمعنى: أنها لا تملك نفس من ~~النفوس لنفس أخرى شيئا من النفع أو الضر (والأمر يومئذ لله) وحده لا يملك ~~شيئا من الأمر غيره كائنا ما كان. قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئا من ~~المنفعة. قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئا، أو يصنع شيئا إلا الله رب ~~العالمين، والمعنى: أن الله لا يملك أحدا في ذلك اليوم شيئا من الأمور كما ~~ملكهم في الدنيا، ومثل هذا قوله - لمن الملك اليوم لله الواحد القهار -. ~~PageV05P396 # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن ~~عباس في قوله (وإذا البحار فجرت) قال: بعضها في بعض، وفي قوله (وإذا القبور ~~بعثرت) قال: بحثت. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ~~عن ابن مسعود في قوله (علمت نفس ما قدمت وأخرت) قال: ما قدمت من خير وما ~~أخرت من سنة صالحة يعمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، أو سنة سيئة ~~تعمل بعده، فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئا. وأخرج ~~عبد بن حميد عن ابن عباس نحوه. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال ms4230 النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم " من استن خيرا فاستن به فله أجره ومثل أجور من ~~اتبعه من غير منتقص من أجورهم، ومن استن شرا فاستن به فعليه وزره ومثل ~~أوزار من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم، وتلا حذيفة (علمت نفس ما قدمت ~~وأخرت). وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب ~~أنه قرأ هذه الآية (ما غرك بربك الكريم) قال: غره والله جهله. وأخرج ابن ~~جرير عن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آجم حافظين في الليل وحافظين في ~~النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره. # تفسير سورة المطففين هي ست وثلاثون آية قال القرطبي: وهي مكية في قول ابن ~~مسعود والضحاك ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة. وقال مقاتل: أيضا هي ~~أول سورة نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس وقتادة: هي مدنية إلا ثمان آيات من ~~قوله (إن الذين أجرموا) إلى آخرها. وقال الكلبي وجابر بن زيد: نزلت بين مكة ~~والمدينة. وأخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة المطففين ~~بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس ~~قال: آخر ما نزل بمكة سورة المطففين. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب. ~~قال السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله (ويل للمطففين) فأحسنوا ~~الكيل بعد ذلك. # سورة المطففين (1 - 17) PageV05P397 # قوله (ويل للمطففين) ويل مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، ولو نصب ~~لجاز. قال مكي والمختار: # في ويل وشبهه إذا كان غير مضاف الرفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافا أو ~~معزفا كان لاختيار فيه النصب نحو قوله - ويلكم لا تفتروا - وللمطففين خبره، ~~والمطفف المنقص، وحقيقته الأخذ في الكيل أو الوزن شيئا طفيفا: # أي نزرا حقيرا. قال أهل اللغة: المطفف مأخوذ من الطفف، وهو القليل، ~~فالمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال الزجاج: ~~إنما قيل للذي ينقص ms4231 المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال ~~والميزان إلا الشئ اليسير الطفيف. قال أبو عبيدة والمبرد: المطفف الذي يبخس ~~في الكيل والوزن. # والمراد بالويل هنا شدة العذاب، أو نفس العذاب، أو الشر الشديد، أو هو ~~واد في جهنم. قال الكلبي: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ~~وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآية. وقال ~~السدى: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، وكان بها رجل يقال ~~له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله هذه ~~الآية. قال الفراء: هم بعد نزول هذه الآية أحسن الناس كيلا إلى يومهم هذا. ~~ثم بين سبحانه المطففين من هم؟ فقال (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) ~~إي يستوفون الاكتيال والأخذ بالكيل. قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، ~~وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان، يقال اكتلت منك: أي استوفيت منك، وتقول ~~اكتلت عليك: أي أخذت ما عليك. قال الزجاج: إذا اكتالوا من الناس استوفوا ~~عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما ~~يدل على الآخر. # قال الواحدي: قال المفسرون: يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في ~~الكيل والوزن، وإذا باعوا ووزنوا لغيرهم نقصوا، وهو معنى قوله (وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذفت اللام فتعدى الفعل إلى ~~المفعول، فهو من باب الحذف والإيصال، ومثله نصحتك ونصحت لك، كذا قال الأخفش ~~والكسائي والفراء. قال الفراء: وسمعت أعرابية تقول: إذا صدر الناس أتينا ~~التاجر فيكيلفا المد والمدين إلى الموسم المقبل. قال: وهو من كلام أهل ~~الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على كالوا حتى يوصل ~~بالضمير، ومن الناس من يجعله توكيدا: أي توكيدا للضمير المستكن في الفعل، ~~فيجيز الوقف على كالوا أو وزنوا. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلهما ~~حرفين، ويقف على كالوا أو وزنوا، ثم يقول هم يخسرون. قال: وأحسب قراءة حمزة ~~كذلك. قال أبو عبيد: والاختيار أن ms4232 يكونا كلمة واحدة من جهتين: # إحداهما الخط، ولذلك كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا كالوا ~~أو وزنوا بالألف. والأخرى أنه يقال: كلتك ووزنتك بمعنى: كلت لك ووزنت لك ~~وهو كلام عربي، كما يقال صدتك وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، وشكرتك وشكرت لك ~~ونحو ذلك. وقيل هو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف ~~المكيل والموزون: أي وإذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا موزونهم، ومعنى يخسرون: ~~ينقصون كقوله - ولا تخسروا الميزان - والعرب تقول: خسرت الميزان وأخسرته: ~~ثم خوفهم سبحانه فقال (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) والجملة مستأنفة مسوقة ~~لتهويل ما فعلوه من التطفيف وتفظيعه وللتعجيب من حالهم في الاجتراء عليه، ~~والإشارة بقوله (أولئك) إلى المطففين، والمعنى: أنهم لا يخطرون ببالهم أنهم ~~مبعوثون فمسئولون PageV05P398 # عما يفعلون. قيل والظن هنا بمعنى اليقين: أي لا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ~~ما نقصوا الكيل والوزن، وقيل الظن على بابه، والمعنى: إن كانوا لا يستيقنون ~~البعث، فهلا ظنوه حتى يتدبروا فيه ويبحثوا عنه ويتركوا ما يخشون من عاقبته. ~~واليوم العظيم هو يوم القيامة، ووصفه بالعظم لكونه زمانا لتلك الأمور ~~العظام من البعث والحساب والعقاب، ودخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار ~~النار. ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال (يوم يقوم الناس لرب العالمين) انتصاب ~~الظرف بمبعوثون المذكور قبله، أو بفعل مقدر يدل عليه مبعوثون. أي يبعثون ~~يوم يقوم الناس، أو على البدل من محل ليوم، أو بإضمار أعني، أو هو في محل ~~رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل جر على البدل من لفظ ليوم، وإنما ~~بنى على الفتح في هذين الوجهين لإضافته إلى الفعل. قال الزجاج: يوم منصوب ~~بقوله مبعوثون، المعنى: ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة، ومعنى يوم يقوم ~~الناس: يوم يقومون من قبورهم لأمر رب العالمين، أو لجزائه، أو لحسابه، أو ~~لحكمه وقضائه. وفي وصف اليوم بالعظم مع قيام الناس لله خاضعين فيه ووصفه ~~سبحانه بكونه رب العالمين دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه وفظاعة ~~عقابه. وقيل المراد بقوله (يوم يقوم ms4233 الناس) قيامهم في رشحهم إلى أنصاف ~~آذانهم، وقيل المراد قيامهم بما عليهم من حقوق العباد، وقيل المراد قيام ~~الرسل بين يدي الله للقضاء، والأول أولى. قوله (كلا) هي للردع والزجر ~~للمطففين الغافلين عن البعث وما بعده. ثم استأنف فقال (إن كتاب الفجار لفي ~~سجين) وعند أبي حاتم أن كلا بمعنى حقا متصلة بما بعدها على معنى: حقا إن ~~كتاب الفجار لفي سجين، وسجين هو ما فسره به سبحانه من قوله (وما أدراك ما ~~سجين. كتاب مرقوم) فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم: أي مسطور، قيل هو كتاب جامع ~~لأعمال الشر الصادر من الشياطين والكفرة والفسقة، ولفظ سجين علم له. وقال ~~قتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب: إنه صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل ~~كتاب الفجار تحتها، وبه قال مجاهد، فيكون في الكلام على هذا القول مضاف ~~محذوف، والتقدير: محل كتاب مرقوم. وقال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج ~~(لفي سجين) لفي حبس وضيق شديد، والمعنى: كأنهم في حبس، جعل ذلك دليلا على ~~خساسة منزلتهم وهوانها. قال الواحدي: ذكر قوم أن قوله (كتاب مرقوم) تفسير ~~لسجين، وهو بعيد لأنه ليس السجين من الكتاب في شئ على ما حكيناه عن ~~المفسرين، والوجه أن يجعل بيانا لكتاب المذكور في قوله (إن كتاب الفجار) ~~على تقدير هو كتاب مرقوم: # أي مكتوب قد بينت حروفه انتهى، والأولى ما ذكرناه، ويكون المعنى: إن كتاب ~~الفجار الذين من جملتهم المطففون: أي ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم ~~لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح المختص بالشر، وهو سجين. # ثم ذكر ما يدل على تهويله وتعظيمه، فقال (وما أدراك ما سجين) ثم بينه ~~بقوله (كتاب مرقوم). قال الزجاج: # معنى قوله (وما أدراك ما سجين) ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. قال ~~قتادة: ومعنى مرقوم: رقم لهم بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر. وكذا ~~قال مقاتل. وقد اختلفوا في نون سجين، فقيل هي أصلية واشتقاقه من السجن، وهو ~~الحبس، وهو بناء مبالغة كخمير وسكير وفسيق، من الخمر والسكر ms4234 والفسق. وكذا ~~قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج. قال الواحدي: وهذا ضعيف لأن العرب ما كانت ~~تعرف سجينا. ويجاب عنه بأن رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة، وتدل على ~~أنه من لغة العرب، ومنه قول ابن مقبل: # ورفقة يضربون البيض ضاحية * ضربا تواصت به الأبطال سجينا وقيل النون بدل ~~من اللام، والأصل سجيل، مشتقا من السجل، وهو الكتاب. قال ابن عطية: من قال ~~إن سجينا موضع فكتاب مرفوع على أنه خبر إن، والظرف وهو قوله (لفي سجين) ~~ملغى، ومن جعله عبارة عن الكتاب، PageV05P399 # فكتاب خبر مبتدإ محذوف، التقدير: هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسرا لسجين ~~ما هو؟ كذا قال. قال الضحاك: مرقوم مختوم بلغة حمير، وأصل الرقم الكتابة. ~~قال الشاعر: # سأرقم بالماء القراح إليكم * على بعدكم إن كان للماء راقم (ويل يومئذ ~~للمكذبين) هذا متصل بقوله (يوم يقوم الناس لرب العالمين) وما بينهما ~~اعتراض، والمعنى: # ويل يوم القيامة لمن وقع منه التكذيب بالبعث وبما جاءت به الرسل. ثم بين ~~سبحانه هؤلاء المكذبين فقال (الذين يكذبون بيوم الدين) والموصول صفة ~~للمكذبين، أو بدل منه (وما يكذب به إلا كل معتد أثيم) أي فاجر جائر متجاوز ~~في الإثم منهمك في أسبابه (إذا تتلى عليه آياتنا) المنزلة على محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم (قال أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأباطيلهم التي ~~زخرفوها. قرأ الجمهور إذا تتلى بفوقيتين. وقرأ أبو حيوة وأبو السماك ~~والأشهب العقيل والسلمي بالتحتية، وقوله (كلا) للردع والزجر للمعتدى الأثيم ~~عن ذلك القول الباطع وتكذيب له، وقوله (بل ران على قلوبهم: ما كانوا ~~يكسبون) بيان للسبب الذي حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأولين. # قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها رينا وريونا، وكل ما غلبك ~~وعلاك فقد ران بك وران عليك. # قال الفراء: هو أنها كثرت منهم المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم، فذلك ~~الرين عليها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب. قال مجاهد: ~~القلب مثل الكف، ورفع كفه فإذا أذنب انقبض وضم أصبعه، فإذا أذنب ذنبا آخر ~~انقبض ms4235 وضم أخرى حتى ضم أصابعه كلها حتى يطبع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ~~ذلك هو الرين. ثم قرأ هذه الآية. قال أبو زيد: يقال قدرين بالرجل رينا: إذا ~~وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به. وقال أبو معاذ النحوي: الرين ~~أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين، ~~والإقفال أشد من الطبع. قال الزجاج: الرين هو كالصدإ يغشى القلب كالغيم ~~الرقيق، ومثله الغين. ثم كرر سبحانه الردع والزجر فقال (كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون) وقيل كلا بمعنى حقا: أي حقا إنهم، يعنى الكفار عن ربهم يوم ~~القيامة لا يرونه أبدا. قال مقاتل: يعنى أنهم بعد العرض والحساب لا ينظرون ~~إليه نظر المؤمنين إلى ربهم. قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن ~~توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن ~~الله عز وجل يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة. وقال جل ~~ثناؤه - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظره - فأعلم جل ثناؤه أن المؤمنين ~~ينظرون، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه. وقيل هو تمثيل لإهانتهم بإهانة من ~~يحجب عن الدخول على الملوك. وقال قتادة وابن أبي ملكية: هو أن لا ينظر ~~إليهم برحمته ولا يزكيهم. وقال مجاهد: محجوبون عن كرامته، وكذا قال ابن ~~كيسان (ثم إنهم لصالوا الجحيم) أي داخلوا النار وملازموها غير خارجين منها، ~~وثم لنراخي الرتبة، لأن صلى الجحيم أشد من الإهانة وحرمان الكرامة (ثم يقال ~~هذا الذي كنتم به تكذبون) أي تقول لهم خزنة جهنم تبكيتا وتوبيخا: هذا الذي ~~كنتم به تكذبون في الدنيا فانظروه وذو قوه. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا طففوا الكيل إلا ~~منعوا النبات وأخذوا بالسنين ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر " ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (يوم ms4236 يقوم الناس لرب العالمين) حتى ~~يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ". وأخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال PageV05P400 # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية " (يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين) قال: فكيف إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ~~ألف سنة لا ينظر إليكم ". وأخرج أبو يعلى وابن حبان وابن مردويه عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يوم يقوم الناس لرب العالمين) ~~بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى ~~الغروب إلى أن تغرب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إذا حشر الناس ~~قاموا أربعين عاما. وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعا. وأخرج الطبراني عن ~~ابن عمر أنه قال: # يا رسول الله كم مقام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة؟ قال: ألف ~~سنة لا يؤذن لهم. وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من ~~طريق شمر بن عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله (كلا إن كتاب الفجار ~~لفي سجين) قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها، ~~فيهبط بها إلى الأرض فتأبى أن تقبلها، فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهي ~~بها إلى سجين، وهو خد إبليس، فيخرج لها من تحت خد إبليس كتابا فيختم ويوضع ~~تحت خد إبليس. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (سجين) أسفل الأرضين. ~~وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " الفلق ~~جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح " قال ابن كثير: هو حديث غريب منكر لا ~~يصح. وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~(سجين) الأرض السابعة السفلى. وأخرج ابن مردويه عن جابر نحوه مرفوعا. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن ماجة والطبراني والبيهقي في البعث عن عبد الله بن كعب بن ~~مالك ms4237 قال: لما حضرت كعبا الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت: إن لقيت ~~ابني فأقرئه منى السلام، فقال: غفر الله لك يا أم بشر نحن أشغل من ذلك، ~~فقالت: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن نسمة المؤمن ~~تسرح في الجنة حين شاءت، وإن نسمة الكافر في سجين؟ قال: بلى، قالت: فهو ذلك ~~". وأخرج ابن المبارك نحوه عن سلمان. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي ~~وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم ~~وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال " إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ~~ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره ~~الله سبحانه في القرآن (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) ". # سورة المطففين (18 - 36) PageV05P401 # قوله (كلا) للردع والزجر عما كانوا عليه، والتكرير للتأكيد، وجملة (إن ~~كتاب الأبرار لفي عليين) مستأنفة لبيان ما تضمنته، ويجوز أن يكون كلا بمعنى ~~حقا، والأبرار هم المطيعون، وكتابهم صحائف حسناتهم. # قال الفراء: عليين ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له، ووجه هذا أنه منقول من ~~جمع على من العلو. قال الزجاج: # هو إعلاء الأمكنة. قال الفراء والزجاج: فأعرب كإعراب الجمع لأنه على لفظ ~~الجمع ولا واحد له من لفظه نحو ثلاثين وعشرين وقنسرين، قيل هو علم لديوان ~~الخير الذي دون فيه ما عمله الصالحون. وحكى الواحدي عن المفسرين أنه السماء ~~السابعة. قال الضحاك ومجاهد وقتادة: يعني السماء السابعة فيها أرواح ~~المؤمنين. وقال الضحاك: # هو سدرة المنتهى ينتهي إليه كل شئ من أمر الله لا يعدوها، وقيل هو الجنة. ~~وقال قتادة أيضا: هو فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى، وقيل إن ~~عليين صفة للملائكة فإنهم في الملأ الأعلى كما يقال فلان في بني فلان: # أي في جملتهم (وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم) أي وما أعلمك يا محمد أي ~~شئ عليون ms4238 على جهة التفخيم والتعظيم لعليين، ثم فسره فقال (كتاب مرقوم) أي ~~مسطور، والكلام في هذا كالكلام المتقدم في قوله (وما أدراك ما سجين كتاب ~~مرقوم) وجملة (يشهده المقربون) صفة أخرى لكتاب، والمعنى: أن الملائكة ~~يحضرون ذلك الكتاب المرقوم، وقيل يشهدون بما فيه يوم القيامة. قال وهب وابن ~~إسحاق: المقربون هنا إسرافيل، فإذا عمل المؤمن عمل البر صعدت الملائكة ~~بالصحيفة ولها نور يتلألأ في السماوات كنور الشمس في الأرض حتى تنتهي بها ~~إلى إسرافيل فيختم عليها. ثم ذكر سبحانه حالهم في الجنة بعد ذكر كتابهم ~~فقال (إن الأبرار لفي نعيم) أي إن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم لا يقادر قدره ~~(على الأرائك ينظرون) الأرائك: الأسرة التي في الحجال، وقد تقدم أنها لا ~~تطلق الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة. قال الحسن: ما كنا ندري ما ~~الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان ~~فيها سرير. ومعنى (ينظرون) أنهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامات، ~~كذا قال عكرمة ومجاهد وغيرهما. وقال مقاتل: ينظرون إلى أهل النار، وقيل ~~ينظرون إلى وجهه وجلاله (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) أي إذا رأيتهم عرفت ~~أنهم من أهل النعمة لما تراه في وجوههم من النور والحسن والبياض والبهجة ~~والرونق، والخطاب لكل راء يصلح لذلك، يقال أنضر النبات: إذا أزهر ونور. قال ~~عطاء: وذلك أن الله زاد في جمالهم وفي ألوانهم مالا يصفه واصف. قرأ الجمهور ~~" تعرف " بفتح الفوقية وكسر الراء، ونصب نضرة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ~~ويعقوب وشيبة وطلحة وابن أبي إسحاق بضم الفوقية وفتح الراء على البناء ~~للمفعول، ورفع نضرة بالنيابة (يسقون من رحيق مختوم) قال أبو عبيدة والأخفش ~~والمبرد والزجاج: # الرحيق من الخمر مالا غش فيه ولا شئ يفسده، والمختوم الذي له ختام. وقال ~~الخليل: الرحيق أجود الخمر وفي الصحاح الرحيق صفرة الخمر. وقال مجاهد: هو ~~الخمر العتيقة البيضاء الصافية، ومنه قول حسان: # يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل قال مجاهد ms4239 (مختوم) ~~مطين كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه ~~يد إلى أن يفك ختمه للأبرار. وقال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي: ختامه آخر ~~طعمه، وهو معنى قوله (ختامه مسك) أي آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه ~~من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك. وقيل مختوم أوانيه من الأكواب والأباريق ~~بمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته وطيب رائحته. والحاصل أن ~~المختوم والختام PageV05P402 # إما أن يكون من ختام الشئ وهو آخره، أو من ختم الشئ وهو جعل الخاتم عليه ~~كما تختم الأشياء بالطين ونحوه. # قرأ الجمهور " ختامه " وقرأ على وعلقمة وشقيق والضحاك وطاووس والكسائي " ~~خاتمه " بفتح الخاء والتاء وألف بينهما. قال علقمة: أما رأيت المرأة تقول ~~للعطار: اجعل خاتمه مسكا: أي آخره، والخاتم والختام يتقاربان في المعنى، ~~إلا أن الخاتم الاسم والختام المصدر، كذا قال الفراء قال في الصحاح: ~~والختام الطين الذي يختم به، وكذا قال ابن زيد. قال الفرزدق: # وتبين بجانبي مصرعات * وبت أفض أغلاف الختام (وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون) أي فليرغب الراغبون، والإشارة بقوله " ذلك إلى الرحيق الموصوف ~~بتلك الصفة، وقيل إن في بمعنى إلى: أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في ~~العمل كما في قوله - لمثل هذا فليعمل العاملون - وأصل التنافس التشاجر على ~~الشئ والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن يتفرد به دون صاحبه، يقال نفست الشئ ~~عليه أنفسه نفاسة: أي ظننت به ولم أحب أن يصير إليه. قال البغوي: أصله من ~~الشئ النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس فيريده كل واحد لنفسه، وينفس به على ~~غيره: أي يظن به. قال عطاء: المعنى فليستبق المستبقون. وقال مقاتل بن ~~سليمان: فليتنازع المتنازعون، وقوله (ومزاجه من تسنيم) معطوف على (ختامه ~~مسك) صفة أخرى لرحيق: أي ومزاج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصب عليهم ~~من علو، وهو أشرف شراب الجنة، وأصل التسنيم في اللغة الارتفاع، فهي عين ماء ~~تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، ومنه تسنيم القبور، ms4240 ~~ثم بين ذلك فقال (عينا يشرب بها المقربون) وانتصاب عينا على المدح. # وقال الزجاج: على الحال، وإنما جاز أن تكون عينا حالا مع كونها جامدة غير ~~مشتقة لاتصافها بقوله يشرب بها) وقال الأخفش: إنها منصوبة بيسقون: أي يسقون ~~عينا، أو من عين. وقال الفراء: إنها منصوبة بتسنيم على أنه مصدر مشتق من ~~السنام كما قي قوله - أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما - والأول أولى، وبه ~~قال المبرد. # قيل والباء في بها زائدة: أي يشربها، أو بمعنى من: أي يشرب منها. قال ابن ~~زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش، قيل يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج ~~بها كأس أصحاب اليمين. ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين فقال (إن الذين ~~أجرموا) وهم كفار قريش ومن وافقهم على الكفر (كانوا من الذين آمنوا يضحكون) ~~أي كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، ويسخرون منهم (وإذا مروا بهم) أي ~~وإذا مر المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم (يتغامزون) من الغمز، وهو الإشارة ~~بالجفون والحواجب: أي يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم وحواجبهم، وقيل ~~يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به (وإذا انقلبوا) أي الكفار (إلى أهلهم) من ~~مجالسهم (انقلبوا فاكهين) أي معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بذكر ~~المؤمنين والطعن فيهم والاستهزاء بهم والسخرية منهم، والانقلاب: الانصراف. ~~قرأ الجمهور " فاكهين " وقرأ حفص وابن القعقاع والأعرج والسلمي " فكهين " ~~بغير الألف. قال الفراء: هما لغتان، مثل طمع وطامع، وحذر وحاذر. وقد تقدم ~~بيانه في سورة الدخان أن الفكه: الأشر البطر، والفاكه: الناعم المتنعم ~~(وإذا رأوهم) أي إذا رأى الكفار المسلمين في أي مكان (قالوا إن هؤلاء ~~لضالون) في اتباعهم محمدا، وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر، ~~ويجوز أن يكون المعنى: # وإذا رأى المسلمون الكافرين قالوا هذا القول، والأول أولى، وجملة (وما ~~أرسلوا عليهم حافظين) في محل نصب على الحال من فاعل قالوا: أي قالوا ذلك ~~أنهم لم يرسلوا على المسلمين من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ~~وأعمالهم (فاليوم الذين آمنوا) المراد باليوم: اليوم الآخر (من الكفار ~~يضحكون) ms4241 والمعنى: أن المؤمنين PageV05P403 # في ذلك اليوم يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين قد نزل بهم ما ~~نزل من العذاب، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، وجملة (على الأرائك ينظرون) ~~في محل نصب على الحال من فاعل يضحكون: أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما ~~هم فيه من الحال الفظيع، وقد تقدم تفسير الأرائك قريبا. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم ~~يعذبون في النار، فضحكوا منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا. وقال أبو صالح: ~~يقال لأهل النار أخرجوا ويفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا ~~إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى ~~أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله - فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون - ~~(هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) الجملة مستأنفة لبيان أنه قد وقع الجزاء ~~للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم، ~~والاستفهام للتقرير، وثوب بمعنى أثيب، والمعنى: هل جوزي الكفار بما كانوا ~~يفعلونه بالمؤمنين؟ وقيل الجملة في محل نصب بينظرون، وقيل هي على إضمار ~~القول: أي يقول بعض المؤمنين لبعض هل ثوب الكفار، والثواب ما يرجح على ~~العبد في مقابلة عمله ويطلق على الخير والشر. # وقد أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق شمر بن ~~عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله (إن كتاب الأبرار لفي عليين) ~~قال: روح المؤمن إذا قبضت عرج بها إلى السماء، ففتح لها أبواب السماء ~~وتلقاها الملائكة بالبشرى حتى تنتهي بها إلى العرش وتعرج الملائكة، فيخرج ~~لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة لحساب يوم ~~الدين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (لفي عليين) ~~قال: الجنة، وفي قوله (يشهده المقربون) قال: أهل السماء. وأخرج أحمد وأبو ~~داود والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " صلاة على أثر ms4242 صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين ". وأخرج ابن ~~المنذر عن علي بن أبي طالب في قوله (نضرة النعيم) قال: # عين في الجنة يتوضئون منها ويغتسلون فتجرى عليهم نضرة النعيم. وأخرج عبد ~~بن حميد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر والبيهقي في البعث ~~عن ابن مسعود في قوله (يسقون من رحيق مختوم) قال: # الرحيق الخمر، والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك. وأخرج ابن أبي شيبة ~~وهناد وابن المنذر عنه في قوله (مختوم) قال: ممزوج (ختامه مسك) قال: طعمه ~~وريحه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن ~~عباس في قوله (من رحيق) قال: خمر، وقوله (مختوم) قال: ختم بالمسك. وأخرج ~~الفريابي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن مسعود في قوله (ختامه ~~مسك) قال: ليس بخاتم يختم به، ولكن خلطه مسك، ألم تر إلى المرأة من نسائكم ~~تقول خلطه من الطيب كذا وكذا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن أبي ~~الدرداء (ختامه مسك) قال: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، ~~ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ~~ريحها. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس قال (تسنيم) أشرف شراب أهل الجنة، وهو صرف للمتقين ~~ويمزج لأصحاب اليمين. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة ~~وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود (مزاجه من ~~تسنيم) قال: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفا. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه سئل عن قوله (ومزاجه من ~~تسنيم) قال: هذا مما قال الله - فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين -. ~~PageV05P404 # تفسير سورة الإنشقاق هي ثلاث وعشرون آية، وقيل خمس وعشرون آية وهي مكية ~~بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: ~~نزلت سورة الانشقاق ms4243 بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ~~البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي رافع قال: " صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ~~(إذا السماء انشقت) فسجد، فقلت له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه ". وأخرج مسلم وأهل السنن ~~وغيرهم عن أبي هريرة قال: # " سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في (إذا السماء انشقت) - ~~واقرأ باسم ربك - ". وأخرج ابن خزيمة والروياني في مسنده، والضياء المقدسي ~~في المختارة عن بريدة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في ~~الظهر (إذا السماء انشقت) ونحوها ". # سورة الانشقاق (1 - 25) قوله (إذا السماء انشقت) هو كقوله - إذا الشمس ~~كورت - في إضمار الفعل وعدمه. قال الواحدي: قال المفسرون: انشقاقها من ~~علامات القيامة، ومعنى انشقاقها: انفطارها بالغمام الأبيض كما في قوله - ~~ويوم تشقق السماء بالغمام - وقيل تنشق من المجرة، والمجرة باب السماء. # واختلف في جواب إذا، فقال الفراء: إنه أذنت، والواو زائدة، وكذلك ألقت. ~~قال ابن الأنباري: هذا PageV05P405 # غلط، لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع حتى إذا كقوله - حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها - ومع لما كقوله - فلما أسلما وتله للجبين وناديناه - ولا ~~تقحم مع غير هذين. وقيل إن الجواب قوله - فملاقيه - أي فأنت ملاقيه، وبه ~~قال الأخفش: وقال المبرد: إن في الكلام تقديما وتأخيرا: أي يا أيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت. وقال المبرد أيضا: إن ~~الجواب قوله (فأما من أوتى كتابه بيمينه) وبه قال الكسائي، والتقدير: # إذا السماء انشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا، وقيل هو (يا أيها ~~الإنسان) على إضمار الفاء، وقيل إنه (يا أيها الإنسان) على إضمار القول: أي ~~يقال له يا أيها الإنسان وقيل الجواب محذوف تقديره بعثتم، أو لا قي كل ~~إنسان عمله، وقيل هو ما صرح به في سورة التكوير: أي علمت نفس هذا، على ~~تقدير أن إذا شرطية، وقيل ليست بشرطية وهي منصوبة بفعل محذوف: أي أذكر، أو ~~هي ms4244 مبتدأ وخبرها إذا الثانية والواو مزيدة وتقديره: وقت انشقاق السماء وقت ~~مد الأرض، ومعنى (وأذنت لربها) أنها أطاعته في الانشقاق من الإذن، وهو ~~الاستماع للشئ والإصغاء إليه (وحقت) أي وحق لها أن تطيع وتنقاد وتسمع، ومن ~~استعمال الإذن في الاستماع قول الشاعر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وقول الآخر: إن ~~يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا * منى وما أذنوا من صالح دفنوا وقيل المعنى. ~~وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق: أي جعلها حقيقة بذلك. قال ~~الضحاك: حقت أطاعت، وحق لها أن تطيع ربها لأنه خلقها، يقال فلان محقوق ~~بكذا، ومعنى طاعتها: أنها لا تمنع مما أراده الله بها. قال قتادة: حق لها ~~أن تفعل ذلك، ومن هذا قول كثير: # فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا * وحقت لها العتبى لدينا وقلت (وإذا الأرض ~~مدت) أي بسطت كما تبسط الأدم، ودكت جبالها حتى صارت قاعا صفصفا لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا. قال مقاتل: سويت كمد الأديم فلا يبقى عليها بناء ولا جبل ~~إلا دخل فيها، وقيل مدت زيد في سعتها، من المدد، وهو الزيادة (وألقت ما ~~فيها) أي أخرجت ما فيها من الأموات والكنوز وطرحتهم إلى ظهرها (وتخلت) من ~~ذلك. قال سعيد بن جبير: ألقت ما في بطنها من الموتى وتخلت ممن على ظهرها من ~~الأحياء، ومثل هذا قوله - وأخرجت الأرض أثقالها - (وأذنت لربها) أي سمعت ~~وأطاعت لما أمرها به من الإلقاء والتخلي (وحقت) أي وجعلت حقيقة بالاستماع ~~لذلك والانقياد له، وقد تقدم بيان معنى الفعلين قبل هذا (يا أيها الإنسان) ~~المراد جنس الإنسان فيشمل المؤمن والكافر، وقيل هو الإنسان الكافر، والأول ~~أولى لما سيأتي من التفصيل (إنك كادح إلى ربك كدحا) الكدح في كلام العرب: ~~السعي في الشئ بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشئ خيرا أو شرا، والمعنى: ~~أنك ساع إلى ربك في عملك، أو إلى لقاء ربك، مأخوذ من كدح جلده: إذا خدشه. # قال ابن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنها * أموت ms4245 وأخرى أبتغي العيش أكدح قال قتادة ~~والضحاك والكلبي: عامل لربك عملا (فملاقيه) أي فملاق عملك، والمعنى: أنه لا ~~محالة ملاق لجزاء عمله وما يترتب عليه من الثواب والعقاب قال القتيبي: معنى ~~الآية: إنك كادح: أي عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك. والملاقاة بمعنى ~~اللقاء: أي تلقى ربك بعملك، وقيل فملاق كتاب عملك، لأن العمل قد انقضى ~~(فأما من أوتى كتابه بيمينه) وهم المؤمنون (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) لا ~~مناقشة فيه. قال مقاتل: PageV05P406 # لأنها تغفر ذنوبه ولا يحاسب بها. وقال المفسرون: هو أن تعرض عليه سيئاته ~~ثم يغفرها الله، فهو الحساب اليسير (وينقلب إلى أهله مسرورا) أي وينصرف بعد ~~الحساب اليسير إلى أهله الذين هم في الجنة من عشيرته، أو إلى أهله الذين ~~كانوا له في الدنيا من الزوجات والأولاد وقد سبقوه إلى الجنة، أو إلى من ~~أعده الله له في الجنة من الحور العين والوالدان المخلدين، أو إلى جميع ~~هؤلاء مسرورا مبتهجا بما أوتى من الخير والكرامة (وأما من أوتى كتابه وراء ~~ظهره) قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلفه. وقال ~~قتادة ومقاتل: # تفك ألواح صدره وعظامه، ثم تدخل يده وتخرج من ظهره فيأخذ كتابه كذلك ~~(فسوف يدعوا ثبورا) أي إذا قرأ كتابه قال: يا ويلاه يا ثبوراه، والثبور ~~الهلاك (ويصلى سعيرا) أي يدخلها ويقاسي حر نارها وشدتها. قرأ أبو عمرو ~~وحمزة وعاصم بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام. وقرأ الباقون بضم الياء ~~وفتح اللام وتشديدها، وروى إسماعيل المكي عن ابن كثير وكذلك خارجة عن نافع ~~وكذلك روى إسماعيل المكي عن ابن كثير أنهم قرءوا بضم الياء وإسكان الصاد من ~~أصلى يصلى (إنه كان في أهله مسرورا) أي كان بين أهله في الدنيا مسرورا ~~باتباع هواه وركوب شهوته بطرا أشرا لعدم خطور الآخرة بباله، والجملة تعليل ~~لما قبلها، وجملة (إنه ظن أن لن يحور) تعليل لكونه كان في الدنيا في أهله ~~مسرورا، والمعنى: أن سبب ذلك السرور ظنه بأنه لا يرجع إلى الله ولا يبعث ms4246 ~~للحساب والعقاب لتكذيبه بالبعث وجحده للدار الآخرة، وأن في قوله (أن لن ~~يحور) هي المخففة من الثقيلة سادة مع ما في حيزها مسد مفعولي ظن، والحور في ~~اللغة: الرجوع، يقال حار يحور: إذا رجع، وقال الراغب: الحور التردد في ~~الأمر، ومنه نعوذ بالله من الحور بعد الكور: أي من التردد في الأمر بعد ~~المضي فيه، ومحاورة الكلام مراجعته، والمحار المرجع والمصير. قال عكرمة ~~وداود بن أبي هند: يحور كلمة بالحبشية ومعناها يرجع. قال القرطبي: الحور في ~~كلام العرب: الرجوع، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم إني أعوذ ~~بك من الحور بعد الكور " يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك ~~الحور بالضم، وفي المثل حور في محار: أي نقصان في نقصان، ومنه قول الشاعر: ~~والدم يسفى وراد القوم في حور * والحور أيضا الهلكة، ومنه قول الراجز: في ~~بئر لا حور سرا وما شعر قال أبو عبيدة: أي في بئر حور، ولا زائدة (بلى إن ~~ربه كان به بصيرا) بلى إيجاب للمنفي بلن: أي بلى ليحورن وليبعثن. ثم علل ~~ذلك بقوله (إن ربه كان به بصيرا) أي كان به وبأعماله عالما لا يخفى عليه ~~منها خافية. قال الزجاج: كان به بصيرا قبل أن يخلقه عالما بأن مرجعه إليه ~~(فلا أقسم بالشفق) لا زائدة، كما تقدم في أمثال هذه العبارة، وقد قدمنا ~~الاختلاف فيها في سورة القيامة فارجع إليه، والشفق: الحمرة التي تكون بعد ~~غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة. # قال الواحدي: هذا قول المفسرين وأهل اللغة جميعا. قال الفراء: سمعت بعض ~~العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر، وحكاه القرطبي عن أكثر ~~الصحابة والتابعين والفقهاء. وقال أسد بن عمر وأبو حنيفة: # في إحدى الروايتين عنه إنه البياض، ولا وجه لهذا القول ولا متمسك له لا ~~من لغة العرب ولا من الشرع. قال الخليل: الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى ~~وقت العشاء الآخرة. قال في الصحاح: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول ~~الليل إلى قريب العتمة، ms4247 وكتب اللغة والشرع مطبقة على هذا، ومنه قول الشاعر: # قم يا غلام أعني غير مرتبك * على الزمان بكأس حشوها شفق وقال آخر: أحمر ~~اللون كحمرة الشفق * وقال مجاهد: الشفق النهار كله ألا تراه قال (والليل ~~وما وسق وقال عكرمة: هو ما بقي من النهار، وإنما قالا هذا لقوله بعده ~~(والليل وما وسق) فكأنه تعالى أقسم بالضياء PageV05P407 # والظلام، ولا وجه لهذا، على أنه قد روى عن عكرمة أنه قال: الشفق الذي ~~يكون بين المغرب والعشاء، وروى عن أسد بن عمر الرجوع (والليل وما وسق) ~~الوسق عند أهل اللغة: ضم الشئ بعضه إلى بعض، يقال استوسقت الإبل: إذا ~~اجتمعت وانضمت، والراعي يسقها: أي يجمعها. قال الواحدي: المفسرون يقولون: # وما جمع وضم وحوى ولف، والمعنى: أنه جمع وضم ما كان منشرا بالنهار في ~~تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل آوى كل شئ إلى مأواه، ومنه قول ضابئ بن ~~الحرث البرجمي: # فإني وإياكم وسوقا إليكم * كقابض شيئا لم تنله أنامله وقال عكرمة (وما ~~وسق) أي وما ساق من شئ إلى حيث يأوي، فجعله من السوق لا من الجمع، وقيل ~~(وما وسق) أي وما جن وستر، وقيل " وما وسق " أي وما حمل، وكل شئ حملته فقد ~~وسقته، والعرب تقول: لا أحمله ما وسقت عيني الماء: أي حملته، ووسقت الناقة ~~تسق وسقا: أي حملت. قال قتادة والضحاك ومقاتل بن سليمان: وما وسق وما حمل ~~من الظلمة، أو حمل من الكواكب. قال القشيري: ومعنى حمل ضم وجمع، والليل ~~يحمل بظلمته كل شئ. وقال سعيد بن جبير: وما وسق: أي وما عمل فيه من التهجد ~~والاستغفار بالأسحار، والأول أولى (والقمر إذا اتسق) أي اجتمع وتكامل. قال ~~الفراء: اتساقه امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثالث عشر ورابع عشر إلى ست ~~عشرة، وقد افتعل من الوسق الذي هو الجمع. قال الحسن: اتسق امتلأ واجتمع. ~~وقال قتادة: استدار، يقال وسقته فاتسق، كما يقال وصلته فاتصل، ويقال أمر ~~فلان متسق: أي مجتمع منتظم، ويقال اتسق الشئ: إذا تتابع (لتركبن طبقا عن ~~طبق) هذا ms4248 جواب القسم. قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو لتركبن بفتح ~~الموحدة على أنه خطاب للواحد، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل ~~من يصلح له، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي العالية ومسروق وأبي وائل ~~ومجاهد والنخعي والشعبي وسعيد بن جبير وقرأ الباقون بضم الواحدة خطابا ~~للجمع وهم الناس. قال الشعبي ومجاهد: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء قال ~~الكلبي: يعني تصعد فيها، وهذا على القراءة الأولى، وقيل درجة بعد درجة ~~ورتبة بعد رتبة في القرب من الله ورفعة المنزلة، وقيل المعنى: لتركبن حالا ~~بعد حال كل حالة منها مطابقة لأختها في الشدة، وقيل المعنى: # لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حيا ~~وميتا وغنيا وفقيرا، فالخطاب للإنسان المذكور في قوله - يا أيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا - واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الثانية قالا: # لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقرأ عمر " ~~ليركبن " بالتحتية وضم الموحدة على الإخبار، وروى عنه وعن ابن عباس أنهما ~~قرأ بالغيبة وفتح الموحدة: أي ليركبن الإنسان، وروى عن ابن مسعود وابن عباس ~~أنهما قرآ بكسر حرف المضارعة وهي لغة، وقرئ بفتح حرف المضارعة وكسر الموحدة ~~على أنه خطاب للنفس. وقيل إن معنى الآية: ليركبن القمر أحوالا من سرار ~~واستهلال، وهو بعيد. قال مقاتل (طبقا عن طبق) يعني الموت والحياة. وقال ~~عكرمة: رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. ومحل عن طبق النصب على أنه صفة ~~لطبقا أي طبقا مجاوزا لطبق، أو على الحال من ضمير لتركبن: أي مجاوزين، أو ~~مجاوزا (فما لهم لا يؤمنون) الاستفهام للإنكار، والفاء لترتيب ما بعدها من ~~الإنكار والتعجيب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة أو من غيرها على ~~الاختلاف السابق، والمعنى: أي شئ للكفار لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبما جاء به من القرآن مع وجود موجبات الإيمان بذلك (وإذا قرئ ~~عليهم القرآن لا يسجدون) ms4249 هذه الجملة الشرطية وجوابها في محل نصب على الحال: ~~أي أي مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم عند قراءة القرآن. قال الحسن وعطاء ~~والكلبي ومقاتل: ما لهم لا يصلون. وقال أبو مسلم: المراد الخضوع ~~والاستكانة. وقيل المراد نفس السجود PageV05P408 # المعروف بسجود التلاوة. وقد وقع الخلاف هل هذا الموضع من مواضع السجود ~~عند التلاوة أم لا؟ وقد تقدم في فاتحة هذه السورة الدليل على السجود (بل ~~الذين كفروا يكذبون) أي يكذبون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به ~~من الكتاب المشتمل على إثبات التوحيد والبعث والثواب والعقاب (والله أعلم ~~بما يوعون) أي بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب، وقال مقاتل: يكتمون من ~~أفعالهم. وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة، مأخوذ من ~~الوعاء الذي يجمع ما فيه، ومنه قول الشاعر: # الخير أبقى وإن طال الزمان به * والشر أخبث ما أوعيت من زاد ويقال وعاه ~~حفظه، ووعيت الحديث أعيه وعيا، ومنه - أذن واعية - (فبشرهم بعذاب أليم) أي ~~اجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم، لأن علمه سبحانه بذلك على الوجه المذكور موجب ~~لتعذيبهم، والأليم المؤلم الموجع، والكلام خارج مخرج التهكم بهم (إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) هذا الاستثناء منقطع: أي لكن ~~الذين جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح لهم أجر عند الله غير ممنون: ~~أي غير مقطوع، يقال مننت الحبل: # إذا قطعته، ومنه قول الشاعر: # فترى خلفهن من سرعة الرجع * منينا كأنه أهباء قال المبرد: المنين الغبار، ~~لأنه تقطعه وراءها، وكل ضعيف منين وممنون، وقيل معنى غير ممنون أنه لا يمن ~~عليهم به، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا إن أريد من آمن منهم. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله (إذا السماء انشقت) ~~قال: تنشقق السماء من المجرة. # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس (وأذنت لربها وحقت) قال: سمعت حين كلمها. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه (وأذنت لربها وحقت) قال: أطاعت وحقت بالطاعة. وأخرج ~~الحاكم عنه وصححه قال: سمعت وأطاعت (وإذا الأرض ms4250 مدت) قال: يوم القيامة ~~(وألقت ما فيها) قال: أخرجت ما فيها من الموتى (وتخلت) عنهم، وأخرج ابن ~~المنذر عنه أيضا (وألقت ما فيها) قال: سواري الذهب. وأخرج الحاكم. قال ~~السيوطي بسند جيد عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " تمد ~~الأرض يوم القيامة مد الأديم، ثم لا يكون لابن آدم فيها إلا موضع قدميه ". ~~وأخرج ابن جرير عن ابن عباس (إنك كادح إلى ربك كدحا) قال: عامل عملا ~~(فملاقيه) قال: فملاق عملك. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ليس أحد يحاسب إلا هلك، فقلت أليس ~~يقول الله (فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا)؟ قال: ليس ~~ذلك بالحساب ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك ". وأخرج أحمد وعبد بن ~~حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول في بعض صلاته " اللهم حاسبني حسابا يسيرا، ~~فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه ~~فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك " وفي بعض ألفاظ الحديث الأول وهذا ~~الحديث الآخر " من نوقش الحساب عذب ". وأخرج البزار والطبراني في الأوسط ~~والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" ثلاث من كن فيه يحاسبه الله حسابا يسيرا ويدخله الجنة برحمته: تعطى من ~~حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك ". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في ~~قوله (يدعوا ثبورا) قال: الويل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ~~عنه (إنه ظن أن لن يحور) قال: يبعث. وأخرج PageV05P409 # ابن أبي حاتم عنه أيضا (أن لن يحور) قال: أن لن يرجع. وأخرج سمويه في ~~فوائده عن عمر بن الخطاب قال (الشفق) الحمرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال (الشفق) ~~النهار كله. وأخرج سعيد بن منصور وابن ms4251 أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(والليل وما وسق) قال: وما دخل فيه. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي ~~شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه (وما وسق) قال: # وما جمع. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ~~(والقمر إذا اتسق) قال: إذا استوى. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري من طرق ~~عن ابن عباس أنه سئل عن قوله (والليل وما وسق) قال: # وما جمع، أما سمعت قوله: # إن لنا قلائصا نقانقا * مستوسقات لو يجدن سائقا وأخرج عبد بن حميد عنه ~~(والقمر إذا اتسق) قال: ليلة ثلاثة عشر. وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن ~~الخطاب (لتركبن طبقا عن طبق) قال: حالا بعد حال. وأخرج البخاري عن ابن عباس ~~(لتركبن طبقا عن طبق) حالا بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وآله ~~وسلم. وأخرج أبو عبيد في القراءات وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ (لتركبن طبقا ~~عن طبق) يعني بفتح الباء من تركبن. وقال: يعني نبيكم صلى الله عليه وآله ~~وسلم حالا بعد حال. وأخرج الطيالسي وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم والطبراني ~~عنه قال (لتركبن) يا محمد السماء (طبقا عن طبق). وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر والحاكم في الكنى والطبراني وابن منده وابن مردويه عن ابن مسعود أنه ~~قرأ (لتركبن) يعني بفتح الباء. وقال لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وأخرج ~~عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عنه (لتركبن طبقا عن ~~طبق) قال: يعني السماء تنفطر، ثم تنشق، ثم تحمر. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر والبيهقي عنه أيضا في الآية قال: السماء تكون كالمهل، وتكون وردة ~~كالدهان، وتكون واهية، وتشقق فتكون حالا بعد حال. وأخرج ابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (والله أعلم بما يوعون) ms4252 قال: يسرون. # تفسير سورة البروج هي اثنتان وعشرون آية، وهي مكية بلا خلاف وأخرج ابن ~~الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت (والسماء ذات ~~البروج) بمكة. وأخرج أحمد قال: حدثنا عبد الصمد حدثنا زريق بن أبي سلمى ~~حدثنا أبو المهزم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق. وأخرج ~~الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وحسنه ~~والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في سننه عن جابر بن سمرة: أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ~~ذات البروج. PageV05P410 # سورة البروج (1 - 22) قوله (والسماء ذات البروج) قد تقدم الكلام في ~~البروج عند تفسير قوله - جعل في السماء بروجا - قال الحسن ومجاهد وقتادة ~~والضحاك: هي النجوم، والمعنى: والسماء ذات النجوم. وقال عكرمة ومجاهد أيضا: # هي قصور في السماء. وقال المنهال بن عمرو: ذات الخلق الحسن. وقال أبو ~~عبيدة ويحيى بن سلام وغيرهما: # هي المنازل للكواكب، وهي اثنا عشر برجا لاثنى عشر كوكبا، وهي الحمل، ~~والثور، والجوزاء، والسرطان والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، ~~والجدي، والدلو، والحوت. والبروج في كلام العرب: # القصور، ومنه قوله - ولو كنتم في بروج مشيدة - شبهت منازل هذه النجوم ~~بالقصور لكونها تنزل فيها، وقيل هي أبواب السماء، وقيل هي منازل القمر، ~~وأصل البرج الظهور، سميت بذلك لظهورها (واليوم الموعود) أي الموعود به، وهو ~~يوم القيامة. قال الواحدي: في قول جميع المفسرين (وشاهد ومشهود) المراد ~~بالشاهد من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق: أي يحضر فيه والمراد بالمشهود ما ~~يشاهد في ذلك اليوم من العجائب وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ~~الشاهد يوم الجمعة، وأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، والمشهود يوم عرفة، ~~لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج، وتحضره الملائكة. قال الواحدي: وهذا قول ~~الأكثر. وحكى القشيري عن ابن عمر وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى. وقال ~~سعيد بن المسيب: ms4253 الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. # وقال النخعي: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر، وقيل الشاهد هو الله ~~سبحانه. وبه قال الحسن وسعيد بن جبير، لقوله - وكفى بالله شهيدا - وقوله - ~~قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم - وقيل الشاهد محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم لقوله - فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا - وقوله - يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا - وقوله - ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا - وقيل الشاهد جميع الأنبياء PageV05P411 # لقوله - فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد - وقيل هو عيسى بن مريم لقوله - ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيها - والمشهود على هذه الأقوال الثلاثة إما أمة ~~محمد، أو أمم الأنبياء، أو أمة عيسى. وقيل الشاهد آدم. والمشهود ذريته. ~~وقال محمد بن كعب: الشاهد الإنسان لقوله - كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا - ~~وقال مقاتل: أعضاؤه لقوله - يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما ~~كانوا يعملون - وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر ~~الأمم لقوله - وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس - وقيل ~~الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم، وقيل الأيام والليالي. وقيل الشاهد الخلق ~~يشهدون لله عز وجل بالوحدانية، والمشهود له بالوحدانية هو الله سبحانه، ~~وسيأتي بيان ما ورد في تفسير الشاهد والمشهود، وبيان ما هو الحق إن شاء ~~الله (قتل أصحاب الأخدود) هذا جواب القسم، واللام فيه مضمرة، وهو الظاهر، ~~وبه قال الفراء وغيره، وقيل تقديره: # لقد قتل، فحذفت اللام وقد، وعلى هذا تكون الجملة خبرية، والظاهر أنها ~~دعائية، لأن معنى قتل لعن. قال الواحدي: في قول الجميع، والدعائية لا تكون ~~جوابا للقسم، فقيل الجواب قوله - إن الذين فتنوا المؤمنين - وقيل قوله - إن ~~بطش ربك لشديد - وبه قال المبرد: واعترض عليه بطول الفصل وقيل هو مقدر يدل ~~عليه قوله (قتل أصحاب الأخدود) كأنه قال أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ~~ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وقيل تقدير الجواب: لتبعثن، واختاره ابن ~~الأنباري. وقال أبو حاتم السجستاني وابن الأنباري أيضا: ms4254 في الكلام تقديم ~~وتأخير: أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج، واعترض عليه بأنه لا ~~يجوز أن يقال: والله قام زيد، والأخدود: الشق العظيم المستطيل في الأرض ~~كالخندق، وجمعه أخاديد، ومنه الخد لمجاري الدموع، والمخدة لأن الخد يوضع ~~عليها، ويقال تخدد وجه الرجل: إذا صارت فيه أخاديد من خراج، ومنه قول طرفة: # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها * عليه نقي اللون لم يتخدد * وسيأتي بيان ~~حديث أصحاب الأخدود إن شاء الله. قرأ الجمهور (النار ذات الوقود) بجر النار ~~على أنها بدل اشتمال من الأخدود لأن الأخدود مشتمل عليها، وذات الوقود وصف ~~لها بأنها نار عظيمة والوقود: الحطب الذي توقد به، وقيل هو بدل كل من كل، ~~لا بدل اشتمال. وقيل إن النار مخفوضة على الجوار، كذا حكى مكي عن الكوفيين. ~~وقرأ الجمهور بفتح الواو من الوقود، وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم ~~بضمها. وقرأ أشهب العقيلي وأبو حيوة وأبو السماك العدوي وابن السميفع وعيسى ~~برفع النار على أنها خبر مبتدأ محذوف: أي هي النار، أو على أنها فاعل فعل ~~محذوف: أي أحرقتهم النار (إذ هم عليها قعود) العامل في الظرف قتل: أي لعنوا ~~حين أحذقوا بالنار قاعدين على ما يدنوا منها، ويقرب إليها. قال مقاتل: يعني ~~عند النار قعود يعرضونهم على الكفر. وقال مجاهد: كانوا قعودا على الكراسي ~~عند الأخدود (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) أي الذين خدوا الأخدود، ~~وهم الملك وأصحابه، على ما يفعلون بالمؤمنين من عرضهم على النار ليرجعوا ~~إلى دينهم شهود: أي حضور، أو يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما ~~أمر به. وقيل يشهدون بما فعلوا يوم القيامة، ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم. وقيل على بمعنى مع، والتقدير: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. ~~قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا ~~على أن يحرقوا بالنار في الله (وما نقموا منهم) أي ما أنكروا عليهم ولا ~~عابوا منهم (إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد): أي إلا أن ms4255 صدقوا بالله ~~الغالب المحمود في كل حال. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم، ~~وهذا كقوله - هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله - وهذا من تأكيد المدح بما ~~يشبه الذم كما في قوله: PageV05P412 # لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم * يسلو عن الأهل والأوطان والحشم وقول ~~الآخر: ولا عيب فيها غير شكلة عينها * كذاك عتاق الطير شكلا عيونها قرأ ~~الجمهور " نقموا " بفتح النون، وقرأ أبو حيوة بكسرها، والفصيح الفتح. ثم ~~وصف سبحانه نفسه بما يدل على العظم والفخامة فقال (الذي له ملك السماوات ~~والأرض) ومن كان هذا شأنه، فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحد (والله على كل شئ ~~شهيد) من فعلهم بالمؤمنين لا يخفى عليه منه خافية، وفي هذا وعيد شديد ~~لأصحاب الأخدود، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين. ثم بين ~~سبحانه ما أعد لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال (إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ~~الحريق): # أي حرقوهم بالنار، والعرب تقول: فتنت الشئ: أي أحرقته، وفتنت الدرهم ~~والدينار: إذا أدخلته النار لتنظر جودته. ويقال دينار مفتون، ويسمى الصائغ ~~الفتان، ومنه قوله - يوم هم على النار يفتنون - أي يحرقون، وقيل معنى فتنوا ~~المؤمنين: محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه، ثم لم يتوبوا من قبيح صنعهم ~~ويرجعوا عن كفرهم وفتنتهم، فلهم عذاب جهنم: أي لهم في الآخرة عذاب جهنم ~~بسبب كفرهم، والجملة في محل رفع على أنا خبر إن، أو الخبر لهم، وعذاب جهنم ~~مرتفع به على الفاعلية، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ولا يضر نسخه بأن ~~خلافا للأخفش، ولهم عذاب الحريق: أي ولهم عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم، ~~وهو عذاب الحريق الذي وقع منهم للمؤمنين، وقيل إن الحريق اسم من أسماء ~~النار كالسعير، وقيل إنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير ثم يعذبون بعذاب ~~الحريق، فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها. وقال الربيع بن أنس: إن ~~عذاب الحريق أصيبوا به في الدنيا، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود ms4256 إلى ~~الملك وأصحابه فأحرقتهم، وبه قال الكلبي. ثم ذكر سبحانه ما أعد للمؤمنين ~~الذين أحرقوا بالنار فقال (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وظاهر الآية ~~العموم، فيدخل في ذلك المحرقون في الأخدود بسبب إيمانهم دخولا أوليا، ~~والمعنى: أن الجامعين بين الإيمان وعمل الصالحات (لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار): أي لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح جنات متصفة بهذه الصفة. وقد ~~تقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات في غير موضع، وأوضحنا أنه إن أريد ~~بالجنات الأشجار فجرى الأنهار من تحتها واضح، وإن أريد بها الأرض المشتملة ~~عليها فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر وهو الشجر لأنها ساترة لساحتها، ~~والإشارة بقوله (ذلك) إلى ما تقدم ذكره مما أعده الله لهم: أي ذلك المذكور ~~(الفوز الكبير) الذي لا يعد له فوز ولا يقاربه ولا يدانيه، والفوز الظفر ~~بالمطلوب، وجملة (إن بطش ربك لشديد) مستأنفة لخطاب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مبينة لما عند الله سبحانه من الجزاء لمن عصاه، والمغفرة لمن ~~أطاعه: أي أخذه للجبابرة والظلمة شديد، والبطش: الأخذ بعنف، ووصفه بالشدة ~~يدل على أنه قد تضاعف وتفاقم، ومثل هذا قوله - إن أخذه أليم شديد - (إنه هو ~~يبدئ ويعيد) أي يخلق الخلق أولا في الدنيا ويعيدهم أحياء بعد الموت. كذا ~~قال الجمهور، وقيل يبدئ للكفار عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده لهم في ~~الآخرة، واختار هذا ابن جرير، والأول أولى (وهو الغفور الودود) أي بالغ ~~المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، بالغ المحبة للمطيعين من ~~أوليائه. قال مجاهد: الواد لأوليائه، فهو فعول بمعنى فاعل. وقال ابن زيد: ~~معنى الودود الرحيم. وحكى المبرد عن إسماعيل القاضي أن الودود هو الذي لا ~~ولد له، وأنشد: # وأركب في الروع عريانة * ذلول الجناح لقاحا ودودا أي لا ولد لها تحن ~~إليه. وقيل الودود بمعنى المودود: أي يوده عباده الصالحون ويحبونه، كذا قال ~~الأزهري. PageV05P413 # قال: ويجوز أن يكون فعول بمعنى فاعل: أي يكون محبا لهم. قال: وكلتا ~~الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عباده المطيعين فهو فصل ms4257 منه، وإن أحبه ~~عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه. قرأ الجمهور (ذو العرش ~~المجيد) برفع المجيد على أنه نعت لذو، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو ~~حاتم قالا: لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه هو المنعوت ~~بذلك. وقرأ الكوفيون إلا عاصما بالجر على أنه نعت للعرش. # وقد وصف سبحانه عرشه بالكرم كما في آخر سورة المؤمنون. وقيل هو نعت لربك، ~~ولا يضر الفصل بينهما لأنها صفات لله سبحانه. وقال مكي: هو خبر بعد خبر، ~~والأول أولى. ومعنى ذو العرش: ذو الملك والسلطان كما يقال: فلان على سرير ~~ملكه، ومنه قول الشاعر: # رأوا عرشي تثلم جانباه * فلما أن تثلم أفردوني وقول الآخر: # إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بعتيبة بن الحارث بن شهاب وقيل المراد خالق ~~العرش (فعال لما يريد) أي من الإبداء والإعادة. قال عطاء: لا يعجز عن شئ ~~يريده ولا يمتنع منه شئ طلبه، وارتفاع فعال على أنه خبر مبتدأ محذوف. قال ~~الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف، لأنه نكرة محضة. قال ابن جرير: رفع ~~فعال، وهو نكرة محضة على وجه الاتباع لاعراب الغفور الودود، وإنما قال فعال ~~لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال ~~(هل أتاك حديث الجنود) والجملة مستأنفة مقررة لما تقدم من شدة بطشه سبحانه ~~وكونه فعالا لما يريده، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي ~~هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم المتجندة عليها. ثم ~~بينهم فقال (فرعون وثمود) وهو بدل من الجنود، والمراد بفرعون هو وقومه، ~~والمراد بثمود القوم المعروفون، والمراد بحديثهم ما وقع منهم من الكفر ~~والعناد وما وقع عليهم من العذاب، وقصتهم مشهورة قد تكرر في الكتاب العزيز ~~ذكرها في غير موضع، واقتصر على الطائفتين لاشتهار أمرهما عند أهل الكتاب ~~وعند مشركي العرب ودل بهما على أمثالهما ثم أضرب عن مماثلة هؤلاء الكفار ~~الموجودين في عصره صلى الله عليه وآله وسلم لمن تقدم ذكره، وبين أنهم ms4258 أشد ~~منهم في الكفر والتكذيب فقال (بل الذين كفروا في تكذيب) أي بل هؤلاء ~~المشركون من العرب في تكذيب شديد لك، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان ~~قبلهم من الكفار (والله من ورائهم محيط) أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل ~~بأولئك، والإحاطة بالشئ: الحصر له من جميع جوانبه، فهو تمثيل لعدم نجاتهم ~~بعدم فوت المحاط به على المحيط. ثم رد سبحانه تكذيبهم بالقرآن فقال (بل هو ~~قرآن مجيد) أي متناه في الشرف والكرم والبركة لكونه بيانا لما شرعه الله ~~لعباده من أحكام الدين والدنيا، وليس هو كما يقولون إنه شعر وكهانة وسحر ~~(في لوح محفوظ) أي مكتوب في لوح، وهو أم الكتاب محفوظ عند الله من وصول ~~الشياطين إليه. قرأ الجمهور محفوظ بالجر على أنه نعث للوح وقرأ نافع برفعه ~~على أنه نعت للقرآن: أي بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح. واتفق القراء على ~~فتح اللام من لوح إلا يحيى بن يعمر وابن السميفع فإنهما قرآ بضمها. قال ~~مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. قيل والمراد باللوح بضم اللام: الهواء ~~الذي فوق السماء السابعة. قال أبو الفضل: اللوح بضم اللام: # الهواء، وكذا قال ابن خالويه. قال في الصحاح: اللوح بالضم: الهواء بين ~~السماء والأرض. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال (البروج) قصور في السماء. وأخرج ابن ~~مردويه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن ~~(السماء ذات البروج) فقال: الكواكب، وسئل عن قوله PageV05P414 # - الذي جعل في السماء بروجا - قال: الكواكب، وعن قوله - في بروج مشيدة - ~~قال: القصور. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (واليوم الموعود وشاهد ~~ومشهود) قال: اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم ~~عرفة، وهو الحج الأكبر، فيوم الجمعة جعله الله عيدا لمحمد وأمته وفضله بها ~~على الخلق أجمعين وهو سيد الأيام عند الله، وأحب الأعمال فيه إلى الله، ~~وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه ms4259 إياه. ~~وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى عليه وآله ~~وسلم " اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم ~~الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها ~~عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شئ إلا أعاذه ~~منه ". وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رفعه (وشاهد ~~ومشهود) قال: الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود هو الموعود يوم ~~القيامة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: اليوم ~~الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم النحر، والشاهد يوم الجمعة. وأخرج ابن ~~جرير والطبراني وابن مردويه من طريق شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " اليوم الموعود يوم القيامة، ~~والشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ". وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ~~جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية " ~~الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة ". وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ~~وأبي هريرة مثله موقوفا. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن ~~مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن ~~سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة " وهذا مرسل من ~~مراسيل سعيد بن المسيب. وأخرج ابن ماجة والطبراني وابن جرير عن أبي الدرداء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أكثروا من الصلاة على يوم ~~الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة ". وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب في الآية قال: الشاهد ~~يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن الحسن بن علي ~~أن رجلا سأله عن قوله (وشاهد ومشهود) قال: # هل سألت أحدا ms4260 قبلي؟ قال: نعم سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا: يوم الذبح ~~ويوم الجمعة. قال: لا ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قرأ - ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا - والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ - ذلك يوم مجموع ~~له الناس وذلك يوم مشهود -. وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط والصغير ~~وابن مردويه عن الحسين بن علي في الآية قال: الشاهد جدي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا - إنا أرسلناك شاهدا - ذلك ~~يوم مشهود -. وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي الدنيا والبزار وابن ~~جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: اليوم ~~الموعود يوم القيامة والشاهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمشهود يوم ~~القيامة، ثم تلا - ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود -. # وأخرج ابن جرير عنه قال: الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عنه أيضا قال: الشاهد الله. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: الشاهد الله، ~~والمشهود يوم القيامة. # قلت: وهذه التفاسير عن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفت كما ترى، وكذلك ~~اختلفت تفاسير التابعين بعدهم واستدل من استدل منهم بآيات ذكرا الله فيها ~~أن ذلك الشئ شاهد أو مشهود، فجعله دليلا على أنه المراد بالشاهد والمشهود ~~في هذه الآية المطلقة، وليس ذلك بدليل يستدل به على أن الشاهد والمشهود ~~المذكورين في هذا PageV05P415 # المقام هو ذلك الشاهد والمشهود الذي ذكر في آية أخرى، وإلا لزم أن يكون ~~قوله هنا (وشاهد ومشهود) هو جميع ما أطلق عليه في الكتاب العزيز أو السنة ~~المطهرة أنه يشهد أو أنه مشهود، وليس بعض ما استدلوا به مع اختلافه بأولى ~~من بعض، ولم يقل قائل بذلك. فإن قلت: هل في المرفوع الذي ذكرته من حديثي ~~أبي هريرة، وحديث أبي مالك، وحديث جبير بن مطعم ومرسل سعيد بن المسيب ما ~~يعين هذا اليوم الموعود، والشاهد والمشهود؟ قلت: أما اليوم الموعود فلم ~~تختلف ms4261 هذه الروايات التي ذكر فيها، بل اتفقت على أنه يوم القيامة، وأما ~~الشاهد ففي حديث أبي هريرة الأول أنه يوم الجمعة، وفي حديثه الثاني أنه يوم ~~عرفة ويوم الجمعة، وفي حديث أبي مالك أنه يوم الجمعة، وفي حديث جبير أنه ~~يوم الجمعة، وفي مرسل سعيد أنه يوم الجمعة، فاتفقت هذه الأحاديث عليه، ولا ~~تضر زيادة يوم عرفة عليه في حديث أبي هريرة الثاني، وأما المشهود ففي حديث ~~أبي هريرة الأول أنه يوم عرفة، وفي حديثه الثاني أنه يوم القيامة، وفي حديث ~~أبي مالك أنه يوم عرفة، وفي حديث جبير ابن مطعم أنه يوم عرفة، وكذا في حديث ~~سعيد فقد تعين في هذه الروايات أنه يوم عرفة، وهي أرجح من تلك الرواية التي ~~صرح فيها بأنه يوم القيامة، فحصل من مجموع هذا رجحان ما ذهب إليه الجمهور ~~من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، ~~وأما اليوم الموعود فقد قدمنا أنه وقع الإجماع على أنه يوم القيامة. # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي ~~والنسائي والطبراني عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ~~كان ملك من الملوك فيمن كان قبلكم، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال له ~~ذلك الكاهن: انظروا لي غلاما فهما، أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي، فإني ~~أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم ولا يكون فيكم من يعلمه، قال: فنظروا ~~له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه، فجعل الغلام ~~يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة، فجعل الغلام يسأل ذلك ~~الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره فقال: إنما أعبد الله، فجعل ~~الغلام يمكث عند هذا الراهب ويبطئ على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام ~~أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: # إذا قال لك أين كنت؟ فقل عند أهلي، وإذا قال لك أهلك أين كنت؟ فأخبرهم ~~أني كنت عند ms4262 الكاهن، فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثير قد ~~حبستهم دابة، يقال إنها كانت أسدا، فأخذ الغلام حجرا فقال: # اللهم إن كان ما يقول ذلك الراهب حقا فأسألك أن أقتل هذه الدابة، وإن كان ~~ما يقول الكاهن حقا فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل الدابة، فقال الناس: ~~من قتلها؟ فقالوا الغلام، ففزع الناس وقالوا: قد علم هذا الغلام علما لم ~~يعلمه أحد، فسمع أعمى فجاءه فقال له: إن أنت رددت على بصري فلك كذا وكذا، ~~فقال الغلام: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي ~~رده عليك؟ قال نعم، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم ~~فبعث إليهم فأتى بهم فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتله لا أقتل بها صاحبه، ~~فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله، ~~وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا ~~فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا إلى ذلك المكان ~~الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق ~~منهم إلا الغلام، ثم رجع الغلام فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر ~~فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه وأنجاه، ~~فقال الغلام للملك: إنك لن تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني: ~~بسم الله رب الغلام، فأمر به PageV05P416 # فصلب ثم رماه قال: بسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام ~~يده على موضع السهم ثم مات، فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علما ما علمه ~~أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة، فهذا ~~العالم. كلهم قد خالفوك، قال: فخد أخدودا ثم ألقى فيه الحطب والنار، ثم جمع ~~الناس فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، ~~فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، فقال: يقول الله (قتل أصحاب الأخدود النار ms4263 ذات ~~الوقود) حتى بلغ (العزيز الحميد) " فأما الغلام فإنه دفن، ثم أخرج، فيذكر ~~أنه أخرج في زمن عمر ابن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل. ولهذه ~~القصة ألفاظ فيها بعض اختلاف. وقد رواها مسلم في أواخر الصحيح عن هدبة بن ~~خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب. وأخرجها ~~أحمد من طريق عفان عن حماد به. وأخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن حماد ~~بن سلمة به. وأخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد عن عبد الرزاق ~~عن معمر عن ثابت به. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في ~~قوله (أصحاب الأخدود) قال: هم الحبشة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هم ~~ناس من بني إسرائيل خذوا أخدودا في الأرض أوقدوا فيه نارا)، ثم أقاموا على ~~ذلك الأخدود رجالا ونساء، فعرضوا عليها. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ~~ابن مسعود قال: (والسماء ذات البروج) إلى قوله (وشاهد ومشهود) قال: هذا قسم ~~على (إن بطش ربك لشديد) إلى آخرها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ~~(إنه هو يبدئ ويعيد) قال: يبدئ العذاب ويعيده. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (الودود) قال: الحبيب، ~~وفي قوله (ذو العرش المجيد) قال: الكريم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (في ~~لوح محفوظ) قال: أخبرت أنه لوح الذكر لوح واحد فيه الذكر، وإن ذلك اللوح من ~~نور، وإنه مسيرة ثلاثمائة سنة. وأخرج ابن جرير عن أنس قال: إن اللوح ~~المحفوظ الذي ذكره الله في قوله (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) في جبهة ~~إسرافيل. وأخرج أبو الشيخ، قال السيوطي بسند جيد عن ابن عباس قال: # خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق: ~~اكتب علمي في خلقي، فجرى ما هوه كائن إلى يوم القيامة اه‍. # تفسير سورة الطارق هي سبع عشرة آية، وهي ms4264 مكية بلا خلاف وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت والسماء والطارق بمكة، ~~وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني وابن مردويه عن خالد العدواني " ~~أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سوق ثقيف وهو قائم على قوس ~~أو عصى حين أتاهم يبتغى النصر عندهم، فسمعه يقرأ (والسماء والطارق) حتى ~~ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية، ثم قرأتها في الإسلام، قال: فدعتي ثقيف ~~فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل، فقرأتها، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم ~~بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه ". PageV05P417 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة الطارق (1 - 17) أقسم سبحانه بالسماء ~~والطارق، وهو النجم الثاقب كما صرح به التنزيل. قال الواحدي: قال المفسرون: # أقسم الله بالسماء والطارق، يعني الكواكب تطرق بالليل وتخفى بالنهار. قال ~~الفراء: الطارق النجم لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلا فهو طارق. وكذا قال ~~الزجاج والمبرد: ومنه قول امرئ القيس: # ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول وقوله أيضا: ألم ~~ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب * وقد اختلف في الطارق ~~هل هو نجم معين أو جنس النجم؟ فقيل هو زحل، وقيل الثريا، وقيل هو الذي ترمى ~~به الشياطين، وقيل هو جنس النجم. قال في الصحاح: والطارق النجم الذي يقال ~~له كوكب الصبح، ومنه قول هند بنت عتبة: # نحن بنات طارق * نمشي على النمارق * أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضئ، ~~وأصل الطروق الدق، فسمى قاصد الليل طارقا لاحتياجه في الوصول إلى الدق. ~~وقال قوم: إن الطروق قد يكون نهارا، والعرب تقول: أتيتك اليوم طرقتين: أي ~~مرتين، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أعوذ بك من شر طوارق الليل ~~والنهار إلا طارقا يطرق بخير ". ثم بين سبحانه ما هو الطارق، تفخيما لشأنه ~~بعد تعظيمه بالإقسام به فقال (وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب) الثاقب: ~~المضئ، ومنه يقال ثقب النجم ثقوبا وثقابة إذا أضاء، وثقوبه ضوؤه، ومنه قول ~~الشاعر: # أذاع به ms4265 في الناس حتى كأنه * بعليا نار أوقدت بثقوب قال الواحدي: الطارق ~~يقع على كل ما طرق ليلا، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدري ما ~~المراد به لو لم يبينه بقوله (النجم الثاقب) قال مجاهد: الثاقب المتوهج. ~~قال سفيان: كل ما في القرآن " وما أدراك " فقد أخبره، وكل شئ قال " وما ~~يدريك " لم يخبره به، وارتفاع قوله (النجم الثاقب) على أنه خبر مبتدإ ~~محذوف، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر نشأ مما قبله، كأنه قيل ما هو؟ فقيل ~~هو النجم الثاقب (إن كل نفس لما عليها حافظ) هذا جواب القسم، وما بينهما ~~اعتراض، وقد تقدم في سورة هود اختلاف القراء في " لما "، فمن قرأ ~~PageV05P418 # بتخفيفها كانت إن هنا هي المخففة من الثقيلة فيها ضمير الشأن المقدر، وهو ~~اسمها، واللام هي الفارقة، وما مزيدة: أي إن الشأن كل نفس لعليها حافظ، ومن ~~قرأ بالتشديد فإن نافية ولما بمعنى إلا: أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وقد ~~قرأ هنا بالتشديد ابن عامر وعاصم وحمزة. وقرأ الباقون بالتخفيف. قيل ~~والحافظ: هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها، ~~ويحصون ما تكسب من خير وشر، وقيل الحافظ هو الله عز وجل، وقيل هو العقل ~~يرشدهم إلى المصالح، ويكفهم عن المفاسد. والأول أولى لقوله - وإن عليكم ~~لحافظين - وقوله - ويرسل عليكم حفظة - وقوله - له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه - والحافظ على الحقيقة هو الله عز وجل كما في قوله - فالله ~~خير حافظا - وحفظ الملائكة من حفظه لأنهم بأمره (فلينظر الإنسان مم خلق) ~~الفاء للدلالة على أن كون على كل نفس حافظ يوجب على الإنسان أن يتفكر في ~~مبتدإ خلقه ليعلم قدرة الله على ما هو دون ذلك من البعث. قال مقاتل: يعني ~~المكذب بالبعث (مم خلق) من أي شئ خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر ~~والاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته. ثم بين ~~سبحانه ذلك فقال (خلق من ماء دافق) والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، ms4266 ~~والماء: هو المنى، والدفق: الصب، يقال دفقت الماء: أي صببته، يقال ماء ~~دافق: أي مدفوق، مثل - عيشة راضية - أي مرضية. قال الفراء والأخفش: ماء ~~دافق: أي مصبوب في الرحم. قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى ~~المفعول في كثير من كلامهم كقولهم: سر كاتم: أي مكتوم، وهم ناصب: أي منصوب، ~~وليل نائم ونحو ذلك. قال الزجاج: من ماء ذي اندفاق، يقال دارع وقايس ونابل: ~~أي ذو درع وقوس ونبل، وأراد سبحانه ماء الرجل والمرأة لأن الإنسان مخلوق ~~منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما، ثم وصف هذا الماء فقال (يخرج من ~~بين الصلب والترائب) أي صلب الرجل، وترائب المرأة، والترائب جمع تريبة، وهي ~~موضع القلادة من الصدر، والولد لا يكون إلا من الماءين. قرأ الجمهور " يخرج ~~" مبنيا للفاعل. وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم مبنيا للمفعول. وفي الصلب: ~~وهو الظهر لغات. قرأ الجمهور بضم الصاد وسكون اللام، وقرأ أهل مكة بضم ~~الصاد واللام. وقرأ اليماني بفتحهما، ويقال صالب على وزن قالب. ومنه قول ~~العباس بن عبد المطلب: تنقل من صلب إلى رحم في أبياته المشهورة في مدح ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد تقدم كلام في هذا عند تفسير قوله - ~~الذين من أصلابكم - وقيل الترائب: ما بين الثديين. وقال الضحاك: ترائب ~~المرأة: اليدين والرجلين والعينين. وقال سعيد بن جبير: # هي الجيد. وقال مجاهد: هي ما بين المنكبين والصدر. وروى عنه أيضا أنه ~~قال: هي الصدر، وروى عنه أيضا أنه قال: هي التراقي. وحكى الزجاج: أن ~~الترائب عصارة القلب، ومنه يكون الولد، والمشهور في اللغة أنها عظام الصدر ~~والنحر، ومنه قول دريد بن الصمة: # فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم * وإن تقبلوا نأخذكم في الترائب قال عكرمة: ~~الترائب الصدر، وأنشد: * نظام در على ترائبها * قال في الصحاح: التريبة ~~واحدة الترائب، وهي عظام الصدر. قال أبو عبيدة: جمع التريبة تريب، ومنه قول ~~المثقب العبدي: # ومن ذهب بنين على تريب * كلون العاج ليس بذي غضون وقول امرئ القيس: * ~~ترائبها مصقولة كالسجنجل * وحكى الزجاج: أن ms4267 الترائب أربع أضلاع PageV05P419 # من يمنة الصدر، وأربع أضلاع من يسرة الصدر. قال قتادة والحسن: المعنى ~~ويخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب ~~يكون معنى من بين الصلب، من الصلب، وقيل إن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ولا ~~يخالف هذا ما في الآية لأنه إذا نزل من الدماغ نزل من بين الصلب والترائب، ~~وقيل إن المعنى: يخرج من جميع أجزاء البدن، ولا يخالف هذا ما في الآية، لأن ~~نسبة خروجه إلى بين الصلب والترائب باعتبار أن أكثر أجزاء البدن هي الصلب ~~والترائب وما يجاورها وما فوقها مما يكون تنزله منها (إنه على رجعه لقادر) ~~الضمير في إنه يرجع إلى الله سبحانه لدلالة قوله " خلق " عليه، فإن الذي ~~خلقه هو الله سبحانه، والضمير في رجعه عائد إلى الإنسان، والمعنى: أن الله ~~سبحانه على رجع الإنسان: أي إعادته بالبعث بعد الموت " لقادر " هكذا قال ~~جماعة من المفسرين: وقال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل. وقال عكرمة ~~والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب. وقال مقاتل ابن حيان يقول: إن شئت ~~رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. ~~وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج لقادر، والأول أظهر، ~~ورجحه ابن جرير والثعلبي والقرطبي (يوم تبلى السرائر) العامل في الظرف على ~~التفسير الأول، هو رجعه، وقيل لقادر. واعترض عليه بأنه يلزم تخصيص القدرة ~~بهذا اليوم، وقيل العامل فيه مقدر: أي يرجعه يوم تبلى السرائر، وقيل العامل ~~فيه مقدر، وهو أذكر، فيكون مفعولا به، وأما على قول من قال: إن المراد رجع ~~الماء، فالعامل في الظرف مقدر، وهو أذكر، ومعنى تبلى السرائر: تختبر وتعرف، ~~ومنه قول الراجز: # قد كنت قبل اليوم تزدريني * فاليوم أبلوك وتبتليني أي أختبرك وتختبرني، ~~وأمتحنك وتمتحني، والسرائر: ما يسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، ~~والمراد هنا عرض الأعمال ونشر الصحف، فعند ذلك يتميز الحسن منها من القبيح، ~~والغث من السمين (فما له من ms4268 قوة ولا ناصر) أي فما للإنسان من قوة في نفسه ~~يمتنع بها عن عذاب الله، ولا ناصر ينصره مما نزل به. قال عكرمة: هؤلاء ~~الملوك ما لهم يوم القيامة من قوة ولا ناصر. قال سفيان: القوة العشيرة، ~~والناصر الحليف، والأول أولى (والسماء ذات الرجع) الرجع: المطر. قال ~~الزجاج: الرجع المطر لأنه يجئ ويرجع ويتكرر. قال الخليل: # الرجع المطر نفسه، والرجع نبات الربيع. قال أهل اللغة: الرجع المطر. قال ~~المتنخل يصف سيفا له: # أبيض كالرجع رسوب إذا * ما باح في محتفل يختلى قال الواحدي: # الرجع المطر في قول جميع المفسرين، وفي هذا الذي حكاه عن جميع المفسرين ~~نظر، فإن ابن زيد قال: الرجع الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء تطلع من ~~ناحية وتغيب في أخرى. وقال بعض المفسرين: ذات الرجع ذات الملائكة لرجوعهم ~~إليها بأعمال العباد. وقال بعضهم: معنى ذات الرجع: ذات النفع، ووجه تسمية ~~المطر رجعا ما قاله القفال إنه مأخوذ من ترجيع الصوت وهو إعادته، وكذا ~~المطر لكونه يعود مرة بعد أخرى سمى رجعا. وقيل إن العرب كانوا يزعمون أن ~~السحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض، وقيل سمته العرب ~~رجعا لأجل التفاؤل ليرجع عليهم، وقيل لأن الله يرجعه وقتا بعد وقت (والأرض ~~ذات الصدع) هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات والثمار والشجر، والصدع: الشق ~~لأنه يصدع الأرض فتنصدع له. قال أبو عبيدة والفراء: تتصدع بالنبات. قال ~~مجاهد: والأرض ذات الطرق التي تصدعها المياه، وقيل ذات الحرث لأنه يصدعها، ~~وقيل ذات الأموات لانصداعها عنهم عند البعث. PageV05P420 # والحاصل أن الصدع إن كان اسما للنبات فكأنه قال: والأرض ذات النبات، وإن ~~كان المراد به الشق فكأنه قال: والأرض ذات الشق الذي يخرج منه النبات ~~ونحوه، وجواب القسم قوله (إنه لقول فصل) أي إن القرآن لقول يفصل بين الحق ~~والباطل بالبيان عن كل واحد منهما (وما هو بالهزل) أي لم ينزل باللعب، فهو ~~جد ليس بالهزل، والهزل ضد الجد. قال الكميت: تجد بنا في كل يوم وتهزل * ~~(إنهم ms4269 يكيدون كيدا) أي يمكرون في إبطال ما جاء به رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من الدين الحق. قال الزجاج: يخاتلون ولم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ويظهرون ما هم على خلافه (وأكيد كيدا) أي أستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون، وأجازيهم جزاء كيدهم، قيل هو ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل ~~والأسر (فمهل الكافرين) أي أخرهم، ولا تسأل الله سبحانه تعجيل هلاكهم، وارض ~~بما يدبره لك في أمورهم، وقوله (أمهلهم) بدل، من مهل ومهل وأمهل بمعنى مثل ~~نزل وأنزل، والإمهال الإنظار، وتمهل في الأمر اتأد، وانتصاب (رويدا) على ~~أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور أو نعت لمصدر محذوف: أي أمهلهم إمهالا رويدا: ~~أي قريبا أو قليلا. قال أبو عبيدة: # والرويد في كلام العرب تصغيرا لرود، وأنشد: * كأنها تمشى على رود * أي ~~على مهل، وقيل تصغير أرواد مصدر رود تصغير الترخيم، ويأتي اسم فعل نحو رويد ~~زيدا: أي أمهله، ويأتي حالا نحو سار القوم رويدا: أي متمهلين، ذكر معنى هذا ~~الجوهري، والبحث مستوفى في علم النحو. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (والسماء والطارق) قال: أقسم ~~ربك بالطارق: وكل شئ طرقك بالليل فهو طارق. وأخرج ابن جرير عنه في قوله (إن ~~كل نفس لما عليها حافظ) قال: كل نفس عليها حفظة من الملائكة. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن ~~عباس في قوله (النجم الثاقب) قال: النجم المضئ (إن كل نفس لما عليها حافظ) ~~قال: إلا عليها حافظ. # وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه (يخرج من بين الصلب والترائب) قال: ما ~~بين الجيد والنحر. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: تريبة المرأة وهي ~~موضع القلادة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضا قال: # الترائب بين ثديي المرأة. وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضا قال: الترائب ~~أربعة أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ~~عنه أيضا (إنه على ms4270 رجعه لقادر) قال: على أن يجعل الشيخ شابا والشاب شيخا. ~~وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه، وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله (والسماء ذات الرجع) قال: المطر بعد ~~المطر (والأرض ذات الصدع) قال: صدعها عن النبات. وأخرج ابن المنذر عن ابن ~~عباس (والأرض ذات الصدع) تصدع الأودية. وأخرج ابن منده والديلمي عن معاذ بن ~~أنس مرفوعا (والأرض ذات الصدع) قال: تصدع بإذن الله عن الأموال والنبات. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله (إنه لقول فصل) قال: حق ~~(وما هو بالهزل) قال: بالباطل، وفي قوله (أمهلهم رويدا) قال: قريبا. ~~PageV05P421 # تفسير سورة الأعلى ويقال سورة سبح: هي تسع عشرة آية وهي مكية في قول ~~الجمهور. وقال الضحاك: هي مدنية. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه ~~والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة سبح اسم ربك الأعلى بمكة. وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله. وأخرج البخاري وغيره عن البراء بن عازب ~~قال: " أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن ~~عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرآننا القران، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء ~~عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما رأيت ~~أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جاء، فما جاء حتى قرأت - سبح اسم ربك ~~الأعلى - في سور مثلها ". وأخرج أحمد والبزاز وابن مردويه عن علي قال " كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب هذه السورة: سبح اسم ربك الأعلى ". ~~أخرجه أحمد عن وكيع عن إسرائيل عن عن توبر بن أبي فاختة عن أبيه عن علي. ~~وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن النعمان بن بشير " أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يقرأ في العيدين ms4271 وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل ~~أتاك حديث الغاشية، وإن وافق يوم جمعة قرأهما جميعا " وفي لفظ " وربما ~~اجتمعا في يوم واحد فقرأهما " وفي الباب أحاديث. وأخرج مسلم وغيره عن جابر ~~بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " كان يقرأ في الظهر بسبح اسم ~~ربك الأعلى ". وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم ~~والبيهقي عن أبي بن كعب قال " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر ~~بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد ". وأخرج أبو ~~داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت " ~~كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى بسبح، ~~وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين ~~"، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ " هلا ~~صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى ". # سورة الأعلى (1 - 19) PageV05P422 # قوله (سبح اسم ربك الأعلى) أي نزهه عن كل ما لا يليق به. قال السدي: سبح ~~اسم ربك الأعلى: أي عظمه، قيل والاسم هنا مقحم لقصد التعظيم، كما في قول ~~لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والمعنى: ~~سبح ربك الأعلى. قال ابن جرير: المعنى نزه اسم ربك أن يسمى به أحد سواه، ~~فلا تكون على هذا مقحمة. وقيل المعنى: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره ~~إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم. وقال الحسن: معنى سبح اسم ربك الأعلى: ~~صل له. وقيل المعنى: صل بأسماء الله لا كما يصلي المشركون بالمكاء ~~والتصدية. وقيل المعنى: ارفع صوتك بذكر ربك، ومنه قول جرير: # قبح الإله وجوه تغلب كلما * سبح الحجيج وكبروا تكبيرا والأعلى صفة للرب، ~~وقيل للاسم، والأول أولى، وقوله (الذي خلق فسوى) صفة أخرى للرب. قال ~~الزجاج: خلق الإنسان مستويا، ومعنى سوى: عدل قامته. قال الضحاك: خلقه فسوى ~~خلقه، وقيل خلق الأجساد فسوى الأفهام، ms4272 وقيل خلق الإنسان وهيأه للتكليف ~~(والذي قدر فهدى) صفة أخرى للرب، أو معطوف على الموصول الذي قبله. قرأ علي ~~بن أبي طالب والكسائي والسلمي " قدر " مخففا، وقرأ الباقون بالتشديد. # قال الواحدي: قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب فهدى الذكر ~~للأنثى كيف يأتيها. وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة ~~والشقاوة. وروى عنه أيضا أنه قال في معنى الآية: قدر السعادة والشقاوة وهدى ~~للرشد والضلالة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل قدر أرزاقهم وأقواتهم، وهداهم ~~لمعايشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا. وقال عطاء: جعل لكل دابة ~~ما يصلحها وهداها له. وقيل خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه ~~استخراجها منها. وقال السدى: قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر وأقل ~~وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم. قال الفراء: أي قدر فهدى وأضل فاكتفى ~~بأحدهما، وفي تفسير الآية أقوال غير ما ذكرنا. والأولى عدم تعيين فرد أو ~~أفراد مما يصدق عليه قدر وهدى إلا بدليل يدل عليه، ومع عدم الدليل يحمل على ~~ما يصدق عليه معنى الفعلين، إما على البدل أو على الشمول، والمعنى: قدر ~~أجناس الأشياء وأنواعها وصفاتها وأفعالها وأقوالها وآجالها، فهدى كل واحد ~~منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسره لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ~~ودنياه (والذي أخرج المرعى) صفة أخرى للرب: أي أنبت العشب وما ترعاه النعم ~~من النبات الأخضر (فجعله غثاء أحوى) أي فجعله بعد أن كان أخضر غثاء: أي ~~هشيما جافا كالغثاء الذي يكون فوق السيل أحوى: أي أسود بعد اخضراره، وذلك ~~أن الكلأ إذا يبس اسود. قال قتادة: الغثاء الشئ اليابس، ويقال للبقل ~~والحشيش إذا انحطم ويبس غثاء وهشيم. قال امرؤ القيس: # كأن ذرى رأس المجمر غدوة * من السيل والأغثاء فلكة مغزل وانتصاب غثاء على ~~أنه المفعول الثاني، أو على الحال، وأحوى صفة له. وقال الكسائي: هو حال من ~~المرعى: أي أخرجه أحوى من شدة الخضرة والري (فجعله غثاء) بعد ذلك، والأحوى ~~مأخوذ من الحوة، وهي سواد يضرب إلى الخضرة. ms4273 قال في الصحاح: والحوة سمرة ~~الشفة، ومنه قول ذي الرمة: PageV05P423 # لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب (سنقرئك فلا تنسى) ~~أي سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه، والجملة مستأنفة ~~لبيان هدايته صلى الله عليه وآله وسلم الخاصة به بعد بيان الهداية العامة، ~~وهي هدايته صلى الله عليه وآله وسلم لحفظ القرآن. # قال مجاهد والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه ~~جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فنزلت (سنقرئك فلا تنسى) وقوله (إلا ما ~~شاء الله) استثناء مفرغ من أعم المفاعيل: أي لا تنسى مما تقرؤه شيئا من ~~الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه. قال الفراء: وهو لم يشأ سبحانه أن ينسى ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيئا كقوله - خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك - وقيل إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك، ~~فإذن قد نسى ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئا نسيانا كليا. وقيل بمعنى النسخ: أي ~~إلا ما شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته. وقيل معنى فلا تنسى: فلا تترك ~~العمل إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه. وقيل المعنى: إلا ما شاء ~~الله أن يؤخر إنزاله. وقيل " لا " في قوله (فلا تنسى) للنهي. والألف مزيدة ~~لرعاية الفاصلة، كما في قوله - فأضلونا السبيلا - يعني فلا تغفل قراءته ~~وتذكره (إنه يعلم الجهر وما يخفى) الجملة تعليل لما قبلها: أي يعلم ما ظهر ~~وما بطن والإعلان والإسرار، وظاهره العموم فيندرج تحته ما قيل إن الجهر ما ~~حفظه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن، وما يخفى هو ما نسخ من ~~صدره، ويدخل تحته أيضا ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة، وما يخفى هو ~~إخفاؤها، ويدخل تحته أيضا ما قيل إن الجهر جهره صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة ms4274 أن يتفلت عليه، وما يخفى ما في نفسه مما ~~يدعوه إلى الجهر (ونيسرك لليسرى) معطوف على سنقرئك، وما بينهما اعتراض. قال ~~مقاتل: أي نهون عليك عمل الجنة، وقيل نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، ~~وقيل للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السهلة، وقيل نهون عليك الوحي حتى تحفظه ~~وتعمل به، والأولى حمل الآية على العموم: أي نوفقك للطريقة اليسرى في الدين ~~والدنيا في كل أمر من أمورهما التي تتوجه إليك (فذكر إن نفعت الذكرى) أي عظ ~~يا محمد الناس بما أوحينا إليك وأرشدهم إلى سبل الخبر واهدهم إلى شرائع ~~الدين. قال الحسن: تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر. قال الواحدي: إن نفعت أو ~~لم تنفع، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث مبلغا للإعذار والإنذار، ~~فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية كقوله - ~~سرابيل تقيكم الحر - الآية. قال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع، ~~فالمعنى: إن نفعت الذكرى أو لم تنفع. وقيل إنه مخصوص في قوم بأعيانهم، وقيل ~~إن بمعنى ما: أي فذكر ما نفعت الذكرى، لأن الذكرى نافعة بكل حال، وقيل إنها ~~بمعنى قد، وقيل إنها بمعنى إذ. وما قاله الواحدي والجرجاني أولى وقد سبقهما ~~إلى القول به الفراء والنحاس. قال الرازي: إن قوله (إن نفعت الذكرى) ~~للتنبيه على أشرف الحالين وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى، والمعلق ~~بإن على الشئ لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشئ، ويدل عليه آيات: منها ~~هذه الآية، ومنها قوله تعالى - واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون - ومنها ~~قوله - ولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم - فإن القصر جائز عند ~~الخوف وعدمه، ومنها قوله - فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله - والمراجعة جائزة بدون هذا الظن، فهذا الشرط فيه فوائد: منها ما ~~تقدم، ومنها للبعث على الانتفاع بالذكرى كما يقول الرجل لمن يرشده: قد ~~أوضحت لك إن كنت تعقل، وهو تنبيه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنها ~~لا ms4275 تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة، فأما الدعاء الأول فعام ~~انتهى. ثم بين سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى ومن لا تنفعه فقال (سيذكر ~~PageV05P424 # من يخشى) أي سيتعظ بوعظك من يخشى الله فيزداد بالتذكير خشية وصلاحا ~~(ويتجنبها الأشقى) أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها الأشقى من الكفار لإصراره ~~على الكفر بالله وانهماكه في معاصيه. ثم وصف الأشقى فقال (الذي يصلى النار ~~الكبرى) أي العظيمة الفظيعة، لأنها أشد حرا من غيرها. قال الحسن: النار ~~الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا. وقال الزجاج: هي السفلى من ~~أطباق النار (ثم لا يموت فيها ولا يحيى) أي لا يموت فيها فيستريح مما هو ~~فيه من العذاب، ولا يحيا حياة ينتفع بها، ومنه قول الشاعر: # ألا ما لنفس لا تموت فينقضي * عناها ولا تحيا حياة لها طعم وثم للتراخي ~~في مراتب الشدة، لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من صلى النار الكبرى ~~(قد أفلح من تزكى) أي من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه. قال ~~عطاء والربيع: من كان عمله زاكيا ناميا. # وقال قتادة: تزكى بعمل صالح. قال قتادة وعطاء وأبو العالية: نزلت في صدقة ~~الفطر. قال عكرمة: كان الرجل يقول: أقدم زكاتي بين يدي صلاتي. وأصل الزكاة ~~في اللغة النماء. وقيل المراد بالآية زكاة الأموال كلها، وقيل المراد بها ~~زكاة الأعمال لا زكاة الأموال، لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكى لا تزكى ~~(وذكر اسم ربه فصلى) قيل المعنى: ذكر اسم ربه بالخوف فعبده وصلى له، وقيل ~~ذكر اسم ربه بلسانه فصلى: أي فأقام الصلوات الخمس، وقيل ذكر موقفه ومعاده ~~فعبده، وهو كالقول الأول. وقيل ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة لأنها ~~لا تنعقد إلا بذكره، وهو قوله - الله أكبر - وقيل ذكر اسم ربه في طريق ~~المصلى فصلى، وقيل هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاة، وقيل المراد بالصلاة هنا ~~صلاة العيد، كما أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر، ولا يخفى ~~بعد هذا القول لأن السورة مكية، ولم ms4276 تفرض زكاة الفطر وصلاة العيد إلا ~~بالمدينة (بل تؤثرون الحياة الدنيا) هذا إضراب عن كلام مقدر يدل عليه ~~السياق: أي لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا، قرأ الجمهور ~~" تؤثرون " بالفوقية على الخطاب، ويؤيدها قراءة أبي " بل أنتم تؤثرون " ~~وقرأ أبو عمرو بالتحتية على الغيبة. قيل والمراد بالآية الكفرة، والمراد ~~بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا بها والاطمئنان إليها والإعراض عن الآخرة ~~بالكلية، وقيل المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر، والمراد بإيثارها ما ~~هو أعم من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من تأثير جانب الدنيا على ~~الآخرة، والتوجه إلى تحصيل منافعها والاهتمام بها اهتماما زائدا على ~~اهتمامه بالطاعات وجملة (والآخرة خير وأبقى) في محل نصب على الحال من فاعل ~~تؤثرون: أي والحال أن الدار الآخرة التي هي الجنة أفضل وأدوم من الدنيا. ~~قال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان ~~الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا ~~من خزف يفنى؟ # والإشارة بقوله (إن هذا) إلى ما تقدم من فلاح من تزكى وما بعده، وقيل إنه ~~إشارة إلى جميع السورة، ومعنى (لفي الصحف الأولى) أي ثابت فيها، وقوله (صحف ~~إبراهيم وموسى) بدل من الصحف الأولى. قال قتادة وابن زيد: يريد بقوله (إن ~~هذا) والآخرة خير وأبقى. وقالا: تتابعت كتب الله عز وجل أن الآخرة خير ~~وأبقى من الدنيا. وقال الحسن: تتابعت كتب الله جل ثناؤه إن هذا لفي الصحف ~~الأولى، وهو قوله (قد أفلح) إلى آخر السورة. قرأ الجمهور " في الصحف الأولى ~~صحف إبراهيم " بضم الحاء في الموضعين، وقرأ الأعمش وهارون وأبو عمرو في ~~رواية عنه بسكونها فيهما، وقرأ الجمهور " إبراهيم " بالألف بعد الراء ~~وبالياء بعد الهاء. وقرأ أبو رجاء بحذفهما وفتح الهاء، وقرأ أبو موسى وابن ~~الزبير إبراهام بألفين. PageV05P425 # وقد أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عقبة بن ~~عامر الجهني قال: " لما نزلت - فسبح باسم ربك العظيم ms4277 - قال لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى ~~قال: اجعلوها في سجودكم " ولا مطعن في إسناده. وأخرج أحمد وأبو داود ~~والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال: سبحان ربي الأعلى ~~": قال أبو داود: خولف فيه وكيع، فرواه شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن ~~عباس موقوفا. وأخرجه موقوفا أيضا عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال: سبحان ربي ~~الأعلى وفي لفظ لعبد بن حميد عنه قال " إذا قرأت سبح اسم ربك الأعلى فقل: # سبحان ربي الأعلى " وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن ~~الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب أنه قرأ سبح اسم ربك الأعلى فقال: ~~سبحان ربي الأعلى وهو في الصلاة، فقيل له أتزيد في القرآن؟ قال: لا، إنما ~~أمرنا بشئ فقلته. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن ~~حميد وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة بسبح اسم ربك ~~الأعلى فقال: سبحان ربي الأعلى. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقرأ ~~سبح اسم ربك الأعلى فقال: سبحان ربي الأعلى، وكذلك هي في قراءة أبي بن كعب. ~~وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه قال: إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال: سبحان ~~ربي الأعلى. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبد الله بن الزبير أنه ~~قرأ سبح اسم ربك الأعلى فقال: سبحان ربي الأعلى، وهو في الصلاة. وأخرج ابن ~~جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله (فجعله غثاء) قال: هشيما (أحوى) ~~قال متغيرا. وأخرج ابن مردويه عنه قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ms4278 يستذكر القرآن مخافة أن ينسى، فقيل له قد كفيناك ذلك ونزلت (سنقرئك ~~فلا تنسى) ". # وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~(إلا ما شاء الله) يقول: إلا ما شئت أنا فأنسيك. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ~~أيضا (ونيسرك لليسرى) قال: للخير. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود - ~~ونيسرك لليسرى - قال: الجنة. وأخرج البزار وابن مردويه عن جابر بن عبد الله ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (قد أفلح من تزكى) قال " من شهد ~~أن لا إله إلا الله، وقطع الأنداد، وشهد أني رسول الله (وذكر اسم ربه فصلى) ~~قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها والاهتمام بمواقيتها ". قال ~~البزار: # لا يروي عن جابر إلا من هذا الوجه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عن ابن عباس في قوله (قد أفلح من تزكى) قال: من الشرك (وذكر اسم ربه) ~~قال: وحد الله (فصلى) قال: الصلوات الخمس. وأخرج البيهقي في الأسماء ~~والصفات عن ابن عباس (قد أفلح من تزكى) قال: من قال لا إله إلا الله. وأخرج ~~البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي ~~في سننه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم " أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد ~~ويتلو هذه الآية (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) ". وفي لفظ قال: " ~~سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن زكاة الفطر، فقال (قد أفلح من تزكى) ~~قال: هي زكاة الفطر " وكثير بن عبد الله ضعيف جدا، قال فيه أبو داود: هو ~~ركن من أركان الكذب، وقد صحح الترمذي حديثا من طريقه، وخطئ في ذلك، ولكنه ~~يشهد له ما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) ثم يقسم ms4279 ~~الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر " وليس في هذين الحديثين ~~PageV05P426 # ما يدل على أن ذلك سبب النزول، بل فيهما أنه صلى الله عليه وآله وسلم تلا ~~الآية وقوله: هي زكاة الفطر، يمكن أن يراد به أنها مما يصدق عليه التزكي، ~~وقد قدمنا أن السورة مكية، ولم تكن في مكة صلاة عيد ولا فطرة. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري (قد أفلح من تزكى) قال: أعطى صدقة ~~الفطر قبل أن يخرج إلى العيد (وذكر اسم ربه فصلى) قال: خرج إلى العيد وصلى. ~~وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر قال " إنما أنزلت هذه الآية في إخراج ~~صدقة الفطر قبل صلاة العيد (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) ". وأخرج ~~ابن أبي حاتم عن عطاء قال: قلت لابن عباس: أرأيت قوله (قد أفلح من تزكى) ~~للفطر قال: لم أسمع بذلك، ولكن للزكاة كلها. ثم عاودته فقال لي: والصدقات ~~كلها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ~~عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود (سبح اسم ربك الأعلى) فلما بلغ (بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا) ترك القراءة، وأقبل على أصحابه فقال: آثرنا الدنيا ~~على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها ~~وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وقال ~~(بل يؤثرون الحياة الدنيا) بالياء. وأخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه ~~وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم ~~وموسى) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " هي كلها في صحف إبراهيم ~~وموسى ". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ~~مردويه عنه في الآية قال: # نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، وفي لفظ: هذه السورة في صحف ~~إبراهيم وموسى. وأخرج عبد ابن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر قال " ~~قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب ms4280 " ~~الحديث. # تفسير سورة الغاشية هي ست وعشرون آية، وهي مكية بلا خلاف وأخرج ابن ~~الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الغاشية ~~بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وقد تقدم حديث النعمان بن بشير ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كان يقرأ سبح اسم ربك الأعلى، ~~والغاشية في صلاة العيد، ويوم الجمعة ". # سورة الغاشية (1 - 26) PageV05P427 # قوله (هل أتاك حديث الغاشية) قال جماعة من المفسرين: هل هنا بمعنى قد، ~~وبه قال قطرب: أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، وهي القيامة لأنها تغشى ~~الخلائق بأهوالها. وقيل إن بقاء هل هنا على معناها الاستفهامي المتضمن ~~للتعجيب مما في خبره، والتشويق إلى استماعه أولى. وقد ذهب إلى أن المراد ~~بالغاشية هنا القيامة أكثر المفسرين. وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: ~~الغاشية النار تغشى وجوه الكفار كما في قوله - وتغشى وجوههم النار - وقيل ~~الغاشية أهل النار لأنهم يغشونها ويقتحمونها والأول أولى. قال الكلبي: ~~المعنى إن لم يكن أتاك حديث الغاشية، فقد أتاك (وجوه يومئذ خاشعة) الجملة ~~مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما هو؟ أو مستأنفة استئنافا نحويا لبيان ~~ما تضمنته من كون ثم وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة، ووجوه ~~مرتفع على الابتداء وإن كانت نكرة لوقوعه في مقام التفصيل، وقد تقدم مثل ~~هذا في سورة القيامة، وفي سورة النازعات. # والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه: أي يوم غشيان الغاشية، والخاشعة ~~الذليلة الخاضعة، وكل متضائل ساكن يقال له خاشع، يقال خشع الصوت: إذا خفى، ~~وخشع في صلاته: إذا تذلل ونكس رأسه. والمراد بالوجوه هنا أصحابها. قال ~~مقاتل: يعني الكفار لأنهم تكبروا عن عبادة الله. قال قتادة وابن زيد: خاشعة ~~في النار، وقيل أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص، والأول أولى. قوله ~~(عاملة ناصبة) معنى عاملة أنها تعمل عملا شاقا. قال أهل اللغة: يقال للرجل ~~إذا دأب في سيره: عمل يعمل عملا، ويقال للسحاب إذا دام برقه: # قد عمل يعمل عملا. قيل ms4281 وهذا العمل هو جر السلاسل والأغلال والخوض في ~~النار (ناصبة) أي تعبة، يقال نصب بالكسر ينصب نصبا: إذا تعب، والمعنى: أنها ~~في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب الله. وقيل إن قوله (عاملة) في الدنيا ~~إذ لا عمل في الآخرة: أي تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي، وتنصب في ذلك. ~~وقيل إنها عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة، والأول أولى. قال قتادة: ~~(عاملة ناصبة) تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها الله، وأنصبها في ~~النار بجر السلاسل الثقال وحمل الأغلال والوقوف حفاة عراة في العرصات - في ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة - قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في ~~الدنيا ولم تنصب فأعملها وأنصبها في جهنم. قال الكلبي: # يجرون على وجوههم في النار. وقال أيضا: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في ~~جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض ~~في النار كما تخوض الإبل في الوحل. قرأ الجمهور (عاملة ناصبة) بالرفع فيهما ~~على أنهما خبران آخران للمبتدأ، أو على تقدير مبتدأ، وهما خبران له، وقرأ ~~ابن محيصن وعيسى وحميد PageV05P428 # وابن كثير في رواية عنه بنصبهما على الحال أو على الذم، وقوله (تصلى نارا ~~حامية) خبر آخر للمبتدأ: أي تدخل نارا متناهية في الحر، يقال حمي النهار ~~وحمى التنور: أي اشتد حرهما. قال الكسائي: يقال اشتد حمى النهار وحموه ~~بمعنى. قرأ الجمهور " تصلى " بفتح التاء مبنيا للفاعل. وقرأ أبو عمرو ~~ويعقوب وأبو بكر بضمها مبنيا للمفعول. # وقرأ أبو رجاء بضم التاء وفتح الصاد وتشديد اللام، والضمير راجع إلى ~~الوجوه على جميع هذه القراءات، والمراد أصحابها كما تقدم، وهكذا الضمير ~~(تسقى من عين آنية) والمراد بالعين الآنية: المتناهية في الحر، والآنى: ~~الذي قد انتهى حره، من الإيناء بمعنى التأخر، يقال آناه يؤنيه إيناء: أي ~~أخره وحبسه كما في قوله - يطوفون بينها وبين حميم آن - قال الواحدي: قال ~~المفسرون: لو وقعت منها نطفة على جبال الدنيا لذابت. ولما ذكر سبحانه ~~شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال (ليس لهم طعام ms4282 إلا من ضريع) هو نوع من الشوك ~~يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطبا، فإذا يبس فهو الضريع. كذا قال ~~مجاهد وقتادة وغيرهما من المفسرين. قيل وهو سم قاتل، وإذا يبس لا تقربه ~~دابة ولا ترعاه، وقيل هو شئ يرمي به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام، ~~لا من أقوات الناس، فإذا رعت منه الإبل لم تشبع وهلكت هزالا. قال الخليل: ~~الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمي به البحر. # وجمهور أهل اللغة والتفسير قالوا: بالأول، ومنه قول أبي ذؤيب: # رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوي * وعاد ضريعا بان عنه التحايص وقال الهذلي ~~يذكر إبلا وسوء مرعاها: # وحبسن في هرم الضريع وكلها * قرناء دامية اليدين جرود وقال سعيد بن جبير: ~~الضريع الحجارة، وقيل هو شجرة في نار جهنم. وقال الحسن: هو بعض ما أخفاه ~~الله من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون عنده ويذلون ويتضرعون إلى ~~الله بالخلاص منه، فسمي بذلك لأن آكله بتضرع إلى الله في أن يعفى عنه ~~لكراهته وخشونته. قال النحاس: قد يكون مشتقا من الضارع وهو الذليل: أي من ~~شربه يلحقه ضراعة وذلة. وقال الحسن: أيضا: هو الزقوم، وقيل هو واد في جهنم، ~~وقد تقدم في سورة الحاقة - فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من ~~غسلين - والغسلين غير الضريع كما تقدم، وجمع بين الآيتين بأن النار دركات، ~~فمنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين. ثم وصف سبحانه الضريع فقال ~~(لا يسمن ولا يغني من جوع) أي لا يسمن الضريع آكله ولا يدفع عنه ما به من ~~الجوع. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية. قال المشركون: إن إبلنا تسمن من ~~الضريع، فنزلت (لا يسمن ولا يغني من جوع) وكذبوا في قولهم هذا، فإن الإبل ~~لا تأكل الضريع ولا تقربه. وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبات ~~النافع. ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل ~~النار فقال (وجوه يومئذ ناعمة) أي ذات نعمة وبهجة، ms4283 وهي وجوه المؤمنين صارت ~~وجوههم ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وما أعده الله لهم من الخير الذي ~~يفوق الوصف، ومثله قوله - تعرف في وجوههم نضرة النعيم - ثم قال (لسعيها ~~راضية) أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، لأنها قد أعطيت من الأجر ما ~~أرضاها وقرت به عيونها، والمراد بالوجوه هنا أصحابها كما تقدم (في جنة ~~عالية) أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة، أو عالية القدر لأن ~~فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين (لا تسمع فيها لاغية) قرأ الجمهور " لا ~~تسمع " بفتح الفوقية ونصب لاغية: أي لا تسمع أنت أيها المخاطب، أو لا تسمع ~~تلك الوجوه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتحتية مضمومة مبنيا للمفعول ورفع ~~PageV05P429 # لاغية. وقرأ نافع بالفوقية مضمومة مبنيا للمفعول ورفع لاغية: وقرأ الفضل ~~والجحدري بفتح التحتية مبنيا للفاعل ونصب لاغية، واللغو الكلام الساقط. قال ~~الفراء والأخفش: أي لا تسمع فيها كلمة لغو. قيل المراد بذلك الكذب والبهتان ~~والكفر قاله قتادة: وقال مجاهد: أي الشتم. وقال الفراء: لا تسمع فيها حالفا ~~يحلف بكذب. # وقال الكلبي: لا تسمع في الجنة حالفا بيمين بزة ولا فاجرة. وقال الفراء ~~أيضا: لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة ~~وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، وهذا أرجح الأقوال لأن ~~النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص ~~إلا بمخصص يصلح للتخصيص، ولاغية إما صفة موصوف محذوف: أي كلمة لاغية، أو ~~نفس لاغية، أو مصدر: أي لا تسمع فيها لغوا (فيها عين جارية) قد تقدم في ~~سورة الإنسان أن فيها عيونا، والعين هنا بمعنى العيون كما في قوله - علمت ~~نفس - ومعنى جارية أنها تجري مياهها وتتدفق بأنواع الأشربة المستلذة. قال ~~الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره (فيها سرر مرفوعة) أي عالية مرتفعة السمك، ~~أو عالية القدر (وأكواب موضوعة) قد تقدم أن الأكواب جمع كوب، وأنه القدح ~~الذي لا عروة له، ومعنى موضوعة: أنها موضوعة بين ms4284 أيديهم يشربون منها ~~(ونمارق مصفوفة) النمارق: الوسائد. قال الواحدي: في قول الجميع، واحدتها ~~نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعا عن العرب نمرقة بكسرها. قال الكلبي: ~~وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض، ومنه قول الشاعر: # وإنا لنجري الكأس بين شروبنا * وبين أبي قابوس فوق النمارق وقال الآخر: ~~كهول وشبان حسان وجوههم * على سرر مصفوفة ونمارق قال في الصحاح: النمرق ~~والنمرقة وسادة صغيرة، وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب (وزرابي ~~مبثوثة) يعني البسط، واحدها زربى وزربية. قال أبو عبيدة والفراء: الزرابي ~~الطنافس التي لها خمل رقيق، واحدها زربية، والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة. ~~وقال عكرمة: بعضها فوق بعض. قال الواحدي: ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة ~~في المجالس. وبه قال القتيبي: وقال الفراء: معنى مبثوثة كثيرة، والظاهر أن ~~معنى البث: # التفرق مع كثرة، ومنه - وبث فيها من كل دابة - (أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر كما في ~~نظائره مما مر غير مرة، والجملة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه، ~~وكذا ما بعدها، وكيف منصوبة بما بعدها، والجملة في محل جر على أنها بدل ~~اشتمال من الإبل، والمعنى: # أينكرون أمر البعث ويستبعدون وقوعه، أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي غالب ~~مواشيهم وأكبر ما يشاهدونه من المخلوقات (كيف خلقت) على ما هي عليه من ~~الخلق البديع من عظم جثتها ومزيد قوتها وبديع أوصافها. قال أبو عمرو بن ~~العلاء: إنما خص الإبل لأنها من ذوات الأربع تبرك فتحمل عليها الحمولة، ~~وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم: قال الزجاج: نبههم على ~~عظيم من خلقه قد ذلله للصغير يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من ~~الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شئ من الحوامل غيره، فأراهم ~~عظيما من خلقه ليدل بذلك على توحيده. وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له ~~الفيل أعظم في الأعجوبة، فقال: # أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره ولا يؤكل ~~لحمه ولا يحلب دره، والإبل من ms4285 أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى وألقت ~~وتخرج اللبن ويأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها. ~~وقال المبرد: الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب، وهو خلاف ما ذكره أهل ~~التفسير واللغة. PageV05P430 # وروى عن الأصمعي أنه قال: من قرأ " خلقت " بالتخفيف عني به البعير، ومن ~~قرأ بالتشديد عني به السحاب (وإلى السماء كيف رفعت) أي رفعت فوق الأرض بلا ~~عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل، وقيل رفعت فلا ينالها شئ ~~(وإلى الجبال كيف نصبت) على الأرض مرساة راسخة لا تميد ولا تميل ولا تزول ~~(وإلى الأرض كيف سطحت) أي بسطت، والسطح بسط الشئ، يقال لظهر البيت إذا كان ~~مستويا: سطح. قرأ الجمهور " سطحت " مبنيا للمفعول مخففا. وقرأ الحسن: ~~بالتشديد. وقرأ علي بن أبي طالب وابن السميفع وأبو العالية: خلقت ورفعت ~~ونصبت وسطحت على البناء للفاعل وضم التاء فيها كلها. ثم أمر سبحانه رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالتذكير فقال (فذكر) والفاء لترتيب ما بعدها على ~~ما قبلها: أي فعظهم يا محمد وخوفهم ثم علل الأمر بالتذكير فقال (إنما أنت ~~مذكر) أي ليس عليك إلا ذلك، و (لست عليهم بمصيطر) المصيطر والمسيطر بالسين ~~والصاد: المسلط على الشئ ليشرف عليه ويتعهد أحواله كذا في الصحاح: أي لست ~~عليهم بمصيطر حتى تكرههم على الإيمان، وهذا منسوخ بآية السيف. قرأ الجمهور ~~" بمصيطر " بالصاد، وقرأ هشام وقنبل في رواية بالسين. وقرأ خلف بإشمام ~~الصاد زايا. وقرأ هارون الأعور بفتح الطاء اسم مفعول (إلا من تولى وكفر) ~~هذا استثناء منقطع: أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير (فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر) وهو عذاب جهنم الدائم، وقيل هو استثناء متصل من قوله (فذكر) أي ~~فذكر كل أحد إلا من انقطع طمعك عن إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر، ~~والأول أولى. وإنما قال " الأكبر " لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط ~~والقتل والأسر. # وقرأ ابن مسعود " فإنه يعذبه الله " وقرأ ابن عباس وقتادة " ألا من تولى ~~" على أنها ألا التي للتنبيه ms4286 والاستفتاح (إن إلينا إيابهم) أي رجوعهم بعد ~~الموت، يقال أب يئوب: إذا رجع، ومنه قول عبيد بن الأبرص: # وكل ذي غيبة يتوب * وغائب الموت لا يئوب قرأ الجمهور " إيابهم " ~~بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر وشيبة بالتشديد. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد ~~ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام، وقيل هما لغتان بمعنى. قال الواحدي: ~~وأما " إيابهم " بتشديد الياء فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج (ثم إن ~~علينا حسابهم) يعني جزاءهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث، وثم للتراخي في ~~الرتبة لبعد منزلة الحساب في الشدة عن منزلة الإياب. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الغاشية ~~من أسماء القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه (هل أتاك حديث الغاشية) قال: ~~الساعة (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة) قال: تعمل وتنصب في النار (تسقى من ~~عين آنية) قال: هي التي قد طال أينها (ليس لهم طعام إلا من ضريع) قال: ~~الشبرق. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة) قال: ~~يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها (تسقى من عين آنية) قال: قد ~~أنى غليانها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ~~(تصلى نارا حامية) قال: حارة، (تسقى من عين آنية) قال: انتهى حرها (ليس لهم ~~طعام إلا من ضريع) يقول: من شجر من نار. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا (إلا ~~من ضريع) قال: الشبرق اليابس. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (لا تسمع فيها ~~لاغية) يقول: لا تسمع أذى ولا باطل وفي قوله (فيها سرر مرفوعة) قال: بعضها ~~فوق بعض (ونمارق) قال: مجالس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(ونمارق) قال: المرافق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ~~(لست عليهم بمصيطر) قال: جبار (إلا من تولى وكفر) قال حسابه على الله. ~~وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضا (لست عليهم بمسيطر) ثم نسخ ذلك فقال - ~~اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - وأخرج ابن المنذر ms4287 عنه أيضا (إن إلينا ~~إيابهم) قال: مرجعهم. PageV05P431 # تفسير سورة الفجر هي ثلاثون آية، وقيل تسع وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف. ~~وأخرج ابن الضريس والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن ~~عباس قال: نزلت (والفجر) بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة ~~مثله. وأخرج النسائي عن جابر قال: " صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه ~~فطول، فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذا فقال: منافق، فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله جئت أصلى فطول ~~على، فانصرفت فصليت في ناحية المسجد فعلفت ناضحي، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: أفتان أنت يا معاذ؟ أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى، والشمس ~~وضحاها، والفجر، والليل إذا يغشى ". # سورة الفجر (1 - 14) أقسم سبحانه بهذه الأشياء كما أقسم بغيرها من ~~مخلوقاته. واختلف في الفجر الذي أقسم الله به هنا، فقيل هو الوقت المعروف، ~~وسمى فجرا لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم. وقال قتادة: إنه ~~فجر أول يوم من شهر محرم، لأن منه تتفجر السنة. وقال مجاهد: يريد يوم ~~النحر. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة، لأن الله قرن الأيام به فقال (وليال ~~عشر) أي ليالي عشر من ذي الحجة، وبه قال السدى والكلبي. وقيل المعنى: # وصلاة الفجر أو رب الفجر. والأول أولى. وجواب هذا القسم وما بعده هو قوله ~~(إن ربك لبالمرصاد) كذا قال ابن الأنباري، وقيل محذوف لدلالة السياق عليه: ~~أي ليجازين كل أحد بما عمل، أو ليعذبن، وقدره أبو حيان بما دلت عليه خاتمة ~~السورة التي قبله: أي والفجر الخ لإيابهم إلينا وحسابهم علينا، وهذا ضعيف ~~جدا، وأضعف منه قول من قال: إن الجواب قوله - هل في ذلك قسم لذي حجر - وأن ~~هل بمعنى قد، لأن هذا لا يصح أن يكون مقسما عليه أبدا (وليال عشر) هي عشر ~~ذي الحجة في قول جمهور المفسرين. وقال الضحاك: إنها الأواخر من رمضان، وقيل ~~العشر الأول من المحرم ms4288 إلى عاشرها يوم عاشوراء. قرأ الجمهور " ليال " ~~بالتنوين، وعشر صفة لها. وقرأ ابن عباس " وليالي عشر " بالإضافة، قيل ~~والمراد ليالي أيام عشر، وكان حقه على هذا أن PageV05P432 # يقال عشرة، لأن المعدود مذكر. وأجيب عنه بأنه إذا حذف المعدود جاز ~~الوجهان (والشفع والوتر) الشفع والوتر يعمان كل الأشياء شفعها ووترها، وقيل ~~شفع الليالي ووترها. وقال قتادة: الشفع والوتر شفع الصلاة ووترها، منها شفع ~~ومنها وتر. وقيل الشفع يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر. وقال ~~مجاهد وعطية العوفي: الشفع الخلق، والوتر الله الواحد الصمد، وبه قال محمد ~~بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة. وقال الربيع بن أنس وأبو العالية: هي ~~صلاة المغرب فيها ركعتان والوتر الركعة. وقال الضحاك: الشفع عشر ذي الحجة ~~والوتر أيام مني الثلاثة، وبه قال عطاء. وقيل هما آدم وحواء، لأن آدم كان ~~وترا فشفع بحواء. وقيل الشفع درجات الجنة وهي ثمان، والوتر دركات النار وهي ~~سبع، وبه قال الحسين بن الفضل. وقيل الشفع الصفا والمروة، والوتر الكعبة. ~~وقال مقاتل: الشفع الأيام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو ~~يوم القيامة وقال سفيان بن عيينة: الوتر هو الله سبحانه، وهو الشفع أيضا ~~لقوله - ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم - الآية. وقال الحسن: المراد ~~بالشفع والوتر العدد كله، لأن العدد لا يخلو عنهما. وقيل الشفع مسجد مكة ~~والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس. وقيل الشفع حجج القرآن، والوتر الإفراد. ~~وقيل الشفع الحيوان لأنه ذكر وأنثى، والوتر الجماد. وقيل الشفع ما سمى، ~~والوتر مالا يسمى. ولا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين ~~والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرد الرأي الزائف، والخاطر ~~الخاطئ. # والذي ينبغي التعويل عليه ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع ~~والوتر في كلام العرب، وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب الزوج، ~~والوتر الفرد. فالمراد بالآية إما نفس العدد أو ما يصدق عليه من المعدودات ~~بأنه شفع أو وتر. وإذا قام دليل على تعيين شئ من المعدودات في تفسير هذه ms4289 ~~الآية، فإن كان الدليل يدل على أنه المراد نفسه دون غيره فذاك، وإن كان ~~الدليل يدل على أنه مما تناولته هذه الآية لم يكن ذلك مانعا من تناولها ~~لغيره. قرأ الجمهور " والوتر " بفتح الواو. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ~~بكسرها، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل ~~الحجاز، والكسر لغة تميم. قال الأصمعي: كل فرد وتر، وأهل الحجاز يفتحون ~~فيقولون وتر في الفرد. وحكى يونس عن ابن كثير أنه قرأ بفتح الواو وكسر ~~التاء، فيحتمل أن تكون لغة ثالثة، ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء ~~إجراء للوصل مجرى الوقف (والليل إذا يسر) قرأ الجمهور " يسر " بحذف الياء ~~وصلا ووقفا اتباعا لرسم المصحف. وقرأ نافع وأبو عمرو بحذفها في الوقف ~~وإثباتها في الوصل. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب بإثباتها في الوصل ~~والوقف. قال الخليل: تسقط الياء منها موافقة لرءوس الآي. # قال الزجاج: والحذف أحب إلى لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها الياآت. قال ~~الفراء: قد تحذف العرب الياء وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد بعضهم: # كفاك كف ما تليق درهما * جودا وأخرى تعط بالسيف دما ما تليق: أي ما تمسك. ~~قال المؤرج: سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من يسر فقال: لا أجيبك ~~حتى تبيت على باب داري سنة، فبت على باب داره سنة فقال: الليل لا يسري، ~~وإنما يسرى فيه، فهو مصروف عن جهته، وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه، ~~ألا ترى إلى قوله - وما كانت أمك بغيا - ولم يقل بغية، لأنه صرفها من ~~باغية. # وفي كلام الأخفش هذا نظر، فإن صرف الشئ عن معناه لسبب من الأسباب لا ~~يستلزم صرف لفظه عن بعض ما يستحقه، ولو صح ذلك للزم في كل المجازات العقلية ~~واللفظية، واللازم باطل فالملزوم مثله، والأصل PageV05P433 # ههنا إثبات الياء، لأنها لام الفعل المضارع المرفوع، ولم تحذف لعلة من ~~العلل إلا لاتباع رسم المصحف وموافقة رؤوس الآي إجراء للفواصل مجرى ~~القوافي: ومعنى (والليل إذا يسر) إذا يمضى، كقوله - والليل إذا أدبر ms4290 - - ~~والليل إذا عسعس - وقيل معنى يسر: يسار فيه، كما يقال ليل نائم ونهار صائم، ~~كما في قول الشاعر: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم وبهذا قال ~~الأخفش والقتيبي وغيرهما من أهل المعاني، وبالأول قال جمهور المفسرين. وقال ~~قتادة وأبو العالية: # (والليل إذا يسر) أي جاء وأقبل. وقال النخعي: أي استوى. قال عكرمة وقتادة ~~والكلبي ومحمد بن كعب: # هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله سبحانه، ~~وقيل ليلة القدر لسراية الرحمة فيها. # والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي دون أخرى (هل في ذلك قسم لذي حجر) هذا ~~الاستفهام لتقرير تعظيم ما أقسم سبحانه به وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة، ~~والإشارة بقوله (ذلك إلى تلك الأمور، والتذكير بتأويل المذكور: أي هل في ~~ذلك المذكور: من الأمور التي أقسمنا بها قسم: أي مقسم به حقيق بأن تؤكد به ~~الأخبار (لذي حجر) أي عقل ولب، فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما أقسم الله به ~~من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به، ومثل هذا قوله - وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم -. قال الحسن (لذي حجر) أي لذي حلم. وقال أبو مالك: لذي ستر من الناس. ~~وقال الجمهور: الحجر العقل. قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد، لذي عقل ~~ولذي حلم ولذي ستر، الكل بمعنى العقل. وأصل الحجر المنع، يقال لمن ملك نفسه ~~ومنعها: إنه لذو حجر، ومنه سمى الحجر لامتناعه بصلابته، ومنه حجر الحاكم ~~على فلان: أي منعه. قال والعرب تقول: إنه لذو حجر: إذا كان قاهرا لنفسه ~~ضابطا لها. ثم ذكر سبحانه على طريقة الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض ~~طوائف الكفار بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيرا للكفار في عصر ~~نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وتخويفا لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال (ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) قرأ الجمهور بتنوين " عاد " على أن ~~يكون إرم عطف بيان لعاد، والمراد بعاد اسم أبيهم، وإرم اسم القبيلة أو بدلا ms4291 ~~منه، وامتناع صرف إرم للتعريف والتأنيث. وقيل المراد بعاد أولاد عاد، وهم ~~عاد الأولى، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى، فيكون ذكر إرم على طريقة عطف ~~البيان أو البدل، للدلالة على أنهم عاد الأولى لا عاد الأخرى، ولا بد من ~~تقدير مضاف على كلا القولين: أي أهل إرم، أو سبط إرم؟ فإن إرم هو جد عاد، ~~لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقرأ الحسن وأبو العالية بإضافة عاد ~~إلى إرم. وقرأ الجمهور " إرم " بكسر الهمزة. وفتح الراء والميم. وقرأ الحسن ~~ومجاهد وقتادة والضحاك " أرم " بفتح الهمزة والراء، وقرأ معاذ بسكون الراء ~~تخفيفا، وقرئ بإضافة إرم إلى ذات العماد. قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة ~~شبههم بالإرم التي هي الأعلام واحدها أرم، وفي الكلام تقديم وتأخير: أي ~~والفجر وكذا وكذا (إن ربك لبالمرصاد) ألم تر: أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ~~ربك بعاد، وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~أو لكل من يصلح له، وقد كان أمر عاد وثمود مشهورا عند العرب، لأن ديارهم ~~متصلة بديار العرب، وكانوا يسمعون من أهل الكتاب أمر فرعون. وقال مجاهد ~~أيضا: إرم أمة من الأمم، وقال قتادة: هي قبيلة من عاد، وقيل هما عادان، ~~فالأولى هي إرم، ومنه قول قيس بن الرقيات: # مجدا تليدا بناه أولهم * أدرك عادا وقبله إرم PageV05P434 # قال معمر: إرم إليه مجتمع عاد وثمود، وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود، وكانت ~~القبيلتان تنسب إلى إرم. # قال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى إرم. ومعنى ذات العماد: ذات القوة ~~والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، كذا قال الضحاك. وقال قتادة ومجاهد: إنهم ~~كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم. وقال ~~مقاتل: ذات العماد يعني طولهم، كان طول الرجل منهم اثنى عشرة ذراعا، ويقال ~~رجل طويل العماد: أي القامة. قال أبو عبيدة: ذات العماد ذات الطول، يقال ~~رجل معمد: إذا كان طويلا. وقال مجاهد وقتادة: أيضا كان عمادا لقومهم، يقال ~~فلان عميد ms4292 القوم وعمودهم: أي سيدهم. وقال ابن زيد: ذات العماد يعني إحكام ~~البنيان بالعمد. قال في الصحاح: والعماد الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث، قال ~~عمرو بن كلثوم: # ونحن إذا عماد الحي خرت * على الإخفاض نمنع من يلينا وقال عكرمة وسعيد ~~المقبري: هي دمشق، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وقال محمد بن كعب: # هي الإسكندرية (التي لم يخلق مثلها في البلاد) هذه صفة لعاد: أي لم يخلق ~~مثل تلك القبيلة في الطول والشدة والقوة، وهم الذين قالوا - من أشد منا قوة ~~- أو صفة للقرية على قول من قال: إن إرم اسم لقريتهم أو للأرض التي كانوا ~~فيها. والأول أولى، ويدل عليه قراءة أبي " التي لم يخلق مثلهم في البلاد " ~~وقيل الإرم الهلاك. قال الضحاك إرم ذات العماد: أي أهلكهم فجعلهم رميما، ~~وبه قال شهر بن حوشب. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ذات العماد اسم ~~مدينة مبنية بالذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها، وإن حصباءها جواهر ~~وترابها مسك، وليس بها أنيس ولا فيها ساكن من بني آدم، وإنها لا تزال تنتقل ~~من موضع إلى موضع، فتارة تكون باليمن، وتارة تكون بالشام، وتارة تكون ~~بالعراق، وتارة تكون بسائر البلاد، وهذا كذب بحت لا ينفق على من له أدنى ~~تميز، وزاد الثعلبي في تفسيره فقال: إن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية ~~دخل هذه المدينة، وهذا كذب على كذب وافتراء على افتراء، وقد أصيب الإسلام ~~وأهله بداهية دهياء وفاقرة عظمي ورزية كبرى من أمثال هؤلاء الكذابين ~~الدجالين الذين يجترئون على الكذب، تارة على بني إسرائيل، وتارة على ~~الأنبياء، وتارة على الصالحين، وتارة على رب العالمين، وتضاعف هذا الشر ~~وزاد كثرة بتصدر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ضعيفها من ~~موضوعها للتصنيف والتفسير للكتاب العزيز، فأدخلوا هذه الخرافات المختلفة ~~والأقاصيص المنحولة والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله سبحانه، فحرفوا ~~وغيروا وبدلوا. ومن أراد أن يقف على بعض ما ذكرنا فلينظر في كتابي الذي ~~سميته الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. ثم عطف ms4293 سبحانه القبيلة ~~الآخرة، وهي ثمود على قبيلة عاد فقال (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) وهم ~~قوم صالح سموا باسم جدهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، ومعنى جابوا ~~الصخر: قطعوه، والجوب القطع، ومنه جاب البلاد: إذا قطعها، ومنه سمى جيب ~~القميص لأنه جيب: أي قطع. قال المفسرون: أول من نحت الجبال والصخور ثمود، ~~فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومنه قوله سبحانه - ~~وتنحتون من الجبال بيوتا آمنين - وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون ~~تلك الأنقاب بيوتا يسكنون فيها، وقوله (بالواد) متعلق بجابوا، أو بمحذوف ~~على أنه حال من الصخر، وهو وادي القرى. قرأ الجمهور " ثمود " بمنع الصرف ~~على أنه اسم للقبيلة، ففيه التأنيث والتعريف. وقرأ يحيى بن وثاب بالصرف على ~~أنه اسم لأبيها. وقرأ الجمهور أيضا بالواد بحذف الياء وصلا ووقفا اتباعا ~~لرسم المصحف. وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما. وقرأ قنبل في رواية عنه ~~بإثباتها في الوصل دون الوقف (وفرعون ذي الأوتاد) أي ذو الجنود الذين لهم ~~خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد، أو جعل الجنود أنفسهم أوتادا لأنهم يشدون ~~الملك كما تشد الأوتاد الخيام، وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها ويشدهم ~~PageV05P435 # إليها. وقد تقدم بيان هذا في سورة ص (الذين طغوا في البلاد) الموصول صفة ~~لعاد وثمود وفرعون: أي طغت كل طائفة منهم في بلادهم وتمردت وعتت، والطغيان ~~مجاوزة الحد (فأكثروا فيها الفساد) بالكفر ومعاصي الله والجور على عباده، ~~ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف: أي هم الذين ~~طغوا، أو في محل نصب على الذم (فصب عليهم ربك سوط عذاب) أي أفرغ عليهم ~~وألقى على تلك الطوائف سوط عذاب، وهو ما عذبهم به. قال الزجاج: جعل صوته ~~الذي ضربهم به العذاب، يقال: صب على فلان خلعة: أي ألقاها عليه، ومنه قول ~~النابغة: # فصب عليه الله أحسن صبغة * وكان له بين البرية ناصر ومنه قول الآخر: ألم ~~تر أن الله أظهر دينه * وصب على الكفار سوط عذاب ومعنى صوت عذاب: ms4294 نصيب ~~عذاب، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو ~~بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. ~~وقيل ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم، وكان السوط عندهم هو نهاية ما ~~يعذب به. قال الفراء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ~~ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه عندهم ~~غاية العذاب. وقيل معناه: عذاب يخالط اللحم والدم، من قولهم ساطه يسوطه ~~سوطا: أي خلطه، فالسوط خلط الشئ بعضه ببعض، ومنه قول كعب بن زهير: # لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وإخلاف وتبديل * وقال الآخر: أحارث ~~إنا لو تساط دماؤنا * تزايلن حتى لا يمس دم دما وقال آخر: فسطها ذميم الرأي ~~غير موفق * فلست على تسويطها بمعان * (إن ربك لبالمرصاد) قد قدمنا قول من ~~قال إن هذا جواب القسم. والأولى أن الجواب محذوف، وهذه الجملة تعليل لما ~~قبلها، وفيها إرشاد إلى أن كفار قومه صلى الله عليه وآله وسلم سيصيبهم ما ~~أصاب أولئك الكفار، ومعنى بالمرصاد: أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه ~~بالخير خيرا وبالشر شرا. قال الحسن وعكرمة: أي عليه طريق العباد لا يفوته ~~أحد، والرصد والمرصاد: الطريق. وقد تقدم بيانه في سورة براءة، وتقدم أيضا ~~عند قوله - إن جهنم كانت مرصادا -. # وقد أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في ~~الشعب عن ابن عباس في قوله (والفجر) قال: فجر النهار. وأخرج ابن جرير عنه ~~قال: يعني صلاة الفجر. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وابن عساكر ~~عنه أيضا في قوله (والفجر) قال: هو المحرم فجر السنة، وقد ورد في فضل صوم ~~شهر محرم أحاديث صحيحة، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية لا مطابقة ولا ~~تضمنا ولا التزاما. وأخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر ~~والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن جابر ms4295 " أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال (والفجر وليال عشر والشفع والوتر) قال: إن العشر عشر ~~الأضحى، والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر. وفي لفظ: هي ليالي من ذي ~~الحجة ". وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبد الله أنه دخل على ابن عمر هو ~~وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو ~~سلمة: أليس هذه الليالي العشر التي ذكرها الله في القرآن؟ فقال ابن عمر: ~~وما يدريك؟ قال: ما أشك، قال: بلى فاشكك. وقد PageV05P436 # ورد في فضل هذه العشر أحاديث، وليس فيها ما يدل على أنها المرادة بما في ~~القرآن هنا بوجه من الوجوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في ~~قوله (وليال عشر) قال: هي العشر الأواخر من رمضان. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ~~والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه عن عمران ~~بن حصين " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الشفع والوتر، فقال: هي ~~الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر "، وفي إسناده رجل مجهول، وهو الراوي له عن ~~عمران بن حصين. وقد روى عن عمران بن عصام على عمران بن حصين بإسقاط الرجل ~~المجهول. وقال الترمذي بعد إخراجه بالإسناد الذي فيه الرجل المجهول: هو ~~حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة. قال ابن كثير: وعندي أن وقفه على ~~عمران بن حصين أشبه، والله أعلم. قال: ولم يجزم ابن جرير بشئ من هذه ~~الأقوال في الشفع والوتر. وقد أخرج هذا الحديث موقوفا على عمران بن حصين ~~عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، فهذا يقوى ما قاله ابن كثير. وأخرج عبد ~~بن حميد عن ابن عباس في قوله (والشفع والوتر) فقال: كل شئ شفع فهو اثنان، ~~والوتر واحد. وأخرج الطبراني وابن مردويه، قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي ~~أيوب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أنه سئل عن الشفع والوتر فقال: ~~يومان وليلة. # يوم عرفة، ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ms4296 ليلة جمع ". وأخرج ابن جرير عن ~~جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " الشفع اليومان، والوتر ~~اليوم الثالث ". وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد ابن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن ~~الشفع والوتر فقال: الشفع قول الله - فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه - ~~والوتر اليوم الثالث. وفي لفظ: الوتر أوسط أيام التشريق. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن ~~عباس قال: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. وأخرج ابن جرير عنه (والليل ~~إذا يسر) قال: إذا ذهب. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ (والفجر) ~~إلى قوله (إذا يسر) قال: هذا قسم على إن ربك بالمرصاد. وأخرج الفريابي وابن ~~أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ~~الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله (قسم لذي حجر) قال: لذي حجى وعقل ونهى. ~~وأخرج ابن جرير عنه في قوله (بعاد إرم) قال: يعني بالإرم الهالك، ألا ترى ~~أنك تقول أرم بنو فلان (ذات العماد) يعني طولهم مثل العماد. وأخرج ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه ذكر (إرم ذات العماد) فقال: # كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي ~~أراد فيهلكهم، وفي إسناده رجل مجهول لأن معاوية بن صالح رواه عمن حدثه عن ~~المقدام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ~~(جابوا الصخر بالواد) قال: خرقوها. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: كانوا ~~ينحتون من الجبال بيوتا (وفرعون ذي الأوتاد) قال: الأوتاد: الجنود الذين ~~يشدون له أمره. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله (ذي الأوتاد) قال: ~~وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت. # وأخرج ms4297 ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ~~(إن ربك لبالمرصاد) قال: يسمع ويرى. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في ~~الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله (إن ربك لبالمرصاد) قال: # من وراء الصراط جسور: جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب ~~عز وجل. PageV05P437 # سورة الفجر (15 - 30) لما ذكر سبحانه أنه بالمرصاد ذكر ما يدل على اختلاف ~~أحوال عباده عند إصابة الخير وعند إصابة الشر، وأن مطمح أنظارهم ومعظم ~~مقاصدهم هو الدنيا فقال (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه) أي امتحنه ~~واختبره بالنعم (فأكرمه ونعمه) أي أكرمه بالمال ووسع عليه رزقه (فيقول ربي ~~أكرمن) فرحا بما نال وسرورا بما أعطى، غير شاكر لله على ذلك ولا خاطر بباله ~~أن ذلك امتحان له من ربه واختبار لحاله وكشف لما يشتمل عليه من الصبر ~~والجزع والشكر للنعمة وكفرانها، إلا و " ما " في قوله (إذا ما) زائدة، ~~وقوله (فأكرمه ونعمه) تفسير للابتلاء ومعنى (أكرمن) أي فضلني بما أعطاني من ~~المال وأسبغه على من النعم لمزيد استحقاقي لذلك وكوني موضعا له، والإنسان ~~مبتدأ، وخبره " فيقول ربي أكرمن " ودخلت الفاء فيه لتضمن أما معنى الشرط ~~والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر وإن تقدم لفظا فهو مؤخر في المعنى: أي ~~فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام. # قال الكلبي: الإنسان هو الكافر أبي بن خلف. وقال مقاتل: نزلت في أمية بن ~~خلف، وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة وأبي حذيفة بن المغيرة (وأما إذا ما ~~ابتلاه) أي اختبره وعامله معاملة من يختبره (فقدر عليه رزقه) أي ضيقه ولم ~~يوسعه له، ولا بسط له فيه (فيقول ربي أهانن) أي أولاني هوانا، وهذه صفة ~~الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في ~~متاعها، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما ~~المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ويوفقه لعمل الآخرة، ويحتمل أن ~~يراد الإنسان على العموم لعدم تيقظه أن ما صار ms4298 إليه من الخير وما أصيب به ~~من الشر في الدنيا ليس إلا للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل ~~عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ~~ماء. قرأ نافع بإثبات الياء في " أكرمن وأهانن " وصلا وحذفهما وقفا، وقرأ ~~ابن كثير في رواية البزي عنه وابن محيصن ويعقوب بإثباتهما وصلا ووقفا، وقرأ ~~الباقون بحذفهما في الوصل والوقف اتباعا لرسم المصحف ولموافقة رؤوس الآي، ~~والأصل إثباتها لأنها اسم، ومن الحذف قول الشاعر: # ومن كاشح ظاهر غمره * إذا ما انتصبت له أنكرن PageV05P438 # أي أنكرني. وقرأ الجمهور " فقدر " بالتخفيف، وقرأ ابن عامر عامر ~~بالتشديد، وهما لغتان. وقرأ الحرميان وأبو عمرو ربي بفتح الياء في الموضعين ~~وأسكنها الباقون. وقوله (كلا) ردع للإنسان القائل في الحالتين ما قال وزجر ~~له، فإن الله سبحانه قد يوسع الرزق ويبسط النعم للإنسان لا لكرامته، ويضيقه ~~عليه لا لإهانته، بل للاختبار والامتحان كما تقدم. قال الفراء: كلا في هذا ~~الموضع بمعنى أنه لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد الله على ~~الغنى والفقر. ثم انتقل سبحانه من بيان سوء أقوال الإنسان إلى بيان سوء ~~أفعاله فقال (بل لا تكرمون اليتيم) والالتفات إلى الخطاب لقصد التوبيخ ~~والتقريع على قراءة الجمهور بالفوقية. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالتحتية على ~~الخبر، وهكذا اختلفوا فيما بعد هذا من الأفعال، فقرأ الجمهور " تحضون " ~~وتأكلون، وتحبون " بالفوقية على الخطاب فيها. وقرأ أبو عمرو ويعقوب ~~بالتحتية فيها، والجمع في هذه الأفعال باعتبار معنى الإنسان، لأن المراد به ~~الجنس: أي بل لكم أفعال هي أقبح مما ذكر، وهي أنكم تتركون إكرام اليتيم ~~فتأكلون ماله وتمنعونه من فضل أموالكم. قال مقاتل: نزلت في قدامة بن مظعون ~~وكان يتيما في حجر أمية بن خلف (ولا تحضون على طعام المسكين) قرأ الجمهور " ~~تحضون " من حضه على كذا: أي أغراه به، ومفعوله محذوف: أي لا تحضون أنفسكم، ~~أو لا يحض بعضكم بعضا على ذلك ولا يأمر به ولا يرشد إليه، وقرأ الكوفيون ~~تحاضون بفتح ms4299 التاء والحاء بعدها ألف، وأصله تتحاضون، فحذف إحدى التاءين: أي ~~لا يحض بعضكم بعضا. وقرأ الكسائي في رواية عنه والسلمي " تحاضون " بضم ~~التاء من الحض، وهو الحث، وقوله (على طعام المسكين) متعلق بتحضون، وهو إما ~~اسم مصدر: أي على إطعام المسكين، أو اسم للمطعوم، ويكون على حذف مضاف: أي ~~على بذل طعام المسكين، أو على إعطاء طعام المسكين (وتأكلون التراث) أصله ~~الوراث، فأبدلت التاء من الواو المضمومة، كما في تجاه ووجاه، والمراد به ~~أموال اليتامى الذين يرثونه من قراباتهم، وكذلك أموال النساء، وذلك أنهم ~~كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أموالهم (أكلا لما) أي أكلا ~~شديدا، وقيل معنى لما جمعا، من قولهم: # لممت الطعام: إذا أكلته جميعا. قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وكذا ~~قال أبو عبيدة. وأصل اللم في كلام العرب: الجمع، يقال لممت الشئ ألمه لما: ~~جمعته، ومنه قولهم: لم الله شعثه: أي جمع ما تفرق من أموره، ومنه قول ~~النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب قال الليث: اللم ~~الجمع الشديد، ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة، وللآكل يلم الثريد فيجمعه ثم ~~يأكله. # وقال مجاهد: يسفه سفا. وقال ابن زيد: هو إذا أكل ما له ألم بمال غيره ~~فأكله ولا يفكر فيما أكل من خبيث وطيب (وتحبون المال حبا جما) أي حبا ~~كثيرا، والجم الكثير، يقال جم الماء في الحوض: إذا كثر واجتمع، والجمة: # المكان الذي يجتمع فيه الماء. ثم كرر سبحانه الردع لهم والزجر فقال (كلا) ~~أي ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم. # ثم استأنف سبحانه فقال (إذا دكت الأرض دكا دكا) وفيه وعيد لهم بعد الردع ~~والزجر، والدك: الكسر والدق، والمعنى هنا: أنها زلزلت وحركت تحريكا بعد ~~تحريك. قال ابن قتيبة: دكت جبالها حتى استوت. قال الزجاج: # أي تزلزلت فدك بعضها بعضا. قال المبرد: أي بسطت وذهب ارتفاعها. قال ~~والدك: حط المرتفع بالبسط، وقد تقدم الكلام على الدك في سورة الأعراف، وفي ~~سورة الحاقة، والمعنى: أنها دكت مرة بعد أخرى، وانتصاب دكا ms4300 الأول على أنه ~~مصدر مؤكد للفعل، ودكا الثاني تأكيد للأول، كذا قال ابن عصفور. ويجوز أن ~~يكون النصب على الحال: أي حال كونها مدكوكة مرة بعد مرة، كما يقال: علمته ~~الحساب بابا بابا، وعلمته PageV05P439 # الخط حرفا حرفا، والمعنى: أنه كرر الدك عليها حتى صارت هباء منبثا (وجاء ~~ربك) أي جاء أمره وقضاؤه، وظهرت آياته، وقيل المعنى: أنها زالت الشبه في ~~ذلك اليوم وظهرت المعارف وصارت ضرورية كما يزول الشك عند مجئ الشئ الذي كان ~~يشك فيه، وقيل جاء قهر ربك وسلطانه وانفراده بالأمر والتدبير من دون أن ~~يجعل إلى أحد من عباده شيئا من ذلك (والملك صفا صفا) انتصاب صفا صفا على ~~الحال: أي مصطفين، أو ذوي صفوف. قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل ~~سماه صف على حدة. قال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفا ~~محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبعة صفوف (وجئ يومئذ بجهنم) يومئذ منصوب ~~بجئ، والقائم مقام الفاعل بجهنم، وجوز مكي أن يكون يومئذ هو القائم مقام ~~الفاعل، وليس بذاك. قال الواحدي: قال جماعة من المفسرين: جئ بها يوم ~~القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب ~~عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول يا رب ~~نفسي نفسي. وسيأتي الذي هذا نقله عن جماعة المفسرين مرفوعا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إن شاء الله (يومئذ يتذكر الإنسان) يومئذ هذا بدل ~~من يومئذ الذي قبله: أي يوم جئ بجهنم يتذكر الإنسان: أي يتعظ ويذكر ما فرط ~~منه ويندم على ما قدمه في الدنيا من الكفر والمعاصي. وقيل إن قوله " يومئذ ~~" الثاني بدل من قوله " إذا دكت " والعامل فيهما هو قوله " يتذكر الإنسان " ~~(وأني له الذكرى) أي ومن أين له التذكر والاتعاظ، وقيل هو على حذف مضاف: أي ~~ومن أين له منفعة الذكرى. قال الزجاج: يظهر التوبة ومن أين له التوبة؟ # (يقول يا ليتني قدمت لحياتي) الجملة مستأنفة ms4301 جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ~~ماذا يقول الإنسان، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من قوله: يتذكر، والمعنى: ~~يتمنى أنه قدم الخير والعمل الصالح، واللام في لحياتي بمعنى لأجل حياتي، ~~والمراد حياة الآخرة، فإنها الحياة بالحقيقة، لأنها دائمة غير منقطعة. وقيل ~~إن اللام بمعنى في، والمراد حياة الدنيا: أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة ~~في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها هذا اليوم، والأول أولى. قال الحسن: علم ~~والله أنه صادف حياة طويلة لا موت فيها (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد) أي يوم ~~يكون زمان ما ذكر من الأحوال لا يعذب كعذاب الله أحد (ولا يوثق) ك‍ (وثاقه ~~أحد) أو لا يتولى عذاب الله ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله له، والضميران ~~على التقديرين في عذابه ووثاقه لله عز وجل، وهذا على قراءة الجمهور يعذب ~~ويوثق مبنيين للفاعل. وقرأ الكسائي على البناء للمفعول فيهما، فيكون ~~الضميران راجعين إلى الإنسان: أي لا يعذب كعذاب ذلك الإنسان أحد ولا يوثق ~~كوثاقه أحد، والمراد بالإنسان الكافر: أي لا يعذب من ليس بكافر كعذاب ~~الكافر، وقيل إبليس، وقيل المراد به أبي بن خلف. قال الفراء: المعنى أنه لا ~~يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد ~~لتناهيه في الكفر والعناد. وقيل المعنى: أنه لا يعذب مكانه أحد ولا يوثق ~~مكانه أحد، فلا تؤخذ منه فدية، وهو كقوله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - ~~والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى التوثيق، واختار أبو عبيد وأبو حاتم ~~قراءة الكسائي، قال: وتكون الهاء في الموضعين ضمير الكافر، لأنه معروف أنه ~~لا يعذب أحد كعذاب الله. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون الضمير للكافر ~~على قراءة الجماعة: أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر. ولما فرغ ~~سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال السعداء فقال (يا أيتها ~~النفس المطمئنة) المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، ~~الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب. قال الحسن: هي ~~المؤمنة الموقنة. # وقال ms4302 مجاهد: الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، ~~وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. PageV05P440 # وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان: المطمئنة بذكر الله، ~~وقيل المخلصة. قال ابن زيد: المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند ~~البعث (ارجعي إلى ربك) أي ارجعي إلى الله (راضية) بالثواب الذي أعطاك ~~(مرضية) عنده، وقيل ارجعي إلى موعده، وقيل إلى أمره. وقال عكرمة وعطاء: ~~معنى (ارجعي إلى ربك) إلى جسدك الذي كنت فيه، واختاره ابن جرير، ويدل على ~~هذا قراءة ابن عباس " فادخلي في عبدي " بالإفراد، والأول أولى (فادخلي في ~~عبادي) أي في زمرة عبادي الصالحين وكوني من جملتهم وانتظمي في سلكهم ~~(وادخلي جنتي) معهم قيل إنه يقال لها ارجعي إلى ربك عند خروجها من الدنيا، ~~ويقال لها: ادخلي في عبادي وادخلي جنتي يوم القيامة، والمراد بالآية كل نفس ~~مطمئنة على العموم، ولا ينافي ذلك نزولها في نفس معينة، فالاعتبار بعموم ~~اللفظ، لا بخصوص السبب. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~في قوله (أكلا لما) قال: # سفا، وفي قوله (حبا جما) قال: شديدا، وأخرج ابن جرير عنه (أكلا لما) قال: ~~شديدا: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (إذا دكت الأرض دكا ~~دكا) قال: تحريكها. وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ~~". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وأنى له الذكرى) ~~يقول: وكيف له؟ وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله (فيومئذ لا يعذب) الآية ~~قال: لا يعذب بعذاب الله أحد ولا يوثق بوثاق الله أحد. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن مردويه والضياء في المختارة عنه أيضا في قوله (يا أيتها النفس ~~المطمئنة) قال: المؤمنة (ارجعي إلى ربك) يقول: # إلى جسدك. ms4303 قال " نزلت هذه الآية وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله ما ~~أحسن هذا، فقال: أما إنه سيقال لك هذا ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير نحوه مرسلا. ~~وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول نحوه عن أبي بكر الصديق وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (يأيتها النفس المطمئنة) قال: هو النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال (النفس المطمئنة) ~~المصدقة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال: ترد الأرواح يوم القيامة ~~في الأجساد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله (ارجعي إلى ربك راضية) ~~قال: بما أعطيت من الثواب (مرضية) عنها بعملها (فادخلي في عبادي) المؤمنين. ~~وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير قال: # مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خلقته فدخل نعشه، ثم لم ير ~~خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها ~~(يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي ~~جنتي). وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عكرمة مثله. PageV05P441 # تفسير سورة البلد ويقال سورة لا أقسم، هي عشرون آية وهي مكية بلا خلاف. ~~وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ~~لا أقسم بهذا البلد بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. # سورة البلد (1 - 20) قوله (لا أقسم) لا زائدة، والمعنى أقسم (بهذا البلد) ~~وقد تقدم الكلام على هذا في تفسير - لا أقسم بيوم القيامة - ومن زيادة " لا ~~" في الكلام في غير القسم قول الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة * وكاد صميم القلب لا يتصدع أي يتصدع، ومن ذلك ~~قوله - ما منعك أن لا تسجد - أي أن تسجد. قال الواحدي: أجمع المفسرون على ~~أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة. قرأ الجمهور " لا أقسم " وقرأ الحسن ~~والأعمش " لأقسم " من غير ألف، وقيل هو نفي للقسم، ms4304 والمعنى: لا أقسم بهذا ~~البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. وقال مجاهد: إن " لا " رد على من أنكر ~~البعث، ثم ابتدأ فقال أقسم، والمعنى: ليس الأمر كما تحسبون، والأول أولى. ~~والمعنى: أقسم بالبلد الحرام الذي أنت حل فيه. وقال الواسطي: إن المراد ~~بالبلد المدينة، وهو مع كونه خلاف إجماع المفسرين هو أيضا مدفوع لكون ~~السورة مكية لا مدنية، وجملة قوله (وأنت حل بهذا البلد) معترضة، والمعنى: ~~أقسم بهذا البلد (ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد) واعترض بينهما ~~بهذه الجملة، والمعنى: ومن المكابد أن مثلك على عظيم حرمته يستحل بهذا ~~البلد كما يستحل الصيد في غير الحرم. وقال الواحدي: الحل والحلال والمحل ~~واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم مكة يوم ~~الفتح حتى قاتل، وقد قال صلى الله عليه وآله PageV05P442 # وسلم " لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من ~~نهار " قال: والمعنى أن الله لما ذكر القسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها مع ~~كونها حراما، فوعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يحلها له حتى يقاتل ~~فيها ويفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها ~~حلا انتهى. فالمعنى: وأنت جل بهذا البلد في المستقبل، كما في قوله - إنك ~~ميت وإنهم ميتون - قال مجاهد: المعنى ما صنعت فيه من شئ فأنت حل. # قال قتادة أنت حل به لست بآثم: يعني أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم ~~عليك ارتكابه، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر والمعاصي. وقيل ~~المعنى: لا أقسم بهذا البلد وأنت حال به ومقيم فيه وهو محلك، فعلى القول ~~بأن لا نافية غير زائدة يكون المعنى: لا أقسم به وأنت حال به، فأنت أحق ~~بالإقسام بك، وعلى القول بأنها زائدة يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الذي ~~أنت مقيم به تشريفا لك وتعظيما لقدرك لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيما شريفا، ~~وزاد على ما كان عليه من ms4305 الشرف والعظم، ولكن هذا إذا تقرر في لغة العرب أن ~~لفظ حل يجئ بمعنى حال، وكما يجوز أن تكون الجملة معترضة يجوز أن تكون في ~~محل نصب على الحال (ووالد وما ولد) عطف على البلد. قال قتادة ومجاهد ~~والضحاك والحسن وأبو صالح (ووالد) أي آدم (وما ولد) أي وما تناسل من ولده ~~أقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والعقل ~~والتدبير، وفيهم الأنبياء والعلماء والصالحون. وقال أبو عمران الجوني: ~~الوالد إبراهيم، وما ولد: ذريته. قال الفراء: إن " ما " عبارة عن الناس ~~كقوله - ما طاب لكم - وقيل الوالد إبراهيم، والولد إسماعيل ومحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. وقال عكرمة وسعيد ابن جبير: (ووالد) يعني الذي يولد له ~~(وما ولد) يعني العاقر الذي لا يولد له، وكأنهما جعلا ما نافية، وهو بعيد، ~~ولا يصح ذلك إلا بإضمار الموصول: أي ووالد والذي ما ولد، ولا يجوز إضمار ~~الموصول عند البصريين، وقال عطية العوفي: هو عام في كل والد ومولود من جميع ~~الحيوانات، واختار هذا ابن جرير (لقد خلقنا الإنسان في كبد) هذا جواب ~~القسم، والإنسان هو هذا النوع الإنساني، والكبد: الشدة والمشقة، يقال كابدت ~~الأمر: # قاسيت شدته، والإنسان لا يزال في مكابدة الدنيا ومقاساة شدائدها حتى ~~يموت، وأصل الكبد الشدة، ومنه تكبد اللبن: إذا غلط واشتد، ويقال كبد الرجل: ~~إذا وجعت كبده، ثم استعمل في كل شدة ومشقة، ومنه قول أبي الأصبغ: # لي ابن عم لو أن الناس في كبد * لظل محتجرا بالنبل يرميني قال الحسن: ~~يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال أيضا: يكابد الشكر على السراء، ~~ويكابد الصبر على الضراء، لا يخلو عن أحدهما. قال الكلبي: نزلت هذه الآية ~~في رجل من بني جمح يقال له أبو الأشدين، وكان يأخذ الأديم العكاظي ويجعله ~~تحت رجليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول ~~قدماه، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه نزل (أيحسب أن ~~لن يقدر عليه أحد) ms4306 يعني لقوته، ويكون معنى (في كبد) على هذا: في شدة خلق، ~~وقيل معنى (في كبد) أنه جرئ القلب غليظ الكبد (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) ~~أي يظن ابن آدم أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد، أو يظن أبو الأشدين أن ~~لن يقدر عليه أحد، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمهما ضمير شأن مقدر. ثم ~~أخبر سبحانه عن مقال هذا الإنسان فقال (يقول أهلكت مالا لبدا) أي كثيرا ~~مجتمعا بعضه على بعض. قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته. قال ~~الكلبي ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالا كثيرا. وقال مقاتل: نزلت في ~~الحارث بن عامر بن نوفل: أذنب، فاستفتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في PageV05P443 # الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد. قرأ الجمهور " لبدا " بضم اللام ~~وفتح الباء مخففا. وقرأ مجاهد وحميد بضم اللام والباء مخففا. وقرأ أبو جعفر ~~بضم اللام وفتح الباء مشددا. قال أبو عبيدة: لبد فعل من التلبيد، وهو المال ~~الكثير بعضه على بعض. قال الزجاج: فعل للكثرة، يقال رجل حطم: إذا كان كثير ~~الحطم. قال الفراء: # واحدته لبدة والجمع لبد. وقد تقدم بيان هذا في سورة الجن (أيحسب أن لم ~~يره أحد) أي أيظن أنه لم يعاينه أحد. # قال قتادة: أيظن أن الله سبحانه لم يره ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، ~~وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبا لم ينفق ما قال، فقال الله: أيظن أن ~~الله لم ير ذلك منه، فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق. ثم ذكر سبحانه ما ~~أنعم به عليهم ليعتبروا فقال (ألم نجعل له عينين) يبصر بهما (ولسانا) ينطق ~~به (وشفتين) يستر بهما ثغره. قال الزجاج: # المعنى ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على أن يبعثه، والشفة محذوفة ~~اللام، وأصلها شفهة بدليل تصغيرها على شفيهة (وهديناه النجدين) النجد: ~~الطريق في ارتفاع. قال المفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر. قال ~~الزجاج: ms4307 المعنى ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، مبينتين كتبين الطريقين ~~العاليتين. وقال عكرمة وسعيد بن المسيب والضحاك. النجدان: الثديان لأنهما ~~كالطريقين لحياة الولد ورزقه، والأول أولى. وأصل النجد المكان المرتفع، ~~وجمعه نجود، ومنه سميت نجد لارتفاعها عن انخفاض تهامة، فالنجدان الطريقان ~~العاليان، ومنه قول امرئ القيس: # فريقان منهم قاطع بطن نخلة * وآخر منهم قاطع نجد كبكب (فلا اقتحم العقبة) ~~الاقتحام: الرمي بالنفس في شئ من غير روية، يقال منه: قحم في الأمر قحوما: ~~أي رمى بنفسه فيه من غير روية، وتقحيم النفس في الشئ: إدخالها فيه من غير ~~روية، والقحمة بالضم المهلكة. # والعقبة في الأصل الطريق التي في الجبل، سميت بذلك لصعوبة سلوكها، وهو ~~مثل ضربه سبحانه لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي ~~يتكلف صعود العقبة. قال الفراء والزجاج: ذكر سبحانه هنا " لا " مرة واحدة، ~~والعرب لا تكاد تفرد لا مع الماضي في مثل هذا الموضع حتى يعيدوها في كلام ~~آخر كقوله - فلا صدق ولا صلى - وإنما أفردها هنا لدلالة آخر الكلام على ~~معناه، فيجوز أن يكون قوله " ثم كان من الذين آمنوا " قائما مقام التكرير ~~كأنه قال: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن. قال المبرد وأبو علي الفارسي: إن " ~~لا " هنا بمعنى لم: أي فلم يقتحم العقبة، وروى نحو ذلك عن مجاهد، فلهذا لم ~~يحتج إلى التكرير، ومنه قول زهير: # وكان طوى كشحا على مستبكنة * فلا هو أبداها ولم يتقدم أي فلم يبدها ولم ~~يتقدم، وقيل هو جار مجرى الدعاء كقولهم: لانجاء. قال أبو زيد وجماعة من ~~المفسرين: # معنى الكلام هنا الاستفهام الذي بمعنى الإنكار، تقديره: أفلا اقتحم ~~العقبة، أو هلا اقتحم العقبة. ثم بين سبحانه العقبة فقال (وما أدراك ما ~~العقبة) أي أي شئ أعلمك ما اقتحامها (فك رقبة) أي هي إعتاق رقبة وتخليصها ~~من أسار الرق، وكل شئ أطلقته فقد فككته، ومنه: فك الرهن، وفك الكتاب، فقد ~~بين سبحانه أن العقبة هي هذه القرب المذكورة التي تكون بها النجاة من ~~النار. قال الحسن وقتادة: هي ms4308 عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها ~~بطاعة الله. وقال مجاهد والضحاك والكلبي: هي الصراط الذي يضرب على جهنم كحد ~~السيف. # وقال كعب: هي نار دون الجسر. قيل وفي الكلام حذف: أي وما أدراك ما اقتحام ~~العقبة؟ قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي " فك رقبة " على أنه فعل ماض ونصب ~~رقبة على المفعولية، وهكذا قرآ أو أطعم: على أنه فعل PageV05P444 # ماض. وقرأ الباقون " فك أو إطعام " على أنهما مصدران وجر رقبة بإضافة ~~المصدر إليها فعلى القراءة الأولى يكون الفعلان بدلا من اقتحم أو بيانا له ~~كأنه قيل: فلا فك ولا أطعم، والفك في الأصل: حل القيد، سمى العتق فكا لأن ~~الرق كالقيد، وسمى المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته (أو ~~إطعام في يوم ذي مسغبة) المسغبة المجاعة، والسغب الجوع، والساغب الجائع. ~~قال الراغب: يقال منه سغب الرجل سغبا وسغوبا فهو ساغب وسغبان، والمسغبة ~~مفعلة منه، وأنشد أبو عبيدة: # فلو كنت حرا يابن قيس بن عاصم * لما بت شبعانا وجارك ساغبا قال النخعي ~~(في يوم ذي مسغبة) أي عزيز فيه الطعام (يتيما ذا مقربة) أي قرابة، يقال: ~~فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، واليتيم في الأصل: الضعيف يقال: يتم الرجل: إذا ~~ضعف، واليتيم عند أهل اللغة: من لا أب له، وقيل: هو من لا أب له ولا أم، ~~ومنه قول قيس بن الملوح: # إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا * إلى الله فقد الوالدين يتيم (أو مسكينا ~~ذا متربة) أي لا شئ له كأنه لصق بالتراب لفقره، وليس له مأوى إلا التراب، ~~يقال ترب الرجل يترب تربا ومتربة: إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرا. قال ~~مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة: هو ذو ~~العيال. وقال عكرمة: هو المديون. وقال أبو سنان: هو ذو الزمانة. وقال ابن ~~جبير: # هو الذي ليس له أحد. وقال عكرمة: هو البعيد التربة الغريب عن وطنه، ~~والأول أولى، ومنه قول الهذلي: # وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا * سفكنا دماء البدن ms4309 في تربة الحال قرأ ~~الجمهور " ذي مسغبة " على أنه صفة ليوم، ويتيما هو مفعول إطعام. وقرأ الحسن ~~" ذا مسغبة " بالنصب على أنه مفعول إطعام: أي يطعمون ذا مسغبة، ويتيما بدل ~~منه (ثم كان من الذين آمنوا) عطف على المنفى بلا، وجاء بثم للدلالة على ~~تراخى رتبة الإيمان ورفعة محله. وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع ~~الإيمان، وقيل المعنى: ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم، وقيل ~~المعنى: أنه أتى بهذه القرب لوجه الله (وتواصوا بالصبر) معطوف على آمنوا: ~~أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من ~~البلايا والمصائب (وتواصوا بالمرحمة) أي بالرحمة على عباد الله فإنهم إذا ~~فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين، واستكثروا من فعل الخير بالصدقة ونحوها، ~~والإشارة بقوله (أولئك) إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصفات المذكورة (هم ~~أصحاب الميمنة) أي أصحاب جهة اليمين، أو أصحاب اليمين، أو الذين يعطون ~~كتبهم بأيمانهم، وقيل غير ذلك مما قد قدمنا ذكره في سورة الواقعة (والذين ~~كفروا بآياتنا) أي بالقرآن، أو بما هو أعم منه، فتدخل الآيات التنزيلية ~~والآيات التكوينية التي تدل على الصانع سبحانه (هم أصحاب المشأمة) أي أصحاب ~~الشمال، أو أصحاب الشؤم، أو الذين يعطون كتبهم بشمالهم، أو غير ذلك مما ~~تقدم (عليهم نار مؤصدة) أي مطبقة مغلقة، يقال: أصدت الباب وأوصدته إذا ~~أغلقته وأطبقته، ومنه قول الشاعر: # تحن إلى أجبال مكة ناقتي * ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة قرأ الجمهور " ~~موصدة " بالواو. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص بالهمزة مكان الواو، وهما لغتان، ~~والمعنى واحد. # وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (لا أقسم بهذا البلد) ~~قال: مكة (وأنت حل بهذا البلد) يعني بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، PageV05P445 # فقتل له يومئذ ابن خطل صبرا، وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم يحل لأحد من ~~الناس بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل ms4310 فيها حراما حرمه الله، ~~فأحل الله له ما صنع بأهل مكة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عنه في قوله (لا أقسم بهذا البلد) قال مكة (وأنت حل بهذا البلد) قال: أنت ~~يا محمد يحل لك أن تقاتل فيه، وأما غيرك فلا. وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة ~~الأسلمي قال: نزلت هذه الآية (لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد) في، ~~خرجت فوجدت عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن ~~والمقام. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس (لا أقسم بهذا البلد) قال: أحل له ~~أن يصنع فيه ما شاء (ووالد وما ولد) قال: يعني بالوالد آدم، وما ولد ولده. ~~وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في ~~الآية. قال الوالد الذي يلد، وما ولد العاقر لا يلد من الرجال والنساء. ~~وأخرج ابن جرير والطبراني عنه أيضا ووالد قال آدم (لقد خلقنا الإنسان في ~~كبد) قال: في اعتدال وانتصاب. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (لقد خلقنا الإنسان ~~في كبد) قال: في نصب. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ~~قال: # في شدة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا (لقد خلقنا الإنسان في كبد) قال: في شدة حلق ولادته ونبت ~~أسنانه ومعيشته وختانه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ~~أيضا (لقد خلقنا الإنسان في كبد) قال: خلق الله كل شئ يمشي على أربعة إلا ~~الإنسان فإنه خلق منتصبا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عنه ~~أيضا (لقد خلقنا الإنسان في كبد) قال: منتصبا في بطن أمه أنه قد وكل به ملك ~~إذا نامت الأم أو اضطجعت رفع رأسه لولا ذلك لغرق في الدم. وأخرج ابن جرير ~~عنه أيضا في قوله (مالا لبدا) قال: كثيرا. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد ~~بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ms4311 عن ~~ابن مسعود في قوله (وهديناه النجدين) قال: سبيل الخير والشر. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وهديناه النجدين) قال: الهدى ~~والضلالة، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه قال: سبيل الخير والشر. وأخرج ~~ابن أبي حاتم من طريق سنان بن سعد عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم " هما نجدان، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " تفرد به ~~سنان بن سعد، ويقال سعد بن سنان. وقد وثقه يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد ~~والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث. وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه، قد روى ~~خمسة عشر حديثا منكرة كلها ما أعرف منها حديثا واحدا، يشبه حديثه حديث ~~الحسن البصري، لا يشبه حديث أنس. وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ~~وابن مردويه من طرق عن الحسن قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يقول، فذكره. # وهذا مرسل، وكذا رواه قتادة مرسلا. أخرجه عنه ابن جرير ويشهد له ما أخرج ~~الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يا أيها ~~الناس إنهما نجدان: نجد خير، ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد ~~الخير " ويشهد له أيضا ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال " إنما هما نجدان: نجد الخير، ونجد الشر، فلا يكن ~~نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ". وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن ~~جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله (وهديناه النجدين) قال: ~~الثديين. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله (فلا ~~اقتحم العقبة) قال: جبل زلال في جهنم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ~~العقبة النار. وأخرج عبد بن حميد عنه قال: عقبة بين الجنة والنار. وأخرج ~~الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت " لما نزل (فلا ~~اقتحم ms4312 العقبة) قيل PageV05P446 # يا رسول الله ما عند أحدنا ما يعتق إلا أن عند أحدنا الجارية السوداء ~~تخدمه، فلو أمرناهن بالزنا فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلى من أن آمر بالزنا ~~ثم أعتق الولد ". وأخرجه ابن جرير عنها بلفظ " لعلاقة سوط في سبيل الله ~~أعظم أجرا من هذا ". وقد ثبت الترغيب في عتق الرقاب بأحاديث كثيرة: منها في ~~الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~" من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى الفرج ~~بالفرج ". وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (في يوم ذي ~~مسغبة) قال: مجاعة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ~~عنه (في يوم ذي مسغبة) قال: جوع. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه أيضا (يتيما ذا مقربة) قال: ذا قرابة، وفي قوله (ذا متربة) قال: ~~بعيد التربة: أي غريبا عن وطنه وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه أيضا (أو مسكينا ذا ~~متربة) قال: هو المطروح الذي ليس له بيت. وفي لفظ للحاكم: هو الذي لا يقيه ~~من التراب شئ. وفي لفظ: هو اللازق بالتراب من شدة الفقر. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مسكينا ذا متربة) قال: الذي ~~مأواه المزابل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس (وتواصوا ~~بالمرحمة) يعني بذلك رحمة الناس كلهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم عنه (مؤصدة) قال: مغلقة الأبواب. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة (مؤصدة) قال مطبقة. # تفسير سورة الشمس هي خمس عشرة آية وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت والشمس وضحاها ms4313 بمكة. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي ~~عن بريدة: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في صلاة العشاء ~~والشمس وضحاها وأشباهها من السور ". # وقد تقدم حديث جابر في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~لمعاذ: " هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى " ~~وأخرج الطبراني عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن ~~يقرأ في صلاة الصبح بالليل إذا يغشى والشمس وضحاها ". وأخرج البيهقي في ~~الشعب عن عقبة بن عامر قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~نصلي ركعتي الضحى بسورتيهما بالشمس وضحاها والضحى ". # سورة الشمس (1 - 15) PageV05P447 # أقسم سبحانه بهذه الأمور، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وقال قوم: إن ~~القسم بهذه الأمور ونحوها مما تقدم ومما سيأتي هو على حذف مضاف: أي (و) رب ~~(الشمس) ورب القمر، وهكذا سائرها، ولا ملجئ إلى هذا ولا موجب له، وقوله ~~(وضحاها) هو قسم ثان قال مجاهد: وضحاها: أي ضوئها وإشراقها، وأضاف الضحى ~~إلى الشمس لأنه إنما يكون عند ارتفاعها، وكذا قال الكلبي. وقال قتادة: ~~ضحاها نهارها كله. قال الفراء: الضحى هو النهار. وقال المبرد: أصل الضحى ~~الصبح، وهو نور الشمس، قال أبو الهيثم: الضحى نقيض الظل، وهو نور الشمس على ~~وجه الأرض، وأصله الضحى فاستثقلوا الياء فقلبوها ألفا. قيل والمعروف عند ~~العرب أن الضحى إذا طلعت الشمس وبعيد ذلك قليلا، فإذا زاد فهو الضحاء ~~بالمد. قال المبرد: الضحى والضحوة مشتقان من الضح وهو النور، فأبذلت الألف ~~والواو من الحاء. # واختلف في جواب القسم ماذا هو؟ فقيل هو قوله (قد أفلح من زكاها) قاله ~~الزجاج وغيره. قال الزجاج: # وحذفت اللام، لأن الكلام قد طال، فصار طوله عوضا منها، وقيل الجواب ~~محذوف: أي والشمس، وكذا لتبعثن، وقيل تقديره: ليدمدمن الله على أهل مكة ~~لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا ~~صالحا، وأما ms4314 (قد أفلح من زكاها) فكلام تابع لقوله (فألهمها فجورها وتقواها) ~~على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شئ، وقيل هو على التقديم ~~والتأخير بغير حذف، والمعنى: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها والشمس ~~وضحاها، والأول أولى (والقمر إذا تلاها) أي تبعها، وذلك بأن طلع بعد ~~غروبها، يقال تلا يتلو تلوا: إذا تبع. قال المفسرون: وذلك في النصف الأول ~~من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. قال ~~الزجاج: تلاها حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور، يعني إذا كمل ~~ضوءه فصار تابعا للشمس في الإنارة، يعني كان مثلها في الإضاءة، وذلك في ~~الليالي البيض. وقيل إذا تلا طلوعه طلوعها. قال قتادة: إن ذلك ليلة الهلال ~~إذا سقطت رؤي الهلال. قال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر ~~تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب، وقال الفراء تلاها أخذ ~~منها: يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس (والنهار إذا جلاها) أي جلى الشمس، ~~وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء، فكأنه جلاها مع أنها ~~الذي تبسطه. وقيل الضمير عائد إلى الظلمة: أي جلى الظلمة، وإن لم يجر ~~للظلمة ذكر لأن المعنى معروف. قال الفراء: كما تقول أصبحت باردة: # أي أصبحت غداتنا باردة، والأول أولى. ومنه قول قيس بن الحطيم: # تجلت لنا كالشمس تحت غمامة * بدا حاجب منها وضنت بحاجب وقيل المعنى: جلى ~~ما في الأرض من الحيوانات وغيرها بعد أن كانت مستترة في الليل، وقيل جلى ~~الدنيا وقيل جلى الأرض (والليل إذا يغشاها) أي يغشى الشمس فيذهب بضوئها ~~فتغيب وتظلم الآفاق، وقيل يغشى الآفاق. # وقيل الأرض، وإن لم يجر لهما ذكر لأن ذلك معروف، والأول أولى (والسماء ~~وما بناها) يجوز أن تكون ما مصدرية أي والسماء وبنيانها، ويجوز أن تكون ~~موصولة: أي والذي بناها، وإيثار " ما " على من لإرادة الوصفية PageV05P448 # لقصد التفخيم كأنه قال: والقادر العظيم الشأن الذي بناها. ورجح الأول ~~الفراء والزجاج، ولا وجه لقول من ms4315 قال: إن جعلها مصدرية مخل بالنظم. ورجح ~~الثاني ابن جرير (والأرض وما طحاها) الكلام في " ما " هذه كالكلام في التي ~~قبلها، ومعنى طحاها بسطها، كذا قال عامة المفسرين، كما في قوله (دحاها) ~~قالوا: طحاها ودحاها واحد: أي بسطها من كل جانب، والطحو البسط، وقيل معنى ~~طحاها قسمها، وقيل خلقها، ومنه قول الشاعر: # وما يدري جذيمة من طحاها * ولا من ساكن العرش الرفيع والأول أولى. والطحو ~~أيضا: الذهاب. قال أبو عمرو بن العلاء: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض، يقال ~~ما أدرى أين طحا؟ ويقال طحا به قلبه: إذا ذهب به، ومنه قول الشاعر: # طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب (ونفس وما سواها) ~~الكلام في " ما " هذه كما تقدم، ومعنى سواها خلقها وأنشأها وسوى أعضاءها. ~~قال عطاء: يريد جميع ما خلق من الجن والإنس، والتنكير للتفخيم، وقيل المراد ~~نفس آدم (فألهمها فجورها وتقواها) أي عرفها وأفهمها حالهما وما فيهما من ~~الحسن والقبح. قال مجاهد: عرفها طريق الفجور والتقوى والطاعة والمعصية. قال ~~الفراء: فألهمها عرفها طريق الخير وطريق الشر، كما قال - وهديناه النجدين ~~-. قال محمد بن كعب: إذا أراد الله بعبده خيرا ألهمه الخير فعمل به، وإذا ~~أراد به الشر ألهمه الشر فعمل به، قال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها ~~للتقوى، وخذلانه إياها للفجور، واختار هذا الزجاج، وحمل الإلهام على ~~التوفيق والخذلان. # قال الواحدي: وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام فإن التبيين والتعليم ~~والتعريف دون الإلهام، والإلهام أن يوقع في قلبه ويجعل فيه، وإذا أوقع الله ~~في قلب عبده شيئا ألزمه ذلك الشئ. قال: وهذا صريح في أن الله خلق في المؤمن ~~تقواه، وفي الكافر فجوره (قد أفلح من زكاها) أي قد فاز من زكى نفسه وأنماها ~~وأعلاها بالتقوى بكل مطلوب وظفر بكل محبوب، وقد قدمنا أن هذا جواب القسم ~~على الراجح، وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه زكا الزرع: إذا كثر (وقد ~~خاب من دساها) أي خسر من أضلها وأغواها. قال أهل اللغة: دساها أصله دسسها، ms4316 ~~من التدسيس، وهو إخفاء الشئ في الشئ، فمعنى دساها في الآية: أخفاها وأخملها ~~ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح، وكانت أجواد العرب تنزل الأمكنة ~~المرتفعة ليشتهر مكانها فيقصدها الضيوف، وكانت لئام العرب تنزل الهضاب ~~والأمكنة المنخفضة ليخفى مكانها عن الوافدين. وقيل معنى دساها: أغواها، ~~ومنه قول الشاعر: # وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت * حلائله منه أرامل ضيعا وقال ابن الأعرابي ~~(وقد خاب من دساها) أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم (كذبت ثمود ~~بطغواها) الطغوى: اسم من الطغيان كالدعوى من الدعاء. قال الواحدي: قال ~~المفسرون: كذبت ثمود بطغيانها أي الطغيان حملتهم على التكذيب، والطغيان ~~مجاوزة الحد في المعاصي، والباء للسببية. وقيل كذبت ثمود بطغواها أي ~~بعذابها الذي وعدت به، وسمى العذاب طغوى لأنه طغى عليهم فتكون الباء على ~~هذا للتعدية. وقال محمد بن كعب: بطغواها: أي بأجمعها. قرأ الجمهور " ~~بطغواها " بفتح الطاء. وقرأ الحسن والجحدري ومحمد بن كعب وحماد بن سلمة بضم ~~الطاء، فعلى القراءة الأولى هو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء ~~والواو للفرق بين الاسم والصفة لأنهم يقلبون الياء في الأسماء كثيرا نحو ~~تقوى وسروى، وعلى القراءة الثانية هو مصدر كالرجعي والحسنى ونحوهما، وقيل ~~هما لغتان (إذ انبعث أشقاها) العامل في الظرف كذبت، أو بطغواها: أي حين قام ~~أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف فعقر الناقة، ومعنى انبعث: انتدب لذلك وقام ~~به، يقال بعثته على الأمر فانبعث له، وقد PageV05P449 # تقدم بيان هذا في الأعراف (فقال لهم رسول الله) يعني صالحا (ناقة الله) ~~قال الزجاج: ناقة الله منصوبة على معنى ذروا ناقة الله. قال الفراء: حذرهم ~~إياها، وكل تحذير فهو نصب (وسقياها) معطوف على ناقة، وهو شربها من الماء. ~~قال الكلبي ومقاتل: قال لهم صالح: ذروا ناقة الله فلا تعقروها وذروا ~~سقياها، وهو شربها من النهر فلا تعرضوا له يوم شربها فكذبوا بتحذيره إياهم ~~(فعقروها) أي عقرها الأشقى، وإنما أسند العقر إلى الجميع لأنهم رضوا بما ~~فعله. قال قتادة: إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. ~~قال الفراء: ms4317 عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، ~~فلهذا لم يقل أشقياها (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها) أي أهلكهم وأطبق ~~عليهم العذاب، وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب وترديده، يقال دمدمت على الشئ: ~~أي أطبقت عليه، ودمدم عليه القبر: أي أطبقه، وناقة مدمومة: إذا لبسها ~~الشحم، والدمدمة: # إهلاك باستئصال، كذا قال المؤرج. قال في الصحاح: دمدمت الشئ: إذا ألزقته ~~بالأرض وطحطحته، ودمدم الله عليهم: أي أهلكهم. وقال ابن الأعرابي: دمدم إذا ~~عذب عذابا تاما. والضمير في فسواها يعود إلى الدمدمة: أي فسوى الدمدمة ~~عليهم وعمهم بها فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وقيل يعود إلى الأرض: أي فسوى ~~الأرض عليهم فجعلهم تحت التراب، وقيل يعود إلى الأمة: أي ثمود. قال الفراء: ~~سوى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوى بينهم. قرأ الجمهور " ~~فدمدم " بميم بين الدالين، وقرأ ابن الزبير " فدهدم " بهاء بين الدالين. ~~قال القرطبي: وهما لغتان كما يقال: امتقع لونه، واهتقع لونه (فلا يخاف ~~عقباها) أي فعل الله ذلك بهم غير خائف من عاقبة ولا تبعة، والضمير في ~~عقباها يرجع إلى الفعلة، أو إلى الدمدمة المدلول عليها بدمدم. وقال السدى ~~والضحاك والكلبي: إن الكلام يرجع إلى العاقر لا إلى الله سبحانه: أي لم يخف ~~الذي عقرها عقبى ما صنع. وقيل لا يخاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عاقبة إهلاك قومه ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم، لأنه قد أنذرهم، ~~والأول أولى. قرأ الجمهور " ولا يخاف " بالواو، وقرأ نافع وابن عامر ~~بالفاء. # وقد أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس (وضحاها) قال: ضوئها (والقمر إذا ~~تلاها) قال: تبعها (والنهار إذا جلاها) قال: أضاءها (والسماء وما بناها) ~~قال: الله بني السماء (والأرض وما طحاها) قال: # دحاها (فألهمها فجورها وتقواها) قال: علمها الطاعة والمعصية. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه (والأرض وما طحاها) يقول: قسمها ~~(فألهمها فجورها وتقواها) قال: من الخير والشر. وأخرج الحاكم وصححه عنه ~~أيضا (فألهمها) قال: ألزمها فجورها وتقواها. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم ~~وابن ms4318 جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمران بن حصين " أن رجلا قال: يا ~~رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، شئ قد قضى عليهم، ومضى ~~في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم نبيهم واتخذت عليهم به الحجة، ~~قال: # بل شئ قد قضى عليهم؟ قال: فلم يعملون إذن؟ قال: من كان الله خلقه لواحدة ~~من المنزلتين يهيئه لعملها وتصديق ذلك في كتاب الله (ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها) " وسيأتي في السورة التي بعد هذه نحو هذا الحديث. ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، ~~أنت وليها ومولاها ". وأخرجه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه من حديث ابن ~~عباس، وزاد " كان إذا تلا هذه الآية (ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها) قال: فذكره " وزاد أيضا " وهو في الصلاة ". وأخرج حديث زيد بن ~~أرقم مسلم أيضا. وأخرج نحوه أحمد من حديث عائشة. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس (قد أفلح من زكاها) يقول: PageV05P450 # قد أفلح من زكى الله نفسه (وقد خاب من دساها) يقول: قد خاب من دس الله ~~نفسه فأضله (ولا يخاف عقباها) قال: لا يخاف من أحد تبعة. وأخرج ابن جرير ~~وابن أبي حاتم عنه (وقد خاب من دساها) يعني مكر بها. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس " ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في قوله (قد أفلح من زكاها) ~~الآية: أفلحت نفس زكاها الله، وخابت نفس خيبها الله من كل خير " وجويبر ~~ضعيف. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (بطغواها) قال: اسم العذاب الذي جاءها ~~الطغوى، فقال: كذبت ثمود بعذابها. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله ~~بن زمعة قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الناقة وذكر ~~الذي عقرها، فقال (إذ انبعث ms4319 أشقاها) قال: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في ~~رهطه مثل أبي زمعة ". وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والبغوي والطبراني وابن ~~مردويه والحاكم وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لعلى: " ألا أحدثك بأشقى الناس؟ قال بلى. قال ~~رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا " يعني قرنه " حتى ~~تبتل منه هذه " يعني لحيته. # تفسير سورة الليل هي إحدى وعشرون آية وهي مكية عند الجمهور، وقيل مدنية. ~~وأخرج ابن الضريس والنحاس والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة (والليل إذا ~~يغشى بمكة). وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج البيهقي في سننه ~~عن جابر بن سمرة قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر ~~والعصر (والليل إذا يغشى) ونحوها ". وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس " أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بهم الهاجرة فرفع صوته، فقرأ ~~(والشمس وضحاها - والليل إذا يغشى) فقال له أبي بن كعب: يا رسول الله أمرت ~~في هذه الصلاة بشئ؟ قال: لا، ولكن أردت أن أوقت لكم " وقد تقدم حديث " فهلا ~~صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؟ ". وأخرج ابن ~~مردويه عن ابن عباس قال: إني لأقول إن هذه السورة نزلت في السماحة والبخل ~~(والليل إذا يغشى). # سورة الليل (1 - 21) PageV05P451 # قوله (والليل إذا يغشى) أي يغطى بظلمته ما كان مضيئا. قال الزجاج: يغشى ~~الليل الأفق وجميع ما بين السماء والأرض فيذهب ضوء النهار، وقيل يغشى ~~النهار، وقيل يغشى الأرض، والأول أولى (والنهار إذا تجلى) أي ظهر وانكشف ~~ووضح لزوال الظلمة التي كانت في الليل، وذلك بطلوع الشمس (وما خلق الذكر ~~والأنثى) ما هنا هي الموصولة: أي والذي خلق الذكر والأنثى، وعبر عن من بما ~~للدلالة على الوصفية ولقصد التفخيم: # أي والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى. قال الحسن والكلبي: ~~معناه والذي خلق الذكر والأنثى فيكون قد أقسم بنفسه. قال أبو عبيدة: وما ~~خلق: ms4320 أي ومن خلق، وقال مقاتل: يعني وخلق الذكر والأنثى فتكون " ما " على ~~هذا مصدرية. قال الكلبي ومقاتل: يعني آدم وحواء، والظاهر العموم. قرأ ~~الجمهور " وما خلق الذكر والأنثى " وقرأ ابن مسعود " والذكر والأنثى " بدون ~~ما خلق (إن سعيكم لشتى) هذا جواب القسم: أي إن عملكم لمختلف: فمنه عمل ~~للجنة، ومنه عمل للنار. قال جمهور المفسرين: السعي العمل، فساع في فكاك ~~نفسه، وساع في عطبها، وشتى جمع شتيت: كمرضى ومريض، وقيل للمختلف شتى لتباعد ~~ما بين بعضه وبعض (فأما من أعطى واتقى) أي بذل ماله في وجوه الخير واتقى ~~محارم الله التي نهى عنها (وصدق بالحسنى) أي بالخلف من الله. قال المفسرون: ~~فأما من أعطى المعسرين. وقال قتادة: أعطى حق الله الذي عليه. وقال الحسن: ~~أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى: أي بلا إله إلا الله، وبه قال الضحاك ~~والسلمي. وقال مجاهد: بالحسنى بالجنة. # وقال زيد بن أسلم: بالصلاة والزكاة والصوم، والأول أولى. قال قتادة: ~~بالحسنى: أي بموعود الله الذي وعده أن يثيبه. قال الحسن: بالخلف من عطائه، ~~واختار هذا ابن جرير (فسنيسره لليسرى) أي فسنهيئه للخصلة الحسنى، وهي عمل ~~الخير، والمعنى: فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير والعمل بالطاعة لله. قال ~~الواحدي: # قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق اشترى ستة نفر من ~~المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله (وأما من بخل واستغنى) أي ~~بخل بماله فلم يبذله في سبل الخير، واستغنى: أي زهد في الأجر والثواب، أو ~~استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة (وكذب بالحسنى) أي بالخلف من الله عز ~~وجل، وقال مجاهد: بالجنة، وروى عنه أيضا أنه قال: بلا إله إلا الله ~~(فسنيسره للعسرى) أي فسنهيئه للخصلة العسري ونسهلها له حتى تتعسر عليه ~~أسباب الخير والصلاح ويضعف عن فعلها فيؤديه ذلك إلى النار. قال مقاتل: # يعسر عليه أن يعطى خيرا. قيل العسري الشر، وذلك أن الشر يؤدي إلى العذاب، ~~والعسرة في العذاب، والمعنى: # سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه. قال الفراء: سنيسره سنهيئه، ms4321 والعرب ~~تقول: قد يسرت الغنم إذا ولدت أو تهيأت للولادة. قال الشاعر: # هما سيدانا يزعمان وإنما * يسوداننا إن يسرت غنماهما (وما يغنى عنه ماله ~~إذا تردى) أي لا يغنى عنه شيئا ماله الذي بخل به، أو أي شئ يغنى عنه إذا ~~تردى: # أي هلك، يقال ردى الرجل يردى ردى، وتردى يتردى: إذا هلك. وقال قتادة: ~~وأبو صالح وزيد بن أسلم: PageV05P452 # إذا تردى: إذا سقط في جهنم، يقال ردى في البئر وتردى: إذا سقط فيها، ~~ويقال ما أدرى أين ردى: أي أين ذهب؟ (إن علينا للهدى) هذه الجملة مستأنفة ~~مقررة لما قبلها: أي إن علينا البيان. قال الزجاج: علينا أن نبين طريق ~~الهدى من طريق الضلال. قال قتادة: على الله البيان: بيان حرامه وطاعته ~~ومعصيته. قال الفراء: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، لقوله - وعلى الله قصد ~~السبيل - يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. قال الفراء أيضا: ~~المعنى إن علينا للهدى والإضلال، فحذف الإضلال كقوله - سرابيل تقيكم الحر - ~~وقيل المعنى: إن علينا ثواب هداه الذي هديناه (وإن لنا للآخرة والأولى) أي ~~لنا كل ما في الآخرة، وكل ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء، فمن أرادهما أو ~~إحداهما فليطلب ذلك منا، وقيل المعنى: إن لنا ثواب الآخرة وثواب الدنيا ~~(فأنذرتكم نارا تلظى) أي حذرتكم وخوفتكم نارا تتوقد وتتوهج، وأصله تتلظى ~~فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. وقرأ على الأصل عبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ~~وطلحة بن مصرف (لا يصلاها إلا الأشقى) أي يصلاها صليا لازما على جهة الخلود ~~إلا الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة فليس صليه كصليه، والمراد ~~بقوله يصلاها: # يدخلها أو يجد صلاها، وهو حرها. ثم وصف الأشقى فقال (الذي كذب وتولى) أي ~~كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وأعرض عن الطاعة والإيمان. قال الفراء (إلا ~~الأشقى) إلا من كان شقيا في علم الله جل ثناؤه. # قال أيضا: لم يكن كذب برد ظاهر، ولكن قصر عما أمر به من الطاعة فجعل ~~تكذيبا كما تقول لقى فلان ms4322 العدو فكذب: إذا نكل ورجع عن اتباعه. قال الزجاج: ~~هذه الآية هي التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل ~~النار إلا كافر، ولأهل النار منازل، فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار. والله سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب، فجدير أن يعذب به، وقد ~~قال - إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - فلو كان كل ~~من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله - ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - فائدة. ~~وقال في الكشاف: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم ~~من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين، فقيل الأشقى، وجعل ~~مختصا بالصلى كأن النار لم تخلق إلا، وقيل الأتقى وجعل مختصا بالنجاة كأن ~~الجنة لم تخلق إلا له، وقيل المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف، ~~وبالأتقى أبو بكر الصديق، ومعنى (سيجنبها الأتقى) سيباعد عنها المتقى للكفر ~~اتقاء بالغا. قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين ~~انتهى، والأولى حمل الأشقى والأتقى على كل متصف بالصفتين المذكورتين، ويكون ~~المعنى أنه لا يصلاها صليا تاما لازما إلا الكامل في الشقاء وهو الكافر، ~~ولا يجنبها ويبعد عنها تبعيدا كاملا بحيث لا يحوم حولها فضلا عن أن يدخلها ~~إلا الكامل في التقوى، فلا ينافي هذا دخول بعض العصاة من المسلمين النار ~~دخولا غير لازم، ولا تبعيد بعض من لم يكن كامل التقوى عن النار تبعيدا غير ~~بالغ مبلغ تبعيد الكامل في التقوى عنها. والحاصل أن من تمسك من المرجئة ~~بقوله (لا يصلاها إلا الأشقى) زاعما أن الأشقى الكافر، لأنه الذي كذب وتولى ~~ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين فيقال له: فما تقول في قوله (وسيجنبها ~~الأتقى) فإنه يدل على أنه لا يجنب النار إلا الكامل في التقوى، فمن لم يكن ~~كاملا فيها كعصاة المسلمين لم يكن ممن يجنب النار، فإن أولت الأتقى بوجه من ~~وجوه التأويل لزمك مثله في الأشقى فخذ إليك ms4323 هذه مع تلك، وكن كما قال ~~الشاعر: # على أنني راض بأن أحمل الهوى * وأخرج منه لاعلى ولاليه وقيل أراد بالأشقى ~~والأتقى الشقي والتقي، كما قال طرفة بن العبد: # تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد PageV05P453 # أي بواحد، ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب، فإن ذلك لا يكون ~~إلا من الكافر فلا يتم ما أراده قائل هذا القول من شمول الوصفين لعصاة ~~المسلمين. ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى فقال (الذي يؤتى ماله) أي يعطيه ويصرفه ~~في وجوه الخير، وقوله (يتزكى) في محل نصب على الحال من فاعل يؤتى: أي حال ~~كونه يطلب أن يكون عند الله زكيا لا يطلب رياء ولا سمعة، ويجوز أن يكون ~~بدلا من يؤتى داخلا معه في حكم الصلة. قرأ الجمهور " يتزكى " مضارع تزكى. ~~وقرأ علي بن الحسين بن علي " تزكى " بإدغام التاء في الزاي (وما لأحد عنده ~~من نعمة تجزى) الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة ~~الخلوص غير مشوب بشائبة تنافى الخلوص: أي ليس ممن يتصدق بماله ليجازى ~~بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها، وإنما يبتغي بصدقته وجه ~~الله تعالى، ومعنى الآية: أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن ~~يجازى عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتى من ماله مجازاتها، وإنما قال تجزى ~~مضارعا مبنيا للمفعول لأجل الفواصل، والأصل يجزيها إياه، أو يجزيه إياها ~~(إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) قرأ الجمهور " إلا ابتغاء " بالنصب على ~~الاستثناء المنقطع لعدم اندراجه تحت جنس النعمة: أي لكن ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول له على المعنى: # أي لا يؤتى إلا لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة. قال الفراء: هو منصوب ~~على التأويل: أي ما أعطيتك ابتغاء جزائك بل ابتغاء وجه الله، وقرأ يحيى بن ~~وثاب بالرفع على البدل من محل نعمة، لأن محلها الرفع إما على الفاعلية وإما ~~على الابتداء، ومن مزيدة، والرفع لغة تميم، لأنهم يجوزون البدل في المنقطع ms4324 ~~ويجرونه مجرى المتصل. قال مكي: # وأجاز الفراء الرفع في " ابتغاء " على البدل من موضع نعمة، وهو بعيد. قال ~~شهاب الدين: كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد فإنها لغة ~~فاشية، وقرأ الجمهور أيضا " ابتغاء " بالمد، وقرأ ابن أبي عبلة بالقصر ~~والأعلى نعت للرب (ولسوف يرضى) اللام هي الموطئة للقسم: أي وتالله لسوف ~~يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم. # قرأ الجمهور " يرضى " مبنيا للفاعل، وقرئ مبنيا للمفعول. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس (والليل إذا يغشى) قال: إذا أظلم. وأخرج ~~ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إن أبا بكر الصديق ~~اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبى بن خلف ببردة وعشر أواق فأعتقه لله، فأنزل ~~الله (والليل إذا يغشى) إلى قوله (إن سعيكم لشتى) سعى أبي بكر وأمية وأبى ~~إلى قوله (وكذب بالحسنى) قال: لا إله إلا الله إلى قوله (فسنيسره للعسرى) ~~قال: النار. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (فأما من أعطى) ~~من الفضل (واتقى) قال: اتقى ربه (وصدق بالحسنى) قال: صدق بالخلف من الله ~~(فسنيسره لليسرى) قال: للخير من الله (وأما من بخل واستغنى) قال: بخل بماله ~~واستغنى عن ربه (وكذب بالحسنى) قال: بالخلف من الله (فسنيسره للعسرى) قال: ~~للشر من الله. وأخرج ابن جرير عنه (وصدق بالحسنى) قال: # أيقن بالخلف. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (وصدق بالحسنى) يقول: صدق بلا إله ~~إلا الله (وأما من بخل واستغنى) يقول: من أغناه الله فبخل بالزكاة. وأخرج ~~ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق ~~على الإسلام بمكة، وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني ~~أراك تعتق أناسا ضعفا، فلو أنك تعتق رجالا جلدا يقومون معك ويمنعونك ~~ويدفعون عنك. قال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي ~~أن هذه ms4325 الآية نزلت فيه (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى). ~~وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله (فأما من ~~أعطى واتقى PageV05P454 # وصدق بالحسنى) قال: أبو بكر الصديق (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) ~~قال: أبو سفيان بن حرب، وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن علي بن ~~أبي طالب قال: " كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة، فقال " ما ~~منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول ~~الله أفلا نتكل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل ~~السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل ~~الشقاء ثم قرأ (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى - إلى قوله - للعسرى) ". ~~وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله " أن سراقة بن مالك قال: يا ~~رسول الله في أي شئ نعمل؟ أفي شئ ثبتت فيه المقادير وجرت به الأقلام، أم في ~~شئ يستقبل فيه العمل؟ قال: بل في شئ ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام، ~~قال سراقة: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ~~وقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية (فأما من أعطى واتقى - ~~إلى قوله - فسنيسره للعسرى) ". وقد تقدم حديث عمران ابن حصين في السورة ~~التي قبل هذه. وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة. وأخرج ابن جرير ~~عن أبي هريرة قال: " لتدخلن الجنة إلا من يأبى، قالوا: ومن يأبى أن يدخل ~~الجنة؟ فقرأ (الذي كذب وتولى) ". # وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أمامة ~~قال: لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة، إلا من شرد على الله ~~كما يشرد البعير السوء على أهله، فمن لم يصدقني فإن الله يقول (لا يصلاها ~~إلا الأشقى الذي كذب وتولى) كذب بما جاء به محمد صلى الله ms4326 عليه وآله وسلم ~~وتولى عنه. وأخرج أحمد والحاكم والضياء عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ~~ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ألا كلكم يدخل الله الجنة إلا من شرد ~~على الله شراد البعير على أهله ". # وأخرج أحمد وابن ماجة وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " لا يدخل النار إلا شقي. قيل ومن الشقي؟ قال: الذي لا ~~يعمل لله بطاعة ولا يترك لله معصية ". وأخرج أحمد والبخاري عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة ~~إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن ~~عصاني فقد أبى ". وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة ~~كلهم يعذب في الله: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وأم ~~عيسى، وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت (وسيجنبها الأتقى) إلى آخر السورة. وأخرج ~~الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله ابن الزبير ما قدمنا عنه، وزاد فيه، ~~فنزلت فيه هذه الآية (فأما من أعطى واتقى) إلى قوله (وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى). وأخرج البزار وابن جرير وابن ~~المنذر والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عنه نحو هذا من وجه آخر. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وسيجنبها الأتقى) قال: هو أبو بكر الصديق. ~~PageV05P455 # تفسير سورة الضحى هي إحدى عشرة آية وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس: نزلت (والضحى) بمكة. وأخرج ~~الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق أبي الحسن المقرى قال: # سمعت عكرمة بن سليمان يقول: " قرأت على إسماعيل بن قسطيطين، فلما بلغت ~~والضحى قال: كبر حتى تختم، وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد ~~فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أن ابن عباس ms4327 أمره بذلك. وأخبره ابن عباس أن أبي ~~بن كعب أمره بذلك. وأخبره أبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره ~~بذلك ". وأبو الحسن المقري المذكور هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة ~~المقرى. قال ابن كثير: فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد ~~الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماما في القراءات. وأما في ~~الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أخذت عنه، وكذلك أبو جعفر ~~العقيلي قال: هو منكر الحديث. قال ابن كثير: ثم اختلف القراء في موضع هذا ~~التكبير وكيفيته، فقال بعضهم: يكبر من آخر الليل إذا يغشى، وقال آخرون: من ~~آخر الضحى. وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول الله أكبر ويقتصر، ومنهم من ~~يقول الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر. وذكروا في مناسبة التكبير من ~~أول الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفتر ~~تلك المدة، ثم جاء الملك، فأوحى إليه (والضحى والليل إذا سجى) السورة كبر ~~فرحا وسرورا، ولم يرووا ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف. وأخرج البخاري ~~ومسلم وغيرهما عن جندب البجلي قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد ~~تركك لم يقربك ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ~~ربك وما قلى) ". وأخرج الفريابي وعبد ابن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير ~~والطبراني وابن مردويه عن جندب قال: أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فقال المشركون: قد ودع محمد، فنزلت (ما ودعك ربك وما قلى). ~~وأخرج الطبراني عن جندب قال: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقالت بعض بنات عمه: ما أرى صاحبك إلا قد قلاك، فنزلت والضحى، وأخرجه ~~الترمذي وصححه وابن أبي حاتم عن جندب، وفيه فقالت له امرأة: # ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت ms4328 والضحى. # سورة الضحى (1 - 11) PageV05P456 # والمراد بالضحى هنا النهار كله، لقوله (والليل إذا سجى) فلما قابل الضحى ~~بالليل دل على أن المراد به النهار كله لا بعضه. وهو في الأصل اسم لوقت ~~ارتفاع الشمس كما تقدم في قوله - والشمس وضحاها - والظاهر أن المراد به ~~الضحى من غير تعيين. وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق: إن المراد به الضحى ~~الذي كلم الله فيه موسى، والمراد بقوله (والليل إذا سجى) ليلة المعراج، ~~وقيل المراد بالضحى هو الساعة التي خر فيها السحرة سجدا، كما في قوله - وأن ~~يحشر الناس ضحى - وقيل المقسم به مضاف مقدر كما تقدم في نظائره: أي ورب ~~الضحى، وقيل تقديره: وضحاوة الضحى، ولا وجه لهذا، فلله سبحانه أن يقسم بما ~~شاء من خلقه: وقيل الضحى نور الجنة، والليل ظلمة النار، وقيل الضحى نور ~~قلوب العارفين، والليل سواد قلوب الكافرين (والليل إذا سجى) أي سكن، كذا ~~قال قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة وغيرهم: يقال ليلة ساجية: أي ساكنة، ~~ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية، يقال سجا الشئ يسجو سجوا: إذا سكن. قال ~~عطاء: سجا إذا غطى بالظلمة. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سجا امتد ظلامه. ~~وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته النهار، مثل ما يسجى الرجل بالثوب. # وقال الحسن: غشى بظلامه. وقال سعيد بن جبير: أقبل. وقال مجاهد: أيضا ~~استوى، والأول أولى، وعليه جمهور المفسرين وأهل اللغة. ومعنى سكونه: ~~استقرار ظلامه واستواؤه، فلا يزاد بعد ذلك (ما ودعك ربك) هذا جواب القسم: ~~أي ما قطعك قطع المودع. قرأ الجمهور " ما ودعك " بتشديد الدال من التوديع، ~~وهو توديع المفارق، وقرأ ابن عباس وعروة بن الزبير وابنه هاشم وابن أبي ~~عبلة وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم ودعه: # أي تركه، ومنه قول الشاعر: # سل أميري ما الذي غيره * عن وصالي اليوم حتى ودعه والتوديع أبلغ في ~~الودع، لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. قال المبرد: لا يكادون يقولون ~~ودع ولا وذر لضعف الواو إذا قدمت واستغنوا عنها بترك. قال أبو عبيدة: ودعك ~~من التوديع ms4329 كما يودع المفارق. # وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، وقد قدمنا سبب نزول هذه الآية في فاتحة هذه ~~السورة (وما قلى) القلى البغض، يقال قلاه يقليه قلاء. قال الزجاج: وما ~~أبغضك، وقال: وما قلى ولم يقل وما قلاك لموافقة رؤوس الآي، والمعنى: # وما أبغضك، ومنه قول امرئ القيس: * ولست بمقلى الخلال ولا قالي * ~~(وللآخرة خير لك من الأولى) اللام جواب قسم محذوف: أي الجنة خير لك من ~~الدنيا، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أوتى في الدنيا من شرف النبوة ~~ما يصغر عنده كل شرف ويتضاءل بالنسبة إليه كل مكرمة في الدنيا، ولكنها لما ~~كانت الدنيا بأسرها مشوبة بالأكدار منغصة بالعوارض البشرية، وكانت الحياة ~~فيها كأحلام نائم أو كظل زائل لم تكن بالنسبة إلى الآخرة شيئا، ولما كانت ~~طريقا إلى الآخرة وسببا لنيل ما أعده الله لعباده الصالحين من الخير العظيم ~~بما يفعلونه فيها من الأعمال الموجبة للفوز بالجنة كان فيها خير في الجملة ~~من هذه الحيثية (ولسوف يعطيك ربك فترضى) هذه اللام قيل هي لام الابتداء ~~دخلت على الخبر لتأكيد مضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره ولأنت سوف ~~يعطيك الخ، وليست للقسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، ~~وقيل هي للقسم. قال أبو علي الفارسي: ليست هذه اللام هي التي في قولك: إن ~~زيدا لقائم، بل هي التي في قولك لأقومن، ونابت سوف عن إحدى نوني التأكيد، ~~فكأنه قال: وليعطينك. قيل المعنى: ولسوف يعطيك ربك الفتح في الدنيا والثواب ~~في الآخرة فترضى. وقيل الحوض والشفاعة، وقيل ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه ~~المسك، وقيل غير PageV05P457 # ذلك. والظاهر أنه سبحانه يعطيه ما يرضى به من خيري الدنيا والآخرة، ومن ~~أهم ذلك عنده وأقدمه لديه قبول شفاعته لأمته (ألم يجدك يتيما فآوى) هذا ~~شروع في تعداد ما أفاضه الله سبحانه عليه من النعم: أي وجدك يتيما لا أب لك ~~فآوى: أي جعل لك مأوى تأوي إليه، قرأ الجمهور " فآوى " بألف بعد الهمزة ~~رباعيا، من آواه يؤويه، وقرأ أبو ms4330 الأشهب " فأوى " ثلاثيا، وهو إما بمعنى ~~الرباعي، أو هو من أوى له إذا رحمه. وعن مجاهد معنى الآية: ألم يجدك واحدا ~~في شرفك لا نظير لك فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيما من ~~قولهم درة يتيمة، وهو بعيد جدا، والهمزة لإنكار النفي وتقرير المنفى على ~~أبلغ وجه، فكأنه قال: قد وجدك يتيما فآوى، والوجود بمعنى العلم، ويتيما ~~مفعوله الثاني، وقيل بمعنى المصادفة، ويتيما حال من مفعوله (ووجدك ضالا ~~فهدى) معطوف على المضارع المنفي، وقيل هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي ~~قبله كما ذكرنا: أي قد وجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى، والضلال هنا بمعنى ~~الغفلة، كما في قوله - لا يضل ربي ولا ينسى - وكما في قوله - وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين - والمعنى: أنه وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة، ~~واختار هذا الزجاج. # وقيل معنى ضالا: لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع فهداك لذلك. وقال الكلبي ~~والسدي والفراء: وجدك في قوم ضلال فهداهم الله لك. وقيل وجدك طالبا للقبلة ~~فهداك إليها كما في قوله - قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ~~ترضاها - ويكون الضلال بمعنى الطلب. وقيل وجدك ضائعا في قومك فهداك إليه، ~~ويكون الضلال بمعنى الضياع. وقيل وجدك محبا للهداية فهداك إليها، ويكون ~~الضلال بمعنى المحبة، ومنه قول الشاعر: # عجبا لعزة في اختيار قطيعتي * بعد الضلال فحبلها قد أخلقا وقيل وجدك ضالا ~~في شعاب مكة فهداك: أي ردك إلى جدك عبد المطلب (ووجدك عائلا فأغنى) أي وجدك ~~فقيرا لا مال لك فأغناك، يقال عال الرجل يعيل عيلة: إذا افتقر، ومنه قول ~~أحيحة بن الجلاح: # فما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغنى متى يعيل أي يفتقر. قال ~~الكلبي: فأغنى: أي رضاك بما أعطاك من الرزق، واختار هذا الفراء، قال: لأنه ~~لم يكن غنيا من كثرة، ولكن الله سبحانه رضاه بما آتاه، وذلك حقيقة الغنى. ~~وقال الأخفش: عائلا ذا عيال، ومنه قول جرير: # الله أنزل في الكتاب فريضة * لابن السبيل وللفقير العائل وقيل فأغنى بما ms4331 ~~فتح لك من الفتوح، وفيه نظر، لأن السورة مكية، وقيل بمال خديجة بنت خويلد، ~~وقيل وجدك فقيرا من الحجج والبراهين فأغناك بها. قرأ الجمهور " عائلا " ~~وقرأ محمد بن السميفع واليماني " عيلا " بكسر الياء المشددة كسيد. ثم أوصاه ~~سبحانه باليتامى والفقراء فقال (فأما اليتيم فلا تقهر) أي لا تقهره بوجه من ~~وجوه القهر كائنا ما كان. قال مجاهد: لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما. قال ~~الأخفش: لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه واذكر يتمك. قال الفراء ~~والزجاج: لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في حق ~~اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يحسن إلى اليتيم ويبره ويوصي باليتامى. قرأ الجمهور " فلا تقهر " ~~بالقاف، وقرأ ابن مسعود والنخعي والشعبي والأشهب العقيلي " تكهر " بالكاف، ~~والعرب تعاقب بين القاف والكاف. قال النحاس: إنما يقال كهره: إذا اشتد عليه ~~وغلظ، وقيل القهر الغلبة، والكهر الزجر. قال أبو حيان: هي لغة: يعني قراءة ~~الكاف مثل قراءة الجمهور، واليتيم منصوب PageV05P458 # بتقهر (وأما السائل فلا تنهر) يقال نهره وانتهره: إذا استقبله بكلام ~~يزجره، فهو نهى عن زجر السائل والإغلاظ له، ولكن يبذل له اليسير أو يرده ~~بالجميل. قال الواحدي: قال المفسرون: يريد السائل على الباب، يقول لا ~~تنهره: إذا سألك فقد كنت فقيرا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردا لينا. قال ~~قتادة: معناه رد السائل برحمة ولين. # وقيل المراد بالسائل الذي يسأل عن الدين، فلا تنهره بالغلظة والجفوة، ~~وأجبه برفق ولين، كذا قال سفيان، والسائل منصوب بتنهر، والتقدير: مهما يكن ~~من شئ فلا تقهر اليتيم ولا تنهر السائل (وأما بنعمة ربك فحدث) أمره سبحانه ~~بالتحدث بنعم الله عليه وإظهارها للناس وإشهارها بينهم، والظاهر النعمة على ~~العموم من غير تخصيص بفرد من أفرادها أو نوع من أنواعها. وقال مجاهد ~~والكلبي: المراد بالنعمة هنا القرآن. قال الكلبي: وكان القرآن أعظم ما أنعم ~~الله به عليه فأمره أن يقرأه. قال الفراء: وكان يقرؤه ويحدث به. وقال مجاهد ~~أيضا: ms4332 المراد بالنعمة النبوة التي أعطاه الله، واختار هذا الزجاج فقال: أي ~~بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: ~~يعني اشكر ما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة وجبر ~~اليتم، والإغناء بعد العيلة فاشكر هذه النعم. والتحدث بنعمة الله شكر، ~~والجار والمجرور متعلق بحدث، والفاء غير مانعة من تعلقه به، وهذه النواهي ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي نواه له ولأمته لأنهم أسوته، فكل ~~فرد من أفراد هذه الأمة منهى بكل فرد من أفراد هذه النواهي. # وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس (والليل إذا سجى) قال: إذا أقبل. وأخرج ~~ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه (إذا سجى) قال: إذا ~~ذهب (ما ودعك ربك) قال ما تركك (وما قلى) قال: # ما أبغضك. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عنه أيضا قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " عرض على ما هو مفتوح لأمتي بعدي، ~~فأنزل الله (وللآخرة خير لك من الأولى) ". وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ~~وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ~~وأبو نعيم عنه أيضا قال " عرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما هو ~~مفتوح على أمته من بعده فسر بذلك، فأنزل الله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ~~فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من ~~الأزواج والخدم، وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله (ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى) قال: رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضا في ~~الآية قال: من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. # وأخرج الخطيب في التلخيص من وجه آخر عنه أيضا في الآية قال: لا يرضى محمد ~~وأحد من أمته في النار، ويدل على هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عمرو " أن النبي ~~صلى الله عليه وآله ms4333 وسلم تلا قول الله في إبراهيم - فمن تبعني فإنه منى - ~~وقول عيسى - إن تعذبهم فإنهم عبادك - الآية، فرفع يديه وقال: اللهم أمتي ~~أمتي وبكى، فقال الله: # يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك ". وأخرج ~~ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح قال: قلت ~~لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل ~~العراق أحق هي؟ قال: إي والله. حدثني محمد بن الحنفية عن علي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال " أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟ ~~فأقول: نعم يا رب رضيت، ثم أقبل علي فقال: إنكم تقولون يا معشر أهل العراق ~~إن أرجى آية في كتاب الله - يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا - قلت إنا لنقول ذلك، قال: فكنا أهل ~~البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وهي الشفاعة ~~". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: قال PageV05P459 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إنا أهل البيت اختار الله لنا ~~الآخرة على الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى ". # وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن النجار عن جابر بن عبد الله ~~قال " دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى ~~وعليها كساء من جلد الإبل، فلما نظر إليها قال: يا فاطمة تعجلي مرارة ~~الدنيا بنعيم الآخرة، فأنزل الله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ". وأخرج ابن أبي ~~حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم وابن عساكر ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: سألت ربي مسئلة وددت ~~أني لم أكن سألته، قلت: قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح، ومنهم ~~من كان يحيى الموتى، فقال تعالى: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ~~ضالا فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم أشرح ms4334 لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ~~ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى يا رب ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: " ~~لما نزلت (والضحى) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: # يمن على ربي وأهل أن يمن ربي ". وأخرج ابن مردويه عنه في قوله (ووجدك ~~ضالا فهدى) قال: وجدك بين الضالين فاستنقذك من ضلالتهم. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عن الحسن بن علي في قوله (وأما بنعمة ربك فحدث) قال: ما علمت من الخير. ~~وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال: إذا أصبت خيرا فحدث إخوانك. وأخرج ~~عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبيهقي في الشعب والخطيب في المتفق، ~~قال السيوطي بسند ضعيف عن النعمان ابن بشير قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على المنبر " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم ~~يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة ~~رحمة ". وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه أبو يعلى وابن حبان والبيهقي ~~والضياء عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من ~~أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره ". وأخرج البخاري في الأدب ~~وأبو داود والضياء عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من ~~أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن ~~كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوبي زور ". وأخرج أحمد ~~والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " من أولى معروفا فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره ~~فقد شكره ". # تفسير سورة ألم نشرح هي ثمان آيات وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن الضريس ~~والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت - ألم نشرح - بمكة، ~~وزاد بعد الضحى. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ألم نشرح ms4335 بمكة. # سورة ألم نشرح (1 - 8) PageV05P460 # معنى شرح الصدر: فتحه بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والاستفهام إذا دخل على ~~النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا لك صدرك، وإنما خص الصدر لأنه محل أحوال ~~النفس من العلوم والإدراكات، والمراد الامتنان عليه صلى الله عليه وآله ~~وسلم بفتح صدره وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة، وقدر على ما قدر ~~عليه من حمل أعباء النبوة وحفظ الوحي، وقد مضى القول في هذا عند تفسير قوله ~~- أفمن شرح الله صدر " للإسلام فهو على نور من ربه - (ووضعنا عنك وزرك) ~~معطوف على معنى ما تقدم، لا على لفظه: أي قد شرحنا لك صدرك ووضعنا الخ، ~~ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: # ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح أي أنتم خير من ركب ~~المطايا، وأندى الخ. قرأ الجمهور " نشرح " بسكون الحاء بالجزم، وقرأ أبو ~~جعفر المنصور العباسي بفتحها. قال الزمخشري: قالوا لعله بين الحاء وأشبعها ~~في مخرجها، فظن السامع أنه فتحها. وقال ابن عطية: إن الأصل ألم نشرحن ~~بالنون الخفيفة، ثم إبدالها ألفا، ثم حذفها تخفيفا كما أنشد أبو زيد: # من أي يومى من الموت أفر * أيوم لم يقدر أم يوم قدر بفتح الراء من لم ~~يقدر، ومثله قوله: # اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسيف قونس الفرس بفتح الباء من اضرب، ~~وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم بلم، وهو قليل جدا كقوله: # يحسبه الجاهل ما لم يعلما * شيخا على كرسيه معمما فقد تركبت هذه القراءة ~~من ثلاثة أصول كلها ضعيفة: الأول توكيد المجزوم بلم، وهو ضعيف. الثاني ~~إبدالها ألفا، وهو خاص بالوقف، فإجراء الوصل مجرى الوقف ضعيف. والثالث حذف ~~الألف، وهو ضعيف أيضا لأنه خلاف الأصل، وخرجها بعضهم على لغة بعض العرب ~~الذين ينصبون بلم ويجزمون بلن، ومنه قول الشاعر: في كل ما هم أمضى رأيه ~~قدما * ولم يشاور في إقدامه أحدا بنصب الراء من يشاور، وهذه اللغة لبعض ~~العرب ما أظنها تصح، وإن صحت فليست من اللغات المعتبرة فإنها ms4336 جاءت بعكس ما ~~عليه لغة العرب بأسرها. وعلى كل حال فقراءة هذا الرجل مع شدة جوره ومزيد ~~ظلمه وكثرة جبروته وقلة علمه ليست بحقيقة بالاشتغال بها. والوزر: الذنب أي ~~وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية. # قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل: المعنى حططنا عنك الذي سلف منك في ~~الجاهلية، وهذا كقوله - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر - ثم وصف ~~هذا الوزر فقال (الذي أنقض ظهرك) قال المفسرون: أي أثقل ظهرك. قال الزجاج: ~~أثقله حتى سمع له نقيض: أي صوت، وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملا يحمل لسمع ~~نقيض ظهره، وأهل اللغة يقولون: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمع له صرير، ~~ومنه قول جميل: # وحتى تداعت بالنقيض حباله * وهمت ثواني زوره أن تحطما وقول العباس بن ~~مرداس: # وأنقض ظهري ما تطويت منهم * وكنت عليهم مشفقا متحننا قال قتادة: كان ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذنوب قد أثقلته فغفرها الله له، وقوم يذهبون ~~إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ~~ذلك عليه حتى تيسرت له: وكذا قال أبو عبيدة وغيره PageV05P461 # وقرأ ابن مسعود " وحللنا عنك وقرك " ثم ذكر سبحانه منته عليه وكرامته ~~فقال (ورفعنا لك ذكرك) قال الحسن: وذلك أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر ~~معه صلى الله عليه وآله وسلم. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، ~~فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادى، فيقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله أشهد أن محمدا رسول الله. قال مجاهد: (ورفعنا لك ذكرك) يعني بالتأذين. ~~وقيل المعنى: ذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله وأمرناهم بالبشارة ~~به، وقيل رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وعند المؤمنين في الأرض. ~~والظاهر أن هذا الرفع لذكره الذي أمتن الله به عليه يتناول جميع هذه ~~الأمور، فكل واحد منها من أسباب رفع الذكر، وكذلك أمره بالصلاة والسلام ~~عليه، وإخباره صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عز وجل أن ms4337 من صلى عليه ~~واحدة صلى الله عليه بها عشرا، وأمر الله بطاعته كقوله - أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول - وقوله - وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا - ~~وقوله - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله - وغير ذلك. وبالجملة ~~فقد ملأ ذكره الجليل السماوات والأرضين، وجعل الله له من لسان الصدق والذكر ~~الحسن والثناء الصالح ما لم يجعله لأحد من عباده - ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم - اللهم صل وسلم عليه وعلى آله عدد ما صلى عليه ~~المصلون بكل لسان في كل زمان، وما أحسن قول حسان: # أغر عليه للنبوة خاتم * من الله مشهور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي مع ~~اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش ~~محمود وهذا محمد (فإن مع العسر يسرا) أي إن مع الضيقة سعة، ومع الشدة رخاء، ~~ومع الكرب فرج. وفي هذا وعد منه سبحانه بأن كل عسير يتيسر، وكل شديد يهون، ~~وكل صعب يلين. ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريرا وتأكيدا، فقال مكررا له بلفظ ~~(إن مع العسر يسرا) أي إن مع ذلك العسر المذكور سابقا يسرا آخر لما تقرر من ~~أنه إذا أعيد المعرف يكون الثاني عين الأول سواء كان المراد به الجنس أو ~~العهد، بخلاف المنكر إذا أعيد فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد ~~الأول في الغالب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معنى هذه ~~الآية " لن يغلب عسر يسرين " قال الواحدي: وهذا قول النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد واليسر اثنان. قال الزجاج: ~~ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. ~~قيل والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرر. ~~قرأ الجمهور بسكون السين في العسر واليسر في الموضعين. وقرأ يحيى بن وثاب ~~وأبو جعفر وعيسى بضمها في الجميع (فإذا فرغت فانصب) أي إذا فرغت من صلاتك، ~~أو من ms4338 التبليغ، أو من الغزو فانصب: أي فاجتهد في الدعاء واطلب من الله ~~حاجتك، أو فانصب في العبادة، والنصب التعب، يقال نصب ينصب نصبا: أي تعب. ~~قال قتادة والضحاك ومقاتل والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ~~ربك في الدعاء وأرغب إليه في المسألة يعطك، وكذا قال مجاهد: قال الشعبي: ~~إذا فرغت من التشهد فادعو لدنياك وآخرتك، وكذا قال الزهري. وقال الكلبي ~~أيضا: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب: أي استغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات. وقال الحسن وقتادة: # إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربك. وقال مجاهد أيضا: إذا فرغت من ~~دنياك فانصب في صلاتك (وإلى ربك فارغب) قال الزجاج: أي اجعل رغبتك إلى الله ~~وحده. قال عطاء: يريد أنه يضرع إليه راهبا من النار، راغبا في الجنة، ~~والمعنى: أنه يرغب إليه سبحانه لا إلى غيره كائنا من كان، فلا يطلب حاجاته ~~إلا منه، PageV05P462 # ولا يعول في جميع أموره إلا عليه. قرأ الجمهور " فارغب " وقرأ زيد بن علي ~~وابن أبي عبلة " فرغب " بتشديد الغين: أي فرغب الناس إلى الله وشوقهم إلى ~~ما عنده من الخير. # وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (ألم ~~نشرح لك صدرك) قال: # شرج الله صدره للإسلام. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري ~~كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي " وإسناد ~~ابن جرير هكذا: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج ~~عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. # وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة عن دراج. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ~~يونس بن عبد الأعلى به. # وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله (ورفعنا ~~لك ذكرك) الآية قال: # لا يذكر الله ms4339 إلا ذكر معه. وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في ~~الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال: " كان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم جالسا وحياله جحر، فقال " العسر لو دخل العسر هذا ~~الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله (إن مع العسر يسرا إن ~~مع العسر يسرا) " ولفظ الطبراني " وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~(فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) ". وأخرج ابن النجار عنه مرفوعا ~~نحوه. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضا مرفوعا نحوه. قال السيوطي وسنده ~~ضعيف. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ~~الصبر وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود مرفوعا " لو كان العسر ~~في جحر لتبعه اليسر حتى يدخل فيه فيخرجه، ولن يغلب عسر يسرين إن الله يقول ~~(إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) " قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس ~~إلا عائذ بن شريح. قال فيه أبو حاتم الرازي في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة ~~عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبد الله بن مسعود. # وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فرحا مسرورا وهو يضحك ويقول: " لن يغلب ~~عسر يسرين، إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا " وهذا مرسل. وروى نحوه ~~مرفوعا مرسلا عن قتادة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله (فإذا فرغت فانصب) الآية قال: ~~إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء واسأل الله وارغب إليه. وأخرج ابن ~~مردويه عنه قال: قال الله لرسوله: إذا فرغت من الصلاة وتشهدت فانصب إلى ربك ~~واسأله حاجتك. وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود (فإذا فرغت ~~فانصب) إلى الدعاء (وإلى ربك فارغب) في المسئلة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه (فإذا فرغت فانصب) قال: إذا ms4340 فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. ~~PageV05P463 # تفسير سورة التين هي ثمان آيات وهي مكية في قول الجمهور، وروى القرطبي عن ~~ابن عباس أنها مدنية، ويخالف هذه الرواية ما أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن ~~مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أنزلت سورة التين بمكة. وأخرج ابن مردويه ~~عن ابن الزبير مثله. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن البراء بن ~~عازب قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فصلى العشاء فقرأ في ~~إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا ولا قراءة منه ". ~~وأخرج الخطيب عنه قال: " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المغرب، فقرأ بالتين والزيتون ". وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن ~~حميد في مسنده والطبراني عن عبد الله بن يزيد " أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قرأ في المغرب. والتين والزيتون ". وأخرج ابن قانع وابن السكن ~~والشيرازي في الألقاب عن زرعة بن خليفة قال " أتيت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من اليمامة، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، فلما صلينا الغداة قرأ ~~بالتين والزيتون، وإنا أنزلناه في ليلة القدر ". # سورة التين (1 - 8) قال أكثر المفسرين: هو التين الذي يأكله الناس ~~(والزيتون) الذي يعصرون منه الزيت، وإنما أقسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من ~~شوائب التنغيص وفيها أعظم عبرة لدلالتها على من هيأها لذلك، وجعلها على ~~مقدار اللقمة. # قال كثير من أهل الطب: إن التين أنفع الفواكه للبدن وأكثرها غذاء، وذكروا ~~له فوائد كما في كتب المفردات والمركبات، وأما الزيتون فإنه يعصر منه الزيت ~~الذي هو إدام غالب البلدان، ودهنهم، ويدخل في كثير من الأدوية. وقال ~~الضحاك: التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. وقال ابن زيد: التين ~~مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس. وقال قتادة: التين الجبل الذي عليه ~~دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقال عكرمة وكعب الأحبار: ~~التين دمشق، والزيتون بيت المقدس. # وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في ~~اللغة العربية، والعدول إلى ms4341 هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى، المبنية على ~~خيالات لا ترجع إلى عقل ولا نقل. وأعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها ~~مع طول باعه في علم الرواية والدراية. قال الفراء: سمعت رجلا يقول: التين ~~جبال حلوان إلى همدان، والزيتون جبال الشام. قلت: هب أنك سمعت هذا الرجل، ~~فكان ماذا؟ فليس بمثل هذا تثبيت اللغة، ولا هو نقل PageV05P464 # عن الشارع. وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد ~~إيلياء، وقيل إنه على أحد مضاف: أي ومنابت التين والزيتون. قال النحاس: لا ~~دليل على هذا من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه (وطور سينين) ~~هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى اسمه الطور، ومعنى سينين: المبارك الحسن ~~بلغة الحبشة قاله قتادة. وقال مجاهد: هو المبارك بالسريانية. وقال مجاهد ~~والكلبي: سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط. قال ~~الأخفش: طور: جبل، وسينين شجر، واحدته سينة. قال أبو علي الفارسي: # سينين فعليل فكررت اللام التي هي نون فيه ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف ~~سيناء لأنه جعل اسما للبقعة، وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام، وهي الأرض ~~المقدسة كما في قوله - إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله - وأعظم بركة ~~حلت به ووقعت عليه تكليم الله لموسى عليه. قرأ الجمهور " سينين " بكسر ~~السين، وقرأ ابن إسحاق وعمرو ابن ميمون وأبو رجاء بفتحها، وهي لغة بكر ~~وتميم. وقرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والحسن وطلحة " سيناء " بالكسر والمد ~~(وهذا البلد الأمين) يعني مكة، سماه أمينا لأنه آمن كما قال - أنا جعلنا ~~حرما آمنا - يقال أمن الرجل أمانة فهو أمين. قال الفراء وغيره: الأمين ~~بمعنى الآمن، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل ~~(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) هذا جواب القسم: أي خلقنا جنس الإنسان ~~كائنا في أحسن تقويم وتعديل. قال الواحدي: قال المفسرون: إن الله خلق كل ذي ~~روح مكبا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، ~~ومعنى ms4342 التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. قال القرطبي: هو اعتداله ~~واستواء شأنه، كذا قال عامة المفسرين. قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق ~~أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا ~~مدبرا حكيما، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " إن الله خلق آدم على صورته " يعني على صفاته التي تقدم ~~ذكرها. قلت: وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه - ليس كمثله شئ - ~~وقوله - ولا يحيطون به علما - ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه ~~الإنسان من بديع الخلق وعجيب الصنع فلينظر في كتاب العبر والاعتبار للجاحظ، ~~وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله - وفي أنفسكم أفلا تبصرون - وهو ~~في مجلدين ضخمين (ثم رددناه أسفل سافلين) أي رددناه إلى أرذل العمر، وهو ~~الهرم والضعف بعد الشباب والقوة حتى يصير كالصبي فيخرف وينقص عقله، كذا قال ~~جماعة من المفسرين. قال الواحدي: والسافلون هم الضعفاء والزمناء والأطفال، ~~والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا. وقال مجاهد وأبو العالية والحسن: المعنى ~~ثم رددنا الكافر إلى النار، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض، ~~فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، ولا ينافي هذا قوله تعالى - إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار - فلا مانع من كون الكفار والمنافقين ~~مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل، وقوله (أسفل سافلين) إما حال من المفعول: أي ~~رددناه حال كونه أسفل سافلين، أو صفة لمقدر محذوف: أي مكانا أسفل سافلين ~~(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) هذا الاستثناء على القول الأول منقطع: ~~أي لكن الذين آمنوا الخ، ووجهه أن الهرم والرد إلى أرذل العمر يصاب به ~~المؤمن كما يصاب به الكافر فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال ~~معنى. وعلى القول الثاني يكون الاستثناء متصلا من ضمير رددناه، فإنه في ~~معنى الجمع: أي رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار - إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات - (فلهم أجر غير ممنون) أي غير مقطوع: أي فلهم ثواب دائم ~~غير منقطع على ms4343 طاعاتهم، فهذه الجملة على القول الأول مبينة لكيفية حال ~~المؤمنين، وعلى القول الثاني مقررة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين ~~عن حكم الرد، وقال: أسفل سافلين على الجمع، لأن الإنسان في معنى الجمع، ~~PageV05P465 # ولو قال أسفل سافل لجاز، لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد. وقيل معنى ~~رددناه أسفل سأفلين: رددناه إلى الضلال، كما قال - إن الإنسان لفي خسر إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات - أي إلا هؤلاء فلا يردون إلى ذلك (فما يكذبك ~~بعد بالدين) الخطاب للإنسان الكافر، والاستفهام للتقريع والتوبيخ وإلزام ~~الحجة: أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك ~~أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؟ # وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي أي شئ يكذبك يا محمد بعد ~~ظهور هذه الدلائل الناطقة، فاستيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين. ~~قال الفراء والأخفش: المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين، ~~كأنه قال: من يقدر على ذلك؟ أي على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من ~~قدرتنا على خلق الإنسان ما ظهر، واختار هذا ابن جرير. والدين الجزاء، ومنه ~~قول الشاعر: # دنا تميما كما كانت أوائلنا * دانت أوائلهم من سالف الزمن وقال الآخر: # ولما صرح الشر * فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوان * دناهم كما دانوا ~~(أليس الله بأحكم الحاكمين) أي أليس الذي فعل ما فعل مما ذكرنا بأحكم ~~الحاكمين صنعا وتدبيرا؟ حتى تتوهم عدم الإعادة والجزاء، وفيه وعيد شديد ~~للكفار، ومعنى أحكم الحاكمين: أتقن الحاكمين في كل ما يخلق، وقيل أحكم ~~الحاكمين قضاء وعدلا. والاستفهام إذا دخل على النفي صار الكلام إيجابا كما ~~تقدم تفسير قوله - ألم نشرح لك صدرك -. # وقد أخرج الخطيب وابن عساكر قال السيوطي بسند فيه مجهول عن الزهري عن أنس ~~قال: لما أنزلت سورة التين والزيتون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فرح فرحا شديدا حتى تبين لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال: ~~التين بلاد الشام، والزيتون بلاد ms4344 فلسطين، وطور سيناء الذي كلم الله عليه ~~موسى وهذا البلد الأمين مكة (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) محمدا (ثم ~~رددناه أسفل سافلين) عبدة اللات والعزى (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم أجر غير ممنون) أبو بكر وعمر وعثمان وعلى (فما يكذبك بعد بالدين أليس ~~الله بأحكم الحاكمين) إذ بعثك فيهم نبيا وجمعك على التقوى يا محمد، ومثل ~~هذا التفسير من ابن عباس لا تقوم به حجة لما تقدم من كون في إسناده ذلك ~~المجهول. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ~~(والتين والزيتون) قال: مسجد نوح الذي بنى على الجودي، والزيتون قال: بيت ~~المقدس (وطور سنين) قال: مسجد الطور (وهذا البلد الأمين) قال: مكة (لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين) يقول: يرد إلى أرذل ~~العمر كبر حتى ذهب عقله، هم نفر كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سفهت عقولهم، فأنزل ~~الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم (فما يكذبك بعد ~~بالدين) يقول: بحكم الله. وأخرج ابن مردويه عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه عنه أيضا (والتين والزيتون) قال: الفاكهة التي يأكلها الناس ~~(وطور سينين) قال: الطور الجبل، والسينين المبارك. وأخرج عبد بن حميد وابن ~~المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال: سينين هو الحسن. وأخرج سعيد بن منصور ~~وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضا ~~(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) قال في أعدل خلق (ثم رددناه أسفل ~~سافلين) يقول: PageV05P466 # إلى أرذل العمر (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) ~~يعني غير منقوص، يقول فإذا بلغ المؤمن أرذل العمر وكان يعمل في شبابه عملا ~~صالحا كتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته وشبابه ولم يضره ما عمل في ~~كبره، ولم تكتب عليه الخطايا التي يعمل بعد ما يبلغ ms4345 أرذل العمر. وأخرج ~~الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: من قرأ القران لم يرد إلى ~~أرذل العمر، وذلك قوله (ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) قال: لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئا. وأخرج ابن أبي حاتم ~~عنه (ثم رددناه أسفل سافلين) يقول: إلى الكبر وضعفه، فإذا كبر وضعف عن ~~العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما ~~عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا مرض العبد ~~أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما ". وأخرج ~~الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا " من قرأ التين والزيتون، فقرأ ~~(أليس الله بأحكم الحاكمين) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ". وأخرج ~~ابن مردويه عن جابر مرفوعا " إذا قرأت التين والزيتون فقرأت (أليس الله ~~بأحكم الحاكمين) فقيل بلى ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه ~~كان إذا قرأ (أليس الله بأحكم الحاكين) قال: # سبحانك اللهم قبلي اه‍. # تفسير سورة اقرأ ويقال سورة العلق، وهي تسع عشرة آية، وقيل عشرون آية وهي ~~مكية بلا خلاف، وهي أول ما نزل من القرآن. وأخرج ابن مردويه من طرق عن ابن ~~عباس قال: # أول ما نزل من القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق). وأخرج ابن أبي شيبة وابن ~~الضريس وابن الأنباري والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في ~~الحلية عن أبي موسى الأشعري قال (اقرأ باسم ربك الذي خلق) أول سورة أنزلت ~~على محمد. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وصححه عن ~~عائشة قالت: إن أول ما نزل من القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ويدل على أن ~~هذه السورة أول ما نزل الحديث الطويل الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما من ~~حديث عائشة، وفيه " فجاءه الحق وهو في غار حراء، فقال له اقرأ " الحديث، ~~وفي الباب أحاديث وآثار عن جماعة من الصحابة. وقد ذهب الجمهور إلى ms4346 أن هذه ~~السورة أول ما نزل من القرآن. # سورة اقرأ (1 - 19) PageV05P467 # قرأ الجمهور (اقرأ) بسكون الهمزة أمرا من القراءة. وقرأ عاصم في رواية ~~عنه بفتح الراء، وكأنه قلب الهمزة ألفا ثم حذفها للأمر، والأمر بالقراءة ~~يقتضي مقروءا، فالتقدير: اقرأ ما يوحى إليك، أو ما نزل عليك، أو ما أمرت ~~بقراءته، وقوله (باسم ربك) متعلق بمحذوف هو حال: أي اقرأ ملتبسا باسم ربك ~~أو مبتدئا باسم ربك أو مفتتحا، ويجوز أن تكون الباء زائدة، والتقدير: اقرأ ~~اسم ربك كقول الشاعر: # سود المحاجر لا يقرأن بالسور * قاله أبو عبيدة. وقال أيضا: الاسم صلة: أي ~~أذكر ربك. وقيل الباء بمعنى على: أي اقرأ على اسم ربك، يقال افعل كذا بسم ~~الله، وعلى اسم الله قاله الأخفش. وقيل الباء للاستعانة: أي مستعينا باسم ~~ربك، ووصف الرب بقوله (الذي خلق) لتذكير النعمة لأن الخلق هو أعظم النعم، ~~وعليه يترتب سائر النعم. قال الكلبي: يعني الخلائق (خلق الإنسان من علق) ~~يعني بني آدم، والعلقة الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح. وقال: من علق ~~بجمع علق لأن المراد بالإنسان الجنس، والمعنى: خلق جنس الإنسان من جنس ~~العلق، وإذا كان المراد بقوله " الذي خلق " كل المخلوقات، فيكون تخصيص ~~الإنسان بالذكر تشريفا له لما فيه من بديع الخلق وعجيب الصنع، وإذا كان ~~المراد بالذي خلق الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيرا للأول. # والنكتة ما في الإبهام، ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى معرفة ما ~~أبهم أولا ثم فسر ثانيا. ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير فقال ~~(اقرأ وربك الأكرم) أي افعل ما أمرت به من القراءة، وجملة (وربك الأكرم) ~~مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " ما أنا ~~بقارئ " يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وهو أمي، فقيل له اقرأ وربك ~~الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم. قال الكلبي: يعني الحليم عن جهل العباد فلم ~~يعجل بعقوبتهم، وقيل إنه أمره بالقراءة أولا لنفسه، ثم أمره بالقراءة ثانيا ~~للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد، ms4347 والأول أولى (الذي علم بالقلم) أي علم ~~الإنسان الخط بالقلم، فكان بواسطة ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب قال ~~الزجاج: علم الإنسان الكتابة بالقلم. قال قتادة: القلم نعمة من الله عز وجل ~~عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه بأنه علم ~~عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم ~~الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت ~~العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله ~~المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين ولا أمور الدنيا، ~~وسمى قلما لأنه يقلم: أي يقطع (علم الإنسان ما لم يعلم) هذه الجملة بدل ~~اشتمال من التي قبلها: أي علمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما لم ~~يعلم به منها، قيل المراد بالإنسان هنا آدم كما في قوله - وعلم آدم الأسماء ~~كلها - وقيل الإنسان هنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والأولى حمل ~~الإنسان على العموم، والمعنى: أن من علمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة ~~القلم فقد علمه ما لم يعلم، وقوله (كلا) ردع وزجر لمن كفر نعم الله عليه ~~بسبب طغيانه، وإن لم يتقدم له ذكر، ومعنى (إن الإنسان ليطغى) أنه يجاوز ~~الحد ويستكبر على ربه. وقيل المراد بالإنسان هنا أبو جهل، وهو المراد بهذا ~~وما بعده إلى آخر السورة، وأنه تأخر نزول هذا وما بعده عن الخمس الآيات ~~المذكورة في أول هذه السورة. وقيل " كلا " هنا بمعنى حقا قاله الجرجاني، ~~وعلل ذلك بأنه PageV05P468 # ليس قبله ولا بعده شئ يكون كلا ردا له، وقوله (أن رآه استغنى) علة ليطغى: ~~أي ليطغى أن رأى نفسه مستغنيا، أو لأن رأى نفسه مستغنيا، والرؤية هنا بمعنى ~~العلم، ولو كانت البصرية لامتنع الجمع بين الضميرين في فعلها لشئ واحد لأن ~~ذلك من خواص باب علم، ونحوه. قال الفراء: لم يقل رأى نفسه كما قيل قتل نفسه ~~لأن رأى من الأفعال ms4348 التي تريد اسما وخبرا نحو الظن والحسبان فلا يقتصر فيه ~~على مفعول واحد، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول: رأيتني وحسبتني، ~~ومتى تراك خارجا، ومتى تظنك خارجا، قيل والمراد هنا أنه استغنى بالعشيرة ~~والأنصار والأموال. قرأ الجمهور " أن رآه " بمد الهمزة. وقرأ قنبل عن ابن ~~كثير بقصرها. قال مقاتل: كان أبو جهل إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه ~~وطعامه وشرابه فذلك طغيانه، وكذا قال الكلبي: # ثم هدد سبحانه وخوف، فقال (إن إلى ربك الرجعي) أي المرجع، والرجعي ~~والمرجع والرجوع مصادر، يقال: رجع إليه مرجعا ورجوعا ورجعي، وتقدم الجار ~~والمجرور للقصر: أي الرجعي إليه سبحانه لا إلى غيره (أرأيت الذي ينهى. عبدا ~~إذا صلى) قال المفسرون: الذي ينهى أبو جهل، والمراد بالعبد محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وفيه تقبيح لصنعه وتشنيع لفعله حتى كأنه بحيث يراه كل من ~~تتأتى منه الرؤية (أرأيت إن كان على الهدى) يعني العبد المنهى إذا صلى، وهو ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أو أمر بالتقوى) أي بالإخلاص والتوحيد ~~والعمل الصالح الذي تتقى به النار (أرأيت إن كذب وتولى) يعني أبا جهل، كذب ~~بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتولى عن الإيمان، وقوله ~~(أرأيت) في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني لأن الرؤية لما كانت سببا للإخبار ~~عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها، والخطاب لكل من ~~يصلح له. وقد ذكر هنا أرأيت ثلاث مرات، وصرح بعد الثالثة منها بجملة ~~استفهامية فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ~~ضمير يعود على الذي ينهى الواقع مفعولا أولا لأرأيت الأولى، ومفعول أرأيت ~~الأولى الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد أرأيت ~~الثانية، وأما أرأيت الثانية فلم يذكر لها مفعول لا أول ولا ثاني، حذف ~~الأول لدلالة مفعول أرأيت الثالثة عليه فقد حذف الثاني من الأولى، والأول ~~من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من رأيت للجملة الاستفهامية ~~على سبيل التنازع لأنه يستدعي إضمارا، والجمل لا تضمر، ms4349 إنما تضمر المفردات، ~~وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة، وأما جواب الشرط المذكور مع أرأيت في ~~الموضعين الآخرين. فهو محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى (ألم ~~يعلم بأن الله يرى) وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني، ومعنى ~~(ألم يعلم بأن الله يرى) أي يطلع على أحواله، فيجازيه بها، فكيف اجترأ على ~~ما اجترأ عليه؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ، وقيل أرأيت الأولى مفعولها ~~الأول الموصول، ومفعولها الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول ~~عليه بالمذكور، وأرأيت في الموضعين تكرير للتأكيد، وقيل كل واحدة من أرأيت ~~بدل من الأولى، و (ألم يعلم بأن الله يرى) الخبر. قوله (كلا) ردع للناهي، ~~واللام في قوله (لئن لم ينته) هي الموطئة للقسم: أي والله لئن لم ينته عما ~~هو عليه ولم ينزجر (لنسفعا بالناصية) السفع الجذب الشديد، والمعنى: لنأخذن ~~بناصيته ولنجرنه إلى النار وهذا كقوله - فيؤخذ بالنواصي والأقدام - ويقال ~~سفعت الشئ: إذا قبضته وجذبته، ويقال سفع بناصية فرسه. قال الراغب: السفع ~~الأخذ بسفعة الفرس: أي بسواد ناصيته وباعتبار السواد قيل: به سفعة غضب ~~اعتبارا بما يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب، وقيل للصقر أسفع ~~لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى، وقيل هو مأخوذ من سفع ~~النار والشمس: إذا غيرت وجهه إلى سواد، ومنه قول الشاعر: PageV05P469 # أثافي سفعا في معرس مرجل وقوله (ناصية) بدل من الناصية، وإنما أبدل ~~النكرة من المعرفة لوصفها بقوله (كاذبة خاطئة) وهذا على مذهب الكوفيين ~~فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة إلا بشرط وصفها. وأما على مذهب ~~البصريين، فيجوز إبدال النكرة من المعرفة بلا شرط، وأنشدوا: # فلا وأبيك خير منك إني * ليؤذيني التحمحم والصهيل قرأ الجمهور بجر " ~~ناصية كاذبة خاطئة " والوجه ما ذكرنا. وقرأ الكسائي في رواية عنه برفعها ~~على إضمار مبتدإ: # أي هي ناصية، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي بنصبها على الذم. ~~قال مقاتل: أخبر عنه بأنه فاجر خاطئ، فقال ناصية كاذبة خاطئة، تأويلها: ~~صاحبها كاذب خاطئ ms4350 (فليدع ناديه) أي أهل ناديه، والنادي: # المجلس الذي يجلس فيه القوم ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة، والمعنى: ~~ليدع عشيرته وأهله ليعينوه وينصروه، ومنه قول الشاعر: واستب بعدك يا كليب ~~المجلس * أي أهله. قيل إن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أتهددني وأنا أكثر الوادي ناديا؟ فنزلت (فليدع ناديه سندع الزبانية) أي ~~الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج: قال الكسائي والأخفش وعيسى بن ~~عمر: واحدهم زابن، وقال أبو عبيدة: # زبنية، وقيل زباني، وقيل هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه كعباديد ~~وأبابيل. وقال قتادة: هم الشرط في كلام العرب، وأصل الزبن الدفع، ومنه قول ~~الشاعر: # ومستعجب مما يرى من أناتنا * ولو زبنته الحرب لم يترمرم والعرب تطلق هذا ~~الاسم على من اشتد بطشه، ومنه قول الشاعر: # مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى * زبانية غلب عظام حلومها قرأ الجمهور ~~" سندع " بالنون، ولم ترسم الواو كما في قوله - يوم يدع الداع - وقرأ ابن ~~أبي عبلة " سيدعى " على البناء للمفعول ورفع الزبانية على النيابة. ثم كرر ~~الردع والزجر فقال (كلا لا تطعه) أي لا تطعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة ~~(واسجد) أي صل لله غير مكترث به، ولا مبال بنهيه (واقترب) أي تقرب إليه ~~سبحانه بالطاعة والعبادة. وقيل المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء. ~~وقال زيد بن أسلم: واسجد أنت يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل من النار، ~~والأول أولى. والسجود هذا الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل سجود التلاوة، ~~ويدل على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من السجود عند تلاوة هذه ~~الآية، كما سيأتي إن شاء الله. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عبد الله بن ~~شداد قال: " أتى جبريل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد اقرأ. ~~فقال: وما أقرأ؟ فضمه ثم قال: يا محمد اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال (اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق) حتى بلغ (ما لم يعلم) " وفي الصحيحين: ms4351 وغيرهما من حديث عائشة ~~" فجاءه الملك، فقال: اقرأ، فقال: قلت ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى ~~بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية ~~حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني ~~الثالثة حتى بلغ مني الجهد فقال (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من ~~علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم) " الآية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن ~~حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ~~ابن عباس قال قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه، ~~فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا " ~~وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي PageV05P470 # وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي ~~عنه قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ~~ألم أنهك عن هذا؟ إنك لتعلم أن ما بها رجل أكثر ناديا مني، فأنزل الله ~~(فليدع ناديه سندع الزبانية) فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي، ~~فقيل: ما يمنعك؟ فقال: قد اسود ما بيني وبينه ". قال ابن عباس: والله لو ~~تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ~~جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال قال أبو ~~جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم، قال: واللات والعزى لئن ~~رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي ليطأن على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا ~~وهو ينكص على عقبيه ويتقى بيده، فقيل له مالك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقا ~~من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لودنا مني ~~لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " قال: وأنزل الله (كلا إن الإنسان ليطغى أن ~~رآه استغنى) إلى آخر السورة: يعني أبا جهل (فليدع ناديه) يعني قومه ms4352 (سندع ~~الزبانية) يعني الملائكة. # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) ~~قال: أبو جهل بن هشام حين رمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسلى ~~على ظهره وهو ساجد لله عز وجل. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (لنسفعا) قال: ~~لنأخذن. وأخرج ابن جرير عنه أيضا (فليدع ناديه) قال: ناصره، وقد قدمنا أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسجد في (إذا السماء انشقت) وفي (اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق). # تفسير سورة القدر هي خمس آيات وهي مكية عند أكثر المفسرين. كذا قال ~~الماوردي. وقال الثعلبي: هي مدنية في قول أكثر المفسرين، وذكر الواقدي أنها ~~أول سورة نزلت بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة ~~أنها نزلت بمكة. # سورة القدر (1 - 5) الضمير في أنزلناه للقرآن، وإن لم يتقدم له ذكر، أنزل ~~جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، وكان ينزل على ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نجوما على حسب الحاجة، وكان بين نزول أوله ~~وآخره على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث وعشرون سنة، وفي آية ~~أخرى - إنا أنزلناه في ليلة مباركة - وهي ليلة القدر، وفي آية أخرى - شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن - وليلة القدر في شهر رمضان. قال مجاهد: في ~~ليلة القدر ليلة الحكم (وما أدراك ما ليلة القدر) ليلة الحكم، قيل سميت ~~ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدر فيها ما شاء PageV05P471 # من أمره إلى السنة القابلة. وقيل إنها سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها، من ~~قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة، كذا قال الزهري. وقيل سميت بذلك لأن ~~للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا. وقال الخليل: سميت ليلة القدر، لأن ~~الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله - ومن قدر عليه رزقه - أي ضيق. # وقد اختلف في تعيين ليلة القدر على أكثر من أربعين قولا، قد ذكرناها ~~بأدلتها وبينا الراجح منها في شرحنا للمنتقى (وما أدراك ما ليلة القدر) هذا ~~الاستفهام فيه ms4353 تفخيم لشأنها حتى كأنها خارجة عن دراية الخلق لا يدريها إلا ~~الله سبحانه. قال سفيان: كل ما في القرآن من قوله: وما أدراك فقد أدراه، ~~وكل ما فيه وما يدريك فلم يدره، وكذا قال الفراء. والمعنى: أي شئ تجعله ~~داريا بها؟ وقد قدمنا الكلام في إعراب هذه الجملة في قوله - وما أدراك ما ~~الحاقة - ثم قال (ليلة القدر خير من ألف شهر) قال كثير من المفسرين: أي ~~العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، واختار هذا ~~الفراء والزجاج، ولك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيها من ~~الخير والنفع، فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة كانت خيرا من ألف شهر لا ~~يكون فيها من الخير والبركة ما في هذه الليلة. وقيل أراد بقوله ألف شهر ~~جميع الدهر، لأن العرب تذكر الألف في كثير من الأشياء على طريق المبالغة. ~~وقيل وجه ذكر الألف الشهر أن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد ~~الله ألف شهر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فجعل الله سبحانه لأمة ~~محمد عبادة ليلة خيرا من عبادة ألف شهر كانوا يعبدونها. وقيل إن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم رأى أعمار أمته قصيرة، فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ~~ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر ~~لسائر الأمم، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته، وجملة (تنزل الملائكة والروح ~~فيها بإذن ربهم) مستأنفة مبينة لوجه فضلها موضحة للعلة التي صارت بها خيرا ~~من ألف شهر، وقوله (بإذن ربهم) يتعلق بتنزل أو بمحذوف هو حال: أي ملتبسين ~~بإذن ربهم، والإذن الأمر، ومعنى تنزل: تهبط من السماوات إلى الأرض. والروح ~~هو جبريل عند جمهور المفسرين: # أي تنزل الملائكة ومعهم جبريل. ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم ~~له والتشريف لشأنه. وقيل الروح صنف من الملائكة هم أشرافهم، وقيل هم جند من ~~جنود الله من غير الملائكة، وقيل الروح الرحمة، ms4354 وقد تقدم الخلاف في الروح ~~عند قوله - يوم يقوم الروح والملائكة صفا - قرأ الجمهور " تنزل " بفتح ~~التاء، وقرأ طلحة بن مصرف وابن السميفع بضمها على البناء للمفعول، وقوله ~~(من كل أمر) أي من أجل كل أمر من الأمور التي قضى الله بها في تلك السنة، ~~وقيل إن من بمعنى اللام: أي لكل أمر، وقيل هي بمعنى الباء: أي بكل أمر، قرأ ~~الجمهور " أمر " وهو واحد الأمور، وقرأ علي وابن عباس وعكرمة والكلبي " ~~امرئ " مذكر امرأة: أي من أجل كل إنسان، وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل ~~مع الملائكة فيسلمون على كل إنسان، فمن على هذا بمعنى على، والأول أولى. ~~وقد تم الكلام عند قوله من كل أمر، ثم ابتدأ فقال (سلام هي) أي ما هي إلا ~~سلامة وخير كلها لا شر فيها، وقيل هي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في ~~مؤمن أو مؤمنة. قال مجاهد: هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها ~~سوءا ولا أذى. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب ~~الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن ويقولون السلام عليك أيها ~~المؤمن، وقيل يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض. قال عطاء: يريد سلام على ~~أولياء الله وأهل طاعته (حتى مطلع الفجر) أي حتى وقت طلوعه. قرأ الجمهور " ~~مطلع " بفتح اللام. وقرأ الكسائي وابن محيصن بكسرها، فقيل هما لغتان في ~~المصدر، والفتح أكثر نحو المخرج والمقتل، وقيل بالفتح اسم مكان، وبالكسر ~~المصدر، وقيل العكس، وحتى متعلقة PageV05P472 # يتنزل على أنها غاية لحكم التنزل أي لمكثهم في محل تنزلهم بأن لا ينقطع ~~تنزلهم فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر، وقيل متعلقة بسلام بناء على أن الفصل ~~بين المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفر. # وقد أخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ~~وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله (إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر) قال: أنزل القرآن في ليلة القدر حتى وضع في بيت العزة في ms4355 السماء ~~الدنيا، ثم جعل جبريل ينزل على محمد بجواب كلام العباد وأعمالهم. وأخرج عبد ~~بن حميد عن أنس قال: # العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر. وأخرج ~~الترمذي وضعفه وابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في ~~الدلائل عن الحسن بن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرى ~~بني أمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت - إنا أعطيناك الكوثر - يا محمد يعني ~~نهرا في الجنة، ونزلت (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ~~ليلة القدر خير من ألف شهر) يملكها بعدك بنو أمية. قال القاسم. # فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص يوما، والمراد بالقاسم هو ~~القاسم بن الفضل المذكور في إسناده. # قال الترمذي: إن يوسف هذا مجهول، يعني يوسف بن سعد الذي رواه عن الحسن بن ~~علي. قال ابن كثير: # فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة: منهم حماد بن سلمة وخالد الحذاء ويونس ~~بن عبيد. وقال فيه يحيى بن معين: # هو مشهور. وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة، ورواه ابن جرير من طريق ~~القاسم بن الفضل عن عيسى ابن مازن. قال ابن كثير: ثم هذا الحديث على كل ~~تقدير منكر جدا. قال المزي: هو حديث منكر، وقول القاسم بن الفضل إنه حسب ~~مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد ولا تنقص ليس بصحيح، فإن جملة مدتهم ~~من عند أن استقل بالملك معاوية وهي سنة أربعين إلى أن سلبهم الملك بنو ~~العباس، وهي سنة اثنين وثلاثين ومائة مجموعها اثنتان وتسعون سنة. وأخرج ~~الخطيب في تاريخه عن ابن عباس نحو ما روى عن الحسن بن علي. # وأخرج الخطيب عن سعيد بن المسيب مرفوعا مرسلا نحوه. وأخرج ابن جرير وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (سلام) قال: في تلك الليلة تصفد مردة الشياطين ~~وتغل عفاريت الجن وتفتح فيها أبواب السماء كلها ويقبل الله فيها التوبة لكل ~~تائب، فلذا قال (سلام هي حتى مطلع ms4356 الفجر) قال: وذلك من غروب الشمس إلى أن ~~يطلع الفجر، والأحاديث في فضل ليلة القدر كثيرة، وليس هذا موضع بسطها، ~~وكذلك الأحاديث في تعيينها والاختلاف في ذلك. # تفسير سورة لم يكن هي ثمان آيات وهي مدنية في قول الجمهور، وقيل مكية. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (لم يكن) بالمدينة. وأخرج ابن ~~مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة لم يكن بمكة. وأخرج أبو نعيم في المعرفة ~~عن إسماعيل ابن أبي حكيم المزني، حدثني فضل، سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول " إن الله يستمع قراءة (لم يكن الذين كفروا) فيقول: أبشر ~~عبدي وعزتي وجلالي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى " قال ابن كثير: # حديث غريب جدا. وأخرجه أبو موسى المديني عن مطر المزني، أو المدني بنحوه. ~~وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لأبي بن كعب " إن الله أمرني أن أقرأ عليك PageV05P473 # (لم يكن الذين كفروا) قال: وسماني لك؟ قال نعم، فبكى ". وأخرج أحمد وابن ~~قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن أبي حية البدري قال: " لما ~~نزلت (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) إلى آخرها قال جبريل: يا رسول ~~الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~لأبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة، فقال أبى: وقد ذكرت ثم يا رسول ~~الله؟ قال نعم، فبكى ". # سورة لم يكن (1 - 8) المراد ب‍ (الذين كفروا من أهل الكتاب) اليهود ~~والنصارى، (و) المراد ب‍ (المشركين) مشركو العرب، وهم عبدة الأوثان، و ~~(منفكين) خبر كان، يقال فككت الشئ فانفك: أي انفصل، والمعنى: أنهم لم ~~يكونوا مفارقين لكفرهم ولا منتهين عنه (حتى تأتيهم البينة) وقيل الانفكاك ~~بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية: أي لم يكونوا يبلغون نهاية أعمارهم فيموتوا ~~حتى تأتيهم البينة، وقيل منفكين زائلين: أي لم تكن مدتهم لتزول حتى تأتيهم ~~البينة، يقال ما انفك فلان قائما: أي ما زال قائما، وأصل الفك ms4357 الفتح، ومنه ~~فك الخلخال. وقيل منفكين بارحين: أي لم يكونوا ليبرحوا أو يفارقوا الدنيا ~~حتى تأتيهم البينة. وقال ابن كيسان: المعنى لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعث، فلما بعث حسدوه وجحدوه، وهو كقوله - ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به - وعلى هذا فيكون قوله (والمشركين) أنهم ما ~~كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعث، فإنهم كانوا ~~يسمونه الأمين، فلما بعث عادوه وأساءوا القول فيه. وقيل (منفكين) هالكين، ~~من قولهم: انفك صلبه: أي انفصل فلم يلتئم فيهلك، والمعنى: لم يكونوا معذبين ~~ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم. وقيل إن المشركين هم أمل الكتاب، ~~فيكون وصفا لهم لأنهم قالوا المسيح ابن الله وعزيز ابن الله. # قال الوحدي: ومعنى الآية إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن ~~كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن، فبين ~~لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان، وهذا بيان عن النعمة والانقاذ به ~~من الجهل PageV05P474 # والضلالة والآية فيمن آمن من الفريقين. قال: وهذه الآية من أصعب ما في ~~القرآن نظما وتفسيرا، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها ~~طرقا لا تفضي بهم إلى الصواب. والوجه ما أخبرتك فأحمد الله إذ أتاك بيانها ~~من غير لبس ولا إشكال. قال: ويدل على أن البينة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه فسرها وأبدل منها فقال (رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة) يعني ما ~~تتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن، ويدل على ذلك أنه كان يتلو عن ~~ظهر قلبه، لا عن كتاب انتهى كلامه. وقيل إن الآية حكاية لما كان يقوله أهل ~~الكتاب والمشركون إنهم لا يفارقون دينهم حتى يبعث النبي الموعود به، فلما ~~بعث تفرقوا كما حكاه الله عنهم في هذه السورة. والبينة على ما قاله الجمهور ~~هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه في نفسه بينة وحجة ولذلك سماه سراجا ~~منيرا، وقد فسر الله سبحانه هذه ms4358 البينة المجملة بقوله (رسول من الله) فلتضح ~~الأمر وتبين أنه المراد بالبينة. # وقال قتادة وابن زيد: البينة هي القرآن كقوله - أو لم تأتهم بينة ما في ~~الصحف الأولى - وقال أبو مسلم: المراد بالبينة مطلق الرسل، والمعنى: حتى ~~تأتيهم رسل من الله، وهم الملائكة يتلون عليهم صحفا مطهرة، والأول أولى قرأ ~~الجمهور " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " وقرأ ابن مسعود " ~~لم يكن المشركون وأهل الكتاب " قال ابن العربي: وهي قراءة في معرض البيان، ~~لا في معرض التلاوة. وقرأ الأعمش والنخعي: # والمشركون بالرفع عطفا على الموصول. وقرأ أبي " فما كان الذين كفروا من ~~أهل الكتاب والمشركون " قرأ الجمهور " رسول من الله " برفع رسول على أنه ~~بدل كل من كل مبالغة، أو بدل اشتمال. قال الزجاج: رسول رفع على البدل من ~~البينة. وقال الفراء: رفع على أنه خبر مبتدأ مضمر: أي هي رسول أو هو رسول. # وقرأ أبي وابن مسعود " رسولا " بالنصب على القطع، وقوله (من الله) متعلق ~~بمحذوف هو صفة لرسول: أي كائن من الله، ويجوز تعلقه بنفس رسول، وجوز أبو ~~البقاء أن يكون حالا من صحف، والتقدير: يتلو صحفا مطهرة منزلة من الله، ~~وقوله (يتلو صحفا مطهرة) يجوز أن تكون صفة أخرى لرسول، أو حالا من متعلق ~~الجار والمجرور قبله. ومعنى يتلو: يقرأ، يقال تلا يتلو تلاوة، والصحف جمع ~~صحيفة، وهي ظرف المكتوب، ومعنى مطهرة: أنها منزهة من الزور والضلال. قال ~~قتادة: مطهرة من الباطل، وقيل مطهرة من الكذب والشبهات والكفر، والمعنى ~~واحد، والمعنى: أنه يقرأ ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها لأنه كان صلى ~~الله عليه وآله وسلم يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب كما تقدم، وقوله (فيها ~~كتب قيمة) صفة لصحفا، أو حال من ضميرها، والمراد الآيات والأحكام المكتوبة ~~فيها، والقيمة المستقيمة المستوية المحكمة، من قول العرب: قام الشئ: إذا ~~استوى وصح. وقال صاحب النظم: الكتب بمعنى الحكم كقوله - كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي - أي حكم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العسيف ms4359 " لأقضين ~~بينكما بكتاب الله " ثم قضى بالرجم، وليس لرجم في كتاب الله، فالمعنى: ~~لأقضين بينكما بحكم الله، وبهذا يندفع ما قيل إن الصحف هي الكتب، فكيف قال ~~(صحفا مطهرة فيها كتب قيمة) وقال الحسن: يعني بالصحف المطهرة التي في ~~السماء، يعني في اللوح المحفوظ كما في قوله - بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ~~- (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) هذه الجملة ~~مستأنفة لتوبيخ أهل الكتاب وتقريعهم، وبيان أن ما نسب إليهم من عدم ~~الانفكاك لم يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق وظهور الصواب. قال ~~المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين حتى بعث الله محمدا، فلما بعث تفرقوا ~~في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم وكفر آخرون. وخص أهل الكتاب، وإن كان ~~غيرهم مثلهم في التفرق بعد مجئ البينة لأنهم كانوا أهل علم، فإذا تفرقوا ~~كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا PageV05P475 # الوصف، والاستثناء في قوله (إلا من بعد ما جاءتهم البينة) مفرغ من أعم ~~الأوقات: أي وما تفرقوا في وقت من الأوقات إلا من بعد ما جاءتهم الحجة ~~الواضحة، وهي بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشريعة الغراء ~~والمحجة البيضاء. وقيل البينة: البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل كقوله - ~~وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم - قال القرطبي: ~~قال العلماء: من أول السورة إلى قوله (كتب قيمة) حكمها فيمن امن من أهل ~~الكتاب والمشركين، وقوله (وما تفرق) الخ فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب ~~والمشركين بعد قيام الحجج، وجملة (وما أمروا إلا ليعبدوا الله) في محل نصب ~~على الحال مفيدة لتقريعهم وتوبيخهم بما فعلوا من التفرق بعد مجئ البينة: أي ~~والحال أنهم ما أمروا في كتبهم إلا لأجل أن يعبدوا الله ويوحدوه حال كونهم ~~(مخلصين له الدين) أي جاعلين دينهم خالصا له سبحانه أو جاعلين أنفسهم خالصة ~~له في الدين، وقيل إن اللام في ليعبدوا بمعنى أن: # أي ما أمروا إلا بأن يعبدوا كقوله ms4360 - يريد الله ليبين لكم - أي أن تبين، و ~~- يريدون ليطفئوا نور الله - أي أن يطفئوا قرأ الجمهور " مخلصين " بكسر ~~اللام. وقرأ الحسن بفتحها. وهذه الآية من الأدلة الدالة على وجوب النية في ~~العبادات لأن الإخلاص من عمل القلب، وانتصاب (حنفاء) على الحال من ضمير ~~مخلصين، فتكون من باب التداخل، ويجوز أن تكون من فاعل يعبدوا، والمعنى: ~~مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. قال أهل اللغة: أصله أن يحنف إلى ~~دين الإسلام: أي يميل إليه (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) أي يفعلوا ~~الصلوات في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند محلها، وخص الصلاة والزكاة لأنهما ~~من أعظم أركان الدين. قيل إن أريد بالصلاة والزكاة ما في شريعة أهل الكتاب ~~من الصلاة والزكاة فالأمر ظاهر، وإن أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما ~~في الكتابين أمرهم باتباع شريعتنا، وهما من جملة ما وقع الأمر به فيها ~~(وذلك دين القيمة) أي وذلك المذكور من عبادة الله وإخلاصها وإقامة الصلاة ~~والزكاة (دين القيمة) أي دين الملة المستقيمة. قال الزجاج: أي ذلك دين ~~الملة المستقيمة، فالقيمة صفة لموصوف محذوف. قال الخليل: القيمة جمع القيم، ~~والقيم: القائم. قال الفراء: # أضاف الدين إلى القيمة، وهو نعته لاختلاف اللفظين. وقال أيضا: هو من ~~إضافة الشئ إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة. ثم بين سبحانه حال ~~الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال (إن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين في نار جهنم) الموصول اسم إن، والمشركين معطوف عليه، ~~وخبرها في نار جهنم، و (خالدين فيها) حال من المستكن في الخبر، ويجوز أن ~~يكون قوله والمشركين مجرورا عطفا على أهل الكتاب ومعنى كونهم في نار جهنم ~~أنهم يصيرون إليها يوم القيامة، والإشارة بقوله (أولئك) إلى من تقدم ذكرهم ~~من أهل الكتاب والمشركين المتصفين بالكون في نار جهنم والخلود فيها (هم شر ~~البرية) أي الخليقة، يقال برأ: أي خلق، والبارئ الخالق، والبرية الخليقة. ~~قرأ الجمهور " البرية " بغير همز في الموضعين وقرأ نافع وابن ذكوان فيهما ~~بالهمز. قال الفراء: إن أخذت ms4361 البرية من البراء وهو التراب لم تدخل الملائكة ~~تحت هذا اللفظ، وإن أخذتها من بريت القلم: أي قدرته دخلت. وقيل إن الهمز هو ~~الأصل لأنه يقال برأ الله الخلق بالهمز: أي ابتدعه واخترعه ومنه قوله - من ~~قبل أن نبرأها - ولكنها خففت الهمزة، والتزم تخفيفها عند عامة العرب. ثم ~~بين حال الفريق الاخر فقال (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بين ~~الإيمان والعمل الصالح (أولئك) المنعوتون بهذا (هم خير البرية) قال: ~~والمراد أن أولئك شر البرية في عصره صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يبعد أن ~~يكون في كفار الأمم من هو شر منهم، وهؤلاء خير البرية في عصره صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ولا يبعد أن يكون في مؤمني الأمم السابقة من هو خير منهم ~~(جزاؤهم عند ربهم) أي ثوابهم عند خالقهم بمقابلة ما وقع منهم من الإيمان ~~والعمل الصالح PageV05P476 # (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار) والمراد بجنات عدن هي أوسط الجنات ~~وأفضلها، يقال عدن بالمكان يعدن عدنا: أي أقام، ومعدن الشئ: مركزه ومستقره، ~~ومنه قول الأعشى: # وإن يتضافوا إلى علمه * يضافوا إلى راجح قد عدن وقد قدمنا في غير موضع ~~أنه إن أريد بالجنات الأشجار الملتفة، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن ~~أريد مجموع قرار الأرض والشجر، فجرى الأنهار من تحتها باعتبار جزئها ~~الظاهر، وهو الشجر (خالدين فيها أبدا) لا يخرجون منها ولا يظعنون عنها، بل ~~هم دائمون في نعيمها مستمرون في لذاتها (رضي الله عنهم ورضوا عنه) الجملة ~~مستأنفة لبيان ما تفضل الله به عليهم من الزيادة على مجرد الجزاء، وهو ~~رضوانه عنهم حيث أطاعوا أمره وقبلوا شرائعه، ورضاهم عنه حيث بلغوا من ~~المطالب مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # ويجوز أن تكون الجملة خبرا ثانيا، وأن تكون في محل نصب على الحال باضمار ~~قد (ذلك لمن خشى ربه) أي ذلك الجزاء والرضوان لمن وقعت منه الخشية لله ~~سبحانه في الدنيا وانتهى عن معاصيه بسبب تلك الخشية التي وقعت له لا مجرد ms4362 ~~الخشية مع الانهماك في معاصي الله سبحانه فإنها ليست بخشية على الحقيقة. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (منفكين) قال: برحين. وأخرج ابن ~~أبي حاتم عن أبي هريرة قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي ~~بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرءوا ~~إن شئتم (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية). وأخرج ابن ~~مردويه عن عائشة قالت " قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله؟ قال: يا ~~عائشة أما تقرئين (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) ". ~~وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: " كنا عند النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأقبل علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده ~~إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك هم خير البرية) فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا أقبل قالوا: قد جاء خير البرية ". وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي ~~سعيد مرفوعا " على خير البرية ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: " لما ~~نزلت هذه الآية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين ~~مرضيين ". وأخرج ابن مردويه عن علي مرفوعا نحوه. وأخرج أحمد عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا أخبركم بخير البرية؟ ~~قالوا: بلى يا رسول الله. قال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت ~~هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بشر البرية؟ قالوا بلى، قال: الذي يسأل بالله ~~ولا يعطى به ". قال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب ~~مولى أبو هريرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فذكره PageV05P477 # تفسير سورة الزلزلة هي ثمان آيات وهي مدنية في قول ابن عباس وقتادة، ~~ومكية ms4363 في قول ابن مسعود وعطاء وجابر. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت ~~(إذا زلزلت) بالمدينة. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي ومحمد بن نصر والحاكم ~~وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو قال " ~~أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أقرئني يا رسول الله، ~~قال: اقرأ ثلاثا من ذوات الراء، فقال الرجل: كبر سني، واشتد قلبي، وغلظ ~~لساني، قال: اقرأ ثلاثا من ذوات حم، فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ~~ثلاثا من المسبحات، فقال مثل مقالته الأولى، وقال: ولكن أقرئني يا رسول ~~الله سورة جامعة، فاقرأه (إذا زلزلت الأرض زلزالها) حتى فرغ منها، قال ~~الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أفلح الرويجل، أفلح الرويجل ". وأخرج الترمذي وابن مردويه والبيهقي ~~عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ إذا زلزلت ~~الأرض عدلت له بنصف القرآن، ومن قرأ: قل هو الله أحد عدلت له بثلث القرآن، ~~ومن قرأ: قل يا أيها الكافرون عدلت له بربع القرآن ". وأخرج الترمذي وابن ~~الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو الله ~~أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن ". قال ~~الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة. وأخرج الترمذي عن أنس ~~" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل من أصحابه: هل تزوجت يا ~~فلان؟ قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج به، قال: أليس معك قل ~~هو الله أحد؟ قال بلى، قال: ثلث القرآن، قال: أليس معك إذا جاء نصر الله ~~والفتح؟ قال بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك قل يا أيها الكافرون؟ قال ~~بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك إذا زلزلت الأرض؟ قال بلى، قال ربع ~~القرآن تزوج ". قال ms4364 الترمذي: هذا حديث حسن. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من قرأ في ليلة إذا زلزلت ~~كان له عدل نصف القرآن ". # سورة الزلزلة (1 - 8) قوله (إذا زلزلت الأرض زلزالها) أي إذا حركت حركة ~~شديدة، وجواب الشرط: تحدث، والمراد تحركها عند قيام الساعة فإنها تضطرب حتى ~~يتكسر كل شئ عليها. قال مجاهد: وهي النفخة الأولى لقوله تعالى - يوم ترجف ~~الراجفة تتبعها الرادفة - وذكر المصدر للتأكيد ثم أضافه إلى الأرض فهو مصدر ~~مضاف إلى فاعله، والمعنى: PageV05P478 # زلزالها المخصوص الذي يستحقه ويقتضيه جرمها وعظمها. قرأ الجمهور " ~~زلزالها " بكسر الزاي، وقرأ الجحدري وعيسى بفتحها، وهما مصدران بمعنى، وقيل ~~المكسور مصدر والمفتوح اسم. قال القرطبي: والزلزال بالفتح مصدر كالوسواس ~~والقلقال. (وأخرجت الأرض أثقالها) أي ما في جوفها من الأموات والدفائن، ~~والأثقال جمع ثقل، قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ~~ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها. قال مجاهد: أثقالها موتاها تخرجهم ~~في النفخة الثانية، وقد قيل للإنس والجن الثقلان، وإظهار الأرض في موضع ~~الإضمار لزيادة التقرير (وقال الإنسان مالها) أي قال كل فرد من أفراد ~~الإنسان ما لها زلزلت؟ لما يدهمه من أمرها ويبهره * من خطبها، وقيل المراد ~~بالإنسان الكافر، وقوله: مالها مبتدأ وخبر، وفيه معنى التعجيب: أي أي شئ ~~لها، أو لأي شئ زلزلت. وأخرجت أثقالها؟ وقوله (يومئذ) بدل من إذا، والعامل ~~فيهما قوله (تحدث أخبرها) ويجوز أن يكون العامل في إذا محذوفا والعامل في ~~يومئذ تحدث، والمعنى: يوم إذا زلزلت وأخرجت تخبر بأخبارها وتحدثهم بما عمل ~~عليها من خير وشر، وذلك إما بلسان الحال حيث يدل على ذلك دلالة ظاهرة، أو ~~بلسان المقال، بأن ينطقها الله سبحانه. وقيل هذا متصل بقوله (وقال الإنسان ~~مالها) أي قال مالها (تحدث أخبارها) متعجبا من ذلك، وقال يحيى بن سلام: ~~تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها، وقيل تحدث بقيام الساعة، وأنها قد أتت ~~وأن الدنيا قد انقضت. قال ابن جرير: تبين أخبارها ms4365 بالرجفة والزلزلة وإخراج ~~الموتى، ومفعول تحدث الأول محذوف والثاني هو أخبارها: أي تحدث الخلق ~~أخبارها (بأن ربك أوحى لها) متعلق بتحدث، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها، ~~وقيل الباء زائدة، وأن وما في حيزها بدل من أخبارها، وقيل الباء سببية: أي ~~بسبب إيحاء الله إليها. قال الفراء: تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها، ~~واللام في أوحى لها بمعنى إلى وإنما أثرت على إلى لموافقة الفواصل، والعرب ~~تضع لام الصفة موضع إلى، كذا قال أبو عبيدة. وقيل إن أوحى يتعدى باللام ~~تارة، وبإلى أخرى، وقيل إن اللام على بابها من كونها للعلة، والموحى إليه ~~محذوف، وهو الملائكة، والتقدير: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض: أي لأجل ما ~~يفعلون فيها، والأول أولى (يومئذ يصدر الناس أشتاتا) الظرف إما بدل من ~~يومئذ الذي قبله، وإما منصوب بمقدر هو أذكر، وإما منصوب بما بعده، والمعنى: ~~يوم إذ يقع ما ذكر يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب أشتاتا: أي ~~متفرقين، والصدر: الرجوع وهو ضد الورود، وقيل يصدرون من موضع الحساب إلى ~~الجنة أو النار، وانتصاب أشتاتا على الحال: والمعنى: # أن بعضهم آمن وبعضهم خائف، وبعضهم بلون أهل الجنة وهو البياض، وبعضهم ~~بلون أهل النار وهو السواد، وبعضهم ينصرف إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة ~~الشمال، مع تفرقهم في الأديان واختلافهم في الأعمال (ليروا أعمالهم) متعلق ~~بيصدر، وقيل فيه تقديم وتأخير: أي تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا ~~أعمالهم (يومئذ يصدر الناس أشتاتا). قرأ الجمهور " ليروا " مبنيا للمفعول، ~~وهو من رؤية البصر: أي ليريهم الله أعمالهم. وقرأ الحسن والأعرج وقتادة ~~وحماد بن سلمة ونصر بن عاصم وطلحة بن مصرف على البناء للفاعل، ورويت هذه ~~القراءة عن نافع، والمعنى: ليروا جزاء أعمالهم (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره) أي وزن نملة، وهي أصغر ما يكون من النمل. قال مقاتل: فمن يعمل في ~~الدنيا مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في كتابه فيفرح به، (و) كذلك (من ~~يعمل) في الدنيا (مثقال ذرة شرا يره) يوم القيامة فيسوؤه، ومثل ms4366 هذه الآية ~~قوله - إن الله لا يظلم مثقال ذرة -. # وقال بعض أهل اللغة: إن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق ~~من التراب فهو الذرة، وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء، والأول ~~أولى، ومنه قول امرئ القيس: PageV05P479 # من القاصرات الطرف لو دب محول * من الذر فوق الأتب منها لأثرا و " من " ~~الأولى عبارة عن السعداء، و " من " الثانية عبارة عن الأشقياء. وقال محمد ~~بن كعب: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا وفي نفسه ~~وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله خير، ومن يعمل ~~مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في ماله ونفسه وأهله وولده ~~حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر، والأول أولى. قال مقاتل: نزلت في ~~رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة، وكان الآخر ~~يتهاون بالذنب اليسير ويقول: إنما أوعد الله النار على الكافرين. قرأ ~~الجمهور " يره " في الموضعين بضم الهاء وصلا وسكونها وقفا، وقرأ هشام ~~بسكونها وصلا ووقفا، ونقل أبو حيان عن هشام وأبي بكر سكونها، وعن أبي عمرو ~~ضمها مشبعة، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية، وفي هذا النقل نظر، ~~والصواب ما ذكرنا. وقرأ الجمهور " يره " مبنيا للفاعل في الموضعين. وقرأ ~~ابن عباس وابن عمر والحسن والحسين ابنا علي وزيد بن علي وأبو حيوة وعاصم ~~والكسائي في رواية عنهما والجحدري والسلمي وعيسى على البناء للمفعول فيهما: ~~أي يريه الله إياه. وقرأ عكرمة " يراه " على توهم أن من موصولة، أو على ~~تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة في الفعل. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ~~عن ابن عباس (إذا زلزلت الأرض زلزالها) قال: تحركت من أسفلها (وأخرجت الأرض ~~أثقالها) قال: الموتى (وقال الإنسان مالها) قال: # الكافر يقول مالها (يومئذ تحدث أخبارها) قال: قال لها ربك قولي (بأن ربك ~~أوحى لها) قال: أوحى لها (يومئذ يصدر ms4367 الناس أشتاتا) قال: من كل من ههنا ~~وههنا. وأخرج ابن المنذر عنه (وأخرجت الأرض أثقالها). # قال: الكنوز والموتى. وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " تقئ الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من ~~الذهب والفضة، فيجئ القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجئ القاطع فيقول في هذا ~~قطعت رحمي، ويجئ السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه ~~شيئا ". وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن ~~المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال " ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يومئذ تحدث أخبارها) قال: أتدرون ~~ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد ~~وأمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل كذا وكذا، فهذا أخبارها ". وأخرج ابن ~~مردويه والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن ~~الأرض لتجئ يوم القيامة بكل عمل عمل على ظهرها، وقرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (إذا زلزلت الأرض زلزالها) حتى بلغ (يومئذ تحدث أخبارها) ". ~~وأخرج الطبراني عن ربيعة الخرشي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~" تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا إلا ~~وهي مخبرة ". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في ~~الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال " ~~بينما أبو بكر الصديق يأكل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ نزلت عليه ~~(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) فرفع أبو بكر ~~يده وقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال: يا أبا ~~بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر لك مثاقيل ذر ~~الخير حتى توفاه يوم القيامة ". وأخرج إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد ~~والحاكم وابن ms4368 مردويه PageV05P480 # عن أبي أسماء قال " بينا أبو بكر يتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذ نزلت هذه الآية (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال شرا ~~يره) فأمسك أبو بكر وقال: يا رسول الله ما عملنا من شر رأيناه، فقال: # ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون ويؤخر الخير لأهله في الآخرة ". وأخرج ~~ابن أبي الدنيا وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال " أنزلت إذا زلزلت الأرض زلزالها وأبو بكر ~~الصديق قاعد فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك يا ~~أبا بكر؟ قال: يبكيني هذه السورة، فقال: لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر ~~لكم لخلق الله قوما يخطئون ويذنبون فيغفر لهم ". وأخرج البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " الخيل ~~لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر " الحديث. وقال: " وسئل عن ~~الحمر فقال: ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة (فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) ". # تفسير سورة العاديات هي إحدى عشرة آية وهي مكية في قول ابن مسعود وجابر ~~والحسن وعكرمة وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس وأنس بن مالك وقتادة. وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (والعاديات) بمكة. وأخرج أبو عبيد ~~في فضائله عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا ~~زلزلت تعدل نصف القرآن، والعاديات تعدل نصف القرآن "، وهو مرسل. وأخرج محمد ~~بن نصر من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس مرفوعا مثله، وزاد " وقل هو ~~الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن ". # سورة العاديات (1 - 11) (العاديات) جمع عادية، وهي الجارية بسرعة، من ~~العدو: وهو المشي بسرعة، فأبدلت الواو ياء لكسر ما قبلها كالغازيات من ~~الغزو، والمراد بها الخيل العادية في الغزو نحو العدو، وقوله (ضبحا) مصدر ~~مؤكد ms4369 لاسم الفاعل، فإن الضبح نوع من السير ونوع من العدو، يقال ضبح الفرس: ~~إذا عدا بشدة، مأخوذ من الضبع، وهو الدفع، وكأن الحاء بدل من العين. قال ~~أبو عبيدة والمبرد: الضبح من إضباعها بعد في السير ومنه قول عنترة: # والخيل تكدح في حياض الموت ضبحا * ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال: أي ~~PageV05P481 # ضابحات، أو ذوات صبح، ويجوز أن يكون مصدرا لفعل محذوف: أي تضبح ضبحا، ~~وقيل الضبح: صوت حوافرها إذا عدت، وقال الفراء: الضبح صوت أنفاس الخيل إذا ~~عدت. قيل كانت تكعم لئلا تصهل فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحالة ~~بقوة، وقيل الضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو ليس بصهيل. وقد ذهب ~~الجمهور إلى ما ذكرنا من أن العاديات ضبحا هي الخيل. وقال عبيد بن عمير ~~ومحمد بن كعب والسدي: هي الإبل، ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: # فلا والعاديات غداة جمع * بأيديها إذا صدع الغبار * ونقل أهل اللغة أن ~~أصل الضبح للثعلب فاستعير للخيل، ومنه قول الشاعر: تضبح في الكف ضباح ~~الثعلب (فالموريات قدحا) هي الخيل حين تورى النار بسنابكها، والإيراء إخراج ~~النار، والقدح الصك، فجعل ضرب الخيل بحوافرها كالقدح بالزناد. قال الزجاج: ~~إذا عدت الخيل بالليل وأصاب حوافرها الحجارة انقدح منها النيران والكلام في ~~انتصاب قدحا كالكلام في انتصاب ضبحا، والخلاف في كونها الخيل أو الإبل ~~كالخلاف الذي تقدم في العاديات. والراجح أنها الخيل كما ذهب إليه الجمهور، ~~وكما هو الظاهر من هذه الأوصاف المذكورة في هذه السورة ما تقدم منها وما ~~سيأتي، فإنها في الخيل أوضح منها، في الإبل، وسيأتي ما في ذلك من الخلاف ~~بين الصحابة (فالمغيرات صبحا) أي التي تغير على العدو وقت الصباح، يقال ~~أغار يغير إغارة إذا باغت عدوه بقتل أو أسر أو نهب وأسند الإغارة إليها وهي ~~لأهلها للإشعار بأنها عمدتهم في إغارتهم، وانتصاب صبحا على الظرفية (فأثرن ~~به نقعا) معطوف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل، إذ المعنى: واللاتي ~~عدون فأثرن، أو على اسم الفاعل ms4370 نفسه لكونه في تأويل الفعل لوقوعه صلة ~~للموصول، فإن الألف واللام في الصفات أسماء موصولة، فالكلام في قوة: ~~واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، والنقع: الغبار الذي أثرته في وجه العدو ~~عند الغزو، وتخصيص إثارته بالصبح لأنه وقت الإغارة، ولكونه لا يظهر أثر ~~النقع في الليل الذي اتصل به الصبح. وقيل المعنى: فأثرن بمكان عدوهن نقعا، ~~يقال ثار النقع وأثرته: أي هاج أو هيجته. قرأ الجمهور " فأثرن " بتخفيف ~~المثلثة. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بالتشديد: أي فأظهرن به غبارا. وقال ~~أبو عبيدة: النقع رفع الصوت، وأنشد قول لبيد: # فمتى ينقع صراخ صادق * يجلبوها ذات جرس وزجل يقول حين سمعوا صراخا أجلبوا ~~الحرب: أي جمعوا لها. قال أبو عبيدة: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم ~~انتهى، والمعروف عند جمهور أهل اللغة والمفسرين أن النقع الغبار، ومنه قول ~~الشاعر: # يخرجن من مستطار النقع دامية * كأن أذنابها أطراف أقلام وقول عبد الله بن ~~رواحة: # عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع من كنفي كداء وقول الآخر: كأن مثار ~~النقع رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وهذا هو المناسب لمعنى الآية، ~~وليس لتفسير النقع بالصوت فيها كثير معنى، فإن قولك أغارت الخيل على بني ~~فلان صبحا فأثرن به صوتا، قليل الجدوى مغسول المعنى بعيد من بلاغة القرآن ~~المعجزة. وقيل النقع: شق الجيوب، وقال محمد بن كعب: النقع ما بين مزدلفة ~~إلى منى، وقيل إنه طريق الوادي. قال في الصحاح: النقع PageV05P482 # الغبار، والجمع أنقاع، والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه، ~~والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء (فوسطن به جمعا) أي توسطن بذلك ~~الوقت، أو توسطن ملتبسات بالنقع جمعا من جموع الأعداء، أو صرن بعدوهن وسط ~~جمع الأعداء، والباء إما للتعدية، أو للحالية، أو زائدة، يقال: وسطت ~~المكان: أي صرت في وسطه، وانتصاب جمعا على أنه مفعول به، والفاآت في ~~المواضع الأربعة للدلالة على ترتب ما بعد كل واحدة منها على ما قبلها. قرأ ~~الجمهور " فوسطن " بتخفيف السين، وقرئ بالتشديد (إن الإنسان ms4371 لربه لكنود) ~~هذا جواب القسم، والمراد بالإنسان بعض أفراده، وهو الكافر، والكنود: الكفور ~~للنعمة، وقوله " لربه " متعلق بكنود، قدم لرعاية الفواصل، ومنه قول الشاعر: # كنود لنعماء الرجال ومن يكن * كنودا لنعماء الرجال يبعد أي كفور لنعماء ~~الرجال، وقيل هو الجاحد للحق، قيل إنها إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها. ~~وقيل الكنود مأخوذ من الكند، وهو القطع، كأنه قطع ما ينبغي أن يواصله من ~~الشكر. يقال كند الحبل: إذا قطعه، ومنه قول الأعشى: وصول حبال وكنادها * ~~وقيل الكنود البخيل، وأنشد أبو زيد: # إن نفسي لم تطب منك نفسا * غير أني أمسي بدين كنود وقيل الكنود الحسود، ~~وقيل الجهول لقدره، وتفسير الكنود بالكفور للنعمة أولى بالمقام، والجاحد ~~للنعمة كافر لها، ولا يناسب المقام سائر ما قيل (وإنه على ذلك لشهيد) أي ~~وإن الإنسان على كنوده لشهيد يشهد على نفسه به لظهور أثره عليه، وقيل ~~المعنى: وإن الله جل ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد، وبه قال الجمهور. # وقال بالأول الحسن وقتادة ومحمد بن كعب، وهو أرجح من قول الجمهور لقوله ~~(وإنه لحب الخير لشديد) فإن الضمير راجع إلى الإنسان، والمعنى: إنه لحب ~~المال قوي مجد في طلبه وتحصيله متهالك عليه، يقال هو شديد لهذا الأمر وقوي ~~له: إذا كان مطيقا له، ومنه قوله تعالى - إن ترك خيرا - ومنه قول عدي بن ~~حاتم: # ماذا ترجي النفوس من طلب الخير * وحب الحياة كاذبها وقيل المعنى: وإن ~~الإنسان من أجل حب المال لبخيل، والأول أولى. واللام في " لحب " متعلقة ~~بشديد. # قال ابن زيد: سمى الله المال خيرا، وعسى أن يكون شرا، ولكن الناس يجدونه ~~خيرا، فسماه خيرا. قال الفراء: # أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم الحب قال: ~~لشديد، وحذف من آخره ذكر الحب، لأنه قد جرى ذكره، ولرءوس الآي كقوله - في ~~يوم عاصف - والعصوف للريح لا لليوم، كأنه قال: # في يوم عاصف الريح (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور) الاستفهام للإنكار، ~~والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام: أي ms4372 يفعل ما يفعل من القبائح فلا ~~يعلم، وبعثر معناه نثر وبحث: أي نثر ما في القبور من الموتى وبحث عنهم ~~وأخرجوا. قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع جعلت أسفله أعلاه. قال الفراء: سمعت ~~بعض العرب من بني أسد يقول: بحثر بالحاء مكان العين، وقد تقدم الكلام على ~~هذا في قوله - وإذا القبور بعثرت - (وحصل ما في الصدور) أي ميز وبين ما ~~فيها من الخير والشر، والتحصيل التمييز، كذا قال المفسرون، وقيل حصل أبرز. # قرأ الجمهور " حصل " بضم الحاء وتشديد الصاد مكسورا مبنيا للمفعول. وقرأ ~~عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم حصل بفتح الحاء ~~والصاد وتخفيفها مبنيا للفاعل: أي ظهر (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) أي إن رب ~~المبعوثين بهم لخبير لا تخفى عليه منهم خافية فيجازيهم بالخير خيرا، وبالشر ~~شرا. قال PageV05P483 # الزجاج: الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى: إن الله ~~يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، ومثله قوله تعالى - أولئك الذين يعلم الله ~~ما في قلوبهم - معناه: أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم. قرأ الجمهور " ~~إن ربهم " بكسر الهمزة وباللام في لخبير، وقرأ أبو السماك بفتح الهمزة ~~وإسقاط اللام من لخبير. # وقد أخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيلا ~~فاستمرت شهرا لا يأتيه منها خبر فنزلت (والعاديات ضبحا) ضبحت بأرجلها " ~~ولفظ ابن مردويه: ضبحت بمناخرها (فالموريات قدحا) قدحت بحوافرها الحجارة ~~فأورت نارا (فالمغيرات صبحا) صبحت القوم بغارة (فأثرن به نقعا) أثارت ~~بحوافرها التراب (فوسطن به جمعا) صبحت القوم جميعا. وأخرج ابن مردويه من ~~وجه آخر عنه قال " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية إلى العدو ~~فأبطأ حبرها، فشق ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم وما كان من أمرهم، فقال ~~(والعاديات ضبحا) قال: هي الخيل ". # والضبح نخير الخيل حين تنخر (فالموريات قدحا) قال: حين تجرى الخيل تورى ~~نارا أصابت سنابكها الحجارة (فالمغيرات ms4373 صبحا) قال: هي الخيل أغارت فصبحت ~~العدو (فأثرن به نقعا) قال: هي الخيل أثرن بحوافرها، يقول بعدو الخيل، ~~والنقع الغبار (فوسطن به جمعا) قال: الجمع العدو. وأخرج عبد بن حميد عن أبي ~~صالح قال: تقاولت أنا وعكرمة في شأن العاديات، فقال: قال ابن عباس: هي ~~الخيل في القتال، وضبحها حين ترخى مشافرها إذا عدت (فالموريات قدحا) أرت ~~المشركين مكرهم (فالمغيرات صبحا) قال: إذا صبحت العدو (فوسطن به جمعا) قال: ~~إذا توسطت العدو. وقال أبو صالح: فقلت قال علي هي الإبل في الحج ومولاي كان ~~أعلم من مولاك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب ~~الأضداد والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال: بينما أنا في الحجر ~~جالس إذ أتاني رجل يسأل عن العاديات ضبحا، فقلت: الخيل - حين تغير في سبيل ~~الله ثم تأوى إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم، فانفتل عني فذهب إلى ~~علي ابن أبي طالب وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحا، فقال: ~~سألت عنها أحدا قبلي؟ قال: # نعم سألت عنها ابن عباس، فقال: هي الخيل حين تغير في سبيل الله، فقال ~~اذهب فادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتى الناس بما لا علم لك، والله ~~إن كانت لأول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير ~~وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون (العاديات ضبحا) إنما العاديات ضبحا من ~~عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوقدوا النيران، والمغيرات ~~صبحا: من المزدلفة إلى منى، فذلك جمع، وأما قوله (فأثرن به نقعا) فهي نقع ~~الأرض تطؤه بأخفافها وحوافرها. قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي ~~قال علي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ~~(والعاديات ضبحا) قال: الإبل، أخرجوه عنه من طريق الأعمش عن إبراهيم ~~النخعي. قال إبراهيم: وقال علي بن أبي طالب: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي ~~الخيل، فبلغ عليا قول ابن عباس: فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ms4374 ابن ~~عباس: إنما كانت تلك في سرية بعثت. وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي قال: ~~تمارى علي وابن عباس في العاديات ضبحا، فقال ابن عباس: هي الخيل، وقال علي: ~~كذبت يابن فلانة، والله ما كان معنا يوم بدر فارس إلا المقداد كان على فرس ~~أبلق. قال: وكان يقول هي الإبل، فقال ابن عباس: ألا ترى أنها تثير نقعا فما ~~شئ تثير إلا بحوافرها. وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ~~ابن عباس (والعاديات ضبحا) قال: # الخيل (فالموريات قدحا) قال: الرجل إذا أورى زنده (فالمغيرات صبحا) قال: ~~الخيل تصبح العدو (فأثرن به PageV05P484 # نقعا) قال: التراب (فوسطن به جمعا) قال: العدو. وأخرج عبد بن حميد عن ~~مجاهد (والعاديات ضبحا) قال: # قال ابن عباس: القتال. وقال ابن مسعود: الحج. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن ~~منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن ابن ~~عباس (والعاديات ضبحا) قال: ليس شئ من الدواب يضبح إلا الكلب أو الفرس ~~(فالموريات قدحا) قال: هو مكر الرجل قدح فأورى (فالمغيرات صبحا) قال: # غارة الخيل صبحا (فأثرن به نفعا) قال. غبارا وقع سنابك الخيل (فوسطن به ~~جمعا) قال: جمع العدو. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس (والعاديات ~~ضبحا) قال: الخيل ضبحها زحيرها، ألم تر أن الفرس إذا عدا قال: أح أح، فذلك ~~ضبحها. وأخرج ابن المنذر عن علي قال: الضبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل ~~النفس. # وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود (والعاديات ضبحا) قال: هي الإبل في الحج ~~(فالموريات قدحا) إذا سفت الحصى بمناسمها فضرب الحصى بعضه بعضا فيخرج منه ~~النار (فالمغيرات صبحا) حين يفيضون من جمع (فأثرن به نقعا) قال: إذا سرن ~~يثرن التراب. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: الكنود بلساننا أهل البلد ~~الكفور. وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ms4375 ~~قوله (إن الإنسان لربه لكنود) قال لكفور. وأخرج عبد بن حميد والبخاري في ~~الأدب والحكيم الترمذي وابن مردويه عن أبي أمامة قال: الكنود الذي يمنع ~~رفده وينزل وحده ويضرب عبده. ورواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني ~~وابن مردويه والديلمي وابن عساكر مرفوعا، وضعف إسناده السيوطي، وفي إسناده ~~جعفر بن الزبير وهو متروك، والموقوف أصح لأنه لم يكن من طريقه. # وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس (وإنه على ذلك لشهيد) قال: الإنسان (وإنه ~~لحب الخير) قال: المال. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه (إذا بعثر ما في القبور) قال: بحث (وحصل ~~ما في الصدور) قال: أبرز. # تفسير سورة القارعة هي إحدى عشرة آية، وقيل عشر آيات وهي مكية بلا خلاف. ~~أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة القارعة بمكة. # سورة القارعة (1 - 11) (القارعة) من أسماء القيامة، لأنها تقرع القلوب ~~بالفزع وتقرع أعداء الله بالعذاب، والعرب تقول قرعتهم القارعة إذا وقع بهم ~~أمر فظيع. قال ابن أحمر: PageV05P485 # وقارعة من الأيام لولا * سبيلهم لراحت عنك حينا وقال آخر: متى نقرع ~~بمروءتكم نسؤكم * ولم يوقد لنا في القدر نار والقارعة مبتدأ وخبرها قوله ~~(ما القارعة) وبالرفع قرأ الجمهور، وقرأ عيسى بنصبها على تقدير: احذروا ~~القارعة، والاستفهام للتعظيم والتفخيم لشأنها، كما تقدم بيانه في قوله - ~~الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة - وقيل معنى الكلام على التحذير. قال ~~الزجاج: والعرب تحذر وتغري بالرفع كالنصب، وأنشد قول الشاعر: # لجديرون بالوفاء إذا قال * أخو النجدة السلاح السلاح والحمل على معنى ~~التفخيم والتعظيم أولى، ويؤيده وضع الظاهر موضع الضمير، فإنه أدل على هذا ~~المعنى، ويؤيده أيضا قوله (وما أدراك ما القارعة) فإنه تأكيد لشدة هولها ~~ومزيد فظاعتها حتى كأنها خارجة عن دائرة علوم الخلق بحيث لا تنالها دراية ~~أحد منهم، وما الاستفهامية مبتدأ، وأدرك خبرها وما القارعة مبتدأ وخبر، ~~والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني، والمعنى: وأي شئ أعلمك ما شأن ~~القارعة؟ ثم بين سبحانه متى تكون القارعة فقال (يوم يكون الناس ms4376 كالفراش ~~المبثوث) وانتصاب الظرف بفعل محذوف تدل عليه القارعة: # أي تقرعهم يوم يكون الناس الخ، ويجوز أن يكون منصوبا بتقدير أذكر. وقال ~~ابن عطية ومكي وأبو البقاء: # هو منصوب بنفس القارعة، وقيل هو خبر مبتدإ محذوف وإنما نصب لإضافته إلى ~~الفعل، فالفتحة فتحة بناء لا فتحة إعراب: أي هي يوم يكون الخ، وقيل ~~التقدير: ستأتيكم القارعة يوم يكون، وقرأ زيد بن علي برفع يوم على الخبرية ~~للمبتدأ المقدر. والفراش: الطير الذي تراه يتساقط في النار والسراج ~~والواحدة فراشة، كذا قال أبو عبيدة وغيره. قال الفراء: الفراش هو الطائر من ~~بعوض وغيره، ومنه الجراد. قال وبه يضرب المثل في الطيش والهوج، يقال: أطيش ~~من فراشة، وأنشد: # فراشة الحلم فرعون العذاب وإن * يطلب نداه فكلب دونه كلب وقول آخر: وقد ~~كان أقوام رددت حلومهم * عليهم وكانوا كالفراش من الجهل والمراد بالمبثوث ~~المتفرق المنتشر، يقال بثه: إذا فرقه، ومثل هذا قوله سبحانه في آية أخرى - ~~كأنهم جراد منتشر - وقال المبثوث ولم يقل المبثوثة، لأن الكل جائز كما في ~~قوله - أعجاز نخل منقعر - و - أعجاز نخل خاوية - وقد تقدم بيان وجه ذلك ~~(وتكون الجبال كالعهن المنفوش) أي كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي ~~نفش بالندف، والعهن عند أهل اللغة: الصوف المصبوغ بالألوان المختلفة، وقد ~~تقدم بيان هذا في سورة سأل سائل وقد ورد في الكتاب العزيز أوصاف للجبال يوم ~~القيامة، وقد قدمنا بيان الجمع بينها. ثم كرر سبحانه أحوال الناس وتفرقهم ~~فريقين على جهة الإجمال فقال (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) قد ~~تقدم القول في الميزان في سورة الأعراف وسورة الكهف وسورة الأنبياء. # وقد اختلف فيها هنا، فقيل هي جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند ~~الله، وبه قال الفراء وغيره، وقيل هي جمع ميزان، وهو الآلة التي توضع فيها ~~صحائف الأعمال، وعبر عنه بلفظ الجمع، كما يقال لكل حادثة ميزان، وقيل ~~المراد بالموازين الحجج والدلائل، كما في قول الشاعر: # لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكم مخاصم ميزانه ms4377 ومعنى عيشة راضية ~~مرضية يرضاها صاحبها. قال الزجاج: أي ذات رضى يرضاها صاحبها، وقيل عيشة ~~PageV05P486 # راضية: أي فاعلة للرضي، وهو اللين، والانقياد لأهلها. والعيشة كلمة تجمع ~~النعم التي في الجنة (وأما من خفت موازينه) أي رجحت سيئاته على حسناته أو ~~لم تكن له حسنات يعتد بها (فأمه هاوية) أي فمسكنه جهنم، وسماها أمه، لأنه ~~يأوى إليها كما يأوى إلى أمه، والهاوية من أسماء جهنم، وسميت هاوية، لأنه ~~يهوى فيها مع بعد قعرها، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: # فالأرض معقلنا وكانت أمنا * فيها مقابرنا وفيها نولد وقول الآخر: يا عمرو ~~لو نالتك أرماحنا * كنت كمن تهوى به الهاوية والمهوى والمهواة: ما بين ~~الجبلين، وتهاوى القوم في المهواة: إذا سقط بعضهم في إثر بعض. قال قتادة: # معنى " فأمه هاويه " فمصيره إلى النار. قال عكرمة: لأنه يهوى فيها على أم ~~رأسه. قال الأخفش: أمه مستقره (وما أدراك ماهيه) هذا الاستفهام للتهويل ~~والتفظيع ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا تحيط بها علوم البشر ولا ~~ندري كنهها. ثم بينها سبحانه فقال (نار حامية) أي قد انتهى حرها وبلغ في ~~الشدة إلى الغاية وارتفاع نار على أنها خبر مبتدإ محذوف: أي هي نار حامية. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال ~~(القارعة) من أسماء يوم القيامة، وأخرج ابن المنذر عنه في قوله (فأمه ~~هاوية) قال: كقوله هوت أمه. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة (فأمه هاوية) قال: ~~أم رأسه هاوية في جهنم. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه ما فعل ~~فلان ما فعلت فلانة؟ فإذا كان مات ولم يأتهم قالوا خولف به إلى أمه ~~الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية ". وأخرج ابن مردويه من حديث أبي أيوب ~~الأنصاري نحوه. وأخرج ابن المبارك من حديث أبي أيوب نحوه أيضا. # تفسير سورة التكاثر هي ثمان آيات وهي مكية عند الجميع. وروى البخاري أنها ~~مدنية. ms4378 وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزل بمكة (ألهاكم التكاثر). ~~وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قالوا: ومن ~~يستطيع أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم ~~التكاثر ". وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق والديلمي عن عمر بن الخطاب ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ في ليلة ألف آية لقى ~~الله وهو ضاحك في وجهه، قيل يا رسول الله ومن يقوى على ألف آية؟ فقرأ بسم ~~الله الرحمن الرحيم ألهاكم التكاثر إلى آخرها، ثم قال: والذي نفسي بيده ~~إنها لتعدل ألف آية ". وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن عبد الله بن ~~الشخير قال " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرأ ~~ألهاكم التكاثر، وفي لفظ: وقد أنزلت عليه ألهاكم التكاثر، وهو يقول: # ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ". وأخرجه مسلم ~~وغيره من حديث أبي هريرة ولم يذكر فيه قراءة هذه السورة ولا نزولها بلفظ " ~~يقول العبد مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاثة: ما أكل فأفنى، أو ~~PageV05P487 # لبس فأبلى، أو تصدق فأقنى وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس ". وأخرج ~~الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في الشعب وضعفه عن جرير بن عبد ~~الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إني قارئ عليكم ~~سورة ألهاكم التكاثر، فمن بكى فله الجنة، فقرأها فمنا من بكى ومنا من لم ~~يبك، فقال الذين لم يبكوا: # قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه، فقال: إني قارئها عليكم ~~الثانية فمن بكى فله الجنة، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباكى ". # سورة التكاثر (1 - 8) قوله (ألهاكم التكاثر) أي شغلكم التكاثر بالأموال ~~والأولاد والتفاخر بكثرتها والتغالب فيها. يقال: ألهاه عن كذا وألهاه إذا ~~شغله، ومنه قول امرئ القيس: فألهيتها عن ms4379 ذي تمائم محول وقال الحسن: # معنى ألهاكم: أنساكم (حتى زرتم المقابر) أي حتى أدرككم الموت وأنتم على ~~تلك الحال. وقال قتادة: إن التكاثر التفاخر بالقبائل والعشائر. وقال ~~الضحاك: ألهاكم التشاغل بالمعاش. وقال مقاتل وقتادة أيضا وغيرهما: نزلت في ~~اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ~~ألهاهم ذلك حتى ماتوا. وقال الكلبي: # نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف، وبني سهم تعاذوا وتكاثروا بالسيادة ~~والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا ~~وأكثر قائدا، فكثر بنو عبد مناف بني سهم، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم بهم، ~~فنزلت (ألهاكم التكاثر) فلم ترضوا (حتى زرتم المقابر) مفتخرين بالأموات. # وقيل نزلت في حيين من الأنصار. والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها. وفي ~~الآية دليل على أن الاشتغال بالدنيا والمكاثرة بها والمفاخرة فيها من ~~الخصال المذمومة، وقال سبحانه (ألهاكم التكاثر) ولم يقل عن كذا، بل أطلقه ~~لأن الإطلاق أبلغ في الذم، لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب، فيدخل فيه جميع ما ~~يحتمله المقام، ولأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم، كما تقرر في علم البيان، ~~والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن كل شئ يجب عليكم الاشتغال به من طاعة الله ~~والعمل للآخرة، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره ~~كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره هذا على قول من قال: إن معنى (زرتم ~~المقابر) متم، وأما على قول من قال: إن معنى (زرتم المقابر) ذكرتم الموتى ~~وعددتموهم للمفاخرة والمكاثرة، فيكون ذلك على طريق التهكم بهم، وقيل إنهم ~~كانوا يزورون المقابر، فيقولون هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك ~~(كلا سوف تعلمون) ردع وزجر لهم عن التكاثر وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ~~ذلك يوم القيامة وفيه وعيد شديد. قال الفراء: أي ليس الأمر على ما أنتم ~~عليه من التكاثر والتفاخر، ثم كرر الردع والزجر والوعيد فقال (ثم كلا سوف ~~تعلمون) وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، وقيل الأول ms4380 عند الموت أو ~~في القبر، والثاني يوم القيامة. قال الفراء: هذا التكرار على وجه التغليظ ~~والتأكيد. قال مجاهد: هو وعيد بعد وعيد. وكذا قال الحسن ومجاهد (كلا لو ~~تعلمون PageV05P488 # علم اليقين) أي لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينا كعلمكم ~~ما هو متيقن عندكم في الدنيا وجواب لو محذوف: أي لشغلكم ذلك عن التكاثر ~~والتفاخر، أو لفعلتم ما ينفعكم من الخير وتركتم مالا ينفعكم مما أنتم فيه، ~~وكلا في هذا الموضع الثالث للزجر والردع كالموضعين الأولين. وقال الفراء: ~~هي بمعنى حقا، وقيل هي في المواضع الثلاثة بمعنى ألا. قال قتادة: اليقين ~~هنا الموت، وروى عنه أيضا أنه قال: هو البعث. قال الأخفش: التقدير لو ~~تعلمون علم اليقين ما ألهاكم، وقوله (لترون الجحيم) جواب قسم محذوف، وفيه ~~زيادة وعيد وتهديد: أي والله لترون الجحيم في الآخرة. قال الرازي: وليس هذا ~~جواب لو، لأن جواب لو يكون منفيا، وهذا مثبت ولأنه عطف عليه (ثم لتسألن) ~~وهو مستقبل لا بد من وقوعه قال: وحذف جواب لو كثير، والخطاب للكفار، وقيل ~~عام كقوله - وإن منكم إلا واردها - قرأ الجمهور " لترون " بفتح التاء مبننا ~~للفاعل وقرأ الكسائي وابن عامر بضمها مبنيا للمفعول، ثم كرر الوعيد ~~والتهديد للتأكيد فقال (ثم لترونها عين اليقين) أي ثم لترون الجحيم الرؤية ~~التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والمعاينة، وقيل المعنى: لترون الجحيم ~~بأبصاركم على البعد منكم، ثم لترونها مشاهدة على القرب. وقيل المراد بالأول ~~رؤيتها قبل دخولها، والثاني رؤيتها حال دخولها. وقيل هو إخبار عن دوام ~~بقائهم في النار: أي هي رؤية دائمة متصلة. وقيل المعنى: # لو تعلمون اليوم علم اليقين وأنتم في الدنيا لترون الجحيم بعيون قلوبكم، ~~وهو أن تتصوروا أمر القيامة وأهوالها (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) أي عن ~~نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة. قال قتادة: يعني كفار مكة كانوا ~~في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم ~~يشكروا رب النعم حيث عبدوا غيره وأشركوا به. قال ms4381 الحسن: لا يسأل عن النعيم ~~إلا أهل النار. وقال قتادة: إن الله سبحانه سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه، ~~وهذا هو الظاهر، ولا وجه لتخصيص النعيم بفرد من الأفراد، أو نوع من الأنواع ~~لأن تعريفه للجنس أو الاستغراق، ومجرد السؤال لا يستلزم تعذيب المسئول على ~~النعمة التي يسئل عنها، فقد يسأل الله المؤمن عن النعم التي أنعم بها عليه ~~فيم صرفها، وبم عمل فيها؟ ليعرف تقصيره وعدم قيامه بما يجب عليه من الشكر، ~~وقيل السؤال عن الأمن والصحة، وقيل عن الصحة والفراغ، وقيل عن الإدراك ~~بالحواس، وقيل عن ملاذ المأكول والمشروب، وقيل عن الغداء والعشاء، وقيل عن ~~بارد الشراب وظلال المساكن، وقيل عن اعتدال الخلق، وقيل عن لذة النوم، ~~والأولى والعموم كما ذكرنا. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بردة في قوله (ألهاكم التكاثر) قال: نزلت ~~في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا، ~~فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان وفلان. وقال الآخرون: # مثل ذلك تفاخروا بالأحياء. ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى ~~الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، ومثل فلان، وفعل الآخرون ~~كذلك، فأنزل الله (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) لقد كان لكم فيما زرتم ~~عبرة وشغل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ألهاكم التكاثر) قال: في ~~الأموال والأولاد. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن زيد بن أسلم عن أبيه ~~قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألهاكم التكاثر " يعنى عن ~~الطاعة (حتى زرتم المقابر) يقول: حتى يأتيكم الموت (كلا سوف تعلمون) يعني ~~لو قد دخلتم قبوركم (ثم كلا سوف تعلمون) يقول: لو قد خرجتم من قبوركم إلى ~~محشركم (كلا لو تعلمون علم اليقين) قال: لو قد وقفتم على أعمالكم بين يدي ~~ربكم (لترون الجحيم) وذلك أن الصراط يوضع وسط جهنم، فناج مسلم ومخدوش مسلم ~~ومكدوش في نار جهنم (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) يعني شبع البطون وبارد ~~PageV05P489 # الشرب وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم. ms4382 وأخرج ابن مردويه عن عياض ~~بن غنم مرفوعا نحوه. # وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب ~~عن ابن عباس في قوله (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) قال: صحة الأبدان ~~والأسماع والأبصار، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله - إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا - وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ~~وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) قال: الأمن والصحة. وأخرج البيهقي عن علي بن ~~أبي طالب قال: النعيم العافية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم عنه في الآية قال: من أكل خبز البر وشرب ماء الفرات مبردا وكان له ~~منزل يسكنه، فذلك من النعيم الذي يسأل عنه. # وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الآية: أكل خبز البر والنوم في الظل وشرب ماء الفرات مبردا. ولعل ~~رفع هذا لا يصح، فربما كان من قول أبي الدرداء. وأخرج أحمد في الزهد وابن ~~مردويه عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية قال " ناس ~~من أمتي يعقدون السمن والعسل بالنفي فيأكلونه " وهذا مرسل. وأخرج عبد بن ~~حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية. قال الصحابة: يا ~~رسول الله أي نعيم نحن فيه؟ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير، فأوحى ~~الله إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن قل لهم: أليس تحتذون النعال، ~~وتشربون الماء البارد، فهذا من النعيم. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وأحمد ~~وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن محمود بن لبيد قال: لما نزلت ~~(ألهاكم التكاثر) فقرأ حتى بلغ (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) قالوا: يا رسول ~~الله أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: # الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: ~~أما إن ذلك سيكون: وأخرجه ms4383 عبد بن حميد والترمذي وابن مردويه من حديث أبي ~~هريرة. وأخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه من ~~حديث الزبير بن العوام. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد والترمذي وابن ~~جرير وابن حبان وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن أول ما يسأل العبد عنه يوم ~~القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسدك ونروك من الماء البارد؟ ". ~~وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال " جاءنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر فأطعمناهم رطبا وسقيناهم ماء، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه ". وأخرج عبد بن ~~حميد وابن مردويه والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله نحوه. وأخرج مسلم وأهل ~~السنن وغيرهم عن أبي هريرة قالا " خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا ~~هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما الساعة؟ قالا: الجوع يا ~~رسول الله، قال: والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما فقوما فقاما معه، ~~فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أين فلان؟ قالت: انطلق يستعذب لنا ~~الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه ~~فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، فانطلق فجاء بعذق فيه بسر ~~وتمر. فقال: كلوا من هذا وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: إياك والحلوب، فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق وشربوا، ~~فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر وعمر: ~~والذي نفسي بيده لنسألن عن هذا النعيم يوم القيامة " وفي الباب أحاديث اه‍. ~~PageV05P490 # تفسير سورة العصر هي ثلاث آيات وهي مكية عند الجمهور. ms4384 وقال قتادة: هي ~~مدنية. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة العصر بمكة. وأخرج ~~الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن أبي مزينة الدارمي، وكانت له صحبة ~~قال: كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا التقيا لم ~~يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر. ثم يسلم أحدهما على الآخر: # سورة العصر (1 - 3) أقسم سبحانه بالعصر وهو الدهر، لما فيه من العبر من ~~جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار وتعاقب الظلام والضياء، فإن في ~~ذلك دلالة بينة على الصانع عز وجل وعلى توحيده، ويقال لليل عصر وللنهار ~~عصر، ومنه قول حميد بن ثور: # ولم ينته العصران يوم وليلة * إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا ويقال للغداة ~~والعشي عصران، ومنه قول الشاعر: # وأمطله العصرين حتى يملني * ويرضى بنصف الدين والأنف راغم * وقال قتادة ~~والحسن: المراد به في الآية العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها، ومنه ~~قول الشاعر: # يروح بنا عمرو وقد قصر العصر * وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر وروى عن ~~قتادة أيضا أنه آخر ساعة من ساعات النهار. وقال مقاتل: إن المراد به صلاة ~~العصر وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله سبحانه بالمحافظة عليها، وقيل هو ~~قسما بعصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال الزجاج: # قال بعضهم: معناه ورب العصر، والأول أولى (إن الإنسان لفي خسر) هذا جواب ~~القسم. الخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال، والمعنى: أن كل إنسان في ~~المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى ~~يموت. وقيل المراد بالإنسان الكافر، وقيل جماعة من الكفار: وهم الوليد بن ~~المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأول أولى لما ~~في لفظ الإنسان من العموم ولدلالة الاستثناء عليه. قال الأخفش (في خسر) في ~~هلكة. وقال الفراء: عقوبة. وقال ابن زيد: لفي شر. قرأ الجمهور " والعصر " ~~بسكون الصاد. وقرءوا أيضا " خسر " بضم الخاء وسكون السين. وقرأ يحيى بن ~~سلام " والعصر " بكسر الصاد. وقرأ الأعرج وطلحة ms4385 وعيسى: " خسر " بضم الخاء ~~والسين، ورويت هذه القراءة عن عاصم (إلا PageV05P491 # الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح، ~~فإنهم في ربح لا في خسير، لأنهم عملوا للآخرة ولم تشغلهم أعمال الدنيا ~~عنها، والاستثناء متصل ومن قال: إن المراد بالإنسان الكافر فقط، فيكون ~~منقطعا، ويدخل تحت هذا الاستثناء كل مؤمن ومؤمنة، ولا وجه لما قيل من أن ~~المراد الصحابة أو بعضهم، فإن اللفظ عام لا يخرج عنه أحد ممن يتصف بالإيمان ~~والعمل الصالح (وتواصوا بالحق) أي وصى بعضهم بعضا بالحق الذي يحق القيام ~~به، وهو الإيمان بالله والتوحيد، والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى ~~عنه. قال قتادة: بالحق: # أي بالقرآن، وقيل بالتوحيد، والحمل على العموم أولى (وتواصوا بالصبر) أي ~~بالصبر عن معاصي الله سبحانه والصبر على فرائضه. وفي جعل التواصي بالصبر ~~قريبا للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين ~~على ما يحق الصبر عليه - إن الله مع الصابرين - وأيضا التواصي بالصبر مما ~~يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده بالذكر وتخصيصه بالنص عليه من أعظم ~~الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته ~~عنها. # وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (والعصر) قال: الدهر. وأخرج ابن ~~جرير عنه قال: هو ساعة من ساعات النهار. وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال: هو ~~ما قبل مغيب الشمس من العشى. وأخرج الفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن ~~حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي بن أبي طالب ~~أنه كان يقرأ " والعصر، ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى ~~آخر الدهر ". وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: " والعصر إن ~~الإنسان لفي خسر، وإنه لفيه إلى آخر الدهر " اه‍. # تفسير سورة الهمزة هي تسع آيات، وهي مكية بلا خلاف وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: أنزلت (ويل لكل همزة لمزة) بمكة. # سورة الهمزة (1 - 9) الويل: هو مرتفع على الابتداء، وسوغ الابتداء ms4386 به مع ~~كونه نكرة كونه دعاء عليهم، وخبره (لكل همزة لمزة) والمعنى: خزي أو عذاب أو ~~هلكة أو واد في جهنم لكل همزة لمزة. قال أبو عبيدة والزجاج: الهمزة اللمزة ~~الذي يغتاب الناس، وعلى هذا هما بمعنى: وقال أبو العالية والحسن ومجاهد ~~وعطاء بن أبي رباح: الهمزة الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمزة: الذي يغتابه ~~من خلفه. وقال قتادة عكس هذا. وروى عن قتادة ومجاهد أيضا أن الهمزة: الذي ~~يغتاب الناس في أنسابهم. وروى عن مجاهد أيضا أن الهمزة: الذي يهمز الناس ~~بيده، واللمزة: PageV05P492 # الذي يلمزهم بلسانه. وقال سفيان الثوري: يهمزهم بلسانه ويلمزهم بعينه. ~~وقال ابن كيسان: الهمزة: الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، والهمزة: الذي يكسر ~~عينه على جليسه ويشير بيده وبرأسه وبحاجبه، والأول أولى، ومنه قول زياد ~~الأعجم: # تدلى بود إذا لاقيتني كذبا * وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه وقول الآخر: ~~إذا لقيتك من سخط تكاشرني * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه وأصل الهمز الكسر، ~~يقال: همز رأسه كسره، ومنه قول العجاج: ومن همزنا رأسه تهشما وقيل أصل ~~الهمز واللمز: الضرب والدفع، يقال: همزه يهمزه همزا، ولمزه يلمزه لمزا: إذا ~~دفعه وضربه، ومنه قول الشاعر: # ومن همزنا عزه تبركعا * على استه زوبعة أو زوبعا البركعة: القيام على ~~أربع، يقال بركعه فتبركع: أي صرعه فوقع على استه، كذا في الصحاح وبناء فعلة ~~يدل على الكثرة، ففيه دلالة على أنه يفعل ذلك كثيرا، وأنه قد صار ذلك عادة ~~له، ومثله ضحكة ولعنة. قرأ الجمهور " همزة لمزة " بضم أولهما وفتح الميم ~~فيهما. وقرأ الباقر والأعرج بسكون الميم فيهما. وقرأ أبو وائل والنخعي ~~والأعمش " ويل للهمزة اللمزة " والآية تعم كل من كان متصفا بذلك، ولا ~~ينافيه نزولها على سبب خاص، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (الذي ~~جمع مالا وعدده) الموصول بدل من كل، أو في محل نصب على الذم، وهذا أرجح، ~~لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح، وإنما وصفه سبحانه بهذا ~~الوصف لأنه يجرى مجرى السبب، والعلة في الهمز ms4387 واللمز، وهو إعجابه بما جمع ~~من المال وظنه أنه الفضل، فلأجل ذلك يستقصر غيره. قرأ الجمهور " جمع " ~~مخففا. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد. وقرأ الجمهور " وعدده " ~~بالتشديد، وقرأ الحسن والكلبي ونصر بن عاصم وأبو العالية بالتخفيف، ~~والتشديد في الكلمتين يدل على التكثير وهو جمع الشئ بعد الشئ وتعديده مرة ~~بعد أخرى. قال الفراء: معنى عدده أحصاه. وقال الزجاج: وعدده لنوائب الدهور. ~~يقال أعددت الشئ وعددته: إذا أمسكته. قال السدي: أحصى عدده. وقال الضحاك: # أعد ماله لمن يرثه. وقيل المعنى: فاخر بكثرته وعدده، والمقصود ذمه على ~~جمع المال، وإمساكه وعدم إنفاقه في سبيل الخير. وقيل المعنى على قراءة ~~التخفيف في عدده: أنه جمع عشيرته وأقاربه. قال المهدوي: من خفف وعدده فهو ~~معطوف على المال: أي وجمع عدده، وجملة (يحسب أن ماله أخلده) مستأنفة لتقرير ~~ما قبلها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال: أي يعمل عمل من يظن أن ماله ~~يتركه حيا مخلدا لا يموت. وقال عكرمة: # يحسب أن ماله يزيد في عمره، والإظهار في موضع الإضمار للتقريع والتوبيخ. ~~وقيل هو تعريض بالعمل الصالح، وأنه الذي يخلد صاحبه في الحياة الأبدية، لا ~~المال. وقوله (كلا) ردع له عن ذلك الحسبان: أي ليس الأمر على ما يحسبه هذا ~~الذي جمع المال وعدده، واللام في (لينبذن في الحطمة) جواب قسم محذوف: أي ~~ليطرحن في النار وليلقين فيها. قرأ الجمهور " لينبذن " وقرأ علي والحسن ~~ومحمد بن كعب ونصر بن عاصم ومجاهد وحميد وابن محيصن: لينبذان بالتثنية: أي ~~لينبذ هو وماله في النار. وقرأ الحسن أيضا: لينبذن: أي لينبذن ماله في ~~النار (وما أدراك ما الحطمة) هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع حتى كأنها ~~ليست مما تدركه العقول وتبلغه الأفهام، PageV05P493 # ثم بينها سبحانه فقال (نار الله الموقدة) أي هي نار الله الموقدة بأمر ~~الله سبحانه، وفي إضافتها إلى الاسم الشريف تعظيم لها وتفخيم، وكذلك في ~~وصفها بالإيقاد: وسميت حطمة لأنها تحطم كل ما يلقى فيها وتهشمه، ومنه: # إنا حطمنا بالقضيب مصعبا * يوم كسرنا أنفه ليغضبا ms4388 قيل: هي الطبقة السادسة ~~من طبقات جهنم، وقيل الطبقة الثانية منها، وقيل الطبقة الرابعة (التي تطلع ~~على الأفئدة) أي يخلص حرها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، وخص الأفئدة مع ~~كونها تغشى جميع أبدانهم لأنها محل العقائد الزائغة، أو لكون الألم إذا وصل ~~إليها مات صاحبها: أي إنهم في حال من يموت وهم لا يموتون. وقيل معنى (تطلع ~~على الأفئدة) أنها تعلم بمقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب، وذلك ~~بأمارات عرفها الله بها (إنها عليهم مؤصدة) أي مطبقة مغلقة كما تقدم بيانه ~~في سورة البلد، يقال أصدت الباب: إذا أغلقته، ومنه قول قيس بن الرقيات: # إن في القصر لو دخلنا غزالا * مصبيا موصدا عليه الحجاب (في عمد ممددة) في ~~محل نصب على الحال من الضمير في عليهم: أي كائنين في عمد ممددة موثقين ~~فيها، أو في محل رفع على أنه خبر مبتدإ محذوف: أي هم في عمد، أو صفة ~~لمؤصدة: أي مؤصدة بعمد ممددة. قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت ~~بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح. # ومعنى كون العمد ممددة: أنها مطولة، وهي أرسخ من القصيرة. وقيل العمد ~~أغلال في جهنم، وقيل القيود. # قال قتادة: المعنى هم في عمد يعذبون بها، واختار هذا ابن جرير: قرأ ~~الجمهور " في عمد " بفتح العين والميم. قيل هو اسم جمع لعمود. وقيل جمع له. ~~قال الفراء: هي جمع لعمود كأديم وأدم. وقال أبو عبيدة: هي جمع عماد. # وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بضم العين والميم جمع عمود. قال الفراء: هما ~~جمعان صحيحان لعمود. واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور. قال ~~الجوهري: العمود عمود البيت، وجمع القلة أعمدة، وجمع الكثرة عمد وعمد، وقرئ ~~بهما. قال أبو عبيدة: العمود كل مستطيل من خشب أو حديد. # وقد أخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله (ويل لكل همزة لمزة) ~~قال: هو المشاء بالنميمة، ms4389 المفرق بين الجمع، المغرى بين الإخوان. وأخرج ابن ~~جرير عنه (ويل لكل همزة) قال: طعان (لمزة) قال: مغتاب. وأخرج عبد بن حميد ~~وابن جرير وابن المنذر عنه أيضا في قوله (إنها عليهم مؤصدة) قال: مطبقة (في ~~عمد ممددة) قال: عمد من نار. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: هي الأدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال: الأبواب هي الممددة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: ~~أدخلهم في عمد فمدت عليهم في أعناقهم فشدت بها الأبواب. PageV05P494 # تفسير سورة الفيل هي خمس آيات، وهي مكية بلا خلاف وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس قال: أنزلت بمكة (ألم تر كيف فعل ربك). # سورة الفيل (1 - 5) الاستفهام في قوله (ألم تر) لتقرير رؤيته صلى الله ~~عليه وآله وسلم بإنكار عدمها. قال الفراء: المعنى ألم تخبر. # وقال الزجاج: ألم تعلم، وهو تعجيب له صلى الله عليه وآله وسلم بما فعله ~~الله (بأصحاب الفيل) الذين قصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، وكيف منصوبة ~~بالفعل الذي بعدها، ومعلقة لفعل الرؤية، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ويجوز أن يكون لكل من يصلح له. والمعنى: قد علمت يا محمد، أو ~~علم الناس الموجودون في عصرك ومن بعدهم بما بلغكم من الأخبار المتواترة من ~~قصة أصحاب الفيل وما فعل الله بهم فما لكم لا تؤمنون؟ # والفيل هو الحيوان المعروف، وجمعه أفيال، وفيول، وفيلة. قال ابن السكيت: ~~ولا تقول أفيلة، وصاحبه فيال، وسيأتي ذكر قصة أصحاب الفيل إن شاء الله (ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل) أي ألم يجعل مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة واستباحة ~~أهلها في تضليل عما قصدوا إليه حتى لم يصلوا إلى البيت ولا إلى ما أرادوه ~~بكيدهم، والهمزة للتقرير كأنه قيل: قد جعل كيدهم في تضليل، والكيد: هو ~~إرادة المضرة بالغير، لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي، ويكيدوا ~~البيت الحرام بالتخريب والهدم (وأرسل عليهم طيرا أبابيل) أي أقاطيع يتبع ~~بعضها بعضا كالإبل المؤبلة. قال أبو عبيدة: أبابيل جماعات في تفرقة، ms4390 يقال ~~جاءت الخيل أبابيل) أي جماعات من ههنا وههنا. قال النحاس: وحقيقته أنها ~~جماعات عظام، يقال فلان توبل على فلان: أي تعظم عليه وتكبر، وهو مشتق من ~~الإبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له. وقال بعضهم: واحدة أبول مثل عجول. ~~وقال بعضهم: أبيل. قال الواحدي: ولم نر أحدا يجعل لها واحدا. قال الفراء: ~~لا واحد له من لفظه. وزعم الرؤاسي وكان ثقة أنه سمع في واحدها: أبالة ~~مشددا. وحكى الفراء أيضا: أبالة بالتخفيف. قال سعيد بن جبير: كانت طيرا من ~~السماء لم ير قبلها ولا بعدها. قال قتادة: هي طير سود جاءت من قبل البحر ~~فوجا فوجا مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا يصيب ~~شيئا إلا هشمه. وقيل كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤوس كرءوس السباع. ~~وقيل كان لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. وقيل في صفتها غير ~~ذلك، والعرب تستعمل الأبابيل في الطير كما في قول الشاعر: PageV05P495 # تراهم إلى الداعي سراعا كأنهم * أبابيل طير تحت دجن سجن وتستعملها في غير ~~الطير كقول الآخر: # كادت تهد من الأصوات راحلتي * أن سالت الأرض بالجرد الأبابيل (ترميهم ~~بحجارة من سجيل) الجملة في محل نصب صفة لطير. قرأ الجمهور (ترميهم) ~~بالفوقية. وقرأ أبو حنيفة وأبو معمر وعيسى وطلحة بالتحتية، واسم الجمع يذكر ~~ويؤنث. وقيل: الضمير في القراءة الثانية لله عز وجل قال الزجاج (من سجيل) ~~أي مما كتب عليهم العذاب به، مشتقا من السجل. قال في الصحاح قالوا: هي ~~حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم. قال عبد الرحمن بن ~~أبزي: (من سجيل) من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط، وقيل: من ~~الجحيم التي هي سجين، ثم أبدلت النون لاما، ومنه قول ابن مقبل: ضربا تواصت ~~به الأبطال سجيلا * وإنما هو سجينا. قال عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها، ~~فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري، وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة، ~~وقد قدمنا الكلام في سجيل في سورة ms4391 هود (فجعلهم كعصف مأكول) أي جعل الله ~~أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، شبه تقطع ~~أوصالهم بتفرق أجزائه. وقيل المعنى: أنهم صاروا كورق زرع قد أكلت منه ~~الدواب وبقى منه بقايا، أو أكلت حبه فبقى بدون حبه. والعصف جمع عصفة وعصافة ~~وعصيفة، وقد قدمنا الكلام في العصف في سورة الرحمن فارجع إليه. # وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن ~~عباس قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح فأتاهم عبد المطلب فقال: إن ~~هذا بيت الله لم يسلط عليه أحدا، قالوا: لا نرجع حتى نهدمه وكانوا لا ~~يقدمون فيلهم إلا تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سودا ~~عليها الطين، فلما حاذتهم رمتهم فما بقى منهم أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا ~~يحك الإنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه. وأخرج ابن المنذر والحاكم وأبو نعيم ~~والبيهقي عنه قال: أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد ~~المطلب، فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا؟ ألا بعثت فنأتيك بكل شئ؟ فقال: ~~أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا أمن، فجئت أخيف أهله، فقال: إنا ~~نأتيك بكل شئ تريد فارجع، فأبى إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبد ~~المطلب، فقام على جبل فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، فأقبلت مثل ~~السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طير أبابيل التي قال الله (ترميهم بحجارة ~~من سجيل) فجعل الفيل يعج عجا (فجعلهم كعصف مأكول). # وقصة أصحاب الفيل مبسوطة مطولة في كتب التاريخ والسير فلا نطول بذكرها. ~~وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله (ترميهم بحجارة من سجيل) ~~قال: حجارة مثل البندق وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران ~~في رجليه، وحجر في منقاره حلقت عليهم من السماء ثم أرسلت عليهم تلك الحجارة ~~فلم تعد عسكرهم. وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عنه أن أبرهة الأشرم ~~قدم من اليمن يريد هدم الكعبة، فأرسل ms4392 الله عليهم طيرا أبابيل بريد مجتمعة، ~~لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها وحصاتين في رجليها، ترسل واحدة على رأس ~~الرجل فيسيل لحمه ودمه ويبقى عظاما خاوية لا لحم عليها ولا جلد ولا دم. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عنه أيضا (فجعلهم كعصف ~~مأكول) يقول: كالتبن. وأخرج ابن إسحاق في السيرة والواقدي وابن مردويه وأبو ~~نعيم والبيهقي عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين ~~مقعدين يستطعمان. PageV05P496 # وأخرج الواقدي نحوه عن أسماء بنت أبي بكر. وأخرج أبو نعيم والبيهقي عن ~~ابن عباس قال: ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام الفيل. وأخرج ابن ~~إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا ورسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عام الفيل. # تفسير سورة قريش ويقال سورة لإيلاف، وهي أربع آيات وهي مكية عند الجمهور. ~~وقال الضحاك والكلبي: هي مدنية. # وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (لإيلاف) بمكة. وأخرج ~~البخاري في تاريخه، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي عن أم ~~هانئ بنت أبي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " فضل الله ~~قريشا بسبع خصال لم يعطها أحدا قبلهم ولا يعطيها أحدا بعدهم: أني فيهم. وفي ~~لفظ: # النبوة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على ~~الفيل، وعبدوا الله سبع سنين. وفي لفظ: عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت ~~فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم (لإيلاف قريش) " قال ابن كثير: ~~هو حديث غريب، ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن ~~عساكر عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~فضل الله قريشا بسبع خصال: فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا ~~قريش، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنها نزلت فيهم ~~سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم، وهي لإيلاف قريش، ~~وفضلهم بأن فيهم النبوة، والخلافة، والسقاية ". وأخرج ms4393 الخطيب في تاريخه عن ~~سعيد بن المسيب مرفوعا نحوه، وهو مرسل. # سورة قريش (1 - 4) اللام في قوله (لإيلاف) قيل هي متعلقة بآخر السورة ~~التي قبلها، كأنه قال سبحانه: أهلكت أصحاب الفيل لأجل تألف قريش. قال ~~الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى، لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم ~~نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال (لإيلاف قريش) أي فعلنا ذلك بأصحاب ~~الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشا كانت تخرج في تجارتها فلا يغار ~~عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله عز وجل، حتى جاء صاحب الفيل ~~ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبنى بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه، ~~فأهلكهم الله عز وجل، فذكرهم نعمته: أي فعل ذلك لإيلاف قريش: أي ليألفوا ~~الخروج ولا يجترأ عليهم، وذكر نحو هذا ابن قتيبة، قال الزجاج: والمعنى - ~~فجعلهم كعصف مأكول (لإيلاف قريش) أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما ~~قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف. وقال في الكشاف: إن اللام متعلق بقوله ~~(فليعبدوا) أمرهم أن يعبدوه لأجل PageV05P497 # إيلافهم الرحلتين، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، لأن المعنى: ~~أما لا فليعبدوه. وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد، ~~والمعنى: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة. وقال ~~الكسائي والأخفش: اللام لام التعجب: أي اعجبوا لإيلاف قريش. وقيل هي بمعنى ~~إلى. قرأ الجمهور " لإيلاف " بالياء مهموزا من ألفت أؤلف إئلافا. يقال: ~~ألفت الشئ ألافا وألفا، وألفته إيلافا بمعنى، ومنه قول الشاعر: # المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الإيلاف وقرأ ابن عامر " ~~لإلاف " بدون الياء، وقرأ أبو جعفر " لإلف " وقد جمع بين هاتين القراءتين ~~الشاعر، فقال: # زعمتم أن إخوتكم قريش * لهم إلف وليس لكم إلاف وقرأ عكرمة " ليألف قريش " ~~بفتح اللام على أنها لام الأمر، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وفتح لام الأمر ~~لغة معروفة. وقرأ بعض أهل مكة " إلاف قريش " واستشهد بقول أبي طالب: # تذود الورى من عصبة هاشمية * إلا فهم في الناس خير إلاف ms4394 وقريش هم: بنو ~~النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد ~~النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي، وقريش يأتي منصرفا إن أريد ~~به الحي، وغير منصرف إن أريد به القبيلة ومنه قول الشاعر: وكفى قريش ~~المعضلات وسادها * وقيل إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر، والأول أصح، ~~وقوله (إيلافهم) بدل من إيلاف قريش، و (رحلة) مفعول به لإيلافهم وأفردها، ~~ولم يقل رحلتي الشتاء والصيف لأمن الإلباس، وقيل إن إيلافهم تأكيد للأول لا ~~بدل، والأول أولى. ورجحه أبو البقاء، وقيل إن رحلة منصوبة بمصدر مقدر: أي ~~ارتحالهم رحلة (الشتاء والصيف) وقيل هي منصوبة على الظرفية، والرحلة: ~~الارتحال، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حارة، ~~والرحلة الأخرى إلى الشام في الصيف لأنها بلاد باردة. وروى أنهم كانوا ~~يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف. والأول أولى، فإن ارتحال قريش للتجارة معلوم ~~معروف في الجاهلية والإسلام. قال ابن قتيبة: إنما كانت تعيش قريش بالتجارة ~~وكانت لهم رحلتان في كل سنة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى ~~الشام، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام، ولولا الأمن بجوارهم البيت ~~لم يقدروا على التصرف (فليعبدوا رب هذا البيت) أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن ~~ذكر لهم ما أنعم به عليهم: أي إن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه ~~النعمة الخاصة المذكورة، والبيت الكعبة. وعرفهم سبحانه بأنه رب هذا البيت ~~لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها، فميز نفسه عنها. وقيل لأنهم بالبيت تشرفوا ~~على سائر العرب، فذكر لهم ذلك تذكيرا لنعمته (الذي أطعمهم من جوع) أي ~~أطعمهم بسبب تينك الرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وقيل إن هذا ~~الإطعام هو أنهم لما كذبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليهم، فقال: ~~اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف، فاشتد القحط، فقالوا: يا محمد ادع الله ~~لنا فإنا مؤمنون، فدعا فأخصبوا وزال عنهم الجوع وارتفع القحط (وآمنهم من ~~خوف) أي من خوف شديد ms4395 كانوا فيه. قال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على ~~بعض ويسبي بعضها بعضا، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقال الضحاك والربيع ~~وشريك وسفيان: آمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. # وقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد قالت " سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف) ~~ويحكم يا قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من PageV05P498 # جوع وآمنكم من خوف ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن ~~عباس في قوله (لإيلاف قريش) قال: نعمتي على قريش (إيلافهم رحلة الشتاء ~~والصيف) كانوا يشتون بمكة، ويصيفون بالطائف (فليعبدوا رب هذا البيت) قال: ~~الكعبة (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) قال: الجذام. وأخرج ابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه (لإيلاف قريش إيلافهم) قال: ~~لزومهم (الذي أطعمهم من جوع) يعني قريشا أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال - ~~وارزق أهله من الثمرات - (وآمنهم من خوف) حيث قال إبراهيم - رب اجعل هذا ~~البلد آمنا -. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا في قوله (لإيلاف قريش) ~~الآية، قال: # نهاهم عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت ~~رحلتهم في الشتاء والصيف ولم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله ~~بعد ذلك من جوع، وآمنهم من خوف فألفوا الرحلة وكان ذلك من نعمة الله عليهم. ~~وأخرج ابن جرير عنه أيضا في الآية قال: أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت ~~كإلفهم رحلة الشتاء والصيف، وقد وردت أحاديث في فضل قريش وإن الناس تبع لهم ~~في الخير والشر، وإن هذا الأمر يعني الخلافة لا يزال فيهم ما بقى منهم ~~اثنان، وهي في دواوين الإسلام. # تفسير سورة أرأيت ويقال سورة الدين، ويقال سورة الماعون، ويقال سورة ~~اليتيم، وهي سبع آيات وهي مكية في قول عطاء وجابر، وأحد قولي ابن عباس، ~~ومدنية في قول قتادة وآخرين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ~~(أرأيت الذي يكذب ms4396 بالدين) بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. # سورة أرأيت (1 - 7) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من ~~يصلح له، والاستفهام لقصد التعجيب من حال من يكذب بالدين. والرؤية: بمعنى ~~المعرفة، والدين: الجزاء والحساب في الآخرة. قيل وفي الكلام حذف، والمعنى: # أرأيت الذي يكذب بالدين أمصيب هو أم مخطئ. قال مقاتل والكلبي: نزلت في ~~العاص بن وائل السهمي. # وقال السدي: في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك: في عمرو بن عائذ. وقال ~~ابن جريج في أبي سفيان، وقيل في رجل من المنافقين. قرأ الجمهور (أرأيت) ~~بإثبات الهمزة الثانية. وقرأ الكسائي بإسقاطها. قال الزجاج: لا يقال في ~~رأيت ريت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفا. وقيل الرؤية: هي البصرية، ~~فيتعدى إلى مفعول واحد، وهو الموصول: أي أبصرت المكذب. وقيل إنها بمعنى ~~أخبرني، فيتعدى إلى اثنين. الثاني محذوف: # أي من هو (فذلك الذي يدع اليتيم) الفاء جواب شرط مقدر: أن إن تأملته أو ~~طلبته فذلك الذي يدع اليتيم، PageV05P499 # ويجوز أن تكون عاطفة على الذي يكذب: إما عطف ذات على ذات، أو صفة على ~~صفة. فعلى الأول يكون اسم الإشارة مبتدأ وخبره الموصول بعده، أو خبر لمبتدأ ~~محذوف: أي فهو ذلك، والموصول صفته. وعلى الثاني يكون في محل نصب لعطفه على ~~الموصول الذي هو في محل نصب. ومعنى يدع يدفع دفعا بعنف وجفوة: أي يدفع ~~اليتيم عن حقه دفعا شديدا، ومنه قوله سبحانه - يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~- وقد قدمنا أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان (ولا يحض على طعام ~~المسكين) أي لا يحض نفسه ولا أهله ولا غيرهم على ذلك بخلا بالمال، أو ~~تكذيبا بالجزاء، وهو مثل قوله في سورة الحاقة - ولا يحض على طعام المسكين - ~~(فويل) يومئذ (للمصلين) الفاء جواب لشرط محذوف كأنه قيل إذا كان ما ذكر من ~~عدم المبالاة باليتيم والمسكين فويل للمصلين (الذين هم عن صلاتهم ساهون) أي ~~عذاب لهم، أو هلاك، أو واد في جهنم لهم كما سبق الخلاف في معنى الويل، ms4397 ~~ومعنى ساهون: غافلون غير مبالين بها، ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الدعاء ~~عليهم بالويل على ما ذكر من قبائحهم، ووضع المصلين موضع ضميرهم للتوصل بذلك ~~إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر. قال الواحدي: # نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ثوابا إن صلوا، ولا يخافون ~~عليها عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، وإذا كانوا مع ~~المؤمنين صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو معنى قوله (الذين ~~هم يراءون) أي يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراءون الناس بكل ما عملوه ~~من أعمال البر ليثنوا عليهم. قال النخعي (الذين هم عن صلاتهم ساهون) هو ~~الذي إذا سجد قال برأسه هكذا وهكذا ملتفتا. وقال قطرب: هو الذي لا يقرأ ولا ~~يذكر الله. وقرأ ابن مسعود الذين هم عن صلاتهم لاهون (ويمنعون الماعون). ~~قال أكثر المفسرين: الماعون اسم لما يتعاوزه ذلك الناس بينهم: من الدلو ~~والفأس والقدر، ومالا يمنع كالماء والملح. وقيل هو الزكاة: أي يمنعون زكاة ~~أموالهم. وقال الزجاج وأبو عبيد والمبرد: الماعون في الجاهلية كل ما فيه ~~منفعة حتى الفأس والدلو والقدر والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير، ~~وأنشدوا قول الأعشى: # بأجود منه بماعونه * إذا ما سماؤهم لم تغم قال الزجاج وأبو عبيد والمبرد ~~أيضا: والماعون في الإسلام الطاعة والزكاة، وأنشدوا قول الراعي: # أخليفة الرحمن إنا معشر * حنفا نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله من أموالنا ~~* حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الإسلام لما يمنعوا * ما عونهم ويضيعوا ~~التهليلا وقيل الماعون الماء. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون ~~الماء، وأنشدني: # تمج صبيرة الماعون صبا * والصبيرة السحاب، وقيل الماعون: هو الحق على ~~العبد على العموم، وقيل هو المستغل من منافع الأموال، مأخوذ من المعن، وهو ~~القليل. قال قطرب: أصل الماعون من القلة، والمعن: الشئ القليل، فسمى الله ~~الصدقة والزكاة ونحو ذلك من المعروف ماعونا، لأنه قليل من كثير، وقيل هو ما ~~لا يبخل به كالماء والملح والنار. # وقد أخرج ابن جرير ms4398 وابن أبي حاتم عن ابن عباس (أرأيت الذي يكذب بالدين) ~~قال: يكذب بحكم الله (فذلك الذي يدع اليتيم) قال: يدفعه عن حقه. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عنه (فويل ~~للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) قال: هم المنافقون يراءون الناس بصلاتهم ~~PageV05P500 # إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارية بغضا لهم، وهي ~~الماعون. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضا (الذين هم عن صلاتهم ساهون) ~~قال: هم المنافقون يتركون الصلاة في السر ويصلون في العلانية. # وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن جرير وابن ~~المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: أرأيت ~~قول الله (الذين هم عن صلاتهم ساهون) أينا لا يسهو، أينا لا يحدث نفسه؟ ~~قال: إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر ~~وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه عن سعد بن ~~أبي وقاص قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله (الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون) قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها. قال الحاكم والبيهقي: ~~الموقوف أصح. قال ابن كثير: وهذا يعني الموقوف أصح إسنادا. قال: وقد ضعف ~~البيهقي رفعه وصحح وقفه وكذلك الحاكم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه قال ~~السيوطي بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال " لما نزلت هذه الآية (الذين هم ~~عن صلاتهم ساهون) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الله أكبر، هذه ~~الآية خير لكم من أن يعطى كل رجل منكم جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج ~~خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه " وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف، ~~وشيخه مبهم لم يسم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هم الذين ~~يؤخرونها عن وقتها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي ~~والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط ms4399 وابن ~~مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال: كنا نعد الماعون على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عارية الدلو والقدر والفأس والميزان وما ~~تتعاطون بينكم. # وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان المسلمون يستعيرون من المنافقين القدر ~~والفأس وشبهه فيمنعونهم، فأنزل الله (ويمنعون الماعون) وأخرج أبو نعيم ~~والديلمي وابن عساكر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الآية قال: ما تعاون الناس بينهم الفأس والقدر والدلو وأشباهه. وأخرج ابن ~~أبي حاتم وابن مردويه عن قرة بن دعموص النميري " أنهم وفدوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال: # لا تمنعوا الماعون، قالوا: وما الماعون؟ قال: في الحجر والحديدة وفي ~~الماء، قالوا: فأي الحديدة؟ قال: # قدوركم النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به، قالوا: وما الحجر،؟ قال: ~~قدوركم الحجارة ". قال ابن كثير: غريب جدا، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا ~~يعرف. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: الماعون: الفأس والقدر والدلو. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي، ~~والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في الآية قال: عارية متاع البيت. ~~وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال: الماعون الزكاة ~~المفروضة (يراءون) بصلاتهم (ويمنعون) زكاتهم. PageV05P501 # تفسير سورة الكوثر هي ثلاث آيات وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ~~ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة. وأخرج ابن مردويه عن ~~ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت سورة الكوثر بمكة. # سورة الكوثر (1 - 3) قرأ الجمهور (إنا أعطيناك) وقرأ الحسن وابن محيصن ~~وطلحة والزعفراني " أنطيناك " بالنون. قيل هي لغة العرب العاربة. قال ~~الأعشى: # حباؤك خير حبا الملوك * يصان الحلال وتنطى الحلولا و (الكوثر) فوعل من ~~الكثرة وصف ms4400 به للمبالغة في الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر: # والعرب تسمى كل شئ كثير في العدد أو القدر أو الخطر كوثرا، ومنه قول ~~الشاعر: # وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا * فالمعنى على هذا: إنا أعطيناك يا محمد ~~الخير الكثير البالغ في الكثرة إلى الغاية. وذهب أكثر المفسرين كما حكاه ~~الواحدي إلى أن الكوثر نهر في الجنة، وقيل هو حوض النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم في الموقف قاله عطاء. وقال عكرمة: الكوثر النبوة. وقال الحسن: هو ~~القرآن. وقال الحسن بن الفضل: هو تفسير القرآن وتخفيف الشرائع. وقال أبو ~~بكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأمة. # وقال ابن كيسان: هو الإيثار. وقيل هو الإسلام، وقيل رفعة الذكر، وقيل نور ~~القلب، وقيل الشفاعة، وقيل المعجزت، وقيل إجابة الدعوة، وقيل لا إله إلا ~~الله، وقيل الفقه في الدين، وقيل الصلوات الخمس، وسيأتي بيان ما هو الحق ~~(فصل لربك) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد الأمر له صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالدوام على إقامة الصلوات المفروضة (وانحر) البدن التي هي ~~خيار أموال العرب. قال محمد بن كعب: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون ~~لغير الله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون صلاته ونحره ~~له. وقال قتادة وعطاء وعكرمة: المراد صلاة العيد، ونحر الأضحية. وقال سعيد ~~بن جبير: صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع، وانحر البدن في منى. وقيل ~~النحر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر قاله محمد ابن كعب. وقيل ~~هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى حذاء نحره. وقيل هو أن يستقبل ~~القبلة بنحره قاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص. قال الفراء: سمعت بعض العرب ~~نتناحر: أي نتقابل: نحر هذا إلى نحر هذا أي قبالته، ومنه قول الشاعر: # أبا حكم ما أنت عمرا مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر أي المتقابل. وقال ~~ابن الأعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب، من قولهم: منازلهم ~~تتناحر PageV05P502 # تتقابل. وروى عن عطاء أنه قال: ms4401 امره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى ~~يبدو نحره. وقال سليمان التيمي: # المعنى: وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك، وظاهر الآية الأمر له صلى الله ~~عليه وآله وسلم بمطلق الصلاة ومطلق النحر وأن يجعلهما لله عز وجل لا لغيره، ~~وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص فهو في حكم التقييد له، ~~وسيأتي إن شاء الله (إن شانئك هو الأبتر) أي إن مبغضك هو المنقطع عن الخير ~~على العموم، فيعم خيري الدنيا والآخرة، أو الذي لا عقب له، أو الذي لا يبقى ~~ذكره بعد موته. وظاهر الآية العموم، وأن هذا شأن كل من يبغض النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ولا ينافي ذلك كون سبب النزول هو العاص بن وائل، فالاعتبار ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مر غير مرة. قيل كان أهل الجاهلية إذا مات ~~الذكور من أولاد الرجل قالوا: # قد بتر فلان، فلما مات ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إبراهيم ~~خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بتر محمد، فنزلت الآية. وقيل القائل بذلك ~~عقبة بن أبي معيط. قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال: الذي لا ولد له، ومن ~~الدواب: الذي لا ذنب له، وكل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر، وأصل البتر ~~القطع، يقال بترت الشئ بترا: قطعته. # وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر ~~وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال " أغفى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إغفاءه فرفع رأسه مبتسما فقال: إنه أنزل على آنفا سورة، فقرأ ~~(بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر) حتى ختمها قال: هل تدرون ما ~~الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه ~~خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته كعدد الكواكب يختلج العبد منهم ~~فأقول يا رب إنه من أمتي، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك ". وأخرجه أيضا ~~مسلم في صحيحه. # وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: قال ms4402 رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم " دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ~~ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: # هذا الكوثر الذي أعطاكه الله " وقد روى عن أنس من طرق كلها مصرحة بأن ~~الكوثر هو النهر الذي في الجنة. # وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن مردويه عن عائشة أنها سئلت ~~عن قوله (إنا أعطيناك الكوثر) قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وآله ~~وسلم في بطنان الجنة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه نهر في الجنة. ~~وأخرج الطبراني في الأوسط عن حذيفة في قوله (إنا أعطيناك الكوثر) قال: نهر ~~في الجنة، وحسن السيوطي إسناده. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أسامة بن ~~زيد مرفوعا " أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنك أعطيت نهرا ~~في الجنة يدعى الكوثر، فقال: أجل وأرضه ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ ". # وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلا قال: يا رسول ~~الله ما الكوثر؟ قال: هو نهر من أنهار الجنة أعطانيه الله " فهذه الأحاديث ~~تدل على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة، فيتعين المصير إليها، وعدم ~~التعويل على غيرها، وإن كان معنى الكوثر: هو الخير الكثير في لغة العرب، ~~فمن فسره بما هو أعم مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو تفسير ~~ناظر إلى المعنى اللغوي. كما أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ~~ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء بن السائب قال: قال محارب ~~بن دثار: قال سعيد بن جبير في الكوثر: قلت حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو ~~الخير الكثير، فقال: صدق إنه للخير الكثير. # ولكن حدثنا ابن عمر قال نزلت (إنا أعطيناك الكوثر) فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر ~~والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أشد بياضا من ms4403 اللبن وأحلى من ~~PageV05P503 # العسل " وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم من طريق أبي بشر عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال ~~أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر ~~الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. وهذا التفسير من حبر الأمة ~~ابن عباس رضي الله عنه ناظر إلى المعنى اللغوي كما عرفناك، ولكن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد فسره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة، ~~وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه ~~والبيهقي في سننه عن علي بن أبي طالب قال " لما نزلت هذه السورة على النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ ~~فقال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا ~~كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة ~~الذين هم في السماوات السبع، وإن لكل شئ زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند ~~كل تكبيرة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: رفع اليدين من الاستكانة ~~التي قال الله - فما استكانوا لربهم وما يتضرعون - " وهو من طريق مقاتل بن ~~حيان عن الأصبغ بن نباتة عن علي. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية ~~قال " إن الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة، ~~فذاك النحر ". # وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم والدارقطني في الأفراد وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في ~~سننه عن علي بن أبي طالب في قوله (فصل لربك وانحر) قال: وضع يده اليمنى على ~~وسط ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي ~~في سننه عن أنس عن النبي ms4404 صلى الله عليه وآله وسلم مثله. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وابن شاهين في سننه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس (فصل لربك وانحر) ~~قال: إذا صليت فرفعت رأسك من الركوع فاستو قائما. وأخرج ابن جرير وابن ~~المنذر عن ابن عباس في الآية قال: الصلاة المكتوبة، والذبح يوم الأضحى. ~~وأخرج البيهقي في سننه عنه (وانحر) قال: يقول واذبح يوم النحر. وأخرج ~~البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: قدم كعب بن ~~الأشرف مكة. فقالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم، ألا ترى إلى هذا ~~الصابئ المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السقاية ~~وأهل السدانة، قال: أنتم خير منه، فنزلت (إن شانئك هو الأبتر) ونزلت - ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب - إلى قوله - فلن تجد له نصيرا - قال ~~ابن كثير: # وإسناده صحيح. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: لما مات ~~إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشى المشركون بعضهم إلى بعض ~~فقالوا: إن هذا الصابئ قد بتر الليلة فأنزل الله (إنا أعطيناك الكوثر) إلى ~~آخر السورة. وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القاسم ثم زينب، ~~ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، فمات القاسم وهو أول ميت من ~~أهله وولده بمكة، ثم مات عبد الله، فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع ~~نسله فهو أبتر، فأنزل الله (إن شانئك هو الأبتر) وفي إسناده الكلبي. وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس (إن شانئك ~~هو الأبتر) قال: أبو جهل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه (إن شانئك) ~~يقول: عدوك. PageV05P504 # تفسير سورة الكافرون هي ست آيات وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن ~~وعكرمة. ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك. # وأخرج ابن مردويه عن ms4405 ابن عباس قال: أنزلت سورة (يا أيها الكافرون) بمكة. ~~وأخرج ابن مردويه عن عبد الله ابن الزبير قال: أنزلت (يا أيها الكافرون) ~~بالمدينة. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر " أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قرأ بهذه السورة، وبقل هو الله أحد في ركعتي الطواف. وفي صحيح ~~مسلم أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ ~~بهما في ركعتي الفجر. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن ~~حبان وابن مردويه عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ ~~في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة، أو بضع عشرة ~~مرة (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) ". وأخرج الحاكم وصححه عن ~~أبي قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر بسبح، و (قل يا ~~أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وأخرج محمد بن نصر والطبراني في الأوسط ~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قل هو الله أحد ~~تعدل ثلث القرآن، و (قل يا أيها الكافرون) تعدل ربع القرآن، وكان يقرأ بهما ~~في ركعتي الفجر ". وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: # " من قرأ يا أيها الكافرون كانت له عدل ربع القرآن ". وأخرج الطبراني في ~~الصغير والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " من قرأ (قل يا أيها الكافرون) فكأنما قرأ ربع القرآن، ومن ~~قرأ (قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن ". وأخرج أحمد وابن الضريس ~~والبغوي وحميد بن زنجويه في ترغيبه عن شيخ أدرك النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال " خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فمر برجل يقرأ ~~(قل يا أيها الكافرون) فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وإذا آخر يقرأ (قل ~~هو الله أحد) فقال ms4406 النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بها وجبت له الجنة "، ~~وفي رواية " أما هذا فقد غفر له ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه ~~والبيهقي في الشعب عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال: يا ~~رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال " اقرأ (قل يا أيها ~~الكافرون) ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك ". وأخرجه سعيد بن منصور ~~وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه مرفوعا ~~مثله. وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لنوفل بن معاوية الأشجعي " إذا أتيت مضجعك للنوم فاقرأ (قل يا أيها ~~الكافرون) فإنك إذا قلتها فقد برئت من الشرك ". وأخرج أحمد والطبراني في ~~الأوسط عن الحارث بن جبلة، وقال الطبراني عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن ~~حارثة قال: " قلت يا رسول الله علمني شيئا أقوله عبد عند منامي قال: إذا ~~أخذت مضجعك من الليل فاقرأ (قل يا أيها الكافرون) حتى تمر بآخرها فإنها ~~براءة من الشرك ". وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لمعاذ " اقرأ (قل يا أيها الكافرون) عند منامك فإنها ~~براءة من الشرك ". وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أدلكم على PageV05P505 # كلمة تنجيكم من الإشراك بالله تقرؤون (قل يا أيها الكافرون) عند منامكم ~~". وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن خباب أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " إذا أخذت مضجعك فاقرأ (قل يا أيها الكافرون) وإن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت فراشه قط إلا قرأ (قل يا أيها الكافرون) ~~حتى يختم ". وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه (قل يا أيها ms4407 الكافرون) ~~و (قل هو الله أحد) ". وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي مسعود ~~الأنصاري قال: من قرأ (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) في ليلة ~~فقد أكثر وأطاب. # سورة الكافرون (1 - 6) الألف واللام في (يا أيها الكافرون) للجنس، ولكنها ~~لما كانت الآية خطابا لمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره كان المراد ~~بهذا العموم خصوص من كان كذلك، لأن من الكفار عند نزول هذه الآية من أسلم ~~وعبد الله سبحانه. وسبب نزول هذه السورة أن الكفار سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، فأمره الله ~~سبحانه أن يقول لهم (لا أعبد ما تعبدون) أي لا أفعل ما تطلبون مني من عبادة ~~ما تعبدون من الأصنام، قيل والمراد فيما يستقبل من الزمان لأن لا النافية ~~لا تدخل في الغالب إلا على المضارع الذي في معنى الاستقبال، كما أن ما لا ~~تدخل إلا على مضارع في معنى الحال (ولا أنتم عابدون ما أعبد) أي ولا أنتم ~~فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي (ولا أنا عابد ما عبدتم) أي ~~ولا أنا قط فيما سلف عابد ما عبدتم فيه، والمعنى: أنه لم يعهد مني ذلك (ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد) أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته، ~~كذا قيل، وهذا على قول من قال إنه لا تكرار في هذه الآيات لأن الجملة ~~الأولى لنفى العبادة في المستقبل لما قدمنا من أن " لا " لا تدخل إلا على ~~مضارع في معنى الاستقبال، والدليل على ذلك أن لن تأكيد لما تنفيه لا. قال ~~الخليل في لن: إن أصله لا، فالمعنى: لا أعبد ما تعبدون في المستقبل، ولا ~~أنتم عابدون في المستقبل ما أطلبه من عبادة إلهي. ثم قال (ولا أنا عابد ما ~~عبدتم) أي ولست في الحال بعابد معبودكم، ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي، ~~وقيل بعكس هذا، وهو أن الجملتين الأوليين للحال، والجملتين ms4408 الأخريين ~~للاستقبال بدليل قوله (ولا أنا عابد ما عبدتم) كما لو قال القائل: أنا ضارب ~~زيدا، وأنا قاتل عمرا، فإنه لا يفهم منه إلا الاستقبال. قال الأخفش ~~والفراء: المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الساعة ما ~~أعبد، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما ~~أعبد. قال الزجاج: نفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه السورة ~~عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال وفيما يستقبل، ونفى عنهم عبادة الله في ~~الحال وفيما يستقبل. وقيل إن كل واحد منهما يصلح للحال والاستقبال، ولكنا ~~نخص أحدهما بالحال، والثاني بالاستقبال رفعا للتكرار. وكل هذا فيه من ~~التكلف والتعسف مالا يخفي على منصف، فإن جعل قوله: ولا أعبد ما تعبدون ~~للاستقبال، وإن كان صحيحا على PageV05P506 # مقتضى اللغة العربية، ولكنه لا يتم جعل قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) ~~للاستقبال، لأن الجملة اسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات فدخول ~~النفي عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام، والثبات في كل الأوقات، ولو كان ~~حملها على الاستقبال صحيحا للزم مثله في قوله (ولا أنا عابد ما عبدتم) وفي ~~قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الأخريين ~~على الحال، وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس، لأن الجملة الثانية ~~والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المتبدأ في كل ~~واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيما بعده منفية كلها بحرف واحد، ~~وهو لفظ لا في كل واحد منها، فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في ~~الحال والاستقبال مختلفة. وأما قول من قال: إن كل واحد منها يصلح للحال ~~والاستقبال، فهو إقرار منه بالتكرار، لأن حمل هذا على معنى وحمل هذا على ~~معنى مع الاتحاد يكون من باب التحكم الذي لا يدل عليه عليل. # وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن القرآن نزل بلسان العرب، ومن مذاهبهم التي لا ~~تجحد، واستعمالاتهم التي لا تنكر أنهم إذا أرادوا ms4409 التأكيد كرروا، كما أن من ~~مذاهبهم أنهم إذا أرادوا الاختصار أوجزوا، هذا معلوم لكل من له علم بلغة ~~العرب، وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليه لأنه إنما يستدل على ما ~~فيه خفاء ويبرهن على ما هو متنازع فيه. وأما ما كان من الوضوح والظهور ~~والجلاء بحيث لا يشك فيه شاك، ولا يرتاب فيه مرتاب فهو مستغن عن التطويل ~~غير محتاج إلى تكثير القال والقيل. وقد وقع في القرآن من هذا ما يعلمه كل ~~من يتلو القرآن، وربما يكثر في بعض السور كما في سورة الرحمن وسورة ~~المرسلات وفي أشعار العرب من هذا ما لا يأتي عليه الحصر، ومن ذلك قول ~~الشاعر: يالبكر انشروا لي كليبا * يالبكر أين أين الفرار وقول الآخر: هلا ~~سألت جموع كندة * يوم ولوا أين أينا وقول الآخر: يا علقمة يا علقمة يا ~~علقمة * خير تميم كلها وأكرمه وقول الآخر: ألا يا اسلمي ثمت اسلمي * ثلاث ~~تحيات وإن لم تكلم وقول الآخر: يا جعفر يا جعفر يا جعفر * إن أك دحداحا ~~فأنت أقصر وقول الآخر: * أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس * وقد ثبت عن الصادق ~~المصدوق، وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث ~~مرات، وإذا عرفت هذا ففائدة ما وقع في السورة من التأكيد هو قطع أطماع ~~الكفار عن أن يجيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما سألوه من ~~عبادته آلهتهم، وإنما عبر سبحانه بما التي لغير العقلاء في المواضع الأربعة ~~لأنه يجوز ذلك كما في قوله: سبحان ما سخركن لنا ونحوه، والنكتة في ذلك أن ~~يجرى الكلام على نمط واحد ولا يختلف. # وقيل إنه أراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق. وقيل إن ~~" ما " في المواضع الأربعة هي المصدرية لا الموصولة: أي لا أعبد عبادتكم ~~ولا أنتم عابدون عبادتي الخ، وجملة (لكم دينكم) مستأنفة لتقرير قوله (لا ~~أعبد ما تعبدون) وقوله (ولا أنا عابد ما عبدتم) كما أن قوله (ولى دين) ~~تقرير لقوله ms4410 (ولا أنتم عابدون) ما أعبد) في الموضعين: أي إن رضيتم بدينكم ~~فقد رضيت بديني كما في قوله - لنا أعمالنا ولكم أعمالكم - والمعنى: # أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول لي ~~كما تطمعون، وديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى ~~الحصول لكم. وقيل المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي، لأن الدين الجزاء. قيل ~~وهذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل ليست بمنسوخة، لأنها أخبار والأخبار لا ~~يدخلها النسخ PageV05P507 # قرأ الجمهور بإسكان الياء من قوله " ولى " وقرأ نافع وهشام وحفص والبزي ~~بفتحها. وقرأ الجمهور أيضا بحذف الياء من ديني وقفا ووصلا، وأثبتها نصر بن ~~عاصم وسلام ويعقوب وصلا ووقفا. قالوا لأنها اسم فلا تحذف. # ويجاب بأن حذفها لرعاية الفواصل سائغ وإن كانت اسما. # وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس " أن قريشا دعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ~~ويزوجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا ~~تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح، قال: ~~ما هي؟ قالوا: # تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فجاء ~~الوحي من عند الله (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) إلى آخر ~~السورة، وأنزل الله - قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون - إلى قوله ~~- بل الله فاعبد وكن من الشاكرين - ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن ~~الأنباري في المصاحف عن سعيد ابن مينا مولى أبي البحتري قال " لقى الوليد ~~بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، ~~ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه ~~كنت قد أخذت منه حظا، وإن كان الذي أنت عليه ms4411 أصح من الذي نحن عليه كنا قد ~~أخذنا منه حظا، فأنزل الله (قل يا أيها الكافرون) إلى آخر السورة ". وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أن قريشا قالت: لو استلمت ~~آلهتنا لعبدنا إلهك، فأنزل الله (قل يا أيها الكافرون) السورة كلها. # تفسير سورة النصر وتسمى سورة التوديع، هي ثلاث آيات وهي مدنية بلا خلاف. ~~وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل بالمدينة (إذا جاء نصر الله ~~والفتح). # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي ~~في الدلائل عن ابن عمر قال: هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أوسط أيام التشريق بمنى، وهو في حجة الوداع (إذا جاء نصر الله ~~والفتح) حتى ختمها فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها الوداع. ~~وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال " لما نزلت ~~(إذا جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # نعيت إلى نفسي ". وأخرج ابن مردويه عنه قال " لما نزلت (إذا جاء نصر الله ~~والفتح) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعيت إلى نفسي وقرب إلى ~~أجلى ". وأخرج النسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم ~~والطبراني وابن مردويه عنه أيضا قال: لما نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) ~~نعيت لرسول الله نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان قط اجتهادا في أمر ~~الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت " لما أنزل (إذا ~~جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لم ~~يبعث نبيا إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله، فإن عيسى ابن ~~مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه ~~السنة، فبكت فاطمة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت أول أهلي بي ~~لحوقا، فتبسمت ". # وأخرج ms4412 البيهقي عن ابن عباس قال " لما نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV05P508 # فاطمة وقال: إنه قد نعيت إلى نفسي، فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت ~~إليه نفسه فبكيت؟ # فقال: اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي فضحكت " وقد تقدم في تفسير سورة ~~الزلزلة أن هذه السورة تعدل ربع القرآن. # سورة النصر (1 - 3) النصر: العون، مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض: ~~إذا أعان على نباتها ومنع من قحطها، ومنه قول الشاعر: # إذا انصرف الشهر الحرام فودعي * بلاد تميم وانصري أرض عامر يقال نصره على ~~عدوه ينصره نصرا: إذا أعانه، والاسم النصرة، واستنصره على عدوه: إذا سأله ~~أن ينصره عليه. قال الواحدي: قال المفسرون (إذا جاء) ك يا محمد (نصر الله) ~~على من عاداك، وهم قريش (والفتح) فتح مكة، وقيل المراد نصره صلى الله عليه ~~وآله وسلم على قريش من غير تعيين، وقيل نصره على من قاتله من الكفار، وقيل ~~هو فتح سائر البلاد، وقيل هو ما فتحه الله عليه من العلوم، وعبر عن حصول ~~النصر والفتح بالمجئ للإيذان بأنهما متوجهان إليه صلى الله عليه وآله وسلم. ~~وقيل إذا بمعنى قد، وقيل بمعنى إذ. قال الرازي: # الفرق بين النصر والفتح: أن الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان منغلقا، ~~والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر وعطف عليه الفتح، أو يقال النصر ~~كمال الدين، والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمة، أو يقال النصر ~~الظفر، والفتح الجنة، هذا معنى كلامه. ويقال الأمر أوضح من هذا وأظهر، فإن ~~النصر هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم، ~~والفتح هو فتح مساكن الأعداء ودخول منازلهم (ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا) أي أبصرت الناس من العرب وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك ~~به جماعات فوجا بعد فوج. قال الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مكة قال العرب: أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب ms4413 ~~الفيل، فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا: # أي جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا، واثنين اثنين، فصارت ~~القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. # قال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن، وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة ~~إنسان مؤمنين، وانتصاب أفواجا على الحال من فاعل يدخلون، ومحل قوله يدخلون ~~في دين الله النصب على الحال إن كانت الرؤية بصرية، وإن كانت بمعنى العلم ~~فهو في محل نصب على أنه المفعول الثاني (فسبح بحمد ربك) هذا جواب الشرط، ~~وهو العامل فيه، والتقدير: فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله. وقال مكي: ~~العامل في إذا هو جاء، ورجحه أبو حيان وضعف الأول بأن ما جاء بعد فاء ~~الجواب لا يعمل فيما قبلها، وقوله (بحمد ربك) في محل نصب على الحال: # أي فقل سبحان الله ملتبسا بحمده، أو حامدا له. وفيه الجمع بين تسبيح الله ~~المؤذن بالتعجب مما يسره الله له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من ~~الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بهذه النعمة التي ~~هي PageV05P509 # النصر والفتح لأم القرى التي كان أهلها قد بلغوا في عداوته إلى أعلى ~~المبالغ حتى أخرجوه منها بعد أن افتروا عليه من الأقوال الباطلة، والأكاذيب ~~المختلفة ما هو معروف من قولهم: هو مجنون، هو ساحر، هو شاعر، هو كاهن، ونحو ~~ذلك. ثم ضم سبحانه إلى ذلك أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار: ~~أي اطلب منه المغفرة لذنبك هضما لنفسك واستقصارا لعملك، واستدراكا لما فرط ~~منك من ترك ما هو الأولى، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يرى قصوره عن ~~القيام بحق الله ويكثر من الاستغفار والتضرع وإن كان قد غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر. وقيل إن الاستغفار منه صلى الله عليه وآله وسلم ومن ~~سائر الأنبياء هو تعبد تعبدهم الله به، لا لطلب المغفرة لذنب كائن منهم. ~~وقيل إنما أمره الله سبحانه بالاستغفار تنبيها لأمته وتعريضا بهم، ms4414 فكأنهم ~~هم المأمورون بالاستغفار. وقيل إن الله سبحانه أمره بالاستغفار لأمته لا ~~لذنبه. وقيل المراد بالتسبيح هنا الصلاة. # والأولى حمله على معنى التنزيه مع ما أشرنا إليه من كون فيه معنى التعجب ~~سرورا بالنعمة، وفرحا بما هيأه الله من نصر الدين، وكبت أعدائه ونزول الذلة ~~بهم وحصول القهر لهم. قال الحسن: أعلم الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة ليختم له في آخر عمره بالزيادة في ~~العمل الصالح، فكان يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت ~~التواب. قال قتادة ومقاتل: وعاش صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه ~~السورة سنتين، وجملة (إنه كان توابا) تعليل لأمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالاستغفار: أي من شأنه التوبة على المستغفرين له يتوب عليهم ويرحمهم بقبول ~~توبتهم، وتواب من صيغ المبالغة، ففيه دلالة على أنه سبحانه مبالغ في قبول ~~توبة التائبين. وقد حكى الرازي في تفسيره اتفاق الصحابة على أن هذه السورة ~~دلت على نعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله (إذا جاء نصر ~~الله والفتح) فقالوا: فتح المدائن والقصور، قال: فأنت يا ابن عباس ما تقول؟ ~~قال: قلت مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نعيت له نفسه. وأخرج ~~البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم ~~وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من قد ~~علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ~~ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل (إذا جاء نصر الله والفتح)؟ ~~فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ~~فلم يقل شيئا، فقال لي: # أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أعلمه الله ms4415 له، قال (إذا جاء نصر الله والفتح) ~~فذلك علامة أجلك (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) فقال عمر: لا أعلم ~~منها إلا ما تقول. وأخرج ابن النجار عن سهل بن سعد عن أبي بكر أن سورة (إذا ~~جاء نصر الله والفتح) حين أنزلت على رسول الله أن نفسه نعيت إليه. وأخرج ~~ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت " كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، وأستغفره ~~وأتوب إليه، فقلت: يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده ~~وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: # خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله ~~وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها (إذا جاء نصر الله والفتح) ~~فتح مكة (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا) ". وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ~~وغيرهم عن عائشة قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن ~~يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، PageV05P510 # اللهم اغفر لي يتأول القرآن " يعني إذا جاء نصر الله والفتح، وفي الباب ~~أحاديث. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال " لما نزلت (إذا جاء نصر الله ~~والفتح) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جاء أهل اليمن هم أرق ~~قلوبا، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية ". وأخرج الطبراني وابن ~~مردويه عن ابن عباس قال " بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~المدينة إذ قال الله أكبر قد جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، قوم ~~رقيقة قلوبهم لينة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية ". ~~وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا ~~". وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال " تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ms4416 (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا) قال: ليخرجن منه أفواجا ~~كما دخلوا فيه أفواجا ". # تفسير سورة تبت هي خمس آيات وهي مكية بلا خلاف. وأخرج ابن مردويه عن ابن ~~عباس وابن الزبير وعائشة قالوا: نزلت (تبت يدا أبي لهب) بمكة. # سورة تبت (1 - 5) معنى (تبت) هلكت. وقال مقاتل: خسرت، وقيل خابت. وقال ~~عطاء: ضلت. وقيل صفرت من كل خير، وخص اليدين بالتباب، لأن أكثر العمل يكون ~~بهما. وقيل المراد باليدين نفسه، وقد يعبر باليد عن النفس، كما في قوله - ~~بما قدمت يداك - أي نفسك، والعرب تعبر كثيرا ببعض الشئ عن كله، كقولهم: ~~أصابته يد الدهر، وأصابته يد المنايا، كما في قول الشاعر: # لما أكبت يد الرزايا * عليه نادي ألا مخبر وأبو لهب اسمه عبد العزى بن ~~عبد المطلب بن هاشم، وقوله (وتب) أي هلك. قال الفراء: الأول دعاء عليه، ~~والثاني خبر، كما تقول: أهلكه الله، وقد هلك. والمعنى: أنه قد وقع ما دعا ~~به عليه ويؤيده قراءة ابن مسعود: وقد تب. وقيل كلاهما إخبار، أراد بالأول ~~هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه. وقيل كلاهما دعاء عليه، ويكون في هذا شبه ~~من مجئ العام بعد الخاص، وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة، وذكره سبحانه ~~بكنيته لاشتهاره بها، ولكون اسمه كما تقدم عبد العزى، والعزى اسم صنم، ~~ولكون في هذه الكنة ما يدل على أنه ملابس للنار، لأن اللهب هي لهب النار، ~~وإن كان إطلاق ذلك عليه في الأصل لكونه كان جميلا، وأن وجهه يتلهب لمزيد ~~حسنه كما تتلهب النار. قرأ الجمهور " لهب " بفتح اللام والهاء. وقرأ مجاهد ~~وحميد وابن كثير PageV05P511 # وابن محيصن بإسكان الهاء، واتفقوا على فتح الهاء في قوله (ذات لهب) وروى ~~صاحب الكشاف أنه قرئ تبت يدا أبو لهب، وذكر وجه ذلك (ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب) أي ما دفع عنه ما حل به من التباب وما نزل به من عذاب الله ما جمع من ~~المال ولا ما كسب من الأرباح والجاه، أو المراد بقوله: ماله ما ورثه ms4417 من ~~أبيه، وبقوله (وما كسب) الذي كسبه بنفسه. قال مجاهد: وما كسب من ولد، وولد ~~الرجل من كسبه، ويجوز أن تكون " ما " في قوله (ما أغنى) استفهامية: أي أي ~~شئ أغنى عنه؟ وكذا يجوز في قوله (وما كسب) أن تكون استفهامية: # أي وأي شئ كسب؟ ويجوز أن تكون مصدرية أي وكسبه. والظاهر أن ما الأولى ~~نافية، والثانية موصولة. ثم أوعده سبحانه بالنار فقال (سيصلى نارا ذات لهب) ~~قرأ الجمهور " سيصلى " بفتح الياء وإسكان الصاد وتخفيف اللام: أي سيصلى هو ~~بنفسه، وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة وابن مقسم والأشهب العقيلي وأبو السماك ~~والأعمش ومحمد بن السميفع بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، ورويت هذه ~~القراءة عن ابن كثير، والمعنى سيصليه الله، ومعنى (ذات لهب) ذات اشتعال ~~وتوقد، وهي نار جهنم (وامرأته حمالة الحطب) معطوف على الضمير في يصلى، وجاز ~~ذلك للفصل: أي وتصلى امرأته نارا ذات لهب، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي ~~سفيان، وكانت تحمل الغضى والشوك فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، كذا قال ابن زيد والضحاك والربيع بن أنس ومرة الهمداني. ~~وقال مجاهد وقتادة والسدي: إنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس. والعرب ~~تقول: فلان يحطب على فلان: إذا نم به، ومنه قول الشاعر: # إن بني الأدرم حمالوا الحطب * هم الوشاة في الرضا والغضب * عليهم اللعنة ~~تترى والحرب وقال آخر: # من البيض لم يصطد على ظهر لامة * ولم يمش بين الناس بالحطب الرطب وجعل ~~الحطب في هذا البيت رطبا لما فيه من التدخين الذي هو زيادة في الشر، ومن ~~الموافقة للمشي بالنميمة، وقال سعيد بن جبير: معنى حمالة الحطب أنها حمالة ~~الخطايا والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب على ظهره، كما في قوله - وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم - وقيل المعنى: حمالة الحطب في النار. قرأ الجمهور " ~~حمالة " بالرفع على الخبرية على أنها جملة مسوقة للإخبار بأن امرأة أبي لهب ~~حمالة الحطب، وأما على ما قدمنا من عطف وامرأته على الضمير في تصلى، فيكون ~~رفع حمالة ms4418 على النعت لامرأته، والإضافة حقيقية لأنها بمعنى المضي، أو على ~~أنه خبر مبتدإ محذوف: أي هي حمالة. وقرأ عاصم بنصب " حمالة " على الذم، أو ~~على أنه حال من امرأته. وقرأ أبو قلابة " حاملة الحطب " (في جيدها حبل من ~~مسد) الجملة في محل نصب على الحال من امرأته، والجيد العنق، والمسد الليف ~~الذي تفتل منه الحبال، ومنه قول النابغة: # مقذوفة بدحيض النحض نازلها * له صريف صريف القعواء بالمسد وقول الآخر: يا ~~مسد الخوص تعوذ منى * إن كنت لدنا لينا فإني وقال أبو عبيدة: المسد هو ~~الحبل يكون من صوف. وقال الحسن: هي حبال تكون من شجر ينبت باليمن تسمى ~~بالمسد. وقد تكون الحبال من جلود الإبل أو من أوبارها. قال الضحاك وغيره: ~~هذا في الدنيا، كانت تعير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفقر وهي تحتطب ~~في حبل تجعله في عنقها فخنقها الله به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار. ~~وقال مجاهد وعروة بن الزبير: هو سلسلة من نار تدخل في فيها وتخرج من ~~أسفلها. وقال قتادة: هو قلادة من ودع كانت لها. قال الحسن: إنما كان خرزا ~~في عنقها. وقال سعيد بن المسيب: كانت PageV05P512 # لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد، ~~فيكون ذلك عذابا في جسدها يوم القيامة. والمسد الفتل يقال: مسد حبله يمسده ~~مسدا: أجاد فتله اه‍. # وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال: " لما نزلت - وأنذر ~~عشيرتك الأقربين - خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد الصفا فهتف ~~يا صباحاه فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا ~~الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه ~~السورة (تبت يدا أبي لهب وتب) ". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن ~~مردويه عن ابن عباس في قوله (تبت يدا أبي لهب) قال: خسرت. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن ms4419 عائشة قالت: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ابنه من كسبه، ثم ~~قرأت (ما أغنى عنه ماله وما كسب) قالت: وما كسب ولده. وأخرج عبد الرزاق ~~والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله (وما كسب) قال: كسبه ولده. وأخرج ~~ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس في قوله (وامرأته ~~(حمالة الحطب) قال: كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ليعقره وأصحابه، وقال حمالة الحطب) نقالة الحديث (حبل من مسد) ~~قال: هي حبال تكون بمكة. ويقال: المسد العصا التي تكون في البكرة. ويقال: ~~المسد قلادة من ودع. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر ~~قالت " لما نزلت (تبت يدا أبي لهب) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ~~ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: # مذمما أبينا * ودينه قلينا * وأمره عصينا ورسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد ~~أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنها لن ~~تراني وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى - وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا - فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ~~ولم تر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن ~~صاحبك هجاني، قال: # لا ورب البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها " ~~وأخرجه البزار بمعناه، وقال: # لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد. # تفسير سورة الإخلاص هي أربع آيات وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء ~~وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي. وأخرج ~~أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن خزيمة وابن أبي عاصم في ~~السنة والبغوي في معجمه وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه ~~والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ابن كعب ms4420 " أن المشركين قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: يا محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله - قل هو الله أحد، ~~لم يلد ولم يولد، الخ ليس شئ يولد إلا سيموت، وليس شئ يموت إلا سيورث، وإن ~~الله لا يموت ولا يورث - ولم يكن له كفوا أحد - قال: لم يكن له شبيه ولا ~~عدل، وليس كمثله شئ " ورواه الترمذي من طريق أخرى عن أبي العالية مرسلا ولم ~~يذكر أبيا، ثم قال: وهذا أصح. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر ~~PageV05P513 # والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي عن جابر قال " جاء ~~أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: انسب لنا ربك، فأنزل الله ~~(قل هو الله أحد) إلى آخر السورة " وحسن السيوطي إسناده. وأخرج الطبراني ~~وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال " قالت قريش لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة (قل هو الله أحد) ". وأخرج ~~ابن أبي حاتم وابن عدي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس " أن ~~اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منهم كعب بن الأشرف وحيى ~~بن أخطب، فقالوا: يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله (قل هو الله ~~أحد الله الصمد لم يلد) فيخرج منه الولد. # ولم يولد، فيخرج منه شئ ". وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد والنسائي في ~~اليوم والليلة وابن منيع ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ~~أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ قل هو ~~الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن ". وأخرج ابن الضريس والبزار والبيهقي في ~~الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ قل هو الله أحد ~~مائتي مرة غفر له ذنب مائتي سنة ". قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا ~~الحسن بن أبي جعفر والأغلب بن تميم، وهما يتقاربان في سوء الحفظ. وأخرج ~~أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه ms4421 عن أنس قال " جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أحب هذه السورة (قل هو الله أحد)، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة ". وأخرج ~~ابن الضريس وأبو يعلى وابن الأنباري في المصاحف عن أنس قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول " أما يستطيع أحدكم أن يقرأ (قل هو الله أحد) ~~ثلاث مرات في ليلة؟ فإنها تعدل ثلث القرآن " وإسناده ضعيف. وأخرج محمد بن ~~نصر وأبو يعلى عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " من قرأ ~~(قل هو الله أحد) خمسين مرة غفر له ذنوب خمسين سنة " وإسناده ضعيف. وأخرج ~~الترمذي وابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من قرأ (قل هو الله أحد) مائتي ~~مرة، كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة، ومحى عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن ~~يكون عليه دين " وفي إسناده حاتم بن ميمون ضعفه البخاري وغيره، ولفظ ~~الترمذي " من قرأ في يوم مائتي مرة (قل هو الله أحد)، محى عنه ذنوب خمسين ~~سنة، إلا أن يكون عليه دين "، وفي إسناده حاتم بن ميمون المذكور. وأخرج ~~الترمذي ومحمد بن نصر وأبو يعلى وابن عدي والبيهقي عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم " من أراد أن ينام على فراشه من الليل فنام ~~على يمينه، ثم قرأ (قل هو الله أحد) مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول ~~له الرب: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة " وفي إسناده أيضا حاتم ابن ميمون ~~المذكور. قال الترمذي بعد إخراجه: غريب من حديث ثابت. وقد روى من غير هذا ~~الوجه عنه. # وأخرج ابن سعد وابن الضريس وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن أنس قال " ~~كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشام، وفي لفظ: بتبوك فهبط جبريل ~~فقال: يا محمد إن معاوية بن معاوية المزني هلك، أفتحب أن تصلي عليه؟ قال ~~نعم، ms4422 فضرب بجناحه الأرض فتضعضع له كل شئ ولزق بالأرض ورفع له سريره فصلى ~~عليه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أي شئ أوتى معاوية هذا ~~الفضل، صلى عليه صفان من الملائكة في كل صف ستة آلاف ملك؟ قال: بقراءة (قل ~~هو الله أحد) كان يقرؤها قائما وقاعدا وجائيا وذاهبا ونائما "، وفي إسناده ~~العلاء بن محمد الثقفي وهو متهم بالوضع. وروى عنه من وجه آخر بأطول من هذا، ~~وفي إسناده هذا المتهم. وفي الباب أحاديث في هذا المعنى وغيره. وقد روى من ~~غير الوجه أنها تعدل ثلث القرآن، وفيها ما هو صحيح وفيها ما هو حسن، فمن ~~ذلك ما أخرجه مسلم والترمذي وصححه وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله PageV05P514 # عليه وآله وسلم " احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم ~~خرج نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ (قل هو الله أحد) ثم دخل، فقال ~~بعضنا لبعض: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإني سأقرأ عليكم ثلث ~~القرآن، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني قلت سأقرأ ~~عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن ". وأخرج أحمد والبخاري ~~وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ~~والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن " يعني (قل هو الله أحد). وأخرج ~~أحمد والبخاري وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأصحابه " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك ~~عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن ". وأخرج ~~مسلم وغيره من حديث أبي الدرداء نحوه. وقد روى نحو هذا بإسناد صحيح من حديث ~~أبي هريرة وحديث ابن مسعود، وحديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وروى نحو ~~هذا عن غير هؤلاء بأسانيد بعضها حسن وبعضها ضعيف، ولو لم يرد في فضل هذه ~~السورة إلا حديث عائشة عند البخاري ومسلم ms4423 وغيرهما " أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث رجلا في سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو ~~الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ~~سلوه لأي شئ يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ ~~بها، فقال: أخبروه أن الله تعالى يحبه " هذا لفظ البخاري في كتاب التوحيد. ~~وأخرج البخاري أيضا في كتاب الصلاة من حديث أنس قال " كان رجل من الأنصار ~~يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة فقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ ~~به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان ~~يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ~~ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى. # فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، قال: ما أنا بتاركها إن ~~أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم ~~فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه ~~الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على ~~لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ # فقال: إني أحبها، قال: حبك إياها أدخلك الجنة " وقد روى بهذا اللفظ من ~~غير وجه عند غير البخاري. # سورة الاخلاص (1 - 4) قوله (قل هو الله أحد) الضمير يجوز أن يكون عائدا ~~إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول، وأن المشركين قالوا: ~~يا محمد انسب لنا ربك، فيكون مبتدأ، والله مبتدأ ثان، وأحد خبر المبتدأ ~~الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون الله بدلا من هو، والخبر ~~أحد. ويجوز أن يكون الله خبرا أول، وأحد خبرا ثانيا، ويجوز أن يكون أحد ~~خبرا لمبتدأ محذوف: أي هو أحد. ويجوز أن يكون هو ضمير شأن لأنه موضع تعظيم، ~~والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه، والأول أولى. قال الزجاج: هو كناية عن ذكر ms4424 ~~الله، والمعنى: إن سألتم تبيين نسبته هو الله أحد، قيل وهمزة أحد بدل من ~~الواو وأصله واحد. وقال أبو البقاء: همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر ~~أن أحد يفيد العموم دون واحد، ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري: أنه ~~لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، كما يقال ~~رجل واحد ودرهم واحد، PageV05P515 # قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه فإذا قلت لا يقاومه واحد ~~جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد. وفرق ثعلب بين ~~واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد، وأحد لا يدخل فيه. ورد عليه أبو ~~حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد، وهذا كما ترى، ومن جملة ~~القائلين بالقلب الخليل. # قرأ الجمهور " قل هو الله أحد " بإثبات قل. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبى ~~" الله أحد " بدون قل. وقرأ الأعمش " قل هو الله الواحد " وقرأ الجمهور ~~بتنوين أحد، وهو الأصل. وقرأ زيد بن علي وأبان بن عثمان وابن أبي إسحاق ~~والحسن وأبو السماك وأبو عمرو في رواية عنه بحذف التنوين للخفة كما في قول ~~الشاعر: # عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف وقيل إن ترك التنوين ~~لملاقاته لام التعريف، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين. ويجاب ~~عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما ~~بالكسر (الله الصمد) الاسم الشريف مبتدأ، والصمد خبره، والصمد هو الذي يصمد ~~إليه في الحاجات: أي يقصد لكونه قادرا على قضائها، فهو فعل بمعنى مفعول ~~كالقبض بمعنى المقبوض لأنه مصمود إليه: أي مقصود إليه، قال الزجاج: الصمد ~~السند الذي انتهى إليه السودد فلا سيد فوقه. قال الشاعر: # ألا بكر الناعي بخير بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقيل معنى ~~الصمد: الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول. وقيل معنى الصمد ما ذكر بعده ~~من أنه الذي لم يلد ولم يولد. وقيل هو المستغنى عن كل أحد، والمحتاج ms4425 إليه ~~كل أحد. وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب، وهذان ~~القولان يرجعان إلى معنى القول الأول. وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد. وقيل هو الكامل الذي لا عيب فيه. وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن ~~جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله ابن بريدة وعطاء وعطية العوفي ~~والسدي: الصمد هو المصمت الذي لا جوف له، ومنه قول الشاعر: # شهاب حروب لا تزال جياده * عوابس يعلكن الشكيم المصمدا وهذا لا ينافي ~~القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد، ثم استعمل في السيد المصمود ~~إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل ~~التفسير، ومنه قول الشاعر: # علوته بحسام ثم قلت له * خذها حذيف فأنت السيد الصمد وقال الزبرقان بن ~~بدر: # سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا * ولا رهينة إلا سيد صمد وتكرير الاسم ~~الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية، وحذف ~~العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى، وقيل إن الصمد صفة ~~للاسم الشريف والخبر هو ما بعده، والأول أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل ~~جمله (لم يلد ولم يولد) أي لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شئ، لأنه لا ~~يجانسه شئ ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقا ولاحقا. قال قتادة: إن مشركي ~~العرب قالوا: الملائكة بنات الله. وقالت اليهود: عزيز ابن الله. وقالت ~~النصارى: المسيح ابن الله فأكذبهم الله فقال (لم يلد ولم يولد) قال الرازي: ~~قدم ذكر نفى الولد مع أن الولد مقدم للاهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من ~~المشركين: إن الملائكة بنات الله، واليهود: عزيز ابن الله، والنصارى: ~~المسيح ابن الله، ولم يدع أحد أن لا له والدا، فلهذا السبب بدأ بالأهم ~~PageV05P516 # فقال (لم يلد) ثم أشار إلى الحجة فقال (ولم يولد) كأنه قيل الدليل على ~~امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره، وإنما عبر سبحانه بما ~~يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي ولم يذكر ms4426 ما يفيد انتفاء كونه ~~كذلك في المستقبل لأنه ورد جوابا عن قولهم: ولد الله كما حكى الله عنهم ~~بقوله - ألا إنهم من إفكهم سنة ليقولون ولد الله - فلما كان المقصود من هذه ~~الآية تكذيب قولهم، وهم إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد النفي فيما مضى، وردت ~~الآية لدفع قولهم هذا (ولم يكن له كفوا أحد) هذه الجملة مقررة لمضمون ما ~~قبلها لأنه سبحانه إذا كان متصفا بالصفات المتقدمة كان متصفا بكونه لم ~~يكافئه أحد ولا يماثله ولا يشاركه في شئ، وأخر اسم كان لرعاية الفواصل، ~~وقوله " له " متعلق بقوله " كفوا " قدم عليه لرعاية الاهتمام، لأن المقصود ~~نفى المكافأة عن ذاته. وقيل إنه في محل نصب على الحال، والأول أولى. وقد رد ~~المبرد على سيبويه بهذه الآية لأن سيبويه قال: إنه إذا تقدم الظرف كان هو ~~الخبر، وههنا لم يجعل خبرا مع تقدمه، وقد رد على المبرد بوجهين: أحدهما أن ~~سيبويه لم يجعل ذلك حتما بل جوزه. والثاني أنا لا نسلم كون الظرف هنا ليس ~~بخبر، بل يجوز أن يكون خبرا ويكون كفوا منتصبا على الحال وحكى في الكشاف عن ~~سيبويه على أن الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر، ~~واقتصر في هذه الحكاية على نقل أول كلام سيبويه ولم ينظر إلى آخره، فإنه ~~قال في آخر كلامه: والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير ~~انتهى. قرأ الجمهور " كفوا " بضم الكاف والفاء وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعرج ~~وسيبويه ونافع في رواية عنه بإسكان الفاء، وروى ذلك عن حمزه مع إبداله ~~الهمزة واوا وصلا ووقفا، وقرأ نافع في رواية عنه " كفأ " بكسر الكاف وفتح ~~الفاء من غير مد، وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس كذلك مع المد، ~~وأنشد قول النابغة * لا تقذفني بركن لا كفاء له * والكفء في لغة العرب ~~النظير، يقول هذا كفؤك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح. # وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والمحاملي في أماليه ~~والطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ms4427 بريد لا أعلمه إلا رفعه. قال (الصمد) ~~الذي لا جوف له، ولا يصح رفع هذا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن ~~مسعود قال (الصمد) الذي لا جوف له، وفي لفظ: ليس له أحشاء. وأخرج ابن أبي ~~عاصم وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس مثله. ~~وأخرج ابن المنذر عنه قال (الصمد) الذي لا يطعم، وهو المصمت. وقال: أو ما ~~سمعت النائحة وهي تقول: # لقد بكر الناعي بخير بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وكان لا ~~يطعم عند القتال، وقد روى عنه أن الذي يصمد إليه في الحوائج، وأنه أنشد ~~البيت واستدل به على هذا المعنى، وهو أظهر في المدح وأدخل في الشرف، وليس ~~لوصفه بأنه لا يطعم عند القتال كثير معنى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق على ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال (الصمد) السيد الذي قد كمل في سودده، والشريف ~~الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل ~~في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، ~~والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد ~~كمل في أنواع الشرف والسودد، وهو الله سبحانه هذه صفة لا تنبغي إلا له ليس ~~له كفو وليس كمثله شئ. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر والبيهقي ~~عن ابن مسعود قال (الصمد) هو السيد الذي قد انتهى سودده فلا PageV05P517 # شئ أسود منه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال ~~(الصمد) الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء. وأخرج ابن جرير ~~من طرق عنه في قوله (ولم يكن له كفوا أحد) قال: # ليس له كفوا ولا مثل. # تفسير سورة الفلق هي خمس آيات وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ~~ومدنية في أحد قولي ms4428 ابن عباس وقتادة، وأخرج أحمد والبزار والطبراني وابن ~~مردويه من طرق. قال السيوطي: صحيحه عن ابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين في ~~المصحف يقول: لا تخلطوا القرآن بما ليس منه إنهما ليستا من كتاب الله، إنما ~~أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتعوذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ ~~بهما. قال البزار: لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف. وأخرج أحمد ~~والبخاري والنسائي وغيرهم عن زر بن حبيش قال " أتيت المدينة فلقيت أبي بن ~~كعب، فقلت له: أبا المنذر إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، ~~فقال: أما والذي بعث محمدا بالحق لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سأله غيرك، قال: قيل لي قل، فقلت ~~فقولوا فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ". وأخرج ~~الطبراني عن ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن هاتين ~~السورتين، فقال قيل لي، فقلت فقولوا كما قلت ". وأخرج مسلم والترمذي ~~والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم " أنزلت علي الليلة آيات لم أر مثلهن قط (قل أعوذ برب الفلق) و (قل ~~أعوذ برب الناس) ". وأخرج ابن الضريس وابن الأنباري والحاكم وصححه وابن ~~مردويه في الشعب عن عقبة بن عامر قال " قلت يا رسول الله: أقرئني سورة يوسف ~~وسورة هود، قال: يا عقبة اقرأ بقل أعوذ برب الفلق، فإنك لن تقرأ سورة أحب ~~إلى الله وأبلغ منها، فإذا استطعت أن لا تفوتك فافعل ". وأخرج ابن سعد ~~والنسائي والبغوي والبيهقي عن أبي حابس الجهني أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: " يا أبا حابس أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ قال بلى ~~يا رسول الله، قال (قل أعوذ برب الفلق - و - قل أعوذ برب الناس) هما ~~المعوذتان ". # وأخرج الترمذي ms4429 وحسنه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال " كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعوذ من عين الجان ومن عين الإنس، فلما ~~نزلت سورة المعوذتين أخذ بهما وترك ما سوى ذلك ". # وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن ابن مسعود " أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يكره عشر خصال، ومنها أنه كان يكره الرقي إلا ~~بالمعوذتين ". وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم " من أحب السور إلى الله (قل أعوذ برب الفلق - و - قل أعوذ ~~برب الناس) ". وأخرج النسائي وابن الضريس وابن حبان في صحيحه وابن الأنباري ~~وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال " أخذ بمنكبي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثم قال اقرأ، قلت: ما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال: قل أعوذ برب ~~الفلق، ثم قال اقرأ، قلت: بأبي أنت وأمي ما أقرأ؟ قال: قل أعوذ برب الناس، ~~ولم تقرأ بمثلهما ". وأخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة " ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه ~~PageV05P518 # بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده عليه رجاء ~~بركتهما ". وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من طريق مالك بالإسناد ~~المذكور. وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن زيد بن أرقم قال " سجر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم رجل من اليهود، فاشتكى فأتاه جبريل، فنزل عليه ~~بالمعوذتين، وقال: إن رجلا من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، فأرسل عليا ~~فجاء به فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية ويحل حتى قام النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كأنما نشط من عقال ". وأخرجه ابن مردويه والبيهقي من حديث عائشة ~~مطولا، وكذلك أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عباس. وقد ورد في فضل ~~المعوذتين، وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهما في الصلاة ~~وغيرهما أحاديث، وفيما ذكرناه كفاية. وأخرج الطبراني في الصغير عن علي ms4430 بن ~~أبي طالب قال " لدغت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقرب وهو يصلي، فلما ~~فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصليا ولا غيره، ثم دعا بماء وملح وجعل ~~يمسح عليها ويقرأ: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب ~~الفلق، وقل أعوذ برب الناس ". # سورة الفلق (1 - 5) (الفلق) الصبح، يقال: هو أبين من فلق الصبح، وسمي ~~فلقا لأنه يفلق عنه الليل، وهو فعل بمعنى مفعول: # قال الزجاج: لأن الليل ينفلق عنه الصبح، ويكون بمعنى مفعول، يقال: هو ~~أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح، وهذا قول جمهور المفسرين، ومنه قول ذي ~~الرمة: # حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق * هادئة في أخريات الليل منتصب وقول الآخر: # يا ليلة لم أتمها بت مرتفقا * أرعى النجوم لي أن نور الفلق وقيل هو سجن ~~في جهنم، وقيل هو اسم من أسماء جهنم، وقيل شجرة في النار، وقيل هو الجبال ~~والصخور، لأنها تفلق بالمياه أي تشقق، وقيل هو التفليق بين الجبال، لأنها ~~تنشق من خوف الله. قال النحاس: يقال لكل ما اطمأن من الأرض فلق، ومنه قول ~~زهير: # ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت * أيدي الركاب بهم من راكس فلقا والراكس: بطن ~~الوادي، ومثله قول النابغة * ودوني راكس فالضواجع * وقيل هو الرحم تنفلق ~~بالحيوان، وقيل هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله من الحيوان والصبح ~~والحب والنوى وكل شئ من نبات وغيره قاله الحسن والضحاك. قال القرطبي: هذا ~~القول يشهد له الانشقاق، فإن الفلق الشق، فلقت الشئ فلقا: شققته، والتفليق ~~مثله، يقال فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شئ من حيوان وصبح وحب ونوى ~~وماء فهو فلق. قال الله سبحانه - فالق الإصباح - وقال - فالق الحب والنوى - ~~انتهى. والقول الأول أولى لأن المعنى وإن كان أعم منه وأوسع مما تضمنه لكنه ~~المتبادر عند الإطلاق. وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء PageV05P519 # إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضا ~~أن يدفع ms4431 عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه، وقيل طلوع الصبح كالمثال لمجئ ~~الفرح، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع الصباح، كذلك الخائف ~~يكون مترقبا لطلوع صباح النجاح، وقيل غير هذا مما هو مجرد بيان مناسبة ليس ~~فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير (من شر ما خلق) متعلق بأعوذ: أي من شر كل ~~ما خلقه سبحانه من جميع مخلوقاته فيعم جميع الشرور، وقيل هو إبليس وذريته، ~~وقيل جهنم، ولا وجه لهذا التخصيص كما أنه لا وجه لتخصيص من خصص هذا العموم ~~بالمضار البدنية. وقد حرف بعض المتعصبين هذه الآية مدافعة عن مذهبه وتقويما ~~لباطله، فقرءوا بتنوين شر على أن " ما " نافية، والمعنى: من شر لم يخلقه، ~~ومنهم عمرو بن عبيد وعمرو بن عائذ (ومن شر غاسق إذا وقب) الغاسق الليل، ~~والغسق الظلمة، يقال غسق الليل يغسق إذا أظلم. قال الفراء: يقال غسق الليل ~~وأغسق إذا أظلم، ومنه قول قيس بن الرقيات: # إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والأرقا وقال الزجاج: قيل لليل غاسق ~~لأنه أبرد من النهار، والغاسق البارد، والغسق البرد، ولأن في الليل تخرج ~~السباع من آجامها والهوام من أماكنها وينبعث أهل الشر على العبث والفساد، ~~كذا قال، وهو قول بارد، فإن أهل اللغة على خلافه، وكذا جمهور المفسرين. ~~ووقوبه: دخول ظلامه، ومنه قول الشاعر: # وقب العذاب عليهم فكأنهم * لحقتهم نار السموم فأخمدوا أي دخل العذاب ~~عليهم، ويقال وقبت الشمس: إذا غابت، وقيل الغاسق الثريا، وذلك أنها إذا ~~سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك، وبه قال ابن زيد. وهذا ~~محتاج إلى نقل عن العرب أنهم يصفون الثريا بالغسوق. وقال الزهري: هو الشمس ~~إذا غربت، وكأنه لاحظ معنى الوقوب ولم يلاحظ معنى الغسوق، وقيل هو القمر ~~إذا خسف، وقيل إذا غاب. وبهذا قال قتادة وغيره، واستدلوا بحديث أخرجه أحمد ~~والترمذي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه، وابن ~~مردويه عن عائشة قالت " نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما إلى ~~القمر لما طلع ms4432 فقال: يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق ~~إذا وقب ". قال الترمذي: بعد إخراجه حسن صحيح، وهذا لا ينافي قول الجمهور، ~~لأن القمر آية الليل ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وهكذا يقال في جواب من قال ~~إنه الثريا. قال ابن الأعرابي: في تأويل هذا الحديث: وذلك أن أهل الريب ~~يتحينون وجبة القمر. وقيل الغاسق: الحية إذا لدغت. وقيل الغاسق: كل هاجم ~~يضر كائنا ما كان، من قولهم غسقت القرحة: إذا جرى صديدها. وقيل الغاسق هو ~~السائل، وقد عرفناك أن الراجح في تفسير هذه الآية هو ما قاله أهل القول ~~الأول، ووجه تخصيصه أن الشر فيه أكثر، والتحرز من الشرور فيه أصعب، ومنه ~~قولهم: الليل أخفى للويل (ومن شر النفاثات في العقد) النفاثات هن السواحر: ~~أي ومن شر النفوس النفاثات، أو النساء النفاثات، والنفخ كما يفعل ذلك من ~~يرقى ويسحر، قيل مع ريق، وقيل بدون ريق، والعقد جمع عقدة، وذلك أنهن كن ~~ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن بها، ومنه قول عنترة: فان يبرأ فلم أنفث ~~عليه * وإن يعقد فحق له العقود وقول متمم بن نويرة: # نفث في الخيط شبيه الرقي * من خشية الجنة والحاسد PageV05P520 # قال أبو عبيدة: النفاثات هن بنات لبيد الأعصم اليهودي، سحرن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. قرأ الجمهور " النفاثات " جمع نفاثة على المبالغة. ~~وقرأ يعقوب وعبد الرحمن بن ساباط وعيسى بن عمر " النافثات " جمع نافثة. ~~وقرأ الحسن " النفاثات " بضم النون. وقرأ أبو الربيع " النفثات " بدون ألف ~~(ومن شر حاسد إذا حسد) الحسد: تمنى زوال النعمة التي أنعم الله بها على ~~المحسود، ومعنى إذا حسد: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه وحمله ~~الحسد على إيقاع الشر بالمحسود. قال عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه ~~بالمظلوم من حاسد، وقد نظم الشاعر: هذا المعنى فقال: # قل للحسود إذا تنفس طعنة * يا ظالما وكأنه مظلوم ذكر الله سبحانه في هذه ~~السورة إرشاد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاستعاذة ms4433 من شر كل ~~مخلوقاته على العموم، ثم ذكر بعض الشرور على الخصوص مع اندراجه تحت العموم ~~لزيادة شره ومزيد ضره، وهو الغاسق والنفاثات والحاسد، فكأن هؤلاء لما فيهم ~~من مزيد الشر حقيقون بإفراد كل واحد منهم بالذكر. # وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة قال " صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقرأ (قل أعوذ برب الفلق) فقال: يا ابن عبسة أتدري ما ~~الفلق؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: بئر في جهنم ". وأخرجه ابن أبي حاتم من ~~قول عمرو بن عبسة غير مرفوع. وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال: قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " اقرأ (قل أعوذ برب الفلق) هل تدري ما ~~الفلق؟ باب في النار إذا فتحت سعرت جهنم " وأخرج ابن مردويه والديلمي عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن قول الله عز وجل (قل أعوذ برب الفلق) فقال: هو سجن في جهنم يحبس فيه ~~الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتتعوذ بالله منه ". وأخرج ابن جرير عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " الفلق جب في جهنم ". # وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لكان المصير إليها واجبا، والقول بها متعينا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ~~قال: الفلق سجن في جهنم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر ~~بن عبد الله قال: الفلق الصبح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: الفلق الخلق. وأخرج ابن جرير وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ~~(ومن شر غاسق إذا وقب) وقال: النجم هو الغاسق، وهو الثريا. # وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عنه غير مرفوع. وقد قدمنا ~~تأويل هذا، وتأويل ما ورد أن الغاسق القمر. وأخرج ms4434 أبو الشيخ عنه أيضا قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا ارتفعت النجوم رفعت كل عاهة ~~عن كل بلد " وهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن الغاسق هو النجم أو النجوم. ~~وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس (ومن شر غاسق إذا وقب) قال: الليل ~~إذا أقبل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس (ومن شر النفاثات في العقد) قال: ~~الساحرات. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: هو ما خالط السحر من الرقي. ~~وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا ~~وكل إليه ". وأخرج ابن سعد وابن ماجة والحاكم وابن مردويه عن أبي هريرة قال ~~" جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعودني فقال: ألا أرقيك برقية رقاني ~~بها جبريل؟ PageV05P521 # فقلت: بلى بأبي أنت وأمي، قال: بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك ~~" (من شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد) فرقى بها ثلاث مرات ". ~~وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله (ومن شر حاسد إذا حسد) قال: نفس ابن ~~آدم وعينه اه‍. # تفسير سورة الناس هي ست آيات والخلاف في كونها مكية أو مدنية كالخلاف ~~الذي تقدم في سورة الفلق. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل بمكة (قل ~~أعوذ برب الناس). وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزل بالمدينة (قل ~~أعوذ برب الناس) وقد قدمنا في سورة الفلق ما ورد في سبب نزول هذه السورة ~~وما ورد في فضلها فارجع إليه. # سورة الناس (1 - 6) قرأ الجمهور (قل أعوذ) بالهمزة. وقرئ بحذفها ونقل ~~حركتها إلى اللام. وقرأ الجمهور بترك الإمالة في الناس، وقرأ الكسائي ~~بالإمالة. ومعنى رب الناس: مالك أمرهم ومصلح أحوالهم، وإنما قال رب الناس ~~مع أنه رب جميع مخلوقاته للدلالة على شرفهم، ولكون الاستعاذة وقعت من شر ما ~~يوسوس في صدورهم، وقوله ms4435 (ملك الناس) عطف بيان جئ به لبيان أن ربيته سبحانه ~~ليست كربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك ~~الكامل، والسلطان القاهر (إله الناس) هو أيضا عطف بيان كالذي قبله لبيان أن ~~ربوبيته وملكه قد انضم إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية ~~للقدرة التامة على التصرف الكلى بالاتحاد والإعدام، وأيضا الرب قد يكون ~~ملكا، وقد لا يكون ملكا، كما يقال رب الدار ورب المتاع، ومنه قوله - اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله - فبين أنه ملك الناس. ثم الملك قد ~~يكون إلها، وقد لا يكون، فبين أنه إله لأن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه ~~أحد، وأيضا بدأ باسم الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل عمره ~~إلى أن صار عاقلا كاملا، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك فذكر أنه ملك ~~الناس. ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وأنه عبد مخلوق وأن ~~خالقه إله معبود بين سبحانه أنه إله الناس، وكرر لفظ الناس في الثلاثة ~~المواضع لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار، ولأن التكرير يقتضي مزيد ~~شرف الناس (من شر الوسواس) قال الفراء: هو بفتح الواو بمعنى الاسم: أي ~~الموسوس، وبكسرها المصدر: أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وقيل هو ~~بالفتح اسم بمعنى الوسوسة، والوسوسة: هي حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه ~~وسوسة: أي حدثته حديثا، وأصلها الصوت الخفي، ومنه قيل لأصوات الحلى وسواس، ~~ومنه قول الأعشى: # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت * قال الزجاج: الوسواس هو الشيطان: أي ذي ~~الوسواس، PageV05P522 # ويقال إن الوسواس ابن لإبليس، وقد سبق تحقيق معنى الوسوسة في تفسير قوله ~~- فوسوس لهما الشيطان - ومعنى (الخناس) كثير الخنس، وهو التأخر، يقال خنس ~~يخنس: إذا تأخر، ومنه قول العلاء بن الحضرمي يمدح رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: # فإن دخسوا بالشر فاعف تكرما * وإن خنسوا عند الحديث فلا تسل قال مجاهد: ~~إذا ذكر الله خنس وانقبض، وإذا لم يذكر انبسط على القلب. ووصف بالخناس لأنه ~~كثير الاختفاء، ومنه قوله ms4436 تعالى - فلا أقسم بالخنس - يعني النجوم لاختفائها ~~بعد ظهورها كما تقدم، وقيل الخناس اسم لابن إبليس كما تقدم في الوسواس ~~(الذي يوسوس في صدور الناس) الموصول يجوز أن يكون في محل جر نعتا للوسواس، ~~ويجوز أن يكون منصوبا على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير مبتدإ. وقد ~~تقدم معنى الوسوسة. قال قتادة: إن الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر ~~الإنسان، فإذا غفل ابن آدم عن ذكر الله وسوس له، وإذا ذكر العبد ربه خنس. ~~قال مقاتل: إن الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه ~~سلطه الله على ذلك، ووسوسته هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفي يصل إلى القلب ~~من غير سماع صوت، ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان: جني وإنسي، فقال ~~(من الجنة والناس) أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس ~~فوسوسته في صدور الناس أنه يرى نفسه كالناصح المشفق فيوقع في الصدر من ~~كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ما يوقع الشيطان فيه بوسوسته كما قال سبحانه ~~- شياطين الإنس والجن - ويجوز أن يكون متعلقا بيوسوس: أي يوسوس في صدورهم ~~من جهة الجنة ومن جهة الناس، ويجوز أن يكون بيانا للناس. قال الرازي وقال ~~قوم: من الجنة والناس قسمان مندرجان تحت قوله (في صدور الناس) لأن القدر ~~المشترك بين الجن والإنس يسمى إنسانا، والإنسان أيضا يسمى إنسانا، فيكون ~~لفظ الإنسان واقعا على الجنس والنوع بالاشتراك. والدليل على أن لفظ الإنسان ~~يندرج فيه لفظ الإنس والجن ما روى أنه جاء نفر من الجن، فقيل لهم: من أنتم؟ ~~قالوا: ناس من الجن. وأيضا قد سماهم الله رجالا في قوله - وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذن لو برجال من الجن - وقيل يجوز أن يكون المراد أعوذ برب الناس ~~من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ومن الجنة والناس، كأنه استعاذ ~~ربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم استعاذ بربه من جميع الجنة والناس، وقيل ~~المراد بالناس الناسي وسقطت الياء كسقوطها في قوله - يوم ms4437 يدع الداع - ثم ~~بين بالجنة والناس لأن كل فرد من أفراد الفريقين في الغالب مبتلى بالنسيان، ~~وأحسن من هذا أن يكون قوله (والناس) معطوفا على الوسواس: أي من شر الوسواس ~~ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس. قال الحسن: أما شيطان ~~الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة: إن ~~من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين، فنعوذ بالله من شياطين الجن والإنس، ~~وقيل إن إبليس يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الإنس، وواحد الجنة ~~جنى كما أن واحد الإنس إنسي. والقول الأول هو أرجح هذه الأقوال، وإن كان ~~وسوسة الإنس في صدور الناس لا تكون إلا بالمعنى الذي قدمنا، ويكون هذا ~~البيان تذكر الثقلين للإرشاد إلى أن من استعاذ بالله منهما ارتفعت عنه محن ~~الدنيا والآخرة. # وقد أخرج ابن أبي داود عن ابن عباس في قوله (الوسواس الخناس) قال: مثل ~~الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس إليه، فإن ذكر الله ~~خنس، وإن سكت عاد إليه فهو الوسواس الخناس. PageV05P523 # وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن شاهين والبيهقي في ~~الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الشيطان واضع خطمه ~~على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسيه التقم قلبه، فذلك الوسواس ~~الخناس ". وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله " ~~الوسواس الخناس " قال: الشيطان جاث على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، ~~وإذا ذكر الله خنس. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم ~~وصححه، وابن مردويه والضياء في المختارة، والبيهقي عنه قال: ما من مولود ~~يولد إلا على قلبه الوسواس، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس، فذلك قوله ~~(الوسواس الخناس) وقد ورد في معنى هذا غيره، وظاهره أن مطلق ذكر الله يطرد ~~الشيطان، وإن لم يكن على طريق الاستعاذة، ولذكر الله سبحانه فوائد جليلة ~~حاصلها الفوز بخيري ms4438 الدنيا والآخرة. # وإلى هنا انتهي هذا التفسير المبارك بقلم مؤلفه محمد بن علي بن محمد ~~الشوكاني، غفر الله له ذنوبه. وكان الفراغ منه في ضحوة يوم السبت لعله ~~الثامن والعشرون من شهر رجب أحد شهور سنة تسع وعشرين بعد مائتين وألف سنة ~~من الهجرة النبوية. # اللهم كما مننت على بإكمال هذا التفسير وأعنتنى على تحصيله وتفضلت على ~~بالفراغ منه، فامنن على بقبوله، واجعله لي ذخيرة خير عندك، وأجزل لي ~~المثوبة بما لاقيته من التعب والنصب في تحريره وتقريره، وانفع به من شئت من ~~عبادك ليدوم لي الانتفاع به بعد موتي، فإن هذا هو المقصد الجليل من ~~التصنيف، واجعله خالصا لك، وتجاوز عني إذا خطر لي من خواطر السوء ما فيه ~~شائبة تخالف الإخلاص، واغفر لي مالا يطابق مرادك، فإني لم أقصد في جميع ~~أبحاثي فيه إلا إصابة الحق وموافقة ما ترضاه، فإن أخطأت فأنت غافر ~~الخطيئات، ومسبل ذيل الستر على الهفوات، يا بارئ البريات، وأحمدك لا أحصى ~~حمدا لك، وأشكرك لا أحصى شكرك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على ~~رسولك وآله اه‍. # تم سماعا على مؤلفه حفظ الله عزته يوم الاثنين صبح اليوم الخامس من شهر ~~ربيع الأول سنة 1241 ه‍. # كتبه يحيى بن علي الشوكاني غفر الله لهما.# PageV05P524 #####ENDNOTES# (1) طبعت سنة 1347 ه‍ بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر. (1) طبع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر على ورق جيد مضبوطة ~~الأحاديث بالشكل الكامل ومعتنى بتصحيحها في سنة 1447 ه‍. # (2) طبع لأول مرة سنة 1350 ه‍ مع ضبط المتن بالشكل الكامل. بمطبعة مصطفى ~~البابي الحلبي وأولاده بمصر. (١) تنبيه جرى المفسر رحمه الله في ضبط ألفاظ القرآن في تفسيره هذا على رواية نافع مع تعرضه ~~للقراءات السبع وأثبتنا القرآن طبق رسم ~~المصحف العثماني. ms4439